فتحت نوافذ بيتها وبابه الرئيس للضياء والنور وحلقت يمامة بيضاء فوق الماء، لم تبعد عن شاطئ النهر كثيراً ولم تفكر أن إعصاراً سيحدث فجأة، داهمها الإعصار وهي تحلق، هاجمها نقلها إلى مكان بعيد وعاشت سنيّن في غربة، عادت بعد غيبتها فوجدت أن بيتها أصبح ركاماً وأن النهر صار وادياً بلا ماء وأن شاطئ النهر صحراء جرداء، كانت تريد أن يتعلم أولادها السباحة في النهر حتى لا يخافوا ولا يصيبهم الغرق في حياتهم القادمة، لكنها الآن لا تدري ماذا تفعل بعد أن شاهدت وعرفت ما حدث؟، ذهبت تتفقد النخلة التي وضعوا خصلات من شعرها حين كانت صغيرة في رأس النخلة ليطول شعرها ويكون مثل سعفات النخيل، وجدت أن النخلة جذع يابس يقف بلا رأس، مشت تتفقد أيضاً شجرة الرارنج التي أخبرتها أمها أن عقدة سرتها التي وقعت بعد أشهر من ولادتها تم دفنها بالتربة التي زرعت فيها شجرة الرارنج وبالقرب من جذور الشجرة التي تمتص الماء وتروي وتغذي الشجرة لتحب هي في حياتها القادمة الزرع والنبت والشجر والأرض والوطن وجميع الناس ويكون الحب ديدنها في الحياة وتعيش لا تحقد ولا تكره أحداً أيا كان من البشر، لكنها لم تجد الشجرة في مكانها الذي تعرفه فأيقنت أن الشجرة قد ماتت من العطش، تألمت وحزنت وأصابها اغتراب في وطنها التي ولدت وترعرعت فيه حين كانت تعيش بعيداً عنه وعانت الغربة لأنها لم تكن تعيش فيه . أخذت تفكر ماذا تعمل الآن؟ حدثت نفسها بأن عليها أن تتخذ قراراً يكون في صالحها وفي صالح عائلتها، ناقشت نفسها، وجدت أنها لم تختار جنسها حين كانت في بطن أمها ولم تختار حياتها ولا موتها حين ولدت لأنها تعرف أن الموت يولد مع الحياة (وأنها لم يكن لها إرادة في الانتماء إلى قوميتها ولا إلى عشيرتها ولا إلى دينها ولا إلى طائفتها)، حتى أسمها الذي تحمله لم تكن هي من اختارته بإرادتها بل أن كل ذلك جاء وراثة من غيرها، فقررت ترك وطنها وطفولتها وحياتها التي عاشتها فيه وأصدقاءها وذكرياتها ورجعت تعيش في غربة من جديد بلا وطن وبلا نشيد، لكنها لم تستطع أن تنسى طفولتها ولا ذكرياتها ولا أهلها ولا أصدقاءها ولا وطنها الذي تتابع وما يجري فيه على الرغم من أنها تعيش بعيداً عنه في غربة من جديد.

 

ناجح فليح الهيتي

 

عدنان البلداوي(يا حـبــيــبـا، زرتُ يــومــــــا أيـكَـه)

هــاجِــسُ العِــفّــةِ، يـروي مَــقْــدَمـي

 

بـــحــروفٍ صـاغـهــا الــودُّ، بـــهــا

نَــسَــمـاتٌ، مـِـــن ريــاض الـحِـكَــمِ

 

واحــتــوانـــا الــصدقُ، فــي اجـوائـه

كَـسـِــوارٍ حَــوْل جِــيـدِ الــمِـعــصَــم

 

فَــتــبـادَلْـنــا الــوفــا، نــشــدوا بـــه

كـهَــديــر الـطــائـر الـمُــنــسَـــجِــمِ

 

ألــقُ الألـــفــاظِ، فـــي أجـــوائـهــا

كالــثــريــا، فـــي اجـتماع الأنـجُـمِ

 

وإذا الــتـرنـيـمُ، لـــم يُـسـعـِفْ فـمي

مـُـقْـلــة الــعيــنِ، تُــوافــي مُـلْـهِـمـي

 

أفُــقُ الـطّـهْــرِ قــضى، إنّــي بــمـا

يــــأمُـرُ الــقـلــبُ، تُـلـبّـي هِــمَـمـي

 

مِــنْ سَــجـايا الطّــيبِ، بَوْحٌ صادقٌ

يـَـتَـجـلـى، فـــي صَـريــرِ الــقــلــمِ

 

لا لِــتَــزْويــقٍ، فــفـي الآذن صَــدىً

يـــفْــرِزُ الــزّورَ، بـــوعــي مُــلـهَـمِ

 

قَــدْحَــة الــفَـهْـــمِ، لـهــا دورٌ بـــه

تَــتَــولـى حَــسْــمَ أمْــرٍ مُــعــتَــمِ

 

لــغـة الــحُــبِ، تُــجـافـي مَـن سـعى

صَـــوْبَ مَــكْـرٍ، او سَــبــيـلٍ مُـبْـهَـمِ

 

فـــي الــقــوافـي، بـَـتْـلَــةٌ يــانــِعــةٌ

حُــسْــنُـهـا مِـــن نَــفَـحـات المَـيْــســمِ

 

تَــقْـــبـِــسُ الـضـوْءَ , لـيـحـلـو قَـدُّهـا

بــخُــطىً، فــيــهــا ضمـانُ الــقِــيَــم

 

عَــبـَـقُ الـتـعـبــيـرِ، إنْ عَــزّزتَــه

بِــنــوايــا، زاكـــيــات الــبُــرْعُــم

 

يـَــتَــنامــى فــــي مَـيــاديـــن الـعُــلا

صـادحــا، يــنــشــدُ أسْــمى الـكَــلِـمِ

 

كُــــلُّ مَـــن يـسـعى بـنهْجٍ مُــنـصِفٍ

دائـــمُ الـــذّكْــرِ، عــلــى كُــــلِ فَـــمِ

 

نَــيّــراتُ الـشــوقِ، فــي أرْدانِـهـا

حِـــفــظُ عَـهْــدٍ، لإرتــقــاء الـسُـلّمِ

 

تَــخْــلــدُ الـذكــرى، إذا أجْــواؤهــا

تَــصحَــبُ الأقــدَرَ صَوبَ الــشــمَـمِ

 

(واثِـقُ الخُــطـــوةِ يمـشـي مَـلكـا)

فـــي رِداء الــمَـجــدِ، نـحوَ القِـمَـمِ

***

(من بحر الرمل)

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

 

 

يحيى السماويتـعِــبَ الـشـراعُ فـلا الــريـاحُ تــقــودُهُ

نـحـو الـضـفـافِ ولا عـيـونيَ تـصـبـرُ


 

(1)

يـا جـاعِـلاً إثــمـي الـقـديـمَ تــبــتُّــلا

بُـورِكـتَ حـقـلاً لـلـغــريـبِ ومـنـزلا

*

أرْجَـعـتَ ليْ ما قـد أضَـعـتُ : طـفـولـةً

وصِــبـاً وخـبـزاً لـلـسـرورِ ومــنـهَــلا

*

تـوأمْــتَـنـي مــنـكَ الــفــؤادَ وتَـوْأمَـتْ (*)

شـفـتـايَ مـنـكَ سَــفَـرْجـلاً وقــرنـفُـلا

*

لــلــهِ درُّ حــمــامــةٍ قـــد دَجَّـــنـــتْ

صـقــراً فأضحى فـي الـمـودَّةِ بُـلــبُـلا

***

(*) توأم: جعله توأماً له .

(2)

بــلـغـتُ بـكِ الــكـمـالَ  مـن الـهــيـامِ

كــمــا نــورٌ مـن الـــبــدرِ الــتــمــامِ

*

ومــا كــان الــهـــوى لــولاكِ مــنـي

كـنـبـضي والـشـمــوسِ مـن الـظـلامِ

*

لَـئِـنْ فـضَـحَ الـهـوى سِـرِّي فـعـذري

دُخـانُ الـصـمـتِ لا جـمـرُ الـضّــرامِ

*

تُــدَثِّــرنـي طـيـوفُــكِ حـيـن أغــفــو

ويُـوقِــظـنـي هــديـلُـكِ مـن مـنـامـي

***

(3)

بـحـري بـلا مـوجٍ فــكـيـف ســأعــبـرُ

بـحـراً تـلـيـهِ مـن الـصـحـارى أبْـحُــرُ ؟

*

تـعِــبَ الـشـراعُ فـلا الــريـاحُ تــقــودُهُ

نـحـو الـضـفـافِ ولا عـيـونيَ تـصـبـرُ

*

وحـشــيَّـةٌ شــفــتـي .. فـلا أنـا صـائـمٌ

فـأطــيــق إمـسـاكـي ولا أنـا مُـفــطِــرُ

*

لـو كـنـتِ قـابَ فـمي شـربتُ بمقـلـتي

خــمــراً بــهِ آثــامُ أمــســيَ تُــغْـــفَــرُ  !

***

(4)

أحـبـابَــنــا  يـا مُــضــيــئـي ظُــلــمــةِ الــدارِ

تــعَــطَّـلــتْ بـعــدَكـمْ شــمـســي وأقــمـاري

//

أطـوي عـلـيـكـم جـفـوني حـيـن أُغـمِـضُـهــا

وإنْ صَــحَــوتُ طــوانــي دربُ أفــكــاري

//

أمـشـي ولـولا الـهـوى لـمْ تـسـعَ بـيْ قـدمـي

إلآ  لِـــتُـــبـــلِـــغَـــنــي حــانــوتَ خَـــمّــارِ

//

لا فَــرَّقَ الــلــهُ مــا بــيــنـي وبــيــنــكــمــو

إلآ إذا كــنــتُ يــومَ الـــبــعـــثِ فـي الــنــارِ

***

(5)

صــافَــيــتُ لــو أنَّ الــفــراقَ يُــصـافــى

وكـتـمــتُ لـو كــتــمَ الــنــزيـفُ رُعـافــا

//

قـلـبـي الـمُـضافُ إلـيـهِ فـي لـغـةِ الـهـوى

وهــواكِ يــبــقـى مـا حَـيَــيْــتُ مُـضـافــا

//

مُــتَــلازمَــيــنِ .. مُــتَــوْأمَـيـنِ تــهَــيُّــمــاً

الـــنــهـــرَ بِــتُّ .. وأنـتِ بِــتِّ ضِــفــافــا

//

أُخــفـي عــذابـي تـحـتَ ثــوبِ تـجــلُّــدي

جَـســدي عــلــيــلٌ والـقـمـيـصُ مُـعـافـى

***

(6)

بـكِ لا سـواكِ يـطـيـبُ فـي حَـدَقـي

كــأسُ الــسـهــادِ وخــمــرةُ الأرَقِ

*

لـيـتَ الـهـوى : كـيـف الـتـقـى غَـسَـقٌ

نـائـي الـجـفـونِ بــمُــقـلــة الــشــفَــقِ

*

وجَــعــي بــلا وجَــعٍ إذا غــفــرَتْ

مـا كـانَ لـيْ في الأمـسِ مـن حَـمَـقِ

*

تـعـرى فـأسْــتـرُهـا .. ويـسـتــرُنـي

ثــوبُ الـعــنـاقِ وظـلـمـةُ الـغـسَــقِ

***

(7)

أنا فـي خـريـفِ العـمـرِ فـضـتُ عــذابـا

وغـدوتُ ـ مـن بـعـدِ  الـنـمـيـرِ ـ سَــرابـا

*

نَـضُـبَـتْ يــنـابـيـعـي  وأصْحَـرَ حـقــلُـهـا

فــلــبــســتُ مـن شـــوكِ الـهــمـوم ثِـيـابـا

*

جَفَّ الـصُـداحُ عـلى فـمي واسْـتـوحَـشَـتْ

مُــقَــلـي حــريــرَ الـجــفــن والأهــدابــا

*

حــتـى أتــيــتِ عــلـى بُــراقِ صَــبـابــةٍ

أســرى بـهـا  عـشـقٌ فــعــدتُ شـــبــابـا

***

(8)

أنـا ما خـسـرتُـكِ بـلْ خـسـرتُ حـيـاتي

لــمّــا ربــحــتُ ســـواكِ يــا مــولاتـي

*

إنْ تــغــفــري ذنــبـي فـلـيـسَ بـغـافِــرٍ

شَــرَفُ الــتـبـتُّــلِ والـهــوى نَــزَواتـي

*

كـذبـاً غـروري كـان ما جَـبَـلـي سـوى

مـن سـفـحِـكِ الـضـوئيِّ محـضَ حصاةِ

*

كـفـرَتْ بـأشـرعـتي ضـفـافُ مـرافـئي

وتــنَــكَّــرتْ لـي كـعــبــتـي وصَـلاتي

***

(9)

شــمــسـي بــلا دفءٍ ولا ألــقٍ

إنْ كـان وجـهُـكِ غـيـرَ مـؤتـلِـقِ

*

أنـا طـفـلـكِ الـمـخـبـولُ فـالــتـمِـسـي

عـذرَ الــرؤومِ لِــطِــفـلـهــا الــنَّــزِقِ

*

لــغــتـي مُــهَـــشَّــمــةٌ وقـافــيــتـي

أضـحـتْ ثَـكـولَ الـحِــبــرِ والــوَرَقِ

*

مَــرَّ الــبُـكـاءُ بـحـجــرتـي فــبـكـى

حـزنـًـا عـلـى الـشُّـرفـاتِ لا حَـدَقـي

***

(10)

يـا بـتـلـةَ الـلـهِ الـطـهــورَ الــمـؤمِـنـةْ

وكـرومَ بـسـتـانِ الـمـنـى والـسـوســنـةْ

*

لـولاكِ مـا عـرفَ الـربـيـعُ مـواسـمـي

يــومــًا ولا مــرَّتْ عــلـيَّ الأزمــنــةْ

*

ولَـمـا اغـتـدى شـيـطـانُ طيشي نـاسِـكًا

وذئـابُ أمــسـي كالـحَــمــامِ مُــدَجَّــنــةْ

*

مـا كـان مِــحـرابـي يــضـوعُ تـبـتُّـلاً

لـو لـم تـكـونـي فـي أذانـي الـمِــئــذنـةْ

***

(11)

شَـجَـري ابـنُ طِـيـنِـكِ وابـنُ مـائِـكْ

وبــهـــاءُ يـــومـي مــن بــهـــائِــكْ

*

أدنَــيــتِ مـن صـحـنـي الـقـطــوفَ

وسَــقــفَ كـوخـي مــن ســـمـائِــكْ

*

أنـا يـا " ســمـاوةُ " لــو عـلــمــتِ

صـــدى غِـــنــائِــكِ أو بـُــكــائِـــكْ

*

قــلــبـي ســـلــيـــمـًـا بــاتَ مــنــذُ

أُصِــيــبَ ـ ذاتَ هــوىً ـ بِــدائِــكْ

***

(12)

وجـعـي لــذيــذٌ فــيــكِ فـابْــتــدِعـي

جُــرحـًا يُـــزيــدُ حـلاوةَ الــوَجَـعِ

*

لــيْ فــيــكِ أطـــمــاعٌ وأوَّلُــهـــا

أنْ تـمـنـعـي عـيـنـي مـن الـطَّـمَـعِ

*

فـأنــا وأنــتِ لِــنـهــرِ عـاطــفــةٍ

ضِـفـتـانِ مـن طَـيـشٍ ومـن وَرَعِ

*

مـعـكِ اخـتـتـمـتُ الـعـقـلُ  آسِـرتـي

وبـدأتِ أنـتِ لـظـى الـجـنـونِ مـعـي

***

يحيى السماوي

 

عبد اللطيف الصافيلا شيء

يحجُب هديلَ الحمام

إذْ يشربَ لوْن السماء

تحت حُطام أجنحته

البلَّورية

تتلاشى صورتكِ

لتنْمو

على حافَة قلبي.

بين ثُقوب نايٍ

مُرهفٍ

يتوارَى صوتكِ العذْبُ

وَ ليلاً

يتغلْغل في دمي

مثل قطرة ندَى

شفَّافةٍ

أَسمعُه يلْهثُ

يتدفَّق شجْواً بارداً

مَشْحوناً بالبَياضِ

قدْ يكونُ هذا الحب

وهْما

انعكاسُ ظلالٍ

بِلا جذورٍ

شفتاكِ مجْروحتانِ

وآثارُ صمتٍ

حَلَزونيٍّ

يزْحفُ على أطْرافِه

كثُعبانٍ يحْتضر

يلْتبسُ عليَّ الضوءُ

مُبعثراً كالسَّديمِ

صاعداً منْ أنفاسِ شامةٍ

تَلوحُ كحبَّةِ عنبرٍ

في ظاهرِ الخدِّ

يصطدمُ فمِي المشتعلُ

برائحةِ المطرِ النَّائمِ

في عينيكِ المُنْطفئتينِ

أنا المهاجرُ الحزينُ

أقشِّرُ أيامي كسِنديانةٍ بيضاءَ

فتتشابكُ أغصَانُها

بينَ أصَابَعي

يَحْبو العشْبُ أمامي

مزْهواً

ثَمِلاً

يبْتلعهُ الْخوْفُ

وظلُّ امرأةٍ

يتلوَّى

في العتمَةِ

وأبْقى وحيداً يتنازعُني الضوءُ الأخْضرُ

وبَقايا حلْمٍ قديمٍ.

***

عبد اللطيف الصافي/المغرب

 

 

 

محمد المحسنأحاور صهيل ريح.. يعبث بتاريخ وَجدي

الإهداء: إلى تلك التي مازالت تتجوّل في خراب يسكنني.. ووحدها تراه..


..إنّ قلبي بيت لكِ

ولكنك تغمضين عينيك عنّي

وتنسين اختلاط الورود،

وشهقة كل هذي الحروف

على تلّة في الجنوب

كيف تعبرين كل هذا الجمال

ويعْلق الحزن بي..

كيف تشيحين بوجهك عنّي..

وتصغر هذي البلاد بعيني

وتصهل الرّيح بقلبي..

وقرب بقايا الركام

أصغي لأجراس صمتك

أحاور رياحا تعبث بتاريخ وجدي

كأنّي السراب...

كأنّي تعبت..قليلا

كأنّ ثلج الدروب قد نال منّي..

كم أحبّ إرتباك الفصول..

كم أحبّ سماء الخريف

متخمة بالغيوم..

كم أحبّ خيول السنين..

وهي تركض صوب الأقاصي

ولا شيء يربك هذا العبور..

وخلف خطاك بقايا صدى مؤلم

هنا أحتفي بالرذاذ

ها هنا أداعب غصن زيتونة

جرفته السيول

ولم يبق لي غير عطرك

لم يبق لي غير حضن عتيق على شكل ذكرى

وبي شهوة لإحتضان الغيوم بصمت

أحاورها

أسائل فيها سر هذا الرذاذ

وليس لي غير حلم نما دافئا

قبيل انبلاج الصباح

وبعض قصائد عن سيرة العاشقين..

وشهقتهم قبل مجيء الغروب

أنا لا أريد الرحيل

لا أريد القطار المعدّ لرحلتنا

لا أريد أن يهجع البحر على كفتي

أو أن يسرج أفلاكه للرحيل

فقط ما تبقى سوى عزف غيم

تعاويذ ضد الفراق

ونجمة صبح تضيء هذي الطريق..

تمهلي..

ولا تتركي الغيم يبكي

تمهلي ودعي منك شيئا

يرتّب موعدا لفجر يجيء

علّ تجيء الفصول بما وعدته الرؤى

لكن..

ترى ما سأقول..

إذا مرّت غيومك جذلى..

تداعب نرجس القلب

أو لاح لي بين ثنايا المدى.. طيفك

يطرّز وهْمَ المسافة..

وشاحا للذي سوف يأتي

ربّما أظل أداعب صوتي

أحاور روحي..

أرتّب حزني

كزهرة لوز أهملتها الحقول..

كغيمة في الأقاصي..

أربكتها الفصول..

***

محمد المحسن (شاعر وناقد تونسي)

 

 

الحسين بوخرطةفي أول يوم من شهر غشت الصيفي الحار، وصلت زينب إلى مطار محمد الخامس بالدار البيضاء عائدة من أمريكا على الساعة السادسة صباحا. عمرها لا يتجاوز السابعة والعشرين سنة. حصلت على الدكتوراه في الإلكترونيات والإنتاج الصناعي الرقمي. تعمل مديرة البرمجة ومراقبة الإنتاج الروبوتي للسيارات الفاخرة الكهربائية في شركة أمريكية عابرة للقارات. أجرتها الشهرية مرتفعة للغاية، ارتقت بها، وبقيمة فضاء عملها المبهر والجذاب بوسائله وتقنياته وأنماط تدبيره وتواصله، إلى أعلى المراتب. التحقت بالطبقة المتحضرة، ووضعت قدمها في فضاء سمو العلاقات الاجتماعية المنتجة والقيادية لمجتمع بلد إقامتها. إنها تعيش عالم المتعة العارمة بامتياز.

خرجت من باب المطار. تملصت من حقيبتها وأغراضها أرضا، وانطلقت جريا، وارتمت في أحضان أبيها سيدي ناصر وأمها للا حليمة. دام العناق وتبادل القبلات أكثر من خمس دقائق. ضمت إلى صدرها بعد ذلك أخاها سليم بقوة شغب وولع. شاب وسيم، طويل القامة، أنيق الملبس، ويصغرها بسنتين. لم تنتظر برهة حتى سألته عن التخصص الذي اختاره بعد تفوقه في نفس السنة كطبيب داخلي بالرباط، وعن خطيبته رميساء زميلته في الدراسة والعمل. لقد أشرقت الوجوه فرحا بتتويج مسار أسري وتربوي وتعليمي ناجح.

التحقوا بمنزلهم بالقنيطرة عبر الطريق السيار. وجدوا مربيتهم دادا كبورة في انتظارهم. لقد أعدت لهم ما لذ وطاب، مزخرفة مائدة الفطور في الحديقة، احتفاء برجوع أميرة ونجمة الأسرة. التصق الجسدان شوقا. جسد وردة يافعة، منحوت بعناية الرب، ومتوج بعقل التحق بمصاف النوابغ، وجسد أعيته السنين بعدما جاهد لعقود لنصرة قضية المؤسسة الأولى في المجتمع. لقد شكل سيدي ناصر وللا حليمة ودادا كبورة مدرسة نموذجية للتعاقب الراقي للأجيال بالسلاسة والمعرفة المطلوبتين.

ابتسمت زينب في وجه مرجع وجودها، ثم قالت بكل ثقة وافتخار: "أشكركم يا أبي وأمي والداد على عنايتكم المعرفية بي وبأخي. ترعرعت جسما وعقلا في أجواء سليمة، ونضجت معرفة وعلما بأفضالكم. أخبركم أنني اخترت رفيق حياتي مؤخرا، بعدما خبرت شخصيته بما راكمته من تجارب ومعارف الحياة الفاضلة". أخرجت حاسوبها المتطور، عرضت صوره المختارة بعناية، مجسدة بذكاء خارق حياته منذ الصبا، مرورا بالدراسة والتخرج، ووصولا إلى أنشطته المهنية الرائدة في "ناسا". لم ينتظر سيدي ناصر كثيرا حتى هنأها، طالبا منها أن تربط معه موعد لقاء أسري عبر الويب في ساعة مواتية في نفس اليوم.

أغلقت زينب حاسوبها متأثرة بثقة أبيها فيها، لتستسلم لسلطة دموع الرحمة والمعزة الساخنة، ثم ارتمت مجددا في حضنه، ثم أسرت له بعبقريته التي أنقذتها من الانزلاق في عمر المراهقة. استرسلت في الكلام لتجد كالعادة الآذان الصاغية. وأنا أسترجع سنوات تلك الحقبة الصعبة، كنت أتذكر دائما كيف كنت تعاملني بمنطق الأب الحنون، لم يسبق لك يوما أن صرخت في وجهي، أو واجهت سلوكي الصبياني بالعنف والعقاب. كنت عبقريا في الالتزام بالروية والهدوء والحذر والوقاية من الانحراف عن الأهداف البناءة في تلك السن الخطرة. بحثك المتواصل لإيجاد السبل المعقولة لإقناعي بالخطأ كان يغريني، وينبهني أنك لا تفكر إلا في مصلحتنا أنا وأخي.  لم أشعر يوما أنك تنهرني وتتحداني حتى وأنا غاضبة. لقد كنت لنا جميعا قدوة يحتدى بها.

كنت دائما أقف مشدوهة، وأنا في مقر عملي في أمريكا، عندما أتذكر ما حكته لي أمي عندما تجاوزت السن الحرجة. لقد أقنعتها يا أبتي، بالدليل والبرهان، أن المراهقة من المراحل المهمة في حياة كل فتاة، وهي مرحلة دقيقة تقتحم خلالها عدة تغيرات كل مستويات حياة الإنسان. بها تبدأ مشاعر وسلوكيات الشباب في التغير. لقد علمتها أن تبتهج عندما تجدني أبالغ في الاهتمام بمظهري. أكثر من ذلك كانت تغمرني دائما بالشجاعة الكافية لوأد الخجل المؤذي ومناهضة الميول إلى العزلة.

لقد تغيرت أحوالي جسديا ونفسيا ما بين سن الثانية عشرة والثالثة عشرة، وانبعثت في أحشائي تغيرات هرمونية وجسدية مزلزلة للحياة الاعتيادية. وأنا أعيش هذا الاضطراب المفاجئ، علمتني أمي تأجيل الشعور بالإعجاب بالجنس الآخر. لقد أفهمتني أن هذه المشاعر جد طبيعية لدى البنات في تلك المرحلة، وأن الحل ليس في الاستجابة لها، بل يجب التعامل معها بذكاء وبأسلوب سليم. عاملتني بحنان، وكانت لي ملاذا وصديقة. كانت تستمع إلي بإمعان أكثر ما توجهني. أنعم كل يوم باحترامها لمشاعري ولا تسخر منها. فعلا كانت محقة عندما صارحتني في سنوات نضجي أن ما تحس به المراهقات ليس حبًّا، بل هو مجرد إعجاب، أو رغبة في التعرف على الجنس الآخر. كلما علمت بأمر من هذا القبيل عبر قنواتها السرية، لم تسمح لنفسها يوما اللجوء إلى العناد أو التوبيخ. لقد كانت تراقب تصرفاتي بحكمة ورعاية بدون أن أشعر بذلك. عاملتني وناقشتني دائما بهدوء واحترام تامين كناضجة لا كطفلة.

لم تتقاعس ولو لحظة واحدة في تقوية ثقتي بنفسي وتشجيعي. كلما مرت الأيام، أحس أنها قدوتي الأفضل في القول والفعل. أصبحت أحس بها صديقة مقربة مني جدا، تحدثني بدون خجل عن مشاعر الحب، حتى توضح لي بجلاء الفرق بين الحب والإعجاب. أعطتني الثقة الكاملة حتى أصبحت صريحة معها في جميع أمور الحياة. كانت دائما مبتهجة ومسرورة وهي تستمع إلي بالانتباه المطلوب. علمتني المعنى الحقيقي للحرية والاستقلالية. أمي الجميلة الحنون، كانت دائما تحافظ على هدوئها وسط عواصف الغضب الشبابي. تعاملت معنا بدون انقطاع، أنا وأخي، بالنضج الكافي، وازنة الأمور بصورة منطقية لإزالة التوتر وتهدئة الأوضاع الصعبة، محافظة بذلك على رباطة جأشها. كانت تعيرنا شجاعتها في هذه اللحظات الحرجة، وتثير انتباهنا إلى كيفية التعامل في حالات التوتر. لم تقف ساكنة أو حائرة من أمرها عندما تشحن الأوضاع غضبا، بل كانت تهدئ، بوعي تام، من روعها وتحتفظ ببرودة أعصابها، وتفتح باب التفاوض والتفاهم بتقنيات نوابغ علم النفس في الوقت المناسب. تنتظر أن أفرغ ما بجعبتي من توتر وقلق وانشغال، وتحول باحترافية عواطفي الجياشة إلى موضوع معرفي يهب من كلماته نسيم اللوم والعتاب الدافئ، المغمور بالدروس والعبر.

لم تمر شهور على ظهور عواصف المراهقة في حياتي، حتى وجدت نفسي أتعامل مع خصوصيتها بمعرفة عالية. عوضتني أمي بتوددها وحبها وحنانها، وأبهرتني بمفاجآتها السارة المباغثة. لم أعد أحتاج لحب آخر سوى حب الأسرة والعمل المضني من أجل المستقبل. قبلات أمي وأبي الحانية على جبيني كان منبع قوة خارقة. تعلمت كيف أستغل وقت فراغي فيما يفيدني. لقد اقتنعت بمنهجية علمية صرفة أن الحب مشاعر جميلة، خلقها الله داخلنا، وهي ليست عيبًا، لكن يجب أن تكون في الوقت المناسب وللشخص المناسب.

عدؔل سيدي ناصر جلسته على أريكته الوثيرة. زم شفتيه متأثرا ومشدوها متعجبا بكلام ابنته المنتظم الراقي، وفرك يديه مزهوا باسترجاع ألفة السلوى الاعتيادية التي غمرت مجددا جلسته العائلية، اختار أن يختم الجلسة مستثمرا في الرمز الدال في المعنى والمغزى، ثم قال: "بسلطة جودة المؤسسة الأولى في المجمتع، الأسرة، تتحول مجالات الحياة الفردية والجماعية إلى ينابيع إبداع وخلق وابتكار فوارة ودائمة".

 

الحسين بوخرطة

 

جاسم الخالديمن يطرق البابَ كلُّ الصحب قد رحلوا

وخـلفـوا لـوعـة  في الـــروحِ تـشـتـعـلُ

 

كانوا قريـبـيـن منا غـيـر أنّهـــــــــــمُ

شدوا الرّحالَ   فضاقتْ حوليَ السبُـلُ

 

من يطرق الباب؟ صار البابُ قِبلتنا

خمسا نصلي ولا من طارقٍ يصـلُ

 

حلّوا بعيدا ولا ندري لهــــم ســبـبًا

وأدمنوا الهجر حتى ضاقتِ الحِيَـل

 

يا أيها القلب قل لــــي كيف أحتملُ

نأيـاً وبيْ من متاهات الأسى جَبَلُ؟

 

وكيف أصبر و الخلان في سـفـرٍ

وفي فؤادي لظى الأشواقِ تشتعلُ

 

كان الحبورُ نديماً لا يفارقـنـي

وليس يقربُ من أياميَ الـمَلـلُ

 

وها أنا الان وحـــــــدي لا تُسامرني

إلآ   الطيوفُ وقد ضاقتْ بيَ الحِيـَلُ

 

غدوتُ من شغفٍ أصبو  لعودتهم

وهل يعودُ كما في أمـسِـهِ الطللُ؟

 

من يطرق الباب بابي صار يعرفني

ولا سواي يـدٌ فــــــي الباب تـنـتـقـلُ

 

وكنتُ من فــــرحٍ إنْ عدتُ من سفرٍ

تراكض الشوقُ نحو البابِ والـقُـبَـلُ

 

إذا مددتُ يدي للبابِ تسـبقـني

لفتحِها منهمُ الأشـذاءُ والمُقـلُ

 

يا أيها الباب من يأتي وقـــد غربت

عنكِ الحياة وغاب السعدُ والجذلُ؟ 

 

من يطرق الباب قل لي من يسامرني

ومن يجـــيء وباب القـلب مـنسـدلُ؟

***

د. جاسم الخالدي

 

 

نجاة الزبايرعَتَبَةُ اُلْهَوَى

تَحْتَ أَقْدَامِي تَنْتَفِضُ

أُغَطِّي صَدْرَ عِشْقِكَ اُلْعَارِي

بِمِعْطَفِ اُلشَّمْسِ

وَأَمُرُّ مِنْ ثُقْبِ اُلرِّيحِ

وَأَنْتَظِرُ ..

تَمُرُّ السَّاعَاتُ

فَأَرَى اُلْغُروبَ مِنْ بَعِيدٍ

يُنَادِي

أَخْتَفِي

وَرَاءَ مَقَاعِدِ اُلصَّمْتِ

أُفقِي شَاحِبٌ

تَتَسَاقَطُ مِنْهُ عَنَاقِيدُ نَدًى

تَرْثِي هَذَا اُلْمَسَاءْ.

***

وَأَعُودُ ..

مِثْلَ جُنْدِيٍّ بِلاَ قُبَّعَةٍ

يَحْكِي عَنْ  وَطَنٍ مِنْ وَرَقْ

يَضْحَكُ

يَبْكِي

وَبَيْنَ ضُلوُعِهِ يَحْتَرِقْ.

فَيَغْدُو مِثْلَ طِاِئرٍ سَجِين

يَبُوحُ لِلْمَدِينَةِ اُلنَّاعِسَة

عَنْ حُلْمِ لَيْلَةٍ خَضْراء

اُسْتَرَاحَ بِجِوَارِهَا

يَجْرِفُهُ اُلْحَنِين

فَاُكْتَفَى بِاُلْغِنَاء

مُتَجَوِّلاً فِي اُلطَّرِيقِ

يَلْتَحِفُ وَجْهَ اُلظَّلَامِ

يَنْتَظِرُ مِثْلِي ..

أَنْ يَمْشِيَ فَوْقَ خَدِّ اُلصَّبَاحِ

مُنْتَعِلاً حَرْفَيْنِ

مِنْ نَارٍ وَمَاءْ .

***

أَقِفُ

بِجِوَارِ جِدَارِ لَيْلَى

أَبْسُط شَبَابِيكَهُ

وَقَلْبِي شِتَاءٌ

لاَ تَنَامُ عَوَاصِفُهُ

يَرْتَجِفُ مِثْلَ أَرْضٍ

 يُحَاصِرُهَا اُلرِّثَاءْ.

***

أَجُرُّ سَاقَ اُلْقَلْبِ اُلْمُتْعَبِ

وَأَنَا فِي نَفْسِ اُلْمَكَانِ

أَشْرَبُ قَهْوَةَ اُلاِنْتِظار.

ثَوْبُ اُلصَّبَابَةِ بِلَوْنِ اُلضِّيَاءْ

يَقْتَحِمُنِي كَرُؤْيَا عَابِرَة

مَا قِصَّتُهُ؟

يَتَرَنَّحُ بِرَائِحَةِ اُلْفُلِّ

كَيْ أَرَاهْ.

***

اُللَّحَظَاتُ اُلْعَطْشَى اُلذَّابِلَة

تَمُرُّ سَرِيعًا

تَدْخُلُ حُجْرَةَ شِعْرِي

تَنْثُرُ رَسَائِلَ اُلَّليْلِ

قَرَأْتُهَا

عَلَّنِي أُبْصِرُنِي بَيْنَ يَدَيْهِ

فَتَذَكَّرْتُ بِأَنَّنَا لَا نَلْتَقِي!!..

***

نجاة الزباير

 

 

محسن عبد المعطيمَنْ أَنْتِ؟!!!

أَيَّتُهَا الْقِدِّيسَةْ

أَيَّتُهَا الْمَلاَئِكِيَّةْ

وَالإِنْسَانِيَّةُ فِي آنْ

**

شَغُوفٌ بِكِ إِلَى حَدِّ الْوَلَهْ

مُـتَيَّمٌ بِكِ إِلَى حَدِّ الْجُنُونْ

وَاقِفٌ عَلَى بَابِ جَنَّتِكْ

فِي انْتِظَارِ النَّعِيمِ الْأَبَدِيْ

يَا لُحُونَ عِشْقِيَ الْأَبَدِيْ

يَا سَمِيرَةَ أَيَّامِيَ الْحَسْنَاءْ

يَا نَجِيَّةَ أَيَّامِيَ الْقَلِيلَةْ

وَاقِفٌ أَنَا

ضَارِبٌ تَعْظِيمَ سَلاَمْ

مَنْ..أَنْتِ؟!!

يَا مَلاَكَ الدُّنْيَا

يَا مَلاَكَ الْآخِرَةْ

يَا عِشْقِي الْأَوَّلَ وَالْآخِرْ

**

مَنْ..أَنْتِ؟!!

أَيَّتُهَا النَّائِمَةُ فِي سَرِيرِي

أَيَّتُهَا الْحَاضِنَةُ قَلْبِي

أَيَّتُهَا الْمُمْسِكَةُ بِأَهْدَابِ عُمْرِي

**

مَنْ..أَنْتِ؟!!

يَا امْرَأَةً قَضَّيْتُ الْعُمْرْ

أَتَأَمَّلُ فِي عَيْنَيْهَا

أَتَلَذَّذُ فِي لَمَسَاتِ يَدَيْهَا

أَتَقَمَّصُ مِنْ لَفَتَاتِ جَمِيلِ لَذيذِ

وَمِيضِ بَرِيقِ الدَّمْعَةِ فِي عَيْنَيْهَا

يَا امْرَأَةً

إِسْوِرَةً مِنْ مَاسٍ

عِقْدُ الْعُمْرِ تَأَلَّقَ فِي جَنْبَيْهَا

يَا عِطْرَ الْجَنَّةْ

يَا أَنْغَامَ الْحِنَّةْ

يَا أَجْمَلَ يَا أَنْبَلَ رَنَّةْ

تَأْتِينِي مِنْ فِرْدَوْسِ الْخَالِقِ ذِي الْمِنَّةْ

**

مَنْ..أَنْتِ؟!!

مِنْ وَهَجِ التَّرْتِيلِ أَخَذْتِ

مِنْ أَلَقِ التَّجْوِيدِ نَمَوْت

مِنْ سِحْرِ مَلاَئِكَةِ الْجَبَّارِ تَأَلَّقْتِ

مِنْ زَهْرَةِ أَعْمَارِ الشُّهَدَاءِ نَبَتِّ

مَنْ..أَنْتِ؟!!!

***

شعر: أ. د. محسن عبد المعطي  

شاعر وروائي مصري

 

 

فرات المحسنأحنت جدتي جسدها فسمعنا همهمة وتوجعًا. لم تكن لتستطيع الانحناء بالكامل لتوصل يديها إلى قدميها. تلك الساعة اجتاحتها رغبة وإلحاح غريبان، بأن تطلي أظافر قدميها بطلاء اختارته البارحة من المخزن المجاور للمكتبة العامة في الشارع المؤدي إلى وسط المدينة.

 كانت تتوجع، ولكنها تكابر،هكذا هي دائما مذ عرفتها،تتلوى دون أن تكف عن تكرار المحاولة، انحنت بما استطاعت من قدرة،  ثم صرخت بألم مكتوم وتلفتت حولها، لقد أثارت انحناءتها آلام المفاصل التي اشتد وجعها هذا العام، وبدت قدما جدتي ويداها وكأنها تحجرت. أكثر الأوقات نسمعها تتألم عندما تريد الحركة، أو تهم لتناول شئً من فوق رفوف المطبخ المعلقة عند الجدار، فتجول بنظرها أول الأمر ثم تصرخ طالبة المساعدة، فيسارع الجميع لنجدتها. مع كل ذلك الألم، نصحها طبيبها الخاص بالمشي، لا بل طلب منها أن تحمل نفسها وتسير لمسافات معقولة، فذلك حسب قوله، فيه شيء من العون، ويمنحها بعض الراحة. قبلت جدتي النصيحة، رغم قناعتها غير الكاملة التي أظهرتها بزم شفتيها وهز يدها.

اليوم كانت إرادتها جامحة لتطبيق نصيحة الطبيب، وخالطتها رغبة عارمة بالذهاب لشراء طلاء الأظافر باللون الأرجواني الغامق، الذي عرض البارحة في إحدى الإعلانات التلفزيونية. دخلت المخزن، الذي لا يبعد عن بيتنا سوى مائتي متر، واقتربت من المنضدة الزجاجية، ودون تردد أشارت بالضبط على تلك الزجاجة ذات اللون الأرجواني الفاقع دون غيرها.

 بعد عودتها، وحين رأتني أطالع زجاجة الطلاء وهي ترتج بين أصابع يدها المرتعشة، وجهت لي كلامها بشيء من الحدة وبوجه عابس، متسائلة عن الذي يجعلني أنظر نحوها والزجاجة، بهذا الفضول غير المبرر، وأردفت بكلمات زجر تخرج من تحت طقم أسنانها، مَن الذي علمك هذا الفضول السخيف، بالرغم من أن سنوات عمرك لم تتجاوز العشر. ابتسمت لها، وأجبت بأني أحب اللون الأرجواني وأحبك أيضا يا جدتي. ولكن علامات التوجع والعبوس كانت ترتسم فوق جبهتها المغضنة فلم تهتم بما قلته.

حاولت جدتي الانحناء مرة أخرى، فانطبع الألم فوق تجاعيد وجهها، وصدر عنها أنين موجوع، حين ذاك تنبه جدي، فأعتدل في جلسته، فسقطت الصحيفة من يديه، ولكن ابتسامة رضية ارتسمت فوق شفتيه، وهمس بصوت مسموع وهو يقرب فمه من رقبة جدتي، لا تتعبي حالك أيتها الوردة الجميلة، دعيني ألون لك تلك الأظافر الحلوة الطرية بيدي، فتوشح وجه جدتي بلون وردي، وبانت ابتسامة عريضة فوق ثغرها المجعد، وظهرت أسنانها الاصطناعية اللامعة. رفعت يدها وراحت تمسد شعره بأصابعها المتيبسة، حين جلس القرفصاء فوق وسادة طويلة قرب قدميها، وفتح بيد مرتعشة زجاجة طلاء الأظافر الأرجوانية اللون، وراح يدندن بهدوء لحن أغنية قديمه. كانت أصابعه بالكاد تستطيع أن تمسك الفرشاة الصغيرة، فهو مثل جدتي مصاب بالتهاب المفاصل.

***

فرات المحسن

 

 

 

كريم الاسديأَهــائمـــةَ العينينِ أيُ ذهـــــــابِ   

أعادَ حضوري مِن جنونِ غيابي

 

وأيُ جِنانٍ في الثُريا تمايلتْ 

ونحنُ مَدى مترٍ فُوَيقَ ترابِ

 

وأيُ كرومٍ عاقرتْ شفةَ الهوى 

فزخَّتْ على روحِ الظميءِ بآبِ

 

وصالاً وتحناناً وحُبَّاً ولوعةً 

وشوقاً وتركيزاً وتوقَ رغابِ

 

وهمساً وتقبيلاً وضمّاً ورقّةً 

وعنفاً وتعطيشاً فجودَ سحابِ

 

تودِعُني عيناكِ ثـــمَّ تجرُّني

بِقوَّةِ جذبٍ كي تعودَ ركابي

 

فأحضرُ مـــاءً مِن فراتٍ ودجلةٍ

زُلالاً ، فلا تشْكينَ وهْمَ سرابِ

 

هوَ الغمرُ مِن بدءِ الغمامِ مُقطَّراً 

وقصّةُ أسلافي ووحـــــيُ كتابي

 

وقدْ حلَّ في وهْجِ اللقاءاتِ بيننا

وجمَّعَنا جرمــــــــاً بِدونِ ثيابِ

***

كريم الأسدي – برلين

.....................

ملاحظة: زمان ومكان كتابة هذه القصيدة في اليوم الحادي عشر من كانون الثاني 2022 ، في برلين.

 

 

كفاح الزهاويكم هو ساذج وعقيم

حينما يصدق أوهام خفافيش الظلام

ويمكث أطول مدة في بحر الظلمات

 

يعشق الدجى وزيارة القبور

يتطلع الى الشمس بنظارات سوداء

كي لا يرى براءة الحمامات

وهن

يسبحن في فضاء الأمل

 

يتفحص صفحات دفتره

وقد أتلفها سهاد الزمن

سطور موسومة بتاريخ مشرق

لم يبق منها سوى الذكريات والسراب

 

غيمة عابرة

 

تمرين كغيمة بيضاء وحيدة

تعومين بلا منازع

في فضاء احلامي

 

أتأملُ نغماتِ لمْ تحيّ

وأنتِ تتحركين صوب شمسي

تَحجبين عني نورها الأزلي

 

تُحاصرينني في المنحدرات

قد كستها غلالة الظلال

وعمداً منك ان تلوي بيّ الدهر

وتطفئي ضوء النطفة

حيث لا يزال في طوره

يتبلور في المهد

 

فأنتِ يقينا تدركين معنى اللحن

عندما يتجمع في ملتقاه فجر الصباح

***

كفاح الزهاوي

 

 

حسن السالميوقصص أخرى قصيرة جدّا


 يحدث أحيانا

شيء غامض يعقد روحينا في مشكاة واحدة. يفهمني وأفهمه وإن فرّق بيني وبينه النّوع واللّسان.

ذات يوم وأنا في عرض الشهباء هاج وماج وملأ الجوّ نباحا، فلتفتّ حولي فكانت الأرض خالية ممّا سوانا...

فجأة ينشقّ الترّاب على هامة سوداء تدور حول نفسها في جنون...

حين أفقت وجدتني مطمورا في الرّمل وكلبي يرقد على رأسي كأنّه يحميني، مثخنا بالجراح...

**

دولة الظّلّ

تحرّك الظّل إلى كرسيّ السّلطان فقلبه. ومدّ يده إلى أطولهم لسانا فجندله. ونفخ في مزماره الغريب. فما من أحد بلغته نغمته السّاحرة إلّا ونزع ثوبه ونفش شعره وتقيّأ وخبط وصرخ وأرعد وأزبد...

حاصرنا الظّلّ بالصّراخ وتلويح الأذرع...  فجأة اختفى. لكن في الغد برزت ظلال كثيرة أشدّ قتامة فما هي حتّى صرخت أمّي: إنّي أغرق، أغرق...

 

**

من وراء القضبان

وخياله ملتهب بصور النّساء أومأ إليه:

- أرأيت ذلك الأمرد. كم هو شهيّ!

- بماذا تفكّر؟

تعلو قهقهته...

- أنت شيطان.

- إنّه كرئيس السّجن حلاوة وطراوة.

- ولئن فعلتها فالمؤبّد.

- آه، إنّني لا أبيت ليلي...

يتقدّم الأمرد صامتا وفي لمح البصر يأخذهما أخذ جبّار...

"سامِحنا أرجوك "!

**

مأدبة للغبار

صفّفها أمامه وراح يتأمّلها بذاكرة مشرّعة. رآه يمتطي صهوات الرّيح، ويحلّق بعيدا في سماوات الخيال. يقطف من بلاد السِّحر ثمار المعنى... ورآه في فحمة دامسة يغشاه الصّمت والبرد...

تحسّسها بأنامله كما يتحسّس رضيعا.. عمد إلى قشّ فغطّاه بها.. سمعها تهمس:

"تبًّا للنِّسيان. "

وهو يتنفّس بربع رئة:

"النّار أكرم لكِ من الغبار"!

... وتصاعدت كتبه دخانا!

***

بقلم حسن سالمي

 

عبد الله سرمد الجميلكمستكشفِ الآثارِ إذ يلمِسُ الحجـرْ

سألمِسُ نهديكِ الصغيرينِ في حذرْ

 

أُنقِّبُ عن شاماتِ خصرِكِ لاثمــــــاً

وفي ملتقى الساقينِ شيءٌ من الخدَرْ

 

وعن وحْمةٍ كانت تبدِّلُ لونَها

كحِرْباءةٍ قربَ العُسيلةِ تنتشرْ

 

وعن حَلمةٍ كانت تُنكِّسُ رأسَهـا

كخوذةِ جنديٍّ من القنصِ يستترْ

***

عبد الله سرمد الجميل شاعر من العراق

 

خالد الحليعندما أقرأ نصاً مرتينْ

فأقولْ:

ما الذي كان يقولْ؟

كاتبُ النّصِ

و ماذا سيقولْ

قاريءٌ آخرَ  بعدي؟

أجدُ النفسَ تقولْ:

لمن المُبْدِعُ يكتُب ..؟

و لماذا نحن نقرأ؟

**

صَفَحاتٌ سُطِّرتْ

دونَ جدوى كُتِبَتْ

بغموضٍ عبَّرَتْ

عن سرابٍ

و ضبابٍ

و اضطرابْ

فلماذا يكتُبونْ

وَ هُمُ لا يُدرِكونْ

أنّ بحرَ  الكلماتْ

فيهِ أملاحٌ و ماءٌ  وجواهرْ

فيهِ أخطارُ  هلاكٍ وغرقْ

فيهِ ما يزرعُ في النّفسِ القلقْ

فيه ما يبعثُ في الموتِ الحياةْ

فيهِ، ما فيهِ، وللمبدع أن يختارَ،

ما تهفو  له الأرواحُ، والآذانُ،

ممّا يَدخلُ القلبَ بلا إذن دخولْ

و يغذّي الروحَ من دون ذبولْ

- 2 -

جفّتِ اللّيلةُ، جفّ الفجرُ، جفّ الصّبحُ

جفَّتْ غيمةٌ ما أمطرتْ

جفَّتِ الغابةُ،

جفَّ الحقلُ،

جفّ البحرُ،

جفّ النهرُ

لكِنْ

لَمْ يجفّْ الحبُّ في قلبي،

وما جفّتْ دُموعي

فبكيتُ

و بكيتُ

و بكيتُ

***

شعر: خالد الحلّي

ملبورن 19/11/2021

 

 

صادق السامرائيقاتَلوا اللهَ وكَـــوْنٌ يَشْهَدُ

وهَواهمْ صارَ ربًّا يُعْبَدُ

 

شنَّؤها بامْتِلاكٍ مُطلقٍ

لسَرابٍ بسَرابٍ يُسْنَدُ

 

أيُّها الديْنُ لماذا كيْدُهـــمْ

إبْنُ ديْنٍ ضُدَّ ديْنٍ يُحْشَدُ

 

بلسانٍ ناطِقٍ ما دينُهمْ

وبفِعْلٍ آثمٍ لا يُحْمَــــدُ

 

بوَلاءٍ صادَروا صَوْتَ النُهى

ولأوْثانِ رؤاهُـــــــــمْ مَجَّدوا

 

 كفَّروا فيها جُموعاً آمَنَتْ

ولرَبٍّ كلُّ يَوْمٍ تَسْجِـــــــدُ

 

إنَّ فَتواهمْ أجازَتْ قتلهمْ

وإذا الدينُ بفَتوى يُوْأَ دُ

 

لا كتابٌ لا رَسولٌ عِندَهُـــمْ

تبَّعاً صاروا لشَخْصٍ يَسْرِدُ

 

أيُّها التأريخُ حدِّثْ أنَّهمْ

قَوْمُ ديْنٍ ولديْنٍ يَجْحَدوا

 

وبقلبٍ بنَبيْضٍ شائِـــنٍ

نَطقوا بُهتاً بَليْداً يَصْفِدُ

 

ولهـــــــمْ فِعْلٌ قَبيْحٌ مُنكَرٌ

ونُفوسٌ بِنْتُ سُوءٍ تَرْعِدُ

 

صُنوَ وَحْشٍ سابغٍ في غابةٍ

داهَموا كلَّ أصيْلٍ يَرْفِــــــدُ

 

وبها الأيامُ خَطّوا شَرَّهُــــــمْ

خَرَّبوا أرْضاً وشَعْباَ شَرَّدوا

 

ولغَيْرٍ ذَهبوا دونَ الوَرى

واسْتعانوا بغَريْبٍ يَجْلِـــدُ

 

كعَبيْدٍ لبَعيْدٍ ناقِـــــــــــــمٍ

وخَشيلٍ مُهْمَلٍ لا يُحْصَدُ

 

لا تلمْ رأساً تلحّى واعْتَمَمْ

وبدينٍ يتخفّى يَلبِدُ

 

بلْ أناساً ناهَضوا عَقْلاً وَعى

واسْتَباحوا روحَ أمٍّ تصْمِدُ

 

كُلُّ إنْسانٍ يَراها مِثلما

نَفسُهُ شاءَتْ وقلبٌ يَسْعَدُ

 

وعيونُ الخَلقِ زاغَتْ واعْتَمَتْ

فتَداعى نَحْوَ وَيْلٍ يَعْصِد ُ

 

قَتلوا الناسَ جَميْعاً حِينَما

نَفْسَ إنْسانٍ بحِقدٍ أهْمَدوا

 

ويْلُهُمْ ويْلٌ فعَيْنٌ راقَبَتْ

وشُهودٌ كُلَّ إثْمٍ قَيَّدوا

 

لعْنَةُ اللهِ عَليْهمْ دائِماً

ظَلَموا شَعْباً وبُقلاً سَيَّدوا

 

إنَّها دارتْ وحامَتْ فوْقَهمْ

سَوْفَ تُطوى وظلومٌ يُنْكَدُ

 

لا تَقلْ فازوا ورَبٌّ غاضِبٌ

إنَّما الفَوْزُ بفِعْلٍ يَمْجِدُ

 

غادَرَ اللهُ قلوباً أجْرَمَتْ

وتَمادَتْ بزمانٍ تُفْسِدُ

 

يَحْسَبوا الظُلمَ صَلاحاً واجباً

إبنُ شَرْعٍ لا يُدانى يَصْلِدُ

 

قاتَلوا اللهَ وقَتلٌ حَفَّهُمْ

وكَذا دالتْ ويَوْماً توقَدُ

 

أمَلٌ يَبْقى وأمٌّ ما جَفَتْ

وعَلى الآفاقِ نورٌ يُرشِدُ

 

وبها الأجْيالُ روحٌ سامَقَتْ

وتَفانَتْ ولخَيْرٍ تَعْهَدُ

 

أمَّةٌ تَحْيا وشَعْبٌ واعِدٌ

وخُطاها نَحْوَ مَجْدٍ تَقصِدُ

***

د. صادق السامرائي

30\12\2021

 

عقيل العبودتَضَوَّعَ الوجع، استفزه العناء،

غدا يبحثُ عن ذريعة للبقاء،

صار عليه أن يفترس الروح،

لعله يبلغ شرط الإمضاء.

**

أضاع الروع هيبته،

استوطنه الأرق،

تغيرت معالمه،

أحاط به الخواء،

خسر الرهان.

**

استعاد الأمل الخُيَلاء،

أضحى يؤرق ليل غربته،

تسلح بالصبر،

غادره الفزع.

**

أدى صلاة الصبحِ دون مسبحة، ودون متاع،

رتلَّ القرآن،

استنشق زفير العبرات،

أحدقت به الذكريات.

**

استقرت الموجة في القاع،

اضطرب البركان،

تضاءل ضوء الشمس،

هبط الزمان.

**

تَكَدَّرَت الشَّجَرة، رافقت أغصانها الدموع،

انتشرت الابتسامةُ الملساءُ،

تساقطت اهدابها،

أُلغيت مراسيم العزاء،

تَغَرَّبَت عنها المواعيد،

ابتدأ الفراق.

**

لاذ الصمتُ بالكبرياء،

قرر أن يلتقي عِنْدَ نافلة المكان،

عانقته الطيور، اختفت الحرباء.

**

تزاحمت المشاهد،

اصطفت الأسماء جميعاً،

عمَّ القحط، غابت النجوم،

بقي القمر.

**

أمست المحطاتُ تنشد أحزانها،

انتابها البكاء،

التحقت الغربةُ بقوافل الأسماء،

أعرضت عن وقائعها،

تعقب القلب محنته،

بات يمضي بعيداً، بعيداً،

ليته يعم الرخاء.

***

عقيل العبود

……..

 

*النص لوحة تشكيلية تم التعبير عنها بالألوان، لتجسيد حالة الفزع التي تنتاب هذا العالم، وهي تسجل كل يوم أعداداً لا حصر لها من ضحايا الأوبئة، والحروب، ليجد الإنسان نفسه مكبلاً هكذا أمام معادلة الصراع.

 

 

 

محمد حمدنهشت مخالبُ الدهرِ حُلم الصّبا

في عنفوانِ سنيني

وشوقي تجاوز شوق ابن الملوح قيس

واستعارت ليلى نصف اشجانها

من شجوني

احنّ الى بعضِ بعضي

هناك

في وطن مزّقته الذئاب

وكعادتها

(تعدو الذئابُ على من لا كلاب له)

على أمل أن....

فيسقط هنا قرب قلبي نداء الجوى

مضرّجا بدموعِِ ممزوجةِِ بكبرياء جفوني

كلُّ ليلِِ أراك

في مخاضات هذا الزمان العقيم

قمرا عاريا في سماء موبوءة   بالظنونِ

ايها البعيد اغترابا

والقريب افتراضا

والغريب اشتياقا

ما زلت رغم صدودك قولا وفعلا

ثثير فيّ همومي وتستفزّ حنيني !

***

محمد حمد

 

انور بن حسينأهَلْ مِــنْ عَلِيمٍ بِالمَكَامِنِ عَالِمُ

وبَيْنَ النّجُومِ السّابِحَاتِ عَوَالِمُ

 

عَلَى الأَرْضِ أَجْنَاسٌ تَنَامُ جُفُونُهَا

وَرَبِّي بَدِيعُ الخَلقِ للكَوْنِ نَاظِـــمُ

 

تَجَلّتْ بِأعْتَابِ الفُؤادِ سَوَاكِـــنُ

تَرَاءَتْ مَقَامَاتٍ لهَا القَلبُ قَائِمُ

 

وتَحْتَارُ نَفْسِي مِنْ عُزُوفٍ ورَغْبَةٍ

فيَنْتَابُهَا حِسٌّ جَمُـــــــــوحٌ ونَاعِمُ

 

بَدَوْتُ كَأنِّي الضَّوْءُ يَهْفُو لِسَائِلٍ

فبَانَتْ بِأعْمَاقِي شُمُوسٌ تَلَاطَمُ

 

ومِلتُ بِكُلّي صَوْبَ مَسْجِدِ مَكَّةَ

أصَلّي فَيَرْوِينِي النّدَى والنّسَائِمُ

 

رَكِبْتُ المُنَى أَرْجُو سَلامًا ورَحْمَةً

وإِنِّي عَلَى كَسْبِ المَعَارِفِ عَازِمُ

 

بِفَضْلِكَ يَا رَحْمَانُ تَأتِي الفَضَائِلُ

وكَمْ لِي إِلَهِي مِنْ لَدُنْكَ مَكَـــارِمُ

 

بِبَابِكَ يَرْقَـــى العَابِدُ المُتَعَبِّدُ

ويَفْرَحُ مَنْكُودٌ وتَفْنَى مَظَالِمُ

 

وكُلُّ جِهَاتِ الرُّوحِ تَصْبُو ِلنُورِكَ

تَسَامَيْتَ رَبَّ العَرْشِ مُلْكُكَ دَائِمُ

 

وعَلّمْتَ أَسْرَارَ الوُجُــــــودِ لِآدَمَ

وفِي الغَيْبِ أسْرَارٌ لَهَا أَنْتَ عَالِمُ

 

و هِمْتُ وكَمْ كَادَتْ تَكِيدُ الهَوَاجِسُ

وسِرْتُ بِظِلِّ اللّيْلِ والفِكْرُ هَائِـــمُ

 

وأَيْقَنْتُ أَنْ لَا شَيْءَ يَسْمُو كَشَأنِكَ

فَأنْتَ الّذِي تُعْطِي ووَحْدَكَ حَاكِمُ

 

فَلَيْتَكَ تُدْنِينِي إِلَى النّورِ خَالِقِـــــي

دُنُوّا وقَدْ ضَاقَتْ بِنَفْسِي العَوَاصِمُ

 

أَيَا سَامِعًا سُؤلِي خَفِيًّا بِخَافِقِي

لَدَيْكَ مَفَاتِيحُ الهُدَى والخَوَاتِمُ

 

فَكَيْفَ بِإصْلَاحٍ سَدِيدٍ لِأَمْـرِنَا

وقَوْمِي نِيَامٌ لَيْسَ مِنْهُمْ مُقَاوِمُ

 

سَقَتْنَا اللّيَالِي مِنْ دُجَاهَا صَبَابَة

وأعْدَاؤنَا بِالأَرْضِ كُثْرٌ تُسَاوِمُ

 

وإِذْ أُغْمِضُ العَيْنَ البَصِيرَةَ حَالِمًا

أمُرُّ بسُورِ القُدْسِ والقَلْبُ وَاجِــمُ

 

أدَارِي وأَرْضُ الشّامِ ضَاعَ شُمُوخُهَا

وكُلُّ المَآسِي لَا تَفِيهَا مَعَاجِــــــــــمُ

 

وتَبْكِي عَلَى جَفْنِ الفُــرَاتِ قَصَائِدُ

وتَدْمَعُ مِنْ شَهْدِ الحُرُوفِ سَوَاجِمُ

 

ويَنْزِفُ صَوْتِي مِنْ ثَنَايَا جَوَانِحِي

لِيَكتُبَ أحْزَانًا سَقتْهَا المَلَاحِــــــمُ

 

أفِيقُوا بَنِي أرْضِي لِدَهْرٍ يُغَالِبُ

أفِيقُوا فَإنَّ الوَقْتَ سَيْفٌ مُلَازِمُ

 

فَأيْنَ أكَالِيلُ المُلُوكِ وقَيْصَـــــرُ

وكِسْرَى، فَمَنْ ظَنَّ البَقَاءَ لَوَاهِمُ

 

سَيَنْبُتُ فِي المَجْهُولِ حُلْمٌ لِفَارِسٍ

لِيَرْفَعَ رَايَاتٍ عَفَاهَـــــــا التّقَادُمُ

 

ويَنْهَجُ نَهْجَ المُصْطَفَى والأوَائِلِ

يَسُلُّ فَلاحًــــــا لَيْسَ فِيهِ هَزَائِمُ

 

وإِنْ كَانَ لِلأَوْهَامِ بَيْتٌ وعَاقِبُ

سَتَكْبُرُ أَحْلَامٌ تَلِيهَا العَــــــزَائِمُ

***

الشاعر: أنور بن حسين / تونس

 

 

محمد الدرقاويحين خطط عبد الله مشروع قصته التي لم ينشرها، ما كان يتصور أنها ستكون سببا في تحقيق امنيته مع سيدة مسيحية شابة تسكن الطابق الأول من العمارة، تعلق بها وصار شوقه اليها ينمو يوما عن يوم على روح مرتعشة، تخشى المغامرة بسمعته، وتقدير سكان الحي له. فالشابة زوجة جاره الشيخ المتقاعد الذي انهكه الرعاش وصار لا يتنقل الا داخل كرسي متحرك؛ هو من بقايا الفرنسيين الذي فضلوا البقاء في المغرب بعد نهاية خدمتهم، ماتت زوجته الأولى وهو في سن الأربعين ثم تزوج بعدها أرملة يهودية لم تدم عشرتهما أكثر من سنتين لتغادره بعد خصومات كثيرة .وقد ظل بلازواج لمدة عشر سنوات الى أن ائتمنه أحد أصدقائه على بنته وديعة لديه قبل موته، تؤنسه و تعوض غياب أخته التي سكنت معه بعد أن هجرته اليهودية، ثم ما لبثت الأخت أن تعلقت بثري خليجي صادفته في خمارة احدى الفنادق ففرت معه الى احدى جزر اليونان ..لما بلغت الطفلة سن الرشد أغراها الجار بما يملك، واقنعها بالزواج .وقد وجدت أن الارتباط به خير من فقرها، ولربما منت النفس بارث قريب قد يؤمن لها حياتها.

لم يكن عبد الله يحتل غير غرفة صغيرة، في سطح عمارة كانت تكفيه لقضاء أيامه الروتينية، نهارا في مؤسسة حرة كأستاذ متعاقد للادب الحديث، وليلا للقراءة والكتابة، وهما شغفه الذي منعه من الزواج، فلا انثى قد تتحمل انشغال زوج بدخل يسير وانشغال عنها بأوراقه وكتبه وترك السرير كلما دندنت في عقله فكرة....

بدات الحكاية حين كان عبد الله جالسا بمقهى الحي يوم عطلة مدرسية يخطط محاور رواية شغلته أحداثها عن عمله ونومه، يكتب كل الافكار التي ترد على النفس والعقل، ولم ينتبه الى أن الجارة كانت مشدودة اليه تتابع من نافذة بيتها كل الحركات التي تبين أنه كان مشوش الفكر، وكأنه مشغول بأمر يهم سياسة الدولة أو أمنها.

ما كانت سيدة عادية، فهي من نوع النساء اللواتي يحرقن بكلمة أو يقتلن بنظرة، وبها كنت المحروق المقتول، أنا الضائع وهي التي يحتويها بيت متكامل حتى ولو كان يضمها ظل رجل ..

ـ ستائر نافذتها تهتز على ذؤابات الضوء، لعلها من تحركاتها على سرير، يعذبها زوج يصر على اثبات قدراته، وماهو بقادر على ان يتنازل عن أوهامه ..

ـ شيخ وشابة على سرير ذاك أوج التناقض وانا بينهما الضائع التائه..

احست الجارة وهي تقرأ تلك العبارات أنها المقصودة، فقد لاحظت مرارا وميض عيون عبد الله ولهفته وهو يحييها كلما التقيا، صعودا او نزولا على سلم العمارة، وكم تمنت ان تتجاوز تحيته لها دعوة لجلسة بعيدا عن الحي ..اكثر من مرة فكرت ان تقتحم عليه بيته، لكنها كانت تخشى ردة الفعل وما يمكن ان يتصوره عنها، تمتمت لنفسها:

كم حولتني كلماتك مرجلا من الرغبة اليك وفيك، مناجاتك حركت كل كامن ومتيقظ في نفسي ..

شرعت تستعيد صورته أمام عيونها شريطا يؤجج رغبتها، فقد كانت تهواه لطول قامته، وبنيته الرياضية، وأدبه واهتمامه بهندامه ونوعية عطره الذي لا يتغير ابدا، وبه تعرف نزوله الى العمل أو عودته منه .. كانت تعلم أنه غير متزوج، وكانت تشفق على رجل مثله ..فهما معا يعيشان الحرمان، الفقر ووصية ابيها ما حتم حرمانها، وربط مصيرها برجل كم ندمت على قبول عرضه، لكن عبد الله ماذا يتخفى وراء حرمانه ؟

رجل في أوج شبابه ما الذي يمنعه من الزواج ؟ ربما الفقر رغم انه يبدو دوما انيقا وذوقه فيما يلبس يعكس اناقة وحسن اختيار ..

بسرعة جلست على مكتبها وخطت الرسالة التالية:

جاري العزيز

انت ضيعت فصول قصة حين تجاهلت ورقة قد سقطت منك سهوا، وكان من حظي بل من حظنا ان ألمحها فبادرت الى استعادتها، وانا لن اضيع لحظة في الاعتراف لك أني مع زوجي كنت بجلسة قداس، لا جلسة حب، فالحب في حياتنا انتحر من لحظة زواجنا الاولى، أما معك فاحب ان اصير جسدك، سمعك وبصرك، فكرك وروحك، بل أحب أن ينصهر أحدنا في الآخر لنكتب معا على ورقة منا لن تضيع ابدا: ماخلق العشق الا لنا معا

جارتك الحسناء

ادرك عبد الله ان القدر كان يرتب امره، فهو لم يتقصد سقوط الورقة لتكون بريد عشق الى انثاه، الآن قد عرف مغزى تلك النظرات التي كانت ترسلها الجارة كلما تصادفا عبر السلم، كانت نظرات متأملة سابحة في حلم بهي، كم ارقه وشغله عن قراءاته وكتاباته، بل وللحقيقة ربما تلك النظرات هي ما كان يحفزه على متابعة ما ينوى ان يضمنه قصته ..

انتبه عبد الله الى حركة غير عادية هذا الصباح في الحي، وان الصدى الذي يأتي من سلم العمارة يثير الفضول، صادف منظفة العمارة وهو نازل الى عمله فسألها، أتى ردها مفاجئا: جارنا المسيحي توفي او مات لا ادري والشرطة تحقق في موته ..

استغرب متى كانت الشرطة تحقق في وفاة الناس؟

أحس فزعا يرين على صدره، الامر مثير و مخيف حقا ان كان قد مات بيد غيره ؟ من كان وراء موت الرجل المسن؟ هل تكون جارته قد استعجلت أمرها ؟ لايمكن فوداعتها لن تسمح لها بذلك، واليها لن يتطرق شك .. أنثى عاشقة لا يمكن ان تؤذي، فبالاحرى ان ترتكب جريمة ...عذاب هائل قد ملأ صدره ..

قبل أن يتخطى الشارع سمع من خلفه شخصا يناديه التفت اليه، لم يكن غير ضابط شرطة دعاه يستفسره عن علاقته بزوجة الميت، هل سبق له الدخول الى شقتها؟ هل هي زارته مرة في بيته؟

ما سر الورقة التي وجدت قلب مذكرة السيدة ..

هل كان يلتقي بها خارج العمارة؟

كان يجيب بهدوء مشوب بخوف وقبل ان يتركه الضابط قال: انت ممنوع من مغادرة المدينة الا بإذن ..

لم يكن عبد الله يتصوران حبه قد يقوده الى موقع شبهه، وهو الرجل الوديع الذي وزع حياته بين عمله وكتاباته وحصصه الرياضية الأسبوعية في أحد الأندية ..

قضى عبد الله شهرا كاملا وهو في عذاب وتوجس وخوف، هجر النوم عينيه وبدا يتغيب عن وظيفته مما لحقه من ارهاق الارق.. لم يعد يرى جارته الحسناء، فهي لا تغادر البيت، وحين سال عنها منظفة العمارة، قالت:

هزلت صغيرتي، وهي تبكي بالليل والنهار، حرام ان تتهم بشك أنثى مثلها، وهي وديعة كحمل أليف ..

تنهد ثم قال: أجلى الله همها باظهار الحق ..

ذات مساء سمع جرس الباب، ليس من عادته ان يزوره احد في مثل هذا الوقت، احس بنوع من الخوف فرجال الشرطة وحدهم يداهمون البيوت بليل، قام متثاقلا، ثم فتح الباب بحذر، لم تكن غير جارته الحسناء، اهتز قلبه، فتح الباب على مصراعيه، لم تمد يدها للسلام عليه، بل ارتمت عليه فضمها، شدها اليه وقفل الباب ..دفنت وجهها في صدره وتركت لدموعها غزو شعيرات الصدر بللا حارا ارتجف له عبد الله ..

كان بين خوف وسعادة، جلسا على كنبة، اخذت نفسا قويا ثم قالت:

أخيرا انتهى الكابوس لقد توصلوا الى قاتل زوجي، بسرعة قال وهو يمسح قطرات من عرق لفظتها مسامات جبهتها: من ؟؟

ردت وصدرها يلهث من اثر الركض على الأدراج وهي صاعدة اليه:

لم تكن غير اخته التي لم يعرف أحد متى عادت بعد هروبها، تخلى عنها الخليجي، وعادت لتنفذ خطة حقيرة، انتهزت خروجي من البيت، وتسللت اليه ثم قتلته بوضع وسادة على وجهه ؛كانت تريد ان تسلبني ماكتبه باسمي في وصيته ..

تنفس إبراهيم الصعداء، أحس كان جبلا قد انزاح عن كاهله، وأن انثاه الاسيرة قد صارت حرة الآن، لعق دمعات نزلت على خدها، وقد داهمه هاجس اقلقه، حتما هي تفكر في الزواج فهل يملك الكفاية المادية لاسعادها ؟ بخبرة الأنثى أحست به، سالته: مابك عبد الله فيم تفكر ؟ شاركني ...ألم يسعدك تحرري، أنا صرت لك متى أردت ..

مسك بيدها ثم قال: حبك قد استدرجني الى أحاسيس هي مزيج بين اليأس والامل، ربما أنت لا تشعرين بما اشعر به الآن ..

رفعت يده الى فمها قبلتها ثم قالت:

هون عليك عبد الله، فالامر لايبدو بالصورة التي تفكر فيها، أنت وصلت الى قلبي وانا على قلبك قد أطبقت .. وأنا من بادرتك بالزيارة لاعلن انفراج همنا، وما جئت لاسمع خطبة خوف منك وحذر، أو موعظة حكيمة حول قيم الآباء وتقاليد الأجداد، فقد كانت لهم آلياتهم ولنا آليات، واقعنا الذي سنعيشه بلا خلفيات، انا جئت اليك لأهون عليك كل ما صعب، فانت رجل شهم بمبادئ، وأناأحبك حقيقة لاأمنية أتمناها، اهبك نفسي وما صرت أملك، ارم بثقل نزعاتك العربية وطوباويتها، انهض استدعيك للعشاء في مطعم بعيدا عن الحي ثم سهرة رقص تغسل هواجسنا ..

وقفت وقد شدته من يده، سارمعها وهي تردد وبه تلتصق:

كن شجاعا وبلا تفكير رجعي يتلاعب بعواطفك، اريدك قويا ان كان يهمك مستقبلنا ..أحبك عبد الله وأشتاقك، الا تقبلني قبل الخروج؟؟!! ..

 

محمد الدرقاوي ـ المغرب