 قراءات نقدية

جمال مصطفى: قراءة في: مواسم لحمار الأسفـار

جمال مصطفىمجموعة شعرية جديدة للشاعر العراقي عادل مردان: مواسم لحمار الأسفار من إصدارات اتحاد الأدباء 2021.

هـذه المجـمـوعة هي آخـر ما نشره الشاعـر مـن نصوص شعـرية موزّعـةً عَـبْـرَ ست مجموعات شعـرية سابعُهـا (مواسم لحمار الأسفار) وهي المثال الأنضج عـلى ملامح بصمته الإسلوبية وقد تجسّـدت في هـذه المجموعة أحسنَ تَجسيد تشذيباً وتكثيفاً وعـنايةً بالقول مبنى ومعنى، إضافـةً الى ما تميزتْ بـه مِـن الإبتعـاد عـمّـا هو مجرد زخارف في اللغـة وفي الصياغات.

ليس للشاعر مِـن آباء شعـريين يمكن الإستدلال على آثارهم في نصوص هـذه المجموعة، نصوص ترعـرعتْ في ظـلِّ قراءآت عالمية وعـربية كثيرة ومتنوعة .

نهايةٌ مرحة يا شجرة الرمان

كان يأمل الكائن الورقي

بأكثر من القشور

حين يضع كرسيّهُ الأخضر

فوق الجلنار

يميل الشاعر إلى التعبير بجمل قصيرة في الأعم الأغلب حتى لَـتخلو المجموعة مـن جملة تزيد على أربع أو خمس كلمات ، ليس هذا فحسب بل إن المجموعة خَـلتْ أيضاً من النصوص الطـويلة وهـذا مَـلْـمـحٌ اسلوبيّ يَشي بما للشاعر من ميلٍ الى الإبتعاد عن الثرثرة والإكتفاء بالتعبير البرقي كأن الشاعر صائغ شذرات بعناية مفرطة فهو ميّال الى الإكتفاء بأحجاره الشعرية الكريمة وصقـلها ثم تشكيلها ضمن صور يمكنها الإكتفاء بنفاسة جوهرها وحده غير أنها متفاعلة مع ما يجاورها من صقيل الجمل الشعرية المنتقاة بعناية تصل حدّ التقطير فليس هنالك من حشو ولا انثيالات ولا استرسال في هذه النصوص كأنها بذلك ما استطاع الصمود بعـد مرور الممحاة عليه مراتٍ ومراتٍ فهو شعـرٌ يُومىء ولا يبوح وإذا ما باح فإنّ بوحَهُ غصنٌ يؤكد أنّ الريح قد اقتلعـتْ الشجرة هذا الطبع الشعري أو المزاج التشذيبي هو المهيمن في الأعم الأغلب من نصوص الشاعر في مجموعاته الست أي انه اسلوب راسخ وسِمَةٌ اسلوبية عند الشاعر، وهذا يجعـلني أميل إلى القول: إنّ هذه النصوص الشعرية المشذبة بعناعية هي إلى الشعـر الحُـر أقرب منها إلى قـصيدة النثر من فـرط عناية شاعرها الفائقة بإيقاع الجملة الشعرية ونحتهـا واختزالها وترشيقها .

يختصر نفسه بلا هوادة

كي يُكافح الزمن

إنه شعـرٌ بعـيد كليّـاً صوراً وإيقاعاً وصياغةً عن السردية والإنثيال والتفاصيل اليومية حتى انه يقترب في بعـض الأحيان من الهايكو في لغـته المختزلة بل إن فيه ما هو هايكو:

2822 عادل مردانعلى تلّة المزابل /

ملك الشطرنج الأسود

يلعب مع القدر

*

عندما

أُلَوّن الفزّاعة /

الغربان تتجمهـر

لكن نصوص هذه المجموعة ليستْ أحاديـة اللون بل هي سـجّادة أعجمية فيهـا خطوط وألوان وزخارف وتَجاورات تشكيلية من كلّ مدرسة وثقافة ومكان وهي بهذا كله تنتمي الى زمانها أكثر من انتمائها الى مكانٍ بعينه فليس في هذه النصوص ولعٌ بذكر تضاريس المكان والتركيز عليها بوصفها علامة على هويّة محلية خاصة إنها نصوص تقترب كثيراً من هجران المحليّة والدخول في شعر ذي سمات عابرة للمحلي، شعر يمتلك مواصفات عصره في كل مكان على هذا الكوكب ولكنها لا تخلو تماماً من إشارات يمكن أخذها كعـلامات على هوية المكان منبثّة هنا وهناك في بعض النصوص إذ يكفي أحياناً التماعةُ كلمةٍ ما في النص لـيعرف القارىء من تلك الكلمة شيئاً عن هوية المكان وتحديده على ضوء تلك الكلمة وكمثال على تلك الكلمات التي توحي بهوية المكان دون حتى ذِكْـر المكان كلمة (سَحّارة) التي وردتْ مرةً واحدة فقط ولكن هذه المرة الواحدة كافية كإشارة إلى أن هذه النصوص هي نصوص عراقية على انَّ النصوص الشعرية في (مواسم لحمار الأسفار) نصوص لا تحتفي بالمكان حفاوةً خاصة .

كذلك فإن هذه المجموعة لا تخسر من شعـريتها الكثير بعـد الترجمة لأنها نصوص تعـتمد على صور شعرية عالمية النكهة ولا تُـعـوّل عـلى جماليات جدّ محلية أو جماليات تستثمر في اللعـب على اللغة ومن هنا تأتي ميزتها بوصفها نصوصاً يمكن يمكن نقلها الى لغة أخرى أو ثقافة أخرى، خذ هذه الصورة الشعرية مثلاً:

كوفيد مصيرنا المتوحد

أمام أبنائه اللامرئيين

يخطو منتشياً في شوارع المستقبل

*

أو هذه الصورة الشعـرية:

حيث أشجاره تتنقل كزرافات خضْـر

فهل تخسر هذه الصورة الشعـرية الجميلة من جمالها شيئاً إذا قرأناها مترجمةً؟

الأعم الأغلب من الصور الشعرية في نصوص هذه المجموعة يـنحو هذا المنحى وهو منحى عالمي معاصر لا يقتصر على بيئة أو ثقافة دون أخرى بل هو مما نجده معروفاً في جميع اللغات والثقافات المعاصرة شرقاً وغرباً خذ مثلاً هذه العَـيّنة: الصحون الطائرة، الثقوب السوداء، الإنفجار العظيم، كوفيد، السيرك، الإسخريوطي، هذه وغيرها تجعـل من نصوص هذه المجموعة نصوصاً ذات نكهة عالمية بمعـنى ان القارىء الغربي وغير الغـربي يستقبلها دون أن يراها غريبة عليه ولا استبعـد هنا ما تركته قراءة الأدب والشعر والرواية العالمية بصورة عامة والأوربية بصورة خاصة وطبيعة عصرنا المرتبطة بالشابكة من تأثير وتسريع في بلورة خطوط عامة لهذه اللغة الشعرية العالمية التي تميل نصوص الشاعـر الى التماهي معها والإبحار في ماء شعرياتها الأوسع والأشمل.

طفل ألثغ

ينتف رأس الشارع

ولكنّ المجموعة حافلة أيضاً بالعديد من المزايا والشمائل وعلى أكثر من صعيد ومن هذه المزايا إن نصوص المجموعة بعيدة عن العـبوس التعـبيري فلا تقطـيب وليس هناك من تشنج لا في المواقف ولا في الإنفعالات ولا يُـباغَتُ القارىء بإدعاءآتٍ أو صور عضلية أو استعـراضية، الشاعر في هذه النصوص انسان أعـزل يحاور محيطه بما تُضمرهُ الكلمات من طاقة مُـوارِبَة، بها يَهشُّ على تَنانين العصر وله فيها مـآربُ جماليةٌ وروحية ونفسية أخرى .

أيتها الشاشات النابضة

يا كهوفنا الجديدة

سينادي المنادي هلوعاً

مرحى بالصحون الطائرة

على الرغم من اندراج الشاعر ضمن شعراء موجة الحداثة العراقية في تجليّاتها الأحدث لكنه صوت ذو نبرة خاصة، نبرة فردية تغـذت على كل ما هـو جيد ودسم ومعافى في الشعر العراقي الذي سبقها ثم أضافت إليه شمائلها ونكهتها الذاتية وليس هذا بقليل .

أعلى الهضبة

يرجمون نساء القبيلة

بينما الأحجار المدمّاة

تتدحرج فوق السفح

ديوان عادل مردان الجديد تتويج لتجربة شعرية في أوج عطائها ننتظر من النقد أن يعـطـيها ما هي جديرة به من قـراءة متفحصة.

 

جمال مصطفى

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

نهايةٌ مرحة يا شجرة الرمان

كان يأمل الكائن الورقي

بأكثر من القشور

حين يضع كرسيّهُ الأخضر

فوق الجلنار
ــــــــــــــ
لفت انتباهي منذ سنوات حياتي الأولى في دنيا الشعر ما يخفيه الرمّان من شعرية وغموض وحيرة في شكله وطعمه وألوانه
بل إنني لا أعرف ولم أجهد نفسي في السؤال هل الرمان من الثمار أم الفواكه !
ولكني افترضتُ أنه من جنس الفاكهة
وآخر ما استلهمتُه منه:
الشعر فاكهة رمان
تشكو في داخلها
من أزمة سكن.
والشاعر البديع جمال مصطفى هنا يكشف عن ( مهنيته ) في عالم النقد ويبدأ بتحليل ديوان وعرضه كالسفح وقد ضربه البرق في مساء ماطر فتحس بلئلائه أي الديوان ...
تحية صباح زنبقي من صباحات أيلول للشاعر عادل مردان والناقد الأثير جمال مصطفى
ورجع أيلول وأنت بعيد !

سامي العامري
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر المبدع سامي العامري
ودّاً ودّا

شكراً من القلب عزيزي سامي على تعليقك الجميل .
ليست هذه القراءة بنقد بل هي سطور كتبتها محتفياً بالمجموعة الصادرة
حديثاً للشاعر المبدع عادل مردان .
نشر الشاعر بعضاً من قصائد هذه المجموعة هنا في المثقف في العامين الأخيرين .
دمت في صحة وإبداع يا صديقي المعتق كخمرة بابلية .
دمت في أحسن حال يا سامي
أنتظر جديدك

جمال مصطفى
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5492 المصادف: 2021-09-18 03:31:51


Share on Myspace