 قراءات نقدية

وسن مرشد: الصمت يؤسس سرداً في رواية الكافرة، لـ (علي بدر)

اسست ثقافة الصمت حضورها الفعلي في بناء متن سردي روائي جاد، وكأن الروائي انطلق من مبدأ (احمد البلاغة الصمت حين لايحسن الكلام)؛ ولأن الصمت هو المعبر الوحيد عن ما يؤلم الإنسان.

من هذا المبدأ اجد الروائي اسس هيكلية متنه السردي، إذ اعتمد على شخصيتان رئيسيتان هما (صوفيا، وادريان).

أما الشخصيات الأخرى حضورها  ثانوي، وكأنها مكمل لحشو متن سردي، تبرز في الأحداث المروية .

أما أماكن الرواية، فقد حددت بإماكن محددة هي (العراق بالدرجة الأولى، و فلسطين، لبنان، استوكلهوم، بلجيكا، اوستاند، بروكسيل).

الصمت سيد الموقف ؛ لأن الروائي اعتمد على السرد الأخرس بين الشخصيتين، إذ كانت صوفيا الناطق الرسمي، وادريان السامع لما تقول، وكانت تفاعلاته بالأشارات فقط ؛ لأنه يسمع،  والعلة تكمن في جسده العليل، الذي اتخذت منه الأجهزة مكانها المؤبد، وحجبت عنه سماع الكلام، وكان السبب في كل هذا المرض تعرضه لحادث سير شديد العنف، والخطورة في ليلة ميلاده.

من هذا الوجع حبكت الرواية عقدتها في مدة (8) ايام، أي ان الرواية بمجملها هي سرد مدة ركود (ادريان) في المستشفى، وكانت ملازمة طول هذه المدة حبيبته (صوفيا) - وهي السارة ايضاً لدواخل شخصية فاطمة، وسرد سردت بؤسها وعالمها المعتم-، إلا أن هذا العمر الصغير للرواية مثل الجامع المانع لها، إذ سردت الشخصيتان مجمل حياتهما العائلية، والأجتماعية .

واهم محاور حياته -ادريان-،هي التاريخ المميز لعيد ميلاده الذي يجمع فيه ذكريات المر، والعذاب، كيف والده شنق نفسه؟ وحوار والده له عن الحرب التي انهكت لبنان بسبب الطائفية،

لكن هذا لا يعني أن السرد أعتمد  على الحاضر المعاش فقط، أنما اسست الذاكرة الرجعية وجودها القوي، إلا أن براعة الأتقان السردي لم يجعل هذه الذاكرة هي الثيمة البارزة، أنما كان عقله الروائي ذا لعبة ذكية، عن طريق عنصر التشويق بطريقة ديناميكية، واهم من كل هذا أنها رواية تمتلك الأبتعاد عن الضجر، والملل من قرائتها، فضلاً عن الخلط المتنوع في محوري الزمان، والمكان.

(من الأشياء التي لا أنساها أيضا لا أنسى صوت أمي المتهدج في الليل .. كنت اتلفلف في الفراش واتظاهر بأني نائمة: قالت لراضي الرجل الذي تزوجته بعد مقتل أبي .. لا تضرب على وجهي ؟ .. حاولت أن تدير وجهها على الجهة الأخرى .. فجرها بيد خشنة قوية وأنزل قبضته الأخرى على وجهها بقوة فسال الدم من أنفها: ـــ عاهرة أنت عاهرة قولي أنك عاهرة لن أتركك حتى تقولي أنا عاهرة .. قالت له ــ البنت نائمة لا أريدها أن تسمع .. رائحة الكحول الممزوجة بالثوم كانت تملأ الغرفة .. ثمله لا يخفف من قوة ضرباته التي يسددها الى بطنها وهويقول بصوت ثابت لا يلين: ــ قولي أنك عاهرة ؟ راضي البنت نائمة الله يرضى عليك وأخشى أن تصحو: بنتك ستصبح عاهرة مثلك أنتن عاهرات)

 

الخط الرومانسي قد يكون هو المسيطر على الرواية، بطريقة الحب الصادق، الذي يعبر عن انصهار الذات مع الذات الآخرى.

وتحمل الرواية قيمة إنسانية عليا، ووديعة يقدمها الكاتب للناس عامة من دون أي مقابل، تتلخص في أن الحب هو إساس الحياة اولاً، واساس قيام الإنسان، وتكاثره، وهو المانع لجذور التفرقة، والكراهية من الأمتداد.

ولم تكتف الرواية بسرد الحب بين البطلين، أنما خصصت جزءاً من سردها لتصوير الحياة المعاشة  تحت سلم التهميش، والجوع، والعازة، وهذه الظروف السودواية ركيزة أساسية لمدعين الدين، لمن يحملون أسلحتهم تحت شعار الدين وغطائه، بهدف تمرير كل ضغوطاتهم على الذات الآخرى المنهكة من الجوع، وتمرير اوامرهم تحت وطأة الترهيب، والتهديد، وانتهاك الجسد، وفرض النقاب، وهذا جله عاشته شخصية فاطمة، إذ سردت الرواية عن طريقها النقد المعلن لجماعة اللباس الأسود، وماهي السيميائيات التي تحملها هذه الملابس.

(فاطمة) اتخذت الرواية من حياتها المنهكة اسماً لها بـ (الكافرة)، لقبت به؛ لأنها مارست الحب مع احد ابناء الجيران، والذي التقت به في اثناء تعزية زوج والدتها، ومن ثم تزوجته ، لكن السعادة عمرها صغير ؛ لأن هذا الزوج قد اخذ الهم منه الكثير بعد وفاة والدته، ووجد من حب فاطمة الملجأ الوحيد لنسيان هذا الهم، والسعادة كانت عنوان هذا الزواج، لتُرجم وتلعن من قبل المعنفين الظلاميين، ليقتل الجمال، والبراءة، ولتدفن معها حكايات الحب، وقصص العشاق، وهذا السبب جله يعود إلى الحرية المغيبة، الى سيادة الباطل، على الحق، سيادة الظلم، في ظروف مزقت البلاد، وانهكتها.

وقد أختلف المبنى  السردي للرواية ؛ لأن الروائي، حاول أن ْ يوقر بعض المشاهد لخصوصيتها، كمشهد الرجم، الذي حرص فيه على التسلسل المنطقي وصولا ً إلى النهاية.

" صرخ الصبي، يحاول يائسا ً ان يتقدم على كل الناس، إلا أن أحد المسلحين ضربه بالسياط، على مؤخرته، فعاد إلى الوراء... من هناك بعض النساء المحجبات، بالخمارالأسود، تجمَّعن قرب الموضع الذي رسمت فيه دائرة الطباشير ".

هذا الضغط على فاطمة اسس لها باباً للخروج من المغارة المعتمه؛ لأن كل ضغط يولد ارادة، وعزيمة للخروج منه، وهنا انتصرت على الظلم جله، وخرجت بذاتها، وانقلبت على الظلم، وتحولت إلى (فاطمة ثانية)، هاربة إلى بروكسيل.

أخيراً، اضيف بإن الروائي اتقن متنه السردي، بفضاء يبعد القارىء عن الملل، بلغة سلسلة تجعل من يقرا يستكمل مابدأ به، وبشخصيات من الواقع المعاش، بكتابا سردية روائية.

 

د. وسن مرشد

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5402 المصادف: 2021-06-20 03:43:41


Share on Myspace