 قراءات نقدية

نجيب طلال: في أفق تنظير للمسرح الكوروني (2)

نجيب طلالربط الفجوة: مبدئيا ندرك جيدا؛ أن هنالك أيادي تتلصص تجاه ما ننشره؛ وتسعى لا ستتماره بأساليب مختلفة وفي مواقع متنوعة؛ وهذا تبث ما مرة؛ ولا داعي لإحْراجهم، لأنهم أصلا محرجين بضعف تفكيرهم؛ وبالتالي ففي سياق ما ورد سلفا؛ تبقى تلك خطوط عَريضة؛ لإعادة النقاش بصيغة الألفية (الثالثة) وبصيغة عَوالم (الرقمية) لمسار المسرح في المغرب؛ ونشدد على (في) باعتباره فن مستورد؛ ولا يمكن أن نغالط أنفسنا في هَذا المضمار؛ وما(تلك) المحاولات في البحث عن اشكال (ما قبل مسرحية) ماهي إلى لغم سياسي لترسيخ ما يسمى (المسرح الشعبي) وما هو بـ(شعبي) لأنه يقام في قاعة عَرض ذات طابع (غربي/ إيطالي) والمسرح في إطاره العام هو (البناية) مهما تفاقم الجدل. أما المسرح الشعبي حقيقة؛ لا يتم إلا في الساحة العامة، لأنه قرينها مثل (مهرجان أفينيون) . وبالتالي فمسألة (البساط) ليس شعبيا لأنه سليل البلاطات؛ و(سلطان الطلبة) بمثابة مقايضة سياسية بين الحاكم/ الطلبة و(الحلقة) نتاج تذويب وتخفيف من آلام تهجير ساكنة البوادي وتوطينهم في بوادي أخرى نموذج قبيلة (بني هلال) في عهد الموحدين، وأكبر الهجرات تمت في عهد مولاي اسماعيل وابنه مولاي عبدالله، دون أن نغفل عهد المرينيين. والغريب أننا لا نتوفر على دراسات أنتبرولوجية ولا سوسيولوجية نوعية . تكون سندا في الدرس المسرحي. فقط شذرات عَشوائية لا تستند للعلم والحفريات؛ والسبب يتعلق ببنية التعْقيد النسقي في هاته الظواهر. وبالتالي فالتنظيرات التي كانت تنزل في المشهد المسرحي؛ كأننا في (سوق الدلالة) ليتحول نبل المسرح وعمقة للمناورات والمساومات والصراعات؛ رغم أهميتها فلم تستتمَر لبناء فعل مسرحي قوي وفعال؛ فانهار كل شيء تحت غطاء التنظير المسرحي؛ لأن السياسي هو الذي كان يتحكم فيها؛ لتوجيه المسرحيين؛ لما يهدف إليه . ونركز هاهنا فالسياسي يشمل حتى الحزبي باعتباره فاعل سياسي جوانية السلطة السياسية ذات سيادة التحكم في البنية العامة؛ وكذلك كل المتدخلين باختلاف تعبيراتهم الفئوية والطبقية في إنتاج السلطة وتنفيذها.

وهنا نشير من أوحى بتمظهر (الملتقيات المسرحية) التي لم توثق (؟) ولم تنجز حولها بحوث (؟) لملامسة أسباب النزول والوضع الجيوسياسي الذي كان فاعلا أنذاك . فظاهريا بعض الجمعيات والاتحادات المسرحية هي التي كانت في الواجهة التنظيمية؛ لكن كانت هنالك أجندة سياسية مبطنة في [سنة الثقافة] في ذاك الوقت؛ فأوكلت للمجالس البلدية (آنذاك) ولبعْض الجهات دعمها؛ بحيث نلاحظ أن ولادتها كانت غير طبيعية وموتها طبيعي؛ للوصول إلى (الاحتراف) الذي هَرول إليه الكل تاركين إرثا ثقافيا / مسرحيا؛ رغم المعاناة والمضايقات والمناورات السياسية الملغمة تجاه الجمعيات وعروضها؛ فالكل نسي ذلك (تقريبا) ونسوا أنه (كانت) هنالك عُروضا تشارك في الإقصائيات المحلية / الجهوية/ لمهرجان مسرح الهواة. تعرض في قاعة فارغة من جمهورها (إلا) من اللجنة المشرفة على اختيار العُروض(!) نسي بعض من كان يُستدعَى ضمن اللجن؛ لتلك الضغوطات التي كانت تمارس عليه؛ وعلى غيره. من لدن الجهة المسؤولة لترشيح/ اجتياز (عرض) مسرحي(معين) ليخون نفسه وضميره ويضرب التعاقد المبدئي عرض الحائط وتلطيخ ممارسته المسرحية. ففي ظل ماكان يتبن أن السياسي أقوى من المسرحي.

فجْوة الفجَوات:

ولقد تبين هذا بالمكشوف؛ إبان الهجمة الشرسة لفيروس (كورونا) اللعين. الذي غير ملامح الحياة في رمشة عين؛ محْدثا بذلك دينامية الارتباك والفوضى وحالة الهلع من الموت؛ وإفشال نشاط وحيوية البشر وطقوسه اليومية؛ ليلج مرغما في متاهات القلق والخوف من المجهول والأفق المنتظر . بحكم أن [الوباء/ الفيروس] هَدد كل المجالات الاقتصادية والإجتماعية والثقافية؛ مساهما بشكل فظيع في إحْداث فجوة الفجوات (أي) تفاقم حدة الحاجة والفقر والاحتياج وبروز تفاوتات في الشريحة الإجتماعية والفئوية والجهوية والمجالية كذلك، فازداد الوضع اتساعا وانتشارا؛ وإن سعَت السلطة السياسية فرض نفسها للسيطرة عَلى (الوباء) من خلال تدابير احترازية؛عبر بلاغات الحجر الصحي وحظر التجوال والتباعد وعدم التجمعات وبقية التدابير الأخرى؛ وهنا فحال المسرح وفنون الفرجة بدورها أمست تعيش نفس الوضع؛ وخاضعة للشلل التام . مما تفاقمت العَطالة والإفلاس وانهيار الطموحات والمشاريع الإبداعية والفنية؛ مقابل هذا برزت نداءات - ثلة – من الفنانين، وظهر التهافت عن صندوق تدبير الجائحة؛ وإن خصص أساسا للفئات الأكثر هَشاشة وتهميشا وللحِرف غير مهيكلة. وبالتالي فها هَو (الفيروس) يتولد كسلالات؛ مما فرض على كاهلنا تحديات الاستجابة لمضامين التدابير الاحترازية؛ فرغم بعْض الهمسات والنداءات لفنانين مسرحيين والتي (كانت) باحتشام تطالب بفتح [قاعة المسارح] والبعْض يطالب بفتح [دور الشباب] وهي مخصصة أساسا للمواهب والشباب والمراهقين (لتعْديل سلوكياتهم) و(التكيف) مع المحيط سوسيو ثقافي/ الرياضي . وليس (للمحترفين) في المسرح ؟ وهَذا موضوع عريض جدا. فالوضع لازال كما هو(أي) الإغلاق الشامل لقاعة العروض ودور الثقافة والشباب؛ وازدادت حدة الحجر وحالة الطوارئ، بتمظهر المستجد من سلالة (كورونا) ولربما الوضع الإجتماعي والصحي سيزداد تعقيدا؛ وستزداد الفجوة فجوات؛ وبالتالي ما مصير المسرح والفنون الفرجوية؛ والتي تعَد إكسير وجرعة حياة الروح؛ بغض النظر عَلى أنها إتباع وليس إبداع صرف، ذو خصوصية متفردة في معْمعان الوضع [الكوروني] باعتبار أن تاريخ الأوبئة يمنحُنا رصدا منطقيا؛ بأن الحياة الطبيعية ما بعْد الجائحة لا تستقيم إلا بعْد (أربع أو خمس سنوات) بالتقريب. هَذا إذا حاولنا أن نناقش طبيا / صحيا: متى يمكن أن يتم تلقيح كل ساكنة المعمور؛ لتحقيق المناعة الكلية بين البشر والفيروسات؟ أسئلة وتساؤلات تتناسل وتتشعَب في الزمان والمكان . ولكن لنذهب لفكرة هنري برغسون؛ الذي يركز على أن الواقعي أكثر من الخيالي، حين مُعاينته عن قرب. وها نحن نعاين جائحة ومؤثراتها معايشة؛ وبالتالي فالوضع المسرحي الآن يتطلب تحديات والتي يطرحها الواقع [ الكوروني] بين الممكن والمحتمل والذي أحْدث تغييرا في البنى الإجتماعية والفكرية؛ وفي سلوكنا ونظام حياتنا؛ يفرض علينا خيارات ثلاث: إما الانقراض وهذا يقاومه كل كائن حيواني/ نباتي؛ ولا يمكن للمسرح أن ينقرض إلا بنهاية البشرية. وإما الهجرة إلى مجتمع آخر وهذا من باب الاستحالة الآن، وإما التأقلم والتكيف. مع الوضع؛ وبالتالي فقوة المسرح مهما كان توجهه؛ فإنه يتجدد بتجدد الأزمنة، ويتطور بتطور الظروف والأحداث والملابسات. لكي يحقق عمْق كینونتھ الحقيقية .

ردْم الفجْوة :

هُنا الإشكالية؛ بأن أغلبية المسرحيين لم يستطيعوا ردم الفجوة؛ليظل المسرح روحا متجسدة في المشهد الثقافي/ الفني؛ بحكم أنهم لم يستوعبوا شروط الظرفية. التي أمست واقعا لا مفر منه؛ بأن (كورونا) كشفت عن مدى ضعف الكثير من الدول في مواجهته . هكذا فارضا نفسه - كينونة - لامرئية في عالمنا الواقعي والمتخيل؛ وسعى بثقله وشبحيته اختراق عوالم الإبداع والسرديات والنسق الرمزي الذي يحركنا. مما يدفع بالكل عمليا الانخراط في الصراع المفروض حتميا؛ أما على مستوى المسرح والإبداع؛ فلا محيد من تغيير جوهر المعادلة لصالح المسرح . وذلك من خلال ابتداع أشكال فنية جادة تبرز تلك الأفكار الرافضة ضد الشلل والانقراض. الذي يهدف إليه الفيروس (كوفيد 19 وسلالته) علما أننا اليوم نعيش في عالم رقمي؛ ضاغط، يفرض علينا التكيف والتعامل معه بأي شكل من الأشكال؛ بناء على البحث عن نفسنا وطموحاتنا بأنفسنا؛ وإلا سنكون كائنات أثرية/ ميتة. وبالتالي فالمسرح لم يعُد يخضع للأساليب المتعارف عليها وللمنظور الأرسطي أوْ ما بعْد ... بل أمْسى انعِكاسا للتطور المجتمعي بشتى أشكاله، فالطروحات الحالية : ك[ ما بعد الحداثة / ما بعد الدرامية/ ....رغم ضبابية المفاهيم؛ نتيجة تداخل التصورات والرؤى والدراسات الفكرية والسوسيولوجية والإقتصادية والجمالية في المفهوم؛ وتفريع أعمال وتجارب كمسرح التشظي/ مسرح الهيستيريا الوجودي الذي أسسه ريتشارد فورمان(امريكا) لكن (الآن) ففيروس (كورونا) ساهم في خرق وردم كل الأسس والقواعد المسرحية المتعارف عليها. بما فيها الجمهور . الذي لا خلاف ولا نقاش بأنه هو العين الأساس لكل عَرض مسرحي؛ وأبعَد من هذا فالجماهير روحه الفعالة في ديناميته وتفاعلاته . هنا فمن الطبيعي أن يتفاعل المسرحيون مع الشبكة العنكبوتية ويستغلونها أيما استغلال وخاصة مواقع التواصل الاجتماعي التي تتوفر على فاعلين و جماهير ومريدين؛ لأنها هي المستقبل وما بعد المسرح المباشر. فها هي : وزارة الثقافة والشباب والرياضة ابتدعت تصورا؛ انطلاقا من دعوتها لتقديم عروض مسرحية في قاعات فارغة؛ عروض بدون جمهور، يبدو أنها [دعْوة ]مجانبة لروح المسرح؛ ورغم ذلك لم يتم التعقيب أو الاحتجاج عليها؛ باستثناء تموقف المسرحي(ع المجيد فنيش) اعتبره قرارا عبثيا؟ لكن قبل هذا القرار؛ فالمقابلات الرياضية في بلادنا وفي العالم كله (لحد الآن) كلها تقام بدون جمهور؛ لكن البعْض منها يدرج للمشاهدة- تلفزيا- وعبر وسائط التواصل.

إذن؛ فلماذا لم يضع المسرحيون هاته الدعوة كأرضية للنقاش الجاد؛ كأفق عملي / تنظيري. لأنها هي المدخل لمابعد كورونا؛ لتفعيل وترسيخ [المسرح الافتراضي] شئنا أم أبينا؛ وبالتالي فلا مناص من الذين يتفلسفون ويتفقهون في المسرح اتباعا وابتداعا لمختبرات عالمية/ دولية؛أن ينزلوا لمعمعان الفعل الرقمي؛ ومحاولة البحث عن أفق لصيغ نظرية التنظيرية لمابعد – كورونا- لكي تكون ملائمة للتطور التكنولوجي وللجيل الرابع؛ وذلك لتجاوز الفشل الذريع الذي سيلحق المسرح في المغرب . لأن المسرح التفاعلي/ الرقمي/ الافتراضي/ فمثلا فجل أعمال شكسبير التي عرضت على الركح؛ في مرحلة السبعينات من (ق، م) تحولت إلى أشرطة سينمائية كماهي؛ وليتذكر من كانوا منخرطين في الأندية السينمائية؛ وأقرب من ذلك لدينا مرجعية في التمثيلية الإذاعية؛ وإن كانت تعتمد على الصوت؛ فتأكيدا مازال الصوت حاضرا لأنه هو (الإنسان) في حد ذاته؛ وبقوة يغري عشاقه ويستقطب المزيد منهم، والأجمل في التمثيليات الإذاعية؛ أنها تساهم في إطلاق العنان لمخيلة المستمع ليسبح في ملكوتها؛ بذلك ناسجا صورا تخييليه لأمكنة الأحداث؛ وفي وضعنا الحالي(الآن) بنقرة واحدة على جهاز الهاتف أو الكمبيوتر؛ نستمتع بفرجات إبداعية . من هنا فوسائل التواصل الإجتماعي،تكشف لنا أنها خادمة ومسخرة للإبداع، وليست وسيلة لردمه . بحيث يلتقي الصوت/ الصورة في تركيبات وتلوينات غريبة وخادعة وساحرة؛ والمسرح فن سحري؛ وفي زمن الرقمي؛ سيزداد سحْرا؛ أليس كذلك؟ هو كذلك؛ لكن هنا أي تنظير سيليق بمرحلة ما بعد جائحة كوفيد – 19 وسلالته؟

 

نجيب طلال

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5340 المصادف: 2021-04-19 01:15:59


Share on Myspace