السعيد بوشلالقللرِّوائي الشّاب بلال مزاري من الجزائر

الطّبعة الأولى: 2019. دارالنّشر: الخيال للنّشر والتّرجمة - الجزائر. عدد الصّفحات: 160. الحجم: متوسط.

- نص آسر.. صورة حية لاضطراب منهك يوفر العزاء لتجربة مشتركة، تحزن لحزنه وتضطرب لاضطرابه، وتُشفى بشفائه.

- أبواب الرِّواية:

الولوج إلى «ملك وحيد على رقعة الشّطرنج» يكون عبر ثلاثة أبواب:

- الباب الأول: باب الضّياع. باب الأشياء التي تجعلنا نموت بدلاً عنها. أين ضاع بطل الرِّواية (كارلايل كولن) ومات معنوياً بموت زوجته (إيڤا) وابنهما (نواه)..

- الباب الثّاني: باب المخفيات. باب الخيوط الرّقيقة التي نُحيك بها ونُسميها المعنى. هذا الفصل سماه الكاتب باسم زقاق (المخفيات) الموجود في مدينة بوسعادة العتيقة في جنوب الجزائر، لينسج السّرد متجولاً بـ (كولن) رُفقة صديقه الدّليل السِّياحي الشّاب البوسعادي (جيثرو)، دليل (كولن) إلى المعنى، وكشف فيه ما خفيّ. (المخفيات) زقاق كان أغلب سُكانه من اليهود وفيه يوجد المعبد - الكنيس - اليهودي.. كما توجد به دكاكين (المزابيين الإباضيين) لبيع خيوط النّسيج، ومنها نسج الكاتب السّرد وحاك المعنى..  

- الباب الثّالث والأخير: باب المؤمنين. باب الذين يمشون في الأرض وأرجلهم تسيل دماً. المؤمنين أو (لومامين) كما جرت الألسن على تسميته، اسم حي عريق في مدينة بوسعادة كان الرَّسام الفرنسي العالمي المسلم (نصر الدِّين دينيه – ألفونسو إيتيان دينيه) يُقيم فيه، قُبالة مسجد الحي وقريباً من كنسية النَّصارى، تحول مسكنه إلى متحف باسمه. كان أول نزول لـ (كارلايل كولن) ببوسعادة في حي (لومامين) الاندهاش والانبهار..

- أحداث الرِّواية:

الرِّواية تتحدث عن (كارلايل كولن) طبيب انجليزي تجاوز السّتين من العمر يُصارع العيش وحيداً دون رغبة في الحياة بعد أن فقد زوجته (إيڤا) وقبلها ابنهما الوحيد (نواه). (الاستسلام كان يبدو أقرب للسّكينة خصوصاً بعد أن انقضى كُلّ هذا العمر ورحل في أثره كُلّ ما كان يُعطي للحياة معنى..) ص 08. يعيش (كملكٍ وحيد فوق رقعة الشّطرنج فارغة لا مُلك لكي يُدافع عنه ولا ملِكة تحميه من تقلبات نفسه، يقفز من خانة إلى أخرى في حركات عبثية لا تتوقف في انتظار موت لا يبدو أنه سيحل قريباً.) ص 13. الوحدة رفيقته في البداية والنِّهاية، عاش طفولته في القاهرة وحيداً مع والده بعد أن توفيت أمه بعد ولادته بأعوام قليلة. (كيف يكون الأمر عندما تفقد شخصاً مُهِمّاً وأنت صغير السِّن ستنسى الحدث على الأرجح لكن أثره سيكون فيك عميقاً، لا يُمحى، يُرافقك مدى العمر.) ص 11. وبعد أن بلغ الخامسة عشر توفي والده فعاد إلى إنجلترا حيث أقام عند خالته (أولغا) بواست هام. وبقيت الوحدة تلازمه، وحيداً دون أصدقاء مقربين مُنغمساً في آلامه ووحدته (بعض البشر خُلِقوا ليعيشوا وحيدين مَهْمَا كثُر النّاس مِن حولهم وتعدّدوا.) ص 15. جمعه القدر بحواء (إيڤا) أو(إيڤ) - كما يُحِبّ أن يُناديها - في سراييفو بالبوسنة عام 1993، حيث كانا يعملان طبيبين لمعالجة المصابين في حرب الصِّرب على مسلمي البوسنة، أحبّا بعضهما البعض وتزوجا وأنجبا ابنهما الوحيد نوح (نواه).

في رحلة (كارلايل كولن) للبحث عن المعنى في صحراء الجزائر، بعد أن غيب الموت زوجته (إيڤا) ومن قبلها ابنهما (نواه) عاش حياة داكنة بالحزن واليأس والاستسلام والوحدة والنّدم والألم والضّياع. (عالق ووحيد وبارد، كصنم مهجور مات كلّ من يعبدونه، كملكٍ يقف وحيداً على رُقة الشّطْرنج، لا صديق يأنس به ولا عدواً يُحاربه.) ص 53. كأنه ميّت موتاً انفعالياً. (كان الأمر موتاً حقّاً.. لكنه لم يكن موتاً كاملاً بل وقوفاً على تلك الحافة المؤلمة بين الموت والحياة..) ص 89. قدر جديد يولد فيُلاقيه بشاب جزائري من مدينة بوسعادة يتحدث قليلاً من الانجليزية تُمكنه من التّواصل معه، سماه (جيثرو). أهداه كتاباً "حلم إلى غاية ما" قدر جمعهما صديقين. كان دليله في رحلة الصَّحراء ودليله إلى المعنى. (فالمعنى ليس كتاباً نقرأه فقط، بل محيط نغرق فيه وصحراء نوغل في مسالكها حتى نجد أنفسنا في النِّهاية.) ص 86. يعود (كولن) لأنجلترا، لكنه يبحث في كتبه وقراءاته عن المعنى الذي يفتقده. لكن لا شيء يوحي بأنه قد عاد للحياة.. يقتنع (كولن) بضرورة العودة إلى الجزائر وإلى صديقه - نبي المعنى - (جيثرو) في بوسعادة. بوسعادة مدينة السَّماء السَّابعة والألوان المستحيلة. ينتقل (جيثرو) للعيش مع (كولن) في انجلترا، ساعده ليواصل دراسته الجامعية التي كان يحلم بها في الطِّبّ. وكأنه بذلك أراد أن يُكفر عن ذنبه اتجاه ابنه (نواه) الذي كان يريده أن يكون محامياً لكنه لم ينجح في دراسته، وبقدر ما كانت التوقعات كبيرة كانت الصَّدمة أقوى. (التّوقعات الصّلبة هي ما يقتل البشر.) ص 44. الابن (نواه) كان يحمل إيماناً وفلسفةً في الحياة تختلف عن تلك الفلسفة التي لطالما عاش فيها الأب (كولن) (إنّ الآباء يعيشون على فكرة أنّ أبنائهم اِمتداداً لهم، وأنّ حياة الأبناء ما هي إلاّ فرصة أخرى ليعيشوا ما فاتهم أو يُكرِّروا فيه ما عاشوه إنْ كانوا مِن النّوع الذي لا يتسلّل إليه النّدم. ببساطة الآباء يعجزون عن فهم أنّ لأبنائهم كيانات مُستقلّة كُلّ الاستقلال عنهم!.) ص 43. قرر ابنه (نواه) الرحيل للمحيا الذي يعنيه دون عودة. ماتت زوجته (ايڤا) حزناً وحسرة وألماً على غياب وموت ابنهما (نواه). وضاع كل معنى للحياة من (كولن)، لكن حضور (جيثرو) في حياته أعاد إليه المحيا والمعنى. (الإنسان حين يكون في أوضاع صعبة عليه أن يحصل على المواساة والصّحبة، ولو كانت داخلية المصدر.) ص 141. يلجأ إلى القراءة، قراءة كُلّ ما تقع عليه عينه ويده، وبها يفتح دروب كتابة روايته السِّيرية، سيرة فيها كثيرٌ من الحزن والأسى والألم.. يتلذذ بهلوسة اللِّقاء في محطة الميترو بنيوكاسل بـ (إيڤا)، (هي لم تكن (إيڤ)، كانت مجرد هلوسات، كنتُ أعلم ذلك من البداية، لكني انجررتُ أكثر فأكثر.) ص 130. ظلّ شبح (إيڤ) يُلاحقه، وتحول ذلك إلى تلذذ وإدمان. (يكفي أن يجعلك وجود أحدهم تشعر بالأمان والاستقرار ليكون وجوداً كاملاً ولو كان مجرد طيف صامت.) ص 150.

- نقاط على الهامش في رواية «ملك وحيد على رقعة الشّطرنج»:

- «ملك وحيد على رقعة الشَّطرنج» تمثل في نظر السَّارد تراجيديا الوجود ورجاته الموجعة.

- جاء البناء الفني للرِّواية بناءً سامقاً ممتعاً للقراءة آسِراً للقارئ...

- يتضح من خلال النَّص أن السَّارد بنى بؤرة السَّرد على شخصية (كولن) الذي تعرض في حياته لانكسار وشرخ عميق وإحباط نفسي بسبب فقدانه لزوجته وابنه. أصبحت حياته نَفَقاً مُظْلِماً، وهذا ما سَبّبَ له أزمة نفسية حاول أن يُداريها بالسّفر إلى الصّحراء والقِراءة والكِتابة.

- الرّاوي أو الممسك بِدفة السّرد لجأ إلى الاستعانة بِتقنيات (التّشظي، والحوار الداخلي، والاستبطان...) حِرصاً منه على النَّفاذ إلى سرائر الذّات السّاردة، لِبيان ما يَجُول في داخلها من انكسارات. بين السّارد منذ البداية وقع الرّزايا على نفسيته، خاصة بعد وفاة زوجته (إيڤا)، التي لقيت حتفها بعد أزمة نفسية حزناً على فقدان ابنهما (نواه)، فشكل رحيل زوجته وابنه جُرحاً غائراً لم يندمل... لقد بذل (كولن) (بطل الرِّواية الرَّئيسي) جهوداً مُضنية لِنسيان الكارثة التي حلت بأسرته، مُختلياً إلى نفسه مؤثراً الانزواء ساعياً إلى مراودة الكِتابة، باحثاً عن الأكسير الذي يمثل جذوة متقدة تفجر الكِتابة وتحولها إلى سيل ناعم متناغم. حاول أن يسترجع توازنه في الحياة، بالبحث عن ذاته الضَّائعة في الكتابة، كبديل يجسد فردوسه المفقود. وكذلك بتقديم العون لجرحى الحياة (مساعدته "جيثرو" على مواصلة دراسة الطِّب في أنجلترا).

- «ملك وحيد على رقعة الشطرنج» رواية تزدحم بالصُّور الفلسفية العبثية... نص مقارب لروح (الغريب) لألبير كامو (...الكثير من التساؤل عن وجود أيّ معنى وسط هذا العبث...لكن هل أنا موجود في العبث حقّاً، أم أنّ العبث موجود فيّ؟ أحياناً نرى العالم لكنّنا لا نُبْصِرْ فيه سِوى ما هو انعكاس لأفكارنا عنه! أنا مجرد فقاعة من العبث وسأنفجر يوماً ما!) ص 17. عبثية الاستسلام والموت والحياة في آخر الصفحة 19. الموت، الدِّين والإيمان ص 20 و 21. ومقارب لروح نص (الخيميائي لـ باولو كويلو)، في الصَّحراء الكنز والمعنى ص 126.

- بدا لي أن كاتب هذه الرِّواية "بلال مزاري" اعتمد تقنية الفن المتعمد ليدفع بشخصية السَّرد إلى أقصى درجات تحملها. "الفن المتعمد هو الدَّفع بالشَّخصية إلى أقصى مدى ممكن، وأقصى حدود تحملها." كما يقول الرِّوائي الكبير الطّيب صالح.

- ورد ذِكر العنوان في متن السَّرد أربع مرات في صفحات: 53 و 97 و 119 و 125.

- أعجبني تناول الكاتب لظاهرة الإسلاموفوبيا في الغرب خاصة بعد تفجير بُرجي التِّجارة في نيويورك في كلمات قليلة. ص 109 .

- المنحنى البياني للسرد يتصاعد بشكل يجعل القارئ يتتبع النّص باستيعاب ووعي.

- المساحة الزمكانية تمتد بين تسعينات القرن العشرين والعشرية الأولى للقرن الواحد والعشرين عبر القاهرة والبوسنة وصحراء تامنغست وبوسعادة بالجزائر ونيوكاسل بأنجلترا.

- يمكنني القول للكاتب الشّاب بلال مزاري: أنك كما جعلتَ بطل النّص (كارلايل كولن) يلتقي (فيكتور فرانكل) "نبي المعنى" في صفحات كتابه ص 127، فقد مكنتني أنا - القارئ - أيضاً أن ألتقي بطل النّص (كارلايل كولن) بين صفحات روايتك.

- إنّ تمكن الكاتب بروح واقتدار من تقمص شخوص روايته والاندماج في حالاتها النّفسية والاجتماعية مكّنه من بناء نص مؤثر في القارئ يجعله يُحب شخوص الرِّواية ويتعاطف ويتفاعل معها طالما الكتاب بين يديه وأمام ناظريه.. (قيمة الأدب الحقيقية أن يجعلك تعيش حيوات بعيدة وعديدة.. يفتح أمامك وجهات نظر معاكسة، مُريبة، أن يُجدِّد أفكارك الرّاكدة ويأخذك لعوالم مجهولة..) ص 72.

- رواية «ملك وحيد على رقعة الشّطرنج» تميزت بالأسلوب السَّردي الرَّصين والحبكة المحكمة واللُّغة الأنيقة الجميلة. وهي إضافة قيمة للسّرد الجزائري.

- أخيراً. أقول كما قال جيثرو لـكولن: روايتك يا بلال مزاري - أشعر أنها - (حقيقية، مصنوعة من التُّراب والدُّموع والمعنى والحيرة..) ص 152.

- أنا قارئ هذه الرِّواية «ملك وحيد على رقعة الشّطرنج» مقيم في مدينة بوسعادة، المدينة التي أَحَبّها الرَّسام (إيتيان دينيه) واختارها ليكون فيها مقامه الأخير عند سفح (جبل كردادة) للعبور إلى عالم الخلود.. بعد أن قرأتُ هذا النّص سارعت للنزول إلى حي (لومامين - المؤمنين) ومنه إلى (المخفيات)، حيث كان يُقيم (جيثرو) في النّص.. ووقفتُ في نفس الأماكن التي كان يقف فيها (كارلايل كولن) ناظراً إلى بُرج السَّاعة (حصن كافينياك) العسكري، والمسجد الإسلامي والكنيسة المسيحية والكنيس اليهودي. أماكن ومقامات لا تفصل بينها إلّا أمتاراً قليلة كانت تُشِعُ على هذه المدينة بالتَّسامح الدِّيني.. أسجل إعجابي الشَّديد بهذا النَّص الرَّائع الَّذي أغراني بالخُروج وإعادة اكتشاف مدينتي ببصيرة وروح «ملك وحيد على رقعة الشَّطرنج».

- اقتباسات من رواية «ملك وحيد على رقعة الشَّطرنج» للكاتب الشَّاب بلال مزاري:

- الأمر الأكثر جمالاً في الوجود البشري والأكثر غرابة والأكثر إيلاماً أيضاً.. أننا كلنا مختلفون..! ص 11.

- أحياناً نرى العالم لكنّنا لا نُبْصِرْ فيه سِوى ما هو انعكاس لأفكارنا عنه..! ص 17.

- للموت سُلْطانه الأعظم إنّه يُعطي للأشياء معانيها الحقيقية، بعيداً عن السّخافات الّتي كانت تبدو مُهِمّة، بعيداً عن الالتزامات وبعيداً عن وَهْمِ الكبرياء أو أيّ وَهْمٍ آخر.. ص 26.

- كُلّ شيء وكُلّ شخص يملك جماله الخاص... تلك الأشياء التي تُعاكس نظرتنا للجمال ليست بالضرورة بشعة أو خالية من شكل من أشكال الجمال.. ص 40.

- الأشياء تتغير، الحياة والبشر أيضاً، فكرة الثّبات بِرِمّتِها عارية من الصِّحة، علينا أن نتقبل التّغيير ونُحاول فهمه وتوجيهه إن أمكن الأمر.. ص 44.

- لم أكن أرى الحاضر المتغير، لأني كنت متمسكاً بالماضي الثّابت.. وفكرة الثُّبوت في حدِّ ذاتِها هي خمرٌ لا نصحو من سكرته إلاّ بعد فوات الأوان.. ص 45.

- الوظيفة لم تكن يوماً استقراراً الوظيفة فخّ استعباد البشر برضاهم.. ص 45.

- الحياة هي الحياة، بنا أو بدوننا.. لا يُمكننا أن نعرفها تعريفاً شاملاً أو نسعها كاملةً بوعيّنا القاصر.. ببساطة الحياة هي الحياة وأيّ محاولة أخرى لتعريفها هي تعريف للجزء المبتور الذي نفهمه منها فقط.. ص 49.

- المحيا هو النّماء.. أن نسعى بشغف نحو ما نريد، نحو ما نحتاج، نحو ما نشعر نحوه بالانتماء.. ببساطة المحيا هو رحلة البحث عن الامتلاء الدّاخلي والخارجي.. ص 49.

- إن السّعي وراء أحلامنا وإن مُني هذا السّعي في النّهاية بالخسارة فإنّه سيمنحنا شيئاً ما، ستتحقق ذواتنا، سنصبح ما تريد أحلامنا أن نصبح، سنصبح أحسن نسخة منّا، النّسخة التي ما كنّا نتخيل يوماً أن نصيرها.. أمّا إنْ تجاهلنا النّداء فلن نُبْتَلى بِفُقْدِ المَحيا الخارجي فقط بل الدّاخلي كذلك، سنموت بالمعنى الفعلي.. فمثلما يحتاج الجسد الطّعام والماء، تحتاج الرُّوح منّا أن نحلم ونسعى نحو الحلم.. ص 50.

- المحيا هو الفكرة، المحيا هو مجموع كُلّ الفلسفات التي استقرت داخلنا وتماسكت لتشكِّل ما نُسميه "الأنا"، وما نظُنُّ أنّ الحياة تجري عليه، أو ما نظُنُّ أنّ الحياة عليه، ليس الحياة حقاً بل اِنعكاسها في عقولنا، والعقل قاعة من المرايا التي نُسميها الأفكار، بعض هذه المرايا مقعّرة تُصغِّر صورة حدث ما، وبعضها مدبّبة تُكبِّر صورة الحدث الأخر، وقِلةٌ منها تُبقي الأحداث على حجمها.. ص 51.

- لكُلِّ شخص في هذا العالم فكره وتوجهاته وفلسفته النّقية وطريقة نظره للعالم عموماً.. وطالما هذا الشّخص لم يجلب لك أي أذى، فكل ما يُفكر فيه أو يقوله أو يفعله ليس من شأنك.. ص 52.

- ما حدث لم يكن نصراً كاملاً لأسعد به ولم يكن الخسارة الكاملة التي كنت استعد لها.. بل كان شيئاً في المنتصف، وأشياء المنتصف هي الأكثر ألماً، والأكثر أذية.. ص 55.

- المعنى، لأجله نعيش ولأجله نموت ودونه نقع ضحايا المنتصف.. ص 57.

- عليك أن تدرك أن بقدر ضرورة أن يكون لحياتك معنى، فَمِن الضّروري أيضاً أن تكون حياتك في آمان، أن تحفظ هذا الجوهر النّقي من الفناء.. ص 58.

- لديّ إيماني الخاصّ بأنّ الّذين نُحِبُّهُمْ حقاً لا يرحلون أبداً، إنّهم يبقون داخلنا، جُزءاً مِنّا للأبد.. ص 61.

- قيمة الأدب الحقيقية أن يجعلك تعيش حيوات بعيدة وعديدة... يفتح أمامك وجهات نظر معاكسة، مُريبة، أن يُجدِّد أفكارك الرّاكدة ويأخذك لعوالم مجهولة.. ص 72.

- عليك أن تكون ما يطلبه منك حلمك؛ أن تكون قبل أن تطلب منه أن يكون.. ص 78.

- أسمى وظائف الكتاب ليس أن يمنحنا معارف جديدة بل أن يُبرز لنا معارف كانت موجودة داخلنا دون أن ندركها.. أن نفهم مسمياتها وماهيتها وغاياتها.. ص 79.

- العالم ليس ما نظنه عليه، فما نظنه العالم ليس هو العالم حقاً بل انعكاس أفكارنا حولها.. ص 83.

- على الفكرة أن تحلم وعلى الحلم أن يفكِّر.. ص 84.

- الحياة تأخذنا دوماً بعيداً عمّا نود فعله إن لم نفعله في أوانه الأول.. ص 85.

- أولئك الذين يعيشون دونما معنى هم نوعان؛ نوع يعيش دونما فكر، وأولئك يعيشون في سعادة حيوانية لا حد لها. أمّا من يعيشون في حضور الفكر وغياب المعنى فسيلقون كل شيء بالغ الألم.. ص 90.

- المعنى هو ما يُنْقِذُ الإنسان، لكن لا يمكن أن يكون المعنى هو نفسه لدى كلّ واحد منّا، فمثلما لكلّ إنسان بصمة أصبعٍ تُميّزه عن سائر البشر، فهناك معنى وغاية خاصّة بكلِّ إنسان تُنْقذه من أن يتهاوى ويذوي.. ص 91.

- ربما الضعف الذي أعيشه ويعيشه كل رجل تجاوز الستين سببه نقص الحاجة: الاكتفاء الدّاخلي والخارجي وذلك الشُّعور المقيت بأنك ناضج وما عدت تريد أو تحتاج هذا الشَّيء أو ذاك، وتكتفي ببساطة بالأكل والشُّرب وفي أحسن الأحوال ممارسة الجنس.. ص 112.

- القلب يرتب الذِّكريات كما يريد هو، لا كما حدثت هي.. ص 117.

- إخبارك لشخص ما بمخاوفك هو أن تعطيه كبرياءك كاملاً فيكون بيده أن يحطمه أو أن يحفظه.. ص 139.

- لا يمكن أن نجد حلاً واحداً كُلّياً لجميع المشاكل.. لا يمكن أن نجد حلاً للحياة بأكملها.. ص 139.

- يقولون إنّ النّظر في العيون لغة، إننا حين ننظر في عيون غيرنا، أو ينظرون في عيوننا، فإننا نبعث بالعديد من الرّسائلِ التي قد لا تكفي الكلمات لنقلها.. ص 148.

- كلّ أصدقائي خطفهم الموت والكبرياء الزّائف والنّسيان.. كانوا يسقطون كورقات هبّت عليها رياح الخريف.. ص 153.

- أحياناً.. بل غالب الوقت، لا نفعل الشّر لرغبة خالصة بالشّر. وأغلب الأفعال الشّريرة بهذا العالم لم يكن سببها سوى التّردد والخوف، الكبرياء الزّائف.. أحياناً نفعل الشّر ليس لأننا نريده.. بل لأننا لا نملك من القوّة والمعرفة كفاية لتجنُّبِه.. ص 157 .

- المعنى الذي يُلازمنا كبشر، نحن خلقنا من تُراب وضعف وأفضل ما يُمكننا فعله هو أن نُحِبّ لكي نُزهِر، وقبل كُلّ ذلك يجب أن نُحِبّنا، نعرف ضعفنا، أن نُسامح بعضنا ونسامح أنفسنا أيضاً.. ص 158.

 

أ. السعيد بوشلالق

 

رحاب عوضــ  كيف تحوَّرت الشخصية المركزية في الرواية إلى الإجراميّة؟

 إذا كانت ظاهرة الجريمة تمتد إلى بداية الماضي السحيق القدم بل إلى بداية الوجود الإنساني، حيث ثنائية الضحية والجلاد فإن شخصية نعمان القادمة من هناك مرت بالمنذر بن نعمان وتناسخت عنها حتى قد وصلت إلى هذا الزمن ... 

يسافر بنا الكاتب من خلال ذلك النفق ذي البعد التاريخي لا المادي ليقف بنا عند ملوك الحيرة الذين اشتهروا بمجالس الخمرة والشرب حين كان يبلغ الشرب بابن المنذر ذروة الثمالة و ذهاب الوعي و العقل والصواب فيأمر بقتل أصدقائه و شعرائه، ممن  لم يرُق له شعرهم وبعد أن يصحو يتألم ألماً بالغاً لما فعل، فيبني صومعتين على قبريهما ويقتل كل من يمر من بينهما وإن مر حيوان ذبحه وجعل دمه طلاء للضحيتين فتُقدَّمُ لهما النذور.

إذا حدا الكأسُ بالمنذر لقتل أصدقائه وحدت ظروف الحرب وإعاقة نعمان به إلى تسلسل الجريمة فهل سيكون كل شاربٍ وكل معوقٍ مشروعاً مضموناً لسفك دماء من حوله؟

أم أن الثمالة وغياب العقل وجه مشترك بينهما والاختلاف بكأسيهما الأول بالشراب والثاني بحنظل الإعاقة وفي النهاية كل منهما تقيأ ما في قعر داخله؟! 

ــ كرؤيا تحليلية:  أول ما قدمه بهذا الخصوص على سواه كان من إفادات علم النفس مما استذكره نعمان في بداية العرض من حوارات مطولة جرت بينه وبين زملائه في الكلية تضمنت نقاشات ضخَّت خلاصات فكرية بصيغة تقريرية  لم تنطو على ديناميكية الحوار القائم على الجدل والجدال والاختلاف في وجهات النظر، كانت خزيناً معرفياً مكتسباً استعرضه على ألسنة الزملاء، وحمَّله مواقفه الشخصية وآراءه ، وأول ما آثر الكاتب تقديمه في مستهل النص: 

أـــ استذكار نعمان  لقول أستاذ علم الإجرام في الجريمة  :" انقسم علماء النفس بآرائهم حول هذا الموضوع بعضهم قال :إنها عامل جيني وراثي والبعض قال هو خلل عقلي وآخرون أجمعوا على أنها مران لسلوك منحرف أنتج عادة لا يمكن تخطيها" .

ب ـــ ثم  أورده ما جاء في كتاب " الإنسان المجرم" في نظرية لامبروزو  التي تعتبر: أن المجرمين معروفون بأشكالهم وصفاتهم وكل من تنطبق عليهم تلك الصفات التكوينية يزجون في السجن و التي حددها من طول أو قصر غير مألوف ورأس صغير ووجه كبير وخط شعر متراجع ووجه وعر أو عميق التجاويف كثير البثور وأنف مسطح أو شبيه بالمنقار وخط فك حاد وشفاه ممتلئة وحواجب غزيرة وضربات في مؤخرة الرأس وحول الأذن ووشم الجسد ..إلخ ". والتي خالفها الكاتب بروايته واعتبرها  نظرية مجحفة  مغلوطة فيما جاءت به بهذا الخصوص لا يؤخذ بها في جميع الأحوال ولا تنطبق على جميع المجرمين ولا على نعمان إلا بما يتعلق السمات النفسية.   

ت ـــ ثم نراه يلقي اللوم على الحرب وأوزارها حيث لسان حاله يقول :" لأن الحرب هي التي كبلته بقيود الوجع فعطلت الحياة وشيطنت الفطرة، حولت الإنسان من كائن وديع إلى قاتل مفترس جردته من ثوب إنسانيته، الحرب تغرس شجر العداء وتوقد نار البغضاء فتبث صراخ الفناء في نفوس البشر وتقتلع فسائل الحب من الجذور، فلولا هذه الحرب القذرة لما آل مصيره إلى هذا التدني والانحطاط."

ث ـــ ومن استرجاع ذاكرة نعمان لمشهد دموي منطبع في تلافيفها من معركة شرق البصرة:" كان حصاد الأرواح يتجلى فيها عياناً، وكانت الأرض تمطر موتاً فمطر الفناء يتساقط من السماء ولا عاصم إلا لمن حصنته يدر القدر وحفظته الرحمة الأزلية، يتساقط قتلاً كما يتساقط الزرع بمنجل الحاصود، فهنا يد مبتورة وهناك ساق مرمية وهناك رأس مقطوع يتدحرج لصديق كان قبل قليل يغني أغنية حسين رحمة "يا حريمة"

ج ـــ ثم قوله: " أنا إنسان آخر أرادته الحرب أن يكون مأزوماً  فاقد الأهلية فاغتالت رجولته، أتدرين يا سناء إنني رجل لكنني لست ذكراً فرمان الحرب اللعينة صدر بقتل ذكورتي ليتني مت ألف مرة ولم تحدث لي هذه المأساة" 

ح ـــ  وما تذكرته سناء من رأي لوالدها في نعمان حين تقدم لخطبتها : " بعض هؤلاء الناس تجري أنفاس البداوة في أعماقهم وتغلف قلوبهم القسوة فيعشقون الرحيل الدائم ، لم تهجنهم الحضارة ولا يجيدون غير الثأر والولاء للقبيلة ومهما تأقلموا في حياتهم الجديدة فلا بد لهم أن يعودوا لأصولهم الدموية الزاخرة النار التي غذتها عادات وتقاليد عنيفة تميل إلى التوحش"

خ ـــ أو حين حاول أن يلتمس له تفسيراً واضعاً أمام قارئه  تحليلاته واحتمالاته وتساؤلاته لمزيد من تحريك ذهنه وإعمال مخيلته وإشراكه في تفسير هذه الظاهرة النفسية: "فربما هو قد ورث صلف الصحراء وقساوتها وعنفها، أو هي لعنة السجن امتدت إليه وتلبسته بشرورها وإلا كيف يجرؤ إنسان سوي درس القانون أن يقتل أحبابه إلا إذا كان مختلاً عقلياً أو مصاباً بمرضٍ نفسي ؟":

د ـــ وما أورده في تعقيب يشير إلى ما يمكن أن ينجم عن الأوبئة  المجتمعية الممثَّلة بالتعصب والتطرف الديني والاجتماعي والسياسي : " فلا غرو أن يكون متطرفاً في كل شيء في حبه وكرهه في كرمه وبخله في إيمانه وكفره في عنفه وتسامحه في حربه وسلامه في هدوئه وثورته في عدله و تعسفه..و في أحيان كثيرة نجده متطرفاً في أشعاره وثقافته"

ذ ـــ أو ما جاء في مونولوج داخلي متشظٍ  بالندم والألم لنعمان :" هل هناك مِن نهاية أيها المغرم بالموت ورائحة الدم ؟ متى تستفيق؟ متى تغادر هذا الوكر الذي علمك القتل؟ وتعقيب الكاتب عليه بصيغة الغائب : " حينما يشم رائحة الدم يهدأ كأنما نسيم من طمأنينة طاف روحه ثم يبدأ عمله الشاق والمضني بدفن الجثة في ذلك النفق ".

ر ـــ وقول أم نعمان :" يا بني هنا جذرك فداوم على سقيه بالمكرمات كي يبقى المنبت كريماً ومخضوضراً بنقاء المحبة وصلة الرحم وحب الوطن، فمن هذا المكان جئت أنت وأبوك وجدك، فاحفظ وفاءك للمكان ولا تدعه يتلوث بعهر الغباء وموت الأحلام وتغلغل الحقد وسقطات الجريمة....، يا بني : اسمع كل كلمة قالها والدك، صنها وصية خالدة وعلقها تميمة في عنق وجدانك..." 

زـــ ثم يستدعي في موقع آخر قول باولو كريلو: " إن الكثبان تتغير بفعل الرياح لكن الصحراء تبقى دائماً نفسها "هذه المقتطفات مثيرة للتأمل والتفكير ... تمضي بنا إلى حيث تضع بين أيدينا الظواهر والعلائق والدوافع والمرجعيات التي تقودنا إلى تفسير ظاهرة الجريمة عند "نعمان" بصورة خاصة و قبل الدخول في عناصر و أسلوبيات وآليات الرواية.

** سأتأبط أحد المفاتيح المتمثل بقول المفكر باولو كريلو : "تذكروا أن المفتاح الأخير في حاملة المفاتيح هو الذي يفتح الباب دوماً". لكني سأقوم بخلاف ما يدعو إليه، سأتجاهل وأستبعد ذاك الأخير لأحاور وأجادل البقية، وإن لم تفِ بغرض الإقناع سأحاصر ذاك الأخيروالذي سيكون كفيلاً بفتح مغاليق النص.  

إذا ما وقفنا على تلك المتقطفات نجد أن الكاتب يدين فعل الحرب في تغيير تركيبة  البشر وصنع المجرمين ، فهي لم تطَل مَن في ميدانها فحسب وإنما امتدت تداعياتها إلى الآمنين منهم ، يدين مفرزات التخلف من التعصب للنزعة القبلية والعشائرية وما نتج عنها من مخلفات والصحراء وما بُذر في رمالها من أفكار أورثت عادات وتقاليد وعادات قاسية، ثم يشير إلى سجن نقرة السلمان الذي كان يُزَجُّ الأحرارُ من الوطنيين والمفكرين فيه ويلقون أقسى أنواع التعذيب والموت،  فيضع تساؤلاً فيما إن كانت لعنته قد امتدت إلى نعمان، وهذا تصور مستبعد لبعده عن الواقعية، فهل تطال اللعنة من كان مناصراً ضمنياً للأحرار وإن كان يتجنب الإفصاح؟.

ويسترسل الكاتب وصولاً إلى أن يستشهد بقول كريلو المجازي العميق التجسيد التصويري التمثيلي والمتسم ببلاغة البيان، "الكثبان"  وترمز كاستخدام مجازي "للبشر" جامعهما الحركة والتنقل ، من الممكن أن تتغير بعض سلوكياتهم وآرائهم وميولهم  بفعل عوامل التحضر ومظاهر الحضارة والاحتكاك بالحياة المدنية والدراسة في جامعاتها وسوى ذلك .. كحال نعمان، لكن يبقى الأصل واللب ثابتاً طاغياً باقياً...  وفاعلاً في لحظة ما.

هذا ولا نغفل ما أشار الكاتب إليه من البيئة الصالحة التي غرست بذور الطيبة والأخلاق لتثمر واقعاً مهللاً بأحلامها بارتقاء ابنها الوحيد بعلمه وثقافته، وصونه لإرث الجدود من خصال الوفاء والإخلاص للوطن، كما عرَّج على منبته ومسقط رأسه الأول في السلمان و متاخمة أراضي جدوده للسعودية والعلاقات التجارية بينهم.

هل جثوم مشاهد الحرب وتداعياتها سبب كاف لجعل كل مصاب بعاهة مجرماً مرعباً يحمل الموت لكل من حوله؟  أوليس من الطبيعي أن تترك الحياة الحضرية التي عاشها نعمان تأثيرها في  تهذيب و ترقية النفس؟

 وأما تلك الثقافة والدراسة في الحقوق والقانون ومخالطة طلبة العلم في الجامعة أليس حرياً بها أن تشذبها وتصقلها وتروض الوحشية المكتسبة من صلافة وقسوة الصحراء؟ و تلك البيئة الكريمة التي بثت فيه التربية الحسنة التي تلقاها عن أبوين رفيعَي الخلق والتي أسهمت في التكوين النفسي والاجتماعي الإيجابي والسليم ... أين ذهب ذلك؟ وأي رياح هوجاء عصفت به؟  بل أين آثار وتأثير ذلك كله.  لماذا انقلب إلى النقيض؟؟ 

ما يحدو بنا إلى مواصلة البحث عن الحلقة الضائعة في استكمال العوامل ويضعنا على شرفة من تساؤلات :

لو كانت عاهة نعمان في يده أو قدمه أو وجهه، هل كان ليتحول إلى مفترس لا يهدأ إلا بعد نحر ضحيته وشم رائحة الدم على حد ما ذكر الكاتب؟ . 

هل اختلاف درجة الإعاقة وتعاظمها مبرر كاف للشروع بالقتل المتسلسل؟ 

إذا كانت الحرب بمفردها بما تلحقه بالإنسان من إعاقة على اختلاف صورتها، ستتسبب بارتكاب كل مصاب لجملةً من المجازر بحق الأبرياء، لباتوا مبعث رعب وتوجس و لحذرهم كلُّ من حولهم و نؤوا بأرواحهم بعيداً عنهم، ربما لحدا الأمرُ بالدولة لأن تقصيهم عن الناس في عيشهم.

تختلف استجابات الأفراد لصدمة الإصابة في الحرب وتقع على مستويات فمنهم من تنال من بنيانهم النفسي بالاكتئاب الدائم لكونها إصابة بالغة في نرجسية حبهم لأنفسهم وذواتهم وصورتهم الطبيعية منذ الطفولة المبكرة.

  إلا أنهم  يتعايشون على مضد دون أن يلحقوا الأذى أو الموت بغيرهم،  أما نعمان فإنه يتبع المستوى الآخر المرتبط بعظم درجة الإعاقة و بالاستعداد المسبق والتاريخ الشخصي، فما كان ذلك الحادث سوى المفجر المنشط لدافع القتل وما كانت صدمةُ الإعاقة التي تعرض لها والمحدثة لطعنة في لب رجولته، سوى دوسة على لغم مطميٍ تحت الرمال حفزت الاستعداد وطاقة الإجرام الداخلية وأيقظت الجينات الوراثية ومحتوياتٍ كامنة غافية  في قعر بنائه النفسي، فأثارت إعصاراً ، واندفعت في صخر صدمته نصالها المثلَّمة بفعل مؤثرات التحضر والثقافة والاحتكاك بالحياة المدنية لتستعيد مجدداً حدتها وتنبعث فيها شهوة استنشاق الدم ففعلت فعلها فيمن حوله من أصدقائه دون أقربائه أو أعدائه.

 فانتصر الاستعداد حين أيقظته تلك الظروف الخارجية و أسفر عن خلل نفسي وفقدان التوازن العقلي مما يمكن مقاربته من الفصام أو الذهانية  فكثيراً ما كان الكاتب يُورِد عن نعمان : " كان يهذي ويقول ..."

 الدافع قوة نفسية تبنى عليها النية في الإجرام فطرية كانت أو مكتسبة والتي بدورها توجه الإرادة نحو الفعل، ويقظة الأنانية مع الدافع المشحون بمصدَّرات التطرف كانت محفز نعمان  لقتل حبيبته، فهو يخشى أن تتركه وهو يعشقها عشقاً لا حدود له فتذهب إلى سواه.

 وبناء على ما أورده الكاتب عن التعصب و صور تطرف الإنسان العراقي كتطرفه في حبه وكرهه، فإن ذلك سيضيف إلى الدعائم التي قامت عليها الجريمة دعامة لا يُستهان بها، جعلت ذلك الحب العميق يتحول إلى حقد أعمى البصيرة يسفك دم الورد بوازع شرِّ يمضي به بلا رادع وبلا هوادة ويهوي به في قيعان الضلالة والكفر، لتدفعه النقطة الأعمق في داخله والأشد نحراً إلى تحطيم المرآة التي ستبقى مدى الحياة تعكس له صورة عجزه وتجعلها ماثلة أمام ناظريه متمثلة بسناء، والتي ستكون طعنة مضاعفة في نرجسية اعتداده برجولته.

 فهو لم يكترث لكلامها من أن الحب الروحي سيبقى يجمعهما، ولم تشفع لها توسلاتها ومناشدتها للمروءة والنخوة التي تشهد لها وتتحدث عنها الرمال، وتذيعها في عُرف الشعوب حين  تبعثرها الرياح:

"أستجدي نخوتك و أستصرخك أن تنقذني من هذا الخطر، دعني أرحل وأعطيك عهد الله أن هذا الذي دار بيننا سيبقى سراً .. وما أكبر أملي فيك يا رجل، ثم إنك عربي ومن شيم العربي حماية الدخيل، أنا لست ضيفتك. دخيلة عندك. فماذا تقول لمن يستجير بك؟"

فالقيم والمبادئ المكتسبة  كلها  لم تفلح في إنقاذ الحب وهدايته وثنيه عن قراره، هذا وقد ذكر الكاتب بين زخم السرد الوصفي أنها كانت سافرة بوقار لكنها ليست متبرجة.

 وإلا فكيف يقود الحب العميق إلى قتل الحبيبة والسكينة والارتياح لاشتمام رائحة دمها والحب رحمة وحنان وإيثار وعطاء؟! 

ثمة مفارقة بين العاشقين و ظروفيهما أيضاً، محمود أحب سناء فأخذها القدر إلى غيره، حضر الحفل وبارك لهما بخطبتهما والأقرب إلى الواقعية عدم احتماله الحضور لكونه أحبها حتى أنه حين اختفت وبدأ البحث في أمر اختفائها وتعممت صورتها في محافظات العراق كلها تذكرها بألم وحزن وحسرة.

 أن يكون مراد الكاتب في حضوره الحفل دفع عتب و محاولة مواراة خسارة، أفضل من أن يكون محاولة في إضفاء السلوك المثالي على الموقف إلى حد مبالغ فيه.  فنعمان أحبها وعلى إثر إعاقته قتلها!

النص يشرع الأبواب أمامنا الكثير من المنعطفات والتساؤلات والغموض يتمدد في الفراغ، لو كانت الإصابة في غير ما هي عليه هنا، هل كان نعمان ليتحول إلى قاتل؟ مع الأخذ بالحسبان أن الكاتب بنى العقدة الثانيةَ الترتيبِ في السرد على نقطة الإعاقة هذي؟ هل كل من تعرض إلى مثل هذا العوق والعجز سيشكل مصيدة للآخرين ؟ لو ذهبت سناء إلى غير نعمان بينما هو معافى هل كانت العواقب لتكون على شاكلة ما آلت عليه؟

بلا شك ستكون صدمة لكنها ستتلاشى مع الزمن شأنه في ذلك شأن كثير من العشاق ممن لم تجمعهم الأقدار .. تتمثل في هذا التساؤل مفارقة قوامها التناقض من أن فقدان فعل الغريزة الحيوانية في الإنسان يمكن أن يفقده إنسانيته ويحوله إلى حيوان مفترس في حين أن فقدان العقل في الحيوان هو ما يجعله حيواناً.

ذكر الكاتب: " كل ما فيك يصرخ : كفى. لقد تعبت. لماذا اختزلت كل رؤاك في القتل؟ ولماذا يتناسل فيك البغض، فيلد أجيالاً من الكراهية؟ "

قوله" تعبت" إنما التعب حصيلة تصارع قوتي الخير والشر في كيانه المتحرك و رفضه لطغيان الثانية، وقوله يتناسل فيك البغض فيلد أجيالاً من الكراهية" إنما فيه ترجيح للعامل الوراثي في اكتساب الصفات النفسية. ، فلو اعتبرها الكاتب حالة عرضية نافرة تسببت بها الحرب لتوقف الأمر عند حدِّ نعمان، ولَمَا استشرفَ الكاتب استمرارها لأجيال وتناسلها لعقود زمنية ...

 فسلوك نعمان الإجرامي لا يمكن إرجاعه إلى عامل محدد وإنما نتيجة تضافر العوامل الخارجية مع الداخلية، والحرب تستثمر كافة العلل المبثوثة المرسخة التي يصدرها الجهل والتخلف وتنجب الكثير من القتلة والمجرمين، تدأب في توجيه دفتها نحو ما يخدم أهدافها ومصالحها من  تضارب وتنافر الأفكار المجتمعية والطائفية والعنصرية والروح القبلية والعشائرية التي تهيئ التربة الصالحة لدوام النزاع والتصادم والصراع واستمرار عمل رحاها في الطحن و تفشي الجريمة والقتل ليكون نعمان أحد ضحاياها التي ألحقت بدورها الموت بمن حولها.   

وعلى ذلك كله فإن نظرية لومبروزو فيما أتت به مما يخص الصفات البيولوجية لم تنطبق على نعمان، لكن النسخة منها والتي نصت على الارتداد الخلقي والاندفاع إلى بدائية الإنسان بفعل عارض مؤثر لامست بعضاً من جوانب شخصيته .   

فيكون مختزل الحدث : الحرب قتلت ذكورته وحبه للحياة  فأنامت عقله وصوابه وأيقظت دافعاً كامناً حفزه على قتل حبيبته وزجَّه في هوة من العذاب، وهو ذاته ما تعاظم على إثر فقدها وجعله يواصل ويتابع المضي إلى حيث يقتل أقرانه وأصدقاءه المقربين إلى قلبه دون أعداءه..

لكن يبقى السؤال حائراً يبحث عن إجابة حييّة قد تكون متوارية خلف ظلال المعنى و راسبة في ختام الرواية: إذا كانت العاهة قد فجرت دافع الأنانية في تملُّك الحبيبة ليوجهه إلى قتلها ، فما هو دافعه لاستكمال حلقات سلسة القتل من بين أصدقائه دون أقربائه أو أعدائه؟!

قد يجد هذا السؤال صدى جوابٍ فيما لو أمسك بيد نظيره الآخر وواصلا البحث معاً : لماذا اختار الكاتب الشخصية المنتمية إلى الأصول الصحراوية ولم يخترها من الأصول المتمدنة الحضرية.؟

إذ أنه ليس من الصواب مطلقاً تجاهل القارئ وجود هذي الثغرة وأخذها على محمل الصدفة والقبول على ما أتت عليه من شاكلة،  والاكتفاء بالمضي مع كاتب وضع بين يديه نصاً يسكب محتواه في قالب خياله وتفكيره فيقف عند حد قراءته والاستمتاع بما أملى به عليه،  بينما يضعك النص أمام تساؤلات أثارها كاتب صاغ الحدث بفطنة ودراية ،وليس من الصواب في الأمر أن يقتنع هذا القارئ بفكرة قتل الأصدقاء بعد قتل حبيبة تسكن لب الروح، دون شكه بوجود حلقة مفقودة، إطارها بلا شك موجود في السرد، من الممكن أن يكون إيحاء  أو جملة غير مكتملة مثلاً أفرغت من مباشرة معناها. 

أشار الكاتب إشارة واهية إلى أن القطة قد نظرت في إثر جاسم وقالت في قراره نفسها: "وهي تموء محركة ذنبها كأنها مستغربة هذا التغير المفاجئ في وضع صاحبها و بين حين وآخر تلتفت نحو جاسم وهي تموء، كأنها تقول له ارحل فلقد نجوت من شيطان النفق."

برغم إيراد الكاتب لهذا الحدث إلا أني استبعدته،  أن يفكر نعمان بابن عمه جاسم كمشروع ضحية. ليس لأنه ضابط مسلح في مكافحة الإجرام فمن الممكن الغدر به من الخلف في النفق. وإنما صلة الرحم والقرابة موجب كاف لردع نعمان عن الشروع حتى بالتفكير بذلك. سألتمس المثل العربي المعروف : " أنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب" هذا وإنه وحيد لا أخ له، ويجد في ابن عمه ما افتقده من غياب أخوة له منذ الطفولة فيتحقق له شيء من التوازن النفسي في حياته ولهذا فإن قتله له بمثابة قتل الأخ للأخ.

ثم لماذا لم يقع اختياره عليه فسارع  إلى قتله مذ رآه أمام منزل أحد ضحاياه" ناصر" أيان كان يخطط لسوقها إلى النفق؟ وكان جاسم  قد استوقفه آنذاك وسأله عما يفعله هناك، وبالتالي سيكون مستقبلاً شاهداً على تردد نعمان على منزل الضحية عندما تختفي.

ومن جهة أخرى كيف له أن يقتل من يمكن أن يكون من ضمن الأوصياء على قطة تمثل روح أمه. وهذا ما حدث فعلاً فيما بعد ، فهو قبل انتحاره كان قد ترك له وصية بها. ما يضع على منبر البيان  أن جاسم  يقع  في مصاف الأخ  الموصَّى  بأم له، في ظل كونه وحيد أبويه.

كان الجدال بينهما شجاراً ذا حدة، لكنه لم يكن يوحي بخطورة يستشعر القارئ عواقبها كما حدث في مواقف الضحايا السابقة، فلو نوى ذلك لاحتقن وكظم غيظه ولمَا غضب و أخبره  بما يضمره من بغض للجميع، فهو لطالما ساق ضحاياه خداعاً على عميٍ من بصيرتها بالقادم . فكل ما في المشهد لم يكن يزرع في وجدان القارئ توجساً أو ارتياباً. وإن جارينا ما أتى به الكاتب في الوصية من أن جاسم قد نعم بالأمن والسلامة، إنما كان الأمر تجلياً لتواطؤ صدفة قدوم ناهض مع العقل الباطن لدى حقيقة داخل نعمان الذي لم يكن يوماً ليفكر أو يسعى لإيذائه أو يقدم على التهور في سفك دمه من جهة ، و بالتالي تسيير قناعة الكاتب في الحقيقة وتسييره للحدث بحيث يقصيه و ينحيه عن السوء ليسلم فما كان ذلك إلا انطلاقاً من واقعية رؤياه للأمر. وإِلّا لمَ جعل الأصدقاء يقعون في براثن المصيدة ويكون الوحيد الذي يسلم بينهم قريبه؟!  فما رأيت في سوق الفكرة سوى ضرباً من المواراة والمناورة لقناعات القارئ، والتماس الحذر خشية التعرض للوم ، فهو لمرات كرَّر :" بعض أبناء البداوة ، بعض هؤلاء من أهل الصحراء ، .. " في محاولة استثناء فئة لا ينطبق عليها الكلام المذكور خشية الوقوع في شائكة الإثبات بالتعميم. فسوق الكاتب لهاجس القطة المتوجس والمطمئن فيما بعد :" تلتفت نحو جاسم وتموء كأنها تقول له لقد نجوت من شيطان النفق"  لا يخرج عن كونه ارتداداً لا شعورياَ من الكاتب إلى خيالات عوالم روحية بعيدة تسبح فيها مخاوف أم متوفاة في عالم آخر تخشى أن يتهور ابنها في إيذاء ابن عمه، استحضر موقفها عبر قطة أليفة سوداء كعباءة أمه كانت ترافق نعمان وترمز لها ما أضفى على المشهد ظلالاً درامية فحواها أن الأرواح تبقى على اتصال وتواصل روحاني مع أحبَّتِها  بعد الممات.

لنمضِ مع السرد ولنقل: إذا كانت له حجته المدعمة المقنعة في أنه سبق وأشار إلى مفعول التطرف في ارتداد المشاعر إلى النقيض والصورة المعاكسة، و بالتالي ارتداد الحب الكبير إلى الحقد الكبير الذي يجرد الإنسان من إنسانيته ويحوله إلى أداة قتل. وحقيقةً فإن نعمان لم يقتل إلا من أحبهم، لكن من أحبهم من أصدقائه فحسب، وماذا عمن أحبهم من  أقربائه؟ أو ماذا عن أعدائه؟

أوما كان انتقامه من عدو لينطوي على شيء من الإقناع؟ أم أن أصدقاءه في عمق المرجعية هم من يمثلون أعداءه؟!

يحب ابن خاله محسن لماذا لم يفكر بقتله،  مثلاً ؟ وبينهما احتكاك. ليس لأنه يدير أموال عائلة نعمان فهو غني عن خدماته،  إيراد جاسم ضرب من التورية، و محمود شريكه في حب سناء،  لماذا لم يكن من ضمن قائمة اختياراته؟  هل في اسمه شيء من الدلالة؟ وفي الوقت ذاته نقول أنه لم يُشر إلى ألوان وأطياف ضحاياه ولم يوظف أسماءها في هذا الغرض فتفضي إلى وضوح سوى ناصر ابن الناصرية " ناصر ناظم مهند وشرطيان " رغم تقديمه  لها على منبر من التعريف والإيضاح.

ما يتضح أن الدافع اللاشعوري كان متجهاً نحو من كانوا خارج زمرته من أحبابه وأصدقائه المخلصين الذين لا تربطه بهم صلة القرابة، حتى أن الكاتب تعمد ألا يوظف دلالة الأسماء في الحدث بطريقة تضيء المضمر، وإلا لن تكون هنالك فجوة  يشتغل بها الذهن، فتسلِّم الرواية نفسها للقارئ بسهولة.

 إلا أنه أسقط جملة في وصف سناء لم تأت عن عبث وَهَتْ في زخم من التوصيفات والصور في جمالها ورقتها وأنوثتها وذكائها ونسبها ورقيها ..إلخ : " لم تكن سافرة متبرجة لكنها كانت سافرة بوقار ورزانة شأنها شأن بنات جيلها .."

في التعبير تمييز بين السافرة المتبرجة، والسافرة بوقار بلا تبرج ،  فـ "لكنّ" تفيد الاستدراك، فحين ذكر الكاتب الشقّ الأول من الكلام استدرك نفسه في الأمر وأتى بعد "لكنّ" بما بدا كمبررٍ يضعه أمام القارئ لغرض بيان أن سفورها إنما كان باتزان،  ثم أردف ملتمساً لها المبرر الآخر لسفورها، بأنها تجاري أترابها من حولها في محيطها. دون أن يتطرق إلى انتماء يتيح لها ذلك.

هل يمكن أن تنطوي هذه الجملة على المفتاح الأخير في الحاملة.  من يطاوعه قلبه على قتل من كانت أقرب إنسانة إلى قلبه وروحه لن يتورَّع عن فعله فيمن هم أقل قرباً من القلب!

 ثم إن نعمان كان يختار ضحاياه حين يستذكرهم ولم تكن صدفة اللقاء هي ما تجمعهم، ما يعني أن قتله واع في انتقائه واختياراته ضالٌّ في مبعثه اللاشعوري الموجه، فهو لم يقسو أو يؤذِ القطة التي كانت حين تهيج و تثورو تهجم عليه بمخالبها وتتعلق برجليه لتمنعه وهو في جحيم  الجريمة حيث يتطاير شرر الشرِّ من عينيه،  لتمثُّل روحُ أمه فيها.

ثم هل يعقل أن يكون ابن وحفيد الصحراء متطرفاً في مشاعره وأفكاره  دون أن يكون متطرفاً في ثقافته ومعتقداته وعقائده الدينية؟!!

 إنما ينبع التطرف من القانون الأول والأصل والمرجعية الأولى التي تحقن باطن الإنسان  بثوابتها  ومملياتها،  والتطرف مفرز التخلف القائم على الفكر الأعمى الموبوء الذي يزرع في الإنسان الضدين، وقد أشار الكاتب إلى تفشيه في المكان: "فلا غرو أن يكون متطرفاً في كل شيء في حبه وكرهه في كرمه وبخله في إيمانه وكفره في عنفه وتسامحه في حربه وسلامه .."

هل انبجس مفرز التطرف بالدين والتطرف في الحب مع دافع الأنانية بتملك حبيبة وبالأحرى قتلها بعد أن ألحقت الحرب به إعاقة جسيمة وأحدثت خللاً في بنيانه النفسي والعقلي حتى انقلبت الأشياء و الموازين إلى نقيضها، وأسفرت عن الوجه الآخر، فأحالت الحب إلى بغض يوجه أنظار اختياراته نحو حبيبة و أصدقاء خارجين عن زمرة دمه....!

هل انتصرت الحرب في ميادين القتال ومرة أخرى في ميادين الحب والوئام .. بالورقة الرابحة ذاتها؟

كيف تتصارع القيم ويحتضر العدل والسلام في جلبة ومعمعة هذا الفضاء الروائي المُستنسخ عن الواقع دون أن يقف الدين خلفه...

نجح الكاتب وبقوة عبر أسلوب تصويري استنباطي ، في بناء شخصية كانت نقطة تمايز في مبنى الرواية بمكوناتها المتفردة، ومحاصرتها بالمروجات والاستعدادات والظروف المختلفة التي صلبتها على قارعة الجريمة لتؤدي دورها الفاعل في الحدث وتقدم للقارئ  أنموذجاً  لشخصية لا ترافق خيالاته ليس في القراءة فحسب، وإنما تصبح بما انطوت عليه من متناقضات صورة حية راسخة في ذهنه لشخصية متفردة في حيثياتها، فكانت ثمرة شوكية نتجت عن تضافر و اندغام العوامل الخارجية والداخلية في يباب الروح وخذلان الذات ، تلاقحتا  فأنتجتا الجريمة، واستمرَّتا في تناسل أجيال تحمل طلائع الموت ...

يُتبع  .....

 

رحاب عوض

 

عصام شرتحتهدف الدراسة إلى  كشف المؤشرات الجمالية الإبداعية التي ترتكز عليها قصيدة (عصفورة القلب) لوهيب عجمي من حيث الفاعلية، والقيمة، والاستثارة الجمالية؛ إذ إن الكشف الجمالي عن المفاصل النصية الحساسة في القصيدة يضع القارئ في صلب العملية الإبداعية في الكشف النصي؛ وهذه قمة الفائدة المرجوة من مثل هذه الدراسات الكشفية أو البحثية؛ أنها تضع القارئ في محرق الفاعلية النصية، لأن أية قيمة جمالية تستحوذها القصيدة لا تأتي عن عبث، وإنما تأتي عن إحساس جمالي، وخبرة إبداعية في تشكيل القصيدة، لتستحوذ على إيقاعاتها الجمالية، ومن أجل هذا، جاءت هذه الدراسة لتكشف عن الخصوصية الإبداعية لقصيدة (عصفورة القلب) لوهيب عجمي المميزة في إيقاعاتها وتحولاتها الجمالية التي ترتكز عليها في بث دلالاتها ورؤاها الغزلية، بإحساس جمالي وحساسية إبداعية في تشكيل الصور الغزلية واستثارة إيقاعاتها الجمالية الحساسة.

وتأكيداً على هذا، فإن الكشف عن مثيرات اللذة الجمالية – في هذه القصيدة - يعني الكشف عن كل المفاصل النصية الحساسة التي تجعل هذه القصيدة قمة في الإحساس والفاعلية والطاقة الإيحائية المركزة. 

أولاً- نص قصيدة (عصفورة القلب):(1)

1- يا منْ بلغتِ من الجمالِ فصولا   ومهدتِ في أدبِ الغرامِ حقولا

2- هيا اغرسي عشقاً بقلبِ قصيدتي   فالشعر يغدو بالعشيقِ جميلا

3- تمسي الحروفُ كواكباً بل أنجماً  وتعيشُ في كبدِ السماءِ طويلا

4- فوحي بعطركِ في الصباحِ تألقي    وتلبَّسي نجمَ الضحى إكيلا

5- عصفورُ قلبي تائهٌ في عشهِ    والغصنُ يشكو في الفلاةِ ذبولا

6-حوريتي  أنت الحياةُ وجنتي         وبغير هذا أهملُ التعليلا

7- مُدِّي ذراعَكِ تحت رأسي حلوتي   أوليس لمسك بالشفاءِ كفيلا

8-أولستِ من أحيا فؤادي كلما       وقعَ الفؤادُ على يديكِ قتيلا

9-طلّي وغذي مهجتي بأناملٍ   ببنانِ سحرٍ ترفضُ التأجيلا

10- وتوضئي بالحبِّ صلي للهوى   وضعي لدين العاشقين أصولا

11-أوليست الأعمارُ إلا كذبة            تلهو بحلمٍ يعتريكِ قليلا؟

12-تباً لعمرٍ دونَ حبٍ ينتهي    والعمر يهوى في الورى التنكيلا

13-هيا إلى بحري تعالي موجة ً   وتعمدي للسابحينَ وصولا

14-إني اعتنقتُ الحب في مهدي وقد   أصبحتُ للحب الكبير رسولا

15- عيناكِ آياتُ الجمالِ وإنها     من ربنا قد أنزلتْ تنزيلا

16-فسرحتُ أهذي غارقاً في وصفها    لغة الهوى بدَّلتها تبديلا

17- دوَّنتها وقرأتها فعشقتها       وبمعبدي رتلتها ترتيلا

18-والفجرُ عند بزوغه لما يجد   إلاك في قهرِ الظلام سبيلا

19- فسعى إليكِ مع النسيمِ بشمسه  حتى تكوني للضياءِ دليلا

20-وتفتحت مهجُ الورود بفجرها   وتناغمت قممُ الخيالِ صهيلا

21-فهممتُ في وجه الصباح مقبلاً     ثغر الحبيبةِ والسنى تقبيلا

22- أيقنتُ أنك في الحياةِ منارتي   لما أضأتِ بصدري القنديلا

23- أحسست قلبي للحبيبةِ دوحة ً  غرستْ  بها فوقَ الوريدِ نخيلا

24-شغفٌ بها عند الأصيلِ تمايلتْ    همساً وجفناً ساحراً مكحولا

25-وعزفتُ ألحاني   بروحِ قصيدتي  فسمعتُ في بيت القصيدِ هديلا

26-وغسلتُ أوجاعي بآهاتي وما    وجدَ الفؤادُ مع الغرامِ حلولا

27-(هلي) إليَّ بكل حسنكِ أنعشي    قلبي الجريحَ واستبظئي التهليلا

28- هيا اشرئبي كالحمائم للسما   ماكانض فجركِ في البزوغِ خجولا

29- وتفتحي وردَ القلوبَ بواحتي   ماكان وردكِ بالعطورِ بخيلا

30- في بحري اغتسلي ليغدو ملحُهُ   عسلَ الشفا لايقبلُ التأويلا

31- أيقولُ حسادي بأنكِ خمرتي    ماهمني في سكرتي ما قيلا

32- خمر الدوالي ما أطاحَ بصحوتي  لكن كأسكِ يرفعُ المفعولا

33- طرزتُ حرفي بالبلاغةِ متقناً  ألبسته لحبيبتي منديلا

34- شمس المحاسن من جبينكِ أشرقتْ   وأحبُّ فيكِ قوامكِ المصقولا

35- لاتطفئي ناراً بقلبي أشعلتْ  بل أضرميها بكرةً وأصيلا 

علم الجمال الشعري:

قد يختلف معنا الكثيرون، هل ثمة علم يدعى علم الجمال الشعري أو النصي، وإذا كان  ثمة علم يدعى علم الجمال الشعري، من هم أبرز النقاد أو العلماء الجماليين  الذين ربطوا الجمال بالشعر ،والذين ربطوا فن الجمال بعلم الجمال الشعري؟ نقول :إن علم الجمال الشعري علم قديم ، بحث فيه النقاد القدامى كأفلاطون وسقراط ضمن ما يسمى  علم الجمال، ومؤثرات الفن، وفلسفة الفن، ولما كان فن الشعر من الفنون القديمة  فإن كل النقاد ربطوا الفلسفة بالشعر، وربطوا الشعر بالفلسفة، وأهمها  ما يدعى بفلسفة الجمال الشعري، وهذا يدلنا على أن الفكرة موجودة منذ القدم ، لكن انشغل الفلاسفة بقضايا عامة ما التفتوا إلى المسائل الخاصة، لاسيما علم الجمال الشعري، الذي هو علم جمالي رفيع المستوى؛ وقد حاولنا في دراستنا النصية هذه أن نمهد لهذا العلم الجديد بشقه التطبيقي عند شاعر جمالي هو وهيب عجمي، شاعر استطاع أن يقرن الجمالية بالعلم، والفن بالفكر ،والفلسفة بالرؤيا، والإيقاع باللحن الروحي، والغناء بالكلمات المموسقة وإيقاعاتها المتناغمة؛ ويعد الشاعر وهيب عجمي من الشعراء المؤثرين الذين أثروا الساحة الشعرية بقصائد لوحاتية غاية في الفهم، والإدراك ،والحساسية الجمالية من حيث بلاغة الرؤيا، وعمق المنظور الفني أو الجمالي، لتأتي قصائده غاية في الاستثارة، والبلاغة، والتأثير.

وبمنظورنا: إن  الشعرية – عند وهيب عجمي- مثيرها دائماً كل ما هو جمالي في الرؤيا، والتشكيل، والهندسة اللفظية، وعمق المتخيل الشعري، فالقصيدة- لديه - دائماً - مسرح جمالي يشكله العجمي بإحساس واقعي عياني مباشر، يحرك الجماد، ويؤنسن الأشياء المحيطة أمامه لتتمثل في تجربته، وكأنها شخوص حية، وهو ينظر للشعرية من منظار كل ماهو حي، ومن منظار كل ما هو متحرك ومتبدل كما وجه الحياة،أي نظرة العجمي للجمال نظرة عميقة تنطلق من الطبيعة لتعود إليها، ولهذا كل المشاهد في عيني العجمي متحركة تموج بالحياة، وهذا دليل نظرته المتحولة جمالياً أو المفلسفة للواقع والوجود والحياةن إذ يقول:" كل شيء في عيني الشاعر يموج بالحركة لا يوجد في رؤى الشاعر ما هو ثابت ، كل يوم في حياة الشاعر عالم جديد  منفتح على الحياة، فالشعر لعبة من ألاعيب الحياة، وفن من فنونها،وهل ثمة فن أعظم من فن الحياة، فما دام الوجود متحركاً بالتأكيد فإن مخيلة الشاعر متحركة كما هي الحياة في الواقع العياني المباشر، وأبداً ما عشت القصيدة رهين محبس الوجود كما المعري أعيش الحياة بمتنفس الحياة ذاتها ، فكما أعيش يومي الحياتي أعيش حساسية القصيدة، وكونها، وهواءها، ونفسها  في داخلي، فأنا مسكون بالقصيدة، والقصيدة مسكونة في روحي أشكلها بطينة التجربة، وعصارة الخبرة والمهارة، والوعي الجمالي، ما كنت يوماً رهين المحبسين كما المعري، فأنا رهين فضاءات الرؤيا، وحداثوية المنظور الجمالي للحياة في أدق تفاصيلها"(2).

وهذا يعني أن العجمي يعتبر الحياة مادة الفنون قاطبة، فلكل فن مادته وفن الشعر تحديداً مادته الطبيعة ووسيلته اللغة الشعرية الموقعة، التي تختلف من شاعر إلى شاعر آخر، تبعاً لفاعلية الرؤية وحساسية المنظور الإبداعي الخلاق.

والسؤال المهم الذي نطرحه على خارطة التداول النقدي؟

هل ثمة ميزة أو قيمة أسلوبية يمكن أن نسم بها قصائد العجمي كلها؟  هل ثمة تغيراً أو اختلافاً في منظورها الإبداعي؟ بمعنى أكثر دقة: هل لقصائد العجمي ميزة إبداعية تميزها عن بقية القصائد عند شعراء الشعر التقليدي الكلاسيكي؟

هل ثمة حداثة في القصائد الكلاسيكية ؟ وأين تكمن حساسيتها الجمالية؟

لاشك في أن لقصائد العجمي حداثتها ومنظورها الحداثوي وإن اعتمدت الشكل التقليدي في اتباع البحور، والتزام القوافي..وهذه الحداثة اختلافية الرؤى والمنظورات والمؤثرات الإبداعية؛ في قصائد العجمي، وماتنوع حداثتها إلا لتنوع قيمها ومؤثراتها الجمالية.

وبتقديرنا: إن العجمي يدرك سر الحداثة، وعصر الحداثة؛ فالحداثة ليست أيقونة ثابتة، أو رمزاً ساكناً؛ إن الحداثة روح متمردة، وثورة معرفية، ورؤيوية، وحركة تصويرية انقلابية تعزف على وتر المتغيرات الدائبة، وسيرورة الحياة المتجددة، ولا يمكن للشاعر أن يكون شاعراً مؤثراً إن لم يكن حراَ في فكره، ورؤاه، ومتخيلاته الشعرية، ومن هنا، فإن من أهم فواعل الرؤيا الجمالية عند شعراء الحداثة بلاغة الرؤيا الشعرية، وبلاغة المنظور الجمالي للقصيدة، فالشاعر المبدع يشكل القصيدة بجمالية مثيرة، وبلاغة آسرة يبني (النص- الكتلة)، أو (النص- اللحمة) الذي يحتاج مزيداً من الانفتاح، والوعي الجمالي، والتخطيط الإبداعي في تشكيله؛ وبهذا المنظور يقول وهيب عجمي:" ما عشت القصيدة كواجب، أو فرض ، القصيدة تتغلغل في مسامات روحي ،وأحاسيسي العميقة، أنا أتنفس في قصائدي عبير الحياة، ونكتها الطازجة بالأرض وعبيرها وعرق الفلاح العطرة. والفكرة الشعرية - عندي- وليدة لحظتها المتوترة، وسخونة الأحداث، والوقائع اليومية؛ أنا أكتب القصيدة بفاعلية، وجمال، وحياكة عالية في التشكيل والتركيب ولهذا، أتصيد الصور الحساسة التي تفيض بشعريتها ورؤيتها الخلاقة بالمعاني والدلالات الجديدة. ولا أنتمي إلى مدرسة في الكون إلا مدرسة الجمال، والفن، وكل ما يثير الفن يثيرني، وكل ما يحرك الجمال يحركني ويشدني "(3).

بهذه الرؤية التي يطالعنا بها العجمي نؤكد أن وعيه الجمالي، وقدرته الفائقة على ابتعاث، وخلق الصورة التشكيلية الجمالية جعلاه يهندس القصيدة هندسة لفظية وجمالية؛ غاية في الاستثارة، والبلاغة، والتأثير، وكما قلنا : إن عنصر الاستثارة الجمالية التي تحفل بها قصائده ترتكز على فواتحها، أو عتباتها الاستهلالية من حيث القيمة الجمالية المحكمة التي يستهل بها قصائده، لتأتي ذات قيمة عالية في الحراك الجمالي على مستوى الأنساق والتشكيلات الشعرية المراوغة، كما في هذه الفاتحة التي استهل بها قصيدته (عصفورة القلب) المهداة إلى زوجته، إ ذ يقول فيها:"

1- يا منْ بلغتِ من الجمالِ فصولا   ومهدتِ في أدبِ الغرامِ حقولا

2- هيا اغرسي عشقاً بقلبِ قصيدتي   فالشعر يغدو بالعشيقِ جميلا

3- تمسي الحروفُ كواكباً بل أنجماً  وتعيشُ في كبدِ السماءِ طويلا

4- فوحي بعطركِ في الصباحِ تألقي    وتلبَّسي نجمَ الضحى إكليلا

5- عصفورُ قلبي تائهٌ في عشهِ    والغصنُ يشكو في الفلاةِ ذبولا

6-حوريتي  أنت الحياةُ وجنتي         وبغير هذا أهملُ التعليلا

لا شك في أن  الشعرية قيمة تحولية غاية في الاستثارة، والحساسية، والجمال، لاسيما عند بعض الشعراء الذين يهندسون الصور والكلمات هندسة بنائية تشكيلية محكمة؛ فالشاعر -هنا- يتلاعب باللفظ، والكلمات تلاعباً فنياً مغرياً في استهلالاته، لتأتي جمالية  التراكيب من جمالية المعاني والدلالات التي تفجرها في النص الشعري؛ أي ثمة تفاعل حقيقي بين اللفظ ودلالاته ، وهذا التفاعل من أهم فواعل الاستشراف الجمالي في ربط الأنساق الشعرية ببعضها بعضاً، وامتياز البلاغة الجمالية التي أغرت النص الشعري، ليثمر برؤيته الجمالية للقارئ، فالقيمة الجمالية قيمة تحفيزية للنسق الشعري، فها هو الشاعر في استهلال تراكيبه الشعرية يستدعي الملفوظات الموقعة صوتاً ودلالة:[عصفور قلبي تائه في عشه/ والغصن يشكو في الفلاة ذبولا]؛ فالقيمة الجمالية للأبيات استشرافية للمعاني والدلالات الجديدة لتأتي موقعة بلاغياً؛ وهذا دليل أن العجمي يبني النص التفاعلي، نص الرؤيا البليغة والمعاني المتجددة.

ولو دققنا في مغريات هذه القصيدة على المستوى الجمالي لتبدى لنا أن المستوى الجمالي منبني على الدلالات المكثفة، والرؤى الصادمة ؛ لتأتي ذات قيمة إيحائية عالية بالتكثيف، والرؤى البليغة ، كما في قوله:

- مُدِّي ذراعَكِ تحت رأسي حلوتي   أوليس لمسك بالشفاءِ كفيلا

8-أو لستِ من أحيا فؤادي كلما       وقعَ الفؤادُ على يديكِ قتيلا

9-طلّي وغذي مهجتي بأناملٍ   ببنانِ سحرٍ ترفضُ التأجيلا

10- وتوضئي بالحبِّ صلي للهوى   وضعي لدين العاشقين أصولا

11-أو ليست الأعمارُ إلا كذبة            تلهو بحلمٍ يعتريكِ قليلا؟

12-تباً لعمرٍ دونَ حبٍ ينتهي    والعمر يهوى في الورى التنكيلا

13-هيا إلى بحري تعالي موجة ً   وتعمدي للسابحينَ وصولا

14-إني اعتنقتُ الحب في مهدي وقد   أصبحتُ للحب الكبير رسولا"

لاشك في أن الشعرية –أساسها- دقة اختيار الملفوظ الشعري،وبداعة الدلالات والرؤى الغزلية ، لتبدو الرؤية الشعرية ذات قيمة ائتلافية تضافرية بين الجملة /والجملة؛ والدلالة /والدلالة، كما في قوله:[ مدي ذراعك تحت رأسي حلوتي أوليس لمسك بالشفاء كفيلا]؛ولو دقق القارئ في المخزون الجمالي للكلمات ،ومستوى تفاعلها وتضافرها في النسق الشعري لخلص إلى نتائج موضوعية، وهي أن القصيدة تشكل منعطفاً مهماً في تحفيزها النسقي؛ مما يجعلها غاية في المباغنتة والحنكة الجمالية:( وتوضئي بالحب صلي للهوى/ تباً لعمرٍ دون حبٍ ينتهي)، فالشاعر هنا يبني الرؤية الشعرية الخلاقة  التي تشي بها إبداعياً. وهكذا، يؤسس الشاعر الدلالات الشعرية على حراك الرؤى البليغة، لدرجة أن الجملة تقتضي الجملة، وتشكل معها فاعلية آسرة، والكلمة تقتضي الكلمة بسيرورة نسقية متضافرة لفظاً ودلالة، وهكذا؛ تتناغم الدلالات الشعرية لتحقق أعلى مستوى تفاعلي مؤثر في النسق الشعري من خلال تفاعل الدلالات والرؤى الشعرية، وهذا ما يلحظه القارئ في تتابع الدلالات والصور الشعرية على هذه الشاكلة من المواربة والاختلاف والتنوع والاستثارة الجمالية.

والملاحظ إبداعياً أن الحنكة الجمالية التي تربط البيت بالبيت الشعرية- على منحى ائتلافي ترسيمي جمالي- حنكة دلالية ترسيمية ،إذ إن البيت الشعري يقتضي جمالية البيت السابق، وجمالية البيت اللاحق دون أن تنفصل الرؤى أو تتشظى، مما يدل على بلاغة خاصة في رسم الصور الشعرية لتحقق مبتغاها الفني، ومقتضاها الجمالي الحقيقي ،كما في قوله:

15- عيناكِ آياتُ الجمالِ وإنها     من ربنا قد أنزلتْ تنزيلا

16-فسرحتُ أهذي غارقاً في وصفها    لغة الهوى بدَّلتها تبديلا

17- دوَّنتها وقرأتها فعشقتها       وبمعبدي رتلتها ترتيلا

18-والفجرُ عند بزوغه لما يجد   إلاك في قهرِ الظلام سبيلا

19- فسعى إليكِ مع النسيمِ بشمسه  حتى تكوني للضياءِ دليلا

20-وتفتحت مهجُ الورود بفجرها   وتناغمت قممُ الخيالِ صهيلا

21-فهممتُ في وجه الصباح مقبلاً     ثغر الحبيبةِ والسنى تقبيلا

22- أيقنتُ أنك في الحياةِ منارتي   لما أضأتِ بصدري القنديلا

23- أحسست قلبي للحبيبةِ دوحة ً  غرستْ  بها فوقَ الوريدِ نخيلا

24-شغفٌ بها عند الأصيلِ تمايلتْ    همساً وجفناً ساحراً مكحولا

هنا،يأتي المقتضى الصوتي والنسقي مقتضى تشكيلي استثاري الرؤية والدلالة؛ لدرجة أن الكلمة تقتضي جمالياً الكلمة التي تليها والكلمة التي تسبقها، لتحقق مبتغاها النصي؛ وهاهنا اعتمد الشاعر بلاغة الكلمة الفعلية في نسقها الشعري، لتثير النسق الشعري، وتعبر عن الحراك أو التحول في الحدث الفعلي، كما في  التحولات الفعلية النسقية التالية:[سرحت- بدلت- دونت- قرأت- رتلت-هممت-أحسست ]؛وناهيك عن بلاغة الفعل المخاطب، وما تصاحبه من حركة للمشاعر(تفتحت- تناغمت- أيقنت-غرستْ- أضاءت-تمايلت)؛وهذا دليل الحراك الشعوري في الأحداث، والمشاعر الغزلية المتوالية التي تبعث الصورة المؤثرة/ والصورة البليغة، والدلالة ومثيلها الشعوري الغزلي في كشف الحالة الشعورية، وما يصاحبها من أحاسيس متوترة غاية في الشفافية، واللذة والإيحاء، والغزل الروحي والصوفي المحتدم بأنثى الكمال أو أنثى الجمال.

والملاحظ جمالياً أن الحراك الفعلي جاء متواشجاً مع كثافة الصور والدلالات والمشاعر المحتدمة التي تباغت القارئ في نسقها الجمالي، بالانتقال من نسق تصويري جمالي إلى آخر، لتبرز الدلالات الشعرية المتوترة ، كما في سلسلة الصور الغزلية الاستثارية المتناغمة :[فهممت في وجه الصباح مقبلاً]، فهذه الصورة الغزلية تقتضي بلاغة الصورة الفعلية المتحركة بإيقاعها:[أيقنت أنك في الحياة منارتي / لما أضاءت بصدري القنديلا]؛ وهكذا تؤدي الأفعال دورها الحركي التحولي في نقل المشاعر الغزلية المصطهجة بالمشاعر الغزلية المكثفة التي تعبر عن بلاغة فنها الجمالي وبلاغة مقتضاها التصويري، ليكون الفعل الرابط أو الفاعل المؤثر في إصابة المقتضيات الشعرية، والعاطفية، والدلالية البليغة في نسقها الشعري.

ومن هنا، يمكن القول: إن شعرية القصيدة في شعر وهيب شعرية كتل نصية متفاعلة،أو لنقل: مكونات أسلوبية ومتغيرات أسلوبية خلاقة بالرؤى والدلالات الغزلية الجديدة، بالانتقال من صورة إلى صورة، ومن دلالة إلى دلالة؛ لتحقق أعلى قيمة في منتجة الصور التشكيلية، وليست البصرية فحسب، أي ثمة تفاعل رؤيوي خلاق بالمؤشرات الجمالية التي يؤسسها العجمي على الباعث الاسمي، ومقتضاها التشكيلي ضمن سيرورة نسقية تفاعلية تدلل على شعرية الكلمة وتفاعلها في نسق الجملة لتثير القارئ بأنغامها، وأصدائها الدلالية الموقعة لفظاً ودلالة، على شاكلة  قوله:

25-وعزفتُ ألحاني بروحِ قصيدتي  فسمعتُ في بيت القصيدِ هديلا

26-وغسلتُ أوجاعي بآهاتي وما    وجدَ الفؤادُ مع الغرامِ حلولا

27-(هلي) إليَّ بكل حسنكِ أنعشي    قلبي الجريحَ واستبظئي التهليلا

28- هيا اشرئبي كالحمائم للسما   ماكانَ فجركِ في البزوغِ خجولا

29- وتفتحي وردَ القلوبَ بواحتي   ما كان وردكِ بالعطورِ بخيلا

30- في بحري اغتسلي ليغدو ملحُهُ   عسلَ الشفا لا يقبلُ التأويلا

31- أيقولُ حسادي بأنكِ خمرتي    ما همني في سكرتي ما قيلا

32- خمر الدوالي ما أطاحَ بصحوتي  لكن كأسكِ يرفعُ المفعولا

33- طرزتُ حرفي بالبلاغةِ متقناً  ألبسته لحبيبتي منديلا

لاشك في أن الشعرية – في المحصلة عند العجمي- تأسيس كلمات ،وحرفنة نسقية في رسم أبعادها، ورؤاها الشعرية، إذ إن الشاعر يتلاعب بالنسق الشعري جمالياً، بالانتقال من صورة إلى صورة، ومن رمز دلالي إلى آخر، لتبرز الدلالات برؤاها المكثفة، ومؤثراتها البراقة على شاكلة قوله: [طرزت حرفي بالبلاغة متقناً-في بحري اغتسلي ليغدو ملحه عسل الشفاه لايقبلُ التأويلا]؛ فهذه الصور لايشكلها إلا شاعر مترف المخيلة والحساسية الجمالية التي تتناغم مع الموقف الشعري بكل ما يتضمنه من قيم جمالية مؤثرة؛ وهكذا ، يؤسس الشاعر إيقاع قصائده على بلاغة الدلالات الشعرية ،وقيمة مؤثرها الجمالي ، لتأتي القفلة شاعرية ذات إيقاعات تصويرية متلاحمة، وكأن العجمي يرسم الكلمات رسماً دقيقاً بريشة فنان تشكيلي، يعي جمالية الكلمة وإيقاعها الصوتي الخلاق، الذي يستثمر جميع القيم والطاقات الجمالية،كما في قوله:

34- شمس المحاسن من جبينكِ أشرقتْ   وأحبُّ فيكِ قوامكِ المصقولا   

35- لا تطفئي ناراً بقلبي أشعلتْ  بل أضرميها بكرةً وأصيلا

36- أنا من تشظى بانفجار قصيدتي  وغدوت في نعشِ الهوى محمولا

إن الخاتمة النصية هنا، تحقق جماليتها بإيقاع  تحفيزي من خلال دهشة ما تشير إليه من دلالات، ومعانٍ، ورؤى، غاية في التحفيز والتفعيل النصي، وهذا دليل بلاغة فنية، و حنكة جمالية عالية في اختيار الكلمات، ورسم منعرجاتها الشعورية الإيقاعية بكامل حراكها الأسلوبي وانفتاحها النصي؛ أي انها ذات ترسيم جمالي في في اختيار الكلمات الشعرية المتناغمة مع الموقف الشعوري الغزلي الملتهب؛ وكأن كلماتها  من الدرر الجمالية في متحف الشاعر وهيب عجمي الغني باللوحات، والصور، والتحف الفنية، مما يجعلها ذات قيمة جمالية عالية تؤسس شعرية النسق الجمالي، وبعدها الفني الاستشرافي الجمالي الدقيق.

وهكذا، تحقق القصيدة قيمتها الجمالية عبر مؤثراتها التشكيلية لترقى أعلى مستويات الاستثارة، والبلاغة، والتأثير؛ وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على روح شاعرية مؤثرة باتجاهاتها كافة.

وصفوة القول: إن  مثيرات اللذة الجمالية – في قصيدة( عصفورة القلب) لوهيب- تكمن في بلاغة الرؤية الجمالية، وحساسية الصورة الغزلية المتناغمة في إيقاعاتها التشكيلية المتآلفة صوتاً ودلالة مع حرارة الموقف العاطفي المجسد، لدرجة أن القارئ يتلذذ بالتناغم الجمالي بين الصور الشعرية ، لتحقق إيقاعاتها الجمالية المتناغمة، وهذا يعني أن المهارة الإبداعية الخلاقة التي تشي بها تؤكد أن العجمي شاعر الرؤية الغنائي الأول في الشعرية العربية المعاصرة، من حيث المهارة الإبداعية في الوقوف على جماليات رؤيوية بليغة في تشكيل القصيدة المراوغة بإيقاعاتها ورؤاها الغزلية الرومانسية الخلاقة، وهذا دليل أن الفكر الجمالي الإبداعي الذي تستحوذه قصائد العجمي ومن ضمنها هذه القصيدة فكر غنائي، والغنائية في قصائده ليست تقليدية، أو مكررة بل إنها غنائية متجددة مع إيقاعات الحياة، فكما أن الأنغام الموسيقية العذبة هي حصيلة نغمات متفاعلة ومتغايرة فإن الغنائية عند العجمي متنوعة ومتغايرة، تبعاً لتموجات الرؤيا الشاعرية الخلاقة في قصائده؛ وهذا دليل إيقاعها الإبداعي الحساس وحساسيتها الجمالية البراقة التي تجعل القارئ يسبح في دهشة تلقيها الجمالي لتغريه إلى مطالعتها كل حين، وهذه ثمرة الشعرية المؤثرة برؤاها ومنطلقاتها الجمالية الخلاقة.

 

د. عصام شرتح

..................

الحواشي:

(1)عجمي،وهيب،2020-وردة العشق،دار البنان،ط1، ص33-37.

(2) شرتح، عصام،2020- حوار مع وهيب عجمي، الفيس بوك

(3) شرتح، عصام،2020- حوار مع وهيب عجمي، الفيس بوك.

 

رواية أسير البرتغاليين، "حكاية الناجي" للروائي المغربي محسن الوكيلي الصادرة عن منشورات دار ميم بالجزائر في طبعة أولى عام 2021، وهي نص تمكن صاحبه باحترافيّة عاليّة من استدعاء لحظة تاريخية ترتبط بالوجود البرتغالي على السواحل المغربية في القرن السادس عشر، أين تدور أهم الأحداث،  بطلها هو حماد المسمى "الناجي" الذي يقع أسيرا لدى البرتغاليين.

ويعدّ " الناجي عواد" الشخصيّة الأساسية والفاعلة في تغيير وجهة المسار السردي وتنويعه، الناجي هو حماد أكناو من بلاد فاس، وهو الناجي الوحيد من شفرة سكين إبراهيم والده، حين أقدم بدم بارد على ذبح أبنائه الستة، ودفنهم في قبو المنزل. كان ذلك أيام وباء الطاعون الذي أصاب فاس.

والناجي عواد لقب أطلقه عليه الشيخ "عواد" بعدما وجده مرميّا في الطريق هاربا من حادثة الذبح، ليأخذه إلى بيته. ينجو "حماد " مرة أخرى من وباء الطاعون الذي أصاب أفراد عائلة العواد وخدمه دون استثناء، فكان بذلك الناجي الوحيد من هذا الوباء. يقول واصفا ذلك: على خلاف المصير الذي لاقاه آل العواد نجوتُ، لم يكن مرضي من عدوى الموت الأسود..' الرواية ص 103

وهو الناجي مرة أخرى من كتيبة الإعدام المسلط على رقاب كل المغاربة أسرى المستعمر البرتغالي. إذ يقع أسيرا لديهم حين كانوا يحتلون قصر البحر الموجود على سواحل مدينة أسفي المغربية، ويرجع سبب نجاته من الإعدام إلى اتخاذه من حكاياته  وسيلة  للبقاء على قيد الحياة، هذه الحكايات التي كان يرويها للضابط البرتغالي "بيدرو".

يخبر بيدرو الناجي: " هذا الكرسي لا يستقبل غير رجل واحد، ما دمتَ جالسا عليه يكون على كلّ الأسرى الذين يأتون بعدك أن يمرّوا إلى كتيبة الإعدام بلا أملّ في النجاة كرسي ثمين، أغلى من كرسي الحكم..." الرواية ص 31

كان الناجي يفرغ ما في جعبته من حكايات تتعلق بحياته وحياة والده وقصة ذبحه لأبنائه أيام الطاعون، وكيف أنه قدم لهم ذات يوم لحم قطته التي ذبحها بسبب الجوع الملازم لهم.

والمعلوم أن هدف الناجي من القتال لم يكن من أجل استرجاع الحصن من أيادي البرتغاليين، بل كان هدفه ذاتي خاص يرتبط بمحاولة الانتقام من قاتل قرده همّام، فالناجي كان يمتهن سرد الحكايات ، إذ يجوب بلاد المغرب ممارسا هذه الحرفة رفقة قرده همام وصهره بشير.

ويرتبط مصير الناجي بمصير بيدرو الضابط البرتغالي المهووس بالدم، الذي يتلذذ كل يوم بإجازة عدد من الأسرى المغاربة إلى كتيبة الإعدام،  ليصلّ به هوسه إلى تقديم قلوبهم طعاما لقطته التي لا تختلف عنه في هوسها بحب الدم، هذا الضابط المهووس هو نفسه الذي كان يشرف على عمليّة تأمين طريق التوابل والذهب والعبيد نحو بلاد البرتغال.

ويرفض بيدرو مجرد التفكير في العودة إلى بلاده البرتغال، فهو لا يزال مسكونا بذكرياته السيئة، وما وقع له هناك، إذ إنه يسترجع -كلما تذكر بلاده- صورة اغتصابه المتكرر من قبل زوج أمه، هذه الأم التي ذبحها (بيدرو) واحتفظ برأسها. كما يرى بيدرو في الحصن مستقبله ومستقبل سكانه البرتغاليين لهذا يقع بينه وبين صديقته صوفي جدال مستمر حول العودة إلى موطنهم الأصلي من عدمه.

يختار بيدرو الناجي خادما له، ويلحقه ببيته ليقوم بدور العبد الخادم لمساعدة "صوفي" ، وبدور سارد الحكايات، إذ يخبره بيدرو بأن حياته مرهونة بمدى تفانيه في ممارستها، نعم إن حياة الناجي مرتبطة أساسا بهذا الدور وبإتقانه للسرد وتنويعه للحكايات.

يقول بيدرو للناجي: " إيه يا الناجي، حكاية الرجل الذي يطعم الناس لحم صبيانهم تروقني، فيها الكثير من الخبث، وشيء من دهاء، لكنها تشبه حكايات الجدّات اللواتي يرهبن حفيدتهن كيلا يكسروا أوامرهن ويجتازوا بلا إذن عتبات أبواب البيوت."  "الرواية "ص 205

أما إبراهيم فهو والد الناجي، وهو شخصية مركبة، تجمع بين المتناقضات، يعود أصله إلى قبيلة تلظي،التي غادرها رفقة والده بعد أن قُتل أعمامه جميعا بتهمة إتباعهم لديانة البرغواطية التي ابتدعها صالح بن طريف  البوغرواطي منذ قرون.

إبراهيم هو الذي ذبح أولاده جميعا، بعد وفاة زوجته نعيمة متأثرة بوباء الطاعون، وهو نفسه الذي ذبح قبل ذلك قطته من أجل إطعام هؤلاء الأولاد. هي شخصيّة جمعت بين القلب الطيب الذي بسببه آثر غيره على نفسه وأولاده، وبين رجل يذبح أولاده دون رحمة. يقول الناجي واصفا ذلك" ذبح أبي إخوتي كلهم، واحد بعد آخر." الرواية ص 14

كان إبراهيم يعيش لوحده بين أشباح زوجته وأولاده وكل الأطفال الذين ذبحهم وفرق لحومهم على عائلات كثيرة من فاس كانت تتضور جوعا بسبب القحط والطاعون. ليقع في الأخير لدى هذه العائلات طالبة قتله. يصرخ إبراهيم قائلا: "أنا إبراهيم، أنا قاتل الأطفال وبائع لحوم البشر، أطعمتكم من لحمكم فما تحركت داخلكم نخوة الرجولة ولا اهتزت حميّة.. تا الله إن النار أولى بكم." الرواية ص 287.

لقد كانت هذه الأحداث هي المادة الخام التي يحولها الناجي  إلى حكاياته التي يرويها في كلّ مرة للقائد بيدرو، والتي تطيل في كل مرة من عمره، وتؤجل موته.

أما غيثة فهي زوجة الناجي التي تبقى وفية له، تنتظره بحرقة، تعيش رفقة أولادها الثلاثة، ترسل أخاه بشير للعودة بالناجي من الأسر، ثم تلجأ إلى زوج جارتها أم الغيث، وهو تاجر كبير يدعى العياط الذي بدوره لا يبخل عن تقديم المساعدة لتحرير الناجي.

ويستدعي محسن الوكيلي المخزون التاريخي محاولا الإمساك بلحظة تاريخيّة ترتبط بأيام التواجد البرتغالي في السواحل المغربية، الذي امتد من القرن 15 إلى القرن 18، وتختار الرواية لحظة وجود البرتغاليين في مدينة أسفي إحدى المدن الساحليّة المغربية، التي رزحت تحت نير الاحتلال حوالي 33 سنة ممتدة من 1508 إلى 1541م .

وتستحضر الرواية "حاضرة فاس" مع نهايات الحكم المريني الذي كان يواجه مقاومة ورفضا من قبل الأشراف الذين سعوا جاهدين إلى القضاء عليه بقيادة محمد الشيخ السعديّ. لا سيما وقد سيطر السعديون على مراكش وبسطوا حكمهم على أغلب مناطق المغرب. في ضوء هذا المجال الزمكاني تتحرك أبرز أحداث رواية محسن الوكيلي.

تأتي الرواية على ذكر نماذج لشخصيات تاريخيّة، نذكر منها مثلا الفقيه المالكي الشيخ "عبد الواحد الونشريسي" الذي عاش في حاضرة فاس في القرن ، وهو الذي رفض أن يخون حاكمها أحمد المريني ويخلع عنه البيعة، فتم قتله أثناء إلقاء دروسه على طلبة العلم. وهي حادثة تذكرها معظم كتب التاريخ.

غير إن محسن الوكيلي قد أعاد في أسير البرتغاليين تشكيل هذه المعلومات التاريخية في ضوء المتخيل الروائي، من خلال ممارسة عملية الحبك التاريخي، الذي يجمع فيه بين المعلومة التاريخية والتمثيل السردي. ليتم كل ذلك ضمن أسلوب لغوي ممتع، وبرنامج سردي مركب يتجاوز الخطية الزمنية في تشكيل وبناء الأحداث.

يتفاعل التاريخي والسردي ويتبادلان المواقع، ليتغلب السرد في نهاية المطاف على التاريخ وسبب ذلك هو قدرة الروائي على استدعاء التاريخ، ثم إتقانه لعملية التمثيل، وذلك بإعادة منح هذه الوقائع التاريخية روحا جديدة تتماشى والمشروع السردي الخاص بالرواية، مما يجعل القارئ لا يكتشف جليّا حدود الفرق بين الواقعة التاريخية والتمثيل السردي لها.

وقد استطاع محسن الوكيلي أن يخلق "مادة تاريخية" تم تشكيلها عن طريق ممارسة عملية السرد، لتفارق هذه المادة التاريخية المشكلة  مرجعها "الحقيقي" في كثير من التفاصيل.  فمثلا ما وقع لأحمد السبتّي أحد شخصيات الرواية وهو تلميذ عبد الحق الونشريسي الذي قتل محمد الشيخ السعدي بمساعدة الأتراك الإنكشاريين، هو عبارة عن حكاية جزئية لحكاية أكبر تمثل الصراع الذي كان سائدا بين السعديين والعثمانيين.

وبناء على استثمار الرواية للمادة التاريخية  فإنها تحاول تسجيل جملة من المواقف من بعض الأحداث التاريخيّة، مثل الصراع الذي كان قائما بين السعديين والمرنيين، وكيف تغلب محمد الشيخ السعدي وأقام الدولة السعدية ليفتح بذلك عهدا جديدا.

كما تحدثنا هذه الرواية عن أوضاع حواضر المغرب على أيام المرنيين والسعديين، إذ نقف في كثير من المواضع على نوع من المسح الثقافي والاجتماعي الذي له علاقة بطبيعة السكان وتقاليدهم وحديث عن شوارع وساحات وأسواق ومساجد هذه الحواضر. ومدى شحوب هذه المناطق في ضوء الطاعون الذي أصاب العباد والبلاد وساد لسنوات مخلفا كثيرا من الضحايا.

أخيرا يعود الناجي إلى زوجته وأولاده بعد أن سقط الحصن في يد السعديين الذين تمكنوا من طرد البرتغاليين، وتقتل صوفي بيدرو حبا في الناجي الذي يودعها ويرفض البقاء معها.

تعد رواية أسير البرتغاليين  تجربة عربية أخرى تندرج ضمن  مسمى "رواية التخيل التاريخي"، فهي تنفتح بذلك على عوالم سردية وتخييلية رحبة، تستحضر تجارب إنسانية عابرة للحدود التاريخية والجغرافية. فحكاية الناجي هي بمثابة الرد على الحكاية الإمبراطورية التي يمثلها بيدرو البرتغالي. حكاية الناجي هي حكاية محلية عن المقهورين والسكان الأصلانيين، وهي الحكاية التي تنتصر في الأخير على الحكاية الكبرى للمستعمر التي مفادها أن هؤلاء المقهورين لن ينهضوا أبدا لأنهم  يجب أن يعيشوا ضمن/تحت قيود وتعليمات الشرط الامبراطوري .

يمثل بيدرو هذا الشرط التاريخي من خلال سيطرته على وجهة  وتوقيت عملية الحكي التي يمارسها الناجي، كما إنه هو الذي كان بيده إحالة السجناء على كتيبة الإعدام أو العفو عنهم.

أما صوفي المرأة البرتغالية الجميلة والمغرية فهي تمثل وجها آخر من وجوه هذا الشرط التاريخي، إذ لا يهمها كثيرا البقاء في الحصن والسيطرة عليه والتحكم في سكانه العرب، كونها تمثل حب المغامرة والمتعة والعيش بعيدا عن السلط بأنواعها، فهي ترفض البقاء في مكان واحد وأبدي، لهذا فحلمها حلم شخصي وذاتي ضمن حلم أكبر هو الحلم الإمبراطوري.  والدليل على ذلك أنها السبب في قتل الضابط بيدرو رمز القوة والوجود والسيطرة.

 

د. طارق بوحالة - أستاذ النقد الثقافي

المركز الجامعي، ميلة

 

 

جمعة عبد اللهصوت شعري أثبت حضوره بشكل مرموق على الساحة الثقافية والشعرية، بما تحمل من طاقات إبداعية في الصياغة وأسلوب التعبير بمضامينه الإيحائية والرمزية بالغة الدلالة والتعبير. بهذا التدفق الذي يستلهم ألهام وإرهاصات وهواجس الوطن والمرأة، تتدفق الرؤى والرؤيا الفكرية بكل شفافية في الانزياح الشعري في القصيدة النثرية، وبكل شفافية تربط الذات بالعام، في تحسس اوجاعه ومعاناته وآهاته، في اللغة الشعرية رشيقة، تملك قوة العبارة والتعبير، في القضايا الحسية الظاهرة والباطنة. لكي تؤكد حضورها بحضور المرأة، اذ لا وطن بدون المرأة، ولا المرأة بدون وطن، هذا الترابط العضوي والروحي في جوانح احساسه، بين المرأة والوطن، وتتوجه القصائد الى تعرية عورات الواقع تجاه المرأة، في عثرات عقليته المتزمتة التي تعتبر المرأة مجرد (حريمة) تتساقط على كاهلها مثل المطر الغزير، تبعات الظلم والاجحاف والحيف، تتوخى في هواجسها الشعرية الهواجس الواقعية بالاشياء المرئية وغير المرئية تجاه المرأة، بكل نبضات مشاعرها الحسية بالصدق بنقاوته المتدفقة، وهي تقف بالمرصاد لهذه المضامين الجائرة، في الظلم والاجحاف والحيف تجاه المرأة. لان للمرأة شأن الرجل، تحمل عاطف واحاسيس نقية في الحب والشوق، لانها تعشق بعواطفها واحساس قلبها النقي، عكس الذي يتلاعب بعواطف الحب بالزيف والتحايل، لذلك تقف بصلابة أمام هذا العش والزيف تجاه الحب والشوق. وصوت الشاعرة يترسخ في حمل لواء الدفاع عن المرأة، في حقها المشروع في الحياة والوجود. ولغتها الشعرية في أسلوبه التعبيري لا يعرف المهادنة والمساومة، تستلهم ارضية صلبة في الرؤية الشعرية والفكرية، تعتمد على التراث الأسطوري السومري والبابلي، والتراث الديني وحكاياته المعروفة، تتوجه الى الايحاء والرمز بأن المرأة ليس منقطعة الجذور والاصل. فهي سومرية اصيلة وعشتارية في الحب والشوق، وعشتار نزلت من العالم العلوي الى العالم السفلي وتخطت بواباته السبعة المرعبة لتلتقي مع عشيقها وحبيبها (ديموز / تموز) هذه الجرأة والشجاعة هي عنوان المرأة السومرية، عنوان المرأة العراقية. لتؤكد بأن المرأة ليس سلعة اغراء انثوي، ليس سلعة رخيصة في المتعة الجنسية. هذا الإيحاء الرمزي البليغ في قصائد الديوان (وأقشر قصائدي فيك)، انها تتسم بالحب جماليته وعطر رياحينه ، وليس أن يكون الحب  اشواكاُ وعطر الازهار البلاستيكية. أن المرأة تملك كامل الارادة والحياة والحب، بدون انكسار وانهزام موجع من العقلية الشرقية، أن حزنها هو حزن سومري أو بابلي راسخ الجذور والانتماء، في الاحلام والآهات. هذا التدفق الشلالي في قصائد الديوان، من شاعرة جادة أثبتت جدارتها الشعرية في صوت نسائي جدير بالاحترام والاعتزاز.

- جينما يموت الندى يلف بالحب الظلام ويخطف سحره ورونقه الجذابة، ويدلف في الظلام، وتبقى ذكرياته معلقة في رفوف الذاكرة. عند ذاك يُسرق قوس القزح الحب، لكي لا تنهشه غربان الموت، وتتهشم الأقدار على جماجم الأبرياء. في محراب الفتك دون رحمة بالوجع ويصبح الحب شهيداً معاً ، العاشق والمعشوق في جنح الظلام.

حين يموتُ الندى

في غمرة الظلامِ

وتفقد الرسائل عطرها بين رفوف الذكريات

أسرقُ القوس من قزح

لئلا تبتلعه غربان الموتِ

ساعة فجر كاذب

تطرق الأقدار جماجم الأبرياء

بين كل هذا الغيابِ

أراكَ جندياً

يبتهل محراب القتال

لا تندهش........

حين يضرجني الوجع

شهيدة أنا مثلك      (من قصيدة / قبلات معتقة)

- حينما قارعة الوطن تضيق بالحب والنوم، تلوح الايادي الباكية بقلوب من الرماد. فالموت يحتل الحياة بكل جونبها، ويحتل الظلام والرماد بدلاً عن النور، للملائكة التي هجرت حبها بحلاوة النسيان، في قصائد لم يكتمل شملها في اطلالة الحب والشوق،في زمن يحتل الموت منصاته. واذا لم تكتمل دورة الحب، فأن بناء بستانه  لم يكتمل، وتكون القصائدة ناقصة الفعل تغادر حروفها المثقوبة الى السماء.

 على قارعة وطن ضيق ولا يتسع

للنوم

أيادي تلوح باكية،

قلوب رماد،

الموت سلالم نور

الملائكة طائرات مغادرة

 وأنت حلاوة النسيان

دواوين لم تكتمل

هنا آخر وجوه غادرتها

ضحكات الى السماء

مثقوبة.... من قصيدة (خطوة واحدة)

- حين يرتدي الحب ثوب الخذلان، لكي تتراقص حناجر الموت عليه، تكون خمرة الغياب، مثل رقصة حافية الاحلام، والحب ينشد الشوق على قارعة الطريق منذ ألف عام، تتطلع الى رشقات الحب الراقصة، لتسقي الحب بماء نقياً كنقاء شهداء الوطن، في ذاكرة الزمن يضطهد بالانتظار. بينما الشهداء ينثرون بذور العشق، لتروي ظمأ الارض منذ ألف عام والحب العشتاري يملأ الحياة والوجود رغم الاحزان.ولا تنثر ملحاً على السنابل، فكلها جرح.

ها أنا أرتدي

آخر ثياب خذلالك

لأ راقص حناجر الموت

وحدك جمهوري،

على جمر غيابك

أراقص حافية من أحلامك

منذ ألف عام أنتظار

على مسافة شوق

أسمع خطوات

يلتفت قلبي

يلتوي جسدي

ينحني على كلماتي

نائية ذاكرتي

تلتصق بأطراف الأرض

كأجساد الشهداء

حين تعشق الارض 

قف

أين مكانك

لا تنثر ملحاً على

سنابلي

فكلي جرح      من قصيدة (كلي جرح)

- آهات الشوق تتجرعها غصة تلو الاخرى، وهي تركب سكة قطار الموت في وطن متغير ومتعثرة في أنهار الحزن، حتى اشجاره اثمرت حزناً ولوعة وجراح، في ربيع خائف ، ويرحل بلا وداع.

آهاتٌ

في حنجرتي

واحدة تلو الاخرى...

سكة قطار موت...

وطن متغير

أثمرت اشجارَ وجعِ

بربيع خائف

واعتصب رأس أيامي

يشماغ أبي المغادر دون

وداع

لوح من بعيدٍ      من قصيدة (لهيب اسى)

- هي سومرية العشق والانتماء. عشتارية الحب والعشق، عراقية الهوية والانتماء، مواويلها جنوبية بين القصب والبردي. ملامح الوطن محفورة على جدران القلب، في وطن ينزف جراحاً وحزناً، تدفعه الريح الى سنوات العجاف والجوع. لكنه يبقى واقفاً يتغنى بدجلة والفرات، يتغنى لطيور الوطن التي تنشد نشيد (موطني) وتلوح بوجهها الى الطريق. بأن الوطن لن يموت.

لم تمت ضحكات حيَّنا...

ولم تنطفي الشموع قرب مقام الخضر

ولم تغادرني عراقيتي،

ولا هوس مواويل الجنوب، وكلما تموت سنبلة تتعرى الحقول بين السواقي هلعاً،وأنا أتلو تراتيل الوسن بطعم الحنين لتلك الوجوه الملبدة بغيوم الفقر.

زرعت المسافات بين القصب والبردي ملامح وطن وهسيس ثكلى ناحت بعدد جراح وطني....

نعم

عرتنا سنوات الجوع

لكن ثيابنا نخيلنا

ولأني تلك السومرية.

من قصيدة (سومرية بامتياز)

 

- الكتاب: واقشر قصائدي فيك / شعر

- تأليف: رند الربيعي

- الطبعة الاولى: عام 2021

- الطبع: دار تأويل للنشر والترجمة

- عدد الصفحات: 114 صفحة

 

   جمعة عبدالله

 

 

 

 

يوسف السيافاستوقفتني ثلاث مفردات وجدتها مهمة في إعلان مسرحية (ميت مات) وهي (النص/ الدراماتورج/ السينوغرافيا)، عرض مسرحي من إنتاج (مشغل دنيا للإنتاج السينمائي والمسرحي) ومن (تأليف) و(دراماتورج) الكاتب العراقي (علي عبد النبي الزيدي) (1965م حتى) وسينوغرافيا العرض الدكتور (علي السوداني)، قدم العرض يوم الاربعاء المصادف (4-8-2021م) على خشبة (مسرح الرافدين) ضمن عروض مهرجان (العراق الوطني الاول) الذي أقامته (نقابة الفنانين العراقيين) بالاشتراك مع (الهيئة العربية للمسرح) للفترة من (1-8-2021م حتى 7-8-2021م)، ولما حققه العرض من صدًىواسع لدى المشتغلين في الحقل المسرحي، جعلني افكر في الكتابة عنه بعد التردد مرات ومرات، ولا أخفي السبب الرئيس في إختياريهذا العرض في أنْ أكتب عنه بالتحديد دون سواه من العروض الأخرى التي شاهدتها في هذا المهرجان، ولكنني لا اود أنْ أبين السبب قبل أنْ افكر بالكتابة عن الدراماتورج والمخرج والكاتب والممثل (اللبناني)(ربيع مروة)(1967م - ).

2830 علي الزيديإذ من الصعب وضع أعمال (مروة) بخانة فنية واحدة، لأنَّها ذات طابع تجريبي، تتعدّد أساليب إشتغاله في فضاء العرض والتعامل مع مكوناته، إذْ تدور أغلب عروضه حول وثائق سمعيبصرية من خلال استخدامه للأوراق والأفلام وتسجيلات الفيديو، وتوثيق اليوميات والمحفوظات الصوتية والصور، وهكذا يُنشئ (مروة) أرشيفاً خاصاً به، إذْ راح يبحث عن رؤية معاصرة تمكّنه من نقل الواقع بطريقة فنية رائعة، منفتح على عروض تتقصد تمويه هويتها، معتمداً اللاتصنيف، فإنَّ أعماله تشكل التقاء حميمي ما بين التقنيات الرقمية والأشكال التعبيرية، مرتكزاً على ثلاثة أعمدة رئيسية في إسلوبه الإخراجي (الجسد/ الحرب/الذاكرة) وعلى عدة لغات، كلغة الصورة ولغة المؤثرات الصوتية ولغة التقنيات الرقمية التي نظر لها عربياً ولأول مرة التدريسي في (جامعة بابل / كلية الفنون الجميلة) الاستاذ الدكتور (محمد حسين حبيب) موكداً على عدم تشويه خطاب العرض المسرحي بطغيان التكنلوجيا، معرفاً العرض المسرح الرقمي في مقالته المنشورة في (جريدة المدى) في العدد (4874) على أنهُ " ذلك العرض المسرحي الحي المقدم على خشبة المسرح، والذي يشاهده الجمهور في الـ(هنا) و(الآن)، وهو يستثمر التقنيات الرقمية التي من شأنها التحليق جمالياً وفكرياً بفضاءاته وعوالمه الدرامية ليتجلى فيها انفعال التلقي وانعكاسه على الذائقة بمختلف مستوياتها منذ تلك اللحظة التي هيمن فيها الحاسب الالكتروني على جميع المجالات العلمية والثقافية والفني".

وعلى الرغم من توظيف (مروة) للتقنيات الرقمية إلّا أنَّه لم يغادر النص، بلْ جعل الكلمة مكوناً رئيساً وأساسياً في مجمل أعماله المسرحية، منطلقاً من الجمال الذي يحاول أَنْ يروّض من خلالهمعاناة الكتابة، ومعاناة الإخراج، باقتراح أساليب جديدة جماليةتجابه النص وتتعقّبه في حلوله، وعلى الرغم من حضور الجسد بشكلٍ واضحٍ في أعماله، إلّا أَنَّ اللغة هي التي تعوّض عنه وليس حركة الجسد، وإنَّ ما يقدمه (مروة) من سرد على خشبة المسرح ليس سرداً كلاسيكياً، بلْ سرد فاعل يحثّ على التفكير ويقلق الجمهور، ولا يتمّ السرد عبر الأصوات البشرية فقط، بلْ يتمُّ عبر الصور الثابتة وسكون حركة الممثلين، لكنها متحركة صورياً عبر الأصوات المسجلة في السينوغرافيا، والهدف من ذلك حث الجمهور على التفكير دون أنْ تجرفه العواطف.​​

2831 ربيع مروةإنَّ (مروة) لم يحارب النص ولم يبتعدْ عن سردية اللغة، لكنَّه كان يُقحم فضاء العرض بمعالج صوري ليسند اللغة، فبعد أنْ أعلن القطيعة مع تجربة الحكواتي في بيانه عام (1997م)، إتَّجه صوب آفاق إبداعية مغايرة لمسرح الحكواتي، ولكنْ ليس بالتخلّي عن الحكاية بشكلٍ مطلق، بلْ إيجاد طرائق جديدة، ففي مسرحية (إدخل يا سيدي... نحن ننتظرك في الخارج) التي أخرجها عام (1998م) نجد أنَّ إتّجاهه الإخراجي أنتمي إلى مسرح (ما بعد الحداثة) بإمتياز، من خلال تكوين بنية العرض من عدة إتّجاهات، اذ أنَّ الإخراج - ضمن مفهوم (ما بعد الحداثة) وبحسب ما عرجت عنه الدكتورة (هناء خلف غني) في كتاب (ما بعد الحداثة) ضمن اصدارات (شهريار) لعام (2021م) - خضع غالباً لعدة مَبادِئُ متناقضة، ولم يخش من دمج أساليب متشتتة، ويقوم بعملية الصاق لأساليب تمثيل غير متناسقة، وبذلك نجد أنَّ(مروة) وفريقة شكل العرض من مسرح (الغضب) ومسرح (القسوة) والمسرح (التسجيلي) ومن الأسلوب (البرختي / التغريب والتماسف)، مازجاً أساليب تلك المسارح من أجل أنَّ يتوّلد لديه عرض مسرحي يُظهر أسلوبه الاحتجاجي على الظروف البائسة التي خلّفتها الحروب بطريقة تجريبية، إذْ أنه دائماً ما يقوم بتحوّيل منصة العرض إلى فضاء أشبه بالفضاء الافتراضي، أوْ إلى مكان مخصص للبث التلفزيوني لتوظيف التقنيات الرقمية، لزجّ الجمهور مع الممثلين عبر تسليط الكاميرا التي توضِعَ في الصالة، ومن خلالالتحريض يقوم بدفع.

 

يوسف عبد الحسين السياف

 

هشام مصطفىالشاعر الكبير قيمة وقامة يحيى السماوي. لعلّ من المغامرة محفوفة المخاطر أن يتصدى أحد لشعرك وقد تتعدد الأسباب إلاّ أن ما يمكن قوله وإقراره أنه متجدد أبدا، ما تراه اليوم قد ترى أعمق منه غدا، وما تعتقد في فهمك للأدوات وقدرة التحكم في جمع محمولاتها فإنك ستجد الحاجة إلى كثير من العمل مع إعادة الرؤية ولعل ذلك هو مكمن المخاطرة عذرا لهكذا إطالة بدأت بها إلاّ أنها من قبيل الاعتذار إن حاد الفهم وتبعثرت القراءة إلا أننا يمكن أن نمسك خيطا يلملم لنا خريطة العمل. فالعمل يعتمد على السردية والسردية قائمة على الثنائيات الزمانية والمكانية والإنسانية أو الشخوص وأما من حيث الزمانية فقد كنت محددا في قولك (قبل أن) ما جعل الأزمنة متشابكة يتطلب منك السير بحذر كونها تتقاطع بباقي الثنائيات وثنائية الأزمنة أتبعها ثنائية الشخوص بين الأنا (ذات الشاعر) والأنت أو الهو (ذات المدلول لدال نرسيس) ولا أخال أن الشاعر قصد ثنائية الداخلية لذات الشاعر التي تحمل الشيء ونقيضه ليصبح المكان ثنائياً أيضا بين الفردوس (فثمة فردوس يبحث عنه الشعراء) وبين واقعية الذات المنفلتة والبحث الدائم عن هذه الفردوس هو ما أنشأ الصراع وطوره في إطار الجدلية الداخلية سواء في بداية الفعل أو التطور أو النتيجة كان هذا الصراع منشؤه التصادم بين الأنا والهو في تجليات البحث والاكتشاف ولعل ذلك يفسر دال التضاد أو المقابلات وتتابع هذه الظاهرة في هذه القصيدة فالتضاد أو ما عبر عنه بالطباق وحده يعادل الصراع ومن هنا تأخذ محمولات ثنائية المكان عنف ذلك الصراع ونتائجه لتنصهر الثنائيات مكونة التصاعد الدرامي وذلك من خلال الديالوج (الحوار الخارجي) والمونولوج (الحوار الداخلي) وهذه ثنائية أخرى فالنص يقوم على مراحل ثلاث كانت على التوالي (الزمن الماضي) وهو الارتداد من الزمن الآني أو زمن التكلم (قـبـلَ أنْ أكـفـرَ بـالـعـشـقِ وأوروكَ و" إيـنـانـا ") فزمن التكلم هو الانعتاق من الزمن الماضي وعنوانه التخلي أو الكفر يرتد منه الشاعر إلى زمن ماضٍ بعيد وهو بداية الصراع ومنشؤه (أتـى) وأصبح لزاما على الشاعر إعداد مسرح الصراع ليشمل باقي المقطع بالتأسيس على محمول الفعل (فـأولـمـتُ):

قـبـلَ أنْ أكـفـرَ بـالـعـشـقِ وأوروكَ و" إيـنـانـا

 " أتـى فـي غـفـلـةٍ مـن فـرحـي الأخـضـرِ " نـرسـيـسُ " (1)

 فـأولـمـتُ لـهُ دِنّـاً مـن الـشِـعـرِ

ومَـزّاءً مـواويـلَ عـن الـعـشـقِ الـذي يُـشـفـي

ويُـحـيـي ويُـبـيـدْ

 

وعـن الـسـبـعـةِ أنـهـارٍ مـن الـخـمـرِ الـبـتـولـيِّ الـعـنـاقـيـدِ

وزهـرِ الـلـوزِ والـريـحـانِ فـي الـوادي الـبـعـيـدْ

 

والـشـذا الـنـاضـحِ مـن خـصـرٍ ومـن صـدرٍ

وخـدَّيـنِ وجـيـدْ

 

وفـمٍ يُـشـجـي الـتـسـابـيـحَ إذا غـنّـى

ويُـغـوي الـنـايَ بـالـعـزفِ..

وسـاقَـيـنِ إذا ســارا عـلـى أرصـفـةِ الـدربِ

فــفـي الـسَّـمـعِ كـإيـقـاعِ نــشــيــدْ

 

وهـيَ الـحِـكـمـةُ والـفِـطـنـةُ والـرِّقـةُ

والـرأيُ الـسـديـدْ

وهذه المرحلة هي مرحلة وصفية لمسرح الحدث تعتمد على الداخل والخارج لشخصية واحدة وهي الأنا الموزعة بين المكان وأثره والحدث ومكنونه لذا فبنية الجملة المستخدمة جملة فعلية صادرة من الأنا (أولمتُ) ما يجعل محمول الحدث يبدأ من الثابت الماضي المقرر وفاعله الذات ومفعوله المتغير والمتنوع ليشمل تأثيرات الفعل في أماكن متنوعة لتنتهي بالجملة الإسمية هي وتبدأ المرحلة الثانية بفعل أيضا لكن فاعله خارجي (لعب) ونتائجه أو تطوره أو مردوده الفعل الداخلي فاعله الأنا فيكون الحدث من الخارج للداخل ليرتد من الداخل للخارج وتتصاعد الدرامية معه (لعب / تحدثت) والتحدث محوره (إينانا / أوروك / غزالات / فراخ / صبّ) والتنوع في التحدث يلائم المتحدث عنه فالأسطورة تلزم الذكر لكونها محمولا بذاته والرمز (الغزالات والفراخ والصبّ) يلزمهم التفصيل وذلك في إطار المنولوج ليعكس الحالة لتكون تناقض ما سيلي الحالة الأخرى بناء على الديالوج بين الأنا والهو / الأنت (نرسيس) والسؤال أحقا رمزية نرسيس هي محمول على الأسطورة أم على الوجه المظلم للأنا وهي وسواء أكان هذا أم ذاك فهو سيتطلب الحوار المبني على فعل قال بفاعليه الهو والأنا وهي المرحلة الثانية من التصاعد الدرامي:

لَـعِـبَ الـعـشـقُ بـرأسـي

فـتـحـدثـتُ عـن الـمـعـصـومـةِ الـعــيـنـيـنِ " إيـنـانـا

" وعـن مـيـلادِ أوروكَ الـجـديـدْ

 

والـغـزالاتِ الـتـي تـسـرَحُ تـرعـاهـا ذئـابٌ.. (2)

وفِـراخٍ لـلـعــصـافـيـرِ بـأحـضـانِ الـشـواهـيـنِ..

فـلا سَـهـمٌ وقـوسٌ وطِـرادٌ وطـريـدْ

 

وعـن الـصَّـبِّ الـفـراتـيِّ / الأسـيـرِ / الآسِــرِ / الـزاهـدِ /

والـمـاجِـنِ والـعـاقِـلِ / والـمـجـنـونِ / والـحُـرِّ /

 الـسـجـيـنِ الـسـائـحِ الـجَـوّابِ / والـكـهــلِ الـشـريـدْ

 

حـارسِ الـخِـدرِ / الـوديـعِ / الـشـيـخِ /

والـطـفـلِ الـعـنـيـدْ

وهي مرحلة تقسيم الأدوار بين الشخوص فنرسيس أكمل والأنا أو ذات الشاعر ثنيت وأكملت وأرخيت والتغشي وهي مرحلة تصاعد داخلي بناء على التقسيم ومن ثم يتحول التقسيم للأدوار بناء على الاستسلام والغواية (يمد / قال / كن) فما بين الفعل المضارع يمد والماضي قال والأمر كن تتم التحولات والتصاعدية ويخص الفعل الأمر بمدلول النصح والإرشاد سعيا للخلاص وإغراء للاكتمال لتكتمل الغواية. ولعل الأنا تسعى هي الأخرى لرمي عبء الوزر وانعكاس عظيم الندم بناء على مظلومية الاستسلام وقلة الحيلة وقوة الإغراء الناشئة عن التناقض والحث على التحول (الآمر / مأمور ــ مالك / مملوك) وتبلغ قمة الإغراء بالتلويح بالتميز ودقة الشاعر في رسم التصاعد بواسطة التناقض سواء بالطباق أو بالنصح وذلك بالتحضيض جراء استخدام (لا) بعد جملة كن وتبلغ الغواية حدها بالحث للذات سعيا للانعتاق من تأثيرات إينانا أو الماضي في مقابل الحاضر والمستقبل بالخروج من دائرتها إلى دوائر أخرى ولعل ذلك يعكس قوة المرحلة الثالثة وهي الندم ويمكن تفسير الإطالة في جمل كن للتبرير عن عظم الندم الآتي حيث فعل استفاق وفاعله الفحل ومردوده قلت. هذا التتابع السريع لجملتين يعكس التحول السهل والسريع والتصاعدية الزمنية الملفتة والعاكسة لتأثيرات الغواية وهي أيضا تمهيد لأرضية الندم ومبرراته وهي مرحلة تسيطر في بنية جملتها على ثلاث دعائم الجملة الإنشائية بكيف وذلك للتعجب والفعل كنت وأصبح والأدوات للنفي لا ليس وهكذا وهي قادرة على انكشاف الواقع أمام فعل الغواية والوقوع فيها ليكون المشهد المبني على هذه الدعائم كفيلاً برسم عظم الندم والممهد له من قبل، لذا لم يحتج الشاعر للألفاظ الدالة على الندم إلا من خلال الرمز بمحموله ولكن بنية جملته عكست هذا وتتابعها نهاية القول أن الشاعر استخدم محمولات الثنائيات المتنوعة لتقوم عليه سردية الحكاية وتصاعدها الدرامي والتناوب بين التسارع في الحدث والبطء فيما بين الداخل والخارج والديالوج والمنولوج والأنا والأنت ما يعكس حتمية القصدية في الاستخدام ومعرفة تقنياته.

 

 (*) هشام مصطفى / شاعر وناقد مصري.

.................

أنـكـيـدو: الـشـهـيـدُ الـحـيُّ والـحـيُّ الـشـهـيـد

يحيى السماوي

 

قـبـلَ أنْ أكـفـرَ بـالـعـشـقِ وأوروكَ و " إيـنـانـا "

أتـى فـي غـفـلـةٍ مـن فـرحـي الأخـضـرِ " نـرسـيـسُ " (1)

فـأولـمـتُ لـهُ دِنّـاً مـن الـشِـعـرِ

ومَـزّاءً مـواويـلَ عـن الـعـشـقِ الـذي يُـشـفـي

ويُـحـيـي ويُـبـيـدْ

*

وعـن الـسـبـعـةِ أنـهـارٍ مـن الـخـمـرِ الـبـتـولـيِّ الـعـنـاقـيـدِ

وزهـرِ الـلـوزِ والـريـحـانِ فـي الـوادي

الـبـعـيـدْ

*

والـشـذا الـنـاضـحِ مـن خـصـرٍ ومـن صـدرٍ

وخـدَّيـنِ وجـيـدْ

*

وفـمٍ يُـشـجـي الـتـسـابـيـحَ إذا غـنّـى

ويُـغـوي الـنـايَ بـالـعـزفِ..

وسـاقَـيـنِ إذا ســارا عـلـى أرصـفـةِ الـدربِ فــفـي الـسَّـمـعِ

كـإيـقـاعِ نــشــيــدْ

*

وهـيَ الـحِـكـمـةُ والـفِـطـنـةُ والـرِّقـةُ

والـرأيُ الـسـديـدْ

*

لَـعِـبَ الـعـشـقُ بـرأسـي

فـتـحـدثـتُ عـن الـمـعـصـومـةِ الـعــيـنـيـنِ " إيـنـانـا "

وعـن مـيـلادِ أوروكَ الـجـديـدْ

*

والـغـزالاتِ الـتـي تـسـرَحُ تـرعـاهـا ذئـابٌ.. (2)

وفِـراخٍ لـلـعــصـافـيـرِ بـأحـضـانِ الـشـواهـيـنِ..

فـلا سَـهـمٌ وقـوسٌ وطِـرادٌ وطـريـدْ

*

وعـن الـصَّـبِّ الـفـراتـيِّ / الأسـيـرِ / الآسِــرِ /

الـزاهـدِ / والـمـاجِـنِ

والـعـاقِـلِ / والـمـجـنـونِ / والـحُـرِّ / الـسـجـيـنِ

الـسـائـحِ الـجَـوّابِ / والـكـهــلِ الـشـريـدْ

*

حـارسِ الـخِـدرِ / الـوديـعِ / الـشـيـخِ /

والـطـفـلِ الـعـنـيـدْ

*

أكـمَـلَ الـمَـزّاءَ " نـرسـيـسُ "

فَـثَـنَّـيْـتُ بـصَـحـنٍ مـن كـرومٍ

وأنـا أكـمـلـتُ دِنَّ الـِشـعـرِ..

أرخَـيـتُ جـفـونـاً

وتَـغَـشّـانـي دُوارٌ

لـم أفـقْ إلآ و" نـرسـيـسُ " يَـمـدُّ الـفـأسَ لـيْ

قـالَ:

كُـنِ الآمـرَ لا الـمـأمـورَ

والـمـالِـكَ لا الـمـمـلـوكَ

لا عـبـداً لـ " إيـنـانـا "

ونـاطـوراً كـمـا بـاقـي الـعـبـيـدْ

*

الـغـوانـي مِـلءُ عـيـنـيـكَ

فـكُـنْ فـي الـكـأسِ والأُنـسِ كـمـا جَـدُّكَ:

هـرونُ الـرشــيـدْ

*

وكُـنِ " الـضِـلِّـيـلَ ": (3)

لا يـرضـى بـمـثـنـىً وثـلاثٍ وربـاعٍ..

يـومُـهُ خـمـرٌ مـن الـتُّـفـاحِ والـتـيـنِ

وأمّـا غـدُهُ فـالـخـمـرُ

لـكـنْ

كـأسُــهُ أفـواهُ غِـيـدْ

*

فـاسْــتـفـاقَ الـرَّجـلُ الـفـحـلُ الـذي كـنـتُ عـلـيـهِ

قـبـلَ أنْ تُـدخِـلـنـي فـردوسَـهـا الـضـوئـيَّ " إيـنـانـا "

فـيـغـدو ذهَـبـاً طـيـنـي وأحـزانـيَ عِـيـدْ

*

قـلـتُ:

هـاتِ الـفـأسَ..

آنَ الـيـومَ لـيْ أنْ أُعـلِـنَ الـحـربَ عـلـى أعـرافِ ذُبـيـانَ

وطـيٍّ وزبـيـدْ

*

" فـازَ بـالـلـذاتِ " مَـنْ مَـدَّ فـمـاً لِـلـثـمِ.. (4)

والـكـفَّ لـتـمـسـيـدِ نـهـودٍ وخـصـورٍ

وسـريـراً لِـصَـهـيـلٍ وهـديـلٍ

كـلَّـمـا يَـسـقـيـهِ سـاقـي الـلـذةِ الـحـمـراءِ نـاداهُ:

الـمـزيـدْ

*

لـيـلـةٌ مـرَّتْ وأخـرى

وأنـا أحـتـطِـبُ الـمـعـبـدَ حـتـى تَـعِـبَ الـفـأسُ

ولـوّى ســاعِـدي الأمـرُ الـجـهــيــدْ

*

فـرمـى بـيْ تَـعَـبـي طـفـلاً

عـلـى شـوكِ الـصـعـيـدْ (5)

*

لَـسَـعَـتْـنـي الـشـمـسُ

فـاسْــتـيـقـظـتُ عـطـشـانَ ولا مـاءٌ

وعُـريـانَ ســوى ثـوبٍ مـن الـدمـعِ

فـكـنـتُ " الـكُـسَـعِـيَّ " الـخـاسِــرَ الـنـدمـانَ (6)

لـكـنْ

حـيـن لا مـنـجـىً مـن الـخُــسْــرِ الأكـيـدْ

*

فـلـقـدْ أغـضـبْـتُ " إيـنـانـا "

و" إيـنـانـا " إذا تـغـضـبُ فـالـوَعـدُ بـفـردوسٍ

سـيـغـدو بــالـعـذابـاتِ وعِـيـدْ

*

فـإذا بـيْ لا طـريـفُ الـشـيءِ مـن يـومـي

ولا مـن أمـسـيَ الـزاهـي تـلـيـدْ

*

فـأنـا أدري ولا أدري..

شـقـيٌّ أم سـعـيـدْ

*

كـلُّ ما أدريـهِ أنـي

لـسـتُ " وضّـاحَ الـيـمـانـيَّ " (7)

فـمـا شَــبَّـبْـتُ إلآ بـالـتـي كـنـتُ لـهـا الـجـفـنَ مـن الـعـيـنِ

ولـيْ كـانـتُ كـمـا الأمُّ مـن الـطـفـلِ الـوحـيـدْ

*

كـيـفَ أخـلـلـتُ بـمـيـثـاقِ اتّـحـادِ الـعـطـرِ بـالـوردةِ

والـعـابـدِ بـالـمـعـبـودِ

والأهـدابِ بـالأجـفـانِ

والـنـخـلِ بـأعـذاقِ الـنـضـيـدْ ؟

*

مَـنـحَـتْـنـي سـبـعَ واحـاتِ قـصـيـدْ

*

كـيـف أغـوانـي بـفـأسِ الـطـيـشِ " نـرسـيـس " ؟ (8)

فـأصـبـحـتُ كـ " ديـكِ الـجـنِّ " أســتـجـدي الـمـنـاديـلَ لـدمـعـي

وأرى أزهى الـفـراديـس بـلا " وردَ " مـفـازاتٍ وبِـيـدْ

*

مـات أنـكـيـدو

و" إيـنـانـا " غـدتْ أرمـلـةَ الأعـيـادِ فـي أوروكَ

والـثـكـلـى بـ " مـشـحـوفٍ يـطـرُّ الـهـورَ "

أنـكـيـدو الـشـهـيـدُ الـحـيُّ

والـحـيُّ الـشـهـيـدْ

***

......................

(1) إينانا: إلهة الحب والجمال والجنس والخصوبة والعدالة في ملحمة كلكامش، مكانها في معبد " إينا " في مدينة الوركاء / السماوة.. نرسيس: في الأساطير الإغريقية هو ابن الإله كيفيسيا والحورية بيوتيا.. أشتهر بجماله وكان مغرورا بهذا الجمال ومنه اشتق مصطلح النرجسية. والدن: وعاء ضخم لحفظ الخمر أو الزيت والخل وغيرهما

(2) يسرح: يشرد بأفكاره.. ومن معانيه: يرعى، وهو المقصود في القصيدة.

 الطراد: المطاردة في حرب أو في قنص.. والطريد هو المطارد حيوانا كان أو طيرا أو إنسانا.

(3) الضليل: امرؤ القيس..

(4) إشارة الى قول سلم الخاسر: " فاز باللذات من كان جسورا ".

(5) الصعيد: الأرض

(6) الكسعيّ: هو فارس عربي اسمه الكامل محارب بن قيس الكسعي، يُضرب به المثل في الندم، والمشهور قوله:

ندمت ندامة لو أنّ نفسي

تطاوعني إذاً لقطعتُ خَمسي

تبيّن لي سفاه الرأي مني

لعمر أبيك حين كسرت قوسي

وقد استشهد به الفرزدق عندما طلق زوجته نوار فقال نادما:

ندمت ندامة الكسعيّ لما

غدت مني مطلّقةً نوارُ

(7) وضاح اليماني هو الشاعر عبد الرحمن الخولاني، لُقّب بوضاح لوسامته.. من شعراء الغزل، أمر الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك بقتله لتشبيبه بزوجته.

(8) ديك الجن هو الشاعر الحمصي عبد السلام بن رغبان الحمصي الكلبي. شاعر غزل اشتهر بعشقه الكبير لحبيبته " ورد " ويرى بعض دارسي ومؤرخي الأدب أن المتنبي قد سرق الكثيرمن شعره لفخامته وجزالته.

 

 

يعد عمارة لخوص صوتا روائيّا خاصا ومختلفا، ويكمن اختلافه في كونه رسم لنفسه مسارا روائيّا متميزا ومفارقا للسائد، فهو من  الأقلام الأدبية القليلة التي استفادت من تجربتها في التنقل بين لغات عديدة، مما ساعده بشكل أساسي في التعرف على أهم خصوصيات هذه اللغات والإلمام بثقافاتها المتنوعة. فبالإضافة إلى أنه يجيد العربية والأمازيغية والفرنسية والإيطالية والإنجليزية، فهو يكتب أعماله الروائية  مرة بالعربية وأخرى بالإيطالية.

يمتاز أدب عمارة لخوص بجملة من الخصائص التي تميزه عن غيره، وتتجلى هذه الخصائص في طريقة الكتابة، إذ نلمح في رواياته الأولى: كيف ترضع من الذئبة دون أن تعضك؟ والقاهرة الصغيرة ظهورا لأسلوب السخرية على الطريقة الإيطالية، وهي التي يفتح من خلالها نقاشا مهما عن حياة المهاجرين في إيطاليا والصعوبات التي يواجهونها في التأقلم الثقافي.

كما تظهر لغته الأدبية لغة متحررة من الثقل الإيديولوجي، منفتحة على الفضاء الرحب  للإنسانية، رغم تطرقه لموضوعات ذات أبعاد حضاريّة وتاريخيّة وسياسيّة. لهذا فإن أسلوبه السردي يتصف بـ"الخفة" حسب تعبير الروائي الإيطالي الشهير "إيطالو كالفينو" الذي يرى أن هناك خفة التفكير العميق، التي قد تُظهر التفكير السطحي "ثقيلا وغير شفاف".

وينجح عمارة لخوص مرة أخرى وبشكل لافت أثناء سعيه نحو التحرر من سلطة التاريخ، -رغم ما للتاريخ من سطوة-، ويتحقق له ذلك عندما يجرب الانخراط في استدعاء بعض اللحظات  من تاريخ الجزائر الحديث، والمرتبط بفترة الثورة  وبمرحلة الاستقلال وما بعده، في روايته الأخيرة المكتوبة باللغة العربية (والتي وصلت إلى القائمة الطويلة لمسابقة الجائزة العالمية للرواية العربية، البوكر 2021) "طير الليل" (2019)، إذ نلاحظ قدرته الفائقة على صهر هذه اللحظات وتذويبها داخل عالم الرواية، ليلتصق التاريخي بالخيالي،  ولينتصر في النهاية المتخيل الروائي على الواقع التاريخي.  وتدور أحداث هذه الرواية  في مدينة وهران، صبيحة عيد الاستقلال،  5جويلية  2018 عندما يصف لنا مشهد مقتل ميلود صبري المعروف بطير الليل، وهو شخصية متخيلة شاركت في العمل الثوري الجزائري. 

وقد حاول الروائي تكثيف الزمن الروائي الذي تدور فيه أحداث رواية طير الليل، إذ يقوم بتوزيعه بين فترتين مختلفتين، فاللحظة الزمنية الأولى هي المرتبطة بيوم اغتيال "طير الليل"، وهو نفسه اليوم الذي يجري فيه التحقيق ويكتشف السر قبل بداية يوم جديد.

أما اللحظة الثانية، فتغطي مسارا خطيا مختارا وفق الوقائع التي يمكن أن تساعدنا كقراء في المشاركة في حلّ لغز الجريمة، فهي تتوزع بين أزمنة تاريخية مختلفة تبدأ من سنة 1958 إلى غاية 2018، هذه التواريخ المرتبطة بتطور البناء الفني للشخصية المحورية ميلود صبري، "طير الليل"  وعلاقاته مع زوجته زهرة مصباح التي كانت رفيقة له في العمل الثوري مع كل من إدريس  وعباس بادي. وكذا مواقفه من القضايا الكبرى التي عاشتها الجزائر المستقلة.

ومن الملاحظات التي يمكن أن نسجلها أيضا حول مميزات العالم الروائي عند عمارة لخوص، هو ما يرتبط بطبيعة شخصيات أعماله الروائية، فهو لا يحملها ثقل التحليل النفسي المبالغ فيه، أو الإيغال في سبر أغورها الجوانية، وهي الشخصيات التي تمثل حالات خاصة، فبرغم أنها نماذج إنسانية تعيش ضمن دائرة الصراع الحضاري مثل ما هو في رواية كيف ترضع من الذئبة دون أن تعضك؟ وكذا رواية القاهرة الجديدة، إلا أنها تحافظ على توازنها النفسي، وهو الأمر ذاته الظاهر مع شخصيات رواية "طير الليل"  التي تتحرك ضمن حدود الضغوط والاكراهات الممارسة من قبل الواقع السياسي والتاريخي المأزوم في كثير من الأحيان.

 

د. طارق بوحالة

 

 

جمال مصطفىمجموعة شعرية جديدة للشاعر العراقي عادل مردان: مواسم لحمار الأسفار من إصدارات اتحاد الأدباء 2021.

هـذه المجـمـوعة هي آخـر ما نشره الشاعـر مـن نصوص شعـرية موزّعـةً عَـبْـرَ ست مجموعات شعـرية سابعُهـا (مواسم لحمار الأسفار) وهي المثال الأنضج عـلى ملامح بصمته الإسلوبية وقد تجسّـدت في هـذه المجموعة أحسنَ تَجسيد تشذيباً وتكثيفاً وعـنايةً بالقول مبنى ومعنى، إضافـةً الى ما تميزتْ بـه مِـن الإبتعـاد عـمّـا هو مجرد زخارف في اللغـة وفي الصياغات.

ليس للشاعر مِـن آباء شعـريين يمكن الإستدلال على آثارهم في نصوص هـذه المجموعة، نصوص ترعـرعتْ في ظـلِّ قراءآت عالمية وعـربية كثيرة ومتنوعة .

نهايةٌ مرحة يا شجرة الرمان

كان يأمل الكائن الورقي

بأكثر من القشور

حين يضع كرسيّهُ الأخضر

فوق الجلنار

يميل الشاعر إلى التعبير بجمل قصيرة في الأعم الأغلب حتى لَـتخلو المجموعة مـن جملة تزيد على أربع أو خمس كلمات ، ليس هذا فحسب بل إن المجموعة خَـلتْ أيضاً من النصوص الطـويلة وهـذا مَـلْـمـحٌ اسلوبيّ يَشي بما للشاعر من ميلٍ الى الإبتعاد عن الثرثرة والإكتفاء بالتعبير البرقي كأن الشاعر صائغ شذرات بعناية مفرطة فهو ميّال الى الإكتفاء بأحجاره الشعرية الكريمة وصقـلها ثم تشكيلها ضمن صور يمكنها الإكتفاء بنفاسة جوهرها وحده غير أنها متفاعلة مع ما يجاورها من صقيل الجمل الشعرية المنتقاة بعناية تصل حدّ التقطير فليس هنالك من حشو ولا انثيالات ولا استرسال في هذه النصوص كأنها بذلك ما استطاع الصمود بعـد مرور الممحاة عليه مراتٍ ومراتٍ فهو شعـرٌ يُومىء ولا يبوح وإذا ما باح فإنّ بوحَهُ غصنٌ يؤكد أنّ الريح قد اقتلعـتْ الشجرة هذا الطبع الشعري أو المزاج التشذيبي هو المهيمن في الأعم الأغلب من نصوص الشاعر في مجموعاته الست أي انه اسلوب راسخ وسِمَةٌ اسلوبية عند الشاعر، وهذا يجعـلني أميل إلى القول: إنّ هذه النصوص الشعرية المشذبة بعناعية هي إلى الشعـر الحُـر أقرب منها إلى قـصيدة النثر من فـرط عناية شاعرها الفائقة بإيقاع الجملة الشعرية ونحتهـا واختزالها وترشيقها .

يختصر نفسه بلا هوادة

كي يُكافح الزمن

إنه شعـرٌ بعـيد كليّـاً صوراً وإيقاعاً وصياغةً عن السردية والإنثيال والتفاصيل اليومية حتى انه يقترب في بعـض الأحيان من الهايكو في لغـته المختزلة بل إن فيه ما هو هايكو:

2822 عادل مردانعلى تلّة المزابل /

ملك الشطرنج الأسود

يلعب مع القدر

*

عندما

أُلَوّن الفزّاعة /

الغربان تتجمهـر

لكن نصوص هذه المجموعة ليستْ أحاديـة اللون بل هي سـجّادة أعجمية فيهـا خطوط وألوان وزخارف وتَجاورات تشكيلية من كلّ مدرسة وثقافة ومكان وهي بهذا كله تنتمي الى زمانها أكثر من انتمائها الى مكانٍ بعينه فليس في هذه النصوص ولعٌ بذكر تضاريس المكان والتركيز عليها بوصفها علامة على هويّة محلية خاصة إنها نصوص تقترب كثيراً من هجران المحليّة والدخول في شعر ذي سمات عابرة للمحلي، شعر يمتلك مواصفات عصره في كل مكان على هذا الكوكب ولكنها لا تخلو تماماً من إشارات يمكن أخذها كعـلامات على هوية المكان منبثّة هنا وهناك في بعض النصوص إذ يكفي أحياناً التماعةُ كلمةٍ ما في النص لـيعرف القارىء من تلك الكلمة شيئاً عن هوية المكان وتحديده على ضوء تلك الكلمة وكمثال على تلك الكلمات التي توحي بهوية المكان دون حتى ذِكْـر المكان كلمة (سَحّارة) التي وردتْ مرةً واحدة فقط ولكن هذه المرة الواحدة كافية كإشارة إلى أن هذه النصوص هي نصوص عراقية على انَّ النصوص الشعرية في (مواسم لحمار الأسفار) نصوص لا تحتفي بالمكان حفاوةً خاصة .

كذلك فإن هذه المجموعة لا تخسر من شعـريتها الكثير بعـد الترجمة لأنها نصوص تعـتمد على صور شعرية عالمية النكهة ولا تُـعـوّل عـلى جماليات جدّ محلية أو جماليات تستثمر في اللعـب على اللغة ومن هنا تأتي ميزتها بوصفها نصوصاً يمكن يمكن نقلها الى لغة أخرى أو ثقافة أخرى، خذ هذه الصورة الشعرية مثلاً:

كوفيد مصيرنا المتوحد

أمام أبنائه اللامرئيين

يخطو منتشياً في شوارع المستقبل

*

أو هذه الصورة الشعـرية:

حيث أشجاره تتنقل كزرافات خضْـر

فهل تخسر هذه الصورة الشعـرية الجميلة من جمالها شيئاً إذا قرأناها مترجمةً؟

الأعم الأغلب من الصور الشعرية في نصوص هذه المجموعة يـنحو هذا المنحى وهو منحى عالمي معاصر لا يقتصر على بيئة أو ثقافة دون أخرى بل هو مما نجده معروفاً في جميع اللغات والثقافات المعاصرة شرقاً وغرباً خذ مثلاً هذه العَـيّنة: الصحون الطائرة، الثقوب السوداء، الإنفجار العظيم، كوفيد، السيرك، الإسخريوطي، هذه وغيرها تجعـل من نصوص هذه المجموعة نصوصاً ذات نكهة عالمية بمعـنى ان القارىء الغربي وغير الغـربي يستقبلها دون أن يراها غريبة عليه ولا استبعـد هنا ما تركته قراءة الأدب والشعر والرواية العالمية بصورة عامة والأوربية بصورة خاصة وطبيعة عصرنا المرتبطة بالشابكة من تأثير وتسريع في بلورة خطوط عامة لهذه اللغة الشعرية العالمية التي تميل نصوص الشاعـر الى التماهي معها والإبحار في ماء شعرياتها الأوسع والأشمل.

طفل ألثغ

ينتف رأس الشارع

ولكنّ المجموعة حافلة أيضاً بالعديد من المزايا والشمائل وعلى أكثر من صعيد ومن هذه المزايا إن نصوص المجموعة بعيدة عن العـبوس التعـبيري فلا تقطـيب وليس هناك من تشنج لا في المواقف ولا في الإنفعالات ولا يُـباغَتُ القارىء بإدعاءآتٍ أو صور عضلية أو استعـراضية، الشاعر في هذه النصوص انسان أعـزل يحاور محيطه بما تُضمرهُ الكلمات من طاقة مُـوارِبَة، بها يَهشُّ على تَنانين العصر وله فيها مـآربُ جماليةٌ وروحية ونفسية أخرى .

أيتها الشاشات النابضة

يا كهوفنا الجديدة

سينادي المنادي هلوعاً

مرحى بالصحون الطائرة

على الرغم من اندراج الشاعر ضمن شعراء موجة الحداثة العراقية في تجليّاتها الأحدث لكنه صوت ذو نبرة خاصة، نبرة فردية تغـذت على كل ما هـو جيد ودسم ومعافى في الشعر العراقي الذي سبقها ثم أضافت إليه شمائلها ونكهتها الذاتية وليس هذا بقليل .

أعلى الهضبة

يرجمون نساء القبيلة

بينما الأحجار المدمّاة

تتدحرج فوق السفح

ديوان عادل مردان الجديد تتويج لتجربة شعرية في أوج عطائها ننتظر من النقد أن يعـطـيها ما هي جديرة به من قـراءة متفحصة.

 

جمال مصطفى

 

 

قلولي بن ساعدأو (كي لا يفترس نصوصنا وحش التاريخ)

غالبا ما يقع بعض الخلط الشنيع في المشهد الأدبي الجزائري، وربما العربي عموما بين كثير من القضايا النقدية والمفاهيم الملتبسة في مخيالات نفر من المثقفين والكتاب.

ومنها على وجه الخصوص إلتباس الرؤية وضبابيتها في الفصل بين النقد الأكاديمي وبين البحث الجامعي .

فالنقد عموما كما أفهمه هو ممارسة وهمٌ ثقافي وأدبي يستمد قوته وثراءه من الاستعداد الفطري للناقد المبدع ومخزونه القرائي وموهبته الأساسية ورغبته المحمومة الملحة في القراءة والمتابعة واستكمال ملف الكتابة الإبداعية وإضاءة مضمراتها على مستوياتها المتعددة .

وبين البحث الجامعي المتيسر لبعض الطلبة أو الراغبين في ذلك من أجل ترقية مهنية أو نيل رتبة علمية .

 وعليه لا ينبغي الخلط بين هذا وذاك، لأنه لوكان الأمرعلى هذا النحو لوجدنا المشهد الثقافي العربي برمته في تخمة معرفية بالنظر للعدد الكبير من الطلبة المتخرجين كل سنة من أقسام اللغة العربية وآدابها والعلوم الإنسانية عموما .

ولصار لدينا عدد كبير من "النقاد" المؤمنين بجدوى الأدب وأهميته في حياة الفرد والمجتمع ، ولتحول المشهد الأدبي العربي إلى ورشة متخمة بروح السؤال والمعرفة.

وإذ كان النقد الأكاديمي هو النقد الذي يعتمد على المنهجية العلمية ويحاول إستثمار أدوات منهج معين من المناهج النقدية سواء منها النسقية أو السياقية المعاصرة أو الكلاسيكية .

فإن هذا النقد ليس في إستطاعته الخروج عن متعاليات المنظومة النقدية التي يستقي منها المنهج الذي يعتمده في قراءة النص الإبداعي ، إلتزاما من مستخدمه أو مستخدمية بالوفاء لروح المنهج ، أو المدرسة التي يستقي منها يعض مواد المفاهيم والأدوات الإجرائية المساعدة على (تفكيك رموز الخطاب الأدبي) بتعبير الأستاذ حسين خمري.

حتى ولو كان نادرا ما يستطيع التخلص من فلسفة التطابق والتماثل التي يفرضها المنهج المستخدم بوسائطه الإجرائية على مستخدمه أو مستخدميه .

والتي عادة ما تلزمه أي الناقد على الإنصياع لمتعالياتها المدرسية ، قصد التعامل مع هذه الوسائط بمرونة ما أمكن ذالك خدمة للنص الإبداعي وللمهمة التي وجد من أجلها النقد .

طالما أن النقد هو (بناء لفهم خاص لعصرنا) بتعبير رولان بارت.

بينما النقد الصحفي فهو النقد الذي يعتمد القراءة الحرة من دون الإستعانة بمنهج معين وقضايا المنهج والمنهجية ليس لإفتقاره لها.

ولكن لأنه يتوجه لقارئ بسيط غير معني بقضايا المنهج والمنهجية ، ولا تهمه أصلا تلك الترسانة من المفاهيم والمصطلحات النقدية التي تتواتر كثيرا في مقالات ودراسات بعض النقاد والباحثين، أحيانا من دون حتى فهم عميق لها أو ضرورة لإستخدامها الإستخدام المنتج للمعنى والدلالة .

بدليل أن هناك بعض النقاد الأكاديميين والأساتذة الجامعيين يقومون بين الحين والآخر بهذا النوع من النقد ونعني بذلك النقد الصحفي .

 وهم وغيرهم من الذين قدموا خدمات جليلة للأدب الجزائري في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من نهاية القرن المنصرم، في وقت كان فيها النقد الأدبي الجزائري المكتوب بالعربية يكاد يكون معدوما.

وهي مرحلة كان لا بد منها في ذلك الزمن بالنظر لحداثة تجربة الكتابة النقدية في الجزائر آنذاك في حدود وسياقات مختلف المواقف والتوجهات الفكرية السابقة منها أو الراهنة .

وما أنتجته في زمنها وبيئتها من منظومات فكرية ومعرفية متباينة تبعا لتحولات تجربة الكتابة النقدية وإحالاتها التاريخية والإيديولوجية .

وطبعا من حق الروائيين والشعراء والقصاصين والكتاب عموما أن يشتكوا من غياب النقد الأدبي عموما، وشخصيا أتصور أن هذا العدد الهائل من النصوص والمنشورات بصرف النظر عن تباين مستويات إبداعيتها لا يمكن أن يتصدى لها ناقد أو باحث جامعي واحد مهما بلغ من الأهمية ومن الكفاءة النقدية والعلمية ومهما تيسر له من وقت وإمكانات.

إنه في حاجة إلى فريق بحث كل يتناول تجربة ما من هذه التجارب أو بعضها من الزاوية القريبة من مجال تخصصه أو تلك التي تثير شهيته النقدية وحسه الإبداعي .

كي لا يفترس (نصوصنا وحش التاريخ) كما قال عبد الكبير الخطيبي  طالما أن القراءة النقدية أية قراءة تبدأ أولا من الإحساس بمكامن الجمال في النص الإبداعي .

ثم تأتي بعد ذلك المعرفة والقدرة على التحليل واستخدام المفاهيم كوسائط إجرائية ليس إلا ولا تفسير أبدا في تصوري للحط من شأن النقد الصحفي سوى التجاهل المقصود للنص الإبداعي في غياب أي بديل يذكر  تماشيا مع الوضع السائد.

ومن يروجون للحط من شأن النقد الصحفي هم في الواقع يشكلون نسبة قليلة لا أثر لها .

ولا يتجاوز صداها بعض المساحات الضيقة ، ولا صلة لهؤلاء بالنقد الأكاديمي ولا بالنقاد الأكاديميين الذين تعلمنا منهم ولا زلنا نتعلم منهم ونشأنا على بعض كتبهم ومشاريعهم النقدية ، حين كنا مجرد تلاميذ على مقاعد الدراسة والتكوين في قرى نائية نادرا ما يستطيع الفرد فيها الحصول على كتاب مثمر ومفيد يؤثث به مخيلته الإبداعية أو الفكرية .

ومن غيرهم من الباحثين الشباب الجامعيين المسلحين بأشكال عدة من الوعي النقدي الجديد المتحقق بفضل الفتوحات المعرفية الطارئة على علوم الإنسان واللغة .

لقد قدم أحد النقاد والباحثين وهو الأستاذ لونيس بن علي تشريحا موضوعيا لهذه الظاهرة عندما أعتبر أن ما هو (مكرس في الجامعة لا ينتمي إلى النقد بل ينتمي إلى حقول أخرى لم يكن النقد يوما الابن الشرعي للجامعة بل كان ينتمي إلى الهامش وما لا يعرفه الكثيرون هو أنّ الصحافة هي المكان الطبيعي للنقد).

ولم يتوقف عند هذا الحد بل نجده يعترف دون مواربة أو تردد بأنه في الجامعة .

(لا نمارس النقد بل ندرس نظريات الأدب ومناهج دراسة الأدب وتاريخ الأدب وتاريخ النقد والنظرية الأدبية) .

وهي مجالات يرى أنه (لا علاقة لها بالحكم او التقييم إنها تدعي الموضوعية في حين أن عمل الناقد هو تقييمي بالدرجة الأولى) .

 لكون الغاية من دراسة الأدب في الجامعة على مايرى (ليست فهم الأدب ولا تأسيس وعي جمالي ونقدي ومعرفي بالتجارب الأدبية بل جمع ما يمكن جمعه من المعلومات حول الآداب والأدباء والنقاد والمدارس ...)

فيستنتج في النهاية بأنه (عمل تأريخي تجميعي أكثر مما هو عمل نقدي وحفري..)

 وعليه فليس من المعقول أبدا أن كل من يحمل شهادة جامعية فهو (ناقد أكاديمي) وليس من المعقول أيضا أن كل من كتب مقالا صحفيا فهو ناقد بالضرورة .

فالمسألة نسبية وهنا حجر الزاوية .

 

قلولي بن ساعد/ قاص وناقد

 

           

 

جمعة عبد اللهصدرت مؤخراً المجموعة الشعرية الاولى لشاعر (امجد حميد لفتة الحريزي) تضمنت العديد من القصائد النثرية، تمثل عنفوان الشباب بخياله اللامحدود وثقافته الواسعة والمدرك آياته لمديات الواقع وعتباته المرئية واللامرئية. يقف في المواجهة الحادة والصريحة، أمام عورات الواقع وعثراته ومطبات، بالمصارحة الحقيقية بعلقم المر، تضع قافيتها على الداء والجرح بما يعانيه منه الوطن. هذه المكاشفة والمحاججة تمثل عينة من الشباب الواعي والناضج والمنتفض على خزعبلات مفردات الواقع المفروض فرضاً، في مجابهة التحديات التي تخنق الوطن، واصبح (حائط انصيص) لكل من هب ودب من الزعانف ذات المخالب الجارحة، وتتباهى بذيولها الطويلة بالخيانة المستعارة، وبذلك تأتي في مضامين القصائد النثرية بالمعنى والرمز البليغ والعميق، بقدر ماهي في حروفها الحادة كالسكاكين الباشطة، لكن في داخلها نتلمس الجرح العميق، انها تنتفض على احساسها المجروح وتتمرد على معاناة العراقي، التي أصبحت معاناة والصراع على الرغيف الخبز، مما خلقت حالة الغربة والاغتراب داخل الوطن، فلابد من المواجهة لوقف هذه تداعيات قبل الانفجار الكبير بالمأساة الكارثية. ومن المؤلم للوطن أن يعيش في خضم نزاعات وخصام عبثي نزق ومتغطرس ومتعالي، ونزوات طائشة تؤدي به الى التيه والمجهول، تكالبت عليه العورات واصبح عارياً تماًما في كل أبجديته وحروفه، قصائد المجموعة الشعرية تحاول ان تجد قافية وحروف بديلة يسميها قافية الرغيف على انقاض القافية البالية التي يتشبث بها أولياء الأمر والسلطة، ومن أجل الخروج من حالة التقوقع والانكسار والهزيمة، الى حالة الحرية والانعتاق في الفضاء الحر، فالشاعر (امجد الحريزي) عاشق الحرية والانعتاق وبما يمتلك من الخلفية الفكرية العميقة في دلالتها وترميزها الدال البليغ، تملك مقومات الإقناع، في محاولة انتشال الوطن من القاع بئر يوسف، وتأتي قصائد المجموعة بصوتها العالي والمدوي بقوة الشباب المتحدي والرافض الاستسلام والهزيمة، ان يصرخ بحروف ابجديته، كأنه ينقش او يحفر في الحجر من اجل استقامة العراق، في خياله الشعري الواسع وارضية أفكاره الناصعة والبليغة التي تقف بجانب الوطن. يحاول أن ينتشل الانسان المظلوم من قاع البئر، ويمنحه رغيف الخبز ويعلمه قافية الوطن، يحاول ان يقشع السحب الغيوم والدخان الكثيف عن سماء الوطن، ليؤكد حضوره في للوطن، لكي يبدد الاحزان، ولكنه يشير بأصابع الاتهام، الى الجناة والقتلة وذيول الخيانة والعمالة المستعارة، والذين يكنزون الذهب والدولار ويحرمون المواطن من حق رغيف الخبز. يحاول أن يبعد البارود والدخان الذي يحجب ضوء الشمس، هذه هي مضامين قصائد المجموعة الشعرية (قافية رغيف):

- تحول المواطن الى مجرد خوذة صالحة لكل المعارك والحروب، حتى التبول فيها بكل غطرسة وانتهاك. يتزاحم عليه البارود بشهية كشهية العاهرة. وسط الصخب والضجيج يضيع صوته في انعدام الفراغ، لكي يبقى طريح المخاوف والقلق، فحين يحاول الهروب داخل نفسه، يصرخون به بكل عنجهية ويقولون له: أنت مجرد خوذة، ويبصقون على أحلامه، بأنه خردة.

تحاول.... الهرب الى داخلك

يصرخون هم...

أخرج.....

تعاود الكرة..

يصرخون..... هم

أخرج

هم ينعمون بكل تلك القصائد

والترافة التي

بنيت

وأنتَ.... كملعون..

ترضى بدور

خوذة....

مجرد خوذة ليس

إلا....

كيف سمح لهم إنليل بالدخول..

خلسة.....

خلسة أليك دخلوا.....

عابرين...

تيهك وكل حروفك

المتحركة

دون أن تبتلعهم لعنات بوحكَ الجائعة

 لشظية عابرة !

تجاوزوا جدرانك الخمس والعشرين...... (من قصيدة / جعجعة)

- في هذا العالم الصاخب في الانتهاك الى حد اللوعة الموجعة. في قيظه الساخن والدائم. والإنسان اعزل لايملك لا يملك شيئاً أو مجرد هو لاشيء اطلاقاً، يجري بين المحطات ويقفز هنا وهناك، وعلامة الرفض تضرب وجهه، في صراعه الحياتي أصبح سلعة حرب ليس إلا، جندياً مرمياً في جبهة الحرب الطويلة. كأنه خلق للحرب والبنادق، ولا يمكن أن يعيش بدون حرب طويلة كأنها اغنية الحياة (احنة مشينة للحرب)، والبندقية والخوذة جاهزة لخوض حرب طويل العناق، هب لنا حرباً، لاننا سلعة لا نصلح إلا للحرب وهو عزاءنا الأخير في أغنيتنا المفضلة . هذا شكل نفاق وتفاهة العصر في تجهيل واللعب بالإنسان،

أن نعري المحطات ليقفز كل هذا الجري

أعتدنا..

الحائط كثيراً

حتى آمنا أن لا خطوة في الظل

ما بالك

والخطوة تنزف السوق الآن

وعلى وقع الصحو

تشتبك

التجاعيد بأعقاب البنادق الاخيرة....

جنودك...

نحن...

هب لنا حرباً

واترك العيون ورشقات الماء على عاتق أمهات الرحيل

هب لنا....

حرباً طويلة البال...

نتوق لها..

حرباً...

طرية العناق

ذخيرتها من العصر وأحاديث الليل

وبندقية.... الجندي

أغنية شعبية مالحة

هاهي خوذتنا

جاهزة

استعارة مفتوحة الجبيب من العزاء الأخير. (من قصيدة / غرين كوفي)

- الام ايقونة العائلة المقدسة بالكدح والجهد والتعب، لا تستريح إلا توفير رغيف الخبز من التنور توفرها للأفواه العشرة، وتلقن دروس الخير والنعمة بضوئها الرباني بالعطاء، لا ترتاح إلا عندما تطل البسمة من الشفاه، هي ايقونة الحب والحنان الدفئ، بقلبها الكبير الزاخر بالعطاء والتواضع، والابتهال الى الله، ان يكونوا فلذات كبدها سنابل الطريق بالخير والعطاء. من قصب انكيدو الأخير، يرد كولدٍ صالح، يتعلم من نضج تنور الام.

أمي....

تصفع الرغيفَ برجال عشرة....

 تُلقنَهُ درسَ التشبثِ ونحنُ

لا أسماء قدسية إلا أيقونتها الدافئة:

كفاها...

فوهة تنورها....

تنضجنا

قمحاً..... قطنا...

أو قوسَ قزحٍ على شقة جامعٍ مكتظ با لله....

تقول أمي.......

لا ينضج الرغيف

حتى

يتعلمَ نظمَ الفقاعة الأولى....!

 

واذكرُ الطين حين يردُّ

كأحدنا.....

نحن سنابلُ الطريق الطويلة من عيونِ الانتظارْ

نحنُ قصب أنكيدو الأخير..

يردُ كولدٍ صالح:

بعض النار يا أماه....

ويَسدُلُ النضج على ليلِ رغيف.... !

أمي.... (من قصيدة / أمي.....)

- مسكينة هذه الجدران نكتب عليها بحروف من حجر. ننقش عليها أسم العراق لكنه يتصبب عرقاً ومعاناة هذه واقع الحال المتخشب في رمال المعاناة الوقحة، كيف تشطب اسمه من قائمة ذيول في خيانتهم المستعارة. يا وقاحة هؤلاء الرجال ويا عار ذيولهم، لا يخشوا من عاقبة السماء والدين. ويحاولون نزع أن قافية العراق وهو يقاوم ويستقيم، يريدون العراق قافية جائعة هاربة من حروفها، هذه أصل وقاحة الاوغاد الذين باعوا ارواحهم للشيطان، ليكون العراق تنور دخان بدون خبز، ينطقون بالعجمية الكتب السماوية بالخبز والفيء يعلمونا في درس التعليم ويكتبون درس الجوع، لكي تتمرن على الجوع والبطون الفارغة أو الافواه الفاغرة.

يا لهذهِ الجدرانُ المسكينة...

العراق يتصبب منها..

حجراً... حجراً...

استقامة.... استقامة..

تذوي المدينة..... !

يا لهذهِ الرجال الوقحة...

ألا تداس بعُري الريح...... ؟!

 ألا تخشى السماء باضطجاعها في حضن كُلّ بللْ

 

يالهذهِ المدينة.....

كطينة فائضةٍ في تجويف قرية

مرشوقة ً.... كقاطنيها

دون وجه......

دون قفى....

الاروقة في قعر السيد اليتيم...

فتحها نمل جاء بالصدفة ايضاً....

عامةُ الناس:

تنطقُ بعجمةِ كتابٍ سماوي فصيح بالخبز والفيء

الرغيف لغتهم....

يتقنون من سبورة درس الجوع

نطق بعض الفتاتِ

أسماؤهم..... أفواه فاغرةُ القافيةِ. (من قصيدة / قافية الرغيف)

 

- عنوان الكتاب: قافية رغيف

- المؤلف: أمجد حميد لفتة الحريزي

- الطبعة: الاولى عام 2021

- الناشر: مطبعة النبراس / النجف الاشرف

- تصميم الغلاف: مهند الحريزي

- عدد الصفحات: 125 صفحة

 

 جمعة عبدالله

 

 

حيدر عبدالرضادراسة في الأعمال الشعرية الكاملة لحسين عبد اللطيف

الفصل الأول ـ المبحث (2)

توطئة:

لعل ملكة الذوق الفني لدى الناقد هي من مشروطيات العلاقة المماثلة التي يتم من خلالها استشعارية خاصة عند الناقد لذلك النص بأدوات مؤولة من شأنها فهم و افهام أوضاع ووضعيات خلفية النص، كوحدة متصورة ومحتملة في إمكانية القراءة التأويلية المتاحة ضمن ميول القراءة الخاصة للناقد، وعلى هذا النحو سوف نتعامل مع عوالم دلالات الشاعر الكبير حسين عبد اللطيف، ضمن منظورية تطبيقية لأهم ما جاءت به موجهات نصوصه الشعرية من أشارات وإحالات وإيحاءات خفية وظاهرة، وبهذا الصدد سوف نتعامل مع بعض قصائد مجموعة (على الطرقات أرقب المارة) من ناحية أداة (شعرية التشكيل) وكيفية صياغة الشاعر من جهة ما للمتن الدوالي في بنيات متعدية زمكانيا وحلميا في حيز مخصوص من المواضعة والمشاكلة وعلاقات التنصيص المتفاعل وحدود ذائقة التلقي والقراءة .

ـ العلامة الشعرية وإمكانية تحقق المعادلة الزمنية

غالبا ما نواجه في نصوص الشاعر حسين عبد اللطيف ثمة نماذج متعددة من مغزى العلامة الشعرية المنفتحة نحو أوجه التبادل بين كفة البقاء داخل الانغلاق النصي والخروج بالدلالة الشعرية بطريقة ذات ارتباط بآفاق علائقية ـ توليدية، وعلى مساحة بين المجسد الملفوظي والفضاء الدوالي، وهذا الأمر ما جعل القصيدة تبدو وكأنها واقعة إمكانية متصلة بين(مؤول الدليل) وتمظهرات الفاعل الدوالي المقرون بدينامية سياق التشكيل من واصلة رؤية النص:

أعلنتِ العاشرة

والنصفَ، ليلاً، دقّة الساعة

نافذة الشارع

مطبقة الأهداب ./ص17 قصيدة: نافذة

على وفق هذه الرؤية المبثوثة في محاور الدوال الزمكانية تواجهنا تضاريس مرحلة تشكيلية خاصة تستوعب مجمل مؤشرات زمنية محددة، بمعنى ما أن الممارسة التوثيقية للزمن هنا (أعلنت العاشرة) ثم تليها جملة (والنصف ـ ليلا دقة الساعة) أن عملية تأجيل إيراد دال (الساعة) في النصف الأخير من الجملة، علامة على أن حالة الاعلان الزمني حلت في حدود صفة إخراجية متشكلة ضمن محصلات لغة الزمن وهوية الأشياء الموصوفة، ولأجل أن تستعيد علامة الزمن شكلها الخبروي، أعلن الشاعر عن اشارته للساعة كجزءا في دليل الصياغة الانشائية في الجملة القصدية، وهذا ما جعل العلاقة مع حيز المكان مؤشرا في سياق سكوني من التوزيع والمحاورة (نافذة الشارع ـ مطبقة الأهداب) من هنا يترتب على الحيز التشكيلي فسحة ما من التأطير والاستيعاب السياقي، فمحددات الزمن قياسيا بواحدات المكان حلت في مجليات مشكلة تحكمها دال (نافذة) ودال (الساعة) كحالة مزامنة في علاقة خاصة من مرونة التشكيل المرتبط ارتباطا وثيقا بحالات الذات الساردة في ممكنات النص:

... تبكي نجمةً ساهرة

والريح في الساحة

هائمة،جائرة

ترتجف الأغصان

وفي سكون الليل تعوي الكلاب

فتوقظ الساحة

شيئاً..

فشيئاً.. / ص7   قصيدة: نافذة

1ـ سلطة سردنة الشعر في الوظيفة الإحالية للدال:

أن محمول المعنى القصدي في مساحة المقاطع من القصيدة، يقودنا نحو دلالة وصفية ـ سردية، من شأنها فرض صياغة حكواتية في جمل الدوال، ولهذا الأمر وجدنا دال (النافذة) بمثابة المعنى الضمني الذي يقودنا نحو قيمة فضائية من دلالة الموصوف (تبكي نجمة ساهرة ـ الريح في الساحة ـ هائمة، حائرة ) إن التشكيل الصوري في محمول الدوال، لغة وإيقاع وبناء، يذكرنا بوظائف قصة (النافذة و الساحة) لمحمد خضي، لولا حجم الاختلاف في المستوى النوعي ما بين حساسية الشكل الدلالي المنصوص في المبنى والمتن  والعلاقة الاجناسية ـ النوعية، ولكننا في مؤثثات القصيدة، لاحظنا حساسية الشكل والموضوعة الشعرية، التي تصاحب ملفوظاتها مثيرات استعارية وليس كنائية، في تدبر المتاح من النوع النصي، على أية حال، تبقى سيميائية النوع الاسلوبي في قصيدة عبد اللطيف، كقيمة استبدالية تتجاوز اللعب مع وحدات المكان، وحساسيته، اقترانا لها بجملة الحاصل التنقيطي في أول الجملة ثم ابتداء بالصورة الشعرية (تبكي نجمة ساهرة) ففي هذه الجملة ثمة علاقة تشكيلية مفتوحة ومزامنة مع حساسية الزمن والمكان والذات، ما جعل من بنية فاعل الحضور الوصفي للحال يتلبس لبوسا طاغ من مؤسسات رؤية المكان (الريح في الساحة..هائمة،حائرة) الفاعل الشهودي هنا هو الدليل على ذاكرة المكان بالزمن، أي إنه وبلا شك الجدل الفراغي المجيب في رحم الغياب المقصدي، لذا فإن عتبة مركز العنونة (النافذة) هي موصل وواصل الرؤية نحو شاهدية الزمن والمكان، فضلا عن تجليات الذات الساردة التي ظلت في حدود الصيغة المراقبة والحكاية في مؤولات التشكيل استهلالا واشتغالا في مضاعفات فضاء التفاصيل المروية (ترتجف الأغصان.. وفي سكون الليل تعوي الكلاب.. فتوقض الساحة.. شيئا.. فشيئا) تشتغل موجودات المساحة المكانية مجددا في اطلالتها التشكيلية من عمق ملفوظات الراوي الشعري، تمظهرا سكونيا مباشرا (ترتجف..سكون.. الليل.. الساحة.. شيئا.. فشيئا) وبكل ما تنطوي عليه من حركية مشحونة في مسار الغموض والاغتراب والسكينة اللافحة، فيما تبرز دلالة(الأغصان ـ الكلاب) كمؤشرات مكانية متعاضدة في فعالية المنتج التشكيلي المنصوص في إطار المد المكاني والأحوالي في خطاب النص.

 

2ـ الذات الديناميكية في محذوف التشخيص التنقيطي:

إن آلية التشخيص في محاور الجمل الأخيرة من القصيدة، تتضح من خلالها آلية الفاعل المجسد بأستنطاق الوحدات المادية والمعنوية من مسافة صوته الأنوي تحولا نحو مستوى الداخلي إلى مستوى الخارجي، وعلى وفق منظومة غيابية تحكمها أداة التنقيط و مؤثرات المحذوف من المكون التشكيلي بالحركة العدمية الناتجة من علاقة مؤولات النص:

أفتح الأجفان

لم ألمح البستان

لم ألمح الحارس والسكران

لم ألمح الفضة في الألوان

...

...

...

لمحتُ نفسي آخر الساحة ./ ص18    قصيدة: نافذة

العلامة الختامية في مسافة النص، تمنحنا محسوسا ما في حادثة علاقة محفوفة بمحورية الزمن والمكان وجمالية مؤثرات ضمنية حاصلة من آلية (النص المضمر) أو هو ذلك الصوت المفترض تماثلا مع واحدية مرثية الأنا عبر خلاصات زمنها الاستجابي الكامن في محموله العزلوي الخاص وطقوسه المجردة في أشد اللقطات عدمية ومحذوفية من أحياز وفضاء حضورها المختزل في دلالات متعدية، أخذت تتجسد منها في ذاتها حلما حسيا بالغياب وظلال الأمكنة المصاغة في الاستجابة المتخيلة تجاوزا وتعديا نحو آفاق مضخمة في اللاشعور الأحوالي .

ـ في التشكيل والتصوير وحجب التدليل

ليس هناك قصيدة شعرية مثيرة ومعمقة لا تنطوي على مساحة كثيفة من الحزن والأحزان، خاصة أن موضوعة الشجن في جغرافيا الشعرية العراقية ممتدة في جذورها منذ بدر شاكر السياب وحتى محمود البريكان وحسين عبد اللطيف، أجل نقول أن مكانة الحزن والغياب والاغتراب في مشروع قصيدة حسين عبد اللطيف، ذات آليات ومؤثرات هي من العمق والسعة ما لا يمكن لنا الإحاطة بدلالاتها التقانية الشيفرية حصرا، لذا وجدنا قصيدة (في العذابات يهرم الشجر) خير ميثاق على تجليات أقصى منازل الشجن لدى هذا الشاعر الفذ، وقد غالت لديه عواطف الشجن الشعري مكانا يصعب النزول منه، فهي تعليقات استثنائية في أفق المتاح والممكن من رؤى جمالية مأخوذة بفاعلية شعرنة الحزن بحساسية فنية، تجعل من عملية الدال المحور ظهورا ذو قيمة وحيوية في سياق مخصوص من حالات التبنين والتمظهر في محاور دوالية مثيرة في التحقق العلاماتي:

هل يجيء المطر،

دورةً

دورةً

وهو في غرف العاشقات

يرقب الدورة الضائعة

ياعذابي الذي يستطيل

يا عذابي الذي يستحيل ./ ص15 قصيدة: في العذابات يهرم الشجر

1ـ آفاق القراءة وسياق مقصدية التأويل:

في ضوء معطيات قصيدة (في العذابات يهرم الشجر) ثمة معادلة مؤولة من قبل رؤية تشكيلية ما، يكون مبعثها متعلقا بإمكانية السياق الشعري المرجعي المحدد في رمزية دال (المطر) والحالة الدوالية سابقا لدى السياب في رائعته أنشودة المطر، والآن تواجهنا لدى حسين عبد اللطيف، في حدود اختلافية ما في جملة ممكنات المسمى ووظيفة الرمز والمرموز. فالشاعر استخدم دلالة المطر في آفاق نصه، بطريقة يريد من خلالها المعاينة القصدية المنفردة بما يحمله واقع المطر من دلالات عزلوية وغيابية في حال خروج الأشياء عن وظائفها المحددة، على العكس تماما مما يحمله المطر من الخصب والنعيم في هطوله على الأرض، وبما أن عتبة العنوان الشعري للنص حمالا لأوجه مؤولة في مزايا عكسية ومغايرة، تحتل لذاتها ابعادا ظرفية خاصة بالشاعر، فإننا سوف نتعامل مع النص هنا من ناحية كونه جملة احتمالات وتصورات وتخمينات من جهتنا لا من جهة الشاعر وقصيدته. قلنا أن جملة العنوان هي (في العذابات يهرم الشجر) تشكل بذاتها مقصودا مستعارا راح يتفاعل وهوية الاهمال والهرم والزوال والتهميش، ومن خلال هذه المراتب تتبين لنا توصلات قراءة المتن الأول للقصيدة، بأن جملة التوقع (هل يجيء المطر) اللاستفهامية، تؤشر لنا الحالة المشتركة ما بين (الترقب = البحث) امتدادا نحو اللازمة التكرارية (دورة..دورة) وإذا انتقلنا من جهتنا إلى التحليل النوعي لجملة (هو في غرف العاشقات) لربما قد لا تتضح لنا سوى أداة مونتاجية مقطعة نستشف من خلالها ما يحل ما بينها وبين المعنى الشعري، سوى أحساسنا بأن جملة اللاحق (يرقب الدورة الضائعة)قد تكرس ذاتها في دلالة ضياع العمر أو هدر الزمن في غرف العاشقات، بما يقارب معنى الحالمات بلا جدوى ما، وعلى هذا النحو تأتي جملة (يا عذابي الذي يستطيل) لنجد مدى مؤثرات لغة الواصف في الموصوف، الذي أتاح الضياع العمري له كصورة شبيهة بسقوط دورات المطر الذاتي وليس الاعتباري، فهو بمثابة تبديد للأعوام العمرية في محطات من (ياعذابي الذي يستحيل) وهنا نجد بأن صور الشاعر العمرية ذات دلالات معادلة اقترانا برمزية المساءلة الذاتية (هل يجيء المطر) وتصبح هذه الجملة في محصلتها كحالة انفعالية أخذت تتضمنها رؤية الشاعر الاسرافية في صياغة الحزن و الألم:

قد يجيء الندم

لزيارتنا، عادةً،في الأخير

من هنا أو هناك

نفتح الباب والنافذات

فيحل الغياب الطويل. / ص15 قصيدة: في العذابات يهرم الشجر

بعد أن تبلغ الجمل الشعرية مبلغها في إثارة ما يقارب ثنائية (الحياة ـ الموت) نتبين بأن حالات النص كانت محملة ببرقيات مخالفة لما قلناه حول الجمل في القسم الأول من النص، كي تتوضح لنا صورة المطر بمعنى مرمز (الموت) الذي يصادر بعدد دوراته (غرف العاشقات) وقد يكون المقصود هنا غرف الأثم والمحرمات إذ يختطفهن الموت وهن في المحارم ملوثات، إما حين (يجيء الندم) ضمن حدود معالجة تطهيرية ما فسيغدوا (ينفتح الباب والنافذات .. فيحل الغياب الطويل) وعلى هنا النحو يتداخل المعطي الداخلي للموت بأعلى هيئاته الاستفهامية ـ مكونا في مظاهر المساءلة أشد محتملات العزلة والفقدان للأشياء:

وحدك، الآن، أين المطر؟

وحدك، الآن، مثل الشجر

يابساً والنساء اللواتي معاً، ذاهبات

وحدكَ الآن، لادورة في مطاف الطيور

أو مطاف الغرف

دورة

دورة

هل يجيء المطر؟

الأسئلة الشعرية هنا لا تستهدف حصولا على إجابة معرفية أو صوفية ما، بقدر كشفها للمتبقي من زمن دواخل أداة الاستفهام الذاتية، بل إنها أشد عمقا من غموضها إلتباسا، هنا الشاعر يعاين سفر مراحل الموت بدال (المطر) ويستظهر من خلال دلالة (مطاف الغرف) تحقيقا بالأشارة حول المنازل في دار الدنيا، كذلك يقصد بدلالة (لا دورة في مطاف الطيور) أي إلى الاندراج في نهاية الأشياء، فلا مفرا من الموت في مشاهد القيامة الكبرى، حيث الأشياء هنا وهناك، سوى (دورة..دورة) وبهذا التركيز في مستوى اللازمة المقطعية، تنكشف لنا ختاما صرخة الشاعر الاستفهامية،وكأنها تواصل بحثها في ملاذاتها الأخيرة من مواطن الموت المؤجل عنه (هل يجيء المطر؟).

ـ تعليق القراءة:

في ختام حلقة مباحثنا في هذا الموضوع من دراستنا، أتذكر مقولة جميلة قالها المفكر البولندي رومان انجاردن يقول فيها: (إن النص الأدبي يقوم على أفعال قصدية من قبل مؤلفه، تجعل من الممكن للقارىء أن يعايشه بوعيه كقارىء، وتعني المعايشة نوعا من التداخل، عبر التجربة القرائية، بين المؤلف و القارىء، ذلك أن النص لا يجيء كاملا من مؤلفه، لأنه مشروع دلالي وجمالي، لا يكتمل إلا بالقراءة الواعية التي تملأ ما في النص من فراغات. / هربرت شبغلر ـ الحركة الظاهراتية ـ لاهاي 1965) وعلى هذا النحو يحق لنا القول بأن الكتابة الشعرية لدى الشاعر الكبير الأستاذ حسين عبد اللطيف، تستدعي في مخزونها الدلالي قراءة نقدية واثقة، من شأنها تأويل أحوال الأبعاد النواتية في وظائف الدوال، طلبا بمعطيات جادة وجديدة من مقاصد إمكانية الوصول النقدية نحو دلائل عديدة من احتمالات القراءة، وأن لم يوفق الناقد في الوصول إلى مقاربة المعنى في قصيدة الشاعر، فحتما سوف يوفق في تقديم بدائله النقدية المؤولة والموصولة بأسمى أوجه تعدد القراءة والقراءات المتاحة في سياق تجربة هذا الشاعر العراقي الثمين.

 

حيدر عبد الرضا

 

جبار ماجد البهادليدِراسةٌ نقديَّةٌ في مَجموعةِ (بِئْرُ بَرَهُوْت) لجَابِر مُحمَّد جَابِر

مَدخلٌ إلى النَّصِّ القَصصِي

إنَّ من يُريد أنْ يُلقي بنفسه في غَياهبِ النَّصِّ القَصصي، مُحاولاً بجديَّةٍ رغبةَ النظرِ الدقيقِ، والمُعاينةَ النقديةَ الكاشفةَ لفكِّ شفراتِ غَيابةِ الجُبِّ العميقةِ السَّوداءِ في (بِئرِ بَرَهُوت)، لمَا غابَ عن نظرة (العَينِ الثَّالثةِ) وَعياً وفَكراً، وخَفِيَ بَصَرَاً ورؤيةً عن أَعيُنِ المُتلقِّي الواعي الحصيفِ فَهماً وإدراكاً من أنساقٍ ومَصادرَ خَفيَّةٍ مُضمِرةٍ، وتَمظهرَاتٍ ثَقافيَّةٍ مُتجلِّيةٍ بَارزةٍ تُهيمنُ على آفاقٍ ومِسَاحاتٍ واسعةٍ من أقانيم الفضاء القَصصي، سيلفتْ نظره ذلكَ العرضُ التركيبيُ الصغيرُ ببنيته اللُّغوية، والمُحتشد نوعاً بسعته الدلالية، والمُتجَلِّي بِأَيقونة عتبتهِ الجزئية (بِئْرِ بَرَهُوت) في قوَّة انتمائه الفرعي، وشدَّةِ تماسكه اللُّغوي المُوضوعي التوحُّدي، ومطابقته (الثِيمِيةِ) لوحدة الكُلِّ الموضوعية. أيْ من بابِ تقديم الجزء الرمزي اللَّافت إضاءةً بِوقَعِهِ الحَدَثِي على ظلال الكلِّ العضوي الشُّمولي. وسَيكتشفُ أيضاً عبر أثير مجسَّاتهِ النصيَّة، ومن خلال نسيجه السَّردي الرُّوحي أنَّ خيوط هذا الكُلِّ الجَمعي، ما هيَ إلَّا موحياتٌ خطابيةٌ نثريةٌ مترابطةُ البُنى لتمظهراتٍ ثقافيةٍ قِصصيةٍ عديدةِ الرؤى، تُمسكُها بِتَحَكُّمٍ واتقانٍ مَكِينٍ تعبيريةٌ فنيَّةٌ لِساردٍ عَلِيمٍ بَأدواته الفنيَّة أحكمَ تَقنيةَ السَّطيرةِ الفكريَّةِ والإبداعية على تلابيب أَذيالِ خُيُوطِ ثَوبِها الواحد،؛ لتكونَ رَافداً فنيَّاً مُغذِّياً لوجهٍ متعدِّدٍ واحدٍ في الشَّكل والمَضمون، وأُسلوبيَّةِ إِيقاعِ الأداء الحَركي (الصوتي والمرئي) .

مَا يُضِيءُ مِن عَتبَاتِ النَّصِّ:

النَّصُّ أيَّاً كان جنسهُ الأدبي شعِريَّاً أم نثريَّاً يُعدُّ خطاباً إبداعياً موجَّهاً، ورسالةً موضوعيةً لوعي القارئ، فهذا النَّصُّ له عتباتهُ الفنيَّةُ واشتراطاتهُ الجماليةُ القارَّةُ التي من خلالها نقرأ عتبات النَّصَّ، ونفهم القصدية الجمالية من وراء تلك العتبات.

جَمالِيَةُ لَوحَةِ الغِلَافِ الأوَّلِ

تِلكَ هيَ إضاءاتُ صُوتِ الحقيقةِ المغيَّبة ِالمنشودة في أُسلوبيَّة الكاتب والقاصِّ جَابِر مُحمَّد جَابِر، وتِلكَ هيَ تباشيرُ صور رؤيته الفكرية والفلسفية المُتوهِّجة فنياً، لرحلته السردية في مجموعته القصيرة جِدَّاً (بِئْرُ بَرَهُوت)، الصادرة بطبعتها الأولى عن دار بعل بدمشق_سوريا عام 2021م، بـ (95) صفحةً من القطع المُتوسِّط. والمُصمَّمة إخراجياً وفنيَّاً بلوحةِ غلافٍ أولي رئيس انتصف إلى نصفين متساويين، فضمَّ النصف السفلي منه عتبةَ النَّصِّ العُنوانيةَ الرئيسةَ مُوسومةً بخطٍّ واضحٍ باسم مؤلِّفها الكاتب، وملونةً بلونٍ أزرق غامق للدلالة على ديمومة الحياة. أمَّا النصف الثَّاني، فقد جاء على شكل لوحةٍ رمزية باللَّون التُّرابي والحِبري الممزوج بالسَّواد لِيدٍ مَمدودةٍ مَفتوحةِ الأصابعِ من باطنِ الكَفِّ، وفي داخلها رَسْمٌ مُصغَّرٌ لِسفينةٍ مُبحرة بشراعٍ تَجري صَوبَ فَنَارٍ ضوئيٍ وُضِعَ على أطراف باطن الكفِّ، وفوق هذا الفَنار تُحلِّقُ في السماء مجموعةٌ من النَّوارسِ الصغيرة. وكأنَّ النَّسقَ الرَّمزي (البَرَهُوتي) المُضمر لِلِسان حال جَابر مُحمَّد جَابر يَنطق بالإغاثة الحاليةِ، فِيستدعِي النَّجدةَ، ويطلب يدَّ الانقاذ الفوري لسفينته التي كادت أنْ تغرقَ جراءَ ذلكَ الواقع البِئري المُظلمِ المُعاش، ودون تحقيقٍ لِحُلمهِ في الوصول إلى ضفاف مرافئ الأمل والسلام. أمَّا لوحةُ الغلافِ الثانيةِ التي جاءت بلونين فقد ضمَّنها الكاتب توصيفاً نقدياً لأراء أربعةٍ من النُقَّاد العراقيين المَحليينَ بهذه المجوعة، فضلاً عن تثبيت عنوان عتبة المجموعة القصصية، واسم مؤلِّفها القاص جَابر مُحمَّد جَابر مَشفوعةً بصورته الشخصية التأمليَّة، فضلاً عن شعار دار بعل للنشر.

جَمالياتُ عَتَباتِ النَّصِّ الفَرعيَّةِ

ومنْ يُجيلُ التأمُّلَ والاستقصاءَ الفكري في جمالية (بِئْرِ بَرَهُوت)، ويجوسُ خلاله ديار تلك العتبة الرئيسة الموازية لمَتنِ النَّصِّ، والكاشفة لأضوائه الداخلية، وأسراره الخفيَّة بشكلٍ مُباشرٍ أو غيرِ مُباشرٍ، سَيقرأُ حَتمَاً ذلكَ الكمُ العَددٍي الهائل من العنواناتِ القِصصية الفرعية المتعدِّدة بموضوعاتها الثَّريَّةِ التي احتوتها المجموعة، والبالغة كمَّاً (سِتَّاً وسِتينَ) قِصةً قَصيرةً جِدَّاً، كلُّ قصةٍ لها وقعُ تَفَرُدِّها الموضوعي الحكائي، وجوِّ سياقها النَّسقي الجمالي والنفسي الدالة على واقعةِ الحَدَث المكانية والزمانبة. فَمِنْ بينَ هذه العنوانات الفرعية المُكتَنَزَة بصياغاتها التعبيرية يبرزُ إلى سطح الأفق القصصي السَّردي واحد وعشرون عنواناً فنيَّاً مائزاً بانزياحاته المخيالية الصورية والجمالية التي تكسرُ توقُّعَ المألوف من المعتاد الاعتباري للواقع السردي، وتُدهشُ واعيةَ المُتلقِّي برمزيتها الانحرافية النسقية الماتعة. في حين في الجانب الآخر الأكثر تُعطيكَ صورُ الخمسِ والأربعينَ من العنوانات الفرعية الأخرى المتبقية انطباعاً قصدياً واضحاً عن دلالاتها التقريرية المباشرةِ المُعبِّرةِ عن الواقع السائد الراهن الذي لا يَحتمل فيه العُنوان وفقَاً لِرؤيةَ القاصِّ ترميزاً فنيَّاً مخياليَّاً بعيداً عن واقعة الحدث الموضوعية. وقد يكون ذلك فِعْلَاً قَصدِيَّاً مُمنهجاً من قبل الكاتب، أو العكس من ذلك الفعل كأنْ تكون فرضته واقعة الأمر، فلم يتمكَّن القاصُّ من أنْ يتجاوزه، فيَبقى العُنوان على هيأة شكله االمباشر كقصَّةِ، (نَجمةٌ، السَّهمُ الطَّائشُ، قِصصٌ فَاضحةٌ..) وغيرها.

وَحِينَ نَستَغورُ بِعُمقٍ بطونَ هذه العنواناتِ، ونستكشفُ تَمثُّلاتِ مُتونِها الرساليةِ، يظهر من خلال هذه النصوص القصيرة أنَّ وعيَ القَاصِ جَابِر مُحمَّد جَابِر ورؤيته الفكريَّة لم تَقِفَا عند حَدٍّ موضوعيٍ مُعيَّنٍ من حدود التعامل مع شخصيات هذه النُّصوصِ وأبطالها الحقيقيين في نقل معاناتهم النفسية وصور همومهم الذاتية التي هيَ معاناته الحقيقية، بل تتنوَّع صور تلك المعاناة والأحداث صُعوداً وهُبوطاً مع مؤشِّرات واقعةِ الحَدثِ، حتَّى تَصلَ ذِروتُها القُصوى في الجانب (الإنساني) الكبير، فتبلغ (25) قِصةً، وبنسبةٍ مئويّةٍ تصل إلى (37%)، ويتداخل الجانب الجمعي مع الجانب الموضوعي (الذاتي)،فيصل فيه القصُّ إلى (17) قِصةً، وبنسبةٍ مئويَّةً بلغت (25%) .ثُمَّ يتبعها الجانب (الاجتماعي) للواقع الحياتي المؤثِّر حتَّى يصل فيه التوظيف القصصي إلى (11) قِصةً، وبنسبةٍ مِئويةٍ تَصل إلى (16%)، ثُمَّ يَظهر بعدَ ذلكَ الجانب (الوطني الآيديولوجي) للواقع السِّياسي، فَيجِسُّه القاصُّ بـ (8) قِصصٍ قَصيرةٍ مُتنوعَةٍ، وبنِسبةٍ مِئويَّةٍ بلغت (12%)، ويختتمُ هذه الجوانب الخمسة بالجانب النسقي (الفكري الجَمالي والرُّوحي) الذي يُضفِي على عناصر هذه المجموعة روحاً فلسفيةً خاصةً به بـ (5) قِصصٍ قَصيرةٍ، وبِنسبةٍ مِئويَّةٍ بَسيطةٍ بلغت (7%) من أصل نسب قصص هذه المجموعة التي تصل (100%) . 

ولَعلَّ هذا الكشف الإحصائي لبنيته السَّردية القصصية يَشي بُوضوحٍ تامٍ بأنَّ الكاتب والقاصَّ الرائي جَابر مُحمَّد جَابر يسعى بمثابرةٍ إبداعيةٍ جَادَّةٍ، وَمَهارةٍ قِصصيةٍ واعيةٍ إلى أنْ يكون خطابه القصصي السَّردي في فنيته التعبيريَّة خِطاباً متوهجَاً جامعاً في وحداته الموضوعية خَمساً من الرؤى العضوية، والأنساق الثقافية المتجدِّدة، فترى المهيمناتِ: (الإنسانيةُ، والذاتيةُ، والاجتماعيةُ، والوطنيةُ، والفكريَّةُ) مُوحَّدةً في مَصفوفةٍ سَرديَّةٍ مَاتعةٍ فيها كما في آليات العمل الرُّوائي السَّردي من المفارقات الحدثية المُدهشة، والتّقاطُعات النفسيَّة المُذهلة الَّتي تُلقي بسحر ظِلالِها الوارف، وتأثيرها النفسي والفكري على عقلية القارئ،فتجذبُهُ إليها من خلال إثراء النَّصِّ القصصي وتدفقه بجماليات تنوِّع الأسلوب اللُّغوي،وتحريكِ صُورهِ السَّاكنةِ، وأَنسنةِ موضوعاتهَ الحياتيةَ الثابتةِ، "كانَ سَهماً طائِشاً، مَعَ هذا أصابَ ظَنِّي، وَجَرَحَ خَاطري، وَأَوجَعَ نَسيانِي، لمْ يَعٌدْ مَرفأُ الصَّبرِ مَلاذِي، أو حَتَّى قَريباً مِنِّي، وَمِياهُ دجلة لا تستطيعُ أنْ تُطفئَ حَرائقَ وِجدَانَي" (السهمُ الطائشُ، ص 9)، فتحريكُ الثابت، وتغيير المتحوِّل سردياً إلى ثابتٍ مُتجدِّدٍ يُعدُّ عناصرَ أسُلوبيَّةً فَنيَّةً حدَاثويةً مهمَّةً في كسر الأنساق الرتيبة التالفة؛ كونها بدائل ثقافيةً تُجدِّدُ في فلسفة الفكر السَّردي القِصصي للكاتب، وتمنحُها رُوحاً جَديدةً تُناسبُ سَيرَ المتغيِّراتِ التحوِّليَّةِ.

إِضَاءاتُ العَتَبَةِ العُنوَانِيَّةِ

مِن عَلاماتَ النَّصَّ الضوئية المهمَّة أيقونته العنوانية الرئيسة التي تُعدُّ (ثُريَّا النَّصِّ) المُوزاي المشعَّةَ بِفنَارها الضوئي اللَّامعَ على النصِّ الإبداعي الرسالي، والتي تكشفُ للمتلقِّي القارئ مغاليقَ مَا اِستحكمَ مِنِ المُبهَمِ النَّصيِّ، وتفتحُ جوانب خفيَّةً من أسرار ذلك العالم النَّصيِّ الفسيحِ، وتَفضَحُ المُغيَّبَ النَّسقي مِنِ المَسكوت عنه قصدياً، سواء أكان شعرياً أم نثرياً؟ وليس شَرطاً أنْ تكون عتبة العنوان الرئيسة لها عَلاقةٌ مباشرةٌ بالنَّصِّ الإبداعي المُرسل؛ وَلكنَّ المُهمَّ في إنتاج هذه العتبة هوَ احتوائها على خُيُوطٍ سِيميولوجيةٍ فنيَّة، وَإشاراتٍ رَمزيةٍ وإيحائيةٍ بَعيدةٍ تَربطُها كُليَّاً بتمظهرات النَّصِّ ومُوحياتهِ السَّرديَّة.

إنَّ الذي يدعونا إلى حقيقة التساؤل في حضرة هذا التشكيل القصصي للعنونة، لِمَ جَابر مُحمَّد جَابر سمَّى مجموعته القصصية بالعنوان المفخَّخ الغريب بسواد جهنميته التاريخية (بِئْرُ بَرَهُوْت)، (البئرُ المعطَّلة) التي ورد ذكرها في (سورة الحجِ)، الآية (45) في القرآن الكريم: ((بئرٌ مُعطلَةٌ وقصرٌ مشيدٌ))، ولمْ يُسمِّها مثلاً على سبيل الجانب الروحي الديني تبركاً باسم (بِئرُ زَمزمَ) الشهير؟ وذلك تماشياً وتفاعلاً وتفاؤلاً مع المأثور القولي التراثي الشهير لعلي بن أبي طالب الذي صدح به مُخْبِراً عنه القول،"خَيرُ بئرٍ في الأرضِ زَمزمُ، وَشَرُّ بِئرٍ في الأرض بَرَهُوت". إذن المقاربة التوصيفية الوظيفية الإخبارية للبِئرينِ تؤكِّد بجلاءٍ لا يَقبلُ الشَّكَّ أنَّ بئر بَرَهُوت مصدر الشرِّ، وبؤرة الخَراب والفساد الدائم بدلاً من دالته الرمزية الخيرية التي هي الماء نعمة الرواء وسرُّ الحياة للإنسان. ويبدو لي كما يَرى روَّاة التاريخ العربي الإسلامي أنَّ (بَرَهُوتَ) اسم لوادٍ بِحَضرموتَ في شرق اليمن له علاقة رمزية بأرواح الكفَّار كما يقال عنه، أي (البِئرُ العَميقةٌ)، أنَّه علامة سوء فارقةٍ.

فمن حيثُ هذا المنتهى السلبي لرمزية البئر البَرَهُوتي أنَّ القاصَّ جَابر مُحمَّد جَابر كان مُصيباً في اختياره لهذه العتبة المُتشظية بدلالاتها المعنوية البعيدة، والتي تشي بأنَّ رمزيةَ (بِئْرِ بَرَهُوت) هي صورة إيحائية مُصغَّرة عن رمزية (العراق) الكبير. فالمعنى الدلالي القريب في هذه الإشكالية التقريبية يؤكِّد بصدقٍ أنَّ العراقَ بلدُ الخيرات، ورمز الحضارات الإنسانية الأصيلة، وموئل أبجدية الحرف العلمية، في حين أنَّ المعنى الخفي البعيدَ له يُشيرُ إلى أنَّه أضحى خطَّاً أحمرَ لمنطقةٍ سوداء، وصار وكراً تسكنها الأفاعي البشرية المعادية من اللُّصوص والمرتزقة الخائنينَ الذي لا يَمُتُّونَ إليه بِصلةِ القرابةِ والنَّسبِ والوطنيةِ والانتماءِ. فحالُ (عِراق اليومِ) حالٌ مظلمٌ أسود كَحالَ (بِئْرِ بَرَهُوت)، ذلك المعادل الموضوعي الذي لا يَسرُّ القريب الداني، ولا البعيد القاصي بدلالة توصيف الرائي جابر لهذه البئر، والذي ينفي علميته به بالقول: "لم أكنْ أعلم أنِّه [أنَّها] بئرُ جَهنمَ، ويُسمِّى [وَتُسمَّى] أحياناً البئرَ السوداءَ، تَسكنُهُ[تَسكنُها] الأفاعي والطيور الغريبة، وعمقهُ[وعُمقَها] (375) قَدَمَاً،معَ هذا ذهبتُ إلى محافظة الحِيرَةِ في اليمن ولا (ما) زلتُ هُناكَ..." (بِئرُ بَرَهُوت، ص76) . فالفراغ النُقَطي الذي تركه القاصُّ بقصته، وبقاؤه بأرض اليمن روحاً يَدُلانِ على أنَّه لم يقف على وجه حقية تلك البئر التي صارت رَمزاً لفوبيا الشرِّ.

وعلى وفق هذا التشكيل الرمزي للعتبة النصية جاء توظيفُ الموضوعاتِ القصصيةِ الأخرى لهذه المجموعة متوازناً في تلك الدفقات السَّردية المتواثبة التي تَتخفَّى وَراءَها شخصية الكاتب (الراوي العليم) الذاتية بتنوِّع ثِيمِ موضوعاتها الإنسانية والاجتماعية، وتجدُّد مواقفها وتقاطعاتها الثقافية وأنساقها الفكرية التي هيَ بالنتيجةِ تُشيرُ إلى أنَّها جَابر مُحمَّد جَابر، وفي حركته الأُسلوبيةِ التَّعبيريَّةِ في الحياة كاتباً أديباً وشاعراً وقاصاً واعداً. وكنت أتمنى على القاصِّ جابر لو اختار قصة (اليدُ الثالثةُ) عنواناً لهذه المجموعة القصصية بدلاً من ظلامية غواية (بِئْرِ بَرَهوت)، لكانَ المعنى اللُّغوي والدلالي والرمزي لجماليات هذه المجموعة أكثر أفقاً واتساعاً وشموليةً في معناها الإبداعي التسريدي القريب والبعيد وفي تجلياته الزمانية والمكانية؛ وذلك لكون (اليَدُ الثالثةُ)، هي الرمز الحقيقي لرؤية الكاتب القاصِّ أو السِّارد، وهي المُعبِّرُ عن الذات الإبداعية في التجربة السردية كـ (العَينِ الثالثةِ) المتأمِّلة المفكِّرةِ البَاصرةِ لبنيةِ النَّصِّ الشِّعريَّة أو السَّرديَّة المُرسَلة إلى أنظار القارئ .

جَماليةُ مقدِّمةِ التصديرِ

من بين الجماليات التي تتزيَّنُ بها عَتَبَاتُ النَّصِّ (الجِينِيتِيَة) المُتعدَّدة جمالياتُ دلالاتِ مُقدِّمِة النصِّ التصديرية التي حجزت لها مكاناً بارزاً في صدارة هذا الكتاب قبل الشروع بقراءة نصوصه السردية المتوالية؛ وذلك لكونها الموجز الحِكَمِي المُصغَّرُ، والمستخلصُ التكثيفيُ التَّركيبيُ النَّحويُّ المُحتشد بطاقاتٍ إيحائيةٍ كبيرةٍ معبِّرةٍ عن رؤية الكاتب وفلسفته الإنسانية والجمالية عن صورة العمل الذي يُقدِّمه إلى نافذة المتلقِّي. حتَّى وإنْ كان حجم التصدير الذي يُقدِّمه كلمةً واحدةً؛ لكنَّها تُعدُّ منجماً سِحريَّاً مُؤثِّراً؛ لِما تحملهُ في طياتها الداخلية من الثراء اللُّغوي والفكري والدلالي شكلاً ومضموناً وعلامةً فَارقةً. فالتصديرُ حِلْيَةٌ جَماليةٌ فكريةٌ عميقةٌ جاذبةٌ لفكر القارئ، والتمكُن من السيطرة على وعيه في فهم وإدراك المغزى الحقيقي للعمل الأدبي والتمثُّل به تعضيداً وإسناداً؛ لترسيخ الحقيقة وإقرارها وفق منظور فنِّي وإنساني يَحظَى بِرضا وتَوافقِ الجَميعِ.

وجَابر مُحمَّد جَابر من أولئك الكُتَّابِ الَّذين يؤمنونَ بفلسفة العمل الفنَّي الأدبي وحكمتهِ التَّصديريَّةِ التي أصبحت أيقونةً فكريَّةً ونافذةً روحيةً مهمَّةً يطلُّ منها الكاتب الواعي على فضاء عالمه النَّصيِّ الرحيبِ، مُستفيداً من أثر جماليات الواقع الحدثي السابق، وتداعيات حكمته الموضوعية، وإسقاطه على إسهامات نصوصه القصصية كمتفاعلٍ نَصيِّ حَقيقيٍ لهُ أثرهُ الإيجابي على المُتلقِّي في التواصل مع بقية أدوات النَّصِّ الأخرى. وهذا ما جَسَّده جَابر في تصدير كتابهِ بمقدِّمةٍ نصيِّةٍ لمجموعته القصصية، جاءَ فيها "حين سأل موظَّف الجمارك (أوسكار وايلد) في واحدةٍ من رحلاته، إنْ كانَ يحمل أمتعةً ثمينةً، لم يتردَّد الكاتب أنْ يُجيبَ... ((عبقريتي)) "، (مُقدِّمة المجموعة، ص5) . فَرَدُّ الكَاتبِ في التعبير عن عبقريته الفكرية جواباً، كان أخطر مما يمتلكه من أمتعةٍ مادية زائلة. فجابر يُؤمنُ أنَّ الفكر الذي يحمله المثَّقف أكثر تأثيراً من أي أمتعةٍ.

ولا ينحصر عمل التصدير على بداية الكتاب أو مقدِّمتهِ للمجموعة القِصصية، فقد يكون مقدِّمةً لعنوانِ قصةٍ فرعيةٍ ضمن محتويات المجموعة القصصية نفسها؛ وذلكَ بقصدية التأكيد والتعضيد لموضوعية النصِّ الفكرية، والإيمان بلزوميته الدلالية الاشتراطية الفاعلة، وكما فعل القاص جَابر مُحمَّد جَابر في قصته (الرايةُ الخضراءُ) عند ما نقل لنا قولاً فلسفياً لبلزاك جاء فيه "كلَّما ازدداد حُبُنا، تضاعف خَوفُنا من الإساءة لمنْ نحبُّ..."، (الرايةُ الخضراءُ، ص 23) .

جَماليَةُ الوَمضَةِ (تَشحِينُ القِصصِ)

2811 بئر برهوتالفنُّ القصصي أسلوب كتابيٌّ فنيٌّ رفيعٌ يخضعُ فيه التعبير القِصصي إلى أحكامٍ وقواعد وآلياتٍ فنيَّةٍ وجماليةٍ معيَّنةٍ قارّةٍ تعتمد فيه لُغة الكاتب التعبيرية السَّردية للقصِّ الحكائي على قوِّةٍ مِهمازيَّةِ الإِدهاشِ والذُّهولِ، والسرعةِ في كسر توقُّع جدار المألوف السياقي الاعتباري الصوري، وتحطيم عُرى صورته الكليَّة من خلال عنصر الانزياح الجمالي المكثَّف بصور المباغتة الفجائية في فاعلية توقُع الضربات الضوئية التي تظهرها براعة القاصُّ التَّوهجية، ومهارته الإبداعية في خواتيم قصصه على شكلِ مُفارقاتٍ فنيَّةٍ جميلةٍ المقصد، وتَقاطعَاتٍ إمتاعيةٍ مُغايرةٍ للواقع الموضوعي الزمكاني؛ كونها تتَّخذ من تَقنيَّة (الومضة) شِحناتٍ فكريةً إيحائيةً مُكتنزةً بِطاقاتٍ إيجابيةٍ كبيرةٍ، فيها من سعةِ التمكن ِوالدلالة القريبة والبعيدة ما يُغني النَّصَّ القِصصي قوَّةً وثراءً، ويمنحهُ نَسغاً رُوحياً جديداً من فيوضاتِ الوعي الفكري والجمالي التحديثي الجديد.

فالقاصُّ جَابر مُحمَّد جَابر لم ينسَ _تقنيَّاً_ قواعدَ الفنِّ القِصصي وشرائطَ ضوابطهِ وَآلياتهِ الفنيًّةَ والجماليَّةِ القارَّة التي تُميِّزهُ عن نظائرهِ من الفُنُونِ الأدبيَّة الأُخرى. فهوَ على الرغم من ذلك الفهم المعرفي الواعي، يُراوحُ أسلوبياً في تعبيره الفنِّي القِصصي بين تَشخيصِ صُورةِ الواقع الحالي المعاش، والواقع التخييلي الافتراضي البعيد الذي يَحدُثُ ولا يَحدُثُ، وتحويلُ محمولاتهِ الفكريَّةِ إِلى واقعٍ جماليٍ. الواقع الذي ينتجَ عن تلك المُراوحةِ الفنيَّة فيما سيكونُ في علاقاتهِ الحاليَّةِ مُعادلاً موضوعياً لأُسلوبيته القِصصية التي تمزج بين الذات الأنويَّةِ المُرمَّزةِ، والذات الرمزيَّةِ الجمعيةِ التي يَفرضُها الوازعُ الوَطني والآيديولوجي في مواجهة الواقع. وقد انعكست تأثيراتُ ذلكَ المُهيمنُ الأُسلوبيُّ على وقعِ شَخصيات أبطال قِصصه التي تترآى صورها الحقيقية، سواءٌ أكانت هذه الشخصيات رجالاً أمْ نساءً في حالة صراعٍ مُستمرٍ مع من يُنشدُ القوَّة اِنتصاراً، ويَمقتُ الاِنكسارَ هَزيمةً وَضُعفَاً، ومعَ من يبحث عن الحقيقة الواقعة حياةً، أو يَجِدُ فِي الوَهمِ البصَرِي مَلاذَاً حَياتِيَّاً آمنَاً.

لقد تَتبَعتُ أُسلوبياً بخُطواتٍ وَئِيدةٍ قراءةَ قِصصِ جَابر مُحمَّد جَابر قِصَةً قِصَةً في مدونتهِ السَّرديةِ هذهِ (بِئْرِ بَرَهُوت) للكشف عن القصص التي تَضمنتْ بنيتُها التعبيريَّةُ الفنيَّةُ جَمالياتٍ قِصَصِيةَ (الوَمْضَةِ)، فَتبيَّنَ أنَّ الكاتب كان جادَّاً مثابراً في السعي إلى توظيف الكثير من قِصصهِ بِهذه التقنيَّة الجمالية الإبداعية، والَّتي لا يُلقَّاها أيُّ أديبٍ كان إلَّا من أتقنَ سِرَّ جمالها، وَسِحرِ قوةِ تَأثيرها النَّفسي على المتلقِّي، "كُنتُ أَعتقدُ أَنَّ كُلَّ زُملائِي المُوتى يَتَبادلونَ الأملَ، حَتَّى جاءَ يَومُ الحِسابِ،لِأَجدَ أنَّ الزُّملاءَ سَبقونِي إِلى الجَحِيمِ"، (مَعاً إِلى الجحيمِ، ص 73) . فَجمعتْ وَمْضتُهُ بَينَ تَضاديةِ الأَملِ والأَلَمِ.

وتبيَّنَ أيضاً أنَّ جَابراً لم في مدونتهِ البّرهوتيةِ لمْ يَنزاحْ في اِنحرافهِ القِصصي إلى تَوظيفِ جَمالياتِ هذهِ التَّقنيَّةِ الفنيَّةِ، خَاصيَّة (الومضة) إلَّا في (30) قِصةً، وبنسبةٍ مِئويةٍ بَلغتْ أعلاها (45%)، أي أقلَّ مِن نصفِ العَدَدِ الكُلِّي للمدونةِ البالغِ (66) قِصةً. أمَّا المُتَبَقِي الآخرُ من نصوص هذه المجموعة، أي الـ (36) قِصةً، فيكادُ يكونُ جميعُهُ قَصَّاً حِكائياً مُوضوعياً متراتباً خالياً من خاصيةِ مُفارقةِ المُؤثَّراتِ الوَمضيةِ،إِلَّا أنَّ تأثيراتِ لُغةِ الكَاتبِ الشِّعريةِ تُغَطِّي على سِحرِ أُسلوبيتِهِ الوَمضيةِ في فِنيَّةِ التَّقصيصِ، "اِنعطفتُ يَمِينَاً فَإذَا بِهِ أَمامَ ضَريحِ سَيِّدنَا عبدِ القَادرِ الكَيلانِي صَرَخَ مِن أَعماقِهِ: أَنتَ مُنْقِذي .. خَلِّصنِي مِن شُربِ المُخدِّرَاتِ سَيَّدي أبَا الفَضْلِ.. يَا مُولَاي العَبَّاس بِن أَبِي طَالِب..."، (شارعُ الحقيقةِ، ص55) . فلولا المقاربة الجمالية الفنيَّة بين الرمزينِ الدِّينييْنِ المُخلِّصَيْنِ،لِمِا كانِ لهذهِ التقنيَّة التَّوهجيةِ مِن تَأثيرٍ وَإمتاعٍ على نَفسيةِ المُتَلقِّي.

وَفي البَنيةِ السَّرديَّة للـ (أَنَاوَاتِ) الأَربعةِ: قِصةُ (أَنا) التي يتماهَى فيها الكاتب مع ذاتهِ الأَنَويَةِ، وَ (أَنَا وَعَلاءُ عَاشُور) الَّتي يَتحاورُ فِيها مع صديقة الأنا الآخر للبحثِ عن الحقيقةِ،و (أَنَا وَشَبَحِي) الَّتي يَتقاربُ فيها مَعَ ظلِّ طُفولتهِ، و (أَنَا وَهِيَ) الَّتي كانتِ مُقاربةً جَماليةً معَ الذاتِ الأُنثويةِ الأَنتيةِ، لم نرَ تَمظهراتِ خَاصيَّةِ (الوَمضةِ) في هذه الأناواتِ شَاخِصةً في التَّوظيفِ القِصصي إِلَّا في قِصةِ (أَنَا وَهِيَ) التي يَثبتُ فيها نزاهتهُ الذاتيةَ أمامَ شُبهاتِها الأُنثويةِ الأُخرى، "أنا رجلٌ بعيدٌ عن الشُبهات، تَتهمُنِي هيَ بالتفريط بجمالها، أو عنوستها أو مفاتنها...أنا لم أحافظ على نزاهتي في رسم خطواتها، هَيَ تَقولُ ذلكَ..."، (أَنَا وَهِيَ، ص 68) . فَسِحْرُ الوَمضةِ وخَاصيةُ تَأثيرِ المفارقةِ السَّرديَّةِ في هذه القِصَّةِ القَصيرةِ جِدَّاً جاء بإيقاعٍ عَفوي بَسيطِ من غيرِ تكلُّفٍ أو عُسرٍ أو صعوبةٍ، بل بانسيابية سلسةٍ حملت نَفسهَا بِنفسِهَا.

تَشْعِيرُ لُغةِ القَصِّ

اللُّغةُ بِمفهومها الدِّلالي الخاصِّ سَواءٌ أكانتْ شِعريةً أمْ نثرية؟ تُعدُّ من (أَخطَرِ النِّعمِ) اللِّسانية الأُسلوبيَّة التي يتلبَّسُ فيها الكاتب، وبتأثيرِ أدواتِ مَحمولاتِها الفَكريَّة دونَ أنْ يشعرَ بنتائجَ مُخرجاتِها النهائيةِ إِلَّا بَعدَ اِكتمالِ الصُورةِ الكُليَّة الخارجيةِ لِواقعةِ الحَدثِ. وأنَّ من أسبابِ نَجَاحِ الكَاتبِ وتميِّزهِ الفَنِّي والجَمالي امتلاكهُ لأدواتِ لُغتِهِ الشعِّريَّةِ أَو السَّرديَّةِ وَالتَّحَكُّم بسياقاتِ أَنساقِها الفَكريَّةِ والثقافيةِ والبلاغيةِ والجَماليةِ الَّتي يُوظّفُهَا في الأشكالِ الشَّعريةِ وَالأجناسِ وَالفنونِ الأَدبيةِ المُتعدِّدةِ التي يخرج من عَباءَتِها الفَنُّ القِصصي فَنَّاً سَردياَّ قَائِمَاً بِذاتهِ المَفصليَّة الجَمَالية.

ومثل هذه المقدِّمةِ في مَاهيةِ التَّمايزِ اللُّغوي تُحيلُنَا إِلى نُقطةٍ ضَوئيَّةٍ فَارِقةِ الإضاءةِ مِنْ أنَّ الكاتب جَابر مُحمَّد جَابر لم يكنْ قاصَّاً سَردياً فَحسب، بل كان في الأساسِ شَاعِراً، وأَنَّ جُذورَ بداياتهِ الإِبداعيَّةِ تَخبرُنَا أنَّها كَانَت شِعريَّةً مَحْضَةً، إِلَّا أنَّه في مَراحلِ كتاباتهَ المُتأخرةِ مَالَ مُنزَاحَاً إِلى لُغةِ التَّسريدِ النثري، فَاِنْكَبَّ عَلَى كَتابةِ جِنسينِ منهُ (القِصةِ والرِّوايَةِ) بَاحثاً عن ضِلال رُؤى ذِاتهِ السَّرديَة المَكبوتَةِ بِلغةٍ شِعْرِيةٍ مُكتنَزةٍ وَهَاجةٍ مُوَقَّعَةٍ مَحبوكةٍ. وبِهذا التَّمازجِ التَّجنيسِي اللَّوني تَمَكَّن مِن الَّتوفيقِ في تَوحيدِ لُغةِ السَّرد وَتَشعيرِها بِلُغةٍ الشِّعْرِ، فكانَ النَّصُّ القِصصي لِجَابر مُحمَّد جَابر مَزِيجَاً خَاصَّاً مِنْ لُغةٍ النَّثرٍ والشعر. وكانتء الصُورة البَصريةُ المَرئيةُ مُعَبَّأةً بِشحناتٍ إَيقاعَيةٍ أُسلوبيَّةٍ توهجية شائقةٍ تبعثُ روحَ التواصل مع وحدات قصصةِ، "حِينَ كُنتُ صَغيراً أتَجوَّلُ فِي بَساتين ِقلقِي، أَحتَمِي بِوَحَلِ الأشجار، وأسبحُ في نهر الحقيقة... أَتسلَقُ النَّخيلَ كأيِّ (طَوَّاشٍ) مَاهرٍ، وفي اللّيلِ أَجلسُ قُربَ التُّرَعِ أسمع (المِحِمِّدّاوي) ...فَمِي اِمتلأ بِصوت طفولتي،أخشىَ أنْ يَخنقُنِي وَيَترِكنِي ضَائعاً في فِردوَسٍ لم يخلفْ أَحدٌ أثره قطٌّ، هل ضِعتُ أَنَا، حَاوَلتْ أَنْ أَطبقَ فَمِي بِشَدَّةٍ...فشلتٍ، (أَنَا وَشَبَحَي، ص29) .

فلنتأمَّلَ في قِراءَتِنَا لهذَا النَّصِّ جَمَال أفعال المُشاركةِ الزَمَانيةِ الخَمسةِ، نَحوَ (أتّجوَّلُ، وأحتَمِي، وَأَسبَحُ، وَأجْلِسُ، وأَسمَعٌ)، كيفَ تَمَكْنَتْ بِحركتِها الدَلِاليَّة لبَعِدة المؤَثِّرة، وَبِسِحرِ تَأثيرِهَا التَّوَهٌجي الاِنزَيَاحي الصُوري والجَمَالي من تَشعيرِ لُغًةَ السَّرد الحكائي وأعطائها دفقاً شعريَّاً مُعبَّاً بصور الخيال المستمدُّ من الواقع المرئي البصري للحدث الزمكاني.

لقد أخذتْ لُغةِ تَشعيرِ القَصِّ عِنَد جَابِر مُحمَّد جَابر مِساحةً فنيَّةً مُهمَّةً مَن تَعبيرِهُ السَّردي، مِساحةً انزياحيةً عَريضَةَ شديدةَ الأَثَر والتَّأثر لَا بَأس بِها إذا ما قُورنَتْ مع كُتَّابِ الِقصة وِأُدبائِها فِي الوَطنِ الكَبيرِ بِسببِ تَأثيرِ نَزعَةً مَلَكَةَ الشَّاعريةِ والموهبة الفطرية التي تَتَملَّك ذَاتَهُ النفسية الشعوريةِ وتُسيطرُ عَلَيَها وَاقعَاً حُضوريَّاً. حَتِّى بَلَغتْ ذَروتِها العُلْيَّا فِي طَيَّاتٍ’ هذه المصفوفةِ (25) قِصةً، وِبنسبةِ مِئويةٍ بَلَغت أكثر من (37%) من أصل (66) قصةً المجموع الكُلِّي لهذه المجموعة.

وهَذَا دَليلٌ عَلَى شِعْريتهِ النّثرية التي ألقتْ بِركابٍ خَيلِهَا الأُسلوبي الجامحِ فِي مَيدَان إنتاجهِ القِصصي السَّردي، وربَّما الرُّوائي على شكلٍ أوسع من ذلك الفنِّ الجمالي، حتِّى صارت لغتةُ تَعبئةِ االسَّردَ بِمخيالِ الشَّعر عِنَد جَابر مَيزةً من ميزاتِ لغته الأُسلوبية الشَّائقةِ، وتَمَظَهُراً من تَمظهراتٍ مُعجمِه القِصصي السَّردي، وهذَا يَشي بأنَّ جَابراً سَاردٌ بروحِ شَاعرٍ، وشَاعرٌ شَفيفٌ بِقَلْبِ سَارِدٍ مَكينٍ من أدوات لغتهِ الَّتي تَقُول: "فِي لَيْلَةٍ مَاطِرَةٍ، كَانَ قَلبِي قد فرَّ خارجَ الخدمةِ، ورُوحِي تَنتقلُ في غيمةٍ عَاطفيةٍ إِلى أُخرى، وَقَفَتَ خَلفَ شبَّاكِ جَسَدي، وَأَنا علَى حَافَةٍ البّكاءِ، أَتَرَقَبُ عَصَافِير الزَّمِن التَي خَرجَتْ من عُنُقُ... الظَلامِ، ومَضتْ الدّقًائِق بِطيئَةً كُسلحفَاةٍ، ثُمَّ فَجأةً لاَذتْ بِأشِجِارِ الحُزنِ،لِتحوِّلَ جسدي إلى كتلةٍ من الجمر المتَّقدِ، وَتشَقَّ هَالةَ الضِيَاءِ مِن حَوْلَها..."، (عصافيرُ الزمن، ص11) .نصٌّ مَملوءٌ بِصورِ مَخياليةِ ومَجازيةٍ عَابِرَةٍ لِحدودِ السرد.

هَكذا يَبدو لَنا صَوتُ جَابر مُحمَّد جَابر فِي لغةِ (عَصافيرِ الزَّمنِ)، فَهو في تَأثيثهَ القِصصي يُؤَنْسِنُ صُورَ أَعضائهِ الجسديةِ النِابضةِ، يَهِبُهَا جَمالياً رُوحَاً حركيةً دراميةً جديدةً في ثقافة الصوتِ والصورةِ البَصريةِ والأَداءِ القَصَصِي. فَكلُّ نَصٍّ من نصوص هذه المجموعةِ يَحكي بِلغتهَ الدِّلاليةِ المُحَبَّبَة قِصةً مِنْ أَدِيْم الحياة، وكلُّ قِصةٍ بِكِاملِ رُمُوزها وَأَبْطالِها وشُخوصُها هِي فِي ضرُورةِ المُعِاينةَ والكَشفِ والتَّشفيرِ اللُّغويِّ الرَمْزِي للنَّصِّ تَمَثِّل جَابِراً بِكلِّ تجربتهِ القِصصيةِ المُتَوَهِجَة.

تَدوينُ النَّصِّ وأَرخَنَتهُ قَصَصِيَّاً

إنَّ الكتابةَ القِصصيةِ بِحدِّ ذَاتها تُعدُّ حَقلاً اشتغالياً مَعرفِيَّاً فَنيَّاً قَائِماً بِنَفسهِ، وهيَ قَبلَ كُلِّ شِيءٍ وعيٌّ ثقافيٌّ قصديٌّ قَبلَ أنْ تكونَ فِطْرةً إنسانيةً سَليمةً. وَمَنْ يقرأُ مُدونةَ جَابر مُحمَّد جَابر القِصصية هذهِ قِراءةً نِسقيَّةً كاشِفَةً لِمستوياتِ بِنيَةِ النَّصِّ السَّرديَّةِ، سَيقفُ عِندَ ثَلاثةَ نُصوصٍ من نصوصها المَحلية المَكانيةِ التَّوثيقيَةِ الحَديثةِ، فَتبدو مُتجليَةً فِي قِصةِ (خُضيرُ أَبو الثلجِ)، و (السِّيفونَةُ)، وَ (القِطُّ عَنْتَرُ وَقِصةُ الزَّرايرِ) . وَسَيقرأ بِنفسهَ لُغة الحَيَاةِ اليَوميةِ، لُغةَ التَّفاصيلِ الَّتي تُؤرخِنُ لِحياةٍ أُناسٍ مَدينَةٍ جَنوبيَةٍ سَومريَّةٍ عاشَ فِيهَا الكَاتِب رَدْحَاً طَوِيْلاً مِن حَياتهِ، وَانبثقتْ مِنها جُلُّ ذِكرياتِهَ الثَّقافيّةِ بِمُختلفِ صُورِها الإنسانيةِ العِديدةِ. حِتَّى غَدَتْ رَمْزاً مِن رُمُوزِ مُثاقفاتهِ الفِكريَّةِ الَّتي لَا مَنَاصّ مِنْ تَوظيفِ حِكاياتِها القِصصيَّةِ ذَاتَ التّأثيرِ الإنسانيِ وَالمَغزى الفَلسفِي لِجمالياتِ مَدينةٍ نَابضَةٍ بِالحياةِ تَجمعَ بين العمل الإنساني مَنهجًاً وطَريقاً حَضاريَّاً قَائماً، وبين العلمِ سُلُوكاً مًعرفيَّاً تَستقيمُ به جوانبُ الحَياةِ وَتزدهرُ تَقَدُّماً وَمَكانَةً.

فَطَالَمَا القَاصُّ جَابر ابنُ مَدينةِ العِمَارةِ، وَابنُ بِيْئَتَها الجَنوبيةِ المُتأصِّلةِ، فَلا بُدَّ أنْ تَنْعَكسَ مِرآةُ ظِلالِهَا الحقيقيةِ علَى خطٍّ تَجربتهِ الإبداعيةَ السَّرديَّة، فَتَأتي ثِمارُها عَفويةً مُنسابَةً تَجرُّ أَذيَالَهَا بَكلِّ فَخْرٍ وَتَواضعٍ وَانصياعٍ دُونَ أنْ يَحمِلَهَا قسراً عَلَى سَير ِتجَربتهِ، بَل هيَ الَّتي تَحملُهُ علَى تَدوينَهَا، وَتوثيقِ مَعالِمِها الإنسانيةِ بِهذا الحَسِّ التَّوثيقي البَسيط. "كانَ الفتى خضيرُ طَالبُ الفَلسفةِ يَبيعُ الثَّلجَ عَلَى رَصِيفِ شَارِعَنَا في مَحلةَ الصَّابونجيةِ، بَمدينةِ العُمَارَةِ، مُعظمٌ أهلِ المَدينةِ يَعرفونهُ وَيُلقبونَهُ خُضيرَ وُجوديةَ، لَيسَ لِأنَّهُ كانَ يُحاولُ أنْ يتفَلسَفَ في حديثهِ، بلْ لِأَنَّهُ كَانَ يُجاهِرُ بُوجوديتِهِ، وَيُرِّوجُ لِكُتُبٍ اشهرتْ وَقتَهَا..."، (خضير أبو الثلج، ص15) . وثيمة هذه القصة تكشف أنَّ بطلهَا فَتىً يَبيعُ الثَّلجَ، وهوَ بِنفسِ الوَقتِ طالبُ علمٍ فلسفي، ولكنَّ الأبعدَ رُؤيةً وَجَمالاً في الجَمع ِالعِلمي العَمَلي،أنَّ هذا البطلَ يَدَّعي الوُجوديةَ الإِلحاديةَ السَّارتريِّة، أو يُروِّجُ لكُتبٍ دُعاتها من الفَلاسفةِ الآخرينَ مِما يُعطيكَ إيحَاءً أنَّ أبطالَ قِصصهِ مِن فِئاتٍ ثَقافيَّةٍ مُتنوِّعةٍ، وَليسَ مِن نَمَطٍ واحدٍ.

فَجَابر مُحمَّد جَابر على الرغم من اختزانَ ذاكرتهَ المعرفيةَ بِيوميات مَدينتهِ العُمَارة؛ كونها المنبتَ الأرضيَ الَّذي يَنتَمِي إليهِ كَوناً وَوَجوداً، إلَّا أنَّهُ لِم يَنسْ أو يَتجاهل الجانبَ المُشرِقَ من حياتهَ البَغداديةِ الدَائمةِ والضَّاجَّةِ بِفضاءاتِ السَّردِ وقصصها التداولية اليومية التي تَفرضُ نفسَها عَلى وَاقعةِ الحَدثِ، وتُلقي بظلالها على تدوينِ المَشْهدِ الحَرَكِي لِيومياتِ النَّاس وأرخنته فنيَّاً وموضوعياً وجمالياً؛ ليكونَ صورةً أيقونيةً نِاضجةً من صُورِ الواقعِ الوصفيِ السَّائد الَّذي تُتَرجمُهُ رُؤيةُ الكاتبِ من خِلالِ تجربتهِ الذَّاتيةِ،وعبر مجسَّاتِ خُيُوطٍ نَسيجَ قِصصهِ الحِكائية الرَمزيةِ المُتواشجةِ فِي إِنتاج تَركيبِها الدَّلَالي.

وَهذَا التمايزُ التَّدوينِي تَلوحُ أُفقهُ بقوله: "في البابِ الشَّرقِي، كَانَ الفَتى القُرويُّ يُمسِكُ حُزمةً من الزرازيرِ، يَنتظُر زُبُونَاً؛ لِيشتريهَا، ثُّمَّ يُطلقُ سَراحهَا، وَيَشعرُ بِالسعادةَ، بَعدَ أنْ يُشاهدُهَا تُحَلٍّقُ بِحَريَّةً فِي الفَضاءِ، كُنتُ أُراقبُهُ كُلَّ يَومٍ.."، (القطُّ عَنترُ وَقصةُ الزَرازيزِ، ص 78) . فهذه القصةُ على الرغم مما فيها من شحناتٍ إنسانيةٍ واجتماعيةِ وَاقعيةِ بَحتةٍ، غير أنَّها في سياقِها الرَّمزي النَّسقِي الخَفِي تسَخرُ من الواقعِ الرَّاهنِ، وتُدينُ سلبياتِهِ المُجتمعيةِ المُترهِلَةِ الَّتي بَدأت تَظهرُ وَاضحةً على فئةٍ من أصحابِ رُؤُوسِ الأَموال والمُتنفذينَ الذينَ ظَهروا بَعدَ التَّغييرِ السِّياسيِ لِلبلدِ. حَتَّى لِتستهجنَ فِعلَهُم الغَريبَ الشَّائنَ من البَذخِ والثَراءِ والبَطرِ، والَذي تمثَّل في أخذ حُزمةٍ مِنِ الزَّرازيرِ وَشِرائهِ بِالعملةِ الصَعبةِ، وجعلهَا وَجبةَ طَعامٍ شَهِيةٍ لِلقطِّ المُسمَّى (عَنترُ)، في الوقتِ نِفسهِ لمْ تِجِدْ أطياَفاً كَثِيرةً مِن فُقَراء الشَّعبِ وَعامَّتهِ طَعامَاً تَسدُّ بِها رَمقَ مَخمصةِ جُوعِها اليومي، الأمرُ الَّذي لَم يَألفهُ الشّعبُ العِراقيُ مِن ذِي قَبلِ. فَأيُّ مُفارقَةٍ قِصصيةٍ وَاقِعيةٍ مُذهلةٍ تَلكَ الَّتي تُجَسِّدُهَاعَدسةُ (العَينِ الثَّالثةِ) لِجَابِر مُحمَّد جَابر، وهوَ يَرصدُ لَنَا بِوعِيٍ المُفَكِّرِ المُتأمِّل نَماذجَ حَيَّةً مِنْ تِلكَ الحَيَاةِ الجَديدةِ لِلعِرَاق بَعدَ التَّغييرِ.

 

د. جبَّار مَاجد البَهادليُّ

 

 

2755 ديلوزبقلم: جيل دولوز وفليكس غوتاري

ترجمة: صالح الرزوق


 توجد تفسيرات عديدة سيئة الحظ تناولت نص كافكا “رسالة إلى والدي”. فهي لوحة أو صورة فوتوغرافية أقحمت على آلة من نوع مختلف تماما. الأب برأسه المحني - ليس لأنه، بذاته، مذنب فقط، ولكن أيضا لأنه يدفع ابنه للشعور بالذنب، ولا يتوقف لحظة عن مقاضاته وإطلاق الأحكام عليه. كل شيء نتيجة خطيئة الأب: إن كنت أعاني من مشاكل جنسية، إن لم أتزوج، إن لم أتمكن من النجاح بما أكتب، إن خفضت رأسي في العلن، إن توجب علي بناء عالم بديل مجدب بلا حدود.

كان يجب الانتباه أن هذه الرسالة أتت بوقت متأخر للغاية. كان كافكا يعلم جيدا أن لا شيء في عالمه حقيقي. وعدم جاهزيته للزواج، وكتاباته، وانجذابه لعالم عقيم، هي دوافع وأسباب. لقد أعلن كافكا بنفسه أكثر من ألف مرة، وتكلم لاحقا، ماكس برود، عن ضعف أي تأويل أوديبي لمشكلات كافكا، وضمنا مشاكل الطفولة (1). مع ذلك الموضوع الهام في الرسالة تجده في أثر متحرك. فقد انتقل كافكا من أوديب كلاسيكي له طابع عصابي - وفيه يكون الأب المحبوب كريها ومتهما ومدانا بخطيئة دامغة - إلى أوديب منحرف وشاذ يستسلم لفرضية براءة الأب، ولـ “قلق” يشترك به كل من الأب والابن على حد سواء. ولكن قام كافكا بهذه الخطوة من أجل أن يدخل في تهمة أخطر، وفي مقاربة لامحدودة وأقوى ولا يمكن أن تعزوها لأي شخص معين (مثل “التأجيل” في رواية “القضية”).  إنها تمر من سلسلة تأويلات تعالج عقدة الاضطهاد والتضخيم. كان كافكا يشعر من أعماقه أنه يتخيل الأب يتكلم، ويسمعه يقول: أنت تريد أن تثبت “أولا أنك غير مذنب. وثانيا أنني أنا الملام والمذنب. وثالثا لديك استعداد قوي وفطري لتغفر لي (وهذا تقريبا) يبرهن ويدفعك للإيمان - بعكس الحقيقة - أنني أنا أيضا غير مذنب”.

مثل هذه النقلة السلبية، والتي ترى في براءة الأب المفترضة تهمة أقسى، تحمل هدفا واضحا، له مفعول وتأثير، وآلية تعمل خلفه. والهدف تفجير “الصورة”، والمبالغة بها لدرجة عبثية لامجدية. سيتم إسقاط صورة الأب، المتطورة والموسعة خارج وخلف كل الحدود، على خريطة العالم السياسية والتاريخية والجغرافية، من أجل أن يبلغ مناطق واسعة منها: “أشعر كأنه بمقدوري أن أعتبر أن الحياة هي في تلك المناطق التي لا تغطيها أنت أو التي ليست بمتناولك”. بمعنى أنه يضفي صفة أوديبية على الكون بأجمعه.

ويتضمن اسم الأب كل أسماء تاريخ يهود وتشيك وألمان المدينة - المقاطعة - براغ. ولكن بعد ذلك، يعمد لتوسيع أوديب، وهي توسعة ميكروسكوبية، لدرجة تصور لنا بها الأب كما هو عليه. إنها تمنحه ثورة جزيئية، وفيها تأخذ المعركة شكلا مختلفا تماما، ولكنه منضبط. ويمكن أن تقول إنه بإسقاط صورة الأب على خريطة العالم، يفتح كافكا الممر الخاص بالصورة، ويخترع طريقة للخروج من هذا المأزق، ويربطه بشبكة متكاملة تحت الأرض، وبكل المنافذ التي تخلصه من هذه الشبكة. وكما قال كافكا ذاته، المشكلة ليست في التحرر ولكن في الهروب. ومشكلة الأب ليست حول: كيف يمكنك أن تتحرر منه (مشكلة أوديبية)، ولكن كيف تجد طريقك هناك، في نفس الموضع الذي ورط نفسه به.

إن فرضية البراءة المشتركة، والقلق الذي يتشارك به الأب والابن، هما أسوأ الافتراضات. وهنا يبدو الأب كأنه الرجل الذي عليه أن يدين رغبته الخاصة وإيمانه الشخصي، لو كان عليه أن يغادر “الغيتو الريفي” الذي ولد فيه. إنه يبدو الرجل الذي يطلب من الابن الاستسلام لأنه هو بذاته مستسلم لنظام مسيطر، ولأنه في وضع لا خلاص منه (“المسألة كلها، طبعا، ليست ظاهرة معزولة. وهذا مثل ما جرى مع شريحة كبيرة من يهود الجيل الانتقالي، الذين هاجروا من الأرياف الهادئة نسبيا إلى المدن”).

بإيجاز ليس أوديب من يقوم بالتسبب بالعصاب - ذلك أن الرغبة هي وحدها المتطلبة وهي التي تبحث عن طريقة للتعبير عن طلباتها الخاصة - وكذلك هي من يعمل على إنتاج أوديب. إن أوديب هو سعر العصاب في السوق. بالمقابل، لتمكين وتوسيع أوديب عبر الإضافة له وإلحاق البارانويا به واستعماله استعمالات شاذة وغريبة،  يعني أن تهرب من الطلب والاستسلام، وأن ترفع رأسك، وأن ترى ممرا فوق كتفي الأب. وهذه هي المشكلة طوال الوقت: إنها سياسة مجهرية (ميكرو- سياسة) شاملة للرغبة: للانسداد والهروب، وللطلب والإجابة. وفتح الانسداد،هو  نسف العائق. اختزال حدود الأرض الأوديبية في العالم عوضا عن إعادة تمكين كل شيء ضمن أوديب والعائلة. ولكن لتحقق ذلك على أوديب أن يوسع نقطة العبث والكوميديا. ومن أجل ذلك يجب إعادة كتابة “رسالة إلى الأب”. إن خطأ التحليل النفسي هو أنه يوقع نفسه في الفخ، ويوقعنا معه، بما أنه يعيش بعيدا عن سعر وقيم سوق العصاب، والذي منه يكتسب كل قيمته الفائضة. “الدراما والتراجيديات المكتوبة عن <ثورة الابن ضد الأب>، هي في الواقع مادة كوميدية” (2).

بعد سنتين من “رسالة إلى الأب” اعترف كافكا أنه “دخل في مرحلة قلق وهيجان” وحصل ذلك “بعد كل السبل التي رافقت زمنـ“ـه” وتقاليد”ه””(3). وبدا له أن أوديب هو واحد من السبل - الحديثة التي انتشرت على نحو واسع منذ عصر فرويد، مفسحة المجال لمؤثرات ساخرة عديدة. وكل ما فعلته هو الإفراط والمبالغة :”من المستغرب أن تمرر فكرة، وتربطها بالنظام، حتى تتحول إلى واقع”. لم يرفض كافكا التأثير الخارجي للأب فقط لتمرير تكوينات داخلية أو بنية جوانية تبقى أوديبية. “لا يمكنني أن أضمن أن البدايات الأولى لشقائي كان لها ضرورة من الداخل. وربما هي فعليا ضرورية ولكن ليس نحو الداخل - فهي تبتلع الذبابة مع أنه يمكن بسهولة طردها”. وهنا توجد نقطة أساسية: وراء الخارجي أو الداخلي ثورة، رقصة جزيئية، حد ارتباط شامل مع الخارج، وهو الذي سيكون مسؤولا عن التكرار بشكل أوديب مبالغ به وموجود وراء كل الحدود والخطوط. ويمكن له أن يظهر هكذا لأن للتضخيم الكوميدي جانبين اثنين.

من جهة يكتشف المرء وراء المثلث العائلي (أب - أم - طفل) مثلثات أخرى لا محدودة و أكثر نشاطا من التي تقترض منها العائلة قوتها الخاصة، دافعها الخاص لتطوير الاستسلام، وخفض الرأس وتنكيس مستواه. ولأن ليبيدو الطفل ذاك يستثمر حقا نفسه منذ البداية: بواسطة صورة العائلة، الخريطة الشاملة لعالمه. أحيانا يجد أحد شروط المثلث العائلي نفسه مستبدلا بشرط آخر يكفي لتغريب (ونزع الألفة) عن الشيء كله (وبالتالي يقدم مخزن العائلة مشهد: أب - موظف - طفل مع الحرص أن يحتل الطفل مكانه قرب أخفض الموظفين مكانة، لدرجة أنه يتمنى أن يلعق له بوطه، أو أن يأخذ الصديق الروسي مكان أحد شروط المثلث ثم يحوله إلى آلة قضائية أو إدانة). أحيانا يبدل كل المثلث شكله وشخصياته ويقدم نفسه على أنه قضائي أو اقتصادي أو بيروقراطي أو سياسي وهكذا. خذ على سبيل المثال القاضي - أحد المحامين يتهم في “القضية” حيث لا يبقى للأب وجود (أو الثلاثي عم - محامي- رجل وكل منهم يريد من “ك” أن ينظر للمحاكمة بجدية). أو الثلاثيات المتتالية - موظفو البنك، رجال الشرطة، القضاة. أو المثلث الجيوسياسي: ألمان - تشيكيون - يهود وهو إحالة واضحة تنم عن أب كافكا:”في براغ، ينظر الناس <إلى اليهود> على أنهم ليسوا تشيكيين، وفي ساتز وإيغار على أنهم ليسوا من الألمان” (4).

لهذا السبب إن فرضية براءة واضطراب الأب تشكل أسوأ إدانة، فالأب لم يفعل شيئا ولكنه أحنى رأسه، واستسلم لسلطة ليست سلطته، ودخل في مأزق، وذلك بعد خيانة أصله - يهودي تشيكي من الأرياف. وعليه إن مثلث العائلة الذي اكتمل تكوينه هو حقا طريقة لاستثمار نوع مختلف كليا، ويكتشفه الطفل باستمرار تحت أبيه، وداخل أمه، وداخل نفسه. كذلك إن القضاة، والوسطاء، والبيروقراطيين، إلى آخر هذه السلسلة، ليسوا بديلا عن الأب. ولكن الأب هو تكثيف لكل هذه السلطات التي يستسلم لها، ويحاول أن يجبر ابنه على الخضوع لها بدوره أيضا. العائلة تفتح الأبواب، والتي تقرع عليها من البداية “قوى شيطانية تستمتع بها لأنها حقيقة ستصل قريبا”(5).

إن ما أغضب أو حرض كافكا مباشرة ليس الأب أو الأنا الأعلى أو نوع من أنواع الدوال، ولكن جهاز التكنوقراط الأمريكي، أو البيروقراطية الروسية، أو ماكينة الفاشية. ولحد ما ينكسر المثلث العائلي إما في مرحلة من مراحله أو كله، ويتفكك لمصلحة تلك القوى والتي هي قوته الدافعة. ويمكننا القول إن بقية المثلثات التي تتراكم وتتطور خلفه تتضمن شيئا مرنا، تفريغيا، يتحول في نفس الوقت من مثلث لآخر، إما لأن أحد المراحل أو النقاط تبدأ بالتقدم، أو لأن أضلاع المثلث لا تتوقف عن فقدان شكلها.

وعليه في مقدمة “القضية” تتحول ثلاث شخصيات غير معروفة إلى ثلاث موظفين في المصرف، وتتحول المشكلة إلى ثلاثة مفتشين وثلاثة فضوليين يتجمعون أمام النافذة. في أول تمثيل للحكم، نكون في عالم المثلث المحدد بشكل جيد، وقوامه القاضي، وضلعان آخران، على يمينه ويساره.

ولكن لاحقا نلاحظ تقدما داخليا ينتشر مثل غزو سرطاني، عقدة لا يمكن التخلص منها وتتشكل من المكاتب والبيروقراطيين، هرمية غير محدودة ولا مفهومة، وفضاءات مشبوهة ملوثة (مع أنه يستعمل أساليب مختلفة كليا، ويمكن للمرء أن يجد الموازي لذلك عند بروست حيث أن اتحاد الشخصيات والأشكال المكونة تفتح الطريق لكوكبة سائلة، متعمقة، ومتوسعة).

وبالمثل وراء الأب، تجد كل غموض اليهود وإبهامهم، ولا سيما من غادر بيئته الشيكية في الريف لينتقل إلى البلدات الألمانية، حتى لو أن هذا يعني أنهم تعرضوا للهجوم من جهتين - من جهات مثلث التحول. وكل الأطفال يمكنهم استيعاب هذا. الجميع لديهم خريطة سياسية وجغرافية مع خط حدود متحركة ومفرغة. وهذا فقط بسبب الممرضات المرافقات، والخدم، وموظفي الأب، وهكذا. ولو احتفظ الأب بحب ابنه والإعجاب به، هذا لأنه طفل، كان الأب يواجه بعض القوى الشيطانية، بغض النظر عن أن هذا قد يعني خسارته أمامها.

ومع أن التوسيع الساخر لأوديب يسمح للمرء برؤية المثلثات القمعية الأخرى بعدسة المجهر، يبدو هناك بنفس الوقت وجود احتمال بالهروب، خط للهروب. بالنسبة للقوى اللاإنسانية “الشيطانية”، يوجد رد واحد عليها. أن تصير حيوانا: أن تصبح خنفساء، أن تكون كلبا، أن تكون قردا، “بسرعة وعزلة”، عوضا عن أن تحني رأسك وتكون بيروقراطيا للأبد أو مفتشا، قاضيا، أو محكوما. وكل الأطفال يجهزون أو يشعرون بأنواع الهرب هذه، أو الأفعال هذه التي تحولك لحيوان. والحيوان، باعتبار أنه صيرورة، لا علاقة له بالبديل عن الأب أو بالنمط البدئي (الأركيتايب). لأن الأب، يهودي يغادر البلد ليستقر في المدينة، ويسقط، بلا شك، في آلية إلغاء أرضه - الوطنية - الحقيقية. ولكنه لا يتوقف أبدا عن إعادة تحديد أرضه: بعائلته، وبعمله، وبنظام خضوعه ومسؤولياته.                    

بالنسبة للنمط البدئي هذه هي آليات إعادة تحديد أرضه الروحية (6). والصيرورة الحيوانية هي ضد ذلك بالضبط. هذه الصيرورة هي نزع حدود الأرض الوطنية بمعنى مطلق، على الأقل من ناحية المبدأ، وهي تنفذ عميقا في عالم صحراوي استثمره كافكا. “لا تزال جاذبية عالمي قوية أيضا. من أحبني أحبني، بالتأكيد كما أشعر، لأنني “مغفور له ” ليس بسبب مبدأ فراغ ويس *Weissian vacuum، ولكن لإحساسهم أنه في اللحظات السعيدة أستمتع بحرية الحركة بمستوى آخر لا أجده هنا في أي مكان” (7).

لتكون حيوانا يعني أن تشارك في الحركة، أن تجد مخرجا للهرب الإيجابي، أن تعبر العتبة، أن تصل لتدرجات في الشدة والتي لها قيمة بحد ذاتها فقط، أن تجد عالما من شدات نقية حيث كل الأشكال تذوب وتضمحل، كما يحصل في الدلالة والدوال والمدلولات، ولمصلحة مادة ليس لها شكل وقوامها تيار إلغاء الأرض، في الإشارات الضعيفة وغير الهامة.

حيوان كافكا لا يحيل أبدا إلى ميثولوجيا أو نمط بدئي، ولكنه يتوازى جوهريا مع مستويات جديدة، ومناطق شدات محررة، حيث أن المضامين تحرر نفسها من أشكالها، وكذلك من تعابيرها، من الدال الذي منحها الشكل - الصورة. لم يعد لأي شيء وجود سوى الحركة، والاهتزازات عتبات في مادة مهجورة: حيوانات، فئران، كلاب، قردة، صراصير يمكن التعرف عليها بهذه العتبة أو تلك، هذا الاهتزاز أو ذاك، في نفق أرضي معين للرايزوم -الجذمور - أو الحفرة. هذه الأنفاق هي شدات تحت الأرض. والفأر الذي سيظهر لنا، هو صفير يجر الموسيقا والمعنى من الكلمات. وفي القرد الذي سيتطور، هناك سعال “له نبرة خطيرة ولكنه لا يعني شيئا” (أن تكون قردا مصابا بالتدرن الرئوي). وفي الحشرة التي ستتحول، يوجد أنين كالتعزية يحمل معه صوت وصخب جرس الكلمات. إن غريغور سيتحول لصرصار ولكن لا ليهرب من والده وإنما ليجد مهربا، في حين أن والده لا يجد مهربا مثله. وليهرب من المدير، والعمل، والبيروقراطيين، وليصل لتلك المنطقة حيث الصوت لا يفعل شيئا سوى الهمهمة: ”هل تسمعه؟. إنه صوت حيوان، قال رئيس الموظفين”.

حقا إن نصوص حيوانات كافكا أكثر تعقيدا، كما يمكن أن تفهم من كلامنا. أو على العكس تماما هي أكثر بساطة. على سبيل المثال في “تقرير إلى الأكاديمية” المشكلة ليس في التحول إلى حيوان إنساني، ولكن أن تكون إنسانا قرديا. هذه الصيرورة تمثل بشكل محاكاة بسيطة، وهي مسألة تتعلق بالبحث عن مهرب (المهرب ليس “التحرر”). هذا المهرب لا يتضمنه فعل الهروب - العكس بالضبط. الهروب يفقد جدواه حينما يكون حركة غير مفيدة ضمن الفضاء، حركة حرية مزيفة.

بالمقابل الهروب يثبت حين يكون محطة هروبية، هروب له شدة (“لا، ليس الحرية هي ما أردته. فقط المخرج. لليمين أو اليسار. أو بأي اتجاه. أنا لا أطلب شيئا آخر”).

من ناحية أخرى المحاكاة سطحية فقط، ما دامت لا تهم إنتاج الأشكال وإنما انتاج الشدات المتدرجة للتطور المتوازي وغير المتجانس، حيث أن الإنسان يتحول إلى قرد، مثلما تحول القرد إلى إنسان. إن فعل الصيرورة هو قيمة - مضافة، واستحواذية وقابضة. ولكنه ليس تكاثرا انتاجيا ولا محاكاة. “لا أجد شيئا يجذبني في محاكاة الكائنات البشرية، وأنا أقلدها لأنني بحاجة لمخرج، وليس لأي سبب آخر”.

في الحقيقة الحيوان الذي يقبض عليه الإنسان يجد نفسه خارج حدود موطنه، وفقدان الأرض الخاصة يتسبب بها القوة البشرية. وهذه الفكرة هي ما تخبرنا به بداية قصة “تقرير”. ولكن بالمقابل إن سلطة الحيوان فيما يتعلق بإلغاء الأرض تكثف وتضاعف من أثر إلغاء الأرض التي تفرضها السلطة البشرية العاملة على نزع الأرض الخاصة (لو صحت العبارة). “إن طبيعتي القردية قد هربت مني، بسرعة فائقة وبعيدا قدر الإمكان، ولذلك إن معلمي الأول ذاته تحول إلى قرد بسببها، وسرعان ما تخلى عن دوره التعليمي وتم إبعاده إلى مصحة عقلية” (8).

وعليه هناك، قانونيا، جسر يربط تدفق الأرض الملغاة، وهو ما يغرق المحاكاة، مع أنها دائما ظاهرة مساحية (أرض خاصة). وبهذه الطريقة مع أن البستان يبدو أنه ينتج صورة للنحلة، هو بطريقة خفية وعميقة يلغي الأرض. وفي نفس الوقت النحلة بدورها تلغي الأرض الخاصة بالالتئام مع البستان: القبض على  جزء من الرمز، وليس إكثار الصورة بإعادة إنتاجها عددا من المرات. (في “تحريات كلب” نستبعد كل فكرة تشابه بكل قوانا. وكافكا يهاجم “الإغراءات المشبوهة للتشابه التي افترضها الخيال”. ومن خلال عزلة الكلب، الفارق الأهم، الفارق الفصامي، هو الذي يحاول أن يستوعبه ويفهمه). لذلك نحن لدينا أثران من آثار التطور أو التوسيع الساخر لأوديب: اكتشاف تناقضات المثلثات الأخرى العاملة تحت المثلث العائلي، والعاملة فيه. وحدود ممرات هروب اليتيم الذي يتعرض للتحول إلى حيوان.

ولا يوجد نص يبرز بشكل أفضل الارتباط بين الجانبين أكثر من “المسخ”. فالمثلث الأوديبي يشكل نفسه باستمرار. أولا، المدير الذي أصبح خطرا متطلبا. ثم الأب الذي تابع عمله في البنك والذي ينام ببذته، ليرمز للسلطة الخارجية التي لا يزال مستسلما لها. حتى وهو في بيته يكون “فقط تحت تصرف رؤسائه”. وأخيرا وبلحظة واحدة تطفل النزلاء البيروقراطيين الثلاثة الذين يقتحمون العائلة نفسها، ويحتلون أدوارها، ويجلسون “حيث كان يجلس غريغور وأبوه وأمه لتناول وجبات طعامهم”.

وكعلاقة تجمع كل هذه النقاط كان غريغور المتحول لحيوان، إلى خنفساء، خنفساء صيفية، خنفساء الروث، صرصار، يتبع خطا مشدودا يعبر عن الهرب وعلاقته مع المثلث العائلي، وبالأخص مع المثلث البيروقراطي والتجاري. ولكن في نفس اللحظة لماذا حينما يبدو أننا نفهم العلاقة بين “ما بعد” و“ما قبل” أوديب نصبح آباء وليس مخرج نجاة. لماذا نبقى في طريق مسدود؟. ذلك لأنه هناك دائما خطر العودة لسلطة أوديبية. والاستعمال المضخم والعكسي لا يكفي للحراسة من أي إغلاق، وكل تشريع مكرر للمثلث العائلي الذي يتسلط على بقية المثلثات مثل الخطوط الحيوانية.

بهذا المعنى “المسخ” قصة - نموذج لإعادة تمكين أوديب. ويمكن أن نقول إن آلية نزع حدود مساحة غريغور بتحوله لحيوان تجد نفسها متوقفة للحظة من الوقت. هل هو خطأ غريغور الذي لم يجرؤ على المتابعة للنهاية؟. لقد عمدت أخته، من أجل إسعاده، لتفريغ كل الغرفة. ولكن غريغور رفض التخلي عن لوحة السيدة ذات الفراء. ووقف مع اللوحة وكأنها صورة أرض وطنية أخيرة. وفي الحقيقة هذا ما لم تتمكن الأخت من تحمله. قبلت غريغور. ومثله قبلت زنا المحارم الفصامي، وهو زنا بعلاقات متينة، زنا محارم مع الأخت وهذا يتعارض مع زنا أوديب، فهو زنا يقدم دليلا لجنسانية غير إنسانية ، كما هو الحال في التحول لحيوان. ولكن بسبب غيرتها من اللوحة بدأت تمقت غريغور وتدينه.

من تلك النقطة وما بعد يتخلى غريغور عن أرضه ويفشل في التحول إلى حيوان. ويعيد تمكين أرضه في عقدة أوديب بواسطة تفاحة ألقيت نحوه ولم يبق أمامها سوى الموت. فالتفاحة تدفن في ظهره. وهكذا إن نزع أرض العائلة بمثلثات أكثر تعقيدا وشيطانية ليس أمامها مجال لتتطور. فالأب يطارد النزلاء البيروقراطيين الثلاثة، وهذه عودة لمبدأ الأبوة في مثلث أوديب، ثم تتوحد العائلة بسعادة وفرح غامرين مع نفسها.

أضف لذلك ليس من المؤكد أن غريغور كان مخطئا. أليس تلك الأفعال التي تحوله لحيوان لا تتبع مبادئها وفق الطريق المحدد لها - وأنها تحتفظ بقدر معين من الإبهام الذي يقود لعجزها و يكتب عليها الفشل؟.

أليست تلك الحيوانات لا تزال متشكلة جدا، وذات مدلول فائض، وبأرض وطنية محددة جدا؟. أليس كل التحول لحيوان يتأرجح بين مهرب فصامي وعائق أوديبي؟.  وغالبا ما كان يشير كافكا للكلب، وهو حيوان أوديبي بامتياز، في مذكراته ورسائله، ويعتبره وحشا فصاميا، مثل الكلاب الموسيقية في “التحريات”. أو الكلب الشيطاني في “إغراء القرية”. في الحقيقة إن قصص الحيوانات الأساسية عند كافكا مكتوبة فقط قبل “القضية” أو بنفس الوقت، كأنها نقطة مضادة تعارض الرواية التي تحرر نفسها من الاهتمامات الحيوانية ولمصلحة اهتمامات أعلى وأرقى.

 

.................

هوامش المؤلف:

 1- ماكس برود. فرانز كافكا: بيوغرافيا (نيويورك: شوكين بوكس، 1960). 20: "كافكا على علم بهذه النظريات <الفرويدية> على نحو جيد ويعتبرها دائما تفسيرات فظة وجاهزة و لكنها تظلم التفاصيل، أو لدقات القلب الحقيقية الناجمة عن المشكلة". (مع ذلك يبدو أن برود يعتقد أن الخبرة الأوديبية يمكن تطبيقها على الطفل و لاحقا فقط تجد نفسها تعمل كوظيفة من وظائف التجربة والخبرة الإلهية. ص: 32-33). وفي رسالة إلى برود (كافكا، رسائل، تشرين الثاني 1917، 167) يقول كافكا عن كتاب في علم النفس  أنه "يشترك في صفات كتب أخرى بعلم النفس، ومنذ اللحظات الأولى تبدو أطروحته مرضية على نحو مدهش، ولكن سريعا ما يشعر الإنسان بنفس الجوع القديم".

2- غوستاف يانوش، حوارات مع كافكا (لندن: أندريه دويتشي، 1971). 68.

3- كافكا. اليوميات. 24 كانون الأول. 1922. 210.

4- تيودور هرتزل. اقتباس في ويجينباخ. فرانز كافكا. أيام الصبا. (باريس: ميركوري. 1967). 69.

5- رسائل إلى برود. في ويجنباخ. فرانز كافكا. 156: "القوى الشيطانية، مهما كانت رسالتها، تحتك بالأبواب وتبتهج بفكرة أنها ستصل سريعا".

6- ملاحظة. على سبيل المثال. تحمل كافكا لقدر الصهيونية (على أنها إعادة توطين فيزيائية وروحية): ويجنباخ. فرانز كافكا. 164- 67.

7- كافكا. المفكرات. 29 كانون الثاني. 1922. ترجمة مارتن غرينبيرغ (نيويورك: شوكين بوكس: 1949). 2:215.

8- توجد نسخة أخرى من نفس النص وفيه تبدو المسألة لها علاقة بالمصحة: قارن، سعال القرد.

.........................

هوامش المترجم:

 * نسبة للدكتور إرنست ويس صديق كافكا.

*هذه هي ترجمة الفصل الثاني من كتاب :نحو أدب هامشي لدولوز وغوتاري.

 

 

2810 حياة حيناناإن عملية بناء العمل الروائي المتقن، تتطلب من الروائي أن يكون على علم مسبق بعناصر وأدوات وتقنيات صناعة الرواية، وكذلك أن يتحلى بوعي كبير ويشحن أفكاره ويعتلي صهوة هذا الجنس الأدبي المهم، وفي رواية "حياة.. حينانا" للروائي حسين السكّاف (دار فضاءات، عمان 2021)، نجد نظرية "موت المؤلف" لرولان بارت، حاضرة في عملية تدوين هذا النص السردي، فموت المؤلف مصطلح نقدي يعني اختفاء شبح المؤلف وسماته وصفاته وبصمته داخل النص، ليكون العمل الروائي وجهاً لوجه مع القارئ دون دخيل، وتنطلق الأحداث صافية نقية من منبعها الاصلي، حيث سيمر علينا اسم الروائي مع عنوان الرواية على وجه الغلاف، بعدها سوف يختفي عن ساحة الأحداث، وسنعيش الأحداث وحدها، فسرعان ما نكتشف أن راوية الأحداث هي بطلة الرواية (حياة)، التي ستكشف لنا لاحقاً الكثير من خبايا المرأة وأسرارها وعلاقتها الحميمية مع نصفها الآخر من كل الجوانب، سواءً روحية أو جسدية، وكذلك سوف نكتشف كيف استطاعت (حياة) أن تستغل جمالها، من أجل الوصول الى الغاية التي تريدها، ويصور المشهد التالي عن إمكانية الانتقال الى حياة المرأة وتقمص شخصيتها وكشف الكثير من حياتها:

"تعريتُ تماماً ووقفتُ أمام المرآة أتحسس جسدي، وأشكره لأنه منحني تكوين المرأة المشتهاة رغم صغر سني." (ص 26)

وهكذا فإن دائرة تلك الرؤية الفنية تكبر وتتسع لنتابع تفاصيل بطلة الرواية (حياة) التي تبدو لنا في الوهلة الأولى تفاصيل عن حياتها وانوثتها وجمالها ونضوجها ونمو شخصيتها داخل مبنى السرد، لكننا نتفاجأ بأن هذا، ما هو إلا  تمهيد لأحداث كبيرة وواسعة تخص هذا الجانب (وأقصد به جمالها وانوثتها) والمغريات الأخرى التي تجذب الرجل إليها، وما حقق لها ذلك هو مساحة الحرية التي منحت لها من قبل أمها وأبيها، وأول الأبواب التي سوف تفتح لنا هو عند شعورها بألم شديد في أسنانها ومرافقة والدها الى كلية الطب لمراجعة دكتور ماجد، ومن خلال جلسات العلاج تسحبه للإحساس بإنوثتها وجمالها، بمحاولات إغرائية، تعرف سرها المرأة، ولكنها لا تمنحه الفرصة للوصول الى المناطق المحظورة، ثم ننتقل الى الباب الثاني الذي يكشف لنا علاقتها برجل الأمن في الأسواق المركزية وإغرائه من أجل الحصول على غايتها وهي الحصول على البضائع النادرة والتي تباع خارج الاسواق بأسعار مضاعفة، ويتحقق لها ذلك وبل الأكثر منه، عندما يطلب منها باسل أن تُخرِج له بضاعته كونه رجل أمن ومسؤول، وهكذا يكون لنا مدخل كبير وخطير وصعب في حياة (حياة) عندما تُكلَّف من قبل باسل بإيصال قناني الويسكي للفنانة ذكرى التي تطلب منها العمل معها، كجليسة أو أنيسة أو صديقة لها، وهو ما نراه ظاهراً لكنه أخطر من ذلك عند دخول شخصية اللواء سهيل الذي يعمل في (الشعبة الرابعة) وهي إشارة لجهاز مهم وحساس من أجهزة الدولة، وكما فعلت (حياة) مع ماجد وباسل في عملية الأغراء ودخول العالم الأحمر دون أن تتأثر فعلت ذلك مع اللواء سهيل، الذي يقربها من أجل تجنيدها لتكون واحدة من إفراد هذا الجهاز الذي يمتاز بمهام خطرة للحصول على المعلومات الأمنية، وتوافق (حياة) في الدخول مع افراد الجهاز:

"موافقة" كلمة واحدة قُلتها لسهيل، كانت كافية لأدخل عالماً آخر... عالماً لم أجد نفسي فيه، بل كانت فتاة أخرى لا تشبهني." (ص 184)

وهكذا ننتقل الى أحداث أكثر عمقاً وخطورة، بل إنها متاهة كبيرة، وهو القسم الثاني من الأحداث، والذي سوف نستهله بعتبة نصية موازية تقول:

"في المتاهة"كل صوت.. ضجيج..."

لنتابع ما حصل على وجه هذا البلد إبان حرب الثمان سنوات، وما هي مهمة (حياة) ودورها في هذه المتاهة التي دخلتها، فقد مُنِحتْ رتبة ملازم بعد اجتيازها التدريب، وكُلفت بمهام خطيرة، منها إنها عملت وسيط في الحصول على الأموال التي يجنيها اللواء سهيل من الأعمال المشبوهة، حيث تنتظر من يحمل المال أمام باب البنك ومن خلال شفرة متفق عليها بين الطرفين تتعرف عليه وتستلم المبلغ المالي، وتضعه في البنك بعد أن تأخذ عمولتها البالغة عشرة بالمئة منها، وهنا يدخل دائرة الأحداث رياض وهو مدير البنك التي تغويه من أجل دخول عالمها لتسهيل مهامها، ويكون له دور في مسار الأحداث، والمهمة الأخرى تعيينها في دائرة البحوث والدراسات للحصول على معلومات، وكذلك تكليفها بمهمة دخول السجن، للحصول على معلومات عن ثلاث نساء دخلن السجن، وكذلك السفر الى شمال البلد، للحصول على معلومات تخص ابناء الشمال والمعارضين للسلطة آنذاك، وتدخل دوامة المتاهة أكثر، وتدور بها  بعنف كأنها عاصفة هوجاء، عندما يتقدم لخطبتها أحد المغتربين في (ستوكهولم) عن طريق اخته، ويطلب الجهاز والمسؤولين الموافقة على هذه الزيجة لكشف العناصر المعارضة هناك، وتدور أحداث كبيرة هناك أهمها اكتشاف زوج المستقبل بأنه بخيل جداً، وتفاصيل كثيرة تحت سقف هذه المتاهة، وتتعرف على الروائي "كريم" الذي سبق وأن قرأت له، لنكتشف من خلاله بنية العنونة كون (حياة) شبيهة بـ (إنانا) فكان يطلق عليها (حياة...حينانا)، ثم نعيش تفاصيل تتعلق بحياة (حياة) داخل هذه المتاهة التي تكشف لنا كبر مساحة المعارضة للنظام الدكتاتوري الحاكم آنذاك، فتلتقط صور وتكبرها لكل من ساهم في إدخالها هذه المتاهة وتضع الصور ملصوقة على الكراسي وتعد لهم وليمة، لتختفي بعدها (حياة) دون أن يعلم أحد أين ذهبت.

 

يوسف عبود جويعد

..............

الرواية من اصدارات دار فضاءات للنشر والتويع- المركز الرئيسي لعام 2021

 

 

منذر الغزاليصفقة.. قصة قصيرة

زحف نحو النّافذة واستند بكلتا يديه على حافّتها وبعد جهدٍ رفع جذعه الأعلى ليستقرّ على كرسيّه أطلّ برأسه على السّاحة الّتي تتحلّق حولها البيوت كما تحيط إسوارةٌ بمعصم.

شعر بانقباضٍ في صدره فمدّ رأسه وفتح فمه بحثاً عن نسمة هواءٍ في هذه اللّيلة القائظة

لا يفصله عن السّاحة سوى هذا الشّريط الصّدئ وماسورتان من الحديد تنتصبان أمامه تستعملان كحمايةٍ للنّافذة من الخارج.

كانت السّاحة ملعب صباه، ولكنّها لم تعد كذلك الآن ذلك زمانٌ ولّى ولن يعود.

وحدها ذكرى الصّفقة الأولى تعود كلّما حاول نسيانها.

اجتمع الأولاد في السّاحة للّعب كما يفعلون كلّ يوم بينهم ذلك الولد الخبيث نزار نظر إليّ بعينين ماكرتين وقال: أتحملني من هنا إلى باب بيتنا وأعطيك قرشاً! وضرب رجله بالأرض وهو يقول ثانيةً: من هنا فانتبه الأولاد للجزمة الجديدة الّتي كان يحتذيها.

لا أعرف بالضّبط لماذا خصّني بهذه الصّفقة.

أ لأنّني كنت قويّ الجسم؟

أ لأنّني كنت فقيراً؟

لمعت صورة القرش الّذي كان نزار يقلّبه بين أصابع يده في عينيّ.....

قرش يعني أن تشتري الحلوى اللّذيذة الّتي تشتهيها دوماً... أن تملأ جيوبك بالفستق الحلبيّ المملّح من دكّان أبي خليل لقد فتحت صورته ثقوباً في مخيّلتي يصعب ردمها.

لم يطل الصّمت طويلاً فعيون الأولاد تترقّب الجواب انتابني شعورٌ بالكراهية لهذا الوغد فصعد الدّم إلى رأسي كنت أرغب أن أرفسه كما يرفس بغل صاحبه بعد طول امتهان ولكنّ صورة القرش غلبتني فانتزعته من يده وأدرت ظهري وحنيته قليلاً: مددت رأسي إلى الأمام قفز نزارٌ فوقه وغرز أظافره الطّويلة في رقبي وسرت به نحو بيتهم وسط تصفيق الأولاد.

شعر وكأنّ الأظافر ما زالت مغروسة هنا في رقبته إنّها كالوشم لن تفارقه أبدا.

تلك أيام مضت وهذه هي الساحة الآن ملعبٌ للجرذان التي تتقافز فوق مستوعبات القمامة المركونة أمام البيوت، وعمد النور الذي يلقي ضوءه الأحمر على الساحة ما زال منتصباً مَكانه إنه الشاهد الوحيد على ما حدث قبل ثلاثين عاما.

كبرت وكبر الأولاد وتفرقنا ولم أعد أرى نزاراً فقد رحل مع أسرته إلى بيتهم الجديد خارج الحارة كما عرفت فيما بعد. وقد كانت فرصتي لنسيان تفاصيل تلك الصفقة. حتى جاء يوم انفتح باب البيت كان الشرطي واقفا يحمل أوراقا وخلفه رجل يبدو عليه الوقار يلبس بدلة أنيقة وربطة عنق ملونة، استقبلهما أبي لم افهم تفاصيل الحديث، ولكنّ أبي اصطحبني في اليوم التالي خارج الحارة جلست أمام الكاميرا وكانت رقبتي الطويلة أبرز شيء فيها ابتسم المصور ابتسامة بلهاء وهو يقلب عينيه بيني وبين الصورة، كانت مجانية التعليم تفرض على أبي أن يدخلني المدرسة، سنة واحدة في المدرسة في اليوم الأخير.

المعلم: سهيل تعال اقترب، اخفض رأسك.

امتثلت لما قال فكرر قائلا مُدّ رقبتك أكثر.

وعندما صارت مستوية أمام عينيه ناولني صفعتة وقال وهو يناولني الشهادة: حمار، في طريق العودة كان صدى الصفعة يرنُّ في أذني.

في البيت قذف أبي بقطعة الكرتون التي يسمونها شهادة ناولني صفعة جديدة وقال بحزم: من الغد تذهب للعمل في الطاحونة إنهم بحاجة لمن يساعد في إدخال أشولة الحبوب من على ظهور الحمير والبغال إلى المطحنة، نظر إليّ وركز نظره في رقبتي فقال وقد زال عنه الغضب: هذا عمل يناسبك، كنت في المطحنة ملايين ملايين حبات القمح تنزل في الوعاء المعدني الذي يشبه محقانا كبيراً وتخرج طحيناً ليناً.

لم يكن باستطاعته رفع ظهره أكثر فشبك أصابعه وأراح ذقنه عليها وعيناه نصف مغمضتين بجانب النافذة ربط عربته التي يبيع عليها بسلسلة حديدية مع كرسي الخيزران لقد صنع جوانبها من بقايا اللافتات الخشبية وألبسها من قماش كانت تحمل شعارات وطنية في ذلك اليوم خرجنا لمحطة القطار كان الوقت باكراً.

كانت هناك مسيرة تضامنية لا أذكر مع من!

وعندما وصلنا المدينة تجمعنا وزع علينا المشرفون اللافتات وقف أحدهم ينظر إلينا

- ما اسمك يا رفيق؟

كانت كلمة رفيق جديدة ولها وقع في أذني.

 - سهيل

وضع يده برفق على كتفي.

 - استدر.

فاستدرت

قال حسنا وجاء بشاب رقيق وقال:

- أنت ستحمله علي رقبتك وهو سيحمل اللافتة وستهتفان معا أردت أن أرفض َلكنني خفت ولم أستطع تفسير خوفي.

تقوّس ظهري أكثر ولم أعد أستطيع رفع رأسي فصرت أسير كمن يبحث عن شيء أضاعه في الأرض ولا يجده.

تركت العمل بالمطحنة بعد أن أغلقت فقد دخلت المطحنة الحديثة وصار الناس يحصلون على الخبز من الأفران، طرقت أبواب الرفاق للحصول على وظيفة وقفت أمام الرفيق أبي عماد

اسمك؟

سهيل

الأب؟

عبد ربه

الأم؟

مستورة

سنة الميلاد؟

1963

كتب المعلومات على ورقة رفع سماعة الهاتف تحدث وضحك كثيراً أعاد قراءة البيانات ووضع السماعة وقال:

- غدا تقدم أوراقك لمديرية التربية لتباشر عملك كمستخدم في المدرسة القريبة من بيتك

بدأت بشائر الصباح تطلع على الساحة وها هو سعال أبي نضال يتعالى مع أول سيجارة يدخنها على الريق وهو ذاهب إلى سوق العتالين، عند السابعة سينسل الأولاد من البيوت حاملين حقائبهم للمدرسة.

شعر بأن رأسه خفيف عنده رغبة بالطيران سنوات وهذه الأرض تشده إليها كأنه مربوط إليها بسلاسل حديدية لا تختلف عن السلاسل التي تريط عربته المركونة بجانب النافذة، كانت نافذة البيت مفتوحة على الغرب ويحتاج لوقت طويل حتى تصله الشمس ليدفئ عظامه المتخشبة.

مقدمة

الواقعية الجديدة أو الواقعية الاشتراكية مذهبٌ في الادب والنقد الأدبي، يعتبر تطوراً للواقعية الطبيعية والواقعية الرومانسية التي سادت في القرن التاسع عشر؛ وقد استلهم نقّاد الواقعية الجديدة من النظرية الماركسية في الجدلية التاريخية باعتبارها النظرية التي تعبر عن تطور المنظمات الاجتماعية عبر التاريخ، خواصّ ومصطلحاتٍ نقديةً، من هذه الخصائص نجد خاصّة (جدل الشكل والمضمون).

وتجد هذه الخاصة مبرر وجودها في هذا النص لما تملك اللغة من ترابط قوي مع المضمون من حيث اختيار الكاتب لعناصر السرد في المكان والزمان والشخصية والعنوان.

وستكون السطور القادمة تحليلا لهذا الافتراض من خلال تحليل اللغة في العناصر المذكورة في النص نفسه.

أولا، المكان القصصي

ابتدأ الكاتب قصته بجملة وصفية، وصف من خلالها حال شخصية القصة والمكان والزمان في عبارة مدروسة جيداً:

"زحف نحو النافذة، واستند بكلتا يديه على حافتها، وبعد جهد رفع جذعه نحو الأعلى ليستقر على كرسيه، أطلّ برأسه على الساحة التي تتحلق حولها البيوت كما تحيط إسوارة بمعصم"

ظهر المكان في هذه الافتتاحية بعنصرين اثنين: النافذة (وبالتالي الغرفة)، والساحة، وكلاهما مكانان مغلقان يوحيان بالحصار والضيق، أشبه بالسجن؛ فالنافذة من أكثر الرموز المستخدمة في الأدب التي تشير إلى السجن والتوق إلى الحرية... أما صورة الساحة، رغم ما تشير إليه عادةً من الانفتاح والحرية، فكان وصفها في هذه الافتتاحية يوحي بالحصار والضيق أيضاً.

هذه الافتتاحية ستحدّد لغة النص، وسترسم هدف الكاتب والنص معاً، سيما إذا اتّبعنا تصوير الساحة في تركيب لغويٍّ تالٍ لا يبعد كثيراً عن سابقه، حين يصف الكاتب الساحة: "تلك أيام مضت وهذه هي الساحة الآن ملعبٌ للجرذان التي تتقافز فوق مستوعبات القمامة المركونة أمام البيوت"

هذا حال البطل في افتتاحية القصة، في زمنه الحاضر، زمن الشيخوخة والتعب والمرض، المكان في القصة محدود بثلاثة أو أربعة أمكنة، الساحة والغرفة هما المكانان الأكثر رمزية والأكثر أيحاء، واستخداماً وظيفياً من قبل الكاتب.

الساحة يتغيّر حالها، وصفها بتغير الزمن القصصي، مثلما تتغير طبيعة وأوصاف شخصيّة القصّة الرئيسيّة بين الفتوّة والشباب والكهولة.

الساحة في طفولة البطل كانت واسعةً، منفتحةً بلا حدود، ملعبَ الطفولة، وساحةَ صراعٍ خفيّ بين طفلين يمثّلان طبقتين: الطفل بطل القصة، والذي عرفنا بأن اسمه سهيل، والطفل الآخر الذي أخبرنا الراوي عنه بأنه "الولد الخبيث نزار"، بما يحمل كلٌّ منهما من إشارة طبقيّة مجتمعيّة... وهنا حيث ابتدأت الصفقة، بخضوع طفلٍ لطفل/ طبقة لطبقة، بقرارٍ (إراديٍ)، تحت ضغط الفقر، وإغراء القرش... "قرش يعني أن تشتري الحلوى اللّذيذة الّتي تشتهيها دوماً"

الساحة الأخرى التي تحضر بشكل مضمر هي ساحة المدينة، حيث "كانت هناك مسيرة تضامنية لا أذكر مع من!،" كما يروي بطل القصة، في توريةٍ ذكيّةٍ تشير إلى كثرة المسيرات في تلك المرحلة، لدرجة أنه نسي مع من كانت تلك المسيرة التي يحدّثنا عنها. هنا كانت الصفقة الكبرى، والأخطر.. صفقة يكون فيها في الدرك الأسفل وفوقه يركب شخص آخر، دون حتى إغراء المال، أو العوز؛ إنه خداع الشعار، وكلمة رفيق التي خضعت تحت بريقها، ردحاً من الزمن، شعوب عريقة في التاريخ، ايماناً في البداية، ثم خوفاً وخنوعاً.

"الساحة الآن ملعبٌ للجرذان التي تتقافز فوق مستوعبات القمامة المركونة أمام البيوت"، متّسقة مع حال الشخصية، والمآل الذي آلت إليه بعد زمن القوّة والفتوّة.

ثانياً: الزمان القصصيّ

للزمان، كما للمكان دلالته ودوره الوظيفي في هذا النص.

فرغم أن الراوي يصف الزمان القصصي، ليشير إلى زمن السرد, وموقع اللحظة السردية في مجمل الحدث القصصي، إلا أن الزمن يبدو كأنه تأريخاً لمجتمعٍ كامل، إلى جانب كونه تأريخاً لمراحل عمر شخصيّة القصة.

ووقد اختار الكاتب أن يبدأ سرده من اللحظة الأخيرة في أحداث قصته، أو قبيل الأخيرة بلحيظات، كاشفاً لنا مآلات القصة، قبل أن يعود بالسرد إلى المراحل التي صنعت هذا المآل.

زمن القصة نكوصيّ، تراجعي، يبدأ من اللحظة الراهنة ليعود بنا الراوي دفعةً واحدةً إلى بداية القصة، إلى زمن الطفولة وبداية الصفقة، ثمّ يصعد بالزمن بشكلٍ خطّيٍّ مقسِّماً السرد إلى أزمنةٍ جزئيّةٍ متدرّجةٍ من حيث تطورها المساوق لتطوّر الحدث، فيرصد مفاصلَ زمنيّةً مكوِّنةً للحدث؛ حين ترك المدرسة، فتشكّل وضعه  العلميّ والمهنيّ والاجتماعيّ، الذي أصبح، بدوره، أساساً لحدثٍ آخر مفصليٍّ، حين طأطأ رأسه للمرة الثالثة، لكنْ لا ليحمل طفلاً مقابل قرشٍ، أو ليحمل أشولة القمح في المطحنة ليكسب رزقه ورزق عائلته، لكن ليحمل إنساناً آخر على كتفيه، في تمايزٍ اجتماعيٍّ جديد خلقته حالةٌ سياسيةٌ أكثر امتهاناً للكرامة وأكثر كذباً، تسودها شعاراتٌ خادعة، وروحٌ رفاقية تستغلّها (القيادات) وسيلةً لاضطهاد البسطاء.

في كلّ شريحةٍ من تلك الشرائح الزمنية يتقدّم الزمن السرديّ, ومعه الحالة الاجتماعية نحو شكلٍ جديد، مختلفٍ في الشكل، متماثلٍ في المضمون.

الزمن، في القصّة، يؤرَّخ بمراحل عمر البطل، من طفولةٍ إلى فتوّةٍ فكهولةٍ ثم شيخوخة. هي عمر الأوطان في فكر ابن خلدون؛ هذا من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى يتعمّد الكاتب إظهار تاريخٍ زمنيٍّ طبيعيّ هو السنة 1963م، سنة ولادة سهيل بطل النص، وهذا التاريخ له رمزيّةٌ هامّةٌ يعرفها أبناء سوريا والعراق على وجه الخصوص، هي تحولٌ سياسيٌّ، استلم فيه ضبّاط كلا البلدين مقاليدَ الحكم فيما سمي بثورة، وبداية مرحلة الشعارات الغزيرة والمسيرات الحاشدة المحَشَّدة، وبروز طبقةٍ مسيطرةٍ جديدة، أكثر شراسةً وطغياناً، تفتقد \إلى الأصول أو القيم التاريخيّة كالطبقة البرجوازية التي سبقتها، هي طبقة الضباط وأعضاء القيادات الحزبية، التي قادت البلاد إلى الخراب، ذلك الخراب الذي افتتح الكاتب قصّته في وصفه واختتمها به أيضاً: "كانت نافذة البيت مفتوحة على الغرب ويحتاج لوقت طويل حتى تصله الشمس ليدفئ عظامه المتخشبة." وللاتجاه (الغرب) قيمةٌ رمزيّةٌ لها دلالاتٌ سياسيّةٌ من جنس المرحلة الشعاراتيّة التي قسمت العالم إلى غربٍ وشرق.

ثالثاً: الشخصية:

شخصيات القصة معدودة، لا تتجاوز أربع شخصياتٍ، أو خمس؛ غير أن الشخصية الفاعلة هي شخصية سهيل، بطل القصة والراوي في معظم القصة.

ظهرت شخصية سهيل بأربعة مواضع في أربع حالات؛ الطفولة والصفقة الأولى، ثم المدرسة والصفعة.

ثم الشبات والعمل والنشاط الحزبي، وأخيراً الشيخوخة والعجز.

في كلّ هذه المراحل كانت شخصية سهيل تخضع لاضطهادٍ مختلف؛ الطبقية الاجتماعية في القسم الأول من العمر، والاضطهاد الذي يخلقه مجتمع محافظ يتبع تقاليد بالية، تبيح للمدرّس أن يصفع طالبا، دون أن ينظر إلى الأسباب التي منعت عنه النجاح، والتي قد يكون هو جزءاً منها.

واضطهاد العمل الشاقّ الذي أحنى ظهره، واضطهاد قادته في الحزب الذين خلقوا طبقةً اجتماعية جديدة منبتّة، ليس لها جذور تاريخية، أو أصول تراعيها، طبقة القادة وكبار الموظفين في دولة الحزب الواحد، وأخيراً قهر المرض والشيخوخة المبكّرة وما رافقها من عجزٍ جسديٍّ.

في كلّ هذه المراحل تبدو اللغة مخاتلةً والالفاظ حمّالة أوجه.

يقول الكاتب في وصفه لحادثة الصفقة الأولى: " لا أعرف بالضّبط لماذا خصّني بهذه الصّفقة. ألأنّني كنت قويّ الجسم؟ أ لأنّني كنت فقيراً؟". تساؤلات البطل هذه، أو لنقل الإجابة عن هذه التساؤلات هي ما يريد أن يقوله الكاتب؛ لكنه امتنع عن قوله، تاركاً ملء هذا الفراغ للقارئ، حسب نظرية التلقّي، ترك للقارئ أن يقول: إنّ قوّة الرجل تنقلب لعنةً في الطبقات الفقيرة، لأنّ المستبدّ يبدأ بإذلال القويّ ليضمنَ خضوعَ بقيّة أفراد المجتمع له، وأنّ الفقر هو السلاح الأمضى، الذي، به، يمكنه إخضاع حتى الأبطال؛

ثم لننظر إلى وصف الكاتب للبطل وهو يمهّد للانتقال إلى المرحلة التالية من حياته: "لم يكن باستطاعته رفع ظهره أكثر فشبك أصابعه وأراح ذقنه عليها وعيناه نصف مغمضتين بجانب النافذة"؛

ثم كيف يروي البطل لنا شعوره حين طلب منه (الرفيق) أن ينحني ليرفع شخصاً ما على كتفيه في تلك المسيرة التضامنية: " أنت ستحمله علي رقبتك وهو سيحمل اللافتة وستهتفان معا أردت أن أرفض َلكنني خفت ولم أستطع تفسير خوفي".

وكيف ختم تلك المرحلة بهذا الوصف الذي يرد على لسان البطل: "تقوّس ظهري أكثر ولم أعد أستطيع رفع رأسي فصرت أسير كمن يبحث عن شيء أضاعه في الأرض ولا يجده."

هذه هي مرحلة النضال بالشعارات، وهذه حي حال البطل فيها.

ولنعد أخيراً لنقرأ الحالة التي آل إليها البطل بعد كلّ تلك الصفقات والصفعات، كما وصفه الكاتب في افتتاحيّة القصّة لغرضٍ مدروسٍ: "زحف نحو النّافذة واستند بكلتا يديه على حافّتها وبعد جهدٍ رفع جذعه الأعلى ليستقرّ على كرسيّه أطلّ برأسه على السّاحة الّتي تتحلّق حولها البيوت كما تحيط إسوارةٌ بمعصم."

أليست حال سهيل بن عبد ربه، بطل القصة وشخصيتها الرئيسية هي صورة عن حال المجتمع السوري (والعراقي أيضا) في النصف الأخير من القرن العشرين؟

أليست حال الساحة والبيت هي حالة الوطن التي خلفتها لنا تلك الصفقات التي فرضت علينا، قهراً وجوعا، وخوفا؟ وكلّ ما تركته من إرث هو بقايا شعارات مهترئة، لا تساوي إلّا قيمةَ الموادّ التي كُتِبت عليها؟ "ربط عربته التي يبيع عليها بسلسلة حديدية مع كرسي الخيزران لقد صنع جوانبها من بقايا اللافتات الخشبية وألبسها من قماش كانت تحمل شعارات وطنية...."

رابعاً: العنوان

الصفقة في النصّ صفقات، وفي حقيقتها صفعات، قَبِل بها البطل حُرّاً أو مُكرهاً، لعلّ أهونها هي الصفقة الأولى، تلك، على الأقلّ، اختارها بإرادته، وكان يمكنه أن يرفضها لو تحدّى بريق القرش وطعم السكر والفستق. أمّا الصفقات التالية فلم يكن قادراً حتّى على الرفض، ولم يكن قادراً حتى على التفكير، فالخوف مطبقٌ على النفس، والشعارات تملأ الأعين والآذان، وكلمة رفيق أداةٌ سحريّة يستخدمها الكبار في تدجين البسطاء، ويتخفّى تحتها البسطاء للهروب من الإحساس بالذلّ... وفوق هذا سلطة لا بدّ من ممالأتها لتؤمّن للإنسان وظيفةً حقيرةً تسدّ، من أجرها، رمق الأُسَر الجائعة.

وفي جوهر الأمر؛ الصفقة الأولى كانت هي الأهمّ لأنّ سهيل بن عبد ربّه، بطل القصة، رضي بالخضوع لطفلٍ مثله، بعد أن خضع للذة طعم السكر والفستق الحلبي المملّح.

يمكن أن تُختصر هذا الدلالة للعنوان بعبارة للروائي والسياسي الأردني الأستاذ سالم النحاس: "من يسقط مرة يسقط إلى الأبد، ولا نهاية لبئر السقوط "

الصفقة الأولى كانت أول السقوط، كان بإمكانه أن يرفض، لولا أن نفسه أخضعته أمام اللذة المشتهاة... ولا حدود للشهوات، ولا انتهاء للصفقات.

 

منذر فالح الغزالي

بون في 5/9/2021

 

  

خيري حمدانعلى الرغم من السنوات الستّة والثلاثين التي أمضاها الأديب والمفكّر والسياسي غسان كنفاني على وجه هذه المعمورة، قبل أن تختطف حياته عبوة ناسفة هو وابنة أخته لميس في الثامن من شهر يوليو عام 1972 في بيروت، إلا أنّه تمكّن من إنتاج العديد من القصص والروايات والمسرحيات والدراسات التي شغلت الكثير من النقاد منذ رحيله وحتى يومنا هذا.

سنتناول في هذا المقال أبعاد القصّة القصيرة التي تحمل عنوان "نصف العالم"، وتتميز ببعض سمات المدرسة العبثية في مفهوم الأدب المعاصر1 . كنفاني اهتمّ بالمدارس الأدبية وأساليب السرد والتطبيق الحديثة، لارتباطها بهمّ الوجودية واستمرارية تطور الفكر والإرادة البشرية.

هل يحتاج الإنسان لعينين اثنتين؟ كأنّ الأديب بهذا يضع الحكمة الإلهية على المحكّ.

عبد الرحمن وهو البطل الرئيس لهذه القصة يتّخذ قرارًا جريئًا وغير تقليدي بل وأحمق حسب تقدير بعض الأصدقاء والمقرّبين منه. يقرّر فقأ إحدى عينيه ويفعل ذلك من دون تردّد. هذا القرار يهدف لإثبات نظريته المتعلقة بعبثية امتلاك الإنسان لعينين اثنتين، وغالبًا ما كان يلجأ لإقناع من حوله بقدرة المرء على ممارسة حياة طبيعية بالكامل بعين واحدة، ولن يؤثر الاستئثار بذلك على الوظائف الحيوية البشرية. متى أقدم على ذلك وكيف؟ هذه تفاصيل ليست ذات أهمية على أيّة حال، لكن من المؤكّد أن عبد الرحمن قد قرر الوقوف ضدّ المعايير والنظم المعتمدة في المجتمع منذ القدم.

"لقد أعطانا عينين لنرى بهما.. ولما كان العالم قد فلت من بين أصابع الله فإن عينا واحدة تكفي تماما" لقد واصل السيد عبد الرحمن شرح فكرته ولكن بكلام غير مفهوم وكان خطه يدل على مبلغ اضطرابه، ثم طوى الرسالة وتوجه إلى المغسلة حيث استطاع بجرأة نادرة أن يفقأ إحدى عينيه بذات القلم الذي كتب به الرسالة. هكذا تروى الحادثة على ألسنة أصدقائه...

أما أهل بيته فيروونها بشكل مغاير، تقول أمه أنه كان في الحديقة وكان يعنى بشجرة تفاح زرعها صغيرا.. ولقد شاهد ذلك الصباح فرعًا جافًا ميتًا فحاول انتزاعه إلا أنّ الغصن الصغير كان مشدودًا بقوة إلى الشجرة الفتية، ولما كان السيد عبد الرحمن عنيدًا فإنّه استمر يشد الفرع بضراوة، وفجأة انسلخ الفرع بعنف ودخلت مقدمته بعينه فاقتلعتها.. (كنفاني، 1965، ص. 99).

هذا البطل غير التقليدي لا يعتبر استثناءً بصورة عملية عن الشخصيات الأخرى في أعمال كنفاني الأدبية. عبد الرحمن هو شخصية فريدة ومائزة للغاية فهو يعتبر النوم والغذاء أهم الاحتياجات البيولوجية. وعندما تسأله والدته عن دور المرأة وأهميتها في حياته يجيب بعد أن يتفكّر قليلا: كلا.. التدخين يأتي ثالثًا.. ثمّ المرأة.. (كنفاني، 1965، ص.97).

أيبدو بطل هذه القصة مجنونًا؟ أم أنّه نصف عاقل؟ يتداول أصدقاؤه ومعارفه هذه الأسئلة. الحقيقة أنّ عبد الرحمن غير معني بآراء الآخرين، فالأمور الحياتية تسير حسب رؤيته الخاصّة ولا توجد لديه أيّة نوايا لتغيير نمط حياته والانقلاب على مبادئه وعاداته على الرغم من تعرّضه للسخرية والعبث. كما إنّ الكاتب يضع بالحسبان استمرار حياة هذه الشخصية بنفس الوتيرة من دون تغيير جذري يذكر.

الغرابة في التعامل الفلسفي لعبد الرحمن مع البيئة المحيطة تجذب القارئ، لكنّ حادثًا واحدًا منفصلا قلب المعادلة رأسًا على عقب. لم يحدّد الكاتب كيف ومتى وأين تمّ ذلك، الأمر الوحيد المؤكّد هو أنّ عائلة عبد الرحمن أفادت بأنّ الحدث محض صدفة مع أنّ أصدقاءه يؤكّدون على أنّ الحادث برمّته ليس بريئًا ورتّبت تفاصيله مع سبق الإصرار والتصميم.

لكن دعونا نعود لجوهر الحدث الذي لا يعتبر بحدّ ذاته هامًا. بعد أن فقأ الرجل عينه بأداة حادّة خضع لعملية جراحية وتمكّن الجرّاح المختصّ من وقف النزيف الدموي من دون أن يتمكّن من إنقاذ العين المصابة، في تلك اللحظة بالذات انتقل عبد الرحمن لمرحلة جديدة من حياته وبات يرى نصف الأمور أو نصف اللوحة الحياتية أمام ناظره.

صار يشاهد نصف الأشياء فقط. فهو حينما ينظر إلى رجل جالس على الكرسي فهو لا يستطيع أن يشاهد إلا الرجل وإذا تطلع إلى الكرسي فهو لا يستطيع أن يرى الرجل الجالس فوقها.. وكانت الظاهرة حتى بالنسبة لأهله طريفة جدا بادئ الأمر فحينما كانت تدخل أمه الغرفة مع أخته كان لا يستطيع أن يشاهد في الوقت الواحد إلا واحدة منهما وكان يسألها عن الأخرى. وقد شرحت أمه الحادثة لإحدى الجارات قائلة إنها تعتقد أن ولدها ما زال واقعا تحت تأثير المخدر الذي استعمله طبيب جاهل أثناء إجراء العملية الجراحية، والذي كان يوشك يومها أن يودي بحياته. وكما يحدث في كل زمان ومكان نقلت الجارة الكلام إلى جارة أخرى، حيث تولت الأخيرة نشره في أرجاء الحي كله صعودا ونزولا..

ومضت أيام كثيرة إلا أنّ السيد عبد الرحمن على عكس ما توقعت أمه لم يتحسن بل زاد تطرفا في الأمر، وبعد عام واحد تقريبا لم يعد أي إنسان قادرا على إقناع السيد عبد الرحمن بأن الكرسي ما زال مكانا لجلوس رجل كما كان قبل الحادث وأن الذي دخل الغرفة اثنان.. (كنفاني، 1965، ص. 100).

لم يعد عبد الرحمن كسابق عهده فقد تسبّبت الإعاقة التي تعرّض لها بتشويه رؤيته وتعامله مع الحياة. أخذ الرجل يؤكد بما لا يقبل الشكّ بأنّه وحده القادر على رؤية الحقيقة واللوحة الحياتية النابضة وأنّ الآخرين عاجزين عن تركيب مكوّنات جوهر الأمور، ما أوجد حالة من الذهول بين أصدقائه والمقرّبين منه. أمّا الأطباء فقد استسلموا للأمر الواقع وأعلنوا استحالة إيجاد حلّ للحالة التي يعاني منها عبد الرحمن، ولا يمكنهم سوى صرف الأدوية والعلاج والمسكّنات مع أنّه لا يعاني من آلام.

وإذا ما تابعنا الحوار التالي مع الطبيب المختص سنتمكن من فهم أصول فلسفة ورؤية عبد الرحمن للعالم المحيط:

- أنت تعطي الدواء للمريض أو للمعافى؟

- "للمريض طبعا"..

- "إذا لماذا تعطيه لي"؟

- لأنك مريض..

- "إذا كنت مريضا فكيف تثق أنني سأتبع نصائحك؟ أنت تخاطب معافى! ولذلك أنت تخاطبه بكل هذه الثقة" (كنفاني، 1965، ص. 101).

لا يمكن لبطل غسان كنفاني أن يتقبّل أمرين أو صورتين في وقت واحد. على سبيل المثال السكون والتوتر، وإذا ما تحدّث شخص في مقهى الحيّ تجده لا يرى الطاولة التي يجلس إليها رفيقه، وإذا نظر إلى الطاولة فهو لن يرى الرجل الجالس إليها أو المتواجد بقربها، هو لا يؤمن باجتماع أمرين متناقضين كالفرح والحزن والموت والحياة في آنٍ واحد.

يحاول أصدقاء عبد الرحمن في هذه القصة إقناعه بأن يتعقّل وأن يتقبّل هذا العالم على حقيقته، لكن كلّ محاولاتهم باءت بالفشل وباتوا على قناعة من عدم قدرة هذا الرجل على رؤية أمرين متناقضين ذات الوقت، فهذه مهمة مستحيلة وتفوق قدراته الذهنية. الفكرة لدى عبد الرحمن تلغي نقيضتها على الفور بل تلغي كلّ شيء في محيط تواجدها.

انتباهه منحصر في صورة واحدة، شأن واحد، فكرة محددة وإذا ما ظهرت يختفي كلّ شيء باستثنائها. مع مرور الوقت تمكّن بطل القصة من فرض نظريته الأحادية على الرغم من المناوئين له، ونجح بجمع الكثير من المريدين والمناصرين لفلسفته الفريدة بل وأخذ هؤلاء بالدفاع عن نظريته واعتبارها حقيقة لا تقبل الطعن.

بات اسمه موضع جدل ونقاش متضارب الأوجه وفي المقهى نفسه الذي شهد نضوج نظريته استلم عبد الرحمن رسالة موجّهة منه وإليه فقط. لم يتفاجأ رواد المقهى من أنّه يكتب لنفسه ولأنّه غاب طويلا عن المقهى قرروا أن يفتحوا الرسالة لقراءة محتواها، جاء فيها إنّ الحياة معقّدة للغاية إذا أتيحت للجميع.

ما يزال عبد الرحمن إلى يومنا هذا على قيد الحياة يتمتع بصحة جيدة، يقطع الشوارع ويجوب المدينة بهدوء من دون أن يعير العربات المسرعة أدنى انتباه فهي بالنسبة له غير متواجدة ما دام ينظر للطريق والقضية محصورة فإما هو أو العربات؟

قصّة "فايشا العمياء" للأديب البلغاري غيورغي غوسبودينوف2 والتي ذاع صيتها خلال السنوات الأخيرة وتحوّلت لفيلم بتقنية الصور المتحركة يحمل نفس العنوان، نجح بالوصول إلى التصفيات النهائية لجائزة الأوسكار لأفلام الكرتون خلال العام 2017، تمتلك هذه القصة العديد من العوامل المشتركة مع قصة غسان كنفاني. تحمل القصتان فلسفة مشتركة نسبيًا لتأويل العالم الخارجي. فايشا هي امرأة شابة ترى العالم في الزمن الماضي بعينها اليسرى وتراه في المستقبل البعيد بعينها اليمنى. هذه الظاهرة حرمتها من إمكانية رؤية العالم في الوقت الراهن والجميع يعتبرونها عمياء بتصرّف. ولنقرأ هذا المقطع من قصة فايشا العمياء (ترجمة خيري حمدان):

تنظر بعينها اليسرى إلى الخلف حصريًا إلى الماضي. وبعينها اليمنى ترى ما سيحدث في المستقبل وحسب. مع أنّ عينيها الاثنتين منفتحتان تمامًا كما كافّة المبصرين، لكنّها بمنزلة العمياء. جميعهم يعتبرونها كذلك وينادونها بفايشا العمياء. نادرًا ما كانت تغادر المنزل وحين تذهب إلى الحديقة ممدودة اليدين، ترتطم بشجرة الكرز، وتمزّقُ أشواكُ شجيرات التوت البرّي بشرتها وتركُلُ بقدمها الأواني الفخّارية المتواجدة تحت مظلة المنزل. هي لا تدرك وجود شجرة الكرز والتوت البرّي والأواني الفخّارية، كما لا تعرف معنى اليوم الحالي. عينُها اليسرى على قناعة من أنّ تلك الأشياء لم تنبت بعد من التربة، أمّا اليمنى فتراها قد ذبلت أو تحلّلت وأصبحت جزءًا من التربة. أمّها هي أوّل من لاحظ إصابتها بحالة الضرارة الغريبة، لكن كيف لها أن تعلم أنّ عين فايشا اليسرى ترى المرأة المنحنية فوقها طفلة تحبو وتراها بالعين اليمنى عجوزًا بشعة محنيّة الظهر؟ (غيورغي غوسبودينوف، 2021، ص.79)

تفشل فايشا بالتعايش بسلام مع المجتمع وتبقى غريبة لحالة العمى الخاصة التي تعاني منها وتلاحقها حتى في أحلامها. إحدى عينيها خضراء والأخرى بنية ما زادها جمالا وبهاء وكثر من حولها طالبو القرب والزواج، لكن كيف تقبل بزوج تراه بعينها اليسرى طفلا يملأ المخاط أنفه وباليمنى عجوزًا منحني الظهر وشعر رأسه أبيضا وعلى الرغم من محاولات الطب التقليدي والشعبي لمعالجتها إلا أنّها بقيت ضريرة ولم يتمكن أحد من جمع عينيها في الحاضر لتعيش حياتها بسلام وبهجة.

سئمت فايشا نمط حياتها هذا. تملّكتها رغبة مرّة فقأ إحدى عينيها، أن تنتزعها بإصبعها. نعم، ولكن أيّ عين تختار؟ إذا انتزعت اليُسرى فإنّها تحكمُ على نفسِها بأن تعيش مع الحدث البعيد في مستقبل الأيام وهو ليس ممتعًا وغير سار. وبرفقة من ستعيش في ذاك المستقبل؟ من ذا الذي ستتعرّف إليه؟ إذا، فلتفقأ العين اليمنى. الماضي أكثر أمانًا ومريحًا ودافئ. لكن كيف لها أن تنظر لوالدتها وأبيها اللذان سيبدوان طفلين يسيل اللعاب من فميهما؟ كيف ستتعامل معهما وكيف تناديهما؟ فايشا محكومة ولا نجاة لها في الماضي أو المستقبل (غوسبودينوف، 2021/ ص. 81).

لم يتعرّض الأديب غيورغي غوسبودينوف لعيني فايشا بالأذى، لم يخاطر بإبقائها في الماضي أو المستقبل فالخيار على أيّة حال صعب للغاية على العكس من عبد الرحمن بطل قصة كنفاني الذي فقأ إحدى عينيه واختار البقاء في نصف العالم مؤكّدًا على أنّ الحقيقة لا يمكن أن تتواجد في موضعين أو في صورتين في فضاء واحد وفي الوقت نفسه.

حكاية كنفاني تبقى مفتوحة وليس من المتوقع أن يتوقف عبد الرحمن في حله وترحاله، ولن يعير السيارات العابرة في الطريق أمامه أو من حوله أدنى انتباه فهي غير موجودة في فضائه الخاص. وحكاية غوسبودينوف بلا نهاية أيضًا فقد تنجح فايشا يومًا ما من العثور على الشخص الذي يخلصها ويجمع عينيها في الحاضر بدلا من تشتتها ما بين الماضي والمستقبل. لكن وعلى العكس من بطل كنفاني لم تتجرّأ فايشا على فقء إحدى عينيها وقبلت بالأمر الواقع، وفايشا تبدو أكثر تفاؤلا من عبد الرحمن وستبحث عن النجاة والحلّ الناجع لمشكلتها بدلا من فرض حالتها على الآخرين باعتبارها حقيقة مطلقة.

 

خيري حمدان

.................

1- نشرت قصة نصف العالم ضمن المجموعة القصصية "عالم ليس لنا" عن مؤسسة الأبحاث العربية. صدرت الطبعة الأولى عام 1965

2- غيورغي غوسبودينوف: شاعر وروائي بلغاري شهير، ولد عام 1968 في مدينة يامبول. نالت روايته "فيزياء الحزن" شهرة عالمية، ترجمت للعديد من اللغات بما فيها اللغة العربية، نال الكثير من الجوائز الوطنية والأوروبية. قصة "فايشا العمياء" مدرجة في المجموعة القصصية "وحكايات أخرى". نقلها للعربية الأديب والمترجم خيري حمدان.

 

 

بحث: فلوريان توسان

ترجمة: علي ماجد شبو


 إن العدد الإستثنائي والمتزايد للعروض المسرحية المستوحاة من روايات دوستويفسكي في أوربا، منذ بداية القرن العشرين وحتى يومنا هذا، يدعو للتساؤل عن طبيعة العلاقة التي يرعاها المسرح مع هذا المؤلف. فإن بدت أعمال دوستويفسكي مرغوبة من قبل مخرجي المسرح بسبب صفاتها الدرامية، فإن نهجه الشعري يبدو في تعارض مع إستمرارية إستدعاءه الى المسرح. من هنا يبرز مفهوم "المسْرحة" أو "القابلية على المسْرحة"، في إلتقاط الرغبات المسرحية المتنوعة التي تثيرها روايات دوستويفسكي المتنوعة.

***

"إن دوستويفسكي خُلق للمسرح، ليس هذا فقط، بل انه أراد، طوال حياته، أن يكتب للمسرح. غير أنه لم يفعل ذلك أبداً، لسبب بسيط للغاية، وهو انه لم يكن هناك توافق محتمل، بينه وبين حالة المسرح، وما يُكتب له في ذلك الوقت"

هكذا يصوغ أندريه ماركوفيتش، (وهو مترجم جميع أعمال دوستويفسكي الى الفرنسية منذ تسعينيات القرن الماضي)، قوله حول عدم التوافق بين تطلعات المؤلف الروسي والمسرح في عصره. إلاّ أنه يؤكد بشكل قاطع، على توافق روايات دوستويفسكي مع "المسرح". ويبدو ان مايدعم وجهة نظره هذه، هو هذا العدد الكبير من الاقتباسات والإعدادات لروايات عديدة مثل الجريمة والعقاب، والأخوة كارامازوف، والشياطين، والابله – على سبيل الاستشهاد فقط بأعماله الرئيسية – التي تخللت الحياة المسرحية من القرن العشرين حتى يومنا هذا.

لعلّ هذا التوافق مع المسرح، والذي تجسّد لأكثر من قرن في تاريخ المسرح، لايزال بحاجة الى تحديد. يؤكد ماركوفيتش بأن طبيعة هذا التوافق تتبلور في الصفات الدرامية لروايات دوستويفسكي والتي، حسب قوله، تجعل منها "قصائد في مسار درامي". ولكن قبل ماركوفيتش، أي في بداية القرن العشرين، وصف ديمتري ميريكوفسكي أعمال دوستويفسكي على انها "روايات تراجيدية" ، وهو تعبير أحياه بعد ذلك فياتشيسلاف إيفانوف . ومنذ ذلك الحين شجّع النقاد التفكير بهذا النموذج من الفن المسرحي.

ان نقطة البداية لهذا "الحدس" هي إكتشاف أهمية الحوارات في سياق السرد، والتي يبدوأن العمل الروائي بأكمله يتقارب فيها من المسرح الى درجة يظهر فيها (العمل الروائي) كسلسلة من "مشاهد الأزمة". وفي ذات السياق، نجد أن باختين  يهتم بشكل خاص بالتمييز بين مايسميه "الحواريّة" وبين "الحوار المسرحي"، فهو يستدعي المسرح للتعرف على جوانب معينة من شاعرية دوستويفسكي. ثم يكتب ببلاغة: " أن المقولة الأساسية في رؤية دوستويفسكي الفنية ليست "الصيرورة" بل التعايش والتفاعل. لقد رأى دوستويفسكي عالمه وفكّر به، بشكل أساسي، كفضاء للمكان، وليس للزمان. وهو مايُفسّر ميله الى الشكل الدرامي. فهو يحاول ان ينظّم كل المواد التفسيرية وكل عناصر الواقع التي يمكنه الوصول اليها في وحدة زمنية، وبشكل متقارب درامياً.

يذهب جاك كاتو ،الذي كرّس بحثه في أنماط الخلق والابداع عند دوستويفسكي، الى أبعد من ذلك: فهو يعتبر المكان في روايات دوستويفسكي بمثابة الديكور بسبب وصفه البسيط، كما يعتبر المقاطع الحادّة للحوارات على إنها إشارات تدلّ على الإضاءة، منبثقةً من التنغيم في الصوت، ومن الإيماءات، ومن طريقة ظهور الشخصيات في المشاهد الروائية. كل ذلك يشكل تركيزاً حقيقياً لعمل دوستويفسكي الروائي تجاه النوع الدرامي، وهو ما يمنح هذه الاعمال قيمة أخرى. قيمة يبدو أنها قادرة على إتخاذ شكل "النوع المسرحي" الذي يغوي على المسْرحة وتكييف هذه الروايات للمسرح. وهي كذلك، دعوة للتغلب على فكرة "مقاومة" رواياته للإعداد للمسرح – بسبب حقيقة حجم هذه الروايات، أو بسبب التشابك المعقد لحبكتها، او العدد الكبير من الشخصيات التي تتجمع، أو الأماكن المتعددة التي تجري فيها الرواية، أي كلّ مايؤيد فكرة مقاومة المسْرحة.

بينما لايزال المخرجون المسرحيون يستحضرون دوستويفسكي كثيراً لتبرير نهجهم. نجد ان الاسلوب الشعري غير كاف لتفسير التزايد الملحوظ لحالات إعداد روايات دوستويفسكي الى المسرح على مدى اكثر من قرن. لفهم ذلك، يبدو انه من المناسب تجاوز فكرة "الإمكانية التطويعية" لروايات دوستويفسكي الى المسرح (والتي نعني بها الملائمة البسيطة للمسرح، وفقاً لمعايير تتغير بمرور الزمن) الى إستنفار مفهوم "المسرحة" : ذلك لإن المسْرحة تسعى الى التفكير في الأشياء التي تهم المسرح حتى لو لم تكن متوافقة تماماً معه - أو ربما لهذا السبب بالذات – تبدو مناسبة، وذلك لإن هذه الملائمة مرتبطة "بمشهدية" المسرح الذي يتطور من جهته، سواء من حيث أعرافه أو من حيث تطلّعاته. إن ديناميكية المعايير، في خواص الموضوع الذي نتبناه، وفي خواص الشروط التي نعتمدها ، ثم تفاوت هذه الخواص المختلفة فيما بينها، والتوقعات المرتبطة بهذه الخواص بالنسبة الى المسرح، كل ذلك يجعل التفكير في الصلات المتعدّدة التي تربط دوستويفسكي بالمسرح شيئاً ممكناً.

لتوضيح الطبيعة التي تختلف، في كل مرة، لما يبدو قابل للمسْرحة عند دوستويفسكي، ومن فنان الى آخر، سنعتمد على أمثلة لثلاثة إقتباسات أو إعدادات من ثلاث روايات من قبل ثلاثة مخرجين فرنسيين من ثلاث فترات زمنية مختلفة، ووفقاً لثلاث مفاهيم متميزة في المسرح: مسْرحة جاك كوبو لرواية الأخوة كارامازرف عام 1911 ، ثم الإعداد المسرحي لرواية الشياطينLes Démons باسم الممسوسين Les Possédés من قبل البير كامو عام 1959 ، والعرض المسرحي الذي قدّمه فنسن ماكين عام 2009 والمستند الى رواية الأبله L’Idiot . فعلى الرغم من الخمسين عاماً، التي تفصل بين عرضيهما، إلاّ اننا نجد إستمرارية معينة تربط مقاربات كوبو بمقاربات كامو. بالمقابل فان ذات الفترة الزمنية تفصل بين فنسن مكين والبير كامو، غير أن الفارق النوعي بين الاثنين كبير جداً. حيث إن فنسن ماكين هو وريث رؤى ومشاريع حاسمة في بنية المسرح، إبتدأت من برتولت بريخت وهاينر مولر  من الإرث الألماني في النصف الثاني من القرن العشرين، والتي جددت التفكير في المسرح وقادت – بمساعدة آخرين مثل هانزتيس ليهمان – لتأسيس مفهوم "مابعد الدراما" في محاولة لتحديد إتجاهات معينة في المسرح المعاصر .

مع الأخذ في الاعتبار هذه القفزة التاريخية، سيكون من المناسب توجيه التساؤل الى كلّ مخرج منهم عن الدوافع المسرحية التي أثارتها أعمال دوستويفسكي لدى كلّ منهم، والنظر من خلال عمليات "المسْرحة" التي تمت، الى العروض المسرحية التي طُبقت. إن تأمّل ذلك، حسب التسلسل الزمني، سيمكننا من نسج روابط بين العروض الثلاثة، بشكل تدريجي، كما ان ذلك سيساعد على وضع معايير للمقارنة، وكذلك لمتابعة التطورات الموازية لها في المسرح والممارسات السائدة في عمليات الإعداد المسرحي.

جاك كوبو والإخوة كارامازوف:

إعادة التفكير في اللعبة المسرحية من داخل شخصيات دوستويفسكي …

عندما فكّر كوبو، في عام 1907 ، بإعداد رواية الأخوة كارامازوف لدوستويفسكي، لم يكن، آنذاك، كاتباً مسرحياً مميزاً ولا مخرجاً مسرحياً مميزاً، إنما كانت علاقته في المسرح تقتصرعلى كونه مشاهداً وناقداً منشغلاً بجودة المسرح وما يؤول اليه. وبالنسبة اليه، كرجل أدب، كان قد عبّر في مقالاته عن الحاجة الى إصلاح المسرح في عصره، فقد جاء عرضه المسرحي، المعدّ عن رواية الأخوة كارامازوف عام 1911 ، بمثابة التجربة الأولى في مسيرة هذا "الإصلاح"، وقد كان لهذا العرض قيمة البيان.

إختطّ كوبو نهجاً لتحديث المسرح من خلال إعداد الروايات الادبية، في الوقت ألذي يستنكر فيه سيطرة الأدب الكبيرة جداً، على هذا الفن، مما يجعل نهجه يبدو غريباً مسبقاً. ولكن، ولتبرير مشروعه، يستدعي كوبو طبيعة روايات دوستويفسكي "القابلة للمسْرحة"، وخاصة رواية الأخوة كارامازوف. أي أنه يجانس رغبته في إصلاح المسرح مع تلك التي يراها في الاعمال الروائية لدوستويفسكي. لذلك فإن منهج كوبو في المسْرحة – والذي يُفهم هنا على أنه مايحث الرغبة في الإعداد المسرحي – يندمج مع ماهو قابل للإعداد والتكيّف، وينسجم، ببساطة، مع منهجه الإصلاحي. ومع ذلك، فإن كوبو في النهاية لايعتمد على الإمكانات الدراماتيكية في العمل الروائي الأّ قليلاً، بل إن ممارسته في إعادة صياغة الرواية بشكل تام، يُشير الى ان إهتمامه بالرواية يكمن في مكان آخر.

في برنامج العرض (الكتيب او البروشور) الذي تمٌ توزيعه عند إعادة العرض في مسرح فيو كولومبيه Théâtre du Vieux-Colombier في عام 1914 يؤكد كوبو"إن نقطة إنطلاقنا هي القيمة الدرامية، في حدّ ذاتها، في عمل دوستويفسكي الروائي، وخاصة رواية الأخوة كارامازوف" . من الواضح ان هناك عدة عناصر تدفعه الى جعل، روايات دوستويفسكي، القابلة للإعداد، سبباً معلناً لمشروعه في المسْرحة.

في البدء، كانت قرائته للأعمال الادبية المترجمة حديثاً آنذاك، لكتّاب مثل ديمتري ميريكوفسكي وتولستوي ودوستويفسكي، والتي أستشهد بها، بنفسه، في برنامج العرض المسرحي (الكتيب او البروشور). هذه القراءات ساعدت في ان يجد دعوة أولى للإعداد المسرحي، خاصة عندما قرأ أن "أعمال دوستويفسكي الرئيسية، في الواقع، ليست روايات ولا ملاحم، بل تراجيديات ومآسي" . ولدعم هذا التأكيد، يكشف ميريجكوفسكي طابع العذاب الذي تستشعره شخصيات دوستويفسكي وصراعها الدائم مع الذات، ويؤكد على أهمية الحوارات في الرواية و التي تجعل منها شبيهة بالسيناريو. يتبنّى كوبو هذا التحليل، ويستخدم عناصره في الكُتيب، بالعبارات التالية:

" ليست غزارة الحوادث والمغامرات، ما يمسّ الحواس بشكل مباشر فحسب، بل ويفجّران كل المظاهر النفسية. لأننا، عند قراءة هذه الروايات، نشارك فيها، فالشخصيات تقوم بتحلّيل نفسها، وتعبّر عن ذاتها فقط من خلال الحوار، الى الحدّ الذي حين يغيب الحوار من النص، يدفع المرء الى التفكير في الإرشادات المشهدية، في المسرح، والتي يجدها بين الحوارات" .

بمثل هذه المقارنة بين شاعرية دوستويفسكي ورموزه الدرامية، يضفي ميريكوفسكي الشرعية على جهود الإعداد المسرحي لرواية الأخوة كارامازوف.

قبل ذلك، أستطاع كوبو أن يلمح حجم الإمكانات الدرامية للعمل الروائي من خلال قراءة الترجمات التي كانت تحت تصرفه. وتجدر الإشارة هنا، الى أن هذه الترجمات كانت تعتمد تكرار الحذف والتلاعب بالنص، الى حد الإضافة، من أجل إراحة الجمهور الفرنسي من الوصف الروائي الطويل والاستطرادات المتعددة، وتنتهي الترجمة بصياغة النص على الذوق الفرنسي. وبهذا، فإن الترجمة إبتعدت عن مسارها الى الحد الذي صاغ فيه المترجمون، مايمكن ان يكون، الشكل الأول "للإعداد"، والذي جعل العمل أقرب الى النوع الدرامي.

وفقاً لمسرح معين آنذاك – والمقصود هوالمسرح الواقعي الموروث من القرن التاسع عشر، والذي أستحوذ، بيسر، على الروايات الأدبية - فإن ماتمتاز به رواية الأخوة كارامازوف هو إمكاناتها على "المسْرحة "، هذه الإمكانات شكّلت قيمة كبيرة لإستنهاض الرغبة في الإعداد المسرحي. يهدف النهج، في هذه الحالة، الى تحويل الرواية الى مسرحية، وعند عرضها على المسرح ستتمكن شخصيات دوستويفسكي من العودة الى الحياة. أما الكاتب والروائي الفرنسي أندرية جيد André Gide ، والذي كان المحاور المتميز لكوبو طوال فترة عمله، عرض وصفاً لمثل هذا النهج عندما كتب في صحيفة الفيجارو Le Figaro قبل أيام قليلة من العرض الأول لمسرحية الأخوة كارامازوف بأن التحدي الذي يتعين مواجهته هو قضية تقديم وعرض الشخصيات:

"إنها مسألة إدراك فيما إذا كانت هذه الشخصيات التي حُملت اليوم الى المسرح — فمن بين كل إبداعات الخيال ومن جميع ابطال التاريخ ليس هناك مايستحق اكثر في ان يقدم على المسرح — تجعلنا قادرين على تمييز القلق المنبعث عن أصواتها (أصوات شخصيات الرواية) من خلال أصوات الممثلين المنغمة والمنسقة" .

ومع ذلك، فإن كان أندريه جيد قد أشار الى ذلك، فإنه لايلتزم بمفهوم الإعداد المسرحي بإعتباره تجسيداً بسيطاً لشخصيات رومانسية من قبل الممثلين على خشبة المسرح. أنه يُشير في الواقع الى ان شخصيات دوستويفسكي ليسوا مجرد أيّ شخصيات، بل أن هذه الشخصيات "تستحق" أكثر من غيرها في أن تصعد على المسرح، مدعومة بأصواتها الباعثة على القلق. إن هذه الصياغات توحي بإدراك خاص لشخصيات دوستويفسكي، وقد عمّق أندريه جيد، هذا الإدراك، بعد سنوات قليلة، في سلسة من المقالات والمحاضرات . فقد حدّد بشكل خاص، من خلال تحليلاته، مفهوم "التعقيد" - الذي يُوصف من الان فصاعداً بالإيجابي . فوفقاً لأندريه جيد، فإن ذلك التعقيد ينبع من تشابك روايات دوستويفسكي مع فكر مطلق ولانهائي للشخصيات الواقعية التي لا تُختزل بأيٍّ رمز أو نوع أو طابع غير مستقر، ويتّضح ذلك في حالات إرتباكها. يُضاف الى ذلك، الرأي القائل أن دوستويفسكي أستوعب، من خلال شخصياته، "الحياة ذاتها" أفضل من أي شخص قبله. ن ولهذا السبب فإن هذه الكائنات، التي يعتبرها أندريه جيد حيّة منذ البدء بقراءتها، تستحق، برأيه، اكثر من غيرها في أن تكون على خشبة المسرح.

كابو كان متأثراً بأفكار أندريه جيد، والتي شاركه فيها منذ عدة سنوات، وبدوره حاول صياغة، ما يبدو بالنسبة له، فرادة الشخصيات وعلاقاتها عند دوستويفسكي وذلك لنشرها ضمن دراسة شاملة عن دوستويفسكي قام بها أندريه سواريس في مجلة النقد الفرنسي الجديد، فهو يقول: " إني أشعر بأن (الشخوص) تعيش على الحافة، وعلى حدود بعضها البعض، هم يحبون أو يكرهون بعضهم البعض، ينجذبون لبعضهم أو يهدّدون بعضهم البعض بشكل يتلامس بخطورة شديدة. هكذا تنتشر فيما بينهم العدوى المفاجئة والصاعقة. وقد يُقال بأن كل شخصية ممتلئة جداً بوجودها وبلهيبها الى حدّ السماح بالانفجار والفيضان" .

في توضيح هذا التقارب، الذي يتأرجح بين التواطؤ والتنافس، والإنتقال من موقف الى آخر، لٓمٓحٓ كوبو نوعاً من "علم النفس" مختلفاً عن ذلك النوع المنطقي والسببي الذي يهيمن على الأدب آنذاك، بل وأكثر من ذلك، النوع المهيمن على المشهد المسرحي في عصره. لعل هذا المفهوم الجديد "للشخصية"، هو مايبدو بالنسبة لكوبو قابل "للمسْرحة" لأنه ينفتح على إمكانات أخرى للأداء المسرحي. فعندما قام في عام 1913 بإفتتاح مسرح دو فييوكولومبية Théâtre du Vieux-Colombier بعد تجديده الكامل لمحاربة روح التصنّع والمناورات التي سيطرت، حسب رأيه، على هذا الفن، كان كوبو يضع في قلب مشروعه الإصلاحي مسألة أداء الممثل. وشكّلت الأخوة كارامازوف لدوستويفسكي نقطة الانطلاق لبحثه هذا.

ولهذا، فقد كان رهان كوبو على الإعداد المسرحي، يعتمد منذ الآن، على إسثمارعلم النفس الجديد. من هنا، يمكن تفسير رفضه الانسياق نحو"الاعداد" الذي يجمع "القصاصات البسيطة التي يتم إجتزازها من قلب النص الأصلي وتقدّم بدون ترابط، وبوتيرة واحدة". كان كوبو، على العكس من ذلك، يلتزم بتقديم الرواية، كما يقول "بشكل دقيق، مضغوط قليلاً، ومتوازي هندسياً تقريباً مع مانفرضه عادة على أعمالنا الدرامية"  . هذا الشكل الذي يميّز الدراما بالنسبة اليه، يتشابه مع المسرح الكلاسيكي: فمن بين الكتب الاثني عشر لروايات دوستويفسكي وعدة آلاف من الصفحات، يكتب كوبو مسرحية متكونة من خمسة فصول وأربعة وأربعين مشهدا. وبالمثل يخضع كوبو، الى حدّ ما، الى قاعدة تجزأة المشاهد المسرحية. أن مثل هذا الاحترام للقيود الدرامية لا يُفصح فقط عن الرغبة في تنظيم المادة الرومانسية، وإحياء سردها، وإعادة إنتاج آثارها، بل إنه يُبرز الإرادة في خلق المَشاهد المسرحية، وإعادة تركيب الحالات الدرامية المختلفة، مع إدراك مدى تعقيد الشخصيات وتشابك علاقاتها. هذه الحالة تظهر بشكل خاص في المواجهة بين إيفان وسميردياكوف في الفصل الخامس، والذي يُعتبر أفضل المشاهد التي تُصور تحليل كوبو،المشار اليه، من خلال إظهار البنية التحتية للغة والتي يقوم عليها حوار الشخصيتين اللتين تندمجان أحياناً وتنفصلان بعنف في أحيان أخرى. فضلاً عن الأهمية التي يُوليها كوبو لإختيار الممثلين والتنظيم الدقيق للحركات والإيماءات المسرحية التي تأخذ معنىً محدداً ضمن هذا المنظور.

إن تصريحات كوبو المختلفة حول رغبته في إعداد الأخوة كارامازوف تسلط الضوء بوضوح على التوتر الذي وقع فيه بين مسرح عصره وطموحاته الكامنة لتجديد هذا الفن. ويبدو أخيراً انه يعتقد بان هذا التجديد يبدأ من دوستويفسكي، الذي يبرز هنا كرافعة محتملة لهذا التحول والتجديد في المسرح. إن أهمية هذا العرض الأول، والتأثير الدائم لدوستويفسكي على تفكير كوبو، يمكن قياسه من خلال السطور القادمة والتي تحمل مفردات مهمة كتبها بعد بضع سنوات حول العلاقة التي يجب ان يمتلكها الممثل مع شخصيته:

" أنت تقول عن الممثل بأنه يدخل في الدور، وبأنه يتلبس الشخصية، ولكن، يبدو لي أن هذا ليس صحيحاً، لأن الشخصية هي التي تقترب من الممثل وتطلب منه كل ماتحتاجه من أجل أن تُملئ وجودها. وبالإعتماد عليه تبدأ هذه الشخصية في الدخول شيئاً فشيئاً تحت جِلد الممثل. وهنا يحرص الممثل على ان يترك المجال مفتحوحاً للشخصية. لا يكفي أن ترى الشخصية جيداً، ولا أن تفهمها جيداً، لكي تصبح جديراً بأن تكونها. لا يكفي حتى أن تمتلكها بشكل جيد لكي تمنحها الحياة، بل يجب أن تكون مسكوناً بها ".

الممثل أرسين دوريك (في دور سميردياكوف) والممثل شارل دولان (في دور إيفان) في الفصل الخامس من مسرحية الأخوة كارامازرف. مسْرحة وإخراج جاك كوبو، أيار/ مايو 1911 .

كامو والممسوسون:

إحياء التراجيديا من خلال التساؤل الفلسفي

قدّم البير كامو في مدينة الجزائر، العاصمة، عام 1938 وعلى مسرح الفرقة « Théâtre de L’Equipe » ، الذي قام بتأسيسه، النص المعدّ من قِبَل كوبو لرواية الأخوة كارامازوف، وقام هو بتمثيل دور إيفان. ويعترف كامو: " لقد أحببته فوق كل شيء، ربما مثّلت الدور بشكل سيء، ولكن بدا لي بأني أفهمه تماماً، لأَنِّي عبّرت عن نفسي بشكل مباشر من خلال تمثيل الدور" . ويبدو أنه يعني أن فهمه لشخصية إيفان، لم يكن يستند على "الشخصية" كما أُعدت من قِبل كوبو، حيث من المحتمل أن كامو كان يشير الى تمثيله وفهمه لشخصية "إيفان" كما ورد في النص الأصلي لدوستويفسكي.

إن أفكار وتأملات إيفان، في الواقع، غذّت الحوار الفكري الذي كان كامو يقيمه مع دوستويفسكي في كلّ أعماله، وهو حوار طويل الأمد ينتهي بالممسوسين Les Possédés . إن شخصيات مثل إيفان وستافروجين وكيريلوف وماتحمله من إفكار، غذّت بالفعل كل إبداعاته، لماذا إذن يعود كامو الى الإعداد المسرحي في عام 1959؟ مالذي بدا له قابل للمسْرحة في رواية الشياطين Les Démons ، وهي أكثر روايات دوستويفسكي إيديولوجيةً، والتي أشار اليها مؤلفها على أنها كتيب؟

خلال مقابلة مع مجلة "عروض" Spectacles ، يتذكّر كامو: "تعرّفت على أعمال دوستويفسكي في سنّ العشرين، ومازالت الصدمة التي تلقيتها منها مستمرة بعد إنقضاء عشرين عاماً على ذلك" .ثم يذكر، مباشرة بعد هذا الإعلان، مسرحية "الممسوسون" والتي يضعها كامو جنباً الى جنب مع الأوديسة والحرب والسلام ودون كيشوت ومسرح شكسبير. يصوغ كامو بهذا، بدايةً لتواطؤ عميق لفكره مع فكر دوستويفسكي، وهو تواطؤ ممتد في جميع أعماله تقريباً وتُوج بإعداده مسرحياً لرواية الشياطين الى مسرحية أسماها الممسوسون.

منذ مسرحية كاليجولا، في عام 1938 ، أتبّع كامو آثار أفكار دوستويفسكي ودفع الى أبعد مايمكن بمنطق "كلّ شيء مباح" الذي أطلقه إيفان في الأخوة كارامازوف. ثم بعد ذلك، تمّ مناقشة ذلك المنطق في رواية الطاعون وفي مسرحية العادلون. فبالإضافة الى أعماله الدرامية والروائية، كان كامو يُشير الى شخصيات دوستويفسكي في بحوثه وفي مقالاته. ففي كتابه "الإنسان الثائر"، على وجه الخصوص، يستدعي كامو شخصية إيفان ليُظهر جانب من الثورة الميتافيزيقية، كما يستدعي شخصيات رواية الشياطين في الجزء الذي خصصه للثورة التاريخية. ووفقاً لبيتر دنوودي ، الذي درس الأشكال المختلفة التي تتخذها هذه العلاقة بين كامو ودوستويفسكي، فإنه اذا كان الحوار بين الاثنين قد تعزّز الى هذا الحد، فذلك لان كامو وجد في روايات دوستويفسكي ما يُغذّي فكره في مواضيع مختلفة مثل غياب الله، والعبث، والانتحار، والتمرّد، والعدالة، والمعاناة وحتى الارتباك والقلق الأخلاقي. كلّ هذه الأسئلة مطروحة في الشياطين.

ولكن، طالما جاء كامو بإعداد هذه الرواية الى المسرح، وهو يدفع بذلك حواره مع دوستويفسكي الى أبعد مدى ممكن، فربما يكون الامر أكثر من ذلك لأن الأهمية الفلسفية والسياسية لفكر دوستويفسكي في رواياته هي ذاتها التي يدفع بها كامو وبعض معاصيرة لتغذية المسرح بها. وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، أكدّ بعض المثقفين على الحاجة الى جعل المسرح فنّاً ملتزماً. وهذا يعني بالنسبة لهم إستحضار مأساة الانسان المعاصر الى المسرح مقرونةً بشكل وثيق بأسئلة عصره.

ظهر مثل هذا القلق عند كامو بمقابلة صحفية بمناسبة إعداده لمسرحية الممسوسون (عن رواية الشياطين) حيث يقول: " كان يُعتقد ولزمن طويل بأن ماركس هو نبي القرن العشرين، ولكننا نعلم الآن أن تلك النبوة قد تلاشت، ونكتشف بأن النبي الحقيقي كان دوستويفسكي فهو الذي تنبّأ بهيمنة الفضوليين وبإنتصار القوة على العدالة" .

نظر كامو الى رواية الشياطين لدوستويفسكي بإعتبارها قابلة للإعداد المسرحي، إضافة الى أن الأفكار التي صاغها دوستويفسكي، وبشكل اكثر تحديداً الأطروحة الرئيسية للرواية التي تتبلور بالمقولة التالية: " إن نفس المسارات التي تقود الفرد الى الجريمة، هي ذاتها التي تقود المجتمع الى الثورة". لأن الرواية توضح العدمية وتطرح سؤال الشّر بطريقتين، الشر الوجودي والشرالميتافيزيقي مع شخصية ستافروجين، والشر التجريبي والتاريخي مع شخصية فيرخوفنسكي، ولهذا، فإن متفرّج مسرحية الممسوسون يكون مدعواً لإسقاط خطاب المسرحية على الثورات والديكتاتوريات التي يُعاصرها.

إن الألفة مع فكر دوستويفسكي، والذي يعتبره كامو معاصراً، ولهذا فقد أراد أن ينقله الى المسرح بشكل أكثر وضوحاً من قبل، غير ان ذلك كان يبدو غير كاف لتفسير مقاربته. هناك تأكيدين لكامو يقودان الى طريق آخر، فمن جهة يكتب في برنامج عرض المسرحية (الكتيب أو البروشور) في مسرح أنطوان: "منذ عشرين عاماً وأنا أرى شخصيات الرواية على خشبة المسرح"، ومن جهة أخرى، يؤكد في حديث تلفزيوني: " هؤلاء الممسوسون يختصرون ما أعرفه وما أؤمن به في المسرح في الوقت الحاضر". تقودنا هاتين الملاحظتين الى إعتبار هذا الإعداد المسرحي أبعد من الحوار الفلسفي للكاتبين، من منظور مسرحي صارم.

يكتب كامو في أسطورة سيزيف: إن جميع أبطال دوستويفسكي يتشككون في معنى الحياة، وهم بذلك حداثيون ولايخشون من السخرية. إن مايميز الإحساس الحداثي عن الإحساس الكلاسيكي هو أن الأخير يتغذى على المشكلات الأخلاقية بينما يتغذى الأول على المشاكل الميتافيزيقية. يُطرح السؤال في روايات دوستويفسكي بإلحاح شديد، الى درجة أنه لايمكن ان يتضمن سوى حلول متطرفة. إن "الوجود" كاذب أو أنه أبديّ، فلو كان دوستويفسكي راضياً بهذا الإستنطاق لكان فيلسوفاً، ولكنه يُصور العواقب التي يمكن ان تحدثها هذه الألعاب الذهنية في حياة الانسان، وهو لهذا السبب بالذات، فإنه فنان.

إن مايقوله كامو هنا للإعجاب بدوستويفسكي، هي الطريقة التي ينقل بها "سؤال الشر" خارج مجال الأخلاق، بل وأكثر من ذلك، فإن الطريقة التي يُجسد بها الأفكار الميتافيزيقية في الشخصيات، هي التي تدفع بتلك الإستنتاجاات الفكرية للشخصيات الى أقصى مايمكن. يعتقد كامو، بإن هذا بالذات مايجعل فنه ذا قيمة كبيرة.

إن قدرة دوستويفسكي على إبطال التعارض بين الفلسفة والرواية تبدو بالنسبة لكامو نموذجية تماماً. فمن خلال نقل روايته الى المسرح، يُريد كامو، وبنفس الطريقة، المزج بين الفلسفة والمسرح، لإن ذلك يبدو له وسيلة لإحياء التراجيديا. وذلك من خلال إظهار الشخصية العاطفية التي يمكن ان تتملكها الأفكار، وإظهار التمزق الميتافيزيقي بشكل غير تجريدي، بل مُجسّد. هذا هو النموذج الذي يريد الوصول اليه. أما الرهان وراء إعداد كامو للمسرحية فهو لنقل المناقشات الوجودية للشخصيات على خشبة المسرح وجعلها الموضوع الأساسي للمسرحية، تماماً كما فعل بمسرحيتيّ كاليجولا والعادلون.

يحتفظ كامو من رواية دوستويفسكي على طبيعة الشخصيات وإشتباكاتها، بشكل خاص، مثل "عدمية" شخصية بيوتر فيرخوفينسكي، والشعور "بعبثية" كيريلوف، أو خطاب "العبودية" لشاتوف. ولكن الامر أكثر من ذلك، فإن البطل التراجيدي الحقيقي والحديث هو بالنسبة لكامو "ستافروجين" المسكون بالعبث وبالقناعة بأن "كل شيء مباح"، ولكنه غير قادر على أن يلتزم بهذا الموقف كونه متلهفاً الى المحبة والايمان. فهو، هنا، يقدم مثالاً على "الإنسان المتناقض والممزق، المدرك لغموض الانسان وتاريخه"، وهو مايصفه كامو ب "الانسان التراجيدي بإمتياز". ولذلك، فهو يجعل "غموض ستافروجين هو ذاته سرّ ستافروجين" والذي يُشكّل وفقاً له "الموضوع الوحيد للممسوسين" أي روح النص المُعد للمسرح ومركز ثقل مسرحيته. ويُعيد كامو مشهد "إعتراف الشخصية" والذي كان قد حُذف من قبل الرقابة عندما نُشرت الرواية.

إن ما يُثير الاهتمام في مشروع إعادة إحياء التراجيديا في المسرح الحديث، ملاحظة أن كامو يفصل بين ماهو مأساوي وبين المأساة. ففي حين أنه مدرك للصفات الدرامية للرواية، إلاّ أنه لا يلجأ الى النموذج الكلاسيكي لنقلها للمسرح كما فعل كوبو، بل إختار طريقة للإعداد المسرحي الهجين    Dramaturgie hybride القادر على التعامل مع البعد الملحمي للعمل الأصلي. فكان قبل كل شيئ معني بحوارات الشخصيات، لذلك فهو يجعل تتابع المشاهد تنتظم بفصل، وهو بذلك يُفضل ان يُقسّم المادة الرومانسية الى لوحات مشهدية بحيث يضمن سلاسة تسلسلها من خلال التدخلات المنتظمة للراوي الذي يملأ الفراغات الزمنية التي تفصل بينها، ويسمح بالمرور بسهولة، من مكان الى آخر. كان كامو يراهن على وحدة النبرة الصوتية، ويؤكد أنه حاول متابعة الحركة العميقة للرواية والانتقال مثلها من الكوميديا الساخرة الى الدراما ثم الى المأساة . وقد تضاعفت هذه الحركة، بشكل متنامٍ، من خلال سينوغرافيا تجريدية أقل تمسكاً شيئاً فشيئاً بجوهر المادة.

وفي النهاية حصلت مسرحية الممسوسون على قناعة ورضا الجمهور، أكثر من أي عرض مسرحي لكامو. على الرغم من ان بعض أعماله المسرحية تثير مسائل شائكة قريبة من ذلك. مما حدا ببعض النقاد الى حدّ تعميم هذه الظاهرة مؤكدين أن معاصريه يقدّرون بشكل كبير مسرحياته المعدّة على مسرحياته هو، كما لو أن القيام بالمسْرحة، وبشكل خاص، عن دوستويفسكي، يُتيح لكامو حرية واسعة في إعادة النص للمسرح وفي الإخراج .. حرية قادرة على خدمة مشروعه المسرحي.

ميشيل بوكيه (في دور بيوتر) وبيير فانيك (في دور ستافروجين) في مسرحية الممسوسون مسْرحة وإخراج ألبير كامو في مسرح أنطوان ، باريس ، يناير 1959.

فنسن ماكين ورواية الأبله:

تجربة المسرح بكل أبعاده مع دوستويفسكي.

حين حضر الجمهور ليشاهد أحدث إبداعات فنسن ماكين "مسرحية الأبله" ، صُدم منذ وصوله المسرح. فهو يُستقبل منذ قاعة الدخول في المسرح، بأعلى صوت منبعث عن أغنية شعبية إيطالية "سارة إني أحبك" Sara perche ti amo والتي تتداخل معها صرخات ممثل، عبر مكبر الصوت، داعياً الجمهور للاحتفال بعيد ميلاد إبنته العزيزة. لاينتهي الاضطراب الظاهر بمجرد دخول قاعة المسرح، بل يتم إنشاء أجواء ديسكو من خلال انبعاث موسيقى مركبة وقوية وأضواء خافته بالفعل مع سُحب من الدخان، وصرخات من نفس الممثل الذي يلعب دور "مُسخّن الصالة" ويشجع الجمهور للمجئ على خشبة المسرح وان يخدموا أنفسهم بكأس من البيرة، وللرقص والصراخ معه.

قد تبدو هذه المقدمة، للوهلة الأولى، بعيدة عن المشروع المعلن لعرض مسرحي عن الأبله لدوستويفسكي، غير أن هذا الانطباع لايدوم إلاّ للحظات، وقد أثبت هذا النهج في النهاية بانه قادر على الإنتقال الى قلب الأسئلة التي أثارتها الرواية. هذا النهج هو ثمرة حوار معمق بين فنسن ماكين ودوستويفسكي، ومن التقارب الذي يعلق عليه المخرج نفسه قائلاً بأنه متأثر بالخطاب المُتضمن في العمل الروائي، ولاسيما حول شخصية الأبله، ومن شكله الملحمي أو ما يسميه هو "غضبه". هناك العديد من السُبل التي من الممكن إتباعها لفهم مالذي كان في حسبان فنسن ماكين حين شرع في الإعداد المسرحي للرواية.

على العكس من كوبو و كامو، لم ينشغل ماكين في مسألة قابلية الإعداد المسرحي للرواية التي يختارها. فهو وريث لتقاليد مابعد الحداثة، ومسرحه لايزعج نفسه بالأوسمة التقليدية، وسواء تناول رواية ام مسرحية فإن فنسن ماكين يتابع عمله بنفس الطريقة. لان الامر يتعلق بالنسبة اليه بإعادة كتابة النص من أجل بناء خطاب، ينطلق من النص، يتمحور حول العالم المعاصر. ولذلك فإن مسألة الإعداد المسرحي، في هذه الحالة، تكون عبارة عن تناغم، بالمعنى الواسع، بين العرض المسرحي والاهتمامات المعاصرة.

يقول ماكين إن إهتمامه برواية الأبله جاء من تنبؤ دوستويفسكي بما يجري من إنحراف معاصر. وبرأيه، فإن المؤلف يصف في هذه الرواية "ظهور المجتمع الحديث، مع وصول قضايا الإئتمان المصرفي والرأسمالية والمحرك البخاري" ثم يضيف بأن "هذه الحداثة تثير نوعاً من الخوف عند دوستويفسكي". خوفٌ برّره التاريخ لفنسن ماكين بعد مضي مايقرب من قرن ونصف من الزمان. فالنماذج الاقتصادية التي تمت صياغتها في مستهل القرن العشرين بدت مستنفذة، وبأن أيديولوجية التقدم الاجتماعي أصبحت متهالكة، والأمل المنشود محكوم بالفشل الى الحدّ الذي إتسعت فيه مجالات السخرية المدمّرة. إن نظرة متوازية بين روسيا في أواخرالقرن التاسع عشر وفرنسا في القرن العشرين توضّح على أن في عالم الرواية كما في العالم المعاصر "تتأكد الفكرة القائلة بإن ما سبق وبنيناه هو الان في حالة غرق، وكذلك الشعور بأن ما حاربنا من أجله يتم تدميره"، ولدعم هذا التقارب لنأخذ، مثلاً ما وصلت اليه الحال (من تدهور) في بعض نماذج التقدم في المجتمع المعاصر مثل الضمان الاجتماعي أو المسرح الشعبي. ولإن خطاب دوستويفسكي كان من الممكن ان يعكس العالم المعاصر، ولأن ماكين يعتبر المسرح وسيلة لفهم العالم المعاصر، ولصياغة خطاب حوله. فإن عمل دوستويفسكي الروائي بدا لماكين قابل للمسْرحة.

إن هذا الحدس هو الذي يدعم مشروع إعادة كتابة الرواية، الجاري العمل بها، ويهدف المشروع الى إظهار "كيف يتردد صداه بالنسبة الى العالم الذي نعيش فيه". إن إهتمام فنسن ماكين بالعمل الروائي لم يكن يرتكز على تسلسل الأحداث في حبكة محكمة -والتي بدت قابلة للإعداد المسرحي مع أكثر من مخرج قبله – بلْ أن إهتمامه إنصبّ على الخطابات التي أدت الى نشوء المواقف. ولذلك فقد سلّط الضوء على أصوات معينة تناقش الطريقة التي يسير بها العالم، ولاسيما تطوراته السياسية والاقتصادية، فضلاً عن تداعياته الاجتماعية. وبالتالي فقد إعتمد فنسن ماكين، بشكل كبير، على محاورات يفغيني بافلوففيتش والأمير ميشكين ، في حضور مجتمعهم بأكمله في بداية الكتاب، وإنتقى اهم العناصر من خطابات الشخصيات العديدة.

علاوة على ذلك، قام فنسن ماكين، خلال إعادة كتابة الرواية، بتضمين إشارات مباشرة للعالم المعاصر. وهنا يستوجب التنبيه بأنه حتى عندما ينأى بنفسه عن الأبله، فإن ماكين لايهدف الى "تحديث" نص دوستويفسكي، ولا بأعادة إحياء شخصياته في القرن الحادي والعشرين. بل يهدف منهجه الى الاصغاء الى الرواية إنطلاقاً من واقعنا، وبالتالي اللعب على التراكيب بين العصور. هذه الممارسة تضعه ضمن تقاليد بريخت، الذي يشجع إستخداماً جديداً للكلاسيكيات، والتي هي حسب رأي بريخت " إبراز المحتوى الأيديولوجي الرسمي" من أجل وضعها في خدمة المجتمع.

بعد أن تتم عملية إعداد وتكييف المتفرج، كما ورد ذكرها في إفتتاح العرض المسرحي، يُلاحظ بأن هناك تأثيرات في خلط الأطر المرجعية غير المتجانسة على خشبة المسرح. فيتم تسليط الضوء على منظور ماكين للرواية من خلال تواجد عناصر معاصره على المسرح، مثل بالون ميكي (ماوس) منفوخ بهواء الهليوم، أو تواجد الموزع الأوتوماتيكي للمشروبات الغازية مزينة بإعلانات ضوئية. غير ان العنصر الأكثر وضوحاً، والمأخوذ من عصرنا، يتمثل في الاستشهاد بمقتطفات من خطاب نيكولاس ساركوزي – الذي أُستبدل في عام 2014 بمقتطفات من الحوار بين ساركوزي و فرانسوا هولاند خلال الحملة الانتخابية لرئاسة فرنسا.

ومع ذلك، فلم يختر فنسن ماكين رواية الأبله ببساطة من أجل ماتتضمنه من خطاب قادر على مساعدتنا في التفكير بعالمنا. إن العرض الذي قدّمه يُبرز جاذبية حقيقية نحو الرواية، فهو يسعى، من خلال ذلك العرض، الى ترجمته الى لغة فنيّة خاصة به. فضلاً عن ذلك، فإن أصالة مشروعه تكمن في حقيقة انه ينطلق من هذا العرض المسرحي بالذات ليُعيد التفكير بالمسرح ككل. فمن خلال الاستناد على العرض المسرحي يضع فنسن ماكين هذا الفن، بجميع أبعاده، في محل تساؤل – من الكتابة المسرحية الى إدراك المتفرج، ومن جماليات المَشاهد المسرحية الى التمثيل – ليعكس بذلك قراءته الخاصة للعمل الروائي بشكل أفضل.

إن إختيار المسرح بابسط أعرافه، ربما أنعكس في وصفنا لبداية مسرحية الأبله في مستهل هذا الجزء. فمنذ مستهل العرض أهتزت العلاقة بين الممثلين والجمهور بالفعل، بسبب تدفق العرض الى قاعة الانتظار في المسرح، وحتى الى الشارع، ويستمر هذا الاضطراب الى مابعد هذه المقدمة ليشتمل مجرى العرض.

التزم فنسن ماكين، وبمجرد الشروع بإعادة كتابة الرواية، بالتخلص من كل التقاليد بما في ذلك الرومانسية. لذلك فإن عمليات الحذف التي مارسها تضع جانباً اكثر حلقات الرواية قابلية على الإعداد المسرحي، على مايبدو، وبالتالي فإنه، مثلاً، لايستغني فقط عن مشهد لقاء الأمير ميشكين وروجوجين في القطار، والذي يؤدي وظيفة الموقف التمهيدي من خلال ربط مصير الشخصيتين، بل اكثر من ذلك، فإنه يحذف مشهد النهاية المفجعة التي تجمعهما حول جسد ناستاسيا المقتول - وهو مشهد يقول فيه دوستويفسكي إنه كتب الرواية بأكملها – مما أدّى الى تغيير مسار الشخصيات الثلاثة وأضاف تركيزاً قوياً على شخصية الأبله. وبالطريقة نفسها، يخفف فنسن ماكين من التركيز الزمني للرواية، كما لو انه أراد أيضاً الاستغناء عما يبدو متماسكاً للغاية، وسعى، على العكس من ذلك، الى إدخال الفوضى في عمل دوستويفسكي المكثّف. يكتب فنسن ماكين في ملاحظاته الأولية بأن "التحدي ليس في تلخيص "الأبله" ولكن في تقديم (على خشبة المسرح) قوة هذه الرواية الملحمية والأدبية وحركتها ووفرتها"، لإن ماعدا ذلك فإن ماتبقّى من الرواية في نهاية المطاف هو غزارة المادة الطويلة والمعقدة والإستطرادية والتي، فيما يبدو، كانت ستولّد الانطباع لدى المشاهدين بانهم أمام "قراءة دوستويفسكية".

إن إعتماد أبعاد خاصة في العرض المسرحي تستند الى النظر الى ماهو خلف الأفكار التي تحملها الشخصيات، والى دعم الجزء الملحمي من العمل على خشبة المسرح – وهي أبعاد من شأنها أن تقرّب رؤيته من رؤية البير كامو- أدّت بفنسن ماكين الى مسْرحة أكثر التفاصيل دقة في العمل الروائي: "نغمته، طاقته، نبضه الحيوي"، على حد تعبير ميشيل كورفان . يقول فنسن ماكين إنه يريد أن "يخلق عملاً مشهدياً ساحراً ينطلق من غضب دوستويفسكي" ثم يضيف " ولجعل المسرح مكاناً لقراءة الأبله، وابرازقوة وعنف حكايته". فمن خلال مشاعر وأحاسيس معينة، مثل الغضب والجنون والإفراط، وغيرها الكثير، يحاول فنسن ماكين تلمّس هذه الرواية، وإعادة إستثمارها في المسرح.

يُعلق فنسن ماكين أهمية بالغة على فكرة "العار" في سياق العرض المسرحي، والتي تمّ تضمينها، عند إعادة كتابة النص، كما في الإيماءات والإشارات المعينة للممثلين. هذه الفكرة تشكّل الأصل في مفردات قاموس مسرحي يتكون من مواد تمّ بها طلاء الأجساد طوال مدّة العرض، مواد مثل الزيت، والرغوة، والماء، والطلاء، واللمعان، والدم المزيف، والتراب، إن أهمية مفردات هذا القاموس هي في كشف عنف العلاقات بين الشخصيات، ولا سيما ضد الأمير ميشكين وناستاسيا فيليبوفا. ان الطابع الحَرْفي والبدائي لعرض فكرة "العار" كشف عن الهياج الأسطوري، الذي يقول عنه فنسن ماكين، بإنه وجده في أعمال دوستويفسكي.

في مشاهد العرض المسرحي، يزداد الإحساس بالمعاناة بإضافة الصفعات والسقوط والضرب، ويتفاقم كذلك أسلوب الكلام بإسراف، فيشحن الممثلون كل كلمة بقوة جسدية، وقوة صوتية، تُفسّر الغضب والعنف الذي يُدركه فنسن ماكين في العمل الروائي، مما يجعل معاناة الشخصيات محسوسة تماماً الى الحدّ الذي يتولّد فيه الانطباع بانهم يلعبون بحياتهم في كل لحظة. إضافة الى إن الصراخ لايمنع الفوارق الدقيقة لإنها تنتشر في سياق الحوارات الطويلة. هذا لأن فنسن ماكين حولّ حوارات الرواية – التي تسودها شاعرية دوستويفسكي والتي كانت الأصل في رغبة عدة كتاب ومعدّين الى تحويلها الى المسرح – الى حوارات طويلة تُضفي أهمية على الطابع الحواري وعلى مواقف كل شخصية، كما تُفاقم تناقضاتها العصيّة على الحلّ. حوارات تجعل من العرض المسرحي أكثر خصوبة من وجهة نظر درامية. لذلك فإن الممثلين يُكشفون، من خلال مشاعر تترواح بين العواء الجامح والصراخ المُتحكم به، عن علاقات مؤثرة بشخصياتهم، وبالتالي يكشفون عن الانفصال الذي يكوّنهم. هذا الاختيار الجمالي الجذري الذي ينفتح على حالة القلق التي تلفهم، يميل الى تحقيق الكثافة العاطفية الكبيرة التي يسعى اليها فنسن ماكين مع الأبله.

بولين لويار ودان أرتوس في مسرحية "الأبله، لأنه كان علينا أن نحب بعضنا البعض"، مسْرحة وإخراج فنسن ماكين. مسرح دو فيدي، لوزان، تشرين الأول/ أكتوبر 2014 .

توجيه المسرح نحو دوستويفسكي …

سلّطت الخطابات، التي تضمنتها العروض المسرحية، لكل من كوبو وكامو، الضوء على ان حقيقة شاعرية دوستويفسكي هي التي تقرب أعماله الى المسرح. ولذلك فهما يقترحان أن تُعدّ رواياته لانها قابلة للمسْرحة. مع ملاحظة أنهما، في النهاية، لم يستخدما إلاّ القليل من هذه الخصائص الدرامية في مشروعيهما بإعادة الكتابة والمسْرحة الذي يقترحانه. ويتضّح من ذلك أن مقترحاتهما، هذه، كانت لإضفاء الشرعية على مشروعيهما، وإن كان ذلك بأثر رجعي. إن دراسة هذه العروض المسرحية الثلاثة تكشف بأن العديد من جوانب روايات دوستويفسكي مثل الحبكة، والشخصيات، والمضمون الأيديولوجي والفلسفي، والشكل الملحمي، أو حتى "الغضب" وإن كان بشكل أقل وضوحاً ، كلّ هذه الجوانب، تكشف للمخرجين، عن إمكانياتها للمسْرحة وهي كذلك، تثير فيهم الرغبة بالتمسّك بها.

لكن كل خطوة من خطواتهم تؤكد، حسب رأيهم، ما يمكن ان يجذب دوستويفسكي الى المسرح، وهو ما يجعلهم يعتبرون رواياته قابلة للمسْرحة، ولاتنفصل عن بحثهم في تحويل أعمال دوستويفسكي من إجل إصلاح وتنشيط المسرح الذي ينشدونه. ففي الحالات الثلاثة المذكورة، يبدو في الواقع انهم يستدعون دوستويفسكي لمنح المسرح إنعطافة جديدة، ولتحديث شروطه، سواء كان بحثهم يتعلق بعمل الممثل أو الأشكال التراجيدية او الفن المسرحي ذاته.

إن هذه الرحلة التاريخية التي ابتدأت من كوبو الى كامو ثم من كامو الى فنسن ماكين تسلط الضوء على حقيقة ان مثل هذا التحوّل، الجاري البحث عنه، مع دوستويفسكي لا يرتبط بنوعية مسرح ما، أو بزمن مسرحي ما، أو بأحد الاتجاهات الجمالية. ففي الوقت الذي أستطاع فيه المسرح أن يفلت من جميع محاولات التعريف، بما في ذلك مانراه اليوم من توصيف "مابعد الدراما" الذي يبدو توصيفاً غير جدير بان يحيط بمعالم المسرح المتغيرة بإنتظام في جميع مكوناته. إنما ستستمر مسْرحة دوستويفسكي من قبل مخرجين معاصرين من أجل تغذية بحوثهم الفنية والجمالية.

وفي ختام هذا التأمل، يبدو، في النهاية، إن ما يمكن ان يدخل تحت مفهوم "المسْرحة" يتعلق بشكل خاص بالصلات التي تربط روايات دوستويفسكي بالمسرح. في حين ان "الإعداد المسرحي" يقتصر على التفكير في أشكال التوافق لبعض الموضوعات مع المسرح، أما "القابلية على المسْرحة" فتأخذ بالحسبان مايُسمى بالتباعد الخصب (بين الشكل الروائي والشكل المسرحي) وبالمقاومة الإبداعية لبعض الاعمال الروائية (في التحوّل الى المسرح). هذان العنصران أساسييان في جذب بعض النصوص الروائية الى المسرح.

***

 

 

حيدر عبدالرضابنية أغوار الذات الواصفة وثيمة المفارقة الفنية الدالة

توطئة: يشكل فن القصة القصيرة جدا من الأنواع السردية المحيطة بعناصر ومكونات فن السرديات المختزلة،إذ يحدد هذا الفن السردي من أساس بنية ذروية مكثفة ذات زمن بؤروي مضغوط ومكانا أتفاقيا مشخصا في الحضور أو اللاحضور، في المعنى المضموني الأخير، فيما تلعب الدوال السردية في مبنى ومتن هذا النوع السردي، ذلك المجال المؤسس من جملة أواصر علاماتية للحكي، وهي العلامات الموصولة استنادا للعلائق التوصيلية الخاصة من الشد النصي ـ الذروي ـ نحو قصدية الدال المضمونية في خلاصته المنصوصة في الضربة الختامية من دلالة النص. فمن خلال أقاصيص مجموعة (بئر برهوت) للقاص والشاعر جابر محمد جابر تواجهنا ذات العناصر الخلفية من رؤية القص، إذ تدعمها جملة أسانيد علائقية خاصة من فضاء الحكي المحبوك من أواصر العملية النصية الحاذية والمصاحبة لرؤى وأصوات الفروقات الأداتية في مستوى خصوصية النص القصير جدا. فمن خلال أقاصيص المجموعة الواردة (نجمة / معطف الحقيقة / السهم الطائش / قصص فاضحة / عصافير الزمن) توافينا جملة تراكيب تتسع لذاتها ما بين صوت (شعرية الحكي) ومسافة الثيمة المتعلقة بموضوعة أستجابة رؤية القاص في موضوعة نصه: (تركت معطفها، يتوسد أياما، خشيت من تمرد الذاكرة.. ومشاكسات المطر، إلا أنها، كانت تصر مثل كل مرة، على مقارعة الوجع اللامرئي، هي غالبا ما تترك معطف الحقيقة في غرفتي وتغادر بلا ذنوب. / نص: معطف الحقيقة) أن من غايات العلاقة الدلالية هاهنا في النص، جاءتنا مجالا لكشف المعادلة اللامرئية في مشخصات دال (المعطف) وعلاقته بتفاصيل حياة متلونة في الظرف المكاني والنفساني المنصوص، فالسارد العليم وتغليبا منه على مجال المرئي من عوالم السيدة وحقيقة أهواءها اللامرئية، وجدنا دال (الذاكرة) ودال (المطر) هما بمثابة العنصران التطهريان اللذان من شأنهما كشف المستور والأخذ بالمنسي، لذا جاءت هذه الوحدات النصفية من ذروة الثيمة: (يوم أمس تركتها تداعب أحلامي، تستدرجها إلا أنها أخفقت في كشف كل أوراق اللعبة. / النص: معطف الحقيقة) تتحول فرصة الاستجابة من طرف صاحبة المعطف إلى وضعية ممارسة الغواية بملكات ضمير الأنا الذاتي، وصولا إلى (أكتفت بتلميحات إيروسية أنتزعتها من أحلام سقطت قبل سقوط المطر.) تدور مواصفات هذا المجال من النص داخل لغة سردية ذا تفاصيل موحية وملمحة، تأخذنا في مداها الأقصى نحو محيط نصي يكف على أن يمنح علاماته بالتوازن المقروء، فيما راح يصادر ملامح الزمن النصي عبر مرسلة فواصل القول الشعري ومنتهاهها المتخيل في تمثلاته الدائرة في ثيمة الرؤية. ففي قصة(نجمة) ثمة علاقة تفارقية ما بين الأنا الساردة وحقيقة أخفاقات العامل النصي في تدرجات مرحلة العشق، لذا نجده يتعامل مع الثيمة القصصية بروح المفارقة والدهشة: (و دون إرادة من وجعي أمسكت النجمة متلبسة بالجمال، شكرت القدر، ليس لأنه أنصفني لأول مرة فحسب.. بل لأنه كان عونا لي في تخطي محنة العشق. / نص: نجمة) يتوسل هذا المستوى من النص، بأسلوبية نادرة ومشوقة في تأطير وحدات النص، بما يعلق عليه في واقع الحال من صدفوية واتفاقية وخيبة في الآن نفسه، كذا الحال وجدناه في قصة(السهم الطائش) وقصة (قصص فاضحة) وقصة (عصافير الزمن).

ـ السارد العليم وأقنعة شعرية الصوغ السردي

أستأثرت أقاصيص مجموعة (بئر برهوت) بحالات محتملة من (السرد / الشعر) وعلى هذا الأساس جاءتنا جملة عناصر النصوص مخصوصة في العلاقة المستعارة والدلالات الكنائية المزاحة عن مقاصدها الحضورية توظيفا، وبهذا الأمر وجدنا قصة (لص) وقصة (صبي أسمه نوري) وقصة (خضير أبو الثلج) وقصة (السيفونة) ففي هذه النصوص لاحظنا تلاقح علاقة المفارقة الفنية المشبعة بالإيحاء والقناع المستور خلف مواضع الكشف البسيط عن مواطن الثيمات المتسمة بروح التشكيل الدال والمدلول، ويمكننا أن نستدل على نصوص مجموعة (بئر برهوت) على أنها ملفوظات مخصوصة في اختراق العلاقات اليومية والذاكراتية والحلمية من احياز مستودع الذاكرة الواقعية الخصبة. يمكننا من جهة غاية في الأهمية أيضا رصد أدوار وعوامل الذات الحلمية الساردة في قصة (أنا) وقصة (أنا وشبحي) وقصة (محاولة لسرقة امرأة) وقصص أخرى قصيرة جدا من مختارات المجموعة، ويتعزز تشعير الخطاب السردي في أقاصيص جابر محمد جابر من خلال كثافة الرؤية ومضاعفة التشبيه والاستعارة: (مسكينة تلك الحمامة، من أصاب جناحها وعطلها عن الطيران، من كسر قلبها لتصبح هكذا.. رجاء.. ؟!. / قصة: حمامة) بهذا التشكيل المضارع رأينا أغلب أقاصيص المجموعة، وكأنها معادلات نفسانية معادلة في حدود وظيفة الدال المركز المتمثل بمصير دلالات الأنسان في ظرفه وواقعه وحجم بطش الحكومات فيه،كذلك الحال نعاينه في قصة (الحقيقة) وقصة (نورسة زنجية) وقصة (الشك.. !) إذ من خلال موجهات هذه النصوص نعاين بوحي الحكي في أبعاد ثيماتية، من شأنها تشخيص النسق المضمن بوظائف معادلة، وبوعي جديد راحت تحاور الذاكرة وخراب الأمكنة وفساد الضمير، فيما يلعب متخيل النصوص الجمعي ضمن محفزات ملامسة لوظائف دلالية ثرية وشاهدة على فقدان كينونة الأشياء في حضرة المشروط الواقعي اليومي: (في مطعم الجحيم جاء النادل بلائحة الموت، رماها على طاولتي، وبعد أن تجاوزني مبتسما.. أحتج على بعد خطوات مني، ثم عاد يهمس لي أن أتبعه إلى أين..؟.. لا أدري !. / قصة:مطعم الجحيم) أن بواعث العلاقة الدلالية في هذا النص ـ أنموذجا أعلاه ـ يشكل مساحة مراوغة ضمنية بين أفق انتظار القارىء وصدمة المدلول المسرود الذي أخذ يباغت فعل التلقي نحو أقصى درجات توليد الصورة المضمونية. المفارقة، وهذا الأمر وجدناه غالبا في جميع أقاصيص المجموعة وكأنها أبعاد إيحائية بلغت معها الذات الساردة أجلى تمظهرات الظواهر المضاعفة في بنية أغوار الذات المتلفظة والمخصوصة بعاملية الإثارة والمفاجأة والدهشة الموصولة نحو مسافة الدلالة المفارقة في حصيلة الأدوات الفنية الدالة والمركزة.

 تعليق القراءة:

لعل فاعلية المنجز القصصي القصير جدا في نموذج مجموعة (بئر برهوت) ما يشف عن امتزاج صوتي ما بين السارد العليم والذات الموظفة في هواجس النصوص، لذا فأننا وجدنا وعي المحور الذواتي في زمن النص يتلازم وحدود بؤرة إيحاءات السارد النفسية والحسية والكلامية والحدثية الطافحة ألما، وهذا الأمر بدوره ما جعل جميع نصوص المجموعة ذات ترجيعات متشظية من مسار الأفق الصوري للقاص والسارد معا: (أنتهت الحفلة، تفرق الجمع ذهب كل إلى دمعته، حتى أبي ولج غرفته بأنكسار شديد، ترافقه سيكارته، نصب شراكا عديدة، وفخخ الهواء، عله يقتنص سعادة.. جدران غرفته تضيق تكاد تلتصق ببعض، رأيته بركن قصي داخل سقف ذاكرته ويبتسم ابتسامته الأخيرة. / قصة: آخر حلم) ولعل مثل هذا النوع من التداعيات الواصفة بالمفارقة الفنية المركزة، ما أخذت تنسحب على جميع مؤشرات أقاصيص (جابر محمد جابر) وكأنها عوالم في اللاشعور المفتوح نحو تفاصيل وتراكيب الصور المتشظية من الأبعاد الممكنة والمتواترة من بلاغة استقطاب وقائع الاحوال المحتملة ضمن تنويعات من ملامح وحقيقة الحلم الوصفي المعادل في استحالات الواقع واللاواقع والظاهر والخفي من رؤية هوية الأشياء.

 

حيدر عبد الرضا

 

انعام كمونةوثيقة من بعض الوجع الإنساني

- يقول عيسى في الإهداء:

(" الى مجانين لا يشبهون المجانين، مجانين لا يشبهون إلا أنفسهم، مشعل ..تركي .. جابر ..عبد الله ومهدي ..إليهم وحدهم ")

- إشارة لأسماء تعد رموز لجمهورية عيسى التي اتخذها يوتوبيا ذات بمعيار دلائل غائرة لوجه آخر تثبت وجع تشتت الهوية في بلد عربي أو أجنبي، وما تأبطت ذكرياته من دلالات زمن يكمن في سيرورة الحياة بصيرورة معاناة مستمرة، فيبدو من تذييل الإهداء ب (إليهم وحدهم) تأكيد لرصيده الاجتماعي دلالة وطن هو اصدقائه فقط، سنتطرق بما تجلى منه لاحقا ...

مقدمة:

-عمد الكاتب الى تجزئة الرواية وبوبها بستة أجزاء، لكل جزء مدخل تيمنا بقول يرتكز عليه السرد بكثافة الفكرة ليستقبلها القارئ بالقصد والتأويل والحدس بفضول مطالع ومن وراء الأقوال حكمة يؤمن بها الكاتب ليسرد من جذوتها خلاصة تجربة حقيقية بقصد رؤى مخيلته يشد شغف القارئ لتكملة القراءة واستكشاف مضامينها الحقيقية بأسوب شيق...

- ساق البامبو رواية تناقش عدة قضايا إنسانية، تضئ الجدل عن ظواهر اجتماعية متعرقة الجذور في المجتمعات العربية عامة، تطرق لها الروائي سعود السنعوسي مخاطب الضمير الواعي، ووجدان ذهن القارئ المتحفظ على ما يسمع ويرى ويخنع، بأسلوب خطابي يثير الاهتمام لتعرية الممارسات الغير الإنسانية في مجتمع يختلق المعوقات ويغلق طرق التفاهم، يسد منافذ التسامح بوجه حرية القرار، فيرد كف المصافحة للتعايش بسلام، نظام مجتمع يخنق نفسه بعلل نفسية شتى و انفعالات مكبوتة لا يحق التصريح بها الا همسا، فتتهافت صرخات العيب سترا من محيط يشبههم وخوفا من وصمة عار تأكلهم ...

- هكذا يفصح السارد عن البعض مدعيا حجج متوارثة، بسلطة التعصب العشائري تلاحم مغلق تحت قسوة ضغوط سائدة بمسمياتها التقليدية عادات وتقاليد بدستور جماعي، وقيد أعراف متداول تزج الكثير من أفراد العوائل خصوصا الغنية لطريق مسدود، وكذلك أصحاب المراكز والسلطة، مبررة الحفاظ على اسمها وسمعتها ومستواها الاجتماعي، وخوفا من تفكك لُحمة العائلة أو نبذها من العشيرة، أو حرصا على مصالحهم الشخصية وترابطهم الاجتماعي ، وهذا لا يقتصر فقط على العامة بل هناك مناصرة القانون ودستور البلد بتأصيل دم الهوية فئتين كما في البلد العربي الكويت وما تتناوله الرواية عن ذلك الحيف...

- تتميز رواية ساق البامبو بمحاورها الحركية الزمانية والمكانية وما يرافقها من تكالب الظروف وتغير الأحداث بتوارد مختلف للزمن من ماضي وحاضر، بتمركز محوري لدلالات الزمكان بستة أجزاء، وسلسلة ترابط مستمر يتمظهر مدلوله من عنونة الأجزاء كما في الآتي: الجزء الأول عيسى قبل الميلاد، الجزء الثاني عيسى بعد الميلاد، الجزء الثالث التيه الأول، الجزء الرابع التيه الثاني، الجزء الخامس على هامش الوطن، والسادس وأخيرا عيسى ..الى الوراء يلتفت ...

- فكل سيميائية عنوان لجزء دلالة المحتوى بفحوى مكتنز، نستطلع منها فاعلية أقطاب المكان ذهابا وايابا لشخصية عيسى ما بين الفلبين والكويت أما الزمن حلزوني الحركة يبدأ وينتهي لمكان شخصية الأم جوزافين ، ونلاحظ رغم تراكم الأحداث الزمكانية، تظهر بعض الشخصيات خولة، ابراهيم، جابر، وتختفي أخرى بسبب الموت (راشد وصديقه)، ومن مواجهة عيسى لعدة صدمات اجاد الروائي برصد معاناته واصطياد جروحه النفسية بخذلان الأقربون ووطن ينكره ...

- تشكيل تقني لأدوات عرض المواقف والأحداث، مرة بكاميرا خلفية للمشهد ومرة مباشرة الموقف اللحظي وأخرى بمنولوج النفس، فبرع باستنطاق أسبابها ومواكبة تفصيلاتها برؤية انسانية توثيق قرائن ثبوتية لنتائج الحكاية، فاتخذ السيرة الذاتية لشخصية عيسى باستعارة كينونة ساق البامبو وصفاته الطبيعية بسرد حوادث الواقع ونسج الخيال عن شخصية عيسى، بدلالات شاهدة على سلوك الشخصيات ومآسي الأحداث، منها المترجم إبراهيم والمصحح اللغوي أخته خولة راشد وهذا ما يشد القارئ بما يتمثل أمامه وذاكرة تراود الزمن خلال طيف العلاقات...

- ساق البامبو من الروايات الجريئة التي توثق الوجع الإنساني بقصد مباشر، ودعوة واضحة لمعالجة ما تفشى من قطيعة إنسانية، ومن جوهر السرد على لسان الكاتب بصيغة ضمير المتكلم للشخصية نستقرأ أسلوب خطابي كشف المستور وفضح المسكوت عنه، وأزاح الستار عما تكتم عنه الكثير من الحقائق تحت ظل التقليد لموروث ضبابي بأبعاد تجربته الفعلية ومآل معاناته، بفرض تعامل لا انساني بالجبر والإكراه، ولا يمكن المسامحة عليه بمعارضة وتزمت كما في معارضة عائلة راشد بسلطة أمه غنيمة وأخته نورية وعواطف بحق الاعتراف بنسب عيسى ، فنستدل من رؤى السارد، ان رغم التطور الفكري واختلاط أبناء البلد بعديد من الجنسيات والثقافات المختلفة بما تقتضي الحاجة في بلدهم، أو السفر والتطبع بعادات الغرب الا ان بعض العادات تبقى مزمنة السريان، لدرجة أصبحت جزء من تراث الشعوب، وبتوارث من مصدر مجهول الهوية لتلك الطقوس، بدون أعادة النظر بعمق وتروي ومكاشفة النتائج، لإجلاء شوائبها بالتطبع مع الآخر أو قبوله بمواكبة فكر الاختلاط الحاصل بين العروق والتقارب الحضاري بتهجين الأنساب بما لا يعارض الشرع، والسعي لإيجاد حلول وسطية لأجيال جديدة لا ذنب لها بما حدث في الماضي كما في زواج راشد من الخادمة جوزفين، وكثمرة علاقة غير مرغوب فيها، كما حدث مع أبنهم عيسى، بما يُحَمَل الأبناء ذنب لا يغتفر، فتاهوا بين هويتين مختلفتين الأم والأب وضاعت تبعيتهم الوطنية والشخصية والثقافية والدينية والاجتماعية، والقومية والتاريخية وحتى العرقية والسياسية، وفقا لتقاليد تدعيها العائلة وتدعمها عصبية مجتمع بالسلوك والتصرف العقيم، لذا سعى خطاب الروائي بتكتيك السرد لدينامية سلسة بملامسة ذهنية القارئ بحس انساني لإثارة وعي نحو حرية وكرامة الأنسان أينما يكن في الزمان أو المكان وكيفما يعيش لتكون حياة كريمة ...

- العنوان:

- العنوان "ساق البامبو" مفتتح سيمائي مدهش وجذوة بنائية جميلة للغاية، بحيوية كيان شامل التكثيف لتفاصيل أحداث الرواية، منه يتحفز القارئ للمتابعة بقوة بما يشع من حزمة دلالات تُقَوم اكتشاف معالمه الرمزية وما يخفي من ظلال دال تتيح مساحة دلالاته مزايا تأويل كثيرة لمنتهى تخوم المتن الروائي، بما تمحور فيه من خصوبة إشارات ثرية التعبير وسرد موشى بالصدق، فيغري القارئ بالبحث عن رؤى الكاتب وما تخفي طبقات السرد فيركن شغفه للتفسير والتحليل ...

- كذلك مختزل العنوان تشكيل فني ببساطة رائقة تختزن إحالات رمزية مكتظة الدلالة بإسقاطات معالم وتفاصيل واحاديث ومقولات ملخص لكيان الرواية، تستنبط منها تشبيهات استعارية لمقاربة وصفية بين حياة كائن نبات ساق البامبو ومراحل حياة شخصية (عيسى بن راشد) سارد الرواية، والتي سيتعرف على تفاصيلها قارئ الرواية ...

- ونستخلص من العنوان جوهرية دلالية غائرة نستنبطها من فاعلية طاقة المكان لساق البامبو نتقصاها باستمرارية الزمن وتغيراته الطارئة خلال مراحله المستمرة والمتغيرة، فما عيسى إلا ساق بامبو زرع في مكان ونما في مكان وتاه في مكان واستقر في مكان مما يؤكد عدة دلائل نختصرها في:أولا تهجين النسب دلالة زراعة ساق البامبو في تربة غير تربته = الزواج من الأجانب، دلالة اليتم ساق بلا جذور = رفض العائلة والمجتمع، ثانيا دلالة الذبول بسبب الظروف الغير ملائمة = الضياع النفسي والثقافي والاجتماعي بين هوية بلدين، وبعد هذه الصراعات على القارئ ان يخمن هل يمكن لساق البامبو (عيسى) ان ينبت في ترب مختلفة كما في تربته الأصلية، وهل تلائمه الظروف في مكان آخر ليعيش أم يموت...؟؟؟ فلنقرأ ونستدرك ما آل إليه الشاهد .

- قطاف من بعض فحوى الرواية للاطلاع عليها

- من متابعة أجزاء السرد نستخلص ثيمات عديدة مختلفة مترابطة بقضايا المعاناة الإنسانية لعيسى وشخصيات أُخرى، منها يستجلي القارئ حميمية التعصب بسلطة الأنا الجمعي، والتغاضي اللاواعي بتصدع لبنة الانساب والانتماء، واغتصاب حقوقهم الشرعية بعدم الاعتراف بهم، نستشف من قصدية الخطاب فضح انتهاكات انسانية، مشرعة برهانات العرف الاجتماعي، تحت خيمة العادات والتقاليد، كذلك نرى ان الروائي يترك الحكم للقارئ بإثارته قضية مهمة تفتح شهية النقاش حول شرعية الاعتراف بالنسب مهما تنوعت الظروف..!؟ إحالة لرؤية حضارية بمكاشفة واعية ...

- لنقطف احدى الثيمات من الجزء الأول وهي ثيمة استرجاعية للأحداث بعد ما رجعت جوزافين لبلدها الأم الفلبين رحيل عن الكويت بإبعاد اضطراري بموافقة الزوج راشد لإرضاء عائلته ثم طلاقها فترعرع عيسى مع أهل أمه وبيئة والدته الفقيرة والمختلفة كليا عن عائلة أبيه اجتماعيا وعقائديا وحتى اسمه تغير كما يتحدث في بداية السرد باستعراض عدة أسماء له حيث يخبرنا لنتعرف عليه: "أسمي Jose في الفلبين وهوسيه بالإنكليزي وفي البرتغال خوسيه والكويت عيسى وهي العقدة الأولى التي يختلف عليها الكثير ولا ذنب له فيها، كما يخبرنا في الجزء الأول "عيسى قبل الميلاد" مشهد نستقرئ الكثير من الصفحات عبارات مختلفة بدلالة واحدة، دلالة ضياع هوية الاسم بأبسط مطلب شخصي لصور الحرية ...

فلنتابع ...

- ثيمة الهجرة ومعاناة الغربة بسبب مآسي الفقر نستقرئ حالة مهينة أن يضغط الوالد على أبنته آيدا الأخت الكبرى لجوزافين لبيع جسدها بلا مبالاة منه لما تتعرض له من اعتداءات جسدية وجنسية وتعنيف لفظي من أجل جلب المال للأسرة، وبعد ان حملت اختها ولزمت البيت يأتي دور جوزافين فتكون الضحية الثانية التي تترك تعليمها بسبب فقر عائلتها و جاءت عن طريق سماسرة اليد العاملة لتشغيلها في الكويت، نلاحظ دينامية سرد لتمهيد الأسباب كمعادل موضوعي لسوء الأخلاق ودلالة على مناخ عائلي مضطرب ...

- ثيمة فلسفة الجدة العصبية والمتعنتة الاعتقادات بالتَطير والأحلام مؤمنة بتطبيق طقوس قديمة متوارثة، رافضة مناقشة تجديد آراء الأجيال بمراحلها الفكرية والمعرفية، احالة دلالية للفكر النمطي التقليدي المتوارث، اجاد الشاعر باختيار الشخصية غنيمة لأرسال اشارة لمدى شرخ التصدع بين الآباء والأبناء...

- الجزء الثاني

- وبسرد الفلاش باك ايضا بلسان الراوي وضمير المتكلم لوعة عيسى نستخلص عدة ثيم للمقاربة بين البلدين الكويت والفلبين وشتان بينهما، أولا:المستوى المعاشي بين الثراء الفاحش والفقر المدقع، يصف مكان سكنهم المحاط بأشجار البامبو والتي شهدت طفولته وسنين مراهقته وشبابه وشاركها أحلامه البريئة وأمله أن يعود لوطن جذوره كما وعدته أمه بوعد والده راشد لها ليعيش بسكينة وترف مثل والده الثري العائلة والأصول في الكويت ...

- كما يبدو ثيمة سهولة قناعة المجتمع وقانون الدولة بإلحاق نسبه لجده فأصبح عيسى ميدوزا في الفلبين، علما سنتعرف بعد ذلك لعدم الاعتراف به حفيد الجدة غنيمة من قبل عائلة والده في الكويت رغم أوراقه الشرعية وانتسابه كمواطن كويتي، نظرا لالتزامهم في العادات والتقاليد، ونلاحظ ذلك مع بنت خالته آيدا التي ولدت مجهولة الأب ونسبت لعائلة إمها ضمن قانون الفلبين ...

- ولننحو لثيمة التباين الطبقي المرفوض حين تزوج الابن الوحيد راشد من الخادمة الفلبينية جوزافين سرا بشهادة صديقيه بوثيقة شرعية، وابنها عيسى ثمرة هذا الزواج الذي ترفضه الجدة بسلطة العادات والتقاليد فتطرد ابنها وزوجته من بيتها الى ان يتخلى عنها ...

- ومن الجزء الثالث

- ثيمة التشتت العقائدي بإهمال التربية الدينية فرغم تعميده بالكنيسة الكاثوليكية لم يؤمن بها وظل باحثا على استقرار روحي فتعرف على بعض التعاليم البوذية من خلال صديق السكن في الفلبين، تعرف على التعاليم الإسلامية من صديقه ابراهيم سالم في الكويت، ومع هذا لم يشعر باي ايمان روحي نستذكر مقولته إن الأيمان بالرب في القلب، دلالة اختلال الاعتناق الديني لديه ببعده عن بيئة أبيه المسلم ....

- ثيمة إشكال هوية أحد أبطال الرواية الأبن عيسى أبن راشد ثمرة الزواج المرفوض من أفراد العائلة بسبب صعوبة مواجهة المجتمع والإفصاح عنه كحفيد، ونكران نسبه أبسط الحلول، ولأنه سيجلب العار لهم واعتباره فأل سيء كما تعتقد الجدة غنيمة ، ورغم مرور جيل وتغير كثير من الأحداث إلا أن الوضع سيتكرر معه بعدم احتضانه كما حدث مع أمه جوزافين وجعله بمنزلة الخادم بسبب ملامح وجهه الفلبينية ما عدا صوته الذي ورثه من الأب يثبت صدق نسبه عند الجدة ...

- كذلك طرح الروائي قضية الـــ (بدون) في الكويت ثيمة فقدان الهوية، من خلال شخصية غسان احد اصدقاء راشد المقربين من العائلة، نقرأ من سيرته: ولد ونشأ وترعرع في الكويت، مؤلف الأغاني الوطنية وعازف على العود أثناء الاحتلال العراقي كان يعمل مع زمر الثوار وأحزاب الدفاع عن الكويت، ورغم ما قدم من تضحيات حينذاك لم تبرر وطنيته في دستور البلد، وغير معترف به كمواطن من الدرجة الأولى، دلالة سمة التمايز الغريب والعلني الذي يحط من كرامة الأنسان ويبغض وجوده كمواطن ينتمي لمسقط رأسه ، يعيش بلا حقوق وترفضه عائلة حبيبته (هند) حين يتقدم طالبا الزواج منها، والتي هي أخت صديق العمر راشد تبعا لقانون العادات والتقاليد، وأيضا كي لا يتلوث نسب العائلة ويمس كيان الأسرة ...

- ثيمة الاهداء فيه الكثير من المشاعر الحميمية لأصدقاء عيسى " الراوي" ايحاء لمرح الشباب دلالة محبته لهم نعتهم بالمجانين، عبارة عفوية دعابية التعبير قالها عيسى حينذاك، ساخرا من طيش الموقف بلقائه الأول مع مجموعة شباب من الكويت أثناء رحلة ليلية في سفرهم لبلد أمه الفلبين، وسوف يلتقي معهم في بلد أبيه لاحقا بتدبير الصدف، و رغم قصر مدة التعارف وطبيعته الطارئة بانسجامه العابر معهم بقى أثرها في نفسه، سيتعرف القارئ خلال السرد وما تضمنته ذكريات لن ينساها، وسنرى استمرارية العلاقة تحكمها الظروف في بلد صغير مثل الكويت أضافة ما سيتبقى من ذكرى هويته العالقة في جذور ولادته وتعاطفهم معه فما يختزن إلا ما تبقى من ودهم وتواصلهم بإسم هويته ...

- ومنه نستنتج ثيمة علاقات صداقة متقطعة باستمرار الزمن نستبصر منها روح الشباب المحب للتغيير بعيدا عن سلطة الوالدين وقيود المجتمع وضغوطه التقليدية، مما حرى به التنويه عنها بالإهداء لهم في مقدمة الرواية عرفانا لهم ...

ختام:

- ينتهي السرد بالتفات عيسى لوطن أمه بعد محاربته بعدة طرق وقطع رزقه بنفوذ اخواته وموافقة جدته فيعود للفلبين كملاذ استقرار ليكْون أسرة، يتزوج بنت خالته وينجب ولد يشبه سمار وملامح والده يسميه راشد، هكذا يسدل السنعوسي الستار على أحداث الرواية بقصد اعادة التاريخ بروتين المعاناة، للدلالة على تكرار ضياع الهوية مع راشد الأبن أيضا، فهل يثبت هويته المسروقة ...؟؟؟؟ نترك القراءة لإطلاع القارئ.

- رغم طول الرواية إلا أنها لا تمل بما تجلى بها من صدق المشاعر وتفاعل الكثير عما تحمله من رسالة خطية لعدة مواضيع مترابطة أبدعها الكاتب بسرد الأحداث بسلاسة بسيطة متينة المعنى جميلة التعبير، تترك للقارئ فترة توقف وتأمل واستبصار وتأويل، برؤى بصرية للصورة الخيالية لنستكفي من الحدث آفاق الرؤيا بحقيقة تأثر كفلم سينمائي نتابعه بعيوننا وقلوبنا، انسياب الأحداث ببنية ترابط لأهمية الموضوع، وطريقة طرح الفكرة بأسلوب مؤثر يمسك شغف القارئ بمتعة المتابعة ممسك بخيط الحدث بلا متاهة تقطع سلسلة أفكاره ليُقلِب رأيه ويحفز رؤياه وهناك مثل معروف يقوله العارفين تذكرته بمقصود الرواية: (هذا ما جناه علي أبي)...

 

قراءة: إنعام كمونة