يحيى السماويبـغـدادُ كـأسـي والـسـمـاوةُ راحُ

أمّـا الــنــديـمُ فـإنـهُ الأشـــبــاحُ !


 

(1) الـعَـثَـرات

عَـلّـمَـتـنـي الـعَـثَـراتْ :

*

كـيـفَ أجـتـازُ الـمـسـافـاتِ وَضِـيءَ

الـخَـطَـواتْ

*

والـتـعـالـيـمُ الـتـي أحـفـظـهـا عـن ظـهـرِ عِـشـقٍ

عَـلَّـمَـتـنـي كـيـفَ أقـتـادُ الـى الـنـحـلِ الأزاهـيـرَ

ولـلـصـحـراءِ غـزلانـاً وعـشـبـاً وفـراتْ

*

وأنـا عـلَّــمــتُ ذئــبَ الـيـأسِ

أنْ يـغـدوَ ظـبـيًـا

أو مَـهـاةْ

***

(2) لا ترأفي بي

حَـرَّرْتُ بـسـتـانَـكِ مـن نـهـري ..

وكـاسـاتِـكِ مـن خـمـري ..

ومـحـرابَـكِ مـن كُـفـري ..

فـحـرِّريـنـي

*

مـنـي ..

فـقـد آنَ لِـبـحـرِ الـعِـشـقِ أنْ يُـغـرِقَ لـيْ

سـفـيـنـي

*

لا تـرأفـي بـيْ

أكـمِـلـي قَـصـاصَ مـحـرابِـكِ مـن مـجـونـي

*

الـذنـبُ ذنـبُ الـيَـدِ لا الــسَّــيـفِ ..

أنـا كـنـتُ عَـدوِّي فـي حـروبِ الـظـنِّ والـيـقـيـنِ

*

طـعَـنْــتُ قـلـبـي بـيـدي

وفَـقَّـأتْ أصـابـعـي عـيـونـي

*

سُــلِّـي عـلـيَّ نـارَكِ الـغـضـوبَ

واحـرقـيـنـي

*

وَلْـتَـنـفَـخـي الـرمـادَ

كـيْ

لا تـنـهـضَ الـعـنـقـاءُ بـعـدَ حِـيـنِ

*

بـريـئـةٌ ـ بَـراءةَ الـذئـابِ مـن يـوسـفَ ـ أفـعـى الـنـهـرِ (**)

مـن عـشـبِ خـلـودِ الـعـشـقِ ..

طـيــشــي سَــرقَ الأعـشـابَ

فـاسْـتـبْـدَلـتُ أشـواكـاً بـيـاسـمـيـنِ

*

وكـنـتِ مـنـي

مـثـلـمـا مَـشـيـمـةٌ شُـدَّتْ الـى جَـنـيـنِ

*

و مـنـكِ كـنـتُ

مـثـلـمـا جـذرٌ فـراتـيٌّ بـحـضـنِ طـيـنِ

*

وهـا أنـا

مُـنـطـفِـئ الـروحِ

وإنْ كـان الـضـحـى يـشـعُّ مـن جـبـيـنـي

***

(3) وعيد

لـيـسَ وعْـداً بـالـفـراديـسِ ..

فـقـد كـان وَعِـيـدا

*

هَـيَّـأتْ مـرثـيـةً لـيْ ..

وأنـأ هـيَّـأتُ مـيـلاداً جـديـدا

*

إنْ يـكـنْ يـومـيَ مَـرثـاةً

فـإنَّ الـغـدَ قـد يُـصـبـحُ عِـيـدا

*

حَـبَّـةُ الـقـمـحِ إذا تُـدفَـنُ

قـد تـمـلأُ بـالــخـضـرةِ والـسـنـبـلِ بِـيـدا

***

(4) خماسية

شَــجَــنـي هــديـلٌ والأنــيــنُ هَــلاهِــلُ

حــتـى رمـادُ تــشــاؤمـي مُــتــفــائِــلُ

*

شـهـرٌ عـلى ـ في الحـلـمِ ـ آخرِ قُـبـلـةٍ

وعـلـى حـديـثِ الـصـحـوِ عـامٌ كـامـلُ

*

أأنـا الـقـتـيـلُ الـمُـســتـبـى ؟ أمْ أنــنـي

بـعـد الـتـمـاهـي فـي هــواكِ الـقـاتِـلُ ؟

*

مهـمـا تـعَـطَّـلَـتِ الـفـصـولُ فـفي غـدٍ

ســيَــشِـعُّ عـشـبٌ ضـاحِـكٌ وســـنـابـلُ

*

فِـيـمَ احترازُكِ من جـنـوني في الـهـوى ؟

لا تــذعــري فــأنــا جــنــونـي عـاقِــلُ

***

(5) قـنـاعـة

كـفـانـي مــن سـحـابـكِ كأسُ مُــزْنِ

ومن أشـجارِ حـقـلِـكِ بعـضُ غـصـنِ

*

ومـن " وادي طـواكِ " نـدى زهــورٍ

مُـمَــنَّـعــةٍ علـى شـفـتِـي وجـفــنِـي

*

مَـلـكْـتِ الأصغـريـنِ وصِـرتِ مـني

كـمــا إنــسٌ أُصِــيـبَ بـعــشــقِ جِـنِّ

*

أراكِ ـ ولا تـراكِ عـيـونُ صـحـبـي

فــتَــحْـسَـبُ أنَّ مَـسّـاً شــلَّ ذهــنـي

*

تَــســاقــيــنـا مـن الــلــذاتِ نـهــراً

وأصـرخُ: يـا بــخـيـلَ الـلـثـمِ زِدْنـي

*

أغِــيـثـي واحـتـي بـلــظـى يــقــيــنٍ

يُــحِــيــلُ الــى رمــادٍ شـــوكَ ظــنِّ

*

تــمَـكَّـنَ مـن يَــقــيــنـي فـأسُ شــكٍّ

فـأودى بــيــنَ بـســتـانـي وبَــيــنـي

*

ومــا خـوفـي عــلـيَّ مــن الــدَّواهـي

ولــكـــنــي: أخــافُ عــلــيَّ مِــنـي

*

لِـمَـنْ أشــكـو إلـيـهِ إذا خـصــيــمـي

فـؤادي ؟ فـهْـو سَـجّـانـي وســجـنـي

*

أبـى ـ إلآ نـدى واديــكِ ـ كــأســي

وإلآ مـن رغـيــفِ قِــراكِ صَـحـنـي

***

(6)  خماسية

بـغـدادُ كـأسـي والـسـمـاوةُ راحُ

أمّـا الــنــديـمُ فـإنـهُ الأشـــبــاحُ !

*

تَعِـبَتْ من اللـيـلِ الـمُذِلِّ نـوافـذي

والـسـهـدُ والأشـواقُ والـمـصـبـاحُ !

*

جفَّتْ ينابيعُ الشبابِ .. وأصحَرَتْ

مدنُ الأماني ... والأحـبـةُ راحـوا

*

لم تُـبـقِ نارُ العشقِ من حطبي سوى

بعـضِ الـرمـادِ وقـد أتَـتْـهُ ريـاحُ

*

طـيـرٌ أنا قـلـبي .. إذا حَـلَّ الـدُّجى

يـمـضي بـهِ نحـو الـعـراقِ جَـنـاحُ !

***

يحيى السماوي

........................

(*) الجذاذة: ورقة صغيرة تُسجّل فيها الملاحظات  .. وهذه النصوص هي مجرد ملاحظات كتبتها عروضياً قد أعمل على جعلها شعرا إذا أرخى حصان الشعر لي لجامه ..

(**) إشارة الى ماجاء في ملحمة كلكامش عن مصير عشب الخلود الذي أكلته الأفعى

 

صالح الفهديقَضَاءُ اللهِ مَاضٍ دُوْنَ حَدِّ 

فَمَاْ يُثْنِيْهِ مِنْ دَفْعــــٍ وَرَدِّ 

 

هُوَ الْقَدَرُ الَّذِيْ رُسِمَتْ حَيَاةٌ 

بِهِ؛ مَاْ بَيْنَ إِشْقَاءٍ وَسَعْـــــدِ 

 

وَلَيْسَ عَلَـــى الْبَرِيَّةِ مِنْ سَبِيْلٍ 

سِوَى التَّسْلِيْمِ فِيْ طَوْعٍ وَرُشْدِ 

 

فَإِنْ يَكُنِ اصْطِبَارُكَ فِيْ قَضَاءٍ 

دَوَاؤُكَ فِي ابْتِلَاءَاتٍ وَفَقْــــــدِ 

 

فَإِنَّ الصَّبْرَ قَدْ سَرَّىْ قُلُوباً 

وَنَقَّىْ لُبَّهَاْ مِنْ كُلِّ وَجْــــدِ 

 

وَإِنَّ الصَّبْرَ بَلْسَمُ كُلِّ جُرْحٍ 

بِهِ الْإِيْمَانُ يُشْفِيْ دَاءَ جَهْـدِ 

 

فَبَشِّرْ صَابِـــراً لِقَضَاءِ رَبٍّ 

يَنَالُ بِصَبْرِهِ مِنْ عَذْبِ وِرْدِ 

 

بَلَاءُ اللهِ فِي الدُّنْيَا امْتِحَانٌ 

تَقَلَّبَ بَيْنَ إِعْسَارٍ وَرَغْــدِ 

 

يَفُوْزُ الْمُؤْمِنُونَ بِوَعْدِ رَبٍّ 

لَهُمْ بَعْدَ الْمَمَاتِ وَثِيرُ مَهْدِ 

 

مَرَارُ الْكَأْسِ يَعْقُبُهَا الْتِذَاذٌ 

يُنَعَّمُ أَهْلُهُ فِيْ دَارِ خُلْــــدِ 

 

فَيَاْ رَبَّاهُ سَـــــرِّ كلَّ قَلْبٍ 

بِإِصْبَارٍ، وَإِيْمَانٍ، وَحَمْدِ

***

شعر د. صالح الفهدي

.............................

رابط القصيدة على اليوتيوب

https://youtu.be/XQfD6ZX5n6w

 

فتحي مهذبسأبتني شقة جميلة للجنون

وأملأها بالمزهريات والموسيقى.

أستدعي سيلفيا بلاث لتنظيف مشنقة العائلة من بقع الدم.

أرشح تشارلز بوكوفسكي لإلقاء خطبة التأبين بالإشارة.

سأكون عضوا صالحا في جنازة عذبة.

سأشذب أغصان التابوت

ومن دموع الأرامل أصنع عصير الأناناس.

سألعب كرة السلة في المشرحة

مع خورخي لويس بورخيس.

سأكون طيارا جيدا يقطف النجوم

ويوزعها على الفقراء.

إذا تمكنت من العيش مرة ثانية.

سأدعو المنتحرين إلى حفلة عشاء فاخر.

سأرتاد المقابر في العتمة.

سيضيء مسدسي مثل مصباح علاء الدين.

أوقظ أمواتا كثرا.

أمنحهم سلالا من ثمار المانقا.

أهدي دراجتي إلى جثة طازجة.

إذا تمكنت من العيش مرة ثانية.

سأملأ جيبي بقوس قزح.

أفرغ عيون أمي من الغيوم.

أغسل كرسيها المتحرك مرة كل يوم.

أمسح زجاج صلواتها من الصدأ والغبار.

إذا تمكنت من العيش مرة أخرى.

لن أفكر في عذاب القبر

أو في حزمة مفاتيح خازن النار

لن أفكر في الأنهار العذبة والجواري الممشوقات.

سأمنع العلل الأولى من زيارة رأسي.

أبتني أعشاشا مذهلة للمتصوفة

ليغردوا بعيدا عن صخب المدينة

ويناموا مثل لقالق مضطهدة

على قش اليوطبيا.

سأبتني ملجأ على طراز سلجوقي

للأيتام والفلاسفة

وكلما ضاقت بي الحال

أمتطي فرس مخيلتي

وأطارد لاعب الجمباز الأشقر..

الزمن الذي لا يترهل أبدا.

إذا تمكنت من العيش مرة ثانية

سأضاجع الملكة بلقيس في الحانة.

أصفعها على قفاها لئلا تستسلم  إلى جنود سليمان.

سأهدم قصرها المنيف بأسناني.

وأخصي الهدهد كريه الرائحة

أشوه سمعته بمنطق الطير.

أنا لا أحب كبار الصيارفة وتجار الأسلحة والكهنة.

إذا تمكنت من العيش ثانية

سأصنع مركبا عظيما

وأحمل متناقضاتي مثل أسرى الحرب.

سأعامل طفولتي بوداعة مفرطة

أحميها من القناصة والدينصورات

من الزمن ذي المخالب الحادة

والذئاب التي تتدافع في الشرايين

سأعاملها مثل ملكة فرعونية

في قصر توت عنخ أمون

أرفع إليها الصلوات والقرابين

وأحرسها من الدسائس والأفخاخ

من فهود المتكلمة وزيزان المناطقة

ويكون الماء حاجب البيت الأمين

وبنات نعش جيراني الأثيرين.

إذا تمكنت من العيش مرة ثانية

سأزرع شجرة كاكاو في المبغى.

أنصت جيدا إلى بلاغة الجسد

وزئير نهود المومسات.

وانكسار جرة الشهوة في الأسفل.

سأطعن البغي بلساني.

سأذهب إلى الحرب

لاسترداد حقول الذرة

كنز عائلتي المفقود.

سيكون لي أصدقاء كثر من طيور الكراكي.

سأقرر مصيري في بستان الجارة ماري.

وأعترف لشجرات اللوز بجرائمي المكرورة.

بقتلي المتعمد لغزالة آخر الأسبوع.

بممارستي الرذيلة في الباص.

السخرية من طبيعة الأشياء.

سأنتحب طويلا في الصحراء

منتظرا ظهور الله

أو بريدا يحمله ملاك من سدرة المنتهى.

سأخاتل زرقاء اليمامة.

أطلق ثيران الشك لغزو القلعة.

سأحاول نسيان كل شيء.

يوم ولادتي في ظروف بائسة.

الصفعات التي تلقيتها في حزيران.

سأقلص إلى حد ما من حروب عادتي السرية.

أوصد باب مخيلتي في وجه  الحسناوات.

أحافظ على ماء السلالة من الإنقراض.

أرتدي قبعة رولان بارت بعد موته الشنيع.

ليزدهر شجر النقد في مخيلتي.

سأحاول نسيان الضرير

الذي حملني زقفونة في حواري اللاذقية

يتبعنا علي ابن القارح على دراجة من  القش.

إذا تمكنت من العيش مرة ثانية.

سآكل شطائر البيتزا بنهم مفرط.

أعتلي مؤخرة جارتي المكتنزة.

أشرب الخمر في غرفة الإنعاش.

أملأ حياتي بالمجوهرات والنساء.

سأكون منظرا هاما لنهر الكينونة

سأحتفي بضفدع (باشو)

بطحالب المصادفة الغريبة

بإيقاع المياه المسحور

سأجبر سيزيف على قطع خصيته

وإطعام فهد اللامعنى.

سأصلي مرة واحدة في الأسبوع.

وأفكر في بنيوية هذا الفراغ المركب.

سأنزع وجهي الداخلي وأرميه لأسماك القلق.

أملأ عيني الدادائيتين بمكعبات الضوء.

سأقتاد العالم المتوحش إلى محاكمة عادلة.

***

فتحي مهذب

......................

*  مستلهمة من نص لخورخي لويس بورخيس ترجمة  الرائع الدكتور يوسف حنا.

 

الحسين بوخرطةعاد حسون هذا اليوم، واحد وثلاثين غشت 2021، من عمله، كمسؤول إقليمي في مدينة مجال تحقيق أمجاده التكوينية، مزهوا وفرحا بمساهمته اليومية في التقدم في إنجاز رقمنة السجل الاجتماعي لبلاده، ومفتخرا بدعم فريقه والشرفاء من الفاعلين المحليين. فرحته تعالت هذا اليوم بمستوى عال، سما بوجوده الإداري درجات معنوية ملموسة، درجات جعلته يشعر بإيمان قوي أن مصلحة المرتفقين في وطنه لا تبالي بعراقيل جيوب المقاومة وتراكم، بدعم التكنولوجيا والرقمنة، مقومات التملص النهائي من شراسة براثن رواد الفساد والرشوة والزبونية واختلاق المخالفات والمخلفات. إنهم رواد أعداء ذرية آدم، صنعها القدر ومكنها من الاعتداء على مصادر عيش الأسر، منقضين بذلك تعسفا على مداخيل الفقراء والمستضعفين.

دق جرس منزله الذي تكبد المعاناة من أجل بنائه، وهو المهندس المحاط يوميا بتغريرات الاغتناء على حساب جمالية البنايات وإتقان الطرقات والمسالك والمساحات الخضراء. استقبله ابنه سامي فرحا بلعبة صنعها من ورق، معبرا عن هواجسه وتراكماته التربوية والثقافية التي عاش في خضمها لمدة تفوق ثمانية أعوام. لقد صنع قوس أسهم ورقي. ابتهج حسون لهذا الإنجاز، واعتبره إبداع تفكير طفولي. صعدا سويا متعانقان أدراج السلم المؤدي إلى الطابق الأول.

استلقى حسون على أريكة أمام التلفزيون مغطى بشراشف بيضاء، وعينه اليمنى تتابع البرنامج التلفزيوني الإخباري، واليسرى لا تتابع إلا حركات ابنه وما آلت إليه أنشطته اليومية. انتصب سامي مركزا بقوسه أمام شرير رسومه المتحركة المفضلة. لقد رسمه بعناية فائقة، ولونه بألوان لائقة، وألصقه على أحد جدران غرفته وفضائه الخاص. رفع القوس، بعدما أحكم تنصيب السهم، وأطلق التصويبة لتصيب ما يعتبره عدوا للإنسانية في مكمن حياته.

لقد صوب سهمه باحثا عن النقطة القاتلة الدشع والشر المعادي للكينونة البشرية، وأصاب الهدف منتشيا وقائلا بصراخ غير مألوف: "أبتي، نحن الأطفال لا نحب الأشرار، ونطمح في العيش في بيئة حب تنتصر لحق الطفولة في تنشئة علمية، لا يدخر الكبار جهدا في تحقيقها وترسيخها على أرض الواقع. أرجوك أبي حذر الآباء من أصدقائه من ذنوب تخبئها تفاهات العيش اليومي. قل لهم أن الأطفال مثلي لا يطمحون إلى البروز والثروة في سياق عدم تساوي الفرص واللامساواة في بلادنا. قل لهم كذلك أن ذهننا ومخيلتنا، نحن أطفال الجنة، وطن فسيح لا أكثر ولا أقل، فلا تفسدوه".

ترقرقت مآقي حسون، وانذرفت الدموع على خديه. أجاب ابنه: "سأفعل ذلك بإيمان واحتساب وإصرار"، ثم خاطب نفسه بزهو قائلا: "إنها مسؤولية جيل العولمة وما بعد الحداثة".

***

الحسين بوخرطة

 

 

عقيل العبودلم يُجِبْ بسرعةٍ كما يفعل الآخرون حينَ باغت ذهنه سؤالٌ عن امنياته، فقد راودته حيرةٌ، تجمع بين طياتها إجاباتٍ مُستَفِزَّة

جالت في مداركه مشاهد لا حدود لها من الفزع قبل أن ينطق، بينما بقي السؤال ينتظر ردًا، أعقب ذلك نوع من الشعور المفاجئ بالخوف، والغثيان -أمنيتي، أمنيتي، أن لا أرى دبابة، حضر الصوت باهتًا

استرسل السائل في فضاءات ما استقبلته مسامعه، ليرسم تصورات ما قاله الصبي، استجابة لخياله البعيد، متفاعلا مع ذروة المشهد

الكتلة المخيفة، ذات السرفة الثقيلة، ذلك الكائن الحديدي المغلف على طريقة متراس فولاذي أصم، تجتمع فيه أقصى درجات الهلع، والتوجس، بما في ذلك مفردات الإبادة، والفقر، والتشرد

البنادق، والخوذ الفولاذية، والعسكر، مع ما تَمَّ التقاطه لعرضه في التلفاز:

الطفلة التي كانت تحتضن أمها المتشحة بالسواد تعبيرا عن ذعر مكتوم، المعلم الذي غادر صفه المدرسي حين تلاشت صرخاته، وهو يستغيث تحت ركام البنايات المحطمة، الشوارع التي تجري خلف العربات لتنقل معها اسرَّة الموت بصحبة اولئك الذين تساقطوا تباعًا ، دخان الأعمدة المتصاعد نحو زرقة السماء، منتزعا لونها الأزرق

المساكن المغلفة بالظلمة والسواد، المحلات الموصدة، الوجوه الشاحبة، الأصوات المذعورة

الجالسون عند عتبات الأزقة الكالحة، الرجل الذي فقد ذراعيه، المقهى التي فارقت حكايات أحبتها، السيارات التي امست خائفة وهي تعدو بسرعة جنونية، الجثث التي تنتظر دورها في ثلاجات الطب العدلي، حالات الاختطاف وبيع الأعضاء البشرية

الصغير الذي فقد كل ما يحيط بحوله ليغدو في دور الأيتام وحيدًا بلا أهل

تساقطت دموع الصحفي، وانزوى بعيدًا تمامًا عن دائرة البث، بعد ان أدركَ ان لا جدوى لمثل هذه الاسئلة.

 

عقيل العبود

 سان دييغو كاليفورنيا

 

 

مصطفى معروفييبتل من نفَس الصباح سطوعي

               ويؤثث الوهج النبيل ضلوعي

وقد استوى أرَقُ النوافذ كاشفا

         عن وجهه، يرعى سهوب ربوعي

أنا ما اضمحلّ لديَّ واقعُ نجمتي

              أبدا ولا اغتاظت سماء ربيعي

أغدو وأمسي أستشف رعونةً

                 أشواكها لا تستسيغ طلوعي

أنا مولع،تبني غواياتُ الضحى

                     شفقا ينام به يمَامُ وُلوعي

لي بيرق كل الأماسي خمّه

                ما انفك حتى بايعتْه شموعي

هي بدعة مني تنطُّ وتعتلي

             وجعَ اعتدال في رضىً وخنوع

آليت  لن يرتاد ضيمٌ جبتي

                أو بتُّ تلسعني عصا التقريع

شغف التساؤل مورق بدفاتري

             يزهو برونقه اخضلال فروعي

لكنما ولَهي تقلَّد دهشةً

                 رحلت بدون مراسم التشييع

ألق النجوم يثير نبض مشاعري

              لما الرؤى تنثال فوق هجوعي

تكسو جفوني من لذيذ ردائها

                     وتذود عنها فتنة الترويع

حالات أشيائي تكرر نوعَها

             وترى تعاشيب الهبوب صنيعي

أنا من يرتِّب للكواكب ليلها

                       حتى أواخر رفةٍ لهزيع

كل الحكايا لم تزل ملغومة

           وشرحتها، حبّ الوضوح شفيعي

أخشى عليها أن تصير سفينة

                 تلقى الردى بمرافئ التضيع

تغشى الحصون على السنين هوادةٌ

                     وأنا بحصن لا يلين منيع

وأراقب الأيام أدرأ ريْبَها

           كيلا تصيب الجزء من مجموعي

أنا شاعرٌ، في الأرض يسكن ظله

               ميلي إلى جهة الجمال طبيعي

متفائل حد الثمالة، شيمتي

                تأبى الجلوس وشيمةً لوضيع

                 ***

مصطفى معروفي

 

قال الملك في الضحى

أقصص عليّ يا بيدبا

 

قال بيدبا

هي 'لعنة من السماء'

هكذا شاء القضاء

إليك يا ملكنا قصة من البلاد الخضراء

 

أيها الملك

التقى رجل أجمل النساء

سكنا وعاشا في الخلاء

أنجباه بعد طول عناء

كبر وترعرعفي العراء

لم يكن لديه إلاّغطاء

صارع الفقر والظلم والكبرياء

درس وثابر صبحا ومساء

كان زعيم النجباء

وبرّا بوالديه وكان رحيما بالأولياء

نهل من العلم ومن كتب الفقهاء

جالس الفلاسفة جالس الأدباء

سافر إلى بلاد العجم، سافر إلى الوجهاء

ثم عاد إلى وطنه وكان أول النزلاء

كان همّهأن يطير في الفضاء

ويحلّق بعيدا عن الأغبياء

لم يطلب شيئا وكان أول الأوفياء

 

هذا أمر جميل. نعم العالم والعلماء. فما الذي حصل يا بيدبا؟

 

أيها الملك

جاءت اللعنة مزغردة من السماء

تبخّر الحلموصار أشلاء

لقد ظنّ أنهالتقىعنترة والزبّاء

وجاء زمن العزةوالفخر والهناء

جاء الأمل جاء الضياء

أتراه محاطا إلاّ بالجياع والبخلاء

لم يرىإلا الخسة والجهل والعواء

كلاب مسعورة وعواصف هوجاء

 

أيها الملك

يقولون أتنجح يا ابن البلهاء

أتعشق الحب والرقص والغناء

وترفض الولاء

لا لا يا ابن الحمقاء

قف. إلى الوراء إلى الوراء

 

يا بيدبا ما هذا الهراء؟

هذا الفتى من الأعزاء

لو كان هنا لجعلته من الأمراء

لملّكته عرشي وزوّجته حسناء

 

أيها الملك

يقولون ألا تعلم أنناالخبثاء

إبليس هاجر مطمئنا في هناء

لم يكفّ عن مدحنا وأكثر من الثناء

تركنا خلفه فنحن وهو سواء

نحن المرضوإن شئت الوباء

نحن الحشاشين، نحنالمغول،نحن الفناء

 

أيها الملك

يقولون أتبحث وتعمل بوفاء

أتلبس ثوب الرجولة وتركب الشهباء

أتقرأ لدوستوفسكي وحتى لأبي العلاء

وتصغي لفيروز وماجدة وجولياء

أنت حقا من اللطفاء

بل أنت أول البسطاء

لن تكون من الطلقاء

تمهّل وسترى الدّهاء

نحن في هذا المجال من الأذكياء

بل نحن الأقوياء

 

يا بيدبا أحزنتني، أين الرجولة والرجال وأين النساء؟

 

أيها الملك

ما كانوا يوما من الشرفاء

رجالهم ليس لهم حياء

كلهم عن الحقّ آذان صمّاء

هم في الجريمة شركاء

بل هم وكلاء وعملاء

أولهم مخنّث وأوسطهم زنديق وآخرهم ينعم في الشقاء

أما نسائهم فهذا زمن العهر، هذا زمن البغاء

هذا زمن يجالس فيه عبد أسياده النبلاء

ويرقص على جثث الأسود ضعفاء أذلاّء

متى اقتربت القدس من صنعاء

متى تصدّق الجائع بالغذاء

متى صنع الجاهل الدواء

وكيف يستنشق الهواء

من كان رأسه قابعا تحت الماء

هؤلاء شياطين إنس تراهم نهضة وبداخلهم نداء

في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا وكثيرا من الغباء

 

شوّقتني يا بيدبا، فما الذي حصل مع البهاء ؟

 

أيها الملك

تاه البراء

تاه يساءل القضاء

ما الصهيونية وما الماسونية أمام هؤلاء؟

هل تحمل الجبال ما بالكتف من عناء؟

هل تكفي البحار الدموع والبكاء؟

من أين جاء هذا البلاء؟

أهي لعنة آدم وحواء؟

أم خطيئة أسلافنا والآباء؟

 

تبّا يا بيدبا،

ما هذه القصة النكراء

هذا الفتى تبكيه الخنساء

فتكثر عليه الرثاء

ويكتب عنه الشعراء

أمّا أنا فأحرّك جيوشي وأسفك الدماء

وأكون له فداء

 

أيها الملك

هي لعنة أصابت مرماها في أحد الأجلاّء

أما سقطت طروادة بسبب بغيّة شقراء

أما قتل أوديبا أباه بعد طول جفاء

أما تزوّج أمه وصار من التعساء

الناس صنفان يا سيدنا: صنف للهناء وصنف للعزاء

 

أيها الملك

إنهم يقولون فيه قولا لا يرضي العتهاء

يقولون إنه سرق دجاج القرية في تاجوراء

وقتل في الصين المرأة العزباء

واغتصب في جبال الهند الطفلة علياء

حجتهم في ذلك أنهم وجدوا قطعة من حذاء

وجدوها في الفيافي في آخر الصحراء

بالذي خلق السجان والسجناء

أليس هذا أعظم ابتلاء

 

أيها الملك

من هول ما فعل الجبناء

ندبت خدّها وأحرقت شعرها سناء

قصّت لسانها وبترت ثديها نجلاء

أسقطت جنينها هيفاء

وغرست السكين في خصرهاصفاء

أما ميساء فسملت عيناها وصرخت على صدر شيماء

ضميني إليك يا أمي لا أقدر على رؤية الغرباء

نسيت الرقيقة لمياء

لقد ذهب جمالها وصارت بعد الكلام خرساء

تركت مالها وأبنائها وزوجها زكرياء

هاجرت دون رجعة رغم الحواجز وتفتيش الرقباء

أضربت عن الطعام وصارت بتراء

يقال أنها ألقت بنفسها في بئر منسية في الدار البيضاء

 

ألا تبّت أياديهم يا بيدبا.ما هذه الأشياء؟ ومن يكون التعساء؟

 

أيها الملك

جهنم أوصدت أبوابها واحتجت أن يكونوا نزلاء

من حسن حظ الأنبياء

من حسن حظ الخلفاء

أنهم عاشوا وماتوا ولم يروا السفهاء

هؤلاء يا ملكنا هم الأقرباء

 

أغرب عن وجهي يا بيدبا،

وإلاّ سجنتك صيفا وقتلتك في الشتاء

والله إن لم تفعل لنحرتك الآن في الخلاء

وأخرجت قلبك وكبدك ومزّقت الأمعاء

أهكذا يفعل الجاهل بالعقلاء؟

 

أيها الملك

أنت حزنت لسماع القصة فما بالك بمن يحمل الداء

ويعيش لعنة من السماء.

*** 

صلاح سالمي

أستاذ محاضر بالجامعة

 

الشتاءُ القادم سأقيم احتفالاً على روح الصيفِ...

عسى أن يعود من جديد بروح هادئة وشمسٍ عطرة

وأنْ لا يوخزَ أجسادنا بإبرِ أشعته النارية

سيظنُ أنْ جلودَنا عليها... قامتْ القيامة وهي صابرةٌ وخالدة

وسيظنُ.... أدمغتنا انكشفَ عنها القيظُ فباتتْ مولعةً بحرارته

لا يدري  بخرابِ أجسادنا جاءَ عمداً

فكلُّ مرةٍ تظهرُ دمامل القهر

وكلُّ مرةٍ في أيامه يحترقُ البدن

وتحترقُ معه سنابلنا وبيوتنا ودكاكين مشاعرنا

يا أيها الشتاءُ نعتذرُ منك

قلنا أنَّ الصيفَ صيفُ الفقراء

وفي رحلته تعثرنا كثيراً

**

حاملاً مشعلي لأضيءَ الوجوه.....

من سالفِ الزمنِ وناري مشتعلة

أنا أرضٌ خذلتني صحرائي وجبالي وتلالي...

فكيف أنجو والضياعُ مستديم

كل العاشقاتِ استعمرنَ قلبي

أوزعُ ألواني على وجوههن لوناً بعد آخر

حتى نما على جسدي الشحوبُ

لم يبق في الروحِ غير عتمةٍ

فلا زهرةً نبتتُ ولا شجرَ مثمراً

ترى هل من وجع يستفيق

من ألمِ الشوارع

فكيف تعيشُ العلاماتُ الدالة

وهل من مغني يعيش أغنيته

فيلاقي حتفَ اللحن على مربعٍ

لا زاوية فيه....

الفيافي سجالٌ بين الضوءِ والظل

غريبٌ أنْ نعيشَ في الغرفِ

والعالمُ لا مستقرَ فيه من الحرية

تماماً كما أٌوعزُ للنخلةِ أن تثمرَ قبل الأوان

أحتاجُ حلاوةً من تمرها

يستغيثُ بنا تعالوا حوشوا ما تبقى

من تجاعيد

يا أيها الباب

تنام على مصراعيك

لا أحد يدخلُ الا مَنْ تبجحَ بالدخول

من غير رخصةٍ

لا تنثرَ فتوحاتِك فالربحُ عندك كالخسارة

**

على طرفِ نجمةٍ

كان ضوؤك ينتحر...

ما خيبت ظن الضياء

ولا تستر عليك النجم

كيف أنهى سلالتَك النور؟

وأنت انبعاثٌ مكنى بالمصابيح

عيناي الوحيدتان يتيمتان بك

لا ظلال تحت رحمة اختفائك

ولا نهاية للدروب...

المدى مهدُ البصر

وأنا أظلُ في مهدك المرصعِ بي

جسداً أفرغه الهزّ

حتى تملكه الالتزام

ويحي.. أني غفلتُ وغفوتُ

لا أدري كم مرةٍ...

يدُك تنتفَ ريشَ الليل عني

وأنا نظرةٌ  يباركها فِطام التيه

سأتركُ ضياعي على عتبةِ العينين

وأشكُ إني قادرٌ على الانهزامِ

الافكارُ خرائبُ على خزائن الشك

والحيرةُ في  اقتفاءِ أثرك

وأنت وإنْ حلقتَ بعيداً

سيرفَّ الخجلُ على هدوئك

ويستمرُ النعاسُ..

حتى يتلاطمُ الحزنُ

على فرحك المستعمر غمازتيك

كيف توارى فمُك عن الابتسام

كيف تعثرتْ وجنتاك بالسواد

واختفى الورد..

أظن انكَ أبرمتَ اتفاقاً مع الهجر

أن تهربَ نحوي

لأحضنَ منك ما تبقى...

***

فاضل ضامد - العراق

 

صالح البياتيذاك هو من بعيد..

رأيته؛ فأثار كل تلك الذكريات القديمة، عن المكان والزمان.

أوقفتني أمامها، رفعت كفها الموشومة، ورسمت دوائر وهمية فوق رأسي، وتمتمت؛ ليباركك الله يا بني ولتعش عمرا طويلا، بعدد ذرات قبره، وختمت كلماتها بضمة حانية الى صدرها، رفعت نظري باسما، كأي طفل لم يفهم شيئا مما سمعه أو رآه.

هذه هي الصورة التي كلما استعدتها، لبثت لحظة أطول من غيرها، وحفزت ذاكرتي لتنشط؛ وتسترجع أحداثا آخرى؛ كاد الزمن ان يدفنها الى الأبد.

بعد أن كبرت؛ عرفت ماذا كانت تعني أمي بذاك الدعاء الغريب.

رجل الله؛ الدفين في حجرة بجامع الحي، الذي كان معروفا بإسمه اول الأمر، فهو الذي ابتناه من ماله الخاص، ولكن مع حركة الزمن البطيئة آنذاك، لم يعد أحد يتذكر اسمه الحقيقي، والذين عاصروه؛ ومن بينهم جدي لأبي، أتفقوا أنه توفي ولا عَقْبَ له، وأن اسمه وكنيته، تدلان على أنه من بلاد آخرى، تختلف لغتها عن هذا البلد، ولكن يجمعهما دين واحد.

كنت أتجنب الإقتراب من الجامع، خوفا من الحجرة، ومهما حاولت أمي ان تبدد مخاوفي، بما تسرد من حكايات عن رجل الله، الطيب الذي كان يحب الأطفال، ويفرحهم بالهدايا والحلوى، في أيام الأعياد وسواها، كانت حكاياتها تذهب ادراج الريح، بسبب ما كنت أسمعه من الأولاد الأكبر مني، كانوا يبثون حكايات مرعبة، بين الأطفال الأصغر سنا، يزعمون انهم يسمعونها من عجائز الحي، والحقيقة أنهم يختلقونها من وحي خيالهم الشيطاني، فكانت تثير مخاوفي، وتجعلني أخشى الإقتراب من المكان، خاصة عند حلول الظلام، حيث تراود خيالي أشباح ومخلوقات مرعبة، تخرج من الحجرة وتطارد الصغار، ومما زاد تلك المخاوف قوة، ما حدث لإمراة كانت تجلس عند عتبة دارها، تلقت حجرا كاد يودي بحياتها، ذاع الخبر في الحي؛ ان جني الجامع هو الذي قذف الحجر؛ لأنه ينزعج من خروج المرأة وقت العتمة من بيتها، في الحقيقة لم يكن جنيا، كان أحد الأولاد العفاريت، تخيلها كما أسرني جنية سوداء فصدقته، لأنه في هذه المغامرة لم يدع البطولة، بل كان خائفا عندما رآى اسنانها البيضاء تلتمع في الظلام، ولكن أمي عندما أخبرتها لم تصدق أنه إنسي، اصرت أنه جني حقيقي.

تحول الجامع من بيت الله الى بيت الأشباح، وإختبأت الخفافيش في سقوفه، فكان صوتها الحاد عندما تطير؛ يثير الرعب في قلوبنا، سمعنا في تلك الأيام، ان خفاشا التصق بوجه إمرأة، وفشلت كل المحاولات لأنتزاعه، حتى تذكرت إمرأة عجوز، طريقة رجل الله التي كان يستخدمها، فذهبت قبل طلوع الفجر، لمساعدة المرأة المسكينة، وضعت أمام وجهها مصحفا شريفا ومرآة صغيرة، فإرتخت جناحا الخفاش وتركها، ولكن بعد ان قضم قطعة من انفها، كما زعموا، فدعيت بإمرأة الخفاش، أشياء عجيبة كانت تحدث في حينا، لم استطع أن أجد لها تفسيرا، وستظل اسرارا قابعة في أقبية الظلام، حتى يقيض الله رجلا من عباده، يساعد الناس بعلمه على فك الغازها، لنرى من سينبري لتلك المهمة الجليلة!

بدا أن الله حسم الأمر؛ إختار الأستاذ أبا علي المندائي، معلم الرسم؛ كنت في السنة السادسة ابتدائي، كان في كل حصة اثناء الدرس، يردد على مسامعنا عبارته الشهيرة:

" أقرأوا ثم إقرأوا، إستغلوا وقتكم للقراءة، حتى في أوقات الطعام، ضع كتابا قربك، كُل وإقرأ."

كان معلم الرسم، شخصية جذابة، رساما ومثقفا ذاتيا، علمنا كيف نخلق من الطين أشكالا؛ تماثل صورها الأصلية، ينفخ فيها من روحه الفنية فتقترب من الحقيقة.

إتبعت نصيحته حرفيا؛ بل قل قدستها؛ بمعناها الإيماني، إنغمست في القراءة فقرأت كثيرا؛ خلال المراحل الدراسية التي تلت الإبتدائية، صعودا للمرحلة الجامعية، علمتني أن أفكر بمنطق سليم، فأتفق مثلا مع الرأي القائل :

" أن أزدياد معدل الجرائم في المدن الكبرى، إبان الثورة الصناعية في أوربا، يرجع ( من بين عوامل آخرى )، الى ضعف الإضاءة في الشوارع، وأن جذور العنصرية ضد الملونين، موغل في القدم، لخوف الإنسان البدائي من الظلام الدامس، لأنه يخفي الأشياء المجهولة عن الأنظار، فهل هذا يا ترى صحيح!

تساءلت.. وماذا عن الأشباح مثلا؛ فهي بيضاء ولكنها مخيفة ايضا، فقلت في نفسي ربما لأنها تتسكع على هواها في الظلام، لكن رجل الله الذي ظهرلأمي شئ آخر ..

سألتها يوما أن تصفه لي، فقالت كأنها رأته حقيقة؛ هو شيخ طويل، نوراني الوجه، لحيته الطويله وشعر راسه وثيابه، كلها بيضاء، وابتسامته ياالله، إبتسامة تؤسر القلوب. وكما وصفته رأيته في منامي، قال لي يا بني لا تخف الذين يرقدون في القبور، فهم مسالمون لا يؤذون أحدا، الخوف الذي نخشاه يأتي من الأحياء؛ الذين يدبون على الأرض أو يطيرون في السماء.

بدد ذلك الحلم الجميل كليا؛ أوهامي دفعة واحدة، وبعده لم ينجح أحد من الأولاد الأشقياء؛ أن يضحك علي او يسخرمن جبني.

عندما اصبح الجامع مهجورا، عبثت به يد الخراب، وأستوطنته الخفافيش، دخلته يوما، قاصدا حجرة الضريح، إزحت التراب المتراكم؛ فظهر شاهد القبر؛ الأسم وتاريخ الوفاة، فكتمته في نفسي، لأني أعلم ان ذلك سوف لن يغير شيئا، مما إعتاد عليه الناس، فقد غلبت الصفة ( رجل الله ) على الموصوف. وظل يحيا في ذاكرة أهل الحي، طوال العشرة عقود الماضية، كما الرجال العظام والأجداد الأفذاذ، يستحقون منا الإحترام والتبجيل.

الأيام قد تحبل بأجنة مشوهة، تُزرع سفاحا في رحم الزمن، فتولد مفاجأت فاجعة، فعندما نشبت حرب الثمان سنوات؛ أستعاد الجامع المهجور منذ زمن طويل، بعض وظائفه الإجتماعية، فتحولت قاعة الصلاة الى مجلس مواساة لذوي الضحايا، وقام خادم الجامع بتقديم كؤوس الماء وفاجين القهوة للمعزين، وأسندت التوابيت الخشبية على جدران الجامع الداخلية.

شمس تموز لها طاقة عجائبية، فهي تجفف طينة أحفاد السومريين؛ قبل غيرهم من أهل البلاد، فيشبون عن الطوق قبل أوانهم، وجدتني اقف خاشعا، اوقد شمعة فوق قبر رجل الله، وأقرأ فاتحة الكتاب، في تلك اللحظة شعرت به يقف بجانبي، يمسك كفي، ورغم أنني كنت قادرا على الإفلات من قبضته اللينة، ولكني لم أهرب؛ كما كنت أفعل قديما؛ حينما يتملكني الخوف، بالعكس؛ شعرت أنني عدت صبيا، يغمرني إطمئنان نفسي، وفرح يفوق الوصف، ببطء إنفلت اصابعه، وعدت لسيرتي الأولى، مغمورا بفرح تمنيت ان يدوم أطول مدة، كان الخادم لايزال ينظرالي؛ حتى انتهيت من القراءة، وعندما التفتُ أنزل كفيه ومسحهما بوجهه، قفزت لذاكرتي كل الصور دفعة واحدة، متداخلة متدافعة، مختلطة بالأمكنة والأزمنة والناس، أوقفت جريانها رؤية خادم الجامع المجذوب، الذي يقف الآن أمامي ولم يكن موجودا آنذاك.

مرة رأيته عند جرف النهر، سمع بصبي غريق، وقفت أمه طوال النهار باكية، تتضرع ان تظهر جثته، قبل أفول الشمس، خوفا الا تراها العيون في الليل، ويجرفها التيار الى الهور القريب أوالبحر البعيد، وفجأة بعد أن تمتم خادم الجامع بكلمات غير مفهومة، ظهرت الجثة طافية على وجه الماء، فتمكنوا من انتشالها، ذاع صيته في أماكن آخرى بالمدينة، فكانت النسوة يأتين بالشموع والبخور، وأخريات يقدمن النذور، ويطبعن أكفهن الملطخة بالحناء، على باب الجامع الخشبي المهجور، كانت بعض تلك اللطخات طرية تفوح منها رائحة الحناء الخضراء، وأخرى داكنة جفت منذ زمن، وترى في اسفله بصمات اصابع صغيرة.

خادم الجامع الذي بكى بحرقة، ونشج كطفل متألم؛ تعاطف بصدق مع الام، الأخت، الزوجة والأبنة، اللاتي نثرن دموعهن، يتوسلن بالسماء؛ لعلها تفتح بابا أو حتى كوة صغيرة، ليصعد دعاؤن الى الله، ولكنها ظلت موصدة، لم تستجب لهن، ولم تتوقف الحرب، استمرت تحصد الأرواح بلا هوادة، ونفدت التوابيت من الجامع، كان خادمه المجذوب يحملها على ظهره، ثم يضعها على الأرض،

وينزل فيها ضحايا السنوات الأربع الأولى؛ من عمرها المشؤوم.

تذكرته يتخذ تابوتا ينام فيه إتقاء برد الشتاء، متدثرا بأسماله وبمعطف عسكري، ورثه عن جندي تولى غسله وتكفينه، كان بعض أشقياء الأطفال يرمون التابوت بالحجارة؛ من بين قضبان النوافد التي تحطم زجاجها، فيهب راميا غطاء التابوت جانبا، يفرون بسرعة ويختفون في بيوتهم، فلا يتمكن منهم، وإن أمسك بأحدهم فإنه لا يؤذيه ابدا، وإنما يحمله بين ذراعيه الى بيته، ويترجى اهله الا يعاقبونه، كان يقول لهم انه سامحه من كل قلبه، كان يعرف جميع أهل الحي، أحبوه وأحبهم، لم يبخلوا عليه رغم فقرهم، بقليل من النقود، الملابس المستعملة، والطعام، جئت امسية لأوقد شمعة على قبر رجل الله، فوجدته يقيم صلاته واقفا رافعا يديه الى أعلى ما يستطيع، يصلي صامتا، إنتظرته حتى فرغ، سألته وكأنني أكذب نظري، أكنت تصلي، هز رأسه بالإيجاب، قلت في نفسي تلك والله هي الصلاة، كان الجامع بيته الذي يأوي اليه، لم أكن أعرف أسمه، فالبعض يدعونه بالمذهول او المجذوب، أو اي أسم يخطر على بالهم، فسألته عن اسمه فأخبرني، ولشدة دهشتي كان اسمه وكنيته مطابقا تماما، لما قرأته على شاهد قبر رجل الله.

هو الذي رأيته هناك من بعيد..

***

قصة قصيرة

صالح البياتي

 

عادل الحنظل(أذا كنـتَ تـجزي الـذنـبَ مني بمثلهِ)   

 (فـمـا الـفرقُ ما بـيني وبينكَ ياربّي)


  

(إلـهيَ قـلْ لي مـن خـلا من خطـيئـةٍ)   وذلـكَ إبــليـسٌ خـلَقْــتَ لـكي يـسـبـي

فـكيـفَ ترى مـن مـاتَ بـيـن حـبالهِ    (وكيف ترى عاشَ البَريء من الذنبِ)

(أذا كنـتَ تـجزي الـذنـبَ مني بمثلهِ)     وتـجعلُ عـقبى ما حَكَمْتَ على جنبي

وتـغـضـبُ مـن فـعـلٍ عـليَّ قَـسَـمْـتَهُ     وأنتَ الـذي في بـطـنِ أمّي رسَـــمْـتَهُ

(فـمـا الـفرقُ ما بـيني وبينكَ ياربّي)

***

(يـقـولـونَ حـورٌ فـي الغـداةِ وجـنّةٌ)      كـذلكَ وِلـدانٌ لـمـن عـاشَ في طهـرِ

نـعيــمٌ وأعــنـابٌ بـهــا ومـبــاهــجٌ       (وثـمّةَ أنهـارٌ مـن الشهـدِ والخمرِ)

(اذا أخترتٌ حوراءً هــنا ومُدامةً)       وصيّرتُ من كأسي نديما الى الفجرِ

وصاحـبـتُ مـن تهفـو عليّ صبابةً       وداعـبـتُ فــيــها ما وعـدتَ مـثابـةً

(فما البأسُ في ذا وهو عاقبةُ الأمرِ)

***

(قـالَ شـيـخٌ لمومسٍ أنتِ سكرى)      لـــكِ ساقٌ للــطــالـبـيـن ونَــهــدُ

هـمُّـكِ الاوحــدُ اقـتـنـاصُ مُـريـدٍ      (كــلُّ آنٍ بــصـاحـبٍ لــكِ وجـدُ)

(فـأجـابتْ إنـني كـما قلتَ ولكن)       لــيسَ بي مـن ريـاءِ مـثلكَ عهـدُ

أتُـــرى تــحــتَ عِــمّـةٍ وسجودٍ       ودعـــاءٍ تـــقــولــهُ لــحـشـــودٍ

(أنتَ حقّا كما لدى الناسِ تبـدو)

***

(إنْ كنـتَ تـفـقهُ يا هـذا الـفقيهُ فَلِمْ)     تَعيى عنِ الفَهـمِ في رَفـضٍ وإنكارِ

إنْ لم تجدْ حجّةً في ردّ ما عـلمـوا      (تـلحـو فـلاســفـةً دانـوا بأفـكـارِ)

(همْ يبحثونَ عن الباري وصَنعتهِ)       في العقلِ لا في تَخاويفٍ من النارِ

يستقرؤونَ مـن البُـرهانِ حِجّـَتَهمْ        يـنيـرُ ضوءُ فـتيـلِ العِـلمِ ظُلمَتَهَمْ

(وأنتَ تبحثُ عن حيضٍ وأقذارِ)

***

(مـن نـالَ ذرّةَ عـقـلٍ عـادَ منـتبـها)       مُستقطِرا من صِعابِ الدَهرِ بهجَتَهُ

يـمضي بلا عَجَـلٍ فـي نـيـلِ غايتِهِ         (فلَمْ يُضِعْ من ثمين العمرِ لحظَتَهُ)

(إمّـا سـعى لـرضاءِ اللهِ مُجـتهـدا)         مُستحـرما دونَ شـرعِ اللهِ مـتعـَتَـهُ

ومُحجِما عن جميلِ العيشِ منعزلا         يخافُ من غدهِ خوفَ الجبانِ خلا

(أو عبَّ كأسَ الطلا واختارَ راحَتَهُ)

***

(يـقـولُ الــمتـّـقونَ غـدا ستحـيى)       ويـومُ الـحشــرِ فــي عــقـباكَ آتِ

سـتـلقـى فـي جـنانِ الـخُـلدِ عـيشا        (عـلى مـا كـنـتَ في هذي الحياةِ)

(لـذا أخـتـرتُ الحـبـيـبةَ والحُميّا)        أُسـلّي فـيهـما ما أسـطـعْتُ ذاتـي

وأغـــنـمُ لـــذّةً فــي كــلّ حــيــنِ       وأمـرحُ فـي الشــمالِ وفي اليمينِ

(لأُحشــرَ هــكــذا بـعــدَ المماتِ)

***

عادل الحنظل

.....................

*عندما كنت لا أزال طالبا في كلية العلوم، في بداية سبعينيات القرن الماضي، تولعتُ كثيرا برباعيات الخيام مما جعلني اشطّرُ عددا منها لأشباع رغبتي لا أكثر. بقيت مشطراتي للرباعيات لي وحدي ولم أعرض أيا منها على أحد حتى جائتني هذا اليوم مكالمة من أستاذي وقدوتي في الشعر الصديق يحيى السماوي والتي جرّنا الحديث فيها عن الشعراء الذين ترجموا رباعيات الخيام. ذكرتُ أثناء الحديث أنني في أيام الشباب شطّرتُ عددا من الرباعيات واحتفظت بها فردّ علي الكبير السماوي أن تذكير الناس بالرباعيات لا يجب أن ينقطع وأن علي أن انشر ماقمت به من عمل. وها أنا الآن أنشر بعضا من مشطراتي للرباعيات مع التذكير انني قمت بهذا العمل في عام 1971 تحديدا، أيام لم تكن لي أي تجربة عملية في الشعر، فعذرا من الأخوة القرّاء إن رأوا في عملي هذا شيئا من الضعف التعبيري. هذه الرباعيات من ترجمة أحمد الصافي النجفي.

أعرب عن جزيل شكري لأخي الكبير واستاذي يحيى السماوي لتشجيعي على نشر هذا العمل القديم.

** الأشطر بين الاقواس هي الرباعيات.

 

جاسم الخالديمازلتُ أتسلّى بالفراق

اتخيّلُك في رحلةٍ صيفية

أو ربّما في عطلةِ عيد

تسافرُ الى مكانٍ آخر

قطارُ الأيام يمضي

على عجلٍ

وأنا واقفٌ في مكاني

أنتظرُ عودةَ حقيبتِكَ

أنتظرُ

طائرَ السعدِ

يعودُ مرفرفًا

يعلنُ انتهاءَ الرحلةِ

اكتبُ:

عدْ يا ولدي

ثمة ما ينتظرُكَ

ما زال القلبُ عَطِشاً

لامرأةٍ

تكملُ معها الطريقَ

ما زالَ الأصحابُ

ينتظرون

فهل من عودةٍ

تبددُ وحشةَ الايامِ

طالت سفرتُكَ

ويئسَ الاصدقاء

لم يعدْ صديقُكَ

يطرقُ البابَ

مرةً وجدتُه جالسًا

امامَ غرفتِك

يرسلُ نظراتِهِ إلى شباكِها

لعلك تطلُّ ثانيةً

لتوعدَهُ بالنزولِ

عدْ يا ولدي

القصيدةُ باردةٌ

وختامُها ينتظرُكَ

***

د. جاسم الخالدي

............................

يحيى السماوي

أحبتي الأعزة أدباء وقراء المثقف الغراء: تحاياي ومحبتي ..

د. جاسم الخالدي  صديق له في  قلبي وقلوب كلّ الذين عرفوه، منزلة ليست أقلّ من منزلة شجرة المروءة في بستان مكارم الأخلاق، والربيع في ضمير العشب، عذب كالعافية، نقي كالندى، له حضوره الشاخص في المشهد النقدي العراقي، تخرّجت على يديه أجيال من طلبة كلية التربية .. يرأس منتدى اعلام  الأدب، ورئيس قسم اللغة العربية في جامعة واسط ..

شاء القدر أن يُفجِعه بنجله  الشاب  مدرس اللغة العربية " حسن "  الذي لم يمضِ على تعيينه أكثر من بضعة شهور بعد إصابته بالجائحة، فرثاه بقصيدتين مدهشتين باستعاراتهما البليغة وما تضمنتاه من صور مبتكرة لم نألفها في شعر الرثاء الذي قرأناه ـ ولقد استأذنته في نشر واحدة منهما،  آملاً أن يسمح لي بنشر الثانية ..

 

فينوس فايقأقف في الباب

قبالةَ الحديقة

على حافة اخضرارٍ أبديّ

أبحث عن تسميةٍ أخرى للطيران

ولونٍ آخرَ يوحي بالزرقة

أبحث عن اسمٍ آخرَ  للغياب

تصورٍ آخرَ عن الوجود

وتعريفٍ مختلفٍ للصيرورة

أعود لأعطي تعريفا آخر للوقت

فيؤزمني اللاوقت

بين جناحين و قفزةٍ نحو الهاوية

يؤمكنني اللامكان

بين خطوتين وعودةٍ باتجاهِ الغياب

فأتوه بين أبعاد اللامسافة

**

إن لم يكن وجودي

أنا الإنسان

وتنقلي بين كل هذه العوالم

حدثا

فنشوئي وسطَ كل هذه الأفكار

وكل هذا التأويل

بين كل تلك الأضداد

وكل تلك الخيارات

والألوانِ المبعثرة على الطريق

والسوادِ الذي يتربَّص بي

مختبئا تحت عباءة الريح

هو في حد ذاته

"لا جواب"

عن سؤالي الأبدي

عن:

أين أنا

بين كل هذه الكواكب؟

**

الحياة ليست فيلما رومانسيا

بنهاية سعيدة

أن نلتقي تحت ظل شجرة

أو بين جدران كوخ

على طريق بين ظلال البشر

يؤدي

إلى مجهولٍ

لم يعد مجهولاً

**

في صغري

كنت أتخيل الحياة

بعدة أجزاء

كمسلسلٍ تليفزيونيٍّ مقرف

كنت أرى العوالم

منتشرةً بين الأماكن

واللانهايات

**

كان أبي يمسك بيدي

بقوةٍ

 حتى لا أتوهَ منه

وهو يمر بي

بعالمه

كان يخاف عليَّ

يكسوني طويلا

ويضع على لساني قفلاً

حتى صرت أنسى الكلام

وأكره الرجال

**

في عالم أمي

لم أتعلم أكثر

من خياطة بيتٍ

يشبه بيت العنكبوت

يضيع فيه الصوت

وتموت فيه الرؤية

وينمو في أرضه الوجع

حتى كدت أنسى فنَّ السمع

وكدت أكره النساء

**

جدَّتي علمتني

أن العالم كله

موجود في دور العبادة

وأنا معها،

أرسل نظري

من تحت عباءتها السوداء

نمرّ من أمام بابِ المسجد

كنت أبحث عن الله

حتى كدت أنسى أنَّ الله

موجود في كل مكان

اللهُ

يقيم حتى في الفراغات

وبين الجلد و اللحم

وحتى في الهواء

الذي يمر من على قبورنا

**

أن تعيش  بسلام

لا يعني أن  تضَعَ البندقية عن كتفك

وترمي الرصاصاتِ المتبقيةَ  لديك

في قاع البحر

إنما أن تتعايش

مع فكرة الوجود المقيت

أن تتصالح مع الصيرورة من حولك

وأن تغنّي بأعلى صوتك

لموتك المؤجَّل

بينما تنتقل روحك بين الفضاءات

***

فينوس فائق

 

قصي الشيخ عسكرراحت تقطع الممرّ ذهابا وإيابا ومع كلّ خطوة كان القلق يضيف علامة يأس على وجهها. كادت تعترض ممرضة عبرت على عجلة في شغل ما ثمّ أعرضت، وانصرفت إلى الهاتف النقال...

سامي أختك وزوجها ألقيا نظرة الوداع الأخيرة على جثة أبيك ومثلهم فعل الأقارب والمعارف الجميع سبقونا إلى المقبرة لقد وعدتني أن تاتي َ اليوم

تعرف أنّ ابنها سامي يدرك كلّ شئ ولا يحسّ أيّ شئ، يوم رافقها إلى التسوق ذكر لها عن ظهر قلب أسعار البضائع التي اشترتها ومجموع ماتدفعه قبل أن تبدأ الحاسبة في السوبر ماركت عملها عندئذٍ قيل لها إن سامي متوحد.. أكثر دقّة من أية حاسبة يمكنه أن يعمل في أي مشروع علمي لكن عليها أن تضع في بالها أنّه لا يعرف البكاء لايبالي بالجنائز ولا تهمّه الأعراس سواء عنده السواد والألوان الزاهية فلا تعجب حين تتعثر وتسقط فتتألم وتراه يضحك

العالم بنظره بارد لا حسّ فيه

اليوم مات أبوك يا سامي بالسكتة القلبية وبعد ثلاثة أيام نزوره لنلقي آخر نظرة عليه.

ألا يحرقونه؟

نحن كاثوليك ياولدي آثوريون من الشرق ندفن موتانا ولا نحرقهم.

ماذا عليّ أن أفعل؟

تأتي بعد يومين معنا لتراه.

كان يهزّ كتفيى ويقول ببرود مفرط:

أووه حجزت مع رفاقي في العمل تذكرة سفر إلى لندن لذلك اشتريت بجامة جديدة لا بأس سأعطيها لأبي ماداموا لايحرقونه وأشتري غيرها!

لقد انصرف الجميع إلى المقبرة وبقيت تنتظره، وقبل أن تبدأ الحديث معه في الهاتف النقّال لمحته يقطع الممرّ، فينزل الحقيبة من على كتفه فوق أحد الكراسي:

ألا تدخل إلى والدك؟

تجاهل سؤالها وانشغل يفتح الحقيبة:

خذي وعدتك أن تكون البجامة هدية له ماداموا لايحرقونه.

تعجّل فلم يبق لدينا مزيد من الوقت لتلقي عليه نظرة الوداع.

فأجاب ببروده المعروف:

هذا ليس أبي أنها مجرّد جثّة لاتعرفني جثّة فقط!

ألقى بين يديها البجامة ثمّ التقط حقيبته وغادر وكانت تقف وسط الممرّ كتمثال ألقى أحد العابرين بين يديه المنبسطتين قطعة قماش مبهمة الألوان!

***

قصة قصيرة جدا

 قصي الشيخ عسكر

 

 

 

 

افضل فاضلو آدَ بِكاهلي أوَدٌ فَـمالا

لفاتِـنَـةٍ تَغَشّتْنـي نِصالا

 

ظَنَنتُ تُميتُني الصَبَواتُ صَبراً

فجاءتني تَـبـاريحاً تَــــــوالـى

 

كأنَّ فتونَها العَزلاء جيشٌ

كفاهُ السَبيُ عن بُعدٍ قِتالا

 

أُزيلُ الطَرْفَ عن قَسَمات وجهٍ

غزا الأحداقَ فاستَعصى زوالا

 

ولن يُنْبيكَ عن أَلَـــــــم ٍكصَبٍّ

عَلِيِّ القَدْر ِ، مَن يهوى تعالى

 

وغالٍ، أرخَصَ الغالـــــــي افتِناناً

فِدى رَخِصٍ طغى حُسناً، فَغالــى

 

يُجنّبُهُ عن الخَطَراتِ حـــــــالٌ

اذا خَطَرَتْ لهُ الخَطَراتُ حالا

 

بهِ العَبَرات ِمن وَرَعٍ، فأَضحى

يُرَخّـصُها لمن جـــــارَتْ دلالا

 

يُديمُ الحــالَ في زُهـدٍ ليُجزى

دوام الحالِ، إذ سَفَرَتْ، فَدالا

 

و لي جَلَدٌ بحِمْل العِشق أَودى

و فارَقَ بعد أنْ أودى، فَـعالا

 

على وَرِعٍ، يُقيمُ الليلَ زُهداً

فَتَغْويهِ مَفاتِنُها الكُسالـــــى

 

فصار يُقَصِّرُ الصَلواتِ جَمْعاً

و كان قِوامُهـا سُوَراً طِـــوالا

 

لهــــــــا من رِقَّةٍ حِملٌ ثقيلٌ

لو ابتَدَرَتْ بهِ صَرحاً لَمالا

 

و يَسْألُني بها جَسَدٌ إذا مـا

هَمَمتُ بهِ، تَجَنّبني وآلـى

 

و حسبي مِن تَمَنُّعِهِ جَواباً

بأنَّ البَدرَ لا يُرجى نَوالا

 

تَمَنَّعَ دَغلُهــــا الضَوئيُّ حتّى

بَرى جَسَدي فَصَيّرني هِلالا

 

وَ قَوَّضَ بيْ مِنَ التَوقير آلاً

فنازَعَنــــي إلى نَزَق ٍ وآلا

 

قديمُ صَبابةٍ عَفَتِ اكْتِهــــــالاً

رأتْ ضَرَماً فأَنْسَتْني اكتهالا

 

تُرَمِّـمُ ما تَهَـدَّمَ مِـــن قديم ٍ

فأُوقِنُ فيَّ ما كانَ احتِمالا

 

أَحَقّاً - والمَواقِـدُ بيْ رَمـادٌ -

نَدى الجَذَوات يُورِثُني اشتِعالا !

 

عَهدتُ الليلَ يُنْكِحُني الأماني

عَقيماتٍ بأَحلام ٍحُبـالــــــى

 

مِثالُ حَفيضةٍ تأبى الخطايا

تَصيرُ لكلِّ مَن شَطّوا مِثالا !

 

جوابُ محال مُعضلةٍ سؤالي

و تتركُني على سَطري سُؤالا

               ***

حباها خالق التُـفّـاحِ نَـهـــداً

يصيحُ اقْضِمْ وسَبِّحْهُ تعالى

 

كحُقّ الثلجِ أبيضَ لا يُرَجّـى

تَسَلّقَهُ لظى ثغري فَســــــالا

 

حليبُ الناس ما شربوا، وشأني

أُراضِـعُ حُـلمـةً عَـزّتْ مَـنـالا

 

أرتني الحــــــــقَّ فِتنَتُها فَتابَـتْ

شياطيني، وقَـد هَرِمَـتْ ضَلالا

***

د. أفضل فاضل

 

سعد جاسمأَو

رأَيتُ كلَّ شيء


هذا أَنا:

 

{سـعـدائـيـل البـابـلي}

أَو:

سعد السومري

أَو:

(سعد السيد جاسم الغرابي الحسيني)

أَو

{سعد جاسم}

لا فرق فَلِيَ الاسماءُ كُلُّها

ولي نورُ اللهِ ونارُهُ الأَزليةْ

ولعَيْنيَّ وقلبي خُضرةُ الطبيعةِ

والفراديسِ والجنائنِ القزحية

 

هذا أنا:

بلا أَقنعة غامضةْ

وبلا مساحيقَ فاقعةْ 

وبلا سيرةٍ كاذبةْ

 

وهذا أَنا:

ولدتْني أُميَّ السومرية

على ضفافِ الفرات

إِذْ فاجأَها الطلقُ

عندما كانتْ تُجالسُ النهرَ الكريمَ

كي تغسلَ الاوجاعَ والهمومَ والثيابْ

بورقِ السدرِ والتينِ والزيتونِ والبوحِ والتُرابْ

وكانَ أَبي السيّدُ الهاشميُّ الاخضرُ الروح والعيون

دائماً يتذكّرُ تلكَ الواقعةَ الغرائبية

ويحكي بشغفٍ أَبويٍّ ساخنٍ

عن يومها المحفورِ في ذاكرتِهِ 

حيثُ أَحسَّ أَنَّهُ قَدْ جاءَهُ الـ " سعد "

ولذا أَعطاني هذا الاسمَ بيقينِ الماءِ

لأَني جئتُ إِليهِ بالنورِ والفرحِ الربّاني

وكنتُ شبيهَهُ الوحيد

بخضرةِ عينيَّ وبساطتي وزهدي

وعشقي للحبِّ والشعر والموسيقى

والسفر والتصاوير والاغاني والمسارح

والسينما والطبيعة والجمالِ والنساءِ . 

أًنا نَحّاتَ النصوص

وصيّادَ غزالاتِ المُدن

فارسَ أَحلامِ الأراملِ والمُطلّقات

والشاعراتِ الهائماتْ

والسارداتِ الساحراتْ

والرساماتِ المجنوناتْ

وكذلكَ أَنا شفيعُ:

النساءِ المُهَمَّشاتِ والمُهَشَّماتِ

والمُهاجراتِ والمُهَجَّراتِ

والهارباتِ من الحروبِ

وبيوتِ القسوةِ والدموعِ

والأَزمنةِ الرماديةِ المُرَّةِ

مثلِ شايٍ صينيٍّ مغشوشٍ

بنشارةِ الخشبِ والأَصباغِ المُسَرْطنةِ

وفايروساتِ " كوفيد " ومُشتقاتهِ الشيطانية

 

وأَنا أَيضاً

حارسُ أَسرارِ الصديقاتِ والأَصدقاء

في ماوراءِ البحارِ والمحيطات

 

و... أَنا الذي رآى

رأَيتُ كلَّ شيءٍ

 ماعَلَّمني أَحدٌ

ولكنّي إِكتشفتُ

لأَنني العارفُ والرائي

أَنا الذي رآكم

وليسَ " جلجامشُ " المشغولُ

بقواريرِ وعذارى بابل

وجبروت  " خمبابا " 

ووحشةِ غيابِ صاحبهِ وخلّهِ " أَنكيدو "

الذي إِختطفتهُ مخالبُ الموتِ

فكانتِ المأساةُ السوداء

والحقيقةُ الوحيدةُ

في الكونِ والوجودْ

وتاهَ ثُمَّ شاخَ ثُمَّ غابَ

 في رحلةِ البحثِ عن العُشبةِ

ولعبةِ الافعى وحكمةِ الخلودْ

وكانتِ الحكايةُ

هيَ البدايةُ واللانهاية

وهيَ ملحمتُنا الطاعنةُ بالموتِ

والحكمةِ والجنون

وهيَ قصيدتُنا وحيرتُنا الجارحة

وهي لغزُنا الرافديني الغامض

وهي فجيعتُنا  الأَبدية

ولأَنني رأَيتُ مارأَيتْ

 صرتُ غنياً بمعرفتي

وبهياً بقصيدتي

وبيواقيتِ حكمتي أَزهو وأَتجلى

وأَتعالى على إِساءاتِ وإِشاعاتِ وحماقاتِ القطيع 

ولهذا فأَنا لاأَكترثُ تماماً

إذا لمْ تُغَنِّ بذكري بلادي

أَو ينكرُني ويهملُني وينساني أَهلي وأَصدقائي 

لأَنني أَنا " طفلُ الكلامِ " الأَبدي

وسعدائيل " الموسيقى والكائن ...اتْ " 

وناسكُ عُزلاتِ الزاهدين

ودرويشُ منافي الله

هكذا أَراني

ولاأَخشى الحرائقَ

والثعالبَ والقتلةَ والافاعي

لأَنني مشغولٌ بالأَملِ

والعدمِ وفكرة الخلاص

وإنقاذِ العنقاءِ من رمادها

والتماهي فيها كحبيبةٍ كونية

لعلَّها تُنقذُني من جحيمِ الآخرينَ

ومخاوفِ "الكورونا"

والغربةِ الفادحة

***

سعد جاسم

......................

* مقاطع من نص سيروي طويل

 

علي القاسميأو قصةُ ولادةِ "معجمٍ الاستشهادات"

في عام 1987 كنتُ مديرا لإدارة التربية في المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسبسكو) التي تتخذ من العاصمة المغربية، الرباط، مقراً لها. وكنتُ أعمل في المنظمة منذ إنشائها عام 1982، وكان عدد العاملين فيها آنذاك محدوداً وعلينا أن نثبت مصداقية المنظمة ونبرهن على فائدتها العملية للدول الأعضاء، خاصَّةً أنَّها تحمل اسماً مشابهاً لمنظمتين أُخريين هما اليونسكو والألكسو، فكنا نواصل العمل ليلاً ونهاراً.

وكان مديرنا العام حينذاك المفكِّرَ العربيَ رجلَ الدولة المغربي عبد الهادي بوطالب، الذي كان يثق بي ويشملني بعطفه ويعاملني معاملة الأخ الأصغر أو الابن، ما جعلني أضاعف من جهودي لأظلّ عند حسن ظنه. وكانت لي الحرِّية شبه الكاملة في اختيار البرامج، ووضع خطوطها الرئيسة، وتحديد خطوات تنفيذها، واختيار الدول الأعضاء الآسيوية أو الأفريقية التي تستفيد منها، وتعيين الخبراء الميدانيين، وغير ذلك من الإجراءات التي يتطلَّبها تنفيذ البرامج.

وكثيراً ما كنتُ أسافر بنفسي إلى الدولة المستفيدة، إمّا لوضع ترتيبات التنفيذ أو الإشراف على العمل وتوجيهه، أو لتقييم النتائج المحصَّل عليها، إضافة إلى كتابة كثير من المواد التعليمية التي تحتاج إليها بعض البرامج مثل تأليفي كتاب " التقنيات التربوية في تعليم العربية للناطقين باللغات الأخرى" الذي كنا نستخدمه في الدورات التدريبية التي تعقدها المنظمة لفائدة مشرفي وأساتذة اللغة العربية في الدول الأعضاء غير الناطقة بالعربية. وهكذا كنتُ في عملٍ متواصلٍ، وحركةٍ دائبة، وحلٍّ وترحال. فكنت أجد نفسي في ماليزيا شرقا والسنغال غربا في شهر واحد.

في مثل هذا الوضع، قد يُصبِح المرءُ معرَّضا لجميع الاحتمالات والأخطار ما خلا شيئاً واحدا. إنَّ رجلا في مثل وضعي ذاك قد يتعرض للنجاح أو الفشل، أو لحادث سفر أثناء ترحاله، أو قد يمسي هدفاً لغَيْرةِ الآخرين وحسدِهم أثناء ممارسته وظيفتَه، أو لأيِّ شيءٍ آخر. ولكن لا يخطر على بالِ أحد أبداً، ولم يخطر على بالي شخصياً، أنَّ رجلاً يقوم بمثل تلك الوظيفة المليئة بالنشاط والحركة والعمل والاتصال الدائم بالآخرين، يُصاب بشيء اسمه السأم أو الضجر أو الملل. فالقاعدة المعتمدة هي أن النشاط والضجر على طرفي نقيض، فهما لا يجتمعان أبدا. ومع ذلك فقد أُصِبت بشيءٍ من ذاك. ترى، هل كانت حالتي هي الاستثناء الذي يؤكِّد القاعدة، كما يقول الفرنسيون؟

لا أدري كيف حلّ برَبعي هذا الضيف الثقيل الذي يسمونه السأم! فأنا لم أعرفه فيما مضى من حياتي، ولم أكن أتوقع ملاقاته فيما يُقبل من حياتي. وليس في ماضيِّ ما يشجعه على القدوم، ولا في فضائي النفسيّ ما يغريه بولوج عالمي.

في بداية الأزمة أخذتُ أُحسّ بأنَّ ما أفعله ليس بالشيء الجديد، لا إبداعَ فيه، ولا قيمةَ له، ولا فائدةَ تُرجى من ورائه، على الرغم من أنني كنتُ أحرص كلَّ الحرص على تطوير أعمالي لتتسم بالجدَّة، والابتكار، والفاعلية، فكنتُ أُخضعها خطوةً خطوةً للأهداف الإجرائية التي كنت أحدِّدها بعد مسحٍ للحاجاتِ الفعلية، في ضوء ما تعلَّمتُه في أمريكا من دروسِ التخطيط وحلِّ المشكلات.

ثمَّ أخذ هذا الشعور القاسي المؤلم يمدُّ أذرعه مثل أخطبوط كريه إلى كياني وذاتي. راح يسيطر على عقلي وتفكيري، ويصيب حواسي بنوع من المرض لا ينفع معه دواء، فأَضحت الأشياء تبدو قاتمة لعينيّ، لا رواء فيها ولا بهاء، وأمست أذناي تسمعان الغناء نواحاً وأنيناً، لا موسيقى فيه ولا إيقاع، وفقدَ الطعامُ مذاقَه في فمي تماماً، لا ملوحة فيه ولا حموضة ولا حلاوة. شيءٌ لا طعم له ألوكه بصورةٍ آليةٍ ممجوجةٍ بين فكَيَّ وأزدرده مُكرَهاً، مثل دواءٍ مُرٍّ تعافه نفسي. حتى الماء، في عزّ الصيف فقدَ عذوبتَه فكرهتُه. أمسى كلُّ شيءٍ في حياتي باهتاً لا لون له، وماسخاً لا طعم له، وقبيحاً لا جمال فيه، حتّى أنَّني كدتُ أصرخُ كما صرخَ نجيب محفوظ في إحدى رواياته: " أينَ محطةُ الموت لأغادر مركبةَ الحياةِ المُملَّة؟!"

غدوتُ أخشى من أنني مصابٌ بنوع من الكآبة كذلك الذي أودى بحرية الكاتبة اللبنانية الفلسطينية المصرية، مي زيادة، وألقى بها في غياهب مستشفى المجانين. كنت أتوجَّس فقدان عقلي، وأخشى اقتراب نهايتي، وأنا في زهرة العمر.

ما الذي يجب أن أفعله لأنقذ نفسي من مخالب هذا السأم الساخط المفترس؟ لم تنفع صلاتي ودعائي وتضرعي إلى الله أن يخلّصني من شرور النفس، من هذا الوسواس الخناس، من هذا الشيطان اللعين الذي حلّ في الزوايا المظلمة من روحي، وتحصَّن في المخابئ الدفينة من ذاكرتي، وتمترس في أطلال ذاتي. نعم أطلال ذاتي، لأنني كنت أحس أن نفسي أصيبت بشرخ كبير وأنها كانت تتشظَّى مثل مرآة مهشمة، ولا أستطيع تجميع شظاياها حتى لو أمضيت العمرَّ كله، أو ما تبقى منه، في محاولة بائسة يائسة.

وذات مرَّة، خلوتُ بنفسي في المساء. أحسستُ أنَّ دمعةً ساخنةً تكاد تنساب من عيني اليسرى. أهبت بنفسي أن يؤول بي الحال إلى البكاء، كما تبكي النساء، كما يبكي الوليد. زجرتُ نفسي عن فعلٍ لا يليق بالرجل الذي ينبغي أن يتحلّى بالصبر، ويتَّصف بالبأس والشجاعة، ويتسلَّح بالإباء والكبرياء. أمّا إذا استسلم للبكاء، فإنَّه يُؤاخَذُ، يُلامُ، يُعذَلُ، يُعابُ. فبكاءُ الرجلِ نوعٌ من الإثم، شيءٌ شبيه بالغي. فزجرتُ نفسي زجراً شديداً. ولكن حدث عكسُ ما توخّيتُ، فقد سال الدمعُ من كلتا عينيّ. وتذكّرت قول الشاعر:

بكتْ عيني اليسرى فلمّا زجرتُها ...  عن الغيِّ، أسبلتَا معا

تُرى هل كان هذا السأم أو الملل في الحياة نتيجة شعوري أنَّني حقَّقت جميعَ طموحاتي المتواضعة، فملكتُ ما أردتُ امتلاكه من شهاداتٍ ووظائفَ ومتاعٍ متواضع. هل كانت طموحاتي محدودة وغايتي قريبة، فلما بلغتها انتهى الشوط بالنسبة إليّ، ولم يعُد ما يدعوني لمواصلة الجري؟ عقدتُ العزم على أن أفعلَ شيئاً لأنقذ حياتي، أو بالأحرى ما تبقّى من حياتي. ولملمتُ وريقات نفسي التي بعثرتْها ريحُ الأزمة الهوجاء، وجمَّعتُ ما بقي من أوشال عزيمتي، وفتشتُ في الركام عمّا ظلَّ من إرادتي، وأعملتُ الفكر، وأجهدتُ الذهن، لأجد الحلّ.

وفي تلك الفوضى العارمة، حينما كان كلُّ شيء ضبابياً لا يَبينُ جوهرُهُ ولا تتضح ماهيتُهُ، رأيتُ، أو ظننتُ أنَّني رأيتُ، أنَّ أفضلَ شيءٍ أفعلُه هو أنْ أتركَ كلَّ شيءٍ، أن أتخلى عن جميع ما أملك، أن أرمي شهاداتي في القمامة، شهادات علوم لم تنفعني عند الحاجة ، أن أغادر مكاني، وأبدّل عاداتي، وأغيّر هواياتي، وأتنازل عن وظيفتي وحقوقي وواجباتي، وأودّع معارفي وأصدقائي، وأهجر أحبائي، وأنجو بنفسي إلى أبعد نقطةٍ أعرفها أو لا أعرفها، هناك هناك قد أعثر على  بصيصِ أمل، بعيداً عن ظلامِ الضجر، هناك قد أجد شعاعَ دفءٍ يذيب جليدَ الجمود وثلوجَ السأم. لا بدّ أن أبدأ من جديد تماماً، كما ولدتني أمّي أوَّل مرَّة، عاريا من ماضيّ، خالعاً عني أرديتي الرثة، واضعاً على كاهلي رداء جديداً بلون جديد، ومقاسات جديدة، وزخرفة لا عهد لملابسي البالية بها.

قلتُ في نفسي لأدرس من جديد تخصَّصاً لم أمارسه سابقاً، في جامعة لم تطأها قدماي من قبل، لأدرس العلوم القانونية، أي لأواصل الدراسات العليا في العلوم القانونية التي كنتُ قد نلت شهادة الليسانس فيها، ولأتخصَّص، مثلاً، في القانون الدولي، لأضيعَ في متاهة علاقاتٍ غير متكافئة بين ذئاب شرسة، وأًحْمال مستضعفة لا قدرة لها على الدفاع عن نفسها.

وتقدَّمت بطلبِ قبولٍ إلى جامعة هارفرد في الولايات المتحدة، وحصلتُ على قبولٍ ومنحةٍ لدراسة الدكتوراه في القانون الدولي. وفرحتُ بالقبول، وظننتُ أنني وجدتُها، وتوهَّمتُ أنني أتيتُ بما لم تستطِعْهُ الأوائلُ. ولم يبقَ عليّ إلا أن أذهب إلى المدير العام واقدِّم استقالتي وينتهي كلُّ شيء ويبدأ كلُّ شيء.

واستأذنتُ في الدخول على المدير العام. وكان يعرف أنَّ من عادتي أن لا أراه إلا لأمر هامّ جداً، لأنه خوَّلني باتخاذ جميع القرارات اللازمة لعملي، ولأنه رجلٌ مشغولٌ جداً  فهو المدير العام لمنظمة ناشئة، وفي الوقت نفسه مستشار الراحل  الملك الحسن الثاني، عاهل المغرب آنذاك، ومنسق البرنامج الدراسي الجامعي لولي العهد حينذاك الأمير سيدي محمد (الذي أصبح الملك محمد السادس)، وأستاذُ القانون الدستوري والقانون الدولي في كلية العلوم القانونية والاقتصادية بالرباط، وكاتبٌ تُنشَر مقالاته الأسبوعية في ثلاث صحفٍ عربية، ومؤلِّفٌ، ورجلُ أعمال، وهذا غيض من فيض.

سلّمتُ على الرجل وأنا واقف أمامه وبادرته بالقول:

ـ معالي الأستاذ، أتيتُ لأقدم استقالتي.

ـ لماذا؟

ـ لأعود إلى مقاعد الدراسة.

ـ لماذا؟

ـ لأبدأ حياة جديدة

ـ لماذا؟

ـ لأنني لستُ سعيدا حالياً.

وهنا أشار إلى كرسي، فجلستُ. صمتَ قليلا، فرأيتُ في السكون الذي يحيط به، الهيبةَ التي ترتسم على وجهه، والنظرة النافذةَ التي تلمع في عينيْه، والحزم الظاهر على شفتيْه المطبقتين. رأيت في جميع ذلك علمه الغزير وخبرته الطويلة، رأيت كل ذلك يطلّ من نافذتَي عينيْه. فهذا الرجل كان زعيماً في أحد الأحزاب التي ناضلت لتحرير المغرب من الاستعمار الفرنسي. وبعد الاستقلال، أصبح وزيراً في الحكومات المغربية إحدى عشرة مرَّة، وتقلّب في وزارات متعددة: الأشغال، العدل، التربية، الخارجية، الإعلام، إلخ. وصار رئيساً للبرلمان، وسفيراً لبلاده في أمريكا والمكسيك وسورية.. وبكل خبراته الطويلة وجَّه إليّ سؤالاً بسيطا عجزتُ عن الإجابة عليه، بل عجبتُ لأنَّ هذا السؤال لم يطرأ على بالي عندما كنتُ أقلّب جميع الاحتمالات لشهور عديدة. لم يرد هذا السؤال في خلدي، ولا في خضم التفاصيل العديدة التي درستُها استعداداً لسفري. كان سؤاله ببساطة:

ـ هل تظنُّ أنَّكَ ستجد السعادة في مكانٍ آخر؟

فاجأني السؤال، وعَييتُ في الكلام، وعجزتُ عن الجواب. ولكن حتى لو كنتُ قد فكّرت في هذا السؤال من قبل فليسَ من جوابٍ لدي عليه، لأنه لا شيء يضمن أنني سأكون سعيداً في أمريكا، أو مسروراً بدراساتي الجديدة. لا شيء يؤكّد ذلك البتة، حسب علمي. وهل هنالك شيء مؤكَّد في العِلم نفسه؟ بل هل ثمَّةَ شيءٌ ثابت في الوجود كلِّه، ما دامت حياةُ الإنسان ذاته  مجرَّدَ وجود مؤقت زائل؟ بلى، إنَّ الشيءَ المؤكَّد الوحيد أنْ لا شيء مؤكَّداً على الإطلاق في عالمنا الفاني.

(أكتب هذه السطور وأنا أسافر في طائرة من نوع إيرباص 320 تحلق على ارتفاع 11.800 متر وتسير بسرعة أرضية مقدارها 980 كيلومترا في الساعة. وعلى المسند أمامي فنجان قهوة، وفجأةً أخذت القهوة تترجرج وتتموج في الفنجان، وأخذ المسند يهتز بقوة تحت قلمي فراح يتخبَّط، وأخذت الحروف التي أخطُّها تنبعج ويختلط بعضها ببعض. وهنا أعلنت المضيّفة أنَّ الطائرة تمرُّ في منطقة اضطرابات جوية، وطلبتْ من المسافرين أن يشدّوا أحزمة الأمان. وعند ذاك تساءلتُ في نفسي، ما إذا كنتُ قبل خمسة عشر عاماً أمرّ، أنا الآخر، في مرحلة اضطرابات نفسية بحيث اختلطت عليّ الأمور ولم أتبينْ موطئ قدمي، ولا اتجاه الريح، فحلّقتُ بعيداً عن السرب، دون أن أشدَّ حزام الأمان في الوقت المناسب وقبل فوات الأوان؟)

وفكرتُ في  الإجابة على سؤال المدير العام:

ـ وهل تظنُّ أنكَ ستجد السعادة في مكان آخر؟

وبحثتُ عن جواب فلم أجد، وكلّ من يبحث عن اللاموجود، في اللامحدود، يعود بلا مردود. وأطرقت برأسي أمامه ولم أَفُه بكلمة. ويبدو أن الرجل عطف عليّ، ورحم حيرتي، فزودني بالدليل. وَهَبني شمعةً لأبحث عن الجواب الصحيح في الظلمة التي خيّمت على روحي، فقد قال:

ـ ابحث عن السعادة في نفسك ذاتها.

وتعاظم صمتي. فقد طلب مني أن أفعل شيئاً قد أعجز عنه. طوال خمس سنوات من العمل كنتُ أنفِّذ تعليماته فوراً، أبادر إلى العمل حالما أتلقى توجيهاته. أما الآن فأنّا جامد في مكاني لا أتحرَّك. فكيف أجيبه إلى ما طلب في الحال؟ كيف أعثر في لحظة واحدة على سعادة فقدتها في خضمٍ لُجيٍّ واسعٍ متلاطمِ الأمواج منذ شهور طويلة، إن لم تكُن سنوات عديدة. ولا شكَّ في أن العجز قد ظهر على ملامح وجهي المرهقة، إذ رأيت المدير العام يعتدل في جلسته، وكأنه على وشك أن يتخذ قراراً، فرجل الدولة يصنع القرار في حين يحوم حوله الآخرون ويعجزون عن الاقتراب منه أو الإمساك به. ها هو يقرِّر نيابة عني:

ـ تمتع بعطلة مدتها ثلاثة أسابيع. اجلس في دارتك على شاطئ البحر. وفكّر في كيفية تحقيق السعادة لنفسكَ، بل حتّى لغيركَ إنْ استطعت.

بوذا فعل الشيء نفسه ولكنَّه أمضى عدَّة سنوات في التأمل قبل أن يضع قواعده العشر لبلوغ السعادة. ولكن المنظَّمة لا تستطيع الاستغناء عن عملي أكثر من ثلاثة أسابيع. ستتراكم الأعمال، وسيتوقَّف تنفيذ البرامج إنْ طالت عطلتي.

ثمَّ وقف المدير العام، ومدّ يده مودعاً.

إذن انتهت المقابلة. الكرة في ملعبي، كما يقول هواة كرة القدم. لماذا أعطاني عطلة ثلاثة أسابيع دون أن أطلبها؟ هل أنا في حاجة إلى الراحة؟ هل يبدو الإرهاق على ملامح وجهي؟ هل كنتُ أنغمس في العمل بلا حساب وبلا فترات استراحة؟ هل ذلك الإجهاد هو سبب الاكتئاب الذي أصابني؟ هل أخطأتُ في تشخيص حالتي فسمَّيتُ الاكتئابَ ضجراً أو مللاً؟ كانت تلك الأسئلة تطنُّ في رأسي وتدور، كما لو كانت خلية نحل مذعورة، كورة زنابير هائجة، تلسعني في كلِّ بقعة من دماغي. يا إلهي!

وخرجت لأمتطي سيّارتي، وأنا أردد: أنا متعب، أنا مُجهد، أنا مرهق، إنني في حاجة إلى الراحة. وتوجَّهت إلى دارتي في شاطئ الهرهورة. وهناك، جلستُ وحيداً في الشرفة. لا أحد معي، لا شيء يستدعي انتباهي، لا مذياع ولا تلفزيون ولا تلفون. ولأوَّل مرَّة منذ سنوات لا أذكر عددها، أضربتُ عن القراءة والكتابة اللتين كانتا ديدني منذ طفولتي. لا شيء سوى الراحة التامة، عملاً بنصيحة رئيسي الحكيم. كان الاستلقاء على فراش وثير من رمال على شاطئ البحر، دون أن أفعل شيئاً، أمراً صعباً في الأيام الأولى من العطلة. كنت أنهض بلا إرادة مني، بحكم العادة، وأتوجه إلى مكتبي في مسكني لأفعل شيئاً، لأقرأ أو أكتب. ولكنني وأنا في طريقي إلى المكتب، سرعان ما أُذكّر نفسي بشعاري الجديد: " الراحة التامة ! الراحة المطلقة!"

ولمدَّة عشرة أيام، كنتُ مستلقياً باسترخاءٍ على الشاطئ، والأمواج تغسل قدمي، وجسمي يستحمُّ بنور الشمس، ومساماته تستنشق نسيمَ البحر المنعش، فأحس بدبيبها على جلدي الذي ازداد قدرة على التجاوب مع محيطه الجديد، مع الطبيعةِ، عاريةَ طبيعية دون أن تفسدها يدُ العمران والصناعة.

وفي اليوم الحادي عشر وجدتني أقبل على الطعام بشهية أكبر. أخذت أشعر أن جسمي استوفى ساعاتٍ كافيةً من النوم والراحة، وأنَّني مستعدٌ لأفعل أي شيء، لأذهب إلى المنظمة، لأستأنف العمل، العمل الرسالة. ولكن المدير العام منحني ثلاثة أسابيع وليس أسبوعين فقط. إذن سأبقى أسبوعا آخر على الأقل هنا على شاطئ البحر. ولا بُدَّ أن أفعل ما طلبه منّي.

كان الأستاذ قد طلب مني أن أبحث عن السعادة. فأين تراني أجدها؟ هل أبحث عنها بين رمال الشاطئ، كدرَّةٍ ألقت بها الأمواج في نوبة من نوبات الكرم البحري، أم أفتش عن كينونتها في أجنحة الريح؟ أتراني أمشط خيوط أشعة الشمس لأعثر عليها، أم أتوجَّه إلى غابة الهرهورة القريبة لأبحث عنها في أغصان الأشجار وأعشاش العصافير؟

تذكرتُ أنَّه قال لي:" ابحث عن السعادة في نفسك!" إذن يتوجب عليّ أن أغوص في أغوار عقلي، أو أبحر بين مرافئ قلبي، لعلّي أخلد إلى مرفأ تخمد عنده العواصف وتضمحل فيه النيران وتنطفي.

وفي الهزيع الأخير من التفكير، وجدتني أفتح بابا للحوار مع عقلي، وأعقد صفقة مساءلة مع قلبي:

ـ ما السبب في هذا الملل أو السأم أو الضجر أو الاكتئاب أو سمّه ما شئت؟

ـ ما الذي ينقصني لكي أكون سعيداً حيثما أكون؟

ـ ألم يبرأني الخالق على أحسن صورة، ووهبني نعم البصر والسمع والذوق وسلامة الأعضاء وصحة العقل والجسم؟ ألم يهدني إلى الإقامة في بلد جميل ذي حضارة عريقة ويتسم أهله بالكرم وحسن المعشر بعد أن ذقت مرارة الغربة؟ ألم يرزقني رزقا وفيراً؟ ما الذي أريده بعد ذلك كله؟ وهل يبتغي الإنسان أكثر من الصحة والأمان والرزق؟ هذه الثلاثة هي مقومات السعادة لكل إنسان وهو أمر متفق عليه في كل مكان وزمان.

ـ إذن، لماذا تفرُّ السعادة من بين أصابعي مثل عصفورٍ صغير تمكّنتُ من القبض عليه، ثمَّ في غفلة مني طارَ بعيداً عني ؟

وبعد تفكير طويل، خلصت إلى نتيجة مفادها أنَّ الله وهبني كلّ شيء ولكنّني أهملتُ كلّ شيء. وبعبارة أخرى، إنني لم أقبل الهبة ولم استفد من العطية، وكأنني لم أحصل على شيء. وهبني الله تعالى نعمة البصر، ولكنني أنظر ولا أرى، وأحدّق فيما حولي ولا أبصر شيئاً.  أتوجه كلّ صباح إلى مكتبي فأسلك طريقاً بين الغابة والبحر، ولكنني لا أرى ما يحيط بي من بهاء وجلال وجمال. لا أرى البحر يعانق زرقة السماء، ولا أرى الأمواج ترتمي في أحضان الشاطئ، ولا أرى خضرة الغابة تلوّن الشفق، ولا أرى قوس قزح يملأ الأفق، ويرسم ألوانه المشعة الزاهية على الأرض والسماء والماء.

ومنحني الخالقُ نعمة السمع، ولكنَّني أسير في هذه الطريق كلّ صباح ولا أسمع شيئاً. تزخر الغابة بأنواع الطيور المغرّدة، عنادل تغني، وعصافير تزقزق، وحمام يناجي بعضه بعضا، وأنا لا أسمع ، صوتا، كما لو كانت أذناي قد أُغلقتا بغطاءٍ حديديٍّ ثقيلٍ مثل قبر فرعوني، وكما لو كان دماغي قد حُنِّطَ فلم يعُد يستجيب للحن الحياة الراقص الذي يُعزَف بلطفٍ وإلحافٍ على باب ذلك القبر.

لقد اعتدتُ على المرور في هذه الطريق حتى أماتت العادة باصرتي ومحت بصيرتي. والعادة تلغي شهقةَ الجدَّة، ولذَّةَ الصدمة الأولى.

ولكي أكون جزءاً من جمال الكون، وامتداداً لهذا الوجود الذي يؤطِّرني، لا بُدَّ من أن أفتح نوافذ ذاتي لينفذ النور والهواء والصوت والصدى والصداح إلى أعماقي. لا بُدَّ أن أفتح كوَّتَي نظري وأبصر هذا الكون الزاخر بالحُسن والملاحة والروعة والجمال. لا مندوحة عن إزاحةِ هذا الغطاء الثقيل الذي يطبق على مسمعي، وأنصت. لا مهرب من فتح أشرعة قلبي ليبحر في هذا الكون الرائع الرائق الرائد الفريد

ولكن، أيكفي أن أقول لأذنَيَّ: اسمعا موسيقى الأصوات، وأقول لعينيّ: ابصرا جمال الأكوان، ليتمكَّن قلبي من الإحساس بجمال الوجود وروعة موسيقاه؟ لا أظنَّ الأمر بهذه البساطة. إذن ينبغي عليّ أن أدرّب حواسي على تلقّي الإشارات الإلهية الصادرة من الموجودات والوجود، وأدرب نفسي على تذوُّق الجمال حولي، والإحساس بقيمة النِعم التي لا تُحصى لدي، حتى يُصبح تذوّق الجمال عادةً تقضي على عادات اللامبالاة والعماء. إذن، فلأبدأ بهذا التدريب، وهو ككل تدريب يستغرق وقتاً، ويتطلَّب إرادةً وعزماً، ويقوم على معرفةٍ ودرايةٍ، ويستلزم تكراراً وفعلاً، حتّى يصبح بدوره عادةً من العادات المفيدة.

وهكذا كان. فقد شرعتُ على الفور بملاحظة الأمواج التي كانت تصل إلى قدميّ فتغسلهما وأنا مستلقً على رمال الشاطئ. ومددتُ بصري إلى نهاية الأفق البعيد على البحر، فرأيتُ الأمواج متهادية من بعيد يدفع بعضها بعضا حتّى تصل إلى الصخور القريبة من الشاطئ فتتكسر عليها وتتطاير ذراتها، ويستحيل لونها أبيضَ ناصعاً بعد أن كان أخضرَ داكناً، ثمَّ تعبر الصخور لتنساب بهدوء وترمي نفسها بحنان ولطفٍ على رمال الشاطئ. يا لروعة الكون ويا لجمال الطبيعة ويا لعظم الحظِّ الذي واتاني!.

أخذت عيني ترى لأوَّل مرَّةٍ كيف أنَّ النسيم يداعب الأغصان ويهدهدها في الغابة فتتمايل في رقصةٍ جذلى، وتتحوَّل إلى أرجوحة للأطيارِ المنتشية بشذى الأزهار وعبق الورود وخرير المياه في السواقي والجداول المترقرقة تحتها. يا إلهي، ما أروع الوجود وما أعظم الخلق!

أخذتُ، وأنا أقود سيّارتي، أشعر لأوَّل مرَّةٍ باللذة التي استمدها بتمهلٍ من هذه الرياضة الممتعة، بعد أن كانت قيادةُ السيّارة عبئاً ثقيلاً ينحى على أعصابي بالإرهاق والنَّصَب. أية متعة يهبنا العِلم، وأية عظمة يمتاز بها العقل؟!

إذن، لقد نجحتُ نسبيّاً في إيقاظ حواسي التي كانت تغطّ في سبات طويل، وبعثها إلى الحياة، وإعادة استخدامها فيما خُلِقت له. وأمتعتُ نفسي بها، وأدخلتُ السرور والرضا على قلبي بواسطتها. بيدَ أن هذه المتعة الحسِّية لا تكفي، فقد علمني أبي في صغري، من بين ما علمني ونسيت، أنَّ الإنسان يتكوَّن من جسم وروح وعقل، ولكي يستكمل الإنسان إنسانيته، لا مفرّ له من تنمية جوانب إنسانيته الثلاثة بصورةٍ متوازنة، لئلا يكون له جسم فيل وعقل عصفور.

إذن، لا بد من أن أغذي عقلي كذلك بمعطياتٍ تتوافر فيها المتعة والمعرفة في آن واحد، وتنطوي على تحدٍّ جديدٍ لذيذ يضيف بعضَ التشويق إلى حياتي. ولماذا لا أعيد دراسة التراث الفكري العربي قديمه وحديثه، وأستخلص جواهره أو جوهره؟ وهذا مشروع يستغرق العمر كلَّه ولا نهاية له، وسأظلُّ أجري وراءَه طوال حياتي، فلا يعود للسأم منفذٌ إلى نفسي، ولا للضجر موطئ قدم في رَبعي.

وعزمتُ على أن يكون هذا المشروع ذا معالم واضحة وغايات نافعة، ليس لي فحسب، بل لغيري كذلك، لأنًّ المعرفة بلا نفع كشجرة بلا ثمر. ولهذا فكّرتُ في جمع خلاصات الفكر العربي، ومكنون حكمته، وروائع نثره وشعره، ثمّ ترتيبها في كتاب بشكل ييسر الوصول إليها والاطلاع عليها. ولكن ما هي خصائص هذه الجواهر وما سماتها وألوانها كيما ألتقطها من بين ملايين الكلمات التي تزخر بها المكتبة العربية؟ لم يطُل بي التفكير لأهتدي إلى أن الاستشهادات هي جوهر الأفكار، لأن المثقَّفين يَكتبون أروع ما يقرأون، ويحفظون أبدع ما يكتبون، ويستشهدون بأجمل ما يحفظون. ويشيع بين الناس أرقى ما يُستشهَد به فيذهب مثلاً سائرا أو حكمة مشهورة، فيتمثل به الداني والقاصي.

وتفاقمتْ حماستي للمشروع عندما تنبّهت إلى أنَّ المكتبة العربية، على الرغم من ثروتها المعجمية الضخمة تخلو من معجمٍ للاستشهادات. وازددتُ رغبة في الأمر عندما وقفت على إحصائية تشير إلى أنَّ اللغة الإنجليزية تتوفر على 320 معجماً مختلفاً للاستشهادات، وأن المكتبة الفرنسية تضمَّ أكثر من 80 معجماً للاستشهادات، على حين أنَّ المكتبة العربية لا تعرف معاجم الاستشهادات، فهي تعرف معاجم الأمثال لا غير.[1]

وشرعتُ في إعادة قراءة أُمّهات التراث العربي وروائع الكتب الحديثة الصادرة في مختلف الأقطار العربية، لأضمن لمدوَّنتي المعجمية التمثيل الزماني والتوزيع المكاني اللازمَيْن. وكلّما استشهدَ مؤلِّف بشاهدٍ من الشواهد دوَّنتُه على جذاذة ووضعتُها في المجذَّة. ولم أَبتُّ آنذاك في طريقة ترتيب المعجم، لأنَّني كنتُ أدرك أنَّ عمليةَ الجمع تلك ستستغرق سنواتٍ طويلة.

وبعد أربع سنوات من العمل على تلك الصورة، وصلتني دعوةٌ من الجمعية المعجمية الأوربية لتقديم بحثٍ إلى المؤتمر العالمي الخامس للمعجمية الذي كان سيعقد في جامعة تمبرة في فنلندة بعد سنة من تاريخ الدعوة. فعزمت على أن أَكتب في موضوع معجم الاستشهادات ومشكلات تصنيفه، لكي أغتنم فرصة المؤتمر للتداول مع المشاركين فيه حول الحلول الممكنة لتلك المشكلات. قُبِلت الدراسة التي قدّمتُها ونُشِرت في كتاب أعمال المؤتمر[2] الذي صدر قبل انعقاد المؤتمر لإتاحة الفرصة للمشاركين لدراسة البحوث فيه قبل حضورهم إلى مكان الاجتماع بحيث يكون المؤتمر لقاء للتدارس والتحاور.

كان عدد المشاركين يناهز 250 معجمياً، وكانوا يتوزَّعون باختيارهم على 5 جلسات متوازية تٌعقد كلَّ يوم في محاور مختلفة. وعندما حان دوري، وجدت أن عدد المشاركين في تلك الجلسة يفوق 40 معجميّاً كنت على معرفة شخصية ببعضهم، وودتُ أن أتعرَّف على بعضهم الآخر، فتبين لي أن جلّ المشاركين في الجلسة كانوا من مصنّفي معاجم الاستشهادات في أوربا. وكان بينهم أستاذي البرفسور داغ غندرسون، الذي كان قد درّسني في إحدى الدورات الصيفية في جامعة أوسلو في النرويج، والذي ألَّف معجم الاستشهادات النرويجي وعَنْونه بـ " الكلمات المجنّحة"2،

وبدلا من أن أُلقي ملخص دراستي في تلك الجلسة، طرحت على المشاركين فيها عدداً من الأسئلة والمشكلات لمناقشتها والاستفادة من خبرتهم وآرائهم. وقد سرّوا لتلك الطريقة لأنهم كانوا يبحثون كذلك عن كيفية تحسين معاجمهم. فمعاجم الاستشهادات في أوربا تصدر في طبعات متلاحقة لما تحظى به من إقبال، ويقوم مصنفوها بإدخال تعديلات مستمرة عليها، فيغيرون بنيتها، أو يعيدون طريقة ترتيبها، أو يحذفون منها بعض الاستشهادات التي لم تعد شائعة لسبب أو لآخر، أو يضيفون إليها ما استجد من استشهادات، وما إلى ذلك.

كانت مسألة ترتيب الاستشهادات في المعجم من المشكلات التي واجهتني وتدارستُها مع المشاركين في تلك الجلسة. فمعاجم الاستشهادات قد تتخذ واحداً من أنواع ترتيب الاستشادات التالية:

ـ الترتيب حسب المؤلِّف: وتُرتب فيه المداخل طبقا لأسماء الأعلام الذين يُستشهد بأقوالهم. وتحت اسم كل كاتب، تُرتب أقواله ألفبائياً أو زمنياً أو بحسب الكتاب الذي وردت فيه.

ـ الترتيب حسب الموضوعات: وتُصنَّف فيه الاستشهادات طبقاً للموضوع الذي تتعلّق به، ثم تُرتَّب الموضوعات ألفبائياً أو بحسب الجذر تحت كلِّ موضوع.

ـ الترتيب بحسب التاريخ: وتُصنَّف فيه الاستشهادات بحسب الحقب التاريخية وتحت كل حقبة تُرتب الاستشهادات بحسب مؤلفيها أو موضوعاتها أو أوائلها.

ولكل ترتيب حسناته وسيئاته. وقد وقع اختياري على الترتيب الموضوعي لمبررات ذكرتها في مقدمة "معجم الاستشهادات".[3]

بعد خمس سنوات من العمل توقفتُ عن إضافة الاستشهادات الجديدة للمجذَّة، لأنَّ العثور على استشهادات جديدة عملية لا تنتهي فهي مرتبطة بالقراءة، وطلاب المعرفة لا يتوقّفون عن القراءة والكتابة، فهم كما قال الإمام أحمد بن حنبل " مع المحبرة إلى المقبرة ". ّ

وبدأت عملية الطباعة. فطبعت مسودات الكتاب في الرباط في مطبعة كانت تستخدم حاسوباً من نوع ماكنتوش. واستغرق تصحيح المسودات الطباعية أكثر من سنتين كان يساعدني فيها ثلاثة من الأصدقاء، وهي عملية شاقّة مؤلمة، يعرفها كلُّ من جرّبها. وزاد من صعوبتها في هذا المعجم أننا أضفنا الشكل للآيات القرآنية والأحاديث النبوية ولكثير من مفردات الأبيات الشعرية ليستقيم الوزن، ولجميع الألفاظ الأخرى التي تستدعي الشكل لرفع الالتباس المتوقع.

وعندما تمَّ الاتفاق مع (مكتبة لبنان ناشرون) في بيروت لنشر المعجم، لم يستطِع مطبعيّوها من تحويل نظام ماكنتوش للنظام الذي يستعملونه والذي يحقّق لهم اقتصاداً في حجم المعجم. فأعلموني بأنّهم سيعيدون تصفيفه، أي طباعته. فوافقت على شرط ألّا يطلبوا مني تصحيح المسودات الطباعية، لأجنب نفسي المشقّة التي عانيتُها سابقاً. ولكن عندما صدر المعجم وألقيتُ نظرة هنا وهناك على محتوياته ووقفتُ على بعض الأخطاء، شقّ عليّ ذلك أكثر مما كان سيؤلمني التصحيح. إنَّ نقطة زائدة، مثلا، في أحد الاستشهادات قلبت المعنى رأساً على عقب وأفسدته:

يا بيتَ عاتكةَ الذي أتغـزّلُ

حذرَ العِدى، وبهِ الفؤادُ موكـَّلُ

إنّي لأمنحُكَ الصدودَ وإنَّني

ـ قسماًـ إليكَ معَ الصدودِ لأميَلُ

فالشاعر الأحوص الأنصاري كان يبتعد عن دار عاتكة ويتعزّله، مخافة أن يدرك الأعداء غرامه بعاتكة. فهو لا يتغزّل به، كما أخطأ مصحِّح المطبعة.

وعلى الرغم من تلك الأخطاء المطبعية الطفيفة، والهفوات الخفيفة التي وقعتُ فيها خلال التأليف ، فقد فرحت بإخراج " معجم الاستشهادات"، لأنه أوَّل معجم من نوعه، ويحمل في مقدِّمته التي تقع في خمسين صفحة تقريباً، دراسةً مفصلةً عن كيفيةِ تأليف معاجم الاستشهادات بأنواعها المختلفة، ومنهجياتها المتباينة ، وأغراضها المتعدِّدة. ولهذا قلتُ في مقدِّمة الكتاب مفتخراً:

" منذ أربع سنوات ونَيِّف، وأنا أطوف في حقول الفكر العربي، وأتجوَّل في بساتين آدابه، وأتنزّه في حدائقِ أشعاره، وأُمعِن النظر في منثورِ أزهاره؛ ثمَّ أقطفُ أروعَها منظراً، وأزكاها أريجاً؛ فأجمع الورودَ التي فاح عبيرُها حتى تناقلته النسيماتُ العليلة إلى الوديان المجاورة والسهول المتاخمة، ليُسرَّ به الأصحاب، ويرتاحَ له الخُلان؛ والتقطُ الزنابقَ النادرة الألوان التي يبحث عنها أهلُ الفنِّ السامي وذوو الذوق الرفيع، ويتباهى في مضاهاتها عباقرةُ المصوِّرين، ويتنافس في رسمها جهابذةُ الرسّامين.

منذ سنين طويلة، وأنا أغوصُ في بحار الأدب العربي، شعره ونثره، أجتبي اللآلئَ الثمينةَ النادرة التي تتمنّاها أترفُ الحسناوات، وأنتقي الدُّررَ الفريدةَ النادرةَ التي تشتهيها أغنى الجميلات، واقتلعُ المرجان الذي ينشده أمهرُ الصيادين ويبحثُ عنه هواةُ الجواهر النادرة.

وبعد هذا وذاك، أنظم تلك الأزاهير، وأرتِّب تلك الجواهر في معجمٍ فريدٍ من نوعه، رائدٍ في  ميدانه يقوم على الاستشهاد والتمثيل والاقتباس ، لأضعه بكلِّ عناية وأناة، وبكلِّ  فخر واعتزاز  على رفوف مكتبتنا العربية الزاهرة، هدية محبّة ورمز ولاء للغتنا الجميلة."[4]

***

بقلم: الدكتور علي القاسمي

.............................

[1]

[2] 1) Ali M. Al-Kasimi, Is the Dictionary of Quotations a Dictionary? In : Euralex 92 Proceedings I-II (Tampere: Studia Translatologica,  1992) pp.573-580.

[2] Ved Snorre Evensberget og Dag Gundersen, Bevingede Ord (Oslo: Den Norske Bokklubben, 1991)

[3] استغرق أعداد ثلاثة معاجم استشهادات بمنهجيات مختلفة هي : معجم الاستشهادات، ومعجم الاستشهادات الموسع، ومعجم الاستشهادات الوجيز للطلاب"  أكثر من 15 عاماً.  ويشتمل الأول والثاني على دراسة عن كيفية تأليف معجم الاستشهادات تأليف معجم استشهادات، لمساعدة كل من يرغب في تأليف نوع جديد منها. وقد صدرت هذه المعاجم عن (مكتبة لبنان ناشرون) في بيروت تباعاً في 2001 و2008، و2014.

[4] علي القاسمي. معجم الاستشهادات (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2001) ص. 15.

 

ذكرى لعيبيعبّؤوا ذاكرتهم

وارتحلوا

أنتَ وحدَكَ

تشبّثتَ بذيلِ أمسي

حدّثتُكَ عن وجوههِم

المحتقنةِ بالتساؤلاتِ

عن حقائبِهم السوداءِ

عن خلاخيلِ الليلِ

التي ترقصُ مع نشيجِ

العاشقاتِ

عن خوفي المحدِّق بنجمةِ

الصبحِ

حدّثتُكَ عن خزائني

التي عبّأتُها بكَ

قبلَ أن أراكَ

قلتُ لكَ: وحدَكَ مَن يغمرُني

بآفاقِ الضوءِ

ابتسمْتَ

ثمَّ تفرّعْتَ في حقولي

ندى

بتلاتُ لافندر

فراشاتٌ ملوّنةٌ

وملامحُ غابَتْ في

ذاكرةِ مَن ارتحلوا

***

ذكرى لعيبي

 

عبد الامير العباديلا أمتلك إجابة أمام حشد

من الطلبة!

وربما تتغير ملامحي الوسطى!

أسئلة أحاول إلغاءها

بجبروت الأنا،

لكنني أمتلك قناعة الهزيمة

ولم لا يا سادتي؟

ونحن الذين أجبرنا أن لا تعلو ديارنا

عن حزمة من الأمتار

خشية الاقتراب من السماء؛

السماء التي تتربع عليها الآلهة

لقد استغرقني تعسف الأسئلة

مع إني أؤمن بهذه الهزائم

هذه جدلية  تعاقب دورات عقارب المضي

نحن المستفزين من وخزات ورق السنابل

أو نقرة عصفور أسير

غرباء هذه الأقوام

تتدرب على ححمل نياشين معارك،

قرون الموت،

تتوارى سجالات تتربع فوق

الهرم العقلي الذي ورثناه مكرهين

نتسارع نسبر متاهات صدق تاه

في أروقة زوايا ألفناها بين ظلمة الورق،

أو بياضه الكاذب

أي خيار نشعر أنه دفؤنا

تلك أماني من الجنون،

الزيف كرهناه وأعدنا تدويره

هو المتربص في كل خطانا

هذه الخطى تتمشى بين ضوء،

هو حلمنا المؤجل

حلمنا الذي تكبحه تنهدات نضجنا؛

نضجنا الذي حبسناه

في زنزانات استحالت فكاك شفرة

تحررها من قبضة السجان

هو الذي يصاحبنا حتى ونحن طلقاء..

لا أدري أي هلع يتقمصنا

الجرف الهاري سيبقى يطاردنا، نحن فريسته

لقد كانت غفلة بدوية

غفلة السيف حزت رقابا أعيتها غشاوة الأنا،

افترستها أسنة الرماح

الرماح التي ظل الدم يصاحبها

تلكم ويلاتنا التي أزالت كل بكارات الدنيا

حتى علقنا على حافات المدن

نستجدي حافات الطرق

نقرأ كل أقانيم الكواكب

لن تطفئ  همجية غدت أرضيتنا الأبدية.

***

عبدالامير العبادي

 

 

كريم الاسديمثنويّات ورباعيّات عربيَّة ..

البلادُ التي سميَّتْ في البعيدِ بدارِ السلامْ

أُحرقتْ وتهاوى مِن القصفِ فيها صريعاً بنارِ الحِمام الحَمامْ

**

بناتُ الروافدِ منحنياتٍ على فلَذاتِ الكُبودْ

ظهرنَ، وقد حبسَ (العالمُ الحرُّ) أنفاسَهن

وناورَ حتى أحالَ الى معدنٍ هافتٍ ماسَهن

وليس لديهنَّ مايشترينَ بِهِ وجبةً مِن غذاءٍ، ولا لرخيصِ الدواءِ بقايا نقودْ

**

البلادُ التي لاذَ في ظلِّ بستانِها هاربٌ مِن هجيرِ اليبابْ

تلظَّتْ وأضحتْ مياهُ الروافدِ فيها وعوداً ومحضَ سرابْ

**

البلادُ التي شَكَّلتْ للحياةِ النواةْ

ومنها مشى الحُبُّ في الكائناتْ

وأُلهمَ فيها الفتى الشِعرَ اِذْ مادَ شَعرُ البناتْ

تقاومُ منذُ عقودٍ بِطولِ قرونِ المماتِ المماتْ

**

البلادُ النواةُ التي بُذرتْ كيْ يقومَ وجودُ البشرْ

شوَّهَ النسلَ فيها شعاعُ النواةِ ليرعبَ أهلَ الوجودِ غريبُ الصوَرْ

**

رُبَّ عَقْدٍ من الدهرِ واحدْ

يعادلُ قرناً وألفاً من السنواتِ بنفسِ الشهودِ ونفسِ المَشاهدْ

**

البلادُ التي لمْ تزلْ تحترِقْ

تحجُّ اليها الى الآن أفئدةُ العلماءْ

يرومونَ تحتَ الرمادِ لقىً أرسلتْها السماءْ

يقولونَ : تحتَ الرمادِ عيونٌ الى الآن ظلَّتْ لمشهدِ عودةِ اسطورةٍ تسترِقْ

***

كريم الاسدي

........................

ملاحظتان :

1 ـ زمان ومكان كتابة هذه المقاطع : في اليوم السابع والعشرين من آب 2021، في برلين.

2 ـ هذه المقاطع جزء من مشروع شعري طويل يشتغل عليه الشاعر منذ أعوام بعنوان (مثنويّات ورباعيّات عربيّة) لينجزه في الف قصيدة وقصيدة حيث كل قصيدة مقطع قصير من بيتين (مثنوي) أو أربعة أبيات (رباعي) وحيث من الممكن نشر كل قصيدة منفردة أو كجزء من الوحدة الكليَّة للمشروع . يروم الشاعر من خلال مشروعه هذا محاورة الحاضر والأرث الشعري والأدبي العربي والشرقي والاِنساني في اسلوب الشعر العمودي أو شعر التفعيلة مع محاولات التجديد في انظمة القوافي والبحور .. تتنوع مواضيع المشروع لتشمل الوجود، الكون، الحياة، الموت، الاِنسان، العالَم، الأخلاق، الحُب، العدالة، الجمال، الزمان والمكان، وقد سبق للشاعر ان نشر أقساماً عديدة من المشروع، مع نبذة عن حيثياته، مواضيعه، تقنياته، ودوافعه ..

 

 

حنان جميل حنايمضي الزمان ..

وتعود ذكرياتي زاخرةً ..

تعانقني كوسادتي ..

تذوب في أقداحي كلَّ صباح ..

أدمنتُ ملمسها ..

كطفلة أدمنت احتضان دميتها

و حكايات لا تنتهي ..

تحمل بين صفحاتها..

كنوز الملوك والسلاطين

 

إيها الماضي ..

غرقتُ فيكَ إلى قامَتي بلا قيدٍ

كفاكَ تزرعُ تنهيدةً ..

تمزقُ أشرعة الحاضر

 

إلى أين تُعيديني أَيّتُها التواشيح

يتيمة الروح أنتِ ..

لكنكِ رفيقة الأعماقِ

تُمازحينني بأغنيةٍ ..

يثملُ بها قلبي النّزقُ

وتنالُ روحي التي تدعى باسمكِ ..

سكرات الشّوقِ ..

 

هل نتعذب ..

لو حملنا وِداً وشوقاً ..

يلحظهُ القلب ولو كان غائراً وما ينساهُ ؟

كل حريق  مُطفَأٌ ..

إلا ناركِ لا تخبو أبداً

 

بين فكيّ الذكرى ..

يغتالنُي شوقي

و حكاياتي تتجلى ..

كألفِ حكايةٍ وحكايةِ

لا تملُّ شهرزاد في سردِها

أسُدلي ستائر إعياء خلجاتي

فالماضي يقتاتُ على ما تبقى مني

حبّاً لله ..

كيف ألثمُ أثقال حنيني ..

و ذكرياتي عميقة الهوى

تكادُ تلبسني كجلدي ؟

***

حنان جميل حنا