 قراءات نقدية

عبير خالد يحيى: التاريخ والبعد الرابع ومناقشة القول في التناص

عبير خالد يحيىدراسة ذرائعية مستقطعة لرواية (موجيتوس) للأديب المصري منير عتيبة

إغناء:

الرواية التاريخية: هي عمل أدبي يعيد سرد الماضي بطريقة تخييلية، من خلال خلق شخصيات خيالية، بالإضافة إلى شخصيات حقيقية معروفة، وخلق توازن بينهما يتيح للقارئ إعادة رسم مشاهد التاريخ.

وليس بالضرورة أن يكون هذا التصوّر مطابقًا لما رسمه الكاتب، بل هو وفقًا لما سيرسمه القارئ كمتلقٍ لهذا العمل، وفق ما سينطبع في إدراكه ووعيه. لذلك قد نجد الكثير من الروايات التاريخية ذات طابع ملحمي، لأن كلتاهما (الرواية التاريخية والملحمة الشعرية) تشتركان معًا في امتلاك البعد التأسيسي في نطاق وعي المتلقي، يقول هيغل متحدّثًا عن (إنجيل الشعب): " إن الملحمة تمتلك بعدًا تأسيسيًّا قويًّا، وتحكي حلقة متصلة بالعالم الكامل لبلد أو لفترة من الزمن، فتكوِّن الأسس الحقيقية للوعي، ولهذا تدور أحداثها على أرض مفتوحة للمعارك بين جميع البلدان" . وقال جازمًا تلك العلاقة: "إن الرواية هي التعبير المكافئ للملحمة ، في العصر الحديث" [1]

يقول جورج لوكاش في كتابه (الرواية التاريخية)[2]:

نشأت الرواية التاريخية في مطلع القرن التاسع عشر، وذلك من زمن انهيار نابليون تقريبًا، (إذ ظهرت رواية سكوت "ويفرلي" عام 1814) وطبيعي أنه يمكن العثور على روايات ذات موضوعات تاريخية في القرنين السابع عشر والثامن عشر أيضًا، ويستطيع المرء، إذا ما أحس ميلًا في نفسه إلى ذلك، أن يعتبر الأعمال القروسطية المعدّة عن التاريخ الكلاسيكي أو الأساطير "أسلافًا" أو مقدمات للرواية التاريخية .... وليست روايات القرن السابع عشر المسماة بالتاريخية، هي بتاريخية إلا في ما يتعلق بالاختيار الخارجي الصرف للموضوع والأزياء....

وقول لوكاش مردود عليه ذرائعيًّا،بالبداية، قد نعتبر ما نُقل عنه أو ما تُرجم عنه هو خطأ ترجمي أو نقل خاطئ، وإن لم يكن، فعذره أن ما قاله كان مسنودًا على الظروف المعرفية التي كانت سائدة في عصره، بينما الظروف المعرفية في زمننا هذا أوسع وأكثر تقدّمًا، أتفق معه فيما قاله إن قصد الكلام عن البناء الفني للرواية كجنس أدبي ككل، وليس نوع الرواية (التاريخية)، فلم يكن بدء ظهور الرواية التاريخية في بداية القرن التاسع عشر كما قال، ولا حتى في القرون القليلة السابقة، بل قبل ذلك بكثير، وإلا كيف وصلت إلينا قصص القرون الأولى ؟ آدم وحواء، قابيل وهابيل، الطوفان وسفينة نوح .... إلخ؟! وكيف وصلت إلينا الأساطير وقصص الجن والفرسان ومسرحيات شيكسبير والملاحم الغربية الشهيرة الإلياذة والأدويسا وغيرها ؟!.

يفترض أن يكون كل قول مدعوم بذرائع، والذريعة تأخذنا باتجاه العلوم والحقائق،

فكل ما يتولّد من فكَر وأحداث، هي قليلة بالنسبة لسعة الحياة وامتدادها، فحين يلج الشاعر أو الكاتب عالم الأدب لابدّ وأن له تجارب مرّ فيها وهي تجارب مرّ فيها الناس من قبله، فالواقع الافتراضي هو عالم استنساخي للواقع الحقيقي وصورة مزينة له يزوّقها الكاتب لتكون محببة للمتلقي، فما يكتبه الأديب هو مأخوذ من تجربة ثلاثية تتكون من ثلاثة عناصر كما تراها الذرائعية، وتلك الثلاثية تتحكّم في قلم الكاتب وتوجّهه نحو خدمة المجتمع بالمنطلق الذرائعي – إن الأدب هو عراب للمجتمع- وهي:

أحداث الحياة الحقيقية

وتجارب الكاتب الشخصية

والتجارب والأحداث التي مرّ بها غيره وقد شاهدها أو قرأ عنها ونوضحها بالشكل[3]

وظروف الحياة متغيّرة بحساب الثواني، بالشكل والمضمون، والروايات تستمد مادتها من الحياة، ومعظم ما قيل خطّأه الزمن، ومن الممكن أن يكون قول لوكاش مسنودًا بالظروف المعرفية للرواية التي كانت سائدة في زمنه، لكن قوله في زمننا هذا خطأ، بذريعة التغيّر والتقدّم العلمي والأيديولوجي، وحسب المبدأ الذرائعي (الأدب عرّاب وساند للمجتمع) بجميع متغيراته العلمية والأيديولوجية ، وبما أن هذه التغيرات لا تقف عند حدّ فإن ما قيل بالأمس يصلح لمجتمع الأمس، لكنه نسبيًّا لا يصلح لمجتمع اليوم، حيث لم يبقَ شيء لم يُقل، أو حدث لم يحدث، والعلم والتقدّم التكنولوجي هو سيد الموقف،فذرائعيًّا يكون السرّ لدينا ثلاثي الأبعاد كما أشرنا، فلا نستطيع أن نثبّت شيئًا في الحدث الأدبي، لأن القولبة في الأدب رفض للتقدّم العلمي.

ومهما يكن من أمر، فالملاحم والمسرحيات والقصص الغربية القديمة تضاهي في الأدب العربي الأقاصيص التاريخية التي كان يرويها وهب بن منبه، وبالتالي فتلك المحاولات الأولية للقصة التاريخية في الأدب الغربي والعربي، لا تلقي أي أهمية لانعدام العناصر الفنية للفن القصصي أو الروائي[4].

"من أهم التغيرات التي مسّت الرواية التاريخية وتقاليدها، ما نادى به (ألفريد ديفني) سنة 1825 بروايته 5 مارس، بجعل الشخصيات التاريخية في المحل الأول، في حين جعلها (والتر سكوت) في المقام الثاني، والشخصيات الخيالية في المقام الأول، لكي لا يتقيّد بحقائق التاريخ"[5]، ورأي السكوت هو الأقرب لتحقيق المعنى الحقيقي للرواية كجنس أدبي، بذريعة أن الأدب خيال وليس حقائق، وأن الرواية التاريخية هي عمل أدبي تخييلي وليس تأريخًا لحقائق ووقائع حدثت فعلًا. لذلك كان والتر سكوت، كما يذكر غنيمي هلال، يتخيّر أبطاله من العصور الوسطى، ويمازجها بشخصيات خيالية مختلفة نابضة بالحياة، غير متعارضة مع العصر التاريخي الذي يصفه، وكان بارعًا في تصوير وتجسيد عادات وتقاليد وملابس ومقومات ذلك العصر متحايلًا على حقائق التاريخ[6].... وهذا ما فعله الأديب منير عتيبة في عمله الروائي(موجيتوس).

يجمع أغلب نقاد نظرية الأدب أن هذا الرواية كجنس أدبي فني يعتبر دخيلًا على الأدب العربي، منقولًا عن الأدب الأوروبي، رغم محاولة الروائي العربي تأصيله ببعث الماضي والتراث العربي.

وإذا كانت الرواية التاريخية العربية تعتبر محاولات للبحث عن الذات القومية القوية والمنتصرة، خلال فترة الانهزامات، كحلم بانتصار صعب المنال، فإن الروايات التاريخية العربية المعاصرة هي تجسيد للإنسان العربي بعالمية القضايا التي أخذت تعصف بحاضره، بإسقاط الماضي على هذا الحاضر لمحاولة تفسيره وفهمه واستنباط نتائجه، وإلى هذا النوع الأخير تنتمي هذا الرواية(موجيتوس)، رواية تاريخية ملحمية عربية معاصرة، مكتملة في بنائها الفني، ومميزة ببنائها الجمالي، و عالمية رسالتها الإنسانية.

والكاتب منير عتيبة هو كاتب مصري أصدر أكثر من ثلاثين كتابا في القصة والرواية والقصة القصيرة جدا والنقد والدراسات الأدبية وأدب الأطفال إضافة إلى كتابته لمسلسلات إذاعية وتقديمه لبرامج تليفزيونية، وهو مؤسس ومدير مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية رئيس تحرير سلسلة كتابات جديدة بالهيئة المصرية العامة للكتاب ونائب مقرر لجنة السرد القصصي والروائي بالمجلس الأعلى للثقافة. وقد حصل على العديد من الجوائز والتكريم من أهمها: جائزة الدولة التشجيعية في القصة القصيرة جدا 2015، جائزة اتحاد كتاب مصر في القصة القصيرة 2014 وفي الرواية عام 2020.

مستويات الدراسة الذرائعية

أولًا- المستوى الفكري والأخلاقي:

1- البؤرة الفكرية الثابتة:

تعدّ الرواية التاريخية من أكثر أنواع الرواية سموًّا ورقيًّا، تكتسب هذا السمو من موضوعاتها وأهدافها، في سعيها لبعث الماضي وإحيائه في سبيل قراءة الحاضر واستشراف المستقبل.

الكثير من الدارسين يعتبرون جورجي زيدان رائد الرواية التاريخية العربية، لأنه في أعماله الروائية جعل الفن في خدمة التاريخ، بغاية تثقيف النشء وتعليمه التاريخ كما فعل سليم البستاني، وإن كان غيرَ أمينٍ في ذلك، فالكثير من الدارسين يوجّهون له تهمة تشويه التاريخ الإسلامي وتحريف حوادثه وهدم رموزه، يقول عبد الجواد المحص عن تلك الروايات: " روايات خطيرة ، تبثّ لقرّائها السّم في العسل" [7]، ومنهم من أدرجها ضمن الرواية التعليمية التي لا تتوفّر فيها الأسس الفنية للبناء الروائي، وإنّما هي مجرد وسيلة لتحقيق غاية، وهذا ما صرّح به زيدان، إلا أنهم نسبوا إليه فضل تطوير هذا النوع الأدبي وإبراز الشعور القومي العربي، بينما لم يكن لنجيب محفوظ هدف محدّد يصبو إليه في مرويّاته السردية التاريخية، (عبث الأقدار- رادوبيس- وكفاح طيبة) بل كان منساقًا باتجاه العبثية.

الأديب منير عتيبة، تبرّأ من هذين الاتجاهين اللّذين لم يجد فيهما توافقًا مع أيديولوجياته الفكرية في نظرته إلى حياة الإنسان عبر التاريخ، على اعتبار الرواية التاريخية تروي الحياة وليس التاريخ، والحياة المعاصرة بحاضرها وواقعها ومتغيراتها وانفتاحها التكنولوجي والفكري على كل المجتمعات، جعلته يوسّع من أفق تفكيره اتجاه مواضيع كثيرة، منها مفهوم الجهاد والغزو، والحرية والعبودية، الوطن والوطن البديل، والاختلاف بمستوياته العرقية والدينية والطبقية الاجتماعية، لتكون له نظرة حرّة في العمق الإنساني بعيدًا عن الانتماءات، قصرية كانت أم اختيارية، ملخِّصًا عالمية وكونية الإنسان، عبر الزمان والمكان، بأحلام تراوده، ومغامرات يتوق إليها، يُحار فيها هل هي اختيار أم مصير قدري.

لقد انتهج الأديب منير عتيبة في هذا العمل نفس النهج الفكري الذي انتهجه عَلَمٌ هام من أعلام الرواية التاريخية، وهو الأديب السوري (معروف أرناؤوط) الذي كتب عن التاريخ الإسلامي، بمنظور السارد الذي يرى الوقائع والأحداث الحاضرة، ويحيل إلى قراءة الحاضر بالماضي، كما يضع في الماضي إشكالات الحاضر [8].

فالرواية (موجيتوس) عمل تاريخي ملحمي معاصر، بقلم مؤمن برسالة إنسانية خارج كل المحدّدات الوضعية، تغوص عميقًا في الوجدان الإنساني. وتكشف لنا حقيقة صادمة، وهي أن هناك دائمًا من يحاول أن يتجسّس على أحلامنا، ليقوم بتجنيدها تحت أمرة حلمه، منطلقًا من ذريعة منطقية، وهي: " لا سلطة للوعي على الحلم"، فالأحلام تستيقظ عندما ينام الوعي، لكن الإنسان محكوم بالسعي لتحقيق حلمه، أي أن وعيه يأخذه باتجاه الفعل الإجرائي لتحقيقه، لذلك فإن اليد التي تمتد له بالمساعدة ليست نبيلة بالمطلق، وإنما قد تكون يد مُقادة لتحقيق حلمٍ غول، يجيد ابتلاع أحلام الجميع، ويبقى الموت زعيم الغيلان". وكان الطماشكة الزناتي البربري هو صاحب الحلم الغول:

"لماذا كان كل ذلك؟"، " عينا يوسف فقط هما ما تطمئناني إلى أنهم لم يعرفوا أننا اتفقنا على غزو أوروبا، والاستقرار فيها، وليس مجرد رحلة خاطفة لسواحل صقلية، وساعدني الله بالعاصفة المهلكة لأحقق ما أريد دون أن يشكّ أحد، لم أخبرهم حتى لا يتخلّوا عني، لم أترك لهم خيارًا، لكنني منحتهم مجدًا لم يكونوا ببالغيه إن هم بقَوا في الأندلس"[9].

أدرس هذا العمل باستخدام آليات النظرية الذرائعية النقدية المنبثقة من المنهج الذرائعي العلمي.

2- الخلفية الأخلاقية:

رغم أن العمل يعرض لشخصيات مختلفة الديانات والقوميات، إلا أنه لم يتعرّض بالإساءة إلى أي من الديانات أو القوميات، حتى عندما عرض لشخصيات يهودية، لم يشِر بحال من الأحوال إلى عقيدتها، وإنما أشار إلى مهن معينة ومعروفة امتهنها اليهود في تلك الفترة، وعبر التاريخ، وهي الاتجار بالبشر:

" .... مئات الأطفال المخطوفين من بلاد الفرنجة، من حوض نهر الدانوب، ومن بلاد الروس و أطفال اشتراهم التجار اليهود من أهلهم الفقراء في إيطاليا، بنات وصبيان، بعضهم تم إخصاؤه في معمل فردان، بعضهم أخصى في شينا القديمة عاصمة إقليم ألبيرة، التي يسكنها اليهود". [10]

يتناص الأديب منير عتيبة من المنظور الأخلاقي مع الأديب اللبناني الفرنسي (أمين معلوف) الذي يشكّل علامة فارقة في الرواية التاريخية العربية والعالمية، حيث ترجمت رواياته (سمرقند- ليون الأفريقي- الحروب الصليبية كما رآها العرب- حدائق النور – موانئ الشرق ... وغيرها) إلى العديد من اللغات، ميّزته رؤيته الكوزموبوليتانية ودعوته للحوار بين الشرق والغرب والتسامح بين الشعوب.

يعتبر المستوى الأخلاقي مستوى ثابت ننطلق منه إلى مستويات ذرائعية متحركة:

ثانيًا – المستوى البصري واللساني الجمالي:

1- المدخل البصري:

الغلاف الأمامي:

الغلاف من تصميم الفنان التشكيلي السكندري المبدع ماهر جرجس، الذي له بصمته الفنية الخاصة في رسم ملامح الوجوه، لا تخطئها العين، مجرد رؤيتها تقول أن من قام برسمها هو ماهر جرجرس، يحرص على رسم الهالات حول العيون، وهي تحكي حياة كاملة، يستخدم الألوان الواضحة، معطيًا لكل لون حقّه من الكثافة والوضوح، إلا أنه في هذا الغلاف خالف ذلك، فنرى ألوانًا ضبابية مموهة، وكأنها خلفية باهتة للوحة تصويرية تحت عدسة مكبرة، وتحت العدسة تتوضّح اللوحة بألوانها المشبّعة الواضحة، اللوحة الضبابية لعدّة أشخاص ملتحين، غلاظ الشفاه، نظراتهم جامدة باتجاه سيف يحملهم واحد منهم يرتدي زي الفرسان، ويقبض على السيف بيمينه شاهرًا إياه نحو الأعلى ، سيف أصفر اللون بلون الحرب، ومقبض أحمر، الفارس بوضع جانبي خلفه وإلى الأعلى من رأسه امرأة حمراء الشعر، بملامح رقيقة. ضمن العدسة، يبدو السيف، ويد الفارس القابضة عليه، ووجه رجل، خلفه بناء يشبه القلعة. كل العيون في اللوحة تنظر إلى السيف، وكلها عيون متهدلة الأجفان، متعبة، أفواهها مغلقة . اللوحة مكوّن صُوَري بصري معبّر جدًّا عن مضمون العمل النصّي، وكأنّ الضبابية هي الزمن الغابر أو التاريخ، وكأن العدسة هي البؤرة الفكرية، أي المضمون المستقى من هذا التاريخ،(إنسان- يحارب بسيف - ويحتمي بمكان حصين - قلعة)، أما الضبابية فهي من نصيب الأشخاص الذين كانت أحلامهم مجيّشة لصالح حامل السيف الذي يلوّح لهم به مرغّبًا أو مهدّدًا، كما يهشّ الراعي بعصاه على غنمه، والمرأة هي الصاحب في الحرب والسلم.

الغلاف الخلفي: فقرة سردية ملخصة لأحداث الرواية، سأستعين بها في المستوى المتحرك.

العنوان: موجيتوس بخط كبير بالأحمر تحت جنس (رواية) بالأسود، وتحتها اسم الكاتب منير عتيبة بالأصفر.

لماذا موجيتوس؟ سندرس ذلك أيضًا بالمستوى الديناميكي.

العمل الروائي مفرود على بياض 270 صفحة من الحجم المألوف حاليًّا للرواية، مضافة إليها حوالي 7 صفحات فهرس وسيرة الأديب، العمل مقسّم على 23 فصل، منهما فصلان صغيران: بداية (حوالي 4 صفحات)، ونهاية (أقل من صفحة). وما بينهما فصول حملت العناوين التالية، وهي عناوين بأسماء الشخصيات التي تولّت السرد أو كان السرد عنها: (الرجل رقم عشرين- كريستينا- خلف الصقلبي- صفيّ. عليّ- عبد الرحمن بن سالم- عيسى بن أحمد- كريستينا- عبد الله البلوطي- سعيد الإشبيلي. موسى بن الحكم- كريستينا- حسان الغافقي- أمير البحار يوسف- كريستينا- هشام بن عبد المعين – إبراهيم بن عامر – كريستينا – الطماشكة الزناتي- مجاهد/ موجيتوس- ماريا) نلاحظ أن (كريستينا) يتكرر ظهورها 5 مرات والسادسة باسم (ماريا)، يعني الكاتب أتاح لها، كأنثى، مساحة واسعة للظهور والتعبير عن نفسها وآرائها ورؤيتها الحرّة اتجاه الأحداث والقضايا المثارة في الرواية، بينما نجد أن البطل الذي بدأت به ومعه الأحداث، واستمرت به ومعه إلا النهاية على مدى زمني استغرق حوالي 100عام، (وهذا يحيلنا بالتناص إلى رائعة ماركيز- مئة عام من العزلة- ولا يخفى على أحد تأثّر الأديب منير عتيبة بهذه الرواية، والتي جعل منها مسلسلًا إذاعيًّا على حلقات عديدة)، نقصد هنا مجاهد أو موجيتوس، ليس له إلّا فصل واحد يحمل اسمه بشكل مباشر، إن هذه العناوين تحيل بصريًّا إلى أن الرواية رواية متعدّدة الأصوات (بوليفونية)، لم يكتفِ الكاتب لتأكيد ذلك بصريًّا بالعناوين فقط، وإنما عمد إلى تقنية بصرية أخرى دالّة على ذلك، وهي كتابة اسم الشخصية باللون الغامق، ليشير إلى من يتولى مهمة السرد، بدلًا من استخدام فعل القول كتقنية سردية مألوفة، فلا نجده يشير إلى السارد بجملة يقول فلان أو قال، وإنما يتبدّل السارد من غير أن يشعر المتلقي بانقطاع السرد عند تحوّله من سارد إلى آخر، فكل سارد يسلّم السرد لمن يذكره، وكأن السرد كرة يتم قذفها من سارد إلى آخر ، نسوق المثال التالي عن ذلك والأمثلة كثيرة جدًّا وقد حفل بها الفصل الثاني تحديدًا:

" .... ،أرى في عيني عيسى بن أحمد بريق النعيم الذي يسري من قلبه الراضي إلى أنامله، فيبثّ في العود إحساسًا رهيفًا برفاهية لا حدود لها.

كنت كمصعب بن عمير في النصف الأول من حياته، وربما أتاحت لي الحياة من الوسائل ما لم يتح له، الجسد هو آلة الإنسان وسفينته........." [11]

كانت كرة السرد عند مجاهد، وعندما ذكر عيسى بن أحمد قذف الكرة باتجاهه ليتولى مهمة السرد، وهو بدوره سيقذفها باتجاه غيره. هذه التقنية السردية البصرية هي تقنية مبتكرة ومكتشفة عند الأديب منير عتيبة، قد نختلف على جدواها، حيث أنها مربكة للقارئ، ولكني أجدها حاذقة، تجعل المتلقي يستنفر وعيه وإدراكه حين يقرأ الرواية، ويعزف عن قراءتها كوجبة خفيفة قبل النوم، بل هي وجبة دسمة ينبغي أن يأخذ القارئ بنظر الاعتبار يتحضّر لها، كي يحسن مضغها وهضمها.

وهناك تقنية سردية بصرية أخرى لاحظتها في هذا العمل، وهي تعقيبات على السرد، وضعها الكاتب بين قوسين وكتبها بخط مائل كأنها ملاحظات مُستدرَكة يجب إضافتها إلى كتاب المذكرات الذي يخص البطل مجاهد:

" ..... كنا نطلب منه أن يعزف هذا اللحن كثيرًا فيما بعد (ولماذا نسيت أن أكتب أنه لم يكن يستجيب بسهولة، كانت ملامحه وهو يعزف في المرة الأولى غير سعيدة، وكان يبدو حزينًا عندما يضطر إلى عزف هذا اللحن بالذات، أتعرف يا مجاهد ، ليس هذا ما كنت أسمعه ونحن نكافح الأمواج ونوشك على الغرق)[12]

كما استخدم ذات التقنية عند سرد أفعال البطل (موجيتوس) أثناء قراءة المذكرات، وهذا ما أعطى السرد نوعًا من الحيوية والإيهام بواقعية الأحداث وطبيعيّة الشخوص:

"..... ربما (مسح موجيتوس دمعة قبل أن تسقط على الورقة التي يقرأها، لا لم يأتِ هذا المستقبل أبدًا يا مجاهد)[13]

لم أجد بالرواية أخطاء إملائية أو نحوية تُذكر، تم مراعاة علامات الترقيم بشكل جيد، كما أن التنسيق الطباعي جيد جدًا.

2- المدخل اللساني والجمالي:

ندرس فيه الألفاظ والتراكيب والصور الجمالية، ونتعقب من خلال الألفاظ:

ثقافة الأديب العامة: ومدى قدرته وتمكّنه من توظيفها بشكل جيد في عمله الروائي

والأمثلة على ذلك كثيرة جدًّا نكتفي بذكر بعضها:

استخدم مفردات مهنية تعود إلى ذلك العهد، في القرن العاشر الميلادي تقريبًا، مثل الألفاظ والمفردات المشار تحتها بخط:

" .....كان قد طلب من أحد الصنّاع أن يصنع له نموذجًا لمنبر جامع قرطبة، يستطيع أن يحمله أينما ذهب، كان النموذج يزن كيلو غرامًا، أو أكثر قليلًا، لكنه كان مطابقًا للأصل، بدرجاته التسع، وخشبه من الساج والأبنوس والبقم والعود القاقلي، وحشواته الست وثلاثين ألف المسمّرة والمرصّعة بمسامير من الذهب والفضة ..."[14]

كما ذكر بعض أنواع المحصولات النباتية وأساليب الزراعة وأوقاتها وأساليب الري، في ذلك العصر والمكان:

" .... تمسك أهدابي بصور النخيل الشامخ تداعبه الريح، رمان الرصافة، رمان السفري، النارنج، قطن إشبيلية، تفاح سيرانيفادا، والبطيخ السندي، قصب السكر المالقي، وأرز بلنسية، حقول القمح والشعير، حدائق الموالح والكروم والموز والخوخ والتين والبرتقال والليمون، غابات السنديان والصنوبر والبلوط، الأحواض الواسعة تستقبل المياه المتساقطة من القمم الجبلية، تحملها النواعير إلى الحقول ، محكمة المياه الأهلية التي تعقد بجوار المسجد كل أسبوع لتوزيع المياه على أراضي الفلاحين بالعدل، وتحكم في خلافاتهم المائية، التقويم القرطبي الذي يحدد مواعيد زراعة كل محصول، الثيران العفية تحرث الأرض وتقلّبها استعدادًا للبذر ، قصور قرطبة، دورها ، حدائق القصور والدور، الحدائق العامة ، النرجس والياسمين والبنفسج.....) [15]

الكاتب وظّف ثقافته الجغرافية والتاريخية: فذكر مدنًا وممالك تاريخية ومواقع جغرافية:

" .... كان أمراء أوروبا الكبار مشغولين بالصراع على تاج مملكة لمبارديا،.... كان تخريبنا لمدينتي مريجوس وطولون نذيرًا لسكان بروفانس الذين استصرخوا هيوج كونت بروفانس ليعود من إيطاليا حيث ذهب طمعًا في تاج لمبارديا ".[16]

" كان الأوروبيون يطلقون اسم أحد آلهتهم الوثنية على مضيق سان برنارد (جبل جوبتر) ، وكان هذا المضيق الواقع بين أوست وبلاد فالي يجعلنا نسيطر على طريق الاتصال بين بورجون وإيطاليا، .... فاجتحنا بلاد نيس حيث أقام الكثيرون منا في حي المسلمين ، وسواحل جنوة ومدينة جرونبل ...." [17]

" اكتشفت أن السارازين[18] بشر مثلنا "[19] ..." اكتشفت أنهم بشر مثلنا، كل الحكايات المرعبة عنهم تلاشت من رأسي، أخبرني أبي أن الناس يخلطون بينهم وبين الهنغاريين"[20]

وظف الكاتب ثقافة تراثية تتعلق بالأزياء ووصفها:

" أضع حول عنقه الببطير الكتاني ... ليحفظ ثيابه من الطعام واللعاب "[21]

" ... لم يبخل عليّ بالثياب الأندلسية البديعة غالية الثمن من الديباج والسقلاطون والعتابى وغيرها، وأتحفني بأنواع عديدة من عطور الزهور ". [22]

" أعشق الملابس الجميلة، أرتديها مثلما علَّم زرياب أهل الأندلس أن يفعلوا، ثياب قصيرة، ضيقة الأكمام، في الربيع خفيفة بلا بطانة، وفي الخريف خفيفة ملونة ذات بطانة، وخفيفة بيضاء في الصيف، أما الشتاء فله الملابس الثقيلة الداكنة، والفراء إذا اشتدّ البرد، ومثل زرياب قصّرت شعري من الجانبين وأرسلته وراء أذني، وأكثرت من استخدام العطور المستخلصة من الأزهار".[23]

وكذلك استخدم ثقافة تراثية خاصة بطهو الطعام ومستلزمات المائدة في ذلك العصر والمكان:

".... علمني كيف أطبخ " النقايا" بماء الكزبرة الرطبة المحلاة بالسنبوسق والكباب، وتقلية زرياب التي يطبخ فيها الدجاج والأرانب في ماء كثير الأفاوية والطيب،.. كان الأطفال يعشقون ما أقدمه لهم من حلوى زريابيا اللذيذة،.. نبدأ بالحساء، ثم باللحوم والطيور، ثم الفاكهة والحلوى من الفطائر المصنوعة بالجوز واللوز والعسل ، والعجائن المحشوة بالبندق والفستق، والمعقودة بالفواكه، حتى الماء كان البلوطي يجعلنا نقدمه في أكواب زجاجية شفافة، ولم ينسى غطاء المائدة الذي كان من الجلد الرقيق بدلًا من القطن أو الكتان حتى يسهل تنظيفه ويطول عمره" . [24]

استخدم معلومات من علم العقاقير النباتية، وطرق العلاج و التداوي بالنباتات:

" .... غابات الدردار ... لحاؤها الرمادي المائل للاخضرار، أزهارها التي تظهر في الربيع قبل الأوراق على رؤوس العروق كالعناقيد، الأوراق الريشية البيضاوية والشريطية مسننة الأطراف، الثمار الجناحية التي تتدلى من العروق خضراء اللون في البداية ثم بنية بعد ذلك"

" قليل من أزهارها المجففة في كوب صغير من الماء المغلي يمنحني محلولًا له مفعول السحر، عالجت به حالات الأمعاء غير المنتظمة لطرد الطفيليات منها، وخففت به حرارة بعض المرضى، وعالجت التهابات الكلى والمسالك البولية، خففت آلام الروماتيزم للعجائز، وآلام النقرس، وعالجت بأوراق شجرة الدردار الجراح المليئة بالصديد..." [25]

".... كنت أشعر أنني كتلة من نار، ... تناول هشام بن عبد المعين بصلة كبيرة بيضاء مقشرة،.... يقطع البصلة إلى حلقات، يضع حلقات البصل أسفل قدمي، يأخذ من مجاهد قطعة من القماش الأبيض يلف بها البصل حول قدمي بإحكام، ويطلب مني أن أنام..."[26]

البنية اللغوية: من مفردات ونظم وسياق، محققة للوقع السحري الذي تتميز به الجملة العربية الفعلية: فعل فاعل.

البنية الإيحائية الذرائعية:

العلاقة بين الدلالة والمدلولات، المعاني القاموسية والإيحائية الذرائعية المراوغة، والتي توقف الذرائعية مراوغتها عند حدود المفهوم: نأخذ مثالًا:

أم هي اللغة مرة أخرى تراوغ الذاكرة وتكتب نفسها لتبني ذاكرة أخرى تستمد من الكلمات قوتها وليس من تراب ودم الحياة؟

لقد جعل الكاتب (اللغة) أو ظاهرة تبحث عن معناها، قرنها بمدلولات عديدة أو صفات كل واحدة منها تصلح أن تكون معنى لها (مراوغة – ذاكرة – مكتوبة – كاتبة –كلمات – قوية – ليست ترابًا أو دمًا – حيّة) مرادفات كثيرة منها القاموسية ومنها الإيحائية، كل مفردة تستدعي الكثير من المعاني، توقفها الذرائعية عند حدود المفهوم الذي تتقاطع فيه كل تلك المعاني، وهو هنا (تدوين التاريخ).

البنية الجمالية:

هناك الكثير من الصور البلاغية، من استعارات وتشابيه، والصور الجمالية علم الجمال:

- كان زرياب يعلّمني كيف أسكب روحي عليه (العود) .

- علّمني كيف أفهم صوتي، وكيف أحب العود، وكيف أصنع من الفهم والحب ألحانًا تحمل سامعها إلى جنات النعيم .

- أشعر بهزة، كأن الكون ينتفض، وأمواج البحر التي كانت غافية تستيقظ فجأة مضطربة، النغمات تصدر عن العود مترددة ، حائرة، حادة .

- فراغ حاد بأنياب وحشية ينخر روحي.

- يبدو أن من يحصلون على اللذّات على سطحها هم السعداء حقًّا، يرون لمعة البرق على السطح الرقراق، ولا يشعرون بما تحت السطح من حجارة مدماة وحصى وحشى.

- لقد نزلت بروحي إلى ما تحت سطح اللذات بكثير، غصت في أعماق بعيدة، فتحطمت سفينتي على أسنان الصخور الوحشية.

- حتى جسدي ما زال يطلب شهوته، بل يطلبها بعنف وإلحاح أقوى، كطفل متمرد يعلم أنه سيحرم من الحلوى فيأكل منها أكثر من طاقته.

- كانت الدموع تقطر من بين أصابع عيسى بن أحمد فيرتعش العود الذي يضمه بحنو إلى صدره، طعم ملح الدموع على لساني.

- عقلي مغلق دون اللحظة، كأعمى لا يستطيع أن يرى أبعد من مشاعره الحالية.

- لم أصدق أنه يمكن أن تطلع شمس الصباح، لكنها طلعت، ولسعتني، فأيقظتني، أم أيقظني الجوع والعرق الذي يشبه دبابيس تنغز في جسدي.

- هزّتنا جميعًا تلك النغمات، كيف استطاع عيسى بن أحمد أن يصنع لنا أجنحة، وأن يلون أمواج البحر بعشرات الألوان الزاهية.

- من عينيه وملامح وجهه الغليظة يطل شبق ناري اللون، كيف عرفت لون الشبق في عينيه؟

- أم هي اللغة مرة أخرى تراوغ الذاكرة وتكتب نفسها لتبني ذاكرة أخرى تستمد من الكلمات قوتها وليس من تراب ودم الحياة؟

- الشمس تبدو من خلف السحاب كعجوز تحتضر

- ضباب خفيف بعيد يقبل نحونا من كل جانب كأشباح تتشكل بعشرات الأشكال ، كلها ناقصة ، وكلها مخيفة

- يتكاثف الضباب في اقترابه منا، لونه أبيض يحترق في الريح والموج، يصبح حائطًا من الرماد الصلب، ثم يسود، لا يرى أحدنا كف يده.

- نظرت إلى بقايانا التي تلعب بها رؤوس الأمواج، وبقايانا المتجمدة خوفًا في أجساد هشة.

- الجدول الصغير الذي يمر ببلدتنا يموت، إذ يسكب روحه في البحيرة البعيدة، كل شيء في الطبيعة يموت، لكن الإنسان فقط هو الذي يُقتل.

- لم يكن الحب هو ما يملأ حياة البلدة، كان النظام الصارم، الأدوار المرسومة لكل شخص منذ الأزل، من قبل ميلاده حتى بعد موته.

- علمت أنني أطعن بسيفي صفحة الماء طوال الوقت، لن ينكسر السيف، ولن تنزف المياه.

- كان نهر الحياة يتدفق من روح روجينا فيغرقني نشوة أهب لها فيها كل ما يمكنني من محبة

- أنا لم أعش من قبل ولا من بعد مثل هذه الدقائق التي امتدت بعرض العمر وعمقه.

- نجوم متباعدة في سماء حالكة، نجوم متدثرة بوحدتها، وبحر تتباعد أمواجه كل منها عن الأخرى و تهرب منها، فتضيع في الرمال، أمي بعينيها العسليتين تطلق سهام لوم مؤلمة على قلبي

- كان وجه أمي يزداد غضبًا، وكان عسل عينيها يتحول إلى حبال تندفع إلى السماء ، تلتف حول نجومها، وتسقطها واحدة بعد الأخرى عمق البحر، ثم تتحول الحبال إلى سياط تجلدنا بها أمي نصرخ ، نصرخ،

- نفكر في اختيار مصير النجوم لعلنا نرتاح هناك تحت الأمواج الثائرة، لكن السياط تحملنا، وتقذف بكل منا في حجرته، فوق سريره، وإذا كل منا يرى الآخر عبر الجدران ممددًا على السرير، فاتحًا عينيه ذهولًا، وحوله إخوته وأمه يرتلون القرآن.

- ذهبت أبحث عن أرض وجذور فلم أجد سوى سراب مزروع في رياح عاتية.

ثالثًا – المستوى المتحرك:

أتناول في هذا المستوى المضامين المتحركة والمؤجلة، عبر دراسة البنائين الفني والجمالي، وأبدأ ب

البناء الفني:

العنوان: أول لبنة في البناء الفني (موجيتوس)

متخذًا من أول حرف بهذا العنوان مسمارًا، علّق الكاتب خيط التشويق، ومضى يسحبه على امتداد المتن السردي حتى أحكم ربطه على مسمار آخر حرف في النهاية، وسؤال لم يطل بعد الاستهلال مباشرة:

هل هو مجاهد أم موجيتوس؟ كان قد نسي هذا السؤال منذ سنوات، فهل نسيه حقًّا؟ [27]

مجاهد وموجيتوس اسمان للشخصية البطلة، وكانت أول القضايا التي طرحها، هي لماذا تحوّل من مجاهد إلى موجيتوس؟ مجاهد هو ذلك الفتى والشاب العربي القرطبي المسلم، والذي أصبح موجيتوس حينما وهب المنتصر المسيحي (بوبون) مجاهدَ لماريا على أن يتحوّل إلى المسيحية ليستحق أن يستمر زوجًا لها، فأصبح موجيتوس!

لكن لماذا موجيتوس وليس مجاهد؟ موجيتوس: دلالة إيحائية وذرائعية تحيل إلى الواقع المهزوم الذي يرزح تحته العالم الإسلامي الحالي المتّهم بالإرهاب، ولاسيما في قضية الجهاد، حيث أصبح الجهاد مكافئًا للإرهاب، بيد من أساؤوا فهم جوهر الجهاد، وانتظموا في خلايا إرهابية، تحوّل مجاهد إلى (موجيت) ولحقت به اللاحقة الرومانية (وس) والتي نلحظها في العديد من الأسماء الرومانية، مثل (يوليوس- أنطونيوس.... ألخ)، سنجد أن العنوان هو إفراغ للمعنى الحقيقي للجهاد الإسلامي والعربي. هو حالة من الخذلان والإذلال الذي وصل إليه حال العرب والمسلمين، صاروا تابعين بعد أن كانوا ملوكًا متبوعين، ومازال الحال على ما وصل إليه، لذلك هو (موجيتوس).

الاستهلال:

جمل فعلية حسّية ومشهدية متلاحقة، محفزة لتساؤلات تحبُك الحبكة الأولى في بناء الحدث السردي، وهو التشويق:

"شعر بالفزع عندما اكتشف مرور أكثر من دقيقتين على استيقاظه وهو ما يزال جالسًا في سريره ولم يصلّب، ولم يشكر العذراء على نعمة يوم جديد يحياه".[28]

الزمكانية:

العنصر الثاني في بناء الحدث السردي، وهو العنصر الذي اكتسبت منه الرواية ثيمتها التاريخية.

زمن الأحداث: فترة حكم عبد الرحمن الناصر أمير قرطبة حوالي القرن العاشر الميلادي (316 ه- 929 م) وعلى مدى 100 عام، المكان: تنوّع المكان بين سفينة تحمل عشرين شخصًا قرروا غزو جزيرة صقلية، وبين مدن أندلسية (قرطبة) وأوروبية عديدة شملت جنوب فرنسا وجنوب إيطاليا وصولًا إلى سويسرا. وبين ضيَع عديدة و قلاع وحصون حمل معظمها اسم (حصن فراكينسستوم) نسبة لغابات الدردار.

الموضوع:

هي حكاية التوق الإنساني(على اختلاف معتقداته الدينية، مسلم أو مسيحي) للانفلات من قيد الخوف باتجاه المغامرة، ومن قيد العرف باتجاه الطموح والرغبة، في رحلة جهادية لمعرفة النفس أولًا، والغنيمة من الثروات ثانيًّا، مع الحرص على البقاء تحت خيمة محبة الرب، وعدم القفز بدون مظلة رضى الله، بحث عن يوتوبيا الروح، واستنهاضٌ لبطولة الذات الإنسانية، وهذه هي الفكرة المدهشة التي ساقها الكاتب، لأننا اعتدنا البحث عن البطولات خارج ذواتنا، وخارج زماننا، وخارج مكاننا، نبحث عنها في أنموذجات لم نعايشها، قبلناها كما قدّموها لنا أو كما قدّمت نفسها لنا، دون أن نتحقّق من حقيقتها، وهل هي حقًا رمز بطولي يوتوبي يستحق التمجيد، يقول الأديب منير عتيبة بفقرة سردية على الغلاف الخلفي للرواية:

" لقد كانت (الفكرة) نفسها مفاجئة ومدهشة، لكنها متّسقة مع روح العصر المشبعة بحب الغزو وفتح عوالم جديدة، هي روح لم تقتصر على المسلمين، بل شملت كل من يعيشون في هذا العصر، الكل يريد المغامرة والاقتحام والانتصار والفوز بالغنائم، ولا يريدون مع هذا أن يفقدوا محبة الله، فيسعون في كل هذا باسم الله أو الرب، باسم القرآن أو الإنجيل" . لقد كان الكاتب حذقًا جدًّا في إيصال هّذه الفكرة المدهشة، من غير أن يتكلّف، من دون أن يزوّقها بمبرّرات مفتعلة أو مقحمة، بل انسالت كالماء السلسبيل فوق صخرة الوعي، وأظنه صقل ما نتأ منها.

الحبكة:

أنقل بعضها كملخّص أورده الكاتب على الغلاف الخلفي:

يقرر عشرون رجلًا من أهل الأندلس بناء سفينة وغزو صقلية غزوة سريعة باسم الإسلام، ليعودوا بعدها محملين باغنائم والفخر ورضا الرحمن. لكن السفينة تجنح بهم تحت ضربات عاصفة مهلكة وتلقي بهم على شواطئ فرنسا، حيث يجدون أنفسهم في مكان لا يعرفونه، أمام أطلال قلعة رومانية قديمة تشرف على البحر وتتحكم في الطريق الرئسسية بين الجبال، ومن هذا المكان يمدّون نفوذهم لمائة عام على جنوب فرنسا وجنوب إيطاليا حتى يصل إلى سويسرا.

جوهر الموضوع ليس في الأحداث، فالأحداث مكرورة بتعاقب الحياة، وإنما في أثرها على أرواحهم الحائرة، وأحلامهم المتباينة، ومصائرهم التي كان فيه الموت رابحًا بالمحصلة عندما قبض على العدد الأكبر منهم، ولم تنتصر الحياة إلا بواحد منهم، مسلم مع زوجته المسيحية، هما من روَيا حصاد مئة عام من الانتصارات والهزائم والخيانة والحب والحرب، والشهوات واللذات، والعذابات الروحية والجسدية، ووضعا معًا نهاية مفتوحة عبر الزمان، لأحداث تتكرّر على مسرح الحياة الكبير ، الحدث الحاضر فيها هو الهزيمة الكبرى، التي تعقب الانتصارات الصغيرة.

العقدة: تضافر جهود الفرنجة تحت قيادة(جيوم) بجيوش عظيمة مصمّمة على القضاء على أي وجود للغزاة الأندلسيين المسلمين في أوروبا، وحصار الحصن الأول، وذبح كل من فيه من المسلمين والهنغار ، واقتياد الأسرى كرقيق وعبيد عند الأمراء والكنيسة، لم يبقَ من ال20 رجلًا إلا مجاهد، ورقبته تحت سيف بوبون.

الانفراج: تستوهب ماريا رقبة زوجها مجاهد من المسيحي بوبون، ذكّرته بنفسها، الطفلة التي أنقذها في الغابة وتركها في الدير، تستوهب منه رقبة مجاهد، تستحضر نفس المشهد من الماضي، حين استوهبها مجاهد من أمير البحار يوسف وأنقذها من نظراته الشرسة وهو يهمّ باغتصابها كجارية، " هو لي!" ، يهب بوبون مجاهدَ لماريا شرط أن يصبح مسيحيًّا ليستحق أن يستمر زوجًا لها، فأصبح موجيتوس.

النهاية:

اعتمد الكاتب في إنجازها على تقنية التدوير السردية، وهي العودة إلى مشهدية الاستهلال، لنكتشف أن الأحداث المسرودة على امتداد زمني يعادل حوالي المئة عام لم يستغرق ألا ساعات قليلة هي زمن قراءة الرواية، فما زال موجيتوس في الغرفة أمام الصندوق الذي وضع فيه الأوراق، ومازالت عيناه تنظران عبر النافذة إلى النخلة التي تقتلها العاصفة الثلجية، وما زالت ماريا نائمة في السرير.

".... دخل إلى سريره، نظر إلى زوجته، فتحت عينيها، ابتسمت له، بادلها الابتسام، أغمضا أعينهما بهدوء، بينما ملامحهما المجعدة تحكي عن سنوات ملتهبة ضلّت فيها الروح كثيرًا إلى سكينتها المفقودة"[29]

نهاية مفتوحة لأن الأرض لم تُطوى بعد طيّ السحاب، مازال الحال على ما هو عليه، ومازال في الحياة شقاء واغتراب.

الشخصيات:

نؤكد أولًا أن شخصيات الرواية هي شخصيات متخيّلة، حاول الكاتب أن يجعلها تقترن بشخصيات تاريخية معروفة، ليوهمنا بواقعيتها، ف(حسان الغافقي) جدّه (عبد الرحمن الغافقي)، (عيسى بن أحمد) أستاذه الذي علّمه الفن والموسيقى هو (زرياب)، وعبد الرحمن صديق الخليفة (عبد الرحمن الناصر)، الطماشكة الزناتي حفيد الكاهنة البربرية وجدّه الفاتح المشهور (طارق بن زياد)، صفيّ وعليّ منذوران للشهادة كالحسن والحسين، ابني الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

لم نجد في الرواية شخصية بطلة بالمطلق، كما لم نجد شخصيات معارضة، فكل الشخصيات متّفقة على هدف أولي معلن (غزو صقلية)، لمّا لم يتحقّق الغزو للمكان المقصود، اتفقوا على فكرة الغزو لكل الأماكن المتاحة، حتى أنهم في البداية لم يؤمِّروا عليهم أميرًا، بل جاء الأمر وكأن القدر يوزّع الأدوار على الرجال العشرين، ليكون (الطماشكة الزناتي) أمير الحصن الأول، وليحوز حسان الغافقي أمارة الحصن الثاني، حسمًا لخلاف كان من الممكن أن يتطوّر إلى صراع حقيقي، وهكذا، ومع توسع الغزو، بنوا المزيد من الحصون، استقلّ فيها من أراد من الرجال، وتولَّوا إمارتها بالاتفاق، ولكنهم بقَوا يدينون بالولاء للحصن الأول. الصراع الحقيقي كان بينهم وبين من ناوءهم وناوؤوهم من الفرنجة. كما أن الكاتب باعتماده الطريقة التمثيلية في عرض الشخصيات، جعل كل شخصية منها شخصية بطلة وهي تروي قصتها بصوتها.

تتشابه كل الشخصيات بماضيها المأزوم الذي يدفعها للخروج من بلدها، بعضها مأزوم بأسباب عاطفية، والآخر ى بسبب اضطهاد عرقي أو ديني، منهم من أخرجه الانتقام ومنهم من أخرجه حب المغامرة وشهوة السلطة والثروة، والغريب أن كل تلك الشخصيات اتفقت على الخروج تحت شعار معلن هو (الجهاد والدعوة إلى الإسلام) وجميعهم يدرك أنه لم يكن الهدف الأسمى، وإنما كان الستار الذي أشبعوا من ورائه ذواتهم المتعطشة للسلطة والإمارة والسبي والثروة، يقودهم (الطماشكة الزناتي) وهو بربري استغل رغباتهم الدفينة ليحقّق مجد قومه الذين كان يقينه بأنهم كانوا أحق من العرب في حكم الأندلس:

"... كان القائد العظيم مجرد بائع أقمشة في سوق قرطبة،.... كيف لك أيها الوحيد الفقير أن تحلم بأن تكون أميرًا؟ لكن صوت التحدّي لا يتوقّف، فعبد الرحمن الداخل لم يكن سوى شاب وحيد مطارد من العباسيين في الشرق، جاء إلى الأندلس ... وعاش في الأندلس أهوالًا أكبر ، ولكنه بنى لأبنائه وأحفاده ملكًا، وأنا حفيد الكاهنة وأحد فاتحي الأندلس جدير بأن أحقق لنفسي مجدًا عظيمًا...."[30]

بذرة شديدة الدهاء، لابدّ أن تدرس الدواخل النفسية والفكرية لشخصيات الخليّة التي تريد تكوينها لبلوغ الهدف:

" مددت حبل الصداقة بيني وبين يوسف، عرفت منه كل ما يعلمه عن أوروبا وشواطئها وناسها، أشعلت فيه نار حلم كل بحار بأن يصبح أميرًا للبحار، ونفخت فيها باستمرار، ثم أعلمته بما أفكر فيه....، لم أكن أختار الرجال الذين سأقودهم إلى تحقيق حلمي عشوائيًّا، ... لم أختر سوى هؤلاء، أردتهم من كل فئات الناس في الأندلس، لأنني سأكون ملكًا على الأندلس الجديدة"[31]

الشخصية الغريمة الوحيدة التي يمكن أن يصطدم بها الطماشكة هي (حسان الغافقي)، العربي الذي يريد أن يصلح خطأ جدّه، وكان عقبة أمكنه التخلّص منها بسهولة، أيضًا عن طريق دراسة الانفعال النفسي والسلوك:

" أتخلّص من حسان الغافقي الأهوج سريع الغضب بسهولة، لكنني أحافظ على علاقة ودّ بيني وبينه، فنحن في النهاية أخوة ضدّ أعدائنا المشتركين، أوافق على أن يكون بعض رجالنا قادة لحصون أخرى شرط أن يكون ولاؤها لي، لم أرفض أن يتزوّج رجالنا من النساء المحليات، كما لم أرفض أن يعيشوا في القرى ليكونوا من أهلها، فلن نبقى إلى الأبد في الحصون فقط"[32]

مجاهد - موجيتوس:

ولكنني أميل إلى اعتبار مجاهد أو موجيتوس شخصية بطلة تستحق لقب (الشخصية اليوتوبيا) في الرواية لأسباب عدّة:

ليس عبثًا أن يبدأ الأديب منير عتيبة روايته بشخصية (مجاهد)، وينهيها بشخصية (موجيتوس)، ومعروف أن الشخصية البطلة هي التي تبقى عندما تتلاشى الأحداث وتنحسر الشخصيات في مثلث الانفراج في التشابك السردي، لتضع النهاية، فهي شخصية بطلة، وقد يخالفني البعض الرأي، وعذرهم في ذلك أنها شخصية ضعيفة التأثير في سير الأحداث، بمعنى آخر أنها (شخصية متنحية)، لكن بنظرة متبصّرة نجد أنها شخصية مرنة، تتقبّل أفكار الغير دون أن تمارس سطوة المنتصر، فلم يجبر كريستينا التي اختارها بقلبه المحب الرحيم على اعتناق الإسلام حينما تزوّجها، بل احترمها كما هي، واحترم عقيدتها، لكنه لم يقبل بفعل أبيه عندما اغتصب (عجب) الجارية الطفلة التي أهداها له، بينما أرغمه المنتصر الآخر(بوبون)، تحت ذلّ الهزيمة، على التحوّل عن الإسلام واعتناق المسيحية، وصادر اسمه من (مجاهد) إلى (موجيتوس)، شخصية رومانسية متوازنة قبلت أن تكون صلة الوصل بين الشرق والغرب عن طيب خاطر، ومهما اعتنقت من أديان، ليس لها حلم سوى إرضاء الله والطمع بجنته، شخصية تمتلك القوة والجلد على تحمّل صعاب المغامرة التي هي بالحقيقة انتصار صغير لا يكافئ آلامًا كبيرة، انتصار يمكن الاستغناء عنه إن كان الألم ممكن الاحتمال، لكنه أمام مسؤولياته اتجاه عائلته يتابع خوض المغامرة بكل قساوتها، منتظرًا دوره بالموت، مصيره المحتوم، في رسالة مرسلة من خلف الصقلبي لمجاهد يقول له فيها:

" .... كانت قصتك صغيرة وألمها يمكن احتماله ومع الزمن يُنسى، فما الذي ألقى بك وسط قصصنا المربكة؟ ألم تزل لديك فرصة لكي تعود؟ إن كانت فانتهزها (ولمن أترك ماريا وابنها العجوز ، وماريا لن تترك هذه البلاد يا خلف؟)..."[33]

شخصية تعشق الزراعة، أي تعشق الحياة والسلام، وتزرع الحب والطيبة في كل تربة تطؤها القدم، وشخصية حملت على عاتقها مهمة كتابة تلك المغامرة، وتتبّع حياة ومسير كل شخوصها باتجاه الموت، فقبعت تراقب سلوكياتهم، وتتلقّف أخبار من غاب منهم مغادرًا الحصن، وتلك رسالة خفية وصادمة يوجّهها منير عتيبة، مفادها: يمكن للتارخ أن يكتبه المهزوم، خلافًا للمقولة السائدة (إن التاريخ يكتبه المنتصر)، والمهزوم يكتبه بصدق، وكونه محكوم بالندم، يقوم بتحليل واقعة الهزيمة، وتجذير أسبابها بدءًا من البذور، ثم الوقوف على نتائجها وقطوفها. و(مجاهد- موجيتوس) مزارع خبير. وكاتب حر، توسّم فيه(عبد الرحمن) ذلك، وهو الشاعر الخبير الذي يدرك قدْر رسالة القلم، قال له: " إذا أردت أن تكتب حكايتنا فلا تخبر أحدًا حتى يحتفظ قلمك بحريته"[34]

(مجاهد- موجيتوس) هو رمز للإنسان العربي الطيب والصالح الذي غُرّر به منذ صغره، فقد المثل الأعلى، ليلتحق بمغامرات ومؤامرات الكبار دون أن يكون له فيها لا ناقة ولا جمل، فقضى عمره مهزومًا، لا هو مات، ولا هو انتصر ، حتى عندما تزوّج من إفرنجية أنجب طفلًا مشوّهًا محكومًا بالموت المبكر ،كالشعوب العربية المهزومة في حاضرها، بعد أن سادت وملكت في ماضيها، لا تملك من حاضرها الآن سوى بضع وريقات كتبت عليها تاريخها، الكثير من الحروب والانتصارات الصغيرة وبعض الأمجاد الغابرة، والكثير من المؤامرات والخيانات التي قضت على الحاضر وضمنت التهام المستقبل، شعوب عندما انفتحت على الغرب واقترنت به بسماحتها أنجبت منه عالَم مشوّه الشكل، سريع الفهم وسليم العقل، لكنه محكوم بالموت فتيًّا، لتبقى الشعوب العربية مهزومة أرقة، والأجنبية ترفل بالنوم وابتسامات الرضى...

لأجل كل ما تقدّم أعتبر (موجيتوس) الشخصية الرمز الرئيسية البطلة فنيّا ودلاليًّا، تليه كريستينا التي تمثّل أوروبا العصور الوسطى المظلمة والفقيرة، المسيحية المغتصبة من قبل السادة من الإقطاع ورجال الكنيسة، التي يتاجر بها اليهود وقطاع الطرق من كل الأجناس، والموهومة بالأساطير والخرافات، لا تنام إلا لترى في أحلامها (الأخ مارك والأم العذراء).

الشخصيات الأخرى منساقة باتجاه أمانيها التي تتراوح بين شهوة السلطة والجاه، وبين البحث عن اليقين وسكينة الروح الحائرة، شخصيات من منابت عدّة، كلها مأزومة بماضيها وأصولها الحائرة بين الشرق والغرب، من العرب والفرنجة والصقالبة والبربر والمولّدين، تحقق (انتقامها) تحت مسمى(أحلامها) بغزوات في بلاد الفرنجة باسم الله وتحت شعار محبّته ورضاه، بعضها يرسم بعدًا موضوعيًّا عن أسباب هزيمة العرب في تلك الحقبة التاريخية، يتجلّى بالتراخي في حسم المعارك لصالح العرب، تتّخذ هذا البعد ركيزة أساسية في كل الغزوات والفتوحات التي قامت بها، فلم يكن عبد الرحمن الغافقي القائد العربي حاسمًا في معركته، لذلك لم ينتصر كما يجب، أخفق كقائد كما أخفق كفارس، ما جعل حفيده (حسان الغافقي ) يحمّل نفسه وزر جدّه. ويحاول أن يكون هو القائد، الأمير الفارس:

" لو كان عبد الرحمن الغافقي أكثر حسمًا لما اندحر المسلمون تحت ضربات شارل المطرقة ولتغيّر تاريخ العالم"[35]

هناك عنصران يكملان بناء الحدث السردي، من بعد التشويق أو الزمكانية، هما العاطفة والتعبير،

العاطفة: نجدها عند المرور عبر الشخصيات السردية التي عاشت تجربة الحب، بأشكاله ونهاياته المتباينة، هناك مثلًا:

مجاهد – عجب:

الفتى الذي عشق (عجب) الجارية التي اشتراها أبوه وأهداها له، ثم قام الأب باغتصابها أمام عينيه، لقد خبر الحب في بواكير اليفاعة ، حتى أنه حار في تفسير السبب الذي حرّك المشاعر في جسده:

" كانت عجب بالنسبة لي رفيقة سنوات التفتّح، الطفلة التي لهوتُ معها، ولعبنا في حديقة دارنا، مسحت دموعي بيدها، قبّلت وجهها احتضنتها تحت شجرة التين ، فتفتحت بجسدي مشاعر جديدة لم أعرف كنهها، لكن براكين شهوة الجسد لم تتفجّر إلا وأنا أراه عاريًا فوقها، فأراني أندفع بالخنجر لأقتله، فما الذي حرّكني حقًّا " [36]

عبد الرحمن بن سالم– صبح: الشاعر الذي لم يقل شعرًا إلّا بها، ولا يشتهي الولد إلا منها، وأرضها بور، لذلك يفرّ منها ملقيًا بنفسه في حرب إلى أخرى، العشق بينهما مقاس برائحة العنب، التي تفجّر فورة جسديهما للعشق:

".... فتتخلّل رائحة العنب الحلوة الحامضة مسامي، تصبح رائحتي الخاصة ورائحة صبح، هي الرائحة التي تعبر عن عشق كل منا للآخر، هي الرائحة التي يدعو جسد كل منا جسد الآخر بها، وهي مل يتبقى من رحيق العشق وفورة الجسد، إذ تسكر روحي بخمر الحب المتدفّق من عيني صبح "[37]

عبد الله البلوطي – أسماء: مسلم أسباني، يعشق أسماء بنت الفقيه إبراهيم العمري، يرفض الفقيه تزويجه منها لأنه من المولّدين، فيقررأن يحفظ عشرة آلاف حديث وموطأ الإمام مالك ليقبل الفقيه تزويجه ابنته.

خلف الصقلبي – روجينا

وأما الجنس:، فقد تناوله الكاتب بتصوير مشهدي، بتجرّد، بمعزل عن العاطفة، فقط كفعل غرائزي ليخدم الدور الذي أراده في حبكة العمل الروائي، وهو دور الجنس في السياسة والحكم، يسرد ابراهيم بن عامر ذلك من خلال علاقته بسارة:

" .... كنت اعتليها وتعتليني، وتجوب بي مسالك غير معبدة من اللذة التي لم أعرف أوضاعها من قبل، لم تكن بشرًا ، كانت قطعة من جحيم لا مفر من الركون إليها..... أصبحت بالتدريج تتدخّل في شؤون إدارتي للحصن...." [38]

أما التعبير: نجده في كل فصل سلّم فيه الكاتب السرد لشخصية من شخصيات الرواية، فنجد مثلًا كريستينا تذهب إلى أبعد مدى في التعبير عن ذاتها، شخصيتها، آرائها، معتقداتها:

" .... كنت أظن أن الدير هو بيت الرب والعذراء، فوجدته بيت الإنسان الذي لا يختلف كثيرًا عن الضيعة التي كنا نعيش فيها، الإنسان الذي يحقق كل رغباته الشريرة تحت المسميات النبيلة، رأيت كيف يمكن أن تتم السرقة باسم الرب، والاغتصاب باسم المحبة، والكذب باسم العذراء، الراهبة الأخت الكبرى لم تكن أقل قسوة من جدتي، ولم يكن الأخ فيكتور بأقل توحشًا من الشريف هرمان أو اللص الذي اختطفني، الأقسى أنني لم أجد العذراء نفسها في الدير.... كان السارازين، ومنهم مجاهد، حلقة أخرى من سلسلة الشر التي تطوّق حياتي وتكبّل روحي، استسلمت لها لأنني لا أستطيع أن أفعل شيئًا آخر ...."[39]

البناء الجمالي:

o السرد: على لسان الشخصية البطلة (مجاهد) كسارد عليم يقرأ من مذكرات، وعلى لسان الشخصيات المشاركة بضمير المتكلم .

طريقة عرض الأحداث السردية: فهي الطريقة الحديثة، حيث تبدأ من النهاية ثم الخطف خلفًا باتجاه البداية فالحبكة والعقدة والانفراج والنهاية ، وهذه الطريقة مستخدمة في الأفلام السينمائية، مترافقة بتقنيات سردية مثل المذكرات، والترجمة الذاتية، وتدفق تيار الوعي.

الأسلوب:

أدبي إنشائي، منزاح نحو اللغة الشاعرية الجمالية، أسلوب يتنوّع فيه إيقاع اللفظ، باختلاف لسان السارد، فتارة هو أندلسي، على ألسنة أهل السفينة، وتارة هو أوروبي، يذكرنا بالقصص الأوروبية المترجمة، على لسان كريستينا، كما يختلف باختلاف الدفقات الشعورية عند تلك الشخصيات، فنلمس بعض النفحات الصوفية، عند عيسى بن أحمد مثلًا:

" هذه هي المرة الثانية التي أشعر فيها أن نورًا ينقذف من أعلى عليّين إلى روحي فيضيء ما بين مشرقها ومغربها....كان جسدي فقط على الأرض معهم، ولكن روحي كانت ترى الآن ما لم تره من قبل، كان السوس يتجسد أمامي عملاقًا أسود اللون، يزحف على الأرض، يطير في الهواء، لكن حبلًا سريًّا يربطه بالبشر الذين خرج منهم، ويعود إليهم، ويتغذى على دمائهم وأهوائهم، حتى أنا رأيت سوسة تلتف حول جسدي كله، تعتصره ، وتمرح في روحي، تنهشها"[40]

تنوّع يستحق الإشادة به.

الحوارات:

الخارجية: قليلة نسبيًّا، وإن وجدت فهي عبارة عن جمل قصيرة، استفهامية أو طلبية.

الداخلية: طويلة، في جزء كبير منها تتولّى مهمة السرد، والتعبير عن دواخل الشخصية، اهتم الكاتب بها كثيرًا، أكثر من اهتمامه بالحوارات الخارجية. قد يكون السبب هو تعمّد الكاتب الإشارة إلى النيّات الكامنة التي ترفض الشخصيات الإفصاح عنها ديالوجيًّا، فأفصحت عنها منولوجيًّا، رغم أن الرواية بوليفونية بامتياز.

الغرائبية في رواية موجيتوس:

من يقرأ الرواية بدقة، سيسترعي انتباهه وجود العديد من الشخصيات الغرائبية، وهي شخصيات تستقي غرائبيتها من تمثّلها مع شخصيات تراثية، خرافية أو أسطورية، وأحداث ومشاهد عجائبية، مثل حادثة عيسى بن أحمد وعبد الرحمن بن سالم اللذان طارا من ضفة نهر إلى أخرى على قوس قزح، أثناء فرارهما من سجن روما:

" كنت أقود عبد الرحمن صعودًا على سلّم من ألوان قوس قزح، سلّم نصف دائري، وصلت إلى قمته، ثم بدأت أهبط حتى وصلنا إلى الضفة الأخرى للنهر، طلبت من عبد الرحمن أن يفتح عينيه، فتحهما، بذهول سألني:

- ماذا حدث ؟

- لا تسأل!

لم يسأل ، لكنه رفع يديه إلى الفرسان على الضفة الأخرى ليغيظهم ...." [41]

أيضًا حادثة اختفاء عيسى بن أحمد، التي تحيلنا إلى الواقعية السحرية عند ماركيز ، وصعود روح ريميدوس الجميلة إلى السماء، وجسدها الذي طار واختفى وهي تنشر الملاءات المغسولة، في مئة عام من العزلة:

" (كان باب حجرته مفتوحًا، لكنني لم أجده هناك، رأيت بقايا نور على حديد النافذة، ورأيت حشرة كبيرة ميتة ذات رائحة كريهة قاتلة، لم ير أحد غيري هذه الحشرة، ولم أفكر فيها بعد ذلك، فقط كنت أتذكر النور الملون على نافذة عيسى بن أحمد في لحظات الضيق فتشعر روحي باقتراب الفرج.......[42])

ثم يستأنف الكاتب ذات اللعبة،مستحضرًا قصّة شقّ صدر النبي محمد صلى الله عليه وسلّم من قِبل جبريل عليه السلام، وإخراج قلبه ونزع العلقة (حظ الشيطان منه) وغسله في طست من الذهب بماء زمزم، وتطهيره وإعادته إلى موضعه:

(.... كنا قد نسينا عيسى بن أحمد كما نسينا أشياء كثيرة على مر الزمن، في اللحظات الأخيرة للمعركة عندما كان رجال يموتون بالمئات بلا أمل، رأيته..... نزل من السماء على سلم من نور، كان بيده سيف قصير لامع، كان يفتح صدور الرجال،.... يفتح جميع الصدور بلا تفرقة بين رجالنا ورجال الفرنجة والرجال الهنغاريين، فتخرج من الصدر الذي يفتحه حشرة كبيرة متوحشة، يقطع رأسها بحدّة وبسرعة، ثم يبصق عليها فتحترق، حشرة تشبه التي رأيتها في حجرته منذ سنوات، يقتلها ويبكي صارخًا: آه لو كان قبل فوات الأوان[43])

التوأم صفي وعلي اللذان يريان ذات الحلم، في ذات الوقت، وحادثة تبادل روحيهما وحلولهما بجسديهما:

" كانت عيناي تحدّقان في ظهر عليّ وعقلي يفكر ما يفكر فيه، وروحي تخرج هي الأخرى من جسدي، كنت واقفًا على الأرض، فعاينت حركة روحينا في الهواء الشفيف، إذ تتبادل كل منهما جسد الآخر.... شعرت بسكينة لا نهائية وروح أخي تسكن جسدي، ودمعت عيناي مودعة روحي التي تفارقني لتسكن جسد عليّ"[44]

هناك شخصيات غرائبية مثل شخصية ابراهيم بن عامر وكيسه الذي يجمع فيه تراب دفنه، ليشهد له أمام الله على جهاده في سبيله:

"....أتضايق لأن كمّ التراب في جرابي لا يزيد، لكنه كاف لينثر على جسدي فيكون لي وقاءً من نار جهنم، إنه شاهدي أمام ربي على جهادي في سبيله."[45]

أمير البحار يوسف كأنه السندباد البحري، شخصيات كأنّها فرّت من حكايات الشرق التراثية،

خارج نطاق الشخصيات التي تنتمي لأهل السفينة، كان هناك شخصيات غرائبية تقترب من الشخصيات الخرافية الغربية،مثل شخصية جدّة كريستينا، تذكرنا بشخصية الساحرة العجوز الشريرة التي تطير على المقشّة، ويسوق لنا الكاتب أشكالًا وألوانًا من الخرافات التي تعشعش في عقلها المريض بالشك والكراهية، ومنها خرافة الفأر الذي اختبأ الشيطان في جسده ليتسلل إلى سفينة نوح الناجية:

" لولا الفأر لما كان في العالم مكان للشيطان بعد الطوفان الكبير"[46].

ثم تروي كريستينا حادثة المطاردة بين جدّتها والفأر الذي تواجد في حظيرة خنازير الجدة، كيف طاردته بعصاها، وهشّمت رأسه بها فانطلقت من فروه البراغيث التي لدغتها فماتت بمرض الطاعون، هنا يشير الكاتب إلى انتشار مرض الطاعون كوباء كبير اجتاح أوروبا في ذلك الوقت، الأجواء والحكايات الأسطورية التي تشبّعت بها كريستينا جعلتها تتهم جدّتها بنشر وباء الطاعون:

"... ربما تكون جدتي هي من نشرت الطاعون في الضيعة بسبب روح الكراهية التي تكمن بقلبها، أو أن الشيطان الذي أخرجته من الفأر سكن جسدها هي..."[47]

ابن ماريا أو ابن مجاهد، الذي لم يطلقا عليه اسمًا، ينادونه (ابن مجاهد أو ابن ماريا)، أو (ابن العذراء) الاسم الحقيقي للطفل المريض المشوّه الذي ولد بهيئة رجل عجوز، الذي أسمته ماريا وأخفته لاعتقادها أن العذراء ساعدتها في ولادتها بهذا الطفل، الطفل يذكرنا بفيلم (الحالة المحيرة لبنجامين بتن The Curious Case Of Benjamin Button) وهو فيلم بطولة براد بيت مأخوذ عن قصة قصيرة للأديب الأمريكي (فرانسيس سكوت كاي فيتز جيرالد) صدرت سنة 1921،

أيضًا (مارك) أخو كريستينا، تقدّمه لنا كريستينا بعد موته كشخصية أسطورية، تستطيع القيام بكل الأفعال الخارقة:

" كان مارك يقول لي أنه سعيد في عالمه الجديد، فهو يستطيع الآن أن يطير، وأن تسلق سحابة عابرة ، وأن يدخل إلى أي مكان ولو كان نفقًا شديد الظلمة أو غرفة أقوى النبلاء، أو أمواج هادرة في البحر الكبير، وكان يستطيع أن يسمع كل ما يفكر به أهل الضيعة كلهم، .... وهو يخبرني أنه يفتقد شعور الخوف الجميل الذي يحسّه وهو يقوم بأي من أفعاله الرعناء فيدفع الدماء في عروقه ساخنة ليكمل مغامرته...."[48]

رابعًا- المستوى النفسي:

1- المدخل السلوكي:

العديد من التساؤلات، تنوعت بين التساؤلات الوجودية الحائرة، عن القدرية والاختيار، بطريقة التقرير (لم أكن بالحقيقة مخيّرًا) ثم التشكيك (ظننت ذلك في البداية)وهل نحن مخيّرون أم مسيّرون، طريقة طرح التساؤلات على لسان بعض الشخصيات المشاركة هي بالحقيقة طرح من الكاتب على المتلقي لإشراكه في محاولة الإجابة عليها، وهي أيضًا حالة تقمّصية من الكاتب لكل شخصية من شخصياته بكل إرهاصاتها وانفعالاتها العقلية والنفسية الداخلية، وقد أعطى الكاتب الإجابات المباشرة أو السلوكية الإيحائية لبعض التساؤلات:

"... فيما بعد تيقّنت أنني كنت مساقًا إلى قدري، سيشغلني هذا الأمر كثيرًا فيما بعد، في كل ما حدث لي، لنا، للعشرين جميعًا، هل اخترنا أقدارنا أم سرنا إليها؟ لم أستطع الجزم أبدًا ..."[49]

وعن الرغبة والأمنيات، وعن اليقين والظن:

" .... خلعت ملابسي، القيت بنفسي في البحر، وكأنني سأخرج منه مخلوقًا جديدًا، كانت رغبة، أمنية، أم هو يقين بأن هذا سيحدث؟ لا يقين هناك لمثلي، تركت كل شيء لأجد اليقين، بدأت أرى ما لم أكن أظنّه موجودًا من قبل..." [50]

أسئلة فلسفية، عن العلاقة التاريخية بين اللغة والذاكرة، مَن بنى مَن؟ مَن الأصل ومن الفرع، تساؤلات متناسلة من استدراك، نجح الكاتب في تدريجها ضمن نظرية الاحتمالات والنفي، ليصل بنا إلى جواب بصيغة سؤال ينتظر الإجابة أيضًا:

(كيف عرفت لون الشبق في عينيه؟لقد كان يعطيني ظهره، لابد أن كريستينا هي التي أخبرتني فيما بعد، أم أنها غواية اللغة؟ .... أكانت ذاكرتي هي التي تكتب تلك الكلمات أم ذاكرة كريستينا؟ أم هي اللغة مرة أخرى تراوغ الذاكرة وتكتب نفسها لتبني ذاكرة أخرى تستمد من الكلمات قولها وليس من تراب ودم وحياة ؟)[51]

أيضًا تساؤل فلسفي عن ترتيب أحداث الحياة، التاريخ، هل ينبغي ترتيب أحداثه كما حدثت؟ وهذا تساؤل تشكيكي بصدق أحداث التاريخ، أيضًا باستخدام مبدأ الشك والنفي:

(.... من قال إنه يجب أن نرتب ما حدث كما حدث؟ من قال أنه حدث بالطريقة التي نظنه حدث بها؟ ..... سأرقم الصفحات، كيف فاتني هذا منذ البداية؟ كيف يمكن أن يُقرأ تاريخنا- هذا القدر من الحبر على هذا الكم من الورق- دون ترقيم؟ إنني أتوه فيه منذ الآن فكيف سأواصل، كيف يمكن أن يتتبعه أو يفهمه الآخرون؟)[52]

تساؤلات إنسانية اجتماعية طبقية وأحوال العالم الإنساني وتناقضاته، تساؤلات على لسان خلف الصقلبي:

" .... إن العبيد هم من يعاونون السيد المحارب، هم من يصنعون، وهم مع رقيق الأرض من يزرعون، فهل يمكن أن نتخيّل العالم بلا عبيد؟ هل يسمح لي الخلفاء والباطرة واللأمراء من جميع الأديان وممن ليس لهم دين أن أمحو كلمة عبد من عالمهم؟ كيف سيكونون سادة وأنصاف آلهة وآلهة إن لم يكن هناك عبيد؟ " [53]

تساؤل وجودي عن سر عدم اكتمال الإنسان، عن الحكمة من ذلك، تساؤل من العمق، لا يلفظه اللسان،ويبقى بلا جواب:

".....ألم يكن جديرًا أن يُخلق كائن أكثر نبلًا وأقل تعاسة ؟!"[54]

2- المدخل التقمّصي:

استطاع الكاتب كما قلنا سابقًا أن يتقمّص الأفعال المحفّزة والاستجابات السلوكية، ويوظّفها عند العديد من شخصيات العمل، كما استطاع أيضًا أن يتقمّص المواعظ التي خرجت كنتائج للتجارب الحياتية، فكان جواب الصقلبي هو جواب المنطق الذي يركن إليه توتّر السؤال، فالتقسيم الطبقي هو قدر الله في عباده، أن يكون عالمهم على طبقات، وتكون الحرية هدفهم السامي، إن شاؤوا أن يطلبوه:

"... إنك لن تغيِّر العالم، لكن أن تحرّر عبدًا واحدًا يكفيك، وأن تحرّر أكثر من عبد فهو المجد في الأرض والسماء،.... بعضهم أصبح عبدًا حتى النخاع، روحه عبدة؛ لا يفهم الحرية، ولا يستطيع أن يعيشها، فإن لم يستعبده أحد استعبد نفسه لأي إنسان...."[55]

في مفهوم الروح والسكينة، يربط بين الزهد والمدد الإلهي، بأسلوب صوفي، يقول عيسى بن أحمد:

".... ليالي طويلة أقضيها مع ربي ، أقرأ القرآن، وأصلي، وأبكي، وأدعو، وأبحث عن نغمتي المفقودة، فلا تعود الروح سوى بسكينة غير كاملة، أعلم أن سطحها هش لن يقاوم براكين قلقي العميقة. لكنني كنت أيضًا أعاين ما لا أستطيع أن أقصّه، فلو حكيته لانقطع مدده عني، كان شيخي يقول: إن رأيتم الرجل يفشي ما بينه وبين خفي الألطاف من أسرار ولطائف؛ فاتهموه!"[56]

هناك فقرة أكثر من رائعة وردت في الرواية، بين الوجودية والإيمان، حديث عن الحكمة وعن الأخلاق، بين عيسى بن أحمد الذي يمثّل تيارًا صوفيًّا، والذي يبحث عن الحكمة بالعزلة، وبين سعيد الإشبيلي الذي يبحث عن الأخلاق بمخالطة الناس والتعامل معهم:

- أنت تبحث عن الحكمة.

- وعما تبحث أنت؟

- عن الأخلاق.

- وهل وجدتها؟

- كان أحد شيوخي يقول إننا نجد الحكمة في العزلة، وستجد ما تبحث عنه يا عيسى، لأن العزلة في النهاية أمرها بيدك، تختارها، وترغم نفسك عليها، ثم تعتادها.

- وماذا كان شيخك يقول عن الأحلاق؟ كيف يمكن أن تجدها ؟

- في السوق بين الناس، وهذه هي معضلتي.

- وما المعضلة يا إشبيلي

- في معترك الحياة ينسى الناس الحكمة إلا ما يجعلهم يفوزون، وينسون الأخلاق إلا ما يكون في مصلحتهم، ولا سلطان لمثلي على هذه الفوضى الإنسانية

- ربما لربك حكمة في هذه الفوضى

- أكيد هو له حكمة، لأنه إذا لم تكن خلف كل هذا حكمة فلن يكون ثمة إله من الأصل، لكن المشكلة أن عقلي لا يستطيق أن يحيط بهذه الحكمة في سعيه لمعرفه كنه الأخلاق ، وكيفية التأثير فيها.

- ولماذا تريد أن تؤثّر في الأخلاق؟

- أنا يهمني التأثير لأنني أريد أن أغيّر العالم.

- أنا لو استطعت أن أغيّر نفسي لعددتني من السعداء

- هذا هو الخلاف الجوهري بين ما يطمح إليه كل منا، وهذا ما يجعلني أثق أنك ستصل بقدر ما أثق أنني لن أصل إلى شيء. [57]

3- المدخل العقلاني:

تناص الكاتب مع كل من كتب الروايات التاريخية المعاصرة التي تسقط الحاضر على الماضي، وتحاول قراءة الحاضر بالاعتماد على أسباب ومجريات الماضي، وتحاول استشراف المستقبل، آخذة بعين الاعتبار نتائج الوقائع التاريخية، أمثال أمين معلوف، ومعروف أرناؤوط، كما تناص تناصًا كبيرًا مع ماركيز جاريسيا في واقعيته السحرية، سيما في (مئة عام من العزلة)، ورواية منير عتيبة (موجيتوس) هي مئة عام من الغربة، اغتراب الروح التائهة عن السكينة والطمأنينة والاستقرار، في كل صراعاتها، انتصاراتها وهزائمها.

الخاتمة:

الحقيقة أن الرواية ثرية جدًّا مضمونًا وشكلًا، وإن كانت ثيمتها العامة تاريخية،إلا أنها شذية بعبق الرومانسية والروحانيات الشفيفة، رواية رغم أحداثها القاسية حيث يتربع الموت على ذروتها، إلا أنها رواية مادتها الإنسان الذي يمسرح قضاياه بكل نتائجها الخاسرة والرابحة على مسرح الحياة، ومازالت المسرحية مستمرة....

أعترف أنني لم أتناولها بالاستحقاق الذي هي جديرة به، وإن تمكّنت من تقديم إفادة في هذه الدراسة فالفضل لعلمية المنهج الذرائعي، والآلية التي مكنتني من ترتيب مستويات الدراسة، وإن التقصير مني والكمال لله.

كل التقدير والأمنيات الطيبة للأديب منير عتيبة بالمزيد من المنجزات الأدبية الإبداعية المبهرة.

 

بقلم الناقدة السورية:

د. عبير خالد يحيي – الإسكندرية

...........................

 

[1] - الملحمة في الإنسكلوبيديا الإنسانية – كذلك صلاح السروري، بعض قضايا الرواية ، الحوار المتمدن ، العدد 6310- 2019/8/4

[2] - جورج لوكاش – الرواية التاريخية - ترجمة د. صلاح جواد كاظم- وزارة الثقافة والإعلام- دار الشؤون الثقافية العامة – العراق بغداد – أعظمية – الطبعة الثانية 1986

[3] - الذرائعية بين المفهوم الفلسفي واللغوي – تأليف / عبد الرزاق عودة الغالبي – تطبيق /د. عبير خالد- الطبعة الأولى 1440 هجري- 2019 م – دار النابغة للنشر والتوزيع – طنطا – الصفحة 160

[4] -الرواية التاريخية بين التأسيس والصيرورة – سليمة بالنور – الجزائر- مجلة عود الند الثقافية الفصلية العدد:93 2014/03

[5] - غنيمي هلال: الرومانتيكية – دار العودة – بيروت – ط6- 1981- ص 213

[6] -غنيمي هلال – نفس المصدر السابق

[7] - حلمي القاعود: الرواية التاريخية ، الهيئة العامة لقصور الثقافة – القاهرة – مصر – 2004 - ص 320

[8] -فيصل دراج: الرواية وتأويل التاريخ – ص 84

[9] - موجيتوس – ص 253

[10] - موجيتوس – ص 51

[11] - موجيتوس – ص 27

[12] - موجيتوس صفحة 65-66

[13] - موجيتوس –ص 72

[14] - موجيتوس – ص 55

[15] - موجيتوس ص 57

[16] - موجيتوس – ص250

[17] - موجيتوس – ص 252

[18] - السارازين: مصطلح استخدمه الرومان للإشارة إلى سكان الصحراء في إقليم البتراء الروماني، ثم أصبح يطلق على العرب - ويكيبيديا

[19] - موجيتوس – ص 164

[20] - موجيتوس – ص 185

[21] - موجيتوس – ص 266

[22] - موجيتوس – ص 188

[23] - موجيتوس – ص 28

[24] - موجيتوس – ص 187- 188

[25] - موجيتوس – ص 227

[26] - موجيتوس- 114

[27] - موجيتوس – ص 5

[28] - موجيتوس – ص 5

[29] - موجيتوس- ص 269

[30] -موجيتوس – ص 247

[31] - موجيتوس- ص 248

[32] - موجيتوس – ص 249

[33] - موجيتوس – ص 88

[34] - موجيتوس – ص 8

[35] - موجيتوس- ص25

[36] 0 موجيتوس – ص 16

[37] - موجيتوس- ص 17

[38] - موجيتوس – ص 238- 239

[39] - موجيتوس – ص 263- 264

[40] - موجيتوس – ص 151

[41] - موجيتوس – ص 150 - 151

[42] - موجيتوس- ص 153

[43] - موجيتوس – ص 153

[44] - موجيتوس- ص 113

[45] - موجيتوس – ص 235

[46] - موجيتوس- ص 204

[47] - موجيتوس- ص 205

[48] - موجيتوس- ص 156

[49] - موجيتوس – ص 32

[50] - موجيتوس- ص 32

[51] - موجيتوس – ص58

[52] - موجيتوس- ص 59

[53] - موجيتوس – ص 94

[54] - موجيتوس- ص 197

[55] - موجيتوس- ص 95

[56] - موجيتوس – ص 147

[57] - موجيتوس- ص 196- 197

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5325 المصادف: 2021-04-04 23:55:47


Share on Myspace