 قراءات نقدية

فوانيس عتيقة.. قصائد تجمع بين الفائدة والمتعة

قاسم ماضيللشاعر جاسم العلي

يبقى الحب قائما ًلدى الشعراء والأدباء حتى تناقلوه من جيل إلى آخر عبر قصائدهم التي  ظلت عالقة في أذهان الكثير من محبي الشعر، وهو ركيزتهم الأساسية الحياتية التي أكدت وجودهم الإنساني والمعرفي بين التجمعات التي عاشوا بينها وانحدروا منها، وهنا نقول فموضوعة الحب التي إنطلق منها "العلي" لم تكن حكرا على عمر بن أبي ربيعة أو وجميل بثينة أو نزار قباني وغيرهم .

كيف؟

أحتويك عصفورة

في الروحِ لا تغادرني

 يا رجفة أبدية تلامس عظامي

حد النخاع ص58 .

ويبقى تناوله من خلال  قصائده حيث يمكن للقصيدة الواحدة أن تتناول أكثر من موضوع واحد وهذا ما وجدته في ديوان الشاعر "العلي" وثيمة " الحب" التي كررها لعدة مرات وجدتها في هذا الديوان، وهو يسير على طريقة من سبقوه ومهدوا له أو غيره  من الشعراء، لأن أغلب من سبقوه راكموا نتاجهم  و ترجموا شعرهم بقضايا مهمة ملاصقة لهموم الناس ومن المهم أن يكون الشاعر صاحب قضية، فالشاعر "العلي" أراد التعبير عن ذاته المتميزة و الطافحة بهذا الحب في كل ما نظمه من قصائد في هذا الديوان الذي سماه " فوانيس عتيقة " وهو من القطع المتوسط وصدرعن دار نشر مؤسسة ثائر العصامي -بغداد ويقع في 75 صفحة من القطع المتوسط،فقصائده التي كتبها ظلت شذرات موحية في باله وما يشده دائما إلى همه الأساسي،فالشاعر مؤثر في وسطه عبر قصيدته من أجل التأثير على واقعه المزدحم باليومي، وهو يختلف عن الكثير من الذين انتموا إلى ايدلوجيات شكلت عبئاً كبيرا ًعلى سجلهم الشعري وأدختلهم في قائمة  الإبتعاد عن المواثيق الأدبية والإنسانية .

 فتعالي أقبلك وسط الركام

وسط الزحام

على كومة رماد لوحشة حرب ص61  .

وانطلاقا من فلسفتهم العميقة والمتجذرة التي أكدوها في كتبهم والتي أصدروها عبر الأزمان والعصور،والتي جعلت الشاعر "العلي" ملتزما ً بكينونته والتعبير عنها عبر تطلعاته تجاه العالم بأسره  وهذا ماتشهده قصائده لنا،  وهو يرسم  عبر عاطفته وحالته الوجدانية التي  يعكسها الشاعر، وهو بهذا يتدفق في وجدان القارئ بيسر وسهولة، ولو كان هناك ماكنة اعلامية تسّوقه إلى القارئ كما غيره من الذين سبقوه أو عاصروه، وكما قيل سابقاً " ومن الحب ما قتل " لهذا كان الحب وما يزال مغروسا في فلسفة الكثير من المبدعين  الذين تواصل معهم " العلي " وسار على طريقهم رغم الكثير من المنغصات الحياتية التي لاحقتهم في حياتهم  وهو واحد منهم، هذا العوز، والفقر، والاضطهاد، والظلم،لكنهم استطاعوا بروح الدعابة أو التأمل يكونوا مصدر إلهام لكثير من المبدعين .

يقول " ابن عربي " أدين بدين الحب أني توجهت ركائبه، فالحب ديني وإيماني  "

 فكانت القصائد القصيرة  التي كتبها "العلي" في هذا الديوان الشائك والذي يحمل عدة معان وإيحاءات،  تسير وفق فلسفة بلاغية تهفو لقلة اللفظ من حيث إتساع المعنى  "الدلالة" وفيها الإشارة والإلماحة والرمز.يقول

صرت ُ

 أبحث ُ عن قبلة آدم

والأهواء

ريثما يدنو ريح التثاؤب

يحملُها بتأن

إلى ضفة نائمة تتكور للعبور ص67 .

ولو افترضنا أن الشعراء غيروا مسارهم الفكري والفلسفي واتجهوا إلى البغض والكره ! فماذا نريد أن نقول عنهم، وأين نضعهم، وفي أي خانة، وتلك هي الطامة الكبرى هل نسير وراءهم ونحفظ ما يكتبون من قصائد تحرك فينا الكثير من مشاعر البغض والكره،مما يفسد كينونة هذا الشاعر أو ذاك، أذن لابد للشاعر من نص يحسم فيه رؤيته للذات وعلاقاتها مع الآخرين .

أنا المتوزع دوماً

بين موتي

وحبي

وارتجافي ص58 .

فهو بالتالي وأقصد الشاعر " العلي"  فهو شريك عام، يرسم لنا العديد من الخطوط في حياتنا التي هي " الكل يبحث عن نصفه " حيث جسد فلسفته كما صاغها الأوائل هي " محبة الحكمة " ولهذا جاءت الكثير من قصائده تنطوي على الحب في ثناياها، وهذا ما أراد قوله " وإن تكون في حالة حب يعني أنك في حالة تأمل التفكير" وهنا يقصد وهو يسبر أغوار قصائده التي لامست كينوته ذهنيا وهو يروم إخراجها إلى العلن  بقوله "  نحن متحررون من أي استلاب " ليضع إلينا أحكاما جدلية لها قوانينها التي رسمها عبر قصائده اللاذاعة لهذا الكم الهائل من البشر . يقول 

أنغام المطر

على زجاج الشباك

ربما هي تلك

تفاصيل القصيدة ص64 .

و"العلي" يقتنص الجوهر والتقاط فكرته المكتنزة التي تحوي الحكمة، وتظهر في قصائده جودة الحبك وإتقان الصنعة، والصورة البكر، ولا يفوتنا أن الإيقاع المتناغم الذي استخدمه الشاعر "العلي" في الكثير من القصائد لدليل وعيه الذي رسمه في كتابة قصيدته التي إنطلق منها، والذي يتابع هذا الشاعر يجد الكثافة الموحية والمعنى الذهني في لمحة واحدة .فالكثافة الشعورية والجمالية في هذه القصائد القصار هي ما يميزها لعناصر النص الشعري  الذي إنطلق منها، ولهذا نقول هكذا قصائد تجمع بين الفائدة والمتعة وهما أساسيان في العملية الإبداعية،

على زهرة ٍ ترقد ُ

فوق الطاولة

أيهما يوقظ ُ عطرها

في الفضاء ؟!ص14 .

يقول عنه الناقد "يوسف عبود جويعد" بالرغم من وجود قصائد قصيرة ولكن لها أكثر من وجه وأكثر من زاوية نظر، ويمكن للمقطع أن يمنحنا وحدة موضوع لوحده، وللقصيدة وحدة موضوعها، وسوف نكتشف من خلال متابعتنا لهذه المجموعة " ولهذا كانت له إلتقطات يومية مفعمة بالحب يلتقطها الخيال بيراعة فائقة ويعقد أواصر وثيقة ومنطقية تهز القارئ و بغرابتها وما فيها من عنصر مفاجأة .يقول

الزوال يأتي سريعا ً

غارقاً بالمعنى

وبشكل الوردة ِص 17

***

قاسم ماضي - ديترويت  .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5279 المصادف: 2021-02-17 01:04:00


Share on Myspace