 نصوص أدبية

صلاح سالمي: فقد معناه

حدّثنا الرّاوي ما سمع يوما من أخاه

قال كان في قريتنا طفل وسيم ما أحلاه

ما أجمله وما أبهاه

منّة من الله ورائعا في محياه

يعمّ الخير إن لمسناه

وننتصر في حروبنا إن كلّمناه

عندما يمشي كنّا نتّبع خطاه

إن ابتسم يسّاقط المطر من سماه

إن سلّم على أحدنا كثر فرحه وهناه

وإن نام نصطفّ للنظر في وجنتاه

كان رحمة لنا منذ ولداه

معجزة هو أو نبيّ خلناه

سلم من أسماه، سلم من ربّاه

لكن هذا فقد معناه

 

لقد استدرجه شياطين إنس إلى منتهاه

كان يومها وحيدا في خلاه

نكحوه، نكحوا الطفل يا الله

تناوبوا عليه واحرّ قلباه

ذبحوه وبتروا ساقاه

ثم أحرقوه بعد أن سملوا عيناه

 

يا خالق الكلّ والناظر من علاه

أما قلت ما خلقت هذا باطلا ربّاه؟

إن لم يكن هذا باطلا فما يكون عساه!

أيحدث هذا وهو في صباه!

 

أمّه توفّيت منتحبة على ثراه

وانتحر أخوه شنقا من هول ما عاناه

أمّا أبوه فتزوّج الصّمت لما قلناه

فقد بصره من شدّة بكاه

صار عليلا وخرّت قواه

فقد باغته القدر وسجّل في مرماه

 

إنه القدر يا سادة

القدر الذي جعل أوديبا يقتل أباه

ويتزوّج من جوكستا أمّاه

لينكحها وينجب منها أنتجونة بنتاه

هي في الأصل أختاه

لكنها كانت تناديه يا أبتاه

ياه، ياه

إنه الإخراج التراجيدي ما أزكاه

 

الصدمة بلغت أوجها وصدّع الخبر رجاه

أسرع الناس إلى الأمير في قصراه

كانوا يهتفون "وا سيفاه، وا سيفاه"

حدّثهم بالسيف واثأر للغارق في دماه

فأنت الأمير وأنت الحاكم وأنت مولاه

 

أمير القرية خرج مهرولا من سكناه

لم يصدّق ما سمعت أذناه

لم يستوعب الخبر ولم تحرّك شفتاه

استدعى الجيش وعاد القائد من منفاه

امتثل الجميع ولبّ الكل نداه

 

أمير القرية غاضب جدّا يا لوعتاه

يا لهول ما رأيناه، يا لهول ما عشناه

قتل يومها سبعين ألفا والله

أذاب القاتل ومن سمّاه

فجّر الجبال، أحرق الغابات وديار من والاه

كان أميرنا لا يخاف عقباه

كان يقتل في الصبح وفي ضحاه

حتى جرت أنهار من الدماء يا فرحتاه

أتذكّر أن الدماء وصلت لركبتاه

لكنه واصل القتل ما أقواه

 

أمير القرية غاضب جدا

قتل الجميع إلا أمّ الجاني وبنتاه

أميرنا تفنّن في أذاه

لن تصدقوا ما أحسسناه

لقد أهدى البنتين لأسداه

كانت اللقيطة تصرخ: رحمتاه رحمتاه

وكنّا نحن نصيح: بل سيفاه، سيفاه

أميرنا تفنّن في إنهاءها بورك من أنجباه

فالرأس شواه

والقلب في فمه ألقاه

والكبد للكلاب رماه

اجتثّ رحمها بيداه

ألا ما أنجبت الأرحام من يقتل فتاه !

 

أمير القرية غاضب جدا

سنين كان يقتل ولا يحصي قتلاه

هدأ قليلا بعد أن أعلمناه

أعلمناه بزواج بنتاه

يومها تذكّر والد الصبيّ فناداه

نعم ناداه واستدعاه

فنحن من أحضرناه

أعطاه قصرا من الذهب كان قد بناه

ونساء وأموالا أهداه

لكنّ هذا كله فقد معناه

 

قام الكفيف بتقبيله على جبينه وخدّاه

حتى ملأت الدموع منزلاه

وانصرف يصارع الدمع إلى منتهاه

كان هذا آخر يوم لمحناه

سمعنا أنه قطّع أطرافه وأخرج كليتاه

وأحرق رأسه وكتفاه

ثم سلّم نفسه طواعية للضّباع

التي قامت بإنهاء محتواه

 

أوّاه أوّاه أوّاه

من قتل صبيّاه؟

نحن من قتلناه

لماذا وحيدا تركناه؟

لماذا في البراري أهملناه؟

لماذا ما حميناه وللأعداء سلّمناه؟

هذا السؤال هو أيضا فقد معناه

فما فائدته وما جدواه

تقدّم الزمن وما فهمنا سرّه وفحواه

 

لو استمع لنا الأمير لقطّعنا على هواه

كنّا نرقص ونهمس في زواج كريمتاه

أترانا نرقص والحزن كتمناه

أترانا نضحك والوجع أخفيناه

أترانا ننجح والفشل عاشرناه

نحن الفشلّ من أقصاه إلى أقصاه

 

يا بنيّ لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا.

أليس هذا ما قرأناه؟

أليس هذا ما حفظناه؟

كيف يكيدوا له على شيء في المنام رآه!

أما تقرّب الأخوان بقربان إلى الله

فما تقبل إلاّ من أحدهما لأمر ما فهمناه

أما قال لأقتلنّك وما فعلت يداه

إنه الحسد والغيرة هذا ما فقهناه

الحسد الذي يحرك القدر

فيرسم لنا طريقا ما كنّا قد اخترناه

 

هذا كلّه زيادة على اللزوم صديقاه

الطفل مات وخسرناه

لن يعود بيننا وا أسفاه

ولن تزهو قريتنا بعد اليوم

أنّى يعيش المولود بلا رئتاه

وكيف تنبت الأرض دون مياه

ضاع كل شيء يا حسرتاه

وجد الحزن فينا داره ومأواه

وفقد كل شيء معناه.

***

صلاح سالمي

أستاذ محاضر بالجامعة.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5486 المصادف: 2021-09-12 01:39:19


Share on Myspace