حسين فاعور الساعديملحمة أم مأساة؟

من يتابع الشاعر العراقي ريكان إبراهيم يجد أن هذا الشاعر الكبير فيما يكتبه في الآونة الأخيرة يأخذ الشعر العربي إلى مكانه الصحيح ويوظفه في عرض قضايا سياسية واجتماعية كبيرة تشغل الإنسان على مختلف انتماءاته ليس للبكاء عليها وإنما لمواجهتها وإدراكها.

هذا الشاعر كطبيب عام وطبيب نفسي يدرك جيداً العلاقة المباشرة بين الروح والجسد تماماً كما العلاقة بين الفن والمعتقد. ففي كثير من الأحيان يتراءى لنا أن المعتقد قد يعيق الفن أو يشكل حجر عثرة في طريق تحليقه. وقد يكون ذلك صحيحاً إلى حد ما. لكن الفن الذي يتجاوز المعتقد أو يقفز عنه ليس فناً لأنه منذ البداية شكل معول هدم وأداة تدمير. وأي فن هو هذا الذي يهدم ولا يعمر؟ كل أديب حقيقي يدرك أن الأدب يؤدي دوره من خلال احترام المعتقدات والعادات والتقاليد وليس بالانقلاب عليها.

"دار المسنين" هذا المصطلح أظن أنه دخيل على تراثنا ويتناقض مع معتقداتنا. وأظن أن الشاعر قال "دار" ولم يقل "بيت" كما هو متداول في المجتمعات التي تتعامل مع هذه الأطر كظاهرة حضارية، لأنه لا يحب هذه المراكز ولا يرتاح لها  ومن بداية القصيدة يظهر لنا أن الوجع شامل وعميق:

ماذا تُسمّي البيتَ حين يكونُ مَقْبرةً

وفيها أهلُها يتحركّونْ

ماذا تُسمّي الميتّين بدون مَوتْ

والناطقينَ بدون صَوتْ؟

ماذا تُسمّي القبرَ حين يصير قبل الموت

بيتْ

هذا هو الوضع العام، بتساؤل هادئ جداً وموجع جداً ومأساوي جداً يضعه الشاعر أمامنا بكل قسوته وبشاعته ومرة واحدة ومنذ البداية. ولِمَ لا، فالجميع يعرف ذلك. والشاعر لم يفعل شيئاُ أكثر من إيقاظنا أو لفت انتباهنا أو تذكيرنا. وهدفه هو تهيئتنا لما سيقوله لاحقاً.

وماذا سيقول لاحقاً أصعب من أن بيوتنا مقابر ونحن نتحرك فيها. وأننا أموات دون موت وقبورنا هي بيوتنا قبل أن نموت. وفوق كل ذلك مصيرنا جميعاً هو الموت.

الشاعر لم يطفئ الأضواء. الظلمة سائدة ومسترخية. والمسرح قائم وموجود ولكننا نسيناه فجاء ليلفت انتباهنا أنه سيروي لنا ملحمة مأساة هو متأكد أنها ستوجعنا كما أوجعته لأنها تمس مشاعرنا ومعتقداتنا وعاداتنا وتقاليدنا الجميلة الرائعة كما مست تقاليده ومعتقداته.

الحدث في هذه القصيدة الملحمة هو الموت الذي لا مفر ولا مهرب منه. وهو يحوّم بشكل متواصل فيما وراء كلماتها يطل أحياناً ويختفي أحيانا لكنه يظل محركها وشاحنها رغم أن أحداثها تدور في دار المسنين. الشاعر اختار دار المسنين لأنها المسرح الأكثر ملاءمة لمسرحية تتحدث عن الموت - مأساة الإنسان. يضاف إليها مأساة أخرى أن يضطر قبل الموت للعيش في ذل دار المسنين عيشاً الفناء أفضل منه بكثير:

"ليعيشَ في دارٍ يرى عنها الفناءَ أحبَّ

من عيشٍ ذليلْ"

هذا التجنيد الذكي لكل ما فينا من مشاعر هو تحضير مناخنا وأجوائنا لما سيقوله. هو تهيئة أرواحنا المدفونة لبدء العرض الموجع. ركلة خفيفة لعقولنا بسؤال بسيط لتستيقظ من سباتها. ونفض للغبار عن كل ما فينا وما حولنا: "ماذا تسمي البيت حين يكون مقبرة؟"

بعد هذا التحضير الذي أيقظنا ونبهنا لما نحن فيه تبدأ المأساة أو الملحمة التي سيرويها لنا الشاعر، بطرقات خفيفة على باب المكان-المسرح الذي تدور فيه وهو دار المسنين:

قد قالَ لي : مَنْ أنتَ؟ مَن في البابِ؟

قلتُ: أنا الطبيبْ

أنا عالِمُ النفسِ المليئةِ بالخراب وبالنَحْيب

أنا مَنْ نذرتُ بَقيّتي لعلاجِ مَنْ عاشوا

وهم موتى، فبعضُ حياتِنا موتٌ، وبعضُ

الموتِ أَهونَ من تَرقبِّه الرهيبْ

الدرامية واضحة ويلقي بها الشاعر كقنبلة مما يؤكد أننا في سياق قصيدة مأساوية. لكنها أجواء ملحمة تتراءى من خلال الأسلوب السردي في عرض الأحداث.

ليس من تمجيد وليس من بطولة تستحق التمجيد. ما هي إلا حالة رديئة تعبر عما وصلنا إليه من تردي يحاول الشاعر عرضها أمامنا لننتبه لها. هو يعد الأجواء ويضبط الديكور استعداداً لما سيقوله لاحقاً. يحشد ما أمكن من معطيات وتفاصيل ويضعها أمامنا: حارس، طبيب هو عالم نفس وجمهور من الأحياء الأموات.

الحدث هو فحوصات روتينية لهؤلاء الأحياء الأموات. والحدث عبثي وربما تراجيدي لأن المعالِج لم يعالج نفسه مما جاء يعالج الآخرين منه. أهي مهزلة أم تراجيديا؟ ومن خلال هذا الحدث يعرض لنا الشاعر مأساة هؤلاء القوم التي في الحقيقة ما هي إلا مأساته هو أيضاً ومأساتنا جميعاً.

"من أنت؟ من في الباب؟" المكان مغلق والسائل متوتر كما يبدو جلياً من بنية السؤال. فيجيء الجواب ليتكون حوار درامي يبدو من خلاله بشكل جلي أننا أمام مأساة. السائل متوتر والمجيب لا يقل عنه توتراً لأنه يعرف تماماً أنه لا فرق بينه وبين من جاء ليعالجهم فهو يعاني مما يعانون ومصيره لا يختلف بتاتاً عن مصيرهم. هنا هو البرزخ بين المأساة والملحمة. في هذا البرزخ تبدأ القصيدة الملحمة وبطلها هو الطبيب المعالج.

قمة المأساة أن تبث الأمل للآخرين وأنت أحوج ما تكون إليه. وقمة البطولة أن تساعد الآخرين وأنت أحوج ما يكون للمساعدة. ما أصعب أن تبتسم لتخفف عن الآخرين وأنت تبكي في داخلك. هذه هي حال الطبيب الشاعر. ولكنه مطالب بأن يكون قوياً مبتسماً وعليه تأدية هذا الدور . "أنا من نذرت بقيتي". بقيتي، تعبر تعبيراً صارخاً عما يدركه البطل من تفاهة حياته التي لا تختلف عن تفاهة حياة زبائنه التي لم تكن وما هي إلا انتظاراً رهيباً للموت.

الشاعر يقف بنا في البرزخ وبهدوء تام يحافظ على التوازن بين المأساة والملحمة. يلمّح ويسرد لنا المغامرات والبطولات الملحمية لبعض ساكني الدار ويذهب إلى الحوار الدرامي ليعرض تفاصيل المأساة :

فأنا صديق الأشقياءِ، فأنتَ مَنْ؟

أقعى على حِقْويهِ يرقُبني وقالَ : أنا الرقيبْ.

أنا حارسٌ في بابِ دارِ مُسنَّنينَ بآلةِ

الزمن العصيبْ

- حَسَناً ومِمّن أنتَ تحرسُهمْ ؟يقولُ:

من الهرَبْ

- يا صاحبي، أرأيتَ في دنياكَ

مَوتى يهربون؟

هذا الحوار المأساوي الذي سيتكرر مع التقدم في السرد هو الضوء الذي يستعمله الشاعر ليكشف رويداً رويداً قسوة وفداحة ما نحن فيه وإلى أين وصلنا. كان بإمكانه الاستغناء عنه والإبقاء على ملحمية القصيدة لولا استياءه ورفضه للحدث المفروض عليه بحكم عمله وواجبه كمعالِج.

"أقعى على حِقْويهِ ثانيةً وقالْ:

إدخلْ لتعرفّ ما هُناكَ ومَنْ هناكْ

دارُ المُسنّين الذين تزورُهم يا سيدي

هي آخِرُ الوَقْفاتِ في دربِ الذهاب إلى

الهلاكْ

يقفُ القطارُ بها ويأخذُ مَنْ أطالَ

الانتظار

وينامُ مَنْ قد ظلَّ، منتظِراً قطاراً

آخراً يأتي إذا طلعَ النهارْ"

الحدث في هذه القصيدة الملحمة هو "الفناء" أو الموت الذي لا مفر منه وما الحياة إلا انتظارا حتمياً له وسيراً حثيثاً إليه. قطار الموت يمر بين الحين والآخر يأخذ ما يستطيع ويترك المنتظرين للمرة القادمة.

الحياة هي محطات انتظار للموت، وهي محطات متتالية ينتقل فيها الإنسان من محطة إلى أخرى بشكل روتيني. لكن أن يُلقى به في "دار للمسنين" كمحطة أخيرة في انتظار المصير الرهيب هو قمة المأساة. و"أقعى" هي التعبير عن احتقار الشاعر لهذه المحطة وللقائمين عليها.

"عندما يتشابَهُ ضوءُ النهارِ ونورُ

المساءْ

عندما يستوي حَرُّ صيفٍ وبَرْدُ شتاء

عندما تستوي الظلماتُ ونور المكانْ

عندما يستوي ال يعلمونَ ومَنْ يجهلونْ

عندما يُصبحُ المبدعونَ وسعر الترابِ سواءْ

عندما تكثُر ال عندماتْ

تجفُّ الحياة"

الشاعر يغير بحر القصيدة ليحشد لنا مزيداً من المعطيات التي تؤكد تفاهة حياتنا. ليس الهلاك هو فاجعتنا الوحيدة وإنما حياتنا أيضاً فاجعة بسبب التباس الأمور علينا إلى حد لم يعد أي فرق بين الجيد والسيئ ولا بين الخير والشر. هذه الفوضى تجعل من حياتنا صحراء جافة لا طعم للإقامة فيها.

الشاعر كمصور ينتقل بالكاميرا بين دار المسنين وبين الحياة في خارجها. وبعد إظهاره للفوضى وتشابه الأشياء في الخارج يعود إلى داخل الدار ليظهر لنا المسنين كدمى تتحرك ببطء شديد بين أسرة مغطاة بالأبيض الذي يذكرنا بالموت. هذه الدمى التي تتحرك ببطء شديد تعاني من العزلة النفسية والجسدية. أجساد واهنة ووجوه صفراء تنتظر الفاجعة. تنتظر قطار الموت الذي سيمر بعد قليل ليأخذها إلى مصرها المحتوم. وصف دقيق وتأكيد على الفوضى القاتلة التي تزيل الفواصل لتختلط الأشياء وتغيب المعايير: أسرة للموت أو للنوم. قمصان بيضاء ملابس للنوم أو أكفان. نزيل واحد في الغرفة احتراماً للخصوصية أو لأن القبر لواحد فقط.

وسط هذا الاستعداد للموت وفي أجواء هذه الجاهزية للمصير المحتوم يلتقي شاعرنا بكلكامش البطل الأسطوري الذي رفض الخنوع للمصير المحتوم والاستسلام للفاجعة.

" - أخي مَنْ أنتَ؟ أسألُهُ فينظرني بنصفِ

العينِ ثم يقولُ: كَلكَامشْ.

- أعِدْ ما قلتَ!مَنْ تَعنيْ؟

- أأنتَ صديقُ أنكيدو؟

- أأنتَ الفارسُ المسؤولُ عن طوفانِ وادينا؟

أجابَ: بلى، فقلتُ: إذنْ، لماذا أنتَ في دار المُسنّينا؟

هنا ابتسَما...

وقالَ: المَرّةَ الأخرى ستلقاني ...أنا وحدي.....

لأذكُرَ كُلَّ ما عندي."

حتى كلكامش الذي رفض الهلاك وخرج في رحلته الشهيرة باحثاً عن سر الخلود، يقيم هنا في دار المسنين. لكنه لم يستسلم للهلاك ولن يستسلم وسيكون أخر من يصعد على آخر قطار. هل يعزي نفسه؟ فهو سيرحل وينضم إلى الهالكين قبله. ولكنه سر الحياة الذي يدفع للتشبث بها إلى آخر رمق.

كلكامش لم يستسلم وأوجد لنفسه وظيفة حتى وهو في دار المسنين. سيعرّف الشاعر بمن جاءوا إلى هذه الدار. سيقوم بذلك وهو يعرف أنه في يوم ما وفي لحظة معينة سيكون وحيداً هو أيضاً وبعد أن يقول كل ما عنده سيصعد إلى آخر قطار.

في دار المسنين لا قيمة للزمن ولا صراعات لأن الحياة فقدت قيمتها ولم يبق فيها ما يستحق النزاع والمنافسة. كل من في الدار في حالة انتظار أصعب من الموت. الشاعر يعود ويكرر في أكثر من موقع في القصيدة وبأساليب مختلفة أن الموت أفضل من الانتظار وأفضل من الوحدة وأفضل من الضعف.

- لماذا وَحْدَكَ الآنا؟

+ أجابَ وكان يَحكي لي:

لقد رحلوا.....

فهُم كانوا هنا، مرضى، بلا مأوى

كبارَ السِنً، لا أهلٌ ولا مَنْ يسمعُ الشكوى

لقد رحلوا ولم أرحَلْ

لأنّي قد رفضتُ الموتَ، بلْ قَرّرتُ أنْ أحيا

فعاقبني إلهُ الماءِ أن أقضي حياةً لا أرى أحَدا

لقد أغضبتُ آلْهتي فذُقتُ الهمَّ والنكَدا

في هذه الملحمة الحدث الظاهر هو دار المسنين. المحطة الأخيرة في انتظار قطار الموت. لكن الصراع الحقيقي الذي يجتاح الشاعر ليس هذه المحطة وإنما الأحداث الخفية التي تتناولها القصيدة المأساة بالتلميح لأسباب عقائدية مزروعة في نفس الشاعر وليس لديه إجابات واضحة عليها. أحيانا يقول عن الموت أنه فناء وهذا يتناقض والإيمان بالآخرة. وأحياناً يقول عنه هلاك وهذا أيضاً يحمل في داخله أن الموت هو النهاية. لكن الشاعر يعود عن ذلك على لسان جلجلمش :

وسوفَ يمرُّ عليَّ الجميعُ هنا مثلما مرَّ من

قبْلِهم آخرونَ، وراحوا لأنَّ الجميعَ الى ربِّهم راجعونَ...

إيمان لا لبس فيه بأن الموت ليس النهاية واعتراف واضح أن الجميع سيبعثون ويرجعون إلى الله سبحانه وتعالى.

اللقاء بجلجامش هو الذي أعطى القصيدة الروح الملحمية ولكن الحوار معه جعل منها قصيدة المأساة البشرية المتمثلة في عبثية المعركة التي يسمونها الحياة. عبثيتها لأن كل من يخوضها لديه طموح وحيد هو الخلود. والجميع يعرف أن هذا الطموح عبثي أيضاً.

الأدب الهادف يحمل رسالة. أحياناً تكون رسالة التغيير وأحياناً تكون رسالة التحريض على التغيير. والشاعر هو وكيل تغيير يتطلع دائما إلى الأمام لاستكشاف الطريق وإنارة الدرب. في هذه القصيدة يتعرى الشاعر تماماً ويضع كل نقاط ضعفه كمخلوق نهايته الهلاك. ربما كرد فعل على طموحه في أن يكون مختلفاً. طموحه الذي لم يوصله إلا ليكون واحداً من هؤلاء الذين جاء ليخفف عنهم. وكأنه يقول بسوداوية مفرطة: أنا واحد منكم! أنا لا أختلف عنكم! أنا لا أساوي شيئاً لأن نهايتي كنهايتكم! فكل مشواري في الدراسة وفي التحصيل وفي المعرفة لم يجعلني أختلف عنكم لأن نهايتنا واحدة هي المجيء إلى هذه الدار، دار المسنين، وانتظار قطار النهاية!

مأساة الشاعر هي القلق من النهاية. هذا القلق الذي هو نتيجة مباشرة من خوف خفي من الفناء لا يجرؤ الشاعر على التصريح به. لأنه يتناقض مع المعتقدات. وما استحضار جلجامش إلا من باب محاولة التخفيف من هذا القلق الفظيع. فالشاعر لم يكن وحده من فشل في أن يكون مختلفاً فها هو جلجامش فشل أيضاً. لكن فشله ليس مطلقاً لأنه رفض أن يرحل فالملحمة أو القصيدة خلدته ولكن ليس الخلود الأبدي. منحته فرصة أن يكون آخر الراحلين. ولذلك لجأ الشاعر لكتابة قصيدته كتعبير عن الرفض. هذا الرفض سيوفر له الخلود حتى لو لم يكن أبدياً.

هذه المراوحة بين اليأس والأمل، بين اليقين والشك، بين الضعف والقوة، بين الاستسلام والرفض هي تجسيد لنمط الحياة التي نعيشها. فحتى جلجامش بكل مغامراته وبطولاته جاء إلى المحطة الأخيرة ليصعد إلى القطار الأخير. لم يستسلم وظل على عناده وحبه للخلود. هذا العناد وفر له أن يكون آخر الراحلين. ولكن... أليس في ذلك عقاب أيضاً؟

- أخي مَنْ أنتَ؟أسألُهُ فينظرني بنصفِ

العينِ ثم يقولُ: كَلكَامشْ.

- أعِدْ ما قلتَ!مَنْ تَعنيْ؟

- أأنتَ صديقُ أنكيدو؟

- أأنتَ الفارسُ المسؤولُ عن طوفانِ وادينا؟

أجابَ: بلى، فقلتُ: إذنْ، لماذا أنتَ في دار المُسنّينا؟

هنا ابتسَما...

جلجامش صديق أنكيدو والفارس الذي تحدى الطوفان ونجا منه والذي كتب ملحمة خالدة لكنه في النهاية في دار المسنين. الإنسان مهما كان قوياً يظل ضعيفاً. هذا ما أراد الشاعر أن يقوله لنا. ضعيفاً أمام قدرة الخالق. وضعيفاً أمام مصيره الحتمي.

- لماذا وَحْدَكَ الآنا؟

+ أجابَ وكان يَحكي لي:

لقد رحلوا.....

فهُم كانوا هنا، مرضى، بلا مأوى

كبارَ السِنً، لا أهلٌ ولا مَنْ يسمعُ الشكوى

لقد رحلوا ولم أرحَلْ

لأنّي قد رفضتُ الموتَ، بلْ قَرّرتُ أنْ أحيا

فعاقبني إلهُ الماءِ أن أقضي حياةً لا أرى أحَدا

لقد أغضبتُ آلْهتي فذُقتُ الهمَّ والنكَدا

وجئتُ إلى هنا وحدي لأقضي العُمْرَ مُنفرِدا

جلجامش في دار المسنين كعقاب له من الله سبحانه وتعالى الذي غضب عليه لأنه بحث عن الخلود ولم يرض بما قسمه له الله. هل هي دعوة من الشاعر للقبول بالواقع؟ هل هي تخويف من الطموح؟ لا أظن ذلك. أظن أنها إقرار بأن الخلود الله وحده ما دامت هذه الحياة ولن نحظى به إلا بعد البعث والحساب والعقاب.

القصيدة مليئة بالمتاهات التي تجعلنا نستنجد بكل طاقاتنا العقلية للخروج مهنا. وهي متاهات الشاعر القلق والخائف والمتوتر واليائس لأنه لا يملك الأجوبة القطعية على ما يقلقه.

الشاعر يرى في دار المسنين عقاباً. فهو يعارض هذه المؤسسات ويرفضها من منطلقات عقائدية وأخلاقية وموضوعية معرفية أيضاً. فهو بحكم مهنيته يعرف ما يدور في هذه المؤسسات وبحكم كونه شاعراً يرى أعمق وأبعد مما يراه الآخرون فهو يشعر مع كل من جاء به ذووه وتركوه وحيداً في مثل هذه الأطر. الشاعر يؤمن وبحق أن المسن مكانه حضن أسرته. ونفهم من فحوى القصيدة أنه يعتقد أن أسوأ أسرة أفضل من أرقي دار مسنين. هذه حقيقة لا لبس فيها. فالمسن الذي كد وتعب يجب أن يكافأ ولا يعاقب في آخر حياته. وهذا ما أوصى به ديننا السمح.

كل من عمل في دور المسنين يعرف أن هذه الأطر وخصوصاً بعد خصخصتها هي اطر ربحية هدفها جني الأرباح الطائلة على حساب راحة ورفاهية المسن. والأصعب من ذلك أن الكثير من المسنين المقيمين فيها يعاملون معاملة قاسية تصل إلى الضرب في الكثير من الأحيان. من تجربتي الشخصية أستطيع القول أنه لا يوجد مسن واحد يرضى ويرتاح للإقامة في هذه الأطر. فحضن العائلة بين الأبناء والأحفاد هو المكان المفضل لدى كل مسن.

كم يؤلمني أن أقول ومن تجربتي في العمل سنوات طويلة في هذا المجال أن المسنين في مجتمعنا العربي لا يحظون بما يستحقونه من احترام ورعاية. فكلما تقدموا في السن كلما زاد إهمالهم وكلما زاد الاستهتار بهم وبرغباتهم. وقد جاءت منحة التأمين الوطني المالية للعاجزين لتزيد الطين بلة إذ أصبحنا نشترط خدمتهم بتلقي الأجر. لا يمكن أن أنسى الكثير من الحالات التي كنت أرى فيها المسن في ظروف حياة لا تناسب الحيوان فأتوجه لذويه مرات عديدة دون جدوى. وعندما كنت أهددهم بان القانون يلزمني كعامل اجتماعي في مثل هذه الحالات أن أرتبه في دار المسنين كانوا يعارضون ذلك لأنهم لا يريدون التنازل عن مخصصات العجزة فأضطر للتوجه للمحكمة لاستصدار أمر ترتيب لذلك المسن في دار المسنين. وأذكر الكثير من المواقف التي تقشعر لها الأبدان عندما كان المسن المهمل يبكي أمامنا متوسلاً ألا نخرجه من بيته رغم كل الظروف القاسية التي يعيش فيها.

في مثل هذه المواقف يصاب المعالِج بحالة من الإحباط الشديد ويقع فريسة لتأنيب الضمير نتيجة الصراع الحاد بين المهني والعقائدي، بين ما يطلبه القانون وبين ما تحتمه العادات والتقاليد.

في هذه القصيدة المختصرة جداً لأسباب لا أعرفها والتي كان بإمكان الشاعر سرد المزيد من الحوارات أو توسيعها نلمس بوضوح شديد عالمين متوازيين: عالم الشاعر الذاتي أو الداخلي والعالم الخارجي المحيط به. بين هذين العالمين يتنقل الشاعر جاعلاً من الخاص عاماً ومن العام خاصاً. وهنا يتجلى صدق وروعة الأدب والتزامه.

- أجبْني إذن، هل وُهبْتَ الخلودْ؟

* نعم ْ. إنني الآن أحيا إلى أن يقومَ

الفناءُ، وحين يقومُ الفناءُ أكونُ

قضيتُ حياتي هنا

قضية الشاعر الخاصة هي البحث عن الخلود ولكنها قضية النفس البشرية والدليل على ذلك أن جلجامش الذي بحث عنه قبل آلاف السنين. وها هو يخبر الشاعر انه حظي به ولكن ليس إلى الأبد وإنما "إلى أن يقوم الفناء". وهنا تبدو المأساة الحقيقية بكل أبعادها. خلود في دار المسنين يراقب الداخلين والراحلين في قطار الموت الذي يمر بين الحين والآخر.

على لسان جلجامش ينتقد الشاعر بمرارة من رموا بوالديهم إلى هذه الدار وكانه يتساءل بمرارة شديدة: كيف نرمي في هذه الدور من قدم لنا زهرة شبابه وأفنى عمره في تربيتنا وإسعادنا؟ أيجوز أن نكافئه بهذا الشكل؟

أنا أَبٌ لخمسةٍ وأُمُّهمْ سادسُهمْ

أمضيتُ كُلَّ ما مضى لأجِلِهمْ

وحينما أصفّرتْ غصونُ الشَجَرةْ

وغادرتْني قُدْرةُ العطاءْ

ودَبَّ فيَّ الداءْ

صارَ وجودي نكِرةْ

وهكذا يا سيدي،

كُلُّ يُلاقي قَدَرهْ

في هذا المقطع تخرج القصيدة عن غنائيتها وتتحول إلى كلام بسيط ولكنه جارح كالسكاكين. ربما أراد الشاعر أن يقول لنا مهما زيينا وجملنا ذاتنا البشرية فإنها قبيحة بشعة وناكرة للجميل. ينبهنا إلى هذه الحقيقة علنا نكف عن ذلك لأن مصيرنا جميعاً لا يختلف. فالزعيم سيصل هذه المحطة والعميل الذي يراقب ذلك الزعيم ويتجسس عليه سيصل أيضاً وحتى الشاعر الصادق الملتزم الذي لم يتكسب ولم ينافق سيجد نفسه وحيداً فيها.

أرأيتَ إذنْ يا عالِم نَفْسِ الإنسانْ

كيفَ مصيرُ الزعماءِ إذا شاخوا

ومصيرُ الشرفاء إذا عمَّ الداءْ

أرأيتَ؟ فحتّى دارُ مُسِّنينا تُصبحُ

وكراً للعملاءْ.

فوضى في كل شيء تتجسد فيما تتناوله هذه القصيدة المعبرة. فوضى تجعلنا ضحايا نزواتنا متناسين مصيرنا الحتمي ومنشغلين عنه كقضية القضايا بأشياء سخيفة وتافهة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أننا مرضى نعاني من داء عام.

شكراً لواجِبكَ المُقدّس في الزمانِ وفي المكانْ

مَرّتْ عليكَ وجوهُ مختلفين في النُعمى وفي

العُمرْ المُهان

يا سيدي أيُّ المصيرين الأحبُّ، الموتُ في عُمْر الزهور

أم عيشةٌ أحياؤها موتى

تمرُ بها الحياةُ بلا هناءٍ أو سرورْ؟

الشاعر يستنجد بجلجامش ليقرر ما الأفضل: موت في عمر الزهور أم حياة طويلة تعيسة لا متعة فيها؟ وكأنه يلوم جلجامش في سعيه وبحثه عن نبتة الخلود. فالخلود المطلق غير ممكن لذلك السؤال هو أي حياة نعيش: حياة سعيدة أم حياة تعيسة؟ حياة ذات معنى أم حياة تافهة دون معنى؟ وبما أن الشاعر يتعامل مع مقولات كبرى كما يسميها الدكتور وليد العرفي كالموت والحياة والخلود فقد استنجد بجلجامش الذي هو نوح والذي عاش أكثر من ألف عام كصاحب أطول تجربة في مراقبة الفئات المختلفة من بني البشر.

النظرة الصوفية الفلسفية تغمر القصيدة. والحوار الذي يتخللها يجعل منها مأساة في قالب ملحمة تحكي مغامرات الشاعر في مواجهة الأسئلة الملحة والحادة التي تعكر صفو حياته. أسئلة لا تخصه وحده لكنه وحده قرر مواجهتها أو طرحها والبحث الشاق عن إجابات لها.

في هذه الدارِ مَنْ هاماتُهم نطحَتْ

غيماً فما أهرقوا دمعاً

ولا ذرفوا

يا عاشقَ الخُلْدِ، يا كَلكَامشُ،

انتحرت

قصيدتي، وهوى من نَخْلِها السَعفُ

أبكى عيوني مصيرُ الساكنينَ هنا

ويَسقُطِ الناسُ إنْ يسقط لهم شرَفُ

الشاعر يختتم هذه القصيدة بالبكاء الصريح والجلي على ساكني دار المسنين الذين هم كما يبدو ساكني الكرة الأرضية والشاعر واحد منهم. بكاء ذاتي على مصير حتمي جمعي يخص كل من خُلق. ما يبكي الشاعر هو هذا الخراب وهذه الفوضى التي تمكن بني البشر من إدراك أن مصيرهم هو دار المسنين مهما علا شأنهم ومهما عظمت مراكزهم ومواقعهم. فلو أدركوا ذلك قبل وصولهم لهذه الدار لسادت المحبة والعدل والتآخي.

خاتمة قوية ومعبرة تستنكر كل هذه الفوضى التي نعيشها والتي جعلتنا لا نحترم مسنينا متنكرين لعاداتنا وقيمنا وديننا التي جميعها تحض على احترام المسنين واحتضانهم.

***

حسين فاعور الساعدي

 

 

قاسم ماضيفي المجموعة القصصية المعنونة "أحلام عالقة" للقاصة المبدعة "سناء النقاش " نسيج حكائي خيوطه أشخاص وأحداث .

كيف تصيغ الأسئلةَ وهي تسبح بفضاء تشخيص الهموم والمشاكل، معتقدة أنها منطلقة من أرضية صلبة يعيشها الواقع العراقي الذي تسيطرعليه آهات المعدومين والمكافحين من أجل لقمة العيش، التي أصبحت عسيرة على أفواه الفقراء والمعدومين، في وطن يصحو على أخبار متعددة يجمعها هاجس الخوف والدم .

"أسئلة طرقت جمجمتي بعنف وآذتني ودمعت عيوني معها" ص28

الأمكنة والأزمنة التي شكلت في معظم قصصها مساحة واسعة كي تستفيد من هذا الزخم الذي تعكزت عليه عبر وسائلها المتاحة كي تصيغها بقلادة معرفية إلى الآخر الذي يسكن جواها والذي ربما غابت عنه تلك الأسئلة بموجب اللامبالاة التي شكلت نسبة كبيرة من الذين أنستهم هذه الهموم والمعاناة نتيجة الانشغال بهذا الظرف العصيب الذي يمرون فيه وهو ما يُطلق عليه الفوضى الخلاقة .

فتلمس في قصص هذه المجموعة معاناة" العتاكات، في نص نقش على جدار الصمت، آخر قطرات الثمالة  أحلام عالقة، رسالة وداع " وغيرها من قصص هذه المجموعة .عذابات كثيرة تشغل عقل الكاتبة التي لامس قلمها الحر هذه المعاناة وغاص في دواخلها من أجل قول الحقيقة، وهي تؤكد عبر حواراتها النارية التي اشتغلت عليها .

"والمواطن الفقير يأكل من القمامة في زمن ترى الذئاب فيه تجوب الطرقات، ترتدي ملابس الإنسان والكثير من أصحاب الوظائف الكبيرة يرتدون أقنعة لتزييف الحقائق وكتابتها بالمقلوب " ص28

ومن هذه الأسئلة التي أكدت عليها القاصة " النقاش " هي إن النص القصصي الذي لا يحقق خاصيته الصورية والعقلانية فهو بعيد كل البعد عن فحوى أهدافه التي إنطلق منها القاصة ولكن هل له من أهمية في تطوير النص القصصي أوبنائه البناء السليم، أي تمكنه من الخوض في كل تفاصيل الحياة،ولا ننسى الإيجابية في التفاعل مع محيطه والتأثير فيه من أجل الإعلاء من درجة تداوله ومقروءيته .حتى إنها أرادت أن ترسل العديد من الرسائل عبر هذه المجموعة وكأنها تخاطب الكثير من الكتاب الذين ينسون ويتناسون هموم شعبهم .

" في زمن غدت فيه القيم والمبادئ مجرد أكذوبة مضحكة يتندرون بها " ً28

وبهذا ظلت الشاعرة والقاصة " النقاش " دائمة البحث عن هذه الهموم التي شغلت فكرها المتنور، والإنساني حتى توصل رسائلها عبر هذه النصوص المعرفية،مؤكدة للقارئ العربي عموما والعراقي خصوصا "أن النص القصصي الذي لا يحقق تفاعلاً مع القارئ، ولا يؤدي وظيفة اجتماعية أومعرفية ولا يعبر عن تصور جلي للمرحلة التي يمثلها يكون معرضا ً للزوال .

" أفكر بالجوع وأنا شبعة لأنني أرى في وجوه الفقراء والمحتاجين جوعا يكاد يأكلني " ص28

ولو تمعنا كثيرا في هذه المجموعة القصصية لوجدنا "النقاش" بأحلامها الكثيرة تأخذك في جولة سياحية مليئة بالصور المتداخلة والتي مرت في حياتها على شكل رحلة توجتها علامة من علاماتها الإبداعية، وهي تتنقل بك من حي إلى حي سواء في بغداد أو في مدن أخرى، وهذه العوالم الدفينة والمتراكمة والمحملة بتقلبات هذا الواقع الذي عاشته .

" فقد جف النهر وباتت الناس عطشى، جف الحليب في الأثداء " ص 108

والتي شكلت لها على مدى تعلقها في البحث عن مكنونات هذا الكائن الذي نما في داخلها الذي عاشته على مر السنين، وبدأت بالبحث عنه عبر تشكيلات حكائية مفعمة بالاحلام الكثيرة التي جعلت منها هدفاً للخروج من طوقها، وهي بهذا ترسل إشارات معرفية عميقة للقارئ على الرغم من انفعال النفس بالمواقف حين يتخيل الإنسان نفسه داخل هذه الأطر أو داخل الحوادث التي يمر بها أي كائن بهذا الكون .

" أحلام اليقظة هي وسيلة تغيير من أجل أن يرقى الإنسان بمعارفه وسلوكه إلى مرحلة أعلى مما هو عليه في الواقع هي مرآة متعددة الوجوه كرغبات صاحبها " ص62

وقد أرادت القاصة العراقية "النقاش" في مجموعتها المعنونة "احلام عالقة" والتي تقع في 108 صفحة من القطع المتوسط، مشاركتها الوجدانية لمعظم شخوصها التي عملت على تحريكها وفق أبجديات السرد المعروفة لدى المعنيين،حيث ما قامت به "النقاش " هو تحويل المعلومة إلى كلام مع ترتيب الحدث .

" صرخة المظلوم تصعد إلى السماء " ص75

تقول عنها القاصة العراقية المعروفة بين الأوساط الثقافية الأستاذة "رجاء العبيدي" أن السرد الذي اعتمدته في مجموعتها مميز وجميل في تناول الأحداث، بمفردات منتقاة ومؤثرة في الوقت الذي نجد بعض مفرداتها ذات إيقاع حاد تستحقها بعض الشخصيات، فإن سعة أفق وخيال الكاتبة قد جعلها تتعايش مع شخصياتها وكأنها واحدة منهم . ص4

" لابد إذن من الصراخ للتنفيس عن النفس ولا بد للهموم من صرخة ليعبر عما في داخله وإلا مات كمدا ً" ص75

وهي بهذا تحوّل همومها من قوة سلبية ضاغطة إلى قوة ايجابية دافعة، وهي بذلك تضع القارئ أمام انبهار حركي في مشاهدها التي كتبت بدقة وبلغة بسيطة خالية من التعقيد والإسفاف،وكأنها ترسم لوحة جميلة كي تهديها إلى قارئها المفضل . وهنا اتساءل عدة أسئلة ما الذي دعا القاصة أن تضع هذه الفلسفة في مجموعتها القصصية ! وهل أرادت أن تقول أن هناك الكثير من الأصوات النشاز في مجتمعنا العراقي، الذي بدأ يتضاءل ويتراجع إلى الوراء من خلال شخوص ابطالها، ونحن كمغتربين نجد هذا القول يؤثر في نفوسنا كثيرا لما فيه من قسوة على النفس البشرية لما يحدث في الداخل من سياسة رعناء يقودها نفر قليل من أصحاب النفوس المريضة والمتسلطة على أبناءنا .

كيف للإنسان أن يفكر ويحلم ويختار ومعدته خاوية؟ أو يستطيع وهو جائع يلهث وراء رغيف خبز طوال يومه أن يقول كلمة حب واحدة للمرأة التي يهوى؟ أو يمكن للأم أن تغني لوليدها وهي تتضور جوعا، أو يمكن للجائع أن يحس أنغام الموسيقى ويطرب، بينما هويفكر برغيف حتى وإن كان يابسا .

بقى أن نذكر أن الشاعرة والقاصة سناء النقاش، عضو مجلس نقابة الصحفيين العراقيين، وفائزة بعضوية "الجندر" العالمية للصحفيات النسويات في الانتخابات التي جرت في انجيرس جنوب غرب فرنسا .

 

قاسم ماضي - ديترويت

 

 

سردار محمد سعيدأنا لا اجيد المديح والثناء، وغير متمرس فيه، إنما أقول ما أشعر وما اعرفه حتى ولو كنت ابدو قاسياً لمن يتوجه اليه الخطاب، وانا اليوم بصدد الحديث عن شاعرة متمكنة هي فاتن عبد االسلام بلان ولقد دهشت من كثرة التعليقات والمديح الذي انهمرعليها كالمطر مع قلة التحليلات، وأرى ان نصوص فاتن تستحق المدح ولكنها تستحق أيضاً التحليل والنقد، واعتقد ان فاتن ترغب في الجانب الأخير أكثر من جانب المدح والثناء، ولو ان الجانب الأول يشجي الكثير من الناس بل ويبحثون عنه، وفاتن لبست من الباحثات عن الشهرة وتبحث عن النقد الرصين الذي ياخذ بيدها إلى جعلها تحتل المساحة التي تستحقها .

شواعر النساء قليلات العديد نسبة للشعراء الذكور ولو انهن في زيادة متفاقمة بعد اتخاذ الشعر المنثور وسيلة وطريقاً قد يكون الأسهل تعبيراً، في حين أن شواعر القصيدة الموزنة المقفاة "العمودية" على وفق علمي في وقتنا الحالي يقرب من الصفر، على انه قديماً ذُكرت اسماء شواعر بنسبة اكبر ويمكن قراءة هذا في الكتب المعروفة مثل كتاب أشعار النساء للمرزباني وكتاب أخبار النساء لإبن قيم الجوزية وعلى وفق معرفتي بفاتن من خلال ما نشرته فأعتقد زاعماً أنها مشروع لتكون الضلع المكمل للمربع المكون من الشواعر 1 ليلى الأخيلية 2 علية الاميرة العباسية 3 ولاّدة بنت المستكفي الأميرة الأموية .

الشواعر اللواتي ذكرت رموز كبيرة ولها صفة الإنسانية وهن مفخرة الأنوثة العربية ولي أمل في أن يتصدى أحد الآكاديميين لدراستهن دراسة رصينة في مجتمع أبوي قاس، هن عاشقات لا يخفين حتى اسماء ممن يعشقن فليلى الأخيلية صاحبة أو حبيبة توبة وعلية حبيبة الخادم طل وولادة حبيبة ابن زيدون أما فاتن فحبيبة من ؟

إن الأبيات

حب يزلزلني ويجذبني وقليله خطر بأضرار

 رجل يقامرني على قدح سيجاره حلقات اسرار

والله ذي غمازة صلبت اجفان قلبي دون مسمار

لا يمكن أن توحي بغير الحب، أقول الحب وهل في هذا من عيب؟ الحب الشريف العفيف وإن لم تذكرالإسم صراحة في مجتمع أبوي مقيت ينظر للأنثى على أنها عورة .. وإن كيدها عظيم ... وتهجر في المضاجع، ولكني لشديد الثقة في قوة فاتن وجرأتها سيستدعيانها لتغرد يوماً، ولتتذكر القول "يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين، قال إني أريد أن انكحك احدى ابنتي هاتين ...".

فليس من المعقول أن نتجه الى وراء بعد حادثة ابنة شعيب وموسى وبعد عصر ليلى وعلية وولادة بمئات من السنين .

إن فاتن لم تتخذ سبيل التغطية والتمويه في شعرها مثل الكنى أو تقمص شخصية ذكورية فقد سبق وأن اتخذ أو تقمص مثلاً نزار قباني شخصية الأنثى ببراعة مثل صار عمري خمس عشرة

صرت احلى ألف مرة

ومتل

أيظن التي غنتها نجاة الصغيرة

لقد مدحت ليلى الأخيلية أمام الحجاج وفي مجلسه حبيبها توبة بن الحمْير بكل صراحة وجرأة

فتى فيه فتيانية اريحية بقية اعرابية من مهاجر

وقالت فيه بطلب من الحجاج

كأن فتى الفتيان توبة لم ينخ قلائص يفحصن الحصى بالكراكر

وقالت

فإن تكن القتلى بواء فإنكم فتى ما قتلتم آل عوف بن عامر

في حين أن علية العباسية بسبب الضغوط عليها كانت تكني أحياناً

ففد قاسمت اخوتها على أن لا تذكر اسم " طل" وعندما كانت تقرا القرأن كما يروى

وهارون يستمع من خلف ستار بلغت " فإن لم يصبها وابل فطل " فتجبجبت وقالت فإن يصبها وابل فـ فـ فالذي نهانا عنه امير المؤمنين .

وهي التي تقول في "طل"

قد كان ما كلفته زمناً   يا طل من جد بكم يكفي

حتى أتيتك زائراً عجلاً  أمشي على حتف إلى حتف

وقالت فيه

طل ولكني حرمت نعيمه  ووصاله إن لم يغثني الله

ومن كناها أنها كنت طل بـ "ظل" فقالت بعدغيابه

أيا سروة البستان طال تشوقي   فهل لي إلى "ظل" لديك سبيل

متى يلتقي من ليس يقضى خروجه  وليس لمن يهوى إليه دخول

وقالت فيه وغنته بعد أن صحفت اسمه إلى "غل "

سلم على ذاك الغزال  الأغيد الحسن الدلال

سلم عليه وقل له   يا غل ألباب الرجال

وكنته "بزينب "

وجد الفؤاد بزينبا     وجداً شديداً متعبا

أصبحت من كلفي بها   أدعى سقيماً منصبا

وغيرها كثير يمكن مراجعته في ديوانها وهنا لابد لي من أن أنبه لكثرة التصحيف فقد صحفت اسم طل إلى ظل وغل وكنته بزينب، فيا لهذا الحب العظيم

أما ولادة بنت المستكفي

انا والله أصلح للمعالي   وأمشسي مشيتي وأتيه تيها

أمكن عاشقي من لثم ثغري  وأعطي قبلتي من يشتهيها

و

اسامر في ليلي سنا طلعة البدر  لبعدك عن عيني وإن كنت في صدري

هواك له شغل بقلبي شاغل   به ضقت ذرعاً وهو- إن حققوا -عذري

 

إنني اتوقع في فاتن التي بلغ صدحها مرتبة متقدمة أن تكون الضلع الرابع إن سعت لذلك فالأرض خصبة ولديها البذروعذب الماء، وآمل أن يمد الله في عمري لكي ارى ذلك متحققاً .

وأذكّر اخيتي فاتن أن تعيد قراءة شواعر النساء للمرزباني و أخبار النساء لإبن قيم الجوزية وتراجع بعض الكلمات فيما إذا كانت مولدّة في المعاجم الكبيرة كلسان العرب والقاموس المحيط " وليس الوسيط" مثل لفظ مُشط بضم الميم ولفظ زغرودة

ولفظ حلقة .

تمنياتي للشاعرة المتصاعدة فاتن بالموفقية، راجياً أن أكون قد أفلحت.

 

سردار محمد سعيد

 

قاسم المحبشيقراءة عابرة للديوان والشاعرة فتحية الفرارجي

الشعر هو نبض الكينونة وصوت الكائن حينما تتوقد المشاعر في روح الإنسان وعقله الباطن. في الشعر وحده يحتدم الانفعال العاطفي مع الخيال الشاعري بإزاء موقف أو حدث أو قضية وينجب القصيدة بوصفها انزياحا إبداعيًا متساميا للكائن، تجعله يحلق في الآفاق المتسامية على أجنحة الصور والمعاني المرهفة الحس والرمز والدالة. مزاولة الشعر ليست بالأمر اليسر كما قد يعتقد من لا يكابد تجربة الشاعر ويعيش لحظة الإنجذاب الصوفي في موقد الاحتراق الداخلي للحدس والكلمة والإيقاع.

فلا يَعرِفُ الشَوقَ إِلّا مَن يُكابِدُه وَلا الصَبابَةَ إِلّا مَن يُعانيها. وحينما ينقدح القصيدة في قلب أنثى جميلة ومثقفة يكون للشعر قيمة ومعنى. إذ تكتسب الحروف والكلمات ملامح حانية ومعاني حميمة. سيدة أربعينية وقورة استمعت اليها وهي تلقي مداخلته الأكاديمية في مؤتمر مناهضة العنف ضد المرأة بشرم الشيخ بعنوان (حياة القوارير بين الصراعات المجتمعية والمؤسسات التعليمية؛ المرأة المعاصرة بين التحديات المجتمعية ومهام جديدة للمؤسسات التعليمية) تكلمت بلغة علمية ومنهجية رصينة؛ أنها الأستاذة الدكتورة فتحية الفرارجي من طنطا الخضراء. تناولت ورقتها مسألة بالغة الحيوية والأهمية عن تحديات الحضارة المعاصرة واثار الثورة المعلوماتية والتحول الرقمي في المؤسسات التعليمية ومنتسبيها من الطلاب والطالبات إذ اشارت إلى أن التعليم الالكتروني يعد أحد نتائج الثورة المعلوماتية التي تميزت بها موجة الحضارة الإنسانية الراهنة؛ حضارة انتصار المعرفة بما تشتمل عليه من بيانات، ومعلومات، وإعلام، وصور، ورموز، وثقافة، وأيديولوجية، وقيم وفاعلين وأفعال وتفاعلات وصراعات بحسب اولفين توفلر. الذي يرى أن المعرفة بهذا المعنى الواسع هي " البديل الجوهري " عن القوة الطبيعية الممثلة في الأرض التي سادت في الحضارة الزراعية، وعن القوة الصناعية الممثلة في المصنع التي سادت حضارتي الموجتين الأولى والثانية. إذ أن كل الأنظمة الاقتصادية اليوم تقوم على أساس " قاعدة معرفية (معلومات، بيانات، حسابات أرقام ... الخ ) وتعتمد المشروعات المعاصرة جميعها على الوجود المسبق لهذا المورد المعرفية المبنى مجتمعياً. ذلك التحدي الذي يتمثل بالتغيرات المتسارعة في مختلف مناحي حياة المجتمع اليوم تجعل مفاهيم التربية والتعليم التقليدية موضع للتساؤل: إذ كيف نعلّم التلاميذ بينما هناك نظريات ومناهج وموضوعات يكون قد عفا عليها الزمن قبل أن يترك التلاميذ مقاعدهم في المدرسة، إضافة إلي أننا نعيش لحظة تاريخية فارقة تجعل التغييرات في الأشخاص عاجزة عن ملاحقة سرعة التغيرات الاجتماعية والثقافية والعلمية المتسارعة في العالم المعولماتي الذي يشهد انفجار الثورة العلمية والتقنية الرقمية على نحو لم يسبق له مثيل منذ بدء الخليقة حتى الآن، واعني إن المعارف العلمية والقيم التربوية في عصر العولمة وانكماش الزمان والمكان تعيش حالة من التغيير والتبدل بوتيرة متسارعة في بضع ساعات فقط بل في جزء من الساعة . وهذا يعني إن تحديات الحياة المعاصرة لا يمكن مواجهتها إلا بالاستجابة الإيجابية الفعالة، وتلك الاستجابة لا يمكنها أن تكون إلا بتغيير جذري في أدوات ومحتويات ووسائل وطرق التربية والتعليم العتيقة. فمجتمع الغد أما أن يكون في الروضة والمدرسة والجامعة أو لا يكون. وهكذا يظل سؤال التربية الملح كما كان في كل العصور. ماذا نريد أن نكون؟ فكيف يمكن مواجهة تلك التحديات  فى بناء شخصية المرأة من عنف لفظى، واغتصاب خصوصيتها وغياب الأمن السيبرانى؟ هل تسهم دراسة الثقافات واللغات فى مواجهة هذا التحدى؟ الارهاب النفسى للمتدينات سواء مسيحية أو مسلمة فى المجتمعات الغربية من المسؤل عن مكافحته؟ أمام خطاب الكراهية وتحويل عالم الرجل والمرأة إلى حلبة صراع تحت مسمى المساواة، هل ستتحمل المرأة فقدان قوامة الرجل ؟ تلك الأسئلة وغيرها هي التي تناولتها استاذة اللغة الفرنسية في كلية التربية جامعة طنطا.

ولا غرابة أن تكون استاذة اللغة الفرنسية شاعرة طالما وهي متخصصة في لغة انجبت رينه ديكارت وجان بول سارتر وميشيل فوكو والبير كامو وسيمون دي بوفار وآرثر رامبو وشارل بودلير وميلان كونديرا.

وعلى مدى ثلاثة أيام من أعمال المؤتمر تعارفنا وعرفت أنها درست في باريس وصارت استاذة للغة الفرنسية وآدابها في جامعة طنطا المصرية العريقة واخبرني بأنها تقرض الشعر ولها دواوين منه. وعدتني بأن تهديني ديوانها وهذا ما تحقق في سفينة الحلم العربي بالقاهرة. أهدتني ديوان

بعنوان وأغلقت المدينة عينيها! مشفوعا بتوقيعها الكريم. العنوان وحده قصيدة. ذكرني ذلك العنوان الباذخ الجمال بسيدة العاشقين رابعة العدوية حينما عبرت عن تباريح عشقها الالهي بقولها الشهير:" إلهي أنارت النجوم، ونامت العيون، وغلَّقت المدن أبوابها، وخلا كل حبيب بحبيبه، وهذا مقامي بين يديك.. إلهي هذا الليل قد أدبر، وهذا النهار قد أسفر، فليت شعري أقبلت منى ليلتي فأهنأ، أم رددتها على فأعزى، فوعزتك هذا دأبي ما أحييتني وأعنتني، وعزتك لو طردتني عن بابك ما برحت عنه لما وقع في قلبي من محبتك"

وأن تستهل العام الجديد بديون شعري فهذا

أمر يحمل الكثير من المعاني والبشائر السارة.

أخذت المدينة التي أغمضت عينيها فرحا بوجبة ثقافية إبداعية عابرة للأطلسي. وأنا اتصفح الديون تداعت إلى ذاكرتي باريس الوجود والعدم ل جان بول سارتر والغريب ل كامو واللامرئي لميرلوبونتي. إذ كانت رسالة في الماجستير عن الوجود والماهية في فلسفة جان بول سارتر فيلسوف الحرية.

ذهبت الشابة فتحية الفرارجي إلى باريس الحلم والعلم والأنوار فلم تدهشها كما دهشت أوائل القادمين من الشرق وأولهم رفاعة رافع الطنطاوي أول الموفدين المصريين للدراسة في باريس فكتب كتابه المهم تخليص الابريز فى تلخيص باريز " والذي اظهر فيه انبهاره الكبير بالحضاره الفرنساويه. طالبة الدراسة العليا التي تشربت ثقافة أم الدنيا  وتعلمت في جامعتها ذهبت باريس محمولة على أجنحة الثقافة المصرية الحانية فانشدت لباريس تباريح شوق الزائر الغريب إذ كتبت في أغمضت المدينة عينيها:

باريس شوارعك متاحف مفتوحة

بريقها  يَشفى رموشى المجروحة

اطوف فاسمع عزف سمسمية

ويهيم قلبى فى جزيرة منسية

غروبها بأسوان العتــــــــــــــــية

عزمها....عزفها مصانع الغربية الأبية

والسيد البدوي و أصحاب النفوس الذكية

والمرسي أبو العباس و نسمات اسكندرية

تبثها سواقىى الفيوم وندى المنوفية

أولادها قادة و للسادات زعامه دولية

والسيد الدسوقي ذي النفس المرضية

و الدقهلية والقليوبية وقنال الإسماعيلية

والقاهرة واهرامات الجيزة

وفاكهة البحيرة اللذيذة

وعيون موسى وراس محمد بسيناء

وكفر الشيخ و كلياتها الغراء

والبحر الأحمر وشِعابها العلياء

و بنى سويف و السويس الغراّء

ونفرتيتى بالمنيا والأقصر الينعاء

واسيوط وسوهاج الغنّاء

 باريس القاك وقلبى فى السحاب

واحلم بمصر متقدمة تفتح ألف باب

 إنها مصر باهراماتها وقلعتها الأبية

وازهرها الزاهر وكنائسها النقية

ما أجمل لحظة غروب شمسها

و شروق حضارتها الإنسانية.

وهكذا يبدأ الفن لا من اللحم والدم بل من المنزل، من المكان (الإقليم)، فكل الألحان، كل الأزمات الصغيرة المؤطرة السكن، الوطن، الإقليم، الطفولة، المهنة، اللهجة، الثقافة هي مشحونة في اللازمة الكبرى، أغنية الأرض  المنتزعة من أرضها. لقد حملت طالبة اللغات ذكرياتها في مسقط ومدارج الصبا والامكنة في حلها وترحالها. فها هي  مصر وبلدتها ورموزها الحانية تحضر في باريس على أجنحة الحلم والحب والأمل فظمأ قلب الشاعرة الغريبة لم ترويه باريس المثيرة للزائرين  بل يزداد لهيباً وعطشاً، إنها كمن يشرب مياه البحر، كلما شرب زاد عطشه، ولا يرتوي ظماه حتى لو شرب البحر كله. الديون يظم أكثر من اربعين قصيدة منها تلك التي تمثلت فيها الشاعرة صوت الذكر

وهو ينظر إلى جسد الحبيبة المسجاة أمام ناظريه إذ كتبت: 

انظر إليها عندما تكشف عن ساقيها

ويتهادى السحاب على جناحيها

فتغزوه و ينبض بين ذراعيها

وهى تتمايل برشاقة وتعلو بنهديها

فترمى شِباكــــــــــــها

تلتقط نظرتك من بعيد

وفى كونك تذهب أنت وتُعيد

ففى البعد تلتصق الذات

وفى كثرة القرب تندثر الملذات

بجوفها تضغط ...و تضخ أقلامنا

فتكبر و تتضخم أحلامنا

و تحت الأقدام تصغر جبالنا

وتشدُ من الصمت حِبال كلماتنا

فتغزل خيوط الزمان

فيضمنى ويضمنى الأمان

وتمسك بيدى وتحملنى للمكان

انظر إليها عندما تكشف ساقيها

ويتهادى السحاب على جناحيها

ربما كانت الحبيبة هنا هي مصر الحانية

وربما كانت غيمة شارة في سماء باريس وربما كانت حبيبة متخيلة حالة عشقية انعكاسية.

للشاعرة الأكاديمية دواوين أخرى منها؛

صهيل الخيول وألبابها ونبض الورد على الثلج

وجنين في القلب المجروح ولها مؤلفات أخرى

 

ا. د. قاسم المحبشي

 

 

ابو الخير الناصريفي المجموعة القصصية "ماذا تَحْكي أيها البحر...؟" لفاطمة الزهراء المرابط (1)

تُقدِّمُ هذه المجموعةُ القصصيّة قضايا مُتَعدِّدَةً مُتَنوِّعة، وفي ذلكَ ما يُساعدُ على تَقْديمِ قِراءاتٍ مُتَعدِّدةٍ في هذا العَمَلِ القَصَصيّ.

ولقَدِ اخْتَرتُ أن أتحدثَ، في هذه المقالة، عن قَضيَّةٍ واحدةٍ من قَضايا المجموعة هيَ قضيةُ المرأة، وركّزتُ حَديثي عن قضيةِ المرأة في جِراحِها وسُبُلِ علاجِها، ساعِياً، بذلك، للإجابَةِ عنِ الأَسْئلَة الآتية: ما نَوْعُ المعاناةِ التي تَتَقلَّبُ فيها أَغْلَبُ النِّساءِ داخلَ المجموعة؟ ومَنِ المسْؤولُ عن هذهِ المعاناة؟ وكَيْفَ واجَهَتِ المجموعةُ القصَصيّةُ هذه المعاناة؟ أو فَلْنَقُلْ: ما السُّبُلُ التي تَسْلُكُها نساءُ المجموعةِ لتَضْميدِ جراحِهنَّ؟

1- جراح المرأة

إنّ قراءةَ المجموعةِ القصصيّةِ قِراءةً مُتَتبِّعةً للمَرْأةِ داخلَ جُلِّ النُّصوص تَقُودُنا إلى اسْتِنْتاجٍ مفادُه أنّ أغلبَ نِساءِ المجْمُوعَةِ يَشْتَركْنَ في المعاناةِ النَّفْسيَّةِ، وهيَ مُعاناةٌ نابِعَةٌ من عَدَمِ إحْساسِ الطَّرَفِ الآخَرِ الشَّريكِ للمَرْأة في عَلاقَةِ زَواجٍ أو "عَلاقَةِ حُبّ"- عَدَمِ إحْساسِه بما يَعْتَمِلُ في أَعْماقِ المرأة وعَدَمِ مُبالاتِه باحْتِياجاتها النَّفْسيَّة؛ وذلكَ للتَّرْبية الّتي تَلقَّاها داخلَ مُجْتمَعٍ ذُكوريٍّ يَنْظُرُ للمرأة نَظْرةً دُونِيَّةً تَعُدُّها أقلَّ قيمةً منَ الرَّجُل وأَدْنى مِنْهُ مَكانَةً.

ومنذُ أولِ نُصوصِ المجموعةِ، وهوَ النَّصُّ الْمُسَمّى "أنتِ القَصيدَة"، يَقِفُ القارئُ على ساردة حَزينَةٍ تَبْكي بَعْدَما أدْركتْ أنّ الكلامَ الجميلَ الَّذي طالما سَمِعَتْهُ من شاعرٍ لم يَكُنْ سوى تمارينَ مِنْهُ لتَأْليفِ ديوانهِ الجَديدِ، في حين ظنَّتْ هيَ أنَّ كَلِماتِه الجَميلةَ لها كانتْ صادقةً وصادرةً عن حُبٍّ حَقيقيّ.

ويحْضُرُ هذا الإحْساسُ بالحُزْنِ والوَحْدَةِ في قِصّة "أيّام الباكور" حَيْثُ نجدُ السّاردةَ تُعاني تَكْرارَ وَضْعٍ سَيّءٍ يَتَمثَّلُ في جُلوسِها كلَّ يَوْمٍ وَحيدةً داخلَ البَيْتِ تَنْتَظِرُ عودةَ زَوْجِها بَعْدَ أنْ يَقْضيَ ساعاتٍ «بِحانَةٍ صاخِبَةٍ يَتَجرّعُ كُؤوسَ الخَمْرِ [و] يَرْقُصَ على أَنْغامِ السُّكارى»(2).

والوَحْدةُ نَفْسُها تَتَجرَّعُها السّاردةُ في قِصّة "شَمْعَة" حيثُ «لا أحدَ يُؤْنِسُ وَحْدتَها، سِوى الصُّوَرِ الْمُتَراقِصَةِ على صَفْحَةِ الفايْس بوك...»(3).

ولا يختلفُ الأمرُ في قصّة "أَبْوابٌ مَفْتوحَة" حيثُ تَـمْكُثُ كُلٌّ من الحاجَّتَيْنِ رحمة وزهيرو وَحيدتَيْن داخلَ البَيْتِ في حين يَقْضي زَوْجُ كُلٍّ مِنْهُما أوقاتاً مُمتدَّةً خارجَ المنزل باحثاً عن مُتْعَةٍ فَرْديَّةٍ خالصَة.

أمّا في قصة "سَفَر" فإنّ السَّاردَةَ تُحاولُ تَكْسيرَ جِدارِ الوَحْدَةِ المعذِّبة بأنْ تَخْتلِسَ لحظةً جَميلةً من جِسْمِ شابٍّ مَعَها في مَقْصُورَةِ القِطارِ بَعْدَما اسْتَسْلَمَ للنَّوْم، لكنَّ تَحرُّكَ الشّابِّ وهو نائمٌ تحركاً مفاجِئاً أَفْسَدَ على المرأةِ مُحاوَلتَها وأَرْجَعَها إلى وَحْدَتِها وعذابها.

إنَّ وَحْدةَ الجَوِّ النَّفْسيِّ الَّذي تمرُّ فيه نساءُ أَغْلَبِ نُصوصِ المجموعة يَجِدُ تَفْسيرَه في النَّظْرَةِ المجتَمَعِيَّةِ لكُلٍّ منَ المرأة والرجل، وهيَ نَظْرةٌ لا تخرجُ عن نَظْرَةِ المجتَمَعاتِ الشَّرْقيَّةِ التي تَفْتَحُ أبوابَ التَّحرُّر أمامَ الذَّكَرِ وتُغْلِقُها أمامَ الأنثى وتَرْفعُ في وَجْهِها علاماتِ المنْعِ والحَظْرِ، وذاكَ ما يَؤولُ بهذا الذَّكَر إلى عَدِّ الأُنْثى جُزْءاً من مَتاعِهِ ومُـمْتَلَكاتِه يَسْتَمْتِعُ بها ولا يَتَساءَلُ عمّا لها من حُقوقٍ، مما يُضاعِفُ من قوة المعاناةِ في نَفْسِية المرأة كما تَبيَّنا من خلال نُصوصِ المجموعة الَّتي تَقدَّمَتِ الإشارةُ إليها.

ولَعَلَّ السُّؤالَ الذي يَفْرِضُ نَفْسَهُ هنا هو السُّؤالُ عن السُّبُلِ الَّتي تَقْتَرحُها المجموعةُ القصصية لتَخْليصِ المرأةِ من أَجْواءِ الوَحْدَةِ والعُزْلَةِ والعَذابِ الْمُتَجدِّدِ أو للتَّخْفيفِ من ذلكَ على أقَلِّ تَقْدير.

2- أشكال المواجهة

تَلْجَأُ هذه المجموعةُ إلى أَكْثَرَ من سَبيلٍ لتَضْميدِ جِراحِ المرأة والتَّخْفيفِ من شِدَّةِ عَذابها. وتَتَوقَّفُ هذه المقالةُ عند سَبيلَيْنِ من تلكَ السُّبُلِ هما السُّخْريةُ وصُحْبَةُ البَحْرِ.

2-1- السخرية

تُشكِّلُ السُّخْريةُ سلاحاً تُواجِهُ به المجموعةُ تَناقُضاتِ العَقْليَّةِ الذُّكوريّةِ داخلَ المجتَمَع. ومِنْ أَحْسَنْ ما يُجلّي مَلْمَحَ السُّخريةِ هذا قِصّتان من قِصَص المجموعة هما "لَعْنَةٌ" و"أَبْوابٌ مَفْتوحَة"؛ ففي قصّة "لعنة" يمارسُ أحَدُ الشُّعَراءِ دَوْرَ الأُسْتاذيَّةِ والوصايَةِ على غَيْرِه من المشاركين في نَشاطٍ ثَقافيّ، إذْ لا يَكُفُّ عنِ انْتِقادِ كُلِّ مَنْ يَتَقدَّمُ لقراءَةِ نَصِّه الشِّعْريّ،  وهيَ الانْتِقاداتُ الَّتي جَعَلتِ «الحَسْناءَ وراءَه تَتَبرَّمُ في صَمْتٍ، [و] تَرْتَجِفُ مِنِ انْتِقاداتِهِ القَاسِيَةِ»(4). لكنَّ المفاجَأةَ المضْحِكَةَ تَحْدثُ حينما يَتَقدَّمُ هُوَ لقراءَة نَصّه الشِّعْريّ؛ فقَدْ «صارَتِ الهاءُ ميماً، والثَّاءُ شيناً، وبَقِيَّةُ الحُروفِ تَتَضارَبُ مَعَ بَعْضِها»(5) وذاكَ ما وَلَّدَ مَوْجَةَ ضَحِكٍ داخلَ القاعة.

أما في قِصّة "أبواب مفتوحة" فتَنْشَأُ السُّخْريةُ من تَصْويرِ تَناقُضاتِ بَعْضِ الحُجَّاجِ داخلَ المجْتَمَع؛ فالحاجُّ ملّوك – مثلاً – «رَجُلٌ تَقِيٌّ وَرِعٌ، يُؤَدّي صَلواتِهِ الأرْبَعِ بانْتِظامٍ، يَدُهُ مَـمْدودَةٌ لكُلّ عابرِ سَبيلٍ (...) وعِنْدَما تَخِفُّ حَركَةُ الشَّارع، يحثُّ السَّيْر إلى الحانة ليَحْتَسيَ كُؤوسَ الخَمْرِ حَتّى مَطْلَعِ الفَجْر، ثم يَقْصِدُ الحاجّة ابْريْكَة ليُجَدّدَ شَبابَهُ فَوْقَ الأَجْسادِ السَّمْراءِ والبَيْضاءِ...»(6) تاركاً زَوْجتَه الحاجّة رحمة «تَنْتَظِرُ عَوْدَتَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ»(7)، ثم «يَترقَّبُ شَهْرَ رَمَضانَ ليُطْلِقَ العِنانَ لِلِحْيَتِهِ الخَشِنَةِ ويُواظِبَ على الصَّلاة والعبادةِ منذُ فاتِح رمضانَ»(8).

إن قارئَ هاتَيْنِ القِصَّتين "لَعْنَةٌ" و"أبوابٌ مَفْتوحةٌ" يُلاحظُ أنهما تَبْتَغِيانِ تَحْقيقَ هَدَفٍ واحدٍ يتمثّل في مُحاولَةِ تَقْبيحِ العَقْلية الذُّكوريّة المتناقِضَة، سواءٌ أكانتْ ممثَّلةً في شاعرٍ مُثقَّفٍ - كما في قصة "لعنة" – أَمْ في شَخْصٍ مُسِنّ لم يَنَلْ حَظّا وافراً من التَّعْليم كما في قصة "أبواب مفتوحة".

ومَعْلومٌ أنَّ تَقْبيحَ الذُّكورَةِ في القِصّتيْن يَسْتَلْزِمُ بالضَّرورَةِ تَحْسيناً للأُنوثَةِ ويَنْطَوي على انْتِصارٍ للْمَرْأَةِ وتَضْميدٍ لجِراحِها، ولذلكَ نَجِدُ السَّاردَةَ في نهاية قصة "لعنة" «تَضْحَكُ بَيْنها وبين نَفْسِها وهيَ تُرَدّدُ: منْ يملكُ بَيْتاً من زُجاج لا يَرْمي الآخرينَ بالحَجَر»(9). ولذلكَ – أيضاً -  نَجِدُ الحاجَّةَ رحمة تُطْلِقُ ضَحْكةً صَغيرةً تُبَدِّدُ صَمْتَ اللّيْلِ عِنْدَ لقائها بالحاجَّة زْهيرو وهُما على أُهْبَةِ الهُروبِ إلى مَكانٍ آخَرَ لا تَتَجرَّعانِ فيه كُؤوسَ المعاناةِ المتَجدِّدَةِ كُلَّ يَوْمٍ.

إنَّ هذا الضَّحِكَ السَّاخِرَ لهؤلاءِ النِّسْوَةِ ليسَ سِوى تَضْميدٍ مُؤقَّتٍ لجِراحِهِنَّ وخطوةٍ في مَسيرِ التَّخْفيفِ من العَذابِ الَّذي يَتَقلَّبْنَ فيه.

2-2- صُحْبَةُ البَحْر

يَحْضُرُ البحرُ في هذهِ المجموعة بوَصْفِهِ مَلْجأً تَلُوذُ به السَّاردةُ احْتِماءً من قَسْوَةِ المعاناةِ المتَجدِّدَةِ كُلَّ يَوْمٍ، ولْنَقْرأْ في بَيانِ ذلكَ هذهِ الاقْتِباساتِ المأْخُوذَةَ من بَعْض القِصَصِ:

- تقولُ الساردةُ في قِصّة "ضَباب" وهي تُشيرُ إلى البَحْر: «هذا هو صَديقي، أنظر ما أَحْلاهُ، يَسْتَقْبِلُني كلَّ صَباحٍ بصَوْتِه السَّاحِرِ وعِطْرِهِ الفَوّاح»(10).

- ونقرأُ في قصة "عُبور" هذهِ الجُمْلةَ الَّتي تُخْبِرُ عنِ البَطَلَةِ بالقَوْل: «الوَحْدَةُ تَقودُها إلى أَحْضانِ البَحْرِ»(11).

- وفي قصة "أَمْواج" تُقَرّرُ السَّاردةُ التَّمرُّدَ على أيّامها البائِسَةِ فتَقْصِدُ البحرَ وهُناكَ نجدُها تَقولُ: «أمواجُ البَحْر تَتَراجَعُ وتَتَقدَّمُ نَحْوي مُخلِّفَةً رُطوبَةً مُنْعِشَةً، تخلَّصتُ منَ الحِذاءِ الصَّيْفيّ، حَبّاتُ الرَّمْل المبلَّلةُ تُدَغْدِغُ أسْفلَ قَدَميَّ، والشَّمْسُ السّاطعَةُ تُسَلّطُ أشِعَّتها الحارّةَ على بَشَرتي البيضاء، تُحْرقُني تُخلّفُ احْمِراراً لافِتاً على وَجْهي المتَواري وراءَ الأَبْوابِ المغْلَقَةِ(12).

- ونَقْرأُ في قصة "ماذا تحكي أيها البحر...؟": «البحرُ كانَ هادئاً، يَلْمَعُ من بَعيد تحتَ أشعّةِ الشّمْس، حَرَّرْتُ قَدَميَّ من الحِذاءِ الرّياضيِّ لِتَغُوصا بين حَبّاتِ الرِّمالِ الدَّافئَةِ»(13).

يتَّضِحُ من قراءَةِ المقاطع المتَقدِّمةِ أنّ البحرَ في هذهِ المجْمُوعةِ صَديقٌ هادئٌ، حُلْوٌ، ذُو صَوْتٍ ساحِر وعِطْرٍ فوّاح، وهو ذُو أَحْضانٍ، ومَجالٌ للتَّحرُّر من الأبواب والأماكن المغْلَقَة، إنه مُعادِلٌ للدِّفْءِ والحَنانِ والرَّحْمَةِ التي افْتَقَدتْها نساءُ المجموعة في عَلاقاتِهنَّ بأَزْواجِهِنَّ وبغَيْرهِمْ من النّاس. وبعِبَارَةٍ أُخْرى: إنَّ صَداقةَ البَحْرِ في هذا العَمَلِ الأدَبيِّ سَبيلٌ لاسْتِرْدادِ المرأة لإِنْسانيتها ولتَجْديدِ لقائها بأُنوثَتِها التي كنتْ تَفْقِدُها وهيَ تُعاني باسْتِمْرارٍ من ظُلْم العَقْليّاتِ الذُّكوريَّة داخلَ المجتمع. وكأنّي بالكاتبة فاطمة الزهراء المرابط تَدْعو – بهذه الصَّداقة التي تَعْقِدُها بَيْنَ النّساء وبين البَحْر- إلى الاحْتِماءِ بالطَّبيعَةِ منْ قَسْوَةِ بعض العَلاقاتِ الاجْتِماعيَّةِ الَّتي تُدمِّرُ المرأةَ، وتُدمّر الإنسانَ المعاصرَ عُموماً،  وتُشْعِرُه بالغُرْبَة والعُزْلَة على الرَّغْم من كَوْنِهِ مُحاطاً بآلافِ النّاس.

ولعَلّ في الدَّعْوَةِ إلى الاحْتِماءِ بالطَّبيعَة دَعْوةً ضِمْنيَّةً إلى الصَّمْتِ باعْتِبارهِ سَبيلاً للِقاءِ النَّفْسِ والابْتِعادِ بها عَمّا يُؤْلمُ. ومَعْلومٌ أنّ «الإنْسانَ [يَقْتَربُ] في تَجْرِبَةِ الصَّمْتِ من المقدَّس، ولذلكَ يَقْتَرنُ الصمتُ بالتَّجْربَة الدِّينيَّة بشَكْلٍ عامّ، ويَقْتَرنُ بالتَّجْربَةِ الجَماليّة في الفَنّ أيضاً، ولذلكَ عَبْرَ تَجْرِبَةِ الصّمتِ تَبْدَأ نُسُكُ الدِّين وتَتَفجَّرُ كَلِماتُ الشِّعْر والموسيقى والأَعْمالِ الفَنّية»(14)، ولا غَرابةَ بَعْدَ ذَلكَ أن نَقولَ عَبْرَ تجربةِ الصَّمْتِ وُلِدَتْ هذهِ المجموعةُ القصصيةُ الأولى للكاتبة فاطمة الزهراء المرابط.

 

د. أبو الخير الناصري

.......................

الإحالات:

(1) ماذا تحكي أيها البحر..؟ لفاطمة الزهراء المرابط، منشورات الراصد الوطني للنشر والقراءة، طنجة، ط01، 2014م.

(2) ماذا تحكي أيها البحر..؟، ص77.

(3) نفسه، ص83.

(4) نفسه، ص23.

(5) نفسه ص27.

(6) نفسه ص89.

(7) نفسه ص90.

(8) نفسه ص90.

(9) نفسه ص27.

(10) نفسه ص98.

(11) نفسه ص117.

(12) نفسه ص35.

(13) نفسه ص52.

(14) الصمت رسالة إنصات للوجود، لرمضان بسطاويسي محمد، مجلة العربي، العدد 560، يوليوز 2005م، ص139.

 

 

محمد خالد النباليقراءة انطباعية لنص الأديبة والشاعرة خيرة مباركي

نص شعري كعبه عالي بهذه اللغة المنسابة كالغدير بكل سلاسة المفردة، تحمل بطياتها دلالية وعمق. وتناغمية أضافتها الشاعرة لهذه النثرية. فنشعر بأنه نص مموسق دون إسقاط النثر. ومع هذا الانسياب السلس يشعر المتلقي براحة في النفس. فاللغة رغم الوجع ورغم العتاب والغياب وحالة التشظي، إلا أنها لغة رغم قساوة الموقف وصعوبته تنساب سلسة وهذا يعطينا انطباعا عن نفسية الشاعرة وحالتها الشعورية أثناء الكتابة، تكتب بأعصاب هادئة مسترخية بلغتها الأنيقة، فنشعر بأنها شهرزاد تجلس كأميرة وهي تخاطب الآخر كأنها تتحايل عليه وتوجه رسالتها حتى تجعله ينحني خجلاً لرقتها، وهنا بهذا النص المبهر نجد تصويرا إبداعيا، وقد أثرت النص بالرمز والانزياح الجميل دون الابتعاد في تقاعير اللغة. فكانت صور شعرية من البلور الخالص , وأكاد أحس بحركة متجسدة في النص متوالية الايقاع في الروح وهذا الحب الجارف، وإن دلت هذه النثيرة على شيء فهي تدل على خوف وقلق من القادم والروح المتعبة وكأن الشاعرة خيرة مباركي ترتحل بين جدران الغياب طوعاً .

وقد بدأت الشاعرة بمفردات لطيفة ترضي الذائقة، لطيفة رغم وجود العنوان بين رهبتين فتقول مثلاً (الشغاف، المزامل، ترنيمة، موال) وتنطلق بسرعة للرهبة ومفردات أخرى بلغة أنيقة رغم العتاب، (فارتجفت كخطيئتي.. بآهاتي وقصائدي والغرق بهدير الصمت والمنفى) وبدأت بالتضرع للغياب الذي يجتاحها أن ينجلي تبحث عن وهج حتى يعصف بدمها. هنا صورة شعرية فكيف للوهج أن يعصف هذا تركيب مبهر وتتساءل كيف تواري الحسرات المتتالية حسرتها المحرمة وكأنها تقول أن ألمي مذموم بنظر الآخر إن بُحتُ به فلن تشتكي أو تظهر شكواها، وتبدأ بالتحذير بألا يباغتها حتى لا تضر به قسراً فليست بحاجة لأنفاس معلبة بمعنى نفس العبارات لا جديد حفظتها عن ظهر غيب فكلها مواعيد جاهزة معلبة فهذه خطيئة نادرة وفيها لذة ورعشة. وتتابع " هذا غرسك يتلألأ قمرا في مساماتي " ورغم ذلك تقول له لكن "اليوم أقايض ربيعكَ فهل تبايعني أن تكون "؟ " وأحاول أن أشفيك من هذا المرض "! "وتكون قديساً "، إنه بمثابة تساؤل، وهل سيتغير همسكَ ويبتكر المواعيد ويتخلص من العبارات والمواعيد المعلبة والتي تفتقد لطعمها ونكهتها المتجددة فقد مللت من التكرار تعال واعلن الجنون في جلالة اللقاء، وفي النهاية هي لا تصدق بأن هناك شيء ما سوف يتغير فتباغته بقولها لكن بنفسجة خائفة ترتجف وكأنها تقول لا أثق وهنا أخفت الشاعرة مشاعر أو سلوك احتفظت به لنفسها. فالسؤال يلح عليها ويرتجّ بهوس وبين المعنى والمعنى تبدأ الطواف بين ضفافه فالروح عطشى وزمزمها إشارة لماء الطهر. وتصر بأنها ستقتل عتابه وهنا أظنها تعني لن تسمع ولن تصدق بل سوف ترمي عتابه بالجمرات وكأنها ترمي الشيطان بسبع جمرات .

قرأتكِ كثيراً في النص وقد تجاوز الكثير من الألم والوجع والحرف الصارخ بصمت . كان وجعا ناعما ولذيذا. فكانت الشاعرة خيرة عميقة .

أخيراً لغة النص كبيرة تصويرية . فكم من البلاغة والمفردات الدلالية المبهرة , سامقة المعاني تخطف الأنفاس لعذوبتها. فقرأت وانتشيت لهذا العزف على وتر القلوب .

أقول للشاعرة خيرة : الله على هذا الألق والروعة المنسكبين .

هي كلمات بريشتك الساحرة ومدادك الزمرّدي من أعماق قلبك النازف عسلا وماءاً رقراقا , وبوحك يدبّ النشوة والسحر في النفوس الكامنة المنتظرة بشغف هذا الجمال وقلب ما زال عامرا بالحب لكنها بنفس الوقت ما زالت تقف على شواطئ ساحرة بالنوارس الصديقة  ... وقلم مدجج بالسحر، وقلب ما زال يغيب خلف الشمس فمن ينتشله من الغرق .

 كم تسرقنا الحروف من القلق ومن الفرح وكل الهواجس وحالات الغياب ولكن الأمل موجود ولا نعدمه، دمت وهذا الإبداع والإحساس المرهف بجمال المفردات والتعبير

 

بقلم محمد خالد النبالي

 الأردن 16/1/2021

...........................

بين رهبتين

خيرة مباركي

لي أن..

أجذّرك في الشغاف

أيها القمر المزامل نبضي..

أن أزمّنك بدقائق هاجسي

همستك بيقين الصباح

ترنيمة شاردة في موال شتويّ

فارتجفتُ..كخطيئتي في انتظارك ..

بلى:

همستك بآهاتي وقصائدي ..

فغرقتُ بهدير الصمت بين محرابك

ومنفاي

وأنا أتضرع للغياب أن ينجلي

ويعود وهج العنابر يعصف

في دمي!!

كيف أواري حسرتي المحرّمة

في ثغر ابتسامتي الجديدة؟!

أو أحلّلُك حراما بشغف الرغبة الجامحة!

هل تبايعني نسمةً جنوبيةً الهوى؟

وهل يرقد صهيل المواسم في نهمي؟!

إياك أن تباغتني بهمس دمك الهانئ

وتغزو مساماتي الغافية

ربما سأرضيك وأقطع حبل الشكّ..

فلا تخدش أنفاسك المعلبةَ بالمواعيدِ اليوميةِ ..

كُنْتُكَ نعيمَ الشرفات المفردسةِ

بخصب الحنينِ

وأفشيتُكَ في خطيئةٍ نادرةٍ بين لذّةِ الخوْخِ

ورعْشةِ الترابِ..

هذا غرسُكَ يتلألأ في فؤاد النور.. قمرا يضيء مساماتي!!!!

واليوم أقايضُ ربيعَكَ بالعِتابِ..

فهلْ تُبايعُنِي كيْ أتماثلكَ شفاءً قدسيّا

وهمسُكَ يبتكرُ المواعيدَ في جلالةِ اللِّقاءِ؟؟؟!!!!

لكنّني كبنفسجةٍ طموحٍ:

أرتجفُ

...........

...........

أحلّقُ في زواياكَ

وأرتجفُ

...........

...........

بين ارتجاجِ السُّؤالِ وهَوَسِ المعْنَى

وبين المعنّى والمعنى..

أطوف بين صفائِكَ وعطشِي

بين دواتِكَ وزمزمي..

ولسوف أنحر عتابكَ

وأرميه بجمرات سبع.

***

خيرة مباركي / تونس

 

 

مسار غازيللروائي سالم حميد

يتبين لي أن سالم حميد روائي رفيع ومن طراز خاص، في كل مرة بعد الانتهاء من قراءة نصوصه التي يعمد فيها دائما إلى أن يكللها بفنية وحِرفية خبيرتين، تزخر روايته (قلق المآذن) التي صدرت مؤخرا عن دار نصوص(2021)، بمستويات عديدة، ومتداخلة، يفضي كل واحد منها إلى الآخر، يمنحه أبعادًا ودلالات تنتثر عبر القراءة، وإعادة القراءة أكثر من مرة. ولعل فرز أحد هذه المستويات، وتسليط الضوء عليه، للكشف عن بعض الوسائل والأساليب الفنية التي تضمنتها هذه الرواية، يساعد على كشف حقيقة ما أراد المؤلف قوله تخييلاً، وما ضمّن قولَه من آراء، وأفكار، وانطباعات لا تتعلق، في الظاهر، بموضوعة، أو موضوعات الرواية الرئيسة، ولكنها، في العمق، تكشف عن حقيقة بناء وكينونة الشخصيات الرئيسة فيها.

 تقدم لنا قلق المآذن شخصياتها النسوية وهي تسعى إلى الانفلات من الاشتراطات المجتمعية القارة، ومتمردة على الثقافة العراقية السائدة؛ تلك الثقافة التي انبنت على وفق أنساق ومرجعيات عقائدية  ضيقة تستند في تصوراتها  على مخيال ذكوري، يرتكن إلى اشتراطات اجتماعية، وتقنيات تاريخية شبه ثابتة، تستبطن قيم الذكورة التي تقوم على استراتيجيات سلطوية مرتكزة في الأصل على مفهوم تفوق الرجل على المرأة، بحكم طبيعته الرجولية الناتئة، وعندها يصبح الرجل هو المعيار الأساس (المثال) الذي نتعرف بوساطته على نقصان وسلبية ودونية الطرف الآخر (المرأة).

وتؤكد الرواية على أن خضوع العلاقة بين الرجل والمرأة إلى ثنائية الذكورة – الأنوثة، قد سوغت لتناسل منطوقات ثنائية متضادة، عملت بوصفها محددات في تنظيم اطر هذه العلاقة، تكشف عن علاقة قوة وسيطرة، وتنازع واضطهاد، مما أحدث تشويهات في مجمل العلاقات الانسانية الأخرى. لذلك عمدت السلطة الذكورية إلى استخدام المتاحات والموروثات التاريخية والاجتماعية، بل وحتى السياسية من أجل تطويع وإخضاع المرأة وممارسة مختلف أصناف الاستبداد والإقصاء والتهميش لفرض السيطرة عليها، فغدت ملكا مشاعا للرجل (ابا / أخا/ زوجا) تنتابه ايديولوجيا التدجين والتحقير والاذلال.

لذلك عمدت المرأة في قلق المآذن إلى التمرد على سياقات التأنيث والقوالب الجامدة والانفلات عنوة من الاشتراطات القارة؛ رافضة أن تكون مجرد مفردة ضئيلة في المنظومة اللغوية ذات الطابع الذكوري، أو مفردة حقيرة في لاهوت الرجل فحولي الطابع، امرأة اختارت أن تكون في اطار الشاذ، والنادر،و المنفلت،  تتجشم معاناة المغايرة وتقف مباشرة في مواجهة الصورة المركوزة في المخيال الجمعي الذكوري، هذا ما نلتمسه في شخصية (قرة العين) إحدى الشخصيات الرئيسية في الرواية التي قررت أن تخلع عنها كل ما يحجب وعيها ويصادر حقوقها كذات فجاءت خطوتها الأولى بخلع الحجاب (رمت حجابها في تجمع عام متحديه للأعراف الدينية والاجتماعية السائدة آنذاك/ قلق المآذن) وقرة العين بخلعها الحجاب أمام أعين الناس إنما هو رسالة للسلطة الذكورية تفيد بأنها ترفض البقاء خلف أستار الإهمال والتغييب القسري، وترفض العيش في كنف ثقافة ذكورية متسيدة تؤمن بايديولوجيا التغييب والإهمال والاقصاء للمرأة بوصفها وسائل تحقق للرجل سيادته وتضمن تحكمه وتبقي هيببته مصونة،. (ولم تمر سوى أيام حتى جيء بقرة العين إلى قصر الوالي العثماني . وكان جالسا على كرسي عالٍ يتناسب مع منصبه... قال الوالي لقرة العين: ما الذي تريده إمرأة مثلك من الناس؟

2158 سالم حميدقالت: أريدهم أن يعرفوا دينهم.

قال لها: وإذا عرفوا ما الذي سيحدث؟

قالت سيحدث الكثير!!

مثلا.. قال وهو يمسد لحيته

قالت : ربما سيعم العدل وتعم الحرية ويتطور المجتمع

قال: لا أظن أن الناس يتطورون إذا أخبرتيهم أن هناك رجلًا اسمه الباب يلتقي بالإمام المهدي..

قالت نعم، لا يحدث التطور إذا كان هكذا، ولكن هذا الباب سيحرر الناس من رجال الدين وأمثالهم، ويطلق سراح المرأة من سجن المجتمع. سيجعل الدين في سبيل الناس لا في سبيل الله، لأن الله لا يحتاج إلى الناس، الله كامل وهو الكمال..الله (غني حميد).

قال الوالي: ولكن الله خلق الناس من أجل أن يعبدوه ..وهناك آية صريحة بهذا الأمر..قالت أحسنت، من أجل أن يعبدوه .لا من أجل أن يتحولوا إلى عبيد، وهناك فرق بين أن تتعبد لتشعر بالحرية، وبين أن تتحول إلى عبد..

أصيب الوالي بخيبة أمل فهو لا يحب النساء من هذا النوع ..يحب المرأة الجارية .المرأة التي تغض الطرف وتقول بحياء مولاي..بطريقة شبقة ولينة فتجعل منه أسد يهم بافتراس حمل/ قلق المآذن)،يكشف النص أن المرأة التي وقفت أمام الوالي العثماني//السلطة السياسية والذكورية هي واعية لثقافة الرفض والاحتجاج، وكذلك الحال مع (زهرة عبد الحسين النكاش) التي صادرت الثقافة المجتمعية حقوقها، وهمشت رغباتها وإرادتها، من مثل إجبارها على الدخول في عالم الملالي، ذلك أنها تنتمي إلى عائلة كربلائية متدينة حيث والدها كان نقاشا للأضرحة والمساجد، نقش رواق الصحن الكاظمي، وأمها (فخرية الملاية ) التي كانت تقرأ وتنوح في أيام عاشوراء، أو في مناسبات وفاة أحد الناس، وقد لازمت زهرة أمها حتى خطبتها من إحدى صديقات أمها وهي تعمل في المجال ذاته لإبنها (ناصر) الذي لم تشاهده إلا في ليلة الزفة وقد كانت صغيرة في السن، وقد ظلت ترافق أمها في مجالس العزاء إلى أن أصبحت معروفة في الكاظمية بـ (زهرة الملاية)، ولكن ناصر كان يحب الغناء وكان يجيد العزف والتلحين، وما إن سنحت الفرضة لزهرة بتقليد المطربات أمثال سليمة باشا ووحيدة خليل لتبهره بجمال صوتها تقول (كنت أحب أن أبهره حين أقلد المطربات المشهورات، حتى كنت أرتدي الهاشمي البغدادي الذي يرتدينه فيتغير شكلي وأصير مثل نساء الأغنياء/ قلق المآذن) يكشف  قولها هذا عن حقيقة رغباتها التي طمرت في قاع الاعراف والتقاليد والمعتقد قسرا، فما أن سنحت لها الفرصة حتى تعبر عن رغباتها تلك التي احالتها من (زهرة الملاية) إلى المطربة (زهور حسين) بعد أن خدمتها الصدفة في أن تلتقي بالملحن العراقي اثناء عودته من الكويت والمشهور باسم (صالح الكويتي) والذي أعجب بصوتها وشجعها على الغناء تقول (غنيت بطريقة الملاية، ولكنني أتمرد بين إيقاع وإيقاع، فأنطلق وينطلق صوتي، والفنان الحقيقي وهو من يستطيع أن يروض قدراته المجنونة، التي تنبعث من إرثه ومن طبيعته ومن محيطه.. فجربت أن أغني بطريقة جديدة ..أمزج الطريقة الريفية مع إيقاع المدينة فغنيت/ قلق المآذن) فزهرة التي أجبرت على الزواج، وعدم إعطائها الحرية في اختيار شريك حياتها، والاتجار بها كسلعة تباع وتشترى، ومن ثم حرمانها من ممارسة دورها دورها الطبيعي في الحياة، تعلن رفضها والخروج على راهنية سلطة الوصاية المطلقة للذكر، والعرف والتقاليد وتدخل في المجال الذي تحبه وتجد فيه كينونتها وخصوصيتها الفردية.

وعليه قدم التمثيل السردي الانثى وهي تتبنى ممارسات مضادة للسائد متمردة تحاول بوساطتها أن تعيد رسم العلاقة بين الطرفين وتنظيمها على نحو يحقق لها سلطة معينة، تعوض من خلالها عما يمارس ضدها من تجاوزات وانتهاكات خطيرة تبقيها في الهامش. وقد اتكأت على خطاب مضاد يُملي عليها الارتكان إلى استراتيجيات خاصة تتبعها في عملية التزاحم والصراع مع الاخر، وقلب المعادلة لصالحها، فنشطت الانثى عبر حركتها وفعلها في المبنى السردي بوصفها مهيمنة ناتئة، ومحورا مركزيا تدور حوله الشخصيات، يغذي البنية السردية بما يضخه فيها من تلميحات مضمرة ودلالات خفية تتناثر في تضاعيفها، فكان الاحتجاج، والتمرد أهم الوسائل المتبعة للتخلص من عمليتي التنميط القسري والرقابة الصارمة، وما صاحبهما من تداعيات فرضتها الثقافة الذكورية والسلطة العقدية، أدت إلى محاصرتها في كينونة مهمشة.

 

د. مسار غازي

 

 

خيرة مباركيخجل الشفاه حبات رمان.. يلتذّ الكلام كالأحلام.. فهل هي لذة المرأة أم لذّة الشعر ؟؟ خجل ، وشفاه ، ورمان.. تترامى أصداؤها على تخوم الكلام بل إلى ما بعد حدوده..إلى أنغام وألحان.. إنّه نشيد يلوّح للجديد.. لمعنى وقصيد... قصيد -إمرأة وإمرأة- قصيد.. روحه شعر وروح شعره شعريّة عالية.. هو مجاز عال للتكثيف.. ونظم من النحو، ورجع من اللحن.. يقيمانها معادلة شعرية بين الصفة والذات.. بين خجل الشفاه وحبات رمان : مبتدأ تخبر عنه اللذة و" البنّة "، حبات تراود العين قبل الذوق.. صورتان للعذوبة.. هي الموصوفة فوق الوصف، ذيقت بالقلب أو بالعين.. حسّ وحدس.. عذوبة الرمان في اللسان وعذوبة الشفاه في الوجدان.. جمال موسوم بالخجل.. وخجل كالعزف على رجع المجاز.. هو الجزء من الكل.. جزؤه شفاه ساحرة وكلّه مخلوق ليس كالبشر.. كالأحلام.. كالصباح.. كحور الفراديس.. أخلاق وخلقة، عذبة.. في أفق روحها، قدر الفواتح والخواتم.. من نسل مثالية أفلاطونية وعشق رومنسي ووشي عذري.. وليست من عالم النسبيّة.. لا شيء يعادلها.. هي الكل والجزء.. أو جزء في الكلّ.. لا تشبه شيئا وإن شابهها الشيء.. أوردها عددا " خجل الشفاه " لأنه لم يوجدها واحدا وفردا.. هي الكل والكل هي.. وشبّهها جمعا ، حبات رمّان ، فلم يُرد بها العدد، ولكنّه أراد ظلّ الحبّة التي تتورّد وتتحول بلونها.. تحمرّ ثمّ تتحوّل قانية كتوهج قلبه.. كاشتعال روحه.. لوّنها بلون الأشواق وأفاض عليها من ظلّ حلم ورؤيا، يكنّى الطيف ويخطر في الأحلام وله سيولة كذوبان الحنين في نفس العابد إلى المعبود.. لا جسم لها سوى الشفاه.. ولا لحم لها سوى نغم..هوائية كصوت الغناء في الفضاء.. وإذا كان جمع المدلول ساحرة سحرت مسحورا بسحرها.. فباقي الطرح ترجيع الدوال لرنات المعاني من انسان فنان.. مسحور في المقول وبالقول ساحر..

 

بقلم: الناقدة والباحثة: خيرة مباركي – تونس .

............................

خجلُ الشفاهِ حبّاتُ رمان

كريم عبد الله

شفتاها …

تحملُ

نكهةَ السنابل

تتمايلُ

حبلى …

بلذّةِ الأرتجافِ

خجلاً يتطيّبُ

يغطسُ في أطلسها

غبشٌ

يتمهّلُ

على ضفافِ النعاسِ

يحملُ العجائب …

فتنامُ الكلمات

يُبخّرها

شعرها المسترسلِ

الى أعماقِ أحلامي

فتفزُّ مذعورةً …

يلفّني طِيبها

بإعصارٍ

يقتلعُ

ذاكَ الشَبَقَ

المتراكمَ على ( الجينز )*…

أقشّرُ دَلَعَ طفولتي

ممتشقاً

كُحلَ عينيها

مستجيراً

مِنْ

سطوةِ العيون …

يلهثُ جِيدها

يكسّرُ كبريائي

متناثراً

على هتافِ غنجِ خزائنها …

يااااااااااااالطبولها ….!

ترتجُّ معها أغنياتي

تتوقدُ

على

أناملِ غاباتها …

يهطلُ عطرها

في

رئتيَّ

أتنفسُ

صراخَ مراكبها الغارقةِ

في بحرٍ حزينٍ …

تابعتُ مندهشاً

طيورَ صدرها

تنعتقُ

على

حينِ غفلةٍ

تنفضُ

رمادَ

ريشِ التولّه …

على

أسواريَ العاليات

تحطّ ُ

رحالَ الخجلِ

ينمو

يتأملُ شهقاتي …

كمْ حدّقتُ

بأنهارها يناديني لؤلؤٌ مكنون

فأفتحُ مزهوّاً

صدفاتها

يتبعني

مستسلماً عطر أنفاسها …

 

 

جمعة عبد اللهتدور احدث النص الروائي بين الماضي والحاضر عبر الاجيال الثلاثة، أو المراحل الثلاثة، التي يمثلها الشخصيات (الجد والاب والابن) وكل شخصية تمثل مرحلة معينة مرت على العراق في عواصفها الاجتماعية والسياسية. في مسائلها الحساسة والعويصة في دوامة الصراع وتقلباته وتحولاته عبر هذه الشخوص. الجد (المطلق) والاب (نوح) والابن (سليم) التي احتلت احداث المتن السردي، الذي يملك براعة في الصياغة والمعنى والرؤية والتعبير في المغزى والرمز الدال. بما شهد العراق من تحولات تمثلت . الفترة الملكية. فترة عهد البعث. فترة الشباب الذي تشرد وعانى الغربة والاغتراب. وما تحمل هذه المراحل من صراعات مختلفة بالتناقض والاضداد في داخلها، في المعايير والمواقف تجاه الحكم واساليب السلطة في العراق، بما تعرض من احداث عاصفة صبغت بلونها هذه التحولات. وكل مرحلة تتسم بمواصفات معينة تميزها عن المراحل الاخرى، في سياق الاحداث الجسيمة التي جرت على العراق. وحملت في رحمها من زوابع في تهشيم النسيج الاجتماعي والسياسي. الى مرحلة التأم وحتى مزق الهوية. لذا نجد في هذه الشخصيات الرمزية الدالة، صورة العراق في العادات والتقاليد الاجتماعية في الثأر والانتقام. في منصات الحب وأشجان القلب وعواطفه المنفعلة بالانفعال العشقي. في مسائل الارهاب وخاصة في زمن الدكتاتور المتسلطة. التي جلبت الارهاب والحروب. مما جعل جيل الشباب ان يهرب من شبح الدكتاتورية والحروب. بعدما سدت آفاق الحياة والعيش. مما جعلهم ان يخوضون مغامرة الهجرة في الغربة والاغتراب. وبدورها تؤثرعلى وتيرة الصراع الاجتماعي والسياسي الى الذروة التأزم. تدور احداث المتن السردي في عتباته، بين الاب والابن في اسبانيا مدريد، اثناء تواجدهما. وما صاحبه من تسليط الضوء على صورة العراق. وكذلك الصراع الثقافي بين العقليتين الشرقية والغربية. من عواطف مشحونة بالانفعالات بين العقلانية والتهور. على خلفية الماضي والحاضر في خضم الصراع على صورة الوطن. ولكن لابد من التمييز والتفريق في مواصفات هذه الشخصيات التي تمثل مراحل العراق المتعاقبة. لاشك أن الجد (مطلق) يمثل الارضية الراسخة في الاقناع العقلي والفكري والديني . يمثل الحكمة البصيرية في رؤية ميادين الصراع القائم، يمثل العقلية المقبولة والموضوعية في مواجهة الاحداث بالعقلانية. بينما نجد الاب (نوح) يمثل المرحلة المضطربة والتي تعاني من الازدواجية في الشخصية بين (المطيع والمتمرد). وهي اسطع مثال على فترة عهد الدكتاتورية البعثية في وجهها المتناقض بين (الديني والارهابي) في العقلية والثقافة. بينما نجد الابن (سليم) يمثل الجيل الذي عانى من وزر الدكتاتورية بين الارهاب والحرب. والهروب من وجه الدكتاتورية البشع. في محنته في التشتت والحرمان من الحرية والتأزم في الهوية. ولكن رغم هذه الاهوال ظل أميناً على حب الوطن ويحمل صورة الوطن في عقله وقلبه، رغم معاناة الغربة والاغتراب. نجد في شقة (سليم) الصغيرة جدرانها تمثل متحف لصور العراق. وكذلك يتميز بالسلوك العقلاني ووضوح الرؤية والموقف، في الصراع بين الثقافة والعقلية الشرقية والغربية. أن (سليم) في سلوكه وتصرفه يمثل صورة مشرقة للبطل الايجابي، عكس البطل السلبي في الصراع بين العقلية الشرقية والغربية. التي تناولتها الروايات العربية، على سبيل المثال، رواية (موسم الهجرة الى الشمال) ورواية (الحي اللاتيني). ونجد الاب (نوح) والابن (سليم) في صراع وخلاف، ضمن المنطق المسموح بين الاب والابن، ولكن يجمعهما الجد (مطلق) في التوافق والانسجام. فالجد هو الخيمة الذي يجمع عليها الفرقاء في داخلها على التوافق. نجد ان المتن الروائي توغل عميقاً في تفاصيل صورة العراق وتحولاته عبر الفترات المتعاقبة. والتي كانت الدكتاتورية الضربة القاصمة التي كسرت ظهر العراق، في التحطم والتشتت والارهاب. واصابت الوطن في اعمق أزمة حتى مزقت هويته. واصبح كل أمل الغريب والمغترب ان يجد هويته داخل الوطن حتى ينهي عناء البحث عنها (حيث أمارس هويتي الاولى، حنيني، شوقي الى احتضان الأم واخوتي،الى زيارة قبر عالية، الى السباحة في نهر دجلة، الى اصدقائي، الى ابقارنا وحميرنا ودجاجاتنا والجبل.. أتلهف الى أخبارهم، وعنهم. كيف هم الآن؟ ماذا حدث؟ وماذا يحدث؟ من مات منهم؟ ومن تزوج) ص38. هذه لهفة الحنين والشوق التي تفور في أعماق الوجدان بقهر وحزن وحسرة (أنه العراق يا أبي) هذا الترابط العضوي بين الماضي والحاضر. الذي دنسته الدكتاتورية في مجيئها المشؤوم. والتي حرثت في الخراب والتدمير، وما أصاب العراق من فواجع، لذلك يقول الاب (نوح) الى أبنه (سليم) (أكتب ما تشاء فلن يحدث أسوأ مما حدث.. هذا العالم الجايف) هذه حكايات العراق المأساوية التي تقطع الانفاس بحشرجة الالم والحزن والغضب. بأنها معاناة تحطيم الانسان وتهميشه . هذه تجسيدات الشخصيات المحورية التي سلط عليها المتن السردي . ولكن لابد من استعراض الملامح السمات البارزة لهذه الشخصيات التي تمثل مراحل العراق المختلفة:

1 - الجد (مطلق): يمثل الحكمة والعقلانية في الفعل والارشاد بحكمته القائلة (أذا نبح عليك الكلب فلا تنبح عليه، ولكن أذا عضك فعضه) ص9. وكان سعيه الحثيث والمثابر، في تشيد ما يطلق عليه من تسمية بالمدينة الفاضلة أو القرية الفاضلة، لكن هذا الحلم والامل اصطدم في المواجهة مع الحكومة في اجهاضه . كان ملتزما بوعي في التراث الديني وتقاليده وما جاء في القرآن. كان ملتزماً بالعقلية التي تبعده عن الطيش والتهور وسوء التقدير. لذلك من اجل امتصاص انتقام السلطة انتقل بقريته الى الضفة الاخرى من النهر، ليكن بعيداً عن الصراع غير المتكافئ مع قوات الحكومية. وكان يقول عنه الاب (نوح) موجهاً كلامه الى أبنه (سليم) (جدك رجل عظيم يا سليم، لكنه ربما ولد في غير عصره. أنني أحبه بشكل كبير) ص116.

2 - الاب (نوح): يمثل مرحلة في عهد البعث بفترته الاولى والثانية ، ويتميز هذا الجيل بين الاطاعة والتمرد. يمثل روح الازدواجية المتناقضة بين (الديني والارهابي). وهو بالذات نهج وسلوك حكم البعث في الارهاب، أوالدعوة الى الحملة الايمانية الدينية. وكذلك وجه الطيش والانتهاك. لذلك حين التقى (سليم) مع أبيه وجهاً لوجه في اسبانيا / مدريد. كان (سليم) صعق بالغرابة والاستغراب، لم يصدق عينيه بأن هذا الواقف أمامه هل هو أباه حقاُ ؟، في هيئته المتنافرة والغرائبية (هذا الرجل حليق الشاربين، صلع خفيف فوق الجبهة، طويل الشعر مربوطة الى الخلف، وخصلتان صغيرتان منه مصبوغتين بالاحمر والاخضر، ثلاث حلقات فضية تتدلى من أذنه اليسرى، أقراط.. أيعقل أن يكون هذا أبي ؟! أهذا هو أبي حقاً) ص19.. جاء الى أسبانيا / مدريد من أجل أخذ الثأر والانتقام من فتى السلطة الطائش، الذي تحرش بأبنته الصغيرة (استبراق) حين مسكها من مؤخرتها (بالضبط مثلما كان يفعل عدي صدام حسين في التحرش بالفتيات ويخطفهن من الشوارع) فما كان من الاب (نوح) ان افرغ في مؤخرته طلقتين. والفتى الطائش يصيح بغضب (أتعرف من أنا؟ فيجيبه: أنت أبن كلب.... أبن قحبة) ولكن كان الدمار والخراب حل بالقرية آل مطلق. فقد عاثت الحكومة قتلاً وخراباً، والنتيجة كان عدد الضحايا 17 قتيلاً حتى الاب (نوح) خرج من السجن معوق ومخصي. وسميت قريتهم بقرية (القشامر) وغيروا لقب (مطلق) الى اسم أل قشامر، ولكن بعد اشتداد ضراوة الحرب العراقية الايرانية، وحاجة الدكتاتورية الى وقود للحرب لتجنيد الشباب والرجال ودفعهم الى جبهات القتال. غيرت أسم قرية (القشامر) الى اسم (قرية الفارس) تيميماً بالفارس الدكتاتور، الذي حول العراق الى جحيم وتوابيت. فلذلك يتساءل بجزع عن عمل لجان التفتيش لنزع اسلحة الدمار الشامل بالقول (أية أسلحة ودمار شامل، هل هناك ما هو أكثر دماراً من الدكتاتور نفسه، الذي قتل وشرد الملايين، فلماذا لا ينتزعونه ويخلصوننا؟) ص125. وفي الاخير عرف الاب (نوح) بأن فتى السلطة الطائش الذي عين بعد ذلك في السلك الدبلوماسي. قد انتقل الى بلد آخر، أو الى جهة مجهولة، وربما قتل أو مات. لذلك غير قناعاته بالثأر والانتقام.

3 - الابن (سليم): يمثل الجيل الذي عانى الغربة والاغتراب، عاني شبح الدكتاتورية وارهابها، ومنهم السارد أو الروي نفسه، وهو يحمل مواصفات الكاتب أيضاً ، في مقارعة النظام والسلطة الارهابية، لذلك يصيح بالتذمر والسخط (لماذا.... لماذا فعلتم بنا كل هذا.. يا مجرمين) ص164. كان في بداية براعم حياته الشبابية، احب (عالية) أبنة عمه، حباً ملك جوانحه، وكان يبعث الرسائل والقصائد الشعرية عبر شقيقته الصغرى (أستبراق) وبعد ذلك اختار مكاناً لعش الحب بينهما، يلتقيان يومياً بالعاطفة العشقية الملتهبة وهم يمضغان أصابع التمر بكل شهية واشتياق وشهوانية . كان يطير بجوانحه العشقية بالبهجة ، لكن الموت خطف (عالية) واصابه الحزن الشديد. وفي شبابه كان ضد الارهاب والسلطة مما ضيقت عليه الخناق. مما دفعه الى التخلص من شبح الدكتاتورية بالهجرة الى أسبانيا، وهناك استطاع ان يوصل صوته المعارض للنظام. وينقل محنة ومأساة الوطن الى الرأي العام الاسباني. وهو يمثل العقلية الناضجة والواعية من شريحة المغتربين في المهجر. ويحمل صورة العراق بكل معاناتها. يمثل الجيل الذي بأستطاعته ان يتحمل المسؤولية العراق في الانعتاق والحرية.

 

جمعة عبدالله

 

 

يوسف عبودبلغ النضج الفني في المجموعة الشعرية (تيمَّمي برمادي) للشاعر يحيى السّماوي، مداه الأقصى، حيث تُعّدْ هذه المجموعة هي الخامسة والعشرون من إصداراته الشعرية، خلال مسيرته في بناء وتكوين وتشكيل النص الشعري، فقد تضمنت تلك النصوص رؤىً وصوراً وإيحاءات وإشارات ورموزاً ودلالات تدخل في بنية النص،لتحيله الى حالة من التدفق الواعي بإنسيابية وإيقاع وموسيقى تهز وجدان المتلقي وتسحبه الى أتونها دون أن يعكر صفو هذه الرحلة أي عائق أو تعثر أو هفوة أو وقفة تعيق هذا التدفق،وسوف نكتشف أن بناء النص لدى الشاعر تأثر بشكل ملفت للنظر، بحياة الشاعر وتجاربه وفكره ورؤاه وثقافته وتجربته الطويلة، وهو يشبه (أي النص الشعري) بالنسيج المتداخل من ألوان عديدة تشكل هذه التراكيب التي تعبر عن صفاته وسلوكه وطبيعته وتأملاته، منها:الوطن، الغربة، عشق المرأة حد الوله، الشعور بالحرمان الكبير الذي يصل الى أنه لا يرتوي بالماء لأطفاء ظمئه، ولكن برشفة من شفتيها، وهي عنصر التفاعل الذي يشده نحو حب الحياة،ونجد أيضاً كبر السن وهناك مواطن كثيرة من النصوص تشير الى مايحدث للإنسان عندما يتجاوز الستين من عمره، وما يحصل له من متغيرات تجعله يقترب الى النهايات وهي معروفة، الموت، القبر، والتي أشار لها الشاعر في بعض من نصوصه، كما نجد الأشارة الى الطفولة رغم بلوغ العمر عتيا، وفي حالة قد تكون متفردة يوظف الشاعر النصوص القرآنية وهي لا تشبه التناص، بل أنها تدخل ضمن النص لتتوحد مع المفردة والثيمة ووحدة الموضوع لنقلها من حالة الاستماع إليها الى واقع عملي تطبيقي، كما سوف يمر ذكره في تحليلنا هذا، ونجد السّماوة مسقط رأس الشاعر حاضرة في تلك النصوص، واعتمدت بنية العنونة التي وسمت بها المجموعة (تيمَّمي برمادي) الرؤية الشاملة لتلك النصوص، كونها لم تكن مختارة لواحدة من النصوص، بل أنها دعوة لسيدة القلب والحياة أن تتيمم بهذا الرماد، الذي يعني الكثير، هو الإنكسارات النفسية العميقة، هو الإحباطات الكبيرة التي لحقت به، هو رحلة الحرمان والغربة، هو النهايات، وهوإطلالة هذا الركام الكبير من العمر، وهو أيضاً تجربته الشعرية الكبيرة، أما عناوين النصوص، فقد إختيرت أغلبها من متن النص، من الوسط، أو البداية، أو النهاية، وهي في أحيان كثيرة الرؤية الشمولية للنص، كما إننا سوف نجد الومضة الشعرية التي تنتمي الى القصيدة العمودية وليست الى قصيدة النثر، كما أن الشاعر يستحضر الحضارة السومرية لتكون واحدة من الركائز المهمة التي تشكل بناء النص الشعري، و نكتشف ذلك من أول قصيدة في هذه المجموعة والتي خلت من الإهداءات والتقديم والمقدمة التي وجدها الشاعر زوائد لا تخدم النص الشعري، ولا تساهم في عملية التعاشق المطلوب بين النص والمتلقي، ليعطيه فرصته الطيبة في السياحة في عالم الشعر دون دخيل، وتلك القصيدة هي (ميلاد):

تغدو الملاكُ السومريَّةُ شهرزادَ

تقصُّ بالقُبُلاتِ ليْ

قصصاً

عن الضِلَّيلِ صارَ مؤذِّناً

ومُبشَّراً بالعشبِ باديةَ السماوةِ

والرُّبى بالإخضرارْ

 

وتزفُّ للكهفِ البشارةَ

بالمدى النشوانِ..

والليل المؤبَّدِ

بالنهارْ

2153 يحيى السماوي

وفي قصيدة (وادي زهور اللوز) نجد هذا النسيج حاضراً يمثل التكوين والتشكيل لهذا النص، الطفولة، الكهولة، لغة النصوص القرآنية،بإشاراتها السيمائية، والعشق الذي يجعل الحياة بستاناً من الزهور:

عَجَباً عليّ

رجعتُ في "الستين"

طفلا

 

أصحو

لأقطف من حقول الصدر

تفّاحاً

ومن وادي زهور اللوز أرتشف الندى

فأنامُ مقروراً

سريري غيمةٌ

ووسادتي عشبٌ وريحانٌ

ودفلى

 

جَرَّبتُ أنْ اختارَ غيرَكِ

قبلةً لِصلاةِ عِشقي

فإستدارَ إليكِ قلبي والمُصَلّى

 

أما الومضة الشعرية (صُبّار الألم) التي تتناول موضوع الندم بالرؤية التي يقدمها الشاعر بشكل مثير للإهتمام:

قالتْ ستندمُ

ليس تدري أنني أدمَنتُ

صُبّارَ الندمْ

 

أمضيتُ عمري

أزرعُ الأملَ الجميلَ

وما حصدتُ

سوى الالمُ

وفي قصيدة (إستجداء) نكون فيما ذهبنا إليه في بحثنا النقدي هذا، حول مساهمة النص القرآني في تشكيل النص الشعري، وتحويله من آية مسموعة الى واقع تطبيقي يدخل في متن النص:

ورغيفاً من عناقٍ

دافئِ الجمرِ

بتوليِّ التنانيرِ

يقيني من ذئابِ الزمهريرْ

 

فأنا

أوصى بي اللهُ

يَتيمٌ وغريبٌ وأسيرْ (*)

ويضع إشارة (*) لنقرأ في الهامش الإشارة الى قوله تعالى (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماًوأسيراً)

وفي قصيدة (قطوف ليست دانية) نكتشف الإشارات السيمائية بتأثر النص الشعري بالنص القرآني من خلال بنية العنونة وكذلك متن النص:

حتى إذا نادى الآذانُ

إلى صلاةِ الفجرِ

أغواني نُعاسكِ بإقتطافِ

التينِ والتفاحِ

من حقلِ الأنوثةِ

وإرتشافِ ندى زهورِاللوزِ

خالطهُ شذاكْ

وفي الومضة الشعرية (ومضة) التي نكون فيها مع الأعمى الذي لايجد في حياته جدوى، وهي دلالة رمزية لواقع الحياة التي لا نجد فيها ما يمكن ان يثير معالم الفرح، إذ نجدها صحراء قاحلة لا جدوى منها:

قالَ ليّ الأعمى

أنا

أرضٌ يبابٌ

 

ليس يعنيني إذ أشرقتِ الشمسُ

أو البدرُ عن الشرفةِ

غابْ

 

ما الذي تخسرهُ الصحراءُ

إن جَفَّ السرابْ

 

أما قصيدة (قناعة) فأنها رؤية لإكتفاء الحبيبين ببعضهما حد التوافق والانسجام، مستحضراً المثل الشعبي الذي إستُقيَ من موروثنا (وافق شنن طبقة):

فأطعميني صَحْنَ لثمٍ

إنني بتُّ قنوعاً

جشعي لا يتعدى شفتي

والحَدَقةْ

 

فسأرضى بالندى من زهرةِ اللوزِ..

ومن فردوس واديكِ البتوليّ بِشمّ الزنبقةْ !

 

إنني شنٌّ

فكوني طبقةْ

وفي قصيدة (ليس يعنيني الذي قيل) فنكون مع حالة النهايات التي تحدثنا عنها، وكيف تكون مشاعر الكهولة وتأثير سني العمر، التي تتمثل بعلاقة هي أشبه بنفاذ صبر من كل شيء، فهو يريد أن يغلق الابواب والشبابيك، ولكن يبقي قلبه ينبض حباً ليس بعنفوان الشباب:

أغلقي بابكِ

والشباكَ والتنُّور والمِكحَلةَ

اليقظةُ..

والحُلمَ الخيالْ

 

فأنا

أغلقتُ أبوابَ جوابي

وشبابيكَ السؤالْ

 

ليس يعنيني الذي قيلَ

عن الصَّب الفراتيَّ

وما سوفَ يقالْ

وفي قصيدة (ياجبل العمر) نكون مع تلك المجسات التفاعلية التي تثير القلق والخوف من تداعي العمر، وبلوغ قمته كما يصفه النص، إلآ أنه واقصد في ذلك الرجل الكهل الذي رسم ملامحه الشاعر، أن يبلغ قمة العمر، يريد أن يبقى مع الربيع، مع الزهور، مع الرياحين، مع العشق الأخضر، ويحافظ على محبوبته:

يا جَبَل العمرِ

ألا تعرفُ من وسيلةٍ

تمنعُ خطوي من وصول القمّةْ ؟

 

أريد أن أبقى مدى الدهرِ على السفح مع الأنهارِ

والأشجارِ والأطيارِ والأوتارِ

والكأس التي خَمرتُها تحيلُ كهفي غيمةً

مع التي قميصها

شَقَّ ستارَ الظلمةْ

 

فأرضعتني قُبلاً

ووسَّدتُ فمي مرايا الجيدِ

فانزلقتُ نحو الحَلّمَةْ

المجموعة الشعرية (تيمَّمي برمادي) للشاعر يحيى السّماوي، هي خروج من قيود السياقات الفنية لصناعة القصيدة الشعرية وما تفرضه من سطوة تعيق حرية الإنطلاق والتدفق ، والتي إمتلك ناصيتها الشاعر وسبر أغوارها، الى حيث المعالجات الفنية الجديدة التي تضمنت هذا النسيج الرائع من المحاور والافكار والمؤثرات الذهنية والثقافية وتجارب الحياة، وتجربة رحلته الطويلة مع الشعر.

 

يوسف عبود

.......................

* من إصدارات مؤسسة المثقف في سيدني استراليا، ودار تموز - ديموزي دمشق لعام 2018

* فصل من كتاب (تفاعلات النص الشعري الحديث) إصدار الورشة الثقافية عام 2020

 

 

سارة فؤادتُترجَم إلى معنى واحد!

لم أبك "وحيد حامد " فقد أدى الرسالة على أكمل وجه، وأجمل وجه! وربما بكيت أبطال أفلامه ورأيتهم يتسلمون العزاء ويذكروننا بسيرته. قبل وفاته ومنذ ذلك اليوم ٢ يناير ٢٠٢١، قد أخبرنا بالأصل من خلال الكتابة والسينما والإذاعة عن تلك الشخصيات الغريبة وخلقها وسخرها! أدرك من بعد الأستاذ أن لدينا قصص كثيرة مع سبق السرية والكتمان أحياناً، تنهمر على سفح الواقع. ليتحطم ألف برئ وألف جلاد . فأين رسالة الفن اليوم من خرائط الحقيقة، وأين هي من لسان حال الشارع المصري؟!

فيلم البرئ.. ولحظة الإكتشاف الباهرة!

 ثلاثة أنواع من السجناء كإشارة سريعة عن نوعية المعتقلين السياسيين،العالم البيولوجي وقام بالدور جميل راتب، والروائي الكاتب المثقف وجسد ذلك صلاح قابيل، والناشط المدافع عن حقوق المرأة، جسد الشخصية أحمد راتب، فليس في المعتقل السياسي سوى أبرياء متنورين. هناك تجد العقلاء والأكثر جرأة فقط، ومع تطور الأحداث تدرك أن الضحايا ينقسمون إلى:

"الضحية السجين" و"الضحيةالجلاد" وعن الجلاد فهو الذي يراقب الأسير خارج القضبان وينفذ أمر قائده دون تفكير. فالأمر حازم كالسيف نافذ لا محالة، وشخصية الجندي التى قام بها الكبير الراحل "أحمد زكي" كان الجندي الذي يتعرض للاستغلال والخاضع هو نفسه لبرمجة ذهنيه تحتكر قرارته العقلية، سجنه المعرفي من نوع أعنف بكثير من سجون المعتقلات السياسية، كلا النوعين اجتمعا على "حب الوطن" الأسير برئ وأيضاً الجلاد "أحمد سبع الليل" بريء إن لم نقل تحكمه السذاجة والبساطة الشديدة وشيء من الجهل الريفي..! لم يكن وحيد حامد يسلط الضوء على جرائم المعتقلات قدر تسليط الضوء على استراتيجية برمجة الوعي والقرار والتي قد يخضع لها الجندي الذي يتلقى أوامره من قادته، أيضاً هناك مجاز وكناية عن استغلال البسطاء عموماً وتجنيد قواهم للوقوف في وجه المعضلات وتسخير نواياهم الطيبة وطموحاتهم البسيطة، لنجد لدينا العسكري البسيط "أحمد سبع الليل" والذي يحلم ببناء شخصيته وفرديته والتعبير عن حبه لوطنه واستعداده للموت في سبيله بنوايا صافية الولاء للدين والله والوطن والقائد، لم يعد يفرق بين مفهومي الطاعة والولاء وبين إلغاء عقله وقبول الخضوع التام ل"شركس" لدرجة الوصول إلى حالة هي أقرب للتنويم المغناطيسي والبرمجة العقلية إلى حد أنه قتل السجين الذي كان يعمل بمهنة كاتب قصص وروايات، وربما حملت قصصه إسقاطات ترمي إلى الحرية والتي يبدو أنها قد زجت به إلى السجن. " رشاد عويس" القاص أدى دوره "صلاح قابيل" وأظهر فيه قوة وسرعة بديهة ما يعكس سمات الروائي في الفيلم و المتطلع إلى سماء وحريةو إلى الهرب نحو الحياة، فقتله أحمد زكي أثناء ملاحقته وهو ينظر في عيون قائده "حسين فهمي" ويود لو ينال رضاه بهذا القتل، فيشعر بالبطولة والثناء في ذاته ويحس أنه المحارب المقدام صائد العدو اللدود، وفي ذات الوقت تظهر نظرة تعطش إلى القتل غير مبررة وهذيان وشرور في عيون شركس "القائد" فكان واقفاً ينتظر جنديه ليفرغ من القتل بيديه وبما يناسب مصالح أنانيته الفردية التي لا تتصف بالحياد ولا الواجب في شيء، يبتسم بفخر" أحمد سبع الليل" العسكري ذو المعاني الخام دون أن يدرك سوى معانيه طيبة النوايا.. أنه" يحارب أعداء الوطن" ولكن تحت ظل مسميات " حب الوطن والطاعة " كان كبح صوت العقل إن لم نقل الضمير.. ومع تصاعد العقدة يرى نفسه أخيراً لا يحارب أعداء الوطن وحسب.. بل يحارب الوطن نفسه! وتتكشف له حقيقة الدفاع عن الوطن، لقد اختلطت عليه المشاعر فامتزجت بالدماء الطيبة،دماء سجناء الرأي المظلومين والمحبين للوطن عن جدارة .الأوامر العسكرية من" شركس" بدأت تتحول في عين الجندي إلى معاول لهدم ثوابت وقناعات أصيلة لدى "سبع الليل" الحقاني والجندي البسيط يعي تلك اللحظة ما يحدث من حوله . فالوعي هو الأساس.. إيقاظ العقل الناقد، ذلك الموضوع الذي سدد إليه وحيد حامد أكثر من سهم في أفلامه، وكل طريقة لها قصة ولغة.. أن الأسري في المعتقل السياسي الذي يقف أمامه حراسة ليل نهار ليسوا سوى أبرياء، وأنه هو نفسه الجندي الأسير، أسير الطاعة العمياء. في فيلم البرئ.. تتصاعد أغنية من كلمات "عبد الرحمن الأبنودي" تعكس الحوار الداخلي للجندي المصدوم  : "الدم اللى فى أيديا، اللى بينده عليا؛، ويقولى قتلت مين، يقولى يا إنسان، تفرق السجان، أزاى من السجين، قلبى اللى كان برئ، زى الطير الطليق، أزاى ضلت عيونه، لما شاف الطريق.."

الوطن في مفردات وحيد حامد

 ما هو إلا ترجمات الشعب الكادح، وما هو إلا حرية الرأي التي يبحث عنها المواطن في صوته وعقله وكرامته، فالوطن في فيلم البرئ مثلاً هو وجه صديقه" ممدوح عبد العليم" الشاب الجامعي المتنور والذي نشأ في قرية وحلم بمصر كبلد أفضل لأنه يحبها ويحب جيش بلده بل ويفخر به في عباراته في مقدمة الفيلم، أما عن نهايته فقد قتله الضابط "شركس" بلدغة ثعبان ثمناً لكل هذا الحب، إنه العبث الذي يتجلى في نوعية "شركس" الديكتاتور الذي لا يصبر لحظة لرؤية الحقائق من أعلى حتى وهو يمتطي حصانه وينظر بنظرة فوقية من عليه.. فيفقد وجهته وهدفه وفروسيته وبلده من حساباته! والوطن أيضاً يتجلى في وجه العالم الباحث وهو الروائي الذي يكتب عن الجرائم والتجاوزات بحق الشعوب، وهو الناشط المطالب بحقوق المرأة، أما أحمد زكي الجندي الطيب ولكن المدافع عن الحق فيجد نفسه فجأة يحارب الوطن ذاته! بملامحه الحاملة لأهله ولأصدقائه وللذاكرة، والدم على يده يسأله : قتلت مين؟ فتتراءى له ملامح صديقه والذي لطالما كان سنده يصد عنه متحرشيه، فيدرك نواياه البريئة عن ظهر قلب، فليس من الممكن أن ينتعل "حسين وهدان" بعض الكلمات ضد بلده ليزور بها الحق . أو يدنس رسالته كشاب واعٍ صاحب كلمة حق، هو الصديق الذي لطالما سانده ودافع عنه فوثق به. فكيف يقتله بتلك البساطة لمجرد تنفيذ الأوامر وهو الأكيد أنه" بريء" وهنا تجلت لحظة عصيان أمر قائده والتمرد. كانت جرأة وحيد حامد تتجلى في مناقشة البرمجة الدماغية وعرض المفارقة بين حفظ النظام و بين التسلط العبثي ما ينتقل بالجميع إلى حالة فوضى، وحين يتكشف لأحمد زكي الجندي زيف ادعاءات شركس فجأة بعد أن كاد يفديه بدمه بدوافع الولاء والطاعة، يدرك أن شركس هو نفسه عدو الوطن بظلمه واستغلال سلطته وجبروته فيرفض تنفيذ أوامره لأول مرة وتبدأ النهاية! وبالنظر إلى شخصية الضابط "شركس" فحياته الشخصية في بيته ممتلئة بالمشاكل، وتجلى ذلك في لمحة عبقرية بمحادثة هاتفيه خاطفة بينه وبين ابنته التي تشكو له من الوحدة وإهمال أمها لها، فالضابط العاجز عن حل شؤون بيته يصب جام غضبه على الأسير المظلوم ويمارس جرائمه بتجميل وتدليس الحقائق أمام رؤسائه وجنوده والإعلام ليشعر بالقوة لأسباب عميقة خفية جداً. وكان الأولى أن يركز صرامته ليواجه بها مشكلاته الشخصية مع زوجته التي تهمل ابنته الصغيرة، فضلاً عن ذلك يصب جنونه على المساجين وعلى الجنود المنساقين لطاعته رغم أنه يشع بحالة نفسية تقترب من جنون العظمة والفصام بسبب عدم مواجهة حقيقية مع أزماته ومع الذات! فلا أحد في الفيلم يواجه الأعداء الحقيقيين سوى الأبرياء، والأبرياء دائماً يوجدون بداخل المعتقلات، وأحمد سبع الليل يحارب أعداء الوطن مراراً، بينما هو في الواقع العملي يحارب أهله ونفسه بدلا من التركيز على حربه مع الأعداء الفعليين لمصر. والأعداء على الحدود.يقف على رأسه من يكبح حريته ويسخره ببعض الأوامر والنواهي، فلا يهزم فعلاً عدواً حقيقياً، ذلك إلاستبداد الذي لا يتيح السؤال الوجودي عن الجدوى . في مشهد الحل المدجج بالمجازات ما بين رمزية السلاح الذي يسقط على الأرض ويجاوره الناي. عزف الجندي لحظه قبل الإنتقام من شركس ومن ثم مقتله على يد برئ آخر!

إلى أي شيء يدفعنا وحيد حامد لفهمه عبر تلك المجازات ؟ سؤال بسيط.. من العدو الحقيقي؟! وكيف يعيش البعض قصصاً بطوليه تحت شعارات زائفة واهية. فنبل الغاية لا يغني عن شرعية الوسيلة. واجتمع الكل على نبل غاية واحدة هي"حب الوطن" ولذلك كان لابد من اختمار وتطور العقدة في لحظة الكشف . حين اكتشف سبع الليل معنى الدم والحمى وعرف أن العدو الحقيقي ليس في الداخل وعرف "أن المبادئ لا تتجزأ" ! إنها اليقظة نفس الفكرة التي لطالما نادى بها" وحيد حامد" بجهد صادق في أفلامه مثل الوعد والغول والمنسي والنوم في العسل والإرهابي، أبطاله جميعهم يقفون ذات الوقفة مع الذات وذات الإنقلاب على المنظومة الحتمية.. ومع مفردات الأستاذ والكبير الراحل "وحيد حامد" فالمعاني تجتمع بالحرية يموت المؤلف وحديثه لا ينتهي !

الوعد "لا تقتل"

لا تحتاج لعناء البحث عن مجازات التمرد في أفلام الراحل وحيد حامد، فسوف تمتص غليل الجمهور ثورة بعد أخرى، وفي فيلمه "الوعد" انقلب "عادل" أو آسر ياسين أحد أفراد العصابة المسخرين لخدمة " السحراوي" ضد زعيمه وقائده والذي هو بمثابة إله لا يُعصى له أمر. لأنه تأثر بوصية "يوسف" أقدم قاتل في عصابة السحراوي وأدى الدور الراحل الكبير"محمود ياسين" الذي قال له بثبات مؤثر ويقين عارم"لا تقتل" فبدأ آسر ياسين يستفيق من حالة التنويم المغناطيسية والطاعة المطلقة للسحراوي وينقلب ضده؛ مرحلة اليقظة وطرح الأسئلة وقوة العقلية الناقدة التي تشتعل وتنير الطريق لأبطال وحيد حامد. تلك المرحلة المفعمة بالتمرد ونقاط التحول القصوى والتي تجعل من الأبطال ناجين! لحظة رؤية واحدة يكتب لأجلها وحيد حامد. أفلامه تطوف حول مفردة اليقظة.. الوعي! ولكن هل أضاء وجهاً آخر لليقظة؟ أشار دائما للشر الذي يصوب تهديده في وجه من يتمرد على شريعة الشيطان..الشرور الذي يقتل البرئ الجندي في فيلم البرئ..ويهدد آسر ياسين "عادل" بشبح الموت كلما هرب من زعيم المافيا السحراوي، ولكن المفارقة في الوصية الثانية لمحمود ياسين" يوسف "حين قال له " لو لك عدو بيهدد حياتك، يا تهرب منه، يا تقتله" فالقتل حل جيد فقط في حالة الدفاع عن النفس وإلا سيموت البطل، ولسبب ليس بالسهل فعليه مواجهة من لا يرحم "واجه الوحش كي لا يتضخم أكثر" ! بالفيلم عدة مشاهد لمجاز جميل عن القوة في الإتحاد، في مشاهد اتحاد المسلم عادل مع القبطي جرجس من أجل هدف إنساني وعاطفي بحت، هو تحقيق وصية الميت الأخيرة. التصالح مع الاختلاف يتجلى في عظمة مشهد حمل التابوت والدفن أعلى قمة جبل يطل على البحر ونحو الحرية، والمشهد يوحي بسمو متكامل في كل أركانه، مثلاً في تخلي القبطي جرجس عن مخاوفه الصغيرة بعد تجربة دفن يوسف متعاوناً مع عادل المسلم وكل منهما يصلي بعقيدته واختلافه وضعفه وقواه ..فكلنا في النهاية إنسان !

الغول "قانون ساكسونيا"

وبرئ آخر في فيلم الغول لكنه تلك المرة في هيئة الصحفي "عادل عيسى" من فيلم الغول. صاح في وجه العدالة الزائفة بالمحكمة "ساكسونيا" فسجن بدلا من القاتل الحقيقي الغول. فالبرئ سجين في كل فيلم لوحيد، والغول صاحب المال يتحول إلى سجان ويستمتع بالتحكم في مجريات العدالة، فالسلطة والحرية المطلقة يخضعان تحت قدميه دون عائق أو حساب. فليس غريباً أن يتحول" عادل عيسى" الصحفي الحالم بالعدالة إلى آلة قتل بعد تعرضه للظلم، فالنظام بأكمله بادر بصنع آلات القتل ودفع المظلوم نحو الحقد والجريمة والثأر بيده وكأنه قدر عادل المحتوم " عادل الطامح المصدوم بمسوخ الخذلان" كان ممسكاً بكتاب يحمل عنوان" قدر الإنسان " قبل إقدامه_ بكل رغبات المواجهة_على اغتيال " فهمي الكاشف " الغول الحقيقي في حياته الذي يتحكم في كل شيء حتى أنه يبطل العدالة ويغير بديهة الحقيقة في العقول . ليجعلها تنافس قانون ساكسونيا في الغرابة والتضليل! ويجعل من عادل قاتل..!

المنسي "طلعوا لك يامنسي؟!" .

النكرة الخارج من الحسابات إلى حد أن أسرته نفسها تريد له الزواج للخلاص منه تقريباً، هو " الغلبان" الذي نسيته الأيام، وتغافلت عنه الفرص الضائعة "محولجي السكة الحديد" المهمش والمهمل اجتماعياً ونفسيا حتى أنه مهمل في إحساسه بذاته وصورته النفسيه ولا كيان له، يفوته قطار تلو الآخر! وفرصة خلف فرصة يمر ذيلها أمامه، وكل ما يفعله ويطمح إليه أن يمنع القطارات من التصادم ويجانب الحائط.فهو لديه فوبيا التصادم مع الواقع المخيف بأشباحه فيعيش التخاريف والخيالات حتى فيما يخص الشهوة الجنسية، هذا المنسي الذي ينسى كيف يعيش بل وكيف يحلم، يخلق الأوهام والهواجس بأريحية ويخلق متعة الخوف من الضفاف الأخرى لأن عفاريت تشبه أباطر الواقع تسكن هناك، تكفيه القطارات التي تتحشاه ويتحشاها، المنسي من الإعتبار و المنسي من الحقيقة،لم يفكر في الصراعات أصلاً كي يفكر في كيفية حلها ! المنسي هذا الإسقاط الفاضح عن الصراع الطبقي في مجتمع تفسخ إلى طبقتين، طبقة السلطة العامرة برأس المال والحكومة والمتاجرة بالبشر أحياناً لتحقيق الأطماع والثروات ! وتجلى ذلك في رغبة رجل الأعمال الفاسد أت يبيع "غادة السكرتيرة" التي أعجبت التاجر لإتمام صفقتة معه،أما الطبقة الإجتماعية الثانية فهي السفلية،طبقة المنسي.. وطبقة المواطن المهمش في المسودات على الجوانب المترامية الآخذة في الضياع. وفي النهاية لحظة الكشف المضيئة التي يمتاز بها "وحيد حامد" دوماً، فمن يدعون أنهم حكام الأرض ينكشفون بذعرهم وهلعهم أمام أنفسهم لدى أول مواجهة أمام شجاعة إنسان بسيط جعلوه منسياً، قد جاء لينتزع "غادة" هو نفسه البسيط الذي يكتشف قوته و شجاعته وإقدامه وبطولته لدى أول أمل يشع في قلبه وهو يدافع عن "غادة" فقد لجأت إليه واختارته دون غيره، رغم أن آخر ما طلبته غادة من المنسي يعود به إلى واقع القطارات بأن يساعدها في اللحاق بعربة أول قطار لتصبح من الفرص الماضية هي الأخرى..ولكنها فرصة أضاءت له الطريق وساعدته على المعرفة، فمن هي غادة؟ هي فرصة الثقة بالذات؟ أم اليقظة؟ أم المواجهة.. أم المعرفة ؟! فدائما كانت لغة المواجهات تمهد إلى الحل النهائي في أفلام وحيد حامد الذي حرض أبطاله على المواجهة.. فالمواجهة تضع "المنسي" أمام الحقيقة على الأقل، ليتخلى عن خوفه ويدافع عن الذات والهوه والتي تهزم النسيان ليقول "أنا هنا..أنا المنسي لم أعد منسياً "

أتذكر شخصية "حسن بهنسي" من فيلم" اللعب مع الكبار" الذي يشعر بكيانه رغم معاناته البطالة والفساد الإجتماعي، ليقرر اللعب مع الكبار والتعرف على نفسه" أنا حسن بهنسى بهلول.. أنا المسكين فى هذا الزمان.. أنا المحاط بالأوهام.. أنا الذى إذا جاع نام.. أنا المخدوع بالكلام.. " وكأن وحيد حامد لسبب شديد العمق أراد من جميع شخصياته أن تقف وقفة شجاعة واحدة بعد التعرض لعامل الصدمة كي تتعرف على نفسها وتتلمس ما يحق لها لأول مرة في حياتها، تكتشف ولو قيد أنمله حقوقها مثلما تكررت عليها الواجبات الإجبارية وسحقتها الحاجة.. "واجه " و"استقيظ" كلمتان يثيران انتفاضة ذاتية. وفي هيئة فيلم وسيناريو على طريقة المبدع، هكذا يتحدث الفن..!

 

سارة فؤاد شرارة / مصر

 

بشير خلفصرخةُ الأنوثة المجروحة

إن اعتماد سرْد الكاتبة على التجربة الذاتية، أو المسموعة لبنات جنسها يعدُّ مَعْلَماً مُهماً من معْالم خصائص السرد الروائي النسوي. إذ أن هذه الخاصيةَ معتمدةٌ في معظم روايات السرد النسائي باعتبارها تجربة لصيقة، أو قريبة جدًّا من الذات الساردة أولاً، وموضوعها يسهل تذكّره وسرده ثانيًا من طرفها، وهو تعبير عن هموم حقيقية معيشة بتفصيلات كثيرة تخدم الغرض السردي ثالثاً. كذلك فإن الحميمية في الوصف، والتحليل، والحوار تُعطي السّاردة فرصة لكي تُشكِّل شخصياتها، وأحداثها بطريقةٍ أقربَ. رواية "ما لم تحْكه شهر زاد القبيلة" للكاتبة، السّاردة الدكتورة فضيلة بوهليل تتضمّن الكثير من هموم الأنثى العربية، أينما تواجدت منذ أن ظهرت إلى الوجود القبيلة، وإذا كانت شهر زاد القبيلة حتى تاريخ اليوم لم تحك همومها ومعاناتها كاملة للرجل لأنه منْ أسّس القبيلة، وهو من أخرس شهر زاد، وخنق صوتها، وذبحها من الوريد إلى الوريد، ولا يزال؛ فإن الكثير مـمـّا لم تحكه شهر زاد القبيلة، والقليل مـمـّا حكته كان لبنات جنسها اللواتي يشتركن جميعا في مأساتهنّ الغير المنتهية، ولعلّ  الطالبة الجامعية "وفاء" التي تمكّنت من الانفلات من قيْد القبيلة، والرحيل نحو الشمال طالبة جامعية بمحمول ثقيل تئنّ به ممنوعات ثقافة القبيلة، وكذا مـمـّا رأته، وعايشته، وما سمعته في بيئتها الصحراوية الجنوبية جعلها تُسجّله شبه يوميٍّ في دفترها، كانت حلْمُ وفاء أن تتحرّر بالعلم، وأن تُحرّر نفسها من القبيلة، وقيودها بفرْض نفسها بالمعرفة، وبتبوّئ مكانة اجتماعية تمكّنها من فرْض نفسها، وأن تكون بمنأى عن سوْط القبيلة المادّي والمعنويّ، غير شبيهة بغيرها ك " جُمْعة" الضحية الأرملة الصغيرة، لكن حُكْم القبيلة الصّارم كان لها بالمرصاد، وقف لها صدًّا منيعًا أمامها في ارتباطها زوجة شرعية مع" حكيم" ابن منطقتها، ورفيقها في الجامعة الذي أحبّها، وأحبّته، لـــترحل فارّة إلى قسنطينة.

لئن قطعت "وفاء" أوقاتا ثمينة من لياليها، وحرمت نفسها من راحتها، ومن جلسات حميمية مع رفيقاتها في الغرفة لتدوّن معاناة" جُمْعة، وضاوية"، وغيرهما من سيّاط القبيلة ممثّلًا في حمواتهن؛ فإن" وفاء" كانت لا تدري أنها تدوّن مأساتها الآتية.

الـمتْنُ الروائي

رواية "ما لم تحكه شهر زاد القبيلة" للكاتبة القاصة، الروائية فضيلة بهيليل صدرت في النصف الثاني من سنة ألفين وعشرين عن دار المثقف، من الحجم المتوسط، في 87 صفحة. القارئ المتمعّن، الدّارس يُصدم من السطر الأول الذي يبدأ به النصّ، وهو مثلٌ شعبيٌّ مُتداول في منطقة كاتبة النصّ الروائي:" الله يدخّلها بالرّبْح علينا.. هاذي حمامة زايدة فينا"، الرواية المكونة من ثلاثة عشر لوحةً سردية تتموقع اللوحة الأولى بمثابة ركيزة أساسية فنية للنصّ تتكئ عليها باقي اللوحات؛ فممّا سمعته" جمعة" عندما وطأت قدماها عتبة بيت زوجها عروسًا بدأت تتشكّل أحداث الرواية، وتتحرّك شخصياتها في مجتمع تسيطر عليه الذكورة، والأنثى (مُشيّأة) مثل بقية الأشياء في البيت، وأحيانا الحيوانات أرفع مكانة منها. هذه القادمة الجديدة عروسًا هي دخيلة على مجتمع مغلق، يرفض فتْح مغاليق حِـــماه، ويمنع التزاوج من خارجه."...بينما حماتها اكتـــفت بالجلوس على عتبة الباب تتفرّس في وجه هذا الوافد الجديد إلى بيته ص:9"، الرؤيا السائدة، الراسخة أن زواج الأقارب داخل العرش، والقبيلة من دعائم الاستمرارية:" لن نذهب اليوم عند أهلك، أنا متعبة، وسأُخبر الحاج أحمد بذلك، لست مستعدّة للسفر مئات الكيلومترات؛ لا بارك الله في ابني، لم يجدْ غير بلادكم يتزوّج منها. ص:26"

حتى في شهر رمضان، شهر الرحمة، والتسامح لم يـمرّ بسلام، ولحظات ما قبل آذان المغرب، كان العنف، وكان شيطان الحماة يحرّكها:" وكما اعتادت "جمعة" في مثل هذا الوقت بدأت تُرتّبُ أواني الإفطار؛ إذْ بحماتها ترْمي دلاء الماء بالغُرف زاعمة أنها متّسخةٌ، بدا واضحًا استغراب جمعة؛ فالمغرب على وشك الآذان، وحتْمًا لن يكون هناك وقْتٌ لِما طلبت؛ اعتذرت، قالت إن عليها وضْع الأواني الآن، وستنظفها بعد الإفطار، ألحّت، وبدأ سيْل اللعنات: لـم تعلِّمْكِ والدتكِ شيئا، مثلكِ مثلها قليلات أصل.ص:41"

حتى فشل العريس ليلة الدخلة على عروسه، وعدم قدرته على ممارسة ذكورته، وفي عُرْف القبيلة ذاك الفشل عارٌ لا ينمحي لدى عائلته، وفي سجلّ القبيلة، يُلصق الأمر بشهر زاد العروس: «حملها أهلُها بحياء مطأطئي الرؤوس، كأنما قيامة الدنيا قد قامت عليهم، وهي من تحت الكيس، تُــصدر أصواتا خالطها البكاء، والقسم أن لا أحد قبل زوجها لـمس شعرة منها، ولكن من يسمع؟ وَضْعُ الكيس على رأسها قتْـــلُ كل ذرة كرامة لها، ولعائلتها. ص: 28»

"جمعة" التي أمضت طفولتها محبوبة داخل أسرة متماسكة، تحت حماية أم تحبها، وأب كان حلمه وهو يُدخلها المدرسة في بداية سنتها الأولى أن تغدو طبيبة في المستقبل تداوي أباها الذي سيفتخر بها أمام الجميع، جمعة ما كان هذا حلمها طوال سنوات قضتها متنقلة بين دراستها بالمتوسطة، ثم مدرّسةً لكتاب الله للبنات أيام العطل بإحدى المساجد. جزاؤها:" لـم تُـــعلِّمْكِ والدتكِ شيئا، مثلكِ مثلها قليلات أصلٍ."

الرواية تفضح الذكورة البطريركية

2152 فضيلة بهيليليقوم حجرُ الأساس في النظام الأبوي المتجذّر من نظام العشيرة على هيمنة الذكر على الأنثى واستعبادها، واضطهادها، ونفْي وجودها الاجتماعي، وكينونتها الإنسانية؛ مجتمع أبوي يسيطر فيه الرجل على المرأة لأنها في قناعته أقل درجة منه، مـمّا كوّن عنده ذهنية ذكورية ذات نزعة تسلطية ترفض النقد والحوار، وتعاقِبُ كلّ منْ يخرج على هذا النظام الأبوي؛ فهيمنة الأبوية الذكورية، وكبح التطلعات النسوية، وحجب المرأة عن ميدان الفعل العام، أو إعاقتها بدواع اجتماعية، أو دينية، ناهيك عن الدور النمطي للمرأة في المجتمع. نجد الظاهرة متواجدة بالرواية في أكثر من موضعٍ، ولعلّ أغربها لـمّا تكون مُترسِّخة لدى طلّاب الجامعة، أغلبهم يحملون نظْرتين لشهر زاد متعاكستيْن: نظرة متفتّحة، متحرّرة حميمية للأنثى الطالبة لمّا تكون صديقة، حبيبة، ونظرة ذكورية أبوية لـمـّا تسعى إلى إثبات ذاتها، وممارسة إنسانيتها، أو مشاركة الرجل حتى في رحلة سياحية، فكثيرا ما يُهمَل حقُّها، ونصيبها:

«..في صبيحة اليوم الموالي كانت وفاء وحنان آخر منْ سمع بـخبر إقلاع الحافلة الطلابية، قبل الموعد الذي حُدِّد لها بالأمس. حزنت حنان، وذرفت وفاء دمعة حقْدٍ على المنظّمة التي أخلفت بالموعد، وضاع معها الحلم. ص: 17»..« نعم كريم وصلنا لمكان تجمّع طُلّاب الرحلة، فوجدناهم غادروا قبل الموعد بساعة تقريبا، سمعتُ من إحداهنّ أنهم أخذوا أيضا أصدقاءهم الذين لم تشملهم القرعة.ص:18»

شهر زاد الـمُعنّفة.. شهريار المكلوم

ليس من حقّ شهر زاد ولوج فضاءات الراحة، والتمتع بجمال الطبيعة، والجلسات الحميمية في العلن أمام الجميع، أو المناقشة، والتذاكر مع الصديق، أو الحبيب: « وبدون مقدِّمات وقف أمامهم رجلٌ مُلْتحٍ احمرّت عيناه من الغضب، يسُبُّ ويشتم، ويلعن، ولم يتوقّفْ حتى بعد خروجهم من ذلك العالم الخيالي الجميل.ص:32».. أمام صُراخ العجوز، وبكاء بناتها اللواتي أحطْن بها ومع دهشة "جمعة" لابتكار المشهد (من الأم الحماة)، كان زوجها(جمعة) قد وصل مسرعًا بعد ما سمع صراخ والدته من الشارع، لم يشعر إلّا وكفّه ترتسم على خدّها(جمعة) في حركة ساد بعدها صمْتٌ رهيبٌ.ص:27»..

«..شيء ما انكسر داخلها تلك اللحظة، وهوى من مكان سحيقٍ؛ كيف نسيت لأيّام أنها متزوّجة، وأنها تركت خلْفها رجلًا تـمنّته، وتـمنّاها، فما عادا يريان إلَّا خنجرًا واحدًا يذبحهما.ص:38 »

ثنائية المعاناة نفسها بين أوتاد خيمة القبيلة في الجنوب، وأوتاد الذكورة الطلابية في الجامعة، فشهر زاد لـمُتعة الفراش، والإنجاب، وإدارة شؤون البيت تحت سلطة قهْر القبيلة، والحماة، أو هي فاكهة مأدبة الطلاب في الإقامة الجامعية، أو الشباب الطائش خارج أسوار الإقامة :«..أو أصوات لشبّان يتحدثون من الشارع مع فتيات الإقامة ككلّ ليلة يرقصون على أنغام أحزانهم، وجراحاتهم....ليُختم المشهد كالعادة بتبادل الشتائم، والسّباب بينهم وبين فتيات الإقامة. ص: 12،13»

العنف لم يتوقف عند شهر زاد؛ بل تعدّى إلى من يرتبط بها بحياة المودّة، والرباط الزوجي: «توجّه الزوج عند أمه، أشاحت بوجهها عنه، لم تكلِّمْه، نطقت أخته الكبرى:" الله لا يربحك.. لا أنت، ولا زوجتك، لم تُحضر لنا سوى الهمّ ووجع الرأس" ص: 42 »..«محمد لا يعرف ما يقول، يطأطئ رأسه في ذهول، يـنْسلّ في خجل تاركًا لعنات والدته التي نطقت بعد خروجه لم يسمع منها سوى تهديدات تقول إنها ستتبرّأُ منه إنْ أبقاها على ذمّته، ولن يُصبح ابنها أبدًا؛ كلمات ارتجف لها كيّانه، وسوّدت له كلّ ما كان أمامه. ص: 42»

قبل أن يعلّق الحبلَ على جذْع النخلة التي رافقتهما مستندين إلى جذعها تناجيه ويناجيها تراءت له "جمعة" عروسًا تُزفُّ إليه، تحضنه بزهو، تقبّله، وجهها الباسم، تهمس على ضوء القمر الصيفي، لتتراءى له أوّل منْ رأت عيناه، منْ رعتْ طفولته، منْ أنشأته، وأرضعته، والجنة تحت أقدامها، بين الصورتيْن اللتين أخذتا تتضبّبان باشتداد الحبل على رقبته مغادرا الحياة تاركًا الأولى أرملة في ريعان الشباب، الثانية عجوزا مشلولة.

الرواية طافحة بقيود القبيلة، وممارسة العنف تجاه شهر زاد، بل حتى تجاه شهريار: تنفيذ الأوامر دون نقاش، إرغام الابن على التطليق، انفراد الحماة بمفاتيح بيت المؤونة، حرمان زوجة الابن من مواد التغذية، التزويج المبكر للأنثى وهي طفلة للشيخ الهرم، الترمّل المبكّر، البراءة المحرومة من مباهج الطفولة، لعنة القبيلة المشؤومة تلاحق شهر زاد: « بيت الحاج أحمد، يا حصره لـمّا كان بمقامه، من يوم دخلتْــه كنّتُـــهم "جمعة" لم يروْا خيرًا؛ لا بارك الله في الكنائن، ولا في طلّتهم. ص: 87»

الحوار

الحوار جزْء أساسيٌّ من تقنيات الرواية، ويُــفترض وفق ما يقوله النُّقّاد المتخصصون أن يشكِّل  ثلاثين بالمائة من فضاء الرواية. في هذه الرواية الحوار مُقِلٌّ؛ فالحوار ضروري لتعميق الشخصيات، ويكشف أسرارها، ومساراتها، وتفاعلاتها البينية، ويعبر عن الآراء التي لا يمكن للسرد أن يبوح بها، ويمكّن القارئ من التنوع في قراءة الحكي السّردي، والولوج إلى دواخل الشخصيات. ربـما قلّة الحوار في الرواية، تأتّى من قيود القبيلة التي كبّلت أغلب شخصيات رواية" ما لم تحكه شهر زاد القبيلة" من العيش الهنيء، وما يتبع ذلك من احترام وتقدير، وتثمين للأدوار، وتبادل للآراء، وتسيير سليم للأفراد، والأُسر والجماعات.

الصّياغة الفنية

الرواية محكمة البناء؛ مبدعة النص الدكتورة فضيلة بهيليل تمرّست في إبداع النصوص السردية، فلئن كانت هذه الرواية الباكورة الأولى لها؛ فقد سبق وأن أصدرت مجموعتيْن قصصيتيْن: "على هامش صفحة2017"، "وعادت بـخُـــفّي حنين2019"، إضافة إلى أنها أستاذة جامعية تُدرّس الأدب، مـمّا ساعدها، ويساعدها على أنّ تتميّز نصوصها بنكهة جاذبة في فنّ الحكي، وتقنيات السّرد الروائي، وحُسن توظيف اللغة وسلامتها، وجمالية الحوار الموظف بدقّة (مع قلّته)؛ والوصف الرّائق الذي تألّق في كثير المواضع من النصّ: «..وباستنشاق عطور رجالية امتزجت بروائح نسوة، وبـخور تصاعد نشوةً في ذلك الليل الـمُضيئة نجومُه فرحًا، وزهوةً.»،« أشجار تصطفّ داخل مساحات اتّخذت أشكالًا هندسية مختلفة: دوائر، مربعات، معينات،؛ وبالجهة المقابلة للبوّبة كراسي إسمنتية صُمِّمت على شكل أنصاف أقواسٍ مشدودة بأعمدة حديدية على الأرض.»؛ لـم تخْلُ الرواية من الشعرية التي وشّحت بها فضيلة النصّ هنا، وهناك:« لا أروع من رؤية حبيب يدقّ قلْب الفرح صباحًا فقط ليهديك قبلة، وشوْقًا كقطْر الندى يُــبلِّل قلبك بالرغبة في حُبّ شخْصٍ يستحقُّ. ص:39 »، « ..تلمحه كحلم فيشيح بوجهه عنها، كأنْ لم يرها تُبْصره من تلك الفتحة النديّة بماء الجرّة الموضوعة عليها، يراودها حنينٌ خفيٌّ. ص: 70 »،« هي المرأة الوحيدة بعالمه، عانقتْ جنونَه فضمّ صبْرها إليه، فرح بها  كما لم يفعلْ من قبل، شغفته حبًّا. ص: 73 »

نصٌّ روائيٌّ ماتعٌ جدير بالقراءة أبدعه صوتٌ نسائي جزائريٌّ قادمٌ من الجنوب الغربي يمتلك من المواهب، والقدرات ما يؤهله كي يكون ضمْن الصدارة في الأدب الجزائري المعاصر.

 

بقلم: بشير خلف

كاتب من الجزائر

 

يسري عبد الغنيبالطبع سوف يأتي نفر من الناس يحتج ويولول قائلاً: هل تصنفون أدب الأستاذ / إحسان عبد القدوس أو أكثره في الأدب الهادف؟، وبعيدًا عن الدخول في مجادلات أو مناقشات بيزنطية فارغة مع هؤلاء الذين يرفضون كل الرفض اعتبار إبداعات أستاذنا / إحسان عبد القدوس ضمن الأدب الهادف أو الأدب التعليمي، نحب أن نقول:

1 - إن الكاتب الكبير كثيرًا ما يضفي على دروسه ظلالاً، ويغلفها بزينة وزخرفة تخفي هدفه النبيل، ويضيع في زحامها وأصباغها ما أراده من تنوير وتهذيب وتعليم، بل ربما أدت إلى عكس ما أراد، ففتن القراء بالزخرف والقشور، وغاب اللباب عنها .

2 ـ إن الأستاذ / إحسان قد يشتط في بعض الأحايين، وينادي بقيم، ويدعو إلى تقاليد قد لا تتفق مع بعض الأعراف الاجتماعية، بل قد يراها بعض المحافظين متنافية مع الخلق القويم، ويراها الأكثر تشددًا وتزمتًا أنها تتعارض مع مبادئ الدين، وكل ذلك تحت شعار التحرر من التقاليد البالية، وضرورة مسايرة التقدم والتطور، والأخذ بالمدنية والتحضر .

كل ذلك صحيح، ولكن قراءاتي المتواضعة لمعظم إنتاج أستاذنا أوصلتني إلى تفسير أرجو أن يكون صائبًا:

لقد رفع الكاتب الجليل في كل إنتاجه، روايات وقصص ومقالات، رفع راية الحرية، والانطلاق من كل قيد يعيق مسيرة التطور والتقدم والتحضر والتنمية، وهدم كل قديم يجرنا إلى الوراء .

وليس ذلك لمجرد الهدم، ولا هو دعوة للإباحية كما يقول أصحاب العقول الحجرية، أو هو خروج عن الأخلاق القويمة أو الدين الحنيف أو الأعراف السليمة، لا أعتقد ولا أظن، فذلك لا يتفق على وجه الإطلاق مع الحس الوطني الحار الصادق الذي كان يتمتع به أستاذنا الكبير .

لقد تطلع إلى هدف نبيل عظيم، هو محاولة تحرير العقل العربي تمامًا وبكل وسيلة، بطرد القديم كله صالحًا وطالحًا، بزلزلة الثابت من الأعراف والعادات والتقاليد، بإظهار التأييد لما يسمى إباحيًا ولا أخلاقيًا، حتى يستيقظ الجميع من سباتهم العميق، ويندهشوا وينزعجوا ويفكروا جيدًا، ويتم الهدم كاملاً، ثم نبدأ بعد ذلك، وبعد أن نزيل الأنقاض، بناءًا جديدًا لقيم وأخلاق وأعراف جديدة صحيحة تدفعنا دائمًا وأبدًا على الأمام.

وقد ذهبت إلى هذا التفسير من تردد الكاتب في هذه المجموعة بين إدانة الخيانة، وبين تبريرها، أو تركها بدون تعليق، تردده بين أظهار الندم من أبطاله على سوء السلوك والاعتراف بالخطأ، وبين اللامبالاة والتبجح، بين الحديث عن الدين والأخلاق باحترام وقدسية، وبين الاندفاع لما يشبه الإباحية .

إن هذا التردد من الكاتب أو من شخصيات أقاصيصه تكشف لنا أنه لم ينضم إلى أحد الجانبين، لم يحسم رأيه بتأييد هذا ولا ذاك، وإنما هو مشغول بقضية أخرى، غير تحديد الموقف وإبداء الرأي، هو مشغول بالهدم وإزاحة الأنقاض، كي يبدأ البناء الجديد المتين آذي لا يعرف الغش أو الخداع أو النفاق .

وختامًا لهذه المقالة النقدية: نريد أن نطرح سؤلاً وهو: هل كان الأستاذ / إحسان عبد القدوس صحافيًا جذبته القصة؟، أم كان قصاصًا أغرته الصحافة؟

مما لا ريب فيه أن في الأستاذ من القاصين خياله المجنح المبدع المحلق، والقدرة الإبداعية على رسم الشخصيات وخلق المواقف وتصوير الأحداث، ثم الإثارة والتشويق، وفيه من الصحافي أسلوب السرد والإخبار وكثرة الإنتاج والشهوة للكتابة في كل الموضوعات بلا انتقاء أو اختيار، ثم الاهتمام بالجماهير التي تحتاج من الجميع كل اهتمام وتقدير ومساعدة، أكبر الظن أنه ـ قبل هذا وذاك ـ كان مصلحًا اجتماعيًا بمعنى الكلمة، مصلحًا يسعى إلى هدفه بوسيلتي الصحافة والقصة معًا، إنه دون شك وطني غيور، يحب وطنه ومواطنيه، ويحفزه الحب إلى إصلاح أحوالهم بشتى الطرق، وفي محاولات دائبة لا تكل ولا تمل، ومن شأن العمل المستمر الدائب أن تكون لصاحبه هفوات، ولا ضير في ذلك، فالتجربة والخطأ أفضل ألف مرة من الركود والخمول والسلبية والثرثرة الفارغة الجاهلة التي تؤخر بلادنا ولا تجعلها تتقدم .

لقد كان كاتبنا الكبير / إحسان عبد القدوس (رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جنانه جزاءًا وفاقًا لما قدمه للفكر والأدب) رائدًا في إبداعاته، وسيظل هكذا دائمًا إلى يوم أن يرث الله الأرض ومن عليها .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

حسني التهامييكتبُ بعضٌ من المبدعينَ في عالمِنا العربيِ قصيدةَ التانكا دونَ درايةٍ بخصائِصِها وجمالياتِها، ولا يكادونَ يعرفونَ عن هذا الفنِ سوى إنهُ نصٌ مُكونٌ من خمسةِ أبيات. لذا حاولتُ البحثَ في مصادرَ عِدةٍ كي أقفَ على ما كُتِب عنْ هذا الفن، وآملُ - من خلالِ هذه الورقةِ - أن أُقدمَ شيئاً ذا نفعٍ وقيمة. لا شك فقد سَلطتْ بعض المنتدياتِ الأدبية المختصةِ في الهايكو الضوءَ على خصائصِه وجمالياتِه من خلال مقالاتٍ وسجالاتٍ ونقاشات نقدية، نتج عنها نصوصٌ اتسمت بالجمال والتفردِ. ولا زالت قصيدة الهايكو العربية ونظائرها من السنريو والتانكا والهايبون إلى مزيد من الأقلام المُبدعةِ التي تهدفُ إلى تأْصيلِ قصيدة الهايكو  وتقديمها إلى الذائقةِ العربية.

تعريف التانكا:

نصُ التانكا أحدُ أشكالِ الواكا waka، وهي أغنيةٌ يابانيةٌ قصيرةٌ، تُعد من أقدمِ الأَنواعِ الشِعْريةِ اليابانيةِ. نشأتْ التانكا في القرْن السابع، وسُرعانَ ما أصبحتْ الشكلَ المُفضلَ في البلاط الإمبراطوري الياباني، حيث تنافسَ النُبلاءُ في كتابتِها، ثمَ انتقلتْ إلى عامةِ الناس وكُتبتْ كنوعٍ من التغزل. كان قِصرُ التانكا ومدى ملاءَمَتِها للتعبير العاطفي عاملينِ مِثاليَينِ لرَواجِها وحب الناس لها.

شكل التانكا:

تتكونُ قصيدةُ التانكا على الأغلبِ من واحدٍ وثلاثين مقطعًا صوتيًا، (5/7/5/7/7)، مكتوبةً تقليديًا في سطر واحد غير متقطع. يُمكن أن يتجاوزَ النص في عدد مقاطعِهِ المتعارفِ عليها على سبيل المثال، (5-7-5-8-7) ؛ وهذا يسمى ji-  amari أو ربما يقل ( 5-7-5-7-6)؛ وهذا ما يسمى ji-tarazu. .هناك نصوصٌ تحتوي على مقاطعَ أقلَ،

( 5-7-5-9-5 و8-4-5-7-7) لكن الشكلَ السائد هو الذي يحتوي على 31 مقطعاً صوتياً.

تُشبه التانكا السوناتا، من حيثُ كونِهما نَصَّيْنِ غِنائيينِ يَخْضعانِ للضوابطِ الموسيقيةِ، كما يهتمان بالمعالجةِ الموضوعِية من خلالِ الصورةِ الشعريةِ التي تعمق النص وتثري المعاني. أيضا كالسوناتة، تَسْتخدمُ التانكا ما يُعرف بالصورةِ المحوريةِ التي تعني بالانْتقالَ من عرضِ المشهد أو الحدث إلى الالتفاتِ لذاتِ الشاعرِ. في السوناتا يكونُ هناكَ مزيجٌ من التناغمِ الصوتي بين الأربعةَ عشرَ بيتاً. تلك الأبيات مؤلفة "من تشْكيلٍ ثُماني وسُداسي، ولهذا التقسيمِ بُعدٌ نَغَميٌ مميّزٌ فضلا عن كونِه يُكسِبُ القصيدةَ تناسقا و تجانساً بين الأصوات التي تتردّدُ في ثنايا البيْتِ الشِعري الواحد."(*) في الثمانيةِ مقاطع الأولى دفقاتٌ شُعوريةٌ عاليةٌ تتسمُ بالتوترِ، بينما تخفتُ حِدةُ هذا التَوترِ وتقلُ الشُحنةُ الشُعوريةُ في المقاطعِ الستةِ الأخيرةِ، في التانكا يقعُ هذا المنعطفُ في السطرِ الثالثِ، الذي يرْبطُ بين الثلاثة أبيات الأولى  (kami-no-ku)و البيتين الأخيرين ( shimo-no-ku)

في بعضِ الأحيانِ يتمُ فصلُ "الأبياتِ الثلاثةِ الأولى التي غالبا ما تأخذ شكل الهايكو عن البيْتينِ الأخيرين. يُشيرُ الدورانُ من الأعلى إلى الأسفل إلى حُدوث تحولٍ أو توسُعٍ في فكرةِ النصِ، وهذا أيضاً ما يُقاربُ التانكا مع السوناتة. يُعدُ هذا الفصلُ  استراحة تأملية وتَحَولاً في السَرْدِ والحالةِ المزاجيةِ.

التانكا والهايكو:

تشْتَملُ التانكا على قواعدَ أقلَ من الهايكو، في الجدول التالي أدرج أوجه التمايز بينهما في الشكل والموضوع:

الهايكو: يتكون من بيت واحد مكون من سبعة عشر مقطعا موزعة على ثلاث شطرات

التانكا: تشتمل التانكا على بيت واحد مؤلف من إحدى وثلاثين مقطعا صوتيا على خمسة أسطر على الأغلب

الهايكو: تتوَفرُ خاصيتا الكيغو (الموسمية) والتنحي (الموضوعية)

التانكا: يكونُ النصُ أكثرَ انفتاحًا؛ هُناك َفسحةٌ للتعبير عن ذاتية الشاعر

الهايكو: يبتعد الهايكو عن اللغة المجازية، لأنها تذهب بالبساطة التي هو جوهر الهايكو

التانكا: يُسمحُ للشاعرِ استخدامُ المَجازِ الصَرِيحِ      

الهايكو: يتجنبُ الهايكو التعبيرَ عن المشاعرِ والأحاسيسِ المُباشرةِ، أو يُخفيها عبرَ صُورٍ حِسيةٍ ملموسةٍ من الطبيعة (الهايكو الكلاسيكي) أو من تفاصيل الحياة اليومية والواقع (الهايكو الحداثي) ويبتعدُ عن الخيالِ الشعريِ الذي يحتوي على الاستعارةِ والتشبيه

التانكا: تنشأُ المشاعرُ التي تتنامى في نصِ التانكا من الذاتِ الشاعرةِ و من العلاقاتِ الإنسانيةِ بكل تشابكاتِها وتعقيداتِها مع الآخرِ، أو مع الأشياءِ التي تُحيطُ بهذهِ الذَاتِ وتتفاعلُ معه   

موضوعات التانكا:

كانتْ التانكا قديماً تتناولُ عددًا محدودًا من الموضوعاتِ، كالحُبِ والتِرْحَالِ والمَوتِ، بينما تعالجُ التانكا المُعاصرة مجموعةً واسعةً من الموضوعاتِ كالقضايا الذاتيةِ والاجتماعيةِ، إلى جانبِ النماذج القديمة.

(أ) الأنا الذاتية:

في التانكا المعاصرة غالباً ما تكونُ "الأنا"ً هي الموضوع الخفي؛ تتخللُ حياةُ الشاعرِ الخاصةُ ُثنايا النص. يعودُ تاريخُ "الأنا" إلى مدرسةِ أراراجي، حتى فترة التسعينياتِ من القرن التاسعِ عشر، وهي الفترةُ التي بُذلت فيها جهودٌ كبيرةٌ لـ"تحديث" الشعر الياباني. في الخمسيناتِ، خلالَ ذُروةِ حركةِ ما يُسمى طليعةُ التانكا،كانت "الأنا" دارجةً،حيثُ تغنى بعضُ الشعراءِ "بالذاتِ" في آفاقٍ شعريةٍ جديدة. في ذاتِ الوقتِ ابتعدَ شعراءٌ آخرونَ عن تناول الذات أو الحياة الخاصة، وكان شعرهم انعكاسا للقضايا الاجتماعية السائدة. على الرَغْمِ من ذلك،ظلتِ "الأنا" بلا شك الموضوعَ الأهمَ في التانكا:

كل ّواحدٍ منا

حافظةُ أسًى

رأسي يتدلى، وعقلي

هائمٌ في قطار اللّيل

(هيروهيكو أوكانو 1924)

(ب) أحداث الواقع:

في النص التالي يُصورُ الشاعرُ حدثاً من الواقعِ الحياتيِ الذي يُصادفهُ ويُثير في داخلِه مشاعرَ الحزن والأسى:

حادثٌ مدوٍ

يتبَعُه صمتٌ مطْبقٌ

قبلَ عويلِ صافراتِ الإنذار

يُرجِّعون أغنيتَهم المُفْجعةَ

فيما يَشْرئِبُ الموت.

ليس مُسْتغْرباً أن تجدَ الموتَ موضوعاً أساسياً في كثير من النُصوصِ، فقضيةُ الموت تقليديةٌ حتى في الأشكالِ الشعريةِ الأُخرى، لكنها شائعةٌ في التانكا، لارتباطِها الوثيقِ بالمشاعرِ والمواقفِ الإنسانيةِ والاجتماعية في الأساس. في النصِ أعلاهُ يُخيمُ الموتُ بأوجاعِه، وينْشرُ الذُهولَ والصمتَ المُطبَق على الوُجوه.

(ب) الطبيعةُ والموسميةُ:

أسْودُ كالليلِ، فوجي-

الجبالُ ترتفع عند البزوغ

حالما تظهرُ الشمسُ

يعودُ السلام بعد العاصفةِ

الجميعُ متأهبون لليوم الجديد

في هذا النص لـ"نيل لاورينس" تظهرُ المَوْسميةُ الخافتةُ غيرُ المباشرةِ في عبارة "بعد العاصفة" التي ترمزُ لفصلِ الشتاء. يتأهب الناس وينشطونَ عند جبلِ فوجي، وهو أعلى قمةٍ في اليابانِ بعد بزوغِ الشمسِ وهدوءِ العواصفِ في الليل. نلحظ هنا أن مشهديةُ النصِ وتوفر الكيغو، الكلمةُ الفصليةُ جعلا النصَ أقربَ إلى الهايكو، لكن تفاصيلَ المشهدِ بشكلِه المُمتدِ في خمسةِ أبياتٍ إلى جانبِ تحولِ الشاعرِ من رسمِ صورةِ الطبيعيةِ في الثلاثة أسطر الأولى إلى التفاصيل الإنسانية جعل منه نص تانكا خالصاً.

نوردُ نصاً آخر يتخذُ من الطبيعةِ موضوعاً حياً يُصورُ من خلالهِ تغيرَ الفصول :

ورقةُ الخريفِ

تركت الغُصنَ

في تنهدٍ هامسٍ

وهبطتْ مُذعِنةً،

لتلقى حتفها.

(ج) الحُبُ والعاطفة:

كما هو الحالُ في أشكالِ الشعرِ العربيِ التي تَكْتظُ بمشاعرِ الحُزْنِ والعاطفةِ، نجدُ نصَ التانكا اليابانيَ يُعالجُ مِثْلَ هذه الأحاسيسِ والمَشاعرِ المُرتبطةِ بالذاتِ الإنسانية، لذا نجدُ الكثيرَ من النماذجِ الشعرية اليابانيةِ التي تُعبرُ عنْ لوْعةَ الشَوْقِ ومرارةِ الهجرِ. هُناكَ أيضاً العديدُ من النصوصِ التي صورتْ لحظاتٍ خاصةً من الإِلْهامِ أو الشعورِ المُفعم بالنشوةِ أو الغُموض. واستُخدمتِ التانكا قديماً كنْوعٍ من الصلواتِ أو "الحديثِ مع الآلهة". إذا افترضْنَا أنَ الشعرَ فيما مضى جاءَ على شكلِ أغانٍ أو صلواتٍ إلى الآلهةِ، كذلك كان حال التانكا، لكنها تَحولتِ بعد ذلك إلى مخاطبةِ الحُكامِ كدليلٍ على الوفاءِ والإخلاصِ لَهُم، ثم أخيرا تناقلهَا العُشاق.

هناك نصانِ يُصورانِ موضوعَ الحُبِ وما يتبَعهُ من مشاعر:

وددتُ لو كنتُ لصيقاً بك كما تلتصقُ التنورةُ المبتلةُ بجسدِ الفتاةِ التي تجمعُ المِلح فأنا لا أكفُ عن التفكيرِ فيك. آكاهيتو

...

لن أُسَرِّحَ شَعْري هذا الصباح فقد أتخذُ من يدِ حبيبتي وسادةً له طوالَ الليل.(**) هيتومارو

تفضلُ "جين روشهولد" التانكا التي تُعبرُ عن أعمقِ المشاعرِ حين تقول " بغضِ النظرِ عن ماهيتِها. لأنَهُ من خلالِ قصائدكَ،يُمكنُ للناسِ رؤيةُ رُوحِكَ. تسمحُ التانكا لأعماقِ شخصِكَ الداخلي بالتَألُق"

لحظةُ التانكا:

إذا كانَ المشهدُ آنيا في الهايكو عبرَ التقاطةٍ عابرةٍ، على الأغلبِ في زمنِ المضارعِ، فإن التانكا تتحررُ من هذه الخاصيةِ، حيثُ يمكنُها تناولَ لحظةٍ ماضيةٍ أو مستقبليةٍ، وهذا ما يحدثُ نادراً في الهايكو، أحياناً نجدُ بعضَ نصوصِ الهايكو مُشْتملةً على زمنِ الماضي أو المستقبلِ، لكن بنظرةِ تأمليةٍ نجدُ أن السياقَ العامَ للقصيدةِ يكونُ في الزمنِ المُضارعِ. في التانكا يُمكنُ للشاعر أن يتناولَ الثلاثةَ أزمنةٍ، ربما يستطيعُ الجمعَ بينَهم في نصٍ واحدٍ، طالما أن هناكَ نقلاتٍ شعوريةً بين الثلاثةِ أسطرِ الأولى وبينَ السطرينِ الأخيرين. يمكن للشاعرِ كتابةُ كلٍ من الهايكو والتانكا حَوْلَ الذكرياتِ (عندما تفكر في ذلك ، فكلُ حدثٍ يتمُ وصفُه في الهايكو هو ذاكرةٌ لمشهدٍ ما، نظرًا لأن لحظةَ حدوثِه في الماضي)، لكن عادةً ما يستعرضُ الهايكو حَدثًا تَمَ بالفِعْلِ،كما لو أنهُ يَحْدُثُ الآن. في واحدةٍ من أهمِ المقالاتِ المتعلقةِ بالهايكو لـشينشو أستاذِ الأدبِ اليابانيِ بجامعة كولومبيا، هارو شيران بعنوان: ما بعد لحظة الهايكو (باشو ، بوسون وأساطير الهايكو الحديث) يقولُ:

طريقة كتابة التانكا:

لكتابةِ التانكا طريقةٌ أعجبتني كثيراً وهي التي انتهجَها اليابانيون. من خلالها يُمكنُ للشاعرِ كتابةُ الثلاثةَ أسطرٍ الأولى على نمطِ قصيدةِ الهايكو التي تَتناولُ مشهداً من الطبيعةِ، ثم يُختتمُ النصُ بسطرينِ إضافيينِ يتناولان تجربةً إنسانيةً بشكلٍ مجازيٍ أو رمزي . لا يُعدُ الهايكو الافتتاحي أو استخدامُ خطٍ محوريٍ أمرًا ضروريًا في التانكا بشكل عام. على الرغمِ من أن هذا الشكلَ غيرُ إلزاميٍ، إلا أنه يحمل جمالا وفنية عالية.

سحابةٌ ثلجيةٌ قصيرةٌ

عندما تضربُ الفأسُ شجرةَ البلوط

ضربةً مُذهلةً

بعدَ تشخيصِه

لا يمكنني سماعَ صوتِ الطبيب

تتوفرُ في الأسطرِ الثلاثةِ الأولى خصائص الهايكو الكلاسيكي الذي يَصفُ الطبيعةَ، لا نكاد نرى ملْمَحاً إنسانياً إلا في السطرينِ الأخيرين. تعتبر العبارة المحورية "ضربة مذهلة" رابطاً بينَ النصَّيْنِ، حيث لها وقعٌ على كلٍ من شجرةِ البلوطِ وعلى الشاعرِ المريضِ ، حين سمعَ تشخيصَ الطبيبِ لحالتهِ، لم يعدْ يسمعُ صوتَهُ.

من مختاراتِ الإمبراطورية اليابانية The Kokinshu ،التي نُشرت عام 905 بعد الميلاد ،كتبَ هذا النصَ شاعرٌ غيرُ مَعْروفٍ، مما يدل على أنه يحمل العبق النسائي:

لو أن هناك بذرة

سوف ينبت الصنوبر

حتى بين الصخور

 

لو أني عشقتُ ولا أزالُ

ألا نلتقي يوما ما؟

هذا المثال يبينُ الطريقةَ التي انْتهجَها اليابانيون في تناولِهم للطبيعةِ في التانكا. ابتدأتْ الشاعرةُ كلا المَشْهدينِ بنفسِ الكلمةِ "لو" لتُحدثَ نوعاً من التناغمِ الموسيقي. استخدمتْ عبارةَ "بينَ الصخور" التي تَصِفُ طبيعةَ الأرضِ التي تَسْقطُ عليها البذورُ وتنمو عليها، في ذاتِ الوقتِ تُوحي كلمةُ "الحجارة" بمدى وعورةِ طريقِ العُشاق والآلامِ التي يلاقونَها، كي ينالوا لذةَ الوِصالِ ونعيمَ اللقاء. يُطْلَقُ على مثلِ هذهِ العبارةِ "المحور "، لأنها تُمثِلُ نقطةَ تحولٍ في النصِ من مَوْضوعٍ لآخرَ.

اعتمدَ هذا النمطَ الياباني التقليديَ الكثيرُ من الشعراء في العالم، أحدُهم جيرارد جون كونفورتي،من مدينة نيويورك، مضى على هذا النسق في ديوانهِ "الآن بعد أن ينتهي الليل" (1996)ِ:

هذه الليلةُ الشتويةُ الباردةُ

يتشبثُ الثلجُ بأغصانِ الشجرةِ

في ضوءِ القمرِ الشاحبِ

قبلاتُ شفاهِك الناعمةِ

تشعلُ قلبي المُوجَع

تنتقلُ قصيدةُ كونفورتي من أغصانِ الأشجارِ المُغطاةِ بالثلوجِ إلى التعبيرِ عن المشاعرِ المُباشرةِ عبرَ تصويرِ القُبلات.

وغالباً ما يُحاك هذا التغييرُ والانتقالُ بدقةٍ وفنيةٍ عاليةٍ على حسبِ قدرةِ الشاعرِ وبراعتهِ. في بعضِ الأحيانِ يكونُ المِحْورُ، إذا تحققَ ، مخفيًا بحنكةٍ وذكاء، كما في نص السيدة ايسي، في القرن العاشر :

كما لو جسدي

هذهِ الحقولُ التي أحرقَها الشتاءُ

رغمَ احتراقي

يمكنُني أن أصبوَّ

إلى ربيعٍ قادم

هنا يحترقُ كلُ من جسدِ الشاعرةِ وحقولِ الشتاء، لكنَ ليست تلك مشكلتها الحقيقية. إنها تشعرُ بالأسفِ لفقدانِ الأملِ في الربيعِ / الحبِ / الثمارِ والحياةِ، وهو أمرٌ كئيبٌ للغايةِ عندما ترى الحريقَ يَطالُ الحقولَ التي أحبتها. هُنا نستشفُ "المحورُ" في انتقالِ الحريقِ من الحقولِ إلى الجَسَدِ.

على الرغمِ من أن كثيراً من المبدعينَ، عند كتابةِ التانكا، يَنْسونَ هذه التقنيةَ أو يتجاهلُونَها، إلا أنها تُعد جانبًا مهمًا للغاية، لأنها الطريقةُ التي تملأُ النصَ ثراء وتنوعا، إذْ يتوسعُ الشاعرُ من خلالِ تِقْنيةِ "المحور" في المعاني والصورِ والرَبْطِ بينها. في النصِ أعلاهُ كان الربْطُ والتماهي بين حالةِ الحُقولِ وجَسَدِ المَرْأةِ مُذْهلاً ومتناسقاً، لا يُمكنُ للقارئِ عند قراءتِه أن يُهملَ أو يَتجاهَلَ تلكَ المشاعرَ المُنبثقةَ منْ هذهِ العلاقةِ.

نماذج من شعر التانكا:

(1)

تاكوبوكو إيشيكاوا

ولد تاكوبوكو إيشيكاوا عام 882، في محافظة أيوات في اليابان. تركَ الحياةَ الدراسيةَ في السادسةَ عشرَ من عمره، وبدأ كتابةَ الشعرِ، وُصفَ بأنه سيدُ التانكا. نشرَ مَجْموعتَه الشعرية الأولى في التاسعةَ عشر. انتقلَ إلى طوكيو في عام 1908 ليُصبحَ جزءًا من المشهدِ الأدبيِ الصَاخبِ. تُوفي تاكوبو إيشيكاوا في رَيعانِ شبابِه في الثلاثينَ من عمرِه، مريضاً بالسُل.

ماءُ الدلو

انسكبَ ،

قطرةً قطرةً

يتقاطرُ الندى مثلَ اللؤلؤِ

من زهورِ الخريف

(2)

تادا شيماكو

وُلدتْ تادا شيماكو عام 1930في فوكوكا باليابان. قضتْ مُعْظمَ طفولتِها في طوكيو، في خِضمِ الحربِ العالميةِ الثانية. تخرجتْ من جامعةِ طوكيو النسائيةِ المسيحية، حيثُ درستِ الأدبَ الفرنسي، ثم انتقلتْ إلى جامعةِ كيو لتُواصلَ دراسةَ الأدب. نالَ شعرُها استحسانَ كثيرٍ من النقادِ، بما في ذلك الهايكو والتانكا:

الماءُ الساخنُ

في غلايةٍ مهْجورةٍ

يبردُ ببطء

لا يزالُ يحملُ استياء

الماءِ البارد.

***

هناك نص آخر للشاعرة كيلي روبار:

قَبلَني حبيبي ،

ارتعشتْ رُوحي بنشوةٍ

عندما تقابلتْ شفتانا بلُطْفٍ كما الفراشاتُ

وهي تهبطُ

على أزهارِ الربيع.

...

كان العديدُ ممن برزَ في كتابةِ شعر التانكا نساءً، من بينِهنَّ السيدة أكازون إيمون ويوسانو أكيكو والسيدة موراساكي شيكيبو، هن من كتبن "حكاية جينجي"، وهي عبارة عن نثْرٍ ياباني يضمُ أكثرَ من 400 تانكا. لم ينتقلْ كُتابُ اللغة الإنجليزية إلى شكل التانكا بالطريقة ذاتِها -والتي أشرنا إليها- ، لكن هناك العديد من الاستثناءات البارزة، بما في ذلك إيمي لويل وكينيث ريكسروث وسام ساميل وسيد كورمان وكارولين كيسر.

 

حسني التهامي

.....................

المراجع العربية:

(*) قصيدة السّوناتا بين الأنا البودليريّة والذّات الدرويشيّة ـ عبد العزيز صالحي

(**) اقتراب «التانكا» اليابانية من جوهر الشعر وصفائه / عبدالوهاب أبو زيد

المراجع الأجنبية:

(1)https://poets.org/glossary/tanka

(2) Michael Dylan Welch , Tanka and the Five W's,by, Yellow Moon 15 Winter 2004.

(3)https://tankainenglish.com/essays-articles/

Amelia Fielden (Australia), Denis M. Garrison (USA), and Robert D. Wilson (The Philippines), DEFINITION OF THE IDEAL FORM OF TRADITIONAL TANKA WRITTEN IN ENGLISH By

(4)TANKA ARTICLE PUBLISHED IN FEELINGS - A JOURNAL OF POETIC THOUGHT AND VERSE

JANE REICHHOLD

 

 

جمعة عبد اللهيظهر الروائي المبدع (ضياء الخالدي) مهاراته وتقنياته التكنيكية في فن الحبكة الفنية الحديثة، ويسلط الضوء الكاشف على احلك فترة مدمرة في حياة العراق السياسي (وقائع صيف 1995) أي بعد كارثة حرب الكويت مباشرة، وانهزام الجيش العراقي بالانهزام الشنيع، وتبعياته المهلكة في فرض الحصار الاقتصادي الدولي وفقر البلاد الى حد الشحة والكفاف، والغوص في المستقبل المجهول في الحياة الصعبة والمضنية، وبهبوط قيمة الدينار العراقي الى الحضيض، حتى أصبح لا يساوي قيمة ثمن طباعته . واصبح المورد المعيشي يعتمد على البطاقة التموينية (النفط مقابل الغذاء) وكذلك يتطرق النص الروائي الى مسألة ارهاب السلطة والتقاليد الاجتماعية والعشائرية، الصارمة والقاسية والظالمة موجهة ضد المرأة في انتهاك حريتها واختياراتها حتى في مسألة تقرير مصيرها، ضمن هذه الاجواء الملبدة بالغيوم، تنعكس سلباً بالخيبة والاحباط حتى في مسألة الحب والزواج . يأخذنا المتن الروائي بالدهشة التي تخنق الانفاس في ملاحقة الاحداث الدرامية والدراماتيكية المتواصلة والمتسارعة نحو ذروة الاختناق . وكذلك يدخلنا النص الروائي في مسألة الصدفة والصدف، التي ترمي طوق النجاة، في تمزيق طوق الحصار . لذلك اعتبر السرد الروائي هو البراعة الاحترافية المدهشة في تناول الصدف المتلاحقة، فهي رواية الصدف الايجابية . وبالحيلة والابتكار والخلق في اساليب المتن السردي، التي تحمل المشروعية والمعقولية في خضم توارد الصدف . كأنها حالة انقاذ من الوقوع في الفخ . والبراعة المتمكنة للمؤلف بأنه بدأ بالحدث السردي من النهاية الى البداية من (سدني / أستراليا عام 2007 الى بغداد صيف عام 1995) . وهذا الاسلوب الروائي صعب في قيادة دفة الاحداث السردية، لان القارئ يفهم خاتمة المطاف من الحدث المتن السردي. لكن التقنية والحيل الروائية (والكاتب ملهم في هذه الخاصية الروائية) نجده بأن يجعل الخاتمة كتنفيس ورحمة للقارئ الذي ينشد بقوة وبتأزم الاحداث الى الذروة وتشده اكثر في تعاطي أسلوب المطاردة البوليسية، في المطاردات والملاحقات في خيوط النص الروائي، التي تلعب فيه شخصيتان، وهما (بسام علوان) و (وردة الشطب)، التي هربت من زوجها، ووقعت في مطاردة الشرطة والامن للامساك بها . ونجاتها من هذه المطاردات، كالناجي من فم الذئب .

يبدأ الحدث السردي من هزيمة الجيش العراقي وانسحابه من الكويت بالفوضى العارمة والانفلات غير المنظم، حتى شاهد (بسام علوان) الشاحنة العسكرية وهي تدهس الجندي (أسماعيل) وتسحله على اسفلت الشارع ملطخاً بالدماء، دون ان ينتبه سائق الشاحنة الى ذلك، مما علق في ذهنه هذا المشهد، في توارده في كوابيس الاحلام التي لاتفارق ذهنه، وهذا الكابوس يذكي الفاجعة الاليمة بفقدان شقيقه الاكبر (عبدالعليم) في الحرب العبثية العراقية الايرانية . وكان آنذاك لم يتجاوز عمره (14) عاماً، وبعدها دخل شقيقه الاخر (يحيى علوان) في سلك الشرطة كضابط أمن، وتخلص من ارساله الى جبهات القتال . بينما (بسام علوان) بعدما انهى خدمته العسكرية، اختار ان يكون بائع الكتب القديمة على ارصفة (ساحة الميدان / سوق هرج) وارتضى ان يكون بائع في بسطية على الرصيف رغم شحة المورد المالي، ولكن يأتي الكسب المالي الاكثر من الكتب الممنوعة، وهوايته بالكتب رفض ان مساعدة شقيقه ضابط الامن، ان يجد له فرصة عمل أخرى، وانه تعمق في صداقات حميمية مع اصحاب البسطيات على الرصيف . وتعود ان يزور ليلاً صديقه الحارس الليلي لمركز الطلبة والشباب، وفي اثناء تجوله انقطعت الكهرباء واصبح الشارع موحش ومظلم، وشاهد من بعيد بعض الرجال المدنيين يسحبون بعنف وقوة ثلاثة نساء، تصور بأنهم يرومون اغتصابهن، فأرتفعت الشعور الانساني بالحمية وخطف أحدى النساء من ايديهم، وهرب معها ولاحقته رصاصتين، لكنه نجى منها . واخذها الى شقة اصدقائه وهي ترتجف من الخوف . وعرف بأنها بائعة الهوى بالمتعة الجنسية، وان الرجال هم رجال الامن داهموا بيت البغاء والدعارة، وحكت قصتها المأساوية الى (بسام) واصدقائه، بأنها هربت من زوجها وهو أبن عمها (فياض) لانها ارغمت عنوة من اهلها واهله على الزواج، وكانت تصر على اكمال دراستها حتى الحصول على الشهادة الجامعية . ولكنها لم تفلح بذلك، ورضخت بترك الدراسة والقبول بالزواج من أبن عمها (فياض) ومنذ الليلة الاولى كانت تنوح في داخلها بحزن وألم . كأنها فقدت من حياتها شيئاً ثميناً وعزيزاً سلب منها . حاولت بكل الطرق على عدم الانجاب، في ظل معاملة زوجها الوحشية واسلوبه الخشن بضربها وأهانتها . حتى احدى المرات حرق ظهرها بملعقة الطعام، حتى فاحت رائحة الشواء من جسمها . وبذلك فكرت بالهروب حتى على موتها . حتى لاتكون رخيصة ومهانة بالاذلال في حياتها الزوجية (- أنا جبانة، وهروبي من عائلتي ليس شجاعة، بل كان يأساً من حياة لا يمكنني الاستمرار فيها، حتى وصلت الامور الى كي ظهري بملعقة الطعام، أتريدون رؤية آثار الحرق ؟!) ص51 . فتعاطف (بسام) واصدقائه مع قضيتها المأساوية وقبلوا في أيوائها حتى تدبر الحل بنفسها، ولكن من تطور الاحداث المتسارعة، وحدس شقيق (بسام علون) الضابط الامني (يحيى علوان) بأن شقيقه ربما متورط في قضية تهريب (وردة) من قبضة الشرطة ونجاته من اطلاق الرصاص عليه، لذلك بدأ تحريات في متابعة وملاحقة شقيقه من بعد حتى يمسك برهان التورط . وخاصة ان الزوجة الهاربة من عائلة غنية ومتمكنة، وزوجها (فياض) وعد رجال الشرطة بمكافئة مالية كبيرة، اذا افلحوا في القبض عليها وتسليمها اليه . حتى يفرغ الرصاصات في جسدها، لانها جلبت العار الى اهله وعشيرته، ولا يتم غسل العار إلا بقتلها . وساندته عشيرته بقتلها ودفع المال الى الشرطة حتى يطلق سراحه . لذلك كان اهتمام الشرطة في المتابعة القضية، هي من أجل الحصول على المال ليس غير، وتعهدوا الى زوجها بأيجادها حتى لو طارت الى السماء . ومن هذا المنطلق كان اهتمام ضابط الشرطة بالقضية ومتابعة شقيقه في اسلوب بوليسي ليسرع في القبض على الزوجة الهاربة للحصول على المال الموعود . لذلك استدرج اصدقاء شقيقه وهددهم بالعواقب الوخيمة، في اخفاء الزوجة الهاربة، بمثابة عمل عدواني تجاه الثورة والحزب، وتصل العقوبة الى المؤبد أو الاعدام، وتحت لغة التهديد العنيفة والخوف من العواقب، اعترفوا بأن (وردة) موجودة في شقتهم، وانهم ابرياء من ورطة التهريب في اخفائها، ولكن حين وصلوا الى شقتهم مع ضابط الامن، كان (بسام علوان) نقل (وردة) الى مكان آخر، الى سكن المرأة العجوز (حورية) الفنانة والرسامة، واستقبلتها بفرح . وكانت هذه المرأة العجوز رفضت الهجرة خارج العراق، رغم ألحاح ابنائها الثلاثة الذين هاجروا الى اوربا، ويرسلون مساعدات المالية الى أمهم . وبعد علم (بسام علوان) بأعترافات اصدقائه الى شقيقه الضابط الامني، لم يتحمل الصدمة ووقع مغشياً عليه فاقد الوعي . ونقل الى المستشفى وبعد أيام من شفائه . صارحه شقيقه الضابط بلطف وحنان، بأن يتخلص من الورطة العويصة قد تضيع مستقبله، بتسليم الزوجة الهاربة، حتى يستطيع ان يغلق القضية (المرأة التي تهرب من زوجها واهلها تستحق العقوبة، فليس كل أمرأة تعاني من المشاكل الزوجية يحق لها الفرار، وان تتحول الى عاهر،وإلا اصبحت كل النساء فاسقات، فتنهار القيم والعادات) لاشك أن (بسام علوان) يملك مشاعر الحب والشفقة تجاه (وردة) ووصلت عاطفته الروحية الى مشارف الحب، ليس لانها بريئة ومظلومة من زوجها واهلها وعشيرتها، وانما الانفعال العاطفي يصعد في سخونته كلما التقى بها (في أعماق بسام ميول لوردة تقترب من تخوم ما يسميه الناس عشقاً، فثمة ارتياح كلما طالع وجهها وسمع نبرات صوتها المميزة ببحة، أحاسيس يختلط فيها العطف بحلاوة سرية، بيد أنه لا يبوح لنفسه حتى ولو بخيط متلبساً بتلك المشاعر) ص101 . ولم يجد (بسام) وسيلة للتهرب وقد انكشفت الحقائق بأنه المسؤول والمتورط في اخفاء (وردة) واعترف بمكان اقامتها ومستعد في تسليمها، ولكن المرأة العجوز (حورية) دبرت أمر تهريبها الى الاردن عبر مهرب وحين وصلت الى عمان سجلت في مفوضية اللاجئين، وبعد (12) عاماً وجدها (بسام) تتسوق في مركز مدينة (سدني) مع طفلين، وتقابلا وجها لوجه، وشرحت مسيرة حياتها بأنها تزوجت وانجبت هذين الطفلين وتعيش في بحبوحة العيش وتشعر بالهناء والاستقرار، فقال بسام بفرح وسرور :

(- لقد نجوتي .. نجوتي بالفعل يا وردة

وقالت وردة:

 - أتعرف حزني الاكبر لا علاج له ؟ بلدي أشتاق اليه، ولدي أصدقاء كثر من جنسيات مختلفة يزورون بلدانهم الام ثم يعودون) ص217 .

 

× الكتاب: رواية هروب وردة

× المؤلف: ضياء الخالدي

× اصدار: منشورات نابو العراقية عام 2020

عدد الصفحات: 255 صفحة

***

جمعة عبدالله

 

 

ثامر الحاج امينجميل ٌ ان تولد تجربة شعرية شابة تؤمن بالسلم وتتبنى قيم الجمال والعدالة والتحرر، وسط عالم تسوده الفوضى والعنف وتزيّن دروبه دعوات الانحراف والتطرف، فما قرأته في (جنائز الحرب الأخيرة) ــ المجموعة الشعرية البكر للشاب اسلام كاظم ــ عالم مضيء يدعو الى الفخر والتفاؤل، فهذه التجربة رغم وعورة طريقها الا انها اهتدت الى طريق الشعر ببوصلة سليمة، فهي ولدت من رحم انتفاضة تشرين الخالدة وتلونت بسخام قذائفها واكتوت بهراوات عسعسها ومع كل ماشهدته هذه الشعرية الفتية من قمع واختطاف الا انها ظلت مشرقة بالأمل، عصية على الخذلان وبعيدة عن القبح، حالمة في ارض (لاتنزف دما ومقاتلين) ومؤمنة بقدرة الانسان العراقي على تحقيق هذا الحلم متخذة من صمود امهات الشهداء أملا في التغيير المنشود:

كلما تمتليء ساحة التحرير

بالغاز المسيل للدموع

وحدهن أمهات الشهداء

يقفن كالنخيل بلا أية دموع

لأن فقد الأبناء

يكسبهن مناعة ضد هذا الغاز

بهذه الروح الثائرة والمؤمنة بقيم الثورة يلج بنا " اسلام كاظم " الى عالمه المثخن بجراح المتظاهرين وغازات القنابل وصراخ الثوار وخسة العسعس وشجاعة المرأة وخراطيش الصجم المنطلقة من بنادق القتلة صوب طيور التحرير التي لم تكن احلامها سوى التحليق في سماء آمنة والغناء بحرية على اشجار الوطن الوارفة لهذا يدعو الثوارفي قصائده الى السلمية والوفاء لدم الشهداء:

كن أمينا للدم الذي يسيل عليك

احفظ اسماء الشهداء عن ظهر قلب

واطلق رائحة الحب في الدم

فالعراق يجري في العروق والحبيبات ايضا

قصائد المجموعة رغم عالمها المتشح بالسواد والحزن نتيجة الخطوب والملمات التي أصابت العراق اذ انها تستحضر الموت ورموزه من حروب وجثث ومقابر و جنائز وقرابين وتوابيت ورصاص ومشانق وشهداء والتي استحوذت على مساحات واسعة من المجموعة بدءاً من عنوانها (جنائز ....) مرورا بالاهداء (أقف هادئا انظر الموت) وصولا الى نصوصها الداخلية التي تظهر وكأنها قادمة من الجحيم لكنها ضمت اشارات واشراقات تبعث على الأمل بنهاية هذه اللوحة المعتمة، ففي قصيدة (سيناريو لقيامة شهيد) يطرح الشاعرايمانه اليقين بحتمية انتصار الثورة وبقاء جذوتها متقدة لن تنطفيء وان تعثرت ولاقت من البعض الخذلان والتراجع فالطغاة مصيرهم الزوال:

ربما يربحون المعركة

وتضيق القبور بشهداء الثورة

لكن يوم ينفخ في الصور

لقيامة أخرى

لن يجد الطغاة وقطعانهم

إلهاً ليستنجدوا به

كما ويحذر فقراء الوطن من الغفلة والاطمئنان الى سلطة القتلة:

لاتنامي ياجياع الشعب

الآلهة التي تحرسك

تطهو مستقبلاً أسودا

كما ان قصائد المجموعة وان بدت واضحة الخطاب الا انها تحاشت المباشرة الفجة في الطرح، فقد انطوت على توليفات ذكية وبراعة في تكثيف الصورة الشعرية بقدر كبير تجاوز فيها الشاعر مستوى الخطاب البسيط فهو يكشف عن جمال الحياة في ظل السلام والحب وجمال الانسان عندما ينبذ العنف ويتسلح بالأمل:

التوابيت ستعود أشجارا جميلة

اذا ما ألقينا كل البنادق في البحر !

وكذلك في تقديم النصح لمن ابتلى بالحزن فهو يهمس له بلسان العارف الكبير .

سأقترح للحزن حلا ً

خذ قلبك للنجار

وصيره بابا

يصد كل قادم جديد

وكذلك استخدام الشاعر المفارقة السوداء حيث يشير في قصيدة (رصاص الصكاكة) الى الغدر فيصفه على انه موغل في القدم وان تبدلت الأدوات حيث صارت الآن أكثر راحة وأمان:

الصكاكة) الأوائل استعملوا السيف    (

الرصاص مريح الآن

لا تضطر لتلطيخ ملابسك بالدم

الدم العراقي حار

يتدفق منذ ان تدفق دجلة والفرت

وثمة قصائد غير قليلة في المجموعة ينحوا فيها الشاعرالخوض في المناطق المحظورة، قد يجد فيها الكثير من الشعراء مغامرة لا تخلوا من عواقب في ظل وجود التابوات المتعددة، مغامرة تحتاج الى شجاعة وجرأة في اثارة الأسئلة حول الموروث الديني، وقد يرى البعض هذه المحاولة انها مبكرة على تجربة ماتزال في مرحلة التجريب، فالشاعر في هذه النصوص يطرح جملة من التساؤلات تتعلق بوجود الكون وحيرة الانسان فيه، نقرأ ذلك في قصائد (من سفر الخليقة) (حوار مع سلحفاة محتضرة) (خطة لكون فاشل) (حجر البدايات) ومنها مايتعلق بوجود الانسان على البسيطة في كونه مسيرا أم مخيرا:

تولد عاريا من كل شيء

أنت جاهز لتركبك الأفكار والمسميات

الى ان تعرى من جديد

من سوق الأديان الكبير

ينتقي لك والداك ماكان عليه اجدادك

لتعتنق اليهودية، المسيحية أو الاسلام

أو ربما تكون هندوسيا يعيش في الهند

فالجغرافية هي التي تُلبسك درقة السلحفاة

وكذلك في نظرته لنشأة الخليقة على الأرض التي يتخيلها وفق رؤيته البريئة في قصيدة (من سفر الخليقة):

قد استمع لبعض الأغنيات

عن الأرض التي تشكلت قبل 4 مليار عام

وأين التقت أولى الخلايا بحبيبها الفريد

لم أكن مخطئا في اعتقادي البريء

القبلة هي أولى الوسائل لارتقاء الحب وانتشاره

حيث لا قضيب ولا فروج طازجة بعد

(جنائز الحرب الأخيرة) تجربة تستحق الالتفات اليها وقراءتها بتمعن ووعي وشاعرها " اسلام كاظم " ينطلق فيها الى فضاء الشعر بثقة كبيرة ويحاول ان ينسج خيمته الخاصة وسط مضارب الشعراء الشباب وهو قادر على ذلك لما يمتلكه من مقومات شعرية جديرة بالتطور يضاف الى ذلك مثابرته واصراره على ان يقدم شيئا مختلفا ينال به ثقة الشعر .

 

ثامر الحاج امين

 

حيدر عبدالرضاوقفة مبحثية مع قصة (منزل النساء)

أسطرة الشواهد المكانية في ملحمة تواريخ الشخوص المعتمة

توطئة:

أن عملية قراءة قصة (منزل النساء) تبدو للقارىء عبارة عن تماثلات انشطارية بالسرد الزمني والمكاني، بما يحقق لها تلك الملامح المنقسمة على نفسها من ناحية الترتيب النصفي في مناطق الأقسام الدلالية والأداتية من مستوى متوازيات مساحة الرؤية والموضوعة الحكائية والسياق المسرود . وعند قراءتنا للقسم العلوي من النص، توافينا مكونات الشخصية ذات البعد الثنائي، وهي تقتحم صورية ملحمة المكان، وصولا إلى وعي حالات أسلبة الأشياء ضمن مدارية خطية أخذت تعتمد بذاتها تصعيدا في فضاء الدوال الوحداتية (صفوف الآجر المتآكل تنقطع بدعامات النوافذ الكبيرة القريبة من الأرض . / ص91) يبدو أن تتابع وصف المكان في مستهل الجزء العلوي، ماثلا بصورة التشيؤ المحوري في دلالات النص، بل أن القابلية الوصفية في النص أتخذت لها في الحيز الأعلى من النص، ذلك التواصل من أنسنة المكانية بلسان حال السارد العليم، بما راح يحقق للنص حسية تماثلية دلالية وملامح الرجل الداخل إلى مملكة المنزل: (هنا ينتشر الضوء من مخرمات خلف نوافذ الأرضية المغلقة .. ومن نوافذ وشرفات الطوابق العلوية، كما تلتمع أسلاك الكهرباء بهذا الضوء الداخلي وبأضواء المصابيح الخالية من المظلات المثبتة بدعائم شرفات الخشب وأضلاعها السفلى أو لفسحات الجدران الخالية من النوافذ . / ص91) أن أهمية هذه المؤثثات من تعاملات القاص مع الأبعاد المكانية، أخذت توفر لنا ذلك الوعي المؤدي إلى التعرف على خلفية مرجعية النص ومدى حقيقة طابعية وهوية هذا النوع المكاني من واقعية التوظيف الحكائي المرصود في أفق مكانية الشرط المتخيل في هوية الشخصية السائرة في أرجائه . فنحن إذن إزاء ملحمة مكانية مؤسطرة بتلك المخصوصيات التصويرية السرانية المكينة . وتبعا لهذا الأمر سوف نتعامل مع النص في قسمه العلوي كمرسلة في تماثلات المكانية، فيما نتعامل مع القسم السفلي على أنه ذلك الوعي الشخوصي المتماس بمرجعية العلاقة النصية الشخوصية في حاضرها وماضيها، صحيح أن كل القسمين تابعين لذات الموضوعة، ولكن هناك مساحة اختلافية كبيرة بين حجم التوظيف في القسم العلوي، إذ يظهر علاقة الشخصية بمعرفات المكان واقعا حاضرا دون مقدمات ما سوى الوصف المكاني، فيما يعكس النصف الآخر من النص أستراتيجية الشخصية القصصية على مدار مرجعية زمن الحكاية وتحققاتها المحلقة في بنيات تفاصيل ذات مسميات استعارية ـ مجازية، وكأنها مقطوعة من فصول ملحمة شعرية ن وحتى المشاهد فيها تبدو أشد تمسرحا من وقائع القسم العلوي .

ـ تمظهرات موازاة الموضوعة ودوال اللقطات الصورية

قلنا فيما سبق في محاور دراسات أخرى أن تقانة (عين الكاميرا) في قصص محمد خضير وخاصة قصة (منزل النساء) تلعب دورا هاما للشخصية الداخلة للمنزل، حيث تشتد مشهديا وكرونولوجيا في سمات معمارية فضاء المكان، اكتمالا مواز إلى حقيقة بزوغ الشخصية ذاتها في النص السفلي: (أسمي ـ علي ـ من مواليد 1945، أعزب، تسلمت قبل يومين عملا في مصلحة نقل الركاب بصفة محصل تذاكر . تسرحت من الخدمة العسكرية قبل أسبوعين . / ص91 الجزء السفلي) وهو ما يعد منطلقا للأحداث المصاحبة لأسباب تنقلات الشخصية في الجزء العلوي داخل رقع زوايا ودرجات سلالم المؤدية إلى غرف المنزل: (وأنتبه الرجل لكلاب نحيفة طويلة الأجساد والأرجل تخوض في مياه محجوزة وسط الرحبة حيث بالإمكان تمييز صفائح القمامة .. بقعة الضوء الوحيدة كانت معلقة عبر نافذة علوية ترتفع بمستوى نصف طابق عن نوافذ الطابق الأعلى . / ص94 الجزء العلوي) أن المعادل النصي في وحدات الملفوظ العلوي والسفلي من النص، يكتملان ضمن بؤرة موحدة من الموضوعة ذاتها، ولكن الاختلاف يكمن في مستوى الاستبدال والتبديل في اللقطات السردية، فكلا الفضائين ظهورا بذات الدال والدليل، غير أن المختلف ما بين المستويين، هو ذلك الاستطراد في حجم نوعية التفاصيل وطبيعة الزمن المحجوب وهندسة المكان وحالات الحدوث اللقطاتي: (إني ذاهب الآن، تحت غطاء هذا الليل الشامخ، إلى بيت أهملت زيارته طيلة الأسبوعين الماضيين، ولكني غير قادر على تجاهل جدرانه وصمته وساكنيه أكثر من ذلك . أول الليل، ولكن الليل يهرم بسرعة، يظلم سريعا .. وها إني أخطو في زقاق . / ص91 الجزء السفلي) .

1ـ آليات الزمن المكاني بين حلمية المخيلة وتعليق الواقع:

يتميز الدليل المركب بين الجزء العلوي والسفلي من النص، بكونه بانوراما ـ صورية واقعية متمثلة بمعالجة تخييلية من نوع ذات علاقة خاصة ما بين الصورتين من على شاشة الاقتطاع الحلمي والمشهدي، اللذين راحا يهمان بتحقيق الخطاب القصصي ضمن بلورته الحلمية في الجزء السفلي وأحيانا في العلوي، كما ويبقى الأساس المشترك ما بين الحيزين من الفضاء النصي، هو ذلك التواصل في تعليق صورة الواقع المتخيل داخل وظيفة موحدة من الأدلة المسرودة في موضوعة النص . الشخصية واحدة في كلا الحيزين تنتهج سبل مغايرة في تعاملاتها مع عوانس ومطلقات ورآمل المنزل، ومدار الحدث يبقى هو الغاية في العلاقة الكيفية المشتركة في إجراءات أحداث الحيزين من النص ـ رغم عدم ظهور مستوى الاختلاف لحد الآن، ولكن مدونة نزل النساء تظل محايثة لتجليات مختلفة من طوابق وغرف ونوعيات النساء النزيلات في المبنى الحلمي: (في الركن، خلف الباب، كانت الحنفية تصب خيطا رفيعا في صفيحة طافحة بالماء، فأوقف الرجل تدفق الماء، ومشى في الدهليز المستطيل على أرض ذات عثرات يخلقها وهم الظلام . / ص95 الجزء العلوي / ليل متسع ومتصل يحل دون أن ينتبه إليه أحد، فاجر وغير علني، تؤدي إليه الزخارف والأقواس أسفل القباب والشرفات، تسيب كلابه في الشوارع والساحات والخرائب . حل هذا الليل في رأسي وطرد الليل الآخر المليء بالوساوس الذي رافق نشأتي الأولى في الضواحي . / ص93 الجزء السفلي) فالدليل النصي هنا مناوبة نوعية تتجاوز وحدة توحد الحدث، ولكنها تتجاوز في منحى الإطار ذاته من دليل الموضوعة (جهات الموضوعة / الفاعل المنفذ = الشخصية / جهات التحيين ـ فاعل منفذ بين = الترابطات الممكنة / مرحلة الأداء ـ فواعل الحالات = دوال:  من بين الأسنان المتقابلة تظهر أنها سماء، الجزء العلوي / الفجوات، الجدران، الأرآئك، الصناديق، أشق طريقي بين أنفاس الساكنين الأسلاف، أستمع لحكاية أحد الملوك من امرأة ما لعلها أمي، كفنته بحرير أصفر، ونثرت جسده بالأزهار، في قاع نهر أخضر ساكن، وأنهت المرأة حكايتها حين بدأ الطل يسقط آخر الليل، ونهض الآخرون يتثاءبون لأفرشتهم فوق أسرة من جريد النخيل . / ص92 ص93 ص94، الجزء السفلي) أن التأمل في وحدات الفضاءين من النص، قد تساورنا مرجعية زمنية خاصة بطفولة الشخصية المتمثلة في النص، أي أنها حوامل علاقة نواتية أولى في ما يخص زمن الشخصية في الجزء العلوي، وبديهي أن نعلم أن أشكال مؤثثات المكان في زمن الشخصية العلوية، هي مرحلة متقدمة في صورية المحايثة الموضوعية في زمن الشخصية . أما ما مر بنا من أحداث الجزء السفلي من ذات الوظيفة الإجرائية، فهي مرحلة علاقة توضح لنا سيرورة جهات النص القادمة من علاقة أحوال أخرى من التبئير الصفري .

ـ الحركات السردية وحجب مساحة الزمن

تكشف لنا الحوافز السردية من على مدار القصة في جهاتها العلوية والسفلية، عن ممكنات حجب الزمن المتراتبة في وعي المكان حصرا، وعلى مستوى علاقات وقائع الأحداث المكانية التي تشغلها بصورة واضحة شواهدا من ملامح اندثار الزمن، عبر حالات الشخوص النسائية وظهورات تواصيف المكان انشغالا بذلك الزمن المندثر في تحركات أصداء الموجودات في تخوم الأمكنة: (أكتشف الرجل كلابا دقيقة وطويلة تتجول في حوش المنزل المستطيل المكشوف بنفس البطء الذي يجرب أبوازها على تحسس الآجر المربع المرصوف من دون صوت ينقض السكون الذي حل ـ خشب أخرس ـ وبعضها كان يتنقل في شحوب الأروقة المفتوحة على الحوش . / ص96 الجزء العلوي) من ناحية خاصة تبدو وحدات السرد والمسرود في النص جملا لا تحمل أية مؤشرات زمنية . فالسارد العليم يحكي عن أشياء مكانية بحة وبلا بواعث زمنية دالة أحيانا، فلا توجد من جهة أخرى أية علاقة واضحة مع الزمن الخارجي أو العالم الخارجي لزمن هذا المكان الموصوف بنزل النساء، سوى ملامح باعثة عن حيوات تواريخ سحيقة من أزمنة مغيبة، الأمر المصاحب أيضا في الجزء السفلي من النص تزامنا: (كان لا بد للحبال العديدة التي تربطني بأمي أن ترتخي وتنقطع، بعد أن جفت فيها دماء الشباب، ولم يكن باستطاعتي منع غطسها المستمر في حوض الشيخوخة. / ص96 الجزء السفلي) مما لا شك فيه أن فعل مرجعية الشخصية في المحور الاستعادي، تتلفظ وساءلها الحضورية في سياق من العلاقة الرابطة ما بين المستويين العلوي / السفلي، من المبنى القصصي: (هجرة الحياة إلى مكان آخر في المنزل ـ المعنى الأخير للأمومة = المحكي = حالات الإثارة = دليل واصل لجهة فاعل الأداء) يأخذ المحكي المسرود بعين الاعتبار تلك الظهورات المرمزة في مواطن الإشارات والأفعال التأشيرية في سياق المسرود، وصولا منها إلى بناء علامة موحدة وموحية من معين المدلول المركزي في كلا المستويين من الفضاء النصي . ففي ملامح الشخصية من الجزء العلوي ثمة بداية ووسط ونهاية، وما كان حاضرا فيها تمظهر خلفية للشخصية في علاقته مع أمه، إلا من جهة سؤال المرأة الدميمة ـ عوفة ـ عنها: (ثم أردف: ـ أمي عوفة .. كيف حالك ؟ هل تراني عيناك بوضوح ؟ أنا أبن عواشة . / ص103 . الجزء العلوي) في ما نعاين في الجزء السفلي من النص تعالق حميمية علاقة الشخصية بأمه وإلى حد يذكرنا بعقدة أوديب دالا في علامة مختزلة: (ما أرهق أن يكون الأنسان أبنا لأم طيبة لا يستطيع أن يستبدل شفقتها بحب امرأة أخرى . / ص97 . الجزء السفلي) إذ توافينا من جهة أخرى موجهات حياة الشخصية في المستوى النصفي من النص، حول دلالات طفولة الشخصية في منزل النساء ذلك، حيث كما يتضح من الحكي في الجانب الآخر من حياة الشخصية بأن الأم عواشة كانت من نزيلات هذا النزل الأيقوني في مرحلة زمنية محجوبة عن محددات الزمن الحكائي، أو هي مرحلة استدعائية مفترضة في مخيلة خارج القص، لذا وجدنا محددات مدلول العلاقة القائمة ما بين حاضر الشخصية الدميمة ـ عوفة ـ ووالدة الشخصية الرجل ـ عواشة ـ ثمة علاقة ماضوية مندثرة وغير محددة في مسلمات زمن سياق الحكي والحكاية، إلا من جانب استذكارات الشخصية ـ الرجل ـ وعوفة في زاوية نسبية من الجزء العلوي من النص: (و قالت عوفة لهن: ـ هذا أبن عواشة .. رفيقتي عواشة من زمان راح ؟ قالت امرأة: لقد أحسست بدخول أحد .. كما قلت لكم . قال الرجل: الكلاب في الأسفل .. باب الحوش مفتوح . قالت عوفة: دعها . دعها . فقط لا تصعد فوق . قالت امرأة: أبواب غرفنا مشرعة . / ص105 . الجزء العلوي) فبواسطة هذا الأواصر نستنتج بأن ملفوظات نزل النساء عبارة عن حالات مرمزة، أخذت تعكسها مجالات حقيقية ومحتملة من واقع بناء علاقات عوالم مأزومة وملتبسة في تدابير محتملاتها الماضوية والواقعة في رحم المتخفى في مبنى الحكي . ولم يكن دخول الرجل لهذا المنزل بعد مدة زمنية قصيرة، بل أنها ممتدة إلى فترات زمنية طويلة، بدليل أن ما قالته الشخصية عوفة: (ـ أين كنت؟ ـ في الجيش . جندي . ـ آه وفررت . عدت فارا . ـ دعك من أوهامك السوداء . تسرحت / ص104) في حين أن هناك حالة ملتبسة في الحكي أو أنها غير محددة زمنيا كما ينبغي، وذلك عندما ذكر الشخصية في بداية الجزء السفلي، وهو ذات الشخصية في محور النص بأنه: (تسرحت من الخدمة العسكرية قبل أسبوعين / بيت أهملت زيارته طيلة الأسبوعين الماضيين . / ص91 الجزء السفلي) الغريب في الأمر هو سؤال المرأة عوفة عن سبب غياب طويل للشخصية الرجل ولا ينم قطعا عن تأخر دام فترة أسبوعين، خصوصا في زمن الحرب ليست هناك فرصة إلى تسريح الجنود، والحرب قائمة في النص بدليل سماع الشخوص لصافرات الإنذار للطوارىء: (تناهت إليهم موجة من الصفير، خافتة ثم واضحة، قالت امرأة: ـ أنها صفارة الإنذار . / ص108 الجزء العلوي) ومن الفارقة أيضا نجد أن الشخصية الرجل يقول في مكان آخر من النص بأنه: (قال الرجل: ـ مضت سنتان لم أدخل فيهما هذا المنزل . / ص106 الجزء العلوي) لعل الكاتب محمد خضير كان يتعامل مع الزمن الحكائي في النص من خلال ذاكرة شفوية ـ انطباعية، بعيدة عن احصائية الأشياء والتقاويم الزمنية الدقيقة في قصته، ولربما أيضا أن القاص كان يتوانى في محددات الزمن ولا يكن لنصه سوى الحوادث المسترجعة من خلال مخيلة تهتم وتتفنن برسم دقائق الصور الساحرة من الوصف الاستقصائي.

ـ الروابط العلائقية والمعنوية في مؤشرات القص

أن المحاور السابقة من النص تشكل روابط مثمرة من وظيفة العلائق العضوية في دلالات بنيات وأدلة القص، فيما تبقى مجاورات الأنساق المعنوية في حالات الذوات الشخوصية، كوحدة موضوعية دينامية بدلائل الإمكانات الأحوالية في محور الحكي القصصي .

1ـ أنسنة دليل المحاور ومحاور علاقة الدليل الرابط:

تشخص آليات وأجراءات القص الاستقصائي في عوالم أقاصيص (في درجة 45 مئوي) نحو ذلك الكشف عن مستويات خفية من وظائف الإجراء الموضوعي الدقيق في أداة النص القصصي . ونحن حيال قصة (منزل النساء) عاينا تداول استقصائية المحاور الدوالية في مواطن هي من الضمنية والمسكوت عنه من الأداة التي لم تهتم بها مجمل تجربة كتاب القصة العراقية . فالقاص الخلاق محمد خضير يضعنا في قصته حيال مكونات علائقية  دقيقة من النادر الألتفات إليها في مقروء القصة العراقية في مجال اشتغالاتها النمطية العابرة لفن القصة القصيرة، وهذا الأمر ما جعلنا نعاين بالدرس والتمحيص إلى ثريا كيانية مجموعة أقاصيص (في درجة 45 مئوي) لأنها تعبر عن علاقات دلالية كبيرة في حصيلة القص السردي الاستقصائي، وليس هذا بالأمر الغريب عن عوالم العملاق (محمد خضير) فهو وعبر أعماله القصصية الخالدة كـ (المملكة السوداء / بصرياثا / رؤيا خريف / تحنيط) وقصص أخرى أكثر حداثة من هذه الأعمال المذكورة، قد أثبت بجدارة المجدد الكبير عن مدى فاعلية أشتغاله الاستقصائي في الفن القصصي . من هنا نعود إلى دراستنا لنموذج قصة (منزل النساء) لنواجه مستوى من العلاقات العضوية والمعنوية في أحداث هذا النص الثمين . نقول أن الأدلة المؤولة منا بخصوص سياقات الجزء العلوي من النص التي أخذنا منها نعاين ثمة دلالات مكانية خاصة في محاور متشيئة من التواصل الدلالي، وما يجب التنبه إليه هو نوعية العلاقة الحاصلة ما بين الشخصية ومؤثثات المكان، وصولا إلى سرانية العلاقة المنتجة بين ذات الشخصية وحالاتها ونوازع حالات ذوات منزل غرف النساء . أما الحال في زمن الجزء السفلي من النص، فقد جعل منه القاص كمحققات مرجعية أكثر تفصيلا في نوعية العلاقة المعنوية الدينامية في حكي الموضوعة القصصية: (عوفة أول امرأة عرفته في المدينة، وبقيت في المسكن الذي تملكه حتى أستدعائي للخدمة العسكرية .. أول مرة قالت:  ألست أبن عواشة؟ ولم أكن أعرف من هي عواشة . قلت: نعم، وبعدئذ صرت أعرف بين سكان المنزل الكبير بأبن عواشة .. كانت تثرثر عن امرأة بهذا الأسم، وظلت تتكلم بأستمرار .. حتى ظننت أن عوفة هي الامرأة الوحيدة التي سأستمع إليها .. لايبدو أنها تهرم .. وأنا أراها الآن كما رأيتها أول مرة، بعين صبي مندهش: امرأة عتيقة من مئات السنين، قطرة سوداء مشبعة بروائح حادة . / ص103 الجزء السفلي) لقد أوصلتنا قابلية العلائق العضوية الحكائية في المبنى النصي إلى أواصر شبه مموهة ما بين الموضوعة المعنوية في دليل النص، وبين غاية قصوى من الفرضية المغايرة في منتج الدلالة . لقد رأينا مرجعية الشخوص في النص في الجزء الأعلى والأسفل، كوظيفة نوعية أخذت تطرح مؤولاتها كإمكانية خاصة في محددات المؤشر في الممكن والكائن في النص: (في ما يتأصل الظلام، كان الصوت يبتعد في غور لا يرى ويفقد نبرته الانسانية .. كل شيء يتلاشى في العتمة .... ظلام .... / ص114 الجزء العلوي) .

ـ تعليق القراءة:

أننا حين نتأمل في دلالات موضوعة قصة (منزل النساء) لعلنا نعثر على الكثير من الدلالات الاستقصائية الخاصة في ملحمة مماليك غرف النساء، حيث هناك مرجعيات علائقية خفية في مصادرها تتسم بروائح الأحاسيس المجيرة لتفاصيل غاية في الدقة الدلالية والوصفية . أنها مخطوطة مملكة المرأة الضالة والمنسية والكادحة والنازحة من المدن البعيدة، إذ أنها تحكي حضوراتها المسترجعة عبر المكان والعاطفة والروح المندغمة في مكرسات ملامح حكايا تلك النزيلات في غرف ذلك المنزل المتخيل، وكأنه قرية كونية غاطسة في تقاويم الوجوه المكانية والزمانية والاغترابية المندمجة في مرايا الشواهد الشخوصية المعتمة في ظلمات تواريخ غرف النساء الحلمية الرطبة .

 

حيدر عبد الرضا

 

حيدر عبدالرضاللكاتب عبد الرضا صالح محمد.. السارد المركزي وتعدد مواقع الشخوص الرواة

توطئة:

أن مساحة التجليات السردية في محاور فضاءات الرواة الشخوص في رواية (الكواز ورحلة التيه) للقاص والروائي الصديق عبد الرضا صالح محمد، تتخذ لذاتها وظائف بنائية ـ ملفوظية، متباينة من حيث مسار الحكي وعلاقاته الموصولة في جملة تحصيلات مواقع خاصة مستقلة من حدود المسرود المتعدد في الرواية.

فالروائي ومن خلفه المؤلف الضمني، يشكلان مرحلتان خاصتان من (التضمين ـ الاستطراد التداخلي) وصولا منهما إلى موقعية وحدات الاسترجاع الداخلي ـ الخارجي، من خطاب السارد المركزي نفسه، والذي بدوره راح يؤسس لذاته وقفة تناوبية متحولة ومستقلة في تمفصلات أحاديث ومرويات مواقع تعدد الأصوات الساردة في شعاب منحى الرواية.

ـ الراوي المتعدد بين زمن الحكاية وصيغة العلاقات السردية .

ففي معرض حديثنا حول عاملية (الراوي المتعدد) في سياق السرد، يمكننا معاينة تأشيرات الروائي ذاته ومن خلفه المؤلف الضمني نحو بلوغ مستويات توظيفية من (المؤلف الضمني الراوي المتعدد/ السارد المعدول به إلى تبئيرات ـ خارجية ـ داخلية/ السارد المتماثل حكائيا) وعلى هذا النحو من معدلات ومقادير الساردون في الرواية، نلحظ منظور الشخوص قد حصلت على مقاربات ذاتية من ذاتها حيال مراجعة نقطة منظورها الداخلي تعديداً وحدود مواقعها التمفصلية في زمن حكاياتها، لذا نجد أن كل واحدة من الشخصيات الروائية، قد أخذت دوراً لها في تداول دورة زمن حكايتها إلى جانب معرفاتها الموقعية والعتباتية الدالة في مضمار كفاءة الفاعل الذاتي المركز في زمن الحكاية الروائية: (الراوي: دخل المدينة بقامته الطويلة وضخامة جثته ماشيا يجر قدميه عائدا من عمله، رافعا ثوبه من الأسفل ليتزر به في حزامه فبانت ساقاه المفتولتان، وعقد يديه خلف ظهره .. ولما رآه الأطفال وهم يلعبون في الشارع خافوا منه وفروا بعيدا. / ص9) .

1ـ الراوي في مواقع فاصلة ومتقاطعة من مواقع الشخوص:

إجمالاً نعاين وظيفة السارد ـ الفاعل المشارك، فتبدو لنا من وجهة نظر الروائي، هي من ينتج تأثيراً ممهداً في أشكال ومحاور الخارج والداخل من المبئر الروائي، ولكننا عندما ندقق في الشخصية ـ عبود ـ نجده شخصاً عاملاً في مسار النص المحوري، وليس سارداً فاعلاً كما يظن الروائي أو القارئ، وذلك نظراً لأنه في عتبة الراوي صار يحتل لذاته موقعاً مباشراً في مشاهد التمثيلات النصية كشخصية روائية، وليس من ضرورة ما من الروائي لوضع عتبة (الراوي) لأننا أدركنا ضمنا بأن السارد في نص الراوي ليس مشاركاً في النص، بل أنه الراوي المتوافق في سرد المشاهد والحوارات تعقيباً ظاهراً في سياق الخطاب: (أشار لها بأن هناك عملاً متراكماً قام بإنهائه، كانت زوجته ـ غانمة ـ مشغولة بترتيب غرفتها وكنسها بالعرجون سمعت صوت حماتها صفية، وهي تستقبل أبنها عبود وتتحدث معه. / ص9 الرواية ) وعندما نطالع عتبة ـ عبود ـ نلاحظ تحول المسرود من خلال السارد الفاعل العليم إلى جهة سردية عبود كسارداً مشاركاً وكعلاقة في خطاب النص، حيث يجرى التبئير الداخلي والخارجي كوظيفة متعددة وضمن موجه (تبئيرا داخليا ذاتيا) وهذا يعني أن الزمن الروائي في الرواية غدا مجبولا على مواقع خطية متعاقبة من تعدد المحاور الشخوصية الساردة أو الساردون، كما أنه يعرض أفق الاسترجاعات في نقطة وحيز من كلا الشخصيات المتعاملة وذاتية المبأر كوحدة فاعلة بذاتها حيال تفاصيل السرد بين حاضراً وماضياً، ولكن في أطار وتيرة متباطئة من حركتي السرد ومسرود الاسترجاعي، ويمكن توضيح حركة تنام السرد في إطار ثنائية حاضرية المسرود الاسترجاعي بالترسيمة الآتية: ( نقطة بداية السرد = حاضر = استرجاع/ الراوي ـ أجزاء سردية ـ تعدد الرواة = مواقع مستقلة للمسرود/ امتثالات السارد العليم ـ الاستباق الداخلي المتنمي للحكاية ـ الاستباق غير المنتمي إلى الحكاية) يحدث الاستباق الداخلي من طرف السارد المضمن في وظيفة الحكي، وفي بنية الحكي الداخلي الشخوصي، تتكرر المحاور الشخوصية كأستدعاءات محملة بخواص المشاهد المنتمية إلى حالة الشخصية المزمع محورها السارد في اللحظة الفاصلة عن الخارج السردي، كما يحدث الاستباق الداخلي لدى الشخصية كنقلة معدولة على لسان صفات وأفعال الشخصية ذاتها، كما ويبقى الاستباق الداخلي غير المنتمي إلى الحكاية الروائية، كحال استشراف السرد المستقبلي الذي هو غير داخل في مضمون النص، وبالمقابل منه يقودنا الاسترجاع الداخلي الذي هو خارج الحكاية إلى خروج النص عن الأحداث الماضوية التي تسبق زمن حكاية النص كحال هذه الوحدات قاب قوسين: (سألته عن سبب همه أجابني بأن الشيخ طلب يد غانمة لأبنه عواد! أنتقل همه إلي، فقد كانت غانمة صغيرة وعواد شخصاً سيئاً. / ص86 ) .

2148 عبد الرضا صالح

ـ راوي الرواة والأصوات الروائية

أن الاشارات الوظائفية في محكي رواية (الكواز رحلة التيه) تضعنا إزاء وظيفة (راوي متعدد/ راوي الرواة) اقتراناً له بذلك المؤلف الضمني والذي هو ليس بالمؤلف الحقيقي، بل أنه المؤلف المعادل للمؤلف الحقيقي في أشد اللحظات الداخلية من زمن مراقبة السارد المتماثل حكائيا، وقد تتسع مقاربة المؤلف الضمني إلى حالة مرويات السارد، كخاصية مفترضة أيضا في الملفوظ الروائي لا أكثر، وقد تواجهنا وظيفة راوي الرواة في الرواية، كعلاقة واصلة بين الشخصية الساردة وتمظهرات الأصوات الروائية الساردة في الرواية أيضا، وأي كحال من الأحوال التي تخص الأصوات الشخوصية التي تحكي مسرودها داخل سياق من سياقات السارد المشارك: (عبود: دبة الحياة في المدينة، وخرج من تبقى من رجالها للعمل وللبحث عن لقمة العيش، أعدت أهلي إلى بيتنا وتوجهت للعمل في الكورة بعد أن اضناني التعب في دفن الموتى./ ص102) هذان الحضوران لصوت السارد المركز والمشارك في النص كشخصية، هما صوتان واقعان ما بين الخارج والداخل من زمن المتصل في المتن، وهذه العلاقة تشمل الأصوات غير المحورية في الرواية كحال الحاج محمود والحاج علي واللصين وأبو عبدالله والنوخذا والشيطانة الفاجرة والحاج خضر وأسماء أخرى كثيرة هي خارج فعلية المحاور المهيمنة في الرواية. وتبعاً لهذا نواجه وظيفة السارد المركزي وهي تتشكل بين المحاور المركزية والشخوص المتكلمة في السرد عن حكايتها، وصولا منها إلى جملة علاقات خاصة من مواقع الشخوص المحورية كعبود وصفية وغانمة وحمدة وسالم وصاحب وفالح وخديجة وجابر.

ـ الفاعل الذاتي ومنظورات التبئير

لقد أصبحت الشخوص في الرواية الحديثة أعلى صوتا إذا ما قورنت بصوت الراوي، وذلك نتيجة لظهور تقنية تعدد الأصوات في البناء الروائي./ سعيد يقطين ـ تحليل الخطاب الروائي ـ ص 284/. وعلى هذا المستوى تتعالق محفزات التبئير ضمن ثنائية (المنظور الموضوعي ـ المنظور الذاتي للفاعل المنفذ).

1ـ الحكي ذو التبئير الخارجي:

و يمتد السرد في هذا النوع من التبئير الخارجي من خلال تقديم الأحداث، اعتمادا على وعي أحدى الشخوص، وقد قسمه جيرار جينيت على أنه يتم عن اختيار الراوي لوعي شخصية معينة يقدم الأحداث من خلالها ـ جيرار جينيت ـ خطاب الحكاية، ص 220/. كما ويبقى المحكي ذو التبئير الخارجي في شخوص رواية ( الكواز ورحلة التيه ) يعرض مسرودة ضمن منطلقات تنبري وحدود إنتاج العلاقات والدلالات في رصد العلاقة ما بين السارد الشخصية وزمن الحكاية: (سالم: أوكلوا مهمة نفينا إلى سجن بومباي لثلاثة حراس هنود وهم آرجون وأميتاب وديليب الذي يتكلم العربية بطلاقة، في حافلة بهيكل خشبي، صعدنا مقمعين بالسلاسل أنا والسجينان الآخران عبود وصاحب ومعنا الحراس./ ص127) وعلى هذا النحو نستدل على أن المبئر يتم من خلال الناظم الخارجي، إذ يقدم المنظور برانياً وعمقه خارجياً.

2ـ المحكي ذو التبئير الداخلي:

في الحقيقة أننا لم تعاين ذلك التوغل في الأعماق الشخوصية في أحداث رواية عبد الرضا صالح محمد، إلا من حدود جوانب أن يكون المبئر برانيا، ويقدم المبأر من الداخل، وبذلك يكون المنظور برانياً وعمقه داخليا كما أسلفنا، حيث تتداعى صور وحالات الذاكرة في علاقة مسرودة من الحكي المنقول: (فتلعثم في كلامه وخرجت كلماته بصعوبة، لم تفهم الصبية إجابته فنادت على أمها. / ص233)

ـ تعليق القراءة:

في ختام علاقتنا بدراسة مقالنا للرواية نقول أن دلالات رواية (الكواز ورحلة التيه) للروائي المثابر عبد الرضا صالح محمد، أخذت تطرح دلالات مرجعية خاصة من حكايات لها جذورها الواقعية في أرض الذاكرة وعمق الذاكرة، لذا بدت شخوصها كيانات محسوسة ومشخصة من مدار زمن وقائع لها من التأثير على ذائقة المعاينة القرائية المتحاورة وأقطاب محكيات الرواة الشخوص في مواقع فضاءات الأزمنة والعلامات السردية المتباينة في مساحة جمالية المبنى الروائي الدال والدليل في الاستجابة الروائية الجانحة في شعاب المخيلة المؤثرة.

 

دراسة الناقد حيدر عبد الرضا

 

 

صادق السامرائيهل تحتاج أمة ديوانها الشعر لترجمة أشعار أجنبية؟

ما فائدة ترجمة الشعر الأجنبي إلى العربية؟

لا يمكن لمترجم أن يأتينا بذات الفنية والجمالية، التي كُتِبَتْ بها القصيدة المترجَمة بلغتها، مهما حاول، فالنص المُترجَم يفقد قيمته، وربما معناه في لغة أخرى، فالنص الشعري إبن لغته ، وبغيرها يضيع إيقاعه وتأثيره في النفس.

فلماذا تكثر الترجمات الشعرية في الصحف والمواقع العربية؟

هذه ظاهرة منتشرة، وربما لا مثيل لها في مجتمعات الدنيا الأخرى، المنهمكة بترجمات علمية ومعرفية أكثر من الشعر، لأن الحياة فيها تتحرك على وقع الإبداع المادي، والإبتكار المؤثر بصناعة الوجود الإنساني المعاصر.

فهل أن الإنغماس بترجمة أشعار الآخرين تعبير عن عجزنا الإبداعي، وعدم قدرتنا على الإتيان بإنجاز معرفي أصيل؟

هل هو تعبير عن التبعية والشعور بالدونية؟

هل أن وهمَ كل ما هو أجنبي أفضل وأجود وأحسن مما عندنا، هو الذي يدفعنا إلى أن نترجم أشعار غيرنا؟

 لا أعرف الأجوبة، ومن الأصوب لمن يترجم شعرا أن يشرح لنا لماذا يترجم هذه القصيدة دون سواها، وماذا سيقدمه للقارئ بترجمتها، ولماذا لا يبني على فكرة النص الذي أحبه ويطورها، ويأتينا بنص عربي متميز ومنافس لنصوص الآخرين؟

المقال ليس ضد الترجمة، ولكنها أسئلة تتوارد كلما قرأت نصا شعريا مترجما!!

فهل من جواب هادئ؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

انعام كمونةنص (لكَ مآب.. أيها الحلم ..!) للشاعر جاسم آل حمد الجياشي.

مقدمة:

- الأحلام سر وجودي وعالم غريب محبب للنفس البشرية تطمح اليه في كل حين بلاوعي لتحقيق ما نفقده أو نتمناه في الحياة، (ويرى سيجموند فرويد أنّ الأحلام نافذة لمنطقة اللاوعي، وهي وسيلة لإرضاء الرغبات غير المقبولة في المجتمع)، فالهروب للأحلام وسيلة شرود فطري للعيش في واحة الاماني المبتغاة ونشوة لملامسة الواقع بزيف مشروع ورغبة عصية، وأن تكن بعض الأحلام كابوسا وأضغاثا مؤلمة إلا أنها للتنفس الروحي لما يختلجها من ضغوط فتخفف عما يجول بخاطر الروح، وقد ذكر في القرآن الكريم معجزة النبي يوسف عليه السلام وتعبيره للرؤيا، وأهتم كثير من المفسرين العرب قبل الغرب بالأحلام مثل (محمد بن سيرين، والمفكر محمد بن عربي، وأبن خلدون) أصبح للأحلام علم تفسير وتأويل، ويجدر الذكر (لحد الآن لم يكتشف العلم المعلومات الكافية عن الكثير من كنه الأحلام) رغم تفسيرات عديدة لكيفية حصول الحلم …

- ولمفردة الحلم نغمة عذبة الإيحاء تترك انطباعا شفيفا في ذهنية القارئ بما تبثه من توارد خيال بمفهومه الواسع تستفز حواسه برحلة ممتعة تجوبها النفس بمشتهى الروح وما تكتم من رغبات مستحيلة لا تتحقق في الواقع، ومن يقرأ مفردة الحلم بالعنوان ويستبصرها بمنى الاطلاع والمتابعة يتفاعل مع التجليات النفسية لذات الشاعر فيغوص بمتعة فلسفية للتمرد على الحقيقة، فلنتابع منظور الحلم بمرتسم فلسفة الشاعر الجياشي …

العنوان

- من ثريا النص يتجلى التشكيل السيمائي وميكانزيم الانزياح المرسوم بعدة أصوات لبناء حبكة مرصوفة بإيقاع انفعالي بما يحمل العنوان من الدلالات والعلامات وسكنات التعجب تمنح العنوان إيحاء مغاير لقصيدة نثر متمردة الفكرة بعنوان يشاكس دهشتنا بأسلوبه اللفظي وتتعدد آفاق مدلولات مضامينه فيستفزنا ثراء محور القصد من الوهلة الأولى…

- نرى الخطاب الموجه من ثريا النص وهو يشير بالضمير(لك مآب) لمن يخاطب؟ قد يخاطب بها حلم الشخص المتوفى، وقد يخاطب صديقه بتشبيهه بالحلم، لأنه جزء من أو شبيه لحلم الشاعر, لربما يخاطب فترة الحياة المشبهة بالحلم أو قضاء الموت المشبه بالحلم؟ أيكون خطاب لذات روحه بهمهمات اليقظة الفلسفية المتألمة؟ !! …

- العنوان (لكَ مآب/ــ ايها الحلم ..!) تستدرجنا شهية الفضول لمفردة الحلم، كيف يكون للحلم مآب؟ نحن نعيش الحلم كل يوم، نستيقظ على حلم الهموم (الحياة)، وعمرنا موجوع بالأحلام ومرارة غياب الأحبة، والموت حلم آخر في علياء السماء أوفي برزخ الانتظار وقد يكون أحلى الأحلام وأطهرها وأصدقها نطقان فأي حلما يقصده الشاعر، متى يكون للحلم مآب؟، فللحلم أشكاله المتعددة، بأي شكل سيعاود؟ …

- تجذبنا متعة الحلم من صيغة العنوان بما لمعجمية الحلم من أصوات مؤثرة بهفيف لفظه، أضافة لدلالته الواقعية المهيمنة التناغم فهو رمز أطره الشاعر برؤى فلسفية متعددة، ونستذكر قول للدكتور أحمد غنام عن الرمز (يمكن تلخيص ماهية الرمز أنها في أدراك أن شيئا ما يقف بديلا عن شيء آخر أو يحل محله أو بمثله بحيث تكون العلاقة بين الأثنين هي علاقة الخاص بالعام أو المحسوس العياني بالمجرد فيرمز لفكرة أو معنى محدد) فلرمز الحلم أشكال متعددة الدلائل بتغير مستمر وبعث دائم ضمن ماهية وجود طبيعي بضدية البيان وبلاغة التعبير، تتألق بروعة استعارة مكتنزة المعنى بعيدة الإيحاء تزرع التوق لاستكشافها، لذا علينا الغوص في أشكالها، ووجب علينا هدم أطرُها وخرق هالتها لنفهم فلسفة الحلم في بحر رؤى الشاعر …

- بما أن الحلم زمن غير معلوم , وغيبوبة حدث يحظى بزمان ومكان يلاحقنا بأشكال شتى في اليقظة والمنام، يتسرب دون علمنا ولا ينتهي بإرادتنا وانما يغشانا بظاهرة طبيعية لا سلطة لنا عليها , وحين يتم الحلم ولادته ونشأته بفترة وجود كاملة يتسرب حلما آخر بتوقيت المكوث وتجديد اللحظة الفانية فيعاودنا بشكل آخر، أذن للحلم أنطولوجيا وجود مبهم، سنستقرأ ما وراء هذا المآب لنرحل مع أشكال وألوان الحلم، ونستنبط غرض الشاعر لعودة الحلم، لمن ومتى؟ …

- نلاحظ للعنوان تركيبة متفردة بسيمائية اشارات حركية تعودنا دوما وجودها في نصوص الجياشي الخط المائل والذي يترك فترة توقف للقارئ والخط الأفقي انتقالة للتبحر والغوص لاستخراج عمق الدلالة وهي فواصل لم تخل بالمعنى بل تواصلية الانسجام ببنية تعبيرية جذابة تبعث على التحسس بجمالية الانزياح لما بعدها وتتوهج بومض الترابط، علما يستوقفنا العنوان بتركيزه الغرضي وتعدد دلالاته، تتركز في باطنه مغاليق كثيرة رغم سهولة التعبير الا أنه يحمل في طياته صوفية مغزى بما يفضي لنا من كينونة النص !!…

- وظف الشاعر رمز الحلم بتضاد رؤيوي وتناقض دلالي لفاعلية اشكال الحلم والمحاكاة ما بين الحقيقة/ والخيال، ليثير استفهام القارئ/ المتلقي من ثريا النص, فنسعى متلهفين للحاق بفقرات النص لإزاحة الغموض حتى تبرق الإضاءة لإشباع السؤال، فالعنوان ملتفع للنص ينتعش من ارتكازه على مديات طاقة رمز (الحلم) وقوة تظافره مع النص، والعنوان بوابة لفحوى النص يفتح مصراعيه كلما توغلنا في عتبات النص والتوقف بين ثناياه لاستقرائه تتأصل خباياه وتشقشق بادرة دلالة أخرى فنسترجع رمزية العنوان من بين نسق النص وهي ميزة رائعة جدا بتعالقها المتين مع متن النص، فالعنوان ثريا ناطقة وغامضة مكتنزة بالدلائل المتعددة وطافحة بأكسير الجمال على مستوى اجرائي عميق الترابط ودلالات القصد …

- النص.. لننحو لمفارقة رمز الحلم وتعدد دلالاتها…

- الأبداع يتراكم من بداية النص والدخول لعتبة جوهرية التعبير وخزين مُرَكز يختزل مساحة واسعة من الكلام والدلائل بعبارة بوح رائع جدا وهي (أنيق الروح) انزياح متفرد فأي أناقة تكون للروح !!هل تتأنق الروح وماهي أناقتها؟ اقتباس الأناقة للروح يبين منتهى الدلالة لسمو الخلق باستعارة أنسية، ومن ثم تعقبها (تلحف حرفكَ الأبيض) فتكتمل الصورة الشعرية الراقية الإيحاء بانزياح تركيبي وفنية التعبير بعدة دلائل، بما تكتم من براعة وصف وتشكيل جمالي يدل على مقدرة لغة في بلاغة الاستعارة لتفسير نقاء السريرة وصفاء النوايا وهذا ينم عن صفات المتوفى بمعطيات الصورة، وضوح روحه المتسامية عن مساوئ البشر فتمثل في مستوى أجرائي غاية الكمال والجمال …

- وتأويل لدلالة أخرى, بإحالة الكفن للحرف وكأنه يُحَمِل حرف المتوفي وهو(شاعر أيضا) مسؤولية موته لمدى معاناته وإحساسه المرهف والموجوع من مطبات حلم الحياة يستوعب الجياشي أثرها، لذا أوعز اختيارها كدلالة لسبب موته سَبَبَت بتحقيق حلم الحياة الأخرى (الموت) …

- وبما أن رمز الحلم يشي للموت أيضا وهو شكل من أشكال الحلم بدلالة (الغياب) وهنا تكمن بلاغة الاستبدال حيث لا يشير الشاعر الجياشي إلى الموت بشكل مباشر لأنه يريد أن يقول أن الموت مجرد حلم كما اليقظة من الحلم هو الاستيقاظ من نوم، باستعارة تشبيهية رائعة الوصف على المستوى الدلالي بتناول دلالة المشابهة، فيشي لنا بعمق المعنى وتكثيف الدلالة على أنه لم يمت ببقاء حروفه وما زال حي يرزق، بوجهة نظر للخيال الفلسفي لمحاكاة يوتوبيا الوجود …

- الكتمان عن الموت وعدم الإفصاح المباشر عنه بتوظيف رمز الحلم بأشكال عديدة متغيرة كوحدة دلالية وما ضمر مضمونها بين أنساق النص فلسفة خصبة المعرفة ومقدرة فكرية للشاعر ورؤاه الضمنية بصوت مختلف متباين الدلالة متضادة القصد فيما بينها، تبرز براعة الشاعر باستعارة واحدة تتآلف مع وحدات النص وتخلق اختلاف دلالي في كل موضع أوحى بها الشاعر لمضمون معين وتلك مقدرة تقنية وخبرة عالية، راقية اللغة تبهر القارئ/ والمتلقي، ليترك التأويل مفتوحا بمدى تأثره ودرجة تفاعله بما يهوى تفسيره وما يلتقط من ثمار معرفته وهي ميزة تواصلية الخطاب الأدبي …

- ونتابع بقطاف آخر و ..

كن مزاراً ،،للصادقين

القادمين من براثنِ الوجع ..!

كُن هودج رفضٍ

للمهطعين في قولة

ال كفى ـ ؟ !

- نلاحظ باذخ جمال التصوير لكينونة النقاء وتقديسه في الصورة الشعرية الآتية (كن مزارا للصادقين) والمؤكدة بـ (كُن) وهي تعبير لكائن قصدية الشاعر يشي بتكوين يقيني لبياض وروح صديقه المغيب بحلم قدره فيعبر عن مكان حلمه المغيب مزارا مقدسا بعمومية صفة الصدق يأوي إليه أشباه لونه الصادق وروحه البيضاء كما يردفها في نهاية النص بالطهر وهو استمرار تعالق نسجة الأنساق بانسياب وحدات الموضوع بتسلسل بنائي محكم وجمال تشكيلي رائع بخلاصة راقية للنقاء الانساني في حلم الحياة…

-  لنطلع على مستوى إجرائي آخر لجوهر الفكرة من الصورة الآتية، (القادمين من براثنِ الوجع..!) فكل القادمين متعبين من قسوة حلم الحياة بأفكارهم وأحلامهم ويشي بذلك رمز براثن في (براثنِ الوجع) تصوير فني بليغ لمدى وحشية التعامل مع الفكر أو المبدأ فيسبب العذاب الإنساني, وما تُسَبب للقادمين من الجراح ألم الحرمان من أبسط الأحلام المشروعة للإنسانية … وكأن الشاعر عندما ينعي صديقه يستذكر كل القادمين من حلم الحياة ودلالة القصد يشي كل من يُغَيَب من حلم الحياة، وباستخدام مفردة القادمين وهي الأرجح من الذاهبين لأن الانتقال من حلم لآخر هو قِدم الشيء، ولربما بدلالة يمكن تأويلها أن الشاعر ينعى نفسه مسبقا أليس هو من سيكون ضمن القادمين!!فحتى في حلمه الآتي يأبى إلا أن يكون طاهر المزار كروح صديقه حين حلم اللقاء …

- ونلاحظ بؤرة القصد وتوجيه الخطاب في كلتا الصورتين السابقتين بتجسيد الإشارة الجمعية (بالصادقيّن والقادمين) تومئ انغماس الأنا للشاعر في محيط الآخر وانتقال وحدة الخاص إلى العام وهو مدلول التحرر من حلم الأنا لحلم الجميع فيعم حيز الرؤيا …

- ورغم مسحة الحزن المتراكم ألا أن درجة الدعم للتصدي لحلم الموت وبعث روح الشجاعة لمواجهة أي مرحلة حلم بتذليل سطوة الخوف الطبيعية والفطرية التي تتلبس البشر بذكر الموت فنلمس درجة التحفيز للتفاؤل حين يخاطبه بـ (كُن هودج رفضٍ) وتكرر مفردة (كن) مؤكد لدلالة الأمر وما تخلق من نبرة تناغم في نسق النص، ولرمزية الهودج لها الأثر التراثي والتاريخي لطقوس دينية ومعجمية عقائدية مكتنزة بالدلالات فالهودج زينة من الأنوار مرتفع لأعلى مكان وفي المقدمة دوما، تشبيه صديقه ليكون كبريق الهودج بأنواره ليضيء طريق القادمين من حلم الظلام (الحياة) فنرى سيميائية بلاغة لمستوى إجرائي بمعيار جمالي لصورة شعرية ساطعة الانزياح باستثمار استعارة بإرثها النفسي والاجتماعي…

- تتمثل موجة انفعالات الشاعر لمرجع ذكرى والتي يثيرها الشعور الغريزي فتنطلق بانفعال عاطفي بصيغة أمر كما في (كُن) بإيحاء صوتي واستعمالها كعلامة قيمة شعورية على مستوى التوصيل الإيحائي توجهنا نحو منطقة الدلالة باستعمال لغة شعرية جميلة التعبير مبطنة البعد وهي أدوات تقنية تقترن ببنية أنساق تبرز حرفنة الإبداع …

- وندرك حوار اللاشعور في نص الجياشي مع صديقه في حلم الغياب يحثه ويشجعه بعدم الاستسلام بلفظة (كن) بصيغة آمر ليبث روح الحلم في تفاصيل غيابه ومنها نرى ايماءة دلالة رائعة البوح للتصدي للموت ونكران هيمنته بروحانية مفارقة لرمزية الحلم مدهشة، تنهمر من رؤى التأمل بروح نقاء و خيال مترف، وتلك فلسفة رؤى سيكولوجية وتاريخية وأنثروبولوجيا متجذرة من اعتقادات وتفسيرات كثيرة عن الموت منذ القدم , وكثير من رموز تاريخ تعتقد بتكرار الحياة بعد الموت، ونستذكر مراجع تاريخية لأهمية بناء أهرامات لسلالات ملوك الفراعنة كمدافن بعد تحنيطهم وحفظ ما يقتنون معهم باعتقاد مآبهم، فجذور الحلم متأصلة بميتافيزيقية التكوين وخلق روح للحياة الأخرى بتحويل الموت لفترة حلم وهذا ما صوره الشاعر في حلمهِ الآتي بأبعاد رؤيوية …

- يدرك الشاعر بإحساسه المرهف لوعة الفراق وتعاني روحه فتنهمر دفقات شعورية التأمل من مدى الرؤى والمتأثرة بالموضوع فيكون الشعور ذاتي التفاعل، يهيم بحرقة الألم بلا وعي في رؤى فلسفته التعبيرية بفكرة القصد، لذا ندرك كنه ترابط الذات بفكرة الموضوع وتلاصق فلسفة الفكر المعبر بدلالات عميقة الأسى، وهنا ذاتية الموضوع تكمن في أوج التألم وعراقة المشاعر الإنسانية، والإحساس الوجداني الصادق والتأثر النفسي الغير مدنس بأي شائبة من أحلام الحياة فنلاحظ تأجج مشاعر التأبين كلما توغلنا في وحدات النص ولنتابع قطافه الآتي …

- تقلب في لظى أحلامكَ

الوجلة من القادمِ

ولظى /ــ الأنتظار

الذي نما .. وأخضرَ

في دجى ثوبكَ

الأبيض المصابُ

بعدوى الغياب /ـ ها إنك

الآن تُدافَ في ندى

حلم التراب

- لَوَنَ الشاعر بريشة لغته أنساق القصيدة بالأبيض والأخضر أضفت التوهج على صور النص فاصطبغت بالعطاء، ولإن الأبيض ولادة حلم جديد والأخضر أنبات روح وبذرة نماء بسينمائية تفاؤل استخدم فحواها كرموز لإيحاءات عميقة متوارية خلف صفة الألوان، ومنها نرى الوصف الدقيق لصفات وخلق الصديق المتوفي برهافة ودقة اختيار ترتبط بدلالة حرفه الأبيض الذي مثل صفة تأكيد النقاء .

- ونلاحظ منحى التشجيع بقوة إرادة للتصدي للخوف من المجهول في حلم الغياب تستمر، فالشاعر يعوم في حلم صديقه بمرحلة الغياب، فيعظهُ بعدم الاستسلام ويطمئنه بأن الغياب حلم سيستيقظ منه حتما وأن طال موعده، وبأن العتمة لا تدوم وما الغياب الا عدوى سيشفى منها, نرى دلالة التأكيد على (عدوى الغياب) ما هي إلا مجرد عارض مرضي لفترة زمنية مما تشي أنها عدوى ستحل على الجميع، لذا يعبر عنها برمز الحلم في الغياب لتفادي قسوة لفظة مفردة الموت وما تكتمه من بواطن الدلالات والتعبير بسبل فلسفية لمحاكاة أرق …

- أبدع الشاعر بطاقة تعبيرية فنية و فلسفة عميقة لتفسير ماهية الموت بزمن غياب مؤقت وعدهُ شكل من أشكال الحلم بتوظيف مفردات بسيطة مبطنة بتنوع دلالي غائر مما يوصلنا لتداولية خطاب رائعة الأثر بتواصلية أدبية لتفسيرات عديدة نابضة على محمل التأويل لعمق ما تحمل الأنساق من صور باهرة الوصف بتوظيف مضمون خطابي لموضوع متكامل بمعانٍ جميلة وما تكتنز من دلالات الصور الشعرية لخطاب عام بتغاير دلالة مفردة واحدة هي رمز الحلم وألبسها هبة المرونة لغرض دلالي متنوع بإيماءة قوة الرمز فاكتست بطاقة ملهمة الإيحاء ومهارة التشكيل ككيان متفرد وحدوي مكتمل الدلالة متجانس مع وحدات النسق في أي صورة كائنة الغاية …

- يجذبنا الأسلوب التعبيري في الصورة الشعرية الفنية الرسم (ها إنك الآن تُدافَ في ندى حلم التراب)، فنية مثالية التعبير تطغي ببعدها الدلالي، فكيف يداف صديقه في ندى حلم التراب؟ يبتدأ الشاعر بظرف الزمان (الآن)والذي يدل على الوقت الحاضر وهي لحظة زمنية آنية غير متوقفة في أي قراءة ستكون الآن فصاعدا زمن غير متوقف، فيكون دلالة زمن افتراضي، يراه برؤيا قلبهن والفعل المضارع (يداف) يدل على استمرارية الرؤيا، بتأكيد متوائم لعمق المعنى لزمن مفتوح الآفاق، يجسد مستوى اجرائي متميز لزمن افتراضي لا مكان محدد يحتويه، ولنتابع الجمال الفني في مجاز مختزل، فنرى (الندى) رمز الطراوة والبلل، و(التراب) من العناصر الأساسية الأربعة وهي أصل الكون والخلق ومنها نشم رائحة التراب المعطر من رطوبة الصباح وشروق النور، تشبيه رائع مبطن وبدلالة تأويله أن صديقه سيعطر حلم التراب وهذا دلالة أخرى لرمز الحلم عميقة الإيحاء وكما نعرف خُلقنا من التراب ونعود للتراب ففيها الكثير من طوبوغرافية الوجود، وصوفية الصورة الشعرية ببعد التخيل، لذا علينا تفتيت كل معجمية لنكتشف ما تحمل في بواطنها البعيدة فنرى الانزياح التركيبي العميق والدلالي الموظف لرسم رؤى فلسفية لمستوى النقاء الذي نوى الشاعر توصيله للقارئ وهو مستوى أجرائي رائع ومكثف جدا لمدى براعة الثقافة الشعرية للشاعر، كما يمكن استقراءه بعدة دلالات…

- نستدل من وصف الموت بالحلم نظرة فلسفية تنم عن رضا مسبق لكينونة الوجود المتغير مبررة لتفسير حتمية زمنية معينة لا تخضع لمدى علم البشر فتفسر بقناعة عرفانية وثقافة عميقة لتتقبل حالة غامضة يقينية التوقع بتكهنات فلسفية ودراية معرفية واسعة باعتقاد رؤيوي لعدم احباط النفس البشرية والتي تسعى دوما للبقاء الأبدي، كما في بعض روايات التراث وأسطورة كلكامش بالبحث عن عشبة الخلود فمن منا لا يتمنى أن يعثر عن سر هذه العشبة؟ وبكذا رؤى يستدرجنا الشاعر لخاصية فكره الفلسفي بالابتعاد عن الوضوح والمباشرة …

-ويوفق الشاعر بفلسفته عن فكرة الموت لصديقه المقرب ليقتنع ولربما يُقنع أنه حلما يخطفه , وجدير بالذكر أن أثر الصدمة لغيابه أهلته لذهنية عميقة الرؤى حول الغياب كما يدل رفضه لعبارة الموت باستبدال فرضي أنها حلما وذلك منطق فلسفي بعيد الرؤى متهجد الخيال لشقاء الإنسان المعاصر، وما تفسيره أن الحياة والممات حلم، والاستيقاظ هو حلم لقاء آخر وحياة مجدية جديدة فنرى فلسفة متفردة الخيال بتكوين عدة دلالات من كلمة واحدة (رمز الحلم) بمرادفات ضدية بين الموت والحياة بتعدد الصور، وتلك مفارقة رائعة على مستوى إجرائي لفلسفة ذاتية قد تغدو واقعية أو خيالية فيتأملها الكثير بحكمة فلسفية مؤملة لتحقيق الحلم …

- ورغم ما شدا الشاعر من حزن في أصقاع الحلم إلا أن أصداء مناجاة روح الشاعر تتهجد بدرجات العرفان الإنساني والوجداني بألم الفراق تجاه روح صديقه المتوفى، ولنتابع بقية القطاف …

إني أراكَ الآن وأنتَ

في عليائكَ ..

متوثبٌ في حلمِ يقظتكَ

وأنتَ تهرول

على سواترِ الييااااااااااض

تاركاً خلفكَ

كلَ هذا المجون /ــ متطهراً

زاهداً ..

نقياً .. فرااااغ كفكَ يشهدُ

تأكد ياصديقي /ــ لكَ مآب

ولي ذهاب /ــ وسنلتقي

عند منتصف الحلم /ــ إياكَ أن توقظني

من حلمي السادرُ فيك ..!!!

- للضمائر حضور بهي في أنساق النص، تنهمر من العنوان (لكَ) لعتبات النص (ها إنكَ)، وقد تعددت الضمائر ,ومنها ما تركزت في المجاز التعبيري الآتي (إني أراكَ الآن وأنتَ)، ضمير المتكلم (الياء) والمخاطب (الكاف، أنت) كذلك موسيقى التعبير للضمائر في العبارة الآتية (لكَ مآب ولي ذهاب)، اضافة إلى تعدد حرف الأف في معجمية البياض ورسمها بشكل (البيااااااااااض) بتكثيف نبرة النقاء، فما أروع الاختزال لإيصال نبرة الخطاب بمستوى صوتي صارخ النقاء والوفاء متوازي بإيقاع أسلوبي الانفعال وصيغة متوازنة بين المرسل والمرسل إليه، مما يشد القارئ/ المتلقي للتواصل والانهماك العذب في تفسيره وتأويله المتواصل…

- ونرى تكرار آخر في مفردة (الآن) تمثل زمن الحلم وانغماس الشاعر في الرؤى ممتدة باستمرار اللحظة لروح صديقه ودلالاتها بكل حين تأكيد مكثف للزمن الآتي (المستقبل) سبق أن تناولته …

- ولننهل من تعدد الصور الشعرية بفحوى اشكال حلم الحياة الأخرى في زمن الغياب تضمنت الزمان في(حلم يقظتك) والمكان (على سواتر) بأنساق متكاملة الترابط كما في الأنساق التالية…

في عليائكَ ..

متوثبٌ في حلمِ يقظتكَ

وأنتَ تهرول

على سواترِ الييااااااااااض

تاركاً خلفكَ

- ما يلفت الانتباه بتحفيز الفكر لدلالات عديدة بأن الغياب زمن حياة اخرى مثل(في عليائكَ.. متوثبٌ في حلمِ يقظتكَ، تهرول) فيها حضور مطلق التأكيد متشرب برؤى الشاعر يعري الموت من سكونه فتبدو الصور بفاعلية تجريدية لحركية الأنسان موازية لأي حياة بحضور دليل الحركة في(متوثب، تهرول، وتثب), فتشكل منحى أجرائي تجريدي الملامح عميق الدلالة مرتبط بحواس حميمية الروح كما تراه العين حاضرا وتسمعه الأذن وجودا برؤيا طاقة الحياة في حلم الغياب وهذا تضاد استعاري رهيب البلاغة …

- كما أوحى لنا الشاعر بدلالة أن اللقاء في منتصف الحلم هو إشارة لفلسفة تسلسل الانعتاق رويدا رويدا من حلم لآخر وهو (الموت) في قصدية مبطنة لفكره الفلسفي، ويوحي بالفراق المتوقع فلكل حلم نهاية كما أسلفنا, وقطاف خاتمة النص…

ــ إياكَ أن توقظني

من حلمي السادرُ فيك ..!!!

يا صديقي ..

- دفقة شعورية لخاتمة رائعة مكملة لترابط ضمائر الخطاب في بنية النص بأسلوب سلس الانسياب مؤكدة الإشارات ما بين مرسل ومرسل إليه، نلاحظ الضمير (أياك) موجه للمخاطب بشكل تأكيدي وتحذيري وآمر، بروعة لغة دقيقة الاختيار أن يجتمع المعنى وتآزر بدلالات عدة في ثيمة واحدة ببلاغة وبيان رفيع المستوى، ولأن الشاعر يود أن يبقى مرتحل في حلم الذكرى لصديقه ليتم اللقاء بحلمه الآخر ب (يا صديقي) تأكيد لأنهاء لواعج الوجع بنداء!، فهل ينتهي حوار فلسفة الحلم ؟…

- بما أن مفردة الحلم شكلت العمود الفقري للنص وتكاد تكون هي الرابط الأساسي للفكرة وثيمة ارتكاز من العنوان للخاتمة، فقد تكررت تسعة مرات من العنوان لخاتمة النص ما بين مرتبطة بضمائر المتكلم والمخاطب أو غير مرتبطة ضمن سياق تركيبي بمهمة وظيفية وقوة توالد دلالي بسياق اسلوبي على مستوى الرمز، حيث تم توزيعها في مواطن النص ولكل منها مدلولها الخاص بانزياحها عن مدلولها المعجمي (الدال) برمزية مختلفة الدلالة متآلفة مع الشكل والمضمون بحضور حسي عاطفي باستعارات مختلفة موشية بكثير من الدلالات المتناقضة الجذابة وهذا ما يوحي للأبداع الحقيقي والمثير للجدل حول قدرة خيال الشاعر واجتهاده اللغوي وخبرته الشعرية بإيقاع متوازن ومؤثر فنرى أمكانية وبراعة تسخير رمز الحلم لأقصى طاقة استثمارية لخلق كون آخر بانتشاء حلم حقيقي …

- كما تكرر اللون الأبيض ثلاثة مرات والمصدر إيقاظ بفعل المضارع والماضي والأمر أربع مرات فكان لها التأثير الإيجابي لمقاربة أخرى …

- نلاحظ على مستوى الأنساق في بنية النص تشكيلة فنية بارعة الجمال ببنية رصينة وترابط وثيق لا تنفك عقده عن أفقية الانزياح ولا عن عمودية التراتب الانسيابي بسلاسة شيقة ممتعة للقارئ/ والمتلقي، ووحدة نسيج متشابك مترابط المضمون شكلت قصيدة نثر معطرة بالاقتدار اللغوي والخبرة التعبيرية بحبكة مترابطة الأنساق وسيميائية عناصر بأسلوب توظيف غاية وقصد تجول في تفكيرنا دوما، إنجاز رائع لنص حديث مغاير الرؤيا بوحدة مفردات وخيال شعوري بتحرر نفسي وفلسفة فكرية بتطويع اللغة لأدوات مبدع …

- وقد تمكن الشاعر جاسم الجياشي من إرساء مستوى أجرائي لدلالة التضاد في الوجود من موت/ وحياة، وغياب/ وحضور، أبيض/ أسود، فراق/ ولقاء.. وغيرها من أحاسيس عاطفية نفسية برمزية الحلم وتحرر من قيود مبهمة عطشى لحرية روح بمنطق فلسفي متميز الفكر بترابط موضوعي ذا فاعلية خطاب نقلنا من الخاص الى العام، ومن ذاتية موضوع لعمومية الخيال، وترجم فلسفته بحواس الإنسانية بأنواع المعرفة ومختلف البيان بخبرة عميقة فأنتج الأبداع بفاعلية أدبية بباذخ اللغة، وبوح ايحائي يشي لنا حكم وعبر برشاقة اللفظ وفنية التعبير بمفردات بسيطة جسدها بمشاعره الجياشة بحزنه العميق فرسم انزياح متغاير بتكثيف الصورة لأبعد ما يلامس خلجات القارئ بتفاعل التلقي فيتوهج النص بصفة السهل الممتنع وهي بلاغة النظم وكثافة الإيحاء ببساطة التعابير وعمق المضمون…

-وللرد على اسئلة تراودنا ضمن النص، نستنبط أن للحلم مآب بين حلم يولد وحلم يغيب وحلم له مآب آخر، وقد بدأ الشاعر بزمن واستدرجنا معه برحلته الفلسفية ما بين زمن حاضر وزمن غائب نستدل منه أن الوجود الطبيعي زمن بكيان مستمر رغم تقاطع أزمنته بأشكال الحلم ورغم قياسها بالمستوى السيكولوجي المؤثر فان الأزمنة أفق كوني متأرجح يجيب على اسئلة فضولنا بكيفية لا تقتصر على نهاية واقعية بل بانطلاقة تزحزح المنطق عن أصوله المعتادة، بنطاق زمني مستحدث ضمن كل قناعة قارئ، وقد تناثر هذا الزمن بوحدات النص بألوان مختلفة من بداية العنوان لخاتمة النص مرادف لرمز الحلم بشكل متوازي بصيغة مدهشة منصهر مع وحدات النص بجمال أخاذ, فلكل زمان مكان يحتويه وبهذا المستوى الإجرائي النص مكتظ بالزمن وهي إشارة فاعلة التأثير تصاعدية التموج تبعد الجمود عن ذهن المتلقي للتفكر بفترات الحلم حين المتابعة ويترك المكان لذهنية القارئ …

- خلاصة:

- يؤكد لنا الشاعر بفلسفة زاخرة التفكر غنية الرصيد المعرفي خصبة الخيال بتمثيل حركة الوجود بتمرير ملامح حلم هلامي الوجوه بتكرار متنوع، فتوالد الحلم بأشكاله الشتى من محور النص القائم على بؤرة تناقضات تجسد كونية عالم الحلم، باقتران رمز الحلم بجوهر الفكرة ومختلف الدلالة ندركه بتمعن التوقف كلاً على حدود معناه وما يخفي من ايحاء يشي بإمكانية تفسيرها وتأويلها ضمن معرفة المستقرئ …

- وبدلالة عميقة التبصر بفكر الشاعر الجياشي تجاه موت صديقه تنعكس بمرآة التصور بعين التوقع بفلسفة الإلهام لمنحى سيرة نفسية ذاتية مستقبلية له وما يجول بخاطره بمخيال فلسفي، يرصد مسبقا تلميح نسيانه بعد مغادرة حلم التواجد (الحياة) الى حلم الغياب (الموت)، بتحقيق شكل من أشكال الحلم والذي لا بد منه في حياة الحلم، ولذا يدرك بيقين حكمته وروحه الناصعة وكما يقال(رحم الله من عرف قدر نفسه)، وها هو يرى نفسه في مرآة حلم صديقه بلا ضبابية ولا هروب، وبكذا يترك لنا انطباعا عن بصمة حلم غيابه المستقبلية بذهنية تغاير سيكولوجية وأثر اجتماعي وتاريخي تراود الشاعر عن حلمه الآتي، قد تكون! أو لأنهم من نفس المحيط وتعاريج مناخ مرسومة على خارطة المصير بنفس المعاناة فالأصالة تجود بنعي الميت فكيف أن يكون التأبين لصديق عزيز، أحرق فراقه القلب وأفاض المآقي…

حقق الله الحلم الشاعر والمفكر جاسم آل حمد الجياشي

***

النص:

لكَ مآب /ــ ايها الحلم ..!!

ــــــــــــــــــــــــ جاسم آل حمد الجياشي

أنيقَ الروح /ــ تلحف حرفكَ الأبيض

كن مزاراً ،،للصادقين

القادمين من براثنِ الوجع ..!

كُن هودج رفضٍ

للمهطعين في قولة

ال كفى ـ ؟ !

تقلب في لظى أحلامكَ

الوجلة من القادمِ

ولظى /ــ الأنتظار

الذي نما .. وأخضرَ

في دجى ثوبكَ

الأبيض المصابُ

بعدوى الغياب /ـ ها إنك

الآن تُدافَ في ندى

حلم التراب

تدثر ..

تدثر /ــ بالسحاب

تدثر .. لكَ موعد

في الإياب /ــ عند منعطف

أولى الحكايا

أولى الصرخات

الرافضة /ـ ؟!

لم أشأ يوماً ياصديقي أن اوقظك من أحلامكَ ــ إلا رغبة مجنونة سُكبت فيَ اليوم

لإيقاظكَ من صحو أحلامكَ التي سَكَنت مشافي الجنون! ولادتها المتعسرة /ــ ؟!

على يدِ قابلة الرعب .. أُجهضت ..!!

منذ زمنٍ ..!

إني أراكَ الآن وأنتَ

في عليائكَ ..

متوثبٌ في حلمِ يقظتكَ

وأنتَ تهرول

على سواترِ الييااااااااااض

تاركاً خلفكَ

كلَ هذا المجون /ــ متطهراً

زاهداً ..

نقياً .. فرااااغ كفكَ يشهدُ

تأكد ياصديقي /ــ لكَ مآب

ولي ذهاب /ــ وسنلتقي

عند منتصف الحلم /ــ إياكَ أن توقظني

من حلمي السادرُ فيك ..!!!

ياصديقي ..

***

بحث: إنعام كمونة