صالح البياتيلأول مرة يظهر الحمام في حينا، راح يحلق حرا، او يحط على اسطح المنازل، إعتاد أهل الحي على رؤية طيور آخرى؛ كالببغاء الأبيض*، الذي ينتصب عرفه  الأصفرعندما يغضب، والغراب الأسود؛ الذي يشبه صوته بكاء طفل صغير، هذه وغيرها كنا نراها عادة كل يوم، فهي ليست غريبة عن بيئتها الطبيعة، تطير من شجرة الى أخرى، ولكن الحمام شئ آخر، فهو طير مدجن، يربى عادة في البيوت.

تساؤلوا من اين جاء الحمام الى حينا الجديد.

أقيم الحي حديثا، على مساحة ارض كبيرة، كانت في الأصل مزارع، ومن قبل كانت تغطيها اشجار اليوكالبتوس العالية.

كنت من الأوائل الذين سكنوا الحي، أسمع عن الأفاعي الخطرة، ولكن لم ارها، ربما كانت شائعة مغرضة لتخوفينا، نشرها احد عمال المزارع الذي فقد عمله.

في البداية كان للمكان وجهان؛ وجه يحمل صورة العمران، الزاحف والمقتحم، والأخر صورة مشوهة لانقاض مزارع؛ مجموعة صغيرة من أبقار تنتظر البيع، ورجل يتجول، يمتطي ظهر حصان، نسمع وقع حوافرة على أسفلت الشارع الممهد قبل الشروع بالبناء، يوقظنا صباحا، كأنه يتوعد البيوت القليلة المشيدة حديثا، بلعنه الأفاعي السامة، التي ستهاجم الحي عند حلول الصيف، كان منظره طريفا، واستمر على استعراضه اليومي، حتى أختفى فجأة، مع إختفاء الأبقار نهائيا.

في الحقيقة تزامن ظهور الحمام مع إنتقال إمرأة عجوز، جاءت لتقيم في الحي مع إبنها الشاب، حدس البعض ان الأبن ربما هاو لتربية الحمام، ومعلوم ان هذا الطير ذكي ، يمتلك في مخه جهازا بدقة إبرة البوصلة، فهل يا ترى ان الأبن قبل إنتقالهما؛ درب حمامة واحدة لتهتدي للمكان، فقادت السرب اليه.. هذا شئ في الحقيقة محض حدس وتخمين، ولم يجزم به أحد، حتى يظهر ما يؤكده او يدحضه، بادر جاريهما على جانبي بيت العجوز؛ بالقيام بمهمة التجسس عليهما، لكن بحذر، كيلا يتجاوزا حدود الخصوصية، ولكن مهمتهم فشلت، ولم تصل لنتيجة تذكر، لم يشاهدوا قفصا أو حماما او اي شئ له صلة بالحمام.

في صباح اليوم الأول باكرا، خرجت المرأة العجوز تحمل إناء، افرغته عند اصل شجرة يوكالبتوس، على جانب الرصيف، وعادت لتقف امام باب دارها، هبطت ست حمامات رمادية، من أحد المنزلين، الذي يقع منزل العجوز بينهما، وبدأت تلقط الحب، ثم نزلت مجموعة آخرى، إكتمل العدد عشر حمامات كلهن بلون رمادي، ميزت العجوز واحدة من بينهن، كتمت فرحتها في قلبها، كما لو انه سر لا تحب ان تبوح به لأحد.

ظلت تراقبهن حتى طرن وأختفين عن الأنظار، دون أن يلحظ أحد من الجيران شيئا مما حدث.

بدأ جاريها يتذمران من الأوساخ ؛ عندما يستريح الحمام على قرميد السطوح ، فإشتكيا عليها عند بلدية المنطقة، بأن حمامها اتلف لون سياراتهم؛ وقالوا ان البقع البيضاء التي يخلفها على معدن السيارة؛ أدت الى تغيير لونها، خاصة وأنها كانت سوداء، وطلبوا منها تعويضا، لكن البلدية نصحت بأن يطالبوا شركة التأمين بذلك، باءت كل محاولاتهم بتحميلها مسؤوية الأضرار بالفشل.

اشتروا صقرا ليقوم بمهمة مهاجمة الحمام، ولكن عندما اطلقوه إنهزم في الجولة الأولى أمام الكوكاتوو*؛ الببغاءالأبيض، ذو المزاج الحاد، الودود جدا مع الحمام، لا يقترب منهن عندما يلتقطن الحب، لأنه يفضل الإنعزال عندما يتناول طعامه بيده. لم تبق لهم حيلة سوى الشركة العقارية، يطلبوا منها ان تطردهما من البيت، ولكن الأبن كان يدفع بدل الأيجار بإنتظام، كما ان التفتيش الروتيني؛ للإطاع على نظافة المنزل وسلامته، ينتهي عادة  بأن كل شئ على ما يرام. أخيرا أشاعوا ان العجوز تمارس السحر، تتسلل ليلا الى الأجمة أمام البيت، وتتحدث مع الوليبو* بلغة الأبورجني، وكانت هذه التهمة محض هراء، كذبتها حقيقة ان المرأة العجوز تكاد ان تكون  نصف عمياء، وأنها لا تفقه شيئا من لغة الأبورجني، لأنها ليست منهم في الأصل.

مرت أيام لم تخرج العجوز لتطعم حمامها، فكان الأبن يقوم بذلك قبل ذهابه للعمل. لم يجرأ احد ان يعترضه، فالشاب كان ذو بنية رياضية قوية، موشوم الكتفين والذراعين.

وفي أحد الأيام؛ بينما كان سرب الحمام يستريح على أحد السطحين، ينتظر الطعام، وقفت سيارة نقل الموتى امام منزل العجوز، لم يسمع أحد صوت بكاء، دخل أربعة رجال ببدلات سوداء، يحملون التابوت الخشبي المصقول والمدهون جيدا، وضعوا المرأة العجوز فيه، أرتاح ظهرها على القماش الأبيض الوثير، وهي بكامل ملابسها، خرجوا وادخلوه في السيارة، وتحركوا ببطء تبعهم الحمام  فوقها بإتساق عجيب مع حركتها، اختفت السيارة وسرب الحمام عن الأنظار.

في اليوم التالي كانت هنالك حمامة بيضاء جديدة ضمن سرب الحمام، تقف مع حمامة تحمل حجلا برجلها، خرج الشاب وأفرغ الأناء كما كانت تفعل امه، عند اصل شجرة اليوكالبتوس، وأخذ ينظر بدهشة للحمامتين، كنت بالصدفة هناك، فسألت الشاب عن الحمامة المحجلة، فقال كانت رجلها مكسورة قبل انتقالنا للحي، فإعتنت والدتي بها حتى شفيت، فوضعت هذا الحجل لتميزها، وهي التي قادت السرب الى هنا، فسألته عن الحمامة البيضاء التي لم يرها أحد من قبل، اجابني، صدقني لا أعلم عنها شئيا، لكن شائعة انتشرت بين أهل الحي، ان الحمامة البيضاء هي روح المرأة العجوز، فتحولت المرأة من ساحرة شريرة الى مقدسة في أعين أهل الحي.

***

صالح البياتي

.....................

* الببغاء الأبيض الأسترالي، ويسمى الكوكاتوو، يمتاز بعرفه الأصفر الفسفوري.

* الوليبي ، فصيلة من الكنغر الأسترالي الرمادي اللون، والأصغر حجما.

* الأبورجني، هم سكان استراليا الأصليون، منذ اكثر من ستين الف سنة.

 

 

محمد الذهبيأو سليمان الجديدْ


 عيناك كلُّ الارض يأبى أن يفارقها الدوارْ

وأدور خلفك منذ الفٍ أو يزيدْ

وأصوغُ من زبر الحديدْ

عرشاً لبلقيس الجديدة أو سليمان الجديدْ

**

ونزعتُ عنها كلَّ خافية الظنونْ

هي من تكونْ

وأنا أصوغُ لها الحواشي والمتونْ

**

تأبى تردُّ على البريدْ

وتريدُ مني ماتريدْ

**

رممتُ أحجيتي وجئتك في سؤالْ

الحائرون تمزقوا في كل حالْ

لو شئتِ كنتِ لهم مسيحا

وتبدلي الزمنَ القبيحا

**

هي لعبةٌ مثل الحياةْ

وتريد تلعبها الى حد النهاية

ويموتُ فيها من يموتْ

أو ربما شئنا نغادرها التخوتْ

**

يا لهذا العمر حين يعود ثانية على صوت امرأة

صوتٌ فقطْ

لاحرف فيه ولانقطْ

**

عيناك بحرٌ لايفارقهُ الدوارْ

الصقرُ حطَّ به وطارْ

**

وأنا أراقبُ ضوءها

شعت كشمسٍ في المحيطْ

ثم انثنت تسقي مكائدها الكبارْ

القت شباكاً قد تحيطْ

وانت عصفورٌ صغيرْ

تتلاعب الأهواء فيك

**

قد لا أصدق مايقولُ الآخرون عن النساءْ

من إنهنَّ خُلِقْنَ من ضلعٍ سقيمْ

لكنّ ظنّي بالحرائق يستقيمْ

**

أنا قد وثقتُ

ستكون مقصلتي يداها

وتكونُ أرحمَ من سواها

**

هذا فمي يتحين اللبنَ الحرامْ

من أي مرضعةٍ تجيءُ مع الغمامْ

**

لوكنتُ مخموراً لأطلقتُ العنانْ

ولقلتُ عنها مايقالُ عن السكوتْ

وحدي أعيد صناعتي حتى أموتْ

**

هي لاتنامْ

حتى ترى جسدي حطامْ

**

الكلُّ ينتظرُ المزيد

من التأوهِ والضجرْ

وأنا سأسحبهم تنابلةً صغارْ

وأفتش الشجر العقيم عن الثمرْ

***

محمد الذهبي

 

محمد حمدصمتي المثير للجدل ملأ الشوارع صراخا

وعلامات إستفهام ناطقة بالضاد

فتح البعضُ نوافذ الفضول وابواب الدهشة

لتقصّي الحقائق

وجدوني مقلوبا رأسا على عقب

(أو هكذا رأيت نفسي في مرآة نفسي)

وفي حالة سكر مُدقع...كما قيل لاحقا

أتشبّثُ بسيقان قصيدة في مُقتبل الشيخوخة

مجهولة الهويّة عفويّة الاهواء

تُداعبني

لدواعي إنسانية بحتة !

بشرائط حمراء من الحرير الدمشقي

تشبه شراييني في لحظات العناق المفاجيء

وأنا أرمقها بنظرات ثاقبة كالدبابيس

تنطلق عشوائيا

من محاجر قلبي المختل عقليّا

والباحث بلا جدوى عن حلول ما

ولو بشروط تعجيزية...

***

محمد حمد

 

 

ناجي ظاهرمسرحية من فصل واحد


المشهد الاول

مكان عادي بيت. يبدو في غاية التواضع. موسيقى تنبعث في انحاء المسرح. صوت ينطلق منشدًا من انحاء المسرح. كلمات النشيد تقول:

ممكن احنا نعيش في النور من بلدتنا نزيل العتمة

نحيا بافراح وبسرور          من قمة نقفز لقمة

يدخل الشاطر سلامة. شاب في مقتبل العمر. تظهر عليه علامات النباهة والذكاء.

الشاطر سلامة: -مناديًا- معلمي، معلمي؟ اين انت يا معلمي. جئت لأودعك في هذا الصباح الغائم. اين انت، اردت ان اراك قبل مغادرتي للبلدة. آمل ان اعود بقبس من الضوء ينير سماء بلدتنا المعتمة. -يرسل نظره في كل الاتجاهات، يتوجه الى باب هناك يطرقه برقة-، اما زلت نائمًا يا معلمي؟ هل ضقت ذرعًا بما يحصل في هذه البلدة فغادرتها؟ لا ، لا، هذا مستبعد فقد علمتني كيف اواجه المصاعب وزرعت في محبة الحياة والخير. علمتني كيف اتشبث بمكاني وكيف اكون انسانًا منتميًا محبًا للجميع.. لا، لا انت لا يمكن ان تترك العتمة تهيمن على بلدتنا.. وتغادر.

يتوقف الشاطر عن الكلام. يضع رأسه بين يديه. تبدو الحيرة من كل حركة ونأمة يقوم بها يرفع رأسه من بين يديه. يبحث في جميع انحاء المسرح، يتوقف في وسط المسرح.

الشاطر سلامة: معلمي؟ اين انت يا معلمي؟ الم نتفق على ان آتي باكرًا كي اودعك.

يدخل المعلم الى المسرح. يتوجه الى تلميذه

المعلم: السلام عليك ايها الشاب الادمي.

الشاطر سلامة: وعليك السلام يا معلمي. كادت روحي ان تطلع في الانتظار. لم اشأ مغادرة هذه البلدة الحبيبة دون ان اراك. من يعلم قد لا نلتقي مرة اخرى في هذه الحياة. اردت ان اراك. انتظرت متأخرًا نوعا ما. انا لم اعتد منك مثل هذا الاخلاف في المواعد. ارجو ان يكون ما حصل خيرا.

المعلم: مبتسما- وهل تتوقع الا يكون خيرا. بالطبع هو خير وسيبقى ما بقيت، ترو قليلا سأخبرك بكل شيء. لكن لماذا اراك واجما؟ الم نتفق على ان الانسان ينبغي ان يكون قويا متماسكا في ساعات الشدة؟

الشاطر: بلى يا معلمي. بلى نحن اتفقنا. صحيح ان الهدف النبيل يجعل صاحبه متماسكا قويا في ساعات الشدة كما رددت امامي اكثر من مرة. غير ان فراق الاحباء في رحلة مثل هذه ليس سهلا- يصمت هنيهة، ويتابع وسط ابتسامة معلمه. يتضح مما يريد ان يقوله انه يريد ان لا يخيب امل معلمه- بلى يا معلمي. بلى. من المؤكد ان الانسان ينبغي ان يكون متماسكا مهما واجه من مفاجآت. والا فقد سيطرته على نفسه واضاع الهدف النبيل الذي حدده لنفسه. غير ان هذه الرحلة كما تحدثنا في الامس، ليست سهلة. كل من اراد ان يأتي بقبس من النور لبلدتنا الغالية ذهب ولم يعد. كلهم اختفوا وبقيت البلدة تنتظر وسط عتمة مقيتة وها انذا آتي اليك ولدي شعور بخوف ما لا اعرف من اين يأتي. اعرف ان هذا الخوف لا يليق بالرجل المقدام الشجاع..

المعلم: قلها. قل ما اردت قوله . اوافقك ان الخوف واحدة من سمات الانسان في كل زمان ومكان. هل تتذكر ما قلناه عن الخوف؟

الشاطر: وهل انسى يا معلي. انا لا انسى كلمة واحدة مما علمتني اياه طوال السنوات الماضية منذ كنت طفلا صغيرا حتى اضحيت شابا يافعا يحلم بجلب الضوء الى بلدته المتشحة بالظلام. قلت لي

ان القليل من الخوف يدل على اننا نتحمل المسؤولية، اما الكثير منه فانه قد يشلنا ويجعلنا فريسة سهلة للفشل والاخفاق.

المعلم: - مبتسما ومصفقا-، هل افهم من هذا انك تنطلق في رحلتك المصيرية هذه بثقة وامان .. بانك ستحقق ما تريد. وسوف تنجح بما اخفق في تحقيقه الكثير من ابطال بلدتنا الشجعان؟

الشاطر: هذا ما اردت قوله. بالضبط هذا ما اردت قوله. الثقة بالنفس هي راس المال الحقيقي. اذا اضعناها اضعنا كل ما لدينا واضعنا انفسنا.

المعلم: افهم من هذا انك مسافر وانت واثق من انك ستحقق ما اردت وستعود بالنور الى هذه البلدة؟

الشاطر:- يبتسم في وجه معلمه يقول- وهل عندك شك يا معلمي؟

المعلم: كلا. لا يوجد لدي اي شك. فانت شاب شجاع وآدمي. اتقنت فنون الرياضة والآداب. انا متأكد من انك ستحقق ما اخفق فيه آخرون. الا تريد ان تعرف لماذا تأخرت هذه المرة في استقبالي لك؟

الشاطر: اكاد ان اقول انني اعرف يا معلمي. لكني لن اقول قبل ان تقول انت. ليس امتحانا لك وانما امتحان لي انا. ليكن هذا هو الامتحان الاخير قبل الانطلاق نحو النور.

المعلم: لن اقول انا. قل انت.. وليكن هذا الامتحان الاخير لك.

الشاطر: مسارعا- انت اردت ان تمتحن صبري. كيف لم يخطر هذا ببالي؟

المعلم: مصفقا- الآن تأكدت من انك ستحقق ما اردت وستعود بالنور الى بلدتنا الحبيبة. انطلق في امان الله.

يعانق الطالب معلمه.

**

المشهد الثاني

مكان خاو من كل شيء. وقع اقدام. نسمع صوتين ولا نرى صاحبيهما.

الصوت 1: اشم رائحة غريبة.

الصوت 2: انا ايضا اشم رائحة غريبة قادمة من هناك.. من البلدة المعتمة.

الصوت1: من تراه يكون؟ اعتقد انه واحد من مجانين تلك البلدة وحمقائها. اتي ليستعرض عضلاته علينا. مؤكد انه لا يعرف مدى الاستعداد الذي تبذله قيادة بلدتنا للمحافظة على الضوء المنبعث في كل مكان.

الصوت 2: تريد ان نستعد لمواجهته؟

الصوت1: وهل يحتاج استعدادنا لمواجهة الخطر الى سؤال؟ بالطبع علينا الاستعداد لمواجهة الخطر.

الصوت2: هيا لنستعد. الرائحة تقترب. انني اسمع وقع قدمين. هل تسمع انت ايضا؟

الصوت1: نعم اسمع. لنستعد.

وقع قدمين يقترب رويدا رويدا.

الصوت2: انظر.. هو غير مسلح.

الصوت1: انه يمشي منتصب القامة. يبدو انه واثق من نفسه.

يظهر الشاطر سلامة: السلام عليكما ايها الرجلان.

ينظر كل من الحارسين الى الآخر، كأنما هما يتشاوران.

ينطلق لساناهما معا:

وعليك السلام ورحمة الله وبركاته.

الصوت 1: ماذا تريد ايها الشاب؟ ما الذي أتى بك الى بلدتنا.

الصوت2: يبدو انه يختلف عن سابقيه. هو لا يشهر سلاحا في وجوهنا.

الشاطر: الا تلاحظان انني قادم من سفر بعيد؟ مسافة طويلة قطعتها من بلدتي حتى وصلت الى

هنا.. الى هذه البلدة الرائعة. كم من جبال، وديان ٍ وسهول ٍ قطعت. الرحلة ُ لم تكن سهلة ً. وهاانذا اصل. الحمد لله.

ينظر كل من الحارسين الى الآخر باستغراب. يتوجهان اليه بصوت يكاد يكون واحدا:

- هل تريد ان تشرب الماء؟

يهز الشاطر رأسه. يقول لهما:

- وهل يتطلب فعل الخير.. المشورة؟

يركن الرجل رقم 2 سلاحه جانبا، ويولي باتجاه النبع. بعد قليل يحضر الماء. يقدمه الى الشاطر سلامة. الشاطر يرفع الماء الى فمه. يستوقفه الرجل رقم 1 قائلا:

-الا تخش ان نكون دسسنا لك السم في الماء؟

الشاطر يتوقف عن شرب الماء: لا. لا اخشى هذا. فانا ضيف في ربوعكم. ولا اعتقد ان هناك من يسم ضيفا حل عليه وطرق ارضه في هذه اللحظة من لحظات المساء.

الرجل 1 للرجل2: لقد نجح في الامتحان الاول ..خذ كوب الماء منه وهات له كوبا آخر من الماء الزلال.

يدنو الرجل رقم 2 من الشاطر ويأخذ كوب الماء من يده. يولي ليحضر كوب ماء اخر.

يرسل الرجل 1 نظرة استغراب الى الشاطر امامه، يبادر الشاطر لسؤاله:

- لماذا تنظر الي هكذا؟

الرجل 1: امرك مثير للاستغراب. انت تختلف عن كل من طرق ارضنا من ابناء جلدتك. كلهم كانوا ما ان يقتربوا من ارضنا حتى يشهروا الاسلحة في وجوهنا. منذ البداية كانوا يشرعون في الحرب. هم كانوا يفرضون علينا محاربتهم وقتلهم. اما انت فانك تختلف. انت تبدأ بالتحية ولا تخشى ان نقتلك. تعجبني ثقتك بنفسك.

الشاطر: ولماذا اخاف؟ وممَ اخاف وامامي اناس لديهم مثل ما لدي من مطالب وطموحات؟ انني

اتقبل الآخرين المختلفين، واتوقع ان يتقبلوني بدورهم. وهذا ما حصل في كل لقاء لي بالآخر. لست من السذاجة ان اطلب من الجميع ان يكونوا مثلي. الله خلق الجميع مختلفين. لا توجد بصمة واحدة من بصمات كل البشر تنسخ الاخرى. الا يقول هذا ان الاختلاف لا الاتفاق هو طبيعتنا نحن بني البشر؟

يقترب الرجل 2 من الاثنين، يصفق:

سمعت كل كلمة. كل كلمة مما قلته تستحق ان توزن بميزان الذهب. - يقدم اليه الماء- تفضل اشرب. اشرب من ماء بلدتنا انه ماء يرد الروح، خاصة بعد سفر طويل.

يتناول الشاطر قصعة الماء ويشرب. يرسل نظره الى البعيد. يقول:

- تبدو بلدتكم ساحرة ًمبهرةً. ما اجملها. كم هو الماء لديكم صاف. ما اجمل النور المنبعث من هناك. من ذاك المبنى في وسط البلدة. ماذا يوجد هناك. هذه البلدة لا تختلف عن بلدتنا الا بأمر واحد.

الرجلان 1- 2 بصوت واحد: بماذا؟

الشاطر: بهذا النور المنبعث منها.- بحزن- اما بلدتنا فإنها تشتاق الى مثل هذا النور. بلدتنا لم تختر هكذا وضع. هناك حوادث تاريخية متعاقبة كانت اشبه بالقدر المحتم فرضت علينا وامتدت بعتمتها الرهيبة.. ببقايا هذه العتمة الى بلدتنا الوادعة. فبتنا نشتاق الى النور ونتمنى لو انه زارنا ليدحر فلول الظلام.

الحارسان- مصفقين: ما اطيب هذا الكلام. ينبغي ان يستمع اليه مليكنا. حديثك يبعث الراحة في النفس، ويفعل فيها فعل السحر. انت تبدو شابا واعيا مثقفا. مليكنا سوف يسر للقاء بك.

يبتسم الشاطر. ينطلق الرجلان وينطلق معهما باتجاه بلدتهما.

**

المشهد الثالث

قاعة. كرسي متواضع يجلس عليه الملك. يرتفع صوت من القاعة قائلا:

جلالة الملك بانتظاركم.

يدخل الرجلان 1و2 .

الملك: ماذا وراءكما ايها الحارسان ؟

يقترب الحارس 1 من الملك، فيما يبقى الآخر في مكانه وسط القاعة. يهمس الحارس 1 في اذن مليكه.

الملك- مبتسما في سره، مزمجرا في جهره: اين هو ذلك المجترئ علينا؟ اتوني به سريعا. اريد ان اراه، اريد ان اعرف كيف تجرأ واقتحم ارضنا. الم يتعظ بما صارت اليه امور سابقيه.

تدب البلبلة في المكان. تسود حالة ترقب وانتظار. الجميع ينتظر ما ستصير اليه الامور.

يعود الملك الى الصراخ: اين هو. هاتوه الى هنا.

يجري الحارس 2 ما ان يغيب عن الانظار حتى يعود وبرفقته الشاطر سلامة. يتوقف الاثنان في وسط القاعة. يقف الشاطر سلامة ثابتا بين يدي الملك.

الملك: كيف تجرأت ودخلت ارضنا؟ قل لنا ها؟ كيف تجرأت..

يدنو الشاطر سلامة من حيثما يجلس الملك. يتوقف قريبا منه. يقول:

* اولا يشرفني ايها المحترم ان امثل بين يديك. ثانيا انا لم اجترئ، وانما اتيت بهدف نبيل هو ان اجلب الضوء من بلدكم المضيء الى بلدي المحتاج للنور.

الملك: ماذا تقول؟ تريد ان تجلب النور الى بلدك؟

الشاطر: نعم ايها الملك الرشيد ذو العقل السديد. اريد ان اجلب النور الى بلدي. ضع نفسك مكاني، ماذا كنت تفعل وانت ترى بلدك يرسف في قيود الظلام؟

الملك هاتفا بالشاطر: ماذا تقول ايها الشاب؟ اسمعني جيدا؟ انا اكون مكانك، ومن انت حتى اكون مكانك؟ كل واحد لا يكون الا في مكانه.

الملك موجها كلامه الى الحراس: القوا القبض على هذا المدعي الغريب. ضعوا القيود في يديه ورجليه. اياكم ان تمكنوه من الهرب.

يهجم الحراس على الشاطر. يضعون القيود حول يديه ورجليه. الشاطر يبقى متماسكا.

الملك: انت الآن اسير لدينا. سنضمك الى من تبقى ممن سبقك من ابناء بلدتك. ستقضي بقية عمرك في السجن. لن نمكنك من شم الهواء الطبيعي. لتمكث هناك في السجن معهم والى جانبهم حتى تتعفن او تشيخ ويحين اجلك.

الشاطر- متماسكا: افهم من هذا ان طلائعيي بلدتنا موجودون في السجن لديكم، ولم يقتلوا.

الملك: نعم هم موجودون لدينا في السجن.

الشاطر: وهل بإمكاني ان التقي بهم؟

الملك ينهض من على كرسيه. يقترب من الشاطر. ينفجر بالضحك. تضج القاعة بالضحك. يرسل الملك ابتسامة حانية الى الشاطر سلامة. يطلب من الحراس ازالة القيود من يدي الشاطر ورجليه. يبادر هؤلاء لتنفيذ ما طلبه منهم.

يقف الملك قبالة الشاطر.

الملك: انتهت المسرحية.

الشاطر: ماذا تعني ايها الملك؟

الملك: انت شاب شجاع. تفكر بغيرك كما تفكر بنفسك. كنت ارقبك وانت تتعرض للظلم ورأيتك كيف تقبلت مصيرك بقلب انسان شجاع. طوال الوقت كنت احاول ان امتحن قدرتك على الصبر. لقد نجحت في الامتحان، انت ابتداء من هذه اللحظة ضيفنا في المملكة. سنكرم وفادتك، وسوف تعود الى بلدك بما اردت واكثر.

الشاطر: هل يعني هذا انني سأعود مع طلائعيي بلدتي الموجودين في السجن؟

الملك: سنفرج عنهم. وسوف يعودون معك الى بلدتك، كي تبنوا معا المجتمع الفاضل

الشاطر: كم يسرني هذا. كم يسرني ان التقي بك ايها الملك الانسان.

يبتسم الملك- مربتا على كتف الشاطر سلامة: ونحن ايضا يسرنا ان تحل ضيفا على بلدتنا. انت الانسان الادمي الاول الذي يفد الى بلدتنا، ويتصرف بمثل ما تصرفت به من معرفةٍ، احترام وتقبل لسواك من اخوانك بني البشر. كنا متأكدين انه سياتي شاب يتصف بمثل ما اتصفت به من مزايا وها انت ذا تفد الينا. اهلا وسهلا بك.

الشاطر- متوجها الى الملك: لقد فطر الله الكون يا مولاي على الاختلاف فلماذا نرفضه، وهل بإمكاننا ان نفعل لو اردنا، نحن بني البشر وجدنا على الاختلاف، لم يختر الواحد منا شكله، لونه او نوعه، كما انه لم يختر انتماءه، دينه او قوميته. لهذا علينا ان نتقبل الآخر المختلف وان نسعى معه لبناء عالم يسوده السلام. انني اتفهمُ خلافا ما ينشب بين اخواني بني البشر بسبب سلوك ما، اما ان يكره احدنا الآخر لسبب لا يد له به فهذا هو الظلم عينُه.

الملك: متفكرا- جيد، لكن .. ماذا بإمكان الواحد منا ان يفعل حينما يجد نفسه في مواجهة سلوك سئ من اخر او اخرين؟ هل تُسمعنا رأيك؟

الشاطر: هناك العديد من الامكانيات امامه. اهمها الا يواجه السلوك السيء بمثله، لأنه اذا فعل .. ينجر وراء من قُبالته ويفعل مثلما يفعل. وهو ما لا يليق بإنسان محترم، عاقل ويتقبل سواه من اخوانه بني البشر.

الملك: هل افهم من هذا انك ابتدأت بطرح السلام على حراسنا. بادرة حسن نية.

الشاطر: بالضبط. هذا ما فعلته.

الملك: لنفرض ان حراسنا شرعوا بالتهجم عليك مغلقين عليك كل الامكانيات منذ البداية، ماذا كنت تفعل؟

الشاطر: هذا لم يحدث، فلماذا نفترض؟

الملك: لنفرض.

الشاطر: لا اعرف. مؤكد انني كنت سأتصرف بحكمة.

الملك: كل من سبقوك. ابتدأوا بالتهجم ولم يتركوا لحراسنا مفرا سوى اسرهم وايداعهم السجن. نحن اناس حضاريون لا نقتل من يعتدي علينا اذا كان بإمكاننا اسره وهذا ما حصل دائما مع سابقيك. اما انت، فانك الادمي الاول الذي يفلح بالوصول الى بلدتنا. لكن قبل هذا اريد ان اسالك .. كيف امكنك ان تتحلى بكل الصفات الرائعة وتتمكن بالتالي من الوصول الى بلدتنا؟

الشاطر: منذ كنت طفلا صغيرا. حددت لنفسي هدفا في هذه الحياة وهو ان احضر قبسا من النور الى بلدتي. اهلي ادركوا هذا جيدا فارسلوا بي لأتعلم عند امهر معلمي العصر. معلمي علمني فنون الرياضة كلها، حتى حققت فيها اعلى المراتب وحصلت على العديد من الاحزمة الرياضية ايضا. وفي الآن ذاته عزز لدي الاحساسَ بان تحديدَ الهدف في هذه الحياة هو ما يقودُنا الى النجاح في تحقيقه. على هذا الطريق سرت وسار الى جانبي حـُلمي، كان آخر درس علمني اياه معلمي اطال الله عمره درسا في الصبر. وها انذا اقف بين يديك ايها المحترم. هل يمكنني ان ارى ابطال بلدتي؟

الملك: مصفقا- اعدوا كل شيء لاستقبال هذا الشاب الادمي.

يتوجه الى الشاطر:

- سيكون لك كل ما اردت وتريد. انت لن ترى ابطال بلدتك فقط، وانما ستصحبهم معك لتعلمهم هناك في بلدتك مثلما تعلمت. لتكنوا جميعا بالتالي شركاء للسلام في هذه المنطقة. مع مثلك يطيب العيش وتنعم البشرية.

تتكرر الاغنية منذ بداية المسرحية وينزل الستار.. رويدا رويدا.

***

ناجي ظاهر

 

 

 

جميل حسين الساعديأشتـــــاقُ فيخذلني صبــري      

              وأسيــــــرُ إليــــــكِ ولا أدري

سيرَ المقرورِ إلـــى نارٍ(1)      

            سيــرَ الظمـــــآنِ إلـــــى نهـــرِ

قولي مـــــــا سرّكِ يا امرأةَ    

             هــــل أبرأُ مـــن هــذا السحْــرِ

يـــا نشوةَ نشـــواتي الكبرى    

             هـــل صحْـوٌ مــن بعــدِ السكرِ

يا أعذبَ ما غنيّتُ ويــــــــا 

                أحلى ما أشدو مـن شعـــــــرِ

أشواقـــي مثلُ فراشـــــاتٍ    

                لمْ تبرحْ تحلمُ بالزهْــــــــــــرِ

أتهرّبُ منـــــكِ علانيـــــــة ً   

               وأذوبُ هيــــــاما ً فــي السـرّ

فأنا فـــــــي حبّكِ منشطـــــرٌ   

              نصفيـنِ.. أعيدي لــي شطري

حاولـــــــتُ بأنْ أنســى فإذا    

               بخيـــالكِ يخطرُ فـي فكـــري

يغرينــــــي يملؤنـــي شغفا ً 

              ويؤجّجُ نــــــارا ً فـي صدْري

فأحسُّ بأنّكِ حاضـــــــــرةٌ   

                أنفاسكِ تلهثُ فــــي نحْـــري

والشعْــــرُ الأشقـرُ مُنســدلٌ  

              كسنابــــــلِ قمحٍ فـي الفجــــر

ترميهِ الريحُ على وجهــي

               فتفـوحُ قواريـــرُ العطــــــــرِ

                ***

أهواكِ وزورقِ أحلامــــي

              يستغــربُ مثلي من امـــــري

والريحُ تجنّ ومن حولــــي 

              تتلاطمُ أمــــــواجُ البحْـــــــــرِ

قلِــقٌ تتسـارعُ فــي صدري

              دقّــــــاتُ القلبِ مــــن الذعْــرِ

فأنا لم أبحــرْ سيّـــــــــدتي

              منْ قبلُ وأجهـــلُ مــــا يجري

سأعــــودُ وأنزلُ صاريتي 

             من حيثُ بدأتُ الـــى البــــــــرّ

وسأكتبُ بيتا ً مــــن شعري

             وسأنقشــــــهُ فــوقَ الصخْــــرِ

كلّ الأحــــــلامِ إلى أجــــــلٍ

           وتمـوتُ جميعــا ً فـــــي الفجْــرِ

              ***

جميل حسين الساعدي

...................................

 (1) المقرور: من أصابهُ البرد

 

 

مصطفى معروفيفي الرف غبار

من كتب رحلت قبل سنين

وثَمَّ فوانيسُ تدلت أرجلها من شفة السقف

تحملِقُ في جسمٍ لمجرّد ذكرى

ملقىً في كرسي أكل الموتَ لحد التخمةِ

أهراء هذا أم لوثةُ يومٍ ما زال له طمعٌ في الغد؟

أم هل هذا اليومُ غدا ينكر ما كان يقول به،

إن الضفة لا تعرف إلا ما تخفيه

 ذاكرة النهر المثقوبة

ذاك حصان خانته جبهات الصوت

فلا صهيلَ لديه يقدِّمه للسُّربةِ

فبدا ا ينفش عهن الأرض

ويبحث عن سرِّ سقوط الفارس

و إلى أين مضى هذا الفارس حين رمى السرجُ بهِ،

ذاك نخيل

ما زال يطيل إلى وجه البحر شرودا

لما درَكُ الخوصصةِ اعتقلَ الشاطئَ ،

هي الأيام

إذا طلعت من تبَّانِ البرجوازيّةِ

يغدو البحر حزينا

والنورس لن يجد المنديل

لكي يمسح دمع مآقيه

وحتى تلك الياقة بقميص الأفق الفائح

بعبير النشوةِ

سيغادرها اللمعان

و يَعْلَقُ نُضْرَتَها صدأُ الغربةِ ،

أنا ما جئت من الزمن المسكون بعزف الناي

ولا أجيد الرقص في حفلات الزارِ

فقط هو ظلي سأراقبه

إن سار يمينا أو سار يسارا

إني أعشقُ هذا الألق المتورد في الأشجار

متى ما ابتسمتْ في شفتيها أغنية

تنسج للأرض مواويلَ السلْمِ

أنا أيضا لا أستجدي نافذة تبقى ساهرة

حتى لو كان الشوق ينادمها

حتى لو أنَّ طيور النوء

أعارتْها بللا مختلسا

من قافلة الغيم المنذور لإيلاف العشب

دعوا الشك على الجانبِ

سأكون اليوم صريحا وأقول لكم:

إن الغيم سؤال الأرض

وللأرض أديمي

وأقول لكم:

فوق يدي حط القمر الحامل لاسمي

والعتْمةُ

تعرف أن لديّ مفاتيحَ مَنافيها

***

شعر: مصطفى معروفي

 

زاهر الشاهينجمهرة البلابل

يستمتعن بألوان الثمر

زاجل يحمل رسالة

عنوانها الحب

يمامة تبحث عن رفيق

تدّور عن عاشق كريم

يحل عقد الحالكات من الليالي

النهارات الحزينة

يطفئ حرائق القلب

صيف الشفاه

يحصد العشب

 صار ينمو

بعد ما غاب منجل الحقل

وعشعش الاه في الصبر

بعد حين

فجأة الباب انطرق

وإذا القادم من الف عام انتظر

حاملا وردا بيد

في الاخرى هندال من سعف النخيل

شبت النار في الروح

من جديد رحت اولد

من جديد رحت اولد

***

زاهر الشاهين

 

الحسين بوخرطة"العابدة الله" فتاة في مقتبل العمر من المغرب العربي الفسيح. في 18 أغسطس 2018 ميلادية، بلغت سن الثامنة عشر من عمرها. أعطت لعيد ميلادها، الذي اكتمل فيه رشدها، قيمة سامية لم تمنحها من قبل لأي شيء ولا لأي شخص بما في ذلك نفسها. اعتبرته يوم الحرية والاعتماد على النفس في الدفاع على حقوق وجودها الآدمي والأنثوي. أمها، السيدة "حادة" الأمازيغية المتشبعة بحقوق الإنسان في بلاد فولتير، ناضلت بكل ما لديها من طاقة، وانتزعت من سلطات مسقط رأسها شرعية تسمية ابنتها بهذا الاسم الشخصي الذي يعني لها الكثير.

غرقت في التفكير والتأمل منذ لحظة تملص رفيق دربها من أغلى حدث في حياتها. تمكنت، كإنسانة تغذت ثقافتها من العرب والعجم، من الغوص بخبرة واسعة في أسرار الكون وعظمة الخالق. تملكت الجرأة والشجاعة الكافيتين، وصرحت بمولودتها رسميا، مسجلة إياها تسجيلا مزدوجا، الأول ببلاد الإقامة، والثاني في الوطن الأم.

بتقديم طلبها بمواد دستورية راقية المستوى حداثيا، أعطت لمضمونه شأنا إنسانيا عظيما. أبرزت وبررت المرامي الفلسفية لقيم المساواة وتساوي الفرص المتعارف عليها كونيا. عنونت مدخل طلبها بكلمة "توطئة قيم ودستور"، ودافعت على أن يكون الاسم المختار "العابدة الله"، لغويا واصطلاحيا، مرادفا للصيغة التأنيثية لاسم "عبد الله" متعمدة إضافة "ال" التعريفية.

في منزل صغير في مدينة نيس الشاطئية بفرنسا، قضت به، هي وأمها، فترة عمر مضنية. بالرغم من تخييم السؤال الوحيد على فضاء حياتهما البهي "من هو أبي؟"، الذي كان يسبب لأمها حرقة نفسية وحرج يخنق أنفاسها، عاشتا سويا على العموم حياة في منتهى السعادة. للاحادة، كلما استلقت على أريكتها وخلودها للراحة، كانت عيناها تغفوان مفتوحتان، وتسرح عبر شرفة غرفتها تارة على ضوء النهار، وتارة أخرى على عتمة الليل الحالكة، منشغلة بهذه المعضلة المؤرقة.

سعيا منها في إتقان قواعد التربية العلمية، كانت للاحادة تداوم بانتظام زيارة طبيبها النفسي والمساعدة الاجتماعية بالمدينة، وتسجل وتطبق معرفيا كل ما تزخر به العلوم النفسية في معالجة ما استجد في سلوكيات ابنتها الوحيدة، رافعة تحدي أن تجعل منها شخصية قوية. لم تعد تتمتع بخلوة تذكر. نسيت أصدقاءها وتفاصيل حياتها السابقة، وسخرت كل انشغالها اليومي لقضية العمر. لم تضعف يوما بفعل ما ينتابها من همسات ووساوس وشعور قوي بكونها امرأة استثنائية في عالم النساء، كأنها بقضيتها امرأة فريدة على الأرض.

حصلت "العابدة الله" على شهادة الباكالوريا علوم رياضية بميزة "ممتاز جدا". وهي منشغلة بالاستعداد المحكم لإحياء حفلة تتويج عائلية يحضرها أقرب الأصدقاء والصديقات من العرب والعجم بمناسبة هذا التفوق، لم يخالج أفق مخيلتها، إلا أمران لا ثالث لهما: أن تبحث عن أبيها البيولوجي، وتطالبه بحقها في الانتساب إليه، وأن تلج لأرقى مؤسسة علمية في فرنسا.

انطلق الرقص على موسيقى صاخبة، وموائد الطعام والمشروبات تزخر بما لذ وطاب. طلبت الكلمة، ولم تردد على آذان صديقاتها وأصدقائها، بترنم تقشعر له الأبدان والنفوس، إلا عبارة واحدة: "أدعوا لي أن أجد أبي بسرعة، وأن يقبل منحي نسبه، وأن أنجح في امتحان الولوج إلى معهد البوليتكنيك الباريسي". فور التفوه بصدى آخر كلمة من عبارتها المدوية، اترتفعت سمفونية كوكتيل أصوات أنوثية/ ذكورية مرددة بدورها ثلاث مرات عبارة: "كل التضامن والأماني".

بالرغم من حرمانها من حنان ووجود الزوج وأب ابنتها، نجحت للاحادة بامتياز في رعاية فتاة كاملة الأوصاف والأخلاق والطموح والتحدي. شبيهة بأمها الأطلسية، زادت فتانتها بهاء ووسامة ورثتهما عن أب من الأصول الأمازيغية الجبلية. جمال "العابدة الله" يروق العيون، ورقتها تسحر الروح، ووجنتيها دائمتي الاحمرار، وعينيها شديدتي اللمعان. الهدوء الناعم والجذاب لا يفارقها أبدا. طهارة قلبها ونقاء ضميرها وعفة نظرها أمتعوها بديمومة وجود فعال وقوي في محيطها السكنى والتعليمي. لقد اجتمع فيها الحسن والحصن والجمال المطلق المؤنس لوحشة الروح.

في ساعة متأخرة من ليلة الحفل، حكت لها أمها قصتها العاطفية كاملة. ولدتها في يوم ربيعي، وتشبثت بالحفاظ على أصلها المغاربي وتقوية صلتها بالوطن، وصرحت بولادتها لدى أقرب قنصلية لبلادها كأم عازبة، ومنحتها، حسب القوانين الجاري بها العمل، اسما عائليا مختارا من كشاف الأسماء المسموح بها للحفاظ على المنظومة التسموية الهوياتية لوطنها، واسم أب من أسماء العبودية. إنها ابنة وطن حضاري يعجز المرء على المجازفة في التنكر له. هذا شرف لأمها وعقدة لأبيها الذي وهبها وسامته وجاذبيته بحدة لافتة، وكأنها صورة طبق الأصل له.

هاجر قبلها إلى الديار الفرنسية كعامل مهاجر، وترك زوجته وطفليه في مدينة مسقط رأسه تحت رعاية والديه. لمحها في السوق الأسبوعي بمدينة بوردو الفرنسية. تبادلا النظرات، وتقاربا إلى بعضهما بخطوات، ليقفا جنبا إلى جنب أمام بائع الثوب. عاشا علاقة حب جنونية دامت لأكثر من أربع سنوات. كانت تراه في مخيلتها أينما حلت وارتحلت. وما إن صارحته يوما بحملها، حتى ثار في وجهها والغضب يتطاير من عينيه، ليغادر المدينة في فجر اليوم الموالي، خوفا من شيوع الخبر في أوساط أسرته الصغيرة والكبيرة ببلاده. رحلت هي الأخرى ضجرا إلى مدينة نيس، واستقرت بها. حصلت على منصب شغل بسرعة، وانشغلت بتنشئة ابنتها مراهنة على سد فراغ مكانة الأب في الأسرة. دلوها معارفها بعد مدة على عنوان سكناه الجديد في حي هامشي بمدينة باريس.

لم تنم "العابدة الله" تلك الليلة. استعانت بالمنشطات الطبية، وسهرت على إعداد مشروع تواصلي محكم لإنجاح لقائها مع أبيها. استقلت القطار فجرا في اتجاه باريس. استأجرت سيارة طاكسي، والتحقت بباب معهد البوليتكنيك. اجتازت المباراة، ونجحت بميزة ممتاز جدا كتابيا وشفويا. بسرعة البرق، وجدت نفسها أمام باب منزل الأب الذي أنكر أبوته لها منذ ولادتها الميمونة خوفا من المجتمع وثقافته.

وصلت إلى باب منزله، طرقته بعذوبة وحنان اخترقا جوارحه رغما عنه. بلج الباب على مصراعيه بحماس لم يعهده. تسللت الرهبة إلى فؤاده، ودب الرعب عينيه مبهورا بمخلوقة لم ير من قبل مثيلا لها بهاء وجمالا. إنها سلالة فتيات ناذرة، اندمجت فيها الجينات الوراثية لأنوثة منطقتين عريقتين من المغرب العربي الكبير. استحضرت ببلاغة مبهرة كل تقنيات التواصل، وتفوقت في رفع مشاعر الأبوة والبنوة إلى أقصى مستوياتها. أوحى لها ببريق نور محياه أنه يعيش في تلك اللحظة أعظم وأزهى فرحة في حياته. اهتز من أعماقه بهذه الوردة التي نبتت فجأة داخل بيته. حبس دموعه مرارا ليعوضها بابتسامة سعادة حقيقية. أخبرته بمسيرتها الأسرية والتعليمية، وتفوقها الذي توج منذ ساعات فقط بتحقيق حلم حياتها الذي لن يكتمل إلا برضاه عنها والاعتراف بنسبها لصلبه.

بمجرد أن سمع كلماتها الأخيرة، حتى قصفه شعور غريب امتزج فيه، في نفس الآن، الحزن والحسرة والفرح، ليستسلم لسهاد أغمسه في مسار حياة قاسية وناقصة المعاني دامت ما يقارب عشرين سنة. فهمت ما ينبعث من نظراته من صدق وعجز وأمل، فأردفت قائلة: "أنت أبي، وسأكون معك شفافة وصريحة، وما سأقدم عليه، بدون تصنع أو مجاملة، هو من صميم حقوقي الوجودية. أولا، لا يمكن لك أن تتصور كم اشتقت إليك وإلى حضنك ووجودك. ثانيا، تقابلنا في هذا اليوم هو فرصتنا الأولى والأخيرة نحن الاثنان لترميم آلام الماضي، ونستدرك ما ضاع من حياتنا من سنوات عجاف. الحياة قصيرة لدرجة تحثنا على سرقة لحظات الفرح وديمومتها مستقبلا. أنا متيقنة أنك لن ترض أن تنزلق من قبضة أيدينا الحياة مجددا. تماسك يا أبي، وكن متيقنا أن نبلك وإيمانك سيصنعان من الضيق فرجا". تأسف بحزن شديد بدون أن ينبس ببنت شفة. وعيونهما مغرورقة بالدموع، اعترف لها أن وضعه الأسري بعاداته القبلية، يكبله ويخنقه. عقبت للتو : "تفهمت وضعك يا أبتي، لكن سأتعسف على الأوضاع لأصنع لنا جميعا سعادة من نوع جديد".

لجأت إلى المحكمة الفرنسية القريبة من سكناه، ورفعت دعوى قضائية استعجالية. أجبر بعد استدعائه من طرف السلطات الفرنسية على الخضوع لاختبار الحمض النووي، لتؤكد التحاليل، بدون أدنى شك، أبوته لبنيته. تم تغيير نسبها من أب مجهول وعوض بأب معلوم، وظفرت بالاسم العائلي لأبيها. وبدأت معركة امتداد توحيد هذا النسب إلى الوطن ساعية تضمين بيانه في رسم ولادتها الثاني.

استقلت "العابدة الله" الطائرة في يوم صدور الحكم في اتجاه وطنها الأم. أحست بغبطة غريبة وهي تتابع كيف تهادت الطائرة هابطة، لتتنفس الصعداء وترتفع دقات قلبها عندما قرقعت الإطارات وهي تلامس المدرج. استيقظت في اليوم الموالي باكرا، أخذت حماما ساخنا، تناولت فطورا مقويا. كان الطقس حارا للغاية يثير نوع من الشجن الخفيف. أصرت بكل جوارحها على التفلت من مكبلات الماضي وعذابات مكر السنين الماضية.

زمت شفتيها وهي تستعد للخروج لا تفكر إلا في الظفر بالقضية. رفعت دعوى قضائية طالبة استصدار أمر رسمي بتذييل الحكم الفرنسي. كلها أمل، واجهت محاميها بتناقض لامسته في النصوص التشريعية قائلة: "لماذا أجاز المشرع نقل رسم ولادة من مؤسسات بلاد الإقامة (فرنسا) إلى قنصلية بلادها المختصة، وصمت أو تنكر لموضوع نقل بياناته الهامشية القانونية فور تضمينها". هجر الفرح أيام مكوثها في بلادها لتحل محله اليقظة والتأمل في النصوص القانونية ذات الصلة بقضيتها.

لكونها لا تتوفر على سكن اعتيادي ببلادها الأم، تم توجيهها، هي ومحاميها، من طرف المديرية المكلفة بشؤون جالية بلادها بالخارج التابعة بوزارة الخارجية إلى المحكمة المختصة بالعاصمة. تابعت كيف تجول الملف لساعات في ردهات هذه المؤسسة. وهي تنتظر النتيجة، احتقن الصوت في حلقها واحتبس لدقائق كانت من أطول دقائق حياتها. غاصت في سهاد عميق في متاهات تناقضات القضايا والغرائز البيولوجية والثقافات المجتمعية والأنانيات المادية.

قوبل ملفه بالرفض بعد مداولات طال أمدها. يا لسوء وقسوة ما آل إليه القانون الوضعي. استكمال فرحتها عرقلته عبارة "الحمض النووي". صال عليها شعور بالوهن، لكن عزيمتها ذكرتها بتوقانها الروحي الدائم للعز والفخر والدفء الأسري. لديها أم عظيمة بكل المقاييس، وأب وسيم بحنين مكشوف وتطلع للفرج والفرح يزلزل النفوس. جابت دروب العاصمة وشوارعها وهي تفكر في خطة لدحر الشأف في ثقافة مجتمعها الأم.

انغمست في ذهول عميق بدون أن تنال منها الحيرة والحزن. لا يدور في خلدها سوى رفع الحيف عن هويتها. لم تستوعب حقوقيا توفرها على نسبين مختلفين ومتناقضين، الأول من أب مجهول بالوطن باسمين عائلي وشخصي عشوائيين، والثاني لأب معلوم بسجلات الديار الفرنسية. تشبثها بوطن جذور الوالدين، وتعلقها بوعد الزواج الذي أبرمته منذ سنوات مع ابن خالتها هيثم الذي يتابع دراسته الهندسية، أشحناها بالشجاعة والعزم والإصرار على فتح ملف حقوقي نضالي. أصرت على توحيد نسبها والتمتع بحق التعرف على أخوها وأختها وأعمامها وعماتها وزوجة أبيها. ساندها هيثم بقوة كالمعتاد منذ الصبا، مبرهنا لها أن حياته لا معنى لها بدونها. لا يفكر إلا فيما يسعدها. علاقته بها ارتقت بقداستها الروحية والعاطفية إلى برج محصن. همش مسألة النسب اعتبر القضية مجرد حق شرعي لمحبوبته ولذريتهما المستقبلية في هوية واحدة لا أكثر ولا أقل.

لقد فتحت لها أبواب مؤسسات بلادها على مصراعيها. تعجبت من حدة الدعم العالية التي أولاها الرأي العام لقضيتها. استقبلتها المؤسسات الرسمية والمنظمات غير الحكومية المختصة في الدفاع وحماية الحقوق والحريات. لقد تم تبني ملفها وطنيا، وتحول إلى قضية تشريع وشرعية انتساب لتراب الوطن الأم، وإلى إشكالية لإعادة التفكير الحداثي في قضايا اللغة والهوية والذات الإنسانية والتاريخ. علمت خلال الأيام الثلاثة التي قضتها بالوطن أن أخوها سلام يشتغل لحاما لدى مقاولة صغيرة، وأختها السالمية نال منها الهذر التعليمي والتكويني، وتنتظر أن يرتقي مصيرها الوظيفي إلى ربة بيت عبر مؤسسة الزواج المأمولة. لقد خالج مخيلتها وكأن القدر رزقهما بأخت في الوقت المناسب.

والنضال في أوجه لتوحيد هويتها، متشبثة بوطنيتها وحبها لبلادها وثوابته وخصوصية حضارته، اتخذ قرار تشكيل لجنة من طرف أعلى سلطة في البلاد. تم تكليفها بسرعة بتعديل مدونة الأسرة بمنطق حماية حقوق الطفل كما هو متعارف عليها دوليا. صدر القانون الجديد بعمق مضمون لافت، استحضر حرارة الغرائز المشتعلة ونبل العواطف والأخلاق وما يترتب عن خمودها والتمتع بها من حقوق للطفولة والمجتمع. انتشت بفرح استثنائي لم يخالجها قط من قبل. حملقت في الحديقة التي تجانب منزلها، وانبهرت بجمالية الورود والأزهار من حولها، وتعجبت للغشاوة التي حالت بينها وبين هذا المنظر الطبيعي الدائم بألوانه وأنواعه الخلابة منذ ولادتها.

قررت "العابدة الله" العودة إلى الوطن مجددا. نهضت بقامتها المديدة البهية. غادرت حضرة الألم النفسي وأوجاعه بعزيمة متجددة. امتطت آخر طائرة وأقلتها ثانية في اتجاه محكمة العاصمة المعلومة. أحيت ملفها، ونجحت في استصدار أمر قضائي بتذييل الحكم الفرنسي.

استكمالا لفرحتها، وبعدما استنفذت الفائدة والغاية من تسميتها "العابدة الله" تجسيدا لكونها مخلوقة ربانية من ذرية وطن، اغتنمت الفرصة ورفعت دعوى لتغييره. تحقق مبتغاها بحكم استعجالي صدر عن قضاء وطني يلهث بكل ما لديه من قوة للوصول إلى مرتبة الاستقلالية والانتصار للحداثة.

تمت الاستجابة لطلبها واختارت اسم "شهرزاد". قاومت بشراسة الحيف الذي كبس على أنفاسها لسنوات. نجحت بكلل وكدح متواصلين في إضاءة العتمة الثقافية ببلادها متسلحة بأنوار أسرار الوجود في وطنها. تحولت إلى نجمة انتصرت للحياة فاضحة بذلك كل من يتذرى بالحداثة كذبا. امتلكت ناصية البلاغة والجرأة في القضية، وأصبح اسمها معلم حقوقي يهتدي إليه ضحايا القضايا الثقافية الشائكة.

هاتفت أبيها مبشرة إياه بفرج أسرة ووطن. خاطبته بفقرة جد مؤثرة: " أبتي، بنا نحن الثلاثة، أنا وأنت وأمي، وبدعم ووجود هيثم الدافئ، وأدنا الوهم وكوابيسه المضنية المفتعلة. لم أعد وحيدة أمي دمويا مشتتة الهوية. لقد تفاعل الرأي العام والمؤسسات مع ما اعتبرناه ناصية طفولة بريئة. أنا أحس اليوم أنني وردة تترعرع وسط دفء أسرة كريمة. وجودك أبي فيق بداخلي عالما جديدا، زخرف فرحا وسعادة أحداث أيام حياتي الماضية المتراكمة في أعماقي بنجاحاتها ومآسيها. لم تعد ألفتي للسلوى التي تغمر جلساتي الحكائية ثنائية، بل أصبحت ثلاثية، يغمرها أحبابي من جهته حبورا وسرورا".

 

الحسين بوخرطة

 

 

سعد جاسم1- فردوس أُنوثة  

 توقظينني في صباحاتِ الله

فرحانةً وهيمانةً

كتفاحةٍ تُشعشعُ

من فرطِ الغواية

ومن لهبِ الرغبة

وجمراتِ الفحيحِ

 وعطرِ الأَنفاسِ الصاهلةِ

في غرفِ النومِ السريّةْ

 

وأَنا أوقظُ فيكِ

افاعي الشهواتِ القزحيةِ

حتى تنهضي مكتنزةً باللذة

وعافيةِ الحبِّ

وعبقِ القُبلات

وفرحِ الروحِ

وهي تتلألأُ في المرايا

حالمةً بالطيرانِ

عالياً ... عالياً

حتى سماواتِ الربِّ

وفضاءاتِهِ المُكتظّةِ

بكواكبِ العشقِ والرغبات

وحقولِ الشغفِ العابقةِ

بروائحِ الأجسادِ المُشتعلة

والمُكتنزةِ حدَّ الشبقِ الكوني

القابلِ للإحتراقِ والإنفجارِ العاطفي

والإشراقاتِ الجسدية المُتَلَألئة

كالقناديلِ والأقمارِ

والكواكبِ الياقوتية

المُتوهّجةِ كأَقواسِ فرحٍ

في فراديسِ الحُبِّ

والحرّيةِ والخلاص

**

2- امرأَة الشهقة الاخيرة

أُريدُ أَنْ أَبتكرَ إِمرأةً

طيَّبةً وجميلةً

وعاشقةً لعوالمي وقصائدي

وطقوسي وجنوناتي

وأُحسُّها تُحبُّني حدَّ الولع ِ

والوَلَهِ والهيام

وأَنا الآخر سأُحبها بشغفٍ وجنون

كما لو أَنني لم اعشقْ أَبداً

أُنثى كوْنيَّة مثلَها  ؛

ولاأُريدُ أَنْ أُحبَّ غيرَها

حتى الشهقة الأَخيرةْ

**

3- نساء.. نساء.. نساء

الاشجارُ اللواتي في الغاباتِ

 والحقولِ والشوارعِ : هنَّ نساءٌ

 نساءٌ دائماً مفتوحات السيقانِ والاذرعِ والقلوبِ

قلوبُهنَّ خضرٌ في الربيع

ورماديات في الخريف

أَعْني خريفَ العمرِ والاحلامِ والاماني

وكذلك فانَّ قلوبهنَّ بيض اء في الصيف

وفي الشتاءات تُصبحُ قلوبهنَّ كالتنانيرِ

 والكوانينِ والمواقد الطاعنةِ بالذكريات

والحكاياتِ الساحرة وأَلسنةِ اللهب الباشطة

كسكاكين المطابخ الريفية

 والنساءُ الاشجارُ : مشاعرُهنَّ ورغباتُهنَّ

هُنَّ فواكههنَّ الناضجة

وهنَّ غالباً لايبخلنَ بها علينا

وخاصة عندما يُصبحنَ عاشقاتٍ وباذخاتِ العواطفِ

والقبلاتِ والنزواتِ والقطوف ،

النساءُ : اشجارٌ لاتموتُ الا واقفة

كما قال لنا صديقُنا الاسباني العنيدُ ،

في مسرحيتهِ الموجعة

 مثل مقبرة مهجورة

***

سعد جاسم

 

 

 

بن يونس ماجنالضباب فارد جناحيه

كصقر يريد ان ينقض

على فريسته

البرد القارس والثلج المتراكم

وحقول النرجس تتثاءب

من حمولة الندى الطري

الليل يتجول في "اكسفورد سترت"

والقمر يغازل نافورة "بيكاديللي سيركس"

وفضاء "ليستر سكوير"

و"سوهو" يزخر ببائعات الهوى

استلقي على كرسي هزاز

أتامل صومعة "بيج بن"

ونهر التايمز يستحم على وجه الماء

 

وجدة1 بقيضها المفرط

ترفل وراء ظلال سيدي يحي2

تتأرجح اهذابها فوق الاصيل الدهبي

كل الطرق تؤدي الى واحة واد ايسلي3

الظل في حي انكادي4

يجلس القرفصاء

على طاولة عتيقة

في حديقة مهملة

من أعماق الاشواك البرية

تطل شجرة الميموزا

ثم تشاركني الركض في الشمس

وتبتلعنا الاشواق والاحلام

كأنني مسافر في الايام الغابرة

***

بن يونس ماجن

وجدة/  لندن

.......................

1- مسقط رأس الشاعر وهي مدينة

2 - منجع اصطيافي وفيه قبر الوالي الصالح سيدي يحي

3 - واد مشهور بمعركة ايسلي

4 - مولد الشاعر

 

 

ياسين الرزوقيموت الشعر مايا في سيوفي

فهلْ أبقى وحيداً  يا صفوفي ؟!

أنا المطعون كلّ عبور قومٍ في ظروفي

أَأَبقى بالنوى مايا أعاني بالحتوف؟!

أمات الله حيّاً مذ تعالى يا رفوفي ؟!

و مايا مُذْ غيابي كم تنادي في المدى بالحبّ قرباً كم تعاني بالخسوف!

و مايا مذْ حنيني كم تصلّي بالهوى عمراً

هي الشمس التي لولا هواها بتّ ليلاً بالكسوفِ !

أَقَيْصَرُ عشقيَ المكتوب ضاع بتاج مَنْ عشقوا حروفي ؟!

لمايا في سطوري غيثُ أحلامٍ شغوفِ

لمايا في قصيدي عمق إبحارٍ رؤوفِ !

لمايا في ندائي صوتُ أوطانٍ أضاءت في خريفي

تعاليْ نقهر الأقدار في صندوق موسى كم أناجي بالرغيف ؟!

رغيف الخوف في وطني ينادي في طيوفي

فهلْ أبكي حياتي أم أصير بموتِ سحري كالرصيف ؟!

أنا المصلوب أزماناً و عرش حبيبتي معشوقُ بلدانٍ عفيفُ !

أنا المهدَى صليبي لا تعادوني على وتد القطوفِ !

أنا المقتول بهتاناً و تاج حبيبتي يبقى يطوفُ

أنا المعطى كتابي لا تنادوني على صوت العزوف !

دمشقُ و مايتي لا تتركاني  في حفيفي

فأوراق الهوى نادت قوافيها ردائي

و هذا العشق يشفيني بدائي

لمايا أرفع الصلبان دوماً كي ألاقي في السما درب اليسوع!

جنود الله قاموا كي أقوم على المنافي كي أصافي بحرَ عشقٍ في رجوعي

لكِ الوجدان مايا في شآمي ياسمين حبيبتي بين الصفوف

لكِ الألحان مايا في بلادي ها سَنَحيا  تحت أنصال السيوفِ !

***

الشاعر: ياسين الرزوق زيوس

روسيا موسكو

 

شميسة غربيتبْدو ناصية الشارع؛ خاليَة إلا من بعْضِ الرّاجلين، يتسارَعُون منْ أجْل امْتطاءِ آخرِ حافِلة تُقلُّهُمْ نحْو وجهاتهم المختلفة. إنّها السَّابعة مساء.. لم يبْق سِوى ساعَة واحِدة على ضرُورة الِامْتِثال لقانون الحَجْر الجزئي والذي يستمرّ إلى غاية السّاعة السّادسة صَباحاً في هذه المدينة..

في حضْرَة الوَجَع..

تفاقمَ الوباء في المَكان، وما عاد بالإمْكان؛ التكهُّن ِبمنْ سيسْقُط.. وبمَنْ سينْجو.. المدينة تبكي أحياءها الشاحبة، يدُ الموت تشتدّ وتشتدّ..لمْ يخْلُ بيْتٌ مِنْ فجيعَة.. أين الحلّاق "رشيد"..؟ أيْنَ صاحِبُ الفُرْن "معطى الله"..؟ أين النّجّار "فريد"..؟ أين طبيب الحيّ "إبراهيم"..؟ القائمة طويلة.. المهندس "مراد"..الطالبة الجامعية "سعدية".. "منصور"، مدير مؤسّسة.. "نجيب"، سائق طرامواي.. "مجيد"، مُنَشِّط إذاعي.. "زينب"، إعلامية حديثة الِالتِحاق بالوظيفة.. "رفيق"، ُمَمثِّل مسْرَحِي.. "قادِرُو"، بائع خردوات.. "زينو"، عامل نظافة.. "لمياء"، شرْطِية.. "وَهِيبة"، مُوَظّفة بالبنْك المرْكزِي.. "عزيز" و"مهدي" رَجُلا إطفاء.. "عبد السلام" أستاذ جامعي.. المدينة؛ وَشمَتْها النُّعُوش.. تقيّأتْ أحْزانَها.. يدُ الموت؛ نوّعَتْ قطف المحاصيل.. فاضتِ القبور وغابت تلك الطقوس الجنائزية.. أينَ الجموع التي كانتْ تُرافِقُ الميّت حتّى آخرِ توَاجُدٍ له على سطح الأرض..؟! لا انْدِهاشَ بعْد اليوم.. أدْرك الجميع أنّ المُوَاجَهة هي شرْط البقاء.. وكما يتناسلُ الموت.. ستتناسلُ الحياة..!

 

"اخْدِيوْجَا".. مِنَ الأفارِقة السُّود.. كعادتها في مثل هذا الوقت، تُلَمْلِمُ أشياءَها.. تنْهَض بقامتها المَديدة، تُعيدُ ترْتيبَ ملاءَتها السّوْداء، تلُفُّهَا بِإحْكام حوْلَ جسدِها الهَزِيل..القَدَمانِ تستقِرّان داخل الشّبْشِب المُهْترئ.. اليَدَان تمْتدّانِ إلى الغُصْن المُتَدَلّي مِنَ الشجرة، تَجُرّان قطعة قماشٍ كبيرة؛ أعطتْها إيّاها هذا الصّباح إحْدى المَارّات، فعلّقتْها على الغُصْن وكأنها أشْفَقَتْ عليْها من غبار الأرض وزحْمَة الأقدام..

بين قهوة "خليل" ونغمة الوتر..

قدِمتْ "اخْديوْجا" إلى هذه المدينة منْذ سنتيْن أوْ أكثرَ بقليل.. بعْد اطلاعها على أغلب شوارع وأحياء المدينة ومراكزها الرئيسية؛ اختارتْ أن تقضي يومها كاملاً في هذا الشارع الجديد؛ على أن تعود عند كل مساء إلى حيث مَلاذ المبيت رفقة جماعة من الأفارقة السود المتجوّلين طوال النهار بين الأزِقة والمحلّات والمرَافِق العُمومِية.. صِبْيان، رِجال، نِساء، فُرادى، جَماعات، ينتشرون حول الطرقات؛ في عزِّ البرْد وفي قيظ الهجير.. اعتادت "اخديوْجا" الجلوس تحت تلك الشجرة الباسقة والتي تتوسّط عدة محلاتٍ تجارية ومقهىً ؛ جُمِعَتْ كل كراسيه بسبب الجائحة، واقتصرتْ خدماتُه على توصيل القهوة المحمولة إلى مَنْ يطلبها من أصحاب المحلات، وقدْ يقتنِيها المارّة من الشباب، يقطعون الطريق والأكواب الصّغيرة بيْن أيديهم، يرسمون أحلامهم الكبيرة على حواف الأكواب في تحدٍّ واضح للوباء..! يتلذّذون بالرّشفة والنّكهة المُمَيّزَة لقهوة "الحاج خليل" الفلسطيني الأصل الجزائري المولد.. لا قهوة تعْلو على قهْوة هذا السيّد، قبل الجائحة؛ كانت المقهى تغصّ بالناس من مختلف الأعمار.. يرتشفون ويستمعون إلى الأغاني الفلسطينية الثورية، بل وأصبحوا يحفظونها ويتغنّوْن بها مثلما يتغنوْن بأغاني الزمن الجميل.. "رابح درياسة"، الشيخ "عبد المولى"، "الشيخ الحاج محمد العنْقى"، "الهاشمي قروابي"، "عبد القادر شاعو" "عبد المجيد مسكود"، "كمال مسعودي" وغيرهم.. لم يستطع "الحاج خليل" التفريط في المقهى رغم إلحاح أبنائه على ضرورة الراحة لِمنْ هُمْ في مِثلِ سِنّه.. كان يجد فيها السّلوى وجمال الجلسة والحكايا مع أصْدقاء العُمْر من الجزائريين ومُختلف أبْناء الجالية العربية المُقيمة في هذه المدينة.. أبناء "الحاج خليل"؛ منْهم الطبيب، ومِنْهم المُحامية، ومنْهم الأستاذ الجامعي؛ ينْصاعون لرَغْبة والدِهم ويحْترمون خيارَ الاحْتفاظ بالمَقهى وتسيير أمورِه بإشراف الوالد "خليل" وبُمساعدَةِ شابّيْن؛ يتكلّفان بكل المُسْتلزمات من شراءٍ للموادّ وتنظيفٍ للمكان وتوْصيل للزبائن..

"اخْديوْجا" مَنارَةُ الحَائر..!

اعتاد الناس على تواجد "اخْدِيوْجا" تحت الشجرة.. فالتُّجّار وزبائن المقهى والمحلّات؛ لا يبخلون عليها بِما تيسّر.. أقدميتُها في المكان؛ تجعل منها "مَعْلَماً"؛ يَهتدي به الوافد الذي لا يعرف زوايا هذا الشارع.. فالباحث عن التاجر فلان؛ يقولون له: "إنه مقابل شجرة كبيرة تجلس تحتها افريقية تُدْعى اخْديوْجَا، والقاصد للصيدلية؛ بواسطة سيارة الأجرة؛ يُسهّلُ على السائق نعْت المكان بِاسْمِ "اخديوْجا"، حتّى موَاعِيد بعض أصْحاب الصّفقات؛ أصبحتْ تُضْرَب بِنِيَةِ اللقاء؛ عند المقهى المُحاذي لِشجَرَة "اخْديوْجا".. لا أحد يعْلم مَنِ الذي أطلق عليها هذا الإسم.. قد تكون إحْدى سيّداتِ العِمارة المُجاوِرة.. أيام المطر؛ كانت "اخْديوْجا" تنتقل من تحت الشجرة إلى مدخلِ العِمارة، تجلس في الزاوية؛ والعيْنان الكبيرتان البرّاقتان تُتابعان قطراتِ المطر الساقطة فوق أوْراق شجرَتها الصّامدة.. يطيرُ بها المشهد نحو أرضٍ بعيدة، غادرتْها يومَ غدرَتْ بها أيادي الظلام.. تتساءل: "هلِ المطرُ هُنا، يُشْبهُ المطرَ هناك..؟ " تضع كفّها على خَدّها بعْد أنْ ثبّتتْ مِرْفقها على إحْدى رُكْبَتيْها، يرْتسمُ المشهد كاملاً أمامَ عينيْها.. تشعرُ بدمْعٍ ساخن يجْري تحت كفّها.. يوم زفافها، تعرّضَتْ قبيلتُها لِإبادَة جماعية، قُتِل عريسُها أمامَ عينيْها، سِيقتْ هِيَ وبعْضُ الفتياتِ إلى العَرَاء؛ وتُرِكْنَ هناك مُقيّداتٍ بيْن جُثث الموْتى ونعِيقِ الغرْبان.. ينْتشِلها مِنْ هذا المشهد؛ صوت "فتيحة" الساكنة في الطابق الأرضي وهي تدعو وَلديْها لتفقّد طلبات بعض سُكان العِمارة قبل أن تبدأ هي و"سُكينة" ابنتُها؛ في تنْظيفِ السّلالم وجمع أكْياس النِّفايات المنْزِلية الموْضوعة عند أبواب ستة طوابق.. "فتيحة" في سنّ الأربعين، زوجُها "إدريس"؛ حارسُ العمارة؛ توفّي منذ سنوات ِبسَكتة قلبية، فاقترَح السكان أن تظل "فتيحة" وأولادها في المسْكن وفي خدمة السُّكان خاصة كبار السِّنّ.. بيْنما تولّى الإبْنُ الأكبر مسؤولية أمْنِ العِمارة.. تنْتفِضُ "اخْديوْجَا" لِلَحظاتٍ على صوْتِ المرْأة؛ ثمّ تغرق من جديد في تأمُّلِ الشجرة وقد غسلتْها الأمطار وتجَمّعَ الماء تحتها في شكل بِرْكة صغيرة.. تُحدِّث نفسها بالبقاء عند مدخل العمارة حتى يحين وقت انصرافها إلى مكان مبيتها. لقد حوّلَ رِفاقُها حَيّاً مهْجوراً في ضواحي المدينة إلى مهاجع، يتكدّسُون فيها.. في هذا الحيّ؛ ينْتشرُ بعض الصّبْية السود، يلعبون طوال اليوم، يُغَنّون، يتدافعون، وكلهم ثقة؛ بأن المساء سيكون أحلى عندما يعود الكبار مُحَمّلين بالطعام واللباس والفراش والأحذية وحتى بعْض الألعاب التي يُفرّطُ فيها أطفال الأحياء داخل المدينة.. أما البعض الآخر من الصبية الأفارقة؛ فيسلكون مسالك الكبار، يجوبون الشوارع في حماس، والأوعية البلاستيكية المختلفة الألوان بين أيْديهم؛ يعْرضونها على المارّة ومعها أدعية الصِّغار البريئة؛ لكل مُتصدّق.. لقد تعلّموا لغة البلد، وحفظوا أغلب الأدعية التي يسمعونها في الأسْواق والمُنْتزهات وداخِل الدّكاكين.. ينْطقون بكل سلاسة وبإلحاح شديد، مِنْهُم مَنْ يدعو ويقول: "الله يْزَوْجَكْ !" دون أن يُدركوا إن كان المارُّ حوْلهم مُتزوّجاً أمْ لا.. ومنهم من يدعو: "الله يْفَرَّجْ عليك" ومنهم مَنْ يُردّد: "الله يرحم الوالدين".. "صدقة، صدقة، الله ْيفَرْحَكْ".. هؤلاء يعتمدون على أنفسهم وعلى برَاءَتِهمْ التي تمسُّ القلوب والعقول في آن..

أيام المطر هذه، عنوان كل البركة.. يتسارع السُّكّان إلى تقديم الوجبات الساخنة للمرأة المُحْتمية بمدْخل العمارة.. تأكل.. ثم تجمع الباقي في عُلَبٍ بلاستيكية متفاوتة الأحجام، تضعها في كيسٍ من القماش الغليظ، ثمّ تطوي ما تيسّر من الثياب؛ وتجعلها في شكل رُزَمٍ، تُكَوّمُها فوق ظهْرِها وتنْطلق في أرْيحية واطمئنان، حتى إذا حلّ الغد؛ رأيْتَها من جديد وقدْ صحَتِ السماء، تحجُّ إلى شجرتها الشامخة، تفترش قطعة كارتون وتتأمّل النّاس.. فتتلهّى حيناً بمتابعة المشاجرات بين التجار الجُدُد والتجار القُدامى.. أو بين بعض المتسكّعين الذين ألِفوا الفوضى والصّخب.. وقدْ تتلهّى بمتابعة منظر الأمّهات وهنّ يرافقن أبناءَهُنّ إلى المتاجر، وجميعُهُمْ يرتدي الكمامات بألوانٍ زاهية؛ وعليْها رُسومات خُصِّصَتْ للأطفال؛ فأصبَحَتْ مجالاً للتَّبَاهِي بيْنهُمْ.. وفي عزِّ التّباهي؛ قد تصْطدمُ إحْدى الأمَّهات بسؤالٍ ُمفاجِئ: "هلْ حقّاً سنموتُ يا أمِّي..؟

دموع الشجرة..

منذ أسبوع تقريباً؛ لم تظهر "اخْديوجا" في المكان.. تساءل التُّجّار.. تساءل سكّانُ العِمارة. وكأن البقعة هذه؛ ينْقصُها شيء.. أين غابتْ..! الشجرة أصبحتْ تحْملُ اسْمَها، لذلك يصعبُ نسيان المرأة وعدم تفقّدها.. لها من العلاقات الطيبة مع النّاس ما يشهد به المارّة والساكنة.. تراها تعود..؟!

يهْتدي أحدُهم – وهو الذي ينْتظرُها منذ أيام؛ لِيُقدِّمَ لها ما تبرّعَتْ به سيّداتٌ في الشارِع المُجاور- يهتدي إلى البحث عنها في حيّ الأفارقة المعروف.. يذهب بصُحْبة أحدِ أصدقائه وعند مصادفته لأوّل امْرأة؛ يحْتار كيْف يسْألها وماذا لوْ فهِمتْهُ خطاً.. تنظر إليْه المرأة ِبسَهْوٍ غريب ثمّ تتابع طريقها وفوق ظهْرِها صبِي؛ تجمّع الذباب فوْق رأسِه وهو يُحارِبُه بأنامله الصّغيرة.. يَطرُدُهُ، ثم لا يلبث أنْ يحُط على أنْفه الذي هو في حجْم حَبّةِ القرُنْفل.. يتوغّلُ الصديقان في الحيّ.. يُوقفهُما شابٌّ إفرِيقي، يسألهما بلهجة مُكسّرة عن مُرَادِهِما.. يُبلّغانِه أنّ بِحْوزَتِهما "أمانة" يجب تسليمها إلى صاحبتها "اخْديوْجا" المعروفة في شارعنا؛ بـ: صاحبة الشجرة.. يطول صمت الشاب قبل أن يضع يدهُ على جبينه.. تخونه رُكبتاه.. يتهاوى على حجَر كبير.. يراه بعض السود، يهْرعون إليْه، يُحاوِلون إنْهاضه.. يسمع الصديقان أحدَهُم وهو يُتمْتم بنبرة حزينة: " إنه موْتُ "اخْديوْجا".. لقد رحلتْ أخْتُه الوَحِيدة.. طالتْها يدُ الجائحة.. لم تسْلمْ من الوَباء.. راحتْ، وظلّتْ ذِكرَاها في القلوب، و باتتْ روحها تطوف بالشجرة.. حتى يُخيّلُ إلى البعْض أنها ستعود بملاءتها السوداء وشبشبها المُهترئ وأكياسها الممتلئة..    

***

شميسة غربي/ سيدي بلعباس/ الجزائر      

 

يحيى السماويأمضَيتُ نصفَ العمرِ مُبتَدَءاً

أُفَتِّشُ في المنافي عن خَبَرْ


 

هـيّـأتُ قـصـدي لـلـقـصـيـدةِ

غـيـرَ أنَّ الأبـجـديـةَ غـادرتْ قـلـمـي ..

وهـيّـأتُ الـحـقـيـبـةَ لـلـسـفَـرْ

*

أوروكُ بـعـدَ ربـيـعِ " إيـنـانـا " خـريـفٌ (*)

فـالـضـفـافُ الـى جـفـافٍ

والـغـيـومُ بـلا مَـطَـرْ

*

وأنـا الـظـمـيءُ الـسـومـريُّ الـصَّـبُّ ..

والـمـوتُ الـمـؤجَّـلُ ..

والـقـتـيـلُ الـمُـنـتَـظَـرْ

*

أمـضَـيـتُ نـصـفَ الـعـمـرِ مُـبـتَـدَءاً

أُفَـتِّـشُ فـي الـمـنـافـي عـن خَـبَـرْ

*

لِأُتِـمَّ مـعـنـى جُـمـلـتـي الـعـذراءِ

فـي بـحـثـي عـن الـفـردوسِ

والـخـوفِ الـمـوبَّـدِ مـن سَـقَـرْ

*

كـيـفَ الـهـروبُ ؟

يـدي مُـكَـبَّـلــةٌ ..

وإصْـبـاحـي بـلا شــمـسٍ

ولـيـلـيَ لا قـمَـرْ

*

والـدربُ وعـثـاءٌ (**)

وســاقـيَ مـن حَـجَـرْ !

*

بـيـنـي وأوروكَ الـذي بـيـنَ الـفـراشـةِ والـزهـورِ

وبـيـنَ فـاخـتـةِ الـسـمـاوةِ والـشـجَـرْ

*

فـأنـا وأوروكُ:

الـوفـاءُ مـن الـسَّـمَـوْألِ

والـوُضُـوءُ مـن الـصـلاةِ

و " ميمُ " آصِـرةِ الـمـروءةِ مـن " مُـضَـرْ "

*

وأنـا وإيـنـانـا:

الـهـديـلُ مـن الحَـمـامـةِ ..

والـتـبـتُّـلُ مـن تـسـابـيـحِ الـسَّـحَـرْ

*

وأنـا وإيـنـانـا كـمـا شـرقٌ وغـربٌ:

حُـلـمُـنـا ريـشٌ

ويـقـظـتُـنـا وَبَـرْ

*

لـكـنَّ " إنـلـيـلَ " الـجـديـدَ أقـامَ مـا بـيـنـي وأوروكَ: (***)

الـذي بـيـنَ الـغـزالـةِ والـسـهـامِ

وبـيـن أنـكـيـدو وخـمـبـابـا

فـعَـزَّ الـمُـسْـتَـقَـرْ

*

أطـلِـقْ سَــراحَـكَ مـنـكَ

أنـتَ أسـيـرُ نـفـسِـكَ ـ قـلـتُ لـيْ ـ

فـاخـتـرْ لـخـيـمـتِـكَ الـقـصِـيَّ مـن الـبـلادِ ..

الأرضُ واسـعـةٌ ..

فَـدَعْـكَ مـن الـوقـوفِ عـلـى تِـلالِ اللامَـفَـرْ

*

فـأجَـبْـتُـنـي:

مـا عـدتُ أمـلـكُ أمـرَ نـفـسـي ..

مـنـذُ أدْمَـنـتُ ارتـشـافَ رحـيـقِ إيـنـانـا

غـدوتُ لِـخِـدرِهـا الـمـائـيِّ عـبـداً يُـؤتَـمَـرْ

*

جَـرَّبـتُ يـومـاً أنْ أُسـامـرَ غـيـرَهـا

فـاغـتـاظَ مـن عـيـنـيَّ قـلـبـي

واشـتـكـى أُنـسـي ولـذّاتـي الـسَّـمَـرْ

*

مَـرَّ الـربـيـعُ ولـيـس مـن عُـشـبٍ ..

وَمَـرَّ غـدي عـلـيَّ ..

ولـم يـمُـرْ أمـسـي !

وهـا أنـذا شِــتـاءٌ مُـثـكَـلٌ بـالـدِّفءِ

أنـفـخُ فـي رمـادِ الـعـشـقِ

أسـتـجـديـهِ ثـوبـاً مـن شـررْ

***

يحيى السماوي

أديليد 7/8/2021

...................

(*) إينانا: إلهة الجمال والحب والجنس والخصوبة في ملحمة كلكامش .

(**) وعثاء: شدة المشقة .

(*** ) إنليل: رئيس الآلهة في ملحمة كلكامش .

 

 

إباء اسماعيلالغُربَةُ تَفْتَحُ نافذةً

لِجَحيمٍ يغْزو شُرُفاتِ الرّوحْ...

الغربةُ ؟!

كيفَ تُواسيني

في وَطَنٍ

أخْرُجُ مِن قبْرِ برودتِهِ

كي أصرُخَ :

" آهٍ يا وطَني المَذْبوحْ" ؟!!

**

الغربةُ ،

مِنْ شَهْقةِ غَيمٍ

تُمْطِرُني ماءً وحَنينا ...

الغربةُ تنْقشُني

بسيوفِ الثلجِ شتاءً

وتُذَوِّبُني في الصَّيفِ

شَقائقَ نُعْمانٍ

تعْزِفُ لحْنَ أمانينا ..

**

الغرْبَةُ كالمَوتِ

تُغَلِّفُ أجْزائي

بفَداحَةِ أوطانٍ

فيها برْقٌ ورعودْ..،

كالعشْقِ الهادرِ يغْسلني

برحيقِ ورودْ ..

**

الغربةُ تمْحونا...

لتصيرَ ملامحُنا ،

ورقاً محْترِقاً

منّا أو فينا !..

صَلواتٍ نتْلوها

في غُربَةِ أوطانٍ

مَسْبيّةْ ..

 يا زمنَ الغُربَةِ

كيفَ تُخبِّئُنا

تحتَ جناحِ

الأُمْنيةِ المنْسيّةْ ؟!..

**

الغربة أمٌّ وهْميّةْ

كيفَ تُهَدْهدُني

كيف أُهَدْهدُها؟

كيف تُشاطرُني بعضَ جَحيمي

كي أخرُجَ منها للنُّورِ

و أُخرِجَها؟!

**

يا علَمَ الوطَنِ المجْروحِ

تَفيّأْ غُربَتَنا ..

عَلِّمْنا

كيفَ نصيرُ زهوراً

فوقَ جبينِ الشُّهَداءِ

لتُزهِرَ تُربَتُنا ! ..

**

الغُربةُ عشْقٌ،

 محْضُ صلاةٍ

مُتْرَعةٍ

 بالسَّفَرِ الأبَديْ...

 ونجومٌ تسْكبني فيها

روحاً لِفُراتٍ 

 وَتُفَتِّحُ أوراقي

لصَباحٍ كَوْنيْ...

 و حكاياتٌ تصْحو

كبساتينِ لُغاتٍ

تسْقيني شَغَفَ الحرفِ

 وأسْرارَ الأخْضَرِ

في النَّبْضِ العرَبيْ..

**

كَمْ أحلُمُ

أنْ أتمدَّدَ

فوقَ العُشْبِ الأخضَرْ..

ترْقصُ في روحي الأشْعارْ..

في وطنٍ

 يكبرُ فيَّ جموحاً

روحاً، قُبُلاتٍ

أحْملُها للأطْفالِ الأقْمارْ...

حلُمي طفلٌ يكْبرُ

حُلْمي يَتَكَرَّرْ ..

يا برْعُمَ أوطانٍ

تَتَحرَّرْ ..!

**

تَتَبَعْثَرُ أوراقي

فوقَ ضِفافِ النَّهْرِ

 ينْابيعَ سماءْ ..

حَرْفٌ يُصْبِحُ

مَجْرى نهْرٍ

وقصيدةْ ،

وحُرُوفٌ تُصبِحُ

أزْهارَ دماءْ...

***

شِعر: إباء اسماعيل

 

محمد العربيأَيَـا ثـُـوَّارُ فَانْـتـَبِهُـــوا ***  فَـفـِي الصَّحـْراءِ ذُؤْبــانُ

تَحُـثُّ السَّيْرَ نَحْـوَكُـمُ ***   بـِشَـرٍّ وَهْـــوَ عُــرْيــــانُ

لَـهَا ثَــأْرٌ لَدَيْـكُمْ، قَــــدْ *** عَلـِـمْـتُــم بِهْ، أَفُـرْسَـــانُ

يَـقـينَ الْعِـلْمِ لا يَخْفـَى *** فَــذُلُّـكُــــــمُ وَ إِذْعـــــــانُ

مُـرَادُهُــمُ، وَدُسْتـــورٌ *** وَمَـجْـلِسُـكُــمْ لَـهُ شَـــــــانُ

وَقَـدْ أَغْـرَوْا بِـهِ سُفَهــــــــــاءَكـُمْ فَـانْــقـَــضَّ سِرْحَــانُ

وَقـَالوا مَـا انْـقَلَبْنَا إِنَّـــــــــهُ كَــذِبُ وَبـُـهـْـتــــــــــــــانُ

بَلِ الْإِصْلاحُ مَقْصِدُنَا *** أَلاَ فَـا شْــهَـــدْ أَوِ جـْـــدانُ

حَـديثُ خُـرافَـةٍ،وَبِــهِ *** عَـلاَ صَــوْتٌ وَ إِعـْــــلانُ

لِطَـبــَّالينَ نـَعْرِفـُـهـُـمْ *** إِذَا مـَا لَاحَ عِــقْــيـَـــــــانُ

وَمَنْ يَنْوي أَذًى بِالْمُفـْــــــــسِدينَ فَــذَاكَ إِحـْـــسـَـــــانُ

إِذاحَكَمَ الْقـَـضَــاءُ الْمُسْــــــــتَـــقِــلُّ فَــذَاكَ مـِـيـــــزَانُ

وَللِشَّعـْـبِ الْإرَادَةُ،إِنْ *** تُـمـَــسَّ فـَأَنْــتَ فَــتَّــــــانُ

أَيـَا نُـخَبُ هَلُمُّـوا، إِنَّ *** مَــنْ فـِي الْعَـيْـنِ إِنْـسـَـــانُ

يُنـَادِيـكُـمْ فَـهُـبـُّـوا أَوْ ***عـَـلَــيـْـكـُـمْ خَــرَّ بُـنْــيـَـــانُ

***

محمد العربي

 

................

تفاعلا مع تونس التي باتت ديمقراطيتها على المحك، فإننا نهيب بالقوى الديمقراطية، والمنظمات الحقوقية ،والمجتمع المدني، وأحرار تونس من فلاسفة، ومفكرين، وكتاب ومبدعين، أن يصدعوا رافضين الإطاحة بالديقراطية، والدستور، والمؤسسات ،وحفظ الله تونس وشعبها وديمقراطيتها، وحفظ أمتنا جميعا من الماء إلى الماء.

 

 

نور الدين بنبلاتسلمت مريم الغلاف الأصفر من يد ساعي البريد، فتحته بسرعة وأخرجت منه ورقة بيضاء كُتب عليها:

"الحضور ضروري الى مقر قيادة البحرية الملكية".

سُرّٓت مريم بهذا الاستدعاء بعد طول فترة انتظار قاسية امتزجت فيها  الأزمنة، واختلطت فيها الأفكار في ذهنها قبل تحولها إلى خيوط متشابكة لا تعرف بدايتها ولا نهايتها، تحملت فيها شرخ روحٍ ومعاناة نفسٍ انسل إليها اليأس الذي كاد يقذف بها من  أعلى الحافة الى الاكتئاب.

مريم شابة في مقتبل العمر، يافعة، طموحة، ساقتها الأقدار لتترعرع في أحضان أسرة متوسطة اليُسر. تكفلت بتربيتها منذ نعومة أظفارها امرأة تقية ورعة حُرِمٓت الخِلفة، فعوضها الإِله بطفلة تخلت عنها أُم لا حول لها ولا قوة، أم سقطت بين أنياب ذئب بشري لم يرحمها، فنفرها الزمان، وهزمتها الظروف لتسقط في الخطأ المحظور، وليتحمل الكائن الصغير والبريء وزر الكل، وزر الانا والهو، ووزر الذات والموضوع.

من مكتب القائد نُبئت مريم بقبولها، وتعيينها كبحارة ضمن طاقم باخرة تجارية مغربية لنقل المسافرين بين طنجة و أوروبا. سقط الخبر عليها كحلم يقظة أفقدها السيطرة على لوحة قيادة الذهن عندها، فتوقفت عيونها الواسعتان العسليتان  وشُلت عن النظر، ليُرخص أوتوماتيكيا لخيالها بالاشتغال وإعداد العدة لإخراج مشهد سينمائي على الطريقة الهندية، حيث حلقت مريم فيه كبطلة خارقة فوق المحيط بأجنحة مستعارة، ولم تستفق إلا على صوت القائد وهو يقول:

- إلتحقي بمقر عملك وفقك الله.

رغم اشتغالها على متن الباخرة، وبُعْدها عن اليابسة، راكمت الذاكرة لدى مريم كل الترسبات الطفولية على سطح قلب مكسور تناثرت شظاياه  في كل اتجاه كأنه لعبة صعبة لتركيب الصور (puzzle). وفي محاولة منها لتجاوز السر المكنون بداخلها، كانت تحول صوت موج البحر الي موسيقى تنشر الرحمة والطمأنينة على محط كل قدم  بالسفينة، فعُرِفت بخفة ظلها، وبطيبة سريرتها، وبجديتها في العمل. فأحبها كل من تعرف عليها.

وكلما أضناها العمل واشتاقت إلى الحاجة خديجة، المرأة التي  غرست فيها كومة الحنان، ولقحت معنوياتها المهزوزة بالطاقة الإيجابية لمواجهة متغيرات المجتمع وظروفه القاسية، تترك السفينة برخصة قيادية لتتوجه  إلى مسقط رأسها. استمرت على حالها هذا، لتكون مفاجأتها أعظم بظهور أمها البيولوجية التي كانت سبب تعاستها. جاءت تتوسل ابنتها المكلومة أن تغفر لها وتستبدل  الصفحة السوداء من تاريخها بأخرى بيضاء. انتصبت أمامها وهي تتباكى وتبكي حسرتها على فقدان فلذة كبدها. ومريم واقفة تنظر باستغراب لهذا الموقف ولم ينتابها إي شعور، "ففاقد الشيء لا يعطيه"، لا ترى إلا شفاه تتحرك. ولاتسمع إلا طقطقات على إيقاعات إشارات المورس التي لم تستطع فك شفراتها. ثم نطقت مريم وقالت:

- "البكاء وراء الميت خسارة"،

وأنا ذلك الميت الذي دُفن من غير إذنه بعد أن مات خنقا بشد الأوداج، وجُرد من حقوقه الإنسانية، والآن جئتِ تنبشين القبر بعد أن صار الجسد رفاتا، وعاش حلكة الظلمات و حياة  البرزخ.

شهقت الأم شهقة وعبرات الندم تسيل على خدها، وملامح البؤس  تظهر على وجهها، فقالت: - ارحميني، انتشليني من عذابي الذي انقضى معه مخزون صبري على فراقك، فحولني الى غريبة أصابها النسيان، حملها المجتمع وزر غلطة غير مقصودة .

حوار صارت كلماته  وقود أجج غليان البركان الداخلي الدفين لدى مريم،كلماته باحت بما وَراهُ الزمن وجعلها تتخبط  في الخلط الأزلي بين الحلال والحرام لتتخلى عن الفرحة  بأحلامها وأمانيها، وتنسلخ عن باقي أقرانها من بني جلدتها، وتفقد الهوية ككائن موجود فاعل ومنفعل في محيط طبيعي يسمح بكرامة العيش.

في صمت تحرقت مريم، ثم انسلت  مطأطئة الرأس، مهزومة القوى،  دون أن تلتفت وهي  تحمل معها شهادة ميلاد مخرومة بجرح  لم يندمل بعد.

***

نورالدين بنبلا

 

 

 

حسن السالميوقصص أخرى قصيرة جدّا. 


فِجــاج

على ضوء القمر انتبهت إلى ثغرة غريبة تنبت في الهواء. وضعت عصاي في عينها فتألّقت مليّا...

عندما ولجتها بهرني النّور الشّديد في باطنها، لكنّي استطعت أن أتبيّن أنابيب ملتوية لا حصر لها ولا نهاية. شفطتني إحداها وأخذت تتحرّك بي في سرعة الضّوء...

ووجدتني في أرض جدباء قاحلة، وقد أحاط بي بشر شُعث غُبر. عليهم ثياب من جلود الحيوان...

**

PEGASUS

تحرّكت أيديهم نحو مقابض سيوفهم وهم يتطلّعون في تحفّز ورهبة إلى ذلك الجواد الضّخم، وما لبثوا أن تراجعوا مذعورين وهو يخفق بجناحيه العظيمين في منتهى القوّة...

*

وتحرّكت مدافعهم إليه فرفع قائمتيه الأماميّتين وصهل بشدّة...

*

زعموا أنّ صاحب تلك السّطور اختفى فجأة...

**

الماضي يعود

وراء الجبل هالة من ضوء تبعث نورا حالما. السّماء خالية من النّجوم لكنّها مضاءة هي الأخرى...

ثمّة حمرة تكسو كلّ شيء حتّى العشب والشّجر... يتشقّق التّراب فتخرج مخلوقات عملاقة بشعة ذات عيون واحدة في منتصف الجباه. تهتزّ الأرض تحت أقدامها وهي تهتف:

"المجد لخرونوس... المجد لخرونوس..."

**

الرّجع

داعب عنق جواده في لطف وهو يتطلّع إلى المضارب في خطّ الأفق... هناك لمح عجاجة من غبار تعلو وتهبط فانقبض قلبه...

وما إن اقترب حتّى سمع حمحمة وجلبة قويّة تتخلّلها صرخات نسوة... استلّ سيفه ولكز جواده وصرخ صرخة قتاليّة عالية...

في لحظة مّا يلتفت حوله فيجد كلّ شيء قد اختفى. فقط الصّحراء بصمتها الأبديّ وامتدادها اللاّنهائي...

***

حسن سالمي

 

 

صادق السامرائيأمّةُ الشِعْرِ وشِعْرُ الأمّـــــــةِ

أصْبَحَ الشِعْرُ غَريْبَ الطلعةِ

 

غابَ بَحْرٌ وعُروضٌ وانْتَفى

ذلك السِفــــرُ الجَميلُ النَغْمةِ

 

كلماتٌ في سُطورٍ رُتِّبَتْ

وكذا الشِعْرُ برأيِّ النُخْبَةِ

 

فتَخابى حاسِراً فـــي بُغْيةٍ

أحْضَروها مِنْ بَعيدِ المِلَةِ

 

حَسَبوهُ كَكَلامٍ مُبْهَــــــمٍ

وأجادوا بابْتداعِ العُتْمَةِ

 

أيُّ قولٍ دونَ فِكْرٍ إخْتفى

وتَماهـــى بِسَرابِ الغَفْلةِ

 

أيْنَ ألْحانُ بَليْغٍ زاهِــــــــرٍ

وقَريْضٌ مِنْ ضِياءِ الفِكْرةِ؟

 

بعَطاءٍ ما جَليْنا جَوْهــــــراً

وابْتعَدْنا عن فيوضِ القدْرَةِ

 

كلّ شِعْرٍ مِـــنْ حَنايا عَجْزِنا

مَحْضُ قولٍ مُسْتعابُ الهَيْأةِ

 

 أجْهَضوا نَضْدا بهيّاً لامعاً

وَأدوهُ بغَريْبِ البُدعــــــــةِ

 

هانَ بَحْرٌ فتداعَتْ أمّةٌ

وترامَتْ بأتونِ الحَيْرةِ

 

إنَّها عاشَتْ عُلاها كوْكباً

مُستضيئا بسطوعِ الرؤيَةِ

 

يا بلادَ الضادِ يا صَوْتَ النُهى

شِعْرنا مَجْدٌ عَميدُ القوّةِ

 

بقَصيدٍ كمْ تَسامَتْ روحُنا

وبهِ نِلنا عَظيمَ الرفعَةِ

 

دَوَّنَ الأسْفارَ في صَدْرِ العُلى

وتَباهى بشموخِ الهِمَّةِ

 

جَعلوا النثرَ كشِعْرٍ بَيْنَنا

فأُصِبْنا بمَريرِ العلةِ

 

وتَرانا مِثلَ مَنكودِ الحَجا

يَتلظى بوَجيعِ الحَسْرةِ

 

لغة العُربِ أُهِينَتْ واكْتوتْ

بخطيلٍ من شديدِ السَكرةِ

 

أوْهَمونا أنَّها بنتُ الوَرى

يومَ ناموا بعَميقِ الحُفرةِ

 

ولنا فيها وجودٌ خالدٌ

ونشيدٌ برياضِ الرَوْعَةِ

 

يا حِمى أرْضٍ تداعَتْ للعِدى

قولنا الموزونُ صَرْحُ اللغةِ

 

فتبنّى في رُباها أنْهُراً

تَتباهى بارْتفاع المَوْجَةِ

 

لغةٌ دامتْ بشعرٍ حُصْنُها

ومَداها بجوار القِمَةِ

 

حُرُّ شِعْرٍ ضدُّ شِعْرٍ إنّهُ

وكذا عاشَ حَسيرَ الطلعَةِ

 

أيْنَ أبياتٌ تَنامَتْ وارْتقتْ

وتَعالتْ عنْ دروبِ النَكبةِ؟!!

 

لا رثاءٌ وبكاءُ حارقٌ

وامْتهانُ لمُرادِ العِزةِ

 

ذلك الحرُّ رهينٌ واهنٌ

يَتلظى فوقَ نارِ الخَيْبةِ!!

***

د. صادق السامرائي

22\7\21

 

 

العامرية سعداللهحين اصطدمت بظلي

كانت الطريق مكتظة بي، 

كنت أذرع المسافات بحثا عني..

كيف لم أرها؟

وهي تخطو نحو سديم الفراغ

 وأنا أقفز على حواف الحالمين بضفاف آمنة،

مثل لهفة المساء  لدفء الشتاء،

مثل لهفة المطر لسواق جارية

مثل مواويل الرعاة تنساب همسا في يدي شادية

لكن الطريق كانت غافية 

لم يحركها دفء الشتاء  في ليال عاصفة،

ولم تصغ  للسواقي الجارية..

سأكون ساكنة مثل موج فقد صوته

في حضرة الصيف

أتظر غيمة ماطرة

لأسكب ظلي المكتظ بي

على خطواتي الثابتة

قطرة، قطرة

تورق الطريق

في مفارقي

و تشتعل رائحة التوت في شعري

فينتشي رجل 

يحصد الخضرة من خطوي ..

***

العامرية سعدالله /تونس

03/08/2021

 

 

عبد الامير العبادييا ولدي الجميل!

كم علي أن أقدم الأعذار إليك؟

فأنا نذرت العمر  وهما

قرأت، وأيقنت أني لست بقارئ

خاطبت خلجات الروح

علقت أفراحي الأزلية

تناسيت هزائم تلو الهزائم

راهنت أنك ستكون

السومري، والأكدي..

تأملت من وجهك الطيني

أنك نبتة الحياة لهذه الأرض

عذرا ياولدي من صفاقتي

أردتك أن تنتصر لدم الجمل وصفين..

أو تكون للطف ثائرا،

دم الوثبات عطرك الابدي

أو تخلع عمامة صبرنا

تعيد لمنايانا شدونا الحبيس

تستيقظ الخيول لصياحك

قبل صهيلها

قلت أنبئك عن ساحات الوغى

تناديك،

فثمة ألف جد لك..

ماتوا وأدعية كاذبة هي وسادة سراب

أوهمتك بسيف ودرع ووصايا

قتلتنا نحن فرسان الهزيمة!

هذه الأرض جبانة،

جذرها لشجرة كلها أطلال

ربما كانت لسقاية المتعبين ظمأ!

بوهيميون نحن في عبادتنا لها

مواسم الجوع والتصحر

وحتى جفاف العيون

لا يغفر هذه التنهدات

اختر لك

اختر كما تشاء

لقد كسرت بوصلة الجهات الأربع

اترك لك

أجنحة،

حلق،

ربما تجد عشا!

ربما تأتي بنسل يسبح

بحرية في فضاء الله! .

غدا اغادرك

وصيتي ان تعود كالنسر

تبتلع خفافيش ادمت هذا الوطن

لتكون فيه وحدك وليس سواك

***

عبدالامير العبادي