 قراءات نقدية

الادب العربي واللحاق بالعالمية

يسري عبد الغنييحلو للبعض أن يردد بين الحين والآخر أن بلادنا في حالة تخلف فكري، وأنه لم توجد مذاهب للنقد الأدبي في بلادنا منذ رفاعة رافع الطهطاوي إلى يومنا هذا، ويردد أيضًا : أن أوربا لم تعرف من الأدب العربي كله إلا قصص ألف ليلة وليلة، وقد تعرف كتاب (حي بن يقظان) لابن طفيل !! . ومن نكد الدنيا على الحر أن يسمع هذا الكلام، ألم يقرأ هؤلاء العديد من الدراسات التي كتبت في الشرق والغرب مؤكدة على أن الأدب العربي القديم كان عالميًا وأثر بشكل مباشر في كل الآداب الأوربية، وهذا باعتراف كثير من البحاثة الغربيين . ودعنا من الأدب القديم، ولنتحدث عن الأدب العربي الحديث، ومثال عليه الأدب المصري، وعناصر الإبداع فيه، التي دعت الناشرين في أوربا وأمريكا يترجمونه، وينشرون منه عشرات الآلاف من النسخ التي بيعت للناس، وتلقفها القراء، وكتب عنها النقاد العديد من المقالات في الملاحق الأدبية لصحف الغرب الشهيرة . كتاب عميد الأدب العربي / طه حسين ترجم إلى الفرنسية والإنجليزية والأسبانية والألمانية والروسية ... وغيرها ..، كتاب يوميات نائب في الأرياف لتوفيق الحكيم ترجم إلى الفرنسية والإنجليزية والروسية ولغات أخرى، يضاف إلى ذلك مسرحياته العديدة التي ترجمت إلى كثير من اللغات، وقصص الأديب العالمي / نجيب محفوظ، وموباسان الشرق / محمود تيمور، و مسرحيات رشاد رشدي ترجم كثير منها إلى لغات متعددة .. إن الأمثلة كثيرة جًدا سواء في الأدب العربي الحديث أو المعاصر، ولم يكن القصد هو ترجمة هذه الأعمال الأدبية للدراسة الأكاديمية أو غيرها، بل كانت للقراءة العادية، والبعض قد لا يعرف أنه في الجيل الماضي قد تم ترجمة كتاب (السيد ومراته في باريس) لبيرم التونسي إلى الفرنسية، وصدر في العاصمة الفرنسية باريس . وفي الثمانينات من القرن الماضي نشر أحد الناشرين الألمان في برلين مسرحية (السلطان الحائر ) لتوفيق الحكيم، وطبع منها ثلاثين ألف نسخة، وعندما سألته عن نسخة منها، اعتذر قائلاً : أن الطبعة قد نفذت، وأنه بصدد إعادة طبعها . وأذكر أنني قرأت أن مستشرقًا روسيًا في الأربعينات من القرن الماضي جاء إلى مصر والتقى بالعديد من الأدباء المصريين طالبًا منهم المساعدة في ترجمة (يوميات نائب في الأرياف ) لتوفيق الحكيم أيضًا، وظل معهم على موعد دائم كل يوم لتنسيق عملية الترجمة، والتي نشر منها عشرات الألوف من النسخ، منوهًا في مقدمة الترجمة بجهد من التقى بهم من الأدباء المصريين . وعندما أصدرت دار (بنجوين) البريطانية مجموعة (قصص قصيرة أسبانية ) في الأربعينات من القرن الماضي أيضًا، كتب المترجم في المقدمة أن هذه القصص القصيرة أصلها عربي، وأن نشوء القصة القصيرة في أسبانيا أولاً ثم انتقالها إلى إيطاليا في العصور الوسيطة مصدره الأدب العربي، وهكذا كتب (بوكاشيو) الإيطالي كتابه (ديكاميرون ) من واقع القصص العربية التي حولها إلى الواقع الإيطالي، وكانوا يفعلون ما فعلناه في بدايات عصر النهضة الحديثة من تمصير القصص والمسرحيات . وعن طريق (بوكاشيو) ظهرت القصة القصيرة في فرنسا وانجلترا وألمانيا، وأما ألف ليلة وليلة فقد ترجمت في أواخر القرن الثامن عشر إلى الفرنسية ثم صدرت منها عدة طبعات عديدة في اللغة الإنجليزية، وكان لهذه الليالي أثرها الكبير المعروف في الإبداع الغربي بكافة أنواعه . وعن طريق (رسالة الغفران ) للشاعر العربي والفيلسوف / أبي العلاء المعري، ظهر جحيم دانتي الإيطالي ضمن ملحمته الشهيرة (الكوميديا الإلهية)، وعن طريق فكرة الشيطان أو الجن في الشعر العربي، وما عرف من أن كل شاعر له شيطانه، كتب الإنجليزي (كروستفر مالرو) مسرحية (دكتور فاوست أو فاوستوس) في سنة 1588، ثم كتب نفس القصة الشاعر الألماني (يوهان ولفجانج فون جوته ) بعد قرون طويلة وبالتحديد في سنة 1824، وكان جوته قد ترجم إلى اللغة الألمانية مختارات من الشعر العربي نشرها في كتابه (الديوان الشرقي)، ومنه بعض الأشعار الجاهلية التي عرف معانيها وأعجب بها فقام بترجمتها، وهذا الكتاب مازال يعد من أشهر الكتب الألمانية التي تؤكد على مدى تأثير الثقافة العربية على الثقافة الغربية . هذه الكتب لازالت تطبع حتى يومنا هذا، ومها كتاب (حكايات أبي زيد السروجي) الذي ترجمه الألماني (بوركهارت) عن مقامات أبي القاسم الحريري المشهورة، وهذا الكتاب من الكتب المقررة في العديد من المدارس الألمانية .. وبعد ذلك نسمع من يتهمنا بالتخلف الفكري‫.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5286 المصادف: 2021-02-24 02:29:25


Share on Myspace