 قراءات نقدية

البحث عن الذئب الذي لم يأكل يوسف في متاهات "نسيان ما لم يحدث"

عيسى الحلو يؤكد شياخته لأدب الحداثة وما بعد الحداثة في السودان

من أصدق وأبلغ الأحكام النقدية في الأدب العربي ما صدر عن جرير حول الأخطل الذي كان قد وقف مع الفرزدق ضده والاثنان يخوضان غمار نقائضهما الموجعة والممتعة. قال جرير ذلك وقد تعرض لهجاء الأخطل فجاراه وهجاه ومن وقف معهما، أي الفرزدق والأخطل، ملحقاً بهم قدر طاقته على الإيذاء كما جاء في قوله عن الأخطل: " والتغلبي إذا تنحنح للقرى.. حك استه وتمثل الأمثالا"، وقوله: "أعددت للشعراء سماً ناقعاً وسقيت آخرهم بكأس الأول/ لما وضعت على الفرزدق ميسمي وصغى البعيث جدعت أنف الأخطل."  ومع ظن جرير أنه قد جدع أنف الأخطل، عاد ليضع ذلك الزعم في إطاره الصحيح فقال: "أدركت الأخطل وله ناب واحد ولو أدركت له نابين لأكلني." وأنا قد أدركت عيسى الحلو وله ناب واحد. ومع هذا فهو لا يزال قادراً على تضريجي بالدم إن تجاوزت ما يبيحه النقد. أقول هذا وأنا أعلم بأنه يعلم أنني لن أنوي عليه تجاوزاً أو ابتغي عليه تطاولاً. فبالإضافة إلى أستاذية لا أغمطها حقها، يجمعني وإياه الكثير من الود، وتصلني منه دائماً نفحات التقدير. ولكن هذا الود والتقدير لن يمنعاني من أن اتناول بصرامة ايجابيات وسلبيات روايته الأخيرة "نسيان ما لم يحدث" (دار مدارك 2020)، وذلك لعلمي أنه لن يرضى مني غير ذلك. فعيسى الحلو قضى عمراً في النقد يكتبه ويعلمه، ولذا لن يرضى أن يغُض النقد الطرف عن أي ضعفٍ يعتري، أو يظن أنه يعتري، سرداً له.

إن طبيعة الحياة تقول إن عيسى الحلو يدخل مرحلة متقدمة، ولكن ليست أخيرة، من مراحل إبداعه الكتابي الذي أرجو أن يتواصل ليثري الساحة الأدبية بقصصه ورواياته ومساهماته النقدية. ولهذا فأنا بعيد هنا كل البعد عن محاولة الإيحاء له بأن يهدأ لكي يستمتع بما حقق وأنجز. فالتوقف أو التمهل أو المضي قدماً مع تقدم العمر أمر يقرره المبدع الذي يدرك أن التقدم في السن قد يعطيه أفضلية في الجلوس في الحافلات، لكنه لن يمنحه رخصة من النقد. ومع هذا ما أعظم السياب عندما يقول متحدثاً عن نفسه كشاعرٍ، ومتحسراً على اضمحلال قدرته "كمغني":

هرم المغني فاسمعوه برغم ذلك تسعدوه

ولتوهموه بأن من أبد شبابا من لحون

وهوى ترقرق مقلتاه له و ينفح منه فوه

هو مائت أفتبخلون

عليه حتى بالحطام من الأزاهر و الغصون

أصغوا إليه لتسمعوه

يرثي الشباب و لا كلام سوى نشيج بالعيون

سلم على إذا مررت

أتى و سلّم صدّقوه

هرم المغنّي فارحموه

إن روعة "هرِم المغني" تأتي من هذه المفارقة Paradox الكامنة في أن الشاعر الذي "يدعي" أن الهرم قد لحق به، وأن معينه قد نضب، يعبر عن ذلك النضوب بهذه الشاعرية الفياضة التي تتدفق وهي تصدح. ومفارقة أخرى ذات صلة هي أن عيسى الحلو رغم تقدم العمر لم يلحقه الهرم بعد، ولم يقنعه كر السنين بالركون إلى دعة المألوف والابتعاد عن مخاطر التجريب.

ولهذا فمن الأرجح أن "نسيان ما لم يحدث" لن تكون "أغنية البجعة" Swan Song بالنسبة لعيسى الحلو بالمعنى الذي يتردد ضمن موروثات الثقافات الغربية وتعبيراتها الأدبية والفنية وحتى الرياضية، والتي تعتقد وفقاً لما تزعمه أساطيرها أن البجعة التي تظل صامتة طيلة حياتها - ما عدا ما تصدره من هسهسات وهي تغازل شريكها - لا تغني، وتظل كذلك حتى تصدح بالأغنية التي تودع بها الحياة. من المؤكد أن ذلك الزعم هو حديث خرافة، ولكن تلك الخرافة تظل مجازاً تتم الاستعانة به عندما يقرر المبدع/المؤدي حلول ساعة الرحيل. ومع ضعيف احتمال، وأيضاً كبير عدم احتمال، أن تكون "نسيان ما لم يحدث" أغنية بجعة لعيسى الحلو، أشعر أنها في تمام شكلها تعبر عن رمزية Allegory مستترة ذات دلالات بالنسة للمؤلف الذي قد يتوقع البعض منه الآن توخي الحذر فيما يقول وفيما يفعل، ولكن عيسى الحلو الذي يقدر نفسه حق قدرها لن يتوخى حذراً ولن ينشد سلامة.

وطوال تاريخ الأدب هنالك دائماً، في مكان ما في زمان ما، من يشعرنا بتميزه وتفرده وخصوصيته. ولعيسى الحلو خصوصيته المتميزة التي تدفعني دفعاً لاستدعاء ما قاله الشاعر والقاص والروائي والمسرحي الأيرلندي برندان بيهان في إحدى نوبات غضبه على النقاد: "النقاد كالخصيان في الحريم: يعرفون كيف يُفعل الشيئ لأنهم يرونه يحدث كل يوم، ولكنهم لا يستطيعون أن يفعلوه بأنفسهم." والشاهد هنا هو أن عيسى الحلو، بحكم  أنه قاص وروائي، إضافة إلى كونه ناقد، لا يندرج ضمن زمرة "الخصيان"، إذ أنه قادر على فعل ما ينصحك بفعله، وكذا بما ينصحك بعدم فعله. وبسبب هذه "الفحولة" فإن مجرد إطلاله على الساحة يقود للحديث عن النقد الأدبي السوداني الذي يعاني، أكثر من أي شيئ آخر، من الابتسار، والذي هو في بعض معانيه،  طلب الشيئ في غير موضعه. ومظاهر الابتسار قد تتبدى متفرقة، وقد تتضافر مجتمعة لتجسد نمطاً من النقد الكسول والعقيم.

وعيسى الحلو، والحق يقال، برئ من ذلك براءة الذئب من دم ابن يعقوب. وستكون لي قبل نهاية هذه القراءة عودة إلى ذلك الذئب وإلى تلك البراءة. وحتى حينها أقول إنني وجدت أن الحلو، على الرغم  من ولعه الواضح بالفلسفة الوجودية وبالمفكرين الوجوديين، كثيراً ما يشير في كتاباته النقدية والمقابلات التي يتحدث فيها عن أعماله أو عن أعمال الآخرين إلى "نظرية الرواية". وعند قراءة "نسيان ما لم يحدث" وجدتني أمام سؤال لماذا يحتفي الناقد بمدخل للرواية لا يأبه به كمبدع، ولا يسعى للاسترشاد به كروائي؟ قد تكمن الإجابة هنا في نصيحة افعل ما أقول، ولا تفعل ما أفعل. أما في إطار الرواية فقد تكون في أن قراءة نظرية ما مثل "نظرية الرواية" لن تساعد المؤلف المخضرم أو المبتدئ على تجويد كتابة الرواية، ولكنها قد تساعد  القارئ الحصيف على حذق فن قراءته لها. أقول هذا مع تسليمي الكامل بأن عيسى الحلو ليس مطالباً بالانضياع إلى مرعيات "نظرية الرواية"، وإن كانت بعض عناصرها لا تزال تمثل مرجعية أساسية تنطلق منها، قبولاً أو رفضا،ً تنويعات السرد وتجلياته. ومن المدهش أن السرد في "نسيان ما لم يحدث" يقول: "وقد كان أمين في سرده للحكاية يحاكي الحيل الذكية في تلك الحبكات القوية في السرديات الأسطورية والقصائد الملحمية الكبرى. وكان النقاش بين الأصدقاء يحتد حول السرديات المهمة على طول مجرى التاريخ الإنساني.. تلك الحيل التي تجيء عند الكبار.. كافكا.. وفيرجل وهوميروس وهيمنجواي وبورخيس." (ص 18)، ولكن عيسى الحلو لا يحاول هنا أياً من تلك الحيل، ولكن له في جعبته، كما سنرى لاحقاً، حيلاً أخرى. وهذه الحيل وإن لم تأت مباشرة من "نظرية الرواية" فقد أتت من اجتهادات ذات صلة بها.

ويدرك عيسى الحلو أنه على الرغم من أن الكثيرين كتبوا عن "نظرية الرواية"، إلا أن أعظم الدراسات التي عملت على تحليل الرواية ووضعها في إطارها التاريخي والسياسي والاجتماعي تظل هي دراسة جورج لوكاش "نظرية الرواية" “Theory of the Novel” التي كتبها في 1915، والتي يقول فيها أن الرواية منحت أهمية غير مسبوقة لقصص الناس العاديين حيث تسمح للقراء بالدخول من غير استئذان إلى حيواتهم ليتعرفوا عليهم بعد اقتحامهم لدنياواتهم. وبعد عشرة سنوات من كتابة لوكاش دراسته بالغة التأثير، انطلق دي إتش لورنس في سلسلة من الكتابات عن الرواية تأتي في مقدمتها مقالته "الرواية". وبطريقته المتفردة يؤكد لورنس أن الرواية هي أعلى أشكال التعبير الإنساني التي تمّ الوصول إليه.

وعند النظر إلى "نسيان ما لم يحدث"، وربما عند النظر إلى أي رواية، قد يكون من المفيد استدعاء تأسيس لوكاش لمفهومي الكلية Totality والنموذجية/العاديةTypicality  كالمحورين الذين يتخرك عليهما العمل الروائي. وللمزيد من التبصر يمكن أيضاً استحضار زعم  لورنس أن "مستقبل الرواية هو أن تأخذ مكان الأناجيل والفلسفات. والرواية الحالية كما نعرفها. يجب أن تكون لديها الشجاعة لمعالجة الأطروحات الجديدة دون اللجوء إلى التجريد. كما ستقدم لنا مشاعر جديدة ودفق جديد من العاطفة، والتي سنحصل عليها بعد الخروج من خِرق العاطفة القديمة." والرواية قادرة على أن "تعطينا الإنسان حياً" لأنها بشكل أساسي "غير قادرة" على المطلق so incapable of the absolute. ومن التبعات التي لا يستطيع السرد المنغمس في المطلق والضالع في التجريد التنصل عنها، التداخل، وربما حتى التطابق، بين صوتي الراوي والمؤلف. ولكل هذا الذي ذكرت انعكاساته، سلباً أو إيجاباً، وحضوراً أو غياباً، عند قراءة "نسيان ما لم يحدث".

وعيسى الحلو، حُكماً على اهتمامه بنظرية الرواية، يدرك ذلك جميعه، ومع هذا فإن "نسيان ما لم يحدث" مُغرِقة في التجريد، ومُوغِلة في المطلق، ولا تتعاطى الكليات، ولا تعترف بالنموذجي. وما أقوله هنا ليس أمراً مستنتجاً، وإنما هو اختيار متعمد تصرح به الرواية:

"في أغلب الأحيان.. أو ربما هو دائماً يكون التذكر هو إحضار قسري للغياب .. فأنت تعيد إحضار الماضي من بئر النسيان .. تحضر الفعل المنسي أخضر.. طازجاً ونضراً .. كما لو كان قد صنع للتو!.. وهذا ما يفعله الأدب الروائي الجيد البناء .. الرواية تحضر بزهو فائق هذا الماضي كما لو أنه يحدث في الحاضر والآن! .. هذه هي معجزة الأدب الروائي .. صناعة الماضي الذي ينهض بشكل باهر من موته الخاص ويدخل في دورات الحياة من جديد .. الرواية بعث لهذا الجمال الخالد والذي لا يموت أبداً.. وتلك هي خدعة الرواية ومعجزتها الجمالية الفائقة .." (ص 100)

وعيسى الحلو إذ يقول ذلك يعلم تماماً أنه غير مطالب بالانصياع لمتطلبات "نظرية الرواية" كما تشهد على ذلك أعماله الروائية. ولكني استحضر الذي قلته لاعتقادي أنه من الصعب أن نتعامل نقدياً مع الرواية دون أن نستحضر مواقف نقدية تتفق مع "نظرية الرواية" أو تختلف معها.

وبالإضافة إلى التنظير أعلاه، تتضمن الرواية إشارات مقتضبة إلى عدة روايات من بينها البؤساء) للفرنسي فكتور هوجو المكتوبة في أوائل القرن التاسع عشر (ص 107)، وكانت تقرأ للرجل الداخل في غيبوبة عميقة من كتاب (زوربا  اليوناني) (ص 118)، و(رباعية الإسكندرية) (ص 118) ورواية (مدام بوفاري) لفلوبير، و(الحنق) لشوقي بدري. كما أن هنالك اقتباس لمقولة ماكبث في مسرحية شكسبير التي تحمل نفس الاسم والتي جعلتها رواية فوكنر "الصخب والغضب" أكثر ذيوعاً واشتهاراً: (ما الحياة إلا رواية يرويها أبله. حكاية مليئة بالصخب والعنف.) (ص 96). ولكل من هذه الإشارات دلالته. ولكن الإشارة التي تحمل قدراً أكبر من الدلالات هي الإشارة إلى خورخي لويس بورخيس: "وهو نفس الحل الذي قدمه الأرجنتيني بورخيس في قصته الدخيلة. عندما اغتال أحد الأخوين التوأمين الحبيبة سراً لأنهما اكتشفا أنها أصبحت الآخر المدمر لعلاقتهما الأخوية .. فتحولت الحبيبة (الأنا) إلى الآخر العدو والدخيل .. هكذا جاء توصيف إيلين لاغتيال كل من جورجينا وسعدية."  (ص95)

ولكن العلاقة بين عيسى الحلو وبورخيس تتجاوز بكثير حدود هذه الإشارة العابرة. فالذي أراه أن الكاتب الذي يشبه عيسى الحلو، أو دعنا نقول الذي يشبهه عيسى الحلو، أكثر من غيره هو خورخي لويس بورخيس. فأوجه الشبه بينهما متعددة، ولافتة للنظر، وجديرة بأن تجذب إليها الاهتمام الجاد. وقد يثير هذا الزعم  دهشة البعض، وقد يقول قائلهم: تمهل يا رجل.. هل أنت مدرك لما تقول؟ وهل تدرك أن بورخيس، على الرغم من عدم حصوله على جائزة نوبل للآداب، يعتبر في رأي الكثيرين من الذين يعرفون الأدب جيداً أعظم كتاب القرن العشرين؟ وهل تدرك أن واحداً من أولئك الذين يعرفون الأدب جيداً، أدولفو بيوي كاساريس، قال "إن قراءة أي عمل من أعمال خورخي لويس بورخيس للمرة الأولى هو مثل اكتشاف حرف جديد في الأبجدية، أو نغمة جديدة في السلم الموسيقي." وأقول نعم إنني مدرك لذلك جميعه. ومع أني لا أستطيع أن أقول في الحلو ما قاله كاساريس في بورخيس، فمبقدوري أن أقول إن قراءة أي عمل لعيسى الحلو للمرة الأولى هو مثل تذوق تمرات الخريف الأولى في براري السودان التي يمتزج فيها المر بالحلو (والجناس هنا تام، ومقصود تماماً). وطعم المرارة أجده مراراً على طرف لساني وأنا أقرأ سرد "نسيان ما لم يحدث". ومبعثه أحياناً عدم إحكام عيسى الحلو السيطرة على الأسماء: فروجينا تصبح أحيانا جورجينا، وجون ماجوك يتحول سريعاً إلى جون دينق، والشامي إدوارد عطية يقف مكان خاله صمويل عطية، إذ أن إدوارد عطية الأكاديمي ومؤلف "الطليعي الأسود" لم يعمل بالمخابرات البريطانية. وحتى الشخصية المحورية أمين النوراني تتم الإشارة إليها أكثر من مرة على أنها الجيلاني. ولكن قد يكون هنالك تفسير لهذه "الأخطاء" كما سنرى لاحقاً.

وهنالك أشياء أخرى في الرواية قد يغلب فيها طعم المرارة على مذاق الحلاوة ونكهة الطلاوة، ومن بينها الترقيم. وعلى الرغم من أن الترقيم أمر مستحدث في اللغة العربية إلّا أنه يحمل فيها ذات الدلالات التي يحملها في اللغات الأخرى. وفي "نسيان ما لم يحدث" يستخدم عيسى الحلو من علامات الترقيم النقطة وعلامة الاستفهام وعلامة التعجب والأقواس، ويستخدم الفاصلة أربع مرات فقط، مع أنها، أي الفاصلة، علامة الترقيم الأكثر شيوعاً في جميع النصوص مع اختلاف مشاربها. ولكن الأمر لا يتوقف هنا إذ أن الحلو يُكثِر من استخدام علامة ترقيم لا وجود لها ضمن علامات الترقيم المعتمدة، ولا تحمل أي دلالة محددة، وهي النقطتان المتتابعتان (..). وإذا احتج عليّ أحدهم سائلاً: وهل لهذا أي أهمية في قراءة النص الروائي؟ عندها سأقول نعم، تماماً، ودون أدنى شك.

وعودة إلى أدولفو بيوي كاساريس نجده يصف كتابات بورخيس بأنها تربض عند "مكان في منتصف الطريق بين المقال والقصة." ومع أن هذا قد لا يكون الحال مع عدد من قصص و روايات عيسى الحلو، فإن "نسيان ما لم يحدث” تكاد أن تمضي في هذا على نهج بورخيس حذو الحافر بالحافر. والأمر قطعاً  ليس إتباعاً أومحاكاة، وإنما هو نتاج لعقليات متشابهة تستهويها الفكرة المستعصية فتسعى للإمساك بها والتعبير عنها عبر طرائق متعددة. كما أنه يتشكل أيضاً كاستجابة لإلحاح البحث المحموم المستعر والمستمر عن الحقائق الحياتية- الوجودية المرواغة. إن "نسيان ما لم يحدث" بورخيسية في احتشادها بالخيالات المتلاحقة، وبامتلائها بالطرف الذكية، واحتفائها بالتلميحات الخاصة، واهتمامها بالتعليقات الساخرة، وعدم تهيبها الإعادات المتكررة والاستطرادات التي تتلاحق لترمي بالسرد في خضم الشك والريب. و"نسيان ما لم يحدث" بورحيسية أيضاً في كونها سلسلة من الحكايات القصيرة التي تبتدئ فجأة وتنتهي كذلك. كما تنجح بمزاجها  البوليسي الغريب الذي لا يسعى لإماطة اللثام عن غموض الجرائم المرتكبة، في خلق مشاهد شديدة التعقيد:

"قال النوراني بشارة: إن الكلب يتبعنا. قال الابن (المزيف).. عليك بالتسلل إلى الخارج. ولنلتقي هتاك في المكان المعتاد! قال أمين النوراني من تحت العمامة التي تغطي فنه. إنهم يعرفون أننا لم نقتل روجينا ولا سعدية. نحن الطعم الذي ال ذي يوصل للجهة التي كشفت ارتباطهما بالمعرضة. وبعد قليل سمع رواد مقهى البان جديد طلقاً نارياً انفجر في كل جنبات ساحة السوق الكبير.. وكان الرجل الكبير يرفس برجله وهو مخضل بالدم كالثور الذبيح.. وما تزال تترد الطلقات في المكان مطاردة الأشباح السرية."

وفي تقديم ذكي للعمل يبادر الناشر قائلاً فيما أحسبه إجراء استباقي لإحتواء أي حكم متعجل على "نسيان ما لم يحدث" :

"هذه الرواية تشتغل في فضاء التجريب. في محاولة تتجاوزتقنيات وأشكال الكتابة الروائية التقاليدة الراسخة. واكنشاف طرائق سردية جديدة عن طريق الاختراع والمغامرة في المجهول.. وذلك لاكتشاف نص لديه قدرة أكبر في التعرف على الراهن والكشف عن الأزمنة القديمة والجديدة.. كتابة تتجاوز تسجيل الواقع.. وتفض غلاف الممكن والمحتمل لتكتشف الطريق السردي الذي يعبر عن عصرنا الراهن. ولهذا ليس المهم أن نكتب نصا روائيا جديدا وفق مخيلة لا تملك إلا تلك الأدوات القديمة والحيل القديمة التي لا توائم الواقع الجديد."

وهذا جهد نقدي يشكر عليه الناشر، ولكني لو كنت مكانه لأضفت إليه بضع فقرات من الرواية تنبه القارئ الذي لا يعرف عيسى الحلو أنه في حضرة فنان كبير يرسم باقتدار بفرشاة الكلمات:

"وأخذ  المساء يهبط في هدوء تدريجي. مالت الشمس نحو الأفق الغربي ممتلئة بالرحيق البرتقالي الذي أخذ ينتشر في الزرقة المتلاشية والتي تذوب في بطء في نسيج الضوء الخليط ما بين الحمرة الهاربة في حذر من خيوط العتمة الرمادية التي تتفتح في أكمام وردة الليل السوداء. وبعد يرهة اعتلى السائل البنفسجي النور الناتج من عناق النهار الآيل إلى الزوال بالهبوط  الرقيق والسخي لحضور الليل البهي. (ص 92)

كما يمضي الناشر ليقدم لنا العمل على أنه رواية. وسأقبل هذا التوصيف لأنني بشكل أساسي غير راغب في إقامة سرادق هنا لتلقي العزاء في وفاة المصطلحات في عالم الرواية العربية، ذلك لأنها لم تولد أصلاً حتى تموت. ولكن فقط من باب التنويه والتذكير فإن "نسيان ما لم يحدث" ليست رواية Novel وإنما هي Novella. والنوفيلا جنس سردي يقع بين الرواية والقصة، هذا مع الإقرار أنه ليس هنالك تعريف واضح متفق عليه لها. وكما يقول هاري اشتاينهاور في دراسته  "نحو تعريف للنوفيلا"  “Towards a Definition of the Novella” "لوقت طويل ظل موروث النقد الأدبي الضخم  يعاني لعدة أجيال في بحثه عن تعريف للنوفيلا، ولكن الجبل الذي ظل يتمخض طويلاً لم يلد فأرا بعد." ولكن القلة النسبية لعدد كلمات النوفيلا لا يعني قلة شأنها. فكما يقول اشتاينهاور "الطول لا يظهر لنا شيئاً عن جوهر العمل" لأنه لا يتجاوز أن يكون أمراً متعلقاً بالشكل. إذ أن جميع أنواع السرد تواجه ذات الهموم وتستخدم ذات التقنيات. ولعل من أجمل التعليقات حول النوفيلا هو ما جاد الشاعر والمسرحي والروائي الألماني جوته في رسالة لإيكرمان: "وفيما يتعلق بالنوفيلا هل هي شيئ آخر غير سرد لشيئ لم نسمع به قبلا؟" وإذا وافقنا على ما يقترحه جوته فلنغض الطرف لبعض الوقت غن طول "نسيان ما لم يحدث" ولنسأل ماهو الشيئ الذي لم نسمع به قبلاً الذي يسرده علينا عيسى الحلو في "روايته"؟

يسرد علينا عيسى الحلو في "نسيان ما لم يحدث"، ضمن ما يسرد، حكايات معقدة عن ابن وأب فارق العمر بينهما خمسة عشر سنة، وعن تواريخ للهزيمة، وعن عاهرات عاشقات، ونساء ذوات نزوع للغواية، وعن رجال شديدي الوسامة، وعن انقلابات عسكرية، وعن عهود ديمقراطية، وعن قصر للمرايا، وعن عاصمة مكونة من ثلاث مدن، وعن أحياء أم درمانية، وعن أسواق ومتاجر وجاليات، وعن مقاه ومواخير وحانات، وعن الأنا العميقة والآخر، وعن شعراء ومغنين وأغنيات، وحتى عن الانفجار العظيم لهذا الكوكب "الذي يراه أمين النوراني بأم عينيه" (ص 32). والرواية تحتشد بالعناوين اللافتة مثل "الزمن النسيان.. والكتابة البيضاء" و"الطفو فوق أنهار المدن التحتية" و"حرائق في التذكارات المخذلة" والتي تؤكد أن اجتراح العناوين أمرٌ يجيده عيسى الحلو تماماً. ومن بين تلك العناوين المدهشة بالطبع عنوان الرواية الذي يُذكر في تناقضه بعنوان مجموعة القصص التي نشرها مايكل بروشتاين تحت عنوان "أتذكر المستقبل" I Remember the Futureوالذي تبعته عدة كتب عملت على استغلال قدرة العنوان الغريب على الجذب ولفت الانتباه مكتفية بحذف حرف هنا، أو إضافة كلمة هناك.

تبدأ "نسيان ما لم يحدث" بكلمة "التيه"، ويغلب الظن أن أي مهتم حقيقي بالرواية ستدفعه كلمة التيه دفعاً لاستدعاء بورخيس، و"المتاهات" "Labyrinths" بشكل خاص. فالسرد يبدأ بأن  يقودنا إلى متاهة الوجود والهوية "ولكن من أنا؟ .. من أكون؟ .. ومن هو أمين النوراني؟ .. .. أهو أنا نفسي؟ ..أم هو أبي؟ .. .. من منا هو الأب؟ .. ومن هو الابن ؟ أم نحن الاثنان .. لا أحد!" (ص 7)، ولكنه لا يتركنا هناك، إذ أن يعود ملتفاً حول نفسه وحولنا ليقودنا إلى متاهات أخرى. متاهات مكانية وجغرافية وزمانية وتاريخية وفكرية وعاطفية  مصنوعة من التذكر والنسيان، وجميعها تتكون من بدايات لا تكتمل يقعدها عن التقدم تواطؤ "الذاكرة المثقوبة" و"النسيان.. (و) التناسي". ومع هذا يتقدم السرد مترنحاً وهو يدور في متاهات من الخيالات والأوهام والأكاذيب والأشواق والمخاوف و"الظنون والشكوك والأساطير والخرافة" (ص68).

ومن بين المتاهات التي نضيع  بداخلها زمناً في "نسيان ما لم يحدث" أحياء العاهرات، وأهمها حي جهنم، الذي في إخلاص كامل لمفهوم المتاهة، يكون مرة في الخرطوم (ص ) ومرة أخرى في أم درمان ( ص 37):

"وكانت الليالي المقمرة قد تحولت من الغزل العفوي إلى تجارة الجسد التي تركزت في حي الشهداء في أم درمان وفريق جهنم بالخرطوم.. وانتشرت بارات الخمور.. سانت جيمس وال جي.بي. والأوكروبول والليدو. وفي الصباح الباكر تجد الطوابير المتراصة أمام منازل العاهرات. وكان الريال التركي يوضع مقابل قضاء ربع ساعة مع إحداهن من العاملات في هذه المواخبر." (ص 20)

ومتاهة أخرى من الرواء والعطش، والجوع والشبع، والعشق والشبق، تمثلها روجينا رزق والتي نلتقيها أولا على هذا النحو:

"كانت (روجينا رزق) ذات جسد ممشوق.. ومشية خفيفة قافزة. وكانت ضفيرتاها المعقودتان خلف ظهرها تتموجان في مرح. والعيون تتابع خطوها القافز الراقص. ورثت البنت عن جدتها العينين الخضراوين كحبتي فيروز .. لهما لمعنان عميقتان تشرقان مع ابتسامة تدفعك لتذكر الأوقات السعيدة القديمة فتمتلئ بالأشواق والعزيمة لتجد ذلك الماضي السعيد. وهكذا منى النوراني نفسه .. أن ينال موعداً. فأخذ يتربص بها .. فكان يلتقي بها وجها لوجه كما لو كان ذلك مصادفة. هكذا أخذ النوراني يندس بين المارة، في طرقات السوق الكبير  حتى أوقع بها. ونال موعده الذي الذي كان توقعات ممكنة لأوقات مرحة قادمة. (ص20 ص-21)

ولكن السرد يعطينا رواية أخرى للعلاقة بين النوراني وروجينا: "لقد أحضر النوراني بشارة البنت روجينا من أحد أسواق الرقيق الأبيض في حي العرب غرب المدينة ودفع مبلغ عشرين قرشاً منقوشاً على ظهرها إسم البتشا التركي السلطان حسين الذي كان والياً من قبل استمبول في القاهرة." وكأن ذلك ليس كافياً إذ تأتي على أعقابه رواية ثالثة: "عهد برامبل بالبنت (روجينا) لإحدى الأسر الشامية الثرية فتعلمت ركوب الخيل والدرجة الهوائية واللغات والأدب وقواعد السلوك المتحضر." (ص 37)

وهنالك المتاهة الكبرى: متاهة التاريخ الذي هو هنا مرثية شخصية بالنسبة لعيسى الحلو: فهو حفيد صاحب الراية الخضراء، الخليفة علي ود حلو:

"ونزل أصحاب المهدي من ظهور الخيل .. وفرشوا الفوات على الأرض وأخذوا يصلون.. وفجأة حصدتهم رشاشات الجند!! ومع الأيام أصبحت أم دبيكرات مزاراً للثوار وأيقونة وأيقونة وذكرى عزيزة لوطن استلبه المستعمر الانجليزي والتركي والمصري. (والمنطقة) هي موطن  قبيلة دغيم التي ينتمي إليها الخليفة علي ود حلو الذي دفن مع الخليفة عبد الله التعايشي والصديق ابن المهدي. وهكذا انتهى ذلك العهد الوطني الزاهر بالتضحيات وغيب في غياهب التاريخ." (ص 42)

ومن بين كل المتاهات تظل متاهة النوراني وابنه ووالده أوفرها تعقيداً وأكثرها التفافاً وأشدها التواء:

"ولد أمين منذ مدة غير موثقة ومجهولة .. ولهذا تجيئ الروايات حوله وحول أبيه .. مؤلفة ومسرودة على طريقة الأساطير .. أحداث ممكنة ومحتملة .. يمكن تصديقها .. ولكنها أحيانا تغالي في خياليتها .. عندما تفترض أن الولد وأباه كانا قد عاشا في فترة المهدية وشهدا كرري .. ثم هزيمة ناصر في السويس .. شهدا اغتيال السادات .. شهدا الانقلابات العسكرية منذ عيود حتى الإنقاذ .. وشيعا الشيخ الترابي إلى مثواه الأخير .. كلها حكايات غير قابلة لأن تصدق! وكانا يعرفان ذلك!!" ( ص 24-25)

وعلى القارئ أيضاً أن يعرف ذلكً. فالراوي في "نسيان ما لم يحدث" غير موثوق به على الإطلاق، وله نزوع دائم لرواية حكايات غير قابلة للتصديق.

ويزيد من تعقيد المتاهة النورانية شيئان :أولهما عدم التمهيد وثانيهما توظيف فكرة Motif المزدوج Double. بالنسبة للأول هنالك مدخل حول العلاقة والاختلاف بين العمل الروائي والسيناريو السينمائي يشي بأن العمل الروائي يبتدئ مبكراً بينما يبتدئ السيناريو السينمائي متأخرا. أي أن العمل الروائي يحتمل المقدمات والتهيئة والتمهيد بينما لا يحتملها السيناريو. لكن السرد في "نسيان ما لم يحدث" يبتدئ متأخراً ليلقي بالقارئ مباشرة في لج المعضلة::

"كانت يدانا متشابكتين!.. كان كل منا يقبض على يد الآخر بقوة.. لا أحد منا يريد أن يترك الآخر. كنا نقاوم هذا الأمر طوال تلك السنوات الماضية .. رغم أن كلاً منا كان يحرص كل الحرص على رعاية الآخر والحفاظ عليه حتى لا يمسه سوء. لقد انطبعت علاقتنا طوال هذه السنوات الطوال بهذا الطابع. لقد كان أمين النوراني يحنو عليّ في أبوة فياضة .. وكنت بالمثل أحنو عليه بذات الدفق .. الأبوي.. فلا نستبين  أينا الإبن وأيتا هو الأب. كنا نلعب الدورين المزدوجين بالتبادل .. كنت أعتبره أباً مرة وابناً مرة أخرى. وكان هو يفعل ذات الشيئ في ذات الوقت." (ص 5)

أما بالنسبة للأمر الثاني فنجد أن أمين النوراني الأب والابن مزدوج. كما أن أمين النوراني الأبن والأب النوراني بشارة مزدوج آخر. والمزدوج the Double عنصر غير مألوف ولكنه معروف في الأدب، ونجد أشهر تجسيد له فى رواية روبرت لويس استيفنسون "الحالة الغريبة لدكتور جايكل والسيد هايد." ويمضي أمين النوراني الأب والابن يتحاوران ويتحالفان ويحاربان ويتنافسان: أمين النوراني مع ابنه، وأمين النوراني مع أبيه. وفي الحالتين يقول السرد "كانت مشاعر كل منهما تجاه الآخر غامضة جداً. كان بينهما شيئ كالندية.. تلك المنافسة على الفوز والنصر وإلحاق الهزيمة بالأخر. كما لو كانا أخوين شقيقين طريدين! وكانت المنافسة التي تشبه الغزل الصريح والمفتوح على الزهو والانتصار المتوقع في جولات الخياة والحب والسلطة الذاتية في التحكم في الأشياء والناس والتي تحول الذات من كائن افتراضي إلى كائن وجودي حقيقي.. الوجود في الذات وليس الوجود من أجل الآخر (ص 24). ويعيش المزدوجان معاً، ويسافران معاً، ويعشقان معاً، ويقتلان معاً، وفي نهاية المطاف يموتان معأ.

وكأن كل هذا التعقيد لم يكن كافياً فيسارع عيسى الحلو إلى إنتهاج سبيل وعرٍ بالغ الصعوبة وشديد الخطورة والتعقيد، ومن شأنه أن يجر عليه ويلات اتهامات أقلها وطأة هو الإهمال. والنهج الخطير الذي يحاوله عيسى الحلو في سرده هو التوظيف الجسور للسرد غير الموثوق به. ومع أنني غامرت بإغضابه عند اتهامه بالوقوع في شباك الإهمال أكثر من مرة، إلا أنه يتملكني يقين راسخ بأنه قد استخدم السرد غير الموثوق به عن قصد ووعي ودراية. وهنالك إشارات متعددة تؤيد هذا الزعم من بينها: "وهكذا يصتع الخيال الجمعي صوراً مزدوجة .. متعددة .. ومتحولة .. ورغم غرابة الأمر وصعوبة تصديقه، إلا أنه كان دائماً وفي كل وقت هو أمر قابل للتصديق .. لأن الناس عادة يصدقون ما يريدون تصديق.." (ص 30)، و"كان النسيان يسود كل شيئ.. ما حدث.. وما لم يحدث. كانت كل الأشياء كاذبة.. ليس هنالك شيئ واحد صادق قط." (ص 39)، و"كان أين الراوي الحقيقي.. غير هذا الراوي الافتراضي الذي يمكن أن نركن لروايته؟  إنها ذاكرات  عديدة تتداخل ..   وهي تتوازى أو تتقاطع أو تتداخل .. تثبت وتؤكد تارة.. وتمحو ما كانت قد كتبت مرة أخرى.." (...)

في 1923 كتب دي إتش لورنس "لا تثق في الفنان. ضع ثقتك في الحكاية. إن دور الناقد الحقيقي هو أن ينقذ الحكاية من الفنان الذي صنعها." وقبل ذلك وبعده أخذت الشكوك تحوم حول مصداقية االراوي والسرد حتى جاء واين سي بوث بمفهوم ومصطلح الراوي غير الموثوق بهUnreliable Narrator  في كتابه "بلاغة العمل الروائي"Rhetoric of Fiction (1961) موضحاً فيه أن مصداقية الراوي قد تتعرض للخطر لعدة أسباب منها صغر السن ومحدودية التجربة ورغبة الراوي في التشويه أو التزييف. ويمكن العثور على عدد من الأعمال الروائية التي لا يمكن فيها الركون إلى الراوي، مثل المربية نيلي في "مرتفعات وذرينغ" لإميلي برونتي، ونك كاراوي في "غاتسبي العظيم" لأسكوت فيتزجيرالد.

والراوي غير الموثوق به، عندما يكون، تكون روايته في الغالب من منظور الشخص الأول الفرد. ولكن هنالك حالات يروي فيها الراوي غير الموثوق به  روايته من منظور الشخص الثاني. وفي حالات نادرة نجد أن السرد غير الموثوق يأتي من منظور الشخص الثالث العليم .Omniscient Narrator  وهنالك عدة طرق لتحقيق ذلك وواحدة من أفضلها هي تحقيق السرد عبر استخدام الشخص الثالث العميق والذي يعرف أيضا بإسم الشخص الثالث الحميم أو الوثيق، وعندها يصبح الخط الفاصل بين الشخصية التي تروي بعضاً من السرد والراوي العليم غير واضح. وبهذه الطريقة يسهل تسلل غير الموثوقية التي تأخذ في بسط هيمنتها حتى تسيطر جزئياً أو كلياً على السرد. وأظن أن هذه هي الحال في سرد "نسيان ما لم يحدث". فالسرد يبدأ من منظور الشخص الأول الفرد: "كانت يدانا متشابكتين" ثم ينتقل ليتقدم من منظور الشخص الأول المتعدد: "إلا أننا كنا كلنا مشغولين بالسؤال الأهم.. (هل حقيقة أن الاثنين هما اثنان حقاً؟ .. الولد والابن! (ص). ثم يتقدم ليستقر على منظور الراوي العليم.

والحديث عن تعقيدات السرد وتنويعاته يقود في كثير من الأحيان إلى "الصخب والغضب" والتي يعتبرها الكثيرون ليس فقط أعظم روايات وليام فوكنر، وإنما أيضاً واحدة من أعظم روايات القرن العشرين. وعلى الرغم من ذلك فقد وصف فوكنر كتابته لها بالفشل. فهو يقول متحدثاً إلى طلاب جامعة فيرجينيا: "حاولت كتابتها أولاً من خلال أحد الأخوان، ولكن ذلك لم يكن كافياً... وحاولت كتابتها من خلال أخ آخر، ولكن ذلك لم يكن كافياً... وحاولت كتابتها من خلال الأخ الثالث... وقد فشل ذلك، ثم حاولت  من خلال نفسي- الجزء الرابع- رواية ما حدث، ومع هذا فشلت." ولكن عندما ننظر اليوم إلى ما وصفه فوكنر "بالفشل الرائع"  splendid failure نجد أمامنا واحدة من أعظم الروايات في تاريخ الأدب العالمي، ويمكنها أن تزهو بمكانتها وسط صفوة الروايات مثل "يوليسيس" لجيمس جويس، والجبل السحري" لتوماس مان، و"الإخوة كارامازوف" لدوستويفسكي، و"لمن تقرع الأجراس" لإرنست هيمنغواي، و"جسر على نهر درينا" لإيفو ادريتش، و"زوربا اليوناني" لنيكوس كازانتزاكيس، و"مائة عام من العزلة" لجبرائيل جارسيا ماركيز، و"حفل التيس" لماريو فارغا س يوزا. وأكثر أجزاء الرواية إثارة لإهتمام النقاد هو الجزء الذي يقدمه فوكنر من منظور الأخ الأصغر بنجي كومبسون المتخلف عقلياً، والذي يعتبر بلا منازع أشهر نموذج للراوي غير الموثوق به في الرواية. ولتحذير القارئ من خطر الوثوق في بنجي صدّر فوكنر روايته بالاقتباس الشهير من ماكبث": "إنها حكابة يرويها أبله. مليئة بالصخب والغضب، لا تدل على شيئ"، ومن ذلك الاقتباس يأتي عنوان "الرواية، والذي يورده عيسى الحلو على هذا النحو: (ما الحياة إلا رواية يرويها أبله حكاية مليئة بالصخب والعنف." وفي ظني أن لكلمات ماكبث انعكاساتها على "نسيان ما لم يحدث" التي تمتلئ هي الأخرى بأحداث "الصخب والعنف" التي تصلنا عبر الرواي غير الموثوق به.

وبعض الذي ذكرت قي مقالتي من أحداث هو استحضار لما أورده السرد، وقد تكون هنالك وقد لا تكون ضرورة لنسيان بعض ما ورد في السرد مثل:

"تجيئ كرري... الدراويش المهدويون رافعين سيوفهم التي تلمع تحت صوء الضحى الباهر والغبار المتصاعد تحت حوافرالخيل وهي تخوض ساحات الوغى.. تتوغل الجياد وتخترق حزام الدفاعات والستر وتتساقط العمائم تارة والقبعات تارة أخرى وتتساقط الجثث من الجانبين. وتصرخ الحرب كلها شرقاً وغرباً .. سيوفاً وحراباً ومدافع وكلاسنكوف وبنادق.ً

ليس فقط بسبب الكلاشنكوف، ولكن لأن كرري لم تكن كذلك. وكذلك لم تكن أم دبيكرات التي يوحي السرد وكأنها حدثت بعد أيام من سقوط أم درمان: "وكان خليفة المهدي وأعوانه على مشارف ضاحية أم دبيكرات وهم على ظهور الخيل .. أجسادهم منهكة حيث قضوا ثلاث ليالي في الطريق من أم درمان.." فواقعة كرري قد حدثت في يوم الثلاثاء 2 سبتمبر 1898 بينما حدثت واقعة أم دبيكرات في يوم الجمعة 24 نوفمبر 1899، أي بعد ما يزيد على السنة من واقعة كرري.

ولكن عيسى الحلو لا ينتظر حتى تنتابك الشكوك في سرد له، فهو يسارع تطوعا للتآمر على سرده برمي بذور الارتياب في كل شيئ. ففي توضيح العلاقة بين جورجينا (روجينا) وأمين النوراني يقول السرد:

"وكان كل يضيف أجزاء للحكاية أو يحذف شي ئاً .. فتتمازج الأفراح والأحزان .. وتتداخل الأزمنة..  ويضيع التاريخ الحقيقي  الذي يحدد تاريخ الواقعة .. وتختلط الشخصيات والحبكات.. وتصبح الحكاية هي ذاتها وهي غيرها في ذات الوقت .. وتختلط الأصوات ويكثر الرواة للحادثة الواحدة.. وهم يتكلمون بأصوات تختلط وتتداخل وتتعارض أحياناً .. تتوارى وتندفع كإعصار دائر حول نفسه .." (ص 49)

وهذا الوصف لا ينطبق فقط على حكاية "جورجينا" التي، إلى جانب الأب، أحبت أيضاً الابن أمين النوراني، وإنما ينطبق على الرواية بأكملها والتي هي متاهة "تختلط فيها الأصوات.. وتتداخل وتتعارض وتتوارى وتندفع كإعصار يدور حول نفسه."

وفي خطوته الاستباقية التي نوهت إليها سابقاً، يواصل الناشر قائلاً:

"علينا محاولة ذلك (كتابة نص روائي جديد) في المكان الأول.. لأن شرف الاكتشاف والمغامرة في تأسيس الفن الجديد أكثر ضماناً وسيطرة وتحكماً في إدارة الحياة من كتابة نص جديد عن طريق المصادفة التي نسميها الإلهام تبريراً بدلاً من التمسك بقصدية الوعي وتقوية سلطتها في إرادة الواقع وتغيير هذا الواقع. إذن فلنجرب حتى ولو واجهنا الفشل."

والكلمة التي تهمني هنا أكثر من غيرها هي كلمة الفشل. وأعتقد أن عيسى الحلو عندما يقرأ "نسيان ما لم يحدث" كناقد سيجد أنها قد حققت نجاحاً مذهلاً في بعض جوانبها، كما سيجد أنها قد سجلت "فشلاً رائعاً"  في جوانب أخرى.

وبعض ما يشبه "الفشل الرائع" يأتي من التجريد، أو الإغراق فيه. وعندما استحضر مقولة دي إتش لورنس أن الرواية "بشكل أساسي غير قادرة على المطلق"  لا أعني أن التجريد ينفي صفة الرواية عن عمل ما جملة وتفصيلا، ولكنه يسلبه صفة التدفق والاستمرارية. والمؤلف قد يشعر أحياناً بضرورة أن يرفع صوته فوق صوت راويه أو شخوصه، ولكن عليه عندما يفعل ذلك أن يُضمن ما يقول ضمن نسيج سرده. وذلك ما يفعله إرنست هيمنغواي عندما يقول في "لمن تقرع الأجراس": "اليوم هو مجرد يوم مثل جميع الأيام التي سوف تأني. ولكن من الممكن أن يعتمد ما سوف يحدث في تلك الأيام التي ستأتي على الذي ستفعله اليوم. لقد كان الأمر كذلك طوال هذه السنة، ولقد كان كذلك للعديد من المرات." وعندما يبتدئ عيسى الحلو من نقطة مثل: إنهم يسألون عن المصير!.. من هم؟ وإلى أي زمان ومكان ينسبون؟ .. كان روع غامض يملأ صدورهم .. روع مشفوع بقناعة تسلطت عليهم بسبب قدرتهم على التخييل .. خيال سرعان ما ينقلب إلى وهم .. وتخيل ما لا يحدث. وهذا يحدث للناس عادة عندما يبدلون في قواعد اللعبة..ً (ص 55) فإنه لا يزال ضمن "قواعد لعبة" السرد الروائي، ونقبل نحن كقراء ضمنياً أن الصوت الذي يحدثنا هو صوت الراوي، أياً كان هو. ولكن عندما يمضي  ذلك الصوت ليقول:

"لعبة أن تتحايل على مصاعب الحياة واستحالاتها في أن يتطابق الفعل مع النوايا التي تمثل النواة الحافزة على صنع هذا الفعل أن يتحول من كونه شوق يقذف الذات إلى الأمام كما لو كانت تسابق اندفاعات سباقها مع جريان لحظات الزمان التي تجري كما الماء من أعلى إلى أسفل .. من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل وذلك ضمن أطماع الذات لتحقيق الإرادة والحرية..  تلك التي تمثل الذات في هذا التطابق الإبداعي البديع بين الذات وحقيقتها ..." (ص 55)

فمن الواضح أن المتحدث هنا ليس الراوي، وإنما هو المؤلف، عيسى الحلو، يتحدث إلينا  مباشرة دونما وسيط ودونما وساطة. وعيسى الحلو يفعل ذلك أكثر من مرة في "نسيان ما لم يحدث". ولكن هذا لا يمثل هاجساً بالنسبة لي بقدر ما يمثله حجم العمل، والذي قد لايكون هاجساً لغيري من القراء.  ولكني أعتقد أن عيسى الحلو قد ظلم نفسه أولاً، وظلم "نسيان ما لم يحدث" ثانيا،ً بأن ضيق عليها الخناق وحرمها من السعة والانسياب. وأريد أن استعير هنا من الرواية ما يساعدني على وصف بعض إحساسي بها. والاستعارة التي أريد هي الإشارة إلى "كبس الجبة" والذي يصفه السرد بأنه من "قتالين القتلة" (ص 128). والروايات التي تتحدث عن "كبس الجبة" وقوته وجسارته وفتوته وبلطجته لا تصدق, وتقول واحدة أن عبد الصبور لما وضع عليه الجبة التي كان يرتديها الجنود ملأها على سعتها بمفتول عضلاته، فصاح أحدهم "الزول كبس الجبة" فصار ذلك هو الاسم الذي يعرف به. وقياساً على ذلك فإن ما "يحدث" في "نسيان ما لم يحدث" قد "كبس جبة" النوفيلا فضاقت به دفتا الكتاب. ولو أتحنا لما "يحدث" حرية التدفق لفاض ليملأ،  ليس فقط رواية متكاملة الأبعاد، وإنما ملحمة  Epic بأكملها. وعلى صعيد آخر فإن ما سميته بالأخطاء فإن الطبعة الثانية ستتكفل به. ويقيني أنه عندما يسكن غبار الجدل فستبرز "نسيان ما لم يحدث" بجرأتها ونزقها وشططها وبقدرتها على التحدي كعمل روائي رائع يؤكد شياخة عيسى الحلو، ليس فقط لأدب الحداثة، وإنما أيضاً لأدب ما بعد الحداثة في السودان.

وأعود هنا إلى الأدب العربي القديم مستعيداً ما أورده عمرو بن بحر الجاحظ في كتاب "الحيوان" سارداً هذه الحكاية المشبعة بالدلالات: "قال أبو علقمة: كان اسم الذَّئب الذي أكل يوسف رجحون! فقيل له: فإنّ يوسف لم يأكُلْه الذّئب، وإنما كذبوا على الذِّئب، ولذلك قال اللّه عزَّ وجلّ: (وَجاؤُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كذبٍ)، فقال أبو علقمة: فهذا اسمٌ للذئب الذي لم يأكلْ يوسف." وعلى الرغم من إيحاءات وتلميحات التشكيك التي ترصع السرد لتجعل الشك يخامرنا في حقيقة حدوث أحداثه، فإن جميع الأشياء التي يحكي عنها السرد في الرواية من عشق وقتل وميلاد وممات، ومن هزائم وانتصارات، ومن عهود استبداد وثورات، ومن صولات وجولات، ومن بطولات كرري وفجيعة أم دبيكرات وغيرها قد حدثت. هذا حتى من غير ضرورة لتطبيق مفهوم "تعليق عدم التصديق" Suspension of Disbelief الذي ابتدعه الشاعر والفيلسوف الجمالي صمويل تيلور كولريدج لكبح جماح التفكير النقدي الذي إذا ما اشتط فسيقضى على المتعة الجمالية التي يتيحها الخيال المنعتق أو المنفلت. ولكن السؤال الكبير الذي لا بد لنا من مواجهته هنا ما هو الذي لم "يحدث" على هامش الذي حدث؟ وهل من الممكن أن تفقد ماهو ليس لديك؟ وأين هو "رجحون" الذي نطارده ويطاردنا في متاهات "نسيان ما لم يحدث"؟

لقد حاولت اقتفاء آثار "رجحون" عبر الصفحات وحتى السطور الأخيرة للرواية، ولكني لم أعثر له على أثر. ولكن قد يستطيع غيري ذلك إذا ما أحكم التأمل بعد أن يجيد القراءة ويحسن الإصغاء:

"من المؤكد أن إمكانية تغيير العالم الذي نعيش فيه ترتبط إلى حد كبير بقدرتنا على تغيير أنفسنا أولاً.. بحيث يمكن أن ننسى ما حدث لنا.. ولكننا لكي ننسى ما لم يحدث علينا أن نتذكر إن نسيان  ما لم يحدث .. هو نسيان أحلامنا في الآتي.. في الممكن والمحتمل.. وهي الأشياء التي تمثل الإمكان.. تمثل النوايا بقيام الفعل كمشروع حياة.. وهو مشروع مبني منطقياً وتاريخياً على مشاريع ماضية أهملت أو نسيت أو نفذت في غير ما إتقان وتجويد." (ص 132)

و"تذكرت" أننا كثيراً ما نعثر في عالمي السايكولوجي والسياسة على أمثلة "يتذكر" فيها البعض ما لم يحدث. أما نسيان ما لم يحدث فهذا أمر لا تستطيعه غير الرواية. ولن يحاوله من الروائيين غير الكبار منهم، من أمثال عيسى الحلو الذين يجرؤون على نبش ركام شقائنا الإنساني باحثين لنا عن شيئ من العزاء. وعلى نحو يكاد أن يكون موازياً يقول أمبرتو إكو في "ست جولات في الغابات المتخيلة":

"قراءة الرواية تعني أن نلعب لعبة تعطي معنى لضخامة الأشياء التي حدثت، والتي تحدث، أو التي ستحدث في العالم الفعلي. ومن خلال قراءة السرد، نفلت من القلق الذي يهاجمنا عندما نحاول أن نقول شيئاً صحيحاً عن العالم. هذا هو دور المواساة التي يمنحنا لها السرد - وهذا هو السبب الذي يجعل الناس يحكون القصص ويروونها منذ بداية الزمن."

وهذا ما يحدث عندما تكون هنالك أشياء قد حدثت، أو تحدث الآن وهنا، أو ستحدث في خضم واقع مضطرب ومرتبك، أو في أمكنة نائية متخيلة وأزمنة بعيدة متوهمة.

أخيراً، يقول بورخيس: "الزمن هو الجوهر الذي صنعت منه. الزمن هو النهر الذي يجتاحني، لكني أنا النهر، إنه النمر الذي يحطمني، لكني أنا النمر، إنه النار التي تلتهمني، لكني أنا النار." وأستطيع أن أقول على لسان عيسى الحلو: الأدب السوداني هو الجوهر الذي صنعت منه. فأنا المتسول عند عتبات بابه، المتوسل إلى عطف جنابه، المؤتمن على مضامين كتابه، الخارج من غليظ وغض إهابه، الذي يرفل في بهيج ثيابه، أنا نصف قرن من غرس ترابه، أنا عرابه... أنا عيسى الحلو.

 

أحمد حسب الله الحاج

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5277 المصادف: 2021-02-15 02:07:36


Share on Myspace