 قراءات نقدية

صوت الحكمة في الشعر الجاهلي

معراج احمد الندويالشعر مرآة آداب الناس وصحیفة أخلاقهم ودیوان أخبارهم وسجل عقائدهم. وذلک لأن نفس الإنسان وقلبه تحرکّا وارتقیا قبل أن یرتقي عقله وتتهذّب مدارکه، فتکلّم بالشعر قبل أن تکلّم في العلم، ولذلک کانت أقدم أخبار الأمم والشعوب من قبیل الخیال، وأقدم المحفوظ من مدوّناتها کتب الشعر، وهو أمر طبیعي لأن الشعر لغة النفس تعبّر من خلاله عن انفعالاتها وأحاسیسها ومشاعرها.

إن الشعر الجاهلي شعر الأصالة والفطرة، وأن الحكمة الجاهلية من أنقى ما لهجت به ألسنة العقلاء، وتلجلجت به صدور الحكماء عبر السنين حيث الحياة صافية صفاء الصحراء النقية، والفطرة سليمة لا تشوبها شائبة من ثقافة وافدة. ومن المعروف أن العرب في الجاهلية لم يعرفوا العلم والفلسفة لأن الحياة البداوة لم تتيح لأصحابها بأن يكون لهم علم منظم. فالعلم وليد الاستقرار والحضارة. قام الشعراء بهذه المهمة ورسموا للناس المثل العليا وفتحوا أعينهم على الحقيقة الباهرة. حاول الشعراء في حلها ونشر الخير والأمن والسلام في ربوع بلاد العرب. ومن هؤلاء نذكر الشاعر الذي عاصر حرب داحس والغبراء. وكان له مشاركة فعالة في دعوة القوة إلى التخلي عن الحرب والعودة إلى الود والسلام، وذلك هو الشاعر زهير بن أبي سلمى. إن طبيعة البيئة الشعرية التي عاش فيها زهير قد أكسبته مكانة لائقة داخل القبيلة. وهذه البيئة الشعرية أمكنته من الوصول إلى منزلة الكمال الفني في النظم بين شعراء عصره. وكذلك هذه الوراثة الشعرية أثرت في تكوين شخصية زهير إنسانا وشاعرا.

فالحكمة في الشعر الجاهلي كلام يشير إلى خيارات الشاعر الخلقية معتمداً على تجربته الحياتية. ‏والحكمة في الشعر هي القول الذي يدعو إلى تقرير قيمة متبناة من التأمل أو من تجارب الحياة، فتشيع بين الناس ويحفظونها، وهي ترد في الشعر وفي النثر. ‏إن بعض الأشعار أصبحت، لقوة انتشارها، أمثالاً شائعة وفي معلقة يا دار مية التي يمدح النابغة فيها النعمان ويعتذر إليه. وفي غيرها نجد طائفة من الأمثال:

أنبئت أن أبا قابوس أوعدني ‏

ولا قرار على زأر من الأسد ‏

وبيت آخر من قصيدة للنابغة: ‏

فاستعجمت دار نعم ما تكلمنا ‏

والدار لو كلمتنا ذات أخبار ‏

ومن الحكم الرائعة ذات المدلول الأخلاقي: ‏

لا تظهرن ذم امرئ قبل خبرة ‏

وبعد بلاء المرء فاذمم أو احمدِ ‏

وفي الكرم: ‏

ولا أشتري مالاً بغدر علمته ‏

ألا كل مال خالط الغدر أنكد ‏

كان زهير بن أبي سلمى شاعر السلم والسلام، ومبدع الحكمة والتجربة من فحول الشعراء في الجاهلية. كان العصر الجاهلي عصر حرب وغزو ونهب. وكان زهير خبيرا بأحوال الناس ونزعات طبائعهم، وهو يحسن التفهّم لمعنى الإستقامة والإعوجاج، ومعنى الرذيلة والفضيلة، وذلك أن الرجل جاهلي وهو يخاطب مجتمعاً جاهليا. لقد كان زهير داعية للسلام، ومصلحــاً اجتماعياً، وحكيماً ينصح الناس ويرشدهم، ويدعوهم إلى العمل الصالح. ضمّن شعره نظرات تأملية في الحياة والموت والإنسان، وکان زهیر یمیل في أشعاره إلی الحکمة وبیان مکارم الأخلاق وخاصة في خواتیمها ، وهي حکم متفرّقة ضمّنها في تضاعیف شعره ،

وعلى الرغم من نزعة هذه الحرب بين عبس وذبيان فقد برزت في مواجهتها نزعة سلمية كان صوت العقل فيها يعلو على صوت العاطفة ليسفه العنف وينبذه ويدعو إلى السلم وينفر من الحرب وشرورها. ‏وكان زهير بن أبي سلمى ممثلاً لهذا الاتجاه وصاحب صوت التعقل؛ ذلك الشاعر الذي أحاطت به ظروف متعددة جعلت منه داعية للسلام: فقد مات أبوه وهو طفل فتزوجت أمه الشاعر المعروف أوس بن حجر فعاش بين قبيلة أخواله بني غطفان بعيداً عن قبيلته: وقد آمن زهير بمبدأ القوة الذي كان سائداً في مجتمعه وعصره حيث لم يكن للضعيف في ذلك المجتمع مكان لأنه مسحوق مظلوم من الأقوياء الظالمين كما يقول:

ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه ‏

يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم ‏

ويبدو زهير حليماً تجاوز عصره، ورجل سلم، يحكم العقل في حل المنازعات، ويدعو إلى تجنب الحرب وهي غاية الغايات في الحكمة: ‏

وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم ‏

وما هو عنها بالحديث المرجم ‏

ولم يعرف عن زهير شرب الخمرة، ولا حتى وصفها "كالأعشى" و"طرفة"، ولم يتبذل حين كان يتغزل غزلاً تقليدياً وهو الذي جعل إنفاق المال في الخمر مفسدة لا مفخرة كما ورد في مديحه حصن بن بدر سيد غطفان إذ يقول: ‏

أخي ثقة لا تهلك الخمر ماله ‏

ولكنه قد يهلك المال نائله ‏

ومن أشهر حكم زهير المتناسبة مع عدم شربه الخمرة إيمانه المطلق بالله ‏

فلا تكتمنّ الله ما في نفوسكم ‏

ليخفى ومهما تكتم الله يعلم ‏

يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ‏

ليوم الحساب أويعجّل فينقم ‏

ولشعر الحكمة الجاهلي إيمانه بالله والقسم به والاعتقاد بالآخرة والحساب والإيمان بالقضاء والقدر والتزوّد بالعمل الصالح. إن الشعر في العصر الجاهلي کان قد بلغ الغایة في البلاغة ، وکان العرب یطلقون علی الشاعر آنذاک مصطلح "العالم الحکیم"، فیفضّلونه في حلّ النزاعات ویحتکمون إلیه في الأمور الخطیرة والقرارات الحاسمة. وکانت العرب تُقِیم الشعر مقام الحکمة وغزارة العلم.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

جامعة عالية- كولكاتا- الهند

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4615 المصادف: 2019-04-25 01:56:42


Share on Myspace