 نصوص أدبية

نورالدين بنبلا: ليالي البوح

نور الدين بنبلااِستلقت على سريرها، تدغدغ أزرار هاتفها الذكي، ذو الحظ الأفضل من حظ بعض الكائنات البيولوجية، تؤلمه بلمسات أناملها لرسم كلمات تنشر ما تدفق من حنايا الماضي على مكوناته الإلكترونية.

 ليلة بوح أولى

ترادفت المفردات تلو المفردات، والعبارات تلو العبارات، فتَساءَلَتْ: آ اليوم درس فلسفة مرة أخرى؟ أجبتها بسرعة البرق: بل حصة آداب بنكهة الإحساس والشعور. لأُذكرها بعمرها الضائع المستقطع من تاريخها الزاهر. فأطلقت ابتسامة تكنز وراءها معاناة الذات وشقاء الروح، لقد بكت من غير درف الدموع، جربت رعشة القلب، وليالي عِشٌرَة بقرب كائن نرجسي يعشق الهجر الممنوع لحد الجنون، فارْتَدت بذلة الصبر تحسبا لقذائف وكمائن ذلك المخلوق الأرضي العجيب، وكأنها على رقعة شطرنج تتحرك وتدافع عن وجودها خوفا من الانزلاق.

ليلة بوح ثانية

تقلبت على جنبيها، يُمنة تارة ويُسرة تارة أخرى. تنهدت لليلتها الثانية، وباحت بنقرة زر: مَشَيْتُ على سراط مستقيم ، خوفا من رؤية غور هاوية سحيقة لا قرار لها. تَحَولْتُ من طبيبة تسقي الحبيب من ينبوع عشقها، الى سقيمة تطلب النسيان الأبدي، وتشتاق الى عودة الزمن المفقود. ثم تنطعت و قالت: أَطْرِبْني بنغمة من نغمات أرشيفك الموسيقي الصاخب. أريد التمرد على سطوة كل جبار عنيد، أريد العبث بثقل عقم القيم الموضوعة. أريد الانسلاخ عن كل حلقة تربطني بذلك المسخ الهلامي الغثيث، الذي ابتلع كل حُلْوٍ تشكلت منه خِلْقَتي.

ليلة بوح ثالثة

ولج الليل في نهار مكتظ بتضارب الأمور، فأَرْسَلَتْ " ها أنذا !"، قلتُ: " بل ها أنذي"، ردت: قهرا سُلِبْتُ الأنوثة، وخُنِقَتْ روافد الشعور لدي، تعرضت للنسيان كآلة صدئة مهترئة تناثر عليها غبار الزمن.

وحيدة، على ظهر سفينة لم تحمل من كل نوع زوجين، وسط طوفان عظيم، أرقص رقصة التابوت ،أنتظر مرسى الفجر ليحتضن أشلاء الجسد.

بنقرة وقائية، أوقَفْتُ صدرها الخافق بهدوء الصمت الصاخب، الذي أغلق الكهف على نزواتها المتدحرجة في الدرك الأسفل من الحياة. قلت لها: أنت عروس تُطِل على شاطئ المستقبل، فَلِما ارتميتِ في أحضان الانهيار؟

قالت: "اللي ماعَنْدو هَمْ تَتْوَلْدو ليهْ حْمارْتو" فلا تجبرني على الخوض في نقاش وجدل يعكر جو النديمين في رحلة السمر الليلي. 

أسعفتها، وأنا أتخيل حجم الابتسامة اللصيقة على شفتيها، بِضَخ جرعة من أمل، أغنية "أغدا ألقاك" للرائعة أم كلثوم. فلملمت أشلاء حزنها وكتبت:"بونْ نْوي" .

 ليلة بوح رابعة

سكن الليل، ونام الأنام، ورقدت العيون، فنط الوحش الكاسر من كابوسٍ قض  مضجعها، فارتمت في أحضان مؤنسها الخلوي، وصاحت: هل من منقذ؟

حرارة متواصلة تختلج صدرها طيلة الوقت، لا تزيدها إلا ثورة على ماضيها وحاضرها. تمنت لو تنسلخ عن شرنقة تحتجب روحها، وتمسح كل مخلفات عش المسخ الهلامي من قرصها الصلب. ظلت سجينة طبعها، تُلصق عليه كل أخطاء الدهر، لا تنتفض لإرادة الروح لتخلق المعجزات، وتصنع السعادة في أبسط الأمور حولها. 

قلت لها: الآن بوحي بقرارك الاخير. 

ردت بكل ثقة و جرأة: أريد الطلاق.

وهكذا تتتابع ليالي البوح المِلاح حتى يتوقف الديك عن الصياح، لأظل أنا من أهل هذا الليل، أراقب طلة من إطلالاتها البهية، وأستجدي همسة من همساتها القمرية." وقد أصير كما أنا دائما في الأسطورة شبح الديار المنسية".

 

نور الدين بنبلا

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5447 المصادف: 2021-08-04 03:48:42


Share on Myspace