 قراءات نقدية

بورتريه للموسيقى.. تأملات في قصيدة (شجرة الموسيقى)

ناظم ناصر القريشيللشاعر سعد ياسين يوسف / العراقِ

قصيدة النثر رحبه وغنيه وواسعة كالبحر، رغم اختلاف التسميات والتنظيرات ،هي لا تشبه إلا نفسها في بنيتها، والشعر في ذاته وطبيعته، الشعر المحض والخالص هو ما يتماهى مع الوجود وتنطق به الطبيعة في أنقى وأبهى صورها ويتجسد في مفرداتها، والذي لا ندرك مظاهره إلا ونحن نتأمل العالم بما يحتويه.

الشاعر سعد ياسين يوسف الذي اختار من الطبيعة الشجرة كرمز في قصائده أذْ يرى كلَّ شيءٍ في الكون عبارة عن شجره، ولهذه الشجرة موسيقى أيضا، و هذا ما جسده في قصيدته التي اختار لها عنوان (شجرة الموسيقى) وهو عنوان موسيقي أخضر لشجرة الشعر برؤية تشكيلية، والتي تبدأ بما يثير دهشة الفيزياء عبر تكنيك المزج البصري والموسيقي، وهو ما بدأت به المدرسة المستقبلية في تشكيل الحركة ، وجسدته الانطباعية في الألوان، فالريح أوتار الطبيعة، والاهتزاز هبة الريح للغصن الذي اهتز ،وتحرك ،وتأرجح ،فتذبذب إلى تردده وانتظم حول أصله، فأنتج صوراً متلاحقة لذاته في فعل الحركة ، فأختلج لونه من الأخضر الساحر كصوت دافئ وعميق، إلى الإخضرار بدرجاته الموجية واللونية حتى يعود مع ما افترضته أوركسترا الطبيعة من تماهي الشعر في الضّوء واللون، هكذا تذهب الموسيقى وهي تموج بالأماني إلى النهر بمتسعات لونية على امتداد خطواته في جريانه :

"حينَ اهتزَّ الغصنُ

تسارعَ خطوُ النهرِ

وهو يخبئُ قرصَ الشمسِ

تحتَ جناحِ الأسئلةِ.

هي شالُ حريرٍ فيروزيٍ

لفّتهُ الريحُ وطارَ،

كجسدِ ملاكٍ في حقلِ سنابِلَ، "

وفي مايلي من الإبداع في القصيدة يقدم الشاعر لوحات حرة ومتتالية، تنمو وتستطيل في الكلمات التي تجعل من الغياب حضوراً، وتندفع في اتجاه الضّوء، متناغمة في وميض اللحظة، حتى ندرك هذا الجميل من الشعر وما يمكن ابتكاره على شكل لوحات انطباعية ترافقها موسيقى (كلود ديبوسي) كموسيقى تدخل في الحلم، فهناك شعر لأن هناك حياة، يقول الشاعر: -

"هي شالُ حريرٍ فيروزيٍ

لفّتهُ الريحُ وطارَ،

كجسدِ ملاكٍ في حقلِ سنابِلَ،

هيَ لغةُ الحزنِ إذ تتغلغلُ في روحي ..."

هنا ندرك محاولة الشاعر، الوصل بين المثال والصورة، بين اللغة ومجازها في كثافة حضورها وطاقتها في محمولها اللغوي، حتى وهو يؤدي قصيدته في حيز هذه اللغة الشعرية، التي تتمكن تدريجياً من النمو من داخل لغة الموسيقى وتطويعها شعرياً وتشكيلياً، فالصور الشعرية متحركة عبر تمثيلها اللوني، وحضورها اللحظي في زمنها المطلق، وحركتها الدائبة ، فيجعل من الضّوء يد الأرض الممدودة إلى السماء دعاءً والكلمات ابتهالاً بأجنحةِ الأبدية:

"انبلاجُ الضوءِ من شفتيِّ الأرضِ،

سماءٌ خلعتْ بردتَها الداكنةَ

لترينا بعضَ مفاتنِها...،

صرختُهُ الأولى ...

وهو يغادرُ عرشَ الدفءِ،

وجهُ الأرضِ إذْ ترفعُ صوبَ اللهِ يديها،

نزولُ الدَّمعةِ من علياءِ الدَّهشةِ،

نظرتُك صوبي....

عندَ رصيف ِغروبِكِ

متلفعةً بالأحمرِ،

تلويحةُ كفِّكِ

قبلَ التحليقِ بأجنحةِ الأبديةِ "

كأنَّ الكلمات تلامس الألوان والأوتار، لتصنع الإيقاع النهائي في القصيدة سمواً، فابتكار قصيدة انطباعية لا يكون إلا بكلمات شفافه يتناسق من خلالها اللون بدرجاته الضوئية، وهي لا تكون شعراً حتى تكون موسيقى، فالشعر يتمازج مع ذاته ليتمثل المعنى بأبهى مداليله، حيث ابتكرالشاعر لشجرته أسلوباً ذا طابع ابتهاجي إيجابي وخلاق بإحساس الرسام وروح الشاعر وأفق المايسترو، تحضر الموسيقى فيه كشجرة، وتحضر الشجرة فيه كقصيدة، فأزهرت بعدها شجرة الموسيقى واتحدت عندها الرّؤية والرّؤيا .

..........................

"شجرةُ الموسيقى"

د. سعد ياسين يوسف

 

حينَ اهتزَّ الغصنُ

تسارعَ خطوُ النهرِ

وهو يخبئُ قرصَ الشمسِ

تحتَ جناحِ الأسئلةِ.

هي شالُ حريرٍ فيروزيٍ

لفّتهُ الريحُ وطارَ،

كجسدِ ملاكٍ في حقلِ سنابِلَ،

هيَ لغةُ الحزنِ إذ تتغلغلُ في روحي ...،

نشوةُ فنجانِ القهوةِ في رأسي

بعدَ فناءِ الليلةِ بالحربِ معي ... ،

هي مرآتي،

اشتعالُ الشمعة ِ،

انطفاؤُها ....،

انبلاجُ الضوءِ من شفتيِّ الأرضِ،

سماءٌ خلعتْ بردتَها الداكنةَ

لترينا بعضَ مفاتنِها...،

صرختُهُ الأولى ...

وهو يغادرُ عرشَ الدفءِ،

وجهُ الأرضِ إذْ ترفعُ صوبَ اللهِ يديها،

نزولُ الدَّمعةِ من علياءِ الدَّهشةِ،

نظرتُك صوبي....

عندَ رصيف ِغروبِكِ

متلفعةً بالأحمرِ،

تلويحةُ كفِّكِ

قبلَ التحليقِ بأجنحةِ الأبديةِ

كاسرةً موجَ الرَّغبةِ .

حفيفُ أكفِّ الأشجارِ...

وهي تصفقُ لي،

حينَ أمرُّ حزيناً تتناهبُني الفكرةُ،

ما يتركهُ عصفُك في أغصاني،

ارتعاشةُ  يدك ِ بينَ يديَّ،

سَرَيانُ الدفءِ وأنا أمرّرُ كفي

فوقَ قبابِ جنونِكِ ... جنتِك ِ،

ما تتركهُ لمساتُ يديكِ النّاعمتين

في جدرانِ الهيكلِ....،

ارتطامُ الموجِ بجسدِ الشّاطئ...،

رائحةُ الرَّعشةِ عندَ الزَّخّةِ الأُولَى ،

من مطرٍ بعدَ يبابِ فصولِ الأرضِ،

خطفُ البرقِ ....

عزفُ النّافورةِ لحنَ الوحشةِ وهي تبوحُ

لأخِرِ مُصغٍ عمدهُ رذاذُ الماءِ الباردِ

في منتصفِ القيظِ

غناءُ  "الشبّوي*" ذاتَ مساءٍ

حينَ بَعُدنا عنها... ،

وتجاهلنا خضرتَها

وهي تصوّبُ رشقاتِ العطرِ

وتشدُّ ، تشدُّ، مثلَ صغيرٍ...

يشدُّ ضفيرةَ  أمهِ

يصطنعُ بكاءً

كي تمنحَهُ قُبلةَ إصغاءٍ،

فَلِمَ لا نُصغي،

نكسرُ "سُلمَها" اللامتناهي

ونردمُ كلَّ ينابيع الماءِ

ونحنُ نغورُ برملِ الصَّحراءِ ؟!!!

***

بقلم: ناظم ناصر القريشي

........................

* الشَّبّوي : شجيرة عطرية تُطلق عطرها في المساء ، وتُسمى أيضاً "مسكة الليل" و"ملكة الليل" .

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

قراءة متبصرة برؤية جديدة ، شكراً لك أخي ناظم
والشكر موصول للمثقف وسادنها الأستاذ ماجد الغرباوي ولأسرة التحرير الرائعة المثابرة ...

د. سعد ياسين يوسف
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5284 المصادف: 2021-02-22 01:48:40