 قراءات نقدية

حيدر عبد الرضا: شعرية التشكيل وصوغ البنية الزمنية المتعدية

حيدر عبدالرضادراسة في الأعمال الشعرية الكاملة لحسين عبد اللطيف

الفصل الأول ـ المبحث (2)

توطئة:

لعل ملكة الذوق الفني لدى الناقد هي من مشروطيات العلاقة المماثلة التي يتم من خلالها استشعارية خاصة عند الناقد لذلك النص بأدوات مؤولة من شأنها فهم و افهام أوضاع ووضعيات خلفية النص، كوحدة متصورة ومحتملة في إمكانية القراءة التأويلية المتاحة ضمن ميول القراءة الخاصة للناقد، وعلى هذا النحو سوف نتعامل مع عوالم دلالات الشاعر الكبير حسين عبد اللطيف، ضمن منظورية تطبيقية لأهم ما جاءت به موجهات نصوصه الشعرية من أشارات وإحالات وإيحاءات خفية وظاهرة، وبهذا الصدد سوف نتعامل مع بعض قصائد مجموعة (على الطرقات أرقب المارة) من ناحية أداة (شعرية التشكيل) وكيفية صياغة الشاعر من جهة ما للمتن الدوالي في بنيات متعدية زمكانيا وحلميا في حيز مخصوص من المواضعة والمشاكلة وعلاقات التنصيص المتفاعل وحدود ذائقة التلقي والقراءة .

ـ العلامة الشعرية وإمكانية تحقق المعادلة الزمنية

غالبا ما نواجه في نصوص الشاعر حسين عبد اللطيف ثمة نماذج متعددة من مغزى العلامة الشعرية المنفتحة نحو أوجه التبادل بين كفة البقاء داخل الانغلاق النصي والخروج بالدلالة الشعرية بطريقة ذات ارتباط بآفاق علائقية ـ توليدية، وعلى مساحة بين المجسد الملفوظي والفضاء الدوالي، وهذا الأمر ما جعل القصيدة تبدو وكأنها واقعة إمكانية متصلة بين(مؤول الدليل) وتمظهرات الفاعل الدوالي المقرون بدينامية سياق التشكيل من واصلة رؤية النص:

أعلنتِ العاشرة

والنصفَ، ليلاً، دقّة الساعة

نافذة الشارع

مطبقة الأهداب ./ص17 قصيدة: نافذة

على وفق هذه الرؤية المبثوثة في محاور الدوال الزمكانية تواجهنا تضاريس مرحلة تشكيلية خاصة تستوعب مجمل مؤشرات زمنية محددة، بمعنى ما أن الممارسة التوثيقية للزمن هنا (أعلنت العاشرة) ثم تليها جملة (والنصف ـ ليلا دقة الساعة) أن عملية تأجيل إيراد دال (الساعة) في النصف الأخير من الجملة، علامة على أن حالة الاعلان الزمني حلت في حدود صفة إخراجية متشكلة ضمن محصلات لغة الزمن وهوية الأشياء الموصوفة، ولأجل أن تستعيد علامة الزمن شكلها الخبروي، أعلن الشاعر عن اشارته للساعة كجزءا في دليل الصياغة الانشائية في الجملة القصدية، وهذا ما جعل العلاقة مع حيز المكان مؤشرا في سياق سكوني من التوزيع والمحاورة (نافذة الشارع ـ مطبقة الأهداب) من هنا يترتب على الحيز التشكيلي فسحة ما من التأطير والاستيعاب السياقي، فمحددات الزمن قياسيا بواحدات المكان حلت في مجليات مشكلة تحكمها دال (نافذة) ودال (الساعة) كحالة مزامنة في علاقة خاصة من مرونة التشكيل المرتبط ارتباطا وثيقا بحالات الذات الساردة في ممكنات النص:

... تبكي نجمةً ساهرة

والريح في الساحة

هائمة،جائرة

ترتجف الأغصان

وفي سكون الليل تعوي الكلاب

فتوقظ الساحة

شيئاً..

فشيئاً.. / ص7   قصيدة: نافذة

1ـ سلطة سردنة الشعر في الوظيفة الإحالية للدال:

أن محمول المعنى القصدي في مساحة المقاطع من القصيدة، يقودنا نحو دلالة وصفية ـ سردية، من شأنها فرض صياغة حكواتية في جمل الدوال، ولهذا الأمر وجدنا دال (النافذة) بمثابة المعنى الضمني الذي يقودنا نحو قيمة فضائية من دلالة الموصوف (تبكي نجمة ساهرة ـ الريح في الساحة ـ هائمة، حائرة ) إن التشكيل الصوري في محمول الدوال، لغة وإيقاع وبناء، يذكرنا بوظائف قصة (النافذة و الساحة) لمحمد خضي، لولا حجم الاختلاف في المستوى النوعي ما بين حساسية الشكل الدلالي المنصوص في المبنى والمتن  والعلاقة الاجناسية ـ النوعية، ولكننا في مؤثثات القصيدة، لاحظنا حساسية الشكل والموضوعة الشعرية، التي تصاحب ملفوظاتها مثيرات استعارية وليس كنائية، في تدبر المتاح من النوع النصي، على أية حال، تبقى سيميائية النوع الاسلوبي في قصيدة عبد اللطيف، كقيمة استبدالية تتجاوز اللعب مع وحدات المكان، وحساسيته، اقترانا لها بجملة الحاصل التنقيطي في أول الجملة ثم ابتداء بالصورة الشعرية (تبكي نجمة ساهرة) ففي هذه الجملة ثمة علاقة تشكيلية مفتوحة ومزامنة مع حساسية الزمن والمكان والذات، ما جعل من بنية فاعل الحضور الوصفي للحال يتلبس لبوسا طاغ من مؤسسات رؤية المكان (الريح في الساحة..هائمة،حائرة) الفاعل الشهودي هنا هو الدليل على ذاكرة المكان بالزمن، أي إنه وبلا شك الجدل الفراغي المجيب في رحم الغياب المقصدي، لذا فإن عتبة مركز العنونة (النافذة) هي موصل وواصل الرؤية نحو شاهدية الزمن والمكان، فضلا عن تجليات الذات الساردة التي ظلت في حدود الصيغة المراقبة والحكاية في مؤولات التشكيل استهلالا واشتغالا في مضاعفات فضاء التفاصيل المروية (ترتجف الأغصان.. وفي سكون الليل تعوي الكلاب.. فتوقض الساحة.. شيئا.. فشيئا) تشتغل موجودات المساحة المكانية مجددا في اطلالتها التشكيلية من عمق ملفوظات الراوي الشعري، تمظهرا سكونيا مباشرا (ترتجف..سكون.. الليل.. الساحة.. شيئا.. فشيئا) وبكل ما تنطوي عليه من حركية مشحونة في مسار الغموض والاغتراب والسكينة اللافحة، فيما تبرز دلالة(الأغصان ـ الكلاب) كمؤشرات مكانية متعاضدة في فعالية المنتج التشكيلي المنصوص في إطار المد المكاني والأحوالي في خطاب النص.

 

2ـ الذات الديناميكية في محذوف التشخيص التنقيطي:

إن آلية التشخيص في محاور الجمل الأخيرة من القصيدة، تتضح من خلالها آلية الفاعل المجسد بأستنطاق الوحدات المادية والمعنوية من مسافة صوته الأنوي تحولا نحو مستوى الداخلي إلى مستوى الخارجي، وعلى وفق منظومة غيابية تحكمها أداة التنقيط و مؤثرات المحذوف من المكون التشكيلي بالحركة العدمية الناتجة من علاقة مؤولات النص:

أفتح الأجفان

لم ألمح البستان

لم ألمح الحارس والسكران

لم ألمح الفضة في الألوان

...

...

...

لمحتُ نفسي آخر الساحة ./ ص18    قصيدة: نافذة

العلامة الختامية في مسافة النص، تمنحنا محسوسا ما في حادثة علاقة محفوفة بمحورية الزمن والمكان وجمالية مؤثرات ضمنية حاصلة من آلية (النص المضمر) أو هو ذلك الصوت المفترض تماثلا مع واحدية مرثية الأنا عبر خلاصات زمنها الاستجابي الكامن في محموله العزلوي الخاص وطقوسه المجردة في أشد اللقطات عدمية ومحذوفية من أحياز وفضاء حضورها المختزل في دلالات متعدية، أخذت تتجسد منها في ذاتها حلما حسيا بالغياب وظلال الأمكنة المصاغة في الاستجابة المتخيلة تجاوزا وتعديا نحو آفاق مضخمة في اللاشعور الأحوالي .

ـ في التشكيل والتصوير وحجب التدليل

ليس هناك قصيدة شعرية مثيرة ومعمقة لا تنطوي على مساحة كثيفة من الحزن والأحزان، خاصة أن موضوعة الشجن في جغرافيا الشعرية العراقية ممتدة في جذورها منذ بدر شاكر السياب وحتى محمود البريكان وحسين عبد اللطيف، أجل نقول أن مكانة الحزن والغياب والاغتراب في مشروع قصيدة حسين عبد اللطيف، ذات آليات ومؤثرات هي من العمق والسعة ما لا يمكن لنا الإحاطة بدلالاتها التقانية الشيفرية حصرا، لذا وجدنا قصيدة (في العذابات يهرم الشجر) خير ميثاق على تجليات أقصى منازل الشجن لدى هذا الشاعر الفذ، وقد غالت لديه عواطف الشجن الشعري مكانا يصعب النزول منه، فهي تعليقات استثنائية في أفق المتاح والممكن من رؤى جمالية مأخوذة بفاعلية شعرنة الحزن بحساسية فنية، تجعل من عملية الدال المحور ظهورا ذو قيمة وحيوية في سياق مخصوص من حالات التبنين والتمظهر في محاور دوالية مثيرة في التحقق العلاماتي:

هل يجيء المطر،

دورةً

دورةً

وهو في غرف العاشقات

يرقب الدورة الضائعة

ياعذابي الذي يستطيل

يا عذابي الذي يستحيل ./ ص15 قصيدة: في العذابات يهرم الشجر

1ـ آفاق القراءة وسياق مقصدية التأويل:

في ضوء معطيات قصيدة (في العذابات يهرم الشجر) ثمة معادلة مؤولة من قبل رؤية تشكيلية ما، يكون مبعثها متعلقا بإمكانية السياق الشعري المرجعي المحدد في رمزية دال (المطر) والحالة الدوالية سابقا لدى السياب في رائعته أنشودة المطر، والآن تواجهنا لدى حسين عبد اللطيف، في حدود اختلافية ما في جملة ممكنات المسمى ووظيفة الرمز والمرموز. فالشاعر استخدم دلالة المطر في آفاق نصه، بطريقة يريد من خلالها المعاينة القصدية المنفردة بما يحمله واقع المطر من دلالات عزلوية وغيابية في حال خروج الأشياء عن وظائفها المحددة، على العكس تماما مما يحمله المطر من الخصب والنعيم في هطوله على الأرض، وبما أن عتبة العنوان الشعري للنص حمالا لأوجه مؤولة في مزايا عكسية ومغايرة، تحتل لذاتها ابعادا ظرفية خاصة بالشاعر، فإننا سوف نتعامل مع النص هنا من ناحية كونه جملة احتمالات وتصورات وتخمينات من جهتنا لا من جهة الشاعر وقصيدته. قلنا أن جملة العنوان هي (في العذابات يهرم الشجر) تشكل بذاتها مقصودا مستعارا راح يتفاعل وهوية الاهمال والهرم والزوال والتهميش، ومن خلال هذه المراتب تتبين لنا توصلات قراءة المتن الأول للقصيدة، بأن جملة التوقع (هل يجيء المطر) اللاستفهامية، تؤشر لنا الحالة المشتركة ما بين (الترقب = البحث) امتدادا نحو اللازمة التكرارية (دورة..دورة) وإذا انتقلنا من جهتنا إلى التحليل النوعي لجملة (هو في غرف العاشقات) لربما قد لا تتضح لنا سوى أداة مونتاجية مقطعة نستشف من خلالها ما يحل ما بينها وبين المعنى الشعري، سوى أحساسنا بأن جملة اللاحق (يرقب الدورة الضائعة)قد تكرس ذاتها في دلالة ضياع العمر أو هدر الزمن في غرف العاشقات، بما يقارب معنى الحالمات بلا جدوى ما، وعلى هذا النحو تأتي جملة (يا عذابي الذي يستطيل) لنجد مدى مؤثرات لغة الواصف في الموصوف، الذي أتاح الضياع العمري له كصورة شبيهة بسقوط دورات المطر الذاتي وليس الاعتباري، فهو بمثابة تبديد للأعوام العمرية في محطات من (ياعذابي الذي يستحيل) وهنا نجد بأن صور الشاعر العمرية ذات دلالات معادلة اقترانا برمزية المساءلة الذاتية (هل يجيء المطر) وتصبح هذه الجملة في محصلتها كحالة انفعالية أخذت تتضمنها رؤية الشاعر الاسرافية في صياغة الحزن و الألم:

قد يجيء الندم

لزيارتنا، عادةً،في الأخير

من هنا أو هناك

نفتح الباب والنافذات

فيحل الغياب الطويل. / ص15 قصيدة: في العذابات يهرم الشجر

بعد أن تبلغ الجمل الشعرية مبلغها في إثارة ما يقارب ثنائية (الحياة ـ الموت) نتبين بأن حالات النص كانت محملة ببرقيات مخالفة لما قلناه حول الجمل في القسم الأول من النص، كي تتوضح لنا صورة المطر بمعنى مرمز (الموت) الذي يصادر بعدد دوراته (غرف العاشقات) وقد يكون المقصود هنا غرف الأثم والمحرمات إذ يختطفهن الموت وهن في المحارم ملوثات، إما حين (يجيء الندم) ضمن حدود معالجة تطهيرية ما فسيغدوا (ينفتح الباب والنافذات .. فيحل الغياب الطويل) وعلى هنا النحو يتداخل المعطي الداخلي للموت بأعلى هيئاته الاستفهامية ـ مكونا في مظاهر المساءلة أشد محتملات العزلة والفقدان للأشياء:

وحدك، الآن، أين المطر؟

وحدك، الآن، مثل الشجر

يابساً والنساء اللواتي معاً، ذاهبات

وحدكَ الآن، لادورة في مطاف الطيور

أو مطاف الغرف

دورة

دورة

هل يجيء المطر؟

الأسئلة الشعرية هنا لا تستهدف حصولا على إجابة معرفية أو صوفية ما، بقدر كشفها للمتبقي من زمن دواخل أداة الاستفهام الذاتية، بل إنها أشد عمقا من غموضها إلتباسا، هنا الشاعر يعاين سفر مراحل الموت بدال (المطر) ويستظهر من خلال دلالة (مطاف الغرف) تحقيقا بالأشارة حول المنازل في دار الدنيا، كذلك يقصد بدلالة (لا دورة في مطاف الطيور) أي إلى الاندراج في نهاية الأشياء، فلا مفرا من الموت في مشاهد القيامة الكبرى، حيث الأشياء هنا وهناك، سوى (دورة..دورة) وبهذا التركيز في مستوى اللازمة المقطعية، تنكشف لنا ختاما صرخة الشاعر الاستفهامية،وكأنها تواصل بحثها في ملاذاتها الأخيرة من مواطن الموت المؤجل عنه (هل يجيء المطر؟).

ـ تعليق القراءة:

في ختام حلقة مباحثنا في هذا الموضوع من دراستنا، أتذكر مقولة جميلة قالها المفكر البولندي رومان انجاردن يقول فيها: (إن النص الأدبي يقوم على أفعال قصدية من قبل مؤلفه، تجعل من الممكن للقارىء أن يعايشه بوعيه كقارىء، وتعني المعايشة نوعا من التداخل، عبر التجربة القرائية، بين المؤلف و القارىء، ذلك أن النص لا يجيء كاملا من مؤلفه، لأنه مشروع دلالي وجمالي، لا يكتمل إلا بالقراءة الواعية التي تملأ ما في النص من فراغات. / هربرت شبغلر ـ الحركة الظاهراتية ـ لاهاي 1965) وعلى هذا النحو يحق لنا القول بأن الكتابة الشعرية لدى الشاعر الكبير الأستاذ حسين عبد اللطيف، تستدعي في مخزونها الدلالي قراءة نقدية واثقة، من شأنها تأويل أحوال الأبعاد النواتية في وظائف الدوال، طلبا بمعطيات جادة وجديدة من مقاصد إمكانية الوصول النقدية نحو دلائل عديدة من احتمالات القراءة، وأن لم يوفق الناقد في الوصول إلى مقاربة المعنى في قصيدة الشاعر، فحتما سوف يوفق في تقديم بدائله النقدية المؤولة والموصولة بأسمى أوجه تعدد القراءة والقراءات المتاحة في سياق تجربة هذا الشاعر العراقي الثمين.

 

حيدر عبد الرضا

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5490 المصادف: 2021-09-16 03:00:41


Share on Myspace