 قراءات نقدية

محمد المحسن: القصيدة الومضة.. "عصارة العبارة" للشاعرة التونسية نفيسة التريكي.. أنموذجاً

محمد المحسن"نحنُ نجدّد في الشعر، لا لأنّنا قرّرنا أن نجدّد، نحنُ نجدّد لأنَّ الحياةَ بدأت تتجدّد فينا، أو قُل تجدّدنا" (الشاعر اللبناني الراحل يوسف الخال)

تعتبر قصيدة الومضة هى قصيدة التكثيف الشديد والتلميح الأشد، حيث تكون فيها مساحة المُصرَّح به أقل بكثير من مساحة المسكوت عنه، وفى هذا النوع من القصائد يحيل الشاعر المتلقي بإعمال فكره واستخدام كل مهاراته الثقافية والأدبية واللغوية لفك طلاسم هذه القصيدة، وقصيدة الومضة تعتبر قصيدة المثقفين ولا يمكن-لأنصاف المثقفين- أن يتعاملوا معها أو حتى يستمتعوا بها.

ويمكن أيضاً أن نقول إنها قصيدة النضج واكتمال المعين الشعري لشاعرها، ويمكن أيضا أن نقول إنها قصيدة الصمت الإيجابى أو الصمت المقروء.

قصيدة الومضة أيضاً هى قصيدة الدهشة فى أنقى معانيها..

ويمكن القول باختصار أنها القصيدة التى تستنفر عقل وفكر المتلقي ليكون على قدر مستواها الفكري والأدبي.

ولعل أهم أسباب الإنتقال إلى القصيدة الومضة أو التوقيعة انتقال الشعر من المباشرة والخطابية إلى الإيحاء، أو الانتقال من الشعر الذي يُلقى أمام متلقين في مهرجانات شعرية لغاية التوعية، والتنوير، إلى الدعوة إلى قصيدة تقرأ في جو خاص.وقد شهد عصرنا تواتراً في الأحداث الساخنة التي لم تعد تسمح بنظم القصائد الطوال، الأمر الذي أدى إلى وجود سمة الانفعالية والتعبير المقتضب والموحي.فظهرت قصيدة الومضة وهي ذات مجموعة من التوقيعات النفسية المؤتلفة في صورة كلية واحدة، وهو أمر يعني أن للصورة أهمية استثنائية في قصيدة التوقيعة.

ويتطلب هذا الشعر ذو اللحظة الانفعالية، والدفقة الشعورية، ذكاءً نافذا من الشاعر، ونباهة عالية من المتلقي، أو القارئ، لأن القصيدة المدونة مبنية على صورة واحدة تحمل فكرة واحدة، وانطباعاً واحدا بتكثيف شديد لا يخل ببنيتها الشعرية البلاغية، الا أنها تفتح آفاقا واسعة في المعاني والمدلولات.

وقصيدة الومضة، أو التوقيعة، تحدث عند متلقيها، قارئا أو سامعا، فجوة توتر شعري، وهي سمة شعرية تصاحب القصيدة الناضجة، هذه السمة يمكن من خلال قارئ نوعي حصيف للشعر أن تولّد عنده سمة أخرى ومهمة هي سمة الإنفجارية، إن كانت تلك الإنفجارية في الإيحاء، أو التأمل، أو الدلالة، إنها حالة الدهشة المتولدة من ذلك الإنفجار، ومن ثم تنتج متعة القراءة أو السماع، فيتم التبادل المبدع والمثمر بين الشاعر ومتلقيه.

شعرية التوقيعة في”عصارة العبارة”للشاعرة التونسية نفيسة التريكي

قد لا أجانب الصواب إذ قلت أنّ الشاعرة التونسية نفيسة التريكي تعد من أبرز الشاعرات التونسيات اللاتي أبدعن في صياغة نصوص شعرية تداعب الذائقة الفنية للمتلقي..إلا أنها فأجأتني بديوانها الشعري المتميز المعنون ب"عصارة العبارة"الصادر عن دار العنقاء للنشر والتوزيع بعمان-الأردن.(2016) فقد اتكأت-في هذا الديوان-على حقول دلالية محددة أبرزها: الزمن، والحزن، والثنائيات الضدية..وقد سميت توقيعة، لأن الشكل الشعري يشبه التوقيع في الرغبة في الإيجاز، وكثافة العبارة، وعمق المعنى، فيحوّل عبر التوقيعة شعريته إلى خطاب اتصاليّ يثير انفعالات المتلقي، ويجعله يشاركه مشاعره، فتثير التوقيعة لدى المتلقي الدهشة، وتدخله إلى عالم الشاعر، وتنجم شعريتها عن موقف انفعالي، وقد تأتي في خاتمة المقطع أو القصيدة، وقد تكون القصيدةُ قصيدةَ توقيعة/ ومضة. تقول نفيسة:

تحتشد المشاعر كي تكون..

عساها..

تتمكّن من كينونة..ترومها وتهواها..

ولكن..قد لَن (ص 112)

تقوم توقيعة-نفيسة التريكي-على فهم الحياة، وتحديد موقف منها.وهو ما يبدو واضحاً من الرؤيا التي تقدمها، ومن العتبة النصية “عصارة العبارة” وما تحيل إليه العصارة من معان تنضوي على رؤية تدخل في علاقة ضدية مع رؤياها.ومهما كانت نتيجة موقفها، فإنه محصلة العلاقة بين الشعر والحياة، وما يحكم هذه العلاقة من ملابسات.فالموقف من المجتمع والحياة يؤكد إنسانيتها، ودرجة توقدها.وفي-عصارة العبارة-تتضخم الأنا الشاعرة مقابل زيف الواقع، فتتمرد تمرداً شعرياً، لكي تشكّل الشاعرة في النهاية نصها الشعري وفق رؤياها.

حين ترتوي الأرض..ننتعلها عازمين

ازرع فؤادك في البلاد

لعلها..تنبض

بقادمك السعيد (ص68)

لا تقوم التوقيعة أو الومضة على شعرية الجملة الواحدة بل على شعرية الرؤيا في إطارها البنيوي.فترتقي الشاعرة (نفيسة التريكي) باللغة مشكّلة كلمات يرتفع مستواها الدلالي، وحين يتمكّن المتلقي من القبض على جوهر النص تحدث المتعة الفنية..

إن الشاعرة التونسية-نفيسة التريكي-تسعى إلى البحث عن فضاء خاص، ومدار للحب، وبناء معبد بعيد عن معابد الآخرين معتمدة على التنافر بين عناصر الصورة، فيبدو للمتلقي أن طرفي الصورة متضادان من جهة الأثر الفني.وهذا التضاد من أهم العناصر المولدة لدينامية الصورة، لأنه يولّد الحيوية، ويجسّد التعارض بين القوى البشرية والواقع.كما أن صور التقابل والتنافر والتضاد يميزها الصراع بين نزعتين في الإنسانية.وقد ركزت -الشاعرة نفيسة-على العناصر الشعورية والنفسية للتضاد، لتظهِر نقائض الذات في جدلها مع الواقع والزمن، ولتعبر عن توترها النفسي الحاد.

أراني..ألتفت ورائي

فلا أرى..غير حدادي

وإذا نظرت إلى الأمام..

تورّمت عيني..عميت..

فلا أرى سوى سوادي (ص 33)

تمثل التوقيعة السابقة مفارقة شعرية.فكل توقيعة قصيدة قصيرة، لكن ليست كل قصيدة قصيرة توقيعة، لأن هذه القصيدة أشبه بالبرقية، تقدّم صورة واحدة، أو انطباعاً واحداً بإقتضاب شديد، تهدف الشاعرة من خلاله إلى إحداث تأثير جمالي لدى المتلقي، وتقدّم لقطة سينمائية درامية تهتم بالإيقاع الموسيقي في التشكيل الفني.لقد جسّدت توقيعته نسيجَها التهكّمي، وقد حوته واقعية المضمون الشعرية حتى أمكن للرؤيا أن تشع رؤياوياً، فتتخذ الومضة صورتين متقابلتين متضادتين بين الرؤية والرؤيا، الوهم والحقيقة، الحرية..وحين تدرك الذات واقعها يغمرها شعور الإنفصال والإغتراب.فالتصادم والتوتر في الخطاب ناجمان عن التصادم بين الوحدة الدلالية التي تمثل اليأس، والوحدة الدلالية التي تمثل الإنتفاض.وتأتي التوقيعة في النهاية بؤرة شاعريةٍ وتوترٍ، تمثل محور الألم والوجَع وقطب التنامي، وتجسّد الإنفصال بين الذات الفاعلة والموضوع.

أراني قريبا..أودّع ليلَ الحياة العتيم

في لحاف وجودي

مع سرب طير مهاجر

أراني أطير..على مقربة من بياض شفيف

حذو الحقيقة (ص 57)

ركّزت-نفيسة التريكي-على جمالية السياق، ليكون لخطابها وظيفة انفعالية تولّد وظيفة تنبيهية لدى المتلقين، يصل بعد السرد الشعري إلى لحظة الإدهاش.ولعل أجمل ما في شعرية التوقيعة أنها تولي أهمية كبرى للمتلقي، فتظهر الشاعرة درجة من الذكاء تتطلب بالمقابل من المتلقي أن يكون على درجة عالية من النباهة، ليستوعب التوقيعة المتضمنة رمزاً وسخرية، والمولدة غير المُنتظر بالمنتظر على حد تعبير جاكبسون-.وأهم ما يميز التوقيعة السابقة نهايتها الخاطفة التي تبلغ عندها ذروة الختام، وهي متعالقة بشدة مع البداية، ونتيجة لها، لأنها تبلور الرؤيا الشعرية، وتجعلها في حال تنام داخلي إلى أن تصل إلى النهاية.وذلك كله بفضل الإنزياحات والإستعمال غير العادي للغة، فتأتي النهاية غير عادية، وهي"طرفة أسلوبية"تعتمدها الشاعرة لتوليد اللامنتظر من المنتظر، فإذا بالكلمات القوية تتلاحم، والألفاظ المتنافرة تتماسك، ونصل إلى التوقيعة التي تثبت أن النظام اللغوي يجسّد النظام المعنوي لدى الشاعرة.

ما يميز قصيدة الومضة الخيال المتأجج، والنأي عن الزيادات والحشو الذي لا طائل شعريا منه، والتركيز على الجمل القصيرة ذات الكثافة العالية، و المفاجأة التي ترافقها الدهشة، والوحدة العضوية القادرة على ايصال المعنى.

إن الومضة الشعرية هذه، أو التوقيعة-التي أبدعت نفيسة التريكي في صياغتها-، لا تنهض في الشعر الا على الرؤية، والرؤية البنيوية، حيث يختار الشاعر/الشاعرة لغة تنسجم في مستواها الدلالي والرؤيوي التي يقدمها في ومضته أو توقيعته.

وسيميائية الومضة حاضرة بقوة في تجربة نفيسة التريكي، فهي إيقاع لأوجه مختلفة توصل كلها إلى قيمة واحدة، هي معادل سيميائي للقصيدة، المرأة، الأرض..الوطن..الوجود..الإغتراب..إلخ عبّرت من خلالها عن رغبة في الحياة بطريقة أفضل.فالتوقيعة/ الومضة حاضرة بقوة، تمثل بؤرة الشعرية، ومبعث الألم الذي تعانيه، لأنها حافلة بالشحنات المنفعلة، والملتئمة بما هو جوهري وعام.ومن ثم تضفي على جماليات التشكيل الفني دفقاته الشعرية الكثيفة، فتحول الشاعرة شعريتها إلى خطاب اتصالي، وتثير بالتالي انفعالات المتلقي، وتجعله يشارك الشاعرة في فضائها الشعري حين تتفنّن في حسن الإختيار، وجودة التأليف، لتفجّر لغة شعرية عذبة، وومضة شعرية مدهشة.

أخيرا:المجموعة الشعرية "عصارة العبارة"للشاعرة التونسية نفيسة التريكي، جاءت لتلبي طموح الشاعرة في قول ما تريد قوله بأقصر الطرق، وكذلك لتثري المكتبة الشعرية بقصائد الومضة التي بدأت تتسيّد المشهد الشعري في بلدان عربية كثيرة، لا نستثني تونس منها، لما لزماننا من تأثير كبير على ذائقة الشاعر والمتلقي .

 

محمد المحسن - كاتب صحفي وناقد تونسي

..........................

* نبذة مقتضبة عن الشاعرة:

*نفيسة التريكي شاعرة ومترجمة ولدت ونشأت بمدينة سوسة الساحلية/تونس.حاصلة على الأستاذية في اللغة والآداب العربية وعضو في إتحاد الكتاب التونسيين.

-نشرت في العديد من الجرائد والمجلات التونسية الشعر والمقال..

-ترجمت نصوصها إلى الفرنسية.

من إصداراتها: رعد/دار الراوي.تونس 1997

سراج القلب/دار المعارف.سوسة 2003

-موسوعة قبس من أرواحهم الصادرة عن دار العنقاء للنشر والتوزيع 2013

-أنطولوجيا الأدب المعاصر الصادرة عن دار العنقاء للنشر والتوزيع 2014.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5557 المصادف: 2021-11-22 03:06:24


Share on Myspace