 نصوص أدبية

أنمار رحمة الله: كوابيس السَّيد مسْجون

انمار رحمة اللهنعم.. بلا شك كنتُ أعلم أنني سأصلُ إلى نهايتي الأليمة. لأن قرار اعدامي قد صدر في الحلم الأخير، ولم يتبق سوى تنفيذه كما أخبرني السجّان وهو يضحك ساعتها. ولو أنني علمت أيها الأصدقاء أن الأحلام تلك كانت ستؤدي بي إلى حتفي لما نمتُ أصلاً.. ياله من حظ عاثر..؟!. الآخرون ينامون مرتاحين وأنا أواجه لحظتها مصيري المشؤوم. ولم يخالجني شكٌّ أن اسمي الذي اطلقه عليَّ والدي هو سبب نحسي. من يسمي ولده باسم "مسجون"؟!. قيل لدفع الحسد والعين، وأن حياة الانسان ستكون عكس اسمه كما هو متعارف عليه. الآن تأكد لي أنها ترهات، فأنا عشتُ مسجوناً منذ أن زارني أول حلم في حياتي. صحيح أن أحلامي السابقة كانت عبارة عن سجون بسيطة وسهلة، ولم تكن بهذا الشكل المريع الذي تورطت فيه مؤخراً. وكلما صحوت من كابوس قررت أن أغيّر اسمي، لأنني أعلم مادام هذا الاسم ملتصقاً بي، ويناديني به الناس، مسجون جاء مسجون راح، مسجون قام مسجون جلس، فلن تقوم لي قائمة ولن أهنأ بحياتي أبداً.. ولكن..!  أليس خيار السجن ربما أفضل من الإعدام؟!. لقد حدث هذا معي في أول حلم حلمته من هذا النوع، حين اقتادني في عالم المنام رجالُ أمن بعد أن تطاولت على (القائد العام للكوابيس المسلحة). كنتُ جالساً في مقهى عام وظهرت صورته في الشاشة، فضحكت وسخرت منه، فلم يلبث الجالسون في المقهى إلا واختفوا الواحد تلو الآخر وتشتتوا كما يتشتت البخار في الهواء. وذلك لأنهم غادروا الحلم بعد أن استيقظوا من نومهم، أما أنا لم أصحُ وبقيت عنيداً في حلمي، حتى جاء رجال الأمن وألقوا القبض عليّ. وبعد سؤال وجواب وتحقيقات وضرب وإهانة، دقَّ جرس الحلم ثم تبخّر المحقق والرجال والكراسي، والجلاد الذي كان خالعاً قمصيه ويجلدني لكي اعترف، كلهم تبخروا فقد أنتهى حلم تلك الليلة. وصحوت من النوم على فراشي، وأنا أشعر بآلام الضرب على رأسي وظهري حتى بعد يقظتي..

في ليلة أخرى أيها الأصدقاء، لم يخيّل لي أنني سأعودُ مجدداً إلى ذلك العالم. قلتُ في نفسي إنه مجرد كابوس عادي كحال الكوابيس التي تداهمنا أثناء النوم. ولكنني هذه المرة وجدتني مرمياً في زنزانة مع مساجين مثلي. يئنون من شدة التعذيب لاستخراج اعترافات أشهرها التآمر على حكومة القائد. وحين استفسرت منهم ظهر أنهم مثلي كانوا يحلمون، ورمى بهم القدر في هذا العالم الموحش. وكان سبب اجتماعنا هو النكوص في حرب كابوسية كان القائد قد شنّها. لقد كنّا جنوداً من عدة فصائل اجتمعنا في تلك الزنزانة، ولم نتمالك أنفسنا في ساحة الحرب ونحن نرى الجثث تتطاير هنا وهناك فحاولنا الهروب فأمسكوا بنا..  قبل أن يمسكوا بي مرت قذيفة دبابة معادية من فوق رأسي، اخترقت جدار الحلم محدثة فجوة عميقة. مددت رأسي من خلالها وحاولت الهروب، لكن أحد الضباط أمسك بي وأنا أحاول، وألقى بي في السجن بتهمة الفرار من المعركة. لقد كان ذلك الكابوس مليئاً بالبارود والنار والدخان ورائحة الجثث. وكنتُ حين يلفني الخوف من كل جانب أجلس القرفصاء، وأردد بيني وبين نفسي (إنه حلم .. مجرد حلم). لم أكن أنوي فقدان حياتي بالطبع، لا في الحرب ولا في سجون القائد، فالحياة عزيزة ولا يشعر بثمنها أحد إلا حين يعيش في كابوس رهيب، فهناك تتجلى صورة الحياة أمامه حين يكون كلّ مراده أن يصحو من منامه وحسب. وهذا ماكنت أتمناه حين ربطونا على أعمدة، وقرّر الضابط إعدامنا بتهمة الهروب من معركة القائد العام للكوابيس المسلحة. حين أغمضوا عينيّ بعصابة ولم أعد أرى بل أسمع فقط أصوات فرقة الإعدام، وأصوات أقسام البنادق التي سحبوها استعداداً لإطلاق رصاصاتهم نحونا. هناك حدثت معجزة حلمية كنتُ أنتظرها، فقد دقّ جرس الحلم وتبخرت العصابة من على عينيّ، ثم رأيت أفراد فرقة الإعدام وهم يتبخرون مع بنادقهم، والضابط الذي كان يقف إلى جانبهم، والعمود المربوط عليه، ومن كانوا معي من الجنود الحالمين. وصحوت من نومي صباحاً وقد كان أنفي مليئاً برائحة البارود والحرائق..

ثم جاءت الأخبار المفرحة أيها الأصدقاء في حلم آخر. فالأخبار الجيدة والمزيّفة أيضاً لا تأتي في الواقع وحسب بل حتى في الأحلام كما تعلمون. ففي حلم لاحق انتشر خبر موت القائد، فعمَّ التظاهرُ بالحزن والانكسار بين أهل المدينة، لكنني خرجتُ لوحدي في حلمي عارياً أرقص في الشارع ولم أستح، بعد أن خلعت الملابس الشاحبة التي كان قد فرضها القائد علينا سابقاً. وما هي إلا دقائق حتى أمسك بي رجال الأمن الذين خرجوا لا أعلم من أين. ثم اقتادوني من دون أن ينطقوا بكلمة ورموا بي في زنزانة!. ماذا يحدث ؟!. ألم يمت القائد وخلصنا منه؟!. هكذا ناديت بأعلى صوتي في وسط الزنزانة. وجاءني الجواب بعد دقائق على لسان (ابن القائد) ذاته، فقد خطب في التلفاز وسمعتُ خطابه عبر مكبرات الصوت في السجن قائلاً: (شعبنا الكابوسي العظيم.. أبي لم يمت ولن يموت.. هو بصحة جيدة وسأستلم مقاليد السلطة بشكل مؤقت.. سنحاسب الخونة)

وماهي إلا ثوان وإذا بجدران السجن قد اختفت وتحول المكان إلى محكمة. المنصة يجلس خلفها ابن القائد مرتدياً زي القضاة. والجمهور الذي كان يجلس على كراسي المحكمة كانوا نسخة مكررة منه. بل حتى السجّانين الذين يقفون على جانبي قفص الاتهام كانوا هو. وقف ابن القائد الذي كان يرتدي ملابس المدّعي العام، ووجه لي التهمة بالخيانة حين أعلنت فرحي بموت القائد العام للكوابيس. هتف الجمهور (خائن.. خائن). ضرب ابن القائد الذي كان يرتدي ملابس القاضي بالمطرقة واسكتهم، ثم أعلن الحكم بحقي.. الموت شنقاً.. ربما كانت ضحكاتي التي اطلقتها عالياً مستفزة لهم. فبعد صدور الحكم صحتُ ساخراً (إنه كابوس.. سينتهي وشيكاً ويدقُّ جرس الحلم وينتهي كل شيء). الغريب أنهم حين أنهيت عبارتي ضحكوا جميعاً ضحكة واحدة متناسقة ومتشابهة ثم انصرفوا!!. وعشتُ أصعب اللحظات أنا عالق في ذلك العالم. في كل لحظة أقول سينتهي كل شيء، ويدق الجرس ويتبخر السجّانون والسجن ولكن بلا جدوى!. لقد كانت هذه أمنيتي وأنا أسير إلى منصة الإعدام. أن أصحو من هذا الكابوس المقرف وأعود إلى فراشي وأمارس حياتي كما كنت، ولكن لم يحدث هذا.. ثمّ قرأ عليّ الجلاد الحكم الصادر بحقي وعلقوا في رقبتي الحبل. في تلك اللحظة حدث أخيراً ما كنت أصبو إليه.. إنه الجرس..!!. سمعتُ صوته بوضوح وكاد قلبي يقفز من صدري كما يقفز الأرنب. لقد أنتهى هذا الحلم وليس بيني وبين الصحو سوى لحظات. فاحتلت بدني سكينة وابتسمت، وللحظة فكرّت بشكل جدّي أن أغير اسمي نهائياً. حين أصحو من الحلم هذا مباشرة سأغيره بشكل كامل، حتى لو تطلب الأمر مني الهجرة إلى مدينة بعيدة لا يعرفون شيئاً عن اسمي القديم، وربما أعود بعد سنوات حين يتغير الناس الذين عرفوني بهذا الاسم من قبل، فيكونوا قد نسوني وأبناؤهم ولن ينادوني "مسجون" بعد هذا.. فرحت كثيراً وشعرت أن الحياة في انتظاري حين بدأ الكابوس بالتآكل، حيث رأيت جيداً السجّانين والجلّاد وهم يتبخرون، والجدران والسقف والخشبة التي كنتُ أقف عليها مربوط اليدين والحبل في عنقي. لقد تبخّر كلُّ شيء ماعدا الحبل الذي ضاق حول عنقي، والأصفاد الذي أُقفِلت بإحكام على معصميّ؟!. ماذا يحدث؟! هناك خطأ ما؟!. لماذا لا يتلاشى هذا الحبل اللعين؟!.. تهاويت إلى الأسفل معلقاً به بعد أن تلاشت الخشبة التي كنتُ واقفاً عليها، وصرت أرفسُ بساقيّ بقوة حيث لم أعد أقوى على التنفّس.. لقد كنتُ مرعوباً ولكنني لم أعرف أنني سأنجو من كل السجون التي خلفتها ورائي. سجون الواقع والكوابيس وحتى اسمي نجوت من لعنته ولم يعد مؤثراً. ولكم ضحكتُ على تقرير الطبيب الشرعي، حيث عثروا على جثتي في فراشي يومها، ولم يتوصل إلى معرفة سبب موتي وأنا نائم سوى أن "السيد مسجون" قد مات مختنقاً أثناء نومه.. هو لم يعرف لكنكم عرفتم بعد أن جاء دوري في سرد حكاية موتي أيها الأصدقاء.. صحيح هي حكاية غريبة، فأغلبكم قد مات في الواقع بحوادث حقيقية وطبيعية، ولكن صدقوني ليس هناك ماهو أغرب من أن يموت الإنسان بسبب أحلامه كما حدث معي..

***

أنمار رحمة الله

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

لي بالواقعية السحرية شغف كبير .. أكثر ما يجذبني اليها هو تقنيتها كالتي عرفناها في نصوص خورخي لويس بورخيس حيث المزاوجة بين الخيال والواقع فيبدو غير الواقعي وكأنه واقع حقيقي .

قصة أنمار ـ حسب رأيي ـ تنتمي الى الواقعية السحرية ..
أنمار قاص مائز ، يجعل من اليقظة كابوسا كما يجعل من الكابوس يقظة .. وفي الحالتين : يمتلك موهبة إقناع قارئه بأنّ سرده قد حدث فعلا ـ أو أنه سيحدث ..

*
حين قرأت هذه الفقرات : " قتادني في عالم المنام رجالُ أمن بعد أن تطاولت على (القائد العام للكوابيس المسلحة). كنتُ جالساً في مقهى عام وظهرت صورته في الشاشة، فضحكت وسخرت منه، فلم يلبث الجالسون في المقهى إلا واختفوا الواحد تلو الآخر وتشتتوا كما يتشتت البخار في الهواء. " تذكرتُ ما حدث ذات ليل في نادي المعلمين في السماوة أواسط الثمانينيات ، حيث كنا نشرب " القزالقرط " : أنا وبعض الأصدقاء أتذكر منهم هادي ماهود وأحمد عزيز هاوي وربما عبد الحسين ماهود أيضا وآخرون ، فقرأت قصيدة عن القائد العام للقوات المسطحة وقادسيته ، لأفاجأ أنني بقيت وحدي قبل إكمالي قراءة القصيدة ، إذ سارع الباقون الى مغادرة المائدة مستعجلين بدفع الحساب ولم يُكمِلوا ارتشاف " العسل المرّ / القزالقرط ...

*
أنمار الحبيب : دمت مبدعا مبهرا ..
الى اللقاء الشهر القادم في جنة / جحيم السماوة .

يحيى السماوي
This comment was minimized by the moderator on the site

من الأخبار السارة التي تأتينا مابين شتاء وشتاء هو خبر قدومك إلى حبيبتك السماوة وعناق النخل والفرات .. أما بخصوص القصة ورأيك الكريم فأنا عادة لا أعلق على تعليقك لأن تعليقك جامع مانع وهو على الرأس.. بوركت أستاذنا الغالي.. قبلات مؤجلة.. عناق مؤجل..

أنمار رحمة الله
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5560 المصادف: 2021-11-25 01:29:25


Share on Myspace