 قراءات نقدية

الشعر في العصر العباسي الاول (3)

فالح الحجيةلقد صاغ الشعراء العباسيون أساليبهم في ضوء حضارة الدولة وثقافتها وطريقة تذوقها للفنون . لذا جاء الأسلوب الشعري اقرب إلى الرقة في النسج والدقة في التصوير والدماثة في التعبير وشاعت في حواشيه ألوان من الزخرفة اللفظية وضروب من الزينة والجمال واكتنفت أنغامه حالة من الفخامة المؤثرة والتي قد تهز العواطف وتحرك المشاعر وتثير الاحساس . فالشعراء الاكثر تحضرا يميلون بطبعهم إلى الكياسة والزينة والانس في كل شيء فالطبع الحضري تستهويه الأناقة في كل ما حوله ويجذبه التأنق ويقربه اليه وهو ما يدلل على تطور هذه الأذواق ورقيها وهذا سبب قوي في ايجاد أسلوب شعري تركن اليه النفس لتستريح عنده في حسن صياغة أ نيقة مثل مرآة صقيلة عاكسة على صفحتها كل فنون الجمال والتنسيق الاسنى والافضل لاحظ قول بشار في ذلك:

ومخضب رخص البنا ن

بكى عليَّ وما بكيته

يا منظرًا حسنًا رأيـ ـت

بوجه جارية فديته

بعثت إليَّ تسموني

ثوب الشباب وقد طويته

ثم حالة جديدة ونقصد بها السهولة في الاسلوب ذلك الأسلوب اللين الذي يقرب إلى العامية أو يؤثرها بعضهم وهذه السهولة ربما حاولها غيرهم في أساليبهم فيخفقون وينكصون عن الايتاء بمثلها وتستعصي عليهم وتمتمنع عنهم امتناعا ربما يكون عند بعضهم شديدا قد يسلمهم إلى اليأس وينتهي بهم إلى الحيرة المشوبة بكثير من الإعجاب. وهذا ما نسميه بالسهل الممتنع وقد نسج فيه عدد من الشعراء في هذا العصر منهم ابو العتاهية لاحظ قوله:

كَمْ رأينا مِنْ عَزِيزٍ

طُوِيتْ عنه الكشُوحُ

صاحَ منه بِرَحِيلٍ

صائحُ الدَّهْرِ الصَّدُوحُ

موتُ بعضِ الناسِ في

الأرْضِ على قومٍ فُتُوحُ

سيصير المرءُ يوماً

جَسَداً .. ما فيه رُوحُ

وقد ترك اغلب شعراء هذا العصر كثيرا مما كان يسير عليه الشعراء في الجاهلية كاستهلال القصيدة بالغزل . ووصلت الامور الى ان تهكم بعضهم من هذه الطريقة واعتبروها بالية وقديمة و سخروا من الشعراء الذين حافظوا عليها.

فهذا ابو نؤاس يقول:

قل لمن يبكي على رسم درس

واقفا ما ضر لو كان جلس

وكذلك نلاحظ دخول الشعر بعض الالفاظ والاصطلاحات العلمية واللغوية كقول الشاعر ابو تمام في الخمرة:

خرقاء تلعب بالعقول حبابها

كتلاعب الافعال بالاسماء

وكذلك كثر استعمال المحسنات الكلامية البلاغية كالبديع والطباق والجناس والتشبيه الفردي و التصويري والاستعارات المختلفة وتفنن الشعراء فيها وتزيينهم لشعرهم بها كل قدر امكاناته اللغوية وقدراته البلاغية والشعرية وقوة شاعريته يقول البحتري:

فلم ار مثلينا او مثل شاننا

نعذب ايقاظا وننعم هجّدا

وكذلك كثر استعمال الكلمات الاعجمية في الشعر فوجد فيه كلمات اعجمية مثل الديباج او الفاذولج وخاصة الفارسية . فالشاعر كانه يتحدث إلى جمهور مزيج من العرب والعجم ويعيش في بيئة حضرية وهذه البيئة قد ا بتعدت بالشباب الجدد عن صلابة حياة البادية وصعوبة أنماطها في الصحراء العربية فلم تعد ملكاتهم العربية الأصيلة وقابلياتهم النفسية قادرة على التماسك ازاء هذه التغيرات فلانت انفسهم واحوالهم بالحضارة العباسية وتأثروا بالوا فد الجديد الذي حبب السهولة إلى نفوسهم وخلطها بأذواقهم.

لاحظ احدهم يمدح الخليفة الرشيد فيقول:

من يلقه من بطل مسرندي

في زعفه محكمة بالسرد

تجول بين رأسه والكرد

لما هوى بين غياض الآسد

وصار في كف الهِزَبْر الورد

*

فالشعراء أنفسهم كانوا -غالبًا- من هذا المزيج ولكن مواهبهم الفنية كانت تعطفهم إلى النهج العربي الصميم وثقافتهم العربية وآدابها و كانت تشد من ملكاتهم فيما يتصل بالتعبير ولهذا كانت أساليبهم في يسرها من باب السهل الممتنع بما تضمنت من رقة آسرة وعذوبة خلابة. والشعراء الذين ا د خلوا هذه الالفاظ في الاغلب اما من اصل فارسي او يميلون الى الاصول الفارسية او لهم اطلاع واسع في اللغة الفارسية كابي نؤاس وابن الرومي وابن المعتزالخليفة العباسي.

يقول ابن المعتز:

قم نصطبح فليالي الوصل مقمرة

كانها باجتماع الشمل اسحار

اما ترى اربعا للهو قد جمعت

جنك وعود وقانون ومزمار

ثم ا دخلت الى اساليب الشعر الفاظ فلسفية و علمية وكل ما احاط بالشعراء من امور ثقافية ومعالم وتطور وقوة اسلوب وجد وهزل وابتذال في شعر هذا العصر والشاعر من ابدع فيها واجاد .

.لاحظ قول ابي العلاء المعري:

اذا رجع الحصيف الى حجاه

تهاون بالشرائع وازدراها

فخذ منها بما اتاك لب

ولا يغمسك جهل في صراها

وهت اديانهم من كل وجه

فهل عقل يشد به عراها

وكان من اثار تطور الحياة العامة في العصرالعباسي ان تطورت الحضارة والثقافة والسياسة وتطورت تبعا لها معاني الشعر واخصبت اخيلة الشعراء وازدحمت بشتى معالم الحياة وتفنن الشعراء في معاني الشعر فقد تصرف الشعراء اولا بمعاني شعر الاقدمين قبلهم واضفوا عليها طابعا من الحسن والطرافة ورقة حواشي الصور الشعرية والبلاغية فاستخدم الشعراء اقيسة منطقية وتعبيرات لغوية تكاد تكون جديدة فيما البسوه لها من قشابة الالوان وتباين الانواع فاحسنوا التصوير والابداع واتسعت اخيلتهم الى افاق واسعة اضافية فجاؤوا بها وتظهر هذه الابداعات في التشبيه وسعة الخيال الشعري وما اكتنفته من اضافات في محسنات اللغة من طباق وجناس و بيان اضافة الى التراكيب اللفظية والصور الجميلة وتسلسل المعاني وتلاحمها

فمن تصرف الشعراء بمعاني الاقدمين قول الشاعر سلم الخاسر:

فانت كالدهر مبثوثا حبائله

والدهر لا ملجأ منه ولا هرب

ولو ملكت عنان الريح اصرفه

في كل ناحية ما فاتك الطلب

ومن تطور واستعمال الاقيسة المنطقية قول الشاعر البحتري:

دنوت تواضعا وعلوت مجدا

فشأناك انحدار وارتفاع

كذاك الشمس تبعد ان تسامى

ويدنو الضوء منها والشعاع

ومن حسن الابداع والتصوير الشعري الحسن قول الشاعر المجدد بشار بن برد متغزلا:

يا قوم اذنى لبعض الحي عاشقة

والأذن تعشق قبل العين أحيانا

فقلت احسنت انت الشمس طالعة

اضرمت في القلب والاحشاء نيرانا

باتت تناولني فاهاً فألثمـــــهُ

جنيّة زُوّجت في النوم إنســانا

فاسمعيني صوتا مطربا هزجا

يزيد صبا محبا فيك اشجانا

يا ليتني كنت تفاحا مفلجة أو كن

ت من قضب الريحان ريحانا

***

يتبـع

د. فالح نصيف الحجيـة الكيلاني – العراق

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4934 المصادف: 2020-03-09 01:29:12