فراس ميهوبعشتُ طفولتي في بيت صغير مستأجر مع والديَّ وأخوتي العشرة، كان أبي عاملا في مصنع الإسمنت، يعود مساء بعد غياب يوم كامل، وقد لا نراه إلا في اليوم التالي عندما يكون مناوبا، يقضي أبي عطلة نهاية الأسبوع في العمل الزراعي في أرضنا من الصباح إلى المساء، هو رجل قليل الكلام، قد تمرُّ أيَّامٌ طويلة دون أن ينطق، ولكنه حين يتحدث أخيرا، كانت عيناه تتلألآن وهو يقول:

- أنا أحبُّ الحكومة، فهي تعطينا راتبا آخر كل شهر، ولم تبخل علينا بذلك منذ أن توظفتُ، وهي عكس التجار الذين كنا نبيعهم المحصول و يماطلون بالدفع  بحجج واهية.

كان أبي يغفو وهو يعدد لنا فضائل الحكومة.

ورثتُ عن أبي ثلاثة أشياء: لون عينيه، عرجا خفيفا في رجلي اليمنى، وحبه للحكومة.

عندما كنت صغيرا ولم نكُ نجد ما نأكله أنا و أخوتي، كنا نخرج إلى فناء الدار تحت شجرة الكينا، ونغني لنسلى عن الجوع وننساه، نكرر أغنية وحيدة، عرفتُ لاحقا أنَّ مؤلفها كان وزيرا، وصار فيما بعد سجينا لأنه عارض قرار رئيس الحكومة بفرض ضرائب جديدة، ثم انتحر في السجن، لم أعد أذكر كل كلمات الأغنية، ولكني أذكر أنها تبدأ بِ:

أنا بحب الحكومة       اللي وجها متل البومة

الرب يخليها ويحفظ    ولو ضربتنا بالتاسومة

سمعت فيما بعد أن مؤلف كلمات الأغنية قد وضع في سجن انفرادي لأنه أفشى أسرار الدولة، ولم أفهم معنى ذلك، لكني عرفت فيما بعد أن رئيس الحكومة قد أعجبته الأغنية واعتمدها نشيدا وطنيا رغم تحفظه على عبارة" وجه البومة" فقط.

 في المدرسة الابتدائية، كنا متشابهين حدَّ التطابق، باللباس شبه العسكري، وبالفقر أكثر، وبعالمنا المحدود، فكان أبعد مكان نذهب إليه هو المدرسة الإعدادية للقرية المجاورة، اكتشفتُ بعد سنوات طويلة أنها لا تبعد أكثر من كيلومترين اثنين عن مدرستنا.

قطعنا هذه المسافة لحضور احتفال رسمي بمناسبة وطنية، سرنا خلف معلمنا، كنا  جيشا دون سلاح، بلا طعام أو ماء.

 طالت الرحلة حتى ظننتها دهرا، تشققت أقدامي داخل الحذاء البالي على الطريق غير المعبد، وصلنا، رأينا الزينات والصور، نسينا التعب، غمرتنا البهجة، تحقق حلمنا، نسينا كل التعب، اكتشفنا عالما جديدا، لا أعتقدُ أن كريستوف كولومبوس  كان أكثر فرحا منا حين رأى أرض أمريكا تطلُّ برأسها خلف الأفق الأزرق.

بدا طلاب الإعدادية أكثر سعادة منا، وحبهم للحكومة لا يضاهى، أصواتنا كانت خافتة أمّا أصواتهم فكانت تصدح بجنون:

أنا بحب الحكومة         اللي وجها متل البومة

الرب يخليها ويحفظ     ولو ضربتنا بالتاسومة

في الجامعة: كبر حبي، ولكنه كان دون مستوى مسؤولي الحزب فيها، صرفت الحكومة لهم رواتب عالية لأنهم يحبونها بصدق، ويعاقبون من يشكّون بولائه لها.

قبل أن أنهي دراستي الجامعية، طرأ حدث عابر أثرَّ قليلا على مشاعري تجاه الحكومة، لم يخرج سري للعلن، واحتفظت به في أعماقي، فقد أحببتُ فتاة جميلة، وبنظري كانت الأجمل، وكما يقال عين المحب تفتح الطريق إلى القلب.

شغلتني عن نفسي، وأكاد أقول أنني أحببتها أكثر من الحكومة، ولكني طبعا لم أبح، خفت من أن يبلِّغَ أحدُ أفراد الأمن الجامعي حكومتَنا.

خطبَ حبيبتي شاب آخر، وقد كان فهيها و فدما، ولكن والده كان  يعشق الحكومة، وكان الحبُّ متبادلا فأعضاء الحكومة يتناولون العشاء كل مساء في مطعم والده الفخم.

دستُ على قلبي، وأدركت أن حبي حياتي الوحيد والصادق هو للحكومة، وليس لامرأة.

تخرجتُ أولا على دفعتي، وعينت معيدا في كلية الحقوق، كان راتبي ثلاثة آلاف ليرة كاملة، وكاد حبِّي للحكومة يترسخ أكثر لولا أنَّ أبي قد أصيب بسرطان الرئة، همس الطبيب المعالج :

- عمل أبيك في معمل الإسمنت هو سبب المرض.

 سألته بيأس:

- هل كان تجنب المرض ممكنا؟

أجابني بصوت خافت:

- نعم، بوضع مصاف خاصة على المداخن.

حزنتُ على موت أبي، واساني حبي للحكومة، قصة الطبيب عن الفلاتر والوقاية ليست مؤكدة علميا، لعله اختلقها من بنات أفكاره للتملص من فشله، وقد يكون كارها للحكومة وناقما عليها، فماذا ننتظر من شيوعي سابق؟

ما زلت أحبُّ الحكومة حتى الآن، ولكنه حبٌّ صامت، وأظنُّ أنه من طرف واحد، أعترف أنها المرة الأولى التي أسأل فيها عن مشاعرها نحوي.

صادرتِ الحكومة بيتُ أبي القديم ذي الغرف الثلاث وهدمته، أرادت بناء طريق سريع باتجاهين منفصلين ذهاب وإياب.

استقرَّ الطريق الموعود خطا أسود في الخريطة الملونة، و ينتظر للآن موافقة الحكومة النهائية عليه.

لا أعرف سر استمراري بحب حكومة بلدي الذي غادرته إلى المهجر منذ سنوات، عواطفي غير مشروطة، ومنزهة عن الغرض، أحنُّ إلى طرقها المحفرة ومنافذها الجمركية وموظفيها المرتشين، الذين يطلبون المال من كل شيء يتحرك، أو يحاول الحركة بين طرفي الحدود.

 

فراس ميهوب

29/12/2020

 

الحسين بوخرطةاستيقظ عبد الله باكرا في يوم حار من شهر غشت. جلس على أريكة الراحة الوثيرة في منزله المطل على نهر عاصمة بلاده.

غرق في تفكير عميق في أهمية هذا اليوم في حياته. تذكر أيام الفقر والحاجة وإستراتيجيته النضالية الهوليودية من أجل فرض الاعتراف السياسي بنباهته وخدماته. حقق مبتغاه، وتفنن في بلاغة وأساليب الخطاب الجماهيري.

انتهت العقدة، ونال المقابل التوافقي، واغتنى أعضاء منظمته. وصل إلى المحطة الأخيرة. هاجم منافسه رجل المرحلة الجديدة بشراسة مشكلا لوحة فنية مؤثرة رفعت من قيمة أسهم الوافد الجديد إلى أعلى المستويات. غادر تنظيمه مقعد القيادة المؤسساتية. اغتبط عبد الله لما آل إليه وضعه المعيشي. تذكر هندامه وطعامه ووسائل ترفيهه في مختلف مراحل حياته، فابتسم ابتسامة الداهية.

تم إعلان تعيين منافسه على رأس السلطة. أخرج عبد الله من ثلاجته الحائطية الكبيرة والواسعة كل ما لذ وطاب. احتفل بالمناسبة، تذوق مشروبا لم يعهده. أكل بشراهة بعدما تعود على ذلك. انتفخت معدته وتجاوزت مستواها القياسي، لكنه شعر على التو بجوع رهيب، فتكدرت نفسيته.

***

الحسين بوخرطة

نور الدين بنبلاامرأة، خطت بأناملها الرطبة، قصيدة انتفاضة، أزاحت بها صخرة قلب مات ميتة أهل الكهف، نبعُ إحساسٍ حقيقيٍ انفجر ليصب في محيط اِختلطت بحوره.

مدمنة على الأعداد والأرقام، وهندسة الخطوط والأحجام، وسبر غور المنطق بإحكام، وعشق الحكمة وفصل المقال، إلى أن أُرسل المِرْسال وجاء الميعاد.

جلست إلى طاولة من طاولات الخزانة البلدية، غير آبهة لمن يجلس أمامها، فتحت الكتاب، وقلبت صفحاته، الصفحة بعد أخرى. حتى أعياها النظر والتمعن في تركات أرسطو، فرفعت رأسها لتُصعق بتيار النظرة الأولى الخاطف من رجل وسيم أنساها صمت المكان، وأربك العد عندها و الأبعاد. ابتسمت بدورها وقد أتلفت كل حدود متراجحاتها وحلول معادلاتها. لٓعِبا لعبة الأسماء كالصبيان، فاختلطت لغة القوافي بلون خلايا العقل، ثم توقف ميزان التعارف على المنزلة بين المنزلتين.

فنطق وقال:

- سيدتي، ماذا تطالعين؟

- أنا أعشق الحكمة بين الشرق و الغرب، وأغوص في النقاشات البيزنطية التي تُختم بعلامات استفهام.

- وأنا سيدتي آتي لأسمع الشعر من ثنايا سطور الأوراق، وأشم عبق القوافي الذي يمنح للحياة مذاق.

- لكن الحكمة تثبت وجودك ايها الوسيم.

- والشعر يمنح الروح و الحياة لهذا الوجود. أيتها الحكيمة.

السكتة في لحظة سكون تدل على الرضى، والشفاه المرتعدة تنبئ عن انحباس السيل الجارف الآتي من الأعماق، ورموش العيون تسرع الحركة كطائر ذُبابي عند امتصاص الرحيق.

مد يده إلى محفظته الأنيقة و أخرج كتابا متوسط الحجم.

-        تفضلي سيدتي، هذا ديواني الأول، عصارة أشعاري.

بلهفة تلقفت سيدة المنطق الكتاب وهي في حالة شرود، وكأنها بنت العقدين، ثم قالت: شكرا، سأتناوله بكل عناية. فأردف الرجل الوسيم الكلام مجيبا: الشعر يمنح الروح لهذا الوجود. ثم انصرف مبتسما. جلست المسكينة وضربات فؤادها تسمع عبر جدران قفصها الصدري. وجدت في نفسها رغبة التعمق في هذا الكم من الشعور الرجولي الذي لم يكن لها عهد به. أسبوع من النهم والتذوق كانت كافية لسيدة المنطق لتعمل تحديثات كاملة لملفات ذهنها والتي باتت أكثرها ملفات مؤقتة ملأت ذاكرة الحس والشعور لديها. لم يفارقها وجه الرجل الوسيم، ولازمتها لطافته ورقة مشاعره. فكم كانت دهشتها كبيرة، عندما بدت لها العشرة أرقام التي عثرت عليها في آخر صفحات الديوان وقد خُطت تحتها بعناية وقصد عبارة: "هذا رقم جوالي إن كانت لك رغبة في الاتصال بي". سُرت بهذا الاكتشاف وهي لم تنل بعد قسطا من الراحة. ثم أمسكت قلبها بيدها خوفا من جنوح أحاسيسها إلى ثورة جذرية على سلطة العقل، وتفكيك رموز الأقفال التي أغلقت بها، بحثا عن فسحة للتحرر والحرية.

منذ ذلك الحين وهي تُهاتِف فتاها الوسيم، الذي أنقذها من جفاء الجدل والمجادلة. ونقل لها عدوى الحرف والقوافي و منحها حاسة التذوق عند الشعراء، وجعلها تتملى حلاوة الشعر وشهده.

وبذلك يعلن المخيال الفردي عند سيدة المنطق عن انتصار لغة القلب، وتتويجه بميلاد أول قصيدة تحت عنوان" كلام قلب". قدمتها فيما بعد كورقة ملحقة لديوان فتاها الشاعر عربون محبة في أول لقاء شاعري ورومانسي لهما.

قالت في مطلعها:

كيف ألام على فقدان عقلي السديد

فرزانته وخفة دمه أتعبت قلبي العتيد

نظراته تنسيني الحر وليالي البرد الشديد

ما عدت أصبر على فراقه فأنا لست من حديد

ولو و ضعتموني في زنزانة حارسها صنديد

فلن انساه فهو لي اقرب من حبل الوريد

سكن روحي و صار معه الدهر عيد

لأن عشقي له يوما بعد يوم يزيد

كوب ماء يكفيني و لقمة ثريد

تحت سقف كوخ من خشب و قرميد

***

بقلم : نورالدين بنبلا

 

قصي الشيخ عسكرمن قصص اللمحة


 حريّة

بعد ربع قرن غادر السجن

تلك الساعة كانت تهطل بمطر غزير

**

ظنون

ظنّت الحفرة الجديدة أنّها ستكون من حصة جثّة ما

عند الليل أخفى لصّ فيها بعض المسروقات

**

تفان

كان يرجوني ويده تهبط على كتفي أن أترك قدم زوجته فقد اعتاد أن يشد خيط حذائها وحده منذ خمسين عاما

**

لوحة تختلف

اعتاد أن يرسم أجسادا من دون رؤوس سوى جسد واحد برأس من دون فم وعينين وأذنين

**

رقص ونباح

 القمر يراقص النجوم والكلاب تنبح .يظنّها تغني

 

 

احمد الحليالليلُ خيمة الأنامِ

فثمةَ أسرارٌ ومناجيات

ولقاءاتٌ تتمُّ تحت جُنحِهِ

بين محبين

برّحَ بهم الشوقُ والوجدُ

وهناكَ بطبيعةِ الحال

من لديهِ مآربُ أخرى

ثمةَ زوارقُ للذكريات والحنين

تتهادى برفقٍ فوقَ موجِهِ

ودموعٌ تغرورقُ بها المآقي

بوسعِكَ أن تستحضرَ الآن

آلافَ الصورِ مما يطفو في الذهنِ

البعضُ منها يُبهِجُ النفسَ

والبعضُ الآخرُ

يتركُ في القلبِ ندوباً وقروحاً

ولا سيّما ما كنا اختبرناه

بأسىً ومرارةٍ على السواترِ

إبانَ ضياعِ نضارةِ العمرِ

جرّاءَ حماقاتِ قائدٍ معتوهٍ

اعتلى كرسيَّ الحكم

على حينِ غفلةٍ من الزمن

كان الليلُ يمرّ هناك

ثقيلاً طويلاً

مليئاً بالخوفِ والهلعِ والهواجس

بوسعِكَ أن ترى

بدلاً من النجومِ المتلألئةِ

قنابرَ التنويرِ وهي تنزرعُ

فوقَ رأسِكَ ترصدُ وجودَكَ ونبضاتِ قلبِكَ

وربّما خيَّمَ الهدوءُ والسكينةُ

على المكانِ ليلاً

فيُغريكَ ذلك للقيامِ بجولة في المكانِ

الذي قذفتكَ المقاديرُ فيه فتقودُكَ الخُطى

إلى حيثُ لا تدري

فتتوهُ بعيداً ، وعلى حينِ غرّةٍ

تسمعُ أحدَهم يصرخُ بوجهِكَ زاعقاً:

– قف !

تتسمّرُ في مكانكَ مذعوراً

منتبهاً إلى مصدرِ الصوت،

تجدُ جنديّاً يصوّبُ بندقيتَهُ صوبَ رأسِكَ

ثمّ يصرخُ بوجهِكَ كرّةً ثانية:

– سرّ الليل !

***

أحمد الحلي

 

عقيل العبودرَحَلَ الشعراءُ،

غدت تبحث عن مخرجٍ للنجاة قصائدهم،

ابتعدت حقائبهم

*

أعلنت مدينتنا عن مخاض حزنها القديم،

انتفض الفناء،

هدأت العاصفة

*

أُعيدت إلى الأذهان مواكبهم،

استيقظ الليل،

قافلة الحياة استأنفت رحلتها

*

استفاقت قلوب الطيبين،

استلقى الصبح

غدت السماء شاحبة؛

استنكرت فضاءاتها بكاء العصافير

*

تداعى آخرخيط من خيوط الفجيعة

إنتحبت النخلة،

جفت عروقها قبل حين،

باغتنا العزاء

*

صرنا تطوقنا لغة الحنين

اختلف المعنى،

بات للمكتوب قياسات أخرى

*

اغترب الزمان، عدنا خلف الأسوار،

أحضر الفراق متاعه،

أمسى الأنين ثورة للنداء

*

تهدمت أرض الطاغوت،

لكنها ظلت ترفض ان تموت،

بقي الأسى، حاضرًا كما الأسئلة.

***

 

عقيل العبود/ سان دييغو

.....................

* رثاء الى شهداء الكلمة

 

 

محمد حمدثلاث أسئلة تبدأ بكيف واين ثم متى

تتمدّد بلا مبالاة فوق سطر متعرّج

من كلمات صدئة الملمس

رث الهندام

وبلا رتوش تجميلية

من شفتيه الحالمتين بقُبل ذات رنين اصم

يتعالى شيئا فشيئا صوت متهدّج

عابرا جدران الجليد واسوار الرخام المنضّد

كقطرة ماء هاربة من بحر احمق

شبقيّ الامواج:

"ما بعد أسأل عليهم

ولا بعد ينفع سؤااالي".

ثم يذوب تدريجيا كقطعة

(حامض حلو)

في فم ذاكرة توشك أن تغلق

صالة الاستقبال

بوجه ضيوف غرباء من ذوي المآرب الثعلبية

يأتون خفافا وثقالا في الساعة الواحدة بعد منتصف العمر

ويغرسون نظراتهم المدبّبة في غُرّة احلامي...

***

محمد حمد

 

يحيى السماويقلتُ: هاتِ الفأسَ ..

آنَ اليومَ ليْ أنْ أُعلِنَ الحربَ على أعرافِ ذُبيانَ

وطيٍّ وزبيدْ


 قـبـلَ أنْ أكـفـرَ بـالـعـشـقِ وأوروكَ و" إيـنـانـا "

أتـى فـي غـفـلـةٍ مـن فـرحـي الأخـضـرِ " نـرسـيـسُ " (1)

فـأولـمـتُ لـهُ دِنّـاً مـن الـشِـعـرِ

ومَـزّاءً مـواويـلَ عـن الـعـشـقِ الـذي يُـشـفـي

ويُـحـيـي ويُـبـيـدْ

*

وعـن الـسـبـعـةِ أنـهـارٍ مـن الـخـمـرِ الـبـتـولـيِّ الـعـنـاقـيـدِ

وزهـرِ الـلـوزِ والـريـحـانِ فـي الـوادي

الـبـعـيـدْ

*

والـشـذا الـنـاضـحِ مـن خـصـرٍ ومـن صـدرٍ

وخـدَّيـنِ وجـيـدْ

*

وفـمٍ يُـشـجـي الـتـسـابـيـحَ إذا غـنّـى

ويُـغـوي الـنـايَ بـالـعـزفِ ..

وسـاقَـيـنِ إذا ســارا عـلـى أرصـفـةِ الـدربِ فــفـي الـسَّـمـعِ

كـإيـقـاعِ نــشــيــدْ

*

وهـيَ الـحِـكـمـةُ والـفِـطـنـةُ والـرِّقـةُ

والـرأيُ الـسـديـدْ

*

لَـعِـبَ الـعـشـقُ بـرأسـي

فـتـحـدثـتُ عـن الـمـعـصـومـةِ الـعــيـنـيـنِ " إيـنـانـا "

وعـن مـيـلادِ أوروكَ الـجـديـدْ

*

والـغـزالاتِ الـتـي تـسـرَحُ تـرعـاهـا ذئـابٌ .. (2)

وفِـراخٍ لـلـعــصـافـيـرِ بـأحـضـانِ الـشـواهـيـنِ ..

فـلا سَـهـمٌ وقـوسٌ وطِـرادٌ وطـريـدْ

*

وعـن الـصَّـبِّ الـفـراتـيِّ / الأسـيـرِ / الآسِــرِ /

الـزاهـدِ / والـمـاجِـنِ

والـعـاقِـلِ / والـمـجـنـونِ / والـحُـرِّ / الـسـجـيـنِ

الـسـائـحِ الـجَـوّابِ / والـكـهــلِ الـشـريـدْ

*

حـارسِ الـخِـدرِ / الـوديـعِ / الـشـيـخِ /

والـطـفـلِ الـعـنـيـدْ

*

أكـمَـلَ الـمَـزّاءَ " نـرسـيـسُ "

فَـثَـنَّـيْـتُ بـصَـحـنٍ مـن كـرومٍ

وأنـا أكـمـلـتُ دِنَّ الـِشـعـرِ ..

أرخَـيـتُ جـفـونـاً

وتَـغَـشّـانـي دُوارٌ

لـم أفـقْ إلآ و" نـرسـيـسُ " يَـمـدُّ الـفـأسَ لـيْ

قـالَ:

كُـنِ الآمـرَ لا الـمـأمـورَ

والـمـالِـكَ لا الـمـمـلـوكَ

لا عـبـداً لـ " إيـنـانـا "

ونـاطـوراً كـمـا بـاقـي الـعـبـيـدْ

*

الـغـوانـي مِـلءُ عـيـنـيـكَ

فـكُـنْ فـي الـكـأسِ والأُنـسِ كـمـا جَـدُّكَ:

هـرونُ الـرشــيـدْ

*

وكُـنِ " الـضِـلِّـيـلَ ": (3)

لا يـرضـى بـمـثـنـىً وثـلاثٍ وربـاعٍ ..

يـومُـهُ خـمـرٌ مـن الـتُّـفـاحِ والـتـيـنِ

وأمّـا غـدُهُ فـالـخـمـرُ

لـكـنْ

كـأسُــهُ أفـواهُ غِـيـدْ

*

فـاسْــتـفـاقَ الـرَّجـلُ الـفـحـلُ الـذي كـنـتُ عـلـيـهِ

قـبـلَ أنْ تُـدخِـلـنـي فـردوسَـهـا الـضـوئـيَّ " إيـنـانـا "

فـيـغـدو ذهَـبـاً طـيـنـي وأحـزانـيَ عِـيـدْ

*

قـلـتُ:

هـاتِ الـفـأسَ ..

آنَ الـيـومَ لـيْ أنْ أُعـلِـنَ الـحـربَ عـلـى أعـرافِ ذُبـيـانَ

وطـيٍّ وزبـيـدْ

*

" فـازَ بـالـلـذاتِ " مَـنْ مَـدَّ فـمـاً لِـلـثـمِ .. (4 )

والـكـفَّ لـتـمـسـيـدِ نـهـودٍ وخـصـورٍ

وسـريـراً لِـصَـهـيـلٍ وهـديـلٍ

كـلَّـمـا يَـسـقـيـهِ سـاقـي الـلـذةِ الـحـمـراءِ نـاداهُ:

الـمـزيـدْ

*

لـيـلـةٌ مـرَّتْ وأخـرى

وأنـا أحـتـطِـبُ الـمـعـبـدَ حـتـى تَـعِـبَ الـفـأسُ

ولـوّى ســاعِـدي الأمـرُ الـجـهــيــدْ

*

فـرمـى بـيْ تَـعَـبـي طـفـلاً

عـلـى شـوكِ الـصـعـيـدْ (5)

*

لَـسَـعَـتْـنـي الـشـمـسُ

فـاسْــتـيـقـظـتُ عـطـشـانَ ولا مـاءٌ

وعُـريـانَ ســوى ثـوبٍ مـن الـدمـعِ

فـكـنـتُ " الـكُـسَـعِـيَّ " الـخـاسِــرَ الـنـدمـانَ (6)

لـكـنْ

حـيـن لا مـنـجـىً مـن الـخُــسْــرِ الأكـيـدْ

*

فـلـقـدْ أغـضـبْـتُ " إيـنـانـا "

و" إيـنـانـا " إذا تـغـضـبُ فـالـوَعـدُ بـفـردوسٍ

سـيـغـدو بــالـعـذابـاتِ وعِـيـدْ

*

فـإذا بـيْ لا طـريـفُ الـشـيءِ مـن يـومـي

ولا مـن أمـسـيَ الـزاهـي تـلـيـدْ

*

فـأنـا أدري ولا أدري ..

شـقـيٌّ أم سـعـيـدْ

*

كـلُّ ما أدريـهِ أنـي

لـسـتُ " وضّـاحَ الـيـمـانـيَّ " (7)

فـمـا شَــبَّـبْـتُ إلآ بـالـتـي كـنـتُ لـهـا الـجـفـنَ مـن الـعـيـنِ

ولـيْ كـانـتُ كـمـا الأمُّ مـن الـطـفـلِ الـوحـيـدْ

*

كـيـفَ أخـلـلـتُ بـمـيـثـاقِ اتّـحـادِ الـعـطـرِ بـالـوردةِ

والـعـابـدِ بـالـمـعـبـودِ

والأهـدابِ بـالأجـفـانِ

والـنـخـلِ بـأعـذاقِ الـنـضـيـدْ ؟

*

مَـنـحَـتْـنـي سـبـعَ واحـاتِ قـصـيـدْ

*

كـيـف أغـوانـي بـفـأسِ الـطـيـشِ " نـرسـيـس " ؟ (8)

فـأصـبـحـتُ كـ " ديـكِ الـجـنِّ " أســتـجـدي الـمـنـاديـلَ لـدمـعـي

وأرى أزهى الـفـراديـس بـلا " وردَ " مـفـازاتٍ وبِـيـدْ

*

مـات أنـكـيـدو

و" إيـنـانـا " غـدتْ أرمـلـةَ الأعـيـادِ فـي أوروكَ

والـثـكـلـى بـ " مـشـحـوفٍ يـطـرُّ الـهـورَ "

أنـكـيـدو الـشـهـيـدُ الـحـيُّ

والـحـيُّ الـشـهـيـدْ

***

يحيى السماوي

أديليد 12/9/2021

.........................

(1) إينانا: إلهة الحب والجمال والجنس والخصوبة والعدالة في ملحمة كلكامش، مكانها في معبد " إينا " في مدينة الوركاء / السماوة .. نرسيس: في الأساطير الإغريقية هو ابن الإله كيفيسيا والحورية بيوتيا .. أشتهر بجماله وكان مغرورا بهذا الجمال ومنه اشتق مصطلح النرجسية . والدن: وعاء ضخم لحفظ الخمر أو الزيت والخل وغيرهما

(2) يسرح: يشرد بأفكاره .. ومن معانيه: يرعى، وهو المقصود في القصيدة .

 الطراد: المطاردة في حرب أو في قنص .. والطريد هو المطارد حيوانا كان أو طيرا أو إنسانا .

(3) الضليل: امرؤ القيس ..

(4) إشارة الى قول سلم الخاسر: " فاز باللذات من كان جسورا " .

(5) الصعيد: الأرض

(6) الكسعيّ: هو فارس عربي اسمه الكامل محارب بن قيس الكسعي، يُضرب به المثل في الندم ، والمشهور قوله:

ندمت ندامة لو أنّ نفسي

تطاوعني إذاً لقطعتُ خَمسي

تبيّن لي سفاه الرأي مني

لعمر أبيك حين كسرت قوسي

وقد استشهد به الفرزدق عندما طلق زوجته نوار فقال نادما:

ندمت ندامة الكسعيّ لما

غدت مني مطلّقةً نوارُ

(7) وضاح اليماني هو الشاعر عبد الرحمن الخولاني، لُقّب بوضاح لوسامته .. من شعراء الغزل، أمر الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك بقتله لتشبيبه بزوجته .

(8) ديك الجن هو الشاعر الحمصي عبد السلام بن رغبان الحمصي الكلبي . شاعر غزل اشتهر بعشقه الكبير لحبيبته " ورد " ويرى بعض دارسي ومؤرخي الأدب أن المتنبي قد سرق الكثيرمن شعره لفخامته وجزالته .

 

 

عدنان الظاهرأمطرَ أمْ لمْ يُمطِرْ

هذا الطقسُ المُسرِفُ دَمْعا

سأكونُ هناكَ فقدْ زاروا مَهْدي قبلي

أسألُ ما يَجني

مَنْ يضرِبُ في رملِ خرافاتِ الليلِ

يحملُ ما لمْ يحملْ أو يسألْ أحدٌ قبلا

عن مغزى هذا الكونِ الأزليِّ البالي

يرفعُ للأعلى أثوابا

تكشفُ عمّا في النارِ وفي قارِ العينِ السوداءِ

مَنْ ماتوا ظلّوا أمواتا

عافوا الدنيا فيها زُهْدا

خطفُ البرقِ الفاجعِ أغواهمْ

البحرُ أمامي تشريفا

البحرُ ورائي تجفيفا

والجسرُ يَغَصُّ بآهِ العابرِ نِصْفا

لا مِنْ أَمَلٍ في ساحلِ ذاكَ المرسى

الوقتُ الزائلُ خفْقةُ أعلامٍ سُودِ

دقّتْ في الحائطِ مِسمارا

الجوُّ القاتلُ أثقلُ مِنْ بَحرٍ في بحْرِ

والبرقُ الخاطفُ يحرقُ أوراقي حَرْقا

واخيبةَ مَنْ يُطفئُ ناراً في ناري

يا ويلَ الحاكي من ثأرِ الشاكي

رحلوا غَصْبا

ركِبوا أمواجَ البحرِ شراعاً مثقوبا

نادونا لم نسمعْ ما قالَ النورسُ للصاري

يا رافعَ صوتاً في النوءِ العالي

أجريتَ الماءَ دموعاً من رملِ

فَدِّمْ للهيبةِ أثواباً سودا

نقشٌ فيها لا يبلى محفورُ

بئرٌ مُرٌّ مطمورُ

ومرايا ذابتْ تحتَ الشمسِ شموعا.

***

دكتور عدنان الظاهر

آب 2021

 

مصطفى معروفيفضة أنت

بل ساحل للنوارس

بل دملج يرتقي معصم المفردات،

أسميك فاكهة البدء

سائمة الحدس

ركض المدينة نحو ملاحمها

فيك صوتي يناجي الهنيهة

ليست لديه سمادير

يطعمها للغناء،

و ينسكب الومض

 فوق خدود الشجرْ

و ثَمَّ جدار تأوَّل همس النهايات

ثَمَّ شراع

يسيل على كتف القمرْ.

تقول:

إليك نقوش فؤادي

صهاريج وعدي

وخيط الكتاب الذي

كان يوما يطوف إهابي،

تقول

وصارت تفتش عن نجمة

تركتها قرونا

تجوس خلال ثيابي

***

شعر:مصطفى معروفي

 

لطفي شفيق سعيدبعمر الثلاثين...

القى العسس القبض علي

بعد أن فتشوا حقيبتي

فوجدوا فيها كلمة وطني

كتبتها في دفتري المدرسي

منذ أن كنت طفلا

وحين تعلمت الكتابة للتو

وبسببها ...

أشبعني العسس ركلا وضربا

حتى سال دمي على وطني

ومن أجلها ...

قضيت ثلاثة سنوات من عمري

في سجن صحراوي بعيد عن وطني

وبعدها....

خرجت للنور وكلي شغف

لأتناول فاكهة حرية وطني

إلا أنني وجدت الفاكهة فجة

وعليها عبارة كنت قد قرأتها

في كتاب المطالعة وهي

(لا تأكل الفاكهة وهي فجة)

**

بعمر السبعين

تمنيت أن أصل للثمانين

فوصلت ...

وبعمر الثمانين

تمنيت أن أصل للتسعين

فصرت على خطوة منه

وبهذا العمر تمنيت:

أن أعود للسبعين

لأن العشرين التي مضت

كانت سوداء هوجاء تحمل

ريح الحرب والدم والوباء

وآخرها أجبرنا كوفيد

على ارتداء الكمامات

بألوان مختلفة وموديلات

لنمارس لعبة الحياة في دهاء

***

لطفي شفيق سعيد

رالي- العاشر من أيلول 2021

 

فتحي مهذبOh, if you know, Barbara.

مع ترجمة للدكتور: يوسف حنا


 كان بإمكاني يا باربرا

أن أفاوض مقاتلي طالبان وأخلصك من زئير الفراغ.

أفرغ مخيالك من ديكور القناصة المرحين.

من العنكبوت الذي يأكل شرايينك أمام مطار كابول.

من رائحة عرق المسدسات الأسيانة.

كان بإمكاني يا باربرا

أن أفاوض السحرة

لتطيري مثل حمامة

باتجاه العش المتدلي في سقيفة قلبي.

كان بإمكاني أن أوقظ ربيع السنة الفائتة.

ليرتدي حلته القشيبة.

ويملأ المرتفعات بأزهار الفانيلا.

يشعل المصابيح ويمسح دموع الأسماك.

كان بإمكاني يا باربرا

أن أهاجم تنين الزمن الضاري

وأخلص ذكرياتنا من قبضته

قاطعا رؤوسه السبعة بفأسي

أنقض الجنازة وأكسر نواقيس المعزين.

أخلص شاة صلواتنا من الغيوم

من الكواسج التي تتربص بالجوار.

كان بإمكاني يا باربرا

أن أقاتل جحافل طالبان المتدافعة

أزجر بوم الصيرورة

وأحطم مراكب اللاجدوى

أشرع باب قلبك وأحرر العبيد.

لكن يا باربرا

ثمة طائر من الشرق القديم

خطف سلة الضوء من عيني الكليلتين.

مفردا جناحيه العملاقين في الأفق

مخلفا كومة متجمدة من الجنون والرماد.

***

بقلم فتحي مهذب تونس

.................................

Oh, if you know, Barbaraيوسف حنا

By Fathi Muhadub / Tunisia

Translation from Arabic Dr. Yousef Hanna / Palestine

I could, Barbara

To negotiate with the Taliban fighters and rid you of the void roar.

To empty your imagination of this cheerful sniper's decoration.

Of the spider that eats your arteries in front of Kabul airport.

From smelling sweat of the grievous pistols.

I could, Barbara

to negotiate with witches

So you fly like a dove

Towards the nest hanging in the shed roof of my heart.

I could have woken up the spring of last year,

To wear his burnished suit.

And filling up heights with vanilla flowers.

To light the lamps and wipe the tears of the fish.

I could, Barbara

To attack the ferocious time dragon

And free our memories from his grip

Cutting off his seven heads with my ax

I pounce the funeral and break the mourners bells.

Save the sheep of our prayers from the clouds

Of the sharks that lurk nearby.

I could, Barbara

To fight the rushing hordes of Taliban

To chase off the owl of becoming

And to wreck useless boats

Open your heart gate and set the slaves free.

But, Barbara

There is a bird from the ancient east

He snatched the basket of light from my eyes of content.

Spreading his giant wings on the horizon

Leaving a frozen pile of madness and ashes.

 

افضل فاضلتبقّى فيَّ الكثيرُ، من الحُبِّ

ليتّسعَ قبرٌ لمداه!

**

سيكون حزيناً؛ وصادماً

و سيكونُ هتكاً لحُرُمات الله!

فأصابعي، ليستْ لي …

بل هيَ للشجَرِ الذي أزرعُ

و للفَجر الذي أوقِظ ُ،

كُلَّ صباح؛

وعيناي َ،

ليسَتا هُما، عيناي

بل شُرفتان حَطّتا على وجهي مصادَفَة ً،

أو ربما كانتا خطوتين ِ، لقَمَرٍ هارب ٍ

مرَّ بي سريعاً في ليلةٍ قديمة ...

و جَسَدي، …

قايَضْتُهُ بحقلٍ مُعشب ٍ

منذُ خمسينَ عاماً

و ......... ونسيَ الحقلُ أن يأخُذَه،!!

**

سيكونُ مُمِضّاً رحيلي

و لمّا يزل ذلك الطفلُ فيَّ

في انتظار العِيدِ

و الحلوى؛

سيكون عاصفاً

و كُلّ تلك الزوابعُ المُخبّأة؛ تغادرُني

و جارفاً،

و أنا أنزفُ بحاري؛ دُفعة ً واحدة!

**

سيكونُ خطأ ً أن أموت َ،

قبل التأكّد من استمرار مواسم المَطَر،

و سيكونُ خسارة ً أن أموت َ

و قد بدأت تَوّاً مواسمُ المطر …

و سيكون ظلماً مُجحِفاً، كَذلك َ،

أن أموت َ

في يوم ٍ، لم يسقط فيه المَطَر

أو يَتَساقَط من مَطَر؛

… هل لي، رجاءً، أن أنتظر َ

إلى يوم ٍ مطير ؟!

فكيف يسقي اللهُ الأرضَ بالمَطَر

دون جسدي!؟

و من سيدلُّ _ غيري _

قطراتِهِ التائهة تحت التراب ِ

إلى مسارب الجذور ؟!

**

سيكون مُعضلة ً

أن أموت َ

فلم أُعط ِ - حتى الآن - أي تصريحٍ لأحّدٍ بذلك،

وما قرّرتُ

حتى الساعة َ

إن كنتُ سأُدفَن ُ

دون موافقة الحقل ِ

_ ذاك الذي قايَضْتُهُ _

أو تصريح ٍ خَطيّ مُصدَّق ٍ

من المَطَر

**

سيكون مشكلة ً لا حَلَّ لها، حتماً

فالأمر ليس سهلاً،

حين يخلقُكَ الله أفُقاً

و حقلاً

 ومَطَراً …

و يريد النَّاسُ جمْعَكَ في حُفرة ......

.

.

ولكن،

سيكون موتي مدهشاً

لو متُّ

 هذا الصباح

بسَكتة ٍ مَطَريّة،

و أنا

أُنصِت ُ لعينيك ِ ..،!

....

...

..

..

***

أفضل فاضل

 

حدّثنا الرّاوي ما سمع يوما من أخاه

قال كان في قريتنا طفل وسيم ما أحلاه

ما أجمله وما أبهاه

منّة من الله ورائعا في محياه

يعمّ الخير إن لمسناه

وننتصر في حروبنا إن كلّمناه

عندما يمشي كنّا نتّبع خطاه

إن ابتسم يسّاقط المطر من سماه

إن سلّم على أحدنا كثر فرحه وهناه

وإن نام نصطفّ للنظر في وجنتاه

كان رحمة لنا منذ ولداه

معجزة هو أو نبيّ خلناه

سلم من أسماه، سلم من ربّاه

لكن هذا فقد معناه

 

لقد استدرجه شياطين إنس إلى منتهاه

كان يومها وحيدا في خلاه

نكحوه، نكحوا الطفل يا الله

تناوبوا عليه واحرّ قلباه

ذبحوه وبتروا ساقاه

ثم أحرقوه بعد أن سملوا عيناه

 

يا خالق الكلّ والناظر من علاه

أما قلت ما خلقت هذا باطلا ربّاه؟

إن لم يكن هذا باطلا فما يكون عساه!

أيحدث هذا وهو في صباه!

 

أمّه توفّيت منتحبة على ثراه

وانتحر أخوه شنقا من هول ما عاناه

أمّا أبوه فتزوّج الصّمت لما قلناه

فقد بصره من شدّة بكاه

صار عليلا وخرّت قواه

فقد باغته القدر وسجّل في مرماه

 

إنه القدر يا سادة

القدر الذي جعل أوديبا يقتل أباه

ويتزوّج من جوكستا أمّاه

لينكحها وينجب منها أنتجونة بنتاه

هي في الأصل أختاه

لكنها كانت تناديه يا أبتاه

ياه، ياه

إنه الإخراج التراجيدي ما أزكاه

 

الصدمة بلغت أوجها وصدّع الخبر رجاه

أسرع الناس إلى الأمير في قصراه

كانوا يهتفون "وا سيفاه، وا سيفاه"

حدّثهم بالسيف واثأر للغارق في دماه

فأنت الأمير وأنت الحاكم وأنت مولاه

 

أمير القرية خرج مهرولا من سكناه

لم يصدّق ما سمعت أذناه

لم يستوعب الخبر ولم تحرّك شفتاه

استدعى الجيش وعاد القائد من منفاه

امتثل الجميع ولبّ الكل نداه

 

أمير القرية غاضب جدّا يا لوعتاه

يا لهول ما رأيناه، يا لهول ما عشناه

قتل يومها سبعين ألفا والله

أذاب القاتل ومن سمّاه

فجّر الجبال، أحرق الغابات وديار من والاه

كان أميرنا لا يخاف عقباه

كان يقتل في الصبح وفي ضحاه

حتى جرت أنهار من الدماء يا فرحتاه

أتذكّر أن الدماء وصلت لركبتاه

لكنه واصل القتل ما أقواه

 

أمير القرية غاضب جدا

قتل الجميع إلا أمّ الجاني وبنتاه

أميرنا تفنّن في أذاه

لن تصدقوا ما أحسسناه

لقد أهدى البنتين لأسداه

كانت اللقيطة تصرخ: رحمتاه رحمتاه

وكنّا نحن نصيح: بل سيفاه، سيفاه

أميرنا تفنّن في إنهاءها بورك من أنجباه

فالرأس شواه

والقلب في فمه ألقاه

والكبد للكلاب رماه

اجتثّ رحمها بيداه

ألا ما أنجبت الأرحام من يقتل فتاه !

 

أمير القرية غاضب جدا

سنين كان يقتل ولا يحصي قتلاه

هدأ قليلا بعد أن أعلمناه

أعلمناه بزواج بنتاه

يومها تذكّر والد الصبيّ فناداه

نعم ناداه واستدعاه

فنحن من أحضرناه

أعطاه قصرا من الذهب كان قد بناه

ونساء وأموالا أهداه

لكنّ هذا كله فقد معناه

 

قام الكفيف بتقبيله على جبينه وخدّاه

حتى ملأت الدموع منزلاه

وانصرف يصارع الدمع إلى منتهاه

كان هذا آخر يوم لمحناه

سمعنا أنه قطّع أطرافه وأخرج كليتاه

وأحرق رأسه وكتفاه

ثم سلّم نفسه طواعية للضّباع

التي قامت بإنهاء محتواه

 

أوّاه أوّاه أوّاه

من قتل صبيّاه؟

نحن من قتلناه

لماذا وحيدا تركناه؟

لماذا في البراري أهملناه؟

لماذا ما حميناه وللأعداء سلّمناه؟

هذا السؤال هو أيضا فقد معناه

فما فائدته وما جدواه

تقدّم الزمن وما فهمنا سرّه وفحواه

 

لو استمع لنا الأمير لقطّعنا على هواه

كنّا نرقص ونهمس في زواج كريمتاه

أترانا نرقص والحزن كتمناه

أترانا نضحك والوجع أخفيناه

أترانا ننجح والفشل عاشرناه

نحن الفشلّ من أقصاه إلى أقصاه

 

يا بنيّ لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا.

أليس هذا ما قرأناه؟

أليس هذا ما حفظناه؟

كيف يكيدوا له على شيء في المنام رآه!

أما تقرّب الأخوان بقربان إلى الله

فما تقبل إلاّ من أحدهما لأمر ما فهمناه

أما قال لأقتلنّك وما فعلت يداه

إنه الحسد والغيرة هذا ما فقهناه

الحسد الذي يحرك القدر

فيرسم لنا طريقا ما كنّا قد اخترناه

 

هذا كلّه زيادة على اللزوم صديقاه

الطفل مات وخسرناه

لن يعود بيننا وا أسفاه

ولن تزهو قريتنا بعد اليوم

أنّى يعيش المولود بلا رئتاه

وكيف تنبت الأرض دون مياه

ضاع كل شيء يا حسرتاه

وجد الحزن فينا داره ومأواه

وفقد كل شيء معناه.

***

صلاح سالمي

أستاذ محاضر بالجامعة.

 

 

فاضل ضامدسرد تعبيري 

مجنونٌ مَنْ يرسم باللونِ، خُذْ قطعةً من روحِك وامسحْ غبارَ الأبيضِ لَوّحْ بيديك للعصافير تُمرغُ اجنحَتَها، ستبصمُ لونَ الصحارى لتُنعشَ ذاكرةَ البراري، تأكدْ من صخورِ جبالِك ترميك بوابلٍ من خلطةٍ شاهقةٍ على أفقِ الابيضِ تحدباتٍ بلونِ القهوةِ تمايلْ مع الاشجارِ، روحُها خضراءٌ تُطربُ فرشاتَك فتزدهرَ ورداتُك لتعودَ الألوانُ القلقةُ على طاولةِ الرسمِ أحكمْ بالعدلِ بينَ البحرِ والنهر والجدولِ سيملؤون قواربَك نجاداتٍ حتى لا يسهبَ خيالُك المفرطُ بأدبِ الغطس نحو المجهول، استحضرْ روحَ حورياتِ البحرِ لتغمرَك بالازرقِ ليعودَ انتشاءُ هيامِك، هذا الاعصارُ المجنونُ على مقربة منك يتمايلُ مثل قصبٍ استطالَ على هوامشِ لوحتِك، دَعْه يوقعُ اسفل اللون دوامةً من حزنِ قلبِك، مشكلةُ البصمة في دائرة الخيال لونٌ اسود.

 

فاضل ضامد -  العراق

 

 

في تلك اللحظات التي أراد فيها أن يكتب ملاحظاته اليومية وهو في غرفته الموصدة، سمع طنين ذبابة قرب أذنيه، ثم اختفت، وبينما هو يتفحص أوراقه عادت مرة ثانية تدور مسرعة لتحط هناك، وتطير لتختفي بين ثنايا الستارة، ولم تمكث طويلاً سوى لحظات حتى عاودت طنينها المزعج حول رأسه، الذي بات لا يشغله شيء سوى هذا الطنين، حيث تكثف تماماً ولم يعد لتفكيره من معنى أو بالأحرى غير قادر على التفكير.. ترك أوراقه ونهض يفتش عنها ولم يستطع أن يعثر على مكانها ما لم تكشف عن نفسها وتحدث طنيناً.. وكان يحاول أن يقنع نفسه بأنها قد وجدت طريقها إلى النافذة.. وشعر بأنه قد تحرر من أسر هذا الطنين المقرف، ليس ذلك فحسب، إنما استطاع أن يمتحن قدرته على الدخول إلى عالمه الذاتي، التي تراجعت بسبب معوقات الخارج، التي كانت أحياناً تضعه بين خيارين : أحدهما داخلي محض. والآخر له فضاءاته اللآمتناهية.. عندها شعر بأنه صغير جداً وأصغر من الذبابة.. لقد جمدت تفكيره ودفعت به إلى أن يترك عقله ويدخل في صراع  مع ذلك الطنين الذي أحاطه من كل جانب، إلا من زاوية واحدة هي إما أن يخرج هو من الغرفة أو تخرج الذبابة.. وهو مأزق لم يستطع ان يحسمه، بين كائن بشري وذبابة.. ظل حائراً ومشدوداً أمام هذا الأختيارالإفتراضي.. وثمة مسألة جاءت الى تفكيره أن يطفأ الضوء ويفتح الشباك على مصراعيه، حيث يضع الذبابة أمام خيارين : العتمة وهي انتحار، والنافذة وهي الحرية، حيث الهواء المشبع برطوبة البحر.. وما أن انتهى من تفكيره الذي كان جامداً قبل لحظات، حتى شعر بأن الطنين بات يقترب ويلتف حوله بطريقة حلزونية مقرفة.. لقد تجمدت كل الأشياء من جديد وعمت الفوضى هذا الجزء من التفكير وقادته الى البحث عن وسيلة للخلاص، ومع ذلك لم يستطع في تلك الليلة التي قاربت ساعتها تشير الى الثالثة والنصف صباحاً.. كان عليه أن يطفأ الضوء وينام، ولكنه حتى لو فعل ذلك سيظل الطنين يحفر في ذهنه بالحاح حتى لو كان صامتاً، فهو والحالة هذه يظل يقظاً ولا يستطيع أن يغفو لشعوره بأنه ملاحق.. عندها فضل ان يمنح الذبابة ضوء المصباح، لكي، إما ان تنتحر أو تتحرك صوب النافذة، لأنه قرر ان لا يترك الغرفة مهزوماً . ثم فجأة عمَ صمت مدوي.. لم يعد يسمع غير انفاسه اللآهثة وهي تبحث في خبايا الغرفة وخلف الستائر ووراء الآثاث عن مصدر الطنين.. وأخيراً خرجت الى عالم الحرية.. وظل هو حبيس تلك الغرفة والأفكار التي تضغط عليه حتى الصباح.. لم يستطع النوم لأن الحالة ظلت عالقة في ذهنه بشكل مزري.. ولكن الشعور بالإعياء قد يدفع المرء إلى الإحباط، وما أن هبط السلم حتى فكر بمغادرة هذه الغرفة اللعينة، واستجمع تفكيره المشتت ليُذَكِر ادارة الفندق بأنه سيغادر قبل الثانية عشرة ظهراً، ودفع الحساب.. وقبل أن يخرج سأله المشرف على الإدارة..

ما بك أستاذ ؟ يبدو أنك لم تنم جيداً؟

نعم، هذا صحيح.. إنها كانت فعلاً ليلة محيرة.. كنت بين خيارين، إما أنا أو هي التي لم تدعني أنام!!

 ثم غادر ليرى وجه الشمس وهواء البحر المنعش المحمل بالرطوبة، وكان شهر مايس- مارس في بدايته، فيما ترك مسؤول المكتب فاغراً فمه وفوق رأسة ألف علامة استفهام.. .!!

 ***

د. جودت العاني

09/04/2021

 

جمال مصطفى(سـيـرةٌ مِـداديّـةٌ لِـورّاقٍ مُـخَـضْـرَم)


 عَـبَـرَتْ دفـوفُ قَـواربِ الأسْـحـارِ

جِـسْـراً عـلى

بَـحْـرٍ مِـن الأنْـهـار

 

لا لـيـلَ إلاّ

مِـن بِـدورِ دُفـوفِـهِـمْ

طـوبـى لِـمـوكِـبِ مَـجْـمَـعِ الأقـمــارِ

 

مَـنْ صُـبْـحُـهُــمْ

غَـيْـبٌ كَـمـا فـرْدوسُـهُـمْ

حـفـظَـتْـهُ وعْــداً صُـرّةُ الأدْهـارِ

 

مِـيـقـاتُهُـمْ طَـلٌّ

لَآلِـىءُ مِـن نَـدىً

ومَـدارُهُ مـاءُ الـدُفـوفِ الـجـاري

 

الـضـاربـاتُ عـلى الـدُفـوفِ

نَـزلْـنَ مِـن

أفـلاكِـهِـنَّ، كَـكُـنَّـسٍ وجَـواري

 

والـضـاربـونَ

لأَنّهُـمْ ولأنّهُـمْ ..

إيـقـاعُـهُـمْ ضَـرْبٌ مِـن الأذْكـار

 

هُــمْ لا مـكـانَ وهُـنَّ،

إلاّ أنَّ فـي

غـجَـرِ الـدُفـوفِ مَـضـارِبَ اسـتـقـرارِ

 

هُــمْ لا زمـانَ وهُــنَّ،

إلاّ أنَّ فـي

غـجَـرِ الـدفـوفِ مَـضـاربَ اسـتِـمـرارِ

 

فـي الـبـدْءِ

مِـن طـيـن الـفـرات مُـقَـرْمَـداً

يـا طـيـنَ نـارِ تَـصـاعــدِ الأطـوارِ

 

وعـلى رقـيـمِ الـطـيـن

قـد حـفَـرَ الـذي

أوْحَـوا إلـيـهِ بخـطِّـهِ المِـسْـمـاري:

 

كَـمَـحَـجّـةِ الـنَـحّـامِ سـومَـرُ

فَـلْـيَـكُـنْ

إيـلافُـهُ الـتَـشـريـقَ

فـي الأهـوارِ

 

وزوارقُ الأربـابِ

قـد وُهِـبَـتْ إلى

عُـبّـادِهِــمْ،

مَـطْـلِـيّـةً بـالـقـارِ

 

هـيَ نـجـمـةُ الـصـبـحِ الـتي

شَـفـعـتْ لَـهـمْ

عـنـد الـذي

قـال: ابْـشِـري عـشْـتـاري

 

فـتَـعــلّـمِ الـطَـيَـرانَ حُـرّاً

هـكـذا

كـالـريـح،

لا،

كَـتَـرَفّـعِ الـمـنـقـارِ

 

مـا بُـرْجُ بـابِـلَ؟

ــ إنّـهُ قـرْمـيـدةٌ

مِـن بُـرْجِ رؤيـا تَـوقِـهـا الـكُـبّـاري

 

الأرضُ كُـلُّ الأرضِ بـابـلُ

إنّهـا

رَكْـحٌ لَـعَـرْضِ تَـعـاقـبِ الأدوارِ

 

هـيَ طـيـنُهـا الأشْـقـى الـذي

مِـن وحْـلِـهِ

قـيـلَ: ارجـعـي مـغْـفـورةَ الأوزارِ

 

و لَـبـابـلُ الأولـى

وسـربُ بـنـاتِـهـا

كَـمُـعـاذَلاتِ الـواثـقِ ــ الـمُـحـتـارِ

 

كَـرهـائِـنِ الـمـعـنـى وحـارسِـهـا الـذي

أغـضـى

لِـتَـنْـعَــمَ هـكـذا بِـفَــرارِ

 

فـهـنـا، هـنـاكَ

وبـابِـلٌ هـي نَـفْـسُـهـا

ذاتُ الـخـيـولِ ودورةِ الـمِـضْـمـارِ

 

نَـهْــرُ اللـغـاتِ مـعَ الـقـوافِـلِ:

نـسْـغُــهُ

صـعــدَ الـجـبـالَ وجـازَ عـبْـرَ بَـراري

 

أفـعـى الـرؤى خـضـراءُ

تَـلْـدغُ دونَـمـا

سُـمٍّ، عـلـى لـبـلابِـهـا الـمـزمـارِي

 

نـادى: اخـلـعـي الـثـوبَ الـقـديـمَ،

تَـرَقّـصَـتْ

أعـلـى قـلـيـلاً مِـن غـنـاءِ كَـنـاري

 

حـاوٍ يُـحـاولُ

أنْ يُـجَـنِّـحَ حَـيّـةً

ويُـسَـلِّـقَ اللـبْـلابَ دونَ جـدارِ

 

لَـمْ يَـسـتـطِـعْ

تَـرَكَ الـقـصـيـدةَ هـكـذا

بُـرجـاً يُـنـاطـحُ شَـهْـقـةَ الـمِـعْـمـاري

 

والـسِـحْـرُ:

جـذْعُ الـدوحَـة الـعُـظـمـى الـتي

لِـحـفـيـفـهـا مـا صِـيـغَ فـي الأسْـفـارِ:

 

سِـفْـرُ الـدُنـى: مـا بَـعْــدَهـا،

مـا قَـبْـلَـهـا،

ومـصـيـرِ كُـلِّ قـبـيـلَـةٍ وذَراري

 

سِـفْـرُ الـمُـهَـيـمِـنِ

ظِـلُّـهُ طـاغٍ كَـمـا

هـوَ صـوتُـهُ وحـضـورُهُ الـمُـتَـواري

 

سِـفْـرُ الـجـنـوحِ أو الـجـنـونِ

أوِ الـرُؤى

وتَـفَـوّحـاتِ الـسـيـنِ فـي الأسـرارِ

 

سِـفْـرُ الـدوائـرِ بـعـضُـهـا في بـعـضـهـا

لِـحُـنُـوِّهـا،

وغُــلُـوّهـا الـغَـدّارِ

 

سِـفْـرُ الـتَـنَـهُّــلِ: نَـهْــلَـةٌ

لا غـيـرُهـا

تَـفْـسـيـرُهـا كَـمَـغَــبّـةِ الـتـكْـرارِ

 

سِـفْــرُ الـشَـذا:

أعـمـى يَـسـيـرُ مُـسَـبِّـحـاً

وعَـصـاهُ تَـتْـبـعُ عـابِـقَ الأزهـارِ

 

سِـفْــرُ الـذي أفْـشـى،

أهَـرْطَـقَ إذْ رأى

بـالأمـسِ كـيـفَ صـنـاعـةُ الأقـدارِ؟

 

حـتى إذا تـلكَ الـسـمـاءُ

تَـحَـجّـبَـتْ

وطَـغـى سـؤالُ تَـشـابـهِ الأبـقـارِ

 

كَـبُـرَ الـجـمـيـعُ

هـدايـةً وغـوايـةً

وتَـبَـحّـرتْ أكْـلاكُـهُـمْ بِـصـواري

 

بالـمُـعْـجـزاتِ أيْ: ابتـلالٌ دونَـمـا

سُـحُـبٍ هـنـاكَ

بـسـاقـطِ الأمـطـارِ

 

بِـمـعـابـدِ الـشـرقِ الـعـجـيـبـةِ

لـمْ تَـزلْ

أبْهـاؤهــا كـمـضـاءةٍ بِـدَراري

 

جَـبَـلٌ مِـن الـبـازِلْـتِ

ــ يـا لَـمَـعـاوِلٍ ــ

وإذا بـهِ بـوذا بِـكُـلِّ وقـارِ

 

لَـكَـأنّـهُ

الـنـقْـصُ ــ الـكـمـالُ بِـعـيـنـهِ،

نَـرْديـةٌ والـوقـتُ شـوطُ قِــمـارِ

 

الآنَـةُ الآنَ ازدهـارُ تَـبَـضُّـعٍ

وتَـنَـوُّعٍ

فـي سـوقـهـا الـديـنـاري

 

وصِـراطُـهـا دربُ الـحـريـرِ،

مـدائـنٌ

مـفـتـوحـةٌ بِـقـوافِـلِ الـتُـجّـارِ

 

صـعـدتْ مِـن الآحـادِ مَـنْـزِلَـةً

إلـى ..

إنَّ الـمَـنـازلَ لُـعْـبـةُ الأصـفـارِ

 

جـاءَتْ مُـحَـمّـلَـةً بِـخَـزٍّ فـاخِـرٍ

وتَـأوّبَـتْ

بِـفَــواغِــمٍ و بَـهــارِ

 

ذَهَـبٌ هـوَ الـنـارنـجُ

يـبـقـى عـاطِـراً

ويَـعــومُ فـي فِـسْـقِـيّـةِ الـبـازارِ

 

والـحـربُ:

تَـسـريـعُ الـمَـآلاتِ الـتـي

شـاءَ الـقـويُّ بِـجـيـشـهِ الـجـرّارِ

 

الـمُـكْـتـفـي بِـخَـراجِـهـا

إنْ أذْعـنَـتْ

أو أنْ تُـحـاصَـرَ داخـلَ الأسـوارِ

 

مـا بـيـن رأسـيـنِ الـخـلافُ، ثـلاثـةٍ

وصـداهُ

كـانَ تَـطـاحُـنَ الأمـصـارِ

 

كـمْ مِـيـتَـةٍ طـعْـنـاً، بِـسُـمٍّ غِـيـلَـةً،

كَـمْ مِـن صـحـائـفَ أُعْـدِمَـتْ

بـالـنـارِ

 

للـجـائـحـاتِ نَـصـيـبُـهـا

كـالـحـرب إنْ

جـاءتْ سـتـأخـذُهُ مِـن الأعـمـارِ

 

كـمْ مِـن مـدائـنَ

في الـخـيـالِ تَـرَبَّـعَـتْ

لَـمْ يَـبـقَ فـيهـا قَـطُّ مِـن دَيّـارِ

 

عـصْـرُ الـظـلامِ ! أكـانَ حـقّـاً؟

إنّـمـا

كَـمْ مِـن نَـطـاسِـيٍّ حَـوى ومَـنـارِ

 

عـارٌ عـلـيَّ

إذا ذبَـحـتُـكِ نـخـلـةً

كَـيْ مـا أفـوزَ بِـفـلْـذةِ الـجُـمّـارِ

 

حُـسْـنُ الـحـضـارةِ

لـيـسَ كَـمْ غــزْلانُهـا

بـل كـمْ تُـهـذِّبُ مِـن طـبـاعِ الـضـاري

 

ألّا تُـفَـرّطَ،

ويَـلَـهـا إنْ فَـرّطَـتْ

يـومـاً بِـشـامـانٍ لَـهـا عـطّـارِ

 

ألاّ تُـسَـعَّــرَ كَـي تُـبـاعَ،

نَـفـيـسَـةٌ،

وقْـفـاً تَـظـلُّ كـريـمـةَ الأحـجـارِ

 

هـي يـوسـفُ الـبـاقي

وكـمْ مِـن يـوسُـفٍ

أبهـى وأجـمـلُ مـاتَ فـي الآبـارِ

 

ورّاقُـهـا أبـداً يَـراهـا

غـضّـةً

خـضـراءَ: مـاءَ مُـضـارعٍ وبـذارِ

 

ديـكـاً أبَـحّـاً

مـا يَـزالُ مُـؤذِّنـاً

تَـتْـرى عـلـيـهِ كـواذبُ الأفـجـارِ

 

وكـأنَّ فـي الـطَـربِ الـعـمـيـقِ حـلاوةً

تَـسـمـو بـذائـقـهـا

عـن الأوزارِ

 

وتُـفَـردسُ الـمـعـنى

وتُـمْـعِــنُ بـالـفـتـى

مَـحـواً إلـى نـسْـيـانِ كُـلِّ حَـذارِ

 

الـبـحـرُ مـاءٌ مـالِـحٌ لـكـنّـهُ

يَـروي خـيـالَ مـغـامِـرٍ

بَـحّـارِ

 

أيّـامَ بـوصَـلَـةُ الـمُـغـامِـرِ

حَـدْسُـهُ

إنْ غـابَ نـجْـمٌ أو ضـيـاءُ فـنـارِ

 

فـي قُـمْـرةِ الـمَـسـعـى

وجـمْـهــرةِ الـرُؤى

مُـتَـرَبّـعــاً يَـغْـتـابُـنـي سُـمّـاري

 

كـوزٌ لِـمـائـي لا أحُـبِّـذُ غـيـرَهُ

سَـوّيـتُـهُ مِـن غـيـمـهـا

وغـبـاري

 

يا لا ريـاحَ سـوى نـسـيـمٍ مُـدْنَـفٍ

يا لا جُـنـاحَ

عـلى جـنـونٍ عـاري

 

بـسـوابـقـي ولَـواحـقـي

يَـتَـغَـيّـرُ الـ

مَـعْــنـى: أنـا لا شَـيءَ في الـمُـحّـارِ

 

خـوضٌ كـمـا الـمَـشْـيُ الـبـطـيءُ

وكُـنْـتُ أخْـ

تـارُ الـمَـسـارَ وعـمْـقَ كُـلِّ غِــمـارِ

 

إغـطـسْ إلى أعـمـاق ذاتِـكَ سـابـراً

تَـجـدْ الـسـمـاءَ هـنـاكَ

فـي الأغـوارِ

 

تَـجِـدْ

الـرؤى رُمّـانـةً مُـكـتـظّـةً

مِـن فـرْطـهـا بِـبـوارقٍ وشَـرارِ

 

تَـجـدْ الـبـوارقَ ذاتَـهـا

مُـكْـتَـظّـةً

بِـصـواعـقٍ وبـهـاطِـلٍ مِـدْرارِ

 

أرأيـتَ؟

ــ لا، إلاّ زوابِـعَ فَـظّـةً

أشـجـارُهـا نَـشـبَـتْ مـعــاً بِـشِـجـارِ

 

ورأيـتُ شـيـخـاً ــ قـال لـي ــ مُـتَـرَبِّـعـاً

فـي الـقـاعِ: لا

مـا قـاعُـهـا بِـقَـرارِ

 

إن الحـمـاسـة زهـرةٌ بُـوقـيّـةٌ

تَـذوي

بُـعَـيْـدَ جُـمـوحِـهـا الآذاري

 

لـو كـان فـقْـهُ الـريـشِ غـايـةَ طـائـرٍ

مـاذا تَـظـنُّ

يَـحِـلُّ بـالأطـيـارِ؟

 

خَـلْـخـلْـتَ نِـسْـبَـتَـهـا ألا تَـدري إذا

خَـلْـخَـلْـتَـهـا

مَـهّـدْتَ لِـلإعـصـارِ؟

 

قـيـلَ: الـكـتـابُ الأصـلُ

يُـقْـرَأُ دامِـسـاً

إذ لا بَـصـيـصَ ويَـسْـطَـعَـنَّ الـقـاري

 

قـيـلَ:الـكـتـابُ الأصـلُ غـيـرُ مُـدَوّنٍ

والـبـعـضُ قـالَ:

بِـصـوتِ صـمْـتِ الـبـاري

 

قـالـوا: (يُـقـالُ وقِـيـلَ) ذي لَـيْـسَـتْ سِـوى

أَنْ لا دلـيـلَ:

أَكُـلُّ جُـرفٍ هـاري؟

 

كـان الـضـبـابُ ولَـمْ يَـزلْ

لَـولاهُ مـا اخْـ

ضَـرّتْ دوامـاً أرْزَةُ الـكُـفّـارِ

 

وكـنَـفْـسِ ورّاقٍ قُـصـاصـاتي إذا

أَمَـرَتْ

هَـرعْــتُ مُـلَـبِّـيـاً أَمّـاري

 

أنـا ذلكَ الـورّاقُ، ذا قَـصَـبـي ومِـن

تـوتٍ عـصَـرتُ بَـنَـفْـسَـجـاً

أحْـبـاري

 

مِـن أيـنَ قـالَ الـتُـرجـمـانُ فـقـلْـتُ مِـن

هـذا الـذي يَـهْـفـو إلـيـهِ

الـسـاري

 

تَـكـتَـظُّ بـي طُـرُقٌ

أنـا صـمَّـمْـتُـهـا

فـأنـا دلـيـلُ قـوافـلِ الأحـرار

 

أنـا جـدّتـي كـانـتْ بـبـابـلَ

نَـخـلـةً

وأنـا حـفــيـدُ مُـهـاجِــرٍ تَـمّـارِ

 

أنـا: دَوْحـةُ الـجَـوز الـتي

سِــنْـجـابُـهـا أيـضـاً أنـا،

وأنـا أنـا نَـقّـاري

 

أهـوى

سَـمَـرْقـنـدَ الـجـمـيـلـةَ دارةً

تَـحـلـو بِـقـنْـدِ قُـدودِهـا أشـعـاري

 

وأحـبُّ تُـمْـبُـكْـتـو فـوردةُ مـلْـحـهـا

هـيَ وردتـي فَـوّاحـةً

بِـقِـفـارِ

 

و كَـأنّـني مِـن أصْـفَـهـانَ، صَـفـاقِـسٍ

مِـن كُـلِّ أُمِّ قُـرىً

وكُـلِّ دِيـارِ

 

الـلازَوَرْدِيُّ الـمُـكَـوْكَـبُ كُـلُّـهُ

هُـوَ بـابـلي

لا بـابِـل الآثــارِ

 

هـوَ مَـرْكَـبـي الـكَـونـيُّ إذْ

زَمَـكـانُـهُ

نَـغَــمٌ يُـشَـعْـشِـعُ فـائـقَ الأوتـارِ

 

تَـنـأى تَـنـانـيـنـي الأسـيـرةُ

حُـرّةً

بِـسـمـائـهـا فـي لـوحـتـي وإطـاري

***

جـمـال مـصـطـفـى

 

 

عبد الكريم رجب الياسريمَازَالَ في شَفَتَيَّ زَادُ الْبَارِحَةْ،

قَلَقاً تُقَلِّبُهُ أَمَانٍ كَادِحَةْ

**

زَادٌ إِذَا جَمَعَتْهُ ذَاتَ شَهَادَةٍ،

نَثَرَتْهُ خَلْفَ الْغَيْبِ فَوْضَى الْمَازِحَةْ

**

هَامَتْ بِتَقْوَاهُ الْمَنَاسِكُ،

فَاصْطَفَاهُ الْغَيْمُ غَيْثاً لِلرِّمَالِ النَّازِحَةْ

**

طَافَتْ بِهِ الْأَسْمَاءُ سَبْعاً

مُذْ مَضَى

يَهْجُو أَسَاطِيرَ الْقُرُونِ اللَّافِحَةْ

**

يَا أَسْمَرَ الْأَشْيَاءِ

كَيْفَ تَعَطَلَّتْ لُغَةُ الْغَرَامِ وَرَاءَ كَيْدِ الْكَالِحَةْ؟

**

دَعْ عَنْكَ "أَيْنَ"،

وَأَنَّ "كَيْفَ" إِذَا سَعَتْ

لَا تَسْتَمِيلُ صَبَابَةَ ابْنِ الْمَالِحَةْ

**

لَا عُمْرَ لِلْمَهْجُورِ في أَرْضِ الْعِرَاقِ،

اعْذِرْهُ،

أَوْ فَاقْرَأْ عَلَيْهِ الْفَاتِحَةْ

**    

أَوْ دَعْهُ يَشْرَب مِنْ فُنُونِ صَدَى الْجُنُونِ

لِيَتَّقي شَيْطَانَ صَوْتِ النَّائِحَةْ

**

هُوَ هكَذَا الْبَصْرِيُّ يَسْكَرُ كُلَّمَا

مَرَّتْ بِسُمْرَتِهِ مَرَايَا الصَّابِحِةْ

**

وَسَقَتْهُ مِنْ لَأْلَائِهَا كَأْساً عِرَاقِيّاً

تُهَـدْهِدُهُ  الصُّـدُورُ الْجَــامِحَةْ

 

إِعْشَقْ،

صَدَى الْعُشَّاقِ شَاءَكَ عَاشِقاً

إِعْشَقْ، تُبَايِعْكَ السَّمَاءُ السَّابِحَةْ

**

فَقَبِيلَةُ اللَّا عِشْقِ قَاحِلَةٌ،

بِلَا لَوْنٍ،

وَلَا طَعْمٍ،

وَلَا مِنْ رَائِحَةْ 

***

عبد الكريم رجب الياسري

 

 

عصام سامي ناجيويردّني هذا الحنينُ

 إلى مدينتنا الشليلة

 

 وأعودُ كالطيرِ الجريحِ

 محمّلًا بالهمِّ والأوجاعِ

 والنفسِ العليلة

 

 تتماوجُ الألحانُ ثكلى بيننا

 وعلى الضفاف الآن

 تنمو أمنياتٌ مستحيلة

 

 وَأَدُوا الأماني في الفراتِ ودجلةٍ..

 والنيل قد ذبحوا نخيلَه

 

 هذا زمانُ العجزِ

 والقيدُ المكبلُ للأماني

 والخيلُ مذبوحٌ يعاني

 

 كل المنافي حطّمت قلبي الكسيرَ 

 وأصبحت سلوى كياني

 ما عاد يذكرني زماني

 

 كل الذين أحبهم

 خذلوا فوادي

 

 أمسيتُ وحدي ها هنا..

 ويداي أسرَى

 في فمِ الأصفادِ

 

 لم يبكوا عند وداعنا

.. عند اللقاءِ..

وبين دمعِ بُعادي

 

 كم عشتُ أعوامًا أغني يا أنا

 لم أجنِ غير مرارتي وسهادي

***

عصام سامي ناجي

 

جاسم الخالديأعتذرُ لكَ

ليسَ عندي

ما يكفيكَ من الهُيامِ

 

ليسَ عندي

ما يجعلُ الجوابيَ مترعةً

والطيورَ

تحلّقُ وتحطُّ

في كرنفالٍ من الوئامِ

 

ليسَ عندي قلبٌ

يحملُ كلَّ هذا الألمِ

اشعرُ بأنِّي أخرجُ من جلدي

أنزفُ

أنزفُ

أرنو إلى البابِ

لعلّي أبصرُ ظلَّكَ

ذبلتْ وردتي

وغدتْ

حديقتُك جرداءَ

إلّا مِن ظلالِكَ

 

غابتْ شمسي

أنتَ هناك

على مشارفِ الروحِ

تبصرُ...

تتبسمُ ...

بسنٍّ لا يعرفُ الانتظارَ

 

ثمة ما يأخذني نحو الهاويةِ

ثمة ما يجعلُكَ

شاخصًا

وراءَ الظلالِ

اعتذرُ لكَ

اعتذرُ لكَ

***

د. جاسم الخالدي