 قراءات نقدية

عدنان عباس: البطل بين متغيّرات الواقع وحركة الزمن في مجموعة (تسفير) القصصيّة

عدنان عباسللكاتب مؤيّد عبد الستّار

غالبًا ما يختلط مفهوم البطل بمفهوم الشخصيّة عند تناول الأعمال الإبداعيّة، ومنها القصصيّة، الأمر الذي يدعو إلى الفرز بينهما من الناحية الاصطلاحيّة، فالبطل، بخلاف الشخصيّة، يتميّز في تصوّر المتلقّي بصفات إيجابيّة دون غيرها، مثلما يذكر أحد الباحثين(1). وعلى الرغم من التقارب بين الاثنين، إلّا أنّ الشخصيّة تتّسم بصفات متباينة، بغضّ النظر عن طبيعتها، سواء أكانت بشريّة واقعيّة أو متخيّلة، أمْ غير بشريّة عبر الاستعانة بالتشخيص. سأحاول في متابعتي هذه النظر إلى صورة البطل، فضلًا عن الشخصيّة في ضوء الفرز النسبي الذي يعكسه هذا المنظور، لأنّ كلّ واحد منهما له صورته ودوره في دائرتي الزمن والحدث، حتّى وإنْ كان أحدهما يكمّل الآخر في البنية السرديّة. لقد برز أـبطال غير قليلين، وشخصيّات مختلفة في مجموعة (تسفير) القصصيّة للكاتب مؤيّد عبد الستّار، وارتبط وجودها الواقعي بمتغيّرات الزمن بشكل وثيق.

ينطلق تناول البطل والشخصيّة في العمليّة السرديّة – الروائيّة والقصصيّة من خلال تحديد مستوياتهما وأولويّات الكاتب التي يحرص على تبنّيها عند التعامل معهما، وفي ضوء تأصيل موقفه من أبطاله في الواقع وشخصيّاته بشكل مباشر أو غير مباشر، الأمر الذي يمنح القارئ والناقد مساحة مناسبة للتعامل معهما بشكل سليم، وبما يخدم متطلّبات النقد في هذا الإطار.

أمّا بنية الزمن ومستوياته في السرد، فهي، مثلما جاء في (قاموس المصطلحات السرديّة)، "مجموعة العلاقات الزمنيّة – السرعة، الترتيب الزمني، المسافة، إلخ – القائمة بين المواقف والأحداث المرويّة وسردها"(2). وتتفاوت مستويات الزمن بين السرعة والبطء، الواقعي والمتخيّل، وتتنوّع الأزمنة بين توثيق الوقت والتاريخ من جهة، والاسترجاع والاستباق من جهة أخرى. وهناك جدليّة زمنيّة، تتجاذب وعي البطل ووظيفته أو الشخصيّة ودورها، تتراوح قوّتها وفقًا للصراع الدائر بين أزمنة الظلم والقهر والوحدة والغربة والتهجير والسجن والحرب، وأزمنة الانفراج والاسترخاء والعدالة والحرّيّة والسلم. ويفرز الزمن كذلك جدليّة سيكولوجيّة في رأي غاستون باشلار Gaston Bachelard، تنطلق من الماضي المرتبط بالحاضر الذي لا ينقطع عنه، لأنّ "ماضينا بأسره يسهر وراء حاضرنا... والأنا قديم وعميق وغني ومليء، ويملك فعلًا واقعيًّا حقًّا..."(3)، وهذه الجدليّة، في رأيه، "تسير من الوجود إلى الوجود دون إفساح المجال أمام العدم"(4)، وتؤثّر بالحدث وبطله. وعند الكتابة عن أعمال يلعب فيها الزمن دورًا مؤثّرًا، لا بدّ من الأخذ بنظر الاعتبار العلاقة التفاعليّة المتينة بين الزمن والبطل أو الشخصيّة(5)، ولاسيّما في الأعمال الواقعيّة.

يتناول الكاتب العراقي مؤيّد عبد الستّار في مجموعته القصصيّة أعلاه (144 صفحة)، معاناة العراقي في العصر الحديث، من خلال إعطاء صورة للبطل الفردي ومستويات بنائه، فضلًا عن حركة الزمن ومستوياته، مستعينًا في نصوصه وحكاياته بشخصيّات وابطال محوريّين وثانويّين، واقعيّين في الغالب، يعكسون صورة مجتمع أو أحوال مكوّن أو شعب في الوقت نفسه. ويمكن تلمّس رؤية الكاتب عبر موقفه من أبطاله، بما في ذلك تقمّصه صورة الراوي، بلْ والبطل أيضًا، والآليّات التي يستخدمها في بناء عنصري السرد المذكورين، والحدث الذي يتناوله في دائرة القصّ، ومكانه، وزمانه سواء أكان كرونولوجيًّا واسترجاعيًّا أمْ سيكولوجيًّا واجتماعيًّا.

يقدّم الكاتب أفكاره وذكرياته ومآلات أبطاله بأيسر السبل الواقعيّة – التوثيقيّة والتخيّليّة، ويتابع حياتهم في حركة الزمن وتحوّلاته المتلاحقة. تتشكّل صورة البطل في النصّ القصصي، الفردي والجمعي، الثابت، الإيجابي، بكينونته، فتطوّره، فموقفه، فمعاناته، والشخصيّة بمستوياتها المختلفة، ودورهما في زمن بعينه، مثلما تخضع مستويات الزمن في هذا التشكّل إلى تصوّرات ذاتيّة وإفرازات اجتماعيّة للبطل أو الشخصيّة، في ضوء التفاعل مع الزمن سياقيًّا، والتحرّك معه في دائرة الفعل بطاقة مؤثّرات تنبع من المحيط وتنعكس على الذات، وبالعكس. تتعدّد إذًا أصوات الأبطال والشخصيّات في قصص وحكايات الكاتب مؤيّد عبد الستّار، وتتداخل فيها أزمنة ومتغيّرات في الداخل العراقي أو في بلاد الشتات، ومن هذا المنطلق سأتابع ما ورد في متونها.

تتكوّن مجموعة "قصص" للكاتب مؤيّد عبد الستّار من 14 قصّة قصيرة، وستّ حكايات لبغداد، هي: للعراق، والجزائر، والمغرب، وتونس، وتيزي أوزو، والقِلعة. يستهلّ الكاتب قصصه وحكاياته، بإهداء إلى روحي والديه الراحلَين، وأهله وأصدقائه وزوجته وولديه وابنته، ويربط هذا الإهداء بمعاناته ومعاناة العراقيّين بسبب الفراق والغربة والمنفى، فضلًا عن التشبّث بالأمل. يستعين في كلمة الافتتاح بتنصيص من "اللوح العاشر، العمود الأوّل" من ملحمة جلجامش، والذي يشير إلى النور لمن "جرّب الموت"، مثلما يكتب. من جانب آخر، سأركز في هذه المتابعة على القصّة الأولى بعنوان (تسفير)، وبطلها "جوامير" وأزمنة معاناته، وذلك لأهميّة هذه القصّة، ولكونها تذكّرنا بزمن قمعي ماضٍ عانى فيه الشعب العراقي كثيرًا، وخصوصًا الشعب الكردي، ومنهم الكرد الفيليّون. أمّا القصص والحكايات الأخرى، فيتنوّع فيها الأبطال والشخصيّات، وتعبّر في هذا المنحى أو ذاك عن معاناة العراقي في غربتيه الداخليّة والخارجيّة، في ضوء حركة أزمنة حافلة بالأحداث، ومؤثّرات اجتماعيّة ونفسيّة.

أرى أنّ أنسب مفردة للقصّة الأولى (37 صفحة)، هو "تهجير"، وليس "تسفير"، لأنّ "جوامير" والكرد الفيليّين عراقيّون بأوراقهم الرسميّة، وتمّ تهجيرهم إلى بلد آخر، على الرغم من أنّ المصطلح الثاني كان شائعًا في إعلام الحكومة ومؤسّساتها حينذاك، ومنها مديريّة التسفيرات. تذكرنا هذه القصّة "التوثيقيّة" وبطلها الواقعي الإيجابي – المصرّ على إنجاز مهامه "جوامير"، بجرائم التهجير والظلم والإبادة التي تعرّض لها الكرد الفيليّون منذ تأسيس الدولة العراقيّة الحديثة، والتمييز الذي كرّسه قانون الجنسيّة رقم 40 لسنة 1924 ضدّهم، وقد توّجت هذه الجرائم بحملات التهجير الكبيرة إبّان حكم البعث في سبعينات القرن العشرين، وثمانينات الحرب العراقيّة الإيرانيّة، وبقرارات ما سُمّي حينئذٍ بـ"مجلس قيادة الثورة" و"محكمة الثورة"، التي نصّت على رمي مئات الآلاف من الكرد الفيليّين على الحدود، وتهجيرهم إلى إيران، مع سلب أملاكهم وأوراقهم الثبوتيّة العراقيّة، وتغييب وقتل الآلاف من شبابهم في مختبرات السلطة البعثيّة البيولوجيّة، الذين لا يُعرف مصيرهم إلى اليوم، فضلًا عمّا جرى من تعريب للمدن الكرديّة، وما صاحبها من حملات الأنفال ضدّ الشعب الكردي، وضرب حلبجة بالأسلحة الكيماويّة، والمقابر الجماعيّة، والقمع الذي تلا انتفاضة آذار 1991 في العراق. هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم مهما امتدّ الزمن، ومنه زمن راهن اُصطُلِح عليه بأعوام ما بعد التغيير - 2003، لطبقة سياسيّة حاكمة ترهّلت بالفساد والتسلّط والإقصاء، جرائم ما يزال ضحاياها والمتضرّرون من النظام القمعي السابق يبحثون عن العدالة الانتقاليّة، ولاسيّما الكرد الفيليّين. وتأخذ كذلك مسألة تثبيت حقوق المواطنة لجميع المكوّنات العراقيّة أهمّيّة كبيرة في حياة العراقيّين الذين انتفضوا خلال سنوات غير قليلة، وخصوصًا منذ تشرين 2019 من أجل العدالة واستعادة الوطن والمواطنة، ورفض كلّ أشكال التطرّف والإرهاب.

تتعدّد حقول هذه القصّة، والأبطال والشخصيّات والأزمنة والأماكن فيها، ويستخدم الكاتب التنصيص، ويستعين بالتاريخ وجغرافيّة الأماكن التي طرقها البطل المحوري "جوامير"، ويستخدم بعض المفردات الكرديّة والأشعار والأغاني والتراتيل، ويتّضح فيها بعدان: سياسي وإنساني، وتبرز معاناة الشخصيّة الكرديّة الفيليّة، خصوصًا البطل "جوامير" السياسي والإنسان المصرّ على الرجوع إلى مدينته بعد التهجير، والشخصيّة الجمعيّة – الكرد الفيليّين، في حملات التهجير اللاإنسانيّة، والتوق بالرجوع إلى العراق، ومدن الذكريات.

يقدّم الكاتب "جوامير" كبطل محوري إيجابي، ثابت على أمله في الوصول إلى بلدته بعد التهجير القسري، على الرغم من أنّه يعيش زمنًا حافلًا بالقلق والمعاناة، و"سيتحقّق أخطر فصل من فصول حياته" فيه. يتطرّق إلى لقاء جوامير بـ"شيخ نحيل" و"مجموعة من الرجال" الذين يتحلّقون حوله في مقهى "خسروي"، ويتحدّثون عن "الأغنام والأسلحة والبضائع المهرّبة"، لاسيّما وأنّ هذه المقهى تقع "على خطّ الحدود الفاصل بين العراق وإيران". يصف الكاتب هيأة "جوامير" وقد "ارتسمت على وجهه آثار السنين والأحداث التي عاشها"، و"معاناته الطويلة"، ويصف البراري الفسيحة، التي "تنتهي بسلسلة من التلال... التي تتغيّر ألوانها من بقعة إلى أخرى، فتجدها تارة صفراء ذهبيّة، وتارة حمراء مشوبة بسواد كثبان الرمال" بسبب أشعّة الشمس. يستمرّ في متابعة الحدث بوجود أبطال ثانويّين يستقلّون "سيّارة لاندروفر" – السائق وجوامير والشيخ، ويسترجع الأخير زمنًا يرتبط بالحرب بين العثمانيّين و"جيش الأوردو الهندي الذي قاده الإنجليز إلى بغداد"، ومعركة "الكركة"، كـ"آخر معارك الجيش العثماني على الجبهة العراقيّة قبل دخول الإنجليز بغداد بقيادة الجنرال مود"، هذه المعركة التي استمات العراقيّون فيها، ولكنّها انتهت بخسارتهم. يستعيد الشيخ صورة لاحقة للحدث، متمثّلة بقيام الجيش المنتصر باغتصاب نساء القرى، وموت "العديد من الجرحى، ونفي الأسرى إلى هندستان"، وهروبه إلى "قرية صغيرة". ينتهي هذا المفصل من القصّة بوصول الشخصيّات المذكورة إلى كوخ أحد الرعاة، بهدف مساعدة "جوامير" على عبور الحدود إلى مدينة بدرة فالكوت.

يركّز الكاتب بعد ذلك على "قافلة الحساويّة" وإحدى الشخصيّات الشعبيّة، هو "المكاري قرمزي"، و"نقل الرجال والبضائع بين مدينة الكوت ومدينة فيروزأـباد" على ظهور "الحمير الحساويّة الضخمة"، عبر "هور الشويجة" الذي "يعزل تلك المدن الواقعة في شرق نهر دجلة والمحاذية للحدود الإيرانيّة عن مدينة الكوت". أمّا "جوامير" فـ"يأمل أنْ يساعده المكاري في نقله "مع قافلته إلى مدينة الكوت". يسترجع الكاتب زمنًا يشير إلى إلقاء القبض على "جوامير" بين مدينتي الحيّ والكوت، وإيداعه سجن الكوت "بسبب نشاطه السياسي أثناء الانتفاضة"، وإلى حملات "تهجير المواطنين المشكوك بولائهم". يصف طريقة التهجير بواسطة "سيّارات عسكريّة"، وسلب أموال المهجّرين وأوراقهم العراقيّة، وصدور قرار بـ"تسفير جوامير إلى إيران بحجّة عدم امتلاكه أوراق شهادة الجنسيّة". كان حلم "جوامير" هو الرجوع من إيران إلى مدينة جصّان، بعد حصوله على "هويّة شخصيّة جديدة: باسم "جمال"، وفي هذا السياق يستخدم الكاتب تنصيصًا لأغنية من شعر "بابا طاهر الهمداني".

يعود الكاتب إلى "جوامير" وفراسة الراعي الكردي في معرفة الطريق إلى مدينة بدرة مرورًا ببعض القرى بـ"دلالة النجمة كلاويز" – نجمة الصباح. يتوقّف الكاتب عند الصراع النفسي الذي يعانيه "جوامير" في أماكن مختلفة، وهو ماضٍ إلى مدينة جصّان، وعند تصوّر استقبال خطيبته "قازة" له، وإمكانيّة عمله مع عمّه "برايان الحدّاد"، ونظرة الناس له عندما يدخل متخفّيًا باسم جديد. وبعد أنْ يمرّ الكاتب على مفصل آخر مرتبط بـ"حفلة عرس الحمير" كـ"مشهد إيروتيكي في زقاق ضيّق"، يرجع إلى "جوامير" وانشغاله بقراءة رسالة وصلته من حبيبته "قازة"، وتعرّضه إلى مصاعب غير قليلة صادفته حتّى وصوله إلى "فريج العربان"، حيث كانت هناك حفلة زواج، وينصّص بمقطع من أغنية "الهجع" العراقيّة الجنوبيّة الذي كان أحد المطربين يغنّيها، ويعرّج على احتراس "جوامير" من عيون دوريّات الشرطة. يسترجع الكاتب مرّة أخرى زمن التهجير وما رافقه من معاناة، سواء بالنسبة لـ"جوامير" وأمّه التي حملها على ظهره، أو الكرد الآخرين، بعد نقلهم إلى أراضٍ جرداء على الحدود وتركهم لمصيرهم قبل بلوغ الأراضي الإيرانيّة، ثمّ يشير إلى حدث آخر، يتمثّل بوفاة والدة "جوامير" في الغربة، وعودة جوامير إلى العراق وحيدًا.

يفصّل الكاتب في رحلة "جوامير"، ومعاناته من أجل بلوغ بلدة جصّان، واجتيازه عددًا من القرى والفلوات، يتوقّف عند "بركة صغيرة تجمّع فيها قدر قليل من الماء"، لإرواء ظمئه، و"يحترس من الحيوانات الضارية"، ومنها الذئاب. ينقش "قصّته على الأرض، مثل تلك النقوش السومريّة على سفح جبل بيستون، والكتابات المسماريّة على الجدران والتماثيل". يراقب "كلّ حركة أو طير وحيوان"، ويتابع جولته بأخذ قيلولة: بعد أنْ "فرش حصيرة صغيرة من الخوص وجلس عليها"، وعمل "مظلّة" تقيه من "أشعّة الشمس"، يأكل قليلًا، ويخرج "كتابًا من بين طيّات ثيابه"، ويرتّل للشاعر "مولوي"، ويتداعى مع "أصوات موسيقى وطبول ودفوف"، تدور في مخيّلته.

يسترجع الكاتب زمنًا في "عكد الأكراد" في بغداد، وقصّة بطل آخر هو أبو سلمان المعروف "بمرحه وتعليقاته الساخرة" واعتقاله وتهجيره مع مجموعة كبيرة من كرد هذا الحيّ، من قبل سلطة البعث، لما عُرف عنهم من مقاومة لانقلاب شباط الدموي 1963، بما في ذلك في الساحة التي كانت تُسمّى بـ"ساحة موسكو". يشير إلى مأساة أبي سلمان ووفاته "في قرية داخل الأراضي الإيرانيّة". يمضي "جوامير" في طريقه إلى مدينة جصّان، ويلتقي في طريقه ببدوي يعدّ جماله للتحرّك إلى مدينة بدرة، يرافقه "جوامير" على ظهر أحد الجمال التي رُبِط بها لأنّه لا يعرف ركوبها. يعود الكاتب مرّة أخرى إلى "المكاري قرمزي"، و"ابن جوجان القجقجي" المتنقّل بين عيلام و"جزيرة هور الشويجة"، ويمرّ على اختفاء الاثنين ورجال آخرين في القافلة، لم يُعرف مصيرهم.

يتواصل الكاتب مع "جوامير"، وهو يأخذ مع البدوي قسطًا من الراحة، وهما في طريقهما إلى مدينة بدرة، ويتّضح من النصّ أنّ البدوي لديه معلومات عن الكرد الفيليّة و"عشائر المنطقة" و"اللور الصغير والكبير". يمضي البدوي في الحديث عن تجارته ببيع الملح وشراء السجّاد بين العمارة والكوت، ويُعرَف من حواره مع "جوامير" أنّ الأخير متزوّج وله ابنتان. يتحرّك البدوي و"جوامير" في اليوم التالي باتّجاه مدينة بدرة، وينشد "جوامير" مترنّمًا، وهو يستعيد زمنًا في ذاكرته عندما كان في معسكر الوشّاش، وتمّ اختطافه من قبل "مفرزة من جنود الانضباط العسكري" في عكد الأكراد، ومعاناة أمّه وهي "تركض خلف السيّارة العسكريّة باكية"، ومن ثمّ حشره مع آخرين في دائرة التجنيد، وسوقه إلى الخدمة العسكريّة. يتوقّف "جوامير" عن السرحان بعد أنْ يفاجئه والبدوي "أحد الدراويش"، الذي بدوره ينشد بالفارسيّة. يستمرّ الحدث بدويّ انفجار "لغم أرضي"، الذي غالبًا ما كانت سلطة بغداد تزرع كثيرًا من الألغام في المناطق الحدوديّة مع إيران. ينطلق الجمل بـ"جوامير" المشدود إليه، في البراري حتّى وقوفه، وشروع "جوامير" بفكّ رباطه منه، و"استكشاف الاتّجاه الذي يسير فيه"، متابعًا حركة الجمل "في محاولة لعدم ترك فجوة كبيرة" بينهما، وآملًا بالوصول إلى مدينته. هكذا تنتهي القصّة التي عبّرت عن مأساة البطل الفردي ومعاناته، والتي بدورها تعكس مأساة الكرد الفيليّين ومعاناتهم، دون أنْ يضعنا الكاتب في صورة مصير جوامير بعد هذا الزمن، وكأنّما أراد أنْ يواجهنا بمصيره المجهول، أسوة بمصير الآلاف من الكرد والعراقيّين، الذي ما يزال مجهولًا إلى الآن.

أمّا موضوعات قصصه الأخرى وأبطالها وأزمنتها فأغلبها توثيقيّة، يستقيها الكاتب من الواقع والحياة اليوميّة، وينتقيها بعناية، من حيث طبيعة البطل وزمنه وحدثه. ففي قصّة (الرجل الذي صار قردًا)، يتحرّك البطل في زمنين: كرونولوجي واسترجاعي، سواء أيّام حكم الإنجليز أو بعد ثورّة 14 تمّوز في العراق عام 1958، وفي مكان متمثّل بمقهى "الحويزاوي" الذي يرتاده بعض أبناء المدينة هربًا من "ضجيج المدينة"، وطلبًا للراحة. يشير الكاتب في هذه القصّة إلى شيوع الأقاويل والخرافات والأساطير في أوساط بعض الناس، ومنها "رجل يقفز كالقرد ويستطيع الطيران" في فيلم "سوبرمان"، و أحاديث "المعلّم جواد البنّا"، بأنّ "أصل الإنسان قرد". تركّز هذه القصّة على صورة أحد الأبطال الشعبيّين الفقراء، هو "السيّد عليوي" سواء عندما كان يعمل خبّازًا أو بائعًا للدجاج، أو عندما أصبح الشارع الذي يعمل فيه يُسمّى باسمه، أو عند تلقّبه بالسيّد، وشيوع هذا اللقب بين أهل المدينة. لقد ظنّ "عليوي" أنّه سيّد فعلًا، بحيث "صدّق هو نفسه ذلك، فأخذ يلفّ على وسطه حزامًا من قماش أخضر، ويرتاد المجالس ليدلو بدلوه في الحلال والحرام"، مثلما يذكر الكاتب.

وفي قصّة (امرأة من ورق)، يمتزج الواقع التوثيقي بالمخيّلة التي تربط هذا الواقع بالفنّ والتاريخ، وتجمع بين الحالة الأوروبيّة والحالة العراقيّة. يدور الحدث حول حورية البحر في كوبنهاكن عاصمة الدنمارك من جهة، ومنارة البحر في هذه المدينة أيضًا، ومن ثمّ شخصيّة مثقّفة رئيسة تقوم بدور البطل بشكل مباشر، هو الكاتب نفسه، وشخصيّة ثانويّة، هي الفتاة الفارسيّة التي يتعرّف عليها الكاتب بالصدفة لفترة قصيرة من الوقت. يستعرض الكاتب حياة الشوارع والمحلّات والحوريّة والميناء، وحياته اليوميّة وهو يتجوّل "بين المقاهي والحانات المنتشرة على جهتي الشارع الذي يغصّ بالناس من مختلف الألوان". يقف طويلًا أمام  تمثال البطلة - "حوريّة البحر" التي نحتها فنّان ماهر، و"التي أصبحت شعارًا للمدينة". يبرز الزمن في حواره مع الفتاة الفارسيّة في ضوء "التمييز بين الماضي والحاضر من خلال التمثال"، والدخول إلى "رشاقة التفاصيل، والتعبير البليغ المشعّ من وجه الحوريّة" الذي قدّمه الفنّان. يمرّ الكاتب أيضًا على تاريخ الفايكنغ، وسرّ اختيار الفنّان  "للحوريّة على هذا الشكل، النصف الأعلى امرأة والنصف الأسفل سمكة"، فضلًا عن استرجاع زمني مرتبط بتماثيل الهنود والآشوريّين، مستعينًا في الوقت نفسه بمفردات فارسيّة في خاتمة هذا المفصل من القصّة. يواصل الكاتب – أيْ بطل القصّة، تسكّعه، وهذه المرّة "على أرصفة الميناء"، في زمن لا يستغرق بضع ساعات، ويبني مستوى حركته في يوم واحد، بين مطعم ماكدونالد وبائع الفلافل ومحلّات "صور فتيات عاريات كبيرة الحجم" والأسعار الباهظة. يصف النوراس "التي تحلّق فوق السفن"، ومنارة البحر التي تذكّره بمنارة "الإمام والزوّار" في سامرّاء، وغربته عن العراق التي مرّت عليها سنوات غير قليلة، والعرّافة التي قرأت "مستقبله"، و"سفره الطويل" ومعاناته. يسترجع زمن هجرته إلى خارج العراق بشكل سرّي "خشية افتضاح أمر هربه ومعرفة رجال الشرطة السرّيّة بالأمر". تدور في مخيّلته أفكار مختلفة في ميناء كوبنهاكن، زواجه كشرقي من أوروبيّة، من أجل تفادي المتطلّبات العراقيّة في الزواج كـ"المهر والغائب والحاضر والشيخ والقاضي". يعود إلى دمى النساء المصنوعة "من ورق" وهي تعلن عن نفسها في واجهات المحلّات، ويتمنّى لو كانت هذه الدمى نساء حقيقيّات، ولو اشترى إحداها، وإنْ "من ورق"، إلّا أنّ العائق اللغوي يحول دون ذلك.

تدور قصّة (البحيرة البيضاء) التسجيليّة حول الكاتب نفسه، معاناته في هجرته من لتوانيا إلى السويد، واستقراره في الأخيرة، ويبدو الزمن محدّدًا بـ"حلول عيد رأس السنة الجديدة"، وكيفيّة قضاء العيد مع "كلبه الأبقع بوري" الذي ورثه من جارته العجوز بعد وفاتها. يصف شعوره بالوحدة، بعد قراره بعدم السفر إلى مدينة "أوبسالا"، والبقاء في مدينة "أوميو" لقضاء الوقت حول البحيرة البيضاء الجليديّة، ويتذكّر زمنًا، توزّع فيه "الأصدقاء في مدن متباعدة مختلفة" بالسويد. يصف شتاء المدينة القارس وصيد السمك في هذه البحيرة، الذي يذكّره بصيد السمك في نهر دجلة. يذكر كيف قام أحد أصدقائه الملقّب بـ"موشي" بشي سمكة في لتوانيا، ويسترجع زمن السمك المسكوف في العراق، أو سمك "شوّاية" جدّته. يرجع إلى معاناته في الغربّة، والهجرة بجواز سفر مزوّر بزورق من شواطئ لتوانيا إلى شواطئ السويد. تبرز هنا شخصيّتان، هما "موشي" بجوازه الإسرائيلي المزوّر، والذي لُقّب من قبل الآخرين بـ"موشي دايان"، وعبد الرحمن بجوازه اليوناني المزوّر، ويعود الكاتب ليصف ما يعيشه في أجواء الصيف بأوروبا، مسترجعًا أيضًا شمس آب اللاهبة في العراق.

يوثّق الكاتب في قصّة (فنجان قهوة) حياة بطله أبي حليمة، الذي يعتمر "قبّعة فرنسيّة زرقاء" في تجواله بإحدى مدن السويد، ويفصّل في حياته اليوميّة باحتساء قهوة "سوداء" قبل أنْ يمضي إلى مدرسته لتعلّم اللغة السويديّة. يعقد مقارنة بين زمنين ومكانين، في السويد والعراق، بين سطح المدرسة السويدي و"سطح دارهم الطيني" في العراق، وبين قهوة الجهاز السويدي، وقهوة أبي عامر في العراق، فضلًا عن المرور على تهجير مجموعة من الكرد الفيليّين، حيث "حملوهم  مع الأطفال في سيّارات (الزيل) المكشوفة دون رحمة".

وفي قصّة (مذكّرات حمار الرئيس)، يستخدم الكاتب طريقة كتابة المذكّرات، عبر "ديباجة" وإحدى عشرة حلقة، مستعينًا بدلالات رمزيّة ومخيّلة وأسلوب تشخيصي لشخصيّة حيوانيّة محوريّة إيجابيّة - الحمار، ونزوات حاكم "رئيس" كشخصيّة سلبيّة، إلى جانب تناول شخصيّتي الفرس والبستاني. يتحدّد الزمن كرونولوجيًّا بـ"العقد الأخير من القرن الماضي"، والحدث بالجمع بين الهجوم على بنايات الحكومة بسبب "سقوط الحمم والنيران من السماء على البلاد لمدّة أربعين يومًا"، وسرقة ملفّ من بين المسروقات، هي "مذكّرات حمار الرئيس". يجمع الكاتب بين الخيال ورمزيّة الواقع ومتابعة تطوّر حياة الشخصيّة الرئيسة وشؤونها والأحداث التي عاشتها. ففي الحلقة الأولى يتحدّث الحمار عن نشأته، وفي الثانية عن قيام أمّه بقصّ حكايات له قبل نومه، وخروجه بدلالات رمزيّة عن استغلال أبيه من قبل البستاني، وشعوره بالظلم. وفي الحلقة الثالثة إشارة إلى بلوغة مرحلة "الحلم" وعلاقته بالبستاني، بينما يتعلّم في الرابعة لغة "أولاد البستاني وأطفاله وأولاد القرية"، ويكافئهم إذا ما فعلوا شيئًا مفيدًا وجميلًا له، ويعاقبهم برفساته إذا ما عاملوه بقسوة، في الوقت الذي تشير المذكّرات في الخامسة إلى نقله إلى المدينة كـ"هديّة للرئيس"، وسكنه في "مرعًى واسع جميل"، وحزنه على مفارقة عالمه السابق، ودلالة عدم تفهّم البشر مشاعره. وتبرز في السادسة رغبة الرئيس بـ"ركوب حمار رصين فاهم ذكي، يعرف إشارات البشر ويفهم لغتهم"، ومفارقة اختيار الحمار كمركوب له، بينما تشير السابعة إلى سكنه المترف مع خيول الرئيس في الإسطبل الغني بالعلف، وتعرّفه على فرس يقوم بتعليمها لغة الحمير لأّنها "قريبة من لغة الخيول". وفي الحلقة الثامنة يدور حديث بينه وبين الفرس عن الرئيس، الذي وصفه الكاتب بأنّه "شخص كبير الجثّة، منتفخ البطن ثقيل الوزن، لا يعرف ركوب الخيل"، بينما يجمَّل الحمار في الحلقة التاسعة لكي يشارك في سباق الخيول، ومن ثمّ تتقرّر في العاشرة مشاركته في هذا السباق. أمّا في الحلقة الحادية عشرة فيكتمل تنظيف الحمار وتجميله ومعاينته طبّيًّا، ودخوله إلى حلبة "الريسز" للسباق كحصان للرئيس، وسط ابتهاج الناس وتصفيقهم. تنتهي المذكّرات بإتخام الخيول بالطعام كي تكون ثقيلة في العدو، ووضع "فلفل أحمر حار في دبر الحمار" كي يعدو بفارسه سريعًا. ينتهي حديث الحمار لصديقته الفرس، بأنّ الرئيس كان مبتهجًا بفوزه، حيث تجاوز خطّ النهاية مسرعًا، ولكن من أجل "إطفاء حرقة الفلفل الأحمر".

يركّز الكاتب في قصّة (ولد ببغداد) على بطل رئيس، هو طالب المدرسة الثانوية البارع في إصلاج الأجهزة الكهربائيّة "فاخر حسين الصفّار"، مثلما كانت تتحدث جدّته، أو الشرطي مع الموظّف "الحاجّ هاشم". يبرز الحدث بطلب أحد مراكز الشرطة في العراق زمن الظلم والدكتاتوريّة من "فاخر" إصلاح أحد الأجهزة، وقيام الأخير بإصلاحه، وسماعه في المركز "أصوات عويل وصراخ آتية من الحجرة الملاصقة لمكان عمله"، لأنّ رجال الشرطة كانوا "يستجوبون سياسيًّا عنيدًا، وسيعذّبونه بواسطة الجهاز الذي قام بربطه". ينتهي الحدث بانتحار "فاخر" في اليوم التالي، بعد أنْ ترك رسالة توضّح سبب انتحاره، وخمسين دينارًا قُدِّمت له من قبل الشرطة كثمن لإصلاح الجهاز.

أمّا في قصّة (قوس قزح) فيكتب المؤلّف عن حدث في فصل الربيع، وزمن حكم  البعث في العراق عندما قامت "مجموعة من رجال الشرطة السرّيّة" باختطاف أحد الأشخاص، وأخذه "إلى مكان مجهول، عُرِف فيما بعد أنّ اسمه قصر النهاية"، وبعد التحقيق أرغموه "على توقيع وثيقة تسمح لهم بإعدامه إنْ ثبت اشتغاله بأيّ تنظيم غير تنظيمات الحكومة". يصف الكاتب معاناة البطل، فضلًا عن سقوط المطر ومقهى "قُلي خان"، ومن ثمّ الصحو وظهور ألوان قوس قزح في السماء، ومنها اللون الأزرق الذي يذكّره بلون "نهر الوند الرقراق"، وهو يسير برفقة ابنه، محاولًا تفسير فكرة قوس قزح له في الآن ذاته.

وفي قصّة (عقوبة الهرب) يتناول الكاتب زمنًا مفتوحًا لحدث يتعلّق بشخصيّة "الشيخ"، ورجل مربوط "إلى شجرة التوت عند الإسطبل"، بانتظار عقوبة الشيخ، إذْ عُرف هذا الشيخ بإصدار "عقوباته كلّ أسبوع" من جلد وسواه، فضلًا عن وجود شخصيّات ثانويّة هم رجال الشيخ المتجمّعون "قرب شجرة التوت"، وغيرهم ممّن "يمتطون الخيول". أمّا العقوبة فكانت بسبب هروب الرجل – الضحيّة من مواصلة جمع أكداس الأعشاب التي كان يقوم بها "كلّ يوم من حقول الشيخ". وبعد إلقاء القبض على الرجل في المدينة، نُفِّذت عقوبة قاسية بحقّه بحضور الشيخ، وهي وضع "عصا المسحاة في أسته".

يسترجع الكاتب في قصّة (الشرطة وبنات آوى) زمن أجواء الاعتقال في القصر، ويصف معاناة البطل، ومسرح الحياة القاسية في الزنزانة، ومحاولة الهروب غير الموفّقة منه. يتحدّث عن ضيف جديد يشاركه الزنزانة، وعن المدينة "وعيون مياهها الباردة"، ومخيّلة سارحة بالحرّيّة "حيث العصافير تطير وتغرّد، وحيث الفتيات الجميلات ينتظرن الأحبّة"، ومنهنّ فوزيّة وقراءتها "القصص الرومانسيّة"، وانتفاضة أهوار الجنوب، وبطل هو كاكه محمود الذي أُعدِم بتهمة "انتمائه إلى البشمركة". يركّز الكاتب على غياب معرفة مصير بطله الرئيس، والحلم بالحرّيّة، والكفاح بـ"البندقيّة"، ويختتم قصّته بظهور "جلبة ثلّة من رجال الشرطة أمام باب زنزانته"، فقد "جاءوا ليأخذوه قبل أنْ تشرق الشمس".

يسترجع الكاتب في قصّة (السكّين) زمنًا برفقة شخصيّة أبي خضيّر الذي قُتل لاحقًا، لاختيار سكّين حادّة ولكن ليست غالية الثمن من بائع اسمه "حميد ابن العورة" في إحدى الأسواق الشعبيّة بالعراق، سكيّنة "أمّ الياي" بسبب وجود "زرّ" فيها. يعرّج على معركة ذات الصواري أيّام الإنجليز، والحياة والحروب بين زمنين: الإنجليزي سابقًا، والأمريكي الراهن. يصف إحدى المدن الليبيّة الكبيرة، حيث الوالي الذي جعلها "خالية من المسارح والسينمات والمقاهي بأمر سلطاني واحد لا غير"، والولاة الذين يتوزّعون بين التطرّف والإرهاب والدكتاتوريّة، مع تساؤل يرتبط بشعار شعبوي: "سنحارب"، ولكنْ بدون أنْ يتوفّر سلاح ما.

يتوقّف الكاتب في قصّة (السيّد لجن في لندن) عند زمن القراءات الحسينيّة وعاشوراء وأحزان العراقيّين والأمّ "المدمنة" على حضورها، برفقة ابنها "محيسن" ذي السادسة من عمره, يكتب عن الكوخ الصغير حيث تسكن العائلة، ويقارن الكاتب بين قلب الأمّ الحنون، وقلب الأب القاسي وصراخه وغلطه على ابنه، منصّصًا بأغنية عراقيّة "قلبك صخر جلمود". يتحدّث بأسلوب السخرية عن هجرة الشخصيّة الرئيسة، الشابّ "محيسن" لاحقًا ليكون في رحاب "أبو ناجي"، وهو "يسير في حدائق الهايدبارك بلندن ويتحسّس الباوندات الأسترلينيّة القابعة في جيبه"، مفكّرًا بالانتقام لـ"سعدة" التي خطفها أحد الإنجليز يومًا ما. يفكّر بفتاة شقراء إنجليزيّة، ويتناوبه صراع بين المضاجعة للانتقام من الإنجليز، وبين تعلّم لغة البلد.

يشير الكاتب في قصّة (سجائر تركيّة) إلى مظاهرات عمّال السجائر في ساحة الوثبة ببغداد عام 1961، وتضامن طلاب "ثانويّة الجعفريّة وثانويّة الأكراد الفيليّة معهم"، وحالة العمّال الذي ينتجون السجائر التركيّة، في الوقت الذي يعانون من الهزال بسبب عملهم الشاقّ وقلّة أجورهم. يكتب عن شخصيّة أخرى هي "أبو زكي" المدمن على تدخين السجائر التركيّة، والمظاهرات بين شارعي الرشيد والجمهوريّة، فضلًا عن الشرطة والجيش و"الدبّابات والسيّارات المصفّحة" التي اقتحمت الشارع لفضّها. تدخل في الحدث شخصيّة إيجابيّة، أيْ "أبو عادل" الباحث عن ابنه "عادل" وسط المتظاهرين دون جدوى، ومواجهة الشباب بالرصاص، وإيواء الناس الشباب في بيوتهم، وسيطرة الجيش والشرطة على الموقف، فالملاحقات والاعتقالات، ومنها اعتقال أبي عادل في ساحة الوثبة، ومقتل ابنه.

يسترجع الكاتب في قصّة (سجن الكوت) ذكرياته عن "بعض من يعرفهم"، وحواره مع خاله الذي يشتم الحكومة دائمًا، وزمنًا يرتبط بمسقط رأسه، وبيت جدّه وجدّته في مدينته الصغيرة، وحكايات "الطنطل والسعلاة... وتمائم السيّد علي"، و"رجل الحكومة الذي يتلصّص وينصت من وراء الجدران الطينيّة ليسمع ما يدور خلفها". يركّز على السجن والمسافة بينه وبين بيت الجدّ، و"نزلائه الأشدّاء الذين تحدّوا الحكومة وأعلنوا إضرابهم الشهير"، ويمرّ على قيام السلطة بـ"قتل الأبرياء في ذلك السجن الكبير".

أمّا في مسلسل (حكايات لبغداد) فيوزّع الكاتب موضوعاتها بستّ حكايات على شكل مذكّرات واقعيّة، تدور حول معاناة العراقي في الغربة، وتتناول صورة بطلها الرئيس رياض على وجه الخصوص، بأحداث عاشها، في أزمنة مختلفة، وأماكن، هي: العراق، الجزائر، المغرب، تونس، تيزي أوزو، القلعة، فضلًا عن معاناته وحبّه واعتقاله واختفائه. يبدأ الكاتب حكاياته عن استعداده للرحيل من الجزائر، وحديثه مع صديقته الجزائريّة عن "برج الكيفان" كـ"منطقة سياحيّة هادئة"، وقراره مع أصدقائه: عقيل ورياض وباسل وجواد، المكوث فيها بضعة أيّام حتّى سفرهم، ومن ثمّ اتّفاقهم على سرد حكايات، يقول الكاتب عنها: "جمعتها، ولكنّي نسيت تواريخ أحداثها".

يتحدّث الكاتب في (الحكاية الأولى) عن حياة "رياض" الأولى في العراق، واهتمامه بنفسه من الناحية العصريّة، ومن ذلك "تقليده أبطال السينما الغربيّة"، وقصّ شعره على طريقة أحد الممثّلين العالميّين. يكتب المؤلّف عن "شربت الحاج زبالة في الحيدرخانة" بشارع الرشيد ببغداد، وزميله سرحان، وعن مجلس "أبو حلّومي" ، وحكاياته المبالغ بها، ولاسيّما حكايته عن "خروجه إلى الصيد... قبل ليلة عيد الفطر"، وحرص رياض "على حضور" هذا المجلس. يركّز الكاتب كذلك على حبّ رياض – الـطالب في السنة الأخيرة بكلّيّة القانون"، للطالبة "شهرزاد"، ورفض أبيها طلبه لخطبتها، ويمرّ على اعتقاله، فهجرته إلى خارج العراق، ووعده لشهرزاد بمواصلة الكتابة إليها.

وفي (الحكاية الثانية) يواصل الكاتب حياة "رياض" في الجزائر، وحصوله على عمل ومكان متواضع للسكن، إلى جانب معاناته في وحدته، ويسترجع زمن الحرب العراقيّة-الإيرانيّة، ويتوقّف عند انتفاضة "الأمازيغ" في تيزي أوزو والقبائل للمطالبة "بحقوقها الثقافيّة والسياسيّة"، ومقهى "اللوتس" في العاصمة، وخطف حقائب النساء مثلما حدث لـ"امّ نوري"، و قرار رياض بالسفر إلى المغرب.

يشير الكاتب في (الحكاية الثالثة) إلى وصول "رياض" إلى مدينة الرباط، ويصف حياته البوهيميّة التي "مارس فيها كلّ أنواع اللهو"، وتعرّفه على "العديد من الفتيات، ويكتب عن "حرّيّة الفتاة المغربيّة" ورأي زميله "حسّاني" في هذا المجال. يتناول كذلك حبّ "رياض" لسميرة – إحدى الفتيات المثقّفات، وتعذّر إمكانيّة الزواج منها بسبب صعوبة مراجعة السفارة العراقيّة لاستحصال الأوراق المطلوبة، ومغادرته المغرب، على أنْ يتواصل مع الحبيبة بالرسائل.

يستمرّ الكاتب في متابعة حياة "رياض" في (الحكاية الرابعة)، فيكتب عن "عدم إمكان قدومه إلى المغرب بسبب عدم منحه تأشيرة دخول"، وموافقته على اقتراح صديقه "أحمد" بالسفر إلى تونس، لاسيّما وانّ له صديقًا تونسيًّا فيها، هو "مختار". تبرز شخصيّة أخرى هي "الآنسة كوثر"، التي تعرّف عليها في أثناء دعوته للعشاء من قبل "مختار"، وأحبّها، بحيث أخذت ترافقه في زياراته، ومنها زيارة "المسرح الروماني وجامع الزيتونة والأسواق الشعبيّة المحيطة به". تنهتي الحكاية برفض أمّها خطبته لها، الأمر الذي يغادر تونس، على أمل التواصل معها بالكتابة.

وفي (الحكاية الخامسة)، يعود "رياض" إلى مدينة "تيزي أوزو" في الجزائر ودعوة أصدقائه لجلسة مأكولات ومشروبات، بحضور زميلته "عليّة الخطيب"، ومنهم "أبو غادة الموسوي وبهجت الكردي وهاتف وأبو نوري وأبو ناتاشا". وإلى نيّة "رياض" الزواج من "كوثر"، وصعوبة الحصول على التأشير التونسيّة، والاكتفاء بمخاطبتها بالرسائل.

أمّا في (الحكاية الأخيرة)، فيقرّر رياض "العودة إلى مدينة القِلعة، مسقط رأسه" في العراق رغم تحذيرات أصدقائه بعدم التصديق بوعود الحكومة. يشير الكاتب إلى اعتقال "رياض" من قبل السلطات العراقيّة الحاكمة حينذاك واختفائه، وشيوع حكاية عبر "عليّة الخطيب" عندما كانت في الشام نقلًا عن "إحدى قريباته" هناك، بأنّها رأته "جالسًا على بساط فوق سطح داره". وفي اليوم التالي رأته "راقدًا دون حراك، ورأت حوريّة تتصاعد مع الدخان الأبيض المنبعث من التنّور، طارت الحوريّة مع الدخان، وحلّقت فوق سطح الدار، ثمّ استدارت وحامت فوق رأس رياض، فنهض من نومه متثاقلًا وطار إثرها حتّى اختفى وإيّاها في الأفق"، وقد قيل إنّ الحوريّة كانت "سعلاة". وبهذه "الأسطورة" تكون أخبار "رياض" قد اختفت، وبقي مصيره مجهولًا، أسوة بمصير بعض أبطال قصص الكاتب، وكثير من العراقيّين.

أخيرًا، يمكن القول إنّ الكاتب مؤيّد عبد الستّار قد عبّر بأسلوب القصّة والحكاية والمذكّرات عن صورة البطل ومستوياته الواقعيّة وعلاقته بالزمن ومتغيّرات أحداثه، وقد تراوحت مستويات الأبطال والشخصيّات في نصوصه بين المتعلّمين أو المثقّفين والشعبيّين والبدو والفلّاحين والدراويش والمهرّبين والسياسيّين ورجال السلطة والعسكريّين، وكانت هناك نماذج، اتصّف قسم منها بمحوريّته وإيجابيّته في صنع الحدث، وقسم آخر بثانويّته وسلبيّته. جمعت القصص والحكايات بين زمني الماضي والحاضر، بأشكال كرونولوجيّة واسترجاعيّة وأبعاد سيكولوجيّة، ومستويات مختلفة، وصوّرت المأساة العراقيّة والكرديّة الفيليّة، وعكست معاناة العراقي وهو ملاحق بالاغتراب والمنفى والعسف والاعتقال والموت، والكردي الفيلي بالظلم والتهجير والإبادة، وخصوصًا إبّان حقبة حكم البعث، واختلط الحبّ فيها بالقسوة، والسياسة بالاستبداد والكفاح. تراوحت القصص بين القصر والطول، وبين تكثيف المتن والتفصيل فيه، وجمعت بين التوثيق الواقعي والمخيّلة، والوصف والحوار، وتخلّلتها معارف وفولكلور وأساطير وأغانٍ وأشعار وتنصيص، وأفكار تربط التاريخ بالواقع الراهن، واكتظّت بالأماكن، وتفاوت فيها استخدام التشخيص والمجاز والرمز، مثلما تفاوتت القصص عن الحكايات أسلوبيًّا وبنائيًّا. ظهرت في القصص والحكايات أبعاد أوروبيّة: لتوانيّة، سويديّة، دنماركيّة، وأبعاد عراقيّة، وأخرى عربيّة أفريقيّة: جزائريّة، مغربيّة، تونسيّة، وكان اتّجاهها العامّ واقعيًّا، ولغتها مباشرة وسليمة، مع الاستعانة بمفردات شعبيّة عربيّة وكرديّة. عكست قصّة (مذكّرات حمار) مخيّلة الكاتب الواسعة، وهو يستعين بالتشخيص الدلالي برموزه غير القليلة، في الوقت الذي برزت قصّة (تسفير) غنيّة بسردها ودلالاتها وتوثيقها الواقعي ودور بطلها الرئيس في دائرتي الزمن والحدث، ولو أنّ هذه القصّة، مثلما أشرتُ في المتابعة، لم تضعنا، على أهمّيّتها، في صورة محاولات البطل المحوري المثقّف والإيجابي "جوامير" بشكل كامل، لكي يعرف القارئ طبيعة الأحداث اللاحقة التي مرّ بها حتّى بلوغ هدفه من عدمه. وقد يكون سبب ذلك هو ميل الكاتب إلى النهايات المفتوحة، الأمر الذي بقي معها مصير "جوامير" وعدد من أبطال قصصه وحكاياته مجهولًّا، أسوة بمصير آلاف العراقيّين الذين غيّبتهم أو هجّرتهم السلطة البعثيّْة الحاكمة حينئذٍ في العراق، أو من تفرّقت بهم السبل، وتشتّتوا في بلدان الغربة، بلْ والمصير المجهول للشعب العراقي.

 

بقلم: عدنان عبّاس

.......................

الهوامش:

(1) يذكر الباحث حبيب مؤنسي، أنّ هناك ضرورة لتحديد مصطلحي البطل والشخصيّة بسبب وجود اختلاف بينهما، فالشخصيّة في عدد من الدراسات النقديّة التي تتناول نصوصًا سرديّة، تبدو، في رأيه، "وكأنّها هي البطل، وأنّ البطل هو الشخصيّة". ويرى أنّ البطل إيجابي، وهو "مهمّة"، وأنّ للبطولة "بعدها الحضاري الذي يتجاوز المطلب الذاتي إلى مطالب تتسامى عن الرغبات الآنيّة إلى ما يحقّق مراد الكلّ تحقيقًا في انتصار الحقّ والخير والعدل... ودفع الشرّ والظلم". أمّا الشخصيّة، فيعتقد أنّها "دور، سواء اتّجه هذا الدور اتّجاهًا إيجابيًّا... أو سلبيًّا، وتتّسع لتشمل الحيوان والجماد".

يُنظر: حبيب مؤنسي، البطل أم الشخصيّة! لماذا تخلّت الرواية عن البطل لصالح الشخصيّة؟

10شباط 2012، في: https://anfasse.org/e-cle/taat14456369/4669.html، بتأريخ 5/10/2021.

(2) جيرالد برنس، Gerarld Prince، قاموس السرديّات Dictionary of Narratology، ترجمة: السيّد إمام، ميريت للنشر والمعلومات، القاهرة 2003، ص 198.

(3) غاستون باشلار Gaston Bachelard، جدليّة الزمن The Dialectic of Duration، ترجمة: خليل أحمد خليل، المؤسّسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع، ط 3، بيروت 1992، ص 14.

(4) المصدر نفسه، ص 15.

(5) يتساءل الباحث لورانس أ. برافين Lawrence A. Pervin عن علاقة الشخصيّة أو البطل بالزمن، فيعالج ذلك من خلال المدى أو الحدّ الذي "تستقرّ فيه الشخصيّة عبر الزمن، وعبر المواقف"، وانطلاقًا من الجانب السيكولوجي لها في الآن ذاته. (تُنظر مقدّمة المؤلّف في: لورانس أ. برافين Lawrence A. Pervin، علم الشخصيّةThe Science of Personality ، ج 1، ترجمة: عبد الحليم محمود السيّد، أيمن محمّد عامر، محمّد يحيى الرخاوي، مراجعة: عبد الحليم محمود السيّد، المركز القومي للترجمة، القاهرة 2010، ص 15).

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5517 المصادف: 2021-10-13 02:49:51


Share on Myspace