 قراءات نقدية

مظاهر التحول في شعر حسان بن ثابت الإسلامي

صلاح الدين اشرقيالأغراض الشعرية أنموذجا

مقدمة: لقد تعرض الشعر إلى مجموعة من التحولات بعد مجيء الإسلام، خاصة بالنسبة للشعراء المخضرمين الذين عاشوا فترتين شعريتين، فترة الشعر الجاهلي، وفترة الشعر الإسلامي، فقد كانوا في الجاهلية يمارسون نمطا شعريا معينا تَعوَّدُوا عليه، لكن لمَّا جاء الإسلام تغيرت بعض معطيات ومواضيع الشعر، وعلى الرغم من بقاء الكثير من مواضيع الشعر الجاهلي في الإسلام، إلا أن طريقة هذه المواضيع اختلفت، كما اختلف أيضا الهدف من هذه المواضيع، ومن الشعراء الذين نلمس لديهم هذا التحول في أشعارهم " حسان بن ثابت " الذي يعتبر شاعرا مخضرما، صنَّفه بن سلام الجمحي ضمن طبقات شعراء الجاهلية وبالضبط في شعراء القُرى العربية، وقد انطلق بن سلام في تصنيفه لحسان من الفترة التي بدأ فيها إبداع الشعر، وهي فترة الجاهلية.

غير أنه ما يَهمُّنا في هذا البحث هو شعر حسان الإسلامي والتحولات التي طرأت على مواضيعه، خاصة موضوعي (الهجاء والمدح) بوصفهما الأكثر اعتمادا من قِبل حسان في أشعاره الإسلامية، وقد اعتمدنا في تحليلنا لمظاهر التحول في شعر حسان الإسلامي على مستوى الأغراض الشعرية ـ وبشكل خاص غرضي المدح والهجاء ـ على قصيدة لحسان بن ثابت تُنسب إلى شعره الإسلامي، وهي قصيدة:

عَفَتْ ذَاتُ الأَصَابِعِ فَالْجِوَاءُ                     إِلَى عَذْرَاءَ مَنْزِلُهَا خَلاَءُ

وقد قسَّمنا هذه القصيدة إلى ثلاثة مواضيع، موضوع تهديد حسان لقريش، وموضوع هجاء أبي سفيان، ثم مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يعني أن القصيدة تحتوي على هذه المواضيع فقط، وإنما هو تقسيمنا نحن بالنظر إلى طبيعة البحث، إذ ركزنا على المواضيع التي ظهر فيها التحول بشكل واضح، كما تطرقنا إلى الجدل الذي دار حول مقدمة هذه القصيدة بالدراسة والتحليل، بالاعتماد على بعض الآراء وكذلك بعض الأبيات الشعرية، وقد خلصنا في نهاية هذا التحليل إلى بعض النتائج العامة التي استنبطناها من تحليلنا لقصيدة حسان الإسلامية.

في تحليل مظاهر التحول

 بعد ظهور الإسلام أصاب الشعر تحولات على مستوى المواضيع الشعرية، إذ سيطرت بعض الأغراض الشعرية، وبالعودة إلى النموذج الذي نحن بصدد تحليله وهو شعر حسان بن ثابت، نلمس هذه النقلة في شعره الإسلامي بالمقارنة مع ما كان سائدا في شعره الجاهلي، حيث هيمنت على أشعار حسان مواضيع من أهمها (الهجاء وهو الأكثر ثم كذلك المدح)، وما يؤكد غلبة غرض الهجاء على شعر حسان الإسلامي ما جاء في طبقات فحول الشعراء لابن سلام الجمحي، إذ يقول: " وحدثني يزيد بن عياض بن جُعْدبة أن النبي لما قدم المدينة، تناولته قريش بالهجاء، فدعا حسان بن ثابت فقال: أهجهم، وائت أبا بكر يُخبرك ـ أي بِمعائِبِ القوم "، وقال بن جُعدبة في حديثه: " وأخرج حسان لسانه حتى ضرب به على صدره وقال: والله يا رسول الله، ما أحبُّ أنَّ لي مِقولاٌ في العرب، فصُبَّ على قريش منه شَآبِيبُ شرِّ، فقال رسول الله، أهجهم كأنك تنضحَهم بِالنَّبلِ" ، وفي هذا النموذج النصي تتبين لنا دعوة الرسول حسان بن ثابت التصدي لهجاء قريش تجاهه، أي تجاه الرسول بهجاء مضاد، وما يؤكد هذا المعطى أيضا القصيدة التي انتقيناها لتبيان مظاهر التحول في شعر حسان الإسلامي على مستوى الأغراض الشعرية، وهي القصيدة التي قالها يوم فتح مكة، وقد أُحيطَ بهذه القصيدة جدل كبير، وسببه مقدمة القصيدة التي يقول فيها حسان:

عَفَتْ ذَاتُ الأَصَابِعِ فَالْجِوَاءُ                  إِلَى عَذْرَاءَ مَنْزِلُهَا خَلاَءُ

دِيَارٌ مِنْ بَنِي الْحَسْحَاسِ قَفْرٌ                   تُعَفِّيهَا الرَّوَامِسُ وَالسَّمَاءُ

الخ، وهذه القصيدة كما نلاحظ تبدأ بمقدمة طللية تصل إلى عشرة أبيات تنتهي بوصف لمجلس من مجالس الخمر يشارك فيها حسان مشيدا بأثرها في شاربيها، متغنيا بما تحدثه في نفوسهم، وتبدأ كما قلنا من:

عَفَتْ ذَاتُ الأَصَابِعِ فَالْجِوَاءُ                   إِلَى عَذْرَاءَ مَنْزِلُهَا خَلاَءُ

وتنتهي هذه المقدمة عند قول حسان:

وَنَشْرَبُهَا فَتَتْرُكُنَا مُلُوكاً                        وَأُسْداً مَا يُنَهْنِهُنَا الِّلقَاءُ

وقد تعددت الآراء في نسبة هذه المقدمة لأبيات القصيدة، فمن قائل بأن هذه المقدمة كان حسان قد نظمها في الجاهلية فلمَّا جاء الإسلام، وأراد حسان أن يَنظم قصيدة في مدح الرسول والدفاع عن الإسلام أكمل هذه المقدمة بالأبيات التي تلتها ، وحجتهم في ذلك، ما جاء في الخبر الذي يروي تَهجم حسان على فِتية من قومه، وجدهم يشربون الخمر وراح يُعيِّرهم بذلك، فقالوا: يا أبا الوليد، ما أخذنا هذا إلا منك، وإنا نَهِمُّ بتركها، ثم يمنعنا قولك:

وَنَشْرَبُهَا فَتَتْرُكُنَا مُلُوكاً                    وَأُسْداً مَا يُنَهْنِهُنَا اللِّقَاءُ

فرد حسان وقال: "هذا شيء قلته في الجاهلية والله ما شربتها منذ أسلمت " ، غير أنه لا يمكن التسليم بهذا الرأي، وعلى الرغم من تَخلي حسان عن شرب الخمر في الإسلام، إلا أنه لديه مجموعة من الأشعار التي تُنسب إلى شعره الإسلامي فيها ذكر للخمر، وبالمقابل يمكن إِغْنَاءُ هذا الجدل الذي دار بين النقاد ـ حول صحة هذه المقدمة من عدمها ـ بشاهد شعري لحسان بن ثابت من خلال إحدى قصائده التي تُنسب إلى الإسلام إذ يقول في هذه القصيدة:

هَلْ رَسْمُ دَارِسَةِ المَقَامِ يَبَابِ                مُتَكَلّمٌ لِمُسَائِلٍ بِجَوَابِ

قَفْرٌ عَفَا رِهَمُ السَّحَابِ رُسُومُهُ              وَهُبُوبُ كُلِّ مُطِلَّةٍ مِرْبَابِ

وَلَقَدْ رَأَيْتُ بِهَا الْحُلُولَ يَزِينُهُمْ             بِيضُ الْوُجُوهِ ثَوَاقِبُ الأَحْسَابِ

فَدَعِ الدِّيَارَ وَذِكْرَ كُلِّ خَرِيدَةٍ               بَيْضَاءَ آنِسَةِ الْحَدِيثِ كَعَابِ

وَاشْكُ الْهُمُومَ إِلَى الإِلَهِ وَمَا تَرَى          مِنْ مَعْشَرٍ مُتَأَلِّبِينَ غِضَابِ

وفي البيت الرابع من هذه القصيدة، كأن حسان يدعو الشعراء التخلّي عن المقدمات الطللية والتغزل بالنساء في نظم الشعر، وذلك في قوله فدع الديار وذكر كُلِّ خَرِيدَةٍ، والخريدة من النساء، هي البكر التي لم تُمس قط، حيث يَتضح لنا بأن حسان يحث على تَرك هذه المواضيع في نَظم الشعر، وبالمقابل التركيز على المعاني والمواضيع الجديدة التي أفرزها الدين الإسلامي، إلا أن هذه الطريقة مشهورة في كتابات الشعراء، فلا يمكن الأخذ بها كحجة يُعتمد عليها في عدم نسبة هذه المقدمة إلى قصيدة حسان، فهذا الأمر يحتاج إلى تمحيص دقيق لتفادي الأحكام المتسرعة، غير أنه يمكننا أن نُرجح نسبة هذه المقدمة إلى قصيدة حسان الإسلامية، ونقول بأنها قيلت في الإسلام، وذلك نظرا لضعف الحجج التي يقدمها القائلين بعدم صحة نسبة هذه المقدمة للقصيدة، وبالعودة إلى القصيدة النموذج التي انتقيناها للدراسة والتحليل، نجدها تبدأ ـ كما قلنا ـ بمقدمة طللية تَطرقنا إليها، والموضوع التالي لهذه المقدمة، هو تهديد حسان قريش بالغزو واقتحام مكة عليهم، ويبدأ هذا التهديد من قول حسان:

عَدِمْنَا خَيْلَنَا إِنْ لَمْ تَرَوْهَا                   تُثِيرُ النَّقْعَ مَوْعِدُهَا كَدَاءُ

وينتهي إلى قوله:

وَجِبْرِيلٌ أَمِينُ اللهِ فِينَا                      وَرُوحُ الْقُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ

وقد لجأ حسان في هذه الأبيات ـ التي تصل إلى إحدى عشر بيتا ـ إلى لغة التهديد، وذلك إثر تصدي قريش للمسلمين الذين جاءوا لأداء العمرة، حيث توعد حسان قريش بالقتال بمختلف الطرق والأسلحة التي يمتلكونها لقهرهم في عقر دارهم، ويصف حسان في هذه الأبيات الحالة التي ستؤول إليها قريش عند غزو المسلمين لهم واقتحامهم مكة, وهي حالة فزع وهروب من أمام المسلمين، لكن على الرغم من تهديد حسان لقريش إلا أنه ترك لهم الفرصة للتفكير بالسماح للمسلمين دخول مكة، في قوله:

فَإِمَّا تُعْرِضُوا عَنَّا اعْتَمَرْنَا                  وَكَانَ الْفَتْحُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ

وقد واصل حسان تهديده قريش، لكن هذه المرة بسلاح أشد وأكثر فاعلية من الأسلحة الأخرى، وهو سلاح " جبريل عليه السلام " وتأييده للمسلمين، بما يأتي به من عون الله ومدده من الملائكة، ويظهر هذا في قول حسان:

وَجِبْرِيلٌ أَمِينُ اللهِ فِينَا                        وَرُوحُ الْقُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ

وهذا السلاح يعتبر حاسما في الصراع بين قريش والمسلمين، لأنه ليس في حوزة قريش مما سيُرجح كِفَّة المسلمين عليهم، وقد خلص حسان في نهاية هذا التهديد إلى الإشادة بأنصار الرسول، بذكر شجاعتهم ودفاعهم عن الإسلام، أما الموضوع الثالث الذي تطرق إليه حسان في هذه القصيدة، فهو هجاء أبي سفيان بعد هجائه الرسول، ويبدأ هذا الهجاء من:

أَلاَ أَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنِّي                      فَأَنْتَ مُجَوَّفٌ نَخِبٌ هَوَاءُ

إلى نهاية القصيدة التي يقول فيها حسان:

لِسَانِي صَارِمٌ لاَ عَيْبَ فِيهِ                   وَبَحْرِي لاَ تُكَدِّرُهُ الدِّلاَءُ

وقد انتقل حسان في هذه الأبيات الشعرية الأخيرة من القصيدة إلى غرض جديد، حيث بعد تهديده لقريش وتوعدهم بالفتح، تصدى حسان لهجاء أبي سفيان للرسول بهجاء أقوى وأشد أثرا، إذ قصد حسان من هذا الهجاء أن يكشف حقيقة أبي سفيان قائد قريش، فقد طعن حسان  صفة القيادة هذه التي مُنحت له فأبانه في موقف الضعيف الجبان المنهزم، بعد أن ادعى الشجاعة والزعامة، وقد عيَّر حسان أبا سفيان بحادثتين كان لهما أثر ووقع كبير في نفس أبي سفيان وكذلك قريش وهاتين الحادثتين هما:

حادثة فراره يوم بدر، وما لحقه من جرَّاء ذلك من جُبن وخِزِي ومذلة، ويظهر هذا في قول حسان ( بأن سيوفنا تركتك عبدا ) وهو ما حدث يوم بدر

ثم حادثة يوم أُحُدْ حين سقط حملة اللّواء من قريش، حتى آلت حمايته للنساء، حيث يقول حسان (وعبد الدار ساداتها الإماءُ)، وبعد هذا الطعن في مكانة أبي سفيان وزعامته، انتقل حسان إلى الطعن في قيمته الشعرية، فأهاجيه للرسول لن تصيب هدفا نظرا لدفاع حسان عن الرسول بأهاجي أقوى شاعرية وتأثيرا في النفس، وذلك ابتغاء الثواب من الله عز وجل، حيث يقول حسان:

هَجَوْتَ مُحَمَّداً فَأَجَبْتُ عَنْهُ                     وَعِنْدَ اللهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ

ويتضح لنا من خلال هذا البيت مظهرا من مظاهر " تحول " غرض الهجاء في شعر حسان الإسلامي، بالمقارنة مع شعره الجاهلي، فتوظيف حسان للهجاء في الجاهلية كان ردّا على صراعات شخصية بين حسان وشاعر آخر، أو بين قبيلة حسان وهي الأوس، وبين قبيلة الخزرج، في حين أن هجائه في الإسلام اتخذ سياقا مغايرا إذ انتقل إلى دفاع عن الدين وعن حامل رسالة هذا الدين محمد صلى الله عليه وسلم، كما أن الهجاء في شعر حسان الجاهلي كان " بالسَّب والشتم " الذي يصل إلى درجة هتك عِرض المَعني بالهجاء، كما اتسم أيضا بـ " الكذب " من خلال وصف المهجو بصفات ليست حقيقية وبأفعال لم يقم بها، أما في الإسلام فقد تخلَّى حسان ـ إلى حد كبير ـ عن هذا الأمر وتحلّى بالصدق في هجاء أعداء الدين والرسول، كما نلمح ذلك في القصيدة التي نحللها، حيث قام حسان بهجاء أبي سفيان بصفات حقيقية وبأفعال قام بها في الواقع، وما يؤكد التزام حسان الصدق في هجائه خصوم الدين والرسول في الإسلام، السؤال الذي طرحه عليه أحد الأشخاص، قائلا:

" لان شعرك أو هرم في الإسلام يا أبا حسان "، فأجابه حسان بقوله: " يا ابن أخي إن الإسلام يحجِز عن الكذب، وإن الشعر يُزينهُ "، ويريد بذلك ما يدخل الشعر من المغالاة وتجاوز الحقيقة، وهو ما يعارضه الإسلام ويتصدى له بكل السبل ، وقد تخللت هذه الأبيات الأخيرة التي يهجو فيها حسان بن ثابت أبا سفيان بيتا شعريا في غرض " المدح "، إذ يقول حسان في هذا البيت:

هَجَوْتَ مُبَارَكاً بَرّاً حَنِيفاً                        أَمِينَ اللهِ شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ

وهذا النموذج النصي من القصيدة يُظهر لنا جليا تحول المدح في أشعار حسان الإسلامية، بالمقارنة مع المدح في شعره الجاهلي، ومن النماذج النصية التي تُظهر لنا المدح في شعر حسان الجاهلي، البيت الشعري المعروف لحسان، يمدح فيه بني جَفنة من غَسَّانْ ملوك الشام، حيث يقول حسان في هذا البيت:

يَسْقُونَ مَنْ وَرَدَ البَرِيصَ عَلَيْهِمُ          بَرَدَى يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ

وقد قال بن سلام الجمحي عن هذا البيت، إنه من أجود وأروع ما قاله حسان في الشعر ، وإذا أجرينا مقارنة بين مدح حسان للرسول، ومدحه للغساسنة نجد هناك اختلاف، فمدحه للرسول يتركز حول القيم الأخلاقية والخصائل الحميدة التي يتسم بها النبي صلى الله عليه وسلم، مثل: (الأمانة والوفاء.... )، أما مدحه للغساسنة فالهدف منه هو، " التَّكسُّب " بالدرجة الأولى، ففي هذا البيت لجأ حسان إلى مدح الغساسنة بعد أن أكرموه وأغدقوا عليه النِّعم والعطايا، بمعنى أنه مدح من أجل نيل الأجر المادي، في حين لا يستقيم هذا الأمر مع مدح الرسول، فلا يمكن أن يمدح حسان النبي بهدف التَّكسُّب، وبذلك انتقل المدح من هدف نيل الأجر المادي (في شعره الجاهلي)، إلى هدف الحصول على الجزاء الإلهي (في شعره الإسلامي)، وعليه يظهر لنا جليا تحول غرض المدح في شعر حسان الإسلامي، بالمقارنة مع شعره الجاهلي، هذا التحول الذي اعتبره مجموعة من النقاد سببا رئيسيا في ضعف وليونة شعر حسان الإسلامي، وما يؤكد هذا الأمر ما نجده في " الموشح " للمرزباني، حيث جاء فيه ما نصه: حدثني عبد الله بن يحيى العسكري، قال: حدثني إبراهيم بن عبد الصمد، قال: حدثنا الكرانيُّ، قال: حدثني العباس بن ميمون طابع، قال: حدثني الأصمعي، قال: " طريق الشعر إذا أدخلته في باب الخير لانَ، ألا ترى أن حسان بن ثابت كان علا في الجاهلية والإسلام، فلما دخل شعره في باب الخير ـ من مراثي النبي صلى الله عليه وسلم وحمزة وجعفر رضوان الله عليهما وغيرهم ـ لانَ شعره "، فالأصمعي يرى أن سبب ليونة شعر حسان دخوله في باب الخير، لكن يجب أن نعرف ماذا قصد الأصمعي باللين، هل قصد به انتقال شعر حسان من الخشونة إلى اللَّطافَةِ، أم قصد به ضعف شعر حسان في الإسلام، وحتى لو قصد باللين " الضعف " فإن الحجة التي يُقدمها لا تمتلك القوة الكافية للأخذ بها، وقد تصدى لهذه الآراء القائلة بضعف شعر حسان بعد الإسلام مجموعة من النقاد، أمثال: شفيق عبد الرازق وآخرون في كتاب " من روائع الأدب الإسلامي "، حيث قالوا: إنه ليس صحيحا ما يُقال من أن شعر حسان ضعف ولان بعد إسلامه، لتأثره بمعاني القرآن، فمعاني القرآن أثرت تأثيرا بالغا في شعر حسان حيث أمدته بمعاني جديدة، لم تكن موجودة أو متداولة في الشعر الجاهلي ، فهم عكسوا هذا التصور القائل بضعف شعر حسان بعد مجيء الإسلام، واعتبروا أن المعاني الجديدة التي أفرزها الدين الإسلامي شكلت نقطة قوة لشعر حسان وليست نقطة ضعف، والنقاد القائلين بضعف شعر حسان في الإسلام ـ من بينهم نقد الأصمعي الذي عرضناه ـ ينطلقون من أحكام القيمة، فهم يصرحون بضعف شعره الإسلامي لكنهم لا يقدمون حججا منطقية تكشف لنا طبيعة هذا الضعف، هل من حيث الصياغة الفنية، أم من حيث المواضيع، أم من حيث المعجم، وهناك عناصر متعددة في القصيدة يمكن الانطلاق منها لإظهار الضعف في شعر حسان الإسلامي، لكن الشيء الوحيد الذي يمكن الاتفاق عليه، هو " وقوع التحول في شعر حسان الإسلامي " بالمقارنة مع شعره الجاهلي، من حيث الأغراض الشعرية على الأقل، وخاصة على مستوى غرضي ( الهجاء والمدح )، وعلى الأقل أيضا من حيث القصيدة التي حلَّلناها، لكن هل هذا التحول أدى إلى ضَعف أشعار حسان بن ثابت الإسلامية أم لا فهذا إشكال آخر يحتاج إلى مزيد من الدراسة والتحليل.

خاتمة

بعد هذا التحليل للقصيدة، يتضح لنا " تحول " مواضيع شعر حسان الإسلامي، وبالخصوص موضوعي الهجاء والمدح، وفي القصيدة لمحنا سيطرت مواضيع لها علاقة وطيدة بالدين الإسلامي، ومن هذه المواضيع توعد حسان قريش بالحرب والقتال بعد عدم سماحهم للمسلمين دخول مكة، وهذا الموضوع مأخوذ ـ طبعا ـ من الظروف التي عاشها حسان في الحياة الإسلامية الجديدة، كما لاحظنا أيضا حضور الهجاء بقوة في هذه القصيدة وقد جاء هذا الهجاء في سياق التصدي لهجاء أبي سفيان للرسول بهجاء أقوى وأشد، يعتمد بشكل كبير على الصدق في التعبير، حيث لجأ حسان إلى هجاء أبي سفيان بصفات يتحلَّى بها حقيقة، مثل: ( الجبن، الضعف، الانهزام.... )، ثم بأفعال قام بها في الواقع، وعليه تخلَّى حسان ـ إلى حد كبير ـ عن الاتهام الباطل الذي كان سائدا في هجائه لأعدائه في الجاهلية، كما حضر المدح في القصيدة، وقد رأينا كيف انتقل المدح من " التَّكسب " إلى وصف الأخلاق والشِّيم التي عُرفت على الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا كله دليل على غلبة مواضيع مأخوذة من البيئة الجديدة التي أفرزها الإسلام، كما أنه دليل أيضا على حدوث نقلة في غرضي المدح والهجاء في أشعار حسان الإسلامية، بالمقارنة مع أشعاره الجاهلية.

 

صلاح الدين أشرقي

باحث في سلك الدكتوراه بجامعة محمد الأول

........................

الهامش

1) طبقات فحول الشعراء، محمد بن سلام الجمحي، السِّفر الأول، قرأه وشرحه، محمود محمد شاكر، ص: 215

2) ديوان حسان بن ثابت، الجزء الأول، حققه وعلق عليه، الدكتور وليد عرفات، دار صادر، بيروت، ص:65

3) طبقات فحول الشعراء، محمد بن سلام الجمحي، السِّفْرُ الأول، قرأه وشرحه، محمود محمد شاكر، ص: 217.

4) ديوان حسان بن ثابت، مصدر سابق، ص: 65.

5) نفسه: ص: 65

6) من روائع الأدب الإسلامي، شفيق عبد الرازق وآخرون، جامعة الأزهر، ص:77

7) أدب صدر الإسلام، محمد خضر، لبنان، الطبعة الأولى، 1981م، ص: 327

8) ديوان حسان بن ثابت، مصدر سابق، ص: 128

9) نفسه، ص: 66

10) نفسه، ص: 65

11) نفسه، ص: 66

12) نفسه، ص: 66

13) من روائع الأدب الإسلامي، شفيق عبد الرازق وآخرون، مرجع سابق، ص:94

14) ديوان حسان بن ثابت، مصدر سابق، ص: 66

15) ديوان حسان بن ثابت، تحقيق، سيد حنفي، ص: 27

نقلا من: من روائع الأدب الإسلامي، شفيق عبد الرازق وآخرون، ص: 74

16) نفسه، من روائع الأدب الإسلامي، ص: 74

17) ديوان حسان بن ثابت، مصدر سابق، ص: 66

18) طبقات فحول الشعراء، محمد بن سلام الجمحي، مصدر سابق، ص: 218

19) نفسه، ص: 218

20) الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء في عدة أنواع من صناعة الشعر، للمرزباني، تحقيق، علي محمد البجاوي، نهضة مصر للطباعة والنشر، ص: 83

21) من روائع الأدب الإسلامي، شفيق عبد الرازق وآخرون، ص: 75

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4988 المصادف: 2020-05-02 03:21:55