 قراءات نقدية

خليل قطناني: قيمة العمل الأدبيّ.. المحددات والعلاقات والتنوعات (1)

تنطلق هذه المقالة من إشكالية يثيرها كثير من دارسي الأدب حول مسألة "قيمة العمل الأدبيّ"؛ ماهيتها، مصدرها، ومحدداتها، فحين يتصدر المتلقي /الناقد / القارئ للحكم على النص يقع بعضنا تجاه العمل الأدبيّ في الانحياز والتقريظ، أو التطرف، أو المهادنة، أو التقويض، أو حتى المحو ...

في البدء ينبغي أن تتوافر في العمل الأدبيّ عناصره اللغوية والفنية وشروطه الموضوعية، حتى يخضع لتجربة القراءة والحكم والتقويم، وفي تقديري أن أبسط تعريف للعمل الأدبيّ وأعمقه هو ما كثفه " سيد قطب" في كتابه النقد الأدبيّ مبادئه وأصوله حين قال في معرض تعريفه للعمل الأدبيّ:" التعبير عن تجربة شعورية في صورة موحية" فإن توافرت فيه التجربة والايحاء يمكن الحديث بعد عن قيمته في إطار الجنس الأدبيّ الذي ينتمي إليه.

والقيمة أصلها (قِومة) من الجذر الثلاثي (قوَم)، طرأ عليها إعلال، وحينما نصدر حكما إنما نقوم بعملية التقويم، ويرد في المعجم العربي تعبيرات تحمل معنى التقويم من مثل:

قوّم المعوج: عدله وأزال عوجه. وقوّم السلعة: سعّرها وثمّنها. وقوّم الأخلاق: هذّبها وصححها. 

وللتقويم جناحان هما (التفسير والحكم) على حد تعبير مندور. وبعد هذا المحدد الشرطي يمكن لنا أن نتناول قيمة العمل الأدبيّ، ونتساءل عن منابعها، وعن علاقتها بالكاتب والمنهج النقدي والتجربة الشعرية، والإشهار ...

وفي اعتقادي أن ّكلَّ عمل أدبيّ يحمل قيمة ما، وإذا: فالسؤال ليس عن وجود قيمة لهذا "العمل الأدبيّ" أو عدم وجودها. ولكن السؤال الحقيقي يكمن في الكم والنوع والكثافة والحيوية والطزاجة ووجهة التقديم لتلك القيمة التي تتنزل في العمل الأدبيّ.

ومما لا ريب فيه أنّ القيمة تختلف باختلاف الزمن التاريخيّ؛ فما كان مقبولا في حقبة زمنية ما قد لا يلقى الاحتفاء والقبول في حقبة أخرى، والزمن هنا يُقدَّر بقدره، وكذا المكان بطبيعته وحيثياته.

كما تتبدّل القيمة بحسب القارئ وتوجهاته الأيديولوجية وخلفياته الثقافية، وحمولاته الفكرية، وتبدلالته النفسية، وحتى ذوقه ومزاجه.  وهذا أيضا له شأن كبير وخطير في الحكم على قيمة العمل الأدبيّ .

وكما ترتبط القيمة بالتاريخ والبيئة والمتلقي، فهي كذلك مرتبطة اشد الارتباط وأقواه بالمنهج النقدي؛ ومن يدرك خلفيات واختلافات المناهج النقدية النسقية منها والسياقية، التاريخية منها والحداثية وما بعد الحداثية يدرك حتما أهمية ذلك في التصاق العمل وقيمته بمنهج القراءة فيه.

ولكن هل ترتبط قيمة أيّ عمل أدبيّ بكاتبه؟

لهذا التساؤل تحفظّات وتحذيرات؛ فإن بعض الدارسين -ولا أقلل هنا من عددهم-يحكمون على قيمة العمل الأدبيّ بمجرد معرفة كاتبه، وهذا لعمري فخ يسقط فيه السطحيون والانحيازيون والتلقائيون.

إن ّلكل عمل خصوصيةً وظرفا واشتراطاتٍ لا ينبغي تعميمها، وإنني أزعم بوصفي قارئا للأدب ومطلعا على مناهج النقد أنه بمجرد أن تنطق باسم أديب (شاعر أو شاعرة أو روائي أو روائية، قاصة ...) أمام بعضهم يسرع في إطلاق الأحكام العمومية على أدبه بعامة، فإذا رحت تناقشه بعمق حول إشكالياتٍ ما في مسيرته الأدبيّة فهو أحد اثنين : أما أن يتراجع، ويحاول أن يكسر حدة حكمه،ويعدُك بالبحث مجددا، وإما أن يصر على حكمه السابق من باب " عنزة ولو طارت". وهذا كثير وذائع لا يُقلل من شانه، ولا مناص من تبيانه.

إن مجرد شهرة الكاتب لا توفر له مقومات الحكم على قيمة عمله الأدبيّ فضلا عن نقده وتقويضه أيضا .

وكما أنّ ثمة تباعدا ليس بالهيّن بين قيمة العمل وكاتبه، فإن الشُّقّة تتسع فيما يتعلق بحصوله على الجوائز أو سيرورته بين القرّاء.

وهنا يجب أن يكبح الدارس هواه، وأن يتحكم فيمن يهواه، فقد علمنا أن بعض الأعمال الأدبيّة قد انتشرت بين المراهقين والرومانسيين " بالمفهوم المتداول" في فترة ما من تاريخ الأدب العربي، وليس تحتها طائلة قيمة كبيرة . وليس مبتغاي هنا أن أقدح في قيمة بعض الأعمال بقدر إرادتي في أن أقدح ذائقة القراء .

- أين تكمن قيمة العمل الأدبيّ؟

سبق وأسلفنا أن لكل عمل أدبي قيمة ما ينتجها، بقصر النظر عن مدى التوافق معها أو الاختلاف فيها، وسواء اتفقنا مع كاتبها أو اختلفنا، وسواء أكانت  له قيمة  سالبة أم موجبة، وبل وأتطرف في رأيي هنا وأقول: إن العبث واللامعقولية في العمل الأدبيّ يعد قيمة في حد ذاته .

إن دور النقاد هو إبلاغ المتلقي وإرشاده وإقناعه إنْ عبر التبرير والتسويغ، أو من حيث التأكيد والإتباع، ولا غرو أن الرقعة هنا تتسع، والتبرير لا ينقطع، ولكل حجته الدافعة، أو المدافعة.

تنوع القيمة وسلطتها

بعض الأعمال الأدبيّة تنبع قيمتها من جمالية اللغة وفنية الصورة، ومخاتلتها وسيرورة "الشعريّة" في عروقها حتى إنها لتنبض، وتنتفض، وتسحر  وكأن القارئ حيالها كالمستكين المستسلم أو المتنسك الخاشع، وفيما أرى أن هذه القيمة الجمالية يجب أن تتوافر بدرجة كبيرة في كل عمل أدبيّ، وإنني لأجد خصاصةً بالعمل الأدبيّ تغض من قيمته إنْ لم تتحقق فيه تلك القيمة التي هي من أخص خصوصيات أدبيّة الأدب .

هل تكفي تلك القيمة العالية لتحقق سمة الخلود للعمل الأدبيّ؟

في رأيي أنّ ثمة قيما أخرى تتوزع، وتنتشر بدرجات متفاوتة عبر طبقات النص ومستوياته، قد لا تطفو على السطح، ولكنها تكمن هناك عميقا في بنياته الداخلية وأنساقه المضمرة، وخفاياه اللامتناهية، وضلالاته الغاوية من مثل: القيمة الشعورية، والقيمة الأخلاقية، والقيمة الإنسانية، والقيمة الفردية والقيمة التأريخية، والقيمة الاجتماعية، والقيمة الوطنية، والقيمة المعرفية، وقيمة المتعة أيضا .

إن قيمة الأعمال الكبرى تلك التي تبحث في المصائر الإنسانية، وتحقق قيمتي العدل والحرية في الحياة والكون، ولست أقصد أن يباشر المبدع تلك القيم ويعلنها، بل يُعرِّيها عبر استدعاء أو استعداء نقيضها الآخر عبر ثنائية الهامش والمركز.

يتبع الحلقة- 2- تطبيقات

 

بقلم د. خليل قطناني

كلية العلوم والدراسات الإسلامية/

 قسم اللغة العربية-فلسطين

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

هذا هو النقد الذي يستفيد منه المبدع والقارئ معا .
شكراً للناقد

شادي عيسى البرغوثي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5392 المصادف: 2021-06-10 02:43:57


Share on Myspace