علي القاسميفي الأدب البيئي

قصة "مات دُوغ بوش"

بقلم: حسن مكوار

ترجمها من الإنجليزية: علي القاسمي


انظر. هذه واحدة أخرى أستطيع أن أسردها عليك. ساخنة. قصّة التقطتُها قبل أقل من نصف ساعة، عندما وصلت منتصف الطريق تقريباً في مشيتي الصباحية. آه لعل كلمة قصة ليست الكلمة المناسبة هنا على الإطلاق، لأنه لم يحدث الشيء الكثير، أو بالأحرى لعل ما حدث لا أهمية له، أكثر من إطلاقه سلسلة الأفكار التي أشغلتني خلال الستين دقيقة الماضية، ويخامرني شعور قوي بأن عليَّ أن أحوّلها إلى نصٍّ " أدبي" في الحال، قبل أن يتضاءل ذلك الإحساس مرَّة أخرى. وأدرك كذلك أنه كان ينبغي عليّ أن أقول قصص بصيغة الجمع، لأنه تبين لي، حتى قبل أن أروى الحادثة التي بدأت بها السلسلة، أنني يجب ألّا أتكلم عن حادثة واحدة بل عن عدَّة حوادث، متمدِّدة، خيوط متشابكة في شلّةٍ أخذتُ أحاول حلّها منذ أن مررتُ برجل مسكين يقود عربة يجرّها حمار.

أترى، لا أدري إذا كنتَ تشبهني، فبالنسبة لي غالباً ما تلتقي الجغرافية الطبيعية مع الجغرافية العاطفية. فعندما أصل أماكن معينة في مساري المعتاد عبر البلدة الشاطئية التي أسكن فيها الآن، تنتفض فجأة ذكريات معينة في دماغي. أحداث أو وقائع كنتُ أظن أنني نسيتها منذ زمن طويل. فبعد حوالي نصف ساعة من المشي، وفي أماكن معينة، تبدأ تلك السلسلة أو الشلّة بالعمل، بحيث لا أستطيع أن أقبض على أي جزء منها دون أن أسحب تلك الشبكة من الخيوط اللزجة التي تضطرني إلى بذل الجهد في حلّها خلال ما تبقّى من مشيتي، وأحياناً خلال بضعة أيام بعد ذلك. ومن الغريب أن نفس المشاهد تثير نفس الذكريات التي تحرّك نفس البقع العاطفية.  وبالنسبة إليّ عندما أواجه، لنَقُل المناطق المضطربة، فإنها تقودني إلى الاستنتاجات ذاتها أو عدمها. وقلما أنحرف عن تلك الأخاديد التي أسلكها. ولأضرب لك مثلاً مقارناً حديثاً، فمسار مشيتي يشبه موقعاً إلكترونياً تزوره كل يوم، فمن المحتمل جداً أنك ستضغط على الروابط القديمة نفسها مرّة تلو الأخرى. دائماً.

والرابط في هذه الحالة بالذات يتألَّف من مشهدٍ رأيتُه عندما مررتُ برجلٍ مسكين يقود عربته التي يجرَّها حمار، في نفس الشارع الذي أمشي فيه ـــ فقد شاهدتُ، كما تتوقَّع، تلك الحركة المعتادة التي يستخدمها الرجل لحثِّ حيوانه على الإسراع في السير. كان الوقتُ بُعيد الضحى، وكان الصندوق المصنوع من الخشب الرقائقي والكارتون، المركَّب على عجلتَين والذي يجرُّه الحمار المُنهَك، يبدو فارغاَ مع ذلك، فليس ثمَّة كثير من الأشياء المتروكة أمام المنازل ليجمعها ذلك الرجل. لا بُدَّ أن الطيور المبكرة حصلتْ على ما وُجِد من طريدة ذلك اليوم. فكما ترى، لقد خضع الشاطئ الهادر، وهو الاسم الذي أُطلقُه على شاطئ الهرهورة، لتطوُّرَين: الأوَّل، أن مزيداً من الناس أخذوا الآن يسكنون هنا طوال العام، فيرمون أنواع الأزبال المختلفة التي يعيش عليها كثيرٌ من أهالي القرى وأحياء الفقراء المجاورة؛ والثاني أن جميع الأكواخ الشاطئية التي خلّفتْها الفترة الاستعمارية، قد أُزيلت بسرعة هائلة، وبُنيت مكانها منازل كبيرة ذات ثلاثة طوابق. ولهذا السبب، لم يعُد من النادر أبداً رؤيةُ قطعٍ من الأثاث القديمة، والأدوات الصدئة، وحتى أجزاء من الأبواب، مرمية أمام المنازل، ما جعل أبناء الأحياء الفقيرة مسرورين بالمجيءُ لجمعها. ولك أن تتصوَّر أن جميع تلك الخردة تنتهي في ورشات التدوير، أو أن تلك القطع القابلة للاستعمال تجد حياةً جديدة في الأسواق القروية وشبه القروية، التي تقع في الجهة المعاكسة من السُّلم الاجتماعي للمنطقة التي أقوم فيها الآن بإيداع هذه الكلمات في حاسوبي.

في البداية وقبل حوالي عشرين ياردة من اجتيازي العربة التي يجرّها الحمار، لحظتُ شيئاً من التوافق في إيقاع حركة الرجل والحمار أخذت أستجيب لها، وتبادر إلى ذهني أنني سأرافقهما. ذكّرني ذلك الإيقاع بمشهد آخر رأيته في البقعة ذاتها الأسبوع الماضي بالضبط، وحسبتُ أن في وسعي أن أنسج قصةً حول قطةٍ تطارد دراجةَ رجلٍ يبيع السمك. سمكٌ يحتفظ به في سلَّةٍ مغطاةٍ بالخَيش فيما كان يواصل ركوب الدراجة ويطلق صيحاته: سمك، سمك، ساردين، ساردين. الآن لا بُدَّ أنك تدرك أنه على الرغم من انتشار المحلات التجارية والأسواق الممتازة العملاقة في كل مكان، فإن هؤلاء الباعة المتجولين يجدون في المناطق السكينة ما يكفي من الزبائن لكسب عيشهم. وأحسب أن تلك القطة التي تجري وراء الدراجة، تبدو كأنها كانت تعرف من خبرتها أنه سرعان ما ينفتح شباك ما أو باب أو مرأب، وسينادي صوت امرأة من الداخل على بائع السمك ليقف عندها لترى أو ربما لتشم ما هو معروض للبيع ذلك اليوم. ما أدهشني عند رؤية القطة هو ما ارتسم عليها من ثقة بأنها ستُشبع جوعها على الرغم من المسافة الطويلة التي قطعتها دون أن يستجيب أحد لنداءات بائع السمك على دراجته.  ومهما ابتعد بائع السمك بدراجته والقطة تطارده، فستأتي تلك اللحظة، ستأتي تلك اللحظة، بعد المساومة والاختيار وتنظيف السمكة هناك في عين المكان، حين يرمي فيها الرجل بالرؤوس والأحشاء في اتجاه القطة. وخلال الدقائق القليلة التي تابعتُ فيها المشهد، ما زال الوقت مبكراً مثل اليوم، فثمة القليل من السيارات والناس، وبدا لي أنه ما زال على القطة أن تجري لمدّة لا بأس بها قبل أن يأتيها المدد. وعندما يحصل ذلك، ولأسباب تتعلَّق بعائدية المناطق، وندرة الطعام الطازج، إلخ.، فإن القطة قد تضطر حتى إلى الدخول في معركة ضروس للدفاع عن حقها في الأقدمية. تمنيتُ لو كان لدي مصوِّرة لأسجل تلك الحادثة؛ تمنيتُ لو كان في وسعي أن أجمَّد العزيمة، ذلك التعبير عن التصميم الذي ارتسم على ملامح القطة وهي تعدو خلف الدراجة، وصمودها لبذل الجهد اللازم، تعبير كأنه يقول لي: سأنجح، سأنجح، فعليه أن يتوقّف، وهو دائماً يتوقّف...

أتحدث عن تصوير بصري لأن الانسجام الحركي بين سير الحمار وحركة رأس الرجل أمامي

أثار فيَّ نوعاً من الرقص الذي ينسجم بطريقة أو بأخرى مع إيقاع مشاعري في تلك البقعة بالذات، بحيث وجدتني أنتج بحذائي الرياضي إيقاعاً خفيفاً على إسفلت الشارع حتى لحقتُ بالحيوان ورأيت الدم الجديد حيث جرح اللجام زاويتي الفم. ولحظت في الحال القروح المفتوحة على رقبة الحيوان وكتفيه؛ كان في وسعي أن أرى وحتى أن أسمع صاحبه وهو يضربه بعصاه بصورة متكررة في جميع أنحاء جسده، قبل أن أدرك أن العصا كانت مزوّدة بقطعة معدنية في إحدى نهايتيها، لعلها مخرز أو سيخ صغير أو شفرة رقيقة وربّما فتّاحة رسائل صدئة. ومن المؤكّد أن ذلك الرجل يستعمل تلك النهاية، بوصفها كلمة الحسم عندما لا ينفع الضرب المجرَّد، كما في حالة المنحدر الذي نقترب منه الآن، الذي يتطلّب بذل جهد جهيد من طرف الحيوان.

ـ لا تضربه، لا تضرب ذلك الحيوان. ألا ترى الدم يسيل منه؟

ليس هذا ما قلته ــ آسف. لم أقُل شيئاً، لا شيء على الإطلاق. وأسرعتُ قُدماً، وأنا أتساءل لماذا لم أقُل أي شيء، فقط لأجد في شلّال الأجوبة الممكنة، جميع أنواع التبريرات التي غدت أكثر مناعةً كلّما اتسعت المسافة بيني وبين المشهد الحزين. وهذه الأفكار قادت إلى أفكار أخرى، قبل أن تعود لتؤرِّقني الآن، وستبقى تضايقني حتى أضعها على الورق مكتوبة، أو أُبعِدها بالكتابة.

          ـ نعم، سيدي. آسف، سيدي.

أواه، لا. ليس ذلك محتملاً على الإطلاق. فليس الرجل من ذلك النوع الذي يستعمل مثل هذه العبارات المتمدِّنة أو حتى يعرفها. فأنا متأكد أنه لم يتعلّم أبداً. فالكلمات التي وصلتني لم تصدر عنه. وإلا لما استعمل أداة التعذيب تلك على ذلك الحيوان الذي لا حيلة له. فالضرب بالعصا على القروح المفتوحة سيء بما فيه الكفاية، أؤكّد لك. ولكن ذلك الشيء الحاد، يا إلهي، وكل تلك الجراح؛ كيف يستطيع أن يقول آسف إذا كان حتى لا يعلم أنه يفعل أي شيء خطأ؟ حاولت أن أقنع نفسي بأنه حتى حينذاك، حتى إذا فتح عينيه فجأة، ورأى أن ما كان يفعله سيصدم أناساً مثلنا، فأنا متأكد بأنه سيعود إلى نفس الأسلوب حالما أبتعد عنه.

وفكرتُ أن الاحتمال الأكثر أن ردّ فعله سيكون: ـ ماذا؟ أنتَ تكلمني؟ لا يهمُّك ذلك! إن بنيته الجسمية بالمقارنة مع بنيتي، والحملقة الشريرة في وجهه، وبالتأكيد ذلك الشيء الذي يمسك بيده، أثارت في نفسي الحزينة رد الفعل الممكن الوحيد: انتبه. أنت تحت ما يكفيك من الضغط، والشارع فارغ في هذا الوقت من النهار، وأنت لا تحمل معك أبداً هاتفاً خلوياً لطلب المساعدة عند الضرورة، ولماذا تتدخَّل فيما لا يعنيك، إضافة إلى تحذيرات مماثلة.

أو قد يكون السكوت ردُّه الوحيد على عتابي غير المنطوق، مجرد نظرة فارغة على وجه فارغ، وجه ونظرة لا يختلفان عن وجه حيوانه البائس ونظرته، ربما يعبّران عن شقاء أكبر، خلافاً للحيوان، لأن الرجل يدرك جميع المشاكل المتعلقة بمستلزمات جهاده اليومي من أجل تأمين معيشته.

ما الفائدة؟ ما الفائدة؟ ...

ووجدتني أُقلِّب ذلك السؤال في فكري، فيما كنتُ أزيد من سرعة مشيي: يا صاحب الفم الكبير. إذا كنتُ تريد أن تفعل الخير، فلماذا لا تمد يد المساعدة ـ وفي وسعك أن تتصدّق، وتخلِّص ذلك الحيوان من العذاب المستمر. وسرعان ما وصلني الجواب البديهي: نعم صدقتي يمكن أن تحسّن حياة ذلك الرجل لأيام قليلة أو ربما لأسابيع على أحسن تقدير، ولكن ماذا عن الحمار؟ سيُباع ذلك الحيوان مرة بعد أخرى، وحتى العربة ستُستعمَل، ومالم أشتريه من ذلك الرجل بنفسي، وأصطحبه إلى الطبيب البيطري بنفسي كما لو كان حيواني الأليف المدلَّل، فإن لا شيء سيغير وضعه، وحتى لو كان ذلك ممكناًــ تصوَّر فقط ذلك الحيوان في ساحة منزلي الأمامية، والنهيق بين الفينة والأخرى، وتشكّي الجيران ــ وحتى لو أستطيع أن أنقذ فرداً واحداً، فماذا عن جميع الاخرين الذين هم في نفس الوضعية؟ الآخرين الذين لا حصر لهم.

وهكذا ترى، أن هذا الشغل أو الانشغال، بدون تكاليف جارية أو ضرائب أو أي شيء آخر، مجرد الاستثمار الأولى في اقتناء ذلك الحيوان المتواضع وفي تلك العربة المصنوعة من حزم مستعملة وأنابيب معدنية وعجلتين في أواخر عمرهما الرابع، وصندوق من الورق المقوّى، يجرّها كلا الرجل والحيوان من شروق الشمس إلى غروبها ـ شيء سهل بما فيه الكفاية، لاحتراف هذه المهنة هنا وفي البلدان الأخرى التي تسمى بالعالم الثالث، من قبل أناس لا يملكون شيئاً على الإطلاق، ومنعَتهم كرامتهم من التسوّل. ينبغي أن تتولّى الحكومة، وليس فرداً واحداً، أو إدارة خاصة بمنع تعذيب الحمير والبغال. ولكن أي وزير أو حزب سياسي أو تنظيم غير حكومي يجرؤ أن يقترح مثل هذا الإجراء الذي سيقابل بكثير من السخرية والاستهزاء، والذي سيؤدي عند تطبيقه إلى صعوبات اقتصادية عند ضياع مئات الآلاف من أسباب المعيشة التي يوفّرها ذلك النشاط؟ سيكون ذلك الإجراء مثل قرار منع التسوّل والاستجداء هنا. حاول وسترى!

لا تضربه، لا تضرب الحيوان، إنه ينزف دماً.

ليس ذلك ما قلتُه. لم أقُل شيئاً ـ آسف ـ لا شيء على الإطلاق، وأسرعتُ لأدفن رأسي في حاسوبي، كما أخبرتك. ولكن ذلك المشهد جعلني أتذكر ذلك الوقت، أو تلك الأوقات، التي كنتُ فيها، كما تعلم، قبل أربعين سنة، أخرج مع مارلا. أتذكر مارلا؟ كانت أكبر مني بقليل آنذاك، وهي مُحِبَّة للحيوانات بحماس، ولا تتردد أبدا في إيقاف مثل أولئك الناس وزجرهم، تماماً مثل ذلك الرجل الذي أثار فيَّ ذلك الانفعال الهادر هذا الصباح. دعني أخبرك أنها في بداية إقامتها في هذا البلد ـ فقد كانت تدّرس اللغة الإنجليزية في مدرسة ـ كانت أول جملة تعلّمتها أو حاولت تعلُّمها باللغة الدارجة تبدو مثل " مات دوغ بووش"، " مات دوغ بووش" (وتعني: ما تضربوش)؛ ولكن بالنسبة لأولئك الذين لم يخاطبهم أناس مثلنا إلا نادراً، ناهيك بامرأة أجنبية شقراء، فإن هذه العبارة تبدو مثل بربرة.  وبوجهها ذي الفم المفتوح الذي تنبعث منه جميع ألوان الاستياء والغضب، لا يملكون إلا أن يحدّقوا فيها. أذكر المرات العديدة التي صرخت فيها مارلا على صاحب حمار أو بغل. فيتلفَّت هؤلاء الرجال المساكين يمنة ويسرة وإلى الخلف، ليروا ما إذا كان هناك شخص آخر مقصود بهجومها، فيما أجلس أنا صامتاً في السيّارة.  أنا متأكِّد أن لا أحد منهم استطاع أن يفهم بأنها كانت تحاول أن تتكلَّم معهم وبلغتهم لتأمرهم بالتوقُّف عن ضرب تلك الحيوانات السيئة الحظّ التي يركبونها أو يجرّونها وهي تحمل أو لا تحمل أطناناً من الأثقال على ظهورها.

ذات مرّة عندما كنا ما نزال معا ــ استمرت ما يمكن تسميتها بعلاقتنا حوالي سنة قبيل أن ألتقي بالمرأة المرهفة الإحساس التي كُتِب لي أن أرافقها في رحلةٍ سعيدة بطريق لمّا تنتهِ بعد ــ كانت مارلا على وشك أن تورِّطنا معاً في مأزق بغيض، عندما أوقفت سيّارتها ذات صباح في وسط شارع مزدحم، وخرجت من السيّارة محاولةً أن تنتزع بالقوة عصا ثقيلة قبيحة من يد رجل كان مستغرقاً منذ عدّة دقائق مزعجة في ضرب حيوانه الذي حَرُنَ في ذلك السوق السياحي المكتظ فيما كنا نزوره.

بيدَ أنّه من حسن حظ مارلا ـ ومن حسن حظي كذلك، فقد كنتُ في الحقيقة في حيرة من أمري: هل ينبغي عليَّ أن أتدخل أو لا ـ أنَّ المقيمين الأجانب في بلادنا كانوا يتمتعون في ذلك الوقت بامتيازات أقرب ما تكون إلى الحصانة. ولهذا فإنَّ عديدين في الزحام أسرعوا بصورةٍ تلقائية لمنع ذلك المواطن الغاضب من تحويل عصاه من البغل إلى رأس السيدة الصغيرة. مَن الذي كان سيصدِّقه إذا ما قام بدفع المرأة بعنف أو أسقطها أرضاً وهو يصرخ: اتركيني لسبيل حالي، أيتها الفاعلة التاركة؟ مَن الذي سيصدقه إذا ادَّعى أن تلك المرأة المجنونة أوقفت سيارتها، وخرجت منها، واتجهت نحوه وهاجمته دون أيِّ سببٍ على الإطلاق؟ دون أي سبب في مقدوره أن يدركه، وطبعاً لم يستطِع أن يفهم حينذاك، بل ربّما لا يستطيع أن يفهم حتى اليوم إذا كان ما يزال حيّاً: لماذا خرجتْ من سيارتها، وعرقلتْ حركة المرور، ورمتْ بجسمها الصغير عليه، وهي ترتعد غضباً، محاولةً إيذاءَه؟ وما فعله هو مجرَّد إبعادها عنه. كانت ستذهب جميع شروحاته وتوسلاته سُدىً، وهو في طريقه إلى مركز الشرطة، بسبب الفارق الفاضح بين المتخاصمَين في الحجم، وبسبب مليون شيء آخر.

وعندما تذكّرت عبارة " مات دوغ بووش" القديمة، تداعت أفكار أخرى في دماغي، واختلطت بذكريات حياةٍ، في وقت أقف على عتبتها وقد أصبح معظمها الآن ورائي. ومن هذه الذكريات، شغلني استعمال جديد لصورة تلك القطة، التي ذكرتها قبل قليل، وهي تواصل الجري وراء دراجة صياد السمك. فأنا في نهاية الأمر، لم أرَ إلا فرقاً قليلاً بين وضعي آنذاك وبين القطة التي كانت تجري وراء سمكة مفترضة. فقبلَ أربعة عقود من الزمن، كنتُ أجرى وراء شيء كانت له جاذبية قوية تماماً مثل سمك الساردين للقطة السائبة في ذلك الشاطئ الهادر. كنت مدفوعاً بجميع الدروس التي علّمتني أمي عن الحياة، وأنا كلي ثقة وأمل، نحو هدفٍ أسمى وهو أن أكون مؤثّراً في الحياة وأُحدث فرقاً فيها، وكنتُ أقول لنفسي: ستصل إلى هناك، ستصل إلى هناك، دون أن أكون قادراً على تعريف " هناك ".  عندك القدرة على اتخاذ القرارات الصائبة، ولديك التعليم الجيد، فقط كُن حذراً.  وكِن متحفِّظاً. وأخيراً عندما وصلت إلى هناك، وجدت أن السمكةَ متعفِّنة.  وهكذا أضعتُ جميع الوقت في السعي لتحقيق أهدافي، وفي الدفاع عنها. واستنفدتُ جميع طاقتي في محاولةٍ لتغييرِ أشياءٍ لم أكُن أملك وسائل تغييرها، ولم أكن قادراً على التحرُّك بنفسي، تماماً مثل ذلك الحمار بدون استنهاض قاسٍ.

وطبيعي أن جميع ذلك التفكير، الموضوع بين قوسين في كل نهاية من نهايتي نفق الأربعين سنة من احتجاجات "مات دوغ بووش" المنطوقة والصامتة، جعلني طوال ما تبقى من مشيتي مشغولا بحلِّ كتلةِ خيوط الذكريات، ثم تغطية ما أنبشُ منها بالتراب. ولنتحّدث يا صديقي عن مادةٍ للأدب، أو مادةٍ لمحكمة جنائية، حتى لو كانت مُتَخَيَّلَة. محكمة الضمير الإنساني. كيف تُعِدُّ مرافعةً للدفاع عن جميع ما لم تفعله في حياتك. وما يهمني خطّان للدفاع، مثل خطَّين للحياة، هما كل ما أستطيع أن أعتمده الآن.

في الخط الأول، كنتُ سأحاول أن أبرّر الفعل أو اللافعل بالحالات التي شهدتُها طوال حياتي. وعندما لا يتكلّم الملايين، ولا يسمعون، وحتى لا يرون، فإنَّ صمتك يا صديقي سيجعل منك خبيراً من نوع ما في هذا الشيء الذي يُسمّى بالتعذيب، سواء استُعمِل مع الحيوانات أو مع البشر، وسواء استُعمِل في العموم أو الخصوص، في العلن أو الخفاء.

وفي الخط الثاني، يا صديقي، الخط الثاني من الدفاع أو الإنقاذ في هذه المحاكمة المتخيَّلَة، سيقلب الوضع، ويجعلني أقف شاهداً على جميع أولئك الأحياء أو الموتى، البعيدين أو الذين ما زالوا قريبين، أولئك الذين وضعوني مجازيا في موقف ذلك الحيوان المعذَّب. وقد أفعل ذلك على شكل حوار داخلي أو حتى مسرحية، عندما يحين الوقت لذلك، قبل موتي. أما الآن فدعني أقول لك إنني لا أميل إلى الحفر أكثر من اللازم.

انتهت

***

الأدب والبيئة

د. علي القاسمي

1948 حسن مكوارفي أواسط القرن العشرين، كان الاقتصاديون يعملون بمفهوم " التنمية الاقتصادية" الذي يقيس تقدُّم البلاد بالزيادة السنوية في إنتاجها القومي، ومعياره معدّلُ دخلِ الفرد. فالهدف هو نمو ثروة البلاد بحث يكون معدل الزيادة السنوية فيها أعلى من معدل الزيادة السنوية في سكّانها.

 وفي الثلث الأخير من القرن العشرين ظهر مفهومان:

الأول، حركة " الخضر " التي تجسّدت في جمعيات وأحزاب سياسية في أوربا وكندا وأستراليا، أي البلدان الصناعية. وتدعو حركة الخضر إلى المحافظة على الطبيعة، والاهتمام بالبيئة، والحدّ من التلوّث الذي تفرزه المصانع.

الثاني، مفهوم التنمية البشرية، الذي يقيس تقدُّم البلاد لا بنموها الاقتصادي، بل برقيِّ حياة المواطن فيها، بحيث أصبح الإنسان محور التنمية وهدفها ووسيلتها في آن واحد. وابتداءً من سنة 1990، أخذت منظمة الأمم المتحدة تُصدِر تقريراً سنوياً بعنوان " تقرير التنمية البشرية لعام ـــ". ويقيس هذا التقريرُ التنميةَ البشريةَ، بثلاثة مؤشِّرات: التعليم، والصَّحة، وكفاية الدخل الفردي لتأمين معيشةً تليق بالكرامة الإنسانية. وروَّج هذا التقرير لمفاهيم أخرى في مقدمتها مفهوم " التنمية المستدامة" أي استخدام الطبيعة (الأرض، الماء، الهواء، العناصر الأخرى في البيئة) في عملية التنمية بصورة عقلانية تلبّي احتياجات الحاضر، دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها.

ونظراً لتبادل التأثير والتأثُّر بين الدراسات الإنسانية، سرعان ما ظهر في الأدب، أواخر القرن العشرين، مفهوم " النقد الأدبي البيئي" الذي يُعنى بدراسة الطبيعة والبيئة والمكان في النصوص الإبداعية. وجاء هذا المفهوم بعد ما يسمى بأدب ما بعد الحداثة.

وإذا كان بعض أعلام النقد الأدبي البيئي في الغرب يشيرون إلى أننا ينبغي أن نتلمَّس أصوله في نتاج شعراء الحركة الرومانسية في أوربا خلال القرن التاسع عشر، لعنايتهم بوصف الطبيعة وجمالها؛ فإن الشعر الجاهلي مليء بوصف الطبيعة والبيئة: رمالها، ونباتاتها، والناقة أو الفرس التي يركبها الشاعر، وأطلال منازل الحبيبة التي تشبه المها في لفتاتها وجيدها وعينيها، إلخ. أليس الأدب محاكاة للطبيعة والحياة؟!

ومنذ أن حصل صديقي وجاري الدكتور حسن مكوار على الدكتوراه في الأدب الأمريكي من جامعة براون في الولايات المتحدة في أواخر السبعينيات، وهو يسكن في شاطئ الهرهورة بالقرب من العاصمة المغربية، الرباط. وقد نما لديه ولع شديد ببيئة ذلك الشاطئ الذي يقع على المحيط الأطلسي، بجميع عناصره: الناس بمَن فيهم المشردون، والحيوانات الداجنة والسائبة، والنباتات، والطيور البحرية والبرية، والطبيعة الخلابة. وقد تمثَّل هذا الولع في جميع أعماله الفنية: الشعر، الرواية، القصة، والرسم. علما بأن دافعه الأول لإبداعه ليس " النقد الأدبي البيئي" بل حبّه للشاطئ الذي يسكن فيه.  بيدَ أن إنتاجه الأدبي كلَّه باللغة الإنجليزية. وقد لفتت انتباهي قصته القصيرة " مات دُوغ بوش" التي نشرتها مجلة Mizna الأمريكية في عددها الصادر في 8/2/2017، فترجمتُها إلى العربية، آملاً أن تعجب القارئ الكريم كذلك وهي بعباءتها العربية.

المترجم

 

 

 

وليد العرفي وافيْتُ قبرَكَ أستجدي الحنينَ أبي

        وهلْ سوى القلبِ في الآباءِ قلب نبي؟!

أرى بكَ القبرَ يزهو في مُفاخرةٍ       

                 كأنَّهُّ مُدركٌ مَنْ ضمَّ في التُّربِ

 العابدَ الصَّائمَ المحبوبَ طلعتُهُ

         والصّابرَ الشَّاكرَ النُّعمى على الكربِ

أتيتُ بعدَ سنيني العشرِ عشتُ بها 

                 كابوسَ عمرٍ منَ الآلامِ والنُّوبِ

مرَّتْ بنا  خنجراً مازالَ يجرحُنا      

                  بالذَّكرياتِ فأمسِ الآهِ لمْ  يغبِ

ولم يزلْ نزفُنا والجرحُ مُندملٌ

            ولمْ يزلْ دمعُنا في الرُّوحِ والعَصَبِ

أتيتُ بالآسِ محمولاً على قدمٍ         

          لوْ كنْتَ تُبصرُ ذاكَ الطّفلَ في الشَّيبِ

بكيتْني قبلَ أنْ أبكيكَ يا أبتي           

               وكنْتَ وسَّدْتَني قبري لترأفَ بي

وإنْ سألْتَ عنِ الدُّنيا وحالتِنا 

           ماذا أقولُ وقدْ أُعْجِزْتُ مِنْ عَجبي؟!

قتلُ النُّفوسِ غدا عاداتُ مجتمعٍ        

              والنَّاسُ تفخرُ في غدْرٍ وفي كذبِ

  وترفعُ النذلَ  بالأموالِ منزلةً        

            وتخفضُ العالمَ المفضالَ في الرُّتبِ

 نعيشُ أيَّامَنا لكنْ بغيرِ غدٍ    

                      مُعاقبونَ بلا ذنْبٍ ولا سببِ

بقيصرِ الغربِ شحَّ الحلمُ في غدِنا    

                     وزادَ بلَّة طينٍ غيمةُ العربِ

إذْ أمْطرَتْنا سمومَ الحقدِ أقتلَها    

           لوْ نخوةُ العُرْبِ ساوتْ نخوةَ الغُرَبِ

 تكالبَ الشَّرُّ في أرضٍ وفي بَشرٍ

               إذْ جاءَ مستعمرٌ في إثرِ مُغتصبِ

  نحيا الحياةَ كأمواجٍ نُصارعُها       

         والبحرُ مُضْطربٌ والرِّيحُ في صَخبِ

  وأتقنَ الأخوةُ الأعداءُ طعنتَنا         

           وأصعبُ الحربِ أنَّ المعتدي عربي

  وحالتي حالُ مَنْ يمشي بغير هدى  

               وقد يضلُّ بصيرُ العينِ  بالحجبِ

 قد تُمسِحَ الحسُّ في نبضي وعاطفتي   

                  كأنَّ روحيَ تمثالٌ منَ الخَشبِ

وجئْتُ مِنْ غير أقدامٍ تُسابقني   

              روحي إليكَ وقدْ أعيَتْ مِنَ التَعبِ

 وقدْ كبرْتُ على الدُّنيا ولمْ ترَني

                  إلَّا الوليدَ الذي يحتاجُ  للَّعبِ

  لمَّا بكفّكَ شعرَ الرأسِ تمسحُهُ

          ليصبحَ الكونُ كلُّ الكونِ ملكَ صبي

دلَّلْتَني ولداً إذْ أنتَ داليةٌ

                    وكنْتُ آخرَ عنقودٍ مِنَ العنبِ

 يا قبرُ عفوَكَ لمْ  تُخصبْكَ بي  مُقَلٌ

                 يا رحمةَ اللهِ بُلِّي القبْرَ وانْسكبي

             ***

د. وليد العرفي

 

 

حسين فاعور الساعديحديقتي جميلةٌ وضيعتي غنّاءْ

حديقتي في قلبِ ضيعتي

وضيعتي يحيطُها جدارْ

يصونُها جدارٌ شاهقٌ متينٌ

ليس من اسمنت أو أحجارْ

يردُّ عنها الريحَ والذئابَ والغربانْ

يصونُها ويمنعُ الأخطارْ

يصونُ أهلَها

يمدّهم بالحبِّ واليقينْ

ويملأ النفوسَ بالإخاءِ والإباءْ

حديقتي في قلب ضيعتي الفيحاءْ

وضيعتي يصونُها جدارْ

يغرّدُ العصفورُ في ربوعِها

وفي نهارها يصرصرُ الصرصارْ

يطنطن الدبّورُ للثمارِ

يمرحُ الخروفُ في أحضانها

لم أصُنْ حديقتي

غفوتُ عن ثمارِها

غفلتُ عن جدارِها

وأهل ضيعتي نيام

تشقّقَ الترابُ في حديقتي

تجعّدتْ أشجارُها،

تطايرتْ أوراقُها،

تبخّرتْ ظلالُها،

تعفّرَ العصفورُ في أرجائها

رأيتُ الموتَ صائلاً وجائلاً

في عرضها وطولها

فهاجرَ العصفورُ والخروفُ

والدبّورُ والصرصارُ والغزالُ

دوّى الصمتُ في أرجائها

وأجدبتْ حديقتي من شدّةِ الأحوال

وكنت نائماً

وعزوتي نيام

أفَقْتُ من غيبوبتي وغفلتي

وجدتُ الذئبَ حوَّلَ الأنهارَ

عن حديقتي وضيعتي

وهدَّمَ الجدار

ناديتُ عزوتي أبناء ضيعتي

استنهضتهم

ناديتهم

ناديتهم فغلّقوا الأبواب

جمّعتُ طاقتي

أسندتُ قامتي

جمّعت خبرتي

نفضتُ اليأسَ والضياع

سحقتُ الصخرة الصماءْ

بمعولي حفرتُ حاجزَ الترابْ

فعادت الأنهارُ في حديقتي

وضيعتي تنسابْ

شجّرتها حديقتي بأحسن الأنواع

شذّبتُها

حضَنتُها

سقيتُها

مزقتُ ما لديَّ من ملابسٍ

هجّنتُ ما استطعتُ من أشجارها

راقبتُها ...

رافقتها فبرعمتْ

راقبتها فأطلقتْ

رافقتها بغبطةٍ

حضنتُها فنوّرتْ

حضنتها ...

رافقتها فأثمرتْ

رافقتها ...

حضنتها فأينعتْ

وأعطتْ أطيبَ الثمار

فغرّدَ العصفورُ في الصباحِ

عند الظهر أعلنَ الصرصار حفلةً

وبعد الظهرِ طنطنَ الدبورُ

عادت الثمارْ

وكم فرحتُ حين في حديقتي تبخترَ الغزال

فدقَّ قلبي من جديدٍ راقصاً

وعادتْ طاقتي

شعرتُ بالفخار

بنيتُ حولها عقيدتي قصائدي جدار

لم يكن للذئبِ شأن بالجدار

لكنه أطل من ورائه

وقدّمَ احتجاجاً

أرسلَ الغرابَ ناعقاً:

الحياةُ أفقها انفتاحْ

وعزها انبطاحْ

والخيرُ قادمٌ يعيقهُ الجدار!

فهب أهل ضيعتي وصدّقوهُ

صفقوا لقولِهِ

واستنكروا الجدار

فدار بينه وبينهم حوارْ

تشعّب الحوار واستفاض

فالغرابُ لا يزالُ

في تراث عزوتي ينام

والغرابُ يمشي في عروق عزوتي

وأهل ضيعتي

وبينه وبينهم غرام

فهدّموا الجدارَ

أسقطوهُ...

بايعوا الغرابْ

خليفةً وقائماً مقامَ

ربّ الأرضِ والسماءْ

فحوّل الأنهارَ عن حديقتي وضيعتي

ويبّسَ الأشجارَ

أشعل النيران في عشرين موقعاً

وقسّمَ الجيرانَ مؤمناً وكافراً

وعلّمَ الأطفالَ رقصة الفناءِ

والولاءَ للغرابْ

ليحفظ الخرابْ

ويضمن البقاءَ في حديقتي ما شاءْ

***

حسين فاعور الساعدي

 

سالم الياس مدالوشح موج النهر

والاشواك

والعوسجات

تكالبت وزهيرات

البنفسج والاقحوان

باتت حزينة

حزينة

تنتظر

االبرق

الريح

والمطر

وانا قرب سياج

حقل البنفسج الحزين

احصي احزاني

انت مثلي اذن

تخبئين شجر نبق

الطفولة في دمك

وتنتظرين المطر

فالاشواك

والعوسجات

تكالبت

وعلى ضفتي

نهر الحب

اليمامات

والعصافير

تذرف دموعا

حزينة

حزينة

وشرق المرج

بتلات يابسات

وغزلان شاردات

تنتظر المطر

***

سالم الياس مدالو

 

 

قدور رحمانيلما احتضنتكَ

بالأنوار مُتـّسِقا

صارت مواسم صدري كلـّها ذهبا

كل النجوم التي أحببتـُها 

غرَبتْ

ونجم حبك عن عينيّ ما غرَبا ..

أقبـّـل الشهد

 في كـفيك متصلا  

وأحضن العاشقيـن الكأس والعنبا ..

قد كنتَ

في درر الأسرار ملتحفا

شلالَ ضوء

دعاه الله فانسكبا ..

في ظل ثوبك

يغدو للحصى وهج

يُعسـّـل الأرض والأبعاد  والحقبا ..

فكيف يدنو

بيان الشعر من أفــق

في وجهه لخص الأقماروالكتبا ..

 الشوق يأكل

من تفاح أوردتي

ومن شرايين قلبي ينسج الشهبا ..

يا سيدي ...

لغتي سوط يعذبني             

فكم كتابٍ

على صدري قد انكتبا

وكم كتابٍ

غيوم النبض تكتمه

سربا تزاحم في التـّحنان واغتربا ..

لم يبـق من شفتـي 

إلا ضبـابُ  دم

ماذا أقول ودمعي حيّـر الهــدُبا ؟

***

قدور رحماني

  

 

عدنان البلداويلا تَصُدّوا قبل أن تَستنطقونــي

رُبَّ حَرفٍ يَقلِبُ الصـدَّ لقـــاءا

 

عَزِّزوا حُسْنَ النّوايــا واجعلـوا

هدفَ الخيــــر سبيلاً وســـناءا

 

كلُّ وَصْلٍ لم يَدَعْ للصّدق مأوى

عَبَثٌ يزرَعُ فـــي الاحشاء داءا

 

لا تجامل فاصطناعُ الشوقِ وَهْمٌ

كُــلُّ نَهْجٍ كـاذبٍ يمضــي هَباءا

 

واذا الحِكمةُ في الصّمْتِ اقتَضَتْ

ذاك أجْــدى إنْ نَوَيــتَ الإهْتداءا

 

لا تُراوِغ مَـــنْ لَمَسْــتَ الودَّ فيـه

كُن صريحاً واجعل الدّربَ مُضاءا

 

هاجــسُ الخطوةِ  ..  أتـْقِنْ وَقْعَــهُ

واستــعِنْ بالحِــلم هـدياً واقتـــداءا

 

غايـــةُ الإصلاحِ تقويـــمُ الخُطــى

فَلْيَــــكُنْ صَرْحُ العُلا أعلــى بناءا

 

يتنامـــى الحُــبُّ غُصنــاً طــاهراً

إن سَقَتْـــه عِــفّةُ النفــس صفــاءا

 

بَعدَ حيـــنٍ تحفظُ الذكرى رسوما

فاشْبِع الألــــوانَ فــي الرّسم نقاءا

 

ان تبادَلــْتَ كلامــاً فـــي الهوى

حَصِّن المعنى وَدَعْ عنك الرِّياءا

 

فالمعاني ذات مَغْزىً في المَدى

فاملأ المغزى سُــموّا وارتــقاءا

 

كل مَــــنْ يَلْبَسُ وجهيـــن ليحبو

ليــس يخفى انّ فــي القلب نداءا

 

والمعالــــي جُــبِلَتْ مُـــذْ وُلــِدتْ

تَصْحَبُ الأقْدَرَ والأنقــــى رداءا

***

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

 

 

ستار موزان1- احتدام

انا في طرف المدينة الشمالي

‎ .......إيهٍ

أنا أنظر إليك وأتململ

أرسم متاهة روحك في حلم دغل

وأسأل الشكَ الذي يتشكل

مامعنى الريح

اذا هبت من قلب غابة

‎أو من كتاب أزل

مامعنى الريح اذا غابت

وغابت معها الروح

ومالت على سفح جبل؟

انا فوق السيل القادم

من سر منابع الحجر

انظر إلى السهل

الذي يستقبل المطر

حيث شعلة الروح

تتلألأ عند إحتدام الأجل

**

2- ريح البيت الغريب

ميتةٌ هي الريح

لا أثر لها

لا مخابئ لها

ولا حجر يلوح لها

ولا أنيس يفضي عليها

ألمَ العابرين نحو هبوبها،

لكنَّ قوسَ المطر الملون

يُنهي المكانَ الذي لفهُ الوقت

يوم كان البرد يعلو مسارها،

وإذ هي ترى ماءها

تئنُ من شدة حصاها الذي يملأ

البيت الغريب ......

مالك الأشجار الغريبة،

وإذ هي .......أي الريح

تشدو بصفيرها الخافت

علَّ البقاء ينمو فوق البيت الغريب

البيت البعيد الذي نزل اليه الزمن روحاً

وإذ قال للأولين أمكثوا عند مخابئ الريح

فلو جاءت ثانيةً ودبت الروح في نسيجها

لوّحوا لها ان تصفرَ وتهدر بقوة

فوق ذلك البيت الغريب،

لكنَّهم لم يمكثوا هناك

ولمْ .

**

3- ماذا تبقى من الريح.

‫ماذا تبقى من الريح

غير هذا الأثر الجريح

ماذا تبقى من النهار

غير هذا الغبار الدوّار

ماذا تبقى من الإرتفاع

غير هذا الهيكل الصريع

وماذا تبقى غير هذا الإحتمال

ان تعبرَ سور المدينة خلسةً

وتنأى بعيداً عن كل انفصال

ماذا تبقى من هذا العبور

غير هذا المد الذي لا يفور

غير هذا الحجر الأزرق والأسفار

**

4- خاتمة

على ظلمة الجبل

حطَ خيطُ ذهب

فتدفق ماءٌ وعسل

وصادف غريب

يُوصل

الحجرَ الملون بالنهر

ولم يصلْ

ولم يقلْ

إن النهرَ رمزٌ

وان البرَ أجل

ولم يُلقِ خاتمةَ الوقت

على جسد الماء ولمْ

ولمْ يزل قارب النهر ماضياً

حيث نشيد الغريب سر سهل

لكنَّ الغريبَ أخبرَ الريحَ

أن تنخفضَ قليلاً

وتلمس ماءَ النهر

أن تنخفضَ أكثر

وتلمس حصى النهر

أن تُلقي أسماء المدن

في فورة الماء وتعلن الزمن الذي

راح يغلي في الغياب،

لكنَّ الريحَ ستأتي من الشمال

وستخبرنا عن اللذين عبروا النهرَ

اللذين جاءوا بلا مراكب تحملهم

أو مرافيء تستقبلُ حنينهم

ولا حتى

فصول تلون صورهم

أو وجودهم الزمني،

لكنَّهم سيأتون الليلة

محملينَ بالقصب والبردي

والماء الفضي،

سيأتون الليلة ويعبرون النهر

نحو بساتين الغبش

مات مطشر بن شلش.

**

5- تشيوء

الى غياث عبد الحميد الكاتب

ربما ينزل المعنى على جسد النشوء

ربما يتشيوءُ المجالُ الممغنط في حال القنوط،

ويسيرُ الزمنُ الغائب على درب الأفول،

ربما يتحللُ الغيم الثقيل بزوغاً في سماء الرحيل،

وأيُّ رحيلٍ هوى على صفائح الإرتفاع،

ولوّى نتواءاتِ النبوءة بلوح الإنخفاض،

وأنتَ ماذا تصنعُ بنفسك

ماذا تصنعُ بهذا الامتداد الغريب

ماذا تصنعُ بروحك التي تجهش بالبكاء

وتتدلى من الدمع بحراً،

ماذا تصنعُ بكل هذا النزول المُر

سلالمَ يقين،

ماذا تصنع بكل هذا الإلتواء

وتوقظُ جوقة العازفين على ليل البر

سراب،

إيهٍ موسيقى تنفذ في نهارٍ ضائع

وتحللُ جدران الحضور في اول الضجيج،

إيهٍ ياغياث

ياطالعاً للبر سفراً

ياضالعاً في المآتم سوراً

وثواب،

قدرناكَ نجمةً دوارة في الغياب

سوّرناكّ هيكلاً جديداً في الظل،

ربما تصنعُ لنفسكّ قارباً سحرياً

وتمضي في غلو النهر

ربما توقدُ في لحائهِ شموعاً خضراء

لتضيءَ نهراً ملتوياً في مداه

ربما يجنُ المرسوم في هواه

فيحينُ وقتُ البلوغ،

ياسيدة الأقدار

يانقيضة القرائن والأسرار

خذيني بيديكِ الضوئيتين

الى النواة،

خذيني بيديكِ لأتحللَ

في المدار،

خذيني لأدورَ دورةً عظمى

فاتحول الى نقطة غبار.

***

ستار موزان

شاعر عراقي مقيم في النرويج

 

بن يونس ماجنعرب اليوم

لا يشعرون بالعار

وليس لهم احساس الغضب

عبثا يلعبون بالروليت الروسية

ويتوسدون نشارة الخشب

ويشهدون الزور

على ضريح لا يوجد فيه احد

عملتهم النفط والشيكل والدولار

اعجوبة انهم لا يتذكرون

فظائع اليهود الاجرامية

واعجوبة ان اليهود

لا ينسون ابدا خرافة الهولوكوست  الاسطورية

 

عرب اليوم

غارقون في الوحل

يتحالفون مع الشيطان

لم تكتمل اضراس العقول لديهم

ويجهلون ان السلام المزيف مع العدو

انه مادة نتنة معبئة في زجاجة

سرعان ما تتعفن

وتنكسر الزجاجة

عرب اليوم

قطيع تائه

بين انياب الذئب

وابتسامة التمساح

ومن اجل ارضاء قتلة الانبياء والمرسلين

يشعلون النار في اجسادهم

ويصنعون بالرماد والفحم

زيا فولكلوريا ليتسلى به اطفال اليهود

واقنعة واكسسوارات وزهور اصطناعية

ويدفعون الزجية للعم سام

يريدون ان يلغوا الذاكرة الفلسطينية

من الارض المسروقة

انهم حقا زبانية أل صهيون

فويل للمطبعين

وويل للمنبطحين

وويل للراكعين

لعبدة الطاغوت الملعون

***

بن يونس ماجن

 

سمية العبيديقبب ُ الاسمنت تهرُّ ُبوجهي ...

والاشجار بخيلات

هرم ٌ يحمومي ّ ٌ

ووسائد نار ْ

عنقي افعى

والعينُ فنار

القبضة جند ُ

والروح تجدّ ُ

بئرٌ عطشى

وزكيبة ثار ْ

وجباه الاخوة لم تعرف عرقا ً

أهنا تتفصّد احساسا ؟ !

وجهي صخرٌ في واد ٍ مسحور

وجه يتكررّ ُسلسلة لمرايا دم ْ

وزوايا موحشة ٌ

وتكايا همّ ْ

والانس

عناكب من غضب ِ

وملاحم جاشت في القلـب ِ

الصدر وجار

والبعـد جدار

الجوع يتأبط شر ْ

والصوم مفر ْ

ونوافذ مربعنا غرثى

صور الاشباح

تقمّطها

أنا والسارين الى قمر ٍ أشيب ْ

نتزيّا اكفانا

الفرحة تنسانا

أزهار الباحة ِ ...

ورد طقوس الدفن

و زركشة الشرفاتْ

أسنان ٌ والغة ٌ

تشرب ْ

***

سمية العبيدي / بغداد

 

عبد الامير العبادينحنُ المجبولونَ على الاسئلةِ

نحنُ العاجزونَ عن الاجابةِ

نعامُ الأرضِ تشبهنا

غريبةٌ هي اطوارنا

تلهمنا تفاحةٌ جعلناهُ مصداقاً

لحتفٍ يطاردُ رقابنا

وقلنا انَّ الذكوريةَ الشيطانيةَ

تقمصتنا

لكني رفضتهُ واخترتُ لي ابليسةً

لعلني اغويها برسالةٍ

من السماءِ الثامنةِ التي رسمتها

لوحةً من وحيِّ مايكل انجلو

غريبةٌ هي مناسكُ الموتِ

فوانيسٌ انْ متُّ ضعوها بجواري

لاني حتماً احادثُ منكراً ونكيراً

اقدمُ لهما ما تبقى من ماءِ الوردِ

الذي القاهُ فوقَ قبري آخرَ مَنْ

زارني

ثم اعطرهم مما تبقى من عيدانِ

البخورِ ،

اخبرهم قولَ المسيحِ

من كان منكم بلا خطيئةٍ ليرجمها بحجرٍ

حتماً يغادرونني الى الربِ

رفقاً بهِ انهُ لم يشاركْ قطفَ التفاحةِ لكنهُ ارادَ قتلَ كلِّ الافاعي ليحيا الإنسان.

 

قوامتي الابديةُ الطهرِ

لاتربةٍ اردناه مزاراً

سرقوها اللصوصُ وما علموا

سرقوا اتربةَ جباههم

الانَ اواسي مَنْ؟

لي ظلٌ اغوتهُ اشعةُ الشمسِ

تكسرُ من ألاهاتِ لعله يتخفى

او يكون رمزاً تلهبهُ حماسةٌ

يتدلى ثورةً تمتدُ رويداً رويداً

تمتشقُ نشيداً انتظرناهُ.

***

عبدالامير العبادي

 

 

خليل ابراهيم الحليحين أرحل، سأتركُ كلَّ أشيائي

رسائلي، عطري، وكلَّ أثوابي

حين أرحل سأبعدُ عني ذكراك

وأرمي كلَّ عواطفي

وأحرقُ كلَّ اشعاري

سأترك كـحلَ عينيك

يبحث عن صوري

في دروب اسفاري

وقت ما ارحل

سيرتوي العالم من دمعـكِ

ولن يمحو أحزاني

وقت ما ارحل

ستغدوُ الارضُ قاحلةً

وتجف كل الأنهارِ

ويبقى قلبي نابضاً

باسمك في كل شرياني

ليعيد الخصب لذاكرتي

من بعد طول نسياني

وبعد الرحيل

ستبحثين في دروب حارتنا

لن تجدي سوى رماد نيراني

***

خليل  ابراهيم الحلي /سدني ....

 

حسين يوسف الزويدعذراً أحبتي في المثقف الغراء لقد تأخرت عليكم بسبب معاناتي  من تعب القلب

بُشْــــراكِ مَكَّةَ إنَّهُ الميــلادُ


                  وعلى أديمِكِ فَجْرُهُ الوقّادُ

فَجْرٌ بِهِ بُــشْرى الخلائقِ كُلِّها

               مِنْ عرشِ باريها بدا الميعادُ

فَجْرٌ بِـهِ مُسْتَبْشِرٌ جبريلُ وال

                  مَـــلأُ الملائِكُ هُتَّفٌ نُشّادُ

وتـهاوَتِ الأوثانُ فــي دَرَكاتِها

                 فلغيرِ رَبِّـكَ لا تَـرَى سُجَّادُ

وتهالكَتْ نارُ المجوسِ وقد أتى

               ميلادُ احمدَ ما بنوا أو شادوا

مِنْ عُصْبَةٍ هي مِنْ خيارِ أُصولِها

               وهوَ الخيارُ مِنَ الخيارِ يُزادُ

أكـْــرِمْ بِــهِ نَسَبَاً فَنِعْمَ المُرّتقى

                  مِنْ آلِ عدنانٍ أتى الاجدادُ

واتى (بحيرا) شاهداً فيما رأى:

                   شـجرٌ وأحجارٌ لَـهُ سُجَّادُ

قد جِئْتَ بالتوحيدِ مِنْ ربِّ الهدى

                 وعلى يديكَ تعالَتْ الأجنادُ

ربُّ البـريـةِ يَـصْطفيكَ مـحـبـةً

                  والعروةُ الوثقى لِمَنْ يَنْقادُ

لِتَشُقَّ ديجورَ الظلامِ وتنجلـي

             شـمـسٌ لـِ (طـه) نـورُها وَقّادُ

فَـصـدَعَـتَ بالحـقِّ المبينِ مُنادياً

              أنْ لا إلـــه لَهُ الـــورى عُبّادُ

إلّا الـمـهـيـمـنُ فاطـرُ الأرضَ الـذي

              رفعَ السـماءَ، ومـا لَهُنَّ عِمادُ

أسرى بِكَ الرحمنُ في غَسَقِ الدُّجى

            والمسجدُ الأقصى هو الميعادُ

وعَرجْتَ مُرْتفعاً إلى السبْعِ العُلى

               شـاءَ الإلهُ فـجـاءَكَ الإمــدادُ

وبِسِدْرَةٍ للـمـنـتـهـى كـانَ اللٓقـا

                   بِأقَلِّ مِنْ قوسين لا يزدادُ

ضـاقَتْ بِهِ ذرعاً قُرَيْشُ لِجَهْلِها

                   وتكابَرَتْ ينتابُها الإجحاذُ

لكنَّهُ الإيمانُ والنصرُ الذي

                  جعل الأكابِرَ تَنْحني وتُقَادُ

هُوَ وَعْدُ رَبِّكَ للرسولِ بِأنْ يَرَى

                   فتحاً مـبيناً هٓا هُوَ الميعادُ

نصرً بِهِ صَدَقَ الإلهُ وعودَهُ

                   وأعَزَّ جُنْدَاً فالإلهُ جَـــوادُ

هِيَ دعوةٌ للسلْمِ كُنْتَ لواءَها

                 بِدِخولِ مَكَّةَ أُكْرِمَ الأســيادُ

يا سَيِّدَ الثَّقَلَيْنِ يا نورَ الهدى

             أنْتَ المُشَفَّعُ يــــــومَها مِجْوادُ

يا سيدي يا خيرَ مَنْ وَطْىءَ الَّثرى

               نفسي فِداكَ ومُهْجَتي الأولادُ

أنْتَ المُخَلِّصُ والنجاة لِمُذْنِبٍ

               كِلْتَيْ يَدَيهِ تُطَوِّقُ الأصــــفادُ

مولايَ أدعو بالصلاةِ على الذي

              جـــاءَ (المدينةَ) هاديـاً يَرْتادُ

خُتٌمَتْ بــدعوتِهِ النبــوءةُ كلُّها

               والمنهَجُ الإســلامُ فَهْوَ سَدَادُ

وأُتِمَّتِ النعماءُ واكْتَمَلَ الهدى

            وعلـى النبيِّ صـــــلاتُنا تَزْدادُ

           ***

د. حسين يوسف الزويد

 

 

صادق السامرائيعَلوْتَ بها فجازَتْ مُنْتهاهــا

وطافتْ في فضاءاتٍ رؤاها

 

وصاغَتْ مَجْدَ إنْسانٍ نَبيلٍ

يُتَرْجِمُها بآياتٍ تَلاهـــــــا

 

أخذْتَ بها من القيعانِ حتّى

توهّج نورُها وسَقتْ عُلاها

 

عُروبَةُ أمّةٍ مِنْ رُوحِ أوْحى

بأحْمَدها الذي أهْدى سَناها

 

"مُحَمّدْ" يا رســولَ اللهِ إنّا

على سُنَنٍ أرامَتْ مُبتغاها

 

وإنّا في مَناهِجِهــــــــــا سَعَيْنا

أصابَتْ أو تلاحَتْ في خُطاها

 

وكنّا حسْبُنا عَملا رَشيدا

وإطلاقا لناضِيَةٍ سِماها

 

وقد تُهنا وقد خِبْنا وعِشْنا

وأجيالٌ لها أملٌ رَعاهــا

 

وإنّا سَوفَ نَحْيا رُغْمَ كيْدٍ

وعُدوانٍ يُبادِلنا أساهــــا

 

مَضَتْ عُصُرٌ ودارتْ في دهورٍ

وتَبْقى أمّةٌ رَفعَتْ لِواهـــــــــــا

 

سَمَوتَ بنا وكنتَ لنا مَنارا

فصارَ وجودُنا نورا تَباهى

 

نَبيُّ اللهِ كوْنٌ مُسْتضــــاءٌ

أضاءَ قلوبَنا فحَدَتْ مُناها

 

إرادةُ أمـــــةٍ أجّتْ وتاقتْ

وفاقتْ في توهجِها رَجاها

 

بنورِ مُحمّدٍ إشْراقُ رُوحٍ

تُعلّمُنا مَناهِجَ إصْطفاهــا

 

فمَنْ تَبِعَ الرسولَ ينالُ مَجْدا

ويُرْوى مِنْ ينابيعِ ارْتَضاها

 

وإنْ تُرِكَتْ بها سُننُ اكْتمالٍ

تأسَّدَ ذلّها وطَغى هَواهـــــا

 

وعِزّة أمّةٍ فـــــي دينِ عِزٍّ

فهلْ عَرَفتْ بدينٍ مُقْتَواها؟

 

بَنى مَجْدا أثيلا مُسْتداما

يُحَفّزُنا لـــــواعدةٍ أتاها

 

رسولُ اللهِ يا فخرَ البَرايا

عُروبًتنا بنا أوْهتْ سُداها

 

وضادٌ في كتابٍ يَعْرُبيٍّ

فهلْ قتلتْ بها أمٌّ أباها؟!!

***

د. صادق السامرائي

26\10\2020

 

 

فارس مطرلماذا لم تكن تبكي

لتعطي الدمع فرصته

وتبني صرحك الناري

تنمو مثل قافلة

تضيع بأول الموّال

لا آثار

لا أوراق

كان الرمل يغزل وقته أيضاً

سأسأل عن عباءة همّك البشري

أتحملني بكامل موتي المعلن؟

وتطفئ كل أوردتي؟

يقول النهر ؛ أنت ابني

يخاطب جدِّيَ المنفي

إذا شَرَّقْتَ إحفظني

ولا تترك قِرابك دون ذاكرتي

وأيضاً..

أطلق الأسماء كي تعدو

حِصانك سَمَّهِ ريحاً

وكن قلقاً

قصيدتك التي قتلتك قد تحييك ثانية

كما انفعلت قصائدنا

تهيَّأ كي ترى زمناً وأمكنةً..

وأنت غريبك المجهول

لا وجهٌ ولا صفةٌ..

***

فارس مطر / برلين

 

 

محمد الدرقاويكانت تجلس الى أحد مقاعد المقهى، أمامها فنجان قهوة .. كان على أحد المقاعد المجاورة يتابعها بنظرات الاعجاب وقد أبهرته بجمالها .. تنبض الحياة من عينيها الحجلاوين وشفتيها الممتلئتين، ومن صدرها النافر المتناسق،وكأن الله ما امدها بوجه قمحي وأنف خناسي صغير الا ليكمل صورة البهاء في خلقها ...

كان يتابعها بقلق هو نفس ما يعتمل في صدرها، قلق وجودي وكأنها تخشى لحظتها وماقبلها وما بعدها، أما قلقه اللحظي فقد تلبسه على من ترك أنثى بفتنتها على جمرات الترقب والانتظار، تمسح بقلقها أركان المقهى وهي بين تعاطف ونفور من المكان،تتابع كل داخل وخارج، تزفر قلقها،يمناها على ساعتها اليدوية تارة وعيناها على ساعة المحطة، تتعجل عقاربها السوداء الكبيرة

وكأن صهيلا ما يمور في نفسها ...

تلفتت لتجد عينيه لاتغادران وجهها، رجل على وشك الستين يوحي مظهره بالوقار، شجعته ببسمة تحية وكان لها به سابق معرفة.. قذفت بسمتها في نفسه قوة، هي نفس القوة التي حاولت أن تطرد بها كل اثر لانزعاجها النفسي،أو جزع من انتظار طال .. ترك مكانه وتقدم منها، حياها ثم سألها ان كان المقعد الثاني قبالتها فارغا..

قالت وكانها تهمس ردها:

تفضل، لا احد

راقها ان تجد مؤنسا قد تبادله كلمات ريثما يصل من تنتظر، فعلى الأقل تملأ به إحساس الغربة الذي شرع يدب الى نفسها،وربما ان كان من نفس المدينة يستطيع أن يرشدها الى ما تريد، الى أن تعود من حيث أتت حيث ينتظرها أخوها الذي تعلقت به ادعاء أنها تريد أن تزور صديقة عزيزة، اقلقتها عيون الرجل التي التصقت بوجهها، بصدرها، وكأنها تريد ان تلتهمه، فهو أكبر سنا ممن تنتظر لكن لا باس ان تحتمله وتقضي وقتا في رفقته ولا تظنه يصل الى درجة العبث بها ..

أدركت أنه يروم قول شيء، او ربما يحاول كسر لحظة اللقاء الأولى، لكنه كان كثمل غيَّبه سكره فشرد، لا يدري ما يدور حوله .. كان مفتونا بها والفتنة قد غيبت لسانه في حلقه.. أو ربما قارن عمره بعمرها فوجد أنها قد تستصغر شأنه ..

بادرته بسؤال عساه ينفك من وثاق دهشته:

هل السيد من سكان المدينة؟

رد بتلعثم وكأنه استفاق من نومة:

نعم .. اسمي عبد الكريم، ناديني كريم

قالت وهي تقرأ اسم مؤلف كتاب في يده وقد اشرقت بسمة على وجهها، فهي تعرف صاحبه ومن أجله أتت:

هل تعرف صاحب الكتاب الذي بين يديك؟

انتبه وكانه قد نسي مافي يده، مسح الكتاب بنظرة وقال:

الكتاب لي، مجموعة قصصية أنا صاحبها ..

اكفر وجهها مما تسمع، هي مفاجأة حقنتها بنوع من القلق،وقد أحست كمن أوقد نارا في صدرها ...

قالت من خلال اهتزاز صوتها:

ألم يكن السيد كريم يترقب أنثى في المحطة؟

جفل !! .. كيف عرفت؟ هل هذا من ذكائها ام مجرد حدس؟

قال بتلعثم بَيِّن:

نعم، لا .. لكن يكفي ان أحدث انثى بجمالك فأكون قد حققت هدف وجودي..

بدأت تخرج من جزيئاتها الى كلية زادت عمقها اضطراما

هو لا محالة، كان ينتحل اسما وشخصية غير شخصيته وعمرا غير عمره الحقيقي،كيف أغراها بالقدوم اليه وهو يدرك أنها

لن تصمت عن إهانة مثل هذه؟ هل هو غرور الرجل؟ أين المبادئ التي كان يروجها في احاديثه وخواطره وقصصه؟هل صار كل الرجال عن بكرة ابيهم جرثومة واحدة يكذبون ويلفقون للإطاحة بأنثى ذنبها انها لم تستطع التحرر من ثقتها في الرجل رغم الدراسة والثقافة والتحرر المجتمعي والوعي بوجودها؟

هي اللحظة أمام حقيقة لن تفر منها ويلزم أن تجابهها بما تستحق من سقي يروي غرور الجالس قبالتها وقد افتتن بجسدها قبل شخصيتها

قالت: السيد كريم اسمعني من فضلك:

عيب الرجل العربي انه لا يستقر على قرار، يستغل دوما الحاضر السهل، يعشق المثل الذي تعلمه في صباه: عصفور في اليد خير من عشرة على شجرة ..أليس كذلك السيد كريم؟

عبارتها أيقظته من غفلته، وقد ابهرته بصراحتها وطلاقة لسانها، لكن استغرب من لكنتها غير المغربية وهي لا تتكلم الا بالفصحى .. هل يعترف بحقيقة لحظته؟، هل ينكر؟

وجد نفسه أمام أنثى واعية بخبرة وثراء نفسي

بلع ريقه وقال: كل رجل امام انثى بجمالك لايملك الا ان يضعف..

رمت على وجهه بسمة ذات معنى ..عليها ألا تحسسه بقلقها، بخيبتها،بنوع من الاحتقار الذي صارت تحسه نحو الرجل العربي الذي لم يحاول ان يغير من نظرته الى أنثاه وكأنها ذيل تابع تنفذ بإشارة،وتأتيه طوعا بلمحة .. قالت وكأنها تختبر عزيمته في التخلي عمن ينتظر:

أمد لك يد صداقة أولا فرجل في سنك لا يمكن أن أخشاه، فهل تترك من تنتظر وتتجول معي في المدينة؟

قال وقد بدا يتبخر تلعثمه وينطلق لسانه:

ولماذا لا ننتظرها ونصير ثلاثة أصدقاء؟

ردت وعيناها مركوزتان في عينيه:

وهل انت واثق من قدومها؟

قال: حتما هي في الطريق الى هنا

قالت بعد تنهيدة عميقة:

انك تربي يقينا وبه تكابر فلربما تأتي مع الشخص الذي انتظر

بسرعة رد: لا أظن فمن انتظرها ليبية وصلت من ساعة الى المغرب ثم ركبت سيارة أجرة الى هنا ..

ركزت في وجهه طويلا ثم بادرت بقول خوفا من ان تنهار قبل ان تعرفه من هي؟:

هل تعرفها السيد كريم؟

ضحك ثقة وقال: طبعا أعرفها وصورها معي

قالت: ممكن أرى صورتها؟

وكأنه يمتطي الحقيقة،وضع يده في جيب سترته الداخلي واخرج صورة أنثى وقدمها لها..

تملكتها حرقة تصعد وتنزل راكضة في صدرها، وشرعت عيونها تنزف دمعا حارقا فجر صبرها..لم تكن غير صورتها بلا مساحيق ..

اعادت له الصورة وفي حلقها غصة

فاجأه موقفها، فهو لا يعرف سببا لدموعها ولا لصدرها الذي صار كمنفاخ صاعد نازل ... وقفت بعد ان تركت ورقة ماليه على الطاولة ثمن قهوتها وقالت له وهي بين التحدي والقلق والحنق:

آسفة حبيبي سعد، أنا من تنتظر، حبيبتك سناء !! .. من أغريتها بالمجيء اليك وانت لا تعرف حتى نفسك وحقيقتك، فأحرى أن تعرفها ؛ أولا لم تصور لي نفسك أنك في سن والدي،ثانيا يبدو انك ضيعت صورتي الأصلية من مخيلتك بل ضيعت حتى الحب الذي كنت به تتغنى، وكنت مستعدا أن تترك أنثى وقد قطعت اميالا من اجلك ذنبها أنها تزينت بمساحيق غطت حقيقتها أمام عيونك لتعيش لحظة هي فرحة زمنها، لهذا كانت اعماقك وما تخفيه اقوى من ردائك الذي تتزيى فيه، أنا سناء الليبية التي عشقتك ياسعد، وبك كانت مبهورة،.. خروجي من موطني اليك رغم ما يمور فيه تجربة رخيصة عرفتني بحقيقتك..

أحس بنفسه تصغر، وان كل ما كان يقمطه من اندهاش وخجل قد تصبب عرقا وساح تحته. .أراد ان يتكلم، ان يدافع عن نفسه، أن يشرح لها قصة ما تعرفه عن شخصيته الماضية ..لكنها كانت اسرع منه الى سيارة أجرة ..

من وراء زجاج النافذة رأى دموعها تتسربل على خديها وكأنها تبكي خيبتها في رجل هو من غير حياتها ومن أجله ضحت باسرة وعادات وتقاليد وخلقت مواقف لتصاحب أخاها فتراه ..

كيف ضيع أنثى وحدها ملأت حياته بثقة وصدق من بين كل بنات المنتديات اللواتي كن يبادرن الى الارتماء بين أحضانه مشدودات بما يكتب،كان عليه ان يفهمها انه كان يمارس مهمة بحث ودراسة عن المنتديات العربية، وكيف تقمط أكثر من عشر سنوات في شخصية أتقن تشخيصها وحقق بها ما عقد من أجله صفقة مربحة ..

غادر المكان ونفسه اصغر بكثير من عمره ارق مؤلم وعذاب لا يتوقف

 

محمد الدرقاوي

 

 

 

سردار محمد سعيدعربة الإشتياق لايعتريها التعبْ

تحمل الوجد والآهات

وتيناً وزيتوناًوجنيّ رطبْ

وسلالاًمن الهمسات

صاعدة نازلة تقتحم العقبات

وما أرعبت زغب الفراخ بين أنابيب القصبْ

 

هي الخدود محجة الآه

إذااستفزت الوجنات المحاجر

ولم تنغم بمواسم القطاف

وتوسمتُ العيون السواحر

والألسن اللطاف

والشفاه

 

لا تدعني رمثة تلوذ بالضفاف

خيفة موجات قواهر

أهبك ماليس له أول ولا آخر

ما تضن به نفوس الحرائر

أجعلك تجوس في صدورالعاشقات

تطلع على خفايا البواطن

وتميْزضوع الخزامى إذ خالط اثواباً لطاف

 

أتسرف في هجرالندى وتعشق الجفاف

مناي لوتسألني قبلة

لأجيبنك: خذالآلاف

فهذي السنين العجاف

فكل الشفاه نواظر

لشفاه أي صلاف

 

الفراشات حول الزهوركأنهن لحاف

وأنتَ كما أنت غصن لايعاف

وألذ ما في الرضاب الإرتشاف

أقهوتك يا نواسي أم هذاالسلاف

 

قد بالغت في الصدود

فكفاك خسراناً وغرورا

ياأيها الرجل العنود

 

عندمايأفل وجهك القمري تشتجرفي عذوق نفسي الشجاعة

فأجهربالقول: إنك- لتحبني

وأتخاذل، يطيرشعاع زعمي

ولايلوح سوى طيف وجه لم أره

 

أقلّب وجهي أبحث عن خيالك خلف الستارة

في بقاياكوب الماء

بين أغصان باقة الأزهار

فوق ديباج الوسائد المشجر

فتسخرالمرآة قائلة:

أمعنَ هرباً

فأضم الوسادة ربما فيها بقية من عطرك

العق ثمالة الكوب

لعلها اختلست لمظة من لسانك

خاب الأمل فقد كان وهماًوخيال

 

باقة القرنفل تدعوني

لكن رياه يصم الأنف

فيمنع القبلات

ويبعد الشفاه عن الشفاه

 

إذن عليك أن تدرك أيها الطفل

حتى مَ تفتعل الورع

عليك أن تفقه سريعا

أن الخريف يترصدالربيعا

 

أفلا تشعر بارتعاش شفتيّ

عندما تلوح فاكهة ثغرك

 

قد ملّ الصمت من مالا أقول

وينحب السمع في ما سأقول

وسيوف حبك مشرعة

فإن دنان دمي مترعة

إن دنان دمي مترعة

ليتني أكون شهيدة القبلات غريقة الرضاب

 

خلاياي إما تصرخ

وإماتصرخ

إفتح الابواب لقد رحل الضباب

 

يانفس: أتظنين أن لم يرك أحد

إذن كيف استدلّت العصافيرعلى البيادر

والنواسي استمتع برشف كأس خبأته في حجرها عاهر

 

يا لؤلؤ الدمع كسحر تظاهر

في سفوح الوجنات

أيّناهوالساحروبابل جدُ بعيدة

 

صوت تمطقك بالقهوة

يجعلني أغارمن الفنجان

ونفثك الدخان

في هواءالغرفة فتمنيت لو- تغشاني

يلويني

يرميني تحت أضلاعه

يعصرني يلوكني مثل لقمة

يعجم عودي

يزدردني

 

أسلكُ بهدوء فوق هدوء تحت هدوء

بخشوع ذللا

 

أمص ريقه وأقول في-سرّي

افترسني أيهاالوغدالأمير

مزّق جيبي

انشب جذورك في طيني المسنون

إرسل قاصف حب ولاتهجد

 

هبّ النسيم هبيبا ودبّ الربيع دبيبا

وكفاك نبلاً وكفاك بخلاً

ما تراني فاعلة

جزلاء معطاء

ألم أخرج بعدُ زكاتي

ماذا تريد؟

أن ينطق رفاتي

***

سردار محمد سعيد

أربيل

 

 

صحيفة المثقفيتهافتُ ضوءٌ

يتزاحمُ من شقِ البابْ ..

يتركُ خطاً في الظلمةِ

تقطعُ هذا الزمن العاتي ..

في جوفِ الليل أنينْ

يتنائى،

يتسربُ كالضوءِ

من فتحةِ باب الزمن السادي ..

يحملُ كل رياح القهر ..

وأشلاء العهر ..

بينَ ذراعيه،

كأن العالمُ يطرب

في صمتِ الأربابْ ..!!

**

سالَ الضوءُ،

كلعابٍ مجته الغيماتْ..

ثم تلاشى بعيداً

عن همس الناياتْ ..

**

كانَ الضوءُ

يرافقه الظن،

يسيران خلف الأبوابْ ..

وكان الهمُ  يجاري

نوبات تذهب لتعود

تراقصُ اشلائي،

خلفَ العتمة،

حينَ تمادى الوقتُ

وراحَ يئنُ،

ينتظرُ القادم ظلاً رفرافاً،

يتمايلُ عطراً،

وظنوني، تمطر  ما فيها ..

من رعدٍ،

قد يأتي  ولا  يأتي،

والساعةُ تنهشُ كل ثوانيها ..

وتهتفُ للريح بأن تسخر

من كان يناجيها ..

حين تعطل زحف الساعة

صمتٌ سادَ

كأن العالم ما عاد يجاريها ..

**

ضوءٌ غابَ

في زحمة ضوضاء الليل

على الطرقات ..

وظلال تتعثر مشيتها

في زحمة هذا الويل ..

ما كان بصيص الضوء

وصخب الريح ليشفيها ..

من وجع الدنيا وما فيها ..!!

***

د. جودت صالح

25/10/2020

 

احمد ختاويما كنتُ أحسب أن جيشا من البعوض

يغزو ويُميت جيوش نمرودا

وأن ذبابة تنخره

تسكن أنفه / أربعمائة سنة

تعذبه وترديه قتيلا

كنتُ أٌُلبسك فرنسا

– في غفلتي زمنا –

تاجا هلوعا .

لكنني عدلت إيمانا مبينا ..

لأن أول من لبسه – خزيا –

نمرودا

وأنت لستِ ذلك:

شهامتي ..

أنتِ الورود والسمح

سماحة الإسلام مع بقية الأديان ..

في فرنسا وبقية الأمصار ..

لستِ النمرود ولا تاجه

ما سكنتِ الطود ولا حيفا ولا صفد ْ (1)

سكنتِ - يا شهامتي -

صومعة إسلامنا السمح ..

المكلل، المرصع بماء الذهب

لا يبلى كما عجب الذنب

**

ما في الكفر يبلى يا ماكرونا ..(2)

وما في جسد الدنيا يبلى أيضا

يا ما كرونا

إلا جسد الإسلام والسمح

لا يبلى مثل عجب الذنب ..

اعلم يا هذا يا ماكرونا

أن وعد الله وعدا ووعيدا ..

اعلم يا ماكورنا أن ما لبثّ في

هذي الديار :

دهرا، يوما أو سنينا

لن تنال من الرسول الأكرم

مقدار سراياك أو سرايا نمرودا .. ..

اعلم يا ما كرونا أن رعاية الله

تحميه وتحمينا

في ربوعك نحن المسلمينا ..

لا يغرنك تاج نمرودا

نبراسا منيرا

أو جيوش محمودا (3)

ما مِاتت الشهامة فينا

- جهرا أو سرا

أو قريبا من نار نمرود

التي صبها على ابراهيم غُرورا ..

فكانت بردا وسلاما

على آل الخليل ..ملة وبِشرا حنيفا ..

***

ارم تاجك - الهش - أيها النمرود

تاجي خليلي

واقذف بسراياك عرض الوجع

فأنا أفراحي خليلي بين نار

إبراهيم والأنبياء والرسلا.. ....

وما وأدك للبنين

إلا رزءا لمن أنكر الو جودا

يا من اعتقد أن هيفل (4)

حصنا منيعا

ها هو الهول كما محق

عاد وثمود يغزوكم

رمادا ..

وكما نثر جنود محمودا .

عصفا مأكولا ..

مهلا مهلا، رسولنا الأكرم

لا يُؤذي أبدا وهو لا يؤذى أبدا

وإنما وعد الله ووعيده أمرا محتوما ..

في أخذ الأثر : هول قيامة ورعودا ..

ما حريقكم - أيا فرنسا أمس

إلا إجابة لعبثكم

**

سواء في فكركم، في فكر أونفراي (5)

أو سارتر، أو من يدور في دوائركم ..

إلا وعدا ووعيدا .. وآية ..

من رب معبود ..

جللا .. وما كان الرسول الأكرم

مضغة يوما أبدا ولا كاريكاتورا ..

يا من يبني من الهشيم

سرايا نمرود

اتعظ أيا ما كرونا ..

اتعظ أيا ماكرونا ..

هذا وعد الله جاء امرأ مبينا

لينبئكم أن أدخنة فرنسا

موعظة وتحذيرا ..

***

كتب: أحمد ختاوي / الجزائر

.....................

هوامش:

1) صفد مدينة بفلسطين

2) في إشارة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون .

3) في إشارة إلى الفيل محمود عند محاولة هدم الكعبة .

4) في إشارة إلى برج هيفل

5) أونفراي في إشارة الى الفيلسوف الفرنسي العدمي ميشال اونفراي

 

عبد الجبار الحمديقالت له: لا تسلني سل لهفتي شوقِ!؟ أترك كل هذا، سل نفسك هل استحق هجرك؟ من الذي يمكن ان تتصوره ان يأخذ مكانك الا تعلم أنه لا يوجد من يستحقني غيرك، لقد اتعبتتي، ولهي يقتلني يسقمني فراقك دون سبب لا استطيع تحمل ان تجرحني ارجوك أعد نفسك لي أترك كل ما ظننت، ألا تعلم ان بعض الظن أثم فلا تأثم بجريرة هجريارجوك حبيبي إني احتاجك بل حتى الاماكن كلها تشتاق لك إن العيون التي رسمت فيها خيالك تشتاق لك.. هوسِ خوفا أنك لن تعود وعذابي أنك لن تصدقني، ماذا جنيت؟ ألأني أغار عليك فكل شيء حولي يذكرني فيك حتى لو ان غابت شمس الله لا يمكنك ان تغيب عن روحي وأجدك الآه التي اتأوه وأحب أن اتوجع بها، فقط لأنك مصدرها..لن أغفر لك ابدا هجرك إن عزمته.. لا  سأغفر كل خطاياك حبيبي فأنا خطيئتك التي تثاب عليها دون غيرها، سل الليالي كم عذبها السكوت و كثرة الهواجس في انتظارك تلك لحظات يذبل فيها قلبي إلا من إروائها أسمك صورتك أنفاسك.. حبيبي لا تجعل صمتك نديمي وجنوني ألا تخاف ان تنساق الى ظنون تسحق فيها براءة الأمان الذي اشعر به حين تكون قربي، مالك تغيرت؟ استغرب انقلابك فجأة!! حتى أني ذهبت الى كل الاماكن التي تحدثنا فيها أسألها ما الذي حصل؟ هل أخطأت في كلمة او جملة او عبارة؟! لفاني الجنون حبيبي لا يمكن ان تبتعد أكثر، لقد سألتني أماكن كنت قد مررت فيها تسالني لم تسير وحدك فيها؟ سالتني لِمَ لم أكن معك فيها حتى الصمت مزق جداره وسألني اين الشوق الذي كنت ترسله مع الريح يحمل عطرك نفحات الوله التي تهديء من روع انتظارك بقلق، لكني بحثت حولي فلم اجدك، صدقني حتى أحمر الشفاه الطوبي اللون الذي ارتديه يسألني عن جفافة على شفاهِ دون ريه بشفاهك.. كنت أظن كثيرا لكن يا حبيبي لم يبقى من العمر شيء لا تجعل ظني يخيب، لقد ضاع من العمر ما يكفي، عد أرجوك لا تجعل مني وقد غادرت مثلي عنك السنين.. لا تجعل أبتهالاتي تموت في محراب الوحدة ولا تجعل قرابيننا التي اودعناها الى رياح سموم تحرق وريقات عمر باتت معلقة على اغصان يابسة.. حبيبي لقد أصفرت تلك الوريقات منذ زمن بعيد غير أني تحملت عنادك، تذمرك، تقلبات امزجتك فقط لأني أحبك صدقني لن تجد غيري يمكنها ان تعيد صياغة حروفك المبعثرة او كلماتك المتقاطعة، حتى الموسيقى التي تسمعها كنت اختار نوطاتها رغم مرارتها، أحيانا أشعر بتمزيقك لآهاتي التي انضوي تحتها وأراك تعصر عمري مثل العنب الذي ترتاده خمرا ومع ذلك كنت اتراقص بين يديك لأنك تشعرني بأنوثتي.. عانيت وعانيت حتى حزني لا ابوح به ولا اظنك تعرف شيئا عن معاناتي فأنا يا حبيبي كنت وسادتك التي تدس راسك فيها كي تحلم بعيدا عني ومع ذلك كنت أرى احلامك بغيري وأجاريك شططا فطالما رميت بالنرد بعيدا عن طاولة اللعب الذي تدور حوله لكن في الآخر تعود وتجد باقة ورد التي تحب على نفس الطاولة لأشعرك بأنك مهما خسرت فأنت الفائز الاول .. هل تتذكر عندما قلت لك أنك النشوة التي احب أن أشعر بها بعد شرب كأس من النبيذ المعتق معك بشكل دائم لكني اتوق إليك رغم طعمك الغريب؟ لحظتها بحت لي بأني معبودتك التي حلمت ان تكون تعزف لك بقيثارة آلهة الحب معزوفة الخلود التي تعشق.. وبسذاجتي صدقتك ومثل فراشة حالمة رميت بنفسي حيث لهيبك الذي احرق أجنحتي فما عدت استطيع التحليق بعيدا عنك.. يا لجنوني بك ويا لعنتي التي لا تنفك قاتلتي، سأعيد صياغة كل ذلك وللمرة الاخيرة أحتاجك انا اليوم وأمسِ، روحي ونفسي لعلك لا تصدق اشتاق لك حتى وأنت أمام عيني، سانهي عتبِ سأعود حيث التقيتك أول مرة سانتظر هناك ومتى ما غادرت الشمس وقتها سارحل والى الأبد..

أبتعدت عنه وهي تثقل بنقل أقدامها حتى تمنحه أكبر وقت ممكن لمراجعة نفسه واللحاق بها، خوفها أن تنتظر دون ان يأتي ربما لانها جرحته.. هكذا ظنت

أنتظرته وهي ترمق الشمس التي آن لها أن تأفل بعيدا عن وجوده قربها، هزت رأسها وقد أغرورقت عيناها بألم أعتصر قلبها جعلها تتأوه بعبارة يا لقسوتك ألم تسمعني أقول لك أحتاجك أنا وضعت رأسا بين يدها وهي تبكي وجعها بشدة.. قامت فجاة تحاول الابتعاد بسرعة غير أنه كان راكعا ممسكا بيدها وهو يقول: أغفر لي فأنا إن لم أكن أستحقك فأنت الحياة التي دونها أموت فساميحني.

 

القاص والكاتب / عبد الجبار الحمدي 

 

فالح الحجيةفي مدح الرسول الكريم

بمناسبة ذكرى مولد الحبيب المصطفى محمد يطيب ان اكتب:


رقّ النسيمُ ببهجةٍ وبهـــــــاءِ

بمحمدٍ خير الورى - ونَقــــاء ِ

.

صاغ الاله جمــــاله وكمـــاله

وتلألأت انــــواره بزهـــــاءِ

.

وتعطرت في ذكره أفواهنــا

ارواحنا وقلوبنــــا بثنـــــــاءِ

.

وتألقت بســــناء نور محمدٍ

فكأنها في ليلـــة ٍ وَسْـــــناءِ

.

انسان عين الله في وضح الضحى

انسان عين الخلق في الاحيـــــاء

.

جل الاله تكاملت انــــــواره

نـــور الى نور العلا بضياء

.

وبمكة بعث الاله حبيبـــــه

وبيثرب . فمقامــه بصفــاء

.

عز الوجود محمد أوحى لــــه

رب الخلائق منعمــــا بســخاء

.

ســــبحان من اسرى بعبده ليله

ليريه من آياتـــــه الاســــــراء

.

أسرى بفيض الليل مؤتلق السـنا

ولســـدرة في المنتهى وعـــلاء

.

وتنفست أصداء كل حقيقة

فتعطرت وتألقت بنقــــاء

.

ياســــيدي انت الهدى وبكمالِهِ

وبهائــهِ وصفائـــــهِ برضـــاء ِ

.

فســـــرت بنفســـك رعشة فوّارة

هزت كيان الكـــون والاحيـــــاء

.

قاربت حد ك ســــدرة في المنتهى

وتشعشــــعت انـــواره بســــنـاء *

.

جاوزت قد ر الكون في غسق الدجى

وتغلغلت بســـــماحة بيضــــــــــــاء

.

جاوزت حد الخلق في رهق الدجى

في حضرة التقريب دون وقـــــاء *

.

ورجوت رب العرش خلقــــا وطاعة

وحظيـت دون الخلــــق منه بلقــــاء *

.

وســــطعتَ نــورا للنفوس تنيرها

في الآي والذكــر الحكيـــم رواء *

.

وبنيت صرحا لا تطال ســـــماؤه

عبر الزمان - فداك - والارجــاء

.

انت المشــــفّعُ والشـــــفاعةُ تزدهي

وبها وردتَ الحوضَ بكل هنـــــاء*

.

وتقوضت اركان كل شـــــريعة

الا شـــــريعته . . بعزة ومضاء

.

نفسي الفداءُ لمحمدٍ خير الورى

وتهادت الافكارُ بالاســـــــما ءِ

.

وشــوخ ذكرك في رحيق عبيره

عطــــر يفــــوح ببسلم وشــــذاء

.

فكأن نـــورا يستفيض رحابـــه

فيه الســـنى للعالمين  رجــائي

.

وتألقـــت بســــناء نور محمد

كل الحياة بجماله الوضـــــاء

.

ياســـيدي انت الهدى بتمامه

وكمـــــاله وصفائه وا بــــاء

.

حتى الشموس تنورت من نوره

وتآلفت بالآيات والاقـــــــراء

.

وتزينت في رفعة انـــــــواره

جل الاله بما حــــــواه نقــــاء

.

نفســــي فداء المسلمين وجمعهم

والخير كل الخير في العليــــــاء

.

وأقمت - حقا - للخليقة صرحهـا

فتسامقت ارجا ؤها بصفــــــــاء

.

كل المعـــــارك خضتها يوم اللقا

بشــــــجاعة وبســـــالة ورواء *

.

مالت الى الحي القيوم نفوســـــهم

او في النفوس العامرات ســــدائي

.

وأريج عبق الحق يغمرها رضا

فتفوح نـــورا في الورى بحفــاء

.

ياملهما تقوى النفوس سـماحة

رفقا بنا يا ســـــــيّدي مولائي

.

فكأن نورا يســـــتفيض جلاله

اذ زا د في بحـر التقى بعطاء

.

وجمال خلق الله في ألق الهــــــدى

في الباقيات الصالحات هـــــــدائي

.

وجمال خلق الله في نفحاتـــــــه

نــور على نــور الهداية رائي.

.

لمحمدٍ - صلى الالهُ بنــــــورهِ

وملائكٌ - والمؤمنين سَــــواء ِ*

***

الشاعر د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق - ديالى - بلــــــــد روز

.........................

* وتعطرت في ذكره.... قول ماثور(عطروا افواهكم بالصلاة على النبي)

* الاية (نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء) النور\35

* الاية (سبحان الذي اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصا الذي باركنا حوله... ) الاسراء \1

* الاية (عند سدرة المنتهى * عندها جنة الماوى) النجم\ 14و15

* الاية (ثم دنى فتدلى * فكان قاب قوسين او ادنى)8و9

* الاية ( وانك لعلى خلق عظيم) القلم \ الاية 4

* الحوض : حوض الكوثر في الجنة

* الرواء : من الارتواء

* رواء : من التروي والتمعن في الامور

* الاية (هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات الى النور وكان بالمؤمنين رحيما ) الاحزاب \ 43 و الاية ( ان الله وملائكته يصلون على النبي ياايها الذين امنوا صلوا عليه وسلموة تسليما.) الاحزاب \56