اسست ثقافة الصمت حضورها الفعلي في بناء متن سردي روائي جاد، وكأن الروائي انطلق من مبدأ (احمد البلاغة الصمت حين لايحسن الكلام)؛ ولأن الصمت هو المعبر الوحيد عن ما يؤلم الإنسان.

من هذا المبدأ اجد الروائي اسس هيكلية متنه السردي، إذ اعتمد على شخصيتان رئيسيتان هما (صوفيا، وادريان).

أما الشخصيات الأخرى حضورها  ثانوي، وكأنها مكمل لحشو متن سردي، تبرز في الأحداث المروية .

أما أماكن الرواية، فقد حددت بإماكن محددة هي (العراق بالدرجة الأولى، و فلسطين، لبنان، استوكلهوم، بلجيكا، اوستاند، بروكسيل).

الصمت سيد الموقف ؛ لأن الروائي اعتمد على السرد الأخرس بين الشخصيتين، إذ كانت صوفيا الناطق الرسمي، وادريان السامع لما تقول، وكانت تفاعلاته بالأشارات فقط ؛ لأنه يسمع،  والعلة تكمن في جسده العليل، الذي اتخذت منه الأجهزة مكانها المؤبد، وحجبت عنه سماع الكلام، وكان السبب في كل هذا المرض تعرضه لحادث سير شديد العنف، والخطورة في ليلة ميلاده.

من هذا الوجع حبكت الرواية عقدتها في مدة (8) ايام، أي ان الرواية بمجملها هي سرد مدة ركود (ادريان) في المستشفى، وكانت ملازمة طول هذه المدة حبيبته (صوفيا) - وهي السارة ايضاً لدواخل شخصية فاطمة، وسرد سردت بؤسها وعالمها المعتم-، إلا أن هذا العمر الصغير للرواية مثل الجامع المانع لها، إذ سردت الشخصيتان مجمل حياتهما العائلية، والأجتماعية .

واهم محاور حياته -ادريان-،هي التاريخ المميز لعيد ميلاده الذي يجمع فيه ذكريات المر، والعذاب، كيف والده شنق نفسه؟ وحوار والده له عن الحرب التي انهكت لبنان بسبب الطائفية،

لكن هذا لا يعني أن السرد أعتمد  على الحاضر المعاش فقط، أنما اسست الذاكرة الرجعية وجودها القوي، إلا أن براعة الأتقان السردي لم يجعل هذه الذاكرة هي الثيمة البارزة، أنما كان عقله الروائي ذا لعبة ذكية، عن طريق عنصر التشويق بطريقة ديناميكية، واهم من كل هذا أنها رواية تمتلك الأبتعاد عن الضجر، والملل من قرائتها، فضلاً عن الخلط المتنوع في محوري الزمان، والمكان.

(من الأشياء التي لا أنساها أيضا لا أنسى صوت أمي المتهدج في الليل .. كنت اتلفلف في الفراش واتظاهر بأني نائمة: قالت لراضي الرجل الذي تزوجته بعد مقتل أبي .. لا تضرب على وجهي ؟ .. حاولت أن تدير وجهها على الجهة الأخرى .. فجرها بيد خشنة قوية وأنزل قبضته الأخرى على وجهها بقوة فسال الدم من أنفها: ـــ عاهرة أنت عاهرة قولي أنك عاهرة لن أتركك حتى تقولي أنا عاهرة .. قالت له ــ البنت نائمة لا أريدها أن تسمع .. رائحة الكحول الممزوجة بالثوم كانت تملأ الغرفة .. ثمله لا يخفف من قوة ضرباته التي يسددها الى بطنها وهويقول بصوت ثابت لا يلين: ــ قولي أنك عاهرة ؟ راضي البنت نائمة الله يرضى عليك وأخشى أن تصحو: بنتك ستصبح عاهرة مثلك أنتن عاهرات)

 

الخط الرومانسي قد يكون هو المسيطر على الرواية، بطريقة الحب الصادق، الذي يعبر عن انصهار الذات مع الذات الآخرى.

وتحمل الرواية قيمة إنسانية عليا، ووديعة يقدمها الكاتب للناس عامة من دون أي مقابل، تتلخص في أن الحب هو إساس الحياة اولاً، واساس قيام الإنسان، وتكاثره، وهو المانع لجذور التفرقة، والكراهية من الأمتداد.

ولم تكتف الرواية بسرد الحب بين البطلين، أنما خصصت جزءاً من سردها لتصوير الحياة المعاشة  تحت سلم التهميش، والجوع، والعازة، وهذه الظروف السودواية ركيزة أساسية لمدعين الدين، لمن يحملون أسلحتهم تحت شعار الدين وغطائه، بهدف تمرير كل ضغوطاتهم على الذات الآخرى المنهكة من الجوع، وتمرير اوامرهم تحت وطأة الترهيب، والتهديد، وانتهاك الجسد، وفرض النقاب، وهذا جله عاشته شخصية فاطمة، إذ سردت الرواية عن طريقها النقد المعلن لجماعة اللباس الأسود، وماهي السيميائيات التي تحملها هذه الملابس.

(فاطمة) اتخذت الرواية من حياتها المنهكة اسماً لها بـ (الكافرة)، لقبت به؛ لأنها مارست الحب مع احد ابناء الجيران، والذي التقت به في اثناء تعزية زوج والدتها، ومن ثم تزوجته ، لكن السعادة عمرها صغير ؛ لأن هذا الزوج قد اخذ الهم منه الكثير بعد وفاة والدته، ووجد من حب فاطمة الملجأ الوحيد لنسيان هذا الهم، والسعادة كانت عنوان هذا الزواج، لتُرجم وتلعن من قبل المعنفين الظلاميين، ليقتل الجمال، والبراءة، ولتدفن معها حكايات الحب، وقصص العشاق، وهذا السبب جله يعود إلى الحرية المغيبة، الى سيادة الباطل، على الحق، سيادة الظلم، في ظروف مزقت البلاد، وانهكتها.

وقد أختلف المبنى  السردي للرواية ؛ لأن الروائي، حاول أن ْ يوقر بعض المشاهد لخصوصيتها، كمشهد الرجم، الذي حرص فيه على التسلسل المنطقي وصولا ً إلى النهاية.

" صرخ الصبي، يحاول يائسا ً ان يتقدم على كل الناس، إلا أن أحد المسلحين ضربه بالسياط، على مؤخرته، فعاد إلى الوراء... من هناك بعض النساء المحجبات، بالخمارالأسود، تجمَّعن قرب الموضع الذي رسمت فيه دائرة الطباشير ".

هذا الضغط على فاطمة اسس لها باباً للخروج من المغارة المعتمه؛ لأن كل ضغط يولد ارادة، وعزيمة للخروج منه، وهنا انتصرت على الظلم جله، وخرجت بذاتها، وانقلبت على الظلم، وتحولت إلى (فاطمة ثانية)، هاربة إلى بروكسيل.

أخيراً، اضيف بإن الروائي اتقن متنه السردي، بفضاء يبعد القارىء عن الملل، بلغة سلسلة تجعل من يقرا يستكمل مابدأ به، وبشخصيات من الواقع المعاش، بكتابا سردية روائية.

 

د. وسن مرشد

 

 

عقيل هاشم"حمولات لغوية مشحونة بالغضب والرقة معا"

الى ذلك البستاني.......

الذي عاش تحت ظلال النخيل ........

ابي

إنَّ النص الذي يفتحُ عوالـمَه أمام وجه القارئ كي يلجها ويُسائِلَ من خلالها ذاته يستحق أن يكون نصا جدير بالقراءة . فالنص الذي يبحث في ركام القضايا المصيرية - ذات رؤية، وتُقنع القارئَ بالمشاركة في سرده نثرا/شعرا، وسواء اتفقنا أم اختلفنا، لأن هذا ليس هو الرهان، بل الرهان في أن يجعلك النص وعبر خطابه الصريح أو المضمر – يفكر وينتج رؤية محددة اتجاه تلك القضايا، ولا يكتمل الفعل الإبداعي إلا إذا زامن الفعل القرائي ورافقه، فهو إعادة حياة جديدة للنص عند كل قراءة، ولأن النص كائنٌ مُراوغ ومتحرك يتميز بالعبور والاختراق، لهذا فإنه في مغامرتي للقراءة هذه إنما هو عمل يفضي بالضرورة إلى تنويعات متعددة من القراءة ..

لم يعد للرشيد جوار

يسرن بشارعه في المساء

ويهرعن في الطرقات

لم يعد للرشيد سوى شارع مهمل

والمحلات خاوية

وهي محروسة بالتبسمل والصلوات

هاهنا كل شيء موات..

يضم الديوان بين دفتيه تسع قصائد هي:

1- البساتين داري ودار ابي. 2- صاعود النخل... ابي. 3- التي حجبت بظلها الاخريات {الأم}.4- رثاء في الذاكرة .5- ايها الوراق {الى الراحل: جليل القيسي}6- نزهة الخوف....نزهة الحرب .7- اعترافات شاطيء العلقمي .8- يمضي الانسان ويمضي معه الوقت .9- في اربعينية كزار حنتوش .

أن قارئ ديوان « الهامش يتقدم» للشاعر محمد علي الخفاجي يدرك حجم الصورة المؤلمة للأمكنة بوصفها فضاءْ معرفيا والتي يتعمدها الشاعر في نصوصه، لتصبح امتداداته نحو ممكنات جمالية يوسع حدودها من أجل الإقامة في شعرية مفتوحة تعمل على هدم كل التصورات الجاهزة للكتابة الشعرية، حيث يجد القارئ نفسه مواجهاً بعدد من الأسئلة التي عليه أن يعثر لها عن إجابات مقنعة، وبخاصة منها القصيدة الشعرية المنفتحة. غير أننا لا نستطيع غض الطرف، أو تجاهل كون الكتابة الشعرية في هذا العمل توظف المكون السردي وتجعل منه مرآة مخاتلة ترى نفسها فيها وفق شعرية الأثر المفتوح.وذلك باستخدام اللغة الشعرية الواصفة، والميل نحو المجاز، حيث تشكيل الصورة الشعرية بكل ألوانها.

حتى أننا نستطيع أن نقول إن الجزء من الوصف السردي يمهد للجزء الذي يتعلق بالوصف الشعري. ويتجلى أيضاً في الاعتماد على عنصر الحكاية. أي أن القصيدة تحكي، أو أنها تنقل إلينا بعض الخصائص التي تميز شيئاً، أو موضوعاً ما. ومن الخصائص التي تلفت الانتباه، استمرار الحكي من قصيدة إلى أخرى، أي أن القصيدة تكون جزءاً من قصيدة غيرها. وتمنح شعرية الاثر من استجلاب تقنية الوصف الذي يتيح لضمير المتكلم بإنشاء المجازات..

يسير السموال في شارع السموال

تحت صمت السكون الذي لم يعد ذهبا

فتتجلى ركاما من الرغبات

شارع باسمه والسموال ليس له فيه دار

ولاحجر ثابت اوجدار

ربما بعد صبر قليل

ممكنا يصبح المستحيل

ماذا يفعل شاعر، حين تحاصره أهوال الحرب والخراب والفساد ويحولها إلى مرثية في نصوصه، فكل الامكنة تشوهت وتفتت، وأصابت القلب والروح بالعطب والذهول، ولم يبق سوى صرخة مكلومة، يكتبها الشاعر على جدار الزمن. في ظل كل هذا يصبح الوجود عبثياً، ولا تفلح السخرية منه، بل تتعايش معه اضطراراً، في ظل وعي مجهد وممزق، أصبح لا يعرف سوى صورة هذا الفضاء المأساوي، ويمكن أن تصبح القصيدة مأوى وبيتاً للذات، وأن يجعل الشاعر من نصوصه نصاً أوليّا هو داخل نص كلّي، وهناك قصائد كثيرة في هذا المجال أي إنّ هناك وجود نصوص متراكبة داخل النص الأساس ويمكن أنْ يقوم كلٌّ بوظيفته بانفراد وكذلك ممكن إن تكون وظيفته متصلة بباقي الوظائف، وكما هناك علاقة بين النص الذي هو النص الأجمالي في السياق الشعري بتنوع أنماطه، التي يمكنها جميعا أمتلاك تلك الميزة وقارئه .

خان مرجان يطفئ انواره باكرا والمناضد شاغرة

والمقام العراقي منشده خائف

يتخفى خلف ستائره

ويصيح امان..امان...امان

ثم يهمس في سره

كاذب انت اين الامان

في هذا الديوان وعبر لغة مشحونة بالغضب والرقة في آن وبنبرة حادة وحالمة في نفس الوقت عكست بجلاء ما يضطرم في صدر الشاعر من بينها التساؤل والأحتجاج، وذلك القلق الوجودي والحيرة وذلك الغضب الذي يتفجر كل مرة بهيئة قصائد لا تهادن، وفي ذات الوقت الذي تلعن فيه القصيدة الظروف التعيسه وتنعى الامكنة وخرابها، هنا نراى الشاعر يحتفي بما يمكن أن يكون منقذاَ لهذا العالم من الخراب.

في العموم هذا ديوان وضِعَ بقصد المساءلة وقول ما يعتمل في النفوس من هواجس ومخاوف، ونيابة عن الكثيرين يقول الشاعر هذه المخاوف فالشعر هنا لا يهادن ولا يمالي ولا يعنيه أن يكون جميلا وحالما بقدر ما يعنيه أن يخلخل الثوابت ويحرك السواكن، شعر كالذي نتحدث عنه من أهدافه نقل العدوى إلى المتلقي ليصير هو الآخر ثائراً غاضباً حانقاً راغبا في التغيير للأفضل .

هاهي الساعة الرابعة

البناية فارغة...والشوارع تصفر

هو ماعاد منتظرا

الى ان تدق له ساعة فينام

فهتا قبل وقت الغروب

يحل الظلام

ام يكون له منزل كي يخبئ اسراره

او ملابس تستر عورته من احد

فهنا ...لااحد

الشوارع فارغة كلها..

75.jpg

هذه إطلالة سريعة على الديوان سيما وأن الشاعر الذي لم يكن لديه ما يخفيه على ما يبدو كان نزيها في عرض همومه ومشاغله وأياً كان فإن قصائد الديوان وبعد مرور كل هذا الزمن مثلت مرحلة من مراحل الشاعر وعكست بوضوح قناعاته ورؤيته للحياة والواقع الذي لم يتغير كثيرا لناحية أنهُ سيء على الدوام أو يراوح ما بين السيء وشديد السوء وها هي الحرب وبعد أن برزت حقائق جديدة لا تزيد الشاعر إلا حنقا وغضبا، وكعادته الشاعر لا بد من أن يتبنى موقفا من الذي يحدث ولهذا نراه بعد أن سقطت الأقنعة وبانت النوايا، وإلى أن تنتهي هذه الكوابيس سيظل الشاعر يدحض بشعره كل هذا العبث وكل هذا الخراب حيث الموت هنا واقعي أكثر من أي وقت مضى .

ولاننسى اخيرا فقد كانت للشاعر مغامرة التجريب في الأوبرا عندما كتب «سنمار». إلى جانب المسرح، أصدر الراحل العديد من المجاميع الشعريّة منها: «شباب وسراب» (1964)، و«مهراً لعينيها» (1965)، و«لو ينطق النابالم» (1967)، و«لم يأت أمس سأقابله الليلة» (1975)، «يحدث بالقرب منا» (2001)، «البقاء في البياض أبداً» (2005)، و«الهامش يتقدّم» (2009).

 

قراءة عقيل هاشم

 

 

صالح الرزوقترجمة: صالح الرزوق

كي تحدد موضع سياسة سويف في صور أمل وعلاقات آنا السياسية والفنية، من المفيد أن تحدد موضع صداقتهما بالمقارنة مع علاقة مماثلة بين سولاني وروز في رواية “أغنياء مثلنا” لنايانتارا ساغال. تتحرك رواية سويف للأمام والخلف بين لحظتين من تاريخ كوارث مصر، السنوات السود التي انتهت بالحرب العالمية الأولى ودولة الطوارئ تحت حكم مبارك في أواخر عقد التسعينات. وتتحرك رواية “أغنياء مثلنا” لنايانتارا ساغال بين لحظات تاريخية حاسمة في تاريخ الهند. فحاضر الرواية يمتد بين 1975 - 1977، وفيها أعلنت هند غاندي حالة الطوارئ. ولكن الرواية تنظر للخلف لتتحرى لحظات متعددة سابقة، ومن ضمنها المشكلة التي أحاطت بـ “ساتي” في أعوام 1820 (عشرينات القرن 18)، وتتكلم عنها البطلة جدة سونالي في مذكرات عام 1915، وكذلك حركة “اخرج من الهند” عام 1930 (الثلاثينات) و1940 (الأربعينات) وتقسيم الهند عام 1947. وبما أن ساغال أقل اهتماما من سويف بإرساء توازيات بين لحظتين معينتين، كانت روايتها تستعمل اهتمامات بطلتيها، وهما موظفة خدمة مدنية هندية تدعى سونالي وامرأة إنكليزية أكبر بالعمر تعيش في الهند وتسمى روز، ومن خلالهما طورت سردية مجزأة عن تاريخ الهند الحديثة منذ 1930 (الثلاثينات) وحتى 1970 (السبعينات). 

“أغنياء مثلنا” رواية أقل تجريبية من “خارطة الحب” وتتبع بشكل عام نمطا تتناوب عليه فصول تركز على الشخصيتين الأساسيتين في الرواية. وفي حين أن فصول روز توظف صيغة الضمير الغائب، تتبنى فصول سونالي ضمير المتكلم ووجهة نظره. ومع تطور الرواية تخصص الفصول بشكل متزايد انتباهها على شخصيات أخرى مثل جد سونالي، وتشكل مذكراته جزءا من أحد فصول سونالي. ثم ك. ل. كنة الأب، وتنتهي للسجن بتهم عشوائية تدعمها حالة الطوارئ، وهناك متسولة غير معروفة الاسم تصادق روز.  ويركز السرد المركزي باستمرار على سونالي وروز. وفي معظم فقرات الوقت الحاضر تسود سونالي، وهي فرد من عائلة كشميرية براهمية وخريجة أوكسفورد، وتكافح للتفاهم مع فساد النمط النهروي الوطني وخراب اقتصاد الاكتفاء الذاتي الذي جذبها للعمل في سلك الوظيفة المدنية مثل والدها قبلها. وقد حوربت ثم طردت قصدا بعد أن رفضت المصادقة على منحة حكومية  لإنتاج مشروبات غير كحولية تسمى “هابيولا” أشرف عليها  ديف بن روز بالتبني بالاشتراك مع ابن رئيس الوزراء، وهو مشروع قام على المحسوبية في السوق الحر لنظام غاندي. 

بعد أن فقدت سولاني وظيفتها، عمدت للبحث عن مكان لها في الهند التي خذلت العديد من مواطنيها وتكونت لديها فكرة عن الفساد والعنف والقمع الذين تمثلهم حالة الطوارئ الغاندية.

2581 روايةوقد حضرت روز، صديقة مقربة لسونالي وبهيئة أم، إلى الهند عام 1932 لتتزوج من رام، وهو تاجر أقمشة ثري وقد التقت به في لندن. وروز من طبقة عاملة بلا ثقافة جامعية والتقت بروز مع رام بالصدفة حينما زار متجر الشوكولا الذي تعمل به. وبعد فترة قصيرة تغادر روز بريطانيا وتستقر في دلهي بصفتها الزوجة الثانية لرام. وفي فترة بلوغها في الهند، تصادق روز والد رام وتعمل معه لحماية التجارة التي أمسك بزمامها رام. ومثل ابنه ديف الذي اهتم بتجارة الغير وطنية على حساب البضائع المحلية، هجر رام مؤخرا فكرة إنتاج أقمشة هندية عالية الجودة للتصدير إلى السوق العالمية وحول متجره إلى بازار للبضائع الغربية الرخيصة. 

وتدبرت روز بمعونة والد رام أمرها دفة العمل وأعادته لإنتاج بضائع هندية، وأنقذته من الإفلاس. وفي الوقت الحاضر تعيش رام بغيبوبة وتتمسك بالحياة بصعوبة، وتشرب روز كثيرا، متألمة من دايف وغير قادرة على وقف الفساد الذي استشرى في تجارة العائلة بفضل إمساك دايف بخيوط التجارة وبالقوة. إن “أغنياء مثلنا” تصور جينيالوجيا اليأس السياسي الذي تعرفنا عليه في “خارطة الحب”، فهي تربط الاستعمار بالاستعمار الجديد وفساد الحكومة، والذي يقود في النهاية لأوقات قاسية. وفي الوقت الذي تشير به سويف للسياسة الأمريكية الخارجية والشركات الأمريكية والأصوليات العسكرية الناتجة من الحرمان السياسي والاقتصادي وتعتبر أنها تهديدات أساسية تستهدف مصر، تعتقد ساغال أن الهند معرضة للفساد الحكومي وهي تستقبل المنتوجات الأوروبية والأمريكية وتدعي أنها صناعة وطنية. ومثل فلاحي مصر العليا الذين وصفتهم سويف في روايتها، يبدو الفقراء والهنود الوضيعون ومن يقف معهم في رواية ساغال عرضة للاعتقال دون محاكمة، وعرضة للتعذيب على أيدي الشرطة، وضحية لسياسة التعقيم التي تبنتها إدارة غاندي. ولذلك ليس من المستغرب أن تنتهي سونالي وروز لمواجهة نفس السؤال الذي استحوذ على آنا وشريف وأمل - وهو كيف تحتفظ بالقوة والعزيمة لمواصلة ما يبدو أنه حرب ميؤوس منها لأن العدو أقوى وأفضل بالعتاد والتجهيزات.  

وهنا أيضا يلعب الرومانس دور أداة تتقابل بها سولاني مع روز. ولكن ليس هذا هو الرومانس المؤمثل الذي يمثله الزواج المثالي والغريب بين شريف وآنا في رواية سويف. بالنسبة لرام وروز كان الرومانس تجربة مؤلمة لا توفر العزاء. وتتصالح روز بالتدريج مع حقيقة أن دخولها إلى العائلة كان صدمة ساحقة لزوجة رام الأولى، وهي منى أم دايف. ومع أن روز تقول إنها “لا تشعر بالذنب لأن حبها صادق” فهي بالحقيقة منهكة دائما مما تراه فـ “الغضب لن يقربها من منى، وهي بالنسبة لمنى معتدية وجلادة” (ص138). وتجربة روز الشخصية عن خطيئة رام الغرامية مع مارسيلا وهي بريطانية من الطبقة العليا  بلور إدراك  روز حول موقف لا يحتمل وبه حددت موضع منى من مشكلة “احتلال” المنزل” (ص138). عموما بعد أن أحبطت  محاولة منى بفك الارتباط والهروب من الموقف بالانتحار أصبح بمقدور الاثنتين التواصل واعتبار أنهما جزء من عائلة أوسع. ولو أن روز تعرضت للإهانة  بسبب استمرار غرام رام مع مارسيلا، فإن رام تعرض للإنهاك بما فسره نقصا بنظافة ونقاء روز، ودليله على ذلك لهجتها العامية وأسلوبها المبتذل. كان رام محبا لمدينة لاهور، ولاحقا دلهي، ونخبويا، ولكن كانت روز تشعر أنها خارج المكان وهي وسط هذا الثراء والثقافة - بعيدة عن أسلوب وارتباطات آنا الأرستقراطية.

ومثلما أن علاقة آنا وشريف تعرضت لنكسة بسبب الأزمة السياسية التي وقعت في عصرهما، تدهورت علاقة رام وروز دراماتيكيا خلال تطور الأزمة الوطنية، وهو ما مهد لتراجيديا الطوارئ الوطنية لاحقا. فقد مرا بحالة الطوارئ الخاصة بهما حينما أعلن رام أنه يرغب بالانفصال عن روز ليخصص نفسه لاتحاد أفلاطوني مع مارسيلا، خليلته لوقت طويل. وبعد أن شعرت روز بالانهيار اضطرت لابتياع شقة لنفسها، وهو وضع استمر لخمس سنوات. وفي النهاية قرر رام أن يعاودا اتصالهما، ولكن العلاقة لم تنجح كالسابق أبدا. وفي نهاية الرواية استسلم رام - الذي أصبح هدفا لخداع الأرستقراط البريطاني - كما يوضح هوسه بالجوارب النسائية الغربية - وكذلك هدفا لخديعة من الرأسمالية الغربية، وسقط بحالة من الانهيار التي تعكس المشهد السياسي لحالة الطوارئ. وبقي رام “عاجزا ومشلولا في الفراش” وتابع ابنه إفساد تجارة الأقمشة وأصبح لاعبا قويا في السوق السوداء ومتورطا بإنتاج السيارات المصنوعة من أجزاء أجنبية. وبدا شريف وكأنه يمتلك كل قيم الحركة الوطنية وجدلا مات لأنه لم يكن إنسانا يناسب واقعه. لقد حمل عيبا لا شفاء منه، فهو عاشق وبطل وطني. 

وبالمثل روز ليست آنا، كما يشير لذلك وضعها الطبقي وانعدام علاقاتها. وهذا  لا تعكسه لهجتها فقط، ولكن ضعف خطابها السياسي. وبعكس آنا تبدو روز غير قادرة على الارتباط بوضع إيديولوجي متماسك. ومع أنها لا تشارك بالنقاش الدائر بين زوجها وصديقه كيشاف بما يتعلق بمصير الإمبراطورية البريطانية، تقارن روز ذهنيا زواجها العاصف بالعلاقة السياسية القائمة بين بريطانيا والهند.

تقول:”الحاجات القوية جعلت الطرفين يتصرفان بهذه الطريقة، ولذلك هي متأكدة أن البريطانيين لن يغادروا قبل أن يقرروا أن اللعبة انتهت، ولن يحصل ذلك حتى يشاهدوا السماء تتفجر بطريقة يفهمونها” (ص143). وترفض المشاركة بهذه الملاحظة مع الرجلين. ولاحقا تتذكر “أنها شغلت نفسها بتقديم الغداء لرام وكيشاف وهما لم يطلبا منها رأيها. ثم هي بلا رأي، عمليا، وإنما لديها غريزة فقط” (ص143)..  

وجنونها في الرواية يمثله كلامها الجريء عن نطاق من الموضوعات، من فساد دايف لتزمت سلوك حذف القبلات في أفلام تتعرض فيها النساء الريفيات مثل زوجة المتسول للاغتصاب ثم القتل. ويمكن للمرء أن يلاحظ في ادعاء روز أنها بلا رأي نوعا من الغباء. وكما لاحظت سونالي، روز “امرأة هادئة لا تستوعب “السياسة” ولكن هذا لم يمنعها من إطلاق أحكام مصيبة جدا”. غير أن وضع روز الطبقي بدل الأشياء بلا شك. وهي لا يمكنها أن تشغل مكانة آنا كمترجمة بين النخبة المثقفة. ويبدو كلا رام وخليلته أوضح بضوء هذه العلاقات، ولكن لا يتم تقديمهما بوضوح فيما يتعلق بالأمر السياسي. ومثل آنا وشريف كلاهما أرستقراطي، وهما بحال أفضل، لو قارنت أحوال رام وروز. لكن لقاءهما يبدو عملا عابرا للقوميات وليس تحالفا مضادا للكولونيالية، لأنهما يتشاركان بحب الأشياء الثمينة، وليس النضال السياسي الدائر على طرفي الحدود. 

بالمقارنة مع أنماط السلطة الأرستقراطية المتضمنة في آنا، ورام، ومارسيلا، قادت مقاربة روز الغريزية للسياسة لنسخة ماركسية من تحالف الطبقات. إنها روز التي تبنت من كل قلبها التحالف متعدد الأعراق والطبقات والذي مثلته حركة المهندس غاندي المسماة “اخرج من الهند”، وهي نفسها روز التي أدركت فورا لماذا رفض والد كنتها مبارحة السجن دون خروج رفيقه بالزنزانة معه، هي أيضا روز التي صادقت المتسول الذي يعيش في ضريح قرب بيتها.  وعلى شاكلة هيليلا في رواية غورديمير، حققت روز فهما غريزيا استوعبت به السياسة بواسطة الرغبة. ولكن الغريزة تقدم لروز دلالة مختلفة عما تقدمه لهيليلا، وقد ذكرت ساغال إن التحالفات حول روز كانت بسبب خلفياتها الطبقية وليس سلوكا فطريا مستقلا عن انتمائها الطبقي.       

 وحسب المنطق الإيديولوجي للرواية، لم تكن روز بحاجة للقلق من قدراتها على التواصل مع الفقراء كما يحصل مع مثقفي سونالي وسويف الذين ينتمون للطبقة العليا ما بعد الكولونيالية، لأنها عمليا أقرب “للناس” فهي من الطبقة العاملة. وحينما يعبر المتسول عن اشمئزازه من روز بعد موتها لأنها بلا عائلة، تعتقد سونالي “أن روز قد أعلت من شأن تلك الأمور، الدم والعرق والجاه” (ص228). لقد نظر ممثلو الإمبراطورية البريطانية بالتأكيد للاحتمالات الكامنة في تحالف الطبقات على أنه خطر، وهذا برأي آن ستولير Ann Stoler يفسر لماذا يوجد هناك قواعد صارمة بما يخص هجرة الطبقة البيضاء العاملة إلى المستعمرات، وكذلك الطرد الفوري للمنظمات الماركسية البيضاء. وتعاطف طبقة روز العاملة تحمل هذه المخاوف وتعكسها. ومع أن سهولة قدرة روز ظاهريا على تجاوز خطوط  الطبقة والعرق يقود بالنهاية لعطالتها، فإن هذه الخصلة هي التي تقف وراء إعجاب سونالي بصديقتها. 

وسونالي ليست هي روح روز المحبوبة فقط، ولكنها أيضا العائق لها. ومع أن كلا الشخصيتين تشتركان بموقف أخلاقي معاكس للفساد السياسي واللاإنسانية التي تطورت إلى طوارئ غاندي، فهما تختلفان لحد بعيد بأسلوب مقاربتهما للقوة. لقد اهتمت روز أولا بزواجها وتجارة زوجها، وهذه بلا شك أمور شخصية. بالمقابل خصصت سونالي وقتها منذ أيام الجامعة في أكسفورد لما يسميه أبوها “هندية الهند” (ص24). وحاولت أن تستوعب رؤية جواهر لال نهرو السياسية عن دولة بعد كولونيالية. وبالتركيز تماما على الاهتمامات العامة ذات الصفة السياسية والوطنية، تضحي سونالي بشكل واضح بمعنى الهوية الخاصة. فهي امرأة من الهند الجديدة، عازبة ومهنتها هي خدمة أمتها الناشئة.

هاتان الشخصيتان هما ملتحمتان بمعنى من المعاني. وكما بينت أعلاه سياسة روز الفطرية تسمح لها كما يبدو للتأقلم والتماهي مع أفراد من جماعات دينية وعرقية أخرى تشغل وضعا طبقيا مماثلا. ولكن سونالي دائما ما قاربت السياسة بمستواها التجريدي، ونادرا ما شردت خارج دائرتها الاجتماعية المفضلة. وباستيعاب هذه الحدود تعترف بلحظة من اللحظات “العمل المكتبي يعاني من علة ما - القراءة والكتابة تحل محل الحياة - وهذا يمنع المرء من الاتصال بما هو حقيقي وقريب منه”(ص82). وقرابة نهاية الرواية حينما تنقذ سونالي المتسول من بيت روز، نكون أمام لحظة اختراق للاتصال السياسي والذي توحي به مباشرة حالة روز. ومن الجدير ملاحظته أنه في روايتي سويف وساغال تحقق البطلة المؤنثة نفسها وتصبح ذاتها سياسية وذلك من خلال قتل محبوبها: في حالة إيزابيل وأمل قاد موت عمر لتشكيل فضاء أنثوي تراكمي في طواسي، وفي حالة سونالي دفعها موت روز لإنقاذ المتسول وتحقيق العدالة لصديقتها.  

ولكن التجنيس المركب للمرأتين يصعب الاطمئنان للإمكانات السياسية الكامنة في هذه الصداقة بين سونالي وروز كما تصورها رواية “أغنياء مثلنا”.

وكما ذكرت هارفين ساشديفا مان Harveen Sachdeva Mann بذلت ساغال جهدها لتقديم روز بصورة بطلة لا تقاوم ولكن فشلت بإضفاء حالة إشكالية على جنوسة بطلتها ولم تصنعها بطريقة تناسب النساء الهنديات التقليديات النموذجيات وبصورة سيتا. وعمليا تشجع ساغال على مثل هذه القراءة بتسمية زوج روز باسم زوج سيتا، وهو راما. والتجنيس يقلل خيارات روز ويفرض عليها عدة مواجهات في الرواية: ابتداء من زواجها برجل أناني يعمل بجني النقود كيفما كان، وحتى تطوير وفرض خطة عمل ناجح للشركة مع أنها لا تتحكم بها ومع أن ريعها لا يعود لها.

ومع أنها لاقت حتفها في نهاية الرواية، كانت تشرب لتقتل نفسها باليأس بسبب ظروف زوجها وبسبب مخاوفها على مستقبلها. ويمكن للمرء أن يلاحظ وضعية روز حينما تحاول ساغال إضاءة المصاعب التي تواجهها النساء، باستثناء أن روز، مثل سيتا، تبدو أغلى بسبب الصفات التي تجعل من المستحيل أن تثور على ظروفها. وتؤكد مان أن هذا التزامن بإضعاف تمثيل روز والاهتمام به هو نتاج قبول غير نقدي لساغال بجينيالوجيا البلاغة الوطنية التي تعود لمهندس غاندي ونهرو وغيرهما، ويمجد الأنوثة التقليدية لخدمة المشاعر الوطنية. وقد أكد غاندي نفسه أن النساء شريكات مثاليات في  الساتياغراها satyagraha “صيانة الحقيقة” لأن ”جنس الأنثى.. حتى اليوم هو الممثل للتضحية، والمعاناة الصامتة، والإيمان، والمعرفة”. واستمرارية سلبية روز ومقتلها في النهاية يدعها تحمل مرتبة شهيدة في سبيل الوطن ويربطها بالمرأة المثالية التي وصفتها في حكاية سيتا، وهي امرأة مستبعدة ومعزولة وفي النهاية تقتل بالرغم من إثبات شرفها.

أما سونالي بالجهة المقابلة تحتل مرتبة وتتوارث التقاليد الذكورية الوطنية، التي تعود لأيام جدها، والذي عمل على “تحديث” الهند وصارع المظالم. لا ترى الرواية  في ساتي - قضية سياسية يتبناها جد سونالي - وفي  الجرائم المعاصرة المرتكبة ضد النساء الريفيات على أيدي الشرطة الفاسدة كالحرق - مصير زوجة المتسول وسبب عجزه - جريمة جنسية ولكن أمثلة رمزية عن عنف الدولة المطبق على الضعفاء.  وطبقا لهذه التقاليد الوطنية، يصبح العنف مثالا على الظلم البنيوي المتضمن في العنف نفسه. وهو نتيجة من نتائج الخطأ الدولي، وهذا لا يساعد على تصنيف هذه الأفعال في حقل النشاطات الناجمة عن التداخل النوعي بين الاقتصاد والسياسة والثقافة. وعليه حينما تتصفح سونالي أوراق أبيها بعد وفاته، تفهم لماذا ألقى نفسه على محرقة أمها بمحاولة غير ناجحة لإنقاذها، وهي لحظة مؤثرة تمثل الكفاح ضد الظلم كما يدور في رأسها. وكما قالت مان: إن بطولة الرجال، غالبا للدفاع عن النساء الذين لا يسعهم إنقاذهن، هي ما تعتبره الرواية أعلى مثال عن الخصال الوطنية. ويبدو أن سونالي تفقد مشاعرها بنفسها كذات جنسية، مع أنها تعود في نهاية الرواية لمدير قوي كان فيما مضى عشيقها في محاولة لإنقاذ روز - وهي محاولة لا تنجح، مثل فشل والدها في إنقاذ أمه قبيل سنوات. وفكرة سونالي عن ساتي أنها رمز لكفاح أوسع مجرد جزء من تفكير يقودها لرؤية كل الرعايا على أنهم أتوماتيكيا جاهزون للتوحد ضد الظلم. ولكن هذه النظرة تنتج تحالفا لا يتواجد فيه أحد، فهو يتجاهل الاستثمارات المتنوعة للمقاطعات المختلفة وقصور القوة بين الجماعات اليائسة. وتتخطى سونالي رؤية التحالف الذي يقوم على أساس “صولة الحق” الغاندية فهو شيء لا يستحق أن تبدأ به.    

في النهاية يحرض تصوير هاتين المرأتين في الرواية عدة أسئلة. لأي مدى تشير ماركسية روز الفطرية ووطنية سونالي الذكورية لحالة سغال الأرستقراطية بذاتها؟. ولماذا على روز أن تتكئ جدا على الغريزة وليس على الثقافة أو نوع آخر من أنواع الصحوة؟. هل هي محاولة ساغال في تحقيق مثقف عضوي وبلورته؟. ولكن أمامنا محددات أمام الاحتمالات السياسية التي تمثلها صداقة سونالي وروز. من مستوى رسمي، تأخذ ساغال مقاربة شبيهة جدا بسويف في إنتاج رواية عن الأزمة السياسية لحالة الطوارئ التي تعتمد على إعادة كتابة الغرام الكولونيالي.

ومثل سويف تستعمل ساغال علاقة غرامية عابرة للقوميات بين عرقين، وطرفاها بريطانية بيضاء ومواطن كولونيالي مذكر. وهذا مبرر لمقاربة رابطة ذات معنى أعمق - وهي بين المرأة البيضاء والمواطنة الكولونيالية المؤنثة. وفيما تجدد أمل انتماءها للفلاحين برواية حكاية آنا، تمر سونالي ببعث سياسي بعد صداقتها مع روز. وتشغل سونالي وأمل موضعا مماثلا فهما من النخبة المثقفة الغربية وتكافحان للمحافظة على معارضتهما لنظام كولونيالي قمعي وفاسد تدعمه عدة مصالح عابرة للقوميات. وكلتاهما وحيدتان، تتساءلان كم مضى من حياتهما هدرا. وكلتاهما، أمل وسونالي، تمثيلات بوجه القصور السياسي وهذا أمر جازم. وكما بيّنا تفهم أمل دورها كمترجمة وقاصة تدافع عن الفلاحين. وبنفس الطريقة تقبل سونالي عملا من مارسيلا خليلة رام السابقة، وتكتب تاريخ الفن الهندي في القرن السابع عشر من أجل معرض في صالة فنية في لندن. وتقرر أن تعمل بخدمة المرأة التي تسببت لروز بالقلق لسنوات. وهذا يدل على حدود تسييس سونالي بالمقارنة مع أمل. ترغب أمل بوضوح أن توظف موضعها الطبقي بخدمة ريف مصر الفقير. ولكن ماذا يقدم عمل سونالي بمعايير المستقبل السياسي؟.

تؤكد مان أن عملها الجديد يبدو استعمارا جديدا تماما، ما دامت تفهم تاريخها وهي تعلّبه بأسلو هندي “مؤتمت” و“تتقنه” لخدمة زبائن في لندن. وأي تفسير أعمق سيقودنا إلى أن سونالي مثل أمل اهتمت بالكتابة عن تاريخ الفن كوسيلة لكسب الإلهام في صراعها المستمر ضد انحدار الهند إلى الشمولية.  مثل هذا التفسير يضع سونالي مع روز، وهي بدورها تجد ملجأ يوتوبيا بالتمثيل من خلال حكاية سيثيرا، وذلك في مكان سابق من الرواية. وتسمع روز أولا من زافار صديق زوجها بحكاية هذه الجزيرة الحقيقية الإغريقية وتعلم أنها وطن ميثولوجي “للمؤمنين بالحب”. وذلك في حفل غداء في الثلاثينات (1930). ويخبرها زافار أن سيثيرا هي “مكان مجهول” و“مشتت مثل الباكتسان”، والتي كان إنشاؤها يجري الإعداد له في ذلك الوقت. (ص66). 

تشتري روز لاحقا خلال زيارة إلى إنكلترا بطاقة بريدية تحمل لوحة مشهورة لجين أتوان واتو، هي لوحة “رحلة إلى جزيرة سيثيرا”، ويبين العنوان أن “الرحلة كانت بحثا.. وسيثيرا فردوسا، حلما مستحيلا، ولكن الرحلة لم تصل أبدا”(ص181). لكن سونالي تكره الزخارف الزائدة في الصورة، وهي زخارف تعود لتلك الفترة. ثم توافق لاحقا على توثيقها من أجل مارسيلا، فالزخارف طراز استبعدته الثورة الفرنسية. كانت روز أبطأ في رفض سلطة الصورة، وكانت تفكر بصوت سري وتقول لنفسها:”الأساطير على الأكثر مقاومة للفناء بالمقارنة مع بقية الأشياء. وهي من المادة التي خلقنا منها، هكذا قال والد سونالي مرارا، وهناك أكثر من حقيقة تاريخية تبرهن عليها، هناك مارسيلا أيضا”(ص182). 

ومثلما وهب رام نفسه للأسطورة المستحيلة وهي الارتباط الكامل بمارسيلا، التزمت روز بأسطورة سيثيرا كرمز يعبر عن المستحيل المرغوب الموجود في السعادة الحقيقية وهي برفقة رام، والأمل غير المتحقق باتحاد مسلمي وهندوس جنوب آسيا خلال وبعد التقسيم. واهتمام روز بسلطة الأسطورة، كما تمثلها سيثيرا، يمثل اتصالا سياسيا ضعيفا مع مشروع الجينيالوجيا الفنية لسونالي. وفي حين أن أمل تكشف عن السردية الكولونيالية المصرية، تنتقل سونالي للحظة سابقة من الافتتان الكولونيالي في الهند.

في كلا الحالتين تؤكد الروايتان ضمنا أن ما يبدو ابتعادا عن السياسة وتقاربا مع الجماليات (الاستعمارية) قد يتبين أنه عودة للخلف نحو النشاط الإيجابي وليس تراجعا عنه. إن السياسة المبهمة التي تلتفت للفن في نهاية الروايتين تتوازى بالمثل مع لحظتي أمل غامضتين يرمز لهما بحياة جديدة في كل حالة. وفيما أن “خريطة الحب” تنتهي بولادة طفل، تنتهي رواية ساغال بخلاص المتسول. وحينما تجده سونالي يبكي في مكان مقتل روز تقول:”كنت مسرورة أنه بمقدوري إخباره عن اليدين الصناعيتين اللتين تدبرتهما له، وأنني سأحمله في يوم أو يومين لتركيبهما. وبعد أن تعلم طريقة استعمالهما سيتعلم العمل بالتجارة” (ص226).

ولكن ماذا حصل للمتسول؟. كان هو آخر اتصال لسونالي مع التحالف الذي مثلته روز، وحينما غاب عن مسرح الرواية، اختفى معه الموضوع السياسي الوطني الذي مثله جدلا. وتتحول النهاية السعيدة المفاجئة للمتسول فورا إلى لقاء سعيد لسونالي مع رافي كاشرو عشيقها القديم، وقد عاد الآن ليقف على أرض أخلاقية ذات مستوى أرفع بعد طرده من وظيفته الحكومية لأنه حاول تقديم المعونة لروز. وهذا المشهد، بدوره، يتبعه تقديم فرصة عمل لسونالي من مارسيلا. ولكن إذا استعادت سونالي هويتها السياسية من خلال علاقتها مع روز، فهي أيضا “تتنازل” لمستوى وضعية “كسولة” مثل روز تماما -  وتجهز المنتوجات الهندية للبيع في الأسواق الغربية وتلتفت للفضاء الخاص بحثا عن الاستقرار في عصر الأزمات. 

 

..........................

إميلي س. دافيز Emily S. Davis أكاديمية أمريكية تعمل في جامعة ديلوير. تهتم بالخطاب الأدبي الكولونيالي وما بعده. والترجمة من كتابها “إعادة التفكير بالنوع الفني للرومانس”.   

 

 

 

المصطفى سلامتقديم: هناك نصوص قصصية تخلق عند قارئها شهية خاصة، بسبب انتظامها سرديا وبنائها فنيا وغناها دلاليا.. ولعل نص "الاراجيح" [1]هو من طينة تلك النصوص، حيث انبنى سرديا حول تيمة الرغبة في امتلاك الجميل أو السعي إلى حيازته. ومن المتفق عليه، أن الجميل، وبغض النظر عن مجاله أو مادته المتجلي فيهما (طبيعة – ثقافة) عنصر مثير للذات، حيث يدفعها إلى محاولة امتلاكه وتجاوز قسوة الإحساس بالانفصال عنه أو ضياعه. وعندما تملك الذات هذا الموضوع تحرز ما يمثله من قيم ومعاني كامنة فيه. ومن المفارقة أن يكون الإنسان موضوعا جميلا من جهة، ثم ذاتا تسعى إلى امتلاكه من جهة ثانية، وهذا ما تحقق في هذا النص، فكيف ذلك؟

أرجحة الرغبة بين الذات والموضوع:

تنتظم قصة " الاراجيح " للأديبة اسمهان الزعيم حول رغبة رجل ذميم في خطبة امرأة جميلة حسناء وأن تكون زوجة له، لكن بسبب ذمامته وإحساسه حد النفور من شكله أو التقزز من مظهره: " وشعر بوخز عميق يحز في جوفه وهو يغادر السوق متجها إلى قريته المجاورة .... ومرق إلى بيته منكس الرأس ثم ما فتئ أن تسمر أمام المرآة كمومياء.. ثم عرج متلكئا على غرفة نومه واستلقى على فراشه مكروبا محزونا ......" [2] لم يقدم على خطبة تلك المرأة، فخاب مسعاه لكنه استعان بشيخ القبيلة: " فقرر الرجل ان يلجا إلى صديقه ن شيخ القبيلة وهو يعلم ان السلطة تستطيع كل شيء حتى الزواج بالغصب أو بالحيلة " [3] ورغم سلطة الشيخ الرمزية والمادية كان قد انضاف إلى طابور المرفوضين.. وشاءت الأقدار أن التقى الرجل بالمرأة بعد أن تزوجا وأنجب كل منها بكره في مناسبة اجتماعية: " وحصل اللقاء في صدفة غريبة في إحدى مناسبات الزفاف..." [4] وفي هذه المناسبة التقى صبي الرجل الذي كان وسيما وجميلا بصبية المرأة التي كانت ذميمة: " وجمع القدر العجيب طفلة المرأة الحسناء في لعبة الأراجيح " [5] يلهوان في ارجوحة الحديقة دون وعي بما لديهما من حسن أو ذمامة . ولما رأى الرجل ولده يتأرجح مع الصبية " عرج على حين غرة وسقطت عيناه على رفيقة ابنه في اللعب فابعده عنها " [6]، وكان أن شاهدت المرأة بدورها الموقف نفسه وتذكرت رفضها لكثير ممن فيهم ذمامة تقدموا لخطبتها فأحست إحساسا مقيتا بكون سلالتها أصبحت موضوعا مرفوضا ...

أرجحة الرغبة أرجحة السرد:

الإنسان كائن راغب رامز، والرغبة من أهم المحاور التي يتأسس عليها فعل السرد إلى جانب محوري الصراع والتواصل ...و مادامت الرغبة دافعا نفسيا ومحركا وجدانيا يحفز الذات على الفعل ويدفعها نحو موضوع رغبتها بالسعي إلى حيازة ما يمثله من قيم ثمينة، فيخطط لذلك ويضع استراتيجيات مستثمرا ما يصنع أهليته ...و سعي الذات نحو موضوعها قد يكون فعليا واقعيا أو خياليا وهميا عن طريق الاستيهام أو الحلم، على أساس أن الرغبة تقبل التعويض أو الاستبدال خاصة في حالات الفشل . ومن بين أكثر الموضوعات التي اقترنت بالرغبة وشكلت هرمونا تخييليا كونيا المرأة ولا سيما من خلال ما حازته من صفات الجمال والحسن . والذاكرة السردية العربية أو غير العربية تؤكد ذلك وتشهد به، وإذا كان الأمر كذلك فكيف تأرجحت الرغبة نفسيا وسرديا في هذا النص ؟

تأرج الرغبة نحو الجميل:

إن حركة الرغبة نحو الجميل، أي رغبة الرجل في امتلاك وحيازة الجميل كما تمثله المرأة " وخيل إليه وهو يسرق النظر إلى محياها الوضيء أن الربيع قد اينع على وجنتيها واشرقت مقلتاها بحور زادها بهاء فوق البهاء، ممشوقة القوام نافرة النهدين ..." [7] تنبني على ثنائية: الوسامة / الذمامة . الوسامة قيمة لدى المرأة وميزة لها وعلامة على مدى حسنها وجمالها، كانت سببا في بعث الرغبة لدى الرجل الذميم فبدأ يتخيل ويتوهم امتلاكه لهذا الموضوع الجميل . وتنفيذا لتلك الرغبة فكر في خطبتها والاقتران بها لكي يمتلك ما يعنيه جمالها من استمتاع وانتشاء وسعادة . وبهذه الطريقة يكون الرجل قد أشبع رغبته واستجاب لتأثيرها . غير أن ذمامة الرجل وقبح مظهره حال دون ذلك، مما جعل الرغبة تبحث عن مسار جديد وتفكر في بديل ثان . ومثلما تجعل الوسامة الرغبة تتأرجح نحو ما تتجلى فيه (المرأة) كانت الذمامة تنفر الرغبة مما تتمظهر فيه (الرجل ينفر من شكله ومظهره والمرأة تنفر ممن هم على شيء من الذمامة)

تأرجح الرغبة عبر الوساطة:

في التأرجح الثاني للرغبة، والذي يتحدد انطلاقا من تأثير الذمامة في صاحبها أولا وتثبيطها لعزمه، أخذت الرغبة تأرجحا جديدا بغاية تحقيقها، حيث سيستعين هذا الرجل بشيخ القبيلة بعد ان اطمأن إلى ثروته: " الرجل الميسور لا تعيبه الذمامة، وأنا لحكمة بالغة جعلني الله ذميما لكنه عوضني عن الوسامة بالمال الوفير ..."[8]

نلاحظ هنا أن الذمامة ستستعين بالثروة والسلطة من أجل الحصول على الجميل أو لنقل إن القبح تقوى بالمال والثراء ثم بالسلطة من أجل تذليل الصعاب نحو الموضوع الجميل . ورغم ما للسلطة من تأثير على الافراد والجماعات لما تحمله من قيم ومعان فقد فشلت في تدخلها لصالح الذمامة . هنا انهزمت السلطة وفشلت الثروة أمام سلطة الجميل، انهزم شهريار (السلطة والثروة) أما فتنة وغواية شهرزاد (الجمال والحسن والوسامة) . قد تكون السلطة ذميمة في جوهرها وشكلها ما جانبت العدل والانصاف، هي مخيفة ومرهبة، قد تنهب ذاك الجميل وتجهز عليه غصبا أو عنفا . ونفس الأمر قد تحدثه الثروة، لكن تظل للجمال سلطته وهبته وتأثيره في ذاته وفي التمثلات التي تحيط به . الجمال يمنح صاحبه حظوة واعتبارا ضمن شبكة العلاقات الاجتماعية ونسق القيم الثقافية المؤسسة .

تأرجح الرغبة نحو البديل:

في التأرجح الثالث للرغبة سرديا، يمكن أن نرصد مسار تحويل الرغبة عن الموضوع الجميل المثال نحو موضوع أقل منه أو ادنى: " وتفر الأيام وتكر، ويأتي النصيب المقدر للحسناء وقد اختارته طوعا وعشقا، بينما الرجل الذميم يرتبط بفتاة متوسطة الجمال ..." [9] لقد تحققت الرغبة هنا تعويضا من خلال موضوع بديل، لكن جذوتها ستظل مشتعلة . لقد اقترن هذا الرجل بامرأة ثانية وأنجب صبيا وسيما وأنجبت المرأة الحسناء صبية ذميمة . وهنا المفارقة، فمن الذمامة انبثقت وتخلقت الوسامة . أو ما يمكن أن نرمز له بثمار الرغبة: أي أن لا ينجب الذميم قبيحا أو أذم منه، كما لا ينجب الوسيم أوسم منه وأجمل . لأن الأمر مرتبط بهويتهما – الجميل والذميم – الجينية . وهنا لا تتأرجح الرغبة وجوديا فقط بل غيبيا أيضا . أي أن في ماضي الجميل أذم منه وأقبح وبما في ماضي القبيح الأجمل والأوسم .

تأرجح الرغبة بين العفو والعقاب:

في المقطع الأخير من النص، تكاد تتوقف أرجوحة الرغبة، حيث تأرجحت بين ثنائيات مثل: الأمان / الخوف، الرضى / الضجر، العفو / العقاب ...فقد يكون الجمال مصدر رضى واطمئنان وعفو ...كما قد تكون الذمامة مصدر خوف وقلق وعقاب ...فقد اطمأنت المرأة الجميلة على صبيتها الذميمة بأن يكون هذا الصبي الوسيم من نصيبها، بينما ضجر الرجل الذميم عندما شاهد ولده يلهو مع تلك الصبية: وكانت المرأة الحسناء، تنظر إليهما من خلف النوافذ وتبتسم للمشهد البريء العفوي وهي ترسم في مخيالها تفاصيل زفافهما وتخطط لذلك الف تخطيط بيد أنها نسيت أو تناست أن طفلتها على درجة عالية من الذمامة بينما ذاك الطفل على درجة ملفتة من الملاحة . " [10]و في الوجه المقابل للصورة: " وبينما كانت الأرجوحة تطير في المدى بالصبيين عرج على حين غرة الرجل الذميم وسقطت عيناه على رفيقة ابنه في اللعب فشزر بكره شزرا ثم جذبه نحوه بعنف خفي.." [11]

و دينامية الرغبة لم تتوقف عند الأمل في الجميل بالنسبة للمرأة وعند الخوف والضجر بالنسبة للرجل، بل أخذت منحى آخر تمثل في تغيير الموقف تبعا للموقع، غذ أحست المرأة بالدونية لكون صبيتها ذميمة ينفر منها بينما شعر الرجل بالاستعلاء بعد ان انجب صبيا وسيما يطمأن إليه ويرغب فيه .

خاتمة:

هكذا انبنى هذا النص، الأنيق في لغته، المحكم في بنائه، الغني في دلالته، على دينامية الرغبة وتأرجحها، على صيرورتها وسيرورتها فكلما تأرجحت الرغبة تأرجح السرد تبعا للذات في علاقتها بالموضوع (انفصال – اتصال) . كما انبنى هذا النص أيضا على ثنائيات مركزية مثل: الوسامة / الذمامة، الجميل / القبيح، السعادة / الشقاء، الأمل / الألم، الرضى، الضجر ...و ذلك من خلال إخراج سردي للرغبة في الجميل كما تجلى في امرأة حسناء . وما يحمله هدا الموضوع من معاني ودلالات سواء من حيث الممارسة أو التمثل داخل نسق اجتماعي وثقافي عام .

 

إنجاز: الدكتور المصطفى سلام

.............................

[1] - اسمهان الزعيم: لم يكن وحده في الجب . مجموعة قصصية . ط1 . 2019 . ص 143 .

[2] - نفسه: ص 143 .

[3] - نفسه: ص144 .

[4] - نفسه: ص144 .

[5] - نفسه: ص 144 .

[6] - نفسه: ص 145.

[7] - اسمهان الزعيم: لم يكن وحده في الجب . مجموعة قصصية . ص 143 .

[8] - نفسه: ص 143 .

[9] - لم يكن وحده في الجب . مجموعة قصصية . ص 144 .

[10] - نفس المرجع: ص 144 .

[11] -نفس المرجع: ص 145 .

 

 

جمعة عبد اللهيأخذنا الاديب الروائي في دهشة الابهار، في محاولاته الخلاقة في ابتكار تقنيات حديثة في المتن الروائي، في الصياغة الروائية المبتكرة في الطرح والتناول في مميزات سيماتها الظاهرة، في التقنيات اسلوب الطرح والاداء في اللغة المركبة (النثر / الشعر) والرؤية الفكرية التي تقود دفة المتن الروائي، وتنظم احداث السرد الروائي وفقاً لرؤية الفكرية العميقة على خلفية واقعنا الحاضر. بصياغة جديدة خلاقة لرؤية لملحمة كلكامش، أو اسطورة كلكامش، تستلهم الواقع الجاري، في تشكيل رؤية فكرية لعتبات ومحطات ملحمة كلكامش. في استخلاصات العبر الفكرية من الرحلة الاستكشافية لبحث عن عشبة الخلود، وماهو المغزى والدلالة والمعنى لهذه العشبة، وما معنى الخلود برؤية الواقع الحالي، واستخلاص العبر والدروس. هي محاولة استنطاق الملحمة الكلكامشية برؤية حديثة، في عيون الحاضر بالدلالة العميقة والبليغة، اي صياغة الملحمة من جديد. فنجد ان شخصية كلكامش هي مشطورة الى نصفين كلكامش الاصل، وكلكامش الفرع وهو نفسه مؤلف الرواية (واثق الجلبي) ولكن الشخصيتين تمثلان وجه واحد وروح واحدة، لكن في عصرين مختلفين تماماً، لذا فأن شخصية كلكامش مركبة أو ثنائية بين الاصل والفرع، وفي سحب الملحمة لتنطق بلسان الحاضر وتبعياته القاهرة في المعاناة والعذابات الانسانية لشعب أوروك الجديد. الحدث الروائي يعتمد على رؤية الخلود وصياغته من جديد، واعطت مساحات واسعة في الاهتمام الشديد في مسألة عشبة الخلود، التي فجرت الاسئلة الساخنة في وادي العقل. في الصراع وكذلك في متاهات السراب في الحصول على العشبة والخلود. وهي تدل على رحلة استكشاف الانسان لنفسه ولهويته. لان من المنطقي السؤال: ما فائدة عشبة الخلود للملك السعيد على قهر ومعاناة شعبه، فما قيمة الخلود وهو يقتل شعبه من الوريد الى الوريد، فما قيمة عشبة الخلود على معاناة وشقاء شعب أوروك القديم والجديد. ان تسرق حياة الانسان. لتكون عشبة الخلود للخائن والعاق والنكرة وناكر الجميل، والثعلبي في ازدواجيته الشخصية بين الراهب والارهابي. فما قيمة عشبة الخلود حينما تكون منصة لحرق البلاد والعباد والشجر والحجر. لذلك اكتشف كلكامش بعد رحلته الطويلة، التي عانى المخاطر والاهوال، وتيقن بأنها كانت رحلة حماقات لا تغتفر، في محاولة لتدمير الانسان ودفعه الى الخنوع والخضوع لقوى تسيره مثلما تريد، في خضم الصراع القائم. فما قيمة عشبة الخلود في خوض المخاطر الحياتية في الحصول عليها حتى يسرقها الاخرين، وهذا بالضبط مثل مايحدث في عالمنا الفوضوي، الثورة يقوم بها الشجعان ويسرقها الجبناء (أشعر بأن طعم خطيئته تطارده... لو اتيحت له الفرصة لما ترك مكانه... آدم بلا عباءة..... عباءتنا اليتيمة كانت من الخالق العظيم... أقتربت العباءة من الارض.... قلبه لم يعد موجود من أهوال الرعود التي اطلقت من كل مكان.... لم يعد في العباءة مكان لوجهه..... كانت الثقوب تشرب الوجوه والوجع....عن أي وجه سيخبر الناس؟) ص20. معاناة سنوات العجاف، كافية لتعلم العقل والحكمة، ويدرك في اي اتجاه هو يرتكز، لان البحث عن الخلود يوازي البحث عن الله، ليس الخلود من امتلك القوة والسوط ليجلد شعبه ويدفعه الى الحرمان. وانما الخلود هو البحث عن ذاته وهوية جلده. الخلود اكتشاف الذات في افق الرحمة والحكمة والبصيرة (ما أجمل أن نؤمن أن الحياة هي الرحمة التي تكمن بالتسامح ومن بعد التسامح تأتي كل الاشياء الجميلة) ص6.. هذا الاكتشاف الجوهري من خضم مخاض الرحلة الطويلة في اهوار العراق التي ترقد في قاعها عشبة الخلود، التي سرقتها الافعى (الحية)، بعد المشي في طريق الاهوال المعبدة بالمخاطر والمجازفات في رحلة كلكامش (الاصل والفرع). طريق خطير وطويل جداً مليء بالعقارب والدببة والاسود والافاعي والوحوش الضارية، لذلك ان عشبة الخلود في أوروك اصبحت عملية جذب واطماع واستحواذ والاستيلاء لخنق شعب اوروك العظيم، سواء عن طريق الانقلابات العسكرية أو الحروب أو الاحتلال. شعب مصاب بلوثة الطغيان والاستبداد من اجل خطف وسرقة عشبة الخلود. لذلك اصبح البحث مأزق حقيقي لكلكامش (الاصل والفرع)، لانه انتهى به المطاف ان يكون مهزوماً يتجرع الخيبة والاحباط والصدمات، وخاصة بعد صدمة موت صديقه أنكيدو. هذا الموت جعله ان يفجر الاسئلة في رأسه ماهي الحياة وماهو الانسان؟ اصبح ضحية الاسئلة الساخنة التي تؤرق عقله وتكوين تفكيره (كل هذه الامور تشربت داخله وهو يفقد الوعي ليجرب عالماً جديداً لم يكن أرتقى سلمه مسبقاً، هل ستكون لحظات خلوده كما يشتهي قلبه؟

أم أن للاقدار رأي آخر؟

هل بحث عن العشبة أم أنه يبحث عن نفسه؟

هل الخوف هو عنوان دائم للرجاء؟

هل ترجو من غير أن تخاف من شيء؟) ص17

تيقن ان الحياة تسير نحو العبثية التي تكدر حياة وسلوك الانسان، ولا يستطيع ان يفعل شيئاً ازاء هذه الضغوط المتسلطة. انها كوابيس حياتية ينبغي التخلص منها في البحث عن ملجأ آخر. لذلك فكر وقرر كلكامش الرحيل دون عودة. ترك اطفاله في حالة البكاء والحزن بأن ابيهم سيرحل عنهم دون رجوع. هي رحلة البحث عن جده (اوتوبشتم) الذي مازال على قيد الحياة، ولم يذهب الى العالم السفلي. ان ينقذه من ورطته، ان يترك كل شيء الملوكية والجاه والمقام من اجل الخوف من عاقبة الموت.

لم أستطيب طعم الملوكية

أنا خائف من الموت

هذه حقيقتي

حقيقتي التي أخفيتها عن نفسي

لم يجابهني بها أحد

تراب يتكلم مع تراب

فلماذا لا تجيبوني؟

لماذا لا تجيبوني؟ / ص42.

هذه الحقيقة التي يدركها العالم، بأن تاريخ شعب أوروك العظيم ملطخاً بالدماء والموت عبر العصور المتعاقبة، عبر أشكال مختلفة، سواء بالانقلابات العسكرية أو الحروب أو الاحتلال. ومن يستطيع ان يراهن على امتلاك عشبة الخلود، يعني امتلك البلاد والعباد والشجر والحجر. وترك الحياة تئن باوجاعها، بسرقة الافعى (الحية) عشبة الخلود. كأنها فتحت ابواب الشر على شعب أوروك. لذلك يوجه كلامه الى الافعى (الحية) السارقة.

 - لقد مللتُ أيها الحية وأنا أتساءل كيف أستطعتِ أن تصمدي كل هذه السنوات وانتِ تبدلين جلدكِ؟

- كيف تحملتِ واحتملتِ كل هذا وصبرتِ على هذه المعاناة؟

- لست مثلك ايها الملك، عقلي وتفكيري ليسا على تطابق تام مع عقلك وتفكيرك وأحلامك. المسألة تختلف تماماً)ص51. يعني بصريح العبارة، من فاز باللذات من كان جسوراً. هذا يبين حجم المعاناة والتضحيات والمخاطر والمجازفات والاهوال في رحلته المغامرة، وقتل الثور السماوي بمشاركة صديقه أنكيدو. كل هذا القتل لم يجلب سوى الحزن ومتاهة العقل والافكار. وفي زوبعة من الالم بأن ماحدث هو وحده يتحمل تبعياته لا غيره. هو المسؤول عنها لا غيره، ويصرخ بصوته الذي يحمل المعاناة التي تجرع علقمها بأن الذنب ذنبه هو لا غيره.

 أيتها الارواح الساكنة فيه

لا ذنب لانكيدو

لا ذنب لعشتار

الذنب ذنبي

هذا ما أقترفته يداي

يا أرواح مدينتي

يا أهل أوروك

سامحوني

جئت اليكم نادماً

لم افكر بشيء إلا المسامحة

أذيتكم وطلبت الكثير منكم

لاني احبكم واحب هذه الارض / ص64.

ادرك بعد المعاناة الطويلة أن البحث عن عشبة الخلود، كمن يبحث عن الماء في سراب الصحراء. لذلك جزع من هذه عشبة الخلود ولم يعد يرغب بها، ويصرح برغبته الى جده (اوتوبشتم):

- جدي لا أريد الخلود. لم أعد ارغب بالمزيد. الحياة أتفه أن تعتاش مرتين

- هل فهمت كلامي أخيراً؟ ص92.

 أنه بعد هذه المرارات يريد أن يهرب من هذا العالم المخزون بالنفاق والخداع، والذي يحشر الانسان ويدفعه الى الخنوع والخضوع ويضاعف عذاباته. ويدرك أن البطولات تنتهي الى مهزلة ومأساة. فبعد الصراع الدموي. قتل الاسود وصارع الوحوش وقتل الثور السماوي، انتهى الى لاشيء، ورجع الى أوروك كالملك المهزوم والمكسور.

لم أكن اعلم أن أغبى الرجال كان في فمي فلفظته

لم أكن أعلم أن الصمت بذرة الكلام

لم أعرف أن الليل لسان النهار

لم أدرك حينها لماذا نسمي القلب دليلا

لو أني بحتُ بالاشياء التي كنت لا اعرفها لضاق بي النخيل) ص98.

لذلك (جلس متأملاً العشبة وعيناهُ بين دموع الفرح وبكاء الحزين. كتب ملحمته من جديد، الآن بعد أن أبصر طريق الحكمة، لابد من أطفاء قلبه الحزين، الاطفاء ليس بمعنى النهاية فلا وجود لنهايات في سلسلة الحيوات المستمرة. هل الحكمة تعني الموت؟

أم أن الانسان لا ينتهي؟

هل حكمتهُ سوف تكون وعياً معرفياً لعالم آخر.

ليس من المعقول أن يفنى هذا الكيان بهذه البساطة) ص103.

ويبتسم وعيناه مصبوغة بالدموع وهو ينظر الى الحية تأكل العشبة ولم تترك شيئاً له، فيقول لها وهو يباركهاعلى فعلها:

- هنيئاً مريئا

- ألم تغضب؟

- لماذا اغضب؟ لقد اخترت هذا الطريق وأنتِ كذلك

- أخترت ان اعيش شباباً دائماً

- هذا لن يكون

- أنت تندب حظك مرة أخرى

- هل تعلمين ماذا أكلتِ الآن؟

- أكلت عشبة الخلود التي كنت تبحث عنها

- لا أيتها الحية لقد أكلتِ عشبة الموت) ص106.

ويرجع كلكامش الى ذاته في معرفة ماهية الحياة. من هذه الرحلة الطويلة التي تخللتها المغامرات، والاخطاء والرزايا والذنوب. تيقن ان قيمة الحياة هي:

الآن تلمستُ خطاي بعد أخطائي

مفعم أنا بالرحمة تجاه من ظلمني

الحب رحمة

الصدق رحمة

السلام رحمة

الابتسامة رحمة

كل شيء لا تسكنه الرحمة فهو ليس من العوالم) ص111.

× الكتاب: رواية. كلكامش... عودة الثلث الاخير

× المؤلف: واثق الجلبي

× الاصدار: عام 2021

× عدد الصفحات: 136 صفحة

× طبع في مطابع دار الشؤون الثقافية العامة

 

جمعة عبدالله

 

ناجي ظاهريأخذ الكاتب الامريكي جاك لندن قارئ قصصه ورواياته، إلى عوالم انسانية رحبة تنتصر للفقراء والمساكين وترفع لواء الانسانية المعذّبة مهيضة الجناح، وبإمكان من يُطالع أيًا من اعماله القصصية والروائية، ان يلمس تلك الروح الانسانية المتوثبة، التي كتب منطلقًا منها، عن الانسان في الغابات والبحار البعيدة.

ولد جاك لندن في سان فرانسيسكو الامريكية عام 1876 لوالدين غير متزوجين، وكان والدُه رجلَ دين عمل في السحر والتنجيم، وقد توفي لندن عام 1916، عن عمر ناهز الاربعين عامًا فقط، (يقال انه مات منتحرًا)، تاركًا ارثًا ادبيًا غنيًا تمثل في اكثر من خمسين كتابًا، ترجم معظمها الى العربية، اذكر منها:" تحت سماء الجليد" صدر في الستينيات عن مجلة "شعر" ضمن سلسلة "روائع القصص العالمي"، "الناب الابيض"، صدر ضمن منشورات وزارة الثقافة السورية، و"قبل ادم"، صدر ضمن منشورات سلسلة "روايات الهلال"، المصرية الشهيرة قبل سنوات، ولعل زيارة سريعة لمن يرغب للشبكة العنكبوتية "غوغل"، تقدم المزيد من المعلومات عن المزيد من مؤلفات لندن المترجمة الى العربية.

يرى النقاد والباحثون ممن تعرّضوا لحياة لندن وانتاجهِ الادبي السردي، ان شخصيته المعذبة المغامرة انعكست في كل ما كتبه وانتجه خلال عمره القصير، وان ثمرة عطائه لم تسقط بعيدًا عن شجرة ابداعه وانما اقتربت منها اقترابًا شديدًا، فهو يتخذ من عالم البحار مرتكزًا اساسيًا لمعظم كتاباته، لا سيما في كتابه "بين الجزر"، الذي نتحدث عنه فيما يلي، ان من يتابع تفاصيل حياة لندن المنشورة يلاحظ ان طفولته لم تكن سهلةً وانه عمل في اعمال جسدية متنوعة ومختلفة، كما انه سافر في يفاعته، قبل بلوغه سن السابعة عشرة بقليل، على سفينة قراصنة إلى بلدان الشرق الاقصى، وانه عاش رحالةً متنقلًا في ربوع العالم واصقاعه البعيدة، ما وفّر له ذخيرةً لا ينضب لها معينٌ من القصص والتجارب الثرة الغنية. وهو ما هله بالتالي لأن يكون الكاتب الامريكي الاشهر في العالم ابان الربع الاول من القرن العشرين. مع اشارة لا بد منها وهي انه ما زال مقروءًا في جميع انحاء العالم.. حتى ايامنا الراهنة.

في كتابه "بين الجزر"، (لم يترجم إلى العربية فيما اعلم كاملًا)، نُطالع ثلاثًا من قصصه المؤثرة والمعبّرة، هي مابوهي، وقد سبق وترجمها جوفر حداد في كتاب "تحت سماء الجليد"، المشار اليه آنفًا. ماوكي، ومنحدر من عنصر مك - كوي. هذه القصص تتصف بالطول النسبي، وتتحدث الاولى عن اسود فقير يعثر على لؤلؤة ثمينة جدًا قد تكون الاندر والاثمن في العالم، وتبدأ برسوّ سفينةٍ تجاريةٍ قرب الجزيرة التي يقيم فيها. احد المتبطلين السود يخبر قائد السفينة، ان مابوهي، بطل القصة، عثر على لؤلؤة ثمينة، فيتوجّه هذا (التاجر)، إلى مابوهي ويسأله كم يريد ثمنا للؤلؤة فيطلب منه هذا ثمنها بيتًا ذا مواصفاتٍ تروق له، ويبدو انه يتمنّاها. يبذل التاجر اكثر من محاولة للحصول على اللؤلؤة الثمينة دون الاستجابة لعارضها للبيع، اقصد مابوهي، وبالتالي بناء بيت له، إلا انه يخفق، فيغادر المكان، لترسو سفينة تاجر آخر. المتبطل المشار إليه يخبر هذا التاجر ان مابوهي عثر على اللؤلؤة النادرة الثمين، فيتوجّه هذا من فوره ويسأل مابوهي عن لؤلؤته النادرة، بعدها يطلب ان يريه اياها فيستجيب له مابوهي. يضع التاجر الثاني الجوهرة في جيبه ويُخبر صاحبَها المسكين، انه بهذا يكون قد استد دينًا كبيرًا له عليه، وانه سيقدم له ما تبقى.. المتبقي من ثمنها، وفق تقديره، عندما يبيعها بالثمن المتخيل. بعدها تتطوّر الامور لتهب عاصفةٌ على الجزيرة تجرف كل شيء في طريقها، وتجد والدة ما بوهي نفسها وقد جرفتها المياه بعيدًا بعيدًا، لترى من بعيد جثة ذلك التاجر وقد طفت على سطح الماء بعد ان غادرتها الحياة، تبحث الوالدة في ملابس هذا التاجر لتعثر على اللؤلؤة الثمينة، لتأخذها وتنطلق بعد ذلك في رحلة العودة إلى حيث ابنها وزوجتُه، ويبدع الكاتب هنا في الوصف والتخييل القصصي، فيصف لنا كيف قصّت الوالدة شعرها المسترسل بقطعة حديد حادة عثرت عليها قريبًا منها لتصنع منه حبلَ خلاصِها من الغرق، في مياه العاصفة والفيضان، ولتستقل بعدها بقايا قارب طافية.. يوصلها إلى حيث يقيم ابنها مابوهي وزوجته. القصة تنتهي بعودة اللؤلؤة إلى اصحابها الفقراء، بعد ان انتزعها من بين ايديهم ذلك التاجر الفاجر!!.

القصة الثانية "ماوكي" تتحدّث عن طفل اسود وديع ايضًا، منذ اختطافه من مملكة والده وهو لما يزل طفلًا صغيرًا، حتى عودته إلى بلده واستعادته ملكه، مرورًا بالعذابات المريرة التي عاشها من اختطاف إلى آخر، وعن محاولاته المتكرّرة للهروب، تلك المحاولات التي تتكلّل في النهاية بالنجاح بعد ان يتمكن من قتل مضطهده ومنتهك حرمته الانسانية. القصة الثالثة تتحدث عن سفينة ملتهبة وعن شخص اسود ينتسب إلى عنصر الماوك كوي، هذا الشخص يفلح في ايصال البحارة الى بر الامان والنجاة.

فيما يلي اسجل ملاحظتين أراهما هامتين، اولًاهما انه لا توجد هناك مصادفات يمكن ان تخل بالسرد القصصي اللندني، فنحن في قصة مابوهي مهيؤون منذ البداية لاحتمال العاصفة، ونحن في القصة الثانية نعايش الشخصيات بكل تشعباتها، لنجد انفسنا في النهاية امام قصة ضُفرت اطرافُها ببراعة وحذق فني واضح. وقُل مثل هذا عن القصة الثالثة. اما الملاحظة الثانية فقد سبق والمحت اليها، وهي، اضافة الى ما قلته، تتمثّل في اثارة الكاتب لقضايا انسانية تحترم الكائن البشري وترى فيه القيمةَ العليا في الوجود، وتبتعد عن التمييز بين إنسان وآخر على اسس عنصرية. ولا غرو في هذا، فقد عرف جاك لندن بمبادئه الاشتراكية الانسانية في حياته، افكاره وكتاباته، ولعلّ من يقرأ روايته الفريدة" العقب الحديدة"، يتأكد من هذا.. تمام التأكد.

 

قراءة خاصة يقدمها ناجي ظاهر

 

عقيل هاشم(السرد المتنامي وفتنة الانساق السردية المخاتلة)

يقول  الكاتب "الاستاذ احمد خلف" في مقدمته للرواية: «أن تكتب رواية حديثة بمواصفات عالية الجودة، هذا يعني أنك تشيد مدينة بعينها، أعني مدينتك التي تأمل أن تمضي بقية العمر في مساكنها، وشوارعها، وأزقتها، وأسواقها، ومقاهيها، وحدائقها، وتمارس حياتك على أعلى درجات الكمال والرقي، خصوصًا إذا حالفك الحظ وكتبتها بصبرٍ وتأنٍ. وحين تحشد لها كل طاقتك وتجربتك الجمالية، والفنية، والحياتية، أي كل ما تعلمته واختزنته في ذاكرتك، ووجدانك، وعقلك، وجسدك، وأيضًا روحك، يقينًا ستظهر لديك رواية جيدة.

هذا يعني أن بناءك للمدينة جاء ممتازًا، وهي قابلة للعيش، بل يمكن أن تكون مفخرة لك ولكل من يتابعك بإصرار، ومحبة، واحترام، واهتمام بما تكتب، إذ كل شيء شيدته في روايتك – أعني مدينتك- جاء صالحًا لتعيش في حياةٍ مرتجاة.

إن النص  الروائي في رواية "البلهوان" للقاص والروائي (الاستاذ احمد خلف)يمارس غوايته الفنية عبر تجلياته وصوره الفاضحة لتعرية الواقع  والممارسات المدنسة .رصد وكشف وتعري للواقع الفاسد والذي لايقل عن تعري الجسد وكشف مفاتنه،  وبذلك نجد حضورا كثيفا للجسد كرمز للتطلع إلى عوالم يتصارع فيه الجمال والحرية والدنس . وهنا يفضي النص إلى سردية تهكمية مادتها  الجسد والسعي وراءه ..وجبة جاهزة للالتهام!

وهي صورة باذخة من التاثيث لأوج الاشتعال ثم الانطفاء. ويرتكز هذا السرد المتنامي  عن الجسد كمدخل الى "فلسفة المتعة " التي شيأت الجسد الأنثوي، لاسيما وإن الجسد في الثقافة  ذو بعد فلسفي وديني، يحضر هذا التمثل في الاساطير كمظهر جمالي فلسفي  كما في أسطورة "عشروت عند الساميين" أو "ناهيتا عند الفرس" "فينوس عند الرومان"، وهي أساطير ذات دلالات وإيحاءات خصبة.

اقتباس

(شعرت به يحاول الاطالة في الهيمنة على جسدها الذي اصبح هشا ولينا بل ومطواعا يديره حيثما يريد ويلويه حسب اندفاعة الشبق في ذلك الجسد وهو يشتد في صراع متكافئ .دفع ذراعه العاري اسفل مؤخرتها ليرفع الكنز ويصبح سماع انفاسها المتلاحقة .كلما دفع شيئه الى العمق بعيد الغور كان صوتها يتعالى كأنها لم تمارس جنسا شهيا كهذه المتعة والعنف الذي جعلها كخادمة بين ذراعيه الممتلئين وهي تستلم للنشوة المندفعة كزوبعة هائجة ....ص91

وقد امتازت الرواية، بلغة أدبية راقية، وتسلسل أحداث مشوق يعكس مدى براعة الكاتب في أسلوب السرد، وفي المراوحة في ضمائر السرد والزمن معاً.  ومن خلال إصرارها على الكشف والاعتراف لكل انحراف، ظل النص قادر على أن بسلب انتباه القارئ منذ البداية، وذلك بفضل تضافر الحكاية مع اللغة: فالحكاية اللاهثة القادرة على شح القارئ بمشاعر مخلصة بالمتابعة  تسهم في إعطاء الرواية ميزة القدرة على الإقناع والإدهاش.

هذا النوع من السرد ظهر بعد مايسمى "سرد مابعد الكلاسيكي"  حينما تكون هناك قصدية بالتداعي والذي يرتبط السارد بتمثلات الوعى ارتباطًا مباشرآ تتداخل  فيها الكثير من "السردية الثقافية"  وتتزاحم بشكل كبير مظاهر "الهامش" . رصد حيوات يومية فى حياة البعض الذين افرزتهم ظروف معينة  بشكل عام من التناقض الذي صاحب تحولات معاصرة بين حياة الماضى والحاضر، وما آلت إليه الأحداث بالفعل. فقد حملت “الرواية” عنوانًا لافتًا مثيرًا للتساؤل؛ فالبهلوان شخصية يحمل في ثناياه  شيء من الازدواجية الإيذاء والقسوة والخيبة العميقة.

2574 البهلوان احمد خلف

اقتباس

(اراد الاخير ان يتوارى عن نظرة طه حادة العتب لكنه فوجئ باليد القوية تمسك ذراعه حتى ان صوت الانين الخافت صدر من فم الاسطة وهو مزيج من الرضا والرفض للذي فعله سالم بمقبض الباب الذي بدا مشوها لمن يراه لاول مرة كان رضاه يتسم بقناعة انه لايستطيع ان يسبب غضبا ل طه .كانا متفقين على سر دفين يجعلهما يتجاوزان كل خلاف يقع بينهما ولو بالصدفة او بتخطيط من اخرين ...ص84

الرّواية تقدّم حيوات  هامشية ، هدفها تغليب المصلحة الشّخصية على العامّة، طباعها "الخيانة، الغدر،الخسّة، الدّناءة، الموبقات جميعا ”أمور حاضرة وبقوّة في سرد الرّواية، ولا مكان للبطل  الحقيقي وانما المزيف هدفه ونضاله الوصل الى غايته باي ثمن لإصمات نزواته الحيوانيّة الّتي تنتابه بين الفينة والأخرى صانعا له عالم خاص من "مملكة" نساء/ رجال اشداء تكاد ان تكون على مقاسه (البهلوان) صوره لنا المؤلف بصورة الشيطان بعينه،وقد اجاد في ذلك واخيرا عراه تماما، .لذلك البطل اختار أن يستمر على ما كان عليه،متحجّجا بأنّه لا خيار آخر أمامه. المؤلف كان بارعا في سرده المكثف وتقنية المونتاج والميتاسرد..ليجد القارئ نفسه  مشاركا في حكاية هي من نسج خيال كاتبها ،عرض الأحداث في بنية سرديّة ذات طابع حداثيّ ومتفرّد. وقد يتجلّى للقارئ من خلال النّص بأنّ الكاتب كان مجيدا يدرك جيّدا عمّا يتحدّث به سارده ولمن يروي ولأجل ماذا يشرح.التزامه بقضايا عصره ووطنه وايضا  قدرته على الغوص في النّفس البشريّة وتحليل التّناقض الّذي يصارعه شخوصه الذين يسندون البطل المزيف .والتي لاتنفك بالمشاركة في صنع الاحداث بشكل خاص ولا تكتفي بمراقبة الحدث، بل تتدخل في الحكاية،

اقتباس

(مالمقصود من هذا كله ؟هل نتبع خطة في رواية مانجدها مقنعة لمن تقع بين يديه قصتنا هذه ؟ نحن نىوي ماشاهدناه ذات يوم لما ذهبت بطلتنا بنفسها الى غرفة طه قبل منتصف الليل وكان الجميع قد اضطر الى اطفاء مصابيح البيت .كان البيت مطفاة لان الليل هبط مسرعا بين البيوت والجدران وتساقطت العتمة على الناس ...ص47

"البهلوان" هذه الصورة السلبية التي تترسخ في لا وعي المتلقي، والتي تستدعي إلى ذهنه الكثير من هذه المسوخ  التي ظهرت الى السطح فجاة وبدون سابق انذار. والتي كانت أكثر تأثيراً وحضوراً اليوم في  الشارع .وفي مقدمة الاحداث التي تظهر بوضوح في الوسط الاجتماعي/الثقافي  وتحظى بالمكانة وقد عاشت هذه الشخصية تقلّبها بين حب السيطرة والملذات وأصبح شرب الخمر ومضاجعة النساء الجميلات هو الحل الوحيد الذي ينجيه من كابوس الفشل في ماضي الازمان وتذكر حادثة سرقة قرص الخبز  .اما الزوجة"ام غايب" وهي من الداخل خيالية وشاعرية وتسلطية تحركها غرائزها ولاننسى هي عقيم، وغير قادرة على التحكم بمشاعرها إلى حد بعيد، تبدو كأنها أقوى منه، لكنها ضعيفة في داخلها فقدت اتزانها بعد تزوج عليها زوجها بفتاة شابة .وهنا حصل تحول في شخصيتها  واصبحت لقمة سائخة للشهوة وقد شحذت رومانسيتها بالاشتهاء

اقتباس

(كشف بيد جسورة عن فخذيها انذهل لشدة البياض ونظافة الشعر .كانت مستسلمة لارادته المتسارعة وقسوته المحببة لنفسها .وطيف ابتسامة خفية يطوف على ثغرها .يرى هذا كله ويمتلا رغبة في التجديد معها مرة اخرى ...ص145).

وقد قدّم السارد  شخصية ام غائب  ذات  ميول متحولة ولاتستقر على حال .ولها ردود أفعال غير متوقعة. كما يتضح ذلك  المشهد الختامي  في الرواية والذي جمعها مع الشاب "خضر" .والمقارنة بينهما  (مراد/خضر)، وكان لهذا الحضور تأشيراً واضحا حينما قالت له (انت مثل ولدي وهو يضاجعا مرغما وهي تتمثله لبنها فعلا "غريزة الام")..

. اراد الكاتب ان يخرجها من النمطية السلبية ( جسد للمعة )خالي من العواطف والمشاعر .وتأصل ذلك عندما فقدته .. وتبين ذلك لاحقا انه  اختفى في واقعة سبايكر  فظهر نقيض شخصيتها ثم راح يتنامى السرد ويتحول الى "حالة من التطهير" حين استقبلت  المرأة والطفلة "ازهار".لكن الكاتب جاء بنص مقاوم لكل هذا الخراب فقد حرص بلغة شعرية على  تجاوز المحنة وهذا الاغتراب لشخصيات عمّقت انكسارها وتشظيها..

اقتباس

(تعجبت ام غايب اشد العجب للذي حصل معها قبل دقائق وهي في حالة من العجز مع المرأة التي تقف امامها .كان الذهول اخذها واستولى على وعيها لاتدري ماذا تقول وكيف تتصرف مع المرأة التي تراها لأول مرة هنا في زقاقهم حتى انها توجهت باللوم لنفسها انها لاتدري ماذا يجري في الخفاء في هذا الزقاق ....247)

ويستمر الصراع على اشده بين اقطاب الرواية الاساس حين  يلتقي البهلوان الشخصية الدخيلة ( المعمم ) وجلاوزته "ابو الخير" وعندها يتغير المسار الحكائي للرواية وتزداد سخونة ودهاء بحيث يأخذ منحى مختلفاً لا يفضي إلى نتيجة مرضية بل الى خراب محتمل . هذه الكناية للاسم  "ابي الخير" من تناقضات وافرازات المجتمع ايضا .رجل شكله يعاكس مضمونه له مواقف متقلّبة تكشفه ماربه وحصل على مساحة من الكاتب  ليزيده اهتماماً بالغاً،. وقد اثار وجود هذه الشخصية امتدادا للتأويل،ومساءلة الحالة الإنسانية المعطوبة والتي يغريها المظهر المزيف، وما اظهرت هذه الشخصية من ذروة الوجع  للأخرين .وكيف اشعل حربا سرية بين الشركاء وخرج منها منتصرا، وفي اعتقادي اراد الكاتب عن حضور هذه الشخصية المخاتلة  ليضفي متعة للسرد وشوق للقارئ .. هذا (الانموذج )المثقل بهواجس الموت  وتشويه السّلم الاجتماعي للوطن  ببث التفرقة .وانه الخطر المتفاقم والمتمادي في قطف الأرواح البريئة وأن ما نشهده الآن من دمار ممنهج، والإستئساد فيه للحضور الملغز وهو الذي يسعى الى عدم الاستقرار في المجتمع  واقصاء ثقافة تعايش وتسامح الأعراق والأديان.

اقتباس

(من هو ابو الخير ؟واي شخصية يتصف بها ؟التحايل والتزوير والتزييف والكذب كلها تؤدي الى نتيجة واحدة هي انتحال صفة مؤثرة اجتماعيا صفة من الصفات التي انتحلها في يوم ما ان تتخذ جانب الحيطة والحذر منه ومن امثاله .ها انت احطت نفسك بأعداء لم تحسب لهم من قبل أي حساب .كيف حدث هذا كله مرة واحدة ...ص262)

وليس آخرا، اقول ان الرواية بمثابة المرآة العاكسة لواقع المجتمع اليوم في تطوراته وتحولاته، استقي  وقائعه واحداثه الاجتماعية من ذاته  و لا يمكن للقراءة ا أن تقتصر على جماليات النص فحسب بل على  قبحياته ايضا وهذا النص هو جزء مما اراد المؤلف كشفه لنا لكنه لم يترك نصه هكذا وانما اراد ارسال رسالة مهمة بان الحياة مستمرة رغم انف كل زيف ودنس وللقادم للشباب .جيل المعرفة والحب والجمال وان طال الفجر.

اقتباس

(قالت له :هذه رسومات ابنتي ازهار تخطها بيدها كل مساء وانا لا افهمها ربما انت تعرف بعض معانيها ..قال وهو يركز نضرته على الخطوط والاشكال المرسومة في الورقة : لا أعرف معانيها لكنني ارى شجرة كبيرة تتوسط المكان ورجل يسير الهوينى وبتؤدة ثمة نقطة محددة يقصدها الرجل .هذا طائر غريب يشبه طيور المستنقعات المائية النائية ,طير كبير له لون ازرق بلون البحر يميل الى العدم او الصبر الطويل يخط دربا ميسميا بتحليقه نحو الاعلى...ترى هل حركة الطائر طريق مفتوح ننتظره جميعا...279)

“البهلوان” محاولة جادة  للنهوض واستعادة الحياة الحرة الكريمة  من هذا الزمن الغابر واعادة له  وهجه ونضارته، وربما هذه الشروخ التي أحدثتها السياسات الخاطئة في الجسد المجتمعي  اليوم لكن المستقبل كفيل بإعادة الامور الى نصابها، وسوف اكتفي بهذا القدر اليسير في قراءة هذا النص الروائي الذي ما يزال يكتنز في بواطنه أسرارا ودلالات وإيحاءات رؤيوية تفتح الباب أمام فضاءات التأويل للكشف عن خباياه  ..

 

قراءة عقيل هاشم

 

طارق الكنانيما يطلق على البياض انه لغة الصمت وله علاقة في سلوك الانسان واحساسه باللاوعي، واذا راجعنا تاريخ الانسانية سنجد البياض يرتبط بطقوس متعددة قد تتناقض في مضامينها  ودرجة القدسية ولكن الرمزية واحدة فهي توحي بالنقاء ،فعند العراقيين نجده يستخدم في عدة مناسبات ،عند الولادة تكون ملابس الطفل بيضاء، وهي ترمز للكثير من المعاني منها كون صفحته مازالت ناصعة البياض، وعند الزواج تجد ملابس الزفاف عند المرأة هو البياض وهو يرمز للعذرية، وعند الممات تجد الكفن بلونه الابيض وهو لا يخلو من رمزية ايضا .وعند المغاربة نجد اللون الأبيض له استخدام آخر وهو يرمز للحزن والمشيب فعند ممات أي شخص تجد مظاهر الحزن تتمثل باللباس الابيض. فاللون الابيض متشعب ومتعدد الاستخدامات فإذا اردنا ان نصف شيئا معينا نقول انه (ابيض من البياض) ونقول لصاحب الاحسان (ذو ايادي بيضاء). ومازال العقل البشري ينحت مصطلحات في الموسيقى والتشكيل والجغرافية لما يرمز به البياض (ففي الخارطة نجد مواضع بيضاء) دليل على انها اماكن لم تكتشف بعد وفي الموسيقى كالباليه الأبيض و(الحلية البيضاء) إشارة إلى سلم النغمات الصافية في الموسيقى الالكترونية. (وثمة صيغة من صيغ التأمل استوحاها الغرب من حضارات آسيا قد صارت تشكل فيه فناً مصاغاً أو فناً مفرغاً من الفن، في مقابل الجزع من الفراغ، وحتى مطلع القرن العشرين نجد رساماً علماً من مصوري الغرب - باول كلي Paul Klee - يحس بالخطر يطل عليه من مساحة بيضاء غير ملونة في قماش لوحة، كما يزاوله القلق أمام فراغ مقبض موحش) (مقال: معتصم زكي السنوي).

البياض يشير إلى الفراغ المجهول والعذارة البكر، بل إلى القداسة التي لا يحكمها عقل، ومن قديم الزمان هو يشير الى الوحشة ،ففي قوانين الطبيعة هو يشير الى  اللا لون في إطلاقه، أي القاعدة التي ينطلق منها التلوين، أو هو كما تبين لجوته - إيقاف التلوين. ويرتبط البياض في علم النفس بالصفر. وما زال اللون الأبيض عنصراً يستخدم في جميع مجالات الإبداع الفني. والشعر المعاصر يرى في البياض قيماً تعبيرية كبرى.

2572 سلام البناي

في مجموعته الشعرية الموسومة بـ (ما يفسره البياض) الصادرة عن اتحاد الادباء والتي احتوت على واحد وعشرين نصا شعريا يفتتح الشاعر (سلام البناي) المجموعة  بنص شعري بعنوان (سيدة البياض) ولعل عنوان المجموعة قد أُخِذَ عن هذا النص الشعري ،حيث يتكرر الفجر والليل في عدة نصوص من المجموعة وربما حتى في النص الواحد نجد القمر والغروب والليل والفجر في عدة مقاطع من القصيدة وهو ما يرمز للبياض ونقيضه:

في محاولتها الأولى

لتدوين البكاء

اتخذت من ضوء القمر متكأً

فارتعشت روحها بالبياض

لقد ترك الشاعر تفسير الرعشة للقارئ كما يراها فهي مع البكاء ربما كان الخوف او الشوق، ومع البياض ربما تتصاعد حدة الرعشة هذه الى النشوة فعند بلوغ البياض تكون قد اكتملت النشوة وتبدأ مرحلة اللا لون في صفاء الذاكرة ونقاء الوجود المحيط بنا فتتعرى الذاكرة من كل ما يحيط بها من الوان وهنا يبدأ الصمت معبرا بلغة شفافة عن البداية ويكون مرتكزا لوضع الوان جديدة  تزخر الحياة كلون السنابل ولون خضرة النخيل فالليل قد مضى واخذ معه الوانه المضيئة في عتمته السرمدية:

ذات ليلة حدّثتني

كيف تستفيق معها

عيون النخيل

وهي تختفي مثل نجمة

يطاردها الفجر

لتشطب الجوع

بمحراث مواسمها

وتصوغ لنا من سنابل شعرها

تيجان الرغيف .

فرمزية الرغيف هي صناعة الحياة حيث تبدأ من بياض الفجر .

لقد كان الفجر في قصيدته (مازلت اتذكر) يجسد لغة الصمت والخوف وغربة الحروب التي تركت انطباعا حزينا ومخيفا في المخيال الشعبي يجسده الشاعر بقصيدته هذه ويتحسس ذاكرته بما جاء به ضوء  ذلك الفجر وما تركه من آثار على حروف الحزن التي تضج بها قصيدة البناي .فهو يقول:

عند الساعة الثالثة

عندما يقترب الفجر

على استحياءٍ

والصمت يسكب همساته

على انفاس الشجر .

في تلك الساعة

التي تذكرني دائما

بغربة الحروب

امرر أصابعي

على جبهتي

اتحسس مفاتيح افكاري

واحمد الله

أني  مازلت أتذكر....

وتبقى ذاكرة البناي مليئة بالخوف من صنّاع الموت الذين اطفئوا سحر الغبش، فهم بذلك اخترقوا قدسية البياض ولغة الصمت بصواريخهم ففي نصه الموسوم (عازف على اطلال ترابه) كان الشاعر يخاطب الذات الالهية بتضرع الفقراء حيث يقول:

يا الله

يا ملاذ الفقراء

في بلادك

يتكاثر الصاعدون اليك

ويتراجع الحالمون  انتظاراً.

يا الله

يا أنفاس الامهات القديمة

يؤلمني أن تنطفئ

نار الطريق الى البلاد

ثمة طفل

يبحث عن فراشة حلمه

سيبكي كثيرا يا الله

لتدلّه على فانوس براءته

هكذا يمضي (البناي) في نصوصه التي تضمنتها مجموعته الشعرية هذه بشحذ الذاكرة الجمعية والتذكير بما حمله ذلك الصباح من خوف ودمار فهو يتأرجح ما بين ذلك الصباح وما تلاه من خوف مضاعف رسخ مفاهيم جديدة لدى مجتمع تم قهره بحروب خارجية وداخلية نفذتها ارادة خارجية ويتضح ذلك من خلال الشكوى لله بعد ان فقد البياض عذريته و لونه ونقاءه  في خضم تلك الصراعات النفسية التي تعج في صدر شاعرنا.

 

طارق الكناني

 

 

مفيد خنسة"(النوستالجيا) هو مصطلح يستخدم لوصف الحنين إلى الماضي، وأصل الكلمة يرجع إلى اللغة اليونانية إذ تشير إلى الألم الذي يعانيه المريض إثر حنينه للعودة لبيته وخوفه من عدم تمكنه من ذلك للأبد، تم وصفها على أنها حالة مرضية أو شكل من أشكال الاكتئاب في بدايات الحقبة الحديثة، ثم أصبحت بعد ذلك موضوعا ذا أهمية بالغة في فترة الرومانتيكية . في الغالب النوستالجيا هي حب شديد للعصور الماضية بشخصياتها وأحداثها". هذا المعنى المستخلص من موسوعة (غوغل)، أما الشاعر الليبي محمد المزوغي يضيف في مستهل مجموعته الشعرية التي حملت العنوان نفسه: (النوستالجيا) حالة إنسانية تعنى بالحنين المسكون بالوجع لبانوراما قديمة تضمنا وتضم المكان والزمان اللذين كانا مسرحا تشكلت على ركحه أحداث نعتقد أنها الأجمل والأقرب فنحنّ إليها ونحنّ إلينا من خلالها، ولكن نحو (أنوستالجيا) أعمق ... يمكن القول: إن الحنين إلى الماضي لا يتعلق وحسب بالتشوق إلى وقت ما، وزمن ما وجد فيهما الإنسان بهجة الحضور وسكينة النفس وصفاء الرؤيا، فحاول استحضارهما أو الهرب إليهما . بل يتعلق أيضا بحنين الروح إلى نشأتها الأولى قبل أن تسجن في قفص العظام الذي نسميه جسدا، بل إن الحنين إلى ماضي الجسد الذي تعبر عنه (النوستالجيا) هو في الحقيقة مظهر من مظاهر الحنين إلى ماضي الروح، المسؤول الأول عن كثير من مشاعرنا وسلوكياتنا ربما من صرخة الميلاد حتى شهقة الخروج .

ونلاحظ هنا أن الشاعر يقدم لنا مساعدات تمهيدية لفهم المخمسات التي تتضمنها المجموعة الشعرية، ولكن على أهمية هذه المساعدات فإن المساعد الأهم هو القصيدة الشعرية نفسها وسأختار للدراسة والتطبيق نماذج من هذه المخمسات:

سأقول (أنت)

وربما أعني (أنا)

و(هناك) حيث أشير

قد تعني (هنا) (1)

حسن شهاب الدين

الفرع الأول: (بعينيك)

يقول الشاعر:

(أراقب في المرآة وجهي

فلا أرى سواك

فقل لي:

من أكون أنا إذن؟!

وهذا الذي

يدعى الحنين وجمره

يضيء ضلوعي

في ليالي ّقل لمن؟!

وما بيننا لقيا

أغيب إذا سرى

حضورك حتى ظُنّ أني َ

لم أكن

بعينيك لا عيني – حين أرى – أرى

وأنت الذي يبدو

وأنت الذي بطن

وأنت الذي في الصحو

يسكر ذكره

وفي السكر معنى الكل

في طيه ارتهن)

هذا الفرع يبين الشاعر فيه رؤية العين لما ظهر ورؤية القلب لما بطن، والعلاقة بينهما من منظور شعري، وعقدته (أراقب في المرآة) وشعابه الرئيسة هي: (فلا أرى سواك) و(بعينيك لا عيني) و(حين أرى) و(أرى) أما شعابه الثانوية هي: (فقل لي) و(من أكون أنا إذن) و(هذا الذي يدعى الحنين وجمره) و(يضيئ ضلوعي) و(في ليالي قل لمن؟!) و(ما بيننا لقيا) و(أغيب إذا سرى) و(حضورك حتى ظن أني لم أكن) و(وأنت الذي يبدو) و(وأنت الذي بطن) و(وأنت الذي في الصحو يسكر ذكره) و(وفي السكر معنى الكل في طيه ارتهن) .

في المعنى:

لا يمكننا تجاهل المفتاح الذي اعتمده الشاعر المزوغي في قول الشاعر حسن شهاب الدين (سأقول (أنت) .. وربما أعني (أنا) .. و(هناك) حيث أشير .. قد تعني (هنا))، والتركيب صوفي جملة وتفصيلا، وليس جديدا في الشعر العربي هذا الأسلوب في استخدام التراكيب اللغوية من حيث تعدد الجهات، وعلى وجه الخصوص علاقة المحب بالمحبوب، ورحلة الوجد للمتصوف التي زادُها الحب وناموسها الزهد، إلى حيث التماهي بينهما في لحظات الصحو، فتتجاوز الروح الكثيف إلى البسيط، ويصبح المتصوف بعد هذه الرحلة الطويلة من الصبر والمكابدة والمعاناة والتضحية، بعد هذا الشوق والوجد وحرارة الحب، بعد هذا التأمل والتفكر والعزلة والانقطاع، بعد هذا الحرمان والهجر والبعد والجوى، بعد هذا النأي والفرقة والمصابرة، في حالة من الهيام والسعادة، تجعله أكثر قربا من الله، وقوله: (سأقول: أنت وربما أعني أنا) أي كل الأوصاف التي يقولها المتصوف العاشق التي تحد الخالق في زمان أو مكان فتلك الصفات بالمخلوق تليق وإليه عائدة وهذا ما يعينه القول، وكل الصفات التي تشير إلى الحيث في الملكوت الأعلى إنما المقصود فيها هنا هذا العالم الأرضي، طبعا هذا في العام ويمكن أن ينطبق المعنى على المفهوم النسبي في الزمان والمكان، وحتى بمعنى الاشتراك بالصفات للمحدثات .

ومعنى الفرع يدور في هذا الفلك من المعاني، فقوله: (أراقب في المرآة وجهي / فلا أرى سواك / فقل: / من أكون أنا إذن) المرآة هنا تعني مرآة الحقيقة في الخلق والوجود، والوجه إشارة إلى الفيوضات الإلهية المتجلية فيه، العينان ونعمة البصر، الأذنان ونعمة السمع، الفم ونعمة النطق، الخدان ونعمة الجمال، الأنف ونعمة حاسة الشم، و(أراقب): أي أتأمل وأتبصر، ومعنى القول: حين يتأمل الشاعر المتصوف تجليات الفيوضات الإلهية في تكوين الوجه على الصورة الآدمية التي خلقها الله فإنه لا يرى سوى عظمة الخالق وقدرته، فيقف في حالة من التحير الصوفية التي تدفعه إلى مزيد من الحب إلى المعرفة والتقرب بهذه المعرفة إلى الموجد المكون فيتساءل: مادام وجهي دالا على عظمتك، فما هي حقيقة وجودي أنا العبد الفقير الفاني؟ وأما قوله: (وهذا الذي / يدعى الحنين وجمره / يضيء ضلوعي في ليالي قل لمن؟!)، (الحنين والجمر): إشارة إلى شدة الشوق وحرارة الحنين، (يضيء ضلوعي): يعني سراج الحب الذي يضيء الجسد، و(في ليالي): يشير إلى السهر والانفراد والنجوى، ومعنى القول: وهذا الشوق الكامن في نفسي والذي يجدد الأمل في إنقاذي من الظلمة إلى النور، هذا كله لمن؟ وقوله: (وما بيننا لقيا / أغيب إذا سرى / حضورك حتى ظن أني لم أكن)، فإن (وما بيننا لقيا): إشارة إلى حالة الصحو التي يلتقي فيها المتصوف العاشق بالمحبوب حيث يتجلى الحب في أبهى صوره، و(أغيب إذا سرى حضورك): يعني شدة تجلي ضياء المحبوب للحبيب يطغى على ضياء حبه المتوهج بالشوق، (حتى ظُن أني لم أكن): أي يضعف إلى درجة يكاد فيها ألا يكون شيئا، ومختصر القول: إذا تحرك هذا الفيض الإلهي من الحضور بعد السكون للتجلى، يطغى على أنوار القلوب حتى تغيب تلك الأنوار ويحسب أنها ليست موجودة من شدة سطوع ذلك الحضور، وقوله: (بعينيك لا عيني - حين أرى - أرى) لأن عينيه شحميتان لحميتان دمويتان، ولولا الفيض الإلهي النوري فيهما فلا تقدران على الرؤية والبصر، فالمحب يرى بعين الحبيب لا بعينه، ولذلك حين يرى بعين المحب تكون رؤيته حقيقية لا زيغ فيها ولا شك، بينما إذا رأى بعينه الشحمية فتكون رؤية الكثافة والظلام، وتلك نظرة عاجزة قاصرة، لا ترى إلا مظاهر الأشياء الخارجية، وقوله: (وأنت الذي يبدو) أي انت الظاهر، وقوله: (وانت الذي بطن) أي أنت الباطن، والمعنى: إنني بالحقيقة حين أرى فذلك باللطف والقدرة التي منحتني إياها لأنك انت الباطن والظاهر، وأنت الذي تمنحني الاستطاعة على رؤية الظاهر والامتناع عن تجاوز الحدود . وقوله: (وأنت الذي في الصحو / يسكر ذكره) أي كالخمرة التي تسكر شاربها كذلك ذكر الخالق بالطاعات والامتثال للأوامر تجعل الروح تنتشي وتسعد لأنها بذلك تتحرر من الكثيف إلى البسيط، ومن الظلمة إلى النور ومن السجن إلى الحرية، وقوله: (وفي السكر معنى الكل في طيه ارتهن)، فسكر المتصوف المحب يعني وصوله إلى درجة الامتلاء من الحب، وهذه مرحلة متقدمة في رحلة العرفان وفيها يصبح أكثر قدرة على المعرفة الحدسية المباشرة، والارتهان: يعني هنا التقيد، أي معنى الكل مرتهن في السكر، وهذه مصطلحات لها معانيها لدى المتصوفة ونحن هنا يهمنا المعنى في سياق القصيدة،

الصورة البيانية والبلاغة:

قوله: (يضيء ضلوعي) استعارة، وقوله: (سرى حضورك استعارة)، وقوله: (يسكر ذكره) استعارة، وقوله: (وفي السكر معنى الكل في طيه ارتهن) استعارة .

نلاحظ أن الصور الشعرية قليلة هنا فأين البلاغة إذن؟ البلاغة هنا أكثر ما تتجلى في المعنى العام للفرع وشعابه، البلاغة في حسن تقديم الغائب في صورة الحاضر عن طريق إظهار الصفات وحضورها،كيف؟،

نلاحظ في قوله: (أراقب في المرآة وجهي / فلا أرى سواك)، أنه يخاطب حاضرا، وقوله: (فقل لي) يخاطب حاضرا، وقوله: (قل لمن) يخاطب حاضرا، لكن هذا الحاضر غائب وهو في الحقيقة يخاطب ذاته العليا المجردة من الكثافة، أي يخاطب روحه المتحررة من قيد الجسد وهو يعبر عن هذا التوق إلى عودة الروح إلى حيث كانت، وهذا في لب (النوستالجيا) التي يعنيها الشاعر من عنوان المجموعة الشعرية، ولكن هذا الغائب حضوره كان بحضور صفاته، فقوله: (سرى حضورك) يبين أن هذه الصفة دالة على أنه يسري وهذه صفة ليست ذاتية إنما صفة موهوبة، وقوله: (يسكر ذكره): صفة أيضا، وقوله: (وأنت الذي يبدو) دلالة على الصفة، وقوله: (وأنت الذي بطن) يشير إلى الصفة، ولا بد من ملاحظة أن كل هذه الصفات دالة على الخالق من دون أن يذكر ذلك صراحة، فكان الحضور بالصفات، وحضور المضامين في السياقات والتراكيب، فيما بقيت الذات غائبة غياب المعنى في هيكل النص، (ولا ننسى الجانب الفني الذي يعتمد على إيقاع تفعيلات البحر الطويل، والسكت على النون كقافية موحدة يعطي الفرع قيمة فنية إضافية لانسجام هذا الحرف مع المضمون، فهو حرف التكوين الثاني بارتباطه مع كاف البدء، فيتكون الفعل: (كن) الذي إذا أراد الله شيئا أن يقول له: (كن) فيكون أي يكون، والفاء من جهة المخلوق لا الخالق، فلا فاصلة ولا فصل بين أمر الله وتحقق هذا الأمر إلا بما ظهر للخلق .

(لا أستريح إلى المكان

كأنني

علقت في قمر

بغير منازل)

محمد عبد الباري

الفرع الثاني: (سؤال)

(نلملم أشياء الرحيل

ونرحل

كما يرحل الحرف

الذي لا يؤول .....

يجن بنا هذا المكان

ولم يكن

بنا حين نحن

- قاب قوسين - يحفل .....

ويشهد هذا الليل

كم كان نجمه

إلى مجلس نحن به نتعجل .....

وفي كل ركن

من رؤى الروح نفحة

تعطر أنفاس المكان

وتغسل .....

ويصحر سؤال لم نمر بباله

يفتش عنا

في الغياب ويسأل) .....

يبين هذا الفرع من القصيدة صورة سؤال المسافر الذي هجر المكان إلى غير رجعة، وعقدته (نلملم أشياء الرحيل ونرحل) وشعبته الرئيسة هي: (كما يرحل الحرف الذي لا يؤول) أما شعابه الثانوية فهي: (يجن بنا هذا المكان) و(لم يكن بنا حين نحن) و(قاب قوسين يحفل) و(يشهد هذا الليل كم كان نجمه) و(إلى مجلس نحن به يتعجل) و(وفي كل ركن من رؤى الروح نفحة) و(تعطر أنفاس المكان وتغسل) و(يصحو سؤال لم نمر بباله) و(يفتش عنا في الغياب ويسأل)

في المعنى:

كما هو واضح فالأسلوب خبري عموما، ويقدم الشاعر بما يفيد المعنى ويتوافق معه إلى حد كبير في معظم الخماسيات ولكن سيكون الاهتمام بالنص الشعري الخاص بالمزوغي مع عرض المقدمة التي اختارها، أما قوله: (نلملم أشياء الرحيل) يشير إلى جماعة، فمن هم هؤلاء؟ ما صفتهم؟ من يعني الشاعر بهم؟ وكلها أسئلة مغرية ومحفزة لكي تتوضح صورة المعنى المراد من النص، وكذلك (أشياء الرحيل) يحدث طيفا واسع الدلالة والمعنى، فأشياء الرحيل هذه تتعلق بالراحلين أنفسهم، ولن نستطيع أن نتوصل إلى المعنى الحقيقي من دون الفهم المتكامل للمحتوى، ولا بأس أن نبقى الآن على السفوح في مبتدأ الصورة وهي أن الجماعة تجمع أشياءها اللازمة للرحيل، وقوله: (ونرحل) يشير إلى عدم الانتظار، لأن الرحيل يكون فور لملمة الأشياء، ولكن استخدام حرف العطف (و) وإن كان يفيد أن الرحيل جاء بعد لملمة أشياء الرحيل فإنه يشير إلى استمرار الرحيل استمرار التحضير له، وقوله: (كما يرحل الحرف / الذي لا يؤول) يجعلنا نتوقف عند حقيقة هذا الرحيل لأنه يشبه رحيل الحرف ! فكيف يرحل الحرف؟ وما هو الحرف الذي لا يؤول؟ وهكذا يكون السؤال مفتاحا للتبصر وطرق الأبواب بالأجزاء المناسبة لها حتى تنفتح الرموز وتتوضح الدلالات، فالحرف، أي حرف لا معنى له إذا كان مفردا غير متصل، ورحلته في الانفصال مفردا تبقيه صامتا من غير أن يدل على أي معنى، وهنا لا نكون قد قبضنا على المعنى بل على العكس نكون قد زدناه إعجاما، وتكون المماثلة هنا برحيلهم لرحيل الحرف مبهمة غامضة، وهنا لا بد من أن نقبل أن معنى (يؤول) هو يرجع وليس يفسر، لماذا؟ لأن جميع الحروف المفردة لا معنى لها وهي مفردة فهي لا تفسر، ويبقى الحرف الوحيد الذي لا يرجع هو الحرف الأول من كلمة أبجد وهو حرف الألف !، فماذا يعني رحيل حرف الألف، الألف يأتي في أول الكلمة منفصلا غير متصل وقد يأتي في وسطها منفصلا غير متصل، وقد يأتي في نهاية الكلمة منفصلا غير متصل وفي هذه الحالات يكون صامتا من حيث انفراده دالا على ذاته، ويمكن اعتباره متصلا إذا جاء في وسط الكلمة مفردا من غير اتصال، أو إذا جاء في آخر الكلمة من غير اتصال أيضا، وهنا يقوم معنى الكلمة بحسب سياق اشتباكه مع غيره، وهنا يتحرك المعنى من بعد أن كان ساكنا حيث يدل اللفظ على الشيء الموضوع له، وهذه هي رحلة الحرف الذي لا يؤول أي لا يرجع، والمعنى: رحيلنا لا عودة له كرحلة الحرف الذي لا يرجع لأنه أول الحروف، لهذا استوجب منا أن نلملم مستلزمات هذا الرحيل الدائم كما تجمع المعاني من الألفاظ نتيجة جريان هذا الحرف واشتباكه مع الحروف الأخرى لتشكل المعنى، وهنا أريد أن أضيف شيئا، ففي الحقيقة حين تصل البلاغة إلى هذه الدرجة من التكثيف والعمق تصبح أسمى من الشرح، وهنا مهما استفضت في التفسير والشرح سيبقى المعنى قصيا ولا يمكن أن نحيط به لأنه يشبه المفاهيم أو البديهيات أو المسلمات التي تقبل من غير أن نقيم الدليل عليها .

وقوله: (يجن بنا هذا المكان / ولم يكن / بنا حين نحن - قاب قوسين - يحفل) والمقصود به المكان الذي هجرناه من غير رجعة على لسان الشاعر، وعندما يجعله يشعر ويحس فذلك يعني أن المكان يأخذ قيمته من خلال الوعي الإنساني له، والمعنى الأعمق من مضمر القول: إن المكان يقيم في النفس من خلال ما تختزن من ذكريات وعهود مضت، وقوله: (بنا) يؤكد هذا ويثبته، وقوله: (ولم يكن بنا حين نحن - قاب قوسين - يحفل) يعني أن هذا المكان في القرب منه لم يكن يحفل بنا كما هو عليه الحال في حالة الغربة والهجرة، وذلك لشدة حضوره فينا وشدة حضورنا فيه، وهذه صورة جديدة من صور الحنين إلى الأمكنة أيضا، وقوله: (ويشهد هذا الليل / كم كان نجمه / إلى مجلس نحن به يتعجل) يشير إلى الزمان المرتبط ارتباطا عضويا بالمكان، و(هذا الليل) يشير إلى السهر والنجوى، (وإلى مجلس) يشير إلى لقاء المجموعة التي تحدث بلسانها حال الشاعر في مستهل الفرع، وهو مجلس العرفان والحب القدسي، و(تعجل النجم) يشير إلى سرعة انقشاع الظلمة بسطوع النجم في الليل كتعجل زوال الكدر والهم والغم من النفوس، حين تخلو القلوب إلى حالة الوجد وذكر الحبيب، وملخص القول: يشهد الليل سرعة حضور النجم إلى المجلس الذي يضمنا كي يتبدد الظلام كما يتبدد الكدر والقلق والحيرة من نفوسنا، وقوله: (وفي كل ركن / من رؤى الروح نفحة / تعطر أنفاس المكان / وتغسل) يشير إلى أن الروح لم تختزن عن ذلك المكان إلا كل ما هو ناصع وجميل، ففي كل ذكرى جميلة، ومع كل خفقة للقلب توقظ في الروح حنينا آسرا، فيهيم بها شوق شفيف يفيض على تلك الأمكنة فتستعذبه الروح وتستحضر صورها النقية البهية، وقوله: (ويصحو سؤال) يشير إلى الغفلة، وقوله: (لم نمر بباله) أي السؤال، وربما يعني المكان، وقوله: (يفتش عنا / في الغياب ويسأل) إشارة إلى المكان المهجور، حيث يبحث عنهم ويسأل عنهم من غير جدوى .

الصورة والبيان:

الصورة الشعرية حاضرة حضورا لافتا، ولا تخفى الصنعة وامتلاك الأدوات في إحداث المعاني وبناء التراكيب، فقوله: (يرحل الحرف) استعارة، وقوله: (نلملم أشياء الرحيل ونرحل / كما يرحل الحرف الذي لا يؤول) تمثيل، وقوله: (يجن بنا هذا المكان) استعارة، وقوله: (لم يكن بنا يحفل) استعارة، وقوله: (ويشهد هذا الليل) استعارة، وقوله: (كان نجمه يتعجل) استعارة، وقوله: (رؤى الروح) استعارة، وقوله: (من رؤى الروح نفحة) صورة ثنائية البعد لأنها تتضمن استعارتين معا، وقوله: (تعطر أنفاس المكان) صورة ثنائية البعد، وقوله: (ويصحو سؤال) استعارة، وقوله: (لم نمر بباله) استعارة، وقوله: (يفتش عنا) استعارة،

(وكلما انكسرت ساق

الحنين إلى أحلامه

باعدت أسفاره علله)

محمد المهدي

الفرع الثالث: (سرى)

يقول الشاعر:

(وما زال لمع البرق

يفعل فعله

بروحي

ترى يا برق

هل أنت قاتلي؟!

كأنك موكول بجرحي

تعيده إذا قلت أغفى

للحراب الأوائل

و يا وردة

ما زال في الورد عطرها

وما زال يغفو

فوق صدر رسائلي

لكم قلت: إني

قد تعبت من السرى

وكم قلت لي:

من أجل رؤياك حاول

أروم وصولا

للذي طال نأيه

وما زلت لم أظفر

برتبة واصل)

يبين هذا الفرع صورة رحلة العاشق المدنف ليلا للوصول إلى الغاية، وعقدته (وما زال لمع البرق يفعل فعله بروحي)، وشعابه الرئيسة هي: (ترى يا برق هل أنت قاتلي؟!) و(كأنك موكول بجرحي)، أما شعابه الثانوية فهي: (و يا وردة ما زال في البال عطرها) و(وما زال يغفو فوق صدري رسائلي) و(لكم قلت: إني قد تعبت من السرى) و(وكم قلت لي: من أجل رؤياك حاول) و(أروم وصالا للذي طال نأيه) و(وما زلت لم أظفر برتبة واصل) .

في المعنى:

التصوف تجربة إنسانية هامة بقطع النظر إن كان المرء يوافقها أم يخالفها، والتصوف اتجاه فكري إسلامي له رموزه وله منطقه في نظرته للحياة، والمهم هنا لا بد لنا كي نفهم النص الشعري الصوفي من أن ننظر إلى النص من وجهة أنه تعبير عن رحلة الوجد للمتصوف من أجل الوصول إلى الغاية، والغاية هي المعرفة والمشاهدة بالتجلي، وهذه الرحلة شاقة ومضنية ومتعبة وتحتاج إلى تضحية ومثابرة وصبر، إنها رحلة الروح ومجاهدة النفس للتخلص من ملذات الدنيا الفانية إلى حيث الخلاص والفوز بالنعم الأبدية، إنها رحلة الروح إلى الحرية وهي ما زالت في قفص الجسد حبيسة سجينه، فاللغة في الفرع صوفية ودلالاتها تدور في فلك المعاني الصوفية، والأسلوب يجمع بين الخبري والإنشائي، فقوله: (فما زال)، تشير إلى الاستمرارية، وقوله: (لمع البرق يفعل فعله بروحي)، يشير إلى انكشاف النور من غياهب الظلمة، وهو بمثابة التجلي الذي تصبو إليه روح المتصوف فيترك فيها أثرا بالغا، وقوله: (ترى يا برق / هل أنت قاتلي؟) سؤال مركب؟ إذ يعني هل يصيبه البرق فيقتله من جهة؟ أما المعنى من الجهة التي ينسجم فيها مع السياق فيشير إلى شدة تعلقه بالأمل المفقود مع استمرار لمع البرق فتنكشف رؤية العين من غير تجل ورفع الحجاب عن البصر لمشاهدة المتجلي، وهذه الحالة التي قد تقتل العاشق من شدة التعلق بالأمل، وقوله: (كأنك موكول بجرحي / تعيده)، أي كلما تجدد لمع البرق يتجدد الأمل، وفي الوقت نفسه تتجدد الخيبة ويتجدد الجرح لكأن لمع البرق هذا لم يكن مصادفة وعفويا وكأنه مكلف به، وقوله: (إذا قلت أغفى للحراب الأوائل) أي بعد أن كان قد ظن أن الجرح قد شفي من الحراب القديمة، والمعنى: إن المظاهر الطبيعية التي تتجلى فيها الأنوار لتبدد الظلمة، تقابلها الأنوار التي يرسلها سراج الروح إلى الجوارح لتخلصها من كثافتها، وتعلقها بهذا البدن الفاني، ومع إقراري أنني ابتعدت هنا قليلا في تحميل التركيب فوق ما يحتمل، وذلك لتوضيح لماذا قال: (هل أنت قاتلي) وما مبرر القتل في هذا السياق؟ مبرره حالة الخوف الشديد من استمرار المحنة وعدم الفوز بالحلم، وقوله: (ويا وردة / ما زال في البال عطرها)، يعني ما زال أثرها وذكرها في ذاكرته ومخيلته، وقوله: (وما زال يغفو فوق صدر رسائلي) أي عطر الرسائل، في إشارة إلى الحب العذري الذي يغلف به الشاعر حبه الصوفي العرفاني المقدس، وقوله: (لكم قلت: إني / قد تعبت من السرى) أي قد أتعبته مشقة سهر الليالي وسعيه المتواصل للظفر بلقائها)، وقوله: (وكم قلت لي: من أجل رؤياك حاول)، وكنت في كل مرة تجددي الأمل لدي في إعادة للمحاولة من أجل بلوغ الغاية في اللقاء والفوز بالحب العظيم، وقوله: (أروم وصولا للذي طال نأيه) أي يقصد ويبغي الوصول إلى الحبيب الذي طال غيابه، وازداد بعده، وقوله: (وما زلت لم أظفر / برتبة واصل) أي ما زال في تلك الرحلة المضية الشاقة من الشوق والعشق والهيام من دون أن ينجح بنيل شرف الرتبة العالية وهي منزلة الوصول والنجاة .

الصورة والبيان:

الصور الجزئية من حيث البلاغة في المعاني والبيان والبديع، لا تعطي الفرع حقه ما لم ينظر إلى الفرع إلى وحدة جمالية متكاملة، فقوله: (لمع البرق يفعل فعله) استعارة، وقوله: (أنت قاتلي) استعارة، وقوله: (كأنك موكول بجرحي تعيده) صورة ثنائية البعد لأنها تضم استعارتين، وقوله: (إذا قلت: أغفى للحراب الأوائل) استعارة . وقوله: (ما زال يغفو فوق صدر رسائلي) صورة ثنائية البعد لأنها تضم استعارتين معا .

(هناك سبل كثيرة

لتصل إلى الله

وأنا اخترت الحب

لأصل إليه)

جلال الدين الرومي

الفرع الرابع: (حب)

يقول الشاعر:

(أحبك هذا الحب

لو مد ظله

على جبل

لاندك من حينه الجبل

وفي الأرض لو يسري

لأصبح كل من

على الأرض

سكرانا من الحب ما عقل

ذكرتك

كان الورد يحبس عطره

فأطلقه فيضا من الحب والقبل

ومن أين يدري البحر

لو لم أكن أنا

بكيت طويلا

في الغياب ولم أزل)

سيعرفني إن مر

بالنجم عاشق

فما النجم إلا بعض

شوقي الذي اشتعل)

يبين هذا الفرع صورة الحب الكبير المختزن في الوجدان على لسان الشاعر، وعقدته (أحبك هذا الحب) وشعابه الرئيسة هي: (لو مد ظله على جبل) و(لاندك من حينه الجبل) و(وفي الأرض لو يسري) و(لأصبح كل من / على الأرض سكرانا من الحب ما عقل)، وشعابه الثانوية هي: (ذكرتك) و(كان الورد يحبس عطره) و(فأطلقه فيض من الشوق والقبل) و(ومن أين يدري البحر) و(بكيت طويلا في العباب ولم أزل) و(سيعرفني إن مر بالنجم عاشق) و(فما النجم إلا بعض شوقي الذي اشتعل)

في المعنى:

الأسلوب في الفرع كما هو واضح في معظمه خبري ما خلا جملة إنشائية استخدم فيها الاستفهام، والبلاغة فيه تكمن في البيان الذي يجعل المعنى أكثر اتساعا وعمقا ودلالة، فقوله: (أحبك هذا الحب) أي كل هذا الحب، وقوله: (لو مد ظله) إي لو نزل، وقوله: (على جبل / لاندك من حينه الجبل) فما معنى اندك هنا؟ (اندك) يعني انهدم وانكسر، والمعنى هنا يصح ولا ضير أبدا، ولكن اندك الجبل أي تساوى مع الأرض، وفي المعنيين كناية عن ثقل هذا الحب على النفس والقلب، ومعنى القول: هذا الحب الذي يختزنه في نفسه وقلبه للمحبوبة لو نزل على جبل لانهدم وغاص في الأرض حتى استوائه مع الأرض منذ لحظة نزوله عليه، وقوله: (وفي الأرض لو يسري) أي هذا الحب، وقوله: (لأصبح كل من / على الأرض سكرانا من الحب ما عقل) يعني: لو أن هذا الحب الكبير يعم على أهل الأرض لأصبح كل واحد منهم منتشيا والسعادة تغمره بقدر ما أدرك وامتلك من ذلك الحب الكبير، وقوله: (ذكرتك) أي خطرت على البال، وقوله: (والورد يحبس عطره) أي حين كان الورد لا ينشر عطره لأن الواو هنا حالية، وقوله: (فأطلقه فيضا من الشوق والقبل) أي حين سمع الورد ذكرك أطلق سراح عطره السجين وهام يفيض به على الوجوه قبلا مفعمة بالحرارة والوجد، وقوله: (ومن أين يدري البحر؟! / لو لم أكن أنا / بكيت طويلا / في الغياب ولم أزل) يعني: لولا غزارة الدموع التي سكبها على الهجر وما زال يسكبها وجريانها حتى وصلت الى البحر وأخبرته عن حاله وأحواله، ولولا هذه الدموع لما عرف البحر عن حالته.

وقوله: (سيعرفني إن مر بالنجم عاشق) لأنه نجم الحب، وقوله: (فما النجم إلا بعض شوقي الذي اشتعل؟!) فإذا كان النجم بعض الشوق المشتعل لديه ! فماذا سيكون إذا اشتعل شوقه كله؟! والبلاغة هنا في التعبير تستد عي الصمت إكبارا للجمال والروعة من غير شرح قد يتلف المعنى .

البيان والصورة:

الصور البيانية على بساطة التراكيب وسهولتها فهي صور تختزن الجمال والرقة والشفافية حتى تكاد تصل إلى السهل الممتع وهي من أبهى جماليات الصور والمعاني فيها، فقوله: (لو مد ظله) صورة ثنائية البعد لأنها تضم استعارتين، وقوله: (وفي الأرض لو يسري) استعارة، وقوله: (كان الورد يحبس عطره) استعارة، وقوله: (فأطلقه فيضا من الشوق والقبل) استعارة، وقوله: (فما النجم إلا بعض شوقي الذي اشتعل) صورة ثنائية البعد لأنها تضم استعارتين معا .

(وإن قلت ما أذنبت؟!

قالت مجيبة

وجودك ذنب

لا يقاس به ذنب)

الجنيد البغدادي

الفرع الخامس: (حوار)

يقول الشاعر:

(أقول لها:

ما عدت أحتمل النأيا

تعبت ولا أمرا

عصيت ولا نهيا

تقول: أقم في الشوق ألفا وليلة

لتدرك أن الشوق

بوابة الرؤيا

أقول لها:

ما الكأس ملأى وهذه

شفاه الألى مروا

فهل تركوا بقيا؟!

تقول: ضمير الرفع

وهم ولم يزل

حجابك يطوي القرب

في بعده طيا

نموت لكي نحيا

ويدرك غاية

من السر من قد مات

في الحب قد يحيا)

يبين الشاعر صورة حوار افتراضي بين المدنف العاشق والمحبوبة المتمنعة، وعقدته (ما عدت أحتمل النأيا)، وشعبته الرئيسة هي: (تعبت ولا أمرا عصيت ولا نهيا) وشعابه الثانوية هي: (أقم في الشوق ألفا وليلة) و(لتدرك أن الشوق بوابة الرؤيا) و(ما الكأس ملأى) و(هذه شفاه الألى مروا فهل تركوا بقيا) و(ضمير الرفع وهم) و(ولم يزل حجابك يطوي القرب في بعده طيا) و(نموت لكي نحيا) و(ويدرك غاية) و(من السر من قد مات في الحب قد يحيا .

في المعنى:

حين يكون الحوار بين طرفين متكافئين يصبح من حيث القيمة متكافئا أيضا، والتكافؤ لا يعني فقط بالمستوى المعرفي وحسب، بل يتعلق بمستوى الحرية أيضا، والتكافؤ لا يكون ذا معنى حقيقي من دون الحرية في الحوار، فكيف يكون الحوار هنا ما دام بين عاشق صب مدنف ومحبوبتة القصية النائية، وهنا يمكن لنا أن نقبل انه حوار افتراضي اختاره الشاعر أسلوبا ليعبر من وجهة نظره من جهة كل منهما، وهكذا لن يكون الشاعر حياديا بينهما مهما حاول أن يتجرد من ذاته الشاعرة التي تمثل العاشق على الأغلب، فقوله: (أقول لها:/ ما عدت أحتمل النأيا /) من شدة الشوق والوجد والهيام، وقوله: (تعبت ولا أمرا عصيت ولا نهيا) إشارة إلى أن التعب كان مما يكابده من البعاد وقد امتد الهجر وطال أمده وهو مستجيب في الأمر والنهي، وملتزم بأداء الواجبات على النحو المطلوب، وقوله: (تقول: أقم في الشوق ألفا وليلة) يدعو الى التساؤل، لماذا هذه الإقامة؟ ولماذا هذا التحديد ألف وليلة؟ ومن هو الآمر؟ ومن هو المأمور؟ طبعا بما يعنيه النص !، لا بد من ملاحظة أن المدة افتراضية إذ إنه من غير الممكن للإنسان أن يعيش ألف سنة، فكيف يكون له أن يقيم تلك المدة كلها، ومن غير الممكن أن يكون المقصود ألف شهر أو ألف يوم أو ألف ساعة، وهنا لا بد أن نحيل المعنى إلى قول الله سبحانه وتعالى: (ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون) لنفهم من قول الشاعر (أقم في الشوق ألفا) أنه يعني الحب القدسي فالإقامة يوما واحدا في الحب الإلهي كالإقامة ألف سنة مما يعد البشر ! وقوله: (وليلة) تؤكد المعنى ويصبح المعنى من قوله: (تقول: أقم في الشوق ألفا وليلة) أي أقم يوما وليلة، وقوله: (لتدرك أن الشوق / بوابة الرؤيا) يعني إن حرارة الترقب وجمر والانتظار هما السبيل لبلوغ لحظة التجلي وظهور المحبوبة، وملخص القول: إن طول انتظار العاشق وصبره في المكابدة والمعاناة على الشوق للقاء، هي السبيل لكي يدرك أن ذلك هو سر الرؤيا والمشاهدة، وقوله: (أقول لها: ما الكأس ملأى) فالمقصود كأس الحب، وقوله: (وهذه شفاه الألى مروا) إشارة إلى أنهم قد نهلوا منها، وقوله: (فهل تركوا بقيا؟!) تشير إلى خشية العاشق من يكون كاس الحب قد نهل منه السلف من العشاق حتى لم يبقوا منه شيئا، وقوله: (تقول: ضمير الرفع وهم) أي العلو والارتفاع في درجات الحب الصوفي إلى درجة البلوغ التي تحدث عنها في الفرع الثالث هذا ضرب من الوهم ولا يمكن بلوغها، وسبيقى الكاس مترعا مهما رشفت منه شفاه السالفين واللاحقين، وقوله: (ولم يزل / حجابك يطوي القرب في بعده طيا) أي هذا الحب المقدس يختصر المسافات، ولا بد من الإشارة إلى أنه في العرف الصوفي فإن بعد العاشق يعني الإعراض وقربه يعني الحب والإقبال، فهو وإن كان بعيدا فإن الحب يمنحه القدرة على قطع المسافات والاقتراب، وقوله: (نموت لكي نحيا) أي نرحل عن هذه الدنيا الفانية لكي نحيا الحياة الخالدة، وقوله: (ويدرك غاية) أي يصل إلى يقين، وقوله: (من السر من قد مات / في الحب قد يحيا) يعني أن من اختار طريق الحب نهجا وسلوكا واعتقادا في الحياة الدنيا، قد ينال الحياة الخالدة في الآخرة، واستخدام (قد) هنا ليبين أن الأمر لا يمكن الجزم به فهو ليس بيد البشر إنما أمر متوقف على التوفيق الإلهي . والتداخل واضح بين هذا الفرع والفرع السابق .

النوستالجيا والتوازن:

النواة المركزية التي تتمحور حولها معاني القصيدة هي (النوستالجيا)، لذلك فهي تشكل مركز توازن القصيدة، أما نقاط التوازن في العقد الرئيسة التي تشترك في الفروع الرئيسة للقصيدة وهي: (الغياب) حيث يتقاطع الفرع والثاني، و(الشوق) حيث يتقاطع الفرعان الثالث والرابع، و(الأمل) حيث تقاطع الفرع الأول والخامس، فلو مثلنا مركز التوازن بدائرة مركزية كنواة مركزية للقصيدة، ووزعنا على محيط دائرة عقد القصيدة وليس بالضرورة أن يكون التوزيع منتظما، أي ليس من الضروري ان تكون العقد على مضلع منتظم، لأن حضورها في القصيدة لا يكون متساويا بالضرورة، ثم لو حددنا نقاط التوازن على محيط الدائرة، ثم مثلنا الفروع بأشعة منبثقة من النواة المركزية التي تمثل مركز التوازن، ثم مثلنا الشعاب الرئيسة والثانوية لكل فرع عندئذ سنحصل على المخطط التقريبي الذي يمثل شجرة المعنى للقصيدة ومن خلالها سنلاحظ العلاقات الشبكية بين الشعاب الرئيسة والثانوية في الفروع، وستعطينا هذه الشجرة إمكانية القراء النقدية بصورة أكثر دقة، وأكثر وضوحا، ويمكن توضيح هذا التداخل من خلال تأكيد القصيدة على معاني أساسية أهمها،

1 - الحب يمنح العاشق القدرة على النظر بعين المستبصر الرائي، ويمنحه القدرة على الصبر والتضحية،

2 - إن تمظهرات صور الجود في الطبيعية هي انعكاس او تجل لصور الجود في الحب المقدس،

3- رحلة العاشق العرفانية هي رحلة الوجد والأمل والمعاناة وهل سبيل الوصول إلى الغاية،

4 - قرب العاشق وبعده لا يعني المسافة، بقدر ما يعني مستوى الحب، والقدرة على قبول ذلك الفيض في لحظات التجلي.

5 - الصور الحاضرة هي تجليات للمعاني الغائبة في بنية النص وتكوينه،

6 - القلب يتقدم على العقل في رحلة العرفان للمتصوف لذلك يختار طريق الحب للوصول من دون أن يختار طريق الفكر للمعرفة والفوز.

بالإضافة إلى معان كثيرة ومتعددة، ومن الواضح أن القصيدة في بنيتها العامة هي أقرب إلى التوازن، بسبب حفاظها على وحدتها وعمودها .

تقاطع الأزمنة:

الأزمنة في القصيدة متعددة، أولها الزمن المضارع المستمر، وهو زمن (أنا) الشاعر في رحلة الحنين والتذكر، وأكثر ما يبدو واضحا في الأفعال، (أغيب، أرى، نرحل، أروم،أقول أحبك، نموت، نحيا)، وثانيها الزمن الماضي، وهو الزمن الذي يشير إلى قدم رحلة الوجد هذه، إذ ليس الآن (الحاضر) إلا الماضي حين قطعناه،وأكثر ما يظهر باستخدام الأفعال: (وما زال، قلت، طال، مد، كان، بكيت، اشتعل، عصيت، ..) وثالثا الزمن الغائب، وهو زمن الحب المقدس الذي يتجلى بحركة ذلك الحب وفيضه على النفوس المكتوية بنار الهجر والفرقة والتي تمثل هنا ذات الشاعر، وأكثر ما يتجلى بقوله: (يرحل الحرف) الذي يتضمن زمنا معنويا، وقوله: (قاب قوسين) يشير إلى زمن معنوي أيضا، وقوله: (وفي الأرض يسري) دليل على زمن الحب، وزمن القصيدة هو محصلة الأزمنة التي يتضمنها النص، الماضي والحاضر والمستقبل، إضافة إلى زمن الشاعر نفسه قبل بناء النص وأثناء إحداث معانيه، يضاف الزمن الغائب وهو الزمن النفسي الروحي الذي يشكل بعدا إضافيا للزمن الحسي المعاش، وإذا أضفنا زمن اللغة نفسها، وأزمنة الإيقاعات والوزن الشعري فسنكون أمام الزمن الذي يمثل محصلة الأزمنة كلها وهذا ما يوضح معنى تقاطع الأزمنة . وهو زمن تجلي النص على صورته المقدمة للعامة.

المنوال: لعل أكثر الكلمات تكرارا في هذه القصيدة هي (الشوق، الحب، السكر، النجم) وكلها مفردات منوالية تبين مدى ارتباطها بالحالة الشعورية المعبرة عن المضامين العميقة لرحلة الشوق والمعاناة للشاعر المتصوف العاشق .

النص الممكن:

القصيدة كما هو واضح مؤلفة من خمسة فروع، وإذا حسبنا عدد إمكانات إعادة ترتيب هذه الفروع لوجدناها (120) إمكانية، أي هناك مئة وعشرون قصيدة ممكنة، وهي عدد إمكانات إعادة ترتيب الفروع، وبالطريقة نفسها يمكن حساب عدد إمكانات إعادة ترتيب الشعاب في الفرع الواحد، وكذلك الأمر بالنسبة للفروع الأخرى، وهكذا فإننا نحصل عدد كبير جدا من النصوص الممكنة، ولكن لن يكون أي منها يمثل قصيدة الشاعر سو القصيدة التي أرادها أن تكون بين أيدينا، وهنا يطرح سؤال نفسه، ما وجه الاختلاف في المعنى إذا أجرينا إعادة ترتيب في تركيب الفرع الواحد، وهنا سأجري تطبيقا على الفرع الرابع،

يقول الشاعر:

الفرع الرابع: (حب)

يقول الشاعر:

((أحبك هذا الحب

لو مد ظله

على جبل

لاندك من حينه الجبل) (1)

(وفي الأرض لو يسري

لأصبح كل من

على الأرض

سكرانا من الحب ما عقل) (2)

(ذكرتك

كان الورد يحبس عطره

فأطلقه فيضا من الحب والقبل) (3)

(ومن أين يدري البحر

لو لم أكن أنا

بكيت طويلا

في الغياب ولم أزل) (4)

(سيعرفني إن مر

بالنجم عاشق

فما النجم إلا بعض

شوقي الذي اشتعل)(5))

وقد جاء على هذا الترتيب ((1)، (2)، (3)، (4)، (5))، وهنا سأجري إعادة الترتيب على النحو التالي، ((3)، (1)، (2)، (4)، (5))، فنحصل على النص المكن الآتي،

((ذكرتك

كان الورد يحبس عطره

فأطلقه فيضا من الحب والقبل) (3)

(أحبك هذا الحب

لو مد ظله

على جبل

لاندك من حينه الجبل) (1)

(وفي الأرض لو يسري

لأصبح كل من

على الأرض

سكرانا من الحب ما عقل) (2)

(ومن أين يدري البحر

لو لم أكن أنا

بكيت طويلا

في الغياب ولم أزل) (4)

(سيعرفني إن مر

بالنجم عاشق

فما النجم إلا بعض

شوقي الذي اشتعل)(5)

نلاحظ من الألفاظ المستخدمة هي نفسها في الحالتين، وكذلك التراكيب هي نفسها، الذي اختلف هو فقط إعادة الترتيب، ولنحاول أن نوضح أي تغيير نكون قد أجريناه من حيث المعنى، في النص الأصلي، يفتتح الشاعر بالقول: (أحبك) فالأهمية عنده هنا للحب، ولكن في النص الممكن، يكون الافتتاح بالقول: (ذكرتك) والأهمية هنا للذي تصدر القول وهي (الذكرى)، والفرق شاسع بين أن تكون الصدارة للحب أو أن تكون الصدارة للحب، هل هذا الفرق وكفى؟ أقول: هذا هو الفرق الأساسي بين النص الأصلي والنص الممكن، وكل ما يترتب عليه يشكل فروقا بين النصين، ففي النص الأصلي تكون (الذكرى) في خضم هذا (الحب) العارم،ونتيجة له، أما في النص الممكن فإن (الحب) يأتي في سياق (الذكرى)، والفرق كبير بين الحالتين، كما نلاحظ في النص الأصلي أهمية فيض عطر الورد بالشوق والقبل بعد التمهيد بحالة الحب الكبير، ومدى تأثير الحالة الوجدانية على المتلقي، بما تحمله من المعاني السامية لهذا الحب، أما في النص الممكن فإن الافتتاح بفيض عطر الورد بالشوق والقبل، سيجعل حالة الحب الموصوفة بهذا الثقل وهذه الأهمية أقل ثقلا وأقل أهمية، وسينحرف المعنى عما هو مراد له، وفي ظني لو عرضنا النص الممكن على الشاعر فلا يمكن أن يقبل كقصيدة بديلة لقصيدته،وإن كانت تتضمن ألفاظه وتراكيبه الشعرية نفسها، فإذا كان عدم قبوله لا يمنع النقد من البحث عن إمكانات النص الجديدة، ففي الوقت نفسه علينا أن نقبل بأن النص الأصلي هو النص الذي يتقدم به الشاعر إلى العامة في صيغة نشره المعروفة . وهكذا يتكامل النقد مع الإبداع في الميزان المعياري، الذي يهدف إلى الوصول إلى معيار قيمي مشترك للقصيدة العربية المعاصرة .

 

مفيد خنسه

 

 

محمود محمد علي"قراءة في جدل السؤال والاندهاش"

نعود ونكمل حديثنا عن دراساتنا للأدب المقارب والمتمثل من خلال قراءتنا حول جدل السؤال والاندهاش من خلال غوصنا في كلاً من رباعيات "عمر الخيام"، ورباعيات "صلاح جاهين" ؛ وهنا يمكنني القول بأن: هناك قوتان علي ما اعتقد تنازعان صلاح جاهين، قوة الثورة والتمرد، وقوة الخوف والرعب.. الخوف قد يكون فيزيقياً، وقد يكون ميتافيزيقا، لكنه يستحوذ عليه، ويشعر أنه قدر أقوي من الإنسان والثورة والتمرد قد يكون أيضاً لما يحيط به من البيئة والمجتمع، التمرد علي كل ما يهدر كرامة الإنسان ويبعثرها. التمرد علي الفيزيقي وأيضا قد يكون تمرداً علي الميتافيزيقا، وهنا يكمن الجمال عند صلاح جاهين من قدرته علي الانتقال مما هو ملموس إلي ما هو غير ملموس، أو من الفيزيقي المتطور إلي الميتافيزيقي غير المتطور (12).

ولد صلاح جاهين في الخامس والعشرين من ديسمبر عام 1930م، بحي شبرا في شارع جميل باشا، وهو الأكبر بين أخوته، كما أنه الطفل الوحيد علي بنات ثلاث.. والده المستشار بهجت حلمي الذي تدرج في السلك القضائي بدءً من وكالة النيابة حتي أصبح رئيساً لمحكمة استئناف المنصورة، وقد عرف عن جاهين في صغره الهدوء، والبراءة، والهوايات الرقيقة.. تخرج من كلية الحقوق، وإذ كان يتمني أن يلتحق بكلية الفنون الجميلة، ولكن رفض والده جعله يغير مسار تعليمه.. بدأ جاهين حياته العملية بجريدة ” بنت النيل”، ثم لجريدة ” التحرير”، وفي تلك الفترة بدأت مسيرته مع رسم الكاريكاتير. . ومع حلول الخمسينات من القرن الماضي بدأ صلاح جاهين يكتب شعر العامية المصرية، وهو مصطلح أطلقه هو للتمييز بينه وبين الزجل، وكان يقصد به الشعر الوجداني العميق الذي يتناول كل المواضيع والأحاسيس والأفكار التي يتناولها شعر الفصحي.. بلغ قمة شهرته عام 1965م حين أصدر ديوانه قصاقيص، فاختفي من الأسواق فور صدوره من شدة الإقبال الجماهيري عليه، وصدرت الطبعة الثانية ونفذت (13)، وظل اسمه براقاً مبدعاً إلي أن توفاه الله في السادس والعشرين من أبريل عام 1986م.

ورغم تفوق ” صلاح جاهين” في كافة أنواع الفنون السالفة، إلا أن اسمه كشاعر كاف لأن يجعله واحداً من أبدع شعراء القرن العشرين في مصر، وواحداً من أهم شعراء الإنسانية في العالم، نظراً لما قدمه من إبداع شعري إنساني صادق وجديد ومعبر عن روح إنسان العصر وقضاياه من خلال خيال شعري إنساني صادق وجديد ومعبر عن روح إنسان العصر وقضاياه من خلال خيال شعري جري عليه الشعر العربي (14).

ويؤكد ذلك ما جاء للأستاذ “رجاء النقاش” في دراسته بعنوان:” صلاح جاهين الشاعر والإنسان “: ” والفن العربي، يشكو من النقص في جرأة الخيال وطموحه فليس في أدبنا كله أكثر من موقفين أو ثلاثة تدل علي تحليق الخيال العربي، وهذه المواقف هي فكر ” أبي العلاء المعري” في رسالة “الغفران”، فقد تجرأ خياله الأدبي، وتصور عالم الجحيم والجنة، وبني صورة لهذا العالم، وهناك قصة ” حي بن يقظان” لابن طفيل التي تصور فيها إنساناً يعيش في جزيرة منعزلة يبحث عن معني المجهول وسر الحياة، وهناك أخيرا بعض قصص ” ألف ليلة وليلة”، ولكن الطابع العام للخيال الأدبي عند العرب والخيال الشعري علي وجه خاص هو القصور، والعجز عن التحليق، ولذلك لم يظهر في أدبنا شاعر مثل ” ملتن” أو “بيرون”، من الذين تصورا عصيان الشيطان في صورة التمرد، والبحث عن المعرفة، وربطا بين فكرة التمرد وبين الطموح، وليس عندنا شاعر؛ مثل ” شكسبير” ، أو “دانتي”، فالشائع في شعرنا العربي أن الشاعر يطير بجناحين صغيرين لا يقدران علي التحليق فالخيال كسول قاصر الطموح محدود بالواقع المادي مشغول برسمه وتنظيمه عن طريق الحكمة والفلسفة (15).

وهذه الطاقة الشعرية للشاعر “صلاح جاهين” التي جسدت لنا الدراما الخاصة في رباعياته والتي تعد من أجمل القوالب التي لامست الوجدان وبرزت خلالها عبقريته الشعرية، من خلال كنوز الكلمات التي تركها، وباتت مصدراً للإبداع في كل المجالات الفنية، وقد كان حريصاً علي أن يجعل مصادره الدرامية في الرباعيات تستمد أصولها من الأساطير العربية والفرعونية مخلوطة بحياته الشخصية، وكان أكثر حرصاً علي أن يجعل التخيل أهم مصادره علي الإطلاق، بل إنه جنح إلي اعتماد مصدر العقل الباطن خلطة بالتخيل الذي كان يملك ناحيته الشاعرية (16).

لقد كانت رباعيات “صلاح جاهين” من أشهر أعمال الأدب باللهجة العامية في ذلك العصر، وقد حفظَ تلك الرباعيات معظم معاصريه لما فيها من بساطة وعذوبة وقُرب من مشاعر وأحاسيس الناس ؛ وقد تجاوزت الرباعيات، مبيعات إحدى الطبعات في عدَّة أيام 125 ألف نسخة في ذلك الوقت، وقد بدأ “صلاح جاهين “بكتابتها عام 1959م باللهجة المصرية العامية، وقد كانت رباعيات صلاح جاهين عن الحب تحملُ القارئ على أجنحة الهيام لتنفضَ في قلبه فلسفة الحيرة في الحب، ورغم بساطة الأسلوب والكلمات المستخدمة إلا أنَّها عذبة ساحرة تشدُّ القراء ببساطتها، وقد غنَّى رباعيات صلاح جاهين عن الحب الفنان علي الحجار ولحَّنها السيد مكاوي.

وفي رباعياته الشهيرة نجد صدى الحكمة التي وعاها جاهين من تجربته في الحياة وتمثلها من قراءاته لسارتر، ونيتشه، وألبير كامي، ورغم عاميتها الواضحة وانتمائها الصريح للغة بسيطة يتكلم بها الناس في البيوت والمقاهي فإنها حوت عمقًا ونفاذًا لا حدود له ليصبح جاهين مثل أبي العلاء المعري واحدًا من أولئك النفر الذين جمعوا بين الحكمة والإبداع ومزجوهما في كأس واحدة فكأنما شعرٌ ولا فلسفة وكأنما فلسفةٌ ولا شعر.

ويمكن تقسيم رباعيات “صلاح جاهين” إلى ثلاثة مراحل: المرحلة الأولي، وهي مرحلة بزوغ الحلم الذي انتابه فيوقت اعتقد فيه أن كل ما يحلم به يمكن أن يتحقق، والمرحلة الثانية، هي مرحلة تحقيق الحلم، والمرحلة الثالثة، وهي مرحلة انكسار الحلم، ومن ثم حملت كل مرحلة سماتها وعكست حالته النفسية بجلاء مما كان له أكبر الأثر في خروج رباعياته وكأنها لوحة مرسومة لمنظر هو وحده من يراه (17).

وأغلب الظن أن رباعيات الخيام هذه كما يحدثنا أستاذنا الدكتور “جابر عصور”؛ كانت تتردد أصداؤها في بيت “صلاح جاهين” الطفل والفتى الذي سرعان ما شب ليصبح واحدًا من أعظم مبدعي قصيدة العامية المصرية. ولا غرابة والأمر كذلك في أن يميل صلاح جاهين إلى قالب الرباعية، ويحاول استخدامه على نمط قصيدة العامية المصرية ليؤكد الحضور المتميز لهذا القالب الشعري؛ سواءً في لغته التي تتوسط بين العامية والفصحي، أو في صوره الشعرية التي تمضي مع الخيال في كثافة آسرة أو في تأملاته التي تصل ما بين السماء والأرض وتتجول بينهما متبصّرة حضور الكائنات المتحركة، في مدى التأمل أو البصر الذي سرعان ما ينقلب إلى بصيرة (18).

ولذلك يمكن أن نتوقف قليلاً في رباعيات “صلاح جاهين” التي تحمل من معاني التأمل الكثير، حيث تقف مندهشاً ومتسائلاً.. أو يقف هو مندهشاً ومتسائلاً، إنها اللحظة الفلسفية، أو هي شراة الفكر الفلسفي.. فما الفلسفة إلا الاندهاش والسؤال.. في رباعيات جاهين يكمن العمق الفلسفي.. والسؤال الفلسفي ينصب على (هذا) الشيء أو (ذاك) مما يقع أمام بصرنا لا يتجه إلى شيء يقع خارج العالم، أو في عالم آخر وراء التجربة اليومية.. لكنه يسأل عنه بطريقة تمس جذوره وتفتح فيه أعماق الدهشة المتجددة.. وفي رباعيات جاهين نجد هذا الجدل الدائم بين الاندهاش والسؤال.. يقول:

مع أن كل الخلق من أصل طين..

وكلهم بينزلوا مغمضين..

بعد الدقائق والشهور والسنين..

تلاقي ناس أشرار وناس طيبين..

عجبي!! (19).

هنا نجد أن النتيجة مختلفة أو متناقضة مع المقدمة التي بدأ بها الرباعية، وهنا يبدأ السؤال ويقف العقل أمام معضلة، أو إشكالية لا نجد لها إجابة شافية، ويتعرض جاهين لفكرة (الجبر والاختيار) ليضعها في كلمات بسيطة. ويقف العقل أمامها متسائلاً ومندهشا.. يقول جاهين:

عجبي عليك يا زمن..

عجبي عليك يا زمن..

يا أبو البدع يا مبكي عيني دماً..

إزاي أنا اختار لروحي طريق..

وأنا اللي داخل في الحياة مرغما..

عجبي!! (19).

وتزداد لحظة التعجب والاندهاش عند جاهين عندما يتوقف عن الحياة متسائلاً إياها محاولاً فهمها واستخلاص المعني والمغزى من الرحلة.. يقول جاهين:

مرغم عليك يا صبح مغصوب يا ليل..

لادخلتها برجليا ولا كانلى ميل..

شايلنى شيل دخلت أنا في الحياة..

وبكره ح اخرج منها شايلنى شيل..

عجبي!! (20).

ويتضح لنا من الرباعيات أن قضية السؤال والاندهاش قضية محورية في شعره.. إن الفلسفة نامت خلال أبيات الشعر، أو سكنت بيوت الشعر، وأبيات الشعر تدثرت بالفلسفة.. يقول جاهين:

سنوات وفايته عليّا فوج بعد فوج

واحدة خَدِتني إبن والتانية زوج

والتالتة أَب خدتني والرابعة إيه

إيه يعمل إللي بيحْدفُه موج لموج؟

عجبي (21)

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة ألا وهي أن “صلاح جاهين” يكاد، في كثير من الأحيان في رباعياته، يتجاوز ذاته وهو يتقمص تاريخ البشرية، فيعلن – من خلال ذلك – روعة جدل التطور عبر خبرات الأجيال السابقة، حين تتكثف في ذات متفردة لا تدّعى “الواحدية” المختزلة فيما هو “أنا أكون”، وإنما تصبح نموذجا لتاريخ البشرية في اللحظة الراهنة، وهي ممتلئة بكل حركية الوجود متعدد المستويات والوسائل واللغات: يقول جاهين:

أنا شاب لكن عمري ولا ألف عام

وحيد، ولكن بين ضلوعى زحام

خايف ولكن خوفى منى أنا

أخرس، ولكن قلبى مليان كلام

عجبي!! (22)

ليس هذا فقط، بل قد يوهمك “صلاح جاهين” في هذه الرباعيات أنه يروي لك لقاءً عارضًا حدث له ذات ليلة، دلالة متصورة على شخصه، وربما أوحى صلاح لك بأن هذه الدلالة تشمل كل الناس، نطاقها هم البشر وليس غير، وأن لا خوف حيث لا إنسان. ولكن لا، إن الخوف عند صلاح يرتفع إلى مقام التفسير الشامل الكلي للكون كله، بنجومه وأفلاكه وسديمه وأجزم أن الرباعية التالية فريدة في الشعر العربي كله، لا أعرف لها مثيلا في روعتها وشد وقعها في القلب، ولا في رسم صور للكون من خلال رؤية وليدة الزلازل والبراكين التي صَحبَت مخاض النشأة الأولى: يقول جاهين:

“كان فيه زمان سحلية طول فرسخين

كفين عيونها: وخشمها بربخين

ماتت، لكن الرعب لم عمره مات

مع أنه فات بدل التاريخ تاريخين

عجبي!! (23)

وفي النهاية يصل “صلاح جاهين” لكل حكمة الوجود والحياة، ويعرف أن كل شئ باطل، وكله في الفاشوس يقول جاهين:

وكل شئ مالهوش طعم ولا لون ولا حتى ريحة، حتى لو كان الدنيا ربيع

نسمة ربيع لكن بتكوي الوشوش

طيور جميلة بس من غيرعشوش

قلوب بتخنق.. إنما وحدها

هي الحياة كده؟ كلها في الفاشوش

عجبي!! (24)

وأخيرًا يكتب جاهين كل مخاوفه الأرضية والكونية في رباعية واحدة: يقول جاهين:

“لو كان فيه سلام في الأرض وطمان وأمن

لو كان مفيش ولا فقر ولا خوف ولا جبن

لو يملك الإنسان مصير كل شيء

أنا كنت أجيب للدنيا ميت ألف ابن

عجبي!! (25)

خلاصة القول نقول بأن رباعيات “الخيام” و”جاهين” كلاهما ينطلقان من مشكاة واحدة شعارها أن هناك فرق بين السؤال والتساؤل، ليس في ميدان الشعر فحسب، بل في كل الميادين تقريبا، لأن السؤال بصيغه المختلفة: ” من؟، ما؟، ماذا؟، لماذا؟، كيف؟، أين؟، متى؟، وجميع الصيغ القريبة منها، أو المشتقة منها يتعلق باستفهام محدد عن معلومة، أو إجابة، أو تقرير والوقوف عند ذلك، بينما التساؤل يتعلق بموضوع مفتوح، أو بقضية غير منتهية، أو بتناول مشكلة جزئية، أو كلية، بحاجة لمزيد من البحث، والدراسة، والحوار. ولهذا فإن التساؤل يفيد ويثري الميدان الشعري أكثر من السؤال. ويمكن للتساؤل أن ينطلق من نفس صيغة السؤال التقليدية، والصيغ المتعددة للأسئلة يمكنها بدورها أن تمهد لتساؤلات بعدها، ومن ثم تمنحنا تلك التساؤلات تفكيراً فلسفياً بأمل الوصول إلى فكر فلسفي، ومن ثم معرفة ممكنة عن مشكلات فلسفية غير محددة.

 

أ.د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..................

12- حسن يوسف: صلاح جاهين وبئر الكلمات، أدب ونقد، حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، مج 23 ,ع 251، 2006م، ص 85.

13- المرجع نفسه، ص 84.

14- نبيل بهجت: المرجع نفسه، ص 90.

15- رجاء النقاش: صلاح جاهين الشاعر والإنسان، القاهرة، 1989، ص 13.

16-محمود لطفي بكر: الصور الشعرية في رباعيات صلاح جاهين كمدخل درامي لبناء اللوحة التصويرية، المؤتمر العلمي السنوي – العربي الرابع – الدولي الأول: الاعتماد الأكاديمي لمؤسسات وبرامج التعليم العالي النوعي في مصر والعالم العربي – الواقع والمأمول، جامعة المنصورة كلية التربية النوعية، المجلد الثالث، 2009، ص 182.

17- المرجع نفسه، ص 182.

18- د. جابر عصفور: المرجع نفسه.

19-أنظر رباعيات عمر الخيام، ترجمة أحمد رامي، مرجع سابق، ص 22.

20-المصدر نفسه، ص 45؛ وأنظر أيضاً حسن يوسف: المرجع السابق، ص 91.

21- المصدر نفسه، ص 57؛ وأنظر أيضاً حسن يوسف: المرجع السابق، ص 92.

22- المصدر نفسه، ص 67؛ وأنظر أيضاً حسن يوسف: المرجع السابق، ص 93.

23- المصدر نفسه، ص 69؛ وأنظر أيضاً حسن يوسف: المرجع السابق، ص 94.

24- المصدر نفسه، ص 71؛ أنظر أيضا: مقدمة الكاتب الكبير يحيى حقي لرباعيات الشاعر العظيم صلاح جاهين، المرجع السابق ص 18.

25- المصدر نفسه، ص 79؛ أنظر أيضا: مقدمة الكاتب الكبير يحيى حقي لرباعيات الشاعر العظيم صلاح جاهين، المرجع السابق ص 19.

 

محمود محمد عليقراءة في جدل السؤال والاندهاش

أنا لست في مقام الناقد الأدبي المتخصّص، لكني قارئ نهم لنصوص الشعر القديم والحديث منذ نعومة أظفاري، ففي اليومين الماضيين أتيت على ديوان “رباعيات الخيّام “بتعريب الشاعر أحمد رامي، والمؤلف هو غياث الدين أبو الفتوح عمر بن أبراهيم الخيّام المعروف بـ {عمر الخيّام} 1040 -1131 م، ولادة ووفاة نيسابور بلاد فارس، والخيّامُ لقبُ والدهِ حيث كانَ يعمل في صنع الخيام، وهو شاعر وفيلسوف وعالم رياضيات ؛ وخاصةً في موضوع الجبر حيث أشتغل في المعادلات الجبرية من الدرجة الثالثة، وعالم فلك أشتغلَ في تحديد التقويم السنوي للسلطان ملكشاه والذي صار التقويم الفارسي المتبّعْ اليوم، وهو فيلسوف متصّوّف أتهِمَ بالألحاد وأحرِقتْ كتبهُ ولم يصلنا سوى “الرباعيات” التي أحبها الناس بشغف وحُفِظّتْ في صدور المتتبعين والتي جسّدتْ شخصيتهُ وفلسفتهُ في الحياة (1).

والرباعية هي مذهب ونمطْ ولون شعري أختصّ بهِ وحدهُ {رباعيات الخيّام} للشاعر الفيلسوف {عمر الخيّام}وعرض علينا مذهبهُ الشعري هذا، وقد تقرأ الرباعيات ساعة، ولكنك تحس إنّك عشتَ حياة الخيّام طوال عمره، والرباعيةُ هي قالب شعري يرجع إلى أصول فارسية، أشهرها كما قلنا رباعيات عمر الخيام (2).

بدأ الشاعر الكبير أحمد رامي ترجمة رباعيات عمر الخيام عندما كان في باريس 1923 بعد دراسته اللغة الفارسية في مدرسة اللغات الشرقية في جامعة السوربون، وقد صدرت الطبعة الأولى في القاهرة في صيف 1924 ؛ ومن قبل رامي ظلت رباعيات عمر الخيام غائبة في بطن الكتب، حتى ترجمتها إلى الإنجليزية الشاعر “فتزجرالد” سنة 1859 ثم توالت الترجمات بها بعدة لغات أجنبية، وقد صدرت باللغة العربية مترجمة عن الإنجليزية (3) ؛ ويقول أحمد رامي في مقدمة رباعيات عمر الخيام التي ترجمها “يذكر أنه في سنة 1930 اكتشف أول مخطوط مصور لرباعيات الخيام بخط أحد سكان مدينة مشهد سنة 911 هجرية وأول من تنبه إليه شخص يسمى “نجيب أشرف” فاشتراه وأهداه إلى مكتبة بتنا بالهند، وأوراق هذا المخطوط خالية من ذكر طريقة انتقاله من فارس إلى الهند. وفيه ست ومائتان رباعية مكتوبة بخط جميل، وبه من الصور البديعة ما يجعله طرفة فارسية نادرة (4).

ورباعيات الخيام تحكي ما بداخل الخيام من عشق، وحب، وأمل، وخمر، وتفاؤل، ويأس، وقنوط، وصوفيّة، وتمرد، وتديّن، وندم، وهذهِ بعض من مقاطعها:

سمعتُ صوتاً هاتفاً في السحرْ.

نادى من الغيبِ غفاة البشرْ.

هبوا أملأوا كأسَ المنى قبلَ أنْ.

يملأ كأسَ العمرِ كفُ القدرْ.

القلبُ قد أضناهُ عشق الجمال..

والصدرُ قد ضاقَ بما لا يقالْ.

أفقٌ خفيف الظلِ هذا السحر.

نادى دَعْ النومَ وناغِ الوترْ.

فما أطالَ النومُ عمراَ ولا.

قصّرَ في الأعمارِ طول السهر.ْ

فأمشي الهوينا إنّ هذا الثرى.

منْ أعيُنٍ ساحرة الأحورار.

وهكذا تتوالى رباعيات الخيام كأنها حوار أو صراع بالحجة والمنطق بين ثنائيات مُتعددة ومُتقابلات في بحث النفس البشرية عن الكمال، بين نقيضين، البطل والخصم، المؤمن والملحد، الزاهد والوجودي، والأبيقوري والأفلاطوني. رباعية تضعنا في المسجد ورباعية تضعنا في الحانة، تارة تدعونا الى العبادة وتارة الى الطرب، طوراً تشدنا الى الملذات وطوراً تشدنا بالعفة، مرة تغوينا بالعشق الجسدي، ومرة تسمو الى الحب الإلهي. وبين هذا وذاك، نسمع نغمات كئيبة ومتشائمة، ترثي، وتندب الذات البشرية؛ وقد أثنى المتصوفون الذين جاؤوا بعد الخيام على الرباعيات ووجدوها تعج بالمعاني والرموز الصوفية، فتناقلوها واستشهدوا بها. وإذا بالخيام الذي يحث على النهل من مباهج الحياة وملذاتها، يحث على التعبد والقناعة والزهد. وليست تلك المباهج برؤيتهم غير رموز: الروض يرمز إلى الدنيا، وخد الحسناء الى الحقيقة، والخمرة إلى ماء الحياة، وأنغام العود الى التناغم الأزلي في الوجود، والجداول والأنهار ترمز الى الجنة (5).

ويرى الكثير من النقاد أن ترجمة “أحمد رامي” لرباعيات الخيام فاقت النص الأصلي جمالاً، لكن لا يخلو هذا القول من إجحاف لجماليات الرباعيات وسلاسة أفكارها الأم ؛ وقد انتقل هذا القالب إلى الشعر العربي الحديث وأصبح فنًّا من فنونه المحببة التي يُقبل عليها كثير من الشعراء الذين يرتبط شعرهم بالغناء، أو محبة الحياة، أو حتى التفلسف، أو التأمل في أحوال الكون، لكن تلك الرباعيات، دائمًا ما ترجعنا إلى تأملات عمر الخيام في رباعياته الشهيرة، التي تبارى الشعراء العرب في ترجمتها، ولعل أشهرها – فيما يعرفه الذوق المصري- ترجمة أحمد رامي التي غنت بعضها الفنانة المصرية “أم كلثوم” (ذات الصوت الندي) فجعلتنا نهيم بها عشقًا (6).

وإذا كانت الحيرة مؤلمة فليس هنا لذة تفوق لذة هذه الحيرة التي يلقيك “عمر الخيام” في أحضانها أو بين مخالبها، ذلك لأنها ليست ناجمة من أنك تجد نفسك في فراغ من حوله فراغ، بل لأنك في قلب دوامة تدور من حولك لا تعرف أين رأسها من ذيلها، هذا هو عين الخدر الذي يحبه الكبار الذين يركبون أرجوحة الصغار (7).

والرباعيات هي أفضل القوالب للشاعر الفيلسوف الذي يريد أن يعرض علينا مذهبه، لا في بحث فقهي، أو في تتابع منطقي، بل في ومضات متألقة. الديوان حينئذ يأخذ شكل العد الذي تنسلك فيه حبات من أحجار كريمة مختلفة المياه، ولكنها تنبع جميعًا من معين واحد؛ والرباعية الواحدة تنبئ عن إقبال شديد على الحياة وإكبار لها. وتعلق بها، وتنبئ في الوقت ذاته عن الاستهانة بهذه الحياة واحتقارها لا تدري أهي لذة حسية أم هي لذة روحية؟.. أمتفائل هو أم متشائم مؤمن؟. .هو أم كافر؟.. هل هو مطمئن أم خائف؟.. هل هو مستسلم للحياة أم رافض لها؟.. هل هو يؤمن بالبشر، أم يكفر بالفناء، أم بالبقاء؟ هل يعطف على ضعف الإنسان أم يضيق به؟.. قد لا تعرف كيف تجيب على هذه الأسئلة. ولكنك ستعرف ولا ريب شيئًا واحدًا لا يمكن لك إنكاره: هو أنك لقيت عنده السعادة التي كنت تتمناها ولا تجدها: أن تقابل فنانًا أصيلاً لأحد لإنسانيته ورقته وصدق نظرته وعمقها، هو وحده الذي يجود عليك بفيض الكريم؛ وتنم رباعيات عمر الخيام عن أنها لم تتشكل إلا بعد أن استقر ربها على رأي فلسفي في الحياة، نضج عنده أولا وتحدد، ثم تكامل واتسق. وحتى إذا كان قوام هذا الرأي القاطع هو الحيرة، فإنها حيرة مقننة ثابتة، إنه المحور المرسوم من قبل الذي تدور عليه الرباعيات جميعها، كل واحدة منها تقيس منه وتنعكس عليه، كل رباعية جزء فيه خصائص الكل، يكشف ويعرف به، فلا نشعر ونحن نمضي في قراءتها أننا نشهد تشييدًا متعاقبًا لبنيان لا نعرف كيف يكون إلا بعد تمامه. الرباعيات تتعلق بالرأي وحده دون صاحب الرأي، فليس فيها إشارة تنبئ عن شخصيته أو هيئته أو صفاته (8).

أما صلاح جاهين فقد كتب رباعياته منجمة، في كل عدد من صحيفة أسبوعية واحدة، وما أظنه دار في خلده أو في خلدنا، وهو يفعل ذلك أنه يعكس في هذه الرباعية، خصائص الكل لرأي فلسفي في الحياة نضج، واستقر في ذهنه، بل خيل إليه – كما خيل إلينا – أنه ترك حبله على الغارب. ما وقع في شبكته من صيد فهو قانصه، يستمد الرباعية مرة من عالم الفكر وحده، ومرة من مشاهدة المحسوس، ولا بأس عليه أن يشير أحيانًا إلى شخصه (9).

وعن شخصه كما ورد عنه هو: صلاح الدين أحمد بهجت حلمي الشهير بـ ” صلاح جاهين، وهو أحد الأدباء الذين شكلوا الوجدان المصري الحديث، فكان شعره يمثل نقلة نوعية في شعر العامية علي مستوي الشكل والمضمون (10)، فهو فنان مبدع، متعدد المواهب، ابتكر عددا من شخصيات الكاريكاتير الشعبية، وأثار برسومه معارك سياسية، وفكرية كبيرة، وهو أحد راود الكتابة لمسرح العرائس في مصر بل وفي الوطن العربي، كما كتب استعراضات كثيرة للتلفزيون وسيناريو وحوار عديد من الأفلام، وأيضا كان لأدواره التمثيلية في الأفلام السينمائية طبيعة الإنسان المصري الشهم المنتمي إلي أرضه وناسه ومجتمعه، ويتجلى ذلك في أفلامه ” المماليك” و” اللص والكلاب”، و” لا وقت للحب”، وقد نال وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولي، كل ذلك إلي جانب عمله الصحفي الذي بدأه في عام 1952م، وتألقت أعماله الفنية في روز اليوسف، واشترك في إصدار مجلة ” صباح الخير”، ثم انضم للأهرام عام 1964م (11).. وللحديث بقية..

 

أ.د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..................

1-أنظر كتاب عمر الخيام عالم الفلك والرياضيات وكتابه نوروز نامة، ترجمة رمضان مصطفي متولي، مراجعة وتقديم، السباعي محمد السباعي، المركز القومي للترجمة، الهبئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، القاهرة، 2008، ص 19-22.

2- أنظر رباعيات عمر الخيام، ترجمة أحمد رامي، ار الشروق – القاهرة الطبعة الاولى 1421هـ، ص 12.

3- أحمد إبراهيم الشريف: رباعيات Omar khayyam.. قصة ترجمتها على يد الشاعر أحمد رامي، مقال بصحيفة اليوم السابع المصرية، السبت، 18 مايو 2019 10:43 ص.

4- أنظر رباعيات عمر الخيام، ترجمة أحمد رامي، مرجع سابق، ص 16.

5- أنظر د. حسين جمعة: فلسفة الخيّام في الرباعيات (بين الوجود والعدم وبين الزهد والتصوف)، القاهرة، 2015، ص 17-19؛ وأنظر أيضا فريد نعمة: رباعيات الخيام.. فلسفة عشق وتأملات حياة، مقال منشور بصحيفة البيان في الأول من ذو القعدة 1442هـ.

6- د. جابر عصفور: رؤى نقدية عن رباعيات صلاح جاهين، مقال منشور بالأهرام، في السابع من يوليو عام 2017.

7-أنظر: مقدمة الكاتب الكبير يحيى حقي لرباعيات الشاعر العظيم صلاح جاهين، ضمن مختارات أدبية، القاهرة، 2011، ص 17.

8- المرجع نفسه، ص 44.

9- المرجع نفسه، ص 46.

10-نبيل بهجت: القيم وأثرها على البناء الفني في مسرح الطفل عند صلاح جاهين، المجلة المصرية للدراسات المتخصصة، جامعة عين شمس – كلية التربية النوعية، ع16، 2017، ص 15.

11-جابر بسيوني: صلاح جاهين الشاعر المفكر، مجلة الأدباء، جمعية الأدباء، العدد الثالث، 2007م، ص 90.

 

قدمت في المقال الأول محددات العمل الأدبي، ورصدت تنويعات القيمة التي تحقق عدا أدبية الأدب قيما أخرى كالقيمة الاجتماعية والوطنية، والانسانية، والأخلاقية والمعرفية والتاريخية، وأكدت أن عملا أدبيا ما سيحمل قيمة ما، غير أنها تختلف في الدرجة والكثافة والحيوية والطزاجة، وزاوية التقديم.

في هذا المقال سوف أعرض لنماذج من الأعمال الأدبية التي تؤكد ما ذهبت إليه، شارحا ومفسرا، تاركا للقارئ الحكم الأخير.

في البدء أستطيع التأكيد أن الأدب الذي قيل إبان الاستعمار الغربي الأقطار العربية سيحمل بالضرورة القيمة الوطنية التي تتفرع إلى قيم وجوب النضال والكفاح ضد المستعمر، وتمجيد الشهداء، ودور المرأة في معركة النضال الشعبي، والموقف من النظام السياسي، وإدانة التخاذل الرسمي.

هذا وقد شكّل وقوع فلسطين تحت الوصاية الإنجليزية ومن ثم احتلالها شكّل بؤرة كثير من الأعمال الأدبية، فقارئ شعراء من مثل: عمر أبو ريشة، وعلي محمود طه، ونزار قباني، والرصافي، وغيرهم سيعثر بيسر على تلك القيمة القومية والوطنية والسياسية أيضا.

صواب القول إن القيمة في أعمالهم الأدبية حققت مبدأ الأدبية والفنية مضافا إليها قيمتها القومية، غير أن المميز هو زاوية التقديم والقدرة على تناول القضية من وجهة نظر خاصة، ولغة خاصة أيضا. ونزار قباني واحد من هؤلاء العرب المبدعين الذين قدموا نصوصا تبرز القيمة الأدبية والوطنية والسياسية من وجهة نظر خاصة وأسلوب فردي يترك بصمة واضحة على تلك القيمة.

ولكني سأتناول في هذا الخضم الكاثر نصا من شعر إبراهيم طوقان الذي يتغنى بشعره كل عربي حتى اللحظة من خلال نشيده الوطني بعنوان " موطني".

ولكن ليس هذا هو الطابع الوحيد؛ فالإضرابات العامة ضد بريطانيا، وإدانة الأحزاب العربية، وبائع الأرض والجاسوس، كانت محاور تؤكد قيمة وطنية ذات بعد سياسي وقومي أيضا ولكن بلغة ساخرة، ومن منا لا يذكر نصه الساخر من المسؤولين العرب، ومنهم بعض الفلسطينيين، بنكهة لغة يومية مفصحة دالة شعبية وفنية في ذات الوقت .

أنتم المخلصون للوطنية .. أنتم الحاملون عبء القضية

أنتم العاملون من غير قول .. بارك الله في الزنود القوية

وبيان منكم يعادل جيشا .. بمعدات زحفه الحربية

واجتماع منكم يرد علينا .. غابر المجد من فتوح أميّه

وخلاص البلاد صار على الباب .. وجاءت أعياده الوردية

ما جحدنا أفضالكم غير انّا .. لم تزل في نفوسنا امنية

في يدينا بقية من بلاد .. فاستريحوا كي لا تضيع البقية

أنتقل إلى الماغوط ونصه الإشكالي" سأخون وطني" الذي بالتأكيد يحمل قيمة سياسية ساخرة وعالية فنيا، يقف فيه أمام مرآة العربي الخائف والجبان والمستكين أمام النظام العربي الرسمي، حتى وهو في بلاد الغرب، ينظر نص " وجه عربي ومرآة إنجليزية ". وبوسع للقارئ أن يطالع نص " برتوكولات حكماء العرب" ليكتشف تلك النبرة السياسية الساخرة التي وسمت نص الماغوط بفن " الساتير" الذي يستدعي القيمة الضد ليؤكد القيمة الأصل

لا تكن ودودا فهذا زمن الحقد

لا تكن وفيا فهذا زمن الغدر

…….

إذن لا مفر

سنظل أبرياء ولو بقوة الرصاص…

ولكن، انا الفلسطيني المرقع بألف وطن ولا وطن لي

أنا الهائم في البحار العربية كبقعة الزيت العائمة، كل الشواطئ ترفضها، ومعظم الدول تطاردها، أين المستقر؟

فلسطين،

ليس لي أطفال، أنت طفلتي

ليس لي مستقبل، أنت مستقبلي

..ثم يقفل نصه

يا إلهي

امنحني عقل أينشتاين لأستوعب ما يجري على الساحة العربية

امنحني غباء الأوزة لأصدق ما أرى ..

 شعر طاغور جله في الإنسانيات، ونص "خطبة الهندي الأحمر قبل الأخيرة أمام الرجل الأبيض" لمحمود درويش عمل أدبي إنساني حتى أقصى خلية فيه، وإن كان يحمل في نسقه المضمر قضيته الوطنية المرمزة.

 تتنزل ورائعة الشاعر والأديب الدنماركي (هانس كريستيان) " بائعة الكبريت" قيمتها الاجتماعية كأشد ما تكون وأقسى، حافية تشعر بالجوع الشديد، تخشى العودة إلى البيت خوفاً من أبيها الذي طلب منها بأن تبيع أعواد الكبريت. تموت من شدة البرد مع أنها تحمل أعواد الكبريت الدافئة، لتلتقي بجدتها العطوف، ويتابع أبوها الظالم النظر إلى جثتها على قارعة الطريق في صباح عيد الميلاد، أية قيمة تلك ! قيمة مركبة، بل فيض من الفن والإنسانية والواقعية الاشتراكية، بل محو وتقويض ما يسمى البرجوازية ونذالة النبلاء.

في نص " هكذا أصبح جاسوسا" الذي أهدانيه وليد الهودلي الذي لاقى رواجا وتقبلا ؛ يسائل أدب الأسرى عن جدواه ويحاكم السجان وأساليبه في إسقاط الضحية، وأساليب التعذيب لأجل الحصول على اعتراف، واستهانة الفلسطيني الشاب بالمقابلات التي يجريها ضباط الشاباك ، إنْ على الجسر، أو في مراكز الارتباط العسكري، والعبارة البؤرية التي تؤكد جدوى المقابلات ترد (ص١١٥) على لسان ضابط الخلية المسؤول:" دوما يقول لأعضاء فريقه: تخيل أنك أنت الفلسطيني وفي موقع هذا الذي ترصده، أنت محتل وتعاني ويلات الاحتلال ماذا عليك أن تفعل؟!"، والكاتب في خضم معاركته السجن يدخل عميق نفسيات السجناء ويفتض أسرارهم بل أخطاءهم التنظيمية التي أودت بهم إلى الانكشاف، يصل النص إلى الأسبوعين الثامن عشر والتاسع عشر اللذين يمثلان العمود الفقري للرواية ويحملان عنوانها، ليبقى سؤال الجنس الأدبي (رواية) حاضرا ؛ هل هي حقا رواية، أم مجموعة قصصية صغيرة وحكايات واقعية انتظمها سارد مشارك ؟ .

وتحمل رواية " حليب التين " لسامية عيسى، تحمل قيمة جدلية وتراجيدية، وتحكي قصة البطلة (صديقة) زوجة المناضل الشهيد أحمد التي أصبحت بعد استشهاده تحمل عار جسدها بعد وقوعها في شرك الأصدقاء والثوار القدامى، إنها تحمل قيمة "محاكمة ثائر" وسلطة " المخيم " في الشتات، وفي بعض زواياه العتمة ." نسيت وجه صبحي الدنيء صديق زوجها أحمد حين حاول التحرش بها بعد أقل من شهر على استشهاده / ص١٨٦.

نجد قيمة الثائر السجين السياسي الذي وقع على صك الاستسلام والخروج تترنح في "شرق المتوسط ".

وتتنزل قيمة تصوير الآخر في العمل الأدبي حداثيا حين تتعثر بأعمال أدبية تستدعي اليهو/دي كمضمون وكقيمة وطنية (يمكن مراجعة كتاب : اليهود/ في الرواية العربية جدل الذات والآخر/ ٢٠١٢) ، لكن هذه القيمة يجري تحويلها وتحوريها، بل وقلبها في بعض النصوص الأدبية، بعد مرحلة ترسيخ صورة الآخر العدو .

نص "السيدة من تل أبيب" ونص "صديقتي اليهودية"، ونص " في قلبي امرأة عبرية " وكذا " الرقص الوثني" والقائمة تطول في ظل موجات التطبيع واستحداث لغة مشتركة ودين أبراهام الجديد.

بالتأكيد تتسلل في العمل الأدبي قيم نفسية وأخرى تاريخية ومعرفية ثقافية، وطورا أيديولوجية تتراءى فوق سطح العمل الأدبي، قد تكون سطوحا مهشمة أو مهمشة، وعلى الرغم من ذلك تبقى لها قيمتها المنبعثة من مضمونها تارة، ومن لغتها تارة أخرى، ومن موقف الكاتب والقارئ كليهما معا.

بقي أن نقول إن عبثية القيمة في بعض الأعمال الأدبية ولا معقوليتها، وامحائها وتشظيها في لا غائية الوجود الإنساني هي قيمة بحد ذاتها. قد تكون من وجهة النظر الأخلاقية والدينية لا قيمة لها، ولكتها في ذات الوقت تعبر عن إنسان هذا العصر الذي لم يعد يفهم كينونته، وهدفية وجوده، ومآسيه، وحروبا ليست حروبه.

ومسرح العبث واللامعقول مجال لدراسة تلك القيمة العبثية.

ومهما يكن، فقد أضأت بعض جوانب كامنة في أعمال أدبية منجزة لها حضورها الفلسطيني والعربي والعالمي، وإن كان لدي الكثير لأقوله، فإنني أفسح للقارئ النموذجي أن ينور المقال، ويزيل التباساته

ومجاهيله الثاوية.

 

د. خليل قطناني / فلسطين المحتلة

 

 

 

عامر هشام الصفارأصدرت الكاتبة الفلسطينية المولد العراقية النشأة سلوى جرّاح روايتها السابعة والمعنونة "حين تتشابك الحكايا" في نهاية عام 2019.. وراحت تخطط لأحتفالية أصدار الرواية، الاّ أن جائحة الكورونا وما ترتب عليها من أغلاق للمدن ومنع للتجمعات، قد حال دون ذلك.

صدرت الرواية عن دار المدى العراقية ب 128 صفحة من القطع المتوسط، وقد تصدّرها أهداء الى جيل الكاتبة الذي تنتمي أليه، حيث عرّفته بأنه الجيل الشاهد على الحروب وخيبات الأمل...ولكنه جيل تعلّم، وأحّب، وأنجب، وكتب الشعر، والّف الموسيقى.. مؤكدا مقولة نيتشه "ما لا يقتلك يجعلك أقوى".

ثم أن المؤلفة قد وضعت مقدمة لروايتها، وفيها البعض من صراحة القلم، وهو يشير الى غيرة المؤلفة من شخصية الرواية سهام، وهي تسجل على لسانها ذكريات الطفولة، ورؤاها، وصورها، ومعانيها. ولعلها الصدفة وحدها التي جعلت الحكايا تتشابك وتتناسل في رواية سلوى جرّاح، مع وقائع ما جرى على الأرض الفلسطينية، بعد ما يقرب من 21 شهرا من صدور الرواية، حيث شن العدو الصهيوني في مايس 2021 عدوانه الذي أستمر ل 11 يوما على غزة- الأرض التي ولد فيها السيد غريب عطا الله بطل رواية "حين تتشابك الحكايا" وشخصيتها المركزية.. يقول غريب: أنا من غزة.. أهلي لجأوا أليها من يافا.. هل زرتِ يوما غزة؟.

ولكل كاتب رواية هدف يتوخاه ويسعى أليه.. ولعل الرواية هنا أرادت لحكاياتها المتشابكة أن تصل للمتلقي ببساطة ويسر دون تعب.. فجعلت من غريب فاقدا للقدرة على الكلام بعد أن سقط أرضا.. فكأنه قد أصيب بجلطة الدماغ، فأدخل المستشفى بعد أن ظل يتساءل مع نفسه -كما بدا للراوي العليم- لِمَ هو مستلق على الصوفا الوثيرة فيما يجلس الجميع حوله صامتين.. في حين راحت سهام زوجته تقص (كما الراوي العليم) كيف بدأت علاقتها بغريب (لاحظ معنى الأسم لرجل فلسطيني-ظل غريبا أينما حلّ) المقيم في بريطانيا وأستاذ الهندسة المعمارية في جامعة لندن.. حيث تزور سهام لندن في دورة تدريبية أرسلها أليها المركز الثقافي البريطاني في عمّان حيث تقيم. وهكذا يكون للصدفة دورها في أن تصبح الفلسطينية -حتى نخاع العظم- سهام زوجة لغريب المولود في مخيم للاجئين الفلسطينين في غزة.

وكان لابد لغريب وسهام من أن يتعارفا عن طريق القص والحكي بما هو شخصي..فيسرد لها قصة زواجه من فتاة مصرية وأن له منها ولد وبنت..ولكنهما أنفصلا عن بعضهما لعدم تحملّه آراءها في السياسة التي تبتعد به عن أرض فلسطين، ومبادئه وما يؤمن به. كل ذلك بعد أشتداد الظرف السياسي عليه، حيث زار أنور السادات أسرائيل عام 1977 فصارت مصر الشقيقة الكبرى متصالحة مع العدو!... وبعد أن ظلت تقول له زوجته الأولى أنها لا تحب الحديث عن الأحتلال لأنه يعني المطالبة بالتخلص منه، وهذا يقود الى الحرب.

ولكن سهام تصّر على عدم تذكّر حكاية حياتها الخاصة الاّ بعد أن تفصّل في حياة غريب في مخيم جباليا، فحياة المخيم ذل تتوارثه الأبناء عن الآباء.

وراحت الحكايا تتشابك مع صديق غريب عبد الواحد الفلاح أبن الفلاح، والذي حصل على دكتوراه الزراعة وأستصلاح الأراضي، والذي أخرج عنوة من الضفة الغربية لأنهم-نسبة الى الأسرائيليين- ليسوا بحاجة لخبير زراعي فلسطيني، مصّر على زراعة أرض فيها نبع ماء قريبة من مستوطنة. وتتواصل فصول الرواية من غير ترقيم، وبأستهلال عن حالة غريب الصحية يمتد لأسطر قليلة..لتنطلق بعدها سهام متذكرة الماضي بشيء من التفصيل (تقنية الأسترجاع أو الفلاش باك)..وهو ليس تذكّر حَدَث فقط، بل تذكّر مشاعر ومواقف تفرض نفسها على الذاكرة، وهي تعاني الظرف الصعب من خلال أحتمال فقدان الزوج بعد المرض.

وفي تداخل زمني فيه تقطيع سيناريست، ينتظر المتلقي مع سهام ما ستؤول أليه صحة غريب الذي دخل غرفة العناية المركزة..وهو المكان الذي يقرر الأطباء أدخال المريض أليه في حالات الحاجة الى دعم جهازه التنفسي ودورته الدموية.. وكل ذلك يجعل الأنتظار صعبا على الزوجة التي راحت تحكي لنفسها وتتذكر لندن ودورتها التدريبية فيها، ومحل ضخم لبيع الكتب (فويلز)، وكتاب حريق لندن، لتعترف لنفسها أنها يوم جاءت الى لندن هذه كان الحب آخر ما يشغل البال.. لتقول: ثم وجدتني بلا مقدمات أكسر كل قيودي وأخرج من سجني طائعة كما دخلته...وجدتني أقّر وأعترف أنني أعيش حبا غيّر ما بي، وأختزل الزمن، ووضع نهاية لأسر ذاك الماضي البعيد.

وحين تتشابك الحكايا الرواية بعد ذلك كانت قد أخذتنا سردا في فضائها المكاني من غزة ولندن وبغداد والقاهرة وعمّان الى أشهر مخيمات اللاجئين الفلسطينين في محافظة طول كرم –مخيم نور الشمس- ورام الله وسلفيت والتي تعني (سلة العنب) لتحط بنا في ردهة الأنعاش في نهاية المطاف بمسشتفى أنكليزي حيث غريب الذي بدأ يستجيب للعلاج، فها هو يطلب أن يحكي مع سهام زوجته.. فلقد صحصح..

وعندي فأن عودة الوعي لغريب وأرادته على الكلام أنما هي عودة الوعي الى أمة تستعيد قدرتها على قراءة تاريخها.. فغريب الرمز في زمن الرواية الدائري هذا (بداية السرد به ونهايته) هو الذي يمثل الأنسان العربي الذي قد يسكت ولكنه لن ينسى.. ثم أنه لابد من أن يتكلم ويصحصح.  وعندها فقط سيكون للتاريخ شأن آخر.. وسيكون لغريب ذاكرة جديدة وحكايا أخرى قد تتشابك من جديد.

لقد أعتمدت الروائية سلوى جرّاح لغة سهلة شفافة واقعية،  ليس فيها أطناب أو أسهاب في غير محله.. فأبتعدت عن المجاز والأستعارة والشاعرية لتضع القاريء في صلب الحكاية. وعليه ففي لغة الرواية أقناع وأنسجام يعطي للمتلقي القدرة على الفهم والتأويل.

أن رواية "حين تتشابك الحكايا" وهي تستخدم الجغرافية للتعريف بالتاريخ الفلسطيني عبر تقنية الحكي فيها، أنما تحاول أن تظل للقضية الفلسطينية مركزيتها من خلال أطلاع الجيل المعاصر من المتلقين على تفاصيل هذه القضية وتعقيداتها. وفي هذا فهي تتواصل مع روايات فلسطينية أخرى بنفس الهم رغم أختلاف الرؤى. وكأني بالروائي الفلسطيني وهو يكتب روايته أنما أجده يتمثل بقول الراحل الكاتب جبرا أبراهيم جبرا والذي قال عام 1988 "أنه يجب عليه أن يكتب ليتفهم أولا لماذا يحاصره العالم ثم هو يكتب ثانيا على أمل الهروب من هذا الحصار.. وثالثا لابد من أن يكتب على أمل أيجاد مخرج للعالم كله من هذا الحصار".

أن الروائية سلوى جرّاح هنا أنما تكمل مسيرة أميل حبيبي (المتوفي في حيفا 1996) وغسان كنفاني (أستشهد في بيروت عام 1972) وجبرا أبراهيم جبرا (توفي في بغداد 1994) والروائية سحر خليفة المولودة في نابلس عام 1942.

أن رواية "حين تتشابك الحكايا" ليست مجرد سرد للتاريخ الفلسطيني والعربي في المعاناة والهزيمة والأذلال، ولكنها أيضا لها سماتها الجمالية المميزة في تسجيل قصة التحوّل التاريخي الفلسطيني والعربي بعد النكبة. وكما قال الفيلسوف لوكاش فأن المثقف الحقيقي هو من يقف بثبات في مواجهة التاريخ بالأدب ومواجهة الأدب بالتاريخ. 

 

عامر هشام الصفّار

 

عبد الكريم قاسمديوان الشاعر ابراهيم العامري

سياقات التلقي:

القراءات المتعددة توقع الدارس في حيرة، فأية قراءة يختار؟ في عصر تعددت فيه القراءات، ومنحت فيه سلطة على النص. لهذا دور القارئ هاما، لأن المنجز الأدبي، مكون من ثقوب على القارئ ملئها، ووصل الصلات المفقودة بين القصائد.

هنا تتحرك الدائرة التأويلية من الجزء(همسة) الى الكل(شائكة)، من أجل بناء معنى متماسك للنص.

بسبب تعددية المثاقفات سوف نتخلى عن:

1ـ القراءة الاستنساخية: التي تقف عند حدود التلقي المباشر.

2ـ القراءة التأويلية: التي تريد أن تساهم  في إنتاج وجهة نظر الخطابابات المتزاحمة.

3ـ نرتكز على القراءة التشخيصية: القريبة من روح التفكيك، إننا نحاول أن نسهم بوعي في إنتاج مقروئنا المعاصر (همسات شائكة)، من أجل تفكيك مجتمع النص، الكشف عن تهافته، تقديم تناقضاته ونقائضه.

أن قراءة نصيات الشاعر العراقي المبدع ابراهيم العامري (همسات شائكة/مكتبة الحكمة/كربلاء) تعمد الى المزاوجة بين المعالجة البنيوية والتحليل السوسيولوجي؛ هي ما نراه المناسب لمقروئنا..مع أنموذجاتها.

ينطوي الادب التعبيري على عالم غير الظاهر، الذي غالبا ما يكون وهميا. الوهم، هذه الكينونة اللامرئبة يتماهى اللغز الابداعي وتستلزم اداة القراءة الخبيئ في الفكرة الاساسية في التحليل السوسيولوجي التشكك في أن خلف هذا الهمس العلني يختبئ همس آخر، خلف هذا الانسجام اللفظي ثمة صراع.

يتفرد صراع نص العامري بطرح اسئلته على المخيال والذاكرة بغية توجيه الاحالات الى اقتراح اجوبة ذات بعدين:

الاول، عدم التعرض الى اعتقال العقل والمخيلة.

الثاني، عدم عزل المتلقي عن الخطاب الانساني.

اعتقال العقل:

الأنظمة التي تقوم بصورة مباشرة على القوة هي أنظمة غير مستقرة، رغم أنها يمكن، بثمن باهظ ، أن تستمر بعضا من الوقت.

يمكن أن تكون الهوية الاجتماعية المذوتة الى هذا الحد أو ذلك، مرتبطة بإحساس خاص أكثر بالولاء لفئة اجتماعية بعينها بحكم الامتثال السلوكي الطوعي.

على انه يمكن لأنماط الولاء للسلطة الأكثر بعدا وللروابط الفئوية المرجعية الأكثر قربا أن تدخل في حالة صراع.

أدرك الباحثين منذ وقت بعيد ان الإنسان والحيوان معا مروضان بالعادات المكتسبة، وان نسبة ردود الفعل عندهما تنخفض تدريجيا تجاه كل جديد وتنعدم تماما حينما يصبح هذا الجديد قديما..

استغل رجال السياسة الفكرة. فترويض الحيوان يتوقف عند سلوكه الحركي، أما  الإنسان فيتجاوز السلوك الظاهري/ الحركي وصولا الى تشكيل الأفكار، القناعات، بحيث يمثل امتلاك الإنسان من الداخل، على مستوى الوعي أعلى مراحل التحكم.

تتنوع تكنولوجيا تعديل السلوك، بين الإغراق الإدراكي الذي يوفر الحضور الكلي للمستبد في وعي الجمهور، وبين آليات التجميل والتفخيم، وبين التأثيم والإخضاع من الداخل، خصوصا السحب من الرصيد الثقافي والديني الخاص بأخلاق الطاعة.

الاصطلاح الصيني his nao تنظيفا المخ، استبدل في علم النفس والاجتماع باصطلاح  اشمل مثل التحوير الفكري او المذهبة...حيث يتم غسل دماغ الضحية لكي  تتغير اتجاهاته الفكرية.

ان أهم الطرق تتلخص ب:

2527 همسات شائكةأولا، بذر القلق والشعور بالخطيئة، ثم تضخيم المتناقضات داخل الفكر.

ثانياـ إدخال الرعب المفتعل فالألم والإرهاق والإهانة والتجويع ..كلها معاول هدم الشخصية ولهيب يذيب المقاومة الفكرية.

دخّل دورة

يريد يتعلم كلام

حذره الحاجب

گله ممنوع الكلام (6)

 

الحرامي بسرعة يركض

تاته .. تاته

يركض الحارس وراه (23)

 

يوّل من شوكت نايم .

گتله أذكر قفلت

من بده فصل التهايم (22)

الحرمان بوصفه شعورا :

هو صراع الفقرة والوفرة من الناحية السوسيولوجية والسيكولوجية الدالة على الحرمان.

يعد الحرمان Deprivation المرادف النفسي لمفهوم الفقرPoverty ذي المضمون السوسيولوجي ـ الاقتصادي. أن المفهومين كثيرا ما يأتيان في سياق واحد متداخل في الأدبيات الاجتماعية.

عليه، موضوعة الحرمان ودوره في التغيرات الاجتماعية، يقود الى سؤال جوهري: إذا كان الحرمان يتأتى من مقايسة أنفسنا بمن هم أفضل منا، فلماذا لا نشعر بالحرمان على الدوام؟.

بمعنى آخر، صياغة نفسية لمضمون العلاقة الجدلية بين الحرمان والاحتجاج؛  إن المظالم التي يمكن تحملها بصبر لكونها غير قابلة للتجنب، تصبح غير قابلة للتحمل حالما تطرأ في أذهان الناس فكرة الهروب منها.

الفكرة مؤداها إن كل فرد له  مطالب اساسية، يتم على أساسها الإيفاء بها، يمكن تقسيمها على قسمين:

1- إيفاء حقيقي، يشير الى مدى ما يتحقق فعلا من حاجات،

2- المتوقع، يشير الى المدى الذي يشعر فيه الفرد بالعدالة من تحقيق حاجاته.

فإذا كانت التوقعات أكثر مما تم تحقيقه، يشعر الفرد بالحرمان نتيجة نقصان الحاجات الحقيقية عما هو متوقع، بهذا امتلكنا الجواب.

يؤدي هذا الحرمان /النقصان الى الغضب والتمرد والثورة خاصة بالشعر... الومضة الحسچة للتعبير عن التبرم والاستياء من الظروف القائمة.

عايشت چم اخطبوط

وعلموائد مددت ونضحت جوع

وكما كنت

لصدر امي فضلت الرجوع

تألمت صابه جفاف

شفته يرضع بالدموع (25 )

 

هو

أخذوله تحيه

وآني ربطوهن أديه (40)

أنسنة الترقيم لماذا؟

هيئة الأمم تطلق على الجماعات المعدمة ماديا تسمية(ما دون خط الفقر). ككل ماهو إحصائي، تفقد الظاهرة خاصيتها الإنسانية المأزقية، حيث تأتي على شكل تجريد رقمي يغطي على كارثة الفقر، والحديث ليس عن بشر.

هجرة وتهجير الادمغة والملاكات العلمية والفنية وأصحاب رؤوس الأموال والاستثمار .

ثم حصدت ماكينة الحرب الشباب ..أدت الى انهيار الوعي وتشوش القيم. استسهال تقمص السلوك الإجرامي وشيوع ثقافة الإرهاب.

استقبال وتبني الوافد من قيم..

ان الفقر عندنا تهديد للأمن الاجتماعي. الفقير العراقي يختلف عن غيره في مجتمعات العالم. الفقير ممكن ان يسمعك قطعة موسيقية أو يبيع الورد .. بينما يتراوح عندنا بين الفقير المستكين المهمش لايملك سوى كسرة خبز ومهفة كارتونية في الصيف، فجأة يصبح  سلاب، نهاب،غلاب، قتال، حيال...

بينما جحافل الفقراء المستغنى عنهم تتزايد، ا نهيارات انسانيتهم ينحدر رويدا رويدا، الفقر، يصل الى إنهيار قيمة الإنسان ذاته ونوعية الحياة ذاتها.

اننا بصدد انهيار ديني قيمي واخلاقي ينسف خدعة الفقير الشريف، عفيف النفس. فقراء العراق محرمين من القدوة الحسنة، التعليم، الصحة، الثقافة، الأمن، الاستقلالية والمشاركة في قضايا المجتمع.

الى هيئة الأمم:

إذا سوو الدي دي لقاح

اذن شنهي بقائچ

والمرض يجتاح (24)

 

گال لو مرّك الجوع

بگلبي ضيف

...

وگال نكست المضيف (10)

 

للوجبة ضافو ريجيم

وللهدايا احجز مكان

هاي منحه من بلاد العسكريم (41)

 

اضطراب أبعاد الديمومة :

ان طول معاناة الإنسان، مدى القهر والتسلط الذي فرض عليه، ينعكس على تجربته الوجودية للديمومة على شكل تضخم آلام، تأزم في معاناة الحاضر، انسداد أفاق المستقبل .العجز أمام التسلط وما يستتبعه من عقدة نقص، العجز أمام قوى الظلام وما يحمله من انعدام الشعور بالأمن، يجعلان الإنسان فاقدا للثقة بنفسه وامكاناتها، فاقدا السيطرة على مصيره في يومه وغده.  كذلك فإن انعدام الضمانات في الصحة، الرزق يجعله نهبا.

قانون السلطة، يتلخص في مدى السيطرة على قوى الزمان والمكان، بالتالي فالتخلف يبدو من هذه الزاوية كعجز متفاوت الدرجة عن هذه السيطرة.

عجز الإنسان المظلوم عن التحكم بمصيره مرتبط بوثوق، باضطراب الديمومة. الآمال التي يحملها المستقبل تخفف بدورها من وطأة المعاناة الحاضرة وتنسينا متاعب الماضي. اليأس من الخلاص، من خلال الجهد الذاتي،هو ما يميز نظرة الإنسان المقهور.

اذ ان المعاناة الحاضرة التي لاتجد لها إمكانية خلاص في مستقبل منظور تحول الحياة الى جحيم. وذات طابع انفعالي خال من العقلانية.  .ومع ذلك التوتر تزداد العدوانية المتراكمة المقموعة، تصل عتبة الانفجار، مما يثير قلق هذا الإنسان خوفا من نتائج عدوانيته التي يخشى أن تفلت من عقالها. هو لهذا يضاعف جهده لقمع طاقته، من خلال  الرضوخ طلبا للسلامة.

إزاء هذه الأزمة الوجودية لايملك الإنسان حلا سوى الهروب الى الخرافي أو الواعي. كما قد يهرب من إطار الزمن من خلال الغرق في الممارسات  التي تنسيه واقعه المؤلم: كالذكر والخمر سوية، التخريف والشعوذة أو الادعاء انه طريح احد الاولياء.

شلت تابوتي أعله رأسي

رحت ادور لي مكان

و من شافني صابه الذهول

السيد الدفان

ما ادفنك ..!  صاح بيه

أنت ميت من زمان (20)

 

لا تتوهم تنطق يوم

خليك مصنف تمثال

بس انحني برغبتك

شيل احزان بسلال (65)

اسطوانات...:

طابع الحزن يعمم على كل شيء تقريبا ويبدو بأوضح صورة في الأغاني والقصائد الشعبية التي تدخل جميعا في إطار المراثي..وجلد الذات.

من اللافت للنظر أن نلحظ  ندرة الأغاني والقصائد ذات الطابع الفرح المتفائل والدينامي في الموقف من الحياة.

إن الأغنية تعبير فصيح عن المعاناة الوجودية عموما، وليس تركزها حول عذاب وآلام العشق سوى ستار يخفي جروح الوجود التي تسقط على علاقة الحب.

الأغنية الحزينة أو القصيدة مرآة يرى فيها إنسان مجتمعات القهر ذاته ويعيش من خلالها إحباطاته. أيضا تعكس اجترار الآلام  التي لا خلاص منها والتي يغرق فيها ذلك الإنسان.

ليل أول ..

ليل ثاني ..

ليل ثالث

واحد گال (حسبالي)

و(يا حريمه) الثاني گال

ودار بالراس الشعر

و(يا حسافه)حضر رابع چان عارف بالسعر(33)

 

آه

فيروز الأغاني

الحجر لابس أسود

وبحت أوتار الشمس

وأذكر اهنا چان لوحة

كانت تمثل القدس (42)

 

نسي

يخسارة نسي

من الزغر وفريته للمجلسي

يأتي زمان

تاليه يحكم أطلسي (73)

 

حلوه هاي الأغنيه

انت كاتبه إليّه ؟

لا ..الكل الناس هاذي

زعلت وحقدت عليّه (109)

 

يا طيور الطايره:

كل المهاجرين كأنما هم مواطن واحد يتكرر.. كيف ؟. الهجرة بالنسبة للعراقيين مثل طائر السيمورغ، الذي سمعت الطيور عنه، قررت الرحيل باتجاهه.

من بين الاف نجح ثلاثين، بانتظارها مفاجأة، أن (سي) تعني ثلاثين و(مورغ)تعني طير.

تلك مرآة يمكن أن تعكس كامل المجتمع مع ما فيه من اختلافات وفردانيات.

هذا الشيء لا يتوصل حتى قادتنا الحاليين وبعد 1400 سنة الى إدراكه: إن الشعب وكامل الأرض تستطيعان أن تكونا مرآة:

أنتم ثلاثين طيرا فستجدون أنفسكم ثلاثين طيرا في هذه المرآة، لو جاء أيضا أربعون أو خمسون طيرا لانفتحت أكثر المرآة التي تخفي السيمورغ/ همسا العراقي.

يا ضوه فدوه إلك

لا تبتعد عني

حاولت ردت أختفي

ومرايه تعكسني (110)

 

وآنه شايل قضية

مو ثلج خليته ابتابوت

يا لغة تألف رصاص

و هي ورقة توت (26 )

 

ولو بالعشرين أمي

حطت براسي اخوي

گالت اتراب العراق

ولا بواشنطن ييمه تصير بوي (31)

 

شنهو ضام؟

گلّهم

ذاكرتي ضاعت

من طحت برض الحرام (45)

موطني .. موطني:

على القارئ أن يتفحص، كيف تظهر الاهتمامات بالسلوك الأخلاقي، الواجب أو الالتزام في الفكر والوعي. بل أن يسأل:

كيف وفي أي سياق محدد يصبح أي اعتراف بالسلطة مرتبطا بتذويت الكبح الاجتماعي، أو  الانكفاء داخليا في حالة استلاب؟.

ما يخطط لأن يكون سلوكا، لا يكون كله بدافع نفسي ـ ديناميكي على الصعيد ذاته من النضج ـ الاجتماعي.

العراقي تعرض طوال حياته الاجتماعية على هذه الأرض، الى ألوان من الاضطهاد، لكن، لو تتبعنا جغرافية مسيرة مواطنيته، الولاء والانتماء، لا يبعد عن العراق، الوطن والأرض والشعب واللغة والنهر...

وطنه يا وطنه

مثل الصدگ فرحنه

ايه ..

كلّه ساعة صفر

أطلق لها ونّه (144)

 

يكابر ومرفوع هامه

الروح خلّه تروح فدوه

ولا عاصفة صحراء

تعمي عيون زرقاء اليمامه (18)

 

نايم براحة الأسد

ويطرد الذبان عن حلگه چلب (16)

 

واحد راد اينظف الدنيه

امن الأوساخ

دوّر أصلي

طلعو كلهم استنساخ (9)

المعيوش:

الصراع الإنساني ضد المجهولات، كفة النصر ترجح فيها لمن يوفر أكبر مقدار من المعرفة عن خصمه. لذلك، الناس الذين يعتقدون بأن الأسد لا يخاف، ويعتقد الأسد بنفسه كذلك، هذا المعتقد غالبا يبطله الصياد المستأسد !. لكن المعاناة التي تنتج عن هذه الوضعية،لا يمكن احتمالها الإ بقدر ولمدة معينة.

فجميع وسائل الاجترار لا تحل المشكلة بشكل مقبول.. و لا تسمح بالاحتفاظ بالتوازن النفسي، كيما يتمكن من الاستمرار بالعيش. هكذا عاجلا أو أجلا ،لابد للتوتر ان  يتراكم وصولا الى مرحلة التمرد.

فصّل أحلامك على ميز الطعام

الزكاة من شرعوهه

مثل ما للأسد حصة

بيه حصة للحمام (11)

 

عالناس أصيرن أسد

لو دبرتلي ذيل (93)

 

هي من عبود الأول

حتى هرقل الثاني

كلّهم أسد من ورق

أشرّ الخط البياني (96)

تحولات المگاريد:

نلحظ (مگاريد) الشاعر وقد ذهبت حياتهم إستنزافا بالتقسيط من خلال الفرح في الأحلام. ومن خلال التماهي بإبطال الرياضة والسياسة..الفنون، حيث ينشأ نوع من ازدواجية العيش. شقاء مادي مقابل أحلام اليقظة والاعتقاد الزائف make believe من خلال الاندماج مثلا مع إبطال مسلسل أو فلم..بالتالي، يظل في هذه الدوامة.

تنصب نقمة المگرود المقهور على الذات، لأنها فشلت في ان تحقق مشروع الكيان والمصير.

فالجسد باعتباره مجال التعبير الوحيد

الممكن مقموع في (شائكة) بلا حتى (همسات)وبدون ملامح إنسان مثلما أخلى الشاعر مقتطعيات قصائد الديوان من أي عنوان !. لأن الألم في صميم الوجود تعبير صادق عنه، لا من الجهة الجسدية فقط بل من الجهة الروحية العليا.. وقد يفلح المگرود في خنق الألم لكنه يلاشي باقي كرامته.

الشاعر ابراهيم العامري علته الصراع الدائم بين شطره العميق التائق الى اللانهائية، وشطره السطحي المنغمس في هذا العالم الفاني، عالم الموضوعات. ذلك ان المگرود في صميمه، هدف لعدوين، خارجي عالم الموضوعات، و داخلي الظلام الذي يحاول خنق (همس ..ات) الفيض الإلهي.

عينت نفسي ملك

أعد خطوات الأميرة ..

گالت أنت أجمل حصيرة (5)

 

گبل قرنين اشتمت

وبحالة سكر عبدالحميد

بس چنت اقدم نبل

ويسدد ابقوسه الوليد

انت ابيض صرخ قاضينه العتيد

باليعجبك روح شتم

حتى هارون الرشيد (47)

 

اسرني الزمن قيدني بحبال

ومن دون الربع رد چفي خالي

واذا وياي كل أصحابي تعيل

أصيرن سيف آنه وبيد چتالي (145)

 

بين الظالم والضحية

مسألة حس وعدم

هذا ناره عاطفة وحروفه هم

وذاك سوط توحم بطبع القصور

وطبعه دم (116)

المرموزة همسا تجادلنا:

الانسان كل يوم يستعمل الرمز دون أن يدري؛ لأن كل كلمة رمز. لذا، ليس هناك إذن دائرة محمية أو اتفاقية بل ممارسة يومية. دور الرمز فيها التعبير عن أي فكرة ما بطريقة يقبلها الجميع. فالرمز في نطاق الأفكار عامل صلة غني بالوساطة والتماثل، يجمع المتناقضات وينقص التعارض. لا يمكن فهم شيء أو نقل شيء دون مساهمته.

همسا Humsa  الطائر الرقيق الذي يفكر بالانفلات هو مرموزة بنية جسد النص، السؤال النقدي المتوثب هنا: هل أراد العامري مخاتلة فرضياتنا:

1- إن الصرخة من اجل الحرية لم تعد مرغمة أن تحتجب تحت رموز غيبية، اننا نستطيع القيام بها من خلال مكتسبات الحضارة والثقافة  ونسج الحوارات والتقدم بدون حدود، و(هم سات) قمر الشاعر المشفر.

2 - (همسات) هي (هم )وليد القلق الصادر من اعماق (شائكة) للانسان، بل هو محور الارادة والانفعالات والتمنيات، مبعثه الوجود.

كل ما طرأ على الانسان المگرود في مجتمع النص وجدنا له دواء بالاختباء وراء الناس، والفرار من الذات الى المعية، لكن الى اين الهرب من المستبد ؟ الى همسة الومضة الحسچة.

3- ليست الهمسات شائكة انما مقموعة خلف هيكل صنم شائك لا يتورع من شنق همسات معاندية من خلال احتضانهم في بطنه حسب تطبيل بطانته.   .

4- همسا بجناحها حملت منشورا بلغة الاشارة، الصم والبكم، الى الاحرار لنصرة المظلوم؛ كما كانت الطيور وظيفتها التراسل، لكن، انتابنا اندهاش متأخر، همسا أيضا سجينة، يا للهول !.

اثنينه بخشبه سويه

اثنينه نفس القضية (38)

 

دخل العصفور

في دورة قتال

ولبّس الارنوب خاكي

واعتبر قتله حلال (36)

 

وخطب مرات السراب

وما گدر يهمس

انباعت الميسور حال

وعانس بقصر العرس (42)

 

واشتغل وگت الحصاد

انهض اتنكب السكته

بده الموسم

انطوني منشار وجسد زاند صليب

وگالو اهجم (44)

***

عبدالكريم قاسم

 

 

 

مفيد خنسة(ربيع بلون السماء) / صالح الهنيدي

سيأتي الربيع

يفتّش عنك

يعيد انهمار السؤال القديم

إلى أين تمضين؟

أين المسير؟

وأين انقضاء الطريق الطويل؟!

رحلتِ

وما زلتُ في غصة الوجد

أركض في واحة المستحيل

(2)

يظل النهار بلا شمسه

ويشتاق عمري إلى أمسه

أفتش في دفتر العمر عنك

كحرف تساقط بين السطور

(3)

ويأتي الربيع

يعيد انتظام الزمان الجميل

يراقص أشجاننا

كي يخف العويل

أمانيك مغروسة

في تراب النقاء

سيمضي الزمااااان ويشمخ

في راحتيها البقاء

(4)

ويأتي الربيع

يردد أنشودة الحزن

يسحق أهزوجة كالهديل

نقاوم آهاتنا لحظة

ويعتصر اليأس أفراحنا

ونسمق من بأسنا كالنخيل

(5)

ويأتي الربيع

يصوغ ملامحنا

سحنة من عبق

يشكلنا في احمرار الشفق

وفي زرقة البحر

حين انفلق

يصورنا كيفما يشتهي

ويرسمنا في إطار جميل

(6)

ويأتي الربيع

بلون السماء

يحطم أمثولة الكبرياء

يزلزل وهم الكراسي

العظيمهْ

فتسقط كل المآسي الجسيمهْ

رويدك يا أيها السامري

سينسف عجلك في اليم نسفاً

ويعصف بالذل والهم عصفا

وسوف تذوق انهياراً وخسفا

لأن دماء الشعوب

وقودٌ ولا تعرف

ا ل م س ت ح ي ل]

***

للفصول مناخاتها، وتدرجات حرارتها، فيها تتوالى الأيام وتتعاقب صفاتها، وفيها تتجلى الطبيعة على اختلاف مظاهرها، فالفصول حلل السنة على امتداد الزمان، وهي دلالات انقسام الأقواس على تمام دورة المسار، والفصول عند الشاعر لها معانيها ودلالتها، حيث تتجلى بالرموز التي يحلو له أن يوظفها كي يستتر المعنى في ظلال اللغة، وللفصول ألوانها وموسيقاها ورموزها وعلاماتها، أما الربيع لدى الشاعر صالح الهنيدي فله لون السماء، اللون الأزرق الذي تتعدد دلالاته ومعانيه، الأزرق الذي يعني لون السماء والبحر فهو يشير إلى الخيال الواسع والإلهام، وهو رمز الطاقة والإثارة، إنه رمز الهدوء والسكينة، إنه رمز الثقة والقوة، وهذه الصفات لعلها مشتركة بين السماء والماء وهي مشتركة بينهما وبين الربيع، أما كيف تتجلى من وجهة نظر الشاعر هذا ما سأحاول دراسته من خلال قصيدة الشاعر السعودي صالح الهنيدي بعنوان (ربيع بلون السماء) التي حملت عنوانها مجموعته الشعرية.

الفرع الأول:

يقول الشاعر:

(سيأتي الربيع

يفتّش عنك

يعيد انهمار السؤال القديم

إلى أين تمضين؟

أين المسير؟

وأين انقضاء الطريق الطويل؟!

رحلتِ

وما زلتُ في غصة الوجد

أركض في واحة المستحيل)

يبين هذا الفرع الصورة التي سيأتي عليها الربيع وعقدته (سيأتي الربيع) وشعابه الرئيسة هي: (سيأتي الربيع) و(يفتّش عنك) و(يعيد انهمار السؤال القديم) أما شعابه الثانوية فهي: (إلى أين تمضين؟) و(أين المسير؟) و(وأين انقضاء الطريق الطويل؟!) و(رحلتِ) و(وما زلتُ في غصة الوجد) و(أركض في واحة المستحيل).

في المعنى:

الأسلوب في الفرع كما هو واضح خبري وإنشائي، وفي الأسلوبين يتجلى الربيع كرمز أساس في القصيدة بشكل عام وفي هذا الفرع بشكل خاص، فقوله: (سيأتي الربيع) يتضمن توكيداً لحدوث الفعل، وفعل مجيء الربيع مسلم به، لأنها حقيقة زمانية، إذ لا بد من تعاقب الفصول فيأتي الربيع، ولكن هل يقصد الشاعر ذلك المجيء الزماني وحسب؟!، هل يقصد بالربيع تلك الفترة الزمنية من السنة التي تحدد هذا الفصل؟،أم أن توكيد المجيء ليس هو المقصود بحد ذاته إنما يبين هدف الشاعر من هذا التوكيد قوله: (يفتّش عنك)، واستخدام الفعل (يفتش) يفيد في أنها غائبة في مكان غير معلوم، فلو كان الربيع يعني الزمان الفيزيائي لما صح المعنى هنا، إذ لا شيء خارج الزمان، لنستدل أنها غائبة عن الشاعر نفسه الذي يمكن أن يكون قد تعرف إليها في ذلك الربيع، ومجيء الربيع بالنسبة للشاعر هنا يعني عودة حضورها في ذاكرته ومخيلته من خلال الأثر الذي خلفته خلال ذلك الربيع، وهنا لنا أن نسأل، لماذا استخدم الشاعر فعل (يفتش) ولم يستخدم فعل (يبحث) مثلاً؟ لنستدل من هذا التساؤل النقدي أن (البحث) إنما يكون عن شيء مفقود من دون اليقين بوجوده، أما (التفتيش) عن الشيء يكون في حالة عدم اليقين من وجوده، فقد يكون موجوداً وقد يكون غير موجود، وذلك في الحيز المكاني الذي يتم البحث فيه، وهذا ما توحي به الجملة الشعرية (يفتش عنك) أي الربيع الذي استخدمه الشاعر رمزاً للأثر الوجداني الذي تركته في نفسه وقلبه وعقله في ذلك الربيع ليس على يقين من وجودها في هذا الحيز المكاني أو عدم وجودها، وفي الحالتين لا بد له من التفتيش لأن كل شيء في الربيع يستحضر ذكرى حية في وجدانه لها، وقوله: (يعيد انهمار السؤال القديم) أي كما كان يحصل في عوداته السابقة بإلحاحه في السؤال عنها، فالانهمار يشير إلى السرعة والاستمرار في السؤال عنها، أما كلمة (القديم) فذلك يعني أن معرفته بها قديمة، ومن هنا سيتولد معنى احتمالي جديد، وهو أن الشاعر قد بقصد بها شيئاً غير الأنثى، أي غير المحبوبة، وهذا ممكن ويصح أن يكون أحد المحمولات الدلالية للتركيب الشعري(يعيد انهمار السؤال القديم)، ماذا لو كان يعني الحرية؟، أو ماذا لو كان يعني الغاية والهدف والمصير؟ فلعل هذا التفكير النقدي مع الاستمرار في بسط القصيدة وتحليلها إلى مكوناتها الأساسية يساعدنا في التحقق من المعنى على اختلاف مستوياته، وقوله: (إلى أين تمضين؟) يشير إلى أنها مازالت مستمرة في المضيّ والغياب، وهو مازال مستمراً في السؤال، وقوله: (أين المسير؟) يشير إلى أنها ما زالت في حالتها المستمرة في المسير ولكن من دون أن يعرف المكان الذي تسير فيه، وقوله: (وأين انقضاء الطريق الطويل؟!) أي يتساءل في أي الأمكنة التي سينقطع فيه هذا الطريق الطويل الذي تسير عليه، إذا ثلاثة أسئلة ملحة متكررة وكلها تتعلق بالمكان لاستخدامه اسم الاستفهام (أين)، وما دام على جهل بالمكان الذي توجد فيه فهو يقول: (رحلتِ) أي أنها غادرت، وقوله: (وما زلتُ في غصة الوجد/ أركض في واحة المستحيل) أي منذ ذلك الرحيل وهو يجري بحثاً عنها وقد قهره الشوق وكواه الغياب والبعاد، وقد استحال العثور عليها،.

الصورة والبيان:

مع استخدام الرمز في هذا الفرع تحضر الصورة البيانية، فقوله: (سيأتي الربيع) استعارة، وقوله: (يفتش عنك) استعارة، وقوله: (يعيد انهمار السؤال القديم) استعارة، وقوله: (وما زلتُ في غصة الوجد) استعارة، وقوله: (أركض في واحة المستحيل) استعارة، ويصبح التركيب الشعري (وما زلتُ في غصة الوجد/ أركض في واحة المستحيل) صورة شعرية ثنائية البعد لأنها تتضمن استعارتين معاً .

الفرع الثاني:

يقول الشاعر:

(2)

(يظل النهار بلا شمسه

ويشتاق عمري إلى أمسه

أفتش في دفتر العمر عنك

كحرف تساقط بين السطور)

يبين هذا الفرع صورة الغياب وعقدته (يظل النهار بلا شمسه) وشعبتاه الرئيستان هي: (يظل النهار بلا شمسه) و(ويشتاق عمري إلى أمسه) أما شعبتاه الثانويتان فهما: (أفتش في دفتر العمر عنك) و(كحرف تساق بين السطور).

في المعنى:

هذا الفرع يرتبط ارتباطاً عضوياً بالفرع الأول، فالشاعر الذي أمضى هذا الزمن الطويل في البحث عنها في غصة وحرقة بقي يعاني من هذا الرحيل المرير، فقوله: (يظل النهار بلا شمسه) يبين أن المعنى المعجمي للجملة هنا لا يستقيم، لأنه لا معنى للنهار من دون شمس، لا بل لا يمكن وجود النهار من دون شمس، و(الشمس) هنا رمز دال على التي رحلت، ومنذ ذلك الرحيل بقي نهاره من غير ضيائها، وقوله: (ويشتاق عمري إلى أمسه) أي يشتاق إلى أيام الأمس حين كانت تملأ حياته حباً وسعادة وأملاً، وقوله: (أفتش في دفتر العمر عنك) أي يبحث عن تلك الذكريات الجميلة من عمره والتي قضى معها خلالها وقتاً ممتعاً وجميلاً، وقوله: (كحرف تساقط بين السطور) أي يبحث من دون جدوى، لأنه يبحث عنها كمن يبحث عن حرف ضاع بين السطور، والمعنى هنا مرتبط بالرمز.

الصورة والبيان:

الشمس في هذا الفرع ترمز إلى تلك التي رحلت، ويصح أن يكون اسمها مشتقاً منها، فقوله: (ويشتاق عمري إلى أمسه) استعارة، وقوله: (أفتش في دفتر العمر عنك) استعارة، وقوله: (كحرف تساقط بين السطور) استعارة.

الفرع الثالث:

يقول الشاعر:

(ويأتي الربيع

يعيد انتظام الزمان الجميل

يراقص أشجاننا

كي يخف العويل

أمانيك مغروسة

في تراب النقاء

سيمضي الزمااااان ويشمخ

في راحتيها البقاء)

يبين هذا الفرع صورة الحضور وعقدته (ويأتي الربيع)، وشعابه الرئيسة هي: (ويأتي الربيع) و(يعيد انتظام الزمان الجميل) و(يراقص أشجاننا) أما شعابه الثانوية فهي: (كي يخف العويل) و(أمانيك مغروسة / في تراب النقاء) و(سيمضي الزمااااان) و(ويشمخ في راحتيها البقاء).

في المعنى:

الأسلوب خبري، وفي هذا الفرع يتجلى حضور الربيع في الذاكرة والوجدان، فقوله: (ويأتي الربيع) فيه عطف وتأكيد على أن الربيع الذي قضاه برفقتها ومعها يأتي كلما أتى فصل الربيع، وقوله: (يعيد انتظام الزمان الجميل) أي مع مجيء فصل الربيع ينتظم لديه الوقت بحضورها في قلبه ووجدانه مع كل صورة من صور الجمال في الطبيعة التي يجددها الربيع بمجيئه البهي، وقوله: (يراقص أشجاننا) أي إنه يوقظ الحزن المقيم في الوجدان، ويستحضر الألم المقيم في الأعماق ويجعله حياً كما عاشوه فيما مضى من العمر، وقوله: (كي يخف العويل) أي إن الربيع يفعل ذلك كله من أجل أن يخفت أصوات التفجع والصراخ والنحيب، وقوله: (أمانيك مغروسة / في تراب النقاء) أي الأمنيات راسخة في طينة نقية تقية طاهره، وقوله: (سيمضي الزمااااان ويشمخ / في راحتيها البقاء) أي مع مرور الزمان وتعاقب مجيء فصل الربيع ستنبت تلك الأماني في راحتيها وتستمر في البقاء ما دامت الجذور ممتدة إلى الأعماق.

الصورة والبيان:

الصورة الشعرية في القصيدة من أهم سماتها، فقوله: (يأتي الربيع) استعارة، وقوله: (يراقص أشجاننا) استعارة، وقوله: (ويشمخ / في راحتيها البقاء) استعارة.

الفرع الرابع:

يقول الشاعر:

(ويأتي الربيع

يردد أنشودة الحزن

يسحق أهزوجة كالهديل

نقاوم آهاتنا لحظة

ويعتصر اليأس أفراحنا

ونسمق من بأسنا كالنخيل)

يبين هذا الفرع صورة الحضور للربيع وعقدته (ويأتي الربيع) وشعابه الرئيسة هي: (ويأتي الربيع) و(يردد أنشودة الحزن) و(يسحق أهزوجة كالهديل) و(ويعتصر اليأس أفراحنا) أما شعبتاه الثانويتان فهما: (نقاوم آهاتنا لحظة) و(ونسمق من بأسنا كالنخيل).

في المعنى:

الصيغة في القول الشعري في هذا الفرع جماعية، لقوله: (نقاوم، آهاتنا، أفراحنا، بأسنا) وهذا يشير إلى أن رمز (الربيع) لا يقف عند حدود الذاتي الذي يتعلق بالشاعر وذاته الشاعرة إنما يمتد ليعني الجماعة، وقد يتسع ليشمل الوطن والأمة لا بل والإنسانية كلها، فالنص الشعري كما نرى هو الذي يقدم إمكانات التعدد الدلالي فيه، وهو الذي يخزن المضامين التي تستدعي سبر معانيها، فقوله: (ويأتي الربيع) يتضمن توكيداً واقعياً لتلك العودة، بالإضافة إلى الصورة الجديدة لهذا المجيء، وقوله: (يردد أنشودة الحزن) أي يعيد فتح الجروح والهموم والمآسي، يعيد الأحزان التي تعاني منها العامة من الناس، وقوله: (يسحق أهزوجة كالهديل) أي يمحو أنشودة الفرح التي يطلقها المستضعفون من أجل رفع الظلم عنهم، دعاة السلام كالحمام، ذلك الربيع العائد الذي يفترض أن تعلو فيه مثل هذه الأهازيج التي تعبر الفرح بالغد الجميل القادم، نرى صورة حضوره هنا بشكل مخالف، وقوله: (نقاوم آهاتنا لحظة) أي فتكون ردة الفعل بالصبر ومقاومة أسباب الحزن والألم والظلم الذي يطغى، وقوله: (ويعتصر اليأس أفراحنا) أي يواجهون صورة الواقع التي يعود فيها الربيع بالصبر حيناً، ثم باليأس من تحقيق الحلم بالأفراح التي يبشر بها الربيع الحقيقي، وقوله: (ونسمق من بأسنا كالنخيل) أي يبقى الإصرار على انبثاق الأمل وتجدد الأمل بحياة أفضل كالنخيل الذي يستمر بالارتفاع والسمو والعطاء في رحاب تلك الصحراء القاحلة.

الفرع الخامس:

يقول الشاعر:

(ويأتي الربيع

يصوغ ملامحنا

سحنة من عبق

يشكلنا في احمرار الشفق

وفي زرقة البحر

حين انفلق

يصورنا كيفما يشتهي

ويرسمنا في إطار جميل)

يبين هذا الفرع صورة الربيع في الحياة وعقدته (ويأتي الربيع) وشعابه الرئيسة هي: (ويأتي الربيع) و(يصوغ ملامحنا) و(يشكلنا في احمرار الشفق) و(يصورنا كيفما يشتهي) و(ويرسمنا في إطار جميل) أما شعابه الثانوية فهي: (سحنة من عبق) و(وفي زرقة البحر) و(حين انفلق) .

في المعنى:

الربيع في القصيدة كما نرى متعدد الدلالات والمعاني، وهو رمز لتعدد صور الحياة فيه، وفي هذا الفرع تتجلى صورة الربيع في الحياة كصورة الربيع في الطبيعة بين الفصول، فقوله: (ويأتي الربيع) يشير إلى توكيد المجيء على صورة جديدة، وقوله: (يصوغ ملامحنا) أي يعطي صورة حقيقية عن الحياة والواقع المعاش، وقوله: (سحنة من عبق) أي صورة بهية معطرة، وقوله: (يشكلنا في احمرار الشفق) أي يعيد رص الصفوف بعزيمة وثقة من أجل الثورة وتحقيق الأمل، وقوله: (وفي زرقة البحر / حين انفلق) أي بسلام بعيداً عن العنف. وقوله: (يصورنا كيفما يشتهي) أي كما يريدهم أن يكونوا، وقوله: (ويرسمنا في إطار جميل) لتكون الصورة أشد بهاء، وأكثر جمالاً .

الفرع السادس:

يقول الشاعر:

(ويأتي الربيع

بلون السماء

يحطم أمثولة الكبرياء

يزلزل وهم الكراسي

العظيمهْ

فتسقط كل المآسي الجسيمهْ

رويدك يا أيها السامري

سينسف عجلك في اليم نسفاً

ويعصف بالذل والهم عصفا

وسوف تذوق انهياراً وخسفا

لأن دماء الشعوب

وقودٌ ولا تعرف

ا ل م س ت ح ي ل]

يبين هذا الفرع صورة الربيع حيث المصير للطغاة والبغاة وعقدته (ويأتي الربيع / بلون السماء) وشعابه الرئيسة هي: (ويأتي الربيع) و(يحطم أمثولة الكبرياء) و(يزلزل وهم الكراسي / العظيمهْ) و(ويعصف بالذل والهم عصفا) وأما شعابه الثانوية فهي: (فتسقط كل المآسي الجسيمهْ) و(رويدك يا أيها السامري) و(سينسف عجلك في اليم نسفاً) و(وسوف تذوق انهياراً وخسفا) و(لأن دماء الشعوب / وقودٌ ولا تعرف / ا ل م س ت ح ي ل) .

في المعنى:

في هذا الفرع تتوضح الصورة، وينكشف الرمز، فالمقصود بالربيع هو ما سمي الربيع العربي، وهنا تأخذ القصيدة بعداً سياسياً إضافة إلى أبعادها الجمالية والفنية، فقوله: (ويأتي الربيع / بلون السماء) أي يجيء الربيع بلون السماء الأزرق الذي يرمز للثقة والقوة، وقوله: (يحطم أمثولة الكبرياء) أي يكسر صورة التكبر والصلف والاستعلاء، وقوله: (يزلزل وهم الكراسي / العظيمهْ) أي يأتي الربيع الذي تتصدع وتنهار فيه كراسي الطغاة المستبدين المتحكمين بمصائر المستضعفين من الناس، وقوله: (فتسقط كل المآسي الجسيمهْ) أي بانهيار تلك الكراسي وزوال أصحابها يتخلص الناس من المآسي والآلام والأحزان والقهر والظلم وما كانوا يعانون منه بسبب وجودهم على تلك الكراسي وطغيانهم وجبروتهم، وقوله: (رويدك يا أيها السامري) أي متوعداً السامري وهو رمز للطاغية الذي يحب التملك والسيطرة وجمهرة الناس من حوله، وقوله: (سينسف عجلك في اليم نسفاً) مستوحى من قول الله سبحانه وتعالى: (وانظر إلى إلهك الذي ظلْت عليه عاكفاً لنحرِّقنَّه ثم لننسفنه في اليم نسفاً سورة طه الآية (97))، وقوله: (ويعصف بالذل والهم عصفا) وهو مصير البغاة الطغاة المتكبرين، وقوله: (لأن دماء الشعوب / وقودٌ ولا تعرف / ا ل م س ت ح ي ل) أي ما تقدم من وعد ووعيد للمصير كان نتيجة لهذه المقدمة وهي أن دماء الشعوب الثائرة في وجه الطغاة والبغاة والمتكبرين سوف تنال حريتها ولن يكون أمامها مستحيل ما دامت مستعدة للتضحية من أجل أن تعيش بحرية وكرامة.

الحرف (في) والبعد الدلالي:

من المعروف أن الحرف لا يقوم معناه إلا إذا استخدم مع غيره في سياق الجملة، وهنا أتوقف عند استخدام حرف الجر (في) !، وإذا لاحظنا أن الشاعر قد استخدم حرف الجر (في) عشر مرات في القصيدة، وجدنا أن (في) في هذه القصيدة تفيد ظرفي الزمان أو المكان و سأتوقف عند استخدام هذا الحرف (في) بالجملتين الشعريتين، (وما زلت في غصة الوجد / (أركض في واحة المستحيل)، فمن المعلوم أن حرف الجر (في) يفيد الظرفية المكانية والزمانية كما يفيد التعليل، ولنتساءل لماذا استخدم الشاعر في الجملة الأولى (وما زلت في غصة الوجد) حرف الجر (في) ولم يستخدم حرف الجر (من) على الرغم من أن المعنى قد يفهم منه أنه بسبب غصة الوجد ما زال يركض في واحة المستحيل، لنتبين أن المعنى الذي تحمله الجملة يدل على أن الغصة مستمرة استمراراً زمانياً فكان استخدام (في) بالجملة الأولى كما أنها مستمرة استمراراً مكانياً فكان استخدام (في) في الجملة الثانية.

تقاطع الأزمنة:

زمن القصيدة كما نرى هو زمن الربيع الآتي على صوره المختلفة، ففي الفرع الأول يفتتح الشاعر قصيدته بحرف السين الذي يدل على المستقبل، ثم يستخدم الفعلين المضارعين (يفتش، يعيد) وكلاهما يفيدان الزمن المستقبلي، والمعنى سيأتي الربيع وسيفتش عنك وسيعيد انهمار الأسئلة .. ومن ثم يستخدم الشاعر فعلين ماضيين (رحلتِ، وما زلتُ) ليشير إلى أن الزمن الماضي مستمر في كنف الحاضر، وكذلك يستمر الفعل في الفرع الثاني مضارعاً (يظل، يشتاق، أفتش) أما الفعل الماضي (تساقط) يفيد الاستمرارية لفعل (سقط)، وفي الفرع الثالث يستمر الفعل مضارعاً (يأتي، يعيد، ويراقص، يخف، سيمضي) وكلها تشير إلى المستقبل، وهكذا في الفرع الرابع يستمر الفعل مضارعاً، (ويأتي، يردد، يسحق، نقاوم، يعتصر، نسمق)، وكل ذلك يدل على أن زمن القصيدة يمثل تقاطعاً لأزمنة الأفعال والمكونات للقصيدة نفسها، وهو هنا تجليات الماضي في الحاضر واستمرار الحاضر في المستقبل، وفي الفرعين الخامس والسادس الفعل مضارع وعلى صيغة المستقبل . لنستدل أن زمن القصيدة يشير إلى الزمن العربي الراهن على اختلاف فصوله وتعدد صور ربيعه وما يمكن أن يحمله هذا الزمن من المصير للطغاة والمتجبرين، فيما يستقبل من هذا الزمن، إنه حلم الشاعر الذي ينظر إلى الغد المشرق الذي يمكن أن يحققه الشعب من خلال ثوراته من أجل الحرية والكرامة، والخلاص من التبعية والاستبداد والقمع.

التوازن وتمثيل القصيدة:

من الواضح أن الربيع هو مركز توازن القصيدة ونقطة انبثاقها وفيض معانيها، وإذا لاحظنا أن عقدة كل فرع من فروعها يمثل نقطة توازن في القصيدة بالإضافة إلى نقاط التوازن التي تمثل كل منها تقاطعاً لفرعين أو أكثر فيها وهي:

(1) الربيع: هي نقطة تقاطع لفروع القصيدة باستثناء الفرع الثاني فهي تمثل نقطة توازن.

(2) اللون الأزرق: هي نقطة تقاطع الفرعين الخامس والسادس فهي تمثل نقطة توازن.

(3) الجميل: هي نقطة تقاطع الفرعين الثالث والخامس فهي تمثل نقطة توازن.

(4) السقوط: هي نقطة تقاطع بين الفرعين الثاني والسادس فهي تمثل نقطة توازن.

(5) المستحيل: هي نقطة تقاطع بين الفرعين الأول والسادس فهي تمثل نقطة توازن.

(6) الحزن: هي نقطة تقاطع للفروع الثالث والرابع والسادس فهي نقطة توازن .

فإذا مثلنا مركز توازن القصيدة بدائرة مركزية صغيرة، ومثلنا عقد الفروع على محيط دائرة واحدة، ومن ثم مثلنا نقاط التوازن على محيط دائرة واحدة بما يتناسب مع عدد الفروع التي تتقاطع في كل نقطة، وبعد ذلك إذا مثلنا فروع القصيدة بأشعة منطلقة من مركز توازن القصيدة ومثلنا الشعاب الرئيسة والثانوية لكل منها كأشعة منطلقة من العقد للفروع، نكون بذلك قد حصلنا على تمثيل للقصيدة يبين كيف أن القصيدة تميل في بنيتها الفنية والجمالية والإبداعية إلى التوازن، والتوازن هو أحد أهم مرتكزات منهج النقد الاحتمالي .

الكلمة المنوالية:

وهي الكلمة الأكثر تكراراً في القصيدة وهي هنا (الربيع) الذي يمثل مركز توازن القصيدة أيضاً، ويمكن اعتبار كل نقطة من نقاط التوازن (اللون الأزرق، الجميل، السقوط، المستحيل، الحزن) كلمة منوالية إذ يمكن أن يكون في القصيدة الواحدة أكثر من كلمة منوالية، والكلمة المنوالية في القصيدة ذات أهمية بالغة، إنها تشير إلى مدى حضور هذه الكلمة في ذاكرة الشاعر ومخيلته، وتشير إلى مدى تأثيرها في نفس الشاعر حتى يكرر استخدامها بمعاني متعددة تعدد استخداماتها، والكلمة المنوالية تعتبر مفتاحاً أساساً للدخول إلى عوالم القصيدة وملامسة الحدوس الأولى لدى الشاعر أثناء إحداث المعاني وإنشائها في تراكيبه الشعرية.

النص الاحتمالي:

القصيدة مؤلفة من ستة فروع، ويمكن أن نعيد ترتيب هذه الفروع ب(720) طريقة وذلك يعني أنه هناك سبعمئة وعشرون قصيدة ممكنة، وكل قصيدة ناتجة عن إحدى إمكانات إعادة ترتيب فروع القصيدة،وهذه القصائد كلها قصائد افتراضية، لا يعترف عليها الشاعر، وإذا أخذنا بعين الاعتبار عدد إمكانات إعادة ترتيب الشعاب الرئيسة والثانوية في كل فرع فسوف نحصل على عدد هائل من النصوص الشعرية الاحتمالية. وكل نص من هذه النصوص هو نص واقعي لأنه نص ممكن وهو ناتج عن القصيدة الأم، لكن الشاعر لن يعترف إلا بالقصيدة الرسمية التي أشهرها رسميّاً للعامة في مجموعة شعرية. وإذا أجرينا تطبيقاً على القصيدة التي جاءت في مقاطع مرتبة على النحو ((1)، (2)، (3)، (4)، (5)، (6)) فلو أعدنا ترتيب المقاطع على الشكل ((6)، (1)، (2)، (3)، (4)، (5)) نكون قد حصلنا على قصيدة جديدة، لكن القصيدة الجديدة الناتجة ستكون مختلفة في بنيتها ومعناها اختلافاً جوهرياً عن القصيدة الأصل، لأن القصيدة على هذا النحو تبتدئ بطرح الخلاصات ثم يعود إلى عرض المقدمات، وهذا يضعف القصيدة ويجعلها مكشوفة بحيث تضعف الإثارة والقدرة على التأثير، كما يضعف عامل التشويق وتكون قد أعطت مفاتيحها سلفاً من دون أن تترك للقارئ أو الناقد متعة البحث عن المعاني المختزنة في مكنونات النص، من هنا نتيقن أن الشاعر لا يمكن أن يعترف بهذه القصيدة المتولدة عن النص نفسه .

 

مفيد خنسة

 

تنطلق هذه المقالة من إشكالية يثيرها كثير من دارسي الأدب حول مسألة "قيمة العمل الأدبيّ"؛ ماهيتها، مصدرها، ومحدداتها، فحين يتصدر المتلقي /الناقد / القارئ للحكم على النص يقع بعضنا تجاه العمل الأدبيّ في الانحياز والتقريظ، أو التطرف، أو المهادنة، أو التقويض، أو حتى المحو ...

في البدء ينبغي أن تتوافر في العمل الأدبيّ عناصره اللغوية والفنية وشروطه الموضوعية، حتى يخضع لتجربة القراءة والحكم والتقويم، وفي تقديري أن أبسط تعريف للعمل الأدبيّ وأعمقه هو ما كثفه " سيد قطب" في كتابه النقد الأدبيّ مبادئه وأصوله حين قال في معرض تعريفه للعمل الأدبيّ:" التعبير عن تجربة شعورية في صورة موحية" فإن توافرت فيه التجربة والايحاء يمكن الحديث بعد عن قيمته في إطار الجنس الأدبيّ الذي ينتمي إليه.

والقيمة أصلها (قِومة) من الجذر الثلاثي (قوَم)، طرأ عليها إعلال، وحينما نصدر حكما إنما نقوم بعملية التقويم، ويرد في المعجم العربي تعبيرات تحمل معنى التقويم من مثل:

قوّم المعوج: عدله وأزال عوجه. وقوّم السلعة: سعّرها وثمّنها. وقوّم الأخلاق: هذّبها وصححها. 

وللتقويم جناحان هما (التفسير والحكم) على حد تعبير مندور. وبعد هذا المحدد الشرطي يمكن لنا أن نتناول قيمة العمل الأدبيّ، ونتساءل عن منابعها، وعن علاقتها بالكاتب والمنهج النقدي والتجربة الشعرية، والإشهار ...

وفي اعتقادي أن ّكلَّ عمل أدبيّ يحمل قيمة ما، وإذا: فالسؤال ليس عن وجود قيمة لهذا "العمل الأدبيّ" أو عدم وجودها. ولكن السؤال الحقيقي يكمن في الكم والنوع والكثافة والحيوية والطزاجة ووجهة التقديم لتلك القيمة التي تتنزل في العمل الأدبيّ.

ومما لا ريب فيه أنّ القيمة تختلف باختلاف الزمن التاريخيّ؛ فما كان مقبولا في حقبة زمنية ما قد لا يلقى الاحتفاء والقبول في حقبة أخرى، والزمن هنا يُقدَّر بقدره، وكذا المكان بطبيعته وحيثياته.

كما تتبدّل القيمة بحسب القارئ وتوجهاته الأيديولوجية وخلفياته الثقافية، وحمولاته الفكرية، وتبدلالته النفسية، وحتى ذوقه ومزاجه.  وهذا أيضا له شأن كبير وخطير في الحكم على قيمة العمل الأدبيّ .

وكما ترتبط القيمة بالتاريخ والبيئة والمتلقي، فهي كذلك مرتبطة اشد الارتباط وأقواه بالمنهج النقدي؛ ومن يدرك خلفيات واختلافات المناهج النقدية النسقية منها والسياقية، التاريخية منها والحداثية وما بعد الحداثية يدرك حتما أهمية ذلك في التصاق العمل وقيمته بمنهج القراءة فيه.

ولكن هل ترتبط قيمة أيّ عمل أدبيّ بكاتبه؟

لهذا التساؤل تحفظّات وتحذيرات؛ فإن بعض الدارسين -ولا أقلل هنا من عددهم-يحكمون على قيمة العمل الأدبيّ بمجرد معرفة كاتبه، وهذا لعمري فخ يسقط فيه السطحيون والانحيازيون والتلقائيون.

إن ّلكل عمل خصوصيةً وظرفا واشتراطاتٍ لا ينبغي تعميمها، وإنني أزعم بوصفي قارئا للأدب ومطلعا على مناهج النقد أنه بمجرد أن تنطق باسم أديب (شاعر أو شاعرة أو روائي أو روائية، قاصة ...) أمام بعضهم يسرع في إطلاق الأحكام العمومية على أدبه بعامة، فإذا رحت تناقشه بعمق حول إشكالياتٍ ما في مسيرته الأدبيّة فهو أحد اثنين : أما أن يتراجع، ويحاول أن يكسر حدة حكمه،ويعدُك بالبحث مجددا، وإما أن يصر على حكمه السابق من باب " عنزة ولو طارت". وهذا كثير وذائع لا يُقلل من شانه، ولا مناص من تبيانه.

إن مجرد شهرة الكاتب لا توفر له مقومات الحكم على قيمة عمله الأدبيّ فضلا عن نقده وتقويضه أيضا .

وكما أنّ ثمة تباعدا ليس بالهيّن بين قيمة العمل وكاتبه، فإن الشُّقّة تتسع فيما يتعلق بحصوله على الجوائز أو سيرورته بين القرّاء.

وهنا يجب أن يكبح الدارس هواه، وأن يتحكم فيمن يهواه، فقد علمنا أن بعض الأعمال الأدبيّة قد انتشرت بين المراهقين والرومانسيين " بالمفهوم المتداول" في فترة ما من تاريخ الأدب العربي، وليس تحتها طائلة قيمة كبيرة . وليس مبتغاي هنا أن أقدح في قيمة بعض الأعمال بقدر إرادتي في أن أقدح ذائقة القراء .

- أين تكمن قيمة العمل الأدبيّ؟

سبق وأسلفنا أن لكل عمل أدبي قيمة ما ينتجها، بقصر النظر عن مدى التوافق معها أو الاختلاف فيها، وسواء اتفقنا مع كاتبها أو اختلفنا، وسواء أكانت  له قيمة  سالبة أم موجبة، وبل وأتطرف في رأيي هنا وأقول: إن العبث واللامعقولية في العمل الأدبيّ يعد قيمة في حد ذاته .

إن دور النقاد هو إبلاغ المتلقي وإرشاده وإقناعه إنْ عبر التبرير والتسويغ، أو من حيث التأكيد والإتباع، ولا غرو أن الرقعة هنا تتسع، والتبرير لا ينقطع، ولكل حجته الدافعة، أو المدافعة.

تنوع القيمة وسلطتها

بعض الأعمال الأدبيّة تنبع قيمتها من جمالية اللغة وفنية الصورة، ومخاتلتها وسيرورة "الشعريّة" في عروقها حتى إنها لتنبض، وتنتفض، وتسحر  وكأن القارئ حيالها كالمستكين المستسلم أو المتنسك الخاشع، وفيما أرى أن هذه القيمة الجمالية يجب أن تتوافر بدرجة كبيرة في كل عمل أدبيّ، وإنني لأجد خصاصةً بالعمل الأدبيّ تغض من قيمته إنْ لم تتحقق فيه تلك القيمة التي هي من أخص خصوصيات أدبيّة الأدب .

هل تكفي تلك القيمة العالية لتحقق سمة الخلود للعمل الأدبيّ؟

في رأيي أنّ ثمة قيما أخرى تتوزع، وتنتشر بدرجات متفاوتة عبر طبقات النص ومستوياته، قد لا تطفو على السطح، ولكنها تكمن هناك عميقا في بنياته الداخلية وأنساقه المضمرة، وخفاياه اللامتناهية، وضلالاته الغاوية من مثل: القيمة الشعورية، والقيمة الأخلاقية، والقيمة الإنسانية، والقيمة الفردية والقيمة التأريخية، والقيمة الاجتماعية، والقيمة الوطنية، والقيمة المعرفية، وقيمة المتعة أيضا .

إن قيمة الأعمال الكبرى تلك التي تبحث في المصائر الإنسانية، وتحقق قيمتي العدل والحرية في الحياة والكون، ولست أقصد أن يباشر المبدع تلك القيم ويعلنها، بل يُعرِّيها عبر استدعاء أو استعداء نقيضها الآخر عبر ثنائية الهامش والمركز.

يتبع الحلقة- 2- تطبيقات

 

بقلم د. خليل قطناني

كلية العلوم والدراسات الإسلامية/

 قسم اللغة العربية-فلسطين

 

 

منذر الغزاليللشاعر اللبناني ناصر زين الدين

تمهيد: منذ وعى الإنسان ذاته والمحيط الذي يعيش فيه، لاحظ تعاقب الفصول، واختفاء العالم النباتي في فصل الشتاء، ثم عودته في الربيع، ووقف مذهولاً أمام الموت... ما أوحى له بفكرة الانبعاث والولادة بعد الموت، وتجدد الحياة كما تتجدد الفصول. وكانت أولى الأساطير المكتوبة التي تشير إلى الإله القتيل الذي يهبط إلى العالم السفلي، عالم الموت، ثم انبعاثه من جديد هو تموز ابن الإلهة عشتارت وحبيبها، إله الخصب الذي بانبعاثه تتفتح الحياة ويبدأ موسم الخصب من جديد. انتقلت عبادة تموز إلى كل الحضارات بتجليات مختلفة تتناسب وتلك الحضارة، فكان تموز الكنعاني هو أدون، رب الحب والجمال، ابن عشتار، إلهة الخصب وزوجها، وكانت طقوس عبادته تقام في جبيل، وأدونيس الإغريقي وحبيبته أفروديت، وأوزيس المصري وأوزيريس....

تموز والاغتراب

تقوم أسطورة تموز على ثنائية الموت – البعث، فالموت أمر لا مفرّ منه، باعتباره النهايةُ الحتمية لكل شيءٍ مهما طال به الأمد؛ وفي المقابل البعث المتجدد الذي سعى الإنسان، منذ جلجامشَ السومريِّ، للظفر به، بشكلٍ أو بآخر، فأدونيس لم يمت؛ لكنه غاب ليبعث من جديد، حسب الأسطورة البابلية.

هذه الجدلية الثنائية، جدليةُ الموت والانبعاث، شكلت نبعاً لا ينضب لدى الشعراء، لما يحمله موت تموزّ من معاني الاغتراب بمختلف أشكاله؛ الإنسانية والسياسية والوجودية؛ وما يحمله انبعاثه من معانٍ مختلفة في كلِّ مناحي الحياة، لتجاوزِ الهوانِ على مستوى الوطن، الوطن الأرض، والبيت، والأهل...  والوطن الداخليّ، روح الشاعر وهواجسه وأفكاره وعاطفته...

وديوان "أدون  الشاعرالمغترب" للشاعر اللبناني المغترب ناصر زين الدين، يستلهم أسطورة تموزَ في حضورها الكنعاني "أدون" ليحمّله رؤاه الشعرية...

ها هو يقول عن نفسه في قصيدة (لعينيك):

"إنني آدون

استيقظتُ

بعد أن شربتْ شقائقُ النعمان من دمي

استيقظتُ وحيداً

أعانق الحياة من جديد"

إذا كان الناس يستقبلون عودة أدونيسَ الغائبَ بالطقوس، فتتفتح الحياة بعودته وتزهر زهور شقائق النعمان، فإنّ الشاعر يعود وحيداً، غريباً، كأنما لا ربيعَ في وطنه... هنا يبدأ بتحديد غربته، غربة الشاعر، و سوف تكون السطور التالية هي اقتفاء أثر هذه الغربة، وتلمُّس أهمِّ عناصرها.

أولاُ: الغربة في الوطن

لبنان هي موطن الشاعر، وبيروت هي مدينته التي عشقها وعاش في حناياها، خبر حنانَها، ثم عاش مأساتها وحروبَها:

يصف الشاعرُ فظاعةَ الحرب في وطنه بعيني أدونيسَ الذي انبعثَ؛ لكنْ بدل الربيع كانت الحرب، نقرأ في قصيدة (ضوضاء):

"أرى حاملاتٍ

تجوبُ طُرُقاً أُفُقيَّةً

إلى أعلى نقطةٍ، فتقفُ

في غرابةٍ

وأنابيبَ

تملأُ السماءَ

من صوبٍ إلى آخرَ

وأسمعُ ضوضاءَ لا تتركُ لي هدوءا...

هنا وهناك...

بريقٌ ثمَّ بريقٌ..."

ويكون أدون الشاعر شاهداّ على ويلات الحرب وضحاياها، يكمل في نفس القصيدة:

"أخافُ وأركضُ

من هنا... لا، لا، إلى هناك..

أضيعُ في ضوضاءِ الموتِ

رأيتُ أُناساً يركضونَ ويُقتلونَ...

وباباً

حاولتُ فتحَهُ

وكان من خلفِهِ

جثثٌ تُقفلُهُ ممسكةً بهِ".

ويتساءل في ذهولٍ، كيف تحوّلت بيروت إلى كلّ هذا الدمار:

"كيف خرجت (ميدوزا) من البحار؟

كيف هدّمتِ الأسوار

كيف حجّرت بعينيها الصغار؟

ووقع في متاهات الصراع

فتانا الجريح

في مقبرةِ اليتامى

وقعَ على الضريح"

ميدوزا، الأفعى التي تُحوِّل من تقع عليه عيناها إلى جماد، في إشارةٍ إلى العدوان الإسرائيلي على بيروت، ودمار بيروت وحصارها.

ثانياً: الغربة الحضارية

ميدوزا هي رمز السكون، وعدوةُ الحركة، السكون الماديُّ، والسكون الحضاري، توّقف دورةِ التجدد والانبعاث، الذي يمثله أدونيس، فالحرب في بيروت سببٌ لغربة الشاعر، لكن ليست الحربُ وحدَها، وليس خرابُ البيوت وحدَه، ولا العدوُّ الخارجيُّ وحدَه هو ما يعانيه الشاعر، في قصيدة (أنا عربي) نلمس وجهاً آخر لمعاناته:

"أتعرفونَ لغتي..

حروفٌ أضاعتْ نقاطَها...

عربيٌ...

وفي جُعبتي

رصاصٌ وبضعُ أطعمةٍ وترابٌ...

جسدي عارٍ

إلاّ منْ اهتراءِ الزمانِ

ووشمٍ.. ودماءٍ...

وقصَّتي

ردَّدَتْها جَدَّتي:

عِرضٌ.. وأرضٌ.. وحروبٌ...

في عتمةِ التاريخِ...

لا أدري

مكفوفٌ وأمشي...

عربيٌ أنا...

الموتُ يلتحفني

وشياطينُهُ

تُعلّمُني رقصتَها

صمتًا وبكاءً...

عربيٌ أنا...

وثوبي تشقَّقَ..

يتطايرُ في مسيرتِي

ويتمزَّقُ"

إنه التخلّف الحضاريّ الذي يؤلم الشاعر، ويغضبه، ويجعل بين حال وطنه المؤلمة، وبين حلمه بوطنٍ جميلٍ متحضّرٍ، هي غربةٌ أعمقُ من غربة أدونيس.

ثالثا: غربة المواطن في وطنه:

في قصيدة (في جعبتي) يتماهى الشاعر مع المواطن العربي الذي يشعر بالغربة حتى وهو في وطنه، الوطن الذي سلبه حكامٌ ظهروا كالنبت الشيطانيِّ في صراع الحروب، ودهاليز السياسة:

"في جُعبتي...

ليلٌ دونَ قمرٍ..

عَواصفُ

انتحابٌ للشجرِ...

غُرابٌ طارَ في النفيرِ

واستفاقَ

في صباحِ ليلٍ أسودَ

ظنَّ أنَّهُ أميرٌ

وغابَ بينَ الغيومِ"

هؤلاء الحكامُ الذين ظهروا من غياب عشتار، في ليل الوطن، وعلى أنقاض دمارِه  كالغربانِ، وظنّوا أنّهم أمراءٌ حقاً، ونهشوا الوطن كما تنهش الغِربان جُثةً بعد صراعٍ دمويٍّ.

من تجليات عشتار أنها سيدة القمر، للتشابه بين حياة المرأة الفيزيولوجية وإيقاع جسدها، وبين دورة القمر الشهرية، الذي يبدأ هلالاٌ في اول الشهر، ثم يكتمل بدراً في وسطه، ليتلاشى من جديدٍ، في آخر الشهر، ويبدأ دورةً جديدةً في شهرٍ جديد.

والشجرة هي ايضاً أحد تجلّيات الإلهة الأنثى، فأدونيس وُلد من ساق شجرةٍ، تمثّل عشتارَ، في الأسطورة الفينيقية.

رابعاً: الغربة الجسدية، المنفى.

في أكثرَ من قصيدةٍ يصف الشاعرُ غربتَه بعيني أدونيس، فتارةً هو البحّارُ الذي فقد السفينةَ، وتارةً هو الهارب من بلادٍ تأكل أبناءها الطيبينَ، وتهجّرُهم:

"سأسرق بعضَ الحروفِ

من لغتي

وأخبئها

في جرحي

وجسدي النازفِ

وأسبح أرضاً

خارج الحدود

هارباً من هويةٍ عربيةٍ

لأصبح نازحاً"

وتتضاعف مأساة الشاعر حين يقرأ أخبار وطنه، ويأسى فلا يجد في غربته من يشاركه حزنه، من يشكو له:

"وحيداً أبكي

في لغةٍ أجنبيةٍ غيرِ مفهومة

وقد رأيت ما حصل

أيصدقني أحد؟

وأنا الهارب من الوطن؟"

خامساً: الغربة الوجدانية

للحب في الديوان حضور دائم، بل الديوانُ كلُّه ديوانُ حبٍّ، وهو المسمى باسم إله الحب! لكنَّ قصائدَه الوجدانيةَ، التي يرسلها لحبيبته، لها حضورٌ خاصٌّ، وقصائد الديوان الوجدانية ليست مكرسةً لعشق امرأة، وإن كانت حاضرةً، فالشاعر يسمّي حبيبتَه: عشتارَ،  باسمها الصريحِ أو بأحد رموزها؛ وكما أنّ طقوسَ الحبِّ المقدَّسةِ في معابدِ عشتارَ، الحبُّ فيها يكون طقساً مقدّساً، يتضرّعون فيه الى للإلهةِ عشتارَ ، واهبةِ الحياة، في مواسم جْدِبهم، ومواسمِ خيرِهم؛ وكما أنّ عشتارَ الأسطورةِ هي الإلهةُ الأمُّ، يهرع إليها المؤمنونَ، فإنّ عشتار القصيدة، الحبيبةِ، هي المرأةُ الكليّةُ، الحبيبة التي تتضرع اليها روحُه ليستعيدَ توازنَه؛ وفي هذه القصائدِ تحضرُ الغربةُ أيضاً، وتكون مناجاةُ الحبيبةِ هي حلمٌ في اللقاء، أو وقوفٌ على الذكريات:

"تهربين أنت والقمر

وفي ليلتي الحزينة

كنت أجلس على مقعدي القديم

أتأمل سماءك

قمرٌ هو أنت

سابحةٌ في أسرار السماء

في الصفاء

في لهفة اللقاء

في تلألؤ النجوم"

ويرى بأن افتراق عشتار وأدونيس هو سببٌ لما آلت إليه حالُ وطنه، وأنَّ الخلاصَ يكمن في التقائهما من جديد؛ كما كانت عودةُ تموزَ من العالم السفليِّ، والتقائه بعشتارَ هو انطلاقةُ الحياة وبدء الربيع:

"يقوم تموزُ، بكفَّيهِ يحمل الصغارَ

يصيح (عشتارُ... عشتارُ)

تعانقا

كالبدر في ساحة السماء

يعانق المساءَ

بين أنقاض المدينة"

سادساً: غربة وجودية

الاغتراب من طبيعة الإنسان، نجده في آداب الإنسان منذ أقدم عصوره حتى الآن، هذا الكون وما فيه، والطبيعةُ والانسان ذاتُه، والموت والحياة، كلُّها عناصرُ تشكّلُ لدى الإنسان قلقاً وجودياً، وتتركه معلَّقاً على حبال أسئلةٍ يحاول أن يجد حلاً لها، بدءاً من الأساطير الأولى، ولا يزال يحاول أن يستعيد توازنه في الفنون والآداب....

هذا الاغترابُ الوجوديُّ هاجسٌ لدى الشاعر ناصر زين الدين، نراه في قصائده مبثوثاً متفرقاً، لكنه لا يخفى. في قصيدة (هجرة القمر) يقول:

"ليلٌ

دمعه شحوبٌ....

باكٍ

يراقصه الشجر

أحبّ

حلم الوجود....

صراعٌ

في دنيا البشر

ضبابٌ

عند الغروب

فكانت هجرة القمر"

ويكمل في القصيدة ذاتها:

"أنا فتى الليل

ابن الظلام....

صارعت الزمان حيناً

ثم القدر"

وينهي القصيدةَ بهذه الخلاصة التي تعبّرُ عن قلقه وغربته الإنسانية في عالمٍ يسوده الصراعُ:

"هاجر القمر

حين رأى صراع البشر"

وقلق العجز أمام هذا الوجودِ الذي يثقل روحَه الشفافةَ:

" أمواجٌ

تصرخُ في الزمنِ..

والمحن

لا تَلقَى

سوى آدونَ

بحّارٌ

كالقبطانِ

لكنّه دون سفينةٍ

كأسطورةٍ

عانقتْ حزنَ الوجودِ

رهبةً دون حدود

رهبةَ النوى

وصرخةَ الأمواجِ في العاصفة.."

إنه العجز الإنسانيّ أمام وجودٍ يأبى أن يُحْكَمَ، وإن ظنّ الإنسان أنه أحكمَ قبضته عليه بما أنجز من علوم، فإذا به كلما تجاوز لغزاً، وُلِدت ألغازٌ جديدة، ليظل الإنسان في دائرة عجزه، يحاول الفَكاك من شبكة الأسئلة بأسطورةٍ تُبنى على أنقاض أسطورة.

سابعاً: الابن المخلّص

تموزُ الذي مزَّقه الخِنزيرُ البرّيُّ، وأزهرتْ من دمائه شقائقُ النعمانِ، واصطبغ َبلونها نهرُ إبراهيمَ، لم يكنِ الموتُ خاتمتَه، بلِ الإيذانُ بانبعاثه، وتجدّدِه، ليُعيدَ للأرض خصبَها وللحياةِ رونقَها، ولِيبدّلَ طقوسَ الندبِ والبكاءِ، بطقوسِ الفرح والحبِّ؛ واستعارةُ أدونيسَ في الشعرِ هو لبثِّ الأمل، واليقينِ بأنَّ الفناءَ ليس قدراً، وأنْ لا شيء يفنى؛ لكنّها دورةُ الحياة؛ كما يأتي خريفٌ وشتاءٌ، سيأتي ربيعٌ وتُخْصِبُ الأرضُ من جديد؛ وتموزُ الذي يمثّلُ تجربةَ الاغتراب، يمثّل، في الوقت ذاته، تجريةَ الانعتاق؛ في صعوده من عالم الاموات، وبعثِه وقيامته، صورةٌ من صورِ الحرية والتجدد. من هذا المعنى لأسطورة تموز، نجد الشاعرَ زين الدين ينهيَ الكثيرَ من قصائده بإشارةٍ إلى الانبعاثِ  والخلاصِ، والغدِ القادم ، نأخذ إشاراتٍ من خواتيمِ قصائده التي تبثُّ اليقينَ بعودة تموزَ والخلاصِ، مثل:

"النورس سيعود

يحمل في فمه حبة قمح

رسم عليها البقاء"

سنبلة القمح، هي رمزٌ آخر من رموز عشتار، إلهة الخصب، وجدت تماثيلها وأختامها تحمل سنبلة القمح بصور مختلفة. وتموز الذي هو امتداد للإلهة الأم، يبشر بالخصب القادم، والنماء، كما بشرت حمامة نوح بنهاية الطوفان.

ومن مثل:

"لكنني...

ما زلت أتنفس

وما زال هنالك إلهٌ

وبعضٌ من آلهة الشرق

ما زلتُ أزحف

والشاهدة رُفِعت على قبري

قبل أن أموت

وما زال هناك

إلهٌ ينبض في جسدي"

وكذلك:

"أكاد أرى عينين تسجِنان جنة القمر

يفيض من جفنيهما كوثرُ السَّحَر

قطرةً فقطرةً

وتنبت بيروتُ

ربيعاً من الأنقاض"

علمنا أن القمر هو صورة عشتار في الأسطورة القديمة، وأن عشتار هي ربة الينبوع تسقي الزرع بجرّتها، وتتفجر الينابيع في الأرض، كما يتفجّر الحليب من ثدييها، فترتوي الأرض وتنبت، كما يرتوي الرضيع وتكتمل دورة خلقها.

خاتمة

الدروب في ديوان الشاعر ناصر زين الدين متفرعةٌ، متشعبةٌ متداخلة، كأنّه قصيدةٌ واحدة، أسطورةٌ جديدةٌ عن الإنسان في غربة وجوده، وغربة وطنه، وغربة حضارته... لكنْ لا بدّ أن يتوقف الحديث.

في الكلام الجميل، في رغبة الحديث وسحر المتعة، يكون الوقت  سجناً أقسى من الصمت.

الديوان بيدر نجوم، في سماءٍ من رموزٍ ونُتَفِ أسطورةٍ، وبوحٍ وجدانيٍّ، يمضي بين الأسطورة وبين الواقع، يمتزجان حيناً، يفترقان أحياناً، لكنّي وأنا اغوص في كلمات الديوان كنت أشعر أني أحيا، بالفعل، في زمن الأسطورة.

 

بقلم منذر فالح الغزالي

 

قاسم محمد الياسريالقصير في مجموعة أفلام قصص عراقية

وفق قاعدة الذاكرة البصرية التي تسهم بترسيخ المعلومة في ذهن المشاهد ولأول مرة من على شاشة القناة الإخبارية العراقية يطل علينا صوت المبدع سيد الفلم الوثائقي الأنثربولوجي القصير(روبرت فلاهرتي العراق محمد خليل كيطان) بسلسلة أفلامه الوثائقية الأنثروبولوجية القصيرة مقدماً بارعاً وفارس من فرسان الابداع المخضرمين الرواد في الصحافة العراقية بفديوهات رقمية حديثة او بروبرتاجات قصيرة ترتقي لمستوى أفلام وثائقية قصيرة جدا تتناول قصص عراقية واقعية وتاريخية تذكرنا بأحداث وحكايات شعبية حدثت في مجتمعنا في أماكنها وأٔزمانها بوقت لا يتعدى العشر دقائق أو أكثر بقليل وتتميز قصص عراقية التي قدمها وأبدع بصناعتها المبدع المتميز محمد خليل كيطان ذات صلة بتاريخ مجتمعنا من خلال الاطلالة على روح العصر وثقافته وحداثته في اشتغاله على مادة الفلم ذات العمق الانثروبولوجي كالثقافة او العادات او التقاليد اوغيرها من ألمصنفات الإنثروبولوجية لمجتمعنا العراقي بكل مصنفاته كمجتمع بسيط قبلي أومركب حضري منوع ..ويعد الفلم الوثائقي القصير ظاهرة إعلامية جديدة في صناعة الوثائقيات بأساليب حديثة نسبة مشاهديها عالية ..لأن العثور على فلم وثائقي أسهل بوجود التكنولوجيا الرقمية التي تقوم عليها فكرة الوثائقي القصير من الاختصار فهو لا يختلف عن الفلم الوثائقي التقليدي ويعمل على إيصال رسالة للمتلقي في سياق مقتضب لايؤثر في المضمون ولا باطاره الزمني القصيركي يكون ملائما مع شبكات التواصل الاجتماعي الحاضنة له والتوجه برسالة توجيهيه قائمة على قواعد وإستراتجيات صناعة المحتوى بسيناريو جذب إنتباه المتلقي كما فعل زميلنا محمد خليل كيطان كصحفي مبدع معداً ومصوراً ومعلقاً ومنتجاً ثم مخرجاً،من خلال تقديمه ماهو جذاب إبتداء من عنوان الفلم وصورته مرورا بمقدمته وحبكته السردية وحتى نهاية الفلم واليوم بات واضحا في العروض والبرامج التي إعتمدتها قنوات شبكة الاعلام العراقي بادارتها المبدعة الجديدة ومنهجها الرائع في برامجها بعد فترة ضمور ونكوص طويلة للاسف ومن ضمن ما إعتمدته للمساهمة في بناء العراق العظيم ولعكس صورته المشرقة هوإعتمادها عرض أفلام الاعلام الرقمية الوثائقية الإنثربولوجية القصيرة وهو نوع جديد من المحتوى الاعلامي وتشجيعا لهكذا صناعة متميزة تساعد في ايصال الرسالة الاعلامية للجمهور بشكل أكثر فعالية من الاساليب التقليدية المعتمدة في العمل الصحفي وكذالك التشجيع على الاخذ بروح المبادرة والتفكيرالابداعي للوصول الى الافكار والاساليب المبتكرة في صناعة وانتاج والبحث في الفلم الوثائقي القصير بعيدا عن التاثر بالاساليب والافكار التقليدية مع التاكيد على الالتزام بقواعد العمل الصحفي وقواعد الصناعة الوثائقية وتسليط الضوء على ظاهرة الافلام الوثائقية القصيرة الرقمية كظاهرة اعلامية مستحدثة تؤكد على أهمية صناعة الوثائقي القصير بشكل يجعله متلائما مع خصوصية وفهم طبيعة المشاهد في وطننا العراق ونجاح التجربة وتحقيق الهدف في مواكبة التطور في المجال الصحفي والاعلامي . ومن هكذا باب يعمل الزميل المبدع محمد خليل كيطان من حيث العمق والبساطة التي تناولها في توثيقه لقصص عراقية في سرد وسياق تفسيري يسلط الضوء فيه على نقاط الاستفهام بطريقة أرشيفية وبايقاع سريع يتناسب مع جمهورعصر السرعة وبسرد بسيط لكل العينات التي اختارها المبدع الزميل محمد وبشكل يجعلها ملائمة للمشاهدة لفترات طويلة فاعتمد المبدع محمد خليل كيطان باسلوبه لصناعة التوثيق على عنصر لابداع بالتشابه مع أغلب القوالب والاشكال الصحفية الحديثة التي تقوم على التفكير الابداعي كصحافة البيانات كمثال للإعتماد في تحقيق النجاح وهو يملك آفاقا واسعة من التفكير بشكل إبداعي لإختيار الإسلوب الأنسب للفلم إستنادا لطبيعة الجمهور والقصة التي يسردها والرسالة التي يود إرسالها من خلال التلفزيون ومنصات التواصل الاجتماعي وطبيعتهما لأن الفلم الوثائقي القصير في بيئته يعتمد أحد القوالب الجديدة كالغرافيك الذي يستخدم في الاعلام الحديث على نطاق واسع كعنصرتعويضي بل أساسي في حالة غياب الصورة لمكونات الفلم.فالمبدع محمد خليل إعتمد على الكرافيك بشكل جوهري في بناء مجموعة أفلام قصصه عراقية وثائقية رائعة بسردها وعرضها علينا حيث ساعده الغرافيك على إحتواء موضوع القصة في المدة الزمنية القصيرة للفلم وهذا يعني أن حبكته السردية ليست مجرد حبكة مكتوبة فقط بل يصاحبها تصوريساعد على رواية القصة سمعيا عبرالنص المكتوب للفلم أسفل الشاشة وبصريا عبرالغرافيك بتفاصيل الواقعة كعنصرإحتواء لتكوين القصة الفلمية بإعتبار هذه الصورة العنصرالاساسي لبناء الفلم الوثائقي وإيصال المعلومة القصصية والتي يعتمدها راوي الفلم أو المقدم في سرده لقصة الفلم وتفسيرها وتسليط الضوء عليها حيث أن الغرافيك يؤدي دورا في تركيز ذهن المشاهد سريعا على أحد عناصر القصة التي أبدع المبدع محمد خليل كيطان في إبرازها للمساعدة في السرد بشكل سلس للمشاهد وفق القاعدة التي أشرت إليها بداية موضوعنا هذا حيث لجأ المبدع الى بناء هوية بصرية ساعدته على السرد للحقيقة سمعيا عبرما قام به في روايته لقصة الفلم وبصريا عبرالغرافيك وقد إستعان الصحفي المبدع محمد خليل بالعناصرالتي تدلل على المعلومات الواردة في القصة وفق عنوان الموضوع نفسه وقد أعطي أفلامه الوثائقية القصيرة (قصص عراقية) أهمية بصرية جاذبة بالشكل الذي جعلها ملائمة للتلفزيون وجميع شبكات التواصل الإجتماعي الرقمي في الإعلام الأمرالذي جعل من أفلامه الوثائقية وخاصة قصص عراقية مندرجة في خانة المنهج الإدائي الذي يتسم بالإبهار الشكلي كعنصر من عناصر الفلم الوثائقي القصير.وحرص المبدع محمد خليل كيطان بأفلامة الوثائقية القصيرة على الاستفادة من كل ثانية في وقت الفلم حيث يلجأ في سرد المعلومات المتشبعة ببلورتها بأشكال توضيحية للمشاهد وفق مايساعد على سرد القصة بالشكل المطلوب وكذالك إستعان المبدع بالنص المصاحب ألا وهوالسرد المكتوب أوالترجمة كسمة بارزه من سمات المحتوى المرئي تظهر أسفل الشاشة بالتزامن مع الكلام الوارد في قصة الفديو وهذا يستخدم بكثرة اليوم في الافلام الوثائقية القصيرة مع العناصرالتي يرغب بإبرازها المنتج أوالمقدم للمشاهد في سياق القصة وقد لجأ المبدع محمد للاستعانة بعناصرعديده ساعدته على تفسير المعلومة وتقديمها بشكل مبسط وإنسيابي للمشاهد بمنهج تفسيرية إعتمد على التعليق الصوتي لأنه مفضل في إنتاج الافلام الوثائقية التلفزيونية ومن ناحية الإداء إعتمد على الابهار الشكلي في إستخدام أدوات التعبيرفي المونتاج وفق السرد بطريقة حيوية مفعمة بالمشاعروالايقاع في التعليق الصوتي الذي قاد السيناريووالراوي لسرد قصة الفيلم وتقديمها للجمهوربإعتماد عناصرالمنهج التفسيري لإنتاج الفلم على الارشيف ووثائق الغرافيك وهكذا حرص المبدع محمد خليل كيطان على إيصال رسالته الفنية والعلمية والبحثية إلينا من خلال أفلامه الوثائقية القصيرة جدا بعنوان قصص عراقية.ونحن اليوم بعد هذا الانجازنفتخر بزميلنا المبدع محمد خليل كيطان التميمي ابا صادق على هذا العطاء والإبداع وكما عهدناه هو مبدعا منذ كان طالبا وسكرتيرمجلة عشتار في جامعة بغداد وكما وصفه زميلنا وصديقنا الرائد الصحفي الإستاذ صادق فرج التميمي في موسوعته (صحفيين بين جيلين) إعلامي ملم بجميع الفنون الصحفية وبإحترافية عالية ككاتب مقال رائع ومصمم ذكي ومصور مبدع ومحقق مميزومذيع مونتير ومخرج أفلام وثائقية ورائد من رواد الصحافة الالكتونية الحديثة قدم الكثير من الدروس العلمية المجانية للمبتدئين وطلبة كليات الاعلام والدوائروالمؤسسات الحكومية حصل في العام 1987 على الدبلوم في هندسة المساحة بمعهد التكنلوجيا في بغداد توَج دبلومه العلمي هذا في العام 1999 بالحصول على البكالوريوس في الاعلام بكلية الآداب ــ جامعة بغداد مُتخصصا في الاذاعة والتلفزيون لايهدأ أبداً ولا يَكف عن التعلم والمثابرة والابداع زميل ذكي ومحبوب ذا خلق رفيع وطيب المعشر خفيف الظل وسريع البديهية تلميذ نجيب بحضرة الصحفيين والاعلاميين الرواد مثل الدكتورالفيلسوف طه جزاع والمعلم الكبيرزيد الحلي والدكتورأحمد عبد المجيد وعبد الستارجواد وعبد الرزاق الدليمي وآخرين من سلسلة طويلة من الزملاء والاساتذة المبدعين في عائلة صاحبة الجلالة.وختاما أقول هكذا عرفنا الزميل محمد خليل كيطان التميمي معطاء يمتلك موهبة الابداع في دمج وخلق أشياء تبهرالناظروالمتذوق لفنه وهو يحمل مجموعة من القيم التي يسعى جاهدا في حياته للالتزام بها كونه يعمل في مجال يتيح له تحقيق هذه القيم والاهداف الشخصية وهو الهادئ المتحفظ محترم حساس في تعامله يميل لمساعدة الاخرين وجعلهم يشعرون بالسعادة والرفاهية ومن نوع الذي يضع جهده وطاقته في اي عمل يؤمن به وهو ذا صلة عميقة يقدر الجمال والفن غيرتقليدي ومستقل يسعى للحصول على لحظات حياة جميلة دائما وفقه الله..

 

د. قاسم محمد الياسري

 

 

قلولي بن ساعدمن تيهرت إلى لوس أنجلوس  قراءة وجه الآخر عبر الرواية

في جزائر اليوم وهناك في الأقاصي النائية والمداشر والقرى والأرياف البعيدة عن المدن الكبرى والعواصم الكبرى والفضاءات الكبرى.

أصوات إبداعية أخرى هي أصوات الهامش أو "الهامش اليقظ" بتعبيرالمفكر المغربي عبد الكبير  الخطيبي  تكتب نصوصا  روائية هي أشبه بما كان يسميه فيليب سولزر "النصوص التخوم".

لم يتسن  لها بعد المرور إلى القارئ بكرامة تنتظر من يأخد بإيديها دون أدنى التزام بإشارات المرور الحمراء أو بحق "الفيتو" للإعلان عن "هويتها النصية " .

ومن الأهمية بمكان الإنتباه إليها وفسح المجال لها دون شرط أوقيد غير شرط الحد الأدنى من الإبداعية الواجب توفرها في أي نص روائي يروم البقاء والإنخراط في تمثل هموم الذات والوجود والكتابة .

وهذه تحديدا مهمة القائمين على دور النشر التي يقف وراءها ويديرها مثقفون قبل سنوات قليلة كانوا هم الآخرون يبحثون عن  ناشر يتولى نشر مخطوطاتهم النائمة في مكتباتهم الخاصة .

ومن هذه الأصوات الروائية يقفز إلى الذهن صوت روائي من نواحي عاصمة الرستميين تيهرت .

وبتعلق الأمر هنا بالروائية الشابة  صفاء  دراجي وهي شابة لا تزال طالبة في الطور الثانوي من التعليم .

ومع ذلك فقد أصدرت سنة 2020 عن دار تسنيم بالجزائر العاصمة رواية بوليسية أستوحت أحداثها من  بعيد هاك في الولايات المتحدة الأمريكية .

ولاشك أن الرواية البوليسية بوصفها نوعا ثقافيا طارئا على الثقافة العربية التي لم تعرفه لا في الماضي ولا في الحاضر   يكاد يكون نادر الحضور  في الفضاء الثقافي الجزائري.

ومن نتائج ذلك لا تتوفر مدونة الرواية الجزائرية فيما أعلم سوى على نص روائي وحيد صدر قبل صدور رواية " الجرائم المدفونة " لصفاء دراجي وهو نص " نبضات آخر الليل " للروائية نسيمة بولوفة .

وهو أول عمل روائي يتخذ من التقنية البولبسية مجالا للكتابة الروائية لحد وقوع الرواية بكاملها ضمن نمط الرواية البولبسية .

وهي نسيمة بولوفة وصفاء دراجي ينطلقان في تشييد البناء الروائي لهما من العدم بالنظر لعدم توفر مدونة الرواية الجزائرية  على تراث روائي بوليسي يتكآن عليه وهو جهد منهما يستحقان عليه كل الثناء والإشادة .

ولا علاقة لهذا الكلام بنوع  من التعميم المفرط الذي ينكروجود أعمال روائية إتخذت من التقنية البولسية في الكتابة الروائية مجالا لجزئية أو مكون محدد من مكونات الكتابة الروائية .

مما يعني أنه لا يخلوا التراث الروائي الجزائري من هذه التقنية البوليسية كجزئية بسيطة في رواية وجودية أو تاريخية أونفسية   لم تأخذ طابع الرواية البوليسية بالكامل كما هو الشأن في رواية  ( كولاج ) لأحمد  عبد الكريم و( البطاقة السحرية ) لمحمد ساري .

وهكذا فنحن مع صفاء دراجي في ي روايتها ( الجرائم المدفونة ) .

أمام معالجة جديدة في قراءة وجه الآخر الغيري (أمريكا ) الذي لا يخلوا من إنتهاك للقيم الإنسانية الغائبة بين أفراد المجتمعات التعددية التي تحاول التغطية عليها سياسات التعتيم عبر خطابات فضفاضة عن التعددية الثقافية التي لا وجود لها سوى كخطاب مفرغ من جدواه ووظيفته الحية .

هذا ما جعل الروائية تختار فضاء آخر هو الفضاء الأمريكي لتدور فيه أحداث الرواية طالما أن الأمر يتعلق برواية هي الرواية البوليسية بالنظر لعدم توفر الفضاء الإحتماعي الجزائري لنوع معين المحققين المستقلين عن المؤسسات الأمنية كما هو الشأن بالنسبة لجيسكا المحققة التي تولت البحث في ملابسات الجرائم التي حدثت في المحيط العائلي للسيد كيم ديزار وبطلب منه

ثم سرعان ما تعرضت هي نفسها للقتل بنفس الطريقة التي تعرض فيها للقتل عدد من أفراد أسرة كيم وأقارب زوجة إبنه  إدوارد .

ومما لا تخطئه بصيرة القارئ لهذه الرواية فحتى أسماء الشخوص التي إتخذت منها الروائية عينات لشخوص تخييلية  هي أسماء من صميم النسيج الإحتماعي الأمريكي .

وكان يمكن على سبيل المثال ربط بالنص بحاضنته العربية و إختيار أسماء لشخوص روايتها من مجتمع المهجر العربي في أمريكا  للدلالة على عدم قبول الآخر في المجتمع الأمريكي رغم تعدديته الظاهرة وهو الأمر الذي لم يحدث .

هذا شأن الروائية ولا دخل للقارئ فيه وليس من حق الناقد والقارئ أن يوجه الروائي الوجهة التي يريدها .

رغم أن الأمر يتعلق بحق القارئ / القارئ العربي على وجه الخصوص في مطالبة الروائية  في " تبيئة " الكتابة الروائية بربطها بحاضنتها الإجتماعية وسياقها الثقافي .

ومن ثم إختبار قدرته أي القارئ / الناقد في التأويل والتفسير لنص خرج عن سلطة الكاتب وهو الآن بين يدي القارئ لتلقية التلقي الذي بينسجم مع مؤهلاته الذاتية في القراءة والتلقي .

وقد يزول العجب والتساؤل عندما نعلم أن هذا العمل الروائي هو باركورة أعمالها الروائية بالنظر لصغرسنها .

وهو بمثابة إعلان عن شهادة ميلادها الإبداعية ومن الطبيعي جدا أن يحمل معه عثرات البداية ككل البدايات التي لاتجيء مكتملة التكوين، .

وبالتالي فالحكمة تقتضي أن يتم التغاضي عن بعض العثرات والهنات بوصفها  لا تزال على عتبات البداية بأن  تحاول الإستفادة من هذه العثرات وتداركها في المستقبل، وهنا تكون مساحة التسامح النقدي مع النص أوسع وأرحب .

وعلى الصعيد الفني   لا تخلوا الرواية من بلاغة وصفية   في جنوح مخيال الكاتبة إلى السرد الوصفي وإنفتاح مخيالها السردي على المعجم الفني  المناخي رغم أن هذه الأجواء والتقلبات الطبيعية هي أقرب إلى حاضنة الكاتبة الإجتماعية ولا صلة لها بالطبيعة الأخرى في بلد الآخر الذي هاجر إليه هذا النص .

يبرز ذلك جليا في عدد من الجمل الوصفية فبينما كانت المحققة جيسكا تفكر في وفاة ثلاثة نساء بنفس الطريقة " حل الصباح ومازال الجو على حاله أمطار غزيرة ورياح قوية "

"صباح ممطر وبرد قارس ظلام دامس يعم مدينة لوس أنجلوس "

وهي الأجواء نفسها  التي تميز مدينة تيهرت  مسقط رأس الكاتبة الباردة شتاء الممطرة خريفا .

والنتيجة أنه عندما كانت الروائية تستدعي مناخ مدينتها فهي لم تفعل ذلك بغرض إحداث  نوع من المفارقة في ذهن القارئ بل الذي فعل ذلك هو (لاوعي في النص ) أو لاوعي اللغة بالمعنى البسيكولوجي .

أسوق هذا المثال وفي ذهني أن بعض النصوص هي التي تكتبنا ولسنا نحن الذين نكتبها  وحتى عندما نريد ذلك فإرادة المعنى لا تستجيب سوى لعدد محدود من القصدية التي نضعها كأفق إبداعي في نص قيد التشكل .

كما لا يخلوا ايضا هذا النص الروائي من الحوار المتواتر بين المحققة جيسكا وعدد من أفراد عائلة كيم  كشقيقة إدوارد تيريزا و خادمة البيت ليانا وغيرهما .

مما يتطلبه عمل المحقق عندما يريد أن يطرح أسئلة دقيقة على المحيطين بالضحايا رغبة منه في الكشف عن ملابسات الجريمة والجرائم المرتكبة ضد بعض الضحايا .

ولأنها كذلك فقد إستطاعت الروائية في رواية لا يتجاوز عدد صفحاتها ثلاثة وستون صفحة وهو الجزء الأول من الرواية تشكيل عالم الآخر الأمريكي  بتناقضاته مع الخطاب الرسمي  في إمريكا وفق مخيالها الطبيعي .

بالرغم من عدم خروجها عن المعتمد في الرواية البوليسية وإختيارها لنسيج إجتماعي بنت عليه عملها الروائي هو النسيج الإجتماعي  الأمريكي  وهذا يحسب لها لا عليها.

ومن هنا كانت حاجة الروائية إلى إخضاع العقدة السردية إلى التأزم أكثر فأكثر أكثر من حاجتها إلى البحث عن حل مثالي طالما الأمر يتعلق برواية هي الرواية البوليسة.

فتركت فرق البحث والتحقيق يعجزون إلى الوصول إلى المجرم الذي إرتكب كل هذه الجرائم بما يتناغم مع العنوان الذي وضعته لروايتها وهو " الجرائم المدفونة  " بوصفه " عتبة نصية " بمفهوم جيرار جينيت يقرأ النص في ضوءه .

أسوق هذا الإستنتاج النقدي بنسبية مؤقتتة في إنتظار الجزء الثاني من الرواية .

وهو ما يعد في نظري إقترابا من إحدى مفاهيم النقد الروائي كما تمثلته تجربة تيار الرواية الجديدة في فرنسا على الصعيدين التنظيري والروائي  الوارد في هذا المثال على لسان آن روب غرييه القائل :

أن الرواية " ليست حلا لمشكلة بل هي نتيجة الشعور بوجود مشكلة وعدم القدرة على حلها "

 

قلولي بن ساعد

 

 

صالح الرزوقتعود فكرة الميت الميت الحي في الرواية لعدة نسخ وعدة أشكال. لكن أشهرها هي شخصية فرانكنشتاين Frankenshtein لماري شيللي والتي صدرت بطبعتها الأولى عام 1818، ودخلت مباشرة على خط الصراع التقليدي الرومنسي بين مشكلة المعرفة والإيمان. ومن المؤكد أن شيللي لم تقترب من الموضوع السياسي لعصرها، ولذلك بقيت بعيدة عن أي مباشرة اجتماعية، وركزت كل كلامها حول مجموعة ثنائيات أو تقابلات لتطوير الحبكة، ومنها عدم قدرة الإنسان على الحياة بمفرده وضرورة خلق قنوات للتواصل.. إنسانية عامة (أن تكون وسط بيئة حاضنة) وبشرية خاصة (أسرة من امرأة ورجل وأطفال). وهذا هو السبب الحقيقي لتمرد المخلوق المرعب على صانعه وهو الدكتور فكتور فرانكنشتاين.

بالمناسبة هذا الاسم يعود لطبيب جراح شاب اهتم بمشكلة البعث والنشور وبحث عن أسرار الخلود (على طريقة البطل الملحمي الرافديني جلجامش).

لاحقا ظهرت من العمل نسخ معدلة آخرها فرانكستاين  Frankissstein لجانيت ونترسون Jeanette Winterson.  وبها رفعت سقف مطالب مخلوقها الاستثنائي والمرعب، وجعلته نافذة ننظر منها على مجتمع ما بعد - بعد الحداثة. عدا عن تحطيم الشكل التقليدي للحبكة، والتعبير عن الوجود من خلال الفراغ أو بواسطة  تحريض وتنشيط عمل الذاكرة، اختارت أن تضيف إنجازات الصناعية الصغرية في إنتاج المارد، تمهيدا ليواجه أعتى قضايا الألفية الثالثة: مثل الذكاء الصناعي وتبديل الجنس والتمرد على التصور التقليدي للعلاقات بين أفراد المجتمع من جهة والسماء من جهة أخرى. 

ولكن هناك نسخة مزامنة لرؤية شيللي. وهي مثلها تلعب على مسارين: الحب وتلازمه مع الخوف. وأشهر الأمثلة دراكولا لبرام ستوكر التي صدرت عام 1897. وهو مصاص دماء مشهور، ينام نهارا وينشط ليلا. وهذه إشارة واضحة لدراما النور والظلام والصراع الأبدي بينهما كتمثيلات مباشرة عن فكرة الخير والشر. غير أن لدراكولا مضمونا طبقيا، فهو كونت - من طبقة النبلاء. وفقد سلطته بصعود الرأسمالية واندحار الإقطاع. وبما أنه أضعف من أن يعتدي على الطبقة الصاعدة اختار ضحاياه من بين العامة. وتطور دراكولا لاحقا لشخصية زومبي الذي لا يكتفي بدم الضحية بل يستهدف كل شيء فيها.. اللحم والعظم، الأطراف والرأس،  القلب والصدر. باختصار تحول لميت يفرض فلسفته على مجمع الأحياء دون أي شفقة أو رحمة. وباعتقادي هو وريث حركة نهوض أدب الرعب (الأدب القوطي) وليس أدب التشويق (المغامرات والمطاردات الليلية - كما في أشباح والتر سكوت وما يضاهيه)، ويعبر عن مطامع الإمبريالية بالسيطرة والتوسع لدرجة الاستعباد.

وبدمج كل النسخ السابقة وصلت إلى أدبنا العربي صورة مرعبة ومثيرة للشفقة بآن واحد. وتجدها في  (فرانكنشتاين في بغداد) لأحمد السعداوي. وقد صدرت في بيروت عام 2013، وحصدت على الفور تقديرا منقطع النظير. واتفق سوق الرواية العربية والغربية على تتويجها بعدة جوائز لأنها بإجماع الآراء تمثل نقلة نوعية في أسلوب ومضمون رواية ما بعد الاستعمار. وباعتقادي الشخصي إنها عمل وطني يبني على رموز من المخيلة الجماعية. واختار السعداوي لروايته إدارة حبكة مستديرة، وفيها يتعهد الميت التراكمي (المصنوع من ترابط ضحايا مجهولين)  بالانتقام من قاتليه.

2517 قصي عسكرولم تنفرد مغامرة السعداوي بكل المشهد، وفي أدبنا الحديث أمثلة متعددة على شخصية المسخ والقزم والشهيد الذي يستعذب الموت لأسباب متنوعة (انعدام الحرية أو الفقر الأسود إلخ..). وأذكر من هذا النوع: حارس الموتى لجورج يرق (2015)، وآخر من شبه لهم لأديب النحوي (1991) وغيرها. وهي أمثلة أخيولية، بمعنى أنها تتخيل الواقع وتبنيه على أساس الاحتمالات. بلغة مختصرة تدخل في عالم الممكن. وما يبرر لها ذلك أنها تريد التبشير بحياة أفضل، وقد غلب عليها التفكير النضالي والسياسي، ولم تقف عند حدود الأحوال الاجتماعية بعمومياتها.

وأهمها رواية (شيء ما في المستنقع) لقصي الشيخ عسكر (صدرت في دمشق عام 1991)، وتدور فكرتها حول شاب يكتشف في مستنقع قريب من بيته أجزاء تعود لجثة. وبالبحث عن بقية الأجزاء يكتشف أنها جثته.  وغني عن القول إن الحبكة وجودية. فهي تفترض أن الحياة راكدة كمياه المستنقعات، ولا شيء جديد، والإنسان تحول لشيء في مجتمع مجرم وبارد ويفتقد للعواطف الإنسانية. ولا تجد بالرواية فرقا يذكر بين المدينة والمستنقع. كان كلاهما كناية أو مجازا عن حالة موت سريري.

وتتطور هذه الحبكة لاتهام الشاب بالجنون، ومحاكمته، ثم هروبه مستغلا اندلاع حريق هائل يحاصر المدينة.

أكثر ما لفت انتباهي في الأحداث أنها بعيدة عن فكرة فرانكنشتاين. فأجزاء الميت لا تعود للحياة، والشاب لا ينوي على الانتقام. بالعكس حاول الشاب تحذير أبناء مدينته من عواقب الإهمال، وذلك بلغة نبوئية، وبخطاب تبشيري يذكرنا بحالة "نبي" جبران في عمله التنويري المبكر، مع لمحات إضافية من (إنجيل الابن) لنورمان ميلر و(جدار الموت) لسارتر.

ويمكن  أن تقول إن بطل (شيء ما..)  نسخة ضعيفة من مسيح أناني لا يؤمن بدور التضحية في التطهير. وتدعم هذه النقطة عدة لمسات تقريبية. فالابن لا يعرف أباه، ويعيش وحده مع أمه الشبيهة بأيقونات العذراء التي لا يخلو منها جدار كنيسة. وحسب الرواية هي دائما حزينة وساهمة، لا تبدل اتجاه نظراتها. ويعقب الراوي العليم على هذه الصورة بأعلى صوته فيقول: هكذا يجلس الفلاسفة (ص5) وكأنه أراد أن يجعل من هذه الأم البسيطة كائنا فوق الواقع. 

مع ذلك قد لا تكون هناك علاقة مباشرة بين الرواية وما سبقها، ولا سيما نص شيللي أو السعداوي (ناهيك عن نسخة ونترسون). كان فرانكنشتاين صنيعة العقل البشري (الوعي أو العلم في حالة شيلي - والوعي الباطن في حالة السعداوي). وهو بالأساس إعادة تدوير لمبدأ تنويري يعود للقرن التاسع عشر ومضمونه:  لا شيء يأتي من الفراغ، ولا شيء ينتهي للعدم، بل هناك أفكار تغذي التمثيلات، وهي الطبيعة البشرية (الطبع الذي يغلب التطبع عند شيللي) والهوية الوطنية (المضمون الحضاري للمجتمع عند السعداوي).

وقد ذهب السعداوي لما هو أبعد من ذلك حينما وضع للعنف في روايته هدفا نبيلا. وهو انتقام جماعة الضعفاء من واحد أقوى منهم. فمخلوقه من ضحايا المفخخات، وبينهم الفقير والغني. والعبد والسيد. والمؤمن والكافر. واجتمعوا على إرادة واحدة وهي تحرير أنفسهم من قيود المدينة الفاسدة أو الدايستوبيا. وبدواعي الإنصاف يجب أن نعترف أن السعداوي حرر فرانكنشتاين من أفكار شيللي الجاهزة، ووضعه بسياق مبتكر وهو تحرير الإنسان والأرض بنفس الوقت.

ولكن ليس هذا هو مبدأ رواية (شيء ما..). لقد تحركت ضمن إطار واحد بدأ من السأم الوجودي وانتهى به. ولذلك كانت الرموز واضحة ومباشرة وبلا تمثيلات. المستنقع، مثلا، هو طوفان الأخطاء. وسطحه مجرد فاصل رقيق بين الوعي الباطن (لغة الأعماق - الأموات المغمورين بماضيهم ورذائلهم)، والسطح العاكس الذي ترتسم عليه الصور المشوهة كأنها صورة دوريان غراي بطل أوسكار وايلد، المعيار المنظور لمقدار الرذائل التي نرتكبها.

وكان الماء الراكد يدل على أمرين اثنين.

الأول هو كساد الحياة. فقد ترافق صدور الرواية مع فترة كساد مجتمعاني كبير (يعادل الكساد الذي ضرب أمريكا في الخمسينات).  وكنا آنذاك نمر بمرحلة مجتمع ما بعد النكسة وظروف أوسلو ودخول حركة التحرر العربية بموت سريري.

الثاني هو انتشار التفسيرات الذاتية للظواهر على حساب التأويل الموضوعي. وبلغة علمية كان وعي البطل في الرواية  طفوليا يشبه تعرفه على ذاته من خارجها وهو ينظر لصفحة المرآة (حسب بارادايم لاكان).

وحتى لا نحمل الرواية أكثر مما تحتمل أستطيع القول إنها شهادة إنسان أعزل عن فترة مضطربة وحزينة من حياة المنطقة. ولكن هذا لا يعفينا من الإشادة بطموحها الفني. فقد سبق للمرحوم يوسف سامي اليوسف أن اعتبر أنها عمل طليعي تعاقب فيه نوعان: فصل سرد - وفصل حوار في غرفة مغلقة وبالتبادل. وكأنها مسرواية (فن هجين من تداخل المسرح مع السرد).

وأغتنم هذه الفرصة لأذكر أن رواية ماري شيللي كانت سباقة فنيا أيضا. فهي أول رواية فنية بتكنيك الأصوات، وقد تناوب فيها على السرد:

1- شهادة فكتور فرانكنشتاين.

2- وجهة نظر المخلوق المرعب.

3- وأخيرا رسائل القبطان لأخته، وجاءت أشبه بتفسير للفراغات المبهمة التي تخللت الأحداث.

ولم يكن التنقل بين هذه الوحدات السردية ميكانيكيا (فهو عيب فني لم ينج منه حتى نجيب محفوظ معجزة الرواية العربية سواء في "ميرامار" أو "المرايا" حيث كانت الأصوات تتراكم ولا تتطور وتأتي بسياق واحد بسيط وغير مركب). لقد عرفت ماري شيللي كيف تربط وتفصل الأصوات، وكيف توزع حصة كل صوت على الحبكة.  

باعتقادي إن قصي الشيخ عسكر كان يفكر بدايستوبيا وهو يكتب روايته. فقد صور لنا مدينة شريرة تأكل أبناءها. وكانت أشبه بكابوس دائم يجثم على صدره (كما ورد في الفصل الأول - ص 6).

ولم يجد حلا لها بغير ركوب زورقه والهرب. لكن يحسن بنا أن ننتبه هنا لملاحظات عابرة ذات معنى.

أولا المستنقع هو بقايا فيضان أحفوري سابق.

ثانيا الزورق هو رمز لسفينة نوح.

ثالثا وهي أهم نقطة أنه مركب صغير لا يتسع لسوى شخص واحد.

ويعبر عن هذه المشكلة الحوار التالي:

قال الشاب لأمه وهو على متن المركب: هل تركبين معي؟.

قال صانع الزوارق: لكنه صغير ولا يسع لأكثر من واحد.

فردت الأم: عليك أن تنجو بنفسك يا ولدي. الزورق هيأه لك أبوك (ص93).

والتفسير الوحيد لهذه النهاية هو عقدة أوديب مع تبديل في الرموز والأدوار. الأم تتحول لزورق وتحمل ابنها لشاطئ النجاة. والأب يفوز بالأم. لكن بشرط أن يحترق معها في هذا الفرن الكبير، الأتون الذي كان ضروريا لإنقاذ الابن. 

وعموما الإبدال شيء أساسي في الرواية. فالابن الحي -في الرواية - هو الأب الميت أحيانا، والحاكم يتجلى في بعض الأوقات بصورة الأب، والأم يمكن أن تكون ضحية وظالمة (بالتناوب - حسب قانون اللحظة - وهو شيء مختلف عن قانون البنية الثابتة). وبمثل هذا المنطق وظفت الرواية تكنيك الصور عوضا عن أسلوب الأصوات لتغطية الأحداث من عدة زوايا. وهذا فرق جوهري آخر بينها وبين الأسلوب الراديكالي لنسخة شيللي والسعداوي. لجأ الاثنان لبناء شخصيات بذاكرة قوية وواضحة ولكن دون أي تصور عن نهاياتهم.   بينما صور قصي الشيخ عسكر أبطاله دون ذاكرة، وكان يغلب عليهم الالتباس والشك غير أنهم يصنعون قدرهم بأيديهم. وعن ذلك يقول بطل الرواية: كل شيء محسوب حسابه (ص91). وعلينا أن نتصرف لأن البكاء وحده لا ينفع (ص93).

 

د. صالح الرزوق