 قراءات نقدية

نور الدين حنيف: مقدّمة في ديوان (سر النّونْ) للشاعر الزجال فؤاد البياز القاسمي

نور الدين حنيفتوطِئَة: نقول في عبورالمسافات المتخيلة للشِّعرية الزجلية في ديوان (سرْ النّونْ) للشاعر الزجّال المتميز ( فؤاد البياز القاسمي): إن الفرادةَ في الصوغ الزجلي تتأرجح بين خطابين وكلاهما ديناميكي ومتغير. الأول يمتح من لغة (المرڭد) والثاني يستضيف الحداثة في تجلياتها الماكرة . والمزيج المتجانس  جاء مخيالاً عاميا ينضح بالغناء، لا في تجليه الإنشادي فحسبُ، وإنما في بعده الجواني الغارف من الوجدان المغربي الجمعي والذاكرة التراثية معاً .

و في هذا السياق النظري، ندرك قدرة الشاعر الزجال (فؤاد  البياز القاسمي) على تطويع المخيال في مساجلَة أسرار الكلمة المخزونة في أتونِ علامةِ " النّونْ " الحاملة لأكثر من دلالة، لينتج في الساحة الثقافية المغربية خطابا زجليا  جديرا بالجدّة وقوّةِ الاقتراح لذاتِه كذائقة خاصة، ببصمة أخصّ، تقرأ الماحولَ في علاقته بالذات، وتقرأ الذاتَ في علاقتها بالواقع قراءةً تكرّس فعل الهوية خارج المساحات الجغرافية إلى آفاق الرحابة الإنسانية الضاغطة بكفٍّ حريرية وجمالية على منطوق الزجل كي ينخرط في صميم الإبداع الكوني، حتّى وهو يمتطَى اللهجة العامّيّة المحلّية، أداةً للتواصل وللتواصل الشعري .

واحد وأربعون قصيدةً عجنها الزجال (البياز) في خمسة أبواب هي (لغبْشِية، تحليقة لطيار، خْيامْ الدنيا، غوتْ لخْيامْ، غوتْ لمْطافِي) . وكل بابٍ منها، احتضن مجموعةً من الزجليات، أقلّها ثلاثة، والباب الأخير احتضن ستّة عشرة قصيدة، وذلك لحاجاتٍ في نفس الشاعر، أمّا (يعقوبُ) فهو برئٌ منها .

بحثْتُ في سيمياء العلامات بحثاً عابرا في غير عمق، فوجدتُ الأبواب تتحرك في تيماتٍ هي: الزمان والسماء والماحول . ولاحظتُ أن هذا الأخير استأثرَ باعتبار الشاعر، لا في مفاضلة تقوم على الاستحسان والتقبيح، ولكن في انفعالٍ شاعري واضح، يقدّم لنا تجربة زجلية في جماليةٍ مفردة، تقوم على المساءلة في شرطين هما شرطُ الوعي بالقضايا المطروحة، وشرط اللاوعي الذي يقبع في سرّ النّون باعتبارها مفتاح هذا الشعر وهذا الزجل .

= مكوّن الزمان:

يشكل الزمان في المقول الشعري وضمنه، الزجلي، مكوّنا لا مندوحة عنه في تربيب القول والارتقاء به إلى مستويات الكشف الدلالي البعيد عن الأطاريح الخطابية المعانقة لحضيض اليومي . وهو، أي الزمان والزمن معاً، شرطٌ عميقٌ لتحقيق التماهي بين الشاعر ومكونات الإبداع وبين الماحول، تماهياً يساعد على تكثيف الصور الزجلية والذهاب بها مذاهب الإدهاش لا محافلَ التسجيل والمِرْآتِية . على اعتبار أن توظيف الشاعر (البياز) لمفهوم الزمن لا يدخل في تأريخ القصيدة داخل الحيز والتحقيب، بقدر ما يدخل في قناعة شعرِية تنظر إلى الأشياء نظرة عميقة تربطها بالكون . وما حديث الزجال (البياز) عن (الغبشية والفجر والنهار وغيرها من وحداتِ الزمان) إلا دخولٌ في هذا الحضن الكوني الشارِح لهذه التجربة الفنية والذاتية في تلاحم جليلٍ يستدعي أكثر من وقفة . وهنا يقع التماسّ الجميل بين الذات والزمان حيثُ يتغير نظام الأشياء ويتغيّر نظام النظر إليها (وهذا النظام المختلف في النظر إلى الأشياء يعمق صلة الشاعر بتجربته ويبرهن رابطته بالكون، وبالحياة والأشياء، فيجعل من هذه الصلة، لا نقاط تماس مجردة، بل انصهارا حادا واندماجا في تيار جارف، شديد الفرادة، ولا يمكن لصلة الشاعر بعالمه أن تكون على هذا المستوى إلا إذا كان مسكونا برؤيا حقة، تتيح له تمثل العالم، والانغمار فيه والتفاعل معه تفاعلا داخلا وهاجا) -1

إنّ استحضار الزمن في تخوم الزجل هو من صميم الزجل ولا يشكل حِلْيةً للزخرف، وإنما يشكل صميماً موجوداً في نسغ هذا الفن . ومن ثمّة فإن اختيار (البياز) لزمن (الغبْشِية) بثقلها الشعبي الموسوم بانحسار الضوء في الوجدانية المغربية لا يجد جماليته التعبيرية إلا في حميمية المفردَة اللهجية المحلية والتي لا تعيق انسيابها في أفهام الإنسان في شرطه الخارجي . إن حضور (الغبشية) له علاقة شديدة الالتصاق بقدَر الإنسان المغربي الذي يرنو بعينه إلى السماء وهو الملتصق قدَراً بالأرض، ومادام هذا الإنسان يعي محدوديته في الاشرئباب إلى السماء فإنه يكتفي بغمزها ... وهو يرنو في زمن (الغبشية) لأنه خارج هذا الزمن سيتعرّض للَفْح الشمس الفاتك ولنورها الوهّاج وسيرتد إليه طرفه حسيرا ضعيفا.

عَيْنْ تَغْمَزْ السّْمَا   بِحَسْ مَقْطوع

عَيْن عْلَى  ڭلب حَاضي  مَفْڭوع

تْنَهّدْ لَفْجَرْ ..ضَوّ... فِ حْجَرْ لْعَشِي

تْرَبّى فِ عَزْ الِليلْ.... شَانْ مَرْفُوعْ

و ليس حضور الزمن هنا إلا تشكيلا زئبقيا للغة الزجلية الشعرية حيث تترجم لنا بصيغتها الماكرة باطن الذات المتكلمة وظاهرها، في تجلياتٍ مختلفة تنسجم في رؤية الشاعر (الحس المقطوع - الڭلب الحَاضي  - الڭلب المَفْڭوع) ... وهي اللغة الزجلية التي لا تقف عند حدود رسم اعتمالات الذات في المحتوى، بل تتجاوز ذلك إلى رسم الإيقاعات بمفهوميْها: الوزني والنفسي . وأمّا الوزني فهو واضح التقاسيم في المفردات والمقاطع، يتقدّم إلى القارئ في دندناتٍ مموسقة تشي بقدرتها على الاستدعاء اللبيب لمتابعة المقروء في معناه وفي لامعناه . وأمّا النفسي فهو الفاضح لغور الذات وترقباتها وتطلعاتها، وقبل ذلك لمعاناتها . هكذا تكون (اللغة الشعرية هي أحد مظاهر التآلف مع الزمن في علاقاته الظاهرية والباطنية، فما يحدث من أشكال أو أوصاف تتجمع بذاكرة الشاعر ودواخله على هيئة إيقاعات وأصوات ثم بعد ذلك تخرج في قالب شعري متنوع الطبقات الموسيقية التي تأتي بأنماط مختلفة) - 2

تنسجم الذاتُ مع الزمن في سلاسته الهادئة والمواربة للضوء، حتّى لكأنها تخشى السطوع المعادل للفضيحة . وتجد في الفجر فضاءها المميّز لممارسة حضورها بامتيازٍ أكبر، حيث قدرتها على المناجاة والطرح والشكوى والبثّ ... وفوق ذلك وأعلى، فإن الذات تستزيد من رغبتها في الوجود الممتاز والمقترن بلحظة الكتابة التي هي في عرف الشاعر لحظة الوجود الحقيقية:

أنا مْزاوَڭ وَالَّلهْ

فِي ديك نَجْمَة لَفْجَرْ

إِلى مَا زِيدي فِي لِيلي

وَوَنْسِي دَاكْ لَبْدَرْ

وَخَلِّي مْدَادْ لْكَتْبَه

يْسيلْ عْلَى السْطَرْ

را الدَّمْعَه سَايْلَه سَايْله هَوَّادَه.

تستفيد الذات من البدايات في انبلاج أزمنة الفجر، لتتجرّأ على الخروج من دائرتها المغلقة إلى أنساق أخرى مفتوحة على الآخَر، وتنسجم مع التحول في الحساسية الشعرية فتنتقل من الاعتمال الداخلي إلى الرغبة في التغيير المُمَارَس على عزلة الآخر ... إنه الزمن الزئبقي المتحوّل:

نُوضُو فِيقُو

رَ النّْهَارْ طْلَعْ

وَ اللِّيلْ رَاحْ

مَا بْقَى يَسْمَعْ .

وَلْبَرڭي عَنْدْ مُولاهْ رْكَعْ

جَبْتْ لِيكْ قُرْطَاسْ شْمَعْ .

 

و لا يكون الزمن في سياق هذا الديوان معزولاً عن التحولات الذاتية الممكنة، لأنه يرتبط بها ارتباطا عضويا يشي بالتفاعل والتداخل البنيوي الأكثر إمكانا وتوليدا للدلالة في أبعادها السيميائية الخارجة من شرنقات العلامة الملفوظة إلى التعبير عن البؤر النفسية المختلجة في جوانية الذات، مستعينةً بالشعرية اللغوية العامية، القابعة في القدرات التعبيرية البيازية (الدّكّالِيّة والقْواسْمِيّة) التي تسمح  بتوليد إمكانات كثيرة لتأويل المعنى،  لأن اللغة الشعرية تختلف في ارتباطها بالزمن، وهيَ تمزج هذا الأخير بالموضوع (الطير والفجر)، ولأنها قد تصفُهُ في إيقاع متوتر لا يكتفي بالوصف والتسجيل بقدر ما يقفز على ذلك إلى المساءلة والتنديد المتستّر في سيمياء الخوف:

خَوْفِي عْلِيكْ وَاهْيَا طَيْرْ لَفْجَرْ

مَنْ بَحَّةْ التَّلْفَه فِي سُوقْ لَغْدَرْ

وَطَجَّانْ اللّْغَا وتَجْيَاحْ لَوْكَرْ

وَصْبَاحَكْ يِسَوَّكْ بِعْكَرْ لَغْرُوبْ

 2438 سر النور

= مكوّن السماء:

الحديث عن الطير هو الحديث عن السماء لأن عنصر التحليق هو المؤشر السيميائي المشكل لمحورية الصوغ الزجلي في هذا الديوان، الكائن كينونة مضمرة في توظيف سياق النون (القرآني) في صميم الزجل الترابي، وأقصد: زجل (المرڭد) المعانق لتيمة السماء في شخص النون الربّانية . وحيث إن الطائر هنا ليس جسدا متشيئاً في المعنى فإنه ثقافة ترتبط بقبائل (القْواسم) – 3 التي يشهد لها التاريخ بالريادة في تربية الطائر القنّاص وتربيبه والممارسة في حقوله السماوية العجيبة . من هنا حضور الطائر في سماته المتعددة والتي سنروم القفز على مُتشيئِها في الديوان إلى الحديث عن دلالاتها ومدلولاتها  الممكنة .

للطير في هذا الديوان أربعة مواقع: موقع البدء (الفجر) وموقع القيمة (الخير) وموقع الحركة (الحوم) وموقع الجهة (الساحل) . وفي هذه المواقع يتربص الزجل بسيمياء الطير بذكاءٍ إبداعي تبدو فيه القصائد ولأول نظرة ساذجة وعابرة، وأن الديوان مجرّد مجموعة متناثرة من أشكال القول الزجلي، هنا وهناك . إلا أن الشاعر البياز اختار لفسيفساء زجلياته هندسة دلالية مقصودة تحكمها ثلاثة أنساق، الأول هو نسق السماء في شخص الطير، والثاني هو نسق النون كشرط صوتي ربّاني يبارك طير السماء، كي يكون لتحليقه المعنى الجبّار الذي يخرج من ريش الكائن والحيوان القنّاص إلى أجنحة الشاعر الإنسان . الطائر إذن ليس جسداً فلكلوريا، يسبح بعيوننا في تصفيق الإعجاب وصفيره، إنه معادل موضوعي للذات المتكلمة في تجلياتها الصاعدة والهابطة . والثالث هو نسق الانخراط في هذا الماحول الذي يُشَرّحُه الكلام الزجلي بآلياته الخاصّة .

و إذا كان تحليق (طوير الفجر) يشكل البداية المتعثّرة فلأن مقصدية الصوغ الزجلي اختارت مقولةً صرفية مناسبة هي التصغير (طْويرْ) واختارت له زمنا بدئياً يشي بالغموض في اقتضام الطريق . إلا أن ثقافتنا الإيمانية تربط الفجر بالرزق وبالبشارة وبالتوفيق، وثقافتنا البلاغية تفيد في التصغير تمليحاً أو تقبيحا ... ومن ثمّة يدخلنا الشاعر في متاهات التأويل، ويؤرْجحنا بين المدح والقدح في سيرورة زجلية لا تقدّم ذاتها هامدة سهلة القضم . وإنما تتقدم إلى القارئ ذكية موغلة في اكتناز المعنى والدلالة . من هنا فهمُ واستيعاب حضور مقولات لسنية تسير في اتجاه النقص مثل (خوفي عْلِيكْ – بحّةْ التّلْفَة – طجّانْ اللْغَا - ڭلْبُو تَعْگَرْ – مرّة مْكدّرْ ...) وهي الدلالة المهيمنة على مساحات هذه الزجلية المعنونة ب (طوير لفجر) . وينتهي هذا الميزان المترنح بتأييد المتلقي لهذا الطائر المبتدئ في اكتشافه لهذا العالم الموبوء، حتى يتمكن من ولوجه بذاتٍ محتكّة ممخوضة لها رصيدٌ من القسوة في استقبال القسوة (يا طْويري نَخْضَتكْ ايَّامْ لْحَرْ وَلْقَرْ) ...

يخرج من عباءة الطير الفجري المبتدئ طائر حكيمٌ يقرأ الوجود قيمةً تقتبس السماء في سديمها المشرق لتنقله إلى الأرض سلاماً أخضر . هكذا تتحول الزجلية الثانية من المجموعة الثانية إلى رسول سلام وتعايش وتسامح:

شَفْتْ ذَاكْ الطّيْر فُوقْ شَجْرَه

فُوقْ اجْبَلْ ؤُ فُوقْ هَضْبَه

فِ لَوْطَى ؤُفُوقْ حَجْرَه

هَازْ فْ مُقَّارو وَرْقَه

شَفْتْها.... لُونْها خَضْرَه

مَكْتُوبْ فِيها السَّلاَم ْ

ننتقل الآن من حالة البدء إلى حالة القيمة إلى حالة الحركة . وهنا يستدعي الزجال (طائره) ليتحوّل إلى مُجمّع شعري لمجموعة من المقولات هي الموضوع والفضاء والذات في مكتَنَز قول الزجال (يَا لْحَوَّامْ في سْمَا لَخْواطَرْ) . إنه استدعاءٌ فنّيّ قبل أن يكون استدعاءَ محتوىً ثقافيّ يربط القارئ بالمعنى . إذ المعنى موسومٌ بالطريق الجاحظية المعروفة . من هنا فالحركية تمتد من أجنحة الطائر إلى أجنحة الخاطر، إلى حركية الآخر، في تشظيه بين الإيجاب والسلب:

يَا لْحَوَّامْ في سْمَا لَخْواطَرْ

حَلَّقْ وَارْخي لْبالْ

شي هَادِي

شي هَايَجْ

شي ضَاصَرْ

فيصبح الشأن لا شأنَ سماء لممارسة التحليق الطقوسي والاحتفالي حيث الطائر عريسٌ مُجتبىً، وإنما يصبح التحليق شأناً خاصّا بالأرض وتناقضاتها (شي هادي، شي هايج) . بمعنى أن الصورة الزجلية هنا لا تقف عند حدود البذخ الثقافي الموسوم بالتعريف بثقافة (الطير) وإنما يصبح هذا الطائر أداةً وجودية للكشف عن طبيعة المفارقة المقيمة فينا عبر مقولة الحوم التي نعتبرها في هذا المقام مسحاً سماوياً للتناقض القبيح الموجود في عيوننا . لهذا يدعونا الشاعر إلى مأدبة الحوم مع (الطير) كي نكتشف جمال هذا الوجود، حيث تكون الكتابة أجمل ما فيه للفتك بكل أشكال المفارقات:

واهْيا لْحُوَّامْ

في سُوقْ لَكْلامْ

غْريبْ في هادْ الرَّحْبَه

حَرْفِي طَلْ مَنْ هادْ لْعَتْبَه

رُوحْ رُوحِي سَلْبَاه الجَّدْبَه

من هنا أيضا نفهم الحالة الأخيرة في هذا الباب، وهي حالة الجهة، وأسميها حالة النزول حيث المكان فارضٌ حضوره في مقولة (الساحل) . (والساحل شاطئ البحر، والساحل ريف البحر ... وفي حديث بدر: فساحلَ أبو سفيان بالعير، أي أتى بهم ساحل البحر) – 4 ... ومنه دلالة النزول الي نستخلصها من طبيعة الصوغ الزجلي في هذا المقام، حيث ينحسر الحديث العلوي والسماوي كفضاء مميز لتحليق الطائر . والبديل الزجلي هنا طائر معادلٌ موضوعيّ يشي حضوره بالإشكال الوجودي الأرضي الجانح نحو الاعتبار والاستلهام من تجربة الطائر المسقوطة على الذات المتكلمة  في شقّيْن: شقّ مُنتقِد، تمثّله هذه الصياغة (لَعْريسْ بْغا يَذْبَحْ - وَالنْسيِبَه كَتْلَحْلَحْ - فِي أيَّامْ لْكَزْ - كُلْشِي كَحْ كح  - لْبيرْ وْمَا وْكَحْ - شَارَبْ الزَّعْترْ مَا كَحْ  - وَاكَلْ لْحَلْبَة - مَا يَلْكَحْ ...) وشقّ مُعتبِر وتفيده هذه العلامات (اَنَا بْخُورَكْ  - اَنَا سْحُورَكْ – نْدَاويكْ - فِي مْتُونِي - وَنْرُشْ فِي سْطُورَكْ - مَنْ حَالي  - مَنْ حْوَالي - مَنْ قْوَالي - كِطْوِيرْ السَّاحَلْ - حَلَّقْ مَا غَابْ - مَا ذَّا خْبَارْ مَا جَابْ - عَيْنُو فِينَا عَاشقَة - وَلْحَطَّه مَا صَابْ ...) كل ذلك في تصوير لا يقدّم نفسه سهلا بسيطا وإنما يتجلى لنا آبقاً ماكراً صعب القبض والانقياد . إذ كيف نستسيغ حضور الطائر في توجّهين، الأول يرتبط بالتحليق والثاني يرتبط بالغياب، في حين أن العلاقة بين الطائر ومدرّبه تقوم على الحضور الكلّي والحميمي . من هنا نفهم جنوح الذات إلى التماهي لا مع الطائر \ الجسد وإنما مع الطائر \ الأيقونة المتخيّلة في جسد المفارقة، والحاملة للإدهاش من خلال تمرّدها على معنى الطائر إلى معانقة لامعنى الطائر في زئبقيته المتعالية .

= مكوّن الماحول:

يتمسرح هذا المكوّن الدلالي على مساحة ثلاثة أبواب في هذا الديوان، هما باب (خْيامْ الدّنيا - بأربع قصائد) وباب (غوتْ لخْيامْ – بثلاثة عشرة قصيدة) وباب (غوتْ لمْطافِي – بستة عشرة قصيدة) . والملاحظ هو أن طائر النّون ينزل بأسراره كلّها إلى تخوم الواقع حيث علاماتُه الدالّة واضحة في ملفوظات (الخيام والمطافي) وحيث المكان والماء هما أسباب الحياة في القبيلة . إلا أن سياق ورود مثل هذه العلامات سياق أبعاديٌّ ومخياليّ أكثر منه انتربولوجي وإناسي يبحث في تمظهراتها وتشكلاتها الاجتماعية والثقافية .

بمعنى أن المكان قدرٌ يجرّ الصوغ الزجلي إلى جاذبيته المقروءة داخل الفن لا داخل المرآة . لأن هذه الأخيرة تقدّم لنا الخيمة – مثلا – في وجودها الاجتماعي والإناسي والأيكولوجي وغير ذلك مما نلامسه في اهتمام المتخصص، تقديماً لا جرأة فيه ... أما الفن فيقدمها لنا في مقولة التماهي وفلسفة المكان غير المتحيز وفلسفة الدلالة البعيدة الباحثة عن خصوصية تعبيرية محمّلة بكثير من الإمكان التخييلي، وباصمة بميسمها الأخص، بحثا عن فرادة أكثر إمكانا .

و أول ما يطالعنا في مجال الماحول هو مقولة الهدم تأسيسا لفكرة البناء القادمة في السياق . والهدم في تجلياته السطحية يرتبط بالمكان الحيز (رابتْ لخْزانَة) . لكنه سيتحول إلى هدم يتناسل في مفهوم تفكيكي ليطال أكبر قدرٍ من المقولات . ومن ثمّة فهدم (لخزانة) هو هدمٌ وتفكيك لعوَجِ الزمان (مالتْ ليّامْ) ولعراء الحروف (تْعرّاتْ لحروف) ولفساد الغلّة  أو لفضح المكنون (تْفَرْڭعَتْ الرُّمَانَة) ... في نسقية ذهنية واصلة بين أطراف المتن والوجود معاً .

و نكادُ نلامس في الديوان تلكم الرغبة الدفينة في قراءة الماحول قراءة زجلية تهدم أنساقَه لتعيد بناءها من جديد، لا في قرارٍ نقدي يمارِس فيه الشاعر الزجال رقابةً على هذا الواقع لتقويمه وتعديله وتصويبه، فهذا ليس من مهمّات الزجل، وإنما في رؤية فنية تحليلية بين قوسين، وهي تفكيكية بامتياز لا بمباضع المتخصص الناقد وإنما بأدوات حريرية تتوسّل الكلمة العاميّة الشّاعرية التي تسلط على بنيات الماحول بعض الضوء الرؤيوي .  هكذا نفهم أن " التفكيك حركة بنيانية وضد بنيانية في الآن نفسه، فنحن نفكك بناء أو حادثا مصطنعا لنبرز بنيانيه وأضلاعه وهيكله ولكن نفك في آن معا البنية التي لا تفسر شيئا فهي ليست مركزا ولا مبدأ ولا قوة فالتفكيك هو طريقة حصر أو تحليل يذهب أبعد من القرار النقدي"- 5

تفيد مفردة (لخْزانَة) في الثقافة الشعبية المغربية لا بيتاً من قماش، مشدوداً إلى قدرين: قدرٌ جميل هو العرس وثانِ غير جميل هو المأتم . ولكنها تفيد طقساً احتفاليا جماعيا يلقي بالآصرة الجمعية في أتون الحاجات المطلوبة والمرغوبة سواء تعلق الأمر بالمواسم أو تعلّق بالطوارئ . وهي قبل هذا وذا تفيد ثقافة اللمّة بمفهومها الإيجابي الحاضن . ولكن الشاعر الزجال (البياز) هدم الفكرة ليبنيَها من جديد في عُرفِ الْمُساءَلة: ماذا وقع لهذا الفضاء ؟

إنّ انتفاء (لخزانة) ليس انتفاءً لجُدُرها وسارياتها الخشبية، ولكنه انتفاء لمعناها أو لمعانيها . ذلك أن تداعيات سقوط الخزانة كثيرة وعميقة: منها سقوط الزمن، وسقوط المعنى (الحروف والرمانة) . وبإمكاننا أن نقرأ أيقونة الرمانة في توجّهات متعددة، بعضها يمليه شرط الوجدان المغربي المرتبط بعملية الفضح (وَتْفَرْڭعَتْ الرُّمَانَه) تمهيداً للكشف عن وضعٍ آخر غير الذي تختزنه الرمانة والذي يفرض على الماحول الإيمان بالرمانة في نسقها المغلق . إن تفجير الرمانة في عرف هذا الديوان هو تفجير لكثير من المسلمات، منها مسلّمة الواقع المتغوّل بغموضه المفروض، ومنها مسلّمة الحرف الذي يشكّ الزجال في قيمته إذا ما حافظ على نسقيته المألوفة، ومن ثمّة نفهم رغبة الشاعر في فضح الحرف وتعريته تمهيدا لبناء مفهوم جديد للكتابة، أسميها كتابة العراء .

نفس النسق نقرأ به ما شئنا من مقولات الديوان، تفكيكاً  قرائياً للمغلق في المفتوح . ومنها قول الشاعر (لِيَّامْ ڭرَّاتْ) حيث الإقرارُ نسقٌ مفتوح على ضده الكتمان ... (ليّامْ ولدات) بين الولادة المترقبة الراصدة في فرح وخوف لجنس المولود او عقم الولادة، وبين الولادة كمحصّلة مفتوحة على الفتك بالسؤال بعد أن عُلِم الخبر \ المولود أو المولود \ الخبر ...

القصيدة            النسق المغلق               النسق المفتوح

رابتْ لخْزانة   (الخْزانة) في حالة البناء   (الخزانة في حالة الهدم \

                        \ الغموض                   الوضوح

لِيَّامْ ڭرَّاتْ       الكتمان                         البوح

ليام وَلْدات    الحبل حالة انتظار              الوضع حالة انفراج

الدَّنْيا حَنْتَاتْ    القسم كحالة غير خبرية    الحنت كوضعٍ واضح

حَالْنَا مَعْڭودْ    الماحو في وضعية العقدة      الماحول في وضعية الحلّ \

                        \ الأزمة                     الكشف

***

وهكذا دواليك أيها القارئ في غضون الديوان، تجوّل فيه ما وسعك الجول واقطف من لذائذه ما وسعك القطف، لكن في حذر شديد، يرشدك إلى عدم التعسف في التأويل، وإن شئتَ مخرجا فلا تؤوّل بغير شرط منهجي، يعصمك من القراءات المبتسرة والمجانية والعاشقة في رخاء المجانية المسترخية على أرائك الكلام الوثيرة .

إن هذا الماحول الذي يُشَرّحه الزجال (البياز) ويشْرَحه هو لعمري مجموعة من القضايا العالقة والتي يمارس عليها الزجل بعض الكشف الفني برؤية أكثر فنّا، وبطريقة تميل إلى المساءلة الاجتماعية منها إلى النقد الاجتماعي . ولا غرو أن يكون الفن بهذه الزئبقية المستعصية على القبض . ومنها قضايا تمس الدهر في توصيفٍ كلاسيكي للزمان (واشْ الزْمانْ ڭيَّدْنا ؟ تَشْكِيلَة رْباعِيَّة !) في غير تسجيلٍ ولا معاودة (رُندية) ... ومنها ما يمس التأمل الفلسفي المعيد لقراءة التاريخ (تفاحةْ آدَمْ) حيث لا تجد أيها القارئ لتجربة (آدم) تكرارا لقصة العصيان والنزول، ولكن تجد في هذا السياق شاعرا يمارس إعادةً لإنتاج المعنى الديني في لبوس زجلي عميق يقوم على إحداث حالاتٍ من التماهي الجليل بين الإنسان الحداثي وبين الإنسان \ البداية (عَرْاتْنَا الشَّجْرة وَالذّْنُوبْ كَانَتْ دْوَا) في تحليلٍ جديد لمكونات القصة الأزلية، والتي يُلقي بها الشاعر في أحضاننا جمراً لا نكاد نقبض عليه . وحتّى إذا رُمنا ذلك أرسَلَتْنا القوافي (البيازية) إلى حدود أخرى من الصوغ والمعنى والدلالة، فلا نجد (آدم) ولكننا نجد ابن الدوار والقرية مثخنا بجراحه الخاصة:

دَوْرُوكْ وَاهْيَا بُويَا

فَڭلتتْ لْڭسْ ؤُ لْقِيرْ

وَنْتَ خُويَا تَقْرَا

و منها ما يتساءل بمكر رؤيوي لا يدين الجهة وإنما يدين الفعل، خارج أصابع الاتهام القاصرة والتي تُسجّل القضية دائما ضد المجهول، وتعلّق العدالةَ في مقاصل النسيان:

وَمَالْ  عْرَاسْنا لَبْسُوا الدَّمْ

وْڭعدَةْ لَمِّيمَاتْ عْلَى الشَّطْ بِالتَّخْمامْ

وْمَالْ حَالْنَا بِمْدَادْ لْڭطْرَانْ

فِي وَرْقَه .. لاحْتُو لْمِيجَاتْ بِالتَّزْمَامْ...

غِيرْ اَناَ  ڭلْتْ، حَثَّى اَنْتَ  ڭولْ

و منها قضايا الحق . وحتى لا يقع الزجال (البياز) في محظور التكرار والشبه، فإنه بذكاء الزجال (لعْروبي) المخالِط لسيمياء الطير، يُمرّغ التجربة الاحتجاجية في تراب البلد (لوزِيعَه - حَقّْ لْمَڭرُوحْ – جِيحَة ...) حتى لنكاد نلمس تلكم الخصوصية في صوغ العبارة وفي طرح الإشارة مضمّخةً بتألّقها الإقناعي وبإقناعها المتألق الذي إن لم يخلق فينا تغييرا في الحساسية الإنسانية، يخلق فينا تعاطفاً جماليا بالقضية، في موقف سديميٍّ نسمّيه أضعفَ الإيمان .

إن تتبعنا لمثل هذه التيمات ومثل هذه القضايا أمرٌ سيحول دون استقراء منهج الرؤيا (البيازية) للماحول . لأن رصد القضايا في جنوحها القضوي سيقبِعُنا في المعنى، والمعنى مسألةٌ قدحها الجاحظ في طريقه القديمة . وخير لنا أن نتتبع الرؤيا الفنية في تجلّياتها الممكنة والممتدة خارج المعنى، حتّى نظفر بالأقل الممكن من نظرية الزجل في (أسرار النونْ) .

= الصوغ الزجلي:

أ – المفردة المحلّية:

يختار الشاعر (البياز) ودائما مفردته البانية لا لقصيدة زجلية يتيمة، ولا لديوان زجلي عابر، يقوم على الرغبة الهجينة في طبعه ونشره في الساحة الثقافية قصد جني بعض التصفيق والإعجاب . وإنما يختار مفردته لبناء مشروع زجلي مسؤول فنيا ورؤيوياً يدخل الساحة الثقافية من باب الإضافة لا من باب التكرار ودعم ثقافة الشبه .

من هنا سنتابع بعض المحطّات التي يتبدّى فيها الصوغ الزجلي البيازي، تمثيلاً واستشهادا لا حصرا . ومن ذلك نذكر: انتقاء المفردة المحلية المرتبطة بالأرض، (عَنْدي جُوجْ سْبُولاَتْ، مْهَاوْداتْ لِلْغا  بِفدّاني) والديوان عامر بمثل هذا الصوغ، لا لأن الشاعر ابن منطقة تُملي عليه ذلك، وإن كان هذا حاضرا في غير شرطية، ولكن لأن نسغ الكلام يفيضُ في هذا الاتّجاه لمقصِدِيَتيْن: الأولى نسْغِية تؤالِف بين المتكلم وبين مسقط رأسه في إطار تبادل ثقافة الاعتراف . والثانية تمثيلية يصبح فيها التراب مجالا استعاريا للقبض على المعنى والدلالة خارج البداهة . لأن هذه الأخيرة لا تُنتج زجلا وإنما تنتج خطابا يوميا يتقنه المتواصل مع الآخر في حديث يومي في مقهى أو في مجلس .

من هنا قوة الصوغ عندما تتجاوز المفردة في إدهاشها البسيط وهي تنغلق على المستمع الشمالي مثلا أو الحسّاني ... إلى إدهاش بلاغي يرتبط بفنّ الزجل المخلص لنسغ (المرڭد) حتى ولو استغلق الأمر على المخاطَب خارج هذا الحزام اللغوي . فهذا الأمر أصبح في المتناول عبر آليات التكنولوجيا الحديثة التي تقرّب البعيد وتقدّم للقارئ إمكانيات جديدة للاطّلاع على لهجات الأحزمة اللغوية المغربية في أقوى تعدّدها .

قلنا إن الأمر يتعلق ببلاغة المفردة وبالتالي ببلاغة التركيب المخلص للمحلّية، لا في شوفينيتها وإنما في تعددها الثر والغني والباني لزجل وطني مفعم بالتنوع . من هنا جاءت استعارات (البياز) منزاحةً بقوّتين: قوة التركيب المحلّي وقوّة الصوغ الجمالي . ودعنا الآن نستمتع ونعتبر ببعض الأمثلة من الديوان:

- (اعْريِّشْ الشكْوى تزْياطْ) ... لا يستعلي الخطاب هنا على المستمع بقدر ما يخلص لنسغ المحلية، ذلك أن مفردة (التزياط) لا تحيل على ذاتها في حصار مُعجمي بقدر ما تُحيل على حالة نفسية موجودة تحت قوة القهر، ويفيدنا القولُ الصوغي (الدَّقْ ف ڭلْبي... تَعْياطْ) إفادة بائنة . ومن ثمّة ف (التزْياطُ) في جرْسِها الصوتي وفي مجاورتها لمفردة (التعْياط) وفي انتمائها لنسق تركيبي دلالي تفيد أكثر من صوت، إنها صراخٌ وجودي يكاد يمزّق الأسماع قبل أن يدقّ طبلات الآذان .

- (لاطْني حَالْ هاذ السْلاط) ... يكاد يصدمنا لفظ (لاطْنِي) لأنه مُغرِقٌ في المحلية، ولكنه في آخر المطاف علامة لسنية لا تُكلّف القارئ إلا حركة بسيطة في محركات البحث للتعرف على ماهيتها وهويتها اللهجية . وإن شاء لم يفعل، وإن شاء احتمى بمقومات السياق، حيث ترقد اللفظة المفتاح في الجوار القريب (حالْ) . ومن ثمّة نُسرع ونقول إن المعنى وبكل بساطة هو (لاطْني الحالْ = مسّنِي الحالُ) وهكذا تتعرّى الدلالة في آفاق واسعة للتأويل ... كما أن مفردة (السلاط) تفتك بالمجهول في البيان، وتُعرّيه، لأنها تحيل على مفردة لهجية أخرى هي (امْسَلّطْ) ... وكفى بنا توضيحا .

ب- في سيمياء الانزياح:

يركّب الشاعر الزجال (البياز) لبنات زجلياته تركيبا يُغادر بشدّة واضحة مفهوم الكتابة المسطّحة إلى مفهوم الكتابة الشاعرية المتوتّرة الرافضة للمعنى في عباءات الخطاب اليومي . يذهب بها بعيدا حتى تستوي جواهر في قلائد بليغة بلاغة الزجل في مدلهمّ الكلام . نختار من ذلك على سبيل الاستئناس بعض العبارات الحاملة لهذا الجمال:

-(البدرْ التّحْتاني) ... وحيث لا يكون البدر إلا في الأعالي فإن هذا الموصوف انزياحٌ جميل وبليغ يؤطر الصورة الفنية الزجلية داخل المشابهة في غير تطابق تقليدي . فالبدر هنا ليس إمكاناً فلَكيا، إنه إمكان إنساني، وللقارئ كل الحقّ في التأويل .

-(وَلْوَرْدْ انْطابْ تَغْناجُو) ... كيف السبيل لا إلى استيعاب الجمال ولكن إلى تذوق الجمال في هذه العبارة النازحة من قزحية ال (الخاطرْ) التي استطاعتْ أن تحوّل المجداف إلى بحور الجمال في هذا الصوغ ؟ ... ولا نكاد ننهي سؤال الإدهاش حتى يعرّي الورد عن حالة استوائه الجمالية في غنج التثنّي والاحمرار البالغ أوجه في سيماء الخجل داخل صورةٌ فنية عاميّة محمّلة بقدرة بلاغية (بيازية) على تمثل الورد في حالة الثقافة بعيدا عن حالة الطبيعة . هكذا هو الزجل حين يفرّ من أسر الكلام ليبدع حقيقة الكلام .

-(فَقتْ مَنْ لَرْمادْ، كَانْ رْڭادي عَافْيَه) يتدثّر الزجل هنا، في هذا الصوغ داخل الانزياح المزدوج: لأنه يمتح المعنى من أسطورة الفينيق أو العنقاء، ولأنه ينتج الدلالة الآبقة على تسطّح المعنى . وفي هذين السياقين تدوخ ذائقة المتلقي دوخانا لذيذا يمرّغُها في منتديات الاستيعاب الجمالي . هل يقطف القارئ من بساتين المعنى الموسوم بحركية الرماد ؟ أم هل يقطف المعنى داخل انزياح اليقظة التي تكون عادة في الفراش وإذا بها هي الآن في الرماد ؟ أم هل يقطف المعنى في قدرة المتكلم على صناعة التماهي القوي بين الذات والأسطورة ؟ أم هل يقطف المعنى في تحويل النار إلى أُنس ؟ أم هل وهل وهل ... هكذا يمكن للزجل أن يستقلّ بشِعرِيته بعيدا عن الاقتراض من المنظومة العالِمة التي تُملي نظريتها في صوغ الجمال وفي تلقّيه أيضا .

-(كانَتْ غَوْتَة مَنْ جوجْ

جاتْ في تَعْواقْ فَرُّوجْ

للِّي فَيّْق السُّؤالْ

في زْحامْ لَمْدادْ

وَلْباكِي عْلى هْروبْ لْوَقْتْ

مَنْ نْواحْ لْكيسانْ

للِّي فاضَتْ

فوقْ الصّْوانِي ...) ... وحيث إن الذكاء الشعري لا يقف عند حدود المتشيّئ فإن الشاعر (البياز) يقفز بنا إلى ما فوق العلامة . وأقصد علامة الديك بصيغتها الدّارِجة (الفروج) التي تؤدي في هذا السياق دلالاتها أبلغ من أداء مفردة الديك . ولأن (الفروج كائن مألوف في طبيعة العلاقات النسغية البدوية ويمثل جزءاً من الحضور الإيجابي فإنه انتقل، بمبضع الشاعر، إلى علامة سيميائية لا تُحيل على المكوّن الحيواني المرتبط بخصائص الطائر، وإنما تُحيل على استبدالٍ بلاغي يُلقي بظلال التعبير على الإنسان . لأن صراخ الديك هنا موسومٌ ب (التعواق) الذي يتحول إلى (غوتة) وبالتالي تتحول هذه الأخيرة إلى استفزاز كبير لمقولة السؤال . ولا يتم هذا السؤال في المطلق وإنما يتمسرح في سياق إنساني موسوم بالزحام والاختلاط والتدافع، وموسوم أيضا بالعجز البائن على القبض على سيمياء الزمن . قال الشاعر باكي على هروب الوقت من نْواحْ الكِيسان (وتبقى علامة (الكيسان) علامة دالّة وجامعة لحضور إنساني يفقد في كل حين لذّته بفعل تغوّل مستجداتٍ تكاد تفتك بالطقوس الجميلة والبسيطة والدافئة التي كنا نختلسها في أزمنة الوضوح الطبيعي .

ج – سرّ النُّونْ:

هو سرّ الكتابة كما يذهب إلى ذلك منطوق الديوان في بعض محطّاته المركزية التي لا تعبّر عن ذاتها في التراكم الكمّي وإنما في الورود الكيفي . قال الشاعر (البياز) في مواقع مختلفة:

+ من قصيدة (كاسي فريد)

الليفْ لٍيفي والنّونْ نُوني

يا خُويَا تْشمْعتْ ظْنونِي

بْكَاتْ لَحْرُوفْ فِ مْتُونِي

وَتْجَنَّاتْ خْوَاطَرْ جْنُونِي

حلَّلْتِ لَحْرُوفْ وَسَڭتِيها

و أول التدبيج كان إقراراً بالخصوصية . والشاعر (البياز) يعلن في بيانٍ شعري زجلي أنه يمتلك حرفه الخاص، لا في تشابه ولا في تكرار ولا في تناص ولا في تقليد ... (الليفْ لِيفِي والنونْ نُوني) ويعلن أيضا أنه زجلٌ يكتوي بالاشتعالِ والبكاء، لا في نسقهما المحترق في مجانية رخيصة أو بكائية رومانسية، وإنما في تخطٍّ للمألوف يكاد يبلغ درجة الجنون في الكتابة . وهذا سرٌّ من أسرار النّون في الديوان . فالشاعر يقدّم لنا مفهوما متمرّدا لفعل الكتابة، وفيه نفهم تجاوزه للكتابة الناسخة في غير إبداع .

+ قصيدة (شطحة لحروف)

مَاحَزْتِ لْكَافْ وَالنُّونْ بِليلَهْ.

نبْها بِمدادي

فِي خْيامْ اللاَّماتْ

وَانا غيرْ كْليمَة

خَرْجَتْ كِيَّاتْ

نَحْصَدْ شُوكْ لْمَعْنَى

مَنْ بَعْد ما زْرَعْتْ

لَوْقاتْ

و هي أيضا كتابة تدعو صاحبها إلى التباهي المشروع مادامت متميّزة وباصمة على فعل الشعر في الساحة العاجّة بالغثاء . (نبْها بمْدادي) في محافل القامات الشعرية الكبيرة (في خيامْ اللامات) ودائما في حضور شرط الانكواء (خرجتْ كيّاتْ) والمعاناة (شوك المعنى) وهذا سرّ آخر من اسرار النون في الديوان .

= بعض الموسيقى:

لا يمكن الحديث عن الصوغ الزجلي دون الحديث عن المفارقة . ويتعلق الأمر بكثير من الكَتَبَة في مجال الزجل، يظنون أن هذا النوع الأدبي الموسوم بالعاميّة حائط قصير تسهل الكتابة فيه والإبداع، مادام في نظرهم مصوغا بالدارجة . مما يعطيهم انطباعاً خاطئا بأن الزجل مطيةٌ سهلة . هذا خطأ فادح وخطل في التصور الفني لطبيعة الإبداع في مجال الزجل . وليست هذه مناسبة للخوض في هذه المفارقة، وإنما حسبنا في ذلك، تتبّع طريقة الصوغ لدى الشاعر الزجال (فؤاد البياز القاسمي) .

يَنْظِم (البياز) زجلياته مؤمنا أولا وآخراً أنه ينحت من صخر، لأن العبارة الزجلية ماكرة مكرا أشدّ من مكر العبارة المعربة والفصيحة . إن استعصاء العبارة الدارجة على الانخراط في شِعرية القول هو لعمري رهان يبلور حقيقة المبدع الزجال، ويضعها في المحك مادامت الدارجة تتغوّل في سديم التركيب الشعري المنزاح عن طبيعة التخاطب اليومي الذي يحكم المتواصلين باللهجة المحلية بغاية التواصل ليس إلا . من هنا قوة الزجل حين يمارس عليه المتكلم المختلف عن الناس شِعريةَ الصوغ . فليس كل كلامٍ دارِجٍ بالضرورة زجلاً، والزجل أكبر من لهجة أو لسان عامي ينتظم مجموعة من المتكلمين . الزجل شعرٌ وكفى .

و هنا لا يهمّنا الحديث عن أوزان الزجل المرتبطة بالمبيّتْ أو مكسور الجناح أو السوسي أو غير ذلك، مما يحتاج درسا أكاديما خاصا ليس هذا مقامه، وحسبنا من ذلك أن نقرأ بعض الموسيقى في تجليات هذه الرحلة الزجلية تمهيدا وانتقاء وليس حسما وانتهاء .

يمتد الديوان على مساحات واسعة من القول الزجلي، وهو الشيء الذي قد يكون وبالاً على صاحب الديوان وعلى القارئ إذا ما لم يكن الصوغ الموسيقى صوغا واعيا بالعلاقة بين الشعر وأذن المتلقي . إلا أن الزجال (البياز) عرف كيف يوظف هذا الجانب في رؤية إيقاعية متنوعة تعتمد تعدد الأنساق الصوتية . ومنها النسق الوزني الرباعي الذي يعتمد رويا واحدا، وأحيانا أروية متعددة تتغير من مقطع إلى مقطع لتنويع الاستقبال الإيقاعي وبالتالي التأثير في استقبال المعنى والدلالة والمُضي بها إلى أقصى تخوم الجاذبية والإدهاش احتراما لذائقة المتلقي الذي لم يعد متلقيا ساذجا يستهلك كل القول باعتباره زجلا وما هو بالزجل .

و منها النسق الوزني المتعدد الأسطر الزجلية الشعرية بحيث لا مقياس إلا مقياس التدفق النفسي في قوالب صوتية تتحكم فيها طبيعة الدلالة . مع احترام نسق توارد الأروية بشكل هندسي واضح التناوب حيث يحرص الشاعر أحيانا على روي واحد يختم المقاطع، مهما تعددت أرويتها داخل الأسطر ما قبل الدفقة الزجلية الشعرية الأخيرة .

قد يزيد الشاعر في حجم المقاطع الصوتية البانية لهيكل البيت الزجلي الشعري فوق الأربعة عشر مقطعا وهذا نادر الاستعمال وقد يؤثر إيجابا في سمع المتلقي وفي وجدانه، كما قد ينفّره من المتابعة، وذلك تبعا لطبيعة المستمع وقدرته الجمالية على التلقي . مثال:

اَنَا مْزاوَ ڭ  في ذِيكْ لَحْروفْ لِي طَجَّتْ مَنْ لَوْكَرْ – نقطّعها كالتالي:

أ – نمْ – زا - وڭ  - فْ – ديكْ – لحْ – روفْ – اللّي – طَج – جتْ – ملْ – لو – كَرْ = 14 مقطعا

و في نفس الإطار الزجلي، يطفو على السطح سطر زجلي بمقاطع أقلّ:

شَفْنَاها في مَجْمَعْ الطُّلْبَه – بثمانية مقاطع، نوزعها كالتالي:

شفْ – نا – ها – فْ – مج – مع – الطلْ – بَ = 8  مقاطع

و أحيانا تنزل إلى أقل:

مالتْ بِنا لِيّامْ – بستّة مقاطع نوزعها كالتالي:

ما – لتْ – بنا – ل – يامْ = 6 مقاطع

و أحيانا أقل بكثير:

وا هْيا لِيّامْ – بأربعة مقاطع، نوزعها كالتالي:

واه – يا – ل – يامْ = 4 مقاطع

و في سياق إيقاعي آخر وجدنا (البياز) مبدعاً في نوع (لَمْبِيّتْ) وهو الصيغة الزجلية للبيت الشعري العربي التقليدي المشطور إلى صدر وعجز، وبالتعبير التقني الزجلي يسميهما الدارسون المهتمون بالمجال (افْراش ؤُ اغْطا) ... برع فيه (البياز) اختيارا للأنساق الصوتية المُعبّرة . قال:

فِي لْوْزيعَهْ ضَاعْ حَقّْ لْمَڭرُوحْ

ضَوّْ لْغُرْبَه   تَلّفْ طْريقْ لْبَرّانِي

رَفْرَفْ ڭلْبِي ضُّرْ كِفْريخْ مَذْبُوحْ

نْبُوحْ لْبُوحْ شُوقَاني.  لْعَلَّة شَدّانِي

***

و هكذا سار الصوغ الموسيقي في قصيدة (حَقّْ لْمڭروحْ) وغيرها من القصائد، يستظل فيها الشاعر بهذا الأثر الطيب في السمع والسماع المغربي، الذي يداعب الأذن عبر توظيفٍ جيدٍ لوحدة الروي (صوت الحاء الساكنة في العروض) و(صوت النون المشبعة في الضرب) . وفي هذه الزجلية التقتْ الدلالة البعيدة مع الإيقاع في شخص المقاطع الممثِّلة للدفقة الأخيرة من (الفْراش) ومن (الغْطا) حيث انسجمتْ الحاء الساكنة مع طبيعة المعاناة لهذا الموصوف ب (الْمڭروحْ) كما انسجم الإشباعُ في نون الدفقة النفسية والموسيقية في آخر البيت الزجلي مع توقِ الموصوف إلى شيء من الانفراج في مكابدته التاريخية . فتنوعتْ بذلك سيماء القصيدة بين اختناق الدلالة وانفتاحها، كما بين انغلاق الصوت وانسيابه .

و كما نجحت ذائقة (البياز) في اختبار الأنسب في (حَقّْ لْمڭروحْ) نجحت أيضا في انتقاء اللازم صوتا ودلالة في قصيدة (لَعْبارْ) . قال:

مَنْ عَنْدَكْ جَا هَاذْ لَعْبَارْ شِيَّاعْ

وَوْزَنْتِ النَّاسْ بٍالشُّوفَا قْيَاسْ

تُوتَشْ لْحَادْرَا الجّْمَلْ لْڭعڭاعْ

طَاحَتْ هَذْ لْبَيْضَه فِي الطَّاسْ

و الجميل هو توزيع المقاطع الصوتية في أبيات هذه الزجلية داخل نسق عددي يتراوح بين 9 و10 و11 مقطعا في البيت . مما يضفي على العمل الزجلي الشعري هنا بصمة موسيقية واعية بذاتها في محاورة الأذن المغربية كمتلَقٍّ لا يمكن تجاوزه كوعيٍ آخر ينتج القصيدة إنتاجا آخر بمكرٍ شديد، قد يتحول إلى نقدٍ أشدّ، ومنه إلى موقف نقدي أكثر شدّة . إلا أن (البياز) احترم هذا الشرط ولم يصدم المتلقي في ذوقه الذي أسمّيه الذوق العامّيّ المشترك، والذي يؤسس دونَ وعيٍ منّا قوة العلاقة الجمالية في مسألة التلقي الجمالي .

فنصبح أمام ديوان يوزّع مقاماته الموسيقية على شتّى الإيقاعات واختلافها وتعددها تعدد تنوعٍ لا تعدد تكرار ليفسح الزجال (البياز) المجال للمتلقي كي يشنّف مسامعه من لذيذ الوزن في زجل لا يتكلم تقريرا، وإنما يقدم للقارئ شيئا من الموسيقى الجاذبة والمؤثرة والمتجاوزة لوظيفة الحلية الصوتية إلى الوظيفة الإدهاش المبَطّنة بكثيرٍ من الوظائف الأخرى كالتأثير والإقناع والتوجيه والتعليم والإخبار والتصوير الفني وغيرها ...

خاتمة:

لم نحاصر الديوان في كلّه وفي جلّه، وإنما انفتحنا على بعض قضاياه وحاولنا مقاربته في حذر من أن يقرأَنا أحدٌ مُلمّين بالمادة والمجال إلمام العارفين . إن هي إلا مغامرة العابرين تروم تفكيك بعض العناصر الشعرية في ديوان (سر النون) للزجال (فؤاد البياز القاسمي) الذي اختار هذا العنوان تبرّكا بحرف قرآني أودعه أسرار الذات (البيازية) المهووسة بالقول العاميّ و(الشعبي) بين قوسين، وفيه تبدّتْ هذه (النون) حرفا زجليا لا يقف عند حدود الصامت المقيم في لسان العرب والمغاربة، بقدر ما هو نسقٌ ثقافيّ يمتح صولته الزجلية والقِرائية من الوجدان المغربي الغابر والراهن . من هنا قدرة الشاعر على التقاط عناصر هذه (النونْ) داخل نسق لهجي بدوي يستمد جماليته لا من مفردات اللهجة، فهذه ممكنة لكل متكلم (دكّالي) وإنما يستمد جماليته من قدرة (البياز) الشعرية الزجلية على عجن التراب البلدي في أتون الجمالية الشعرية، بطريقة تترك أثرا إيجابيا في المتلقي وهو يسبح مع الشاعر في عوالم الإدهاش الزجلي .

 

الكاتب: نور الدين حنيف

..............

هوامش:

1 - علي جعفر العلاق، في حداثة النص الشعري، (عمان: دار فضاءات، ط 3، 2013م)، ص11.2

2 - صابر عبيد، القصيدة العربية الحديثة بين البنية الدلالية والبنية الايقاعية، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2001، ص 12

3 - توجد قبائل القواسم بمنطقة دكالة وعاصمتها مدينة الجديدة بالمغرب، وهي قبائل مشهورة برياضة الصقور .

4 - ابن منظور، لسان العرب، باب السين، دار المعارف، القاهرة، ص 1958

5 - حوار مع جاك، دريدا، كريستيان، ديكان: مجلة الفكر العربي المعاصر، العددان 18-19 (1982)، ص:254 عن عبد الله، إبراهيم، وآخرون،معرفة الآخر، مدخل إلى المناهج النقدية الحديثة، ص:114.

 

 

 

 

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5363 المصادف: 2021-05-12 02:38:23


Share on Myspace