 نصوص أدبية

ناجي ظاهر: صورة زواج

ناجي ظاهرعندما تقدّم سليم لخطبة سليمة وافق اهلُها مبتسمين وانزوى والدها بوالدتها وهو يكاد يلتصق بها، "سليم وسليمة. طنجرة ولاقت غطاها"، ابتسمت الوالدة ولم تفه بأية كلمة، مما أوغر صدر الوالد عليها إلا أنه فضل الصمت حرصًا على جمالية اللحظة. مرّت فترة الخطبة بسرعة البرق، وتعرّف كلٌّ منهما- هما سليم وسليمة- على الآخر، مقررًا أنه لا مفرّ، هو أراد سليمة وفي ذهنه ساقاها الجميلتان، وهي أرادته لأنها أرادت مُغادرة بيتها وما حفل به من صراخ على الطالع والنازل بين أبيها وأمها. تزوّج الاثنان، وبعد انتظار طويل وجد العريسان نفسيهما في غرفة واحدة. جلس سليم على حافة السرير إلى جانب سليمة، حارصًا على أن يحتك جسمه بجسمها، ومدّ يده برقة عصفور ورفع طرف الطرح عن وجهها. تمعّن في وجهها، فرآه أجمل مما كان عليه خلال الزفاف، ابتسم وهو يتمتم:" قمر". وكان أن ردّت عليه سليمة بقول مفاجئ:" شكلك مش مصدّق إني صرت زوجتك". ابتلع سليم ما اعتبره مسًا بكرامته. وحاول في سريرته مسامحتها عازيًا إياه إلى أنها غير متعلمة وبالكاد تفك الحرف، على الخلاف منه هو الاستاذ المحترم في مدرسة البلدة. كانت هذه المفاجأة الاولى في ليلة الدخلة، أما المفاجأة الثانية فقد وقعت بعد هذه بقليل، وتمّت بعد أن حاول سليم ملامسة جسد سليمة، واقترب منها حد الالتصاق، فابتعدت سليمة وهي تطلب منه أن يسمعها جيدًا، وأخبرته أنها حلمت طوال عمرها الماضي أن يكون زوجُها عصفورًا، لا يقترب منها إلا بعد أن يطلق زقزقته كأنما هو يستقبل أول نهاره الباكر. بما أن العريس كان مشتاقًا لعروسه أخذ يرسل زقزقته متقافزًا مثل عصفور عربي أصيل، وفوجئ بعروسه تُطلق في المقابل زقزقة مماثلة. بهذه الزقزقة تتوّجت ليلة الدخلة بالنجاح، وقضى سليم ليلته ملتصقًا بالساقين اللذين أتيا به إلى غرفة الزوجية الميمونة.

انتهت تلك الليلة بسلام نسبي، ونتيجة غير مُرضية لسليم على الاقل، فهو لم يكن مرتاحًا لما فاضت به قريحة زوجته الجديدة، وشعر بنوع من الاجهاد لم يخرج منه إلا عندما تمكّن من عزو ما حصل ليلة الدخلة إلى جهل زوجته، وعدم معرفتها بالاتيكا الاجتماعية. زاد في ترييحه نفسه.. ثقته بنفسه، وخاطب الرجل في داخله قائلًا: بإمكانك أن تُصلح كل شيء. أنت مَن علمت آلاف الطلاب لن تعجز عن تعليمها. انفرجت أساريره وافتر ثغره عن ابتسامة عميقة. عبّر فيها عن ثقته الفائضة.

بعد ارتياحة النسبي هذا، أغمض سليم عينيه ليرى ملك الكرى قادمًا من بين زقزقات العصافير على الاشجار المتشابكة، ربّت الملك على كتف سليم فاستسلم هذا لنوم عميق، ممنّيًا نفسه بليلة أفضل من سابقتها، غير أن ما حدث كان خلافًا لكل توقعاته، فقد نام يومًا وليلة، ولم توقظه يد زوجته الشابة.. كما توقع.

استيقظ سليم بعد نومةٍ كهفيةٍ على واقع جديد، غير ذلك الذي توقعه ورسمه في خياله، ومنّى نفسه بأن ينعم به وبخيراته. فقد كشفت له الليلة الاولى عن الكثير من المخبأ له والمستور عن رؤيته ورأيه ايضًا. بيد أنه شدّ على ساقه وهو يؤكد لنفسه أنه هو مَن علّم أجيالًا وأجيالًا من طلاب بلدته لن يعجز عن تعليم زوجته..

لم تشهد الفترة التالية على هذه الاولى ما يذكر في الحياة الزوجية لكل من سليم وسليمة، وحفلت بمحاولات متعدّدة ومتكررة من سليم لتعليم زوجته سليمة. بعد فترة ليست قصيرة اكتشف سليم أن زوجته تأخذ مما يعلّمها اياه ما يروق لها وتنبذ ما لا يروق.. فأخذ يفكّر حتى توصّل إلى نتيجة.. ما لبث أن بادر إلى تنفيذها.

ما حصل بعدها، أن سليمة حملت على مضض منها، وانجبت في السنة الأولى ابنتها البكر سلمى، في العام التالي انجبت ابنها سلامة، وعندما حملت بابنها الثالث سلام، كان صبرها قد نفذ، فتخنصرت بيديها الاثنتين وهي تتوجه إلى زوجها صارخة به: اسمع تقلك.. أنا لست ماكنة تفريخ. كل سنة أضع لك صوصًا جديدًا!!، هنا لجأ الزوج المنهك إلى الحيلة فأدنى وجهه من وجهها، وقال وهو يلمس ابتعادها عنه: طوّلي روحك.. بكرة بكبروا كلهن مرة واحدة وبمتلي بيتنا صبايا وشباب. ما أن سمعت الزوجة الغاضبة هذه الكلمات حتى صرخت بوجه زوجها قائلة: بكفي ثلاث اولاد. انا مش ماكنة تفريخ. ابتلع الزوج لسانه، وهو يمنّي نفسه بأنه قادر على تجاوز كل ما يواجهه أو قد يواجهه من ازمات مع زوجته العصيّة. كما ابتلع وعده لنفسه أن يجعلها تنجب أربعة ابناء.. آخرهم سُليم.. وهو ما لم يتوفق فيه.. وخلف في نفسه احساسًا رهيبًا بالفشل!!

مضت السنوات وكبر الصغار يومًا اثر يوم وعامًا تلو عام، ولاحظ الزوج أن زوجته على خلاف ما رسمه وتوقعه تبتعد عنه ليلة اثر ليلة وولدًا بعد ولد، فما كان منه إلا أن شرع في فترة أخرى جديدة، فقد جاء على نفسه، واقنعها بأنه يجب أن يُفسّح زوجته وأن يصطحبها في رحلات عائلية. وهكذا كان.. ابتدأ ابناء العائلة برحلاتهم العائلية.. سوى أن الغريب هو أن الزوجة كانت تبتعد مع كل نزهة جديدة عن زوجها. ابتعاد الزوجة هذا عن زوجها جعله يتساءل عن السبب، فقد علّمها كيف تُحصّل حقها، وأطلعها على القوانين ما لها وما عليها، وعندما أخبرها أنه بإمكان الزوجة أي زوجة، إبعاد زوجها عن البيت في حال مضايقته لها، لمعت عيناها، واضمرت أمرًا.

قلق سليم جرّاء بُعد زوجته المتزايد عنه، دفعه لمراقبتها من بعيد، فهي إما تعاني من عقدة نفسية، وإما هناك.. ورفض سليم الموافقة على أنه يُحتمل أن تكون لها علاقة برجل سواه.. إلا أنه فوجئ، ذات ليلة بأمر جلل. كان ذلك عندما عادت زوجته من زيارة لأهلها، وجلست في غرفة الاستقبال، وراحت تتحدّث مع غريب ماخذة راحتها، اعتقادًا منها أنه لا أحد سواها في البيت. فيما كان زوجها يستلقي في غرفة نومهما. سمع سليم كلمات غامضة. دبّت شكوك العالم كلها في قلبه، إلا أنه لم يفه بأية كلمة تشي بأنه يشك بزوجته. فعل هذا لسببين، أحدهما أن شكه سيدل فيما يدل عليه أن غريمه أفضل منه وهو ما لا يرضاه مُعلّم الأجيال، سليم أبو سلمى، والآخر أنه أراد تحين الفرصة ليلقي القبض عليها متلبّسة بالجرم الاكبر، وهو ما عزّ عليه، لأنها كانت اكثر حذرًا مما خطر في باله، أضف إلى هذا أنها كانت تلميذته التي تلقّنت منه الدروس العلمية.. واحدًا تلو الآخر، وكان من المفترض أن تنجح في أصعب امتحاناتها، وهذا ما كان. الأمر الذي دفع بالزوج العصفور مهيض الجناح إلى المزيد من التضييق على عصفورته السيدة سليمة. ودفع الزوجة بالتالي لتهديد زوجها بالإبعاد عن البيت، كما يخوّلها القانون في حال مضايقته لها. تقبّل الزوج تهديد زوجته بابتسامة آسف، عمرها يساوي عمر زواجه وعمر ابتنه الكبرى سليمى.. وغادر بيته.. وهو ينظر إليه بحسرة.

***

قصة

ناجي ظاهر

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5517 المصادف: 2021-10-13 03:00:52


Share on Myspace