 قراءات نقدية

احمد عواد الخزاعي: الاسطورة والدين والتراث.. في رواية (فقيه الطين)

احمد عواد الخزاعيلغة سردية هجينة، غريبة على طبيعة السرد الروائي، تتأرجح بين الشعر والنثر، تنتج عن سارد خارجي، يروي قصة مواطن عراقي مثقف يعيش ارهاصات الفوضى السياسية القائمة في العراق، في رواية (فقيه الطين) والصادرة عن دار الشؤون الثقافية 2019 اختار واثق الجلبي لنصه، شخصية محبطة قلقة حائرة لا منتمية ايدلوجيا او حزبيا (احاط حياته بجدار عازل غير راغب بدخول احد الفوضويين في حياته.. ولان المجتمع كان منفتحا على ثرثرة فانه اقفل مساحاته بالغموض .. لا يريد ان يغضب من احد عاش كسيكارته غارقا بالدخان غير الموجه الا اليه).. لكنها في نفس الوقت شخصية اشكالية ناقمة، تمتلك رؤية فاحصة واعية لما يدور حولها، هذه الشخصية التي غابت ملامحها المادية وتفاصيل حياتها الخاصة، حتى تحولت الى بؤرة أنطولوجية داخل النص، فقد وصف الكاتب لنا الحالة النفسية لبطله في عملية افصاح خارجية الهدف منها التعرف على الدوافع النفسية لسلوكه (تناول يومه الاول بعد بلايين الثواني المتأرجحة بين البكاء والقلق والقرف والجوع في عراق كلاب السياسة) .. افكار ورؤى تنهال متدفقة على شكل تداعيات حرة، يرويها السارد العليم مصوراً الحالة التي يمر بها بطله، حتى اننا لا نستطيع التمييز في كثير من محطات النص بين الروائي وبطله، وهنا يبرع واثق الجلبي في كيفية صياغة نص يستطيع الكاتب ان يتوارى خلفه بحرفية.. هذه الرؤية الناقمة لبطل النص عن محيطه الاجتماعي تولد لديه رغبة جامحة في البحث عن حروف اسم شخصية اسطورية، ربما تكون طوق النجاة لمجتمعه والانسانية جمعاء، استحضار لمفارقة ميثولوجيه ازلية تحاكي (البطل المنقذ) التي وردت في ادبيات جميع الاديان حتى الوضعية منها، هذا البحث المضني يتكلل بحصول البطل على الاحرف الثلاثة لاسم البطل المنقذ .. هذا ملخص موجز لنص معقد يحمل انزياحات فكرية وفلسفية كبيرة، يلامس الواقع المعاش للحظة، ثم يغرق في تداعيات تستمر لعشرات الصفحات، الهدف منها استخلاص تلك الاحرف التي تشكل اسم (فقيه الطين).

اهم خصائص النص:

اولاً- اللغة : تميز النتاج السردي لواثق الجلبي بتفرد اللغة، التي تشكل حجز الزاوية في نصوصه الروائية والقصصية، حتى انها تهيمن على الاحداث وحراك ابطاله في معظم هذه النصوص، هذه اللغة التي توسطت بين الشعر والنثر واتخذت لها بين ذلك سبيلا، تثير اسئلة مهمة حول موضوع (التجنيس) بالنسبة لهذه النصوص.. وهل يمكن ان نطلق على ما نقرأه لواثق الجلبي بأنه (رواية ، قصة)؟ ام ان هذا المنحى اللغوي الغريب يحيلنا الى جدلية ادبية نبحث من خلالها عن مسمى اخر لهذه النمطية الهجينة ؟

من يقرئ النصوص السردية لواثق الجلبي يلاحظ ان هناك استثمار للغة الشعرية في البناء السردي، مع المحافظة على تراتبية النص الأرسطي (بداية، ذروة، حل) بضبابية متعمدة تشوب التفاصيل الجزئية والثانوية للنص .. في رواية (فقيه الطين): غابت التفاصيل الضمنية المكملة للنص السردي مقابل هيمنة الانزياحات والانثيالات اللغوية، وغاب الوصف مقابل شاعرية اللغة،  وغاب التشيؤ مقابل الايحاءات اللغوية، وغاب عنصر الزمان مقابل الانتقالات اللغوية .. (تمتمات الاسى تضرب بجراتها عليه منتظرة عودة الزمن ليغتال نفسه او يبيدها سرابا لا يقترب اليه احد .. في تضمينه احداث وعوالم مختلفة كانت اشد فتكا من النعومة.. اشتعاله الدائم كان ترنيمة خلود لا تعرف السكينة.. عيناه تتخللهما عودة مرضية لشبق السلالم المتاخمة للفلسفة الطامحة) .. هذه البدائل التي طرحها واثق الجلبي ربما تؤسس لنمطية جديدة في السرد بدأت بواكيرها في اول مجموعة قصصية له (قشرة الملح).

2369 فقه الطيناحتوى النص على الكثير من المفردات الغريبة القليلة التداول مثل (اماليد)، اضافة الى ميل بعض الحوارات الى (الخطاب المسرحي) كما في هذا النص الذي يمثل حديث يوجهه البطل الى فقيه الطين (ايها الفقيه الذي احمل منه حرفا ناولني بقيتك..).. اضافة الى وجود مقاربات لفظية (تناص قرآني) كما في هذه الامثلة :

1- لاريب فيه .

2-  اربعين سنة مما يعدون.

3-  بلسان عراقي مبين.

4-  التقطه بعض السيارة.

وقد لجأ واثق الجلبي الى (التضاد اللغوي) للتعبير عن حجم المتناقضات التي يعيشها بطله، وانعكاساتها على احاسيسه ومشاعره ومواقفه اتجاه الاحداث المحيطة به:

1- اقام عزاء السعادة في سرادق الوهم.

2- دخل في ظلام الشمس.

3- الصوت يقتلع بالبرودة الساخنة .

4- في خضم الانتهاء من سكرات صحوته.

5- شادخا قلبه ومالئا توابيت صدره بالهناء.

ثانياً - السارد العليم: هيمنت ثقافة السارد العليم (الروائي) على النص وعلى بطله، ثقافة موسوعية سخرها واثق الجلبي لإثارة الكثير من الشكوك والتساؤلات عن (اصل المعرفة، الحكمة، التصوف) اضافة الى محاولته لإبداء آرائه الناضجة وتعليقاته على احداث ومسلمات تاريخية، او يعتقد الكثيرين انها كذلك، وتساؤلات في بؤرة العنونة تبين قصدية النص، كان البطل هنا مجرد اداة لاوجود مادي لها، غير كونه شماعة تُعلق عليه اراء وتصورات الروائي السياسية والثقافية، فقد عمد واثق الجلبي على احدث تعالق أنطولوجي بينه وبين بطله يصعب الفرز او التمييز بينهما، وكأنه شريك معه في هذا المأزق التاريخي..  وقد وضع الروائي لنصه معادل موضوعي يتلاءم مع طبيعته واهميته، من خلال زج البطل في عملية البحث عن (الحكمة، الكمال، العدل، القيم المطلقة) المتجسدة في فقيه الطين لذا كان (البطل = قيمة الحدث) من حيث حضوره المعرفي والثقافي وحجم التداعيات التي يمر بها ومستوى الاحداث السياسية المحيطة به (هناك دسائس توضع بالمصطلحات والاسماء لكن الحكمة التي يتبرا منها الجميع تقريبا كانت اشد ثباتا من التخلل الذي اطاح بأغلب الاسماء فالطبقية ليست عدالة عند البعض والحكمة تقضي ان يبقى الانسان باحثا على الاجوبة لو استغرقت ذلك لبعض الحيوات).. التعالق الفكري والمعرفي الذي اشرنا اليه، بين الروائي وبطله نجده عبر انتقالات مفاجئة في السرد، بين المفرد الغائب (هو) الى صيغة الجمع الحاضر (نحن).. واستعماله صيغة الجمع (نلجأ) بدلا من المفرد (يلجأ).. هذا الامر يتكرر في البناء السردي للنص بطريقة ملحوظة بالرغم من غرابته على هيكلية لغة النص.. عملية التعميم هذه تشير الى رمزية البطل، كونه يمثل ايقونة لكل مثقفي العراق (هل سنأكل الجثث؟ ميزانيات مصدرة الى خارج الافق ..ثعابين الجوع في كل مكان .. ماذا نكتب؟ ماذا نقرا؟ من يقرا؟ من يكتب؟ من يرضى ان نقتل جميعا؟ اين المال؟ وحشود الفقراء تلاحقنا.. ووزارات تقتل الاف العمال .. لا راس معي ؟؟ لا عنوان.. لا اشبه موتي ..لا اشبهني .. كيف نعيش؟ في هذه الدولة سنوت حتما .. سنقتل نحن واولادنا وستسبى نساؤنا .. هل هذا ما يريده السياسي؟).

ثالثا – فقيه الطين : لماذا اختار واثق الجلبي هذه الثيمة الغرائبية في تعاطيه مع الواقع المرير؟  شكل المُنقذ ركيزة مهمة في ادبيات الاديان، واصبح امل لكل الاثنيات الدينية والاقليات القومية المستضعفة عبر التاريخ، ومأمول مُعول عليه في انتصار الحق، ونشر الفضيلة في ارجاء المعمورة.. هذه الميثولوجيا الدينية التي تحولت مع الزمن الى حقيقة اجتماعية تتعايش معها الكثير من الامم والشعوب على مر التاريخ، كان لجوء الروائي لغرض استحضار القيم المطلقة التي تمثلها، والتي تلاشت في عصرنا واصبحت ازمة الانسان المعاصر، وربما تكون ذات تأثير اكبر في مجتمعنا العراقي الذي تعايش مع هذا المفهوم لقرون طويلة، لذا كانت الحاجة الى اسقاط هذه القيم السامية على واقعنا العراقي المعاش.. او قد يكون هذا الاستحضار ناتجاً عن يأس وعجز وغياب القدرة على تغيير الواقع، في عملية تناص مع (غودو) الحاضر في ذهنية المستضعفين (الغائب) عن ارض الواقع (الانسان ظل الله وظل الانسان هو الملك الذي يشبه مرآة السماء الانسان العراقي الذي بدا منه العالم والذي انقذ العالم بالعلم وبالسفينة هل استسلم الان ؟ حاول ان يقدم شيئا بعد معرفته لفقيه الطين فهو يحاول ان يجده لينقذ العالم بالمعرفة ولكن هل هناك وقت للإنقاذ ؟ ام انه سيؤسس  لشيء يستغله الاخرون ؟).

رابعا – عرقنة النص: هي ظاهرة ادبية عراقية برزت بعد الاحتلال الامريكي للعراق 2003 تميزت على المستوى السردي الروائي، حيث برز كتاب تناولوا العراق ماضيا وحاضرا كقيمة عليا، محاولين خلق ثقافة مضادة لكمية الفوضى والخراب اللذان حلا به، فهي تجربة ثقافية لإعادة الوجه المشرق للعراق وابراز دوره الريادي والحضاري والانساني على مستوى البشرية جمعاء، من خلال رؤية موضوعية مجردة تسعى الى ربط جميع وشائجه عبر التاريخ، وصولاً الى العصر الحديث.. رواية (فقيه الطين) بانوراما تاريخية بأسلوب حداثوي معاصر، تزخر بشواهد الاسطورة والدين والتراث، جعلت من فقيه الطين عراقيا صميمياً، متعكزة على الدور الريادي والحضاري للعراق عبر التاريخ، ولهذا لابد من ان يكون فقيه الطين عراقياً.. لذا نجد الرواية حافلة بكل ما هو عراقي عبر التاريخ:

1- نوح النبي العراقي الذي انقذ البشرية (يتحسس سنينه التي غادرت مع سفينة نوح العراقي).

2-  ابراهيم النبي العراقي، مؤسس ديانة التوحيد.. واب الديانات الابراهيمية.

3-  كلكامش واسطورة الخلود.

4- النخلة العراقية (نخلته النيسانية تستبد بحكمتها العراقية).

 

احمد عواد الخزاعي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5331 المصادف: 2021-04-10 02:06:38


Share on Myspace