 قراءات نقدية

شعريّة الاعتراف والمكاشفة

خيرة مباركينص للأديب مديح صادق

نص مثقل بالعواطف والتضرع، هو إيقاع الذات حين تنبض بالحنين والشوق .لم يعد الشاعر يناجي جمال حبيبته الخلقي، ولم يعد يخاطب مفاتنها، ولم يستحضرها خلقا جديدا بما يضفيه الوجد فيه، من روح تنبعث من صميم روحه. ولم يرسم الشاعر صورة للجسد البرّاني حتى يعلن عن أنثاه النموذجية التي يبعثها خلقا متكاملا ليس كالخلق. هو خطاب مغاير يكتسب شعريته من صمتها ونأيها. شعرية تنبعث من صميم زمن معتم،وفضاء فسيح للوحدة وخطاب أصمّ لا تدركه غير ذات الشاعر وهو يُنطقها بغير لسانها، بقلبه المكلوم من إيماء الأحاجي ..انصهار بين ذاتين فشلت اللغة الإنسانية المحودة عن إدراكه نسقا لامحدودا يحوم حول القصائد وحروفها التي تكشف سرها .. قد نكون أمام أنثى واقعية وعاشق مشحون بأفق انتظار لموقف جاهز ولكن الفضاء الذي يهيئه المخاطب يوحي بأنها ليست أنثى عادية ولا تحمل من ملامح الإنسانية إلا ما تنطق به وتتجاوز عبره حدود الصمت. وكأن البطل الرئيسي في هذه الدراما الشعرية صمتها الذي حدد الزمان وانتشله من كرونولوجيته نحو أفق ذاتي مغلق ليرتبط بالمكان ويضفى عليه من الوحدة والسكون ما يشكّل صورة المعاناة والألم، ويوحي بكل معاني الموت:

في وحشة الليلِ

وهذا السكونُ حولي

أنا، واليراعُ، وقلبي المكلومُ، ووحدتي

أعاقرُ ما تبعثين من طلاسمَ

وتلكَ الأحاجي التي بها

في خطابكِ لوّحتِ

وأنتِ في داركِ في أقصى البقاعِ عنّي

ذات مشتتة ، يضنيها الشوق ووطأة الحنين والوحدة جعله يستعيض عن الموقف بأن يشكل من ذاته ذواتا تزيل عنه الوحشة (أنا، اليراع، قلبي، ووحدتي) وكأنه بهذا التكثيف والتنشيط لأقطاب الذات يعاند الفراغ والصمت، وكذلك يخاطب النأي فيها باستحضار سجل لغوي دال على غموضها ووطأة صمتها ووحدته (الطلاسم، الأحاجي) قد يكون حضورها وليد غموض في ذات الأنثى وما تفصح به من مواقف. وقد تكون ذات العاشق المخمورة بالفراغ والعشق ترى الوجود مجرد طلاسم لا توحي إلا بالوهم . هنا تكمن الدهشة والرغبة في الاكتشاف، تجعل من الشاعر يعدّد الاحتمالات والمعطيات التي يمكن أن توصله إلى اليقين. لعلنا أمام أنثى مفترضة ليس لها وجود فعلي إلا باحتملات الناطق وأحاجيه. أنثى يجتثها من أعماق غربته لتكون بديلا عن عبثية واقع يحتله الليل الطويل،  تبدي شوقها في جوف أحلامه البعيدة تماما كتشتت الأوطان، حائرة ،مسحورة مجنونة،  لكنها صامتة حسيرة كالحياة تحجب سرّها:

أعلمُ علم اليقين أنكِ حيرى

وبسحرِ ساحرٍ مسحورةً، مثلي

جنونُكِ ذا صعبٌ شفاؤهُ

والأصعبُ لو أنّكِ اخترتِ

بعادَكِ عنّي

قد يكون ذلك من ضروب الوقوف على أطلال الذات وأوجاع الحنين ندركها عبر جملة من التقاطعات شكلها ضمن هندسة أقامها على التقابل منذ بداية النص إلى نهايته، خلقت جملة من الثنائيات التي يتناسل بعضها من بعض (أنا/أنتِ - صمتكِ/ تسمعين صوتي - ساحر / مسحور) وهذا ما يبطن ثنائيات أخرى (الاتصال / الانفصال -النعيم /الشقاء -الحاضر الآني/ المستقبل الآتي). كل ذلك في إطار رؤية استشرافية تقوم على المناجاة والاعتراف في ذات الحين، وهو ما يجعل الفضاء العام للخطاب قائما على ثنائية الموجود والمنشود وكأنه المجال الوجودي الذي يتحقق فيه وجود الشاعر وهو يترقب الحياة عبر منافذ الشعر الشاسعة التي تحوّل واقع المنفى والغربة والتشرّد إلى جنّة خلد وفعل إخصاب، وكأنّه فعل عشتاريّ في الجود والحياة، يقترن فيه الوصل بالنماء والولادة عبر صورة يقيمها الشاعر على التورية والاقتباس من خلال صورة الأرض والبلاد تحت أقدامها، تذكرّنا بصورة الأم التي تجري من تحت أقدامها الأنهار، وصورة عشتار تتداخل في صميمها الفصول، ولكنّها تنطوي أيضا على صورة النار والحرائق تشبّ في الجوف، فهل هي صورة النار المطهّرة للعشق والروح أم صورة النار المعرفة التي سرقها بروميثيوس حتى تنجلي غمّة الجهل وانبلاج اليقين في نفس تواقة إلى الحقيقة، يكاد يقتلها القلق. ولكنّه مع كلّ ذلك  ينتظر فرج الصباح بعد هدنة الليل ...

النص:

اعتراف...

في وَحشةِ الليلِ

وهذا السكونُ حَولي

أنا، واليراعُ، وقلبيَ المكلومُ، ووحدتي

أُعاقرُ ما تبعثينَ من طلاسمَ

وتلكَ الأحاجي التي بِها

في خطابِكِ لوَّحتِ

وأنتِ في دارِكِ، في أقصى البقاعِ عنّي

لعلّي أفقهُ حرفاً ممّا عنَيتِ

أو أُدرِكُ ما خلفَ سطورِكِ أخفيتِ

أُترجمُ ما تعنيهِ (هل أنتَ بخيرٍ؟) التي

كتبتِ

هلْ لي بقاموسٍ يُفسرُ لي صمتكِ؟

أو حينَ يلتقي خافقانا

تُغادرُ كلُّ اللغاتِ، ولا ينطقُ إلّا

صمتُكِ؛ إذ يُخاطبُ صمتِي

يا مُنيةَ الروحِ، ويا بلسمَ جُرحي

أعلمُ أنَّ ما تُخفينَ سِرّاً لم يعُدْ

يُفشيهِ كلُّ حرفٍ بهِ نطقتِ

قصائدُكِ التي بها سماءُ منفايَ

جادتْ، وأمطرتْ

وَجيفُ ما بينَ ضلعَيكِ ساعةَ

تسمعينَ صوتِي

والأرضُ في بلادِكِ، تحتَ أقدامِكِ

حينَ تهتزّ

تدّاخلُ الفصولُ ببعضٍ

ويَصدِقُ ظنِّي

ساعةَ تنطقُ ابنةُ أُنثى غيرُكِ؛ باسمِي

تشبُّ حرائِقُ في جوفِكِ

لا تنفعُ أعذاري، ولا

ما بعلمِ النساءِ خبِرتُ، ولا فنِّي

أعلمُ علمَ اليقينِ أنَّكِ حَيرى

وبسحرِ ساحرٍ مسحورةٌ، مِثلي

جنونُكِ ذا صعبٌ شفاؤُهُ

والأصعبُ لو أنَّكِ اخترتِ

بعادَكِ عنِّي

فاكسري ما قيَّدَ كفَّيكِ قَسراً؛ واتبعي

دليلَ قلبِكِ، جَهراً أعلِنِي

بعالي الصوتِ قوليها:

(إنِّي أُحبُّكَ، يا هذا ال...)

وإنْ خانتكِ الشجاعةُ، يا مُدلَّلتيي

إليَّ تعالي، وهمْساً انطقِيها

قولي: (عشقتُكَ...)

في أُذني...

***

الناقدة والباحثة: خيرة مباركي – تونس

..................

مديح الصادق... كندا الخميس 25 - 2 - 2021

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5290 المصادف: 2021-02-28 02:29:15


Share on Myspace