حيدر عبدالرضاالدلالة الشعرية بين شفافية اللغة والفاعل المنفذ

توطئة: إن القارىء المتابع لعوالم شعرية الشاعرة الأمريكية الحائزة على جائزة نوبل 2020 في الآداب الشعرية (لويز غليك) لربما نعاين حالات الأشياء، في مجرى دوافع مضمرة ورمزية من حسية الذات الواصفة، لذا فإننا ومن خلال قصيدة (قديستان) ترجمة الشاعر عبد الكريم كاصد، واجهنا ذلك المعطى الدقيق من الربط بين حالتين متعارضتين في موجب الاستقراء النفسي والوصفي في علاقة الوظيفة الشعرية . فالشاعرة في هذه القصيدة تمنحنا ذلك السقف من الإيحاء والغموض في مجال من إمكانية استحضار النقائض في صورة علاقة موحدة من التشخيص والتفاوض من لدن مرجعية حالات (التصوير / الإيحاء / المسكوت عنه) امتدادا نحو انعطافات الموصوف، وهو في مجاورات وتقاطعات دلالية داخلية من تجربة غاية الرابط المعادل في مماثلات الواقعة الشعرية:

في عائلتي ثمة قدّيستان

خالتي وجدتي

لكنهما عاشتا حياتين نقيضتين . / قصيدة: قديستان

تتوزع الشيفرات الشعرية في هذه المقاطع الأولى من النص، ضمن محددات إشارية، مرئية وغير مرئية محسوسة وغير محسوسة، تسمح بحفظ المكتوب النصي ونقله في الرؤية القرائية، بعيدا حيث ضديات وبدائل الحالات المتصورة على لسان حال الأنا الشاعرة: (قديستان ـ علاقة خصوص ـ مرجعية مؤولة / في عائلتي ـ العامل المتصل وأفق المرجع / خالتي وجدتي ـ محاور تنفيذ / لكنهما عاشتا حياتين نقيضتين ـ علاقة تضاد = آليات النص) لعل ما تهدف إليه الشاعرة في محمولات وحالات المقاطع الشعرية، ذلك الارتباط المقارن والتمييزي بين صورة (الجدة) وصورة (الخالة) ولكن ما ثيمة دليل وصفة القديسة في محمل موضوعة الموصوف؟ أهي مماثلة توصيفية وحسب؟ أم إنها صفة مستثمرة في مكامن مقصدية مرجعية في دلالة الخطاب الشعري:

جدتي هادئة حتى وهي تبلغ النهاية

شبيهة كانت بمن يسير في ماء ساكن

ولعلّةٍ ما، لم يقوَ على إيذائها البحر

حين سلكت خالتي الطريق ذاتها

تكسرت الأمواج فوقها وشرعتْ

بالهجوم

هكذا تستجيب الأقدار

لطبيعة روحين حقيقتين .

بهذا المنظور والمستوى من روح وحافزية الاختلاف، ما بين دال (الجدة) ودال (الخالة) نشعر بأن الذات الواصفة، تسعى إلى توظيف وتوطين مقاربة العلاقة المفارقة المطروحة في ذات الجدة والخالة، نظرا لتفاصيل أكثر تمهيدا في مضمر وتوالد حالات النص، فما معنى جملة (جدتي هادئة وهي تبلغ النهاية؟) أهناك كيفية مصيرية تربط دال الجدة إزاء مستحدثات دلالة الخالة مستقبلا؟ ثم هل أن مؤشر البحر في المقاطع الشعرية، دلالة على مقصدية المصير أو سطوة القدر مثالا؟ كما ويبقى التواصل ما بين دال الجدة والخالة قائما على هيئة وعاملية (المقصدية + المماثلة + المشابهة + التبجيل = قديستان = مرجعية مشتركة في التفارق) وقد يتضح الفارق النوعي ما بين الأنموذجين، على أساس من المخالفة والتضاد، وصولا إلى وسيلة بلوغية خاصة من دلالة الفارق والفروق ما بين (جدتي تبلغ النهاية / سلكت خالتي الطريق ذاتها / تكسرت الأمواج فوقها وشرعت بالهجوم) أن هذا التخالف التركيبي في محمل الموضوعة، ممكن له أن يمنحنا دور التخصيص والانفراد في مستوى محور الموضوعة، إذ أن هذا الرابط في محور الموضوعة يظل بمثابة المستوى في المعاينة والاستنتاج الدقيق في محفل القراءة للقصيدة قدما . أقول مجددا أن العلاقة الواقعة بين دال الجدة ودال الخالة، لربما هو حقيقة في كشف المصير الاحوالي والدلالي في حسابات رؤية الشاعر، وذلك نظرا إلى مقصدية الجمل اللاحقة من القصيدة:

جدتي حذرة، محافظةُ

و لهذا تحاشت الألم

خالتي لم تستطعْ

ففي كلّ مرّةٍ يتراجع فيها البحر يتوارى

واحدُ من أحبائها .

1ـ جدلية الموت والبحر في موضوعة الدوال:

وينبني المعنى في مكونات العلاقة القصدية المتمثلة بجدل ثنائية (الجدة .. الخالة = البحر = الموت) وهذا الارتباط النواتي في محاور النص، يقودنا نحو أسئلة الفارق والمغايرة المتصلتان في مؤشر الاستعارة المتحملة بين صورة المتكلم في النص، وفعالية بؤرة حساسية مسمى (قديستان) وبهذا المعنى يستفيض الفاعل الأول عن الآخر في مساحة أخرى من المحايثة النصية (جدتي حذرة .. محافظة، ولهذا تحاشت الألم) أن الدوال الصفاتية في ملفوظ هذه المفردات من النص، تسعى إلى حركية ما تقترب من حياة التنزه والتطهر والتدين إلى حد ما، فيما تبرز لنا فاعلية الطرف الآخر، وكأنه يمارس حياة عابثة، لكونه بعيدا عن عوامل فعل التقدس أو ما شابه ذلك (خالتي لم تستطع) ويعبر هذا المستوى من حياة دال الخالة عن حالة الشرود والتقادم نحو مساحة الانفصال عن مركزية دال قديسة، توغلا في سياق ذلك المعادل الزمني والثيماتي من التشكل النصي: (ففي كل مرة يتراجع فيها البحر .. يتوارى واحد من أحبائها) هذا المعنى من حسية المعادل النصي، تجعلنا نباشر التوقع بأن البحر ما هو إلا أداة الموت المستعارة في النص، فهو يلتقط الأحباب من ذوي القديسة ـ الخالة ـ لذا فأن بحكم كونها من تعاطى مع مألوفية الموت، تسلم حالها عادة إلى فعل التصديق والدعم لهذه المشيئة الربانية:

مع ذلك فهي لم تعتبر البحر شريراً

بالنسبة إليها: الأمر سواء

حيثما لامس (البحر) اليابسة حلّ العنف.

و من خلال ما يتحدد به المعنى الأخير من النص، تتضح لنا الأبعاد الحجاجية الرافضة قاب قوسين منها، إلى فعل وخلفية الموت، خصوصا وأن مقدمات دلالة هذه الخالة من الهشاشة والخذلان في العلاقة مع معطى القداسة في حقيقتها الروحية . لذا تراها في لحظة مزاولة فقدها لأحبابها من ذويها، تنطلق من فكرة أن الموت بمثابة حالة من الاغتصاب أو جبروت النيل المتمثل بصورة البحر، وهو يقتص من مساحة مثال تربة اليابسة: (حيثما لامس البحر اليابسة حل العنف) .

ـ التواصل الذهني بين وجود الأنا وغياهب الأحوال .

تحملنا دلالات قصيدة (منظر بدائي) للشاعرة ذاتها وللمترجم الصديق عبد الكريم كاصد أيضا، نحو وظيفة خاصة من التواصل الذهني الكامن بين (وجود الأنا) و(غياهب الاحوال) في مواطن حاضرة وغائبة من مساحة الواقع واللاواقع والزمن واللازمن واليقظة أو اللايقظة، امتدادا نحو مشخصات السؤال الوجودي:

تدوسين على أبيك، أمي قالتْ،

و بالفعل فأنا واقفةُ تماماً في منتصف

بقعةِ عشبٍ شُذّبتْ،

قد تكون هي قبر أبي،

مع أنه لا توجد شاهدةٌ تعلن ذلك . / قصيدة: منظر بدائي

الواصف الشعري في المقاطع الأولى من النص، يسهم في تأليف صورة مثقلة بأهداف زمنية ومكانية ودلالية وأحوالية أكثر تساؤلا وبحثا في موجودات الحس الصوري ما بين حال (أنا الفاعل) وبين (مفاصل الفعل) أسنادا إلى جملة المخاطب الإيهامية (تدوسين على أبيك) ثم تليها جملة اللاحق من صوت الأنا نقلا عن ضمير دال الأم (أمي قالت) توكيدا على أن الفاعل في وجوب الصوت المفترض في المخاطبة، هو عائدا إلى صوت الأم ذاته، وفي هذا الحال ما يعنيه الأمر بأن أنا الفاعل، هي متلقية لذلك لنداء المحمول في توليفة السياق الحواري . إذ تبادرنا وبصورة مباشرة صورة جملة (فأنا واقفة تماما في منتصف بقعة عشب شذبت، قد تكون هي قبر أبي) لعلنا نتوقف قليلا في تصور اللحظة العابرة، التي هي عليها حالات الموقف الشعري في القصيدة، لنقول أن الأبعاد الوصفية في محفز هذا الضرب من ضروب المخاطبة بين (الأنا / الآخر) مجرد صورة أحوالية لا أكثر، ولكننا عندما ندقق في جملة (بقعة عشب شذبت) وجملة (قد تكون هي قبر أبي) تتضح لنا دلالة تحول الموقع الصوري، لتدخلنا في جهة قيمة محتملة من موضوعة الفاعل المشار إليه . ويتم ذلك في ظل من الوسيلة الاقناعية والترابطية مع محور موجهات الفاعل المنفذ (مع أنه لا توجد شاهدة تعلن ذلك) أن الفعل التأويلي المنصوص عليه في كفاءة مرحلة أدائية هذه الجملة، يقودنا نحو (علاقة موضوعة ـ أنا الفاعل = جهة التحول) وينمو الوازع الأحوالي في مستحدثات المقاطع الأكثر إدهاشا وتأويلا، وذلك عندما يترتب قول الفاعل المنفذ في دائرة زمنية متصلة من حقيقة الاسترجاع ونقل حقيقة العلاقة نحو أصعدة خاصة من الفقدان (الأم / الأب) في الآن نفسه . فيما تتوضح لنا أنقطاعية الأواصر بين مرحلة الأنا والآخر المتمثل بصوت الأم محتملا:

أنت تدوسين على أبيك، ردّدتْ،

بصوتٍ أعلى هذه المرّة، فبدا لي ذلك

غريباً،

منذ أن ماتت هي أيضاً حتى الطبيب

أقرّ بذلك .

1 ـ جهات الفاعل المنفذ وإمكانية مفترض الحال:

قد يلوح بنا هذا الجزء المتوسط من المقاطع الشعرية المعروضة أعلاه، على عملية تحقق الوحدات الدوالية ضمن خلفية (جهات الفاعل المنفذ) في حدود معنى جملة (فبدا لي ذلك .. غريبا) وجملة (منذ أن ماتت هي أيضا) وذلك ما يعزز جملة التوكيد اللاحقة أيضا (الطبيب أقر بذلك) نفهم من وراء هذه الجمل، بأن علاقة الفاعل المنفذ في أحوال المقاطع الشعرية، ما هو إلا موقعا لاستجابة كل هذه الاعتبارات والصور المنصوصة بوسائل غياب الأوضاع الأحوالية الأخرى من عين صفات الملفوظ ذاته، كما وأن من يقدم على هذه الكفاءة في المخاطبة، هو الفاعل المنفذ في النص، كحالة كينونية جامعة لشتى الملفوظات من حقيقة واصلة الفاعل ذاته:

تنحيت ـ قليلاً ـ جانباً، حيث أنتهى

أبي، وبدأتْ أمي .

كانت المقبرة صامتةً، ريحٌ تهب عبر

الأشجار

كدتُ أسمع أصواتاً تبكي بخفوت على

مبعدةِ صفِّ قبورِ

و أبعد منها ثمة كلبٌ ينبح

أخيراً خفتتْ هذه الأصوات .

النص يتناسل عبر وحداته المشهدية، ممتدا نحو الأشارات الوصفية والاستعارية، فيما تبقى العلاقة الرابطة بين أنا الفاعل، وجهات موضوعة الأحوال المشهدية، مهتمة بتكريس حالاتها في توهجات المساحة المكانية المتخيلة والمفترضة، إقترانا بها وبذلك الكم من ميكانيزمات جملة (تنحيت ـ قليلا ـ جانبا، حيث أنتهى أبي، وبدأت أمي) أن مماثلات وظيفة الشاعرة، أدخلتنا في جهات متوارية من دلالة النص، إذ أنها تصوغ من جهة ذلك الفاعل تربة دال (أبي) ثم لاحقا يوافينا ذلك الصوت المتمثل بدال (أمي)، مؤاخما في معنى ما ذلك الحضور في عين تأويل جهات الأفعال؟ ولا ندري ما الأمر؟ أيكون مصدر الفاعل الذاتي مجرد زائر إلى المقبرة وتحديدا إلى قبر الأم وقبر الأب معا، حيث توافق اللازمن واللامكان في وحدات زمن الخطاب؟ أم أن هذا الفاعل مجرد وسيلة من قياس الزمن والمكان والوجود ذاته؟ ما معنى جملة (أصواتا تبكي بخفوت؟) وجملة (خفتت هذه الأصوات؟) ما المقصود من وراء هذه الواجهة الدوالية من التمويه والغموض؟، ربما تستفيد من جهة ما قابلية أنا الفاعل من ممكنات تكييف العلامات والأشارات الزمنية والمكانية اختزالا نحو دلالة المساءلة والقناعة الاستجابية من طرف الواصف ذاته، اقترابا منها نحو محمول السؤال الأحوالي الوحيد:

أختلط الأمر عليّ،

لا أذكر كيف وصلتُ إلى ما يبدو لي الآن

مقبرةً،

مع أنها قد تكون مقبرة في ذهني

حسب،

ربما هي كانت متنزّهاً

و إن لم تكن فهي حديقةٌ أو تعريشةٌ،

معطرةٌ، أدركتُ الآن، بعبق زهورِ ـ

عذوبةُ حياةٍ تملأ الهواء

حلاوةُ حياةٍ، مثلما يقال .

و هذا الأمر في الأوضاع المغايرة الحسية من زمن الدلالة المختلفة، تقودنا تساؤلات الفاعل نحو محتملات من وجوه الذوات المستخلصة في محكي النص؟ أو أنها قد تبدو عبارة عن إسقاطات في اللاشعور الفردي المتجسد في حادثة التضاد (قبر الأب / قبر الأم) إذ أن جهة العلاقة بمدلول تجربة أنا الفاعل، تتعزى بظروف ترابطية غريبة، إلى حد وصولها إلى محددات إيهامية من تشويش الذهن والسؤال (أختلط الأمر علي / لا أذكر كيف وصلت / يبدو لي الآن مقبرة) الأمر على ما يبدو عليه في مقاطع النص، متعلقا بحالات ذاكراتية مسترجعة من جهة عين الفاعل نفسه . وهذا الحال بذاته هو ما يجعلنا نستشف بأن معرفة الفاعل المنفذ، على مقربة ما من أحداث ومواقف مستعادة بذاكرة مضطربة أو مشوشة: (الترابط السياقي: منظر بدائي ـ قبر أبيك = ماتت هي = انتهى أبي = بدأت أمي / العلاقة المكانية: المقبرة صامتة = أسمع أصواتا تبكي / العلامة: كلب ينبح = ريح تهب / استقصاء اعتباري: لا أذكر = مقبرة في ذهني = الفاعل المنفذ) وتترابط مسلمات الحوادث التفاعلية ـ النصية، بما يوفر لنا مساحة الأهمية السيمانطيقية لأدوات الربط الزمني والمكاني والذواتي والسببي، امتدادا نحو البنية الضمنية للفاعل المنفذ: (مع أنها قد تكون مقبرة في ذهني) أن بنية المعادل الحلمية واللاشعورية في هذه الجملة المنتخبة، قد توفر علينا فرصة التعمق في وحدات النص الأولى، ارتباطا مع أبعاد شعرية الذاكرة المتصلة بعاملية الفاعل المنفذ، أي بمعنى ما، من الممكن أن تكون الذات في هذه الجمل من النص، استشرافا على تضاريس حركة استرجاعية، قد تكون بدايتها منذ زمن مخاطب صوت أمها إليها، ثم بعد ذلك تكون حركة الزمن في تنام مطرد، وصولا إلى حادثة تصادف قبرها إلى جوار قبر والدها افتراضا؟ ولكن المشكلة في الأمر، هي ما تحمله الجملة القادمة من النص، التي تخبرنا العكس مما افترضناه جدلا في هذه المساءلة:

في لحظة ما

حدث أن كنتُ وحيدةً .

أين ذهب الآخرون،

أبناء عمي وأختي، كيتلن وأبيغل؟

الآن بدأ الضوء بالشحوب

أين ترى السيارة التي كانت تنتظر

لتقلّنا إلى بيوتنا؟ .

2 ـ حلمية الفضاء ومرايا ذاكرة الحلم:

أن أهم مخصوصيات قصيدة (منظر بدائي)، هي التي تمنحنا مرايا التأويل ومفهوم المؤول في جملة كيفية وسببية مغايرة، فعلى سبيل المثال تخبرنا جملة المفترض الزمني (في لحظة ما) أي بمعنى أن هناك حدود زمنية ومكانية وأحوالية تتعلق بماهية الحدث المسترجع (حدث أن كنت وحيدة) والتفكر بها المستحدث الزماني والمكاني، يطرح أمامنا إمكانية التصور بأن الفاعل قد يبدأ الحديث الآن عن ذاته تحديدا، وبواصلة مشهدية بلاغية منزوعة عن خطية الوصلات الأولى من مقاطع القصيدة: (أين ذهب الآخرون .. أبناء عمي وأختي، كيتلن وأبيغل؟) أن حالات سؤال ومساءلة الفاعل في هذا المقطع لعلها تتوجس دلالة لفظة (الآخرون) بحسية الاستفهام والتقدير الوضعي، وكأنها تحيا في مجال آخر من عالم الواقع، أو أنها في حالة غريبة من الفقد والتفقد (الآن بدأ الضوء بالشحوب .. أين ترى السيارة التي كانت تنتظر لتقلنا إلى بيوتنا؟) المحصلة الأخيرة من ذروة المحتمل، يمكننا فهمها على أن صورة أنا الفاعل، هي من صنع الواقع المتحول في اللاوعي الحلمي لليقظة، أو أنها موجهات شعرية في غاية الابعاد النفسية في تصور الأشياء . لذا فأننا يمكننا وضع ملخصات وجودها في النص ضمن غاية خاصة من شرود الوعي واليقظة عن الفاعل نفسه، ويمكن وضعها أيضا في صورة أنتاج تخييلي للذات في الزمن اللاحاضر تماما:

لا تنسني، صرختُ به، راكضةً،

فوق العديد من القبور، الأمهات، والآباء

لاتنسيني، صرختُ به، وحين وصلت ُ إليه

أخيراً،

قال: سيدتي، مشيراً إلى السكة

مؤكٌد تعرفين أنها النهاية .

3ـ الفاعل الذاتي بين هوام الأرواح والبرزخ الشعري:

من حدود هذا الفرع البحثي، سوف نتعامل مع المقاطع الشعرية المعروضة أعلاه، على أنها وظائف في أقصى غاية الأنموذج الفقداني المتوحد إذ تتجلى لنا جملة (لا تنسني، صرخت به، راكضة لا تنسني صرخت به، وحين وصلت إليه أخيرا) وتقودنا دلالة متاهة الفاعل الذاتي، نحو اليقين بأنه من الأموات أخيرا، مجرد روح بالقرب من جسدها المدفون تحت الثرى في مشهد المقبرة العائلية، حيث تحوم الروح فوق قبور (الأمهات ..الآباء) وربما حتى على قبور أبناء العم والشقيقة لها أيضا، وحتى سائق القطار ذلك، هو بمثابة الروح المكلفة بنقل أرواح الموتى من عالم الدنيا إلى حياة البرزخ . وتبعا لهذا نعاين دلالات القصيدة وهي تتعاطى مع حديث سائق القطار أخيرا معها: (مؤكد تعرفين أنها النهاية) وعلى هذا النحو تتضافر محاور الفاعل الذاتي مع روح سائق القطار، الذي يقوم بإخبار الفاعل في النص، وذلك عندما تبادره جهة الفاعل بالسؤال الختامي من القصيدة:

ألا ترغب في الذهاب إلي البيت

لترى المدينة ثانيةً؟

قال: هذا هو بيتي.

المدينة ـ المدينة هي حيث أختفي .

و إيذانا بنهاية الحكاية الدوالية في القصيدة، تنفرد لنا العلاقة ما بين محاور الأمكنة والأرواح، في لحظات زمنية هي الأكثر مماثلة وتمويه وغموض في الأبعاد الشعرية العميقة .

ـ تعليق القراءة:

في الحقيقة أذهلتنا عوالم قصيدة (قديستان) وسرانية دلالات القصيدة الأخرى (منظر بدائي) وأعتقد أن الأخيرة هي ما تستحق بذاتها جائزة نوبل وحدها .. يمكننا تقييم عوالم الرائعة (لويز غليك) وتحديدا قصيدتها موضع بحثنا الأخير، على أنها ذلك المتخيل المحفوف بأقصى شيفرات المساحة الأبداعية التي قل نظيرها في الشعر الأوربي والأمريكي المترجم .. فعوالم تجربة هذه القصيدة (منظر بدائي) ما هي إلا مرئيات المتخيل الذي يصعب استنطاق دواله ومداليه، اللهم إلا في حدود رؤية تأويلية سيميائية بالغة الموضوعية والإجرائية الكاشفة عن ماهية بنيات الدلالات الشعرية المضمرة بين شفافية الأداة ومؤولات عوالم جوهرية القصد الشعري الرصين .

 

 حيدر عبد الرضا

 

قراءة في بنية التركيب الاستبدالي لنص (صندوق) للكاتبة إيمان الكبيسي

تذكر الأساطير الإغريقية بأن صندوق باندورا  له علاقة بخلق باندورا المرأة الجميلة التي خلقها زيوس بحسب كتاب هسيود (اعمال وايام هسيود)  وقد حمل هذا الصندوق، او الجرة كما يسمونها الاغريق  اصناف الشر في العالم  وكان الهدف هو الانتقام من (برومثيوس) الذي خالف تعاليم  زيوس، والذي يهمنا هو أن باندورا قد فتحت الجرة او الصندوق وهي تخالف زيوس ايضا حيث انطلق منه كل الشر وانتشر في انحاء الارض من كراهية وحسد ومرض وكل شيء لا يعرفه البشر من قبل، ان هذه الاسطورة تحيلنا الى معرفة ما يجري تحت لائحة نص صندوق للكاتبة (ايمان الكبيسي) الذي نشر في مجلة اسف ارت وكذلك  مجلة ضفاف الدولية.

بدءا يمكن ان نفهم مستوى التركيب في النص بعد ان تستمد فيه كل مفردة من تعرفها مع سابقاتها ولاحقاتها، او علاقاتها الحضورية كما يسمونها، بحسب _سعيد عبد الجهاد_ من علم الدلالة الى علم العلامة، اما الاستبدالي فهو يتشكل من العلاقة بين المفردة الموجود على محور التركيب وبين ما تثيره من خزين ذاكري للمفردة،  لذا فان العلاقات هنا علاقات غياب، وقبل ان نتناول علاقة الحضور والغياب في النص  فإننا نعرج على الاسطورة بوصفها قد حددت كل علامات الشر فكانت مدعاة للموبقات كالحقد والكراهية والحسد وغيرها،  من جانب اخر نتساءل ماذا يخبيء لنا صندوق الكبيسي؟ هل يحايث ما موجود في الأسطورة؟ ام ان المعالجة تختلف؟ ام ثمة امل اخر يعاكس السائد في النسق التداولي للنص؟

امتازت صياغة النص بعض الخصائص كالقصر والتكثيف واتساع المعنى والذهاب الى باطن الفكر والتلميح والعلامات  معتمدا على التعاقد والاشارات والإزاحات ... الخ،  ولأجل الاجابة على التساؤلات اعلاه فيمكن القول هنا بأن ثيمة النص تتحدث عن صبي واسكافي بعد ان اودعته امه لدى الاسكافي بحثا عن قوتٍ يومي بعد ان  فقده ابيه، من جانب اخر يحاول الاسكافي تعليم الصبي عدة تعاليم كي يبني شخصيته وفق ما يرتأيه الاسكافي، الا ان الصبي يرفض منذ الوهلة الاولى الاذعان له بعد ذلك تدخل قوة امنية لتمسك الصبي وتحقق معه بعد ذهاب الاسكافي الى الصلاة بوصفها تجارة _ كما يدعي_ لتتحول مجرى الاحداث من خلال التحقيق الذي يجريه الضابط ثم تأتي قوة ملثمة اخرى لتحرر الطفل  ليعود  الاسكافي ليبث تعاليمه من جديد والتي نكتشف فيما بعد بأنها افكار ارهابية تؤدي بالأخير الى ان يتجاوزها  ويتحرر من قيده ليفجر نفسه بين الارهابين من اجل الوطن كما تشير الكاتبة، انما اشرنا اليه انفا هو ظاهر النص في بنياته العامة ولا يدخل ضمن التركيب الذي نبحث عنه في قراءتنا هذه، ولكننا حين نقف على بعض العلامات الشاخصة فأننا سنجدها تستنطق بعض التراكيب حاملة أبعادا تأويلية عميقة، فالصندوق الذي يشتغل عليه الاسكافي  تجاوز  بعده الايقوني الى عدة علامات سنشير لها بعد ان نقرأ بعض التراكيب التي جاءت على لسان الاسكافي (لا تلوث الصندوق بتلك الشعارات) وهو يخاطب الصبي وكذلك (وانت خارج الصندوق لا كرامة لك) ثم اشارة الصبي (هل يحق لنا اختيار الصندوق؟؟) وفيما تقدم  من التراكيب اشارات على ان للصندوق منحى اخر من الدلالات فربما (وطن، تابوت، صندوق اسكافي، مكان الاسرار، السجن ...الخ) ويتوقف ذلك على علاقات الحضور والغياب او سياقات التركيب ما قبل وما بعد، وقد اشارت الكاتبة الى كل تلك الدلالات  بل وتعدت الى ابعد من ذلك:

الصبي /هل احببت هذا الصندوق؟  هل عشقت يوما ؟

الاسكافي // مضى زمن طويل على تلك المشاعر، لكني بالطبع عاشق للحياة.

بمعنى  اننا لا يمكن ان نحدد معنى واحد للعلاقات اللفظية ولا نستدل عليها الا بمعرفة التتابع لها وبيان موضعها في السياق، ثم ان النص وفق هذا المفهوم اخذ مسارات اخرى عبر لغته التي حفلت بالتراكيب الفلسفية نوعا ما من قبيل

الاسكافي // عود ظهرك على الانحناء، وطاطا الهامة والا لن.

الصبي // (مستنكرا) ولدت حرا  وهذه اشارة للمبادئ والى الذي يتمرد ولا يقبل بالانحناء، ثم تنتقل الكاتبة لتحيلنا الى قراءة الراهن عبر اشارات اسقاطية جرت على لسان الاسكافي.

(لا تحدد ذاتك بقيم فارغة فمهما كبرت فستبقى مع الاحذية)  وقد حاولت الكاتبة ان تبعث بعض الرسائل للذين يحاولون ان يعتلوا اماكن لا علاقة لهم بها وليست على  مقاساتهم فأنهم سيبقون او يعودون الى حقيقتهم التي انطلقوا منها، ثم الكاتبة تعطي تصورا خاصا باعتزازها بالماضي الذي مثلته عبر شخصية الصبي ( كنت ذلك الفارس الذي يعتلي صهوة جواده، واليوم انا مجرد حصاة في حذوة ذلك الفرس)  اعتقد ان هذه الجملة من اخطر الجمل التي ارسلتها الكاتبة ضمن خطابها السري وهي إشارات فيها الكثير من الجدل لعلها لا تتخطى عقل القارئ اللبيب، ثم ينتقل الحدث بنا الى اتجاه اخر بدخول القوة الامنية التي اشرنا لها وخلق مشهد التحقيق مع الصبي وجاء بحسب فهمي لتحقيق ثلاثة امور ..الاول/تغيير مسارات الحدث باتجاه تأسيس للمرحلة التالية.

والثاني/ تطوير الحبكة الثانية دراميا وخلق تفاعل اقوى.

ثالثا// توفير عنصر المفاجئة وخلق شبهة في عمل الاسكافي وادخال الصبي هذه الدائرة  دون ان يشعر بها.

وقد كشف هذا المشهد ظاهرة المتاجرة بالممنوع  ولكن لم تشر الكاتبة عن طبيعة الممنوع واكتفت بكلمة مستورد بحسب قول  ضابط التحقيق (تتعامل مع المستورد وهذا ممنوع في مدينتنا) وربما هي اشارة الى الدخلاء والوافدين، سواء كانوا شخوصا او افكارا او حتى أدوات او سلوك.

ومن التراكيب التي نؤشر فيها علاقتي الحضور والغياب واعني حضور النص وغياب المعنى من قبيل قول الضابط (لا شيء دون ثمن، ربما هي من سيحاسب على  الفاتورة_ يستدرك_ هذا ان شاءت وشاء لها لهوى).. وهنا اشارة الى  ام الصبي وما يمكن ان يحصل عليه من المساومة وهذه مواقف حاصله في المجتمع وواقعية سيق بها هنا لتعرية المؤسسات المعنية بهذا الشأن.

يركز ارسطو في نظرته الى التأليف المسرحي الى خيال المؤلف وما يلعبه  في العملية الانتاجية بوصفها عملية ابداعية، وهذا الخيال - بتقديري - وظيفته ربط البنيات المختلفة في النص ومنها التراكيب اللفظية والقدرة الاستبدالية لتحريك النص على وفق مقتضى الحال لحين الوصول الى الخاتمة، عبر امساك العناصر التوليدية له باستخدام عناصر بناء  النص بشكل تفاعلي يثير الدهشة والمعرفة معا، وهذا ما قامت به الكاتبة حين اسست من الصندوق  منظومة علامات قرأت من خلالها الواقع  المتردي وقد قالت كلمتها بدخول القوة الملثمة فهي بدلا من ان تخلصه ارادة زجه في عملية ارهابية  لولا حالة اليقظة التي قامت بها الكاتبة عبر تفعيل شخصية الاسكافي  ليعلن الاخير بان المبادئ/التي تعلمها كانت خاطئة وان منهجية هذه الجماعات  لا اساس/لها من العقيدة الالهية وانا خاتمة أصحابها سيئة لأنها تودي بحياة الكثيرين.

ومما تقدم يمكن ان نوضح بعض المؤشرات على النحو الاتي.

اولا/لا يختلف صندوق باندورا عن صندوق الكبيسي في صفة الشر الا ان الاخيرة حاولت توظيفه لردع الارهاب بكل انواعه.

ثانيا/ استدلال المعنى يتوقف على التراكيب الاستبدالية لجمل النص، فمن خلال التحقق بها من قبيل البعدية والقبلية يمكن ان نصنف العلاقة الناتجة بشكل موضوعي.

ثالثا/قراءة النص العراقي الراهن بكل تداعياته برؤية درامية لافتة للنظر تؤسس الى  نسق جديد في الكتابة  تلك التي يسعى لها مجموعة من الكتاب العراقيين والعرب..

رابعا/اشتبك النص مع بعض المرجعيات وبعض التابوهات وحاول تقويضها عبر تعريتها دون الوقوع في الممنوع  مع ضبط الايقاع.

خامسا/ اشتغلت جميع عناصر النص بلغة مكثفة واختزال بالفعل  مع فتح واسع لبوابات التأويل بعيدا عن السفسطة والترهات.

اخيرا... يقول هيجل (اذا كانت الاداة او الوسيلة التي ننظر خلالها، لها اثر مشوه، فان احدى الطرق للتعرف على العرض الحقيقي للأمور هو اكتشاف طبيعة التشوه  واستبعاد الاختلاف الذي يسببه)، وما قامت به الكبيسي هو قراءة نمط واضح للتشوه الذي اصبح ظاهرة كونية لواقع مليء  بالجدل والمفارقات.

 

بقلم: حيدر جبر الاسدي

 

 

قلولي بن ساعد"جسد الأهزوجة " للشاعرة خيرة بلقصير في أفق النقد الثقافي

فاتحة القراءة لجسد الأهزوجة

تحاول هذه الورقة النقدية الولوج إلى ماوراء الأنساق الثقافية المضمرة في المتن الشعري النسوي لمجموعة شعرية هي (جسد الأهزوجة) للشاعرة الجزائرية خيرة بلقصير.

ليس فقط من خلال الأنساق الداخلية لنصوص (جسد الأهزوجة) وما يتوارى خلفها من إسنادات لغوية ومجازية ومفراداتية بما تحيل إليه من تيمات وموضوعات وموجودات وأشكال رمزية تشكل مجتمعة ما يسميه جيرار جينيت (النص الجامع) .

النص الذي لم يكن في مقدور النص الشعري النسوي السائد أو المتطابق مع الرؤية الذكورية كتابته حتى ولو كتب من طرف إمرأة من عالمنا المعاصر بسبب من غموض الكتابة النسوية ذاتها وحلولها ضمن الرؤية الذكورية على ما يؤكد عليه ناقد مهم هو الدكتور عبد الله إبراهيم عندما نبه إلى عدم الخلط بين كتابة النساء والكتابة والنسوية "عندما تتم بمنأي عن فرضية الرؤية الأنثوية وإعتبار الجسد مكونا ثقافيا " (01) وهو ماكانت الشاعرة خيرة بلقصير واعية به كل الوعي .

فوضعت أمام القارئ نصوصا شعرية جعلت من الجسد والجسد الأنثوي مكونا نصيا وثقافيا تمهيدا منها لجر القارئ نحو (الجسد الجواني) ببعديه الشعري والأنثوي الجسد الذي قال سيغموند فرويد أنه (قارة سوداء) لا أحد يعلم عنه شيئا من الداخل .

خاصة وأن الجسد لم يعد جسدا واحد بل هو جسد متعدد فهو أولا جسد الأنا الشاعرة ثم جسد أنثى أخرى هي الأهزوجة وفي الحالتين نحن أمام جسد تتجلى فيه الأنوثة معلنة عن شجرة إنتسابها الشعري لذاتها الذات التي غيبها نقد ذكوري اتخذ من الأحكام المجانية الأخلاقية والاجتماعية والسياسية مرجعا نقديا .

والأمر لا يقتصر فقط على الخطاب النقدي السياقي أو التقليدي، بل إنه يطال أحيانا بعض سرديات النقد الحداثي وما بعد الحداثي .

الجسد والجسد الثقافي الإشكال والتجلي

في البدء يمكن القول أننا أمام جسد آخر هو الجسد الثقافي تمييزا له عن (الجسد البراني) بمفهوم الدكتور الأخضر بن السائح لكن هذا لا يعني أن هذا الجسد البراني لا يشكل حضورا في مدونة الشاعرة حتى ولوكان حضورا فيزيقيا أو باهتا مختلفا تمام الإختلاف عن الجسد بوصفه نصا أو أفقا شعريا عندما يتعرض على يد الشاعرة لنوع من الشعرنة أو شعرنة الجسد بتعبير عبد الله الغذامي .

هذا ما يجعلني أتعرض لبعض أشكال تجليات الجسد الاخرى عندما تتناص مع الجسد الشعري أو تحاول التمثل أمام قارئ متوجس أو رقيب مشحون (بأفق إنتظار) لموقف جاهز أو معطى سلفا مرجعه الأنساق الثقافية المهيمنة الماضوية أو الأبوية التي نشأ عليها وميزت مساراته في التعامل مع النصوص الأخرى النصوص الخارجة عن (سلطة النموذج) بتعبير الدكتور جاسم عبد جاسم .

فليس المقصود هنا بالطيع الجسد البراني كما جاء في مستهل هذه الدراسة ولسنا نعني أيضا (الجسد المعطوب ) كما وقف عليه الناقد العراقي عبد الله إبراهيم عندما كان بصدد تفكيك (كتابة الجسد) فأتخذ من (الجسد المعطوب) جسد خالد بن طوبال كما يتجلى في رواية أحلام مستعانمي (ذاكرة الجسد) متكأ له بوصفه المعادل الموضوعي (للحداثة المعطوبة) حداثة إنسان الأطراف المقصية من حظوظ المركز بأبلغ ما عبر عنه السوسيولوجي الجزائري عمار بلحسن في بحثه القيم (الحداثة المعطوبة).

ولسنا نعني كذلك الجسد الشهواني أو جسد الرغبة الذي ورد إلينا عبر خطابات الحداثة الغربية المتوحشة والخطاب الإستشراقي الغربي الذي إنشغل بموضعة الذات الأنثوية الشرقية وتسويقها كأحد أشكال الحريم الشرقي المنظور إليه بوصفه حريما مقموعا وأن الفاتحون الغربيون هم الذين جاءوا من أجل تخليصه من هيمنة (الهمج) من الذكور العرب والأفارقة والأسياويين غير المتحضرين ولا حتى الجسد الرقمي " الجسد المنفصل عن الجسد جسد الأشياء أو الحضور الظاهراتي للجسد " (02).

طالما أن " الواجهة الرقمية لا تحرمنا من أجسادنا لكنها تجعلنا نهتم أكثر بالتمثلات التي تقمدمها عن أجسادنا " (03) .

الجسد الذي شيأته العولمة مثلما شيأته قبل ذلك الحضارة الغربية إذ جاز لنا أن نستخدم مصطلح (التشيؤ) الوارد في كتاب المفكر الماركسي جورج لوكاتش (التاريخ والوعي الطبقي) في الفصل الذي سماه (التشيؤ والوعي الطبقي) وتحول الإنسان في ظل الحضارة الغربية المتوحشة إلى مجرد شئ وليس ذاتا لها كينونة عملت لاحقا العولمة الغربية على محو إنسيتها وإستبدال كينونتها بكينونة أخرى هي الكينونة الرقمية .

الكينونة التي ناهضتها المفكرة الأمريكية شيري توركل عندما إعتبرت أن "الحواسيب لا تقدم لنا الأشياء فقط وإنما تجعل منا شيئا ما " (04) .

الأمر الذي حتم على مفكر فرنسي بارز هو ستيفان فيال أن يفتتح كتابه (الكينونة والشاشة كيف يغير الرقمي الإدراك) بما ورد على لسان شري توركل من أن الحواسيب لا تقدم لنا الأشياء فقط وإنما تجعل منا شيئا ما .

الجسد الثقافي الحمولة الثقافية والحمولة الشعرية

عندما يتضمن الجسد والجسد الثقافي حمولة ثقافية تسكن المخيال الثقافي للشاعرة فإن هذه الحمولة تنبثق من الذات الحاملة لها  حمولة أخرى هي الحمولة الشعرية التي تكتنف أعماق النصوص ضمن المواد الثقافية الثاوية داخل الكينونة الشعرية بالمعنى الهايدغري و كما تتجلى عبر نصوص المجموعة الشعرية (أهزوجة الجسد) على إختلاف مضامين النصوص وتيماتها وهي المضامين التي لا تنفصل تمام الإنفضال عن " بويطيقا الأنوثة " بوصفه بويطيقا الأنوثة " شكلا تخصيصيا للكتابة الإبداعية النسوية للإقرار بتملكها لمخيالية مستقلة " (05) .

البويطيقا التي تتناص مع بويطيقا الثقافة كما ترسبت في مخيال الشاعرة كذات ثقافية و أنثوية وقع عليها فعل الإقصاء ولا عحب إذ لجأت الشاعرة خيرة بلقصير إلى تأنيث نصية عنوان مجموعتها الشعرية (جسد الأهزوجة) بوصفها (العتبة النصية) بمفهوم جيرار جينيت الحاملة لنصوصها الشعرية .

فالجسد هو جسد الأنثى والأنا الناثرة لهذا الجسد الشعري هي أنثى ثم هناك أنثى أخرى وهي الأهزوجة ضمن جنس أدبي هو القصيدة النثرية بمواضعاتها التجنيسية الخارجة عن المعيار الثقافي لقصيدة الفحولة الشعرية كقصيدة تحاكي (إرادة القوة) بالمفهوم النيتشوي وهذا لا يعني بالطبع إستقلالية الجسد والجسد الأنثوي على وجه الخصوص على الواقع البراني فالجسد أي جسد كان " ليس ملكية خاصة فمهما حاول الإنفلات من قبضة الآخرين فإن الطقس الإجتماعي يعمل على على تلجيمه وتعويمه بما تقتضيه أفعال التنشئة الإجتماعية ومفعولاتها منذ المراحل الأولى للطفولة " (06) .

مما يعني في النهاية أن الجسد حتى ولوكان جسد الآخر الذي لا نعرفه حق المعرفة سيتحول مع وعي القارئ أو المتأمل في تضاريس الكتابة الإبداعية التي تتخذ من الجسد متكأ لها إلى "ملكية مشتركة يتقاسمها المخيال الجمعي بما يسبغ عليها من قيم تدخل في صرح المثل الضامنة للتماسك الإجتماعي مهما حاول إحاطتها بمقاومتها الدائمة للظفر بعزلته الأنطولوجية الدافئة " (07) .

مع الأخذ بعين الإعتبار أن المعنى ينصرف هنا إلى الجسد التخييلي بوصفه نصا ثقافيا موضوعا للتحليل الثقافي ضمن فضاء أكبر هو النص بوصف النص " المسكن التخييلي للجسد وفيه يتجسد ويتحقق وجوده المتخيل " (08) .

وفي نصوص (جسد الأهزوجة) لا يتوقف حضور متخيل الجسد على العتبة النصية لعنوان مجموعتها الشعرية (جسد الأهزوجة) بمعناها الفيزيقي فحضور متخيل الجسد يكاد يغطي مساحة واسعة من فضاءات نصوصها والمعجم الثقافي الحامل لها وهو ما يتجلى في إعتراف الشاعرة نفسها أنها " أرهقت أجسادا عارية على بياض يرفض الرقابة والمقص " (09) .

فيما لا يبدوا على الشاعرة أي ميل أو إستعداد للتخلى على إشتراطات (بويطيقا الأنوثة)

عندما تستدعي إلى نصها  إحدى رائدات النسوية الغربية وهي فرجيينا وولف في نص يحمل الإسم ذاته (فرجيينا وولف) وهي توشوش في مسمعها :

أغرقي ففي الغرق متعة لا يعرفها إلا أولو التبصر / ضعي حجرا في ميزان العشق وأقسطي في الذوبان (10) .

ثم تجر معها عددا من الأسئلة المبحوحة الحاملة لمفردات الدفء والبوح والظلمة والثدي والضرع والسوسنة والشمس والبنفسح وهي كلها صيغ لغوية تشكل معجما لغويا يستقي دلالاته من جراحات الذات الأنثوية وأوجاعها الأوجاع التي تنكرت لها نصوص (التمثيل الثقافي للجسد) المكتوبة من طرف الآخر الذكر  الذي تجرأ على الإحتفاظ بكتابة تاريخ واحد للجسد هو من وجهة نظر ثقافة النظام الشعري العربي الذكوري " ثقافة واحدة تتجرأ مع ذلك على تقديم النسخة الصحيحة والوحيدة للتاريخ " (11) .

التاريخ الذي كان يريده تاريخ التمثيل للرغبة وللجسد الأنثوي الشهواني كنوع من المركزية الذكورية الموروثة من الحقبة الإستعمارية عن مركزية الإستشراق الغربي في التعامل رمزيا ودلاليا مع تضاريس الجسد الأنثوي الشرقي جسد الحريم أو (الجسد الطيع) بمفهوم فوكو القابل لعنف الرغبة بوصف الأنوثة صفحة بيضاء على ما نرى ذلك عند عبد الله الغذامي في تعريته لثنائية المرأة واللغة والتمثيلات اللغوية التي رسختها الثقافتين العربية والغربية وكرستها كأمر واقع حتى " صارت الصفحة البيضاء ذاتها مصدرا لنقل الرسالة ثم جرى تثبيتها " (12) .

وهو تثبيت لم يكن في إستطاعة الشاعرة التصدي له وحدها أو ممارسة نوع من المحو أو (المحو الممنهج) بتعبير بختي بن عودة وأقصى ما فعلته الشاعرة هو أنها عمدت إلى التخفيف من وطء الذكورة على متخيل الجسد المؤنث فأتخذت من الأثر الدلالي لصوت الأهزوجة مثالا ثقافيا لها كنوع من (الكتابة بالرد) وفقا لشكل من أشكال المقاربة النقدية للنقد ما بعد الكولونيالي وهي لم تستكمل بعد شحن وعي القارئ بما تشكل في مخيالها الثقافي من فائض شعريتها والتعبير عنها وعن ذاتها التواقة إلى التحرر من التمثيل الثقافي (لجسد الأهزوجة).

النوسطالجيا الثقافية والمكان الشعري وشعرية الثقافة

يلاحظ القارئ (لجسد الأهزوجة) والنصوص الحاملة لها أن هناك نوعا من القرب الأنطولوجي مابين الأنوثة والمكان والجسد والأرض الأرض التي وقع عليها فعل العدوان الذي يجد تجذره الإبستمولوجي في ما أصبح يسمى في الدراسات الثقافية بالإيكولوجيا النسوية وبإعتبار الجسد (مفعول المرأة) مثلما تقول كريستيفا ولهذا المفعول " وظيفة أمومية ما قبل أوديبية تستعاد في الفعل الجمالي الإستطيقي " (13) .

وبإعتبار المكان الذي تحن إليه الشاعرة ووتفرد له عددا مهما من نصوص مجموعتها الشعرية (جسد الأهزوجة) هو مكان ثقافي وليس المكان الفيزيائي في بعده البراني .

ولكن هذا المكان (وهران) قد جرى عزله عن ذاته الذات الأنثوية الناثرة (لخطاب الشعرنة) بمفهوم الغذامي لظلال المكان الثقافي الذي غادرته تحت سيطرة ظروف قاهرة أجبرتها على النأي عنه للأقامة في بلد عربي هو الأردن .

علما أن الشاعرة عندما تحن إلى وهران فهي لا تحن إلى وهران الكولونيالية ولا إلى وهران المدينة الكوسموبولتية كما يفعل علماء الأثنولوجيا الكولونيالية الذين نشأوا وتشكل مخيالهم الكولونيالي في (الجزائر الفرنسية) .

وفق تصور ريناتو روزالدوا الذي ينقل عنه الباحث الجزائري توفيق شابو قوله " أن المجتمعات الإستعمارية البيضاء تظهر مزينة ومنظمة فتلميحات من هذه المجتمعات تصور أنهم لا يخلقون أي سخط أخلاقي مما يعكس مزاج الحنين إلى الماضي في صورة أن الهيمنة العنصرية بريئة ونقية " (14)

بل تحن إلى وهران أخرى هي وهران الثقافية التي تفتقت موهبتها الشعرية فيها وبين أجواءها الثقافية منذ أن كانت طالبة بقسم اللغة العربية وآدابها بجامعة السانية بوهران وهاهي تستعيد وهرانها التي تركتها وراءها عندما غادرتها قبل سنوات دون أن تنجح في نسيانها أو تتخلى عن نص المكان الذي يستوطن مخيالها الثقافي المخيال الجسدي لنص المكان بوصف الشعر كما الفلسفة (سياسة مكان) بتعبير المفكر التونسي فتحي المسكيني وهذه السياسة يقول المسكيني " لا يمكن لأي دولة أن تؤقلمها في المعنى الذي إفترعه دولوز " (15) المعنى الذي يمكن العثور في قول شهير لأدونيس بأن (المكان جرة الأنوثة)

فهل كان للمنفى دور في إنتاج هذه النصوص الشعرية نصوص النوسطالجيا الثقافية كما تتبدى لنا من خلال عتباتها النصية (وهران شوق ومسغبة –وهران كامو تدير ظهرها لي – بلبل في الأعالي حسني) وغيرها ... ؟ .

لا أجيب بالنفي ولا أجيب (بنعم) لكون منطق النقد الثقافي الذي نعتمده في هذه المعالجة النقدية ليس من أولوياته الإنحياز إلى روح العقل الوثوقي الذي يعتقد أنه يملك الإجابات القطعية في مسائل نقدية تتطلب الكثير من النسبية والإختلاف .

وعندما يتعلق الأمر بنصوص المنفى والنصوص النسوية على وجه الخصوص المنفية من دائرة التداول النقدي الذكوري فإن الأمر يطرح إشكالية مضاعفة وهو ما يتجلى نصيا في عنوان نص من نصوص المجموعة الشعرية (جسد الأهزوجة) .

النص الحامل لعتبة نصية هي (وهران كامو تدير ظهرها لي) رغم أن الأمر يتعلق بذات ثقافية أو (شخصية مفهومية) بتعبير دولوز وهي ذات تجمع بين الغيرية والهجنة بوصف هذا الأخير كامو هو في النهاية شخصية مركبة من ذاتين الذات الغيرية والذات العصية على الإنتماء وهي نتاج فعل الهجنة والشاعرة عندما تعبر في نصها (وهران كامو تدير ظهرها لي) عن حنينها الباذخ لأرض المنشأ فهي تتخذ من ليل وهران البعيد منصة للبكاء والنحيب ولا عزاء لها سوى إستعادة أصوات حسني وخالد لتبرأ من وهران العلة التي تخرب عنها أنسها البعيد بقهوة عواد أو التسكع في مرشي ميشلي .

هذه وهران كامو التي تدير ظهرها للشاعرة وهي وهران أخرى غير التي عرفتها الشاعرة وهران مرشي مرشي وسنتا كروز وصخرة العجوز وهران (الألبوم الكونيالي) أو وهران كامو كما عبر عنها الناقد الجزائري الدكتور رابحي عبد القادر وهو يعني الألبوم الكامن في " ما كتبه كامو عن وهران لإجل إستدعاء وهران الماضي " (16) .

وحتى عندما تعثر على وهرانها التي خبأ مفاتيحها الجني المارد تحت قدمي الإله كما تقول وتحاول إستعادتها فهي لا تتردد في مناجاة وهرانها بتلك اللغة الشعرية الحنينية الطافحة بأوجاع أنثى مجروحة تريد أن " تستريح على أهبة من ضباب القلق لترى سموم الروح تخرج سربا سربا " (17)

طالبة من (هيدور) أن يربت على كتف البحر وهي لا تفتأ إستحضار أصوات وهران التي ألفتها .

ففي مقابل المنظورية التي عبر عنها الدكتور رابحي عبد القادر في (الألبوم الكولونيالي والحنينية الجديدة) تميط الشاعرة خيرة بلقصير اللثام عن ألبومية أخرى هي ألبومية وهران ما بعد الكولونيالية وهران بختي بن عودة وعلولة عبد القادر ومحمود بوزيد وأحمد وهبي وأمين الزاوي ومحمد بن زيان وحسني وخالد وغيرهم في قراءة شعرية هي أشبه (بالقراءة الطباقية) التي قدمها إدوارد سعيد في كتابه (الثقافة والإمبريالية) عندما كان بصدد وضع الرواية الغربية رواية الأمبريالية الثقافية المسكونة بسياسة الحذف الإجتماعي مثلما يقول هومي بابا للآخر الغيري أمام رواية أخرى هي رواية الأطراف المسكوت عنها في الخطاب النقدي الغربي خطاب المركزية الغربية فتحضر في متن الشاعرة شعرية أخرى هي الشعرية الثقافية كما تتجلى في ذلك المذهب النقدي من مذاهب النقد الثقافي الذي أسس له الناقد الأمريكي ستيفن غرينبلات في جامعة بريكلي بالولايات المتحدة الأمريكية وأطلق عليه مسمى الشعرية الثقافية الرامية إلى إعتبار الأثر الفني " نتاج تفاوض بين مبدع وطبقة من المبدعين مجهزين بذخيرة أعراف مركبة ومشتركة جماعيا ومؤسسات المجتمع وممارساته لتبادل ذي معنى لا يتضمن الإمتلاك ولكن التبادل " (18) .

التفاوض الذي قاد الشاعرة خيرة بلقصير إلى إمتحان قدرتها التفاوضية على مضاعفة منسوب النزق لديها وهي تقاوم إكراهات اللغو الأدبي والنصوص الهشة والفراغ الثقافي والنباح الشعري وبرجوازية البياض وإستعراض عضلات اللغة وغيرها من أفانين الدرس الثقافي الأسلوبي الإستعراض المناوئ للشعر المؤنسن الذي تقدمة الشاعرة كنوع من الشعرية المضادة لتجارب الهيمنة باللغة غير عابئة بثقل الإسم أو (إمضاء الإسم) فيما النص فهو :

"مجرد إعتذار للحياة يخدش اللحظة بحياء القلم " (19)

وهي في عزلتها البعيدة بمدينة أربد الأردنية في زمن جديد هو الزمن الكوروني الزمن الذي فرض عليها مقاومة مزدوجة المقاومة الأولى:

هي مقاومة رهاب جائحة كورونا وإنعكاساتها النفسية على ذات الشاعرة وهو الذي أثمر (إنتاجية نصية) بمفهوم كريستيفا تمثل في إحدى قصائد المجموعة الشعرية (جسد الأهزوجة) وهي (هكذا تحدثت الكورونا / مائة عام من الحجر) في تناص على مستوى العتبة النصية / العنوان مع عنوان لرواية شهيرة هي رواية (مائة عام من العزلة) للروائي الكولومبي غابريال غارسيا ماركيز في مواجهة صريحة هي مواجهة القارئ الذي سيضع على محك التساؤل النقدي نصها الشعري ضمن أفق للتلقي النقدي بما يتناغم مع ما يسمى بنصوص الحجر والعزلة النصوص التي تحكمها آفاق ما بعد كورونا (كمفصلية ثقافية للذات العربية) المفصلية التي حدد أطرها الناظمة باحث مصري هو الدكتور حاتم الجوهري في دراسة راهنة له تتخذ من مضاعفات كورونا / التي أربكت العقل الأوربي ومعه العقل الأمريكي وجعلته عاجزا أمام رعب الجائحة وتناسل تداعياتها النفسية على الذات الغربية المفكرة الذات التي جرى تقديسها من طرف الذوات الأخرى المسيطر عليها في العالم الثالث العالم المستهلك لمنتجاتها العلمية والطبية مثالا لها .

هذا ما جعل الدكتور حاتم الجوهري يؤشر لإنبثاق مفصلية ثقافية للذات العربية في مرحلة ما بعد المسألة الأوربية " كمفصلية ثقافية جديدة تثور على المفصلية الأوربية وتسعى إلى إزاحتها من المقدس التي رفعها البعض إليه " (20) .

ودليله في ذلك " أفول النموذج الغربي وتراجع متلازماته الثقافية في المتن والهامش بما سيمكن الذات العربية من لعب دور في ظهور مفصلية ثقافية إلى جانب النمط الحضاري والتجاري للصين التي شنت عليها أمريكا حربا تجارية تصاعدت في ظل الجائحة " (21) .

غير أن خيرة بلقصير وحتى وهي في عزلتها البعيدة في أربد توثق لنص (محنة الجائحة) في نص العزلة بما يعني مقاومة الآثار النفسية والشعورية لذاتها الذات الشعرية القادرة على تجاوز رعب اللحظة في ظل تفشي الوباء وباء كورونا في محيطها الإجتماعي بأربد فهي تخترع لحظة أخرى هي اللحظة الإبداعية كلحظة مفصلية تعبر عن مفصلية أخرى هي المفصلية الشعرية المفصلية الكامنة في كتابة نص شعري يجمع بين معطيين المعطى الأول :

هو المعطى المتعلق بنص العزلة والعزلة عموما هي خيار الكاتب والميدع عندما يكون بعيدا عن ضجيج العالم .

فيما المعطى الثاني : فهو المعطى المتعلق بأنسنة النص الشعري الأنسنة القائمة في بعد الشاعرة عن مرايا اللغة والجماليات المتجاهلة للوجع الإنساني المعبر عنها بلغة الناقد العراقي فوزي كريم (بمرايا الحداثة الخادعة) الأنسنة التي قادت خيرة بلقصير لتقديم نصوص هي نصوص الشعرية الثقافية لتقاوم فضائع الأمبريالية الطبية العائدة ككمامة ليعود أمد الخرسان أكثر وهي ترى أن ذمم البياض ستباع أكثر فلا " الثلج ولا الأكفان ستصحح نوايا تجار الظلام والإنسانية " (22)

فيما المقاومة الثانية: فهي مقاومة النفي والبعد عن مرابع طفولتها وعن المكان الثقافي الذي تركته هناك في وهران وهران ما بعد كامو والوجود الإستعماري مع العلم أن الشاعرة خيرة بلقصير عندما تميط اللثام عن ألبومية أخرى هي ألبومية وهران ما بعد الكولونيالية وهران بختي بن عودة وعلولة عبد القادر ومحمود بوزيد وحسني وخالد وعبد الله الهامل وغيرهم كسردية مضادة للسردية الكولونيالية التي تحدث عنها الشاعر والأكاديمي الدكتور رابحي عبد القادر في (الألبوم الكولونيالي والحنينية الجديدة) فهي لا تتعامل مع الإسم المفهومي لكامو كروائي إشكالي إرتبط في وهران بنوع من الحنيننية أو النوسطالجيا الكولونيالية تعاملا هو أشبه (بشيطنة الآخر) على الرغم من أنها تعبر في منجزها الشعري عن رفضها لماضي وهران الإستعماري أي " تحويل الآخر إلى رمز للشر المطلق " (23)

إذ تشيد ببعض نصوصه خاصة نص (الطاعون) الطاعون الذي ترى أنه مكنى بالمكان الخطأ ولا تترد في إختبار قدرتها التفاوضية لإستجلاء شعرية أخرى هي شعرية المثاقفة فيحضر في نصها الشعري إستدعاء للآخر ممثلا في الإسم المفهومي لرموز ثقافية غيرية بوصفها (ذواتا عالمة) بمفهوم محمد عابد الجابري أو(شخصيات مفهومية) بحسب المعنى الذي يعطيه الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز للذوات الثقافية والفكرية عندما تحضر داخل نص إبداعي أو فلسفي على غرار كامو وأرسطو وفرجيينا وولف ورامبو ولوركا وغيرهم وجها لوجه أمام (شحصيات مفهومية) أخرى تنتمي إلى وهران ما بعد الكولونيالية وهران رنين الحداثة اليافعة لبختي بن عودة وهو يمسح أزيز المرجاجو باليقين وهران المضمخة بعطر عبد القادر علولة وعواء الركح بأجواده الغائبين وهران محمود أبوزيد وهو يجفف عتبات المبنى العظيم كلما غادره عاشق مهزوم وهران عبد الله الهامل الصعلوك الغامض التواشيح وهران البحة في حنجرة أحمد وهبي سائلة عن حال الأحبة هناك وعن حال قبة سيدي الهواري وحال لالة مريم في أعالي الصمت الصمت الذي كلفها كثيرا قبل أن تعثر على ضالتها لدى النفري وهو يوصيها :

" خذي مني لساني السليط وطواسين الحلاج "

ما بعد القصيدة / وصية الشاعرة

لا أدري إن كانت الشاعرة منفتحة بما يكفي كقارئة على بعض أنساق خطاب البعديات والمشروعات النقدية المنبثقة منها مع أني لا أعتبرها ضرورية وليس شرطا أن يكون الشاعر قارئا للفلسفة وللفكر المعاصر ولا يمكن التعامل مع صفة المابعد بنوع من المعيارية أو الميكانيكية المرحلية كما يتجلى ذلك في عدد من المعالجات النقدية المتسرعة فالمابعد تشكل " معقولية ما يعلن التحول عنها وعن مشروعية القول في المابعد " (24)

ولا أطرح مابعد القصيدة كمفهوم يحيل إلى مذهب ما بعد القصيدة كما تكرس في سرديات النقد ما بعد الحداثي لشعريات ما بعد القصيدة التي ضاقت بها القصيدة ولم تعد قادرة على لملمة " تبعات الولادة وأول ما يواجه المولود أو المنجز التجريبي المتمرد على سلطة النظم الشعرية وأعرافها المتأصلة في أعماق الوعي الشعري العربي (25) .

ولا يحيل المفهوم ما بعد القصيدة أيضا إلى تيار ما بعد القصيدة النثر على إعتبار أن المنجز الشعري لخيرة بلقصير من خلال (جسد الأهزوجة) يرتبط بمواضعات القصيدة النثرية على صعيدي الشكل والبناء كما أسس له نقديا وتنظيريا نافد مهم هو الناقد المصري سيد عبد الله السيسي عبر كتابه (مابعد قصيدة النثر نحو خطاب جديد للشعرية العربية) رابطا فيه بين مفهوم الجمهور ومفهوم الشعر والجمهور الذي يعنيه هو الجمهور الشبكي الذي أفرزته الثقافة الرقمية في عصر ما بعد الحداثة الشعرية وفي نظره " أن ما يعتبره الجمهور الشبكي شعرا لا يتطابق بالضرورة مع مفهوم قصيدة النثر كما تطرحه المؤسسة النقدية الأكاديمية " (26) .

ويعلل ذلك بأن " الشعر الأكثر تداولا يجيئ معظمه من خارج الخريطة التي رسمت حدودها المؤسسة النقدية والأكاديمية " (27) داعيا إلى تجديد الخطاب النقدي في أفق ما بعد قصيدة النثر .

بقدر ما أريد أن أنبه بان الوصية الواردة في نصها الشعري (كامو وهران تدير ظهرها لي) يمكن أن تقرأ منفصلة عن القصيدة الواردة فيها بإعتبارها نصا آخر يمثل مفصلية أخرى هي مفصلية ما يعد القصيدة كوصية آخيرة يمكن الإشتغال عليها في نص قادم أكثر حجما وعمقا وأكثر سعة من حيث الفضاء الشعري الحامل لنص الوصية بوصفه نص مابعد (جسد الأهزوجة) وقد تجيء على هيئة سيرة شعرية أو سيرة روائية مع العلم الشاعرة نفسها تعلن أنها تؤجل بكاءها عن وهران وتؤجل عذب النحيب بما يعني أن في الأفق شيئا لم يقل أو أن القصيدة لم تسعه وبهذا المعنى تتوسل خيرة بلقصير بالوصية كرغبة اخيرة من وهرانها .

" وهران أوصيك بجثماني خيرا إن تعذر اللقاء / أوصيك بأن لا تذهبي خسارة كما قالت الأغنيات / أوصيك بالوهرانيين الرابضين في مدخل الآه وبحنجرة أحمد وهبي / أوصيك بالنعوش التي تصلك من الإغتراب وقلبي وهو يشحذ ما تبقى من أنفاسي " (28) .

 

قلولي بن ساعد - كاتب وناقد / الجزائر

.................

إحالات

01) السرد النسوي الثقافة الأبوية الهوية الأنثوية والجسد – عبد الله إبراهيم ص 05 المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت الطبعة الأولى 2011

02) الكينونة والشاشة كيف يغير الرقمي الإدراك - ستيفان فيال ص 221 ترجمة إدريس كثير – هيئة البحرين للثقافة والآثار المنامة الطبعة الأولى 2018

03) نفس المصدر ص 220

04) نفس المصدر ص 07

05) سادنات القمر سردانية النص الشعري الأنثوي – محمد العباس ص 57 / 58 دار الإنتشار العربي – الطبعة الأولى بيروت 2003

06) مقدمة في سوسيولوجيا الجسد تقاطع الثقافات وتنازع الهويات – محمد الحامدي مجلة إضافات / المجلة العربية لعلم الإجتماع ص 112 العدد 40 أكتوبر 2017 / منشورات مركز دراسات الوحدة العربية

07) نفس المصدر ص 112

08) النص والجسد والتأويل – فريد الزاهي – ص 25 دار إفريقيا الشرق الدار البيضاء 2003

09) جسد الأهزوجة – خيرة بلقصير ص 05 مؤسسة أبجد للترجمة والنشر والتوزيع محافظة بابل العراق – الطبعة الأولى 2020

10) نفس المصدر ص 117

11) التاريخانية الجديدة والنقد الثقافي لويس تايسن – ترجمة لحسن أحمامة ضمن كتاب التاريخانية الجديدة والأدب المكز الثقافي للكتاب الدار البيضاء 2018 ص 143

12) ثقافة الوهم مقاربات حول المرأة والجسد واللغة - عبد الله محمد الغذامي ص 72 المركزالثقافي العربي بيروت / الدار البيضاء الطبعة الثانية 2000

13) نساء يصيغة المفرد - جوليا كريستيفا - ترجمة فؤاد أعراب - مؤسسة مؤمنون بلا حدود قسم الفلسفة والعلوم الإنسانية 18 يوليو 2018 ص 10

14) النوسطالجيا الكولونيالية وأعطاب الذاكرة في رواية "فضل الليل على النهار" توفيق شابو – مجلة اللغة الوظيفية العدد 02 المجلد 05 ص 41/ 42 / جامعة حسيبة بن بوعلي الشلف / الجزائر

15) الهجرة إلى الإنسانية – فتحي المسكيني ص 15 منشورات ضفاف ودار الأمان ومنشورات الإختلاف الجزائر / الرباط / بيروت الطبعة الأولى 2016

16) الألبوم الكولونيالي والحنينية الجديدة – عبد القادر رابحي جريدة النصر الجزائرية 29 / 09 / 2020

17) جسد الأهزوجة ص 36

18) نحو شعرية للثقافة – ستيفن غرينبلات – ص 40 ضمن كتاب التاريخانية الجديدة والأدب ترجمة لحسن حمامة المركز الثقافي للكتاب الدار البيضاء الطبعة الأولى 2018

19) جسد الأهزوجة ص 06

20) ما بعد المسألة الأوربية كورونا كمفصلية ثقافية للذات العربية – حاتم الجوهري المجلة العربية للثقافة العدد 26 تونس 2020 ص 186

21) نفس المصدر ص 187

22) جسد الأهزوجة ص 124

23) المختلف والمؤتلف تمثيلات المركز الغربي والهامش العربي وشيطنة الآخر خلدون الشمعة ص 254 دار المتوسط ميلانو إيطاليا 2019

24) ما بعد الإنسان – عائشة الحضيري ضمن كتاب جماعي خطاب الما بعد في إستنفاذ أو تعديل المشروعات الفلسفية ص 25 إعداد الرابطة العربية الأكاديمية للفلسفة منشورات ضفاف والإختلاف ودار الأمان الجزائر والرباط وبيروت الطبعة الأولى 2018

25) شعرية ما بعد القصيدة بين إشكالية التسمية وإشكالية القراءة زهيرة بولفوس مجلة علوم اللغة العربية وآدابها جامعة الوادي ص 40/ 41 العدد الخامس 2013

26) مابعد قصيدة النثر نحو خطاب جديد للشعرية العربية سيد عبد الله السيسي ص 273 المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت الطبعة الأولى 2016

27) نفس المصدر ص 273

28) جسد الأهزوجة ص 41

 

 

 

 

حيدر عبدالرضاوقفة مبحثية مع نص (أخوات الشمس الوحيدات) نموذجا

الحياة الشخوصية في غرفة الإنعاش المدلولي

الفصل الثالث ـ المبحث (3)


توطئة:

يدخل الزمن في بنية نص (أخوات الشمس الوحيدات) ضمن واصلة إطارية خاصة من دلالة عوالم المتخيل المعادل في وظيفة أحداث وأنساق دلالات معالجة ترتبط بعالم الواقعة المعاشة بدرجة أو بأخرى من صورة الموقع الإيهامي الدال في بنية شخوص النص النسائية. فالزمن الطبيعي في هذا النص هو خطي متواصل يسير جنبا إلى جنب بموجب علاقات مطردة كونتها العناصر الشخوصية الثلاثية وعلاقاتها مع دليل أشعة الشمس وفلكها ـ تطهرا من خلجات وشوائب الفراغ العاطفي والجفاف الروحي، ابتعادا عن خيبات الأزمات الوجدانية التي تتعرض لها مراحل النساء العمرية والدلالية في مملكة مدن الشمس .

ـ زمن السرد المحدد أو اللامحدد .

يشكل الزمن السردي في وحدات رواية النص للطفية الدليمي، ذلك العنصر الذي من شأنه خلق ذلك المستوى المترشح عن مستوى التشكيل الزمني المنقسم على ذاته وفي ذاته، حيث طول السرد وقصره الشكلي والمضموني، ومن هنا يمكننا القول أن مستهل حكاية رواية النص بدت ضمن زمن الحدث المحدد أو اللامحدد الذي يستغرقه مستوى عرض المواقف والوقائع الكيفية في أول وهلة من النص: (قبل عام وفي مناسبة لا أتذكرها، أطلقت علينا أحدى الصديقات تظرفا ـ أسم أخوات الشمس، فشاعت التسمية بين معارفنا واعتبرناها أول الأمر إطراء لخصالنا واعترافا منهم بتمييزنا، وظلت التسمية الطريفة ـ التي تشبثنا بها ـ مثار اعتزازنا وتندرنا . / ص113) أن العناية من السارد المشارك بتحديد زمن حكاية التسمية، جاءت بمثابة الحلقة الترتيبية الزمنية إلى وحدات الزمن الاستدلالي الكلي القائم على رؤية منظور هذا الفعل من ناحية حكاية وعلاقة دوال (أخوات الشمس الوحيدات) حيث ينظر إلى اللاحق من السرد بكيفية تتابعية خاصة لمظهر حكاية ثرث نساء وحيدات إزاء طموحاتهن وأحلامهن الخائبات: (أكتشفنا أن الأمنيات تساقطت تباعا، وتلاشت، وأبقت لنا مزيدا من الأسرار الحزينة والأسى الموجع . / ص113 . ص114) فيما ظلت دلالات الزمن اللامحدد في طيات الأحداث، مرورا استباقيا على مؤشرات وقائع سردية ذات مساحة متفرقة ومتشظية من منظور العلاقة السردية، وبدلا من عرضها تمفصلا، أتخذت الساردة المشاركة الحكي في زمام اللحظة الزمنية اللامحددة في مرور قنوات الأزمنة المتفرقة: (رحل الجميع عن البيت، رحل والدنا ولحقت به أمنا بعد عام ونصف العام، وما لبث شقيقاي أن تزوجا ثم خطفتهما الزوجتان ومباهج وأعباء الزواج منا / وبقينا أنا وأختي سلمى مع الجدران والنوافذ والشمس . / ص114) .

1ـ الذات الرّاوية بين مأزق الفتور وجذوة أليم العاطفة:

يمكننا ـ في تقديرنا، نظريا وتطبيقيا ـ إدراك مدى إشكالية التعالق والتفاعل ما بين الذات الرّاوية ودينامية حلقات محاور زمن القصة، وصولا منها إلى مراحل الفاصلة بالزمن الداخلي للذات الساردة، اقترانا بذلك الزمن المؤشر على وقائع النص العلائقية، كحقيقة مشخصة في صيغة الأحداث وصوتها، وعلى هذا الأساس وجدنا علاقة الرّاوية المشاركة بأحداث النص، تأخذ بعين الاعتبار لذلك الجانب الآخر من الفترة الفعلية المنتجة في التأخير والتسريع في لحظة تغطية الأحداث الخارجة عن مرجحاتها الزمنية الداخلية للشخصية الواحدة تحديدا: (قالوا لنا: تقيمان في البيت حتى يحدث لكما أحد أمرين: الزواج أو الموت، ثم رحلوا عنا وتركوا لنا ما يصعب اقتسامه من الميراث: الحزن الوحشة ورائحة الألفة القديمة وأصوات الماضي . ص / 114) وتعميقا لهذا النزوع في فتورات المسحة التشاكلية للذات الرّاوية مع قرائن وحشتها العاطفية وبعيدا عن أي علاقة سببية حميمة مع ملامح زمنها الحاضر بمشخصات انفصالها وشقيقتها عن وصايا الأخوة، إذ يشرع الأثنان نحو فتح النوافذ المكانية والزمنية والذاتية ارتباطا مع تموجات زوايا أشعة الشمس حيث الضوء وفك حدود طاقة الذات مع الآخر من جاذبية أسرار الأمكنة وأصداء أصواتها في أرجاء بيت العائلة، والذي غدا مع السرد فضاءات متلاحمة مع خيوط أسطورة بقايا الحلم الأنثوي بالواقع الزمني الجديد من مملكة الشمس: (أخذنا نثرثر لنسمع تردد صدى صوتينا في الفراغ، فكان الصدى يتكاثر لنسمع أصواتا وكلمات لم نقلها قط،أنها أصواتهم تستيقظ في الزوايا ووراء الأبواب وفي طيات الستائر .. كانت ضحكات أخوتي .. وسعال أبي .. وهمسات أمي تجتاح ممرات البيت وتأتي لتحط على يدي كأنها الحمائم الضالة . / ص115) تسعى الكاتبة لطفية إلى معاودة زمن أحداث سرداب الأصوات العائلية في روايتها (سيدات زحل) الأمر ذاته حاضرا في زمن ومشخصات وحدة النساء المعنوية، داخل ذاكرة المكان ومستوى أوليات الخطاب التوليدي في مساحة التخييل الروائي . لذا وجدنا زمن الذاكرة متواشجة بالاسترجاع الملتحم مع حكي المتعدد من حيث التخييل والاحتمال، وسرعان ما يرتد هذا الامتزاج القصدي بين الزمنين والصورتين (الماضوي ـ الحاضري) امتدادا إلى علاقة ذات مؤثرات محورية في شواهد المكان والزمن الاستباقي والاسترجاعي من النص: (قلت لسلمى: هاك بيتا جديدا يليق بامرأتين وحيدتين، وضحكت سلمى وقالت: ـ تغير كل شيء، لن يعرفوا البيت إذا جاؤوا لزيارتنا: ـ سيعرفونه من رائحة العواء الرطب الذي يأتينا من وراء التلال .. ومن ضوء الشمس الذي لا يبرح غرفه حتى المساء . / ص115) .

ـ الصورة الروائية بين معزولية واقع الذات وهيمنة الداخل الشخوصي .

تدور أحداث النص حجرات المنزل وأمكنة ساعات العمل خارج المنزل، حيث لا يفتر نبض الحياة الداخلية للساردة المشاركة إلى جوار شقيقتها سلمى . فكانت هدى ـ السارد المشار ـ تعمل بالمستشفى بصفة طبيبة أو ممرضة، فيما تعمل سلمى في مؤسسة التصاميم الهندسية، إذ كان الاثنتان بعد انتهاء عملهما الرسمي خارج البيت ينشغلان في تدابير بسيطة من أعمال المنزل، أ, تنفرد كل منهما في حجرتها قريبا من أحلامهما المفقودة في واقع الحياة: (كانت الليلة تنذر ببرد شديد لا شيء يدفىء أمسياتنا سوى بعض الكلام، وحتى الكلام صار مملا .. وأحسست أن الستائر ترتعش، لعلها الريح .. أجل أنها الريح . / ص117) وتبلغ ملامح وحشة الحياة إلى مستوى مواقف بدون استجابة حسية من شأنها تبديد رتابة الشعور بهوية تكرار المواقف ذاتها من قبل الشقيقتان، ولكن ما يحدث فجأة في النص، هو دخول حركة محفزة في حياة المنزل، وذلك ما ألفيناه في وصول الشخصية الثالثة أحلام أبنة عمة هدى وسلمى: (وإذا تنتابنا أنا وسلمى حالات كآبة أعتدناها، كنا نفاجأ بصوت أحلام ينطلق بأغنية قديمة فيمنحها عذوبة وحيوية توقظ في أنفسنا أفراحا قديمة منسية . / ص 118).

ـ أهواء وطباع فضاءات النساء الوحيدات .

تسعى الروائية الدليمي في وحدات نصها، إلى فرض تنويعات مختلفة بين طبائع وأهواء وسلوكيات شخوصها النسائية . فعلى سبيل المثال، تصف لنا الشخصية سلمى على أنها الأكثر غورا في تفاصيل الحياة اليومية، لذا فإنها الأكثر توقاً إلى عاطفة الأمومة، بشرط أنها لا تود الانخراط في مسار الحياة الزوجية من أجل فكرة الإنجاب . بالمقابل منها يأتينا شعور الشخصية هدى، هذه المتجولة بأفكارها في رحاب عالم المعرفة الروحانية، ثم سرعان ما تقذف بذاتها فوق وسائد العاطفة الجياشة، علها تجد بذلك ملاذها المنصوص بفكرة الأزلي في كل حالات ومواطن الأشياء . أن الغريب في طباع الشخصية هدى، أنها ميالة في طبيعتها إلى التحول المفاجىء في رغباتها وأحلامها، على العكس من سلمى: (سلمى تغمر كل شيء تمسه يداها بأمومتها بدءا بنا ومرورا بالنباتات وانتهاء بالقطط والعصافير.. وعند ما نضيق بفرط عنايتها بنا ولا ينفع ضيقنا بشيء ولا تتخلى عن استبدادها الأمومي اتجاهنا . / ص120) هكذا تخبرنا رواية النص، عن تفاصيل دقيقة في حيوات النساء الوحيدات ـ أخوات الشمس ـ وبدأ ذلك المشروع في العمل حول علاقة الشمس وتفاصيل أشعتها على سلوك الكائنات الشخوصية في رواية النص .

ـ الحجرة الشمسية وحالات توتر النساء الوحيدات .

تمتاز دلالات رواية نص (أخوات الشمس الوحيدات) على أنها المكون السردي الذي أخذت تبدو من خلاله صورة المرأة الوحيدة، وهي في لبوس العاطفة المعادلة عن ذاتها الموحشة، حتى يتسنى لها أنشاء وسائل بديلة في مسار تعديل وانتشال ذاتها من شرك الوحدة والفاقة العاطفية، وذلك الحلم المكابر في تجاوز مملكة الرجل في ظلال مفتعلة من هستيريا مدلولية واضحة من حياة امرأة وحيدة . وفي تفاصيل من الحكي الروائي، نعاين حجم الممارسة المتخيلة التي قامت بها سلمى وهدى، بأستثناء الشخصية أحلام التي كانت تعشق كتابة الشعر، إلى إنشاء علاقة علاجية مبتكرة بواسطة حجرة زجاجية دوارة، تستقبل انعكاسات أشعة الشمس، فيما تستخدم هذه الاشعاعات في علاج حالات المأزومية النفسية لدى النساء الوحيدات: (يا أخوات الشمس إذا أحبت أي واحدة منا رجلا فلتحتفظ بالأمر سرا ولا تطلعنا على أسمه . / ص123) .

ـ تعليق القراءة:

لعلنا أدركنا من وراء دلالات نص (أخوات الشمس الوحيدات) حجم الحصيلة المأزومة من حيز فضاءات المحاور النسائية في زمن الغرف الرطبة والستائر المرتعشة بفعل تيار الرياح العابثة في ممرات أحلام وأمنيات المرأة الحاضرة الغائبة من جراء زمن قنوطها الموحش في عالم وحدتها الخالية من الأنيس والمؤانسة المتحققة بفعل غياب الرجل المناسب .. لقد حاولت الروائية الدليمي في نصها توصيف حالة من حالات معاناة المرأة التي حاولت تمثيل مشهدها النفسي والعاطفي ضمن مؤهلات وتداعيات ذاكراتية ويومية معاشة تداخلا بين (أنا الراوي)و تلك الحقيقة السير ذاتية المحفوفة بأعلى صياغة الأسلوب التدويني لحكايا امرأة وحيدة .

 

حيدر عبد الرضا

 

منذر الغزاليأولاً - النص

  كهلٌ

مَحتِ الشَّظيَّةُ ذاكرتَه...

خَوى جوفُه؛ قُدَّ قميصُ إنسانيّتِه.

أسعَفَه الشّارعُ بالحكمةِ.

سألْتُه عن عمرِه...

 -أنا منِ التهمتِ الأَرَضَةُ صحيفةَ طفولتِه.

لين الأشعل/تونس

ثانيا - القراءة

رغم أن القصة القصيرة جداً من أحدث الفنون السردية -عند الكتّاب العرب على الأقلّ- فإنها باتت أكثرها انتشاراً وكتابة، ساعد على هذا الانتشار الشبكة العنكبوتية، وحرية النشر وسهولته، إذ لا يكاد يخلو قطر عربي من رابطة للقصة القصيرة جداً على منصة الفيسبوك.

ورغم أنّ النقّاد المؤسسين لهذا الفنّ السردي قد وضعوا لها قواعد وشروطاً، فإنّ القصة القصيرة جداً لا تزال خاضعةً للتجريب، قادرةً على توليد شروطها وأساليبها التي تكتمل بها، لتكون نوعاً كتابياً خليقاً بأن يصبح جنساً مستقلاً له مكانه في ديوان السرد.

ومع اختلاف المسميّات فإنّ الكلّ مجمعون أنّ التكثيف هو أهمّ شروط القصة القصيرة جداً. وبرأيي الشخصي فإنّ التكثيف هو عين القصة القصيرة جداً، وهو مبرر وجودها، فما القصة القصيرة جداً إلا موقفٌ من الحياة أو في الحياة، يكثّفه الكاتب ويركّزه ويطلقه سرداً على شكل قصة قصيرةٍ جداً.

وكي يكون التكثيف ذا جدوى، ولا يزعزع كيان الحكاية، أو يفقدها تماسكها، يستعين الكاتب بعددٍ من التقنيات التي تساعده في اكتناز الدلالات، كالرمز والتناص والحذف... إلخ.

إن الكاتب في لحظة الإبداع يكون في حالة فكرٍ مطلق، وحالما يبدأ بتجسيد هذا الفكر، لغةً، برموزٍ وإشارات ينفجر الإبداع كالبرق يحمل طاقةً هائلة، في وميضٍ خاطف، باهر الضوء، يحدّد، بذاته، اتجاهه و مساره وشكله وطبيعته، بحيث تنثال مساحة الضوء بعد انطلاق شرارة البرق على اتساع الفضاء المتاح أمامه... هذه هي القصة القصيرة جداً، وهذه هي قراءاتها: شرارةٌ مكتنزة بالطاقة،تومض في لحظةٍ قصيرة جداً، يعقبها ضوءٌ ينداح في جميع الفضاءات وبجميع الأطياف. التكثيف إّنما هو اكتناز النص بطاقة دلالية شديدة التركيز، والقارئ حين يفرد هذه الشحنة الدلالية، إنما يرى الانثيال الشاسع الذي يغمره ضوء النص في أفق التأويل.

القراءة الصمّاء أو القراءة في المستوى الأول:

وأقصد بالمستوى الأول، المستوى المنظور، مستوى القراءة المباشرة لمفردات القصة كما وردت على الورق، دون أي انزياح تأويلي.

نص كهل بني على لسان راوٍ  متكلم يحكي قصة طفلٍ أصيب بشظية في حرب من حروبنا التي لا تنتهي، ما أدى إلى فقدانه الذاكرة، وتشرّده في الشوارع التي أرضعته التجربة بسبب غياب الإنسانية من المجتمع، والقفلة تأتي جواباً على سؤال من الراوي تؤكّد شخصية القصة بأن طفولته ضاعت بسبب الحرب التي أفقدتنا ليس فقط حياتنا، لكن إنسانيتنا وتركتنا كائناتٍ مشوّهةً، تلك القفلة التي كشفت مغزى العنوان، فالطفولة في مجتمعات الحروب الدائمة لا مكان لها، الطفل يخلق كهلاً، بلا ذاكرة، مدرسته الشارع، وداخله أجوف.

 هذه القراءة أسميها قراءةً صمّاء، لأنها لا تسمع أيّ صوتٍ آخر سوى الصوت الذي تنطق به لغة النص حرفياً، فالنصّ، بالنسبة للقارئ، يكون أصمّ، كالصخرة الصلدة، لا يُرى منها إلا قشرتها.

 وهذا النص، حتى في هذا المستوى من القراءة، هو نصّ جميل حقق الإمتاع بالتكثيف، والقفلة البلاغية المنفتحة، والعنوان الساخر الجاذب المشوّق، ويسجّل موقفا للكاتبة من خلال إنسانية الموضوع وانحيازها المبطّن إلى شخصيّة النص، التي تمثّل الإنسان المقهور، الضحية الدائمة لحروب الكبار.

القراءة في الدرجة صفر

 الكاتب، حين يضع نصاً، لا يقرر كيف سيكون شكل نصّه، لأن الإبداع ليس قراراً إرادياً، إنما هو حالة إشراق لا واعية. والكاتب، في لحظة الإشراق الإبداعي، يكون في تماهٍ تامٍ مع الفكرة، أشبه بالغيبوبة، أو السكر الصوفي، يصبح كلّه فكرة.

وحين يتحول هذا اللاوعي إلى لحظة واعية من أجل نقل الفكرة المجردة إلى رموز وعلامات، هذا الانتقال الفجائي أشبه بلحظة تماس بين قطبين متعاكسين: قطب الفكر الخالص، المجرّد، وقطب اللغة التي تحتاج إلى إرادة  واعية لإنتاجها، يعبر عنه الكاتب بطرق تختلف باختلاف طبيعة الكاتب وثقافته ومزاجه وطقوسه. هو أشبه بشرارة برق تمزّق حجب الوعي تخترق الفكرةُ فيه اللغةَ، تتوحّد معها توحّداً تاماً، فلا يكون أي انزياح بين الفكرة واللغة. هذه حالة أشبه بحالة حلمية تخلق اللغةُ رموزَها وإشاراتها المناسبة لطبيعة الفكرة وعمقها واتساعها ومقدار ضغطها على الوعي... هنا يخلق النص بشكل ومضة أو قصة قصيرة جداً، أو قصة قصيرة… حسب طبيعة الدفق الإبداعي وحاجاته.

هذه الحالة هي التي أسماها بارت الكتابة في درجة الصفر، كتابة تكون فيها اللغة مساويةً تماما للوعي، اللغة والفكرة متوحّدان واللغة تحتوي الفكرة وتعبر عنها بشكلٍ تامّ.

هذه الكتابة في الدرجة صفر تحتاج قارئاً من الدرجة صفر أيضاً، ذاك الذي سيقرأ "وعي الكاتب" متمثلاً في لغة النص المتحدة مع الروح، فلا حاجة للقارئ أن يبحث عن مقاصد الكاتب ورؤاه وطبائعه، إذ  يكون كل ذلك متضمناً في اللغة التي يقرؤها... إنه القارئ في درجة الصفر، يقرأ وعي الكاتب مباشرةً... هذه هي الفكرة الأساسية لموت المؤلف لدى البنيويين.

الكاتب حين ينقل وعيه الخالص إلى نصٍّ مكثّف، يتوسّل بكلّ ما أمكنه من تقنياتٍ أسلوبية وكتابية، مجرّباً أحياناً، مبتكراً أحياناً، حسب مقتضيات النص وحاجته. وكل هذا يتم بشكل لا إرادي بفعل التجربة الطويلة والاعتياد الذي تولده الخبرة والمهارة.

وكل فكرة أو حالة تستدعي أساليبها، رموزها أو تناصّاتها، بغفلة عن وعي الكاتب؛ لكن مستفيدة في الوقت ذاته من مخزونه الثقافي والوجداني، أي يعكس جزءاً من روحه في نصّه بكلّ أبعاد الروح الثقافية والوجدانية والحسّية، تلك التي رسّختها التجربة الطويلة في لا وعيه، ذاكرته العميقة التي هيّجتها لحظة الإبداع المتوهجة والحارة للإمساك بالفكرة التي تشكل في الجانب الكتابي هدف النص وقصده... هذا هو جوهر القصة القصيرة جدا، وهذه هي فلسفتها ومبرر وجودها، ومن هنا تأتي عناصرها وشروطها.

الوظيفة التأويلية للعنوان 

يُعدّ العنوان بؤرةً تأويلية تخضع لقراءاتٍ عدّة، وتنتج معاني متشابكة. 

كهل: من جاوز الثلاثين ووخطه الشيب، وقيل من بلغ الأربعين. والكهل أصل يدلّ على قوّة في الشي‌ء.

الرجل كهل، بلغ أشده وقوته وبدا يميل نحو الشيخوخة.

وكهل في تجلّيها التراثي والتاريخي والديني أيضاً تأخذ دلالات كثيرة:

جاء في القرآن عن السيد المسيح: (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46)، آل عمران، يأخذ العنوان دلالات غيبية قدسية.

المجتمعات البشرية، عند ابن خلدون، تمرّ بدورة حياة كالإنسان، من الشباب حتى الشيخوخة، فالمجتمع، بعد قوّة الجيل الأول القائمة على العصبية والبناء، يصل إلى كهولته وعزّته، التي يميل بعدها نحو الشيخوخة والفناء.

وكالمجتمعات، تكون الحضارة الإنسانية برمتها، في مرحلةٍ من التاريخ، في قوة عاتية؛ لكنّها القوة التي يبدأ عندها غروب الشيخوخة.

كل هذه الدلالات وأكثر يمكن أن يضعها القارئ للعنوان أمامه؛ لكنّ قراءة النص وتمثّله بتأويلاته الممكنة، هي التي تحدّد أيٌّ من هذه التأويلات صالح وأي منها بعيد، لكن لنأخذ في اعتبارنا أن النص الأدبي، خاصة القصة القصيرة جداً، يُقرأ قراءاتٍ متعددة، تكاد تكون بعدد قُرّاء النص، وهذا يرتبط بمقدرة القارئ وثقافته، ولكلّ قراءةٍ جمالياتها الخاصة، وتأويلها الذي يرتبط بهذه الجماليات.

التناص وآفاق التأويل

التناص هو جوهرة التاج في هذا النص، وهو الرافعة التي بواسطته استطاعت الكاتبة أن تبلغ بنصها مصافّ النصوص الكبيرة المتربّعة في بانثيون السرد العربي.

هذه الدراسة تهدف إلى الولوج إلى البنية الداخلية للنصّ، من مدخل التناص، وتفكيك بنياته أينما وجدت، وتحليل التأويلات الممكنة التي تشعّ بها التناصات، واكتشاف الدلالات الكامنة بين عناصره، وإعادة تركيب النص بدلالاته الجديدة؛ وبهذه الصيرورة التحليلية التركيبية سنجد أن التكثيف قد صنع من حكاية واسعة ممتدة فكرةً فلسفيةً عميقة، تحوّل من اندياح السرد إلى تركيز الفكرة.

بنت الكاتبة لين الأشعل نصها كهل بلغة إيحائية مكتنزة الدلالات مكثفة تكثيفاً شديداً، بمجموعةٍ من التناصات، لا يكاد يخلو سطرٌ أو عبارة من تناصٍّ يحمل دلالاتٍ أوسع من الدلالة المباشرة، ولا يخفى على القارئ أن جميع هذه التناصات نهلت من منهلٍ لغويٍّ ودلاليٍّ واحد.

خوى جوفه:{ مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} [الأحزاب: 4]. الجوف: باطن الإنسان، قلبه الروحاني، نفسه.

قدّ قميص إنسانيته: {إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ} (يوسف الآية 27).

التهمت الأرَضَة صحيفة طفولته: صحيفة قريش التي اتفقوا فيها على مقاطعة بني هاشم وحصارهم في شعب أبي طالب.

قراءة النص في أحد مستويات التأويل تنطلق من طبيعة التناصات التي تتفق بمشترك واحد هو الخطاب الإسلامي، قرآناً وتراثاً.

الشظية: كل ما يمكن أن يخترق الجسد، وبالقياس إليه، وبالمجاز ما يخر ق النفس، الروح، الفكر... حتى تصل إلى المجتمع، التراث، التقاليد، القيم.

وبحسب كل اختراق يكون المحو في الذاكرة:

ذاكرة الإنسان تاريخه الشخصي،

ذاكرة المجتمعات تاريخها، تراثها الذي تعتز به،

وفي كل هذا يصبح الباطن خاوياً.

خوى جوف  الإنسان:  بلا شعور، بلا ماض، ولا أهل يذكرهم،

خوى جوف المجتمعات: صارت بلا تاريخ ولا تراث،

خوى جوف الحضارة: صارت بلا قيم إنسانية.

قدّ قميص إنسانيته، تثبيت لخواء الإنسان من ذاكرته، والمجتمع العربي من تاريخه، والحضارة البشرية من قيمها الإنسانية.

والمهارة الكتابية تتجلّى في هذا الطباق بين الجوف والقميص، بين الباطن والظاهر، بين المستور وما يستره.

سألته عن عمره:

العمر ليست مجرّد  سنين نعيشها ، عمر الأنسان هي مراحل حياته الحقيقية، طفولة، فشباب، فكهولة، فشيخوخة؛ وفي كل من هذه المراحل يملؤها بالحياة والعطاء.

عمر المجتمعات ما بنت، وما تركت من عمران، حسب وصف ابن خلدون للمجتمعات.

عمر الحضارة البشرية، ما خلّفت من قيم تعزّز سعادة الإنسان ومكانته.

في كل هذا نجد بطل القصة يقول: "أنا من التهمت الأرضة صحيفة عمره" .

الأرضة (جندٌ من الله مسخّرة) كما يخبرنا التراث الإسلامي، إنها التي التهمت صحيفة المشركين وانتصرت للمظلومين.

وهي من أكلت عصا سليمان، تعلِم الجموع الخائفة بأنه مات.

الأرضة هي الدابة الصغيرة التي وضعت حداً بين زمن وزمن، بين تاريخ وتاريخ، بين حضارة وحضارة؛ مأساة كبرى ومظالم يتبعها، أو ينتج عنها تجاوزٌ لعهدٍ قديم، وعبور لعهدٍ جديد، يكون الجديد فيه هو الأفضل، زمن الرسول محمد ومجتمع المدينة بعد زمن الجاهليين، زمن الجموع التي تحرّرت من قوة الملك سليمان وسطوته.

هي زمن الحضارة الإنسانية القادمة بلا ريب، وعلى أهون الأسباب "مثل الأرضة الضعيفة"، بعد أن غابت عنها القيم الإنسانية.

القفلة تعيد النص من البداية، فيها أملٌ كبيرٌ يولد من الجراح، انتصارٌ للإنساني في كلّ تجليات الإنسان، فرداً، أم مجتمعاً، أم حضارةً كونية.

في التجلّي الجريء للتأويل يحق لقارئٍ ما أن يقرأ بالكهل صورة السيد المسيح حين صَلْبِه وعمره ثلاث وثلاثون سنةً.

 والشظية مسمار الصليب الذي، وهو يخترق جسده، يسحب منه، شيئاً فشيئاً، تاريخه البشري على الأرض، حتى إذا ما أنتهى الأقنوم البشريّ منه، تحوّل إلى الأقنوم الروحي المطلق القدسي.

 والأرَضة هي كلّ صغير من البشر يخون كما خان الإسخريوطي، ليسلّمه بيلاطس إلى جند الرومان. هذه الأرضة التي فصلت بين حياتين، وحالتين، وافتتحت تاريخاً جديداً للبشرية تمثل بصلب المسيح ورفعه، سواء كان الصلب حقيقياً، أم "شبّه لهم".

في الخاتمة أورد ما ذكره الكاتب أحمد جاسم الحسين:

"لا توجد قراءة جامعة مانعة لأي عمل إبداعي مهما كان مستوى العمل أو مستوى القراءة... القصة القصيرة جداً نصّ إبداعي يترك أثره ليس قيما يخصّه فقط، بل يتحوّل ليصير نصاًّ معرفياً دافعاً لمزيد من القراءة والبحث... فهو محرّض ثقافيّ يسهم في تشكيل المتلقي عبر تناصّاته ورموزه وقراءاته".

 

منذر فالح الغزالي

بون  3/2/2021

 

 

يسري عبد الغنييحلو للبعض أن يردد بين الحين والآخر أن بلادنا في حالة تخلف فكري، وأنه لم توجد مذاهب للنقد الأدبي في بلادنا منذ رفاعة رافع الطهطاوي إلى يومنا هذا، ويردد أيضًا : أن أوربا لم تعرف من الأدب العربي كله إلا قصص ألف ليلة وليلة، وقد تعرف كتاب (حي بن يقظان) لابن طفيل !! . ومن نكد الدنيا على الحر أن يسمع هذا الكلام، ألم يقرأ هؤلاء العديد من الدراسات التي كتبت في الشرق والغرب مؤكدة على أن الأدب العربي القديم كان عالميًا وأثر بشكل مباشر في كل الآداب الأوربية، وهذا باعتراف كثير من البحاثة الغربيين . ودعنا من الأدب القديم، ولنتحدث عن الأدب العربي الحديث، ومثال عليه الأدب المصري، وعناصر الإبداع فيه، التي دعت الناشرين في أوربا وأمريكا يترجمونه، وينشرون منه عشرات الآلاف من النسخ التي بيعت للناس، وتلقفها القراء، وكتب عنها النقاد العديد من المقالات في الملاحق الأدبية لصحف الغرب الشهيرة . كتاب عميد الأدب العربي / طه حسين ترجم إلى الفرنسية والإنجليزية والأسبانية والألمانية والروسية ... وغيرها ..، كتاب يوميات نائب في الأرياف لتوفيق الحكيم ترجم إلى الفرنسية والإنجليزية والروسية ولغات أخرى، يضاف إلى ذلك مسرحياته العديدة التي ترجمت إلى كثير من اللغات، وقصص الأديب العالمي / نجيب محفوظ، وموباسان الشرق / محمود تيمور، و مسرحيات رشاد رشدي ترجم كثير منها إلى لغات متعددة .. إن الأمثلة كثيرة جًدا سواء في الأدب العربي الحديث أو المعاصر، ولم يكن القصد هو ترجمة هذه الأعمال الأدبية للدراسة الأكاديمية أو غيرها، بل كانت للقراءة العادية، والبعض قد لا يعرف أنه في الجيل الماضي قد تم ترجمة كتاب (السيد ومراته في باريس) لبيرم التونسي إلى الفرنسية، وصدر في العاصمة الفرنسية باريس . وفي الثمانينات من القرن الماضي نشر أحد الناشرين الألمان في برلين مسرحية (السلطان الحائر ) لتوفيق الحكيم، وطبع منها ثلاثين ألف نسخة، وعندما سألته عن نسخة منها، اعتذر قائلاً : أن الطبعة قد نفذت، وأنه بصدد إعادة طبعها . وأذكر أنني قرأت أن مستشرقًا روسيًا في الأربعينات من القرن الماضي جاء إلى مصر والتقى بالعديد من الأدباء المصريين طالبًا منهم المساعدة في ترجمة (يوميات نائب في الأرياف ) لتوفيق الحكيم أيضًا، وظل معهم على موعد دائم كل يوم لتنسيق عملية الترجمة، والتي نشر منها عشرات الألوف من النسخ، منوهًا في مقدمة الترجمة بجهد من التقى بهم من الأدباء المصريين . وعندما أصدرت دار (بنجوين) البريطانية مجموعة (قصص قصيرة أسبانية ) في الأربعينات من القرن الماضي أيضًا، كتب المترجم في المقدمة أن هذه القصص القصيرة أصلها عربي، وأن نشوء القصة القصيرة في أسبانيا أولاً ثم انتقالها إلى إيطاليا في العصور الوسيطة مصدره الأدب العربي، وهكذا كتب (بوكاشيو) الإيطالي كتابه (ديكاميرون ) من واقع القصص العربية التي حولها إلى الواقع الإيطالي، وكانوا يفعلون ما فعلناه في بدايات عصر النهضة الحديثة من تمصير القصص والمسرحيات . وعن طريق (بوكاشيو) ظهرت القصة القصيرة في فرنسا وانجلترا وألمانيا، وأما ألف ليلة وليلة فقد ترجمت في أواخر القرن الثامن عشر إلى الفرنسية ثم صدرت منها عدة طبعات عديدة في اللغة الإنجليزية، وكان لهذه الليالي أثرها الكبير المعروف في الإبداع الغربي بكافة أنواعه . وعن طريق (رسالة الغفران ) للشاعر العربي والفيلسوف / أبي العلاء المعري، ظهر جحيم دانتي الإيطالي ضمن ملحمته الشهيرة (الكوميديا الإلهية)، وعن طريق فكرة الشيطان أو الجن في الشعر العربي، وما عرف من أن كل شاعر له شيطانه، كتب الإنجليزي (كروستفر مالرو) مسرحية (دكتور فاوست أو فاوستوس) في سنة 1588، ثم كتب نفس القصة الشاعر الألماني (يوهان ولفجانج فون جوته ) بعد قرون طويلة وبالتحديد في سنة 1824، وكان جوته قد ترجم إلى اللغة الألمانية مختارات من الشعر العربي نشرها في كتابه (الديوان الشرقي)، ومنه بعض الأشعار الجاهلية التي عرف معانيها وأعجب بها فقام بترجمتها، وهذا الكتاب مازال يعد من أشهر الكتب الألمانية التي تؤكد على مدى تأثير الثقافة العربية على الثقافة الغربية . هذه الكتب لازالت تطبع حتى يومنا هذا، ومها كتاب (حكايات أبي زيد السروجي) الذي ترجمه الألماني (بوركهارت) عن مقامات أبي القاسم الحريري المشهورة، وهذا الكتاب من الكتب المقررة في العديد من المدارس الألمانية .. وبعد ذلك نسمع من يتهمنا بالتخلف الفكري‫.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

نزار سرطاويقرأت في أحد المواقع المختصة بترجمة الشعر العالمي ترجمةً لقصيدة الشاعر الأميركي روبرت فروست The Rose Family. وقد نقل المترجم العنوان إلى العربية هكذا: "عائلة الوردة". لم تساورني الشكوك حول العنوان إلى أن قرأت الترجمة. وكانت كالتالي:

الوردة هي وردةْ

وطالما كانت وردة 

لكن النظرية تُفضي، الآن 

إلى أن التفاحةَ وردةْ

وأن الدبَّ القطبي وردة

والخوخةَ، كما يبدو، كذلك.

وحدهُ الرب يدرك ماذا ستكون الوردة.  

أنتَ بالطبعِ، وردةٌ

لكنك أعتدتَ دومًا،

أن تكونَ وردة!

في قراءتي الأولى للترجمة توقفت عند "الدب القطبي". وتساءلت: كيف يكون الدب القطبي وردة. هذا أمر يثير الاستغراب. فلا يمكن أن يكون للدب مكان ها هنا، سواءٌ أكان قطبيًا أم لم يكن... إلّا أن تكون بين الورود والدببة علاقة لا أعرفها. بحثت في غوغل عن قصيدة روبرت فروست، وحين وجدتها راحت عيناي تُنقّبان عن الدب القطبيّ الذي أقحمه المترجم في نَصّ قصيدة عن الوردة رغمًا عنه.  وكانت المفاجأة أن الكلمة التي عنت بالنسبة له "الدب القطبي" كانت "pear" أي الكمثرى، أو ألأجاص. لكن يبدو أن ألأمر اختلط عليه، فقرأها كأنها "bear" أي دب. ولا أعلم كيف بدا له أيضًا أنه دب قطبي.

عجيب أمر المترجمين – وبالأحرى، السواد الأعظم منهمّ! يخوض الواحد منهم في الترجمة بصورة اعتباطية دون تدقيق أو تمحيص. لا أقول هذا الكلام تعليقًا على الدب القطبي المسكين فقط، بل على بعض  المفردات أو التعابير التي لم يوفق المترجم في اختيارها في قصيدة بسيطة سلسة يبلغ عدد مفرداتها 54 كلمة لا أكثر. مثلًا قوله إن "النظرية تفضي إلى..." (the theory goes) فيه شيء من الشذوذ. فالنظرية تنص على شيء لا تفضي إليه. أما قوله "وحدهُ الرب يدرك ماذا ستكون الوردة" ففيه أكثر من خلل. فلا يجوز أن ننسب الإدراك إلى الله. إذ أن الإدراك هو معرفة تأتي في العادة بعد الجهل بأمر ما. والمسألة لا تتعلق فقط بالذات الإلهية وما يليق بها أو ما لا يليق، بل بالنص الأصلي بالإنكليزية أيضًا، حيث استعمل فروست كلمة "knows"، أي "يعلم"، وليس "يدرك". أما الجزء الآخر من العبارة "ماذا ستكون الوردة". والذي جاء على لسان فروست: "الله وحده يعلم ماذا سيثبت أنه وردة في المرة القادمة" أوشيء من هذا القبيل.

كما أن المترجم جعل المخاطب ذكرًا، مع أن الأنثى أولى أن تُدعى وردة. فقام بتحريك تاء المخاطب بالفتحة عوضًا عن الكسرة في الفعل اعتدت، وبتحريكه بالفتحة عوضًا عن الياء في الفعل "تكون"، وكان الأولى أن يقول: "لكنكِ أعتدتِ دومًا/ أن تكوني وردة!".

والحقيقة أن كلمة "اعتدت" لا تصلح لهذا السياق. فالشاعر يقول: لكنكِ كنتِ وردةً على الدوام. فالمسألة مجازًا هي مسألة كينونة وليس عادة يعتادها الشخص المقصود، ذكرًا كان أو أنثى.

لكن ما حكاية روبرت فروست مع الوردة؟ وما علاقة التفاحة والكمثرى والخوخة (أو البرقوقة) بالوردة؟ هذا ما كان ينبغي على المترجم أن يتساءل عنه، وأن يحاول الإجابة عليه.

عبارة "الوردة وردة" التي افتتح بها فروست نصه استعارها من قصيدة مطولة بعنوان "العائلة المقدسة" (The Sacred Family) للشاعرة االأميركية المعاصرة له، "غيرترود ستاين" ( 1874- 1946) وكانت ستاين قد كتبتها قبل أن يكتب فروست قصيدته ربما بما يقرب من عشر سنوات. وكان نص أحد سطورها: "روز وردة وردة وردة" (Rose is a rose is a rose is a rose). وكلمة "Rose" الأولى هي اسم. ونحن في العربية نستخدم هذا الاسم بصورة مباشرة "روز" بلا ترجمة، كما نستخدم اسم "ودة"، تمامًا كما نستخدم اسم "زهرة".  أما الثلاث الأخرى التي وردت في قصيدة ستاين، فكل منها تعني "وردة". من جانب آخر فإن هناك في علم النبات ما يسمي بعائلة أو فصيلة الورد "rosaceae". وهذه الفصيلة تضم نحو 4828 من الأجناس المُزهرة. ومن بينها التفاح والكمثرى واالوز والمشمش والكرز والفراولة وسواها. ومثل هذه المعلومة غير مألوفة لمعظم العامة. ويبدو أن فروست اطلع عليها وفوجىء بأن اسم الوردة يطلق على عدد لا يحصى من النباتات. ولعل علماء النبات يضيفون المزيد من النباتات إلى هذه العائلة. وربما شعر فروست بشيء من عدم الرضا لما اعتبره خلطًا بين ما ألفنا أن ندعوه وردة، ونهديه لمن نحب وننادي باسمه على من نحب. وكأن ذلك ينطوي على غبن بحق الوردة وبحق من ندعوها باسم الوردة. فكتب قصيدة "عائلة الورد" أو "فصيلة الورد".

من ناحيتي قمت بترجمة القصيدة واخترت لها عنوان "فصيلة الورد" حتى لا يلتبس المقصود على القارىء. وقد راق لي أن أترجمها شعرًا على الخبب (فعلن فعلن) مما جعلني أبتعد يصورة طفيفة عن الدقة في الترجمة في موضعين أوثلاث. ويمكن مطالعة ترجمتي مع الأصل الإنكليزي في صحيفة المثقف على الرابط التالي:

https://www.almothaqaf.com/b/c3/953523

ما أود أن أقوله هو أن الترجمة ليست عملية اعتباطية مبنية على التخمين. بل هي مهارة تتطلب معرفةً واسعة بلغتين وثقافتين مختلفتين، واطّلاعًا كافيًا على العلم أو الاختصاص الذي ينتمي إليه النص. كما تقتضي من المترجم أن يكون واسع الحيلة، بمعنى أن يعرف كيف يحصل على المعلومة وما يتصل بها من تفاصيل باللجوء إلى المراجع والقواميس المتاحة، ولا يسمح للدببة القطبية أو سواها أن تتسلسل إلى وروده فتدوسها وتقضي عليها.

 

نزار سرطاوي

 

 

 

ناظم ناصر القريشيللشاعر سعد ياسين يوسف / العراقِ

قصيدة النثر رحبه وغنيه وواسعة كالبحر، رغم اختلاف التسميات والتنظيرات ،هي لا تشبه إلا نفسها في بنيتها، والشعر في ذاته وطبيعته، الشعر المحض والخالص هو ما يتماهى مع الوجود وتنطق به الطبيعة في أنقى وأبهى صورها ويتجسد في مفرداتها، والذي لا ندرك مظاهره إلا ونحن نتأمل العالم بما يحتويه.

الشاعر سعد ياسين يوسف الذي اختار من الطبيعة الشجرة كرمز في قصائده أذْ يرى كلَّ شيءٍ في الكون عبارة عن شجره، ولهذه الشجرة موسيقى أيضا، و هذا ما جسده في قصيدته التي اختار لها عنوان (شجرة الموسيقى) وهو عنوان موسيقي أخضر لشجرة الشعر برؤية تشكيلية، والتي تبدأ بما يثير دهشة الفيزياء عبر تكنيك المزج البصري والموسيقي، وهو ما بدأت به المدرسة المستقبلية في تشكيل الحركة ، وجسدته الانطباعية في الألوان، فالريح أوتار الطبيعة، والاهتزاز هبة الريح للغصن الذي اهتز ،وتحرك ،وتأرجح ،فتذبذب إلى تردده وانتظم حول أصله، فأنتج صوراً متلاحقة لذاته في فعل الحركة ، فأختلج لونه من الأخضر الساحر كصوت دافئ وعميق، إلى الإخضرار بدرجاته الموجية واللونية حتى يعود مع ما افترضته أوركسترا الطبيعة من تماهي الشعر في الضّوء واللون، هكذا تذهب الموسيقى وهي تموج بالأماني إلى النهر بمتسعات لونية على امتداد خطواته في جريانه :

"حينَ اهتزَّ الغصنُ

تسارعَ خطوُ النهرِ

وهو يخبئُ قرصَ الشمسِ

تحتَ جناحِ الأسئلةِ.

هي شالُ حريرٍ فيروزيٍ

لفّتهُ الريحُ وطارَ،

كجسدِ ملاكٍ في حقلِ سنابِلَ، "

وفي مايلي من الإبداع في القصيدة يقدم الشاعر لوحات حرة ومتتالية، تنمو وتستطيل في الكلمات التي تجعل من الغياب حضوراً، وتندفع في اتجاه الضّوء، متناغمة في وميض اللحظة، حتى ندرك هذا الجميل من الشعر وما يمكن ابتكاره على شكل لوحات انطباعية ترافقها موسيقى (كلود ديبوسي) كموسيقى تدخل في الحلم، فهناك شعر لأن هناك حياة، يقول الشاعر: -

"هي شالُ حريرٍ فيروزيٍ

لفّتهُ الريحُ وطارَ،

كجسدِ ملاكٍ في حقلِ سنابِلَ،

هيَ لغةُ الحزنِ إذ تتغلغلُ في روحي ..."

هنا ندرك محاولة الشاعر، الوصل بين المثال والصورة، بين اللغة ومجازها في كثافة حضورها وطاقتها في محمولها اللغوي، حتى وهو يؤدي قصيدته في حيز هذه اللغة الشعرية، التي تتمكن تدريجياً من النمو من داخل لغة الموسيقى وتطويعها شعرياً وتشكيلياً، فالصور الشعرية متحركة عبر تمثيلها اللوني، وحضورها اللحظي في زمنها المطلق، وحركتها الدائبة ، فيجعل من الضّوء يد الأرض الممدودة إلى السماء دعاءً والكلمات ابتهالاً بأجنحةِ الأبدية:

"انبلاجُ الضوءِ من شفتيِّ الأرضِ،

سماءٌ خلعتْ بردتَها الداكنةَ

لترينا بعضَ مفاتنِها...،

صرختُهُ الأولى ...

وهو يغادرُ عرشَ الدفءِ،

وجهُ الأرضِ إذْ ترفعُ صوبَ اللهِ يديها،

نزولُ الدَّمعةِ من علياءِ الدَّهشةِ،

نظرتُك صوبي....

عندَ رصيف ِغروبِكِ

متلفعةً بالأحمرِ،

تلويحةُ كفِّكِ

قبلَ التحليقِ بأجنحةِ الأبديةِ "

كأنَّ الكلمات تلامس الألوان والأوتار، لتصنع الإيقاع النهائي في القصيدة سمواً، فابتكار قصيدة انطباعية لا يكون إلا بكلمات شفافه يتناسق من خلالها اللون بدرجاته الضوئية، وهي لا تكون شعراً حتى تكون موسيقى، فالشعر يتمازج مع ذاته ليتمثل المعنى بأبهى مداليله، حيث ابتكرالشاعر لشجرته أسلوباً ذا طابع ابتهاجي إيجابي وخلاق بإحساس الرسام وروح الشاعر وأفق المايسترو، تحضر الموسيقى فيه كشجرة، وتحضر الشجرة فيه كقصيدة، فأزهرت بعدها شجرة الموسيقى واتحدت عندها الرّؤية والرّؤيا .

..........................

"شجرةُ الموسيقى"

د. سعد ياسين يوسف

 

حينَ اهتزَّ الغصنُ

تسارعَ خطوُ النهرِ

وهو يخبئُ قرصَ الشمسِ

تحتَ جناحِ الأسئلةِ.

هي شالُ حريرٍ فيروزيٍ

لفّتهُ الريحُ وطارَ،

كجسدِ ملاكٍ في حقلِ سنابِلَ،

هيَ لغةُ الحزنِ إذ تتغلغلُ في روحي ...،

نشوةُ فنجانِ القهوةِ في رأسي

بعدَ فناءِ الليلةِ بالحربِ معي ... ،

هي مرآتي،

اشتعالُ الشمعة ِ،

انطفاؤُها ....،

انبلاجُ الضوءِ من شفتيِّ الأرضِ،

سماءٌ خلعتْ بردتَها الداكنةَ

لترينا بعضَ مفاتنِها...،

صرختُهُ الأولى ...

وهو يغادرُ عرشَ الدفءِ،

وجهُ الأرضِ إذْ ترفعُ صوبَ اللهِ يديها،

نزولُ الدَّمعةِ من علياءِ الدَّهشةِ،

نظرتُك صوبي....

عندَ رصيف ِغروبِكِ

متلفعةً بالأحمرِ،

تلويحةُ كفِّكِ

قبلَ التحليقِ بأجنحةِ الأبديةِ

كاسرةً موجَ الرَّغبةِ .

حفيفُ أكفِّ الأشجارِ...

وهي تصفقُ لي،

حينَ أمرُّ حزيناً تتناهبُني الفكرةُ،

ما يتركهُ عصفُك في أغصاني،

ارتعاشةُ  يدك ِ بينَ يديَّ،

سَرَيانُ الدفءِ وأنا أمرّرُ كفي

فوقَ قبابِ جنونِكِ ... جنتِك ِ،

ما تتركهُ لمساتُ يديكِ النّاعمتين

في جدرانِ الهيكلِ....،

ارتطامُ الموجِ بجسدِ الشّاطئ...،

رائحةُ الرَّعشةِ عندَ الزَّخّةِ الأُولَى ،

من مطرٍ بعدَ يبابِ فصولِ الأرضِ،

خطفُ البرقِ ....

عزفُ النّافورةِ لحنَ الوحشةِ وهي تبوحُ

لأخِرِ مُصغٍ عمدهُ رذاذُ الماءِ الباردِ

في منتصفِ القيظِ

غناءُ  "الشبّوي*" ذاتَ مساءٍ

حينَ بَعُدنا عنها... ،

وتجاهلنا خضرتَها

وهي تصوّبُ رشقاتِ العطرِ

وتشدُّ ، تشدُّ، مثلَ صغيرٍ...

يشدُّ ضفيرةَ  أمهِ

يصطنعُ بكاءً

كي تمنحَهُ قُبلةَ إصغاءٍ،

فَلِمَ لا نُصغي،

نكسرُ "سُلمَها" اللامتناهي

ونردمُ كلَّ ينابيع الماءِ

ونحنُ نغورُ برملِ الصَّحراءِ ؟!!!

***

بقلم: ناظم ناصر القريشي

........................

* الشَّبّوي : شجيرة عطرية تُطلق عطرها في المساء ، وتُسمى أيضاً "مسكة الليل" و"ملكة الليل" .

 

 

جمعة عبد اللهتملك الاديبة قدرة فائقة ومتمكنة في جماليات السرد في المتن الروائي، بتعدد اشكال أسلوب التقنيات في الحبكة الفنية، في السرد الاحداث النص الروائي. في براعة الصياغة الفنية والتعبيرية، في تآلف منسجم بين منصات الواقع والخيال المتخيل الفني. في براعة الغوص في عمق الواقع وتجلي عتباته ومفرداته، بما يحمل من مضامين الفكرية، تجسد حقيقة الافعال الواقع التي تمشي على الارض، تسوقها في صياغة بارعة في التشوق وشد الانتباه الى الحدث السردي في النص الروائي. الذي يكشف حقيقة الواقع العراقي بعد فترة الاحتلال الامريكي، وبداية العهد الجديد، في مجيء نخبة سياسية هجينة لا تملك مبادئ الشرف والاخلاق، وتتسلم السلطة والنفوذ والمال. كأنها جاءت من اقوام معادية للعراق، لكي تفجر روح الاحقاد والانتقام والثار والخراب للوطن الذي يرمز له بتسمية (حاموت). في الشهوة العدوانية لتحطيم والتخريب في كل ميادين الحياة في الواقع اليومي، وتحويل مدينة (حاموت) الى مدينة الظلام والكوابيس، تنشط فيها اشباح الظلام عصابات الموت والدم والفساد، في غيومها الكثيفة. اي بكل بساطة تحويل (حاموت) الى مدينة ديستوبية بامتياز. مدينة تزرع الموت والرعب والفساد في كل مكان هذه المرامي الشيطانية من المحتل الامريكي. وهي بمثابة جرائم ابادة وتخريب وطن. بوضع الديناصورات المتوحشة في اعلى هرم السلطة والنفوذ، بحجة الديموقراطية التي تحولت الى ديموقراطية الموت والدماء، في نخبة سياسية فاسدة تسلقت على اكتاف العراق، واطلقت شياطينها واشرارها في عصابات واشباح الموت، التي تتحرك في ظلام الليل وتختفي في النهار، لتخنق الحياة بالاحزان والاحباط. أن تجعل (حاموت) مدينة الخراب المأساوية، مصابة بلوثة الموت المنتشر في كل مكان. أن المتن الروائي يغوص الى الاعماق في حالات الرعب المخيف في شكله الدراماتيكي، من خلال عمليات الرصد والمراقبة لما يجري لمدينة (حاموت) التي هجمت عليها الغربان السوداء وحولتها الى مدينة ديستوبية. حطمت كل شيء حتى الحب. ووضعت (حاموت) في دائرة الرعب في طقوس وحشية وهجينة، من قبل اشباح الظلام، الذين يضعون بصمات ابهامهم على ابواب البيوت المرشحة للموت أو الحرق...

30 hamot

الاديبة البارعة (وفاء عبدالرزاق) ملهمة في الابداع (الشعري والروائي) وفي هذا النص الروائي تجسد الصورة التصويرية ملهمة في اظهار مشاهد الرعب والموت التي اجتاحت (حاموت) في تجليات الاحداث المتلاحقة والمتسارعة في شكلها الدراماتيكي، لواقع حياة (حاموت)الديستوبية في بصمات الموت الزقوم. حتى الاشجار ارتوت الى حد التخمة والاشباع من دماء الجثث (شجرة (حاموت) تتغذى الآن على الجثث، على الجرحى والمجلودين وعرق المساجين،المضروبة اعناقهم والشهداء) ص22. حاموت الديستوبية اصابها شر نذير، أو عقاب الهي بالجحيم. كما عوقب (آدم) بسبب تفاحة بطرده من الجنة، كذلك العقاب الالهي بطرد (حاموت) من الحياة الى الجحيم. هذا ما يسلط عليه السرد في المتن الروائي، بتقنيات مختلفة منها توظيف اسلوب المحاورة (ديالوج / صوتان) بين (محمد) الذي تيتم بعد موت والديه بشكل مجهول، وتبنت تربيته خالته التي اطلقت عليه أسم (عارف) رغم ان شهادة ولادته تؤكد أسمه (محمد) يحاور الشبح (عزيز) الذي اصبح فيما بعد صديقه. ينقل اخبار فواجع (حاموت) من خلال معايشته ورصده اليومي للاجداث الدراماتيكية التي تعصف ب (حاموت). في كيفية اشباح الظلام يعملون ويتحركون ويضعون بصمات أبهامهم على ابواب البيوت المرشحة للموت أو الحرق. وهو الدليل بأن (حاموت) اصبحت لعبة رقعة الشطرنج، لابد من رأس يدير بيادقها ويلعب بها وفق ما يريد ويرغب، لابد ان يكون هناك هناك زعيم على رأس هذه الاشباح أو البصامين، أو زعيم عصابات الموت، واشباحه يتحركون بأوامره بالطاعة العمياء، هذا الزعيم لابد انه ينتمي الى اركان الحكم والسلطة والنفوذ. لذلك يتحرك في إجرامه تحت مظلة الدولة والحكومة ومؤسساتها الامنية، اي باختصار العبارة وضع الدولة والحكومة ومؤسساتها العسكرية والمدنية في راحة يده، بأنه السيد الاعلى أو الرب الاعلي، الذي يرتدي الثياب السود وغطاء الرأس الاسود، يتحرك بذريعة حماية الدولة والشريعة والقانون والنظام والسيادة. وهو يزرع الرعب والموت بشهية عدوانية، في شيطنة متعطشة الى اراقة الدماء (شره العتمة في قلوبهم الى مجون الموت.. ديمومتهم الصدئة تقتات على أرياق الاخرين.. شباب وشيب، أطفال ونساء) ص53.. وكان (محمد) يتطلع الى بصمات ألابهام على ابواب البيوت الناس المرشحة للموت أو الحرق أو السلب، ويسمع أنين الناس والامهات. أنين الجميع الذين اصابتهم الفواجع المأساوية التي وقعت على (حاموت) الديستوبية ويتألم بحزن وألم ( - يا لمصيبة (حاموت) وامصيبتاه... أولادي الاربعة. حكمتك يارب.. أنطلقت أصوات اخرى مخنوقة العبارات. واختفت في الزحام. أفواه ممزقة. أفواه حائرة. وافواه خنقها العويل) ص17. هذه نتيجة البصمات على البيوت. من الاشباح التي تتحرك في الليل وتختفي في النهار. تذكرنا هذه الاحداث، في بداية مجيء سلطة البعث في العراق. حين ارعبوا الناس في بغداد بحوادث القتل بأسم (ابو طبر) الذي ارعب الناس في الليل، يهجم بطبره على الضحايا ويمزقها ارباً، وكثرت حوادث القتل. مما تصاعد الاحتجاج الشعبي ضد السلطة، عندها اختفى فجأة (أبو طبر) ولكن اتضحت الحقيقة فيما بعد، بأن (ابو طبر) هو من عناصر الامن مخول بتصفية المعارضين وقطع اجسادهم بالطبر. وهي مسرحية في اخماد صوت المعارضة. كذلك نفس الحال لعصابات الموت أو اشباح الموت في العهد الجديد، في تخويف الناس بالرعب والفزع. بالقتل بأسم الله والمذهب والطائفة، بأن هذه اشباح الظلام تتولى مسؤولية الثأر والانتقام، ولكن ضد منْ؟ بكل تأكيد ضد البسطاء والفقراء والضعفاء.. بأن عصابات الموت تدعي بأنها هي حامية الدين والمذهب والطائفة، وهم حراسها الامناء في اسلوب البطش والتنكيل. هذه عقلية الاصنام الجديدة التي جاء بها المحتل الامريكي. يقتلون ويذبحون الناس بأسم المقدس. واصبحت كلمة المقدس وحشية وبذيئة ومكروهة يشمئز الناس منها، حتى الشواذ اصبحوا مقدسين بالقدسية العليا (صار الفاسد سيداً، والمعتوه إماماً، والحاقد مرشداً، والقاتل ورعاً، والشاذ رئيساً) ص74. هذه الوحوش السائبة جاءت من عمق صحارى الهمجية، تحمل روح الحقد والانتقام والعدوانية بالبطش والتنكيل، من اجل النفط والدولار، وحولوا (حاموت) الى زريبة أشباح الظلام والكوابيس. و(محمد) يتألم لهذه الفواجع المأساوية. لذلك قرر عدم الزواج والبقاء بدون نسل، حتى لا يكونوا حطباً لوحشية الذئاب البشرية. رغم أنه احب جارته (سعاد) لكنها اهلها زوجوها الى رجل غني، واقسمت بالقسم لو انجبت ولداً، لتسميه (محمد) حتى تنادي بأسمه كل لحظة وطوال اليوم. والمفارقة الغريبة (حاموت) خلقت الفوارق الاجتماعية الصارخة في المجتمع، بين النعيم والرخاء الباذخ والمجنون، والفقر المدقع. الفئة الاولى كونت امبراطوريات مالية من المال الحرام وارسلتها خارج (حاموت) في نعمة الفردوسية بخداع الناس بأنهم حماة الدين والمذهب، لذلك لم يتوانوا في ارتكاب جرائم القتل والسلب والسرقة، حتى في اقتحام مصارف الدولة ونهب خزينتها المالية وقتل الموظفين والحراس معاً، طالما يتحركون بأسم الدولة والسيادة. كما حدث في المصرف في الكرادة / الزوية في بغداد، حين اقتحمت حماية (عادل عبدالمهدي) مصرف الزوية ونهبت الخزينة المالية وقتلت الموظفين والحراس، حتى اطلق عليه الناس لقب (عادل زوية) (اقتحمت جماعة مسلحة المصرف المركزي في عاصمة (حاموت) وسرقت الخزينة كلها ثم رشقت بالرصاص كل موظفي المصرف حتى الحراس)ص44. بهذه الطريقة البشعة تدار الدولة وشؤون الناس. لهذا يتساءل (محمد) بجزع وقهر (- لماذا ياربي أرسلت الاشباح (لحاموت)؟) ص92. هذه الفوضى العارمة التي تعيشها (حاموت) بكثرة الاشرار والشياطين وعصابات الموت. لابد ان تدير شؤونهم جهات متنفذة في السلطة، تمارس الارهاب والقتل تحت مظلة الدولة. وفي مواجهة كلامية بين (محمد) وصديقه الشبح (عزيز)، عن القسوة والبطش الوحشي ضد الناس من هذه العصابات، ولماذا ينفذ أوامر الموت من الاعلى، والى اين يقود هذا الاجرام والخراب البلاد، فيقول الشبح (عزيز):

(- نعم. أنا عبد مطيع، فلا تفرغ لومك علي.

- عبد؟ عبد لمن أيها القاسي؟

- أنا عبد لسيدي (جليل)

- جليل؟ منْ جليل الذي تتخفى بأسمه وتحت أمرته؟

- ستعرف لاحقاً ليس الآن

- متى؟ لقد أستفحلت المظالم، وبات القتل مثل شربة ماء....) ص41.

 وفي احد الايام جاء الشبح (عزيز) حزيناً ومتألماً فأستفسر (محمد) عن حزنه، فقال :

(- كان المنظر مؤلماً جداً.... جداً... خمسة أطفال كانوا ذاهبين الى مدارسهم، فصاروا طعماً لذوي الضمائر العفنة، طعماً للنار..... تمزقت أجسادهم أرباً بسبب دراجة مركونة الى جانب الشارع ملغمة) ص67.

ويصاب (محمد) بالسرطان من مناخ (حاموت) الملوث بالاشعاعات السامة والخطيرة، فصار على الدوام تصيبه نوبات السعال الحاد والاختناق وضيق التنفس، حتى صار يبصق دماً، واصابه الوهن والهزال، وانتظر مجيء الموت. مستسلماً مثل مصير اهل (حاموت) أما الموت من الاشباح أو الموت بالسرطان من الجو الملوث، هذه معالم (حاموت) الديستوبية في العهد الجديد، عهد الدخلاء الوحشيين الذين يزرعون الارهاب والموت على الهوية (دخل حياتنا كثيرون، سفلة وقتلة ومأجورين. وسادة اكثر سفاهة منهم... كم عرض التلفاز من مجرمين ومغتصبين.. وكم عرض من أسلحة ومتفجرات بحوزة عصابات، تم ألقاء القبض عليهم ومعرفة اوكارهم. لكن لم يعرض عن العقاب جرائمهم، ولم يعلق أحدهم شنقاً في الساحات العامة، ليكون عبرة لغيره... فهم على يقين أنهم سيهربون من سجنهم بسهولة، كي يعيدوا كرة الذبح) ص115.

لذلك يصرخ بألم وحزن واحباط الشبح (عزيز) :

(- أصبحت عبداً..أصبحت عبداً يا محمد... أصبحت عبداً للقوي... أصبحت عبداً) ص129.

 

- الكتاب: رواية حاموت

- المؤلف: الاديبة وفاء عبدالرزاق

- الاصدار: مؤسسة المثقف العربي. سدني / أستراليا

 

  جمعة عبدالله

 

محمد الشاوي"نحو حداثة مُوجَّهة للأطفال".

توطئة: تُطْلعُنا الأديبة المغربية الدكتورة لطيفة حليم على جديد مغامراتها في زمن الوباء، وتحديدا أول جمعة من سنةِ 2021. حيث تُطل علينا من منزلها بمونتريال، داخل فضاء مختبرها الإبداعي، وهي تعمل بهمة ونشاط لكي تُقدم لقرائها سلسلة من السرديات، والمحكيات، والمطارحات النقدية، وقصص الحياة اليومية... فضلا عن ذلك، فهي أيضا عاشقة لفن تأثيث الفضاءات، والأمكنة، والبحث في هندسة المنازل، والتقاط الصور الفوتوغرافية للوحات الفنية، والتحف... ويكشف لنا هذا العشق الإبداعي ولع الأديبة لطيفة حليم، بتجديد عوالمها المسكونة ذات الحضور الواقعي، لكي تتحول إلى عوالم أخرى مُتخيّلة من صميم التجريب الذهني للذات المبدعة. وقد كان للمطبخ المغربي نصيبا من العشق الإبداعي، واللذة البحثية عند أديبتنا، ولاسيما بتسليطها الضوء على أكلة الكسكس المغربي.

هذه الأكلة، التي ستنقلنا بمعيتها نحو رؤية تغييرية طموحة، خاضت مغامرتها لكي تستجيب لرغبات الأطفال عامة، وعلى وجه الخصوص سبطتها الطفلة التي تُمسك طبق الكسكس. وهي الكتكوتة ميلا، وريثة سر أديبتنا. إذ شاركتْ جدتها مغامرة طبق الكسكس بحلة تحديثية، تضم أسمى معاني الطفولة السعيدة. وفي ضوء هذه التوطئة، يمكننا بسط التأملات الآتية:

ماهي دلالات ومعاني التجديد الجمالي للكسكس المغربي عند لطيفة حليم؟

وكيف استطاعت تقديم رؤية جديدة تستجيب لرغبات الأطفال؟

بتعبير آخر، كيف انتقل الكسكس المغربي مع لطيفة حليم في مغامراتها بمونتريال من شكله الدائري داخل القصعة، والشبيه بقُبة الأضرحة إلى شكل آخر منبسط التضاريس، يحضر فيه الطبق المربع والمستطيل بصيغة معاصرة؟

ارتبطتْ أكلة الكسكس (وتسمى أيضا ب: كْسكسو، وسيكسو، والكُسكسي بالعامية المصرية...) على مر الزمان بالثقافة الأمازيغية العريقة بشمال افريقيا، فقد تناقلتُه الأجيال القديمة، وعملت على توريثه بنفس الخصائص والمقومات التي يتكوًّن منها، وذلك من منطلق الحفاظ على الموروث الثقافي. فإذا نظرنا على سبيل المثال لأكلة البَقِية الأندلسية أو المسماة باللغة الإسبانية ب: Paella ، فإننا نجد في هذه الأكلة إرثا تاريخيا موغلا في القدم، يعود بنا إلى بقايا أكل ملوكِ دولةِ بني أمية بالأندلس. وكيف عمل الخدم على توظيفها داخل طبق أُعجب به أحد الملوك حينها، فأمر بإعداد نفس الطبق له ولعائلته. غير أن ما نعرفه تاريخيا عن روايات الكُسكس ونشأته، نستحضر رواية ازدياده الحي بشمال افريقيا. كما ارتبطت هذه الأكلة عندنا نحن المغاربة بالأنشطة الدينية للزوايا. حيث يصعب الحديث عن هذه الأكلة في فلك آخر، غير فلك الاحتفالات الدينية بمولد خير البرية، ونفس الشيء يقال أيضا عن حضور الكسكس أيام أعياد المسلمين، وأيضا خلال الجمعة من كل أسبوع. بل ومازالت هذه الأكلة صامدة، ولم تنقرض كغيرها من المأكولات المغربية العريقة. وما يقال عن المغرب، يقال أيضا عن بلدان شمال افريقيا التي نشترك معها الثقافة والجوار، لاسيما حضور الكسكس عندهم كالجزائر، وموريتانيا، ومصر، وتونس، وليبيا. إن الكسكس تاريخيا هو أكلة شمال افريقيا بامتياز. فقد وصل صدى هذه الأكلة إلى دول أخرى كإيطاليا، والولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا... حيث اعتبرته هذه الأخيرة من الوجبات المُفضلة من لدن الفرنسيين. وخلال السنة الفارطة، ثَم إدراج الكسكس من طرف منظمة الأمم المتحدة للثقافة والعلوم (اليونسكو) ضمن التراثات الإنسانية اللامادية بدول شمال افريقيا.

وأثناء تقديم أكلة الكسكس يوم الجمعة، يسود التشارك الجماعي، ويتحقق في أبهى تجلياته داخل القصعة التي تضم الأكلة. تلك القصعة الخزفية أو الصَّحفة: هي إناء صُنع من طين فخاري، يتخذ شكلاً دائرياً يتلاءم مع مفهوم الجماعة، ويتماشى مع الحديث المأثور للرسول صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "يد الله مع الجماعة". وتتكون أكلة الكسكس من حبيبات القمح أو الشعير أو من الذرى، يتم تعديلها بواسطة اليد، أو تُباع بشكل مُصنَّع إما داخل أكياس خاصة، أو بالكيلوغرامات وفق طلب الزبون، ويتم تناولها إما باليد أو بالملاعق. كما عرفت أكلة الكسكسِ المغربِي نوعين مختلفين: النوع الأول، وهو الكسكس بالزبيب والبصل، ويضم اللحم أو الدجاج. أما النوع الثاني، وهو الكسكس بالخضر المتنوعة والمتعددة. فهناك من يحصرها في سبعة أنواع من الخضر، وهناك أيضا من يترك الباب مفتوحا للاجتهاد والابداع... ومن الاجتهادات التي نجدها، اضافة نوع ثالث للكسكس يجمع بين الخضر، والزبيب والبصل، في قصعة واحدة. ونجد أيضا بالنسبة للحوم التي تُقدم مع الطبق: لحوم الأبقار، الأغنام، ورؤوس الأغنام مشوية أو مبخرة... كما نجد من يضيف لحم الدجاج، الحمام، واللحم المُخلع من بقايا أضحية عيد الأضحى ...

وبالعودة إلى موضوع هذه المقالة، فإننا نجد عند الأديبة والمبدعة لطيفة حليم رؤية جديدة لأكلة الكسكس، تتجه إلى معانقة التحديث في المقومات الموروثة للوصول إلى غاية نبيلة، ألا وهي أن يُسعف الكسكس رغبات الأطفال، ليكون في متناولهم. وهذه الرؤية بفاعليتها الذهنية الواعية اصطلحنا عليها ب: "الحداثة الموجَّهة للأطفال". والحداثة هنا بمعنى التغيير النافع للقصعة الخزفية التقليدية، والجماعيةِ بالطبق الفردي المستطيل أو المربع، وفق الاختيار المطبخي. إذ تقترب هذه الحداثة من مفهوم اللذة  Plaisir  بالمعنى البارثي (نسبة إلى رولان بارث  (R. Barthes، وأيضا من التشاكل Isotopie بالمعنى الغريماسي (نسبة إلى غريماس  (A. J Greimas ، لكن برؤية فريدة ودؤوبة تخرجنا          من متاهات السيميائيات، واللسانيات، والتشكيلات اللغوية، إلى تشكيلات الإبداع المطبخي، واجتهادات الذات المبدعة. فيصير لطبق الكسكس لذة بصرية خارجية، تنقلنا إلى مُقوِّم التشاكل النفعي، لنكون في قلب العوالم الذهنية للأطفال. فيراعي الطبق المُحدث الخصوصيات العمرية، ويسعى في الآن نفسه إلى خلق فعل المفاجأة Surprise ، لكي يشرع الأطفال في البحث عن التركيب الجمالي للخضروات وألوانها الطبيعية، ومساحات الكسكس، وطريقة تأثيث الطبق، وهندسة الأحجام، والكتل، والأشكال الدلالية... حيث يتحول الطبق إلى سند تعبيري شبيه باللوحة التشكيلية.

وهنا نكون في حضرة صورة بصرية وتعبيرية التي تستهدف المتلقين من الأطفال. وهي صورة تتفاعل مع مستوى تطلعاتهم الحسية/الحركية، وتقترب من خصوصيات سنهم، ومناخهم اللَّعبي. وبالإمكان أيضا أن ننقل الأطفال بمعيتها إلى المعنى المجرد، إنْ استطعنا دفعهم للتفكير في موضوع الطبق: كأن يتخيَّلوا قصة، شخوصا، أن يبحثوا عن مخرج من متاهة، أشكال تعبيرية للخضر، ومساحات الأمكنة... ليصير طبق الكسكس المُشكَّل، موضوع بحث من طرف الأطفال عن ما يُخبئه لهم من متعة وتشويق. Suspense  وكأنَّ طبق الكسكس بمثابة بيضة كيندير Kinder التي يعشقها الأطفال، لكونها صُمِّمَتْ خصيصاً على مقاس رغباتهم Désirs ، وهم في رحلة البحث عن ما تُخبئ لهم من متعة المفاجأة، ناهيك عن الشوكولاتة ذات النكهة الخاصة.

هكذا فإن اللذة البصرية لطبق الكسكس عند لطيفة حليم، تجعلنا نلج إلى التحرر من أبوابه الواسعة لمجاوزة الصيغة المتوارثة إلى صيغة أخرى تجديدية. وفي هذه المجاوزة أسمى معاني الطفولة المُعبَّر عنها، إنْ على مستوى التأثيث والتزيين، أو على مستوى علاقة التفاعل بين الغير Autrui (الطفل) والأنا Ego (الراشد). ولنا في ابتسامة الطفلة ميلا بالصورة، خير دليل على مدى تفاعل وحب الأطفال للصيغة التجديدية لطبق الكسكس الذي أبدعت فيه أديبتنا لطيفة حليم. ألم يقل ذات مرة عالم النفس الأمريكي ستانلي هول G. Stanley Hall بأن "الطفولة هي ولادة ثانية" ؟

فلماذا لا نعمل على جعل موروثنا الثقافي في متناول الأطفال، ونعمل على تَطوِّيعه لكي يستجيب لرغباتهم، ونفهم بحق معنى الولادة الثانية التي تحدث عنها هول؟

 2236 ميلا

بقلم: د. محمد الشاوي

فنان تشكيلي مغربي، وباحث في الجماليات

 

 

 

 

توفيق الشيخ حسينالقراءة الثالثة من كتاب (حسرة الظل / تجارب في الشعرية النادرة والبساطة الجميلة) للشاعر والروائي والناقد "محمد الأسعد ".

تقرأ الثالثة تجارب ثلاثة شعراء من فلسطين (توفيق صايغ) ومن سورية (محمد الماغوط) ومن لبنان (أنسي الحاج)، جمعتهم دائرة شعرية واحدة في منتصف القرن العشرين، امتازوا بمنح اللغة وظيفة غير معتادة، خارج كونها مجرد لغة تواصل يومي، لغة لا تختفي منها وظيفة التواصل، ولكن تتبدل الرسالة المرسلة بتبدل فحوى الرسالة واداتها .

(1) أسطورة وحيد القرن

توفيق صايغ (1971 – 1923) كان استثناءا ً، فقد ظل حقله بعيدا ً ومنعزلا ً، أي ظل نهجه وكشفه غير مبذول لأسباب عديدة أهمها أنه كان برموزه العربية المسيحية أشبه بصاحب قدمين صحيحتين يسعى في ثقافة عرجاء لم تحسن تدبر ثرائها الروحي جيدا ً، إضافة إلى أنه هو ذاته لم يسع الى الإطلال من نوافذ وسائط الأعلام والترويج، ولم يعتقد كما يظن " الأسعد ": أن غايته تتجاوز الانهماك في غمار تجربة روحية الطابع ذات خصوصية، تجربة ليست للتعميم ولا للتعليم وإنما إلى مزيد من الصدق بين النفس والنفس، لم تكتب تحليلات وفيرة لتجربة " توفيق صايغ " في الأيام الأولى، واكتفى كثيرون من الذين استقبلوا تجربته بحماس بتعابير سريعة إنطباعية، وبعد سنوات مرت على وفاته ستظهر مقالات أكثر جدية يكتبها بالإنجليزية عدد من الكتاب وصدرت سيرت حياته الوحيدة في العام 1989 .

يتفاجأ " الأسعد " بدراسة متميزة نشرتها بالانجليزية (د. زهرة حسين) من جامعة الكويت في " مجلة الأدب العربي " هولندا، ليدن / في العام 1999، تحت عنوان (جماليات التنافر: أصداء نيتشة وبيتس في شعر توفيق صايغ)، توقف " الأسعد" أمام هذه الدراسة لسببين، الأول أنها درست قصيدة واحدة شهيرة له هي " بضعة أسئلة لأطرحها على الكركدن " من كتاب " معلقة توفيق صايغ " من منظور تحليلي تعمق في الجذور الفلسفية التي متح منها صايغ، والثاني لأنها وضعت الشاعر في إطار مصادره الغربية وموروثه المسيحي الشرقية ببصيرة نافذة .

قصيدته " بضعة أسئلة " نموذجية في عبورها الثري للثقافات، فهي تحمل من جهة رؤيا فلسفية للذات الشاعرة بوصفها نمطا ًبدنيا ًللمثقف كمنشد مخلص من الإنحطاط وتعرض من جهة ثانية متضادات نغمية " بولوفونية " تتواجه وتسمع سوية، السخرية والشفقة معا وهما تتنافران وتتكاملان، أساس هذه القصيدة الفلسفي وفرته فلسفة " نيتشة " القائلة بالثنائية في صميم الوجود، أما أساسها الجمالي فوفره الى حد ما " بيتس " بالربط بين ثلاثية (البطولة / الفعل / المعرفة) وموضوعة الخلاص الآخروي الجماعي " ربط التجربة الشعرية بالتجربة الدينية " هي قصيدة مركبة إذا ً من عدة أضواء متنافرة وكما تقول (د. زهرة) أنها قصيدة عن إحقاق الذات الشاعرة " رمزها وحيد القرن " في تحقيق إنجاز بطولي تراجيدي أصيل غير مسبوق، وتقوم القصيدة على قصة أسطورية تروي سعي وحيد القرن الى العذراء، ومقاومته لكل أشكال الإغراء، وينتهي هذا السعي اليها، تلك التي يستريح اليها ويستسلم، فتسلمه للصيادين(إذ ما تفعل بمن استسلم وأبعد قرنه جانبا) ويمزق الصيادون جسده ويأخذون قرنه الذي يستخدم في علاج العقم عند النساء والرجال .

2219 محمدالاسعداطاردك ِ من غير كلال

لا يصدني الإخفاق ..

ويقصيني طرادك ِ يوما ً فيوما ً

عن دارتي ومعبدي

عن مشغلي وملتقى الخلان

عن حقلي وعن ضريح غدي

ويشعث مرآي

الارتطام بالإشجار والصخور

واطاردك ِ إلى أن

ينطلق السهم الكبير

واهوي وتهوين لاهثين

يجرّنا معا صائد ٌ

أيدري ؟ ليس يدري

أي شيء يفعل بنا !

هذه الأحداث تؤدي دور المعادلات الموضوعية لكل ما يعتمل في القصيدة من مشاعر وعواطف، أو للفكرة الميتافيزيقية على رأي (د. زهرة) .

تصوّر الباحث (عيسى بلاطه) في مقال له " أن وحيد القرن يمثل الشاعر البطل الفاضل والمحاصر، ذلك الذي يفضل أن يظل ّ وفيا ً لطبيعته، بينما تمثل العذراء المثل والمبادىء التي يؤمن بها الشاعر الذي يتنكر له العالم، ولكن الشاعر بدلا من أن يساوم على المبدأ والمثال ويستسلم، يظل متمسكا بحبه لما يؤمن به، حتى وأن قاده هذا الى المعاناة والموت "، هذا واستنادا الى المنابع الفلسفية التي استند اليها

" توفيق صايغ "، تختلف (د. زهرة) مع هذا التفسير بذكاء فهو ينم ّ عن عدم معرفة أو تجاهل لبنية القصيدة الأساسية القائمة على تنافر الأصوات، وستبرهن في تحليلها المعمق لهذه الأصوات ومرجعياتها،على أن الدراما لم تكن بين الشاعر وعذرائه التي يؤمن بها من جانب، والعالم ، عالم الصيادين من جانب آخر، بل بين تعارض صوت وحيد القرن المثالي والعذراء التي انتظرت كائنا ً من لحم ودم فإذا بها تفاجىء بكائن من غيوم .

توفيق صايغ يجسد في شعره وحياته كل مواصفات البطولة التراجيدية وعناصرها، فهو المنفي عن الوطن وفيه، وهو المختلف لغة ً وتجربة ً وأسلوبا ً، وهو طريد الجغرافية وشريد المرأة وشهيدها، كما يقول عنه الشاعر شوقي بزيغ:

(هو يتشاطر مع يوسف الخال نزوعه اللاهوتي وتجربته الصحافية الرائدة والمضنية، ويتقاسم مع أنسي الحاج مروقه اللغوي ولقب " القديس الملعون ")، هذا هو توفيق صايغ المنسي في مناولات النقاد والشعراء، كتب القصيدة بالنثر، في طول الوطن وعرضه، لأنه وعى التجديد أسرارا ً وأعماقا ً وأبعادا ً ومساحات، قول سعيد عقل عن كتابه الشعري " ثلاثون قصيدة ":

(إن كتابه لا ليقرأ، إنه ليغدو خلجات فيك، ودما ً دافقا ً ونارا ً، إنه مزيج من شبق ٍ ولاهوت ٍ، من كشف علمي وخطيئة، وبراءة ملائكية أولى، لكم هو ابن ٌ للحياة، هذا الذي لم يتعب من قرع باب الحياة) .

(2) سريران تحت المطر

يتذكر " الأسعد " بأن أول لقاء له بشعر (محمد الماغوط / 2006 – 1934) جاء حين وصل الى فصل" قصيدة النثر" في كتاب " قضايا الشعر المعاصر " للشاعرة نازك الملائكة (1962)، في هذا الفصل أشارت الشاعرة في معرض تنديدها بالشاعر وشعره الى مجموعة محمد الماغوط الأولى " حزن في ضوء القمر "، واقتطف " الأسعد " منها قصيدة لتدلل للقاريء على أن هذا الذي أطلقت عليه صفة " بدعة غريبة " ليس سوى " نثر طبيعي مثل أي نثر آخر " لأنه حسب تعبيرها خال من أي آثر للشعر، فليس فيه لابيت ولا شطر .

ويتذكر " الأسعد بأن اللقاء الثاني حين قرأ للناقد " صبري حافظ " في أحد أعداد مجلة " الأداب " البيروتية خاص بالشعر الحديث، مقالا ً بعنوان " هذه القصيدة .. لا شعر ولا نثر " .

يتابع " الأسعد " في دراسته بأن " الشعرية " العربية لم تدُرس دراسة كافية، ولم يُستخلص حتى الآن مفهوم للشعرية يضىء الى حد معقول الفرق بين " البيت والشطر " أي النظم، وبين " الشعرية " رغم توافر إشارات جميلة هادية، الأكثر دلالة على الإحساس المبكر بالشعرية التي لا تعلق لها بوزن وقافية جاء في كتابات البلاغي " عبدالقاهر الجرجاني " وبخاصة في كتابه " دلائل الإعجاز " حين درس هذه " الدلائل " واستخلصها من الشعر الموزون ومن النص القرآني ومن مجرد أقوال وحكم سائرة، " الأسعد " يؤكد أن دلائل الإعجاز هذه تناظر في لغتنا المعاصرة دلائل الإبداع، أو الشعرية كما تفهم الآن في الأدب الغربي، وتحضره دائما قصة طفل " حسان بن ثابت " حين وصف لأبيه الشيء الذي لسعه بقوله

" كأنه ملتف ببردي حبرة " فهتف حسان " قال ابني الشعر ورب الكعبة "، هذا التشبيه الملموس للنحلة بكائن يرتدي عباءة يمانية حريرية مخططة، كان كافيا ً ليطرب حسان فيهتف هتافه المعروف، ويكشف لنا أن أبنه قال " شعرا ً " غير عابىء بما اذا كان قوله هذا موزونا ً أو مقفى، أليس أمرا ً يدعو الى السخرية أن يلتقط العربي منذ زمن مغرق في القدم جوهر " الشعر " من بين ركام الأعاريض

" الأبيات والأشطار والقوافي " بينما يعجز عربي معاصر، شاعرا ً كان أومختصا ً عن التقاطه، فينقض ّ على الشعرية، نافيا ً عنها هذه الصفة، ومؤكدا ً أنها ليست سوى " نثر عادي " ومقررا ً أن " لا مصلحة منها للأدب العربي ةلا للغة العربية ولا للأمة العربية " كما ذهبت نازك الملائكة، بل والمضي أبعد الى القول أنها

" لا شعر ولا نثر " مثلما جزم وحزم صبري حافظ ؟ .

أيها الربيع ُ المقبل ُ من عينيها

أيها الكناري المسافر ُ في ضوء القمر

خذني اليها

قصيدة غرام ٍ أو طعنة َ خنجر

فأنا متشرّد وجريح

أحبّ ُ المطر وأنين الأمواج البعيدة

تبعث هذه السطور أحاسيس لا رصيد لها في الذاكرة الشعرية، وتضعنا منذ الصفحة الأولى من صفحات مجموعة " حزن في ضوء القمر " في موقف لا يدعونا الى محاولة فهم معنى ما، بل الى تلقي شعور ما .

يقول " الأسعد " أن هذه الصور، العنيف منها والهاديء، والغاضب والطافح بالحنان، قد تجد تفسيرها في هذه الخلفية التي لا تخلو منها قصيدة، ولكنها لا تطالبه بالتفسير بقدر ما تلح عليه إختراق طبقة التفكير الى طبقة المشاعر، وترسيخ إحساس قوي بهذه الحياة المضطربة لمتشرد بألوان حادة، أو بألوان حارة بتعبير الفن التشكيلي، الألوان ربما هي الأكثر حضورا ً في تجربة الماغوط، وكذلك روائح الأمكنة واصواتها، وهو ما يعني حضور الحواس بمختلف تنوعاتها وتداخلها وتراسلها أحيانا ً، إنها أداة فنية، وربما هي أكثر الأدوات الدالة على أن ها هنا وقعة شعرية، لا صفوفا ً من الحكم والأمثال والمواعظ .

لا شيء يربطني بهذه الأرض سوى الحذاء

ولكن من يلمس زهرة فيها

يلمس قلبي

الحياة مملة كالمطر بلا ماء

كالحرب بلا صراخ أو قتلى

هنا نحل ٌ .. وهناك أزهار

ومع ذلك فالعلقم يملأ فمي

لفت نظر " الأسعد " أن محمد الماغوط في مجموعته اللاحقة مثل " غرفة بملايين الجدران " و " الفرح ليس مهنتي " بدأ ينسى كما يبدو تجربته الأولى في " حزن في ضوء القمر " أي بدأ ينسى أنه شاعر بداهة أولى وليس " صانع " مشاعر أو  " عاملا ً " على إعادة سبك مشاعر، فتكاثرت في سطوره رغبات قول رأي ذي معنى، فبدأ يخرج من مجال استكشاف الأحاسيس والمشاعر والرسم بالألوان الى مجال المفارقات اللفظية، واستثارة الدهشة بالجمع بين فكرتين متناقضتين، وإعادة سبك وتدوير الصور الأولى .

محمد الماغوط بركان قلق متوتر لكنه صامت، بداياته الأدبية الحقيقية كانت في السجن وكما يقول: (معظم الأشياء التي أحبها أو أشتهيها وأحلم بها، رأيتها من وراء القضبان، وفي الزنزانة عرفت الخوف لأول مرة، وأنطبعت روحي بوشم التوجس من العالم، وهرب مني الأمان وربما الى الأبد) .

تثير الدهشة كلمات وضعتها " سنية صالح " في مقدمة طبعة أعمال الشاعر الكاملة (1973) تزعم فيها أن " بدائية الشاعر لعبت دورا ً هاما ً في خلق هذا النوع من الشعر "، وتمضي الى القول " إن موهبته التي لعبت دورها بأصالة وحرية كانت في منجاة من حضانة التراث وزجره التربوي، وهكذا نجت عفويته من التحجّر والجمود "، صحيح أن موهبة الشاعر كانت " في منجاة من حضانة التراث وزجره التربوي "، كما يبدو، ولكن هل يعني هذا أن حضانة التراث ترادف الزجر والتحجّر والجمود دائما ً ؟ لا شك أن إضافته الشعرية كان سيقدر لها أن تكون أكبر وأكثر ثراء ً بما لا يقاس لو حدث هذا التكامل .

أطلق على محمد الماغوط (كولومبس الشعر الجديد بلا أدنى شك)، إن شعريته ترسم لقصيدة النثر شكلا ً عربيا ً خالصا ً وصوتا ً عربيا ً نقيا ً، إن الإحساس الذي يحركه فينا شعر محمد الماغوط حسب رأي الدكتور علي جعفر العلاق (إحساس قاس ومتوتر، إحساس بالوجه القاتم للحياة وإرتباط بالمستوى الجحيمي منها، أي أنه لا يكتفي بالسطح اللامع للأشياء وتفاصيل حركتها اليومية، بل يغوص وراء شحنتها المغلقة التي تأخذنا مشاغلنا بعيدا ً عنها، فلا نجد فرصة للتفكير فيها أو تأمل دلالتها) .

لقد حفل موت محمد الماغوط كما حفلت حياته بالمفارقات، فقد مات هذا الصادق المعذب وكما قال عنه نزار قباني: (محمد الماغوط أصدقنا، يكتب بصدق، وليست لديه أية حواجز)، جعل من خلال موته دموع الحزن تتلألأ في سماء عينيه كالنجوم هذا هو محمد الماغوط واحد من فرسان الكلمة التي أيقظت الكثيرين ولم تزل، وأنها لا بد واصلة طالما أن الحياة مستمرة والضمائر حيّة والعقول تنبض .

(3) حسرة الظل !

يتناول " الأسعد " أنسي الحاج (2014 – 1937) في تقديمه لمجموعته الأولى

(لن) 1960، عندما يسأل أنسي الحاج " هل يمكن أن يخرج من النثر قصيدة ؟ "، واجاب بنعم، بعد أن نثر بين يدي القارىء عدة مستندات اهمها التمييز بين النثر والشعر، كمقدمة للتأكيد على أن النظم ليس هو الفرق بين النثر والشعر، فقد قدمت التراثات الحية شعرا ً عظيما ً في النثر ولا تزال، وما دام الشعر لا يعرّف بالوزن والقافية، فليس هناك ما يمنع أن يتألف من النثر شعر، ومن شعر النثر قصيدة نثر .

من هنا جاء كل ما طرحه " أنسي الحاج " في تقديمه لنفسه قراءة عجولة لمقدمة كتاب الفرنسية " سوزان برنار " " قصيدة النثر من بودلير الى أيامنا " 1959،  لم يكن لدى هذه القلة آنذاك وعي ولو ضئيل بضرورة مراجعة حصيلة ما لديها، أو لم يكن لديها في الحقيقة شيء تستند اليه سوى ما توحي به اللغات الأجنبية، كان "مفهوم الشعر " في الثقافة العربية مغلقا ً حتى دون منجزات أساطين البلاغة العربية من أمثال الجرجاني وحازم القرطاجني وابن رشيق، فلكي يوضح ماهية قصيدة النثر، استعار شروط قصيدة النثر ثلاثة: " أن تكون موجزة توفر عنصر الإشراق، وأن تكون متوهجة، وأن تكون مجانية "أما علي أحمد سعيد "أدونيس" الذي ذهب الى النبع ذاته، فقد التقط شروط الماهية نفسها (مجلة شعر عدد14 / 1960)، فلديه نجد شروط قصيدة النثر أن تكون كلا ً عضويا ً مستقلا ً، وأن تكون بناء ً فنيا ً متميزا ً لا غاية له خارج ذاته، مجانيا ً بمعنى أنه لا زمني، لا يسعى إلا غاية، يعرض نفسه مثل " شيء " من الأشياء، أو كتلة لا زمن لها أو فيها، وأخيرا ً هناك شرط الكثافة أو الإيجاز، تركيب إشراقي بلا شرح ولا تفسير أو استطراد، لكننا لا نجد بعد كل هذه السنوات إلا قلة من شعراء قصيدة النثر استطاعت تدبر هذه المفاهيم تدبرا ً حكيما ً، والإصغاء جيدا ً الى ما قالته الملهمة الأولى " سوزان برنار ":

" تنطوي قصيدة النثر على مبدأ فوضوي وهدام لأنها نشأت في التمرد على أعاريض الشعر، وأحيانا ً على قوانين اللغة المعتادة، ولكن كل تمرد على القوانين القائمة مجبر إذا أراد تقديم عمل أدبي باق، أن يحل محلها قوانين آخرى، حتى لا تصل القصيدة الى ما هو غير عضوي يفتقر الى الشكل " .

وتجاهلت الأكثرية، وما زالت تتجاهل قولها:

" صحيح أن الوزن والقافية ليست كل شيء في القصيدة، إلا أن شاعر قصيدة النثر يبحث عن المتعة الشعرية أيضا ً في مكان غير الشعر المنظوم "، أي أن غاية القصيدة هي الشعر في كلا الحالين، حال التمرد على البنى القائمة، وحال بناء فن ينتظم في قصيدة .

ويتابع" الأسعد" بأن "أنسي الحاج "لم يتقدم مع مجموعته الثانية " الرأس المقطوع/ 1963)، نحو شعرية متميزة ممتعة، إلا أن قاريء هذه المجموعة يلاحظ أنه بدأ يحكي حكايات، ولم يعد يتوقف كثيرا ً عند رد الفعل، مجرد رد الفعل الغاضب على الجاهز اللغوي المبثوث حوله وفي داخله، ونلمس حنينه الى الشعر في لمحات باهرة موحية في مجموعته (لن) نجدها تقف حزينة الى حد ما وسط ركام الكلام .

يجب أن أبكي، كيف نسيت ُ أن الدموع تعكر

المرايا ؟ المرآة غابة لكن الدمعة فدائي ّ فلأسمع جلبتك ِ

أيتها الرفيقة ! فلأرفع لوائك ِ حتى تتقطع َ أوتار كتفي !

تمُطر فوق البحر .

لم يعد في العالم دمعة .

على هذه التجربة أطلقت مجلة " شعر " حاضنته الأولى، تعبير " الشاعر مقنعا ً يغامر مع حاله "، أي مع لغته التي تعلمها أو أملاها عليه التقليد المدرسي، وتاق ليس الى تحرير الشعر وحده بل الى تحرير نفسه، ولأنه حر، وبمقدار ما يكون حرا ً، تعظم حاجته، حسب تعبير أنسي الحاج نفسه، إلى اختراع متواصل للغة تحيط به، ترافق جريه، تلتقط فكره الهائل التشوش والنظام معا ً، ليس للشعر لسان جاهز، يؤكد " الأسعد " بأن أنسي الحاج يقترب من قول أحاسيس ناصعة بالغة الجدة مع مجموعة (ماضي الأيام الآتية / 1965)، وبعد ذلك مع مجموعة (ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة / 1970)، بصياغة بنية لغوية وجسد للقصيدة شبيه بالإنشاد بعناصر أشد تأثيرا ً، الإيقاع هنا أكثر وضوحا ً، ينساب بسلاسة ويتسرب إلى القلب من دون تقاطعات مفتعلة أو تشويهات سريالية مفتعلة، هنا تتواصل الأشياء، وتتصل مثل تموجات، ولا تتنافلا كما يتنافر حطام في زحام من الصور وشظايا الصورة .

(لو عاد زماننا أيتها الطالعة من الروايات لجعلتها أثمن من الموت)، هنا حزن ٌ شفيف من نوع ما، تقل ! معه المجانية بمفهومها المشوه، وكأن الشاعر ضجر من تلك الرغبات السريعة الإنطفاء، وتحول الى مراقبة وتأجيج مجمرة تشتعل بهدوء

ويسري وهجها رويدا ً رويدا ً:

أحب ذكرى الأيام التي كانت تمشي تمشي ولا تعرف أنها ستنتهي في كتاب، أحب ذكرى الأزمنة العاملة، المغموسة، الضبابية، ذات العمالقة الذين مشوا مشوا وهم لا يعرفون أنهم سينتهون في كتاب .

وفي النهاية يعبّر " الأسعد " بأن هذا الأستكشاف جاء ليمثل بتلقائيته الشاعرية نية وإرادة صياغة قوانين القصيدة الجديدة، ليمنحها قواما ً بعد أن أهتدى الشاعر الى لغته، وهل كانت المغامرة الأولى إلا بحثا ً عن لغة ؟ البحث في نصوص منسية خارج المجال الضيق الموروث، وتأمل طبقات مهملة في تضاريس ثقافة الأرض العربية، وميل واضح الى تركيب للجملة مستمد من تراكيب ترجمات سفر مثل  (نشيد الإنشاد)، كانت للجملة اليونانية فيها سيطرة، وتعقب نصوص الألواح الكنعانية والبابلية والآشورية التي كشف عنها المنقبون، صحيح أن هذه " مغامرة سافرة مع الشعر " ولكنها مغامرة للوصول الى البسيط بساطة جذع لم يلمسه إزميل أو حجر لم يصل اليه النحات بعد .

لم يكن أنسي الحاج شاعرا ً عاديا ً، إضافة الى كونه واحدا ً من رواد قصيدة النثر العربية، تميز بلمسة شعرية خاصة، هو لا يستعير من تراث الشعر شيئا ً يتوكأ عليه في قصيدة النثر، لكنه يخلق من النثر شعرا ً، هو يعرف أكثر من كل الشعراء أن النثر وحده فيه كل مقومات الشعر، يقول عنه الشاعر أدونيس:

(معك يا أنسي، يزداد إستمساكنا بحبل الرؤيا، يتسع أسلوبنا في التعبير عنها، وينمو ويغنى، يصبح لنا نوع آخر من الشعر، ومن النثر أيضا ً) .

 

توفيق الشيخ حسين

 

 

عبد الله الفيفيقال (ابن أبي الآفاق التراثي):

- يبدو أنَّنا في اللغة العَرَبيَّة المعاصرة نقف بين فرقاء متشاكسين: أُصوليٍّ متنطِّع، وعَيِـيٍّ عن فهم العَرَبيَّة وبلاغتها.

- مثل مَن؟

- مثل أولئك الذين يُخطِّئون الاستعمالات الدارجة، وإنْ كانت صحيحة، بل قد تكون أصحَّ من اللغة الرسميَّة في الاستعمال الفصيح.

- هل من مثال؟

- كثيرةٌ الأمثلة، وحسبك من القلادة ما خنقك!  وقد ضربتُ لك بعضها من قبل.

- اضرب لي بعضًا آخر، ولا يهمَّنك.. وليخسأ الخاسئون!

- مثال على ذلك كلمة "طِيْلَة".  فنحن تلقَّينا تعليمنا الابتدائي، في جِيلي، على أيدي أساتذة أعزَّاء من بلدان الشام، من (فلسطين) و(الأردن)، خاصَّة، وربما كانوا وراء اكتسابنا بعض التعبيرات، مثل قولنا: "طِيْلَة الوقت"، أو "طِيْلَة العام الدراسي".  ولمَّا كبرنا، وتفقَّهنا في العَرَبيَّة، أو هكذا شُبِّهَ إلينا، قال لنا الفقهاء الأصوليُّون من اللغويِّين، إن الصواب أن نقول: "طَوَال الوقت"، و"طَوَال العام الدراسي".

- وما العيب في ذلك؟

- العيب أنَّ عبارة "طَوَال الوقت" مغسولةٌ من معناها البلاغي.  والمشكل أنَّنا نلتزم بما وُجِّهنا إليه، صُمًّا وعُميانًا، من دون تأمُّلٍ أو بحث.  بل نطبِّق ذلك على طلبتنا من بعدنا.  وهكذا تستمرُّ عمليَّة إماتة العَرَبيَّة وبلاغيَّاتها التعبيريَّة، بدعوَى التفاصح.

- كيف؟

- طِيْلَة بمعنى: "عُمْر"، وطَوال بمعنى: الامتداد الزمني الطويل، لا أكثر.  يقول الشاعر الأُموي (القطامي، عُمَير بن شُيَيم، -نحو 101هــ= 719م):

إنَّا مُحيُّوكَ، فاسلمْ أيُّها الطَّللُ  ...  وإنْ بَليتَ، وإنْ طالتْ بِكَ الطِّيَلُ

والطِّيَل: جمع طِيْلَة.  فمعنى قول الشاعر: وإنْ طالت بك الأعمار.  ومن هنا فإنَّ قول القائل: "طِيْلَة الوقت"، أو "طِيْلَة العام الدراسي" صحيح، وفيه فضلُ تعبيرٍ بلاغي.  لأنه لا يريد أن يشير إلى طول امتداد الوقت فحسب، ولكن يريد أيضًا أن يومئ إلى أنَّ طوله كطول العُمْر.  كأنَّه يقول: بامتداد العُمْر الزمنيِّ لذلك الوقت، أو بامتداد العُمْر للعام الدراسي.  وهكذا يتَّضح أنَّ في كثيرٍ من التعبيرات المستعملة في دارجتنا اليوميَّة مجازاتٍ لطيفة، وأحيانًا بلاغاتِ حذفٍ، يغفل عنها فقهاؤنا اللغويُّون.  أو بالأحرى لا يمتلكون حِسَّها الفِطريَّ أصلًا، الذي ما بَرِح في العَرَبيَّة اللهجيَّة، وإنْ لم تكن مُعرَبة، وإنَّما يفرضون على الناس لغةً معجميَّةً باردة، ليست بلُغةٍ على الحقيقة، كثيرًا ما تفتقر إلى التصوير، والمجاز، وبلاغة التعبير.  وقد تقدَّم، في مقالٍ سابقٍ تحت عنوان "أنفلونزا المجاز"- تجده عبر "قوقل"- كيف أنَّ هؤلاء قد يمتدُّ تطاولهم إلى تخطئة كبار الشعراء.  فيقولون، مثلًا: إنَّ قول (أبي الطيِّب المتنبِّـي): "تَجري الرِّياحُ بما لا تشتهي السُّفُنُ"، خطأٌ، صوابه: "السَّفِن"؛ لأنَّ السُّفن لا تشتهي! ولا تسألني: ما معنى "السَّفِن" هذه! وطبعًا هؤلاء ورثة الحساسيَّة من المجاز في اللغة، من السلفيَّة التيميَّة، في ما ظلُّوا يشنُّونه من مغازٍ مباركةٍ وحروبٍ طاحنةٍ ضِدَّ أبناء عمومتهم المعتزلة!

- لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله! يذكِّرني هذا بسالفة رجلٍ أراد أن يغيظ امرأته فخصَى نفسه! يوشك هؤلاء المتأخِّرون في تبلُّدهم البلاغيِّ أن يكون أحدهم كإنسانٍ آليٍّ، يُردِّد ما بُرمِج به، بلا وعيٍ بطبيعة اللغة ووظيفتها.  لكن ماذا عن بقية الفرقاء المتشاكسين؟

- منهم- في المقابل- مغسول الهويَّة، ساقط الانتماء، وجاهلٌ مؤدلَج.  كذلك (القُمُّص المشلوح)، الذي حكيتُ لك عنه في مساقٍ سابق.

- آه، صحيح، ما أخباره؟ شوَّقْتَني إلى فَهاهاته!  فهاتِ ما لديك من آخِر أخباره.

- عهدي به قديم.  لكن لا جديد لديه، حسب آخر اطِّلاعي، وإنَّما يُعيد ويُبدئ كلَّ يومٍ في قضايا عتيقة، أكلَ الدهرُ عليها وشَرِب، وقُتِلَت بحثًا ودرسًا. يظلُّ يُنقِّر فيها، لعلَّ وعسى؛ لأنَّ الرجل محترِقٌ...

-  محترِقٌ؟  تقصد: محترِف!

- لا، بل هو محترِقٌ بالتفتيش عن شيءٍ ما يتنقَّص به من الإسلام، بوصفه عقيدة، يريد أن يحاربها؛ لأنَّها تخالف معتقده. وهذه كلُّ الحكاية، وهذا جوهر اهتمامه، ولا شأن له لا باللغة ولا بالثقافة، فما هاتان عنده غير وسيلتين. تراه يقفز كالسَّعدان من موضوعٍ إلى موضوع، تارةً يطلع بعمامة العالِم اللُّغوي البحر، في وقتٍ لا يقيم كلمتين سليمتين من اللحن والعجمة والعِوج والعِيِّ والعاميَّة- فضلًا عن العَمَى بدلالات الألفاظ، وأساليب العَرَب البلاغيَّة- وتارةً ينتفش في عرض ملابسات التاريخ، وتارةً يخرج ليُلقي سنَّارته في بحور العِلم الطبيعيِّ والفَلَك، وهكذا دواليك.  إنَّه حاطب ليل، لا يحترم عِلمًا، ولا عقلًا، ولا نفسه.

- تلك هي اللجاجة في التعصُّب، حينما يعصفان بصواب مَن لا صواب له؛ فإذا هو يتعلَّق بقشورٍ يجمعها، أو تُجمَّع له، لينثرها على مائدة مؤيِّديه، وبساط عوامٍّ ممَّن على صعيده وشاكلته، هاشًّا بسيفه الخشبيِّ طواحين الهواء، كما كان يفعل (دونكيشوت)، أو كما كان يفعل مجنوننا القديم (أبو حيَّة النميري) بسيفه الخشبيِّ، الذي كان يدعوه "لُعاب المَنِيَّة"! 

- وهكذا ما زال خائضًا في اكتشافاتٍ قُمُّصيَّةٍ لغويَّةٍ مذهلة، تليق بالقرن الحادي والعشرين. ونقول إزاء هذا: إنَّ لكلٍّ أن يُدافع عن وجهة نظره واقتناعاته، لكن مَن أراد أن يستدلَّ، فليكن أوَّلًا على عِلْم، وليبحث عن الحقِّ حيثما كان، لا عن عقيدةٍ ورثها، يقلب كلَّ شيءٍ في سبيلها لتستوي له. ثمَّ ليحترم العقول؛ فهي لا تختلف وإنْ اختلفت الأديان، وإنْ غُيِّبت إلى حين. أمَّا صاحبنا، فيمضي على ذاك النحو من الهذر، بالمعنى الفصيح، لا بالمعنى في الدارجة المغربيَّة.

- ماذا تعني؟

- كلمة "الهذر" بالدارجة المغربيَّة تعني الحديث أو المناقشة، بالمعنى الإيجابيِّ لا السَّلبي!  وأمَّا قُمُّصنا الهُمام، فيهذر فعلًا، ليستغفل طوائف من الناس، ويُضلِّل البسطاء، عارضًا رُمحه بجزئيَّات معروفة سلفًا، نوقشت في كتب النحو والتفسير منذ مئات السنين، فإذا جَنابه يفرح بها أيَّما فرح، وكأنَّه مكتشف الجاذبيَّة، لاجًّا في صراخه: وجدتها.. وجدتها!

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيْفي

 

 

طالب عمران المعموريوانا أتصفح المجموعة اقف متأملا عنوانها والعنونة الداخلية كعتبات نصية، والتي تعتبر من المباحث المهمة التي ميزت علم اللسانيات وعلم الدلالة وحتى العلوم الفلسفية والتأويلية والتحليلية باعتباره منهجا نصّيا مشتغلا على المفاتيح الأساسية للنصوص، والعنوان واحد من أهم المفاتيح التي تخضع للتحليل والمساءلة1

(رأس تقد به الرغبة) مجموعة شعرية  للشاعر الحسين بن خليل صادرة عن دار الارقم ، حلة ، 2019.بمئة وست صفحات ، تحتوي المجموعة على احدى والثلاثين نصا،.

إنّ  مرادف العنوان كمصطلح لغوي جاء في لسان العرب عن ابن سيده قوله: “العنوان والعِنوان سمة الكتاب، وعنونه عنونة َ وعنَّاه إذا وسمه بعنوان وقال أيضا: العنوان سمة الكتاب، وقد عنَّاه وأعناه، وعنونة الكتاب.. قال يعقوب: وسمعت من يقول: أطنْ وأعنْ أي عنونْه وختمه، قال ابن سيده: وفي جبهته عنوان من كثرة السجود أيْ أثر.

جاء العنوان كعتبة اولى واحدى المناصات المهمة والذي قدم فيه شعرية المناص على شعرية النص   للمجموعة بلغة شعرية جميلة وبصورة ابداعية انزياحية (رأس تقد به الرغبة ) فصار دور المناص (العنوان) الاساسي هو تحفيز القراء وتنشيطهم وازدياد فضولهم على القراءة وسبر أغوار النصوص في المجموعة ، وكذلك جاء الاهداء كمناص آخر وبلغة شعرية معبرة عن حالة الوجد والالم ،

الى

الروح المرافقة لظلي

                   الظل المنسدل من خاصرتي

                      الخاصرة

                            التي لاتزال ذابلة

أهدي اليك خلاصة ليلي

العنوانين والنظر اليها لم تكن وليدة اللحظة بل كانت من الإشكاليات التي حاول عدد كبير من الباحثين والمختصين في اللغة والتحليل والتأويل والتفكيك الاشتغال عليها فسيمياء  العناوين كانت ولاتزال مصبّ اهتمام النقاد والدارسين وليس الأمر جديدا بالمرَّة،

فالعنوان الرئيس والعنونة الداخلية للنصوص عنونة مبتكرة 2  تعطي انطباعا شعريا تجديديا لقصيدة النثر عتبة تفضي بنا الى عالم المجموعة ( رأس تقد به الرغبة ) يحمل تأويل تأبيري للعنونة 3 وبدلالات انزياحية ولغة شعرية موحية لصورة تجسد الالم والارهاصات النفسية الناجمة  التي تكمن في الرغبات البشرية ، فهو ما بين ثنائية ضدية يرغب في ويرغب عن، والرغبة هي حالة ذهنية ترتبط عادة بعدد من التأثيرات المختلفة؛ فإذا رغب الشخص في شيء معين فإنه سيُحاول الحصول عليه، ولكن إن لم يحصل عليه في نفس الوقت فإنه سيشعر برغبة أكبر في الحصول عليه، وسيفكر فيه كثيرا، وسيجد افتقاده له أمر محزن.

ترتبط الرغبة بشكلٍ كبير بالمتعة والألم؛ إذ يشعر المرء بالمتعة في الأمور التي تعزز بقائه وتكاثره مثل الوضع الاجتماعي والسكر والجنس وهو يرغب بها، ويشعر بالألم اتجاه الأمور التي تهدد وجوده وهو لا يرغب بها، وبشكلٍ عام عندما يُحقق المرء رغبته فإنه يفقد استمتاعه بها، ويضع رغبات جديدة ليحققها، وهنا تكمن مشكلة الرغبة في أنها وجدت لتعزيز البقاء والتكاثر، ففي نصه:

قَشط أكسَدة الرغبة

في نعش النهد

أدق المسمار الاخير

على مضضٍ

حتى ارتشاف الصدأ

أشيَّع المتبقي من شفاف الوجه

الى القعر أبحث عن سكينةٍ

أرْجوحةُ الوقتِ تستعجل خافقي

والخوف يقف على الابواب يهدد لصوصيتي

جاثمةٌ أوردةُ ظلي

فوق آلاء الرب

تترقب على وجل ٍ نفاد َ الفرصةِ

مجموعة الشاعر الحسين بن خليل هي  عبارة عن اتقاد رغبات  ببعدها النفسي وهي حاجات النفس البشرية  فكل الرغبات والحاجات أثرها النفسي على سيكولوجية النص  ولغته الابداعية عند الشاعر الحسين بن خليل.

لأن الإنسان بفطرته إنسان راغب، وتُشكّل الرغبة لديه خاصيّة جوهريّة فيه، فتُعرّف الرغبة على أنّها ميل الشخص نحو الحصول على أمرٍ يفتقده الفرد في وضعه الراهن، فيثير هذا التعريف للرغبة عدداً من التساؤلات الإشكاليّة، من ضمنها تلك التساؤلات التي تتعلّق بعلاقة الرغبة كمفهومٍ مع عددٍ من المفاهيم الأخرى، والتي تبدو متاخمةً له، وخاصّة الحاجة. تتباين رغبات وحاجات الشاعر ، بين الحاجة ذات الطبيعة البيولوجيّة الماديّة، وبين الرغبة ذات الطبيعة النفسيّة اللاشعوريّة،

فالعنوان إذن هو أولى عتبات 4 القارئ التي يقيس دلالاتها على جميع مضامين النص،” فهو مفتاح الدلالة الكلية التي يستخدمها القارئ الناقد مصباحا يضيء به المناطق المعتمة في النص و التي يستعصى فهمها إلا من خلال العودة إلى العنوان

(ثنائي مفهومي (العنوان-النص)، فالعنوان هو  وجه النص مصغّرا على صفحة الغلاف لذا كان دائما "يعد نظاما سيميائيا ذا أبعاد دلالية و أخرى رمزية تغري الباحث بتتبع دلالاته و محاولة فك شفراته الرامزة)

وتبقى دلالة العنوان غائبة، مراوغة، عصية على القبض، تحتمل تأويلات عدة، فإذا كان النص هو المولود، فالعنوان هو المولد الفعلي لتشابكات النص وأبعاده الفكرية والأيديولوجية. يتجلى ذلك في العناوين  التي تعتمد المجاز المرسل والكناية كما  العنونة :

الثانيةُ الستُّون بتوقيت الهلع / على قدر الخوف يهطل العناق/ ركل مؤخَّرة الحرمان / الضحك على رفات الارض /الرقص مع وجوه الجائعين/ العودة مع نهد ممتلئ /على جسدك ينتصب الانتظار/ رغبة لامتطاء الموت / الانين المخبأ خلف الوجه / رقراقه لميسمك الجفون/ عندما يتعرى البيض

نرى في مجموعته تعدد المفاهيم المستحدثة، (الحذف – التكثيف – التشظي – التعدد الدلالي – اللامعقول –الغموض – الفنطازيا – الانزياح – العنونة المبتكرة– السرد المشوش – مشهدية الفوضى للحواس)  نرى ذلك جليا في نصه:

رغبة لامتطاء الموت

وَأنتَ تتقدّم نحوي ... هِمَّ خطاك

تعال بزي الصبايا ... أو تتعرى ،

أيُّها الموت

سأزحف لفتنتك  حتى الرمق الأخير

وأرحل بعيداً

حتى تضمحل ملامح السمرة

وتتبدد الرغبة ببلوغ العالم الآخر من هذا الكون

تختفي أوجاعي

تركع أمام شواطئ العزلة

سمفونيات الضحك الهستيري

إن الوصول لتحقيق الرغبة عند الفرد، والتي كان يسعى إلى تحقيقها كحاجةٍ ملحّة، يولد السعادة والشعور بالفرح الكبير، إضافةً إلى زيادة ثقة الفرد بنفسه، وأنه قادر على تحقيق رغباتٍ أكبر في المستقبل، وان تبدد الرغبات يولد الإحباط الذي  هي عبارة عن عمليّة تتضمن إدراك الإنسان لعائق يعرقل إشباع رغبة، أو حاجة يسعى إلى الوصول إليها وتحقيقها. نرى ذلك تجلي عنفوان الرغبة في  نصه  :

الثورةُ محفوفة بالعرف

.

.

.

الجموع الثائرة تتقاطر ملامحها المكتظة

 باليأس

عنفوان الرغبة يتأرجح في ذاتي

يتصنع الثمالة

في حانات الفقر المدقع

يرتجز بين الفينة والأخرى

تباً للعرف الممزوج بالدين الاجتماعي

أيها العشق الممنوع من اللمس

يعبر الشاعر عن وجده وحزنه الذي يستشعر من خلال وجوه الحزانى وانين الموجعين  الذين أتعبتهم الايام  ففي قصيدته (الانين المخبأ خلف الوجه ) متأثرا بقصيدة للشاعر موفق محمد وشخصية قصيدته (حسن) " كُف أنينك ، اتعبت الموتى!" نرى ذلك جليا في عنونة نصه الذي يغلب عليه هاجس الحزن الطاغي:

الانين المخبأ خلف الوجه

" كُف أنينك ، اتعبت الموتى!"

أي لا تكف يا حسن

فأنا مذ سمعت أغانيك

وما عدت أسمع تراتيل المعذبين

أي الانين تزقه لمسامعي

أيقظت الروح الراقدة في جوف الخوف

تفاضل أي الاوجاع صالحة لهذا الوجه؟.

ما عادت القناني المملوءة بالشعر تسكرني

ولا النبيذ الذي تدره العاهرات

كف الانين أو  لا تكف

فالأموات يرقصون على أغاني الله

في تلك الأماكن المبتورة من العالم السفلي

أي حسن

كل الاصوات أنين

حتى تلك الضحكة في وجه العيد

يشربني الوجع

ويقيئني على أرصفة التائهين

.

.

.

الى آخر الوجع ..فمن وجع الى وجع تتقد .. النيران في (رأس تقد به الرغبة)

***

بقلم طالب عمران المعموري

...................

المصادر

1- مازن الوعر، مقدمة: علم الإشارة/ السيميولوجيا، لبيير جيرو، ترجمة منذر عياشي، دار طلاس للدراسات و الترجمة، ط1، 1988، ص: 9.

2- ضيف الله (بشير) : سيميائية العنونة في في رواية سيدة المقام لواسيني الأعرج،  ديوان العرب منبر حر للثقافة والفكر والأدب نشر بتاريخ 14 مارس 2009 ،تاريخ الدخول 30/10/2017 الساعة 16.22.

3. الساعدي ، سعد، التجديدية في الشعر العراقي، نشر وتوزيع دار المتن، بغداد ، 2020.

4- عبد الحق بالعابد/ عتبات جيرار جينت من النص الى المناص. الدار العربية للعلوم ناشرون، الجزائر ،2008.

 

 

عدنان البلداوياستطاع وميض قلم الشريف الرضي بجدارة ان ينفذ بلا تصنع ولا إكراه الى كل القلوب المحبة للخير والحقيقة والنقاء. نفذ الى قلوب العباقرة لأنهم وجدوا في عبقريته اوسع مدى واكثر شمولا . ونفذ الى قلوب الفلاسفة لانهم وجدوا في احلامه وتأملاته ومُـثله العُليا ماينبغي للفلسفة ان تكون .. ولأنهم كلما قرأوا صفحة من حياته وجدوه فيها رجلا خبيرا بصراع الطبائع البشرية ، ويكفي الرضي فخرا بإرادته التي تحكمت في تلك الطبائع لتقدم ما يُرضي الله وما ينفع الناس وما يحافظ على سلامة الأصالة والعفة والنزاهة ..

ونفذ الى قلوب العلماء والفقهاء والمفسرين لانهم وجدوا فيه إماما في النحو واللغة والتفسير، قدم لهم في علوم اللغة والنحو والبلاغة في كتابيه (تلخيص البيان في مجازات القرآن) (والمجازات النبوية) وقدم للمفسرين كتابه الكبير (حقائق التأويل في متشابه التنزيل) وكتابه (معاني القرآن) وكتابه (الجيد في شعر ابي تمام) وغيرها ..

وتملك قلوب رجال التربية والتعليم لانهم قرأوه مدرسا ناجحا مخلصا لتلاميذه عاكفا على رعايتهم في اروقة مدرسته المسماة (دار العلم) .

ونفذ الى قلوب الطامحين وعشاق العلا والمعالى لانهم استأنسوا بدفء الوهج المنبعث من هالة مجده ومن ثقته العالية بسمو نفسه الطامحة صوب المعالي:

رمت المعالي فامتنعن ولم يزل      ابدا يمانع عاشقا معشوق

ونفذ الى قلوب الفرسان ليشحن جوها بحماسة ما بعدها حماسة ..

انها الاقدام دون تردد والطعان دون ملل او كلل:

اذا ما جررت الرمح لم يثنني اب      يليح ولا ام تصيح ورائي

ونفذ الى قلوب الاباة لانهم وجدوا في ادبه الجم مثال العزة والاباء والترفع.

ونفذ الى قلوب المؤمنين بمجد امتهم التليد ملهما اياهم حماسته المتميزة ليذكرهم بملحمة ذلك المجد وليبعث فيهم الهمة لاستعادة ماضي الامة :

نبهتهم مثل عوالي الرماح     الى الوغى قبل نموم الصباح

يانفس مـــــن هم الى همة   فليس من عبء الاذى مستراح

اما فتى نال العلا  فاشتفى     او بــطل ذاق الردى فاستراح

ونفذ الى قلوب كل العرب المخلصين لانهم وجدوا فيه النزعة العربية الاصيلة ، ولأنهم وجدوا فيه ناصحا امينا مخلصا بروحه العربية التي ابت الضيم في عهد ارتفعت فيه اصوات ارادت ان تطمس النقاء العربي وتحيل الاصالة العربية رسوما :

اذا عربي لم يكن مثل سيفه      مضاء على الاعداء انكره الجد

واستأنست بصبره القلوب الموجعة لانها وجدت فيه رجلا شرب كؤوس العلقم من يد الزمان .. رأى من البلايا ما انطقه بالشعر وهو في سن العاشرة ، ورماه بالشيب وهو في سن العشرين ، فما كان ذلك الوميض الا دواءً تلتئم به جراحاتهم :

ودهر لا يصح به سقيم      وكيــف يصح والايام داء

فلا تحزن على الايام فينا   اذا غدرت وشيمتنا الوفاء

فإن السيف يحبسه نجاد   ويطلقه على القمم المضاء

حتى الذين اساءوا اليه قد نفذت الى قلوبهم حكمه ومواعظه لانهم كانوا يتوقعون منه هجاء ، فاذا بمثله العليا تحيل الهجاء الى عتاب والى شكوى يلفها الالم والحسرة وتشرق في مضمونها الحكمة والرشاد :

وكم صاحب كالرمح زاغت كعوبه     أبى بـعد طول الغمز ان يتـقوما

تـقبـلــت مـــنه ظـاهــرا مـتـبلـجا       وادمـج دونـي بــاطـنا مُـتجـهما

صبرت على إيلامه خوف نقصه     ومن لام من لايرعوي كان ألوما

هي الكف مضٌّ تركها بعد دائها     وان قطعت شانت ذراعا ومعصما

حملتك حمل العين لجّ بها القذى     ولا تـنجلي يــوما ولا تـبلغ العمى

اذا العضو لـم يـؤلمك الا قطعته     على مضض لم تبق لحما ولا دما

وبعد :

ماذا عن الاجواء الاخرى التي نفذ اليها سنا الشريف؟

هل للشعراء نصيب ونصيب للنقاد؟

الشعر تحت قبة الشعراء مطبوع ومصنوع ولاشك في انه نفذ الى قلوب المطبوعين منهم لانهم وجدوا فيه شاعرا مطبوعا يترجم ما في صدورهم بلغة الشاعر للشاعر وبارعا يحترم النص لفظا ومعنى .

يقول بعض من كتب عن الرضي انه كان يلتمس من نظمه الغزل بالحجازيات ليهرب من الضيق الذي كان يلقاه في بيئته الرسمية ذات المسؤوليات العظام والاخطار الجسام ..

اقول : ان هذا وارد من الناحية النفسية ولكن لماذا اكثر الرضي من قصائد الغزل لاسيما الحجازيات التي بلغت نحو اربعين قصيدة ، وان كان ذلك واردا ايضا فلماذا سمح بإشاعتها وهو محسوب على الفقهاء وعلماء الدين والمراجع وكانت مسندة اليه نقابة الطالبيين

لقد ادرك الشريف الرضي بحكم مركزه الاجتماعي والديني خطورة شيوع اشعار الخلاعة والمجون في عصره وما لها من اثر بالغ في تصدع الجوانب الاخلاقية ، فرأى ان ايقاف المد الشعري الماجن لايمكن تحقيقه الا بمد شعري مضاد ، لان المسألة تتعلق بالمشاعر والاحاسيس ومخاطبة النفس ، فرأى ا ن يقدم لمجتمعه شعرا عفيفا نظيفا عبّر من خلاله بان هناك ماهو اسمى وانقى ، فقادته شاعريته الفذة الى ان يحارب المجون بالعفة فكان تحصيل حاصله قصائد وجدانية بدأت تهذب العواطف الجامحة صوب الجنس وتجعل النفس امام خيار جديد هو السمو بها عن الوضاعة وسفاسف القول ، لذلك اقتصر في نسيبه على تصوير الجوانب الحسية من الجمال تصويرا لارفث فيه ولافسوق وهذا مايقتضيه الحب القائم على صلة الروح بالروح لا صلة الجسد بالجسد .

اما ايمانه العميق في اداء رسالته هذه فمرده الى انه شاعر قد وعى فلسفة الجمال ، لذلك اباح لخياله الانطلاق في ذلك العالم الساحر انطلاقا لم يكن بدافع اللهو او اللعب انما هو التسبيح لخالق الجمال والشكر له على ما انعم وابدع من صور ومحاسن يستوجب على مؤمن مثل الرضي ان يتحدث بها ويسمح بإشاعتها املا في ان يتحقق مفهوم الاقتداء في مجتمع يحتاج اليه .

وكان الرضي موفقا في تحقيق اهدافه المثالية هذه ، اذ لم يتحدث احد الى الآن انه قرأ شعر الرضي في الغزل والنسيب فدعته نفسه الى مراجعة المباغي وسبل الضلال، بل تحدث كل الذين قرأوا شعره انه حبب اليهم الحب النزيه العفيف النبيل الذي يمكن اعتباره اللبنة الاساس في بناء الاسرة الطاهرة الصالحة لانه لم ينبعث الا من التفكير في شريف المصاهرات :

يميل بي الهوى طربا وانأى       ويجذبني الصبا غزلا فآبى

ويمنعني العفاف كــأن بيني        وبين مآربي مــنه هضابا

وهكذا شاعت قصائد الرضي الغزلية المسماة بالحجازيات مزدانة بالذوق الرفيع والوجدان الصادق حتى اصبح الناس في مجتمعه بعد اشاعتها يستمعون الى لونين من الشعر: شعر الغزل الخليع الذي هو اقرب الى الابتذال والخفة وجرأة الكشف عن المحظورات الجنسية وكان يمثله رهط ماجن من الشعراء، أما شعر الغزل العفيف الذي هو اقرب الى الرزانة واحترام مشاعر المرأة المسلمة فكان الرضي من رواده وهذا يعني انه استطاع ان يزاحم المد الشعري الماجن وان يجعل ذوق المستمع المعاصر امام اختبار جاد يكاد يُفصح عن حقيقة سريرته في قبوله احد اللونين..

 

عدنان عبد النبي البلداوي

 

صالح الرزوقبقلم: جولاندا غواردي

ترجمة: صالح الرزوق

 امنح غير المسى اسما ليمكنك التفكير به (أودري لوردي)


نشرت، في السنوات الراهنة، نشرت عدة روايات باللغة العربية، وكان موضوعها الرئيسي المثلية الجنسية عند الأنثى. ومن الواضح أن هذا طارئ جديد لأنه حتى هذه اللحظة كانت الشخصية المثلية جنسيا حاضرة، ولكن في مجال الذكور. والحقيقة، بينما كنت أكتب هذه الدراسة المخصصة لإضافتها إلى كتاب موجز حول هذا الموضوع في الأدب العربي ظهر عام 2012 (جولاندا غواردي وآنا فانزان، 2012)، لاحظت صمتا تحريميا امتد لعدة قرون فرض السكوت على موضوع المثلية النسوية (1)، وهو كما أرى، يستحق أن نسميه “الخطيئة الصامتة”، بمعنى أنه فاحش جدا ولا يمكن حتى الإشارة له أو ذكره.

بالمقارنة لاحظت أن هذا الصمت، من جهة أخرى، قد كسب بعض المتابعات الكلاسيكية، المدونة بشكل أساسي بيد ذكور تعاملوا عموما مع المشكلة بسخرية (على سبيل المثال أذكر: اليماني 2006، التيفازي 1992). وكما قالت سهر عامر:” الكتابات التي لم تلحق بها يد التغييب و الفناء ركزت على الرجال أكثر من النساء، واستمرت بأجزاء كبيرة منها ذات اتجاه مركزي قضيبي وفي النهاية عكست وجهة نظر ذكورية” (سحر عامر، 2009: 221).

وما افتقدته أكثر من سواه هو الخطاب الذي يفترض قراءة تضع بحسبانها مفهومات الجندر والطبقة وتحاول أن “تكسر” و“تلفظ” لا أن تنتقد أو تمثل (كاتي كينغ 1994: 97).

وأعتقد أن كلا من الطبقة والجندر هما متقاطعان بالتساوي وباستمرار، وبناء الجندر له وظيفة خطاب للسلطة ويفترض طبقية جندرية تعمل وتستجيب للتقسيم الثنائي الجنساني التغايري في المجتمع. وإن الكلام عن شبكة من العلاقات ضمن سياق محدد أمر بالغ الأهمية حاليا، لنخفف من احتكار الثقافة العربية التي تنشط في الغرب وتعيد تعريف دور المرأة في بلادنا. فما يسمى “الانحراف الجنسي” (الشذوذ) لم يرد ذكره في الصحافة العربية إلا بعد الثورات العربية ووفق اتجاه نسائي تقليدي يخضع للاستراتيجية السياسية القمعية (جولاندا غورادي 2012).

 ولذلك إن ما أنوي القيام به هو دراسة ما إذا كانت العلاقة بين المرأة والمرأة تُسن من خلال جسدها، وفي إطار نظام يتصور الجنس بصور واضحة ودقيقة، مع مراعاة أن الجسم الذي لا يتفق مع المعيار البطريركي لنظام المغايرة هو جسم دوني من الناحية السياسية، بتعبير جوديث بطلر (1993). وللقيام بذلك، كان هدفي هو تحليل بعض الروايات الحديثة المكتوبة باللغة العربية والتي تتبنى وجهات نظر إيجابية، وذلك للبحث عن ما “تقوله حقيقة”، وإذا كانت تقدم فعلا ذاتا فعالة. وسأحقق ذلك من خلال قراءة ما هو مكتوب في هذه الروايات وما هو غير مكتوب. وفي الواقع ليس هناك تقسيم ثنائي لعزل ما نقوله عما لا نقوله، ويجب علينا أن نحاول تحديد طرق مختلفة لعدم قول مثل هذه الأشياء [...]. وليس هناك صمت واحد بل عدة أشكال من الصمت، وهي جزء لا يتجزأ من الاستراتيجيات التي تكمن أو تتغلغل وراء أو في الخطاب (ميشيل فوكو 1978:1 - 27).

دعونا نبدأ بافتراض فرانتز فانون المقتبس من بو نوار “أقنعة بيض” ومفاده: "في النهاية الكلام موجود من أجل التواصل مع الآخر" (فرانز فانون 1971: 36). السؤال الآن: إذا “الكلام “موجود، وبسياق إيجابي، كيف يكون حال “أنا” المثلي جنسيا في الرواية العربية المعاصرة. بهذه الطريقة سأنظر لما تسميه تشيلا ساندوفال "شبكات السلطة" (شيلا ساندوفال 2000) والتي في حال ظهورها تبدل قانون “تيار الذكورة” مع بعض الانكسارات في شكل الحيود (K. King 1994: 91). كما ذكرت أعلاه، معظم الذين تناولوا المثلية النسائية هم من الرجال، وغالبا للسخرية و/ أو بغاية التسلية والترفيه (دون أي جدية بالطرح والمتابعة). وإذا كان هذا صحيحاً بشكل خاص في العصر الكلاسيكي - الذي اتصف بوفرة في النتاج الأدبي - أصبح الموضوع بمرور الوقت خاضعاً للرقابة على نحو متزايد. بعض الإشارات كانت حافلة بالأوهام، ولم يُذكر السحاق إلا عند الاقتراب من موضوعات الشريعة الإسلامية. لكن في الرواية المعاصرة نحن نشهد تغييرا جذريا. فالموضوع دخل إلى الأدب بشكل شخصيات حقيقية سواء في روايات كتبتها أناث أو كتبها ذكور. وهذا تغيير راديكالي لأنه لا يرسم لنا فقط شخصيات لديها حضور واسع في محيطها الاجتماعي وهي - على الأقل من ناحية سلوكها - مثلية علناً، ولكن أيضاً لأنها في بعض الحالات، تشكك في هويتها الجنسية. هذه الروايات تقدم لنا أبطالا وبطلات مثليين / مثليات وتخاطب قارئا مثليا أيضا. وتسبب ذلك بصدع ولو أنه صغير في النظام المرعي الأساسي. وعلى الرغم من أن هذا الإنتاج الأدبي موجود على الحدود فهو يكسر بطريقة من الطرق تماسك النظام الظاهري الذي يدفع المهتمين بالبحث والتنقيب في الأدب العربي لإعادة النظر بالظاهرة الأدبية وتعريفها وتبديل طريقة مقاربة الموضوعات المدروسة، حتى لو أن تبدل وتطور النوع الأدبي الجديد لم يكتمل. وإذا كانت التصورات المثلية قبل عدة سنوات منكرة في الأدب أو أنها مقروءة كرمز من رموز الإفراط بالعنف الذي ترتكبه السلطات (جمال الغيطاني 1989، نجيب محفوظ 1995) فهذا دليل على نفي ذات الموضوع. ولكن في النماذج الأخيرة أصبح المثليون أبطالا أو موضوعا أدبيا، واحتلوا أرض الحدث، وتحولوا إلى واقع ملموس (جوديت بطلر 1997). وعليه، أن يكون الإنسان مطلعا على هذا النشاط الأدبي، وما ترتب عليه من مقاربات نقدية - ويمكن أن أقول إن الدراسة البسيطة يمكن اعتبارها، ولهذا السبب تحديدا، عملا لاحقا - يساهم بصناعة وإنتاج الواقع. علاوة على ذلك كان الأدب العربي، حتى الوقت الحاضر، ولهذا اليوم، معرضا للرقابة السياسية بواسطة أدباء ونقاد من بين الذكور والإناث.

مثل هذه الإدانة، التي تحدد المسكوت عنه، تعرفه أيضا، وبهذه الطريقة تنتج “كلمات”، أي خطابا. وبهذا المعنى تسبق الرقابة النص، كما تقول جوديت بطلر، وتصبح بطريقة ما مسؤولة عن إنتاجه (جوديت بطلر 1997: 191). إن ميكانيزم الرقابة ينطلق من الذات ولكنها أيضا تهتم بتعريف معيار يؤسس لما هو مقبول وما هو غير مقبول في خطاب محدد. والهدف هو تشكيل نطاق، تصبح فيه الرقابة أداة لدعم خطاب السلطة. ولذلك هدفي هو أن أشاهد الواقع الذي نستنتجه بعد قراءة الروايات، واضعة بعين الاعتبار دور الرقابة والرقابة الذاتية. وهذه العملية تتضمن على الأقل ثلاثة أنواع من الخطاب: الأول له علاقة بالكاتبات الإناث، الثاني يتعامل معنا كباحثات، والثالث يتضمن عمل الترجمة. ومن الواضح مما قلت إن الخطاب الذي أعنيه له علاقة بالسلطة وهو خطاب سياسي، سواء أعجبنا ذلك أو لم يعجبنا. والبحث، الذي نقوم به، هو عمل سياسي، مثل عمل الكتابة نفسها. وهذا يعني أنني أفكر بنمط الكتابة وبالجوانب الملحة التي يعرفها خطاب الأدب العربي الأكاديمي في ظاهرة التغاير وينظر لها على أنها “نقدية”، وهي عمليا تعارض ما أكتب عنه. ما يسمى اللغة “النقدية”، في الحقيقة، يضعني جزئيا في الأشكال البطريركية السائدة لمعنى السيادة. أما البحث عن مسائل واقعية غيرها فيتطلب البحث عن نمط كتابة بمشاركة الشعب وليس عن الشعب (سفيتلا جميركوفا 2007). وكما يقول غسان حاج:”يصعب تخيل نمط معرفة علمية لا تشارك بمنطق الاستئناس. وهذه المعرفة يمكن على الأقل التحكم بها من خلال الرغبة بالكشف ونزع الحجاب” (غسان حاج 2013).

وعليه أعتقد جازمة أنه لا يوجد خطاب عن الجندر يمكن تحليله في الأدب مع الإحالة فقط للجانب الفيلولوجي أو التاريخي أو الوصفي لعمل محدد. وكما تقول إيف كوسوفسكي سيجدويك:”على نحو أوضح أصبحت لغة الجنسانية لا تتقاطع فقط، ولكن تحول، اللغات الأخرى والعلاقات التي نعرفها بها (1990 : 2 - 3). وبما أنني أتكلم عن الأدب، هناك موضوع هام آخر مرتبط به وهو اللغة: أن تضع نفسك (ككاتب وباحث) خارج الظاهرة الألسنية يعني أن تكون غير - ذات، ولهذا السبب من المهم للروائيين العرب أن يكتبوا باللغة العربية (2). في هذه النقطة، يمكن أن تختار الصمت كفضاء محتمل للمقاومة - وهذا موضوع لا زال بحاجة للدراسة - وهو الامتناع عن الاختيار بين ما يمكن قوله وما “لا يقال”. والبديل الآخر يكون بخلق سيادة شخصية في فضاء الكتابة، أن تبقى ضمن قانون التيار الأساسي والرقابة المستمرة، ولكن أن تخلق بنفس الوقت فضاء للنقد يعبر به الإنسان عن أفكاره. وهذا ما أحاول أن أبينه، من خلال قراءة الروايات التالية المكتوبة بالعربية: (رائحة القرفة) للكاتبة السورية سمر يزبك 2008، (ملامح) للكاتبة السعودية زينب حنفي 2006، (الآخرون) لصبا الحرز 2006، وهي أيضا من أصول سعودية، و(أنا هي أنت) للبنانية أحلام منصور 2000 (3).

السلطة تستعمل اللغة، وهي ذات طبيعة متغايرة، والأسئلة التي أود أن أجيب عنها هي: هل هذه الروايات تشكل تحديا لبطريركية اللغة المتغايرة؟. هل يوجد فضاء للسيادة داخل القانون؟ وسأثبت رغم وجود عدة ظلال أن هذه الروايات تستمر داخل سيناريو ثنائي، وهذا لا يمثل تحديا لجذور التغاير.

نشرت(رائحة القرفة) للكاتبة السورية سمر يزبك عام 2008. وحققت الرواية نجاحت كبيرا وتلقت ثناء في مقالات متعددة. وهي متابعة لعلاقة دونية بين امرأة وخادمتها السوداء، وتركز على الفروقات الطبقية. والعلاقة المثلية كانت تأخذ شكل ملجأ، أو بديل، من جهة للزواج غير المقنع، ومن جهة مقابلة لطروف طبقة متبدلة. وهذا يمنع الخادمة من رفض مقاربة سيدتها. وهذه السيدة، منذ أول الأمر، كانت تبحث عن ملجأ من حياتها البورجوازية المضجرة. وقد كانت عليا، الخادمة، مستغلة جنسيا من قبل مخدوميها، الزوج والزوجة. وعموما في حين أن العلاقة بالرجل تختصر ببساطة إلى عمل جنسي، كانت علاقة المرأتين تتطور لشيء آخر، ومن خلال ما تبقى من بدائل لظرف الإرغام.

تفتح حنان عينيها وتتلمس بطنها الذي لم ينجب وريثا للعائلة. البطن الذي كانت تلعب فوقه عليا بأصابعها وشفتيها قبل ساعات. تتذكرها الآن وهي ممدة على سريرها، تحاول معرفة من كانت عليا، ومن كانت هي؟. تتسرب رائحة القرفة ثانية، فتغرق في نوبة جديدة من الحزن، وتغمض عينيها وتكور يديها حول صدرها. تحدق في النافذة، فترى عليا نقطة صغيرة تتضاءل. (سمر يزبك 2008: 71 - 72، 2012 : 621).

ويبدو أن حنان تحب عليا والتي تختزل بمعنى من المعاني لتكون خليلتها. ومع ذلك في أحد الأيام تسقط بالنوم في سرير حنان، وفي الصباح تثبت الخليلة العلاقة الهرمية:

“كيف تسمحين لنفسك بالبقاء في فراشي حتى الصباح؟” (سمر يزبك 2008: 147. 2012: 1362).

عند هذه النقطة ينعكس ميزان القوة، وتنتهي الرواية بجو من الضياع: مع هذه الافتراضات لا يمكن لهذه العلاقة أن تستمر. في (القرفة) النكاح يمثل علاقة سلطوية بين سيدة وخادمة سوداء، وهو ينسف نمطا بطريركيا جنسيا:

حيونتها كانت مصدر انجذاب حنان إليها. تتلذذ بأصابعها إذ تلعب وترسم على ظهرها، وتشعر بالغرابة من لون أصابع خادمتها السمراء القاتمة على لحمها الأبيض الناعم. (سمر يزبك 2008: 81- 82، 2012 : 744).

كانت الشخصيات، برضاها أو رغما عنها، تدخل في علاقات نكاح مع الرجال، لغاية المتعة أو الواجب أو المنفعة أو الانتقام. “كانت عليا قد باعها والدها وهي طفلة إلى عائلة حنان الغنية، والعلاقة المثلية تبدو شيئا تعرضت له منذ طفولتها، فهو ليس اختيارا ولا تصنيفا. بل هو شيء استعملته لتطبق سلطتها على خليلتها، مع أنها سلطة محدودة، لأنه بوسعها ممارسته داخل البيت فقط. ومن الواضح أن البطلتين لا تعرفان نفسيهما بهوية سحاقية - مهما كان السبب وراء ذلك - وهو مختلف لكل منهما. حنان أيضا، مع أنها مغرمة جدا بعليا، لم يكن يبدو أنها محبة. بل هو نوع من الامتلاك والانتقام من زوجها، الذي أجبرت على الاقتران به دون حب.

ونهاية الرواية مع حنان، التي تقود سيارتها بثوب النوم مثل حمقاء بحثا عن عليا، مجرد تذكير إضافي بيأسها حين كان طفلة وفقدت دميتها وليس بالجانب الإنساني من مشاعرها. وموقفها هذا موجود طوال الرواية:

ما تزالين صغيرة، لا تعرفين أين مكمن قوتك. ولو كنت تعرفين لكبرت أسرع من ذلك. هل ستبقين طفلة إلى وقت طويل؟. متى ستكبرين؟ خرساء. أنت خرساء؟ أنت لم تتعلمي الكلام؟ هذا أسوأ ما فيك، وهو أجمل ما فيك أيضا. ستكونين جزءا مني. فأنت من دم وعيون خبيثة. لا بأس سأجعلك جزءا من... أو حتى من... وربما ستجلسين أمامي على الكومودينو مثل دمية. لا تشبهين الدمية. ماذا تشبهين؟ لا أعرف. أنت لطيفة وناعمة ومطيعة مثل قطة. لست ناعمة. ستصيرين ناعمة.(سمر يزبك 2008: 75، 2012: 666).

في هذه الرواية، المكتوبة بأسلوب الغائب، لا تتماهى الكاتبة مع الشخصيات الأساسية. بكلمة أخرى، يزبك لا تتكلم عن المثلية الجنسية، ولكن بلغة مصنفة في فئة النظام المتغاير، وتضع في مجال نظرنا علاقة بين امرأة سوداء باهرة الجمال وخليلتها، وعليه تتابع كليشيه المستعمل / المنتهك (فالخادمة لا تتصرف كذلك بإرادتها ولا بسبب ميولها الجنسية، وإنما هي مدفوعة قسرا إلى علاقة سحاقية مع خليلتها). “عليا تنتقم بإقامة علاقة جنسية مع زوجها، ويمكن للرواية أن تنتهي بانفصال وتوهم “عودة عليا للبيت. في الخلفية، العلاقة بين حنان وعليا مجرد عذر لسرد حكايات جديدة عن حياة امرأتين. ولم تكن هناك حكايات مأساوية، طبعا، وحتى لو أمكننا التعاطف مع الشخصيات، كانت مكتوبة ضمن كليشيه التغاير. ولو ثبت أن تلك الرؤية تطورت في السنوات الأخيرة - هناك روايات، سبق ذكرها، ولكن أيضا هناك عروض مسرحية، ومناقشات حية، ومقالات صحافية تتناول هذا الموضوع - وهذا لا يمنع أن هذه الكلمة ليست دائما نشيطة ومسموعة. و“القرفة” رواية من تيار المشهد الروائي الأساسي، بمعنى أنها وضعت نفسها في خطاب قريب من السلطة لأنه يصور لنا حنان - البورجوازية المتغربنة (مصورة بشكل) امرأة منحرفة، الـ “مرأة الضجرة” وعليا، التي تعود في نهاية الرواية للبيت ولحياتها المتهدمة. ليس هناك علاقة فعليا بين الشخصيتين ولا يوجد أمل باحتمال الهيمنة.

ومثل “القرفة” تأتي “ملامح” (بخطوطها العامة، وأيضا بوجهات نظرها) وهي رواية زينب حفني وتقدم لنا شخصية ثريا، امرأة سعودية، متزوجة من رجل يجبرها على علاقة جنسية مع رجال آخرين لزيادة ريعهما المالي وموقعها في المجتمع. والرواية مؤلفة من خمسة أجزاء، وكلها مكتوبة بصيغة المتكلم.

الأول عن سيرة ثريا نفسها ويبدأ باقتباس من جان جاك روسو يقول فيه: سأقدم نفسي، متى أطلق آخر بوق نفيره، للقاضي، وبيدي هذا الكتاب وأطلب بصوت مرتفع: هكذا تصرفت، وهذه هي أفكاري. وهكذا أنا. وبحرية ووعي اقترفت ما هو مستهجن وشرير، ولم أتستر على جريمة، ولم أفعل خيرا، وإذا أحيانا قدمت بعض الأعمال الجميلة، ذلك فقط لأسد ثغرة نجمت عن خلل بالذاكرة. وافترضت أشياء، هي أخطاء متعمدة ولدي علم مسبق أنها شيء احتمالي، ولكن لم أصمم أنها حقيقية. هكذا أنا، وقد صرحت بنفسي، أحيانا شرير ومقزز، وفي أحيان غيرها، فاضل وكريم، ونبيل” (جان جاك روسو 2012: 3. زينب حفني 2006 : 5).

الجزء الثاني يسرد الحبكة من وجهة نظر حسين، الرجل، ويبدأ بقول لفولتير مقتبس من القاموس الفلسفي عن التسامح وفيه:”ما هو التسامح؟. هو نهاية الإنسانية. كلنا نأتي من الضعف والخطأ. فلنسامح أخطاء وحماقات بعضنا بعضا - وهو أول قانون طبييعي” (فولتير 1924 ، من مرجع آخر. حنفي 2006: 57). يصف هذان الجزءان حياة الزوجين حتى طلاقهما، و- من خلال الاقتباسات - يبدو أنها تشير لطبيعة ثريا وثقافة حسين، وتتابع بالتالي كليشيه بطريركية. إنهما يصفان الحياة في العربية السعودية، موطن الكاتبة، والتي يتم منع الجنس بقسوة، وحيث العلاقات بين المرأة والرجل ليس لها مصير غير الفشل. ويبدأ الجزء الثالث باقتباس من (بعد الطوفان) لرامبو: ”- تفجري، يا نبعة الماء - ارغي وأزبدي، واعصفي بالجسر واغمري الغابة - أيتها الثياب والأعضاء السود - البريق والرعود - اعصفي وتلاطمي -أيتها المياه والأحزان، اغمري كل شيء بفيضان يفور حتى الحافة ( زينب حفني 2012 : 8 . 2006: 101). وكما هو دائما تخبرنا، بصيغة المتكلم، بقصة ثريا كما يراها حسين، وهي تعيش حياتها وحيدة وتحاول أن تجد لنفسها مكانا في المجتمع. ومنذ أول قراءة يبدو أن الجزء الثالث هو الجزء الذي تجد فيه الشخصية الأساسية نفسها، كما ورد في اقتباس رامبو. في الحقيقة، بغض النظر عن العنوان وموضوع القصيدة - لدينا دعوة مستمرة للعصيان مع أننا غير متيقنين من نجاح المحاولة - وتوظيف الشعر يذكر بركيستيفا وثورة اللغة الشعرية (جوليا كريستيفا 1974)، حيث أن اللغة الشعرية هي ” استعادة للجسم الأمومي بشروط اللغة، بمعنى أن لدى المرء إمكانية أن يقطع، ويحول، ويزيح القانون الأبوي” (جوديت بطلر 1990 : 108). وبعد طلاقها، تصبح ثريا امرأة أخرى وشكرا لـ “عملها” الجديد: إنها تبيعهم الثياب الأوروبية. ثم تقول لنا:”دخلت إلى عالم الأنثى المثلية جنسيا بالصدفة” (زينب حنفي 2006: 110. كل الترجمات لي). وهذه الصدفة هي ليلى، إحدى زبوناتها. تتناولان في إحدى المرات بعد العمل في المخزن، الشاي معا وتخبر ليلى صديقتها ثريا عن أسباب عدم زواجها: ربما في البداية لأنها تنتظر الحب ثم، بعد موت أبيها، لأنها ورثت الكثير من النقود وأصبح الشك ينتابها من إخلاص المنافقات. ثم تشجعت وسألتها: هل جربت الحب في كل حياتك؟. فاجأها السؤال، وشاهدت شفتيها ترتعشان، ويديها ترتجفان، وإيقاع أنفاسها يتبدل، وصدرها يعلو ويهبط مع تدفق عاطفتها، ألقت رأسها على صدري وانخرطت بالبكاء. وربتت على خدها لأطمئنها، فعقدت ذراعيها حولي، ووضعت يديها بقوة على كتفي. وأصبحت راحتاها ساخنتين وبدأت تقبل وجهي ببطء، دفعتها عني ومسحت دموعها عن وجهها. في تلك الليلة، وأنا مستلقية في سريري، تذكرت تفاصيل ما جرى، ووجدت نفسي أرتعش (زينب حنفي 2006: 112).

“الدخول” إلى عالم الأنثى المثلية جنسيا يعني بالنسبة لثريا ببساطة أنه بمقدورها الآن أن تخبر القارئ بقصص كثيرة عن السبب الذي يددعو النساء لإقامة علاقة حب جنسية مع نساء أخريات. وكما تقول إحدى النساء:”هذا ما دفعها لتلتفت إلى عالم المثليات جنسيا - قالت ضاحكة: النساء تفهمن بعضهن بعضا بشكل أفضل” (زينب حفني 2006: 114).

الجزء الرابع يبدأ بهذه الكلمات: اعتدت على أن أسمع عبارة “هند تحب النساء” أو كما يقولون في الغرب “السحاقيات”، وبنبرة سلبية، وبعدة مناسبات، في حفلة أو خلال زيارة. في البداية غضبت، وامتلأت عيناي بالدموع، وفكرت بمغادرة المكان، ثم، مع مرور الوقت، افترت شفتاي عن ابتسامة، وأنا أتذكر عشيقتي الحقيقية أو تفاصيل العلاقة مع سابقتها. (زينب حفني 2006: 127).

هذه هي وجهة نظر هند، المرأة التي ستعشق ثريا والتي تعرف ميولها الجنسية. في الواقع يفتتح هذا القسم ببيت شعر مستعار من “ الشاي في قصر المختل” لوالاس ستيفنز ورد فيه:”أنا هو العالم الذي مشيت كل ما رأيت / أو سمعت أو أحسست أنه جاء مني فقط”(ولاس ستيفنز 200: 34).

هذه هي الفقرة الوحيدة من الرواية - وهي قصيرة فعلا، سبع صفحات فقط من مجموع مائة وستين صفحة - وفيها شخصية سحاقية حقيقية حاضرة، ومع أن ثريا لا تحبها، سوف تواجه الخديعة المحزنة (4).

استقبلت “ملامح” بشكل سيء في العربية السعودية، وتعرضت للرقابة، وكذلك لم تحصد مراجعات جيدة في الغرب، واستمرت بلا ترجمة حتى الآن. إن الرواية تخبرنا عن حكاية امرأة، حزينة، وتبدو صورتها المثلية جنسيا مثل بديل عن العنف في عالم الذكور وبالأخص بديل عن النفاق الاجتماعي في السعودية، وهي حالة شاملة إذا استثنينا هند. والأخيرة عمليا شخصية نشيطة في بنية الرواية، وعليها أن تواجه خيبات الأمل، باعتبار أن علاقات السحاق لا يمكنها “أن تتحقق” في المجتمع، والذي وجد نفسه يعيش على أساس ثنائي القطبين. في الواقع يبدو أن ثريا بقيت على الحافة من مجتمعها، لأنها لم تختر علاقة سحاقية ولا يمكنها أن تتخيل الحياة إلا امرأة بجانب رجل، كما أكدت طوال النص. هذه الرواية، مثل بقية روايات الكاتبة، تخاطب المثلية الجنسية عند النساء على أنها الطريقة الوحيدة التي بها تستجيب المرأة للخطاب البطريركي المتغاير. وهذا كما أرى، من جهة، هو السبب الذي يدعو “ملامح” لعدم تصوير شخصيات مثلية نشيطة، مع أنها تمضي لما هو أبعد من خطاب رواية “القرفة”. ومن جهة أخرى بالضد مما أكد عليه نقاد آخرون (مثلا ثريا التركي 2010) إنها رواية حسنة البناء، ومعناها أعرض من تجربة اجتماعية بسيطة ولها قيمة أدبية ظاهرة .

وهناك مقاربة مختلفة جدا في (الآخرون) لصبا الحرز، وهي من العربية السعودية أيضا (5). وقد حركت هذه الرواية جدلا واسعا بين الأكاديميين والمتابعين في العالم العربي. وقد استعملت الكاتبة اسما مستعارا في بلدها كي تتهرب من الإدانة التي لحقت بزينب حفني (6).

بنية الرواية من ثلاث عتبات: الجزء الأول يبدأ باقتباس من جان بول سارتر (الآخرون هم الجحيم)، والقارئ حرفيا يجد نفسه مع الشخصية الرئيسية، التي لن نعرف اسمها، وهي في تيار شعور عميق يخبرنا عن علاقة جنسية مع ضي، وهي أنثى وطالبة:

تشبثت بالمرآة، عريي الفاضح يدفع بي لنشوة غير مسبوقة، نشوة أن أراني مشتهاة ومنفلتة من قوانين جسدي نفسه (صبا الحرز 2006: 8. صبا الحرز 2009: 81).

وهذا المقطع مونولوج داخلي طويل، ولا يصف فقط حالة البطلة الأنثى أمام ما جرى لها، ولكن أيضا يعكس وصفا مفصلا للمجتمع السعودي، وبالأخص الجماعات الشيعية والتي جاءت منها البطلة. في مجتمع مغلق من هذا النوع لقرية عاشت فيها، لا يمكن أن يكون رد فعلها الأولي إلا النفور:

قذارتي ليست مما يمكنني شطفه بالماء والصابون. تعبت من تكرار غسل يدي وفمي، من عدد مرات استحمامي، من خوفي كلما نمت على ظهري، أو باعدت بين رجلي. لا أستطيع الآن أن أمرر ممحاة ضخمة على جسدي وذاكرتي وإعادة الصفحة إلى بياضها. ما حدث أن ضي شطرتني اثنين: جسدي المتباهي بحلواه، وذاتي النزاعة إلى التطهر من آثامها (صبا الحرز 2006: 12، صبا الحرز 2009: 120).

في الرواية، يبدو من الواضح كيف أن المجتمع السعودي مذكر، والذكر يمتلك السلطة التي لا ترحم من يحاول أن يسلك الطريق الآخر. والبطلة المؤنثة تدخل تحت تأثير إدراك جديد لجسمها ” وبحالة من القطيعة مع نفسي في الوقت الذي أخذ جسدي يتعنت في طلباته.” (صبا الحرز 2006: 18، صبا الحرز 2009: 233).

وفي كل الحالات إن العلاقة مع ضي هي استحواذية أيضا، وتعيد إنتاج ظاهرة الذكورة، والبطلة مجرد موضوع بيدي عشيقتها. وفي آخر العام أعطتني شهادة تخرجي موقعة بأستاذيتها. كانت شهادة تخرجي جملة كتبتها بالأسود السائل فوق جسدي. “أنت ملك لي وحدي” (صبا الحرز 2006: 46، صبا الحرز 2009: 694).

وتستمر العلاقة بين ضي والبطلة، وتهددها دائما السلطة التي تحاول أن تفرضها الأولى على الثانية، وبنوع من العنف الذي يسر ضي التعرض له. في الخلفية، نشاهد أن البطلة تعاني من الصرع، وهو تعبير واضح عن ضعفها في المجتمع الذي تعيش به وعن أنه لديها شقيق تحبه فعلا، ولكنه ميت. وفي نقطة ما تقدم ضي البطلة لصديقاتها ومن بينهم دارين: ”وبدقة كانت راحتها قد دخلت لعمقي وبعثرت تراتبية أشياء الداخل في” (صبا الحرز 2009: 1761).

هذا اللقاء يحدد بداية الجزء الثاني، ويتصدره اقتباس من فيلم “الآخرون” هو: “لا يجب فتح باب قبل إغلاق سابقه “ (صبا الحرز 2006: 161، صبا الحرز 2009: 2293). تطورت العلاقة مع دارين بطريقة مختلفة تماما وفشلت البطلة أن تولد من جديد بطريقة ما معها:

مع دارين شعرت أني أملك طمأنينة وافرة لأضع قلبي بجوارنا على الطاولة، من دون خوف أن تسرقه حين أغفل عنه وعنها، ليس لأنها لا تستطيع، ولا لأنها لا تريد، وإنما لأنها فطنت منذ البدء كم أنا مهرة خاسرة في هذا المضمار، فكفتني مشقة الرهان علي. ومعها بدأت أكتشف جسدي من جديد، كانت تغويني ببطء، وتشعل شمعتين، وتهمس لي بفضائح يرتعش لها جلدي. وكانت تقف على الحياد دائما إذا ما أردت توريطها كطرف ثالث بيني وبين جسدي. معها، كان لأعضاء جسدي أسماؤها واحدا واحدا، حتى أكثرها سرية، وللحظاتنا تعابيرها الخاصة، وما اعتقدته بذاءة رخيصة لا تليق بدارين وشاسع لطفلها، كنت أكتشف فيه نوعا من الإثارة الفاحشة القذرة، من قال إن القذارة لا تثير؟ وكانت علاقتنا الجسدية:”جنسا”، وليست كما اعتدت تسميته تلميحا: ”ذلك”!.(صبا الحرز 2006: 178، صبا الحرز 2009: 2581).

إن الشعور بالإثم يذوب أيضا على ما يبدو ويفسح المجال أمام النقاش: لو أن الله خلقنا هكذا لماذا يجب أن نشعر بالقذارة؟. وهو سؤال أساسي، ولكن للأسف لا تقدم لنا الرواية جوابا شافيا على السؤال.

بعد التقدم بالعمر - تبدأ الرواية مع البطلة وهي بعمر يقل عن ثماني عشرة سنة وتنتهي وهي بالثانية والعشرين - تتعلم البطلة كيف تدير علاقاتها، ولذلك يمكن قراءة “الآخرون” وكأنها حكاية ممر ثقافة تقودك من الكبت إلى، إن لم يكن التحرر (لأنه من المستحيلات في المجتمع السعودي) على الأقل إلى وعي الذات. ويعكس هذا الجزء من الكتاب لاحقا العلاقة بين البطلة مع النساء عموما ومع اثنتين منهما بشكل خاص. والعلاقة الأخيرة ليست غرامية ولكنها علاقة جنسية تصور التطور من اليأس إلى الوعي. ووعي جنسيتها يدفع البطلة لتلاحظ أنها لم تعرف الرجل أبدا، أو على الأدق، لم تشعر بالرغبة للرجل ولم تتخيلها أساسا:

حين قلت لدارين: أشتهي فيك رجلا لن يأتي.

همست في أذني: أتمنى لو بيدي أن أكون ذاك الرجل.

رددت بكبرياء شاهقة جدا: ولكني لا أنتظر واحدا!.

من دون أن تدري لفتتني إلى الكائن الناقص في حياتي، لم يكن أبدا ثمة رجل، في آخر أمنياتي واشدها ضآلة وخفاء لم يكن ثمة رجل (صبا الحرز 2006: 216، صبا الحرز 2009: 3204).

ثم تحاول إقامة علاقة مع ريان، وتقدمها بشكال بداية تتطور إلى نهاية، لكنها تبقى علاقة افتراضية، فهما لا يعرفان بعضهما بعضا إلا عبر الانترنت ومن خلال مكالمات هاتفية مطولة. وفي كل الحالات، تبدأ البطلة المؤنثة بالالتفات نحو عالم الرجال، وفي هذا الجزء تؤكد أكثر من مرة على حقيقة أنها لم “تعد” مثلية جنسيا. وفي الفصل الأخير من القسم الثاني، تتكلم الفتاة مع عمر، وهو صديق لفترة طويلة، وتخبره كل شيء عن خبراتها الجنسية حتى هذا اليوم. وعند هذه النقطة، نصل لاستراحة في الرواية تعبر فيها البطلة بواسطة اقتباس من صموئيل بيكيت ومسرحيته “بانتظار غودو” عن واقعها فتقول: لا أحد يأتي، ولا شيء يحصل”. ومن هذه النقطة يبدأ الجزء الثالث وتنتقل الرواية إلى عالم الرجال وعلاقته بالبطلة. وفي الحقيقة نعلم أنها تزور مجددا ضي لتراها لآخر مرة ولـ “تغلق الباب” أمام حياة المثلية الجنسية ولتفح بابا جديدا، على عالم الرجال، ولكن يبقى القارئ غير متيقن حول سبب هذا التصرف. ويصور لنا آخر فصل المرأة الصغيرة وهي برفقة عمر، كأنها في شبكة أصدقاء (7)، وتقرر أخيرا أن تخلص له. وحينما تلتتقي به، فإن الكلمة التي تتكرر غالبا هي “هذا حقيقي”، بمعنى أن ما مرت به قبله لم يكن “حقيقيا”:

خذني عمر.. خذني إليك!.

وأخذني. أخذني ليس كما أخذتني ضي في كل عراكاتنا في الفراش، ولا بحالة الخفة التي مررتها علي دارين، ولا في الخوف والخزي لوطء كعب عال لأعوام على جسدي. بين حين وآخر، لفرط الشهوة أو لفرط الحب، كنت على وشك أن أقول:”افعل شيئا كي لا تظل خارجي! لا تسرق أطفالك مني!”. لو لم تفزعه الكلمات الكبيرة التي أنطق بها. (صبا الحرز 2006: 284، صبا الحرز 2009: 4307).

ولا توجد هنا نهاية سعيدة ولكن فقط وعد أن لا يخذلها (صبا الحرز 2006: 287). وليكون العالم حقيقيا، بالمقارنة مع “الآخرون”، وبإشارة للفيلم أيضا، تذكر القارئ (أن الآخرين هم أشباح). ويبدو أن الكاتبة تحذر القارئ: كل إنسان قدمته بالكتاب مجرد شبح، الرجل وحده هو الحقيقة. وبالرغم من هذه القراءة أؤكد أن “الآخرون” مكتوبة بشكل ممتاز ولها بنية روائية متينة، وتستحق الاهتمام.

وبالنظر للروايات الثلاثة معا، توجد قواسم مشتركة بينها يمكن التعرف عليها، من خلال متابعة فكرة سيدويك عن النظام الثنائي التغايري. يقول سيدويك إن الثقافة الغربية (8) مرتبة حول فكرة ثنائية هي مثلي / مختلف جنسيا. وقد أثرت الفكرة وحددت كل الثنائيات المتقابلة في قاعدة الإبستمولوجيا وعلاقات السلطة التي من خلالها نحقق الاتصال مع المعرفة. ومنها الأنوثة / الذكورة، الحقيقة / الرهاب، الصحة / المرض (سيدويك، 1990). وخطاب السلطة، من خلال خطابات غيره مثل القانون، الطب، الأدب، يجعل إدراكنا للعالم ممكنا فقط عبر هذا النظام الثنائي، وعليه يمكننا إدراك الجنس فقط على أساس التخالف (امرأة / رجل)، ويمكن قراءة الواقع من خلال عدسة جنسية فقط. وأي تفكيك لهذه الروايات يعني كسر هذه الأزواج الثنائية، وتغريب قانون “التيار الذكوري”، لأن “النظام الثنائي متخالف، وعليه إن نظرية الغرابة تبتعد عن الثنائية والتعليل الطبقي بشكل عام وأي علاقة لها مع الجنس والجندر بشكل خاص (ميمي مارينوشي 2010: 50).

لقد اعتمدت كل الروايات التي ناقشتها على بنية ثنائية، تعتقد بوجود تعارض قليل أو كبير بين التغاير الجنسي والمثلية الجنسية. ومع أن لكل الشخصيات علاقات متغايرة - ومن الصعب أن تحدد إن كانت غراما أو فقط ميولا جنسية - فهي في النهاية كلها تعود إلى “الرجل”. وهذا يتضح لذهن عليا التي تعود إلى بيت عائلتها حيث ستجد شبح والدها، الذي باعها، ولثريا، والتي في الواقع لم تغادر البنية البطريركية، وللبطلة في “الآخرون” والتي تنتهي حكايتها بعلاقة جنسية مع رجل شاب وبعبارة مقتبسة تفتتح الجزء الثالث من الرواية:”لا أحد يأتي، ولا شيء يحصل”، وهكذا يؤكد أن كل تجاربها السابقة لم تبدل الجانب الفعلي في العلاقات الجنسية. وهناك زوج ثنائي آخر ويمثله التعارض بين حياة المدينة والريف. وفي هذه الحالة أيضا، يمكننا أن نلاحظ أن هذا التعارض في كل الروايات أعلاه: “القرفة” تعيد إنتاج تعارض بين بنت الريف وخليلتها البورجوازية، والتي لحياتها جذور في البيئة المدنية. و“ملامح” توفر وصفا للتقابل بين المدينتين، جدة والرياض، بالمقارنة مع الغرب (لندن). وفي خلفية “الآخرون” قرية القطيف، والتي منها أتت البطلة، وتقابلها الرياض. ومن الممكن أيضا أن تجد في كل الروايات تعارضا آخر، بين بنت أو امرأة شابة، وامرأة أكبر بالعمر، وعلى سبيل المثال أذكر حنان وعليا، ثم ثريا مع المرأة الأخرى في الرياض، وبطلة “الآخرون” مع أمها. وهذا يعني أن بنية الروايات لا تتحدى الظاهرة البطريركية للاختلاف الجنسي، وعليه إن حضور الشخصية المثلية النسائية هو وظيفي ويمثل بنية مجتمع ذكوري.

وربما الرواية التي تمثل وظيفة الإعلان عن المثلية الجنسية لأول مرة باللغة العربية هي “أنا هي أنت” للكاتبة اللبنانية إلهام منصور. والبطلة سهام كانت منجذبة للنساء من صباها وعاشت أول تجربة جنسية لها مع زميلة لها أيام الدراسة، حينما كانت تدرس في باريس. ثم تسقط بالحب في باريس مع ليال، المشرفة عليها، وتمر بحالة هيام مع معلمتها، وهذا ما لا يمكن التستر عليه ويلمع كالنور من بين سطور شعر تكتبه على نمط سافو الإغريقي وكانت ليال تدققه لها. وكانت ليال هي محبوبة ميمي أيضا، امرأة متزوجة تعيش بنفس المبنى ولم تعد تجد المتعة مع زوجها. وهذا ما يلغي التشابه مع الروايات السابقة، لأن هذا النموذج يتضمن تبدلا في الفرضية الحكائية. فالسرد ركز على العلاقات المتبادلة بين البطلات. فهن لسن غير متفهمات لميولهن الجنسية - مع أن سهام على سبيل المثال تقبل ذلك بصعوبة، ويمكننا قراءة الرواية وكأنها رحلة ذاتية للتعرف على الذات - ولا هن مضطرات لتقبل الحياة المثلية لسبب ما. وكذلك لا تشعرن بالذنب. وكان التركيز على الجنسانية النوعية التي تتشكل سلميا وبشكل علني في المجتمع، والإشارة إلى المجتمع العربي، والذي اعتاد على إدانة هذا السلوك. وتنجح سهام بالتغلب على الصدام بين رغبتها أن تكون ما هي عليه والروابط التي تقيد الجندر بالطبقة في المجتمع اللبناني. وتنجح أيضا بالتعبير عن نفسها من خلال الخطاب السحاقي كما تسميه سمر حبيب التي تعمقت بدراسة الرواية (سمر حبيب، 2007). وباعتبار أنه خطاب بمرحلة جنينية، فقد كان يتطور بطريقة مختلفة جذريا عما هو في “القرفة” أو “الآخرون” على سبيل الذكر وليس الحصر.

لا يثيرني إلا الشكل الأنثوي، فلجمال جسد المرأة تأثير كبير علي، وهو الذي يوقظ الرغبة عندي. ما ذنبي إن كنت لا أشعر بلذة الحب إلا مع امرأة، وهل الحب يتغير إن تغير موضوعه؟. إنه الحب، وهدف ممارسة الحب هو الوصول إلى اللذة والنشوة (أحلام منصور 2000: 170. كل الترجمات لسمر حبيب).

والوعي الذاتي بمفهوم الوجود عينه متوفر بكل أبعاده في الرواية. فسهام تبحث عن أسباب لمثليتها الجنسية ولكن بالنهاية تكتشف نفسها وتتحد معها لأنه لا يوجد شيء بحاجة للتبرير وعليه:

أما عندنا فهو (المثلية الجنسية) مكتوم لأننا ما زلنا في مرحلة النمط السحري من التفكير. نعنقد أن السكوت عن واقع ما، يلغيه. نعم نلغيه من فكرنا ليعشش في أجسادنا ولاوعينا ولينعكس على كل سلوكاتنا من دون أن ندري (إلهام منصور 2000: 59-60)*.

خلفيات الرواية، في هذه الحالة، هي العلاقة بين الطبقات. تنتمي سهام لعائلة بورجوازية، وتجد وصفا مفصلا لها وهي تدخل القطار برفقة والدتها ومن خلال علاقة / التضاد مع الغرب الذي تمثله كلير، الصديقة الفرنسية. والتضاد بين طريقة كلير وسهام في الحياة يمثلها سهام التي تدعو المجتمع العربي باسم مدينة النعناع، والمجتمع الفرنسي باسم مدينة الزعفران (9). ونساء مدينة النعناع تخرجن ليلا بحثا عن جسر للمرور منه نحو الضفة المقابلة. ولكن بعد معاناة شديدة. وتخطي هذا الجسر الرمزي يمثله في الرواية علاقة بين كلير وسهام. فقد كان عند كلير إمكانية بتجاوز اختناقات المجتمع العربي وهي تقود سهام على خط الحدود الفاصل بين العنصر الإيجابي والسلبي حيث دور الأنوثة / الذكورة في حياة السحاقيات معدومة.

كلير تكشف عن كنوز جسدها وتختلط الشمس بالموج ويبرز العناب شهيا ويحين وقت الطعام، كلير تلتهم العشق وتتلذذ، تعرف أسرار الحب وطرقاته وتتدلل، كلير والحرية في فستانها، تتعرى، لا تريد أن تبقى أسيرة، وتنفخ سجائرها في قدح أشقر، فمن تشرب كلير ومن يشربها؟. (إلهام منصور 2000: 73).

وبناء العلاقات، وتركيبها، ومد الجسور هو ما يتحدى النظام. فهي طريقة عملية جديدة، وهي طريقة المكبوت، والذي يتقاطع مع أسئلة الجندر والطبقة، ويفتح الباب لوعي مختلف. وهذا لا يتطلب فقط تركيب وتحليل النصوص، ولكن أيضا تركيب الحراك الاجتماعي. وبهذه الطريقة، يمكن الكلام عن المسكوت عنه - وهو ما يصنع الواقع - من خلال وضد السلطة. وفي هذه الرواية، مع أن بعض تقاطبات السلطة المزدوجة البنية موجودة (على سبيل المثال في العلاقة بين سهام وأمها، وبالدور الذي تلعبه الحرب، ومن خلال وصف المجتمع الريفي بالمقارنة مع باريس الحضرية)، يمكننا ملاحظة مقاربة جديدة في الطريقة التي تتحرك بها مشاعرالشخصيات الأساسية وفي معظم الأفعال التي لها علاقة بالمثلية الجنسية.

بالختام في الأزمنة الحديثة والمعاصرة كانت الإشارة للشخصية المثلية جزءا من وظيفة استراتيجية العمل الأدبي وتصور السلوك الجنسي بشكل رمزي يدل على شيء آخر (سلبي غالبا)، ثم انتقلت لتكون تعبيرا عن الميول الجنسية لكل من البطل أو البطلة. وإذا كانت أول طريقة في معالجة الجنسية المثلية في الأدب لم تحرض النقاد أو الرقابة، فإن الطريقة الثانية نجم عنها موقف سلبي بين المهتمين، الذين رفضوا أن يمنحوا تلك الروايات أي قيمة أدبية (9).

والحقيقة أنه يجب بذل المزيد من الجهود لفهم طرائق استقبال هذه الروايات في العالم العربي والغرب، وللبحث عن أفضل طريقة يمكننا بها إعادة تحديد النظام الأدبي في كل من البلدان العربية، وفي الدراسات التي تركز على الأدب العربي. وهذا بشكل عام يرسم الخطوط العريضة لطريق يبدو أنه على درجة عالية من الأهمية. وإن حضور المثلية الجنسية النسوية في الأدب كما تفترضها هذه الدراسة تشجعنا كمهتمين للابتعاد عن ارتكاب الأخطاء في تحديد معنى “المرأة العربية” أو “السحاقية العربية” كشيء بحد ذاته، وأن نحاول الكشف عن العلاقات التي تقيمها مع أمور أو جماعات أخرى. وبهذا الأسلوب يمكننا أن نتفهم البنية التي تتطور بها لغة الطرف الأقوى والسائد، وأن نفككها، وأن نفتح الباب للغة بديلة، وأن نضيف لغة خطاب أدبي مختلف ليس للأدب العربي وحده، ولكن للحساسية الأدبية بشكل عام.

 

...................

الهوامش:

 1- نشرت عدة بحوث ومقالات وتم إعداد مصادر مختلفة عن المثلية الجنسية.

2- هناك في الحقيقة الكثير من الروايات المكتوبة عن الموضوع بلغات غير عربية (مثلا الفرنسية والإنكليزية)، ولكن تأثيرها على جماهير قراء يتكلمون العربية هو طبعا مختلف لحد كبير وغالبا هي موجهة خلال كتابتها لجمهور من القراء الغربيين.

3- سيتم عرض الروايات بترتيب فرضته طريقة البحث وليس حسب تاريخ صدورها.

4- ستحاول الشخصية أن تنتحر وينتهي الفصل بهند وهي تسأل نفسها في بعض الأوقات ماذا تصنع ثريا. ويسروي الجزء الرابع حكاية ابن ثريا، الذي ينضم لخلية أصوليين ويختفي في أفغانستان، أما الجزء الخامس فيصف حياة البطلة بعد مقتل ابنها حتى وفاتها.

5- عنوان الرواية مقتبس من الآخرون (2001)، وهو فيلم لأليخاندرو أمينابار، بطولة نيكول كدمان. ومأخوذ عن رواية لهنري جيمس بعنوان “لفة البرغي” (1898).

6- ولم يرغب المترجم الإنكليزي كذلك أن يذكر في الترجمة الإنكليزية للرواية. فقد ورد ما يلي: “لم يسجل اسم المترجم هنا بطلب من المترجم” (صبا الحرز 2009، كولوفون). ونشرت الرواية بالإيطالية أيضا، وترجمها لورينزو ديكليش (صبا الحرز 2009). وفي كل الأحوال إن مشكلة الرقابة الذاتية تحتاج للدراسة، لأنه ليس من المؤكد إذا كان السبب هو حضور الشخصية المثلية. وربما هو المقاربة النقدية للمجتمع السعودي بشكل عام.

7- اسم الصبي هو عمر ويذكر القارئ أنه سني، وهو ليس شيعيا مثل البطلة.

8- أعتبر الثقافة العربية أنها غربية.

9- الزعفران هنا هو الوهم الذي يفسر سبب تسمية المثليات جنسيا في اللغة العربية بـ “سحاقية”. ويعني “أن تطحن” ويشير لفعل “طحن” الزعفران بين راحتي اليد حتى تفصل الثمرة عن القشرة.

 

* بالتدقيق مع النص العربي الأصلي تبين أن رقم الصفحة هو 107، وليس كما ورد في المقال. كل الاقتباسات مدققة مع النصوص الأصلية باستثناء رواية زينب حفني “ملامح” لتعذر الرجوع إليها.

المراجع:

Alharez, Saba. 2012. The Others. London: Telegram Books.

Altorki, Soraya. 2010. “Struggling from the Centre to the Periphery: The Fiction of Zaynab Hifni”. Contemporary Arab Affairs 3(3): 352-361.

Amer, Sahar. 2009. “Medieval Arab Lesbians and Lesbian-Like Women”. Journal of the History of Sexuality 18(2), May: 215-236.

Butler, Judith. 1990. Gender Trouble. Feminism and the Subversion of Identity. London and New York: Routledge.

Butler, Judith. 1993. Bodies that matter. On the Discursive Limits of “Sex”. New York and London: Routledge.

Butler, Judith. 1997. Excitable Speech. A Politics of the Performative. New York and London: Routledge.

Čmejrková, Svĕtla. 2007. “Intercultural Dialogue and Academic discourse,” in Marion Grein and Edda Weigand, eds. Dialogue and Culture, pp. 73-94. Amster-dam: John Benjamins Publishing Company.

Fanon, Frantz. 1971. Peau noire, masques blancs, Paris: Seuil.

Foucault, Michel. 1978. The History of Sexuality. New York: Pantheon.

Ġitānī(al-), Ğamāl. 1989. Risāla al-baṣā’ir fī-l-maṣā’ir. al-Qāhira: al-Hilāl.

Guardi, Jolanda. 2012. “Politiche del corpo e diritti delle donne nel mondo ara-bo.” Deportate Esuli Profughe 18-19: 257-267.

Guardi, Jolanda and Anna Vanzan. 2012. Che genere di islam. Roma: Ediesse.

Habib, Samar. 2007. Female Homosexuality in the Middle East. New York and London: Routledge.

Hage, Ghassan. 2013. The Arab Social Sciences and the Two Critical Tradi-tions, keynote presented to the inaugural conference of the Arab council of Social Science, Beirut. Accessed July 2013. http://www.academia.edu/3192521/Towards_a_Critical_Arab_Social_Science.

Ḥarz(al-), Ṣabā. 2006. Al-āḫarūn. Bayrūt: Dār as-Sāqī. Harez(al-), Saba. Gli altri. Verona: Neri Pozza. (Italian translation by Lorenzo Declich and Daniele Mascitelli).

Ḥifnī, Zaynab. 2006. Malāmiḥ. Bayrūt: Dār as-Sāqī.

King, Katie. 1994. “Feminism and Writing Technologies: Teaching Queerish Travels through Maps, Territories, and Patterns.” Configurations 2 (1): 89-106.

Kristeva, Julia. 1974. La révolution du langage poétique. Paris: Seuil.

Maḥfūẓ, Nağīb. 1995. Midaq Alley, Anchor : Flushing.

Mansour, Elham. 2008. I am you (Ana hiya anti). Amherst NY: Cambria Press. (English translation by Samar Habib).

Manṣūr, Ilhām. 2000. Ana hiya anti. Bayrūt: Riyyāḍ ar-ra’īs.

Marinucci, Mimi. 2010. Feminism is Queer. The intimate connection between queer and feminist theory. London: Zed Books.

Rimbaud, Arthur. 2012. Illuminations. New York: W. W. Norton & Company. Translated by John Ashbery.

Rousseau, Jean-Jacques. 2012. The Confessions. Adelaide: The University of Adelaide. English translation by W. Conyngham Mallory.

Sandoval, Chela. 2000. Methodology of the Oppressed. Minneapolis London: University of Minnesota Press.

Sedgwick, Eve Kosofsky. 1990. Epistemology of the closet. Los Angeles: Uni-versity of California Press.

Stevens, Wallace. 2001. Harmonium. London: Faber & Faber.

Tīfāšī(al-). 1992. Nuzhat l-albāb fīmā lā yūğad fī kitāb. Lundun Qubruṣ: Riyāḍ ar-ra’īs. Edited by Ğ. Ğum‘a.

Voltaire. The Philosophical Dictionary. New York: Knopf. Translated by H. I. Woolf.

Yamānī(al-). 2006. Kitāb al-labīb fī mu‘āširat l-ḥabīb. Al-Māya al-Ğamāhiriyya al-‘Uẓmà: Tāla. Yazbek, Samer. 2008. Raḥi’at al-qirfa. Bayrūt: Dār al-adāb.

Yazbek, Samer. 2012. Cinnamon. London: Arabia Books. (English translation by Emily Danby). Kindle edition.

 

 

 

 

2228 ياسميلابوسنيون مسلمون يستجيرون من الرمضاء بالنار!

ما تزال المخرجة البوسنية ياسميلا زبانيتش منغمسة بثيمات حرب البوسنة والهرسك التي انطلقت في مارس 1992 واستمرت حتى نوفمبر 1995. ففي عام 2006 أنجزت فيلم "غربافيكا: أرض أحلامي" Grbavica الذي تتمحور فكرته الرئيسة على قيام جندي صربي باغتصاب  "إسما" البوسنية التي أنجبت "سارة" وأثقلتها بسؤال البحث عن هُوية الأب، ودوره في مقارعة الجيش الصربي الذي ارتكب أبشع المجازر بحق الشعب البوسني لأسباب عِرقية ودينية، فنسبة المسلمين تشكّل أكثر من 50% من عدد السكّان في البوسنة والهرسك.

وعلى الرغم من خطورة تناول هذه الموضوعات الحسّاسة في السينما البوسنية إلاّ أنّ زبانيتش قد ذهبت في هذه المغامرة إلى أقصاها حيث أنجزت فيلم "على الطريق" عام 2010 وهو يدور حول الحرب البوسنية أيضًا وتداعياتها الإسلاموية، ثم وضعت اللمسات الأخيرة على فيلم "الرجال لا يبكون" عام 2017 وهو يتحدث عن مجموعة من المحاربين اليوغسلافيين القدامى الذين يخضعون لجلسة علاجية طويلة. أمّا فيلمها الأخير "إلى أين تذهبين يا عايدة؟" فقد قالت فيه كل ما تريده تقريبًا، خصوصًا وأنها هي التي كتبت سيناريو هذا الفيلم الدرامي الحربي المطعّم بنكهة تاريخية ليست بعيدة عن الزمن الذي نعيشه الآن.

لا بد من الإشارة إلى أنّ زبانيتش قد اعتمدت على كتاب "الملاذ الأخير: قصة حقيقية للحرب والبقاء والحياة تحت الحصار في سربرنيتسا" للمترجِم والناشط حسن نوهانوفيتش لكنها تصرّفت في مادته التوثيقية وأخذت منها ما يناسب رؤيتها الإخراجية، ويعزّز نزعتها الفنية والجمالية في تقديم خطاباتها البَصَرية المحاذية للواقع دون التفريط بتموجات الخيال الذي يكتشف طريقه إلى ترصيع الحقائق الدامغة بالألوان القزحية الآسرة.

لا تقوم حبكة الفيلم على قصة معقّدة لأن مسارها السردي المستقيم يكاد يكون مباشرًا إلاّ من بعض الاستعادات الذهنية مثل مسابقة أحلى تصفيفة شعر، وصوت أحد الابنين وهو ينادي على أمه، وما عدا ذلك فأحداث الفيلم تسير بوتيرة متصاعدة، وإيقاع متسارع يكشف عن الانفلات، والهيجان النفسي الذي تعيشه الأم عايدة سلماناجيتش التي جسّدت دورها بإتقان شديد الفنانة الصربية المعروفة "ياسنا دوريسيتش" وحازت عنه جائزة أفضل ممثلة في الدورة الرابعة لمهرجان الجونة السينمائي.

2228 ياسميلا 2

مذبح فسيح الأطراف

تنطلق قصة الفيلم زمنيًا في 11 يوليو 1995 وتضعنا المُخرجة في أجواء الحرب الدامية إذ تحولت سربرنيتسا إلى "مذبح فسيح الأطراف" حيث تسقط على البلدة ثلاث قذائف في كل ثانية سببت في قتل وإصابة العديد من السكّان المدنيين بينما العالم غارق في صمته. تستهل زبانيتش فيلمها الدرامي بلقاء عقيم يجمع بين الكولونيل الهولندي توم كاريمانز، آمر القاعدة العسكرية وعُمدة البلدة الذي يسأله عن الإجراءات التي يتخذها بوصفه آمرًا للقاعدة العسكرية التي أعلنت عن سربرنيتسا "منطقة أممية آمنة تحت رعاية الأمم المتحدة". فيرد عليه:"نحن نفعل كل ما نستطيع فعله. لقد تمّ إخطارهم بإنذار رسمي، ولديهم متسع من الوقت حتى السادسة صباحًا، وإذا فشلوا في تطبيق ذلك ستقوم طائرات الناتو التي يتراوح عددها بين 40 و 70 طائرة بالهجوم على جميع مواقعهم، ومَحْوهم من الوجود". وبما أنّ العُمدة قد إعتاد على مثل هذه التطمينات المخدِّرة فإنه يحمّله المسؤولية كاملة إذا لم تتم مهاجمة مواقع القوّات الصربية عندها يعترف بالفم الملآن بأنه "مُجرّد عازف بيانو" وليس أكثر من رسول بين الطرفَين المتنازعَين، فلاغرابة أن يسقط العُمدة في دائرة الانفعال ويصفعه بعبارة "تبًا لكَ وللبيانو القذر الخاص بكَ" الأمر الذي يدفع الكولونيل لإنهاء الاجتماع وترك العُمدة لكي يواجه مصيره على أيدي الجنود الصرب الذي اجتاحوا المدينة وبدأ الناس المذعورين يتدفقون على القاعدة العسكرية بحثًا عن ملاذٍ آمنٍ فيها.

قبل أن تجتاح القوّاتُ الصربية البلدةَ يُصاب الناس بالفزع فيهربون إلى القاعدة العسكرية التي لا تتسع لأكثر من خمسة آلاف مواطن بينما يُخيّم 25 ألف مواطن خارج أسيجتها مرعوبين من تقدّم الدبابات الصربية، وقصف مدفعيتهم الثقيلة وبينهم أفراد أسرة المعلِّمة والمترجمة عايدة وهم زوجها نهاد، وابنيها حمديا وسييو ولابد من إدخالهم إلى القاعدة لحمايتهم من تهوّر الجنود الصربيين، ومعاملتهم الوحشية للسكّان المدنيين.

على الرغم من أنّ الجميع كانوا خائفين ومذعورين إلاّ أن عايدة هي الأكثر خشية وتوترًا وانفعالاً وقد نجحت السينارست زبانيتش في نحت هذه الشخصية القلقة والمأزومة والمتشنِّجة على مدار الفيلم تقريبًا، وقد انتقل إلينا هذا التوتر منذ بدء الاجتياح الصربي للبلدة ورافقنا حتى الانعطافة الأخيرة من القصة السينمائية الواقعية الموشّاة بلمسات قليلة من الخيال.

الذهاب إلى المجهول

2228 ياسميلا 4إذا كان الاجتماع الأول للكولونيل كاريمانز مع العُمدة قد أفضى إلى اليأس والإحباط فإن اجتماعه الثاني بالجنرال راتكو ملاديتش قد أشعرَ المفاوضين في الأقل بالعبث والذهاب إلى المجهول، إذ سلّمهُ القِياد، وخضع لمشيئته الكاملة حينما سمح للقوات الصربية بدخول القاعدة بحجة التفتيش عن الجنود البوسنيين المسلمين الذين كانوا يقاومونهم قبل دخول البلدة. وكان القائد يوكا يستجوب المدنيين، ويسألهم بطريقة استفزازية عن بدلاتهم العسكرية، وعدد الجنود الصربيين الذين قتلوهم خلال سنوات المعركة. كان الجنرال ملاديتش يهين المفاوضين البوسنيين، ويسألهم عن ميولهم وانتماءاتهم السياسية التي كانوا يتفادون ذكرها، ويركزّون على وظائفهم المدنية التي تجمع بين الإدارة والاقتصاد والمحاسبة وتدريس التاريخ. كما اتفقوا على وضع خطة لإخلاء المدنيين من سربرنيتسا Srebrenica بواسطة الحافلات إلى مدينة كلادني Cladnij حيث ينعمون بالأمن والسلام على أن يزوّدهم الجنرال ملاديتش بالوقود اللازم، بينما تؤمِّن الأمم المتحدة حافلات كبيرة يرافقها عدد من جنود القاعدة كي يتأكدوا من سلامة وصولهم إلى الملاذ الآمن.

وعلى العكس من يوكا الذي كان يروّع الناس في القاعدة العسكرية فقد أبدى الجنرال ملاديتش وجهه الماكر للنساء البوسنيات، وظهر أمامهن كحمامة سلام في منتهى الوداعة مُصححًا "الصورة النمطية الخاطئة التي استقرت في أذهانهن"، بل أنه دعا إلى نسيان سنوات الحرب، والكف عن الاقتتال، والعيش بسلام. كما تمنّى للأطفال حياة سعيدة لا تؤرقها النزاعات والحروب العرقية والدينية، ودعا إلى نقل النساء والأطفال أولاً كي "لا يضيع أي طفل من أطفال البلدة"، ثم يعقبهم الرجال الذين سيصلون إلى المدينة ذاتها بعد مدة قصيرة. 

تُدين ثيمة الفيلم الرئيسة الحرب في كل مكان لكنها تلوم الكتيبة الهولندية التابعة للأمم المتحدة التي تواطأت مع القوات الصربية ولم تحرّك ساكنًا، ففي الوقت الذي كان فيه الجنرال ملاديتش يطمئن بالنسوة والأطفال كانت مجوعات من الـ "تشيتينك" Chetniks تقتاد الرجال البوسنيين وتعدمهم بدم بارد على مبعدة 200 م من القاعدة دون أن تحرّك القوات الأممية ساكنًا، وحينما كان الكولونيل كاريمانز يطالب بشنّ الغارات الجوية من قِبل طائرات الناتو كان يأتيه الرد اللامعقول بأن المسؤولين في الأمم المتحدة يتمتعون بإجازاتهم السنوية بينما كان الرجال والنساء والأطفال يموتون بالمئات يوميًا حتى تجاوز العدد ثمانية آلاف بوسني مسلم أزهقت أرواحهم لا لشيء إلاّ لأنهم مسلمون ويؤمنون بعقيدة دينية مغايرة لهم.

2228 ياسميلا 3

إبادة جماعة مروّعة

تتلاشى الحافلات المحمّلة بالنساء والأطفال، بينما تتجه العجلات المعبأة بالرجال والشباب القادرين على حمل السلاح حيث يتكدسون في صالة بناية كبيرة تتوسطها شاشة سينمائية كأنها ستعرض عليهم فيلمًا لكنهم ما إن يؤمروا بوضع أيديهم على رؤوسهم المطأطأة حتى تُصوّب فوّهات البنادق من النوافذ العلوية وتُفتح النيران الكثيفة التي لا تُبقي ولا تذر فنعرف عندها أن جميع الرجال والشباب اليافعين قد لاقوا مصرعهم في إبادة جماعية مروّعة هي الأكثر وحشية في النصف الثاني من القرن العشرين.

في فصل الشتاء القارس تأتي عايدة إلى سربرنيتسا لتزور بيتها الذي صادرته القوات الصربية وتسأل عن حقيبة الصور العائلية، وتجد بعضًا منها. وفي أثناء نزولها على السلّم ترى الجلاد ياكو فتتذكر أفعاله المشينة في القاعدة العسكرية التي يفتش فيها عن جنود بوسنيين مسلمين كي يكتم أنفاسهم قبل بدء عمليات الإبادة المُخطط لها سلفًا.

لم تعثر عايدة على رفات زوجها وابنيها في المقابر الجماعية التي ضمّت الآلاف من الضحايا لكنها تدخل في قاعة كبيرة فيها بقايا عظام متآكلة، وملابس ممزقة، وأحذية تالفة صمدت طوال سنوات، تقف أمام بقايا رفات، وتمسك بحذاء رياضي لعله يذكّرها بحذاء زوجها أو ابنها قبل أن تنهار، وتنخرط في النشيج.

2228 ياسميلا 5

تعود للتدريس، وتقف أمام تلاميذها الصغار وهم يؤدّون بعض الحركات التمثيلية التي تتحوّل فيها أياديهم الصغيرة البضّة إلى أجنحة طيور تغطي العيون، وتنزاح عنها وهم جميعًا يحدقون إلى آبائهم وأمهاتهم بينما كانت عينا عايدة تتجمّد على وجه الجلاد الذي قتل أسرتها، واحتلّ منزلها بما فيه من أصداء وذكريات سوف تظل حيّة نابضة طالما بقيت هي على قيد الحياة.

بقي أن نقول بأنّ ياسميلا زبانيتش قد أنجزت حتى الآن 14 فيلمًا نذكر منها "سيرة ذاتية"، "من أجل أولئك الذين لا يستطيعون أن يروو حكاياتهم"، "الأحذية المطاطية الحمراء"، "هل تتذكر سراييفو؟"، "عيد ميلاد"، "على الطريق"، "جزيرة الحُب" وما سواها من أفلام روائية ووثائقية وقصيرة. حازت زبانيتش خلال مشوارها الفني على العديد من الجوائز المهمة أبرزها جائزة الدُب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي عام 2006 عن فيلم "غابرافيكا"، وجائزة أفضل فيلم عالمي في مهرجان غوتنبيرغ السينمائي عن شريطها المعنون "إلى أين تذهبين يا عايدة؟" عام 2021.

 

عدنان حسين أحمد

 

دراسة في سرديات الروائي شلال عنوز رواية وكر السمان ...

من يطالع رواية وكر السلمان للشاعر والروائي شلال عنوز الصادرة عام ٢٠٢٠ يتلمس وعبر اللغة الشعرية الطافحة بالخيال والمستوعبة لجماليات وشرائط الكتابة السردية انه يكتب عن رحلة وطن أثخنته جراحات الحروب وأنهكته صبيانية الهوس الطاغي في رؤوس مجانينها وفراعنتها ذلك الهوي الذي أسس توالي النكبات وتاريخ طويل من المآسي والفجائع بحيث كانت تلك الحروب مسارح لتجليات القرف ونفاط شروع الجرائم على الوطن والإنسان والمصير فلغة الرواية وأحداثها وشخصياتها مرموزات مضمرة للفضح ومرايا ساطعة لكشف الورطة التي كبلت الوطن والمواطن بشتى قيود القلق والجريمة والإقصاء فبطل الرواية نعمان الشخصية الإشكالية بتاريخها ومصيرها وواقعها هذه الشخصية قد نجح الروائي في تقديمها للقاريء بإضطرابها النفسي وقلقها الوجداني وعشوائية قراراتها

2232 وكر السلمان

وإقترب كثيرا من إظهار مرضها النفسي وإنفصامها وعقدها وجعل من هذه الشخصية مظهرا فاضحا لزيف الحرب ونقلها من جبهات الموت وسوح القتال الى جبهات جوانية وعقد نفسية وإضطراب يعتلي الشخصيات التي ذاقت وبالها وتشوهت رجولتهم بفعلها وغدر مشعلوها بضحاياهم فالطغاة لايفكرون أبدا بضحاياهم وما نعمان الا طاغية صغير إنتقلت اليه عدوى الفرعنة والطغيان وهوس القتل والتلذلذ بالضحايا من فراعنة الموت الكبار وصناع الخراب المتوالد فالبطل نعمان قام بإستدراج أصدقاء الأمس الى وكر الموت في نكرة السلمان قرب مدينة السماوة جنوب العراق وهو السجن المشؤوم في ذاكرة الكائن العراقي ليكون ذلك القبو ملاذ الجلاد في إصطياد فرائسه ومسلخه المجاني للذبح وتصفية حسابات النفس مع رغباتها وشهواتها الإجرامية بل حتى الحبيبة والخطيبة سناء لم تسلم من سكاكين مسلخ السلمان وهذيانات العاشق نعمان المستهام بالعشق حينا وبالدم المراق أحيانا كثيرة حيث كانت أجمل الحورات وأكثرها توجعا وعتابا تلك الحوارات على مسرح جريمة السلمان بين سناء المصدومة بجنون العاشق وهذياناته بالموت وخسران الحبيبة وبين توسلاتها له بالمحبة والنجاة

وتواصل الوفاء حيث إشتغل السارد بتأجيج الإنفعال وشحن الموقف بطاقات متصادمة نفسيا مؤججا لفعل التوقع المضطرب في نفسية البطل نعمان وتردداته بين الإنتصار للحب أو الإذعان لمخلب الحرب وعرقها الضارب في نفسية البطل المخصي بضراوتها ومحرقتها والمخصي اليوم عن نزعاته الإنسانية والوجدانية فالسارد كان يدير اللعبة من وراء السرد بطرف خفي وبضمير الحاضر والمخاطب حيث كان الحوار قاسيا وجالدا للذوات وكان الخطاب يترجم لقطات كبيرة وحادة بين رغبتين جامحتبن رغبة بالقتل ورغبة بالخلاص لوجهتي البطلين بهاجس الترقب وسطوة الموت وإنتقالات خيال وعيون القاريء بلقطات سريعة نجح الروائي في توظيفها مع حركات القطة التي عجلت بفعل التوقع عند القاريء وجعلته يعمل مونتاجا متسارعا متنقلا بين وجوه الأبطال وحركة القطة التي أفصحت بالكثير من نزعات الشر وشاهدت العديد من مراسم الذبح والفجيعة وكشفت أخيرا للسلطات عن مكان الجريمة .

لقد كانت الرواية بلغتها الشعرية الشفيفة وموضوعتها تركات الحرب وثيقة جمالية و قانونية وإجتماعية ورحلة وطن في أتون المتاعب والمطاحن ومسلسلات الخراب نجح الروائي في إيصال رسائلة لمن يطالع التاريخ ويحاسبه

ما له وماعليه فعليه ان لايتغافل عن تركات الحروب ومآسيها فهي وان توقفت طواحينها المسموعة في الخارج ولكن طواحين خرابها في النفوس لم تنفد بل هي متوالدة الى أجيال قادمة وما شخصية نعمان الا ضحية ذلك الهوس وترجمان ذلك الجنون الذي طالما تغنو به الطغاة بكونه شارة نصر وبوابة تحرر وماهو الا بوابات للجحيم في كل ذات إكتوت بذلك الجحيم تنتظر صنع أحلامها على مدية من رماد الحروب في أوكار وأقبية دامية.

 

ظاهر حبيب الكلابي

 

قاسم ماضيللشاعر جاسم العلي

يبقى الحب قائما ًلدى الشعراء والأدباء حتى تناقلوه من جيل إلى آخر عبر قصائدهم التي  ظلت عالقة في أذهان الكثير من محبي الشعر، وهو ركيزتهم الأساسية الحياتية التي أكدت وجودهم الإنساني والمعرفي بين التجمعات التي عاشوا بينها وانحدروا منها، وهنا نقول فموضوعة الحب التي إنطلق منها "العلي" لم تكن حكرا على عمر بن أبي ربيعة أو وجميل بثينة أو نزار قباني وغيرهم .

كيف؟

أحتويك عصفورة

في الروحِ لا تغادرني

 يا رجفة أبدية تلامس عظامي

حد النخاع ص58 .

ويبقى تناوله من خلال  قصائده حيث يمكن للقصيدة الواحدة أن تتناول أكثر من موضوع واحد وهذا ما وجدته في ديوان الشاعر "العلي" وثيمة " الحب" التي كررها لعدة مرات وجدتها في هذا الديوان، وهو يسير على طريقة من سبقوه ومهدوا له أو غيره  من الشعراء، لأن أغلب من سبقوه راكموا نتاجهم  و ترجموا شعرهم بقضايا مهمة ملاصقة لهموم الناس ومن المهم أن يكون الشاعر صاحب قضية، فالشاعر "العلي" أراد التعبير عن ذاته المتميزة و الطافحة بهذا الحب في كل ما نظمه من قصائد في هذا الديوان الذي سماه " فوانيس عتيقة " وهو من القطع المتوسط وصدرعن دار نشر مؤسسة ثائر العصامي -بغداد ويقع في 75 صفحة من القطع المتوسط،فقصائده التي كتبها ظلت شذرات موحية في باله وما يشده دائما إلى همه الأساسي،فالشاعر مؤثر في وسطه عبر قصيدته من أجل التأثير على واقعه المزدحم باليومي، وهو يختلف عن الكثير من الذين انتموا إلى ايدلوجيات شكلت عبئاً كبيرا ًعلى سجلهم الشعري وأدختلهم في قائمة  الإبتعاد عن المواثيق الأدبية والإنسانية .

 فتعالي أقبلك وسط الركام

وسط الزحام

على كومة رماد لوحشة حرب ص61  .

وانطلاقا من فلسفتهم العميقة والمتجذرة التي أكدوها في كتبهم والتي أصدروها عبر الأزمان والعصور،والتي جعلت الشاعر "العلي" ملتزما ً بكينونته والتعبير عنها عبر تطلعاته تجاه العالم بأسره  وهذا ماتشهده قصائده لنا،  وهو يرسم  عبر عاطفته وحالته الوجدانية التي  يعكسها الشاعر، وهو بهذا يتدفق في وجدان القارئ بيسر وسهولة، ولو كان هناك ماكنة اعلامية تسّوقه إلى القارئ كما غيره من الذين سبقوه أو عاصروه، وكما قيل سابقاً " ومن الحب ما قتل " لهذا كان الحب وما يزال مغروسا في فلسفة الكثير من المبدعين  الذين تواصل معهم " العلي " وسار على طريقهم رغم الكثير من المنغصات الحياتية التي لاحقتهم في حياتهم  وهو واحد منهم، هذا العوز، والفقر، والاضطهاد، والظلم،لكنهم استطاعوا بروح الدعابة أو التأمل يكونوا مصدر إلهام لكثير من المبدعين .

يقول " ابن عربي " أدين بدين الحب أني توجهت ركائبه، فالحب ديني وإيماني  "

 فكانت القصائد القصيرة  التي كتبها "العلي" في هذا الديوان الشائك والذي يحمل عدة معان وإيحاءات،  تسير وفق فلسفة بلاغية تهفو لقلة اللفظ من حيث إتساع المعنى  "الدلالة" وفيها الإشارة والإلماحة والرمز.يقول

صرت ُ

 أبحث ُ عن قبلة آدم

والأهواء

ريثما يدنو ريح التثاؤب

يحملُها بتأن

إلى ضفة نائمة تتكور للعبور ص67 .

ولو افترضنا أن الشعراء غيروا مسارهم الفكري والفلسفي واتجهوا إلى البغض والكره ! فماذا نريد أن نقول عنهم، وأين نضعهم، وفي أي خانة، وتلك هي الطامة الكبرى هل نسير وراءهم ونحفظ ما يكتبون من قصائد تحرك فينا الكثير من مشاعر البغض والكره،مما يفسد كينونة هذا الشاعر أو ذاك، أذن لابد للشاعر من نص يحسم فيه رؤيته للذات وعلاقاتها مع الآخرين .

أنا المتوزع دوماً

بين موتي

وحبي

وارتجافي ص58 .

فهو بالتالي وأقصد الشاعر " العلي"  فهو شريك عام، يرسم لنا العديد من الخطوط في حياتنا التي هي " الكل يبحث عن نصفه " حيث جسد فلسفته كما صاغها الأوائل هي " محبة الحكمة " ولهذا جاءت الكثير من قصائده تنطوي على الحب في ثناياها، وهذا ما أراد قوله " وإن تكون في حالة حب يعني أنك في حالة تأمل التفكير" وهنا يقصد وهو يسبر أغوار قصائده التي لامست كينوته ذهنيا وهو يروم إخراجها إلى العلن  بقوله "  نحن متحررون من أي استلاب " ليضع إلينا أحكاما جدلية لها قوانينها التي رسمها عبر قصائده اللاذاعة لهذا الكم الهائل من البشر . يقول 

أنغام المطر

على زجاج الشباك

ربما هي تلك

تفاصيل القصيدة ص64 .

و"العلي" يقتنص الجوهر والتقاط فكرته المكتنزة التي تحوي الحكمة، وتظهر في قصائده جودة الحبك وإتقان الصنعة، والصورة البكر، ولا يفوتنا أن الإيقاع المتناغم الذي استخدمه الشاعر "العلي" في الكثير من القصائد لدليل وعيه الذي رسمه في كتابة قصيدته التي إنطلق منها، والذي يتابع هذا الشاعر يجد الكثافة الموحية والمعنى الذهني في لمحة واحدة .فالكثافة الشعورية والجمالية في هذه القصائد القصار هي ما يميزها لعناصر النص الشعري  الذي إنطلق منها، ولهذا نقول هكذا قصائد تجمع بين الفائدة والمتعة وهما أساسيان في العملية الإبداعية،

على زهرة ٍ ترقد ُ

فوق الطاولة

أيهما يوقظ ُ عطرها

في الفضاء ؟!ص14 .

يقول عنه الناقد "يوسف عبود جويعد" بالرغم من وجود قصائد قصيرة ولكن لها أكثر من وجه وأكثر من زاوية نظر، ويمكن للمقطع أن يمنحنا وحدة موضوع لوحده، وللقصيدة وحدة موضوعها، وسوف نكتشف من خلال متابعتنا لهذه المجموعة " ولهذا كانت له إلتقطات يومية مفعمة بالحب يلتقطها الخيال بيراعة فائقة ويعقد أواصر وثيقة ومنطقية تهز القارئ و بغرابتها وما فيها من عنصر مفاجأة .يقول

الزوال يأتي سريعا ً

غارقاً بالمعنى

وبشكل الوردة ِص 17

***

قاسم ماضي - ديترويت  .

 

حيدر عاشورقصائد تنفَّستْ روح  الشاعر علي الشاهر

المفرح في أن تجدّ ابداعاً يستحق القراءة، رغم هذا الكم الهائل من الاصدارات. والمأساة في أن تصغي وتضع الشمع على أذنيك، وتلبس نظارة سوداء حول الاخوانيات، والمصالح التي تقتضي ان ترفع الغث، وتترك السمين.. على الرغم مما احرزه المثقف –الشاب- العراقي من تقدم هائل في حقول مختلفة، خاصة بالنسبة للعلاقات والمفاهيم، لذا ينطبع الجيل الحاضر، الى حدٍ ما بالشك والحيرة والغرابة، والإخلاص في المسيرة الإبداعية وعكسها. أغلب النقاد المحليين وغيرهم يحذروننا من التأثر بالأهواء الشخصية أو الميل الفئوي أو التحزب على أنواع مشاربه. اذ يروا  أن السبيل الى النقد النزيه هو انتهاج ما أسموه " التقدير الحقيقي" وهي وسيلة تساعد على اكتشاف أي أنواع الشعر تندرج تحت طبقة الشعر الممتاز حقاً. هذه الوسيلة هي أن نتمثل في اذهاننا دائماً بضعة أبيات وتعبيرات لفحول الشعراء ونستخدمها كمحك لقياس قوة الشعر. ولكن على الرغم من هذه الوسيلة هناك تذوق خاص ودراية فطرية للجمال والاستحسان والرفض. إن أي متذوق للقراءة، متفتح الذّهن لا يفكر في عمق العروض والمقطعية الشّعرية.

 إن الفكرة لدى كاتب الشعر لا توجه لغة الخارج، فالشاعر نفسه شبيه بلغة جديدة تبني نفسها، وتبتكر لِنفسها وسائل تعبيرية وتتنوع حسب معناها الخاص. هنا ما نسمّيه شعراً ليس سوى فرع من الادب الذي تتأكد فيه الاستقلالية في أبهى صورها. فالكثير من المتذوقين للشعر الحديث لا يعتبرون القصيدة شعراً ما لم يكن بها أنين وحكمة أو استغاثة، لذلك واحد من أصعب الأمور في كتابة الشعر هو أن يعرف المرء ما هو موضوعه؟!. إن جلّ الناس يعرفون ولا يكتبون الشعر لأنهم واعون جداً للفكرة.. وبعبارة أخرى أكثر تحديداً وسيولة، إن القصيدة هي التي تخبر الشاعر بم يفكر وليس العكس !.

عالم الشاهر حول (خالٌ في خدّ السماء)

من هنا يمكن الدخول الى عالم المجموعة الشعرية الاولى (خالٌ في خدّ السماء) للشاعر والصحفي والاعلامي (علي الشاهر)، الصادرة عن دار الفؤاد عام 2018، فالمجموعة تأسر وتجذب المتلقي من السطر الاولى حتى أخر المجموعة.. قرأتها بشغف متلقي وحاولتُ أن أصل الى الغاية والهدف لهذه التجربة الناضجة، فوجدُ أن الشاعر كان مصراً على عدم الوقوع في البسيط، بل كان موفقاً بموهبته اللغوية الرصينة فصاغها بلغة راقية وموفّقة. 

 اذ أرى أن ممهدة "الشاهر"، لن تنحصر في التعابير البراقة والاساليب المنمقة، بل أنها تتركز بالأمور الخاصة حيث تتجلى براعته في صياغتها ومزجها لتخلد في صورها الشعرية ذاكرته في الايام الصعبة التي لا يمكن نسيانها بسهولة. فالشعر في نظره تخليد وتركيز لا استرجاع، ومن هذا التخليد والتركيز تنبع الخصائص العديدة والفروع المتصلة في -زمكانية- نضوجه كانسان بخبرات متشعبة هي موضوعة ثيمة نصوصه الملتحمة، والتي تنم عن التحام الشعور باللاشعور ومزجهما بالوجدان الصادق المعبر عن حسه الانساني بفكرٍ عميق. علما أن الشعر نفسه يكفل أن يصبح لغة "انسانية" تماماً بصرف النظر عما اذا كان الشاعر يحاول أن يعكس داخلهُ الى خارجهِ، وهذا النوع من الشعر قد وصف بأنه شعر "مجرد" و"ملموس" على حد سواء.. ولأول مرة أقرأ مجموعة شعرية من الغلاف الى الغلاف بدون أمتعاض من كيانها.

2226 علي الشاهرالشاعر "الشاهر" شاعر يحفل عمقه بالعائلة والاماكن والاشياء التي عشقها في حياته وتركت اثارها في صميم مشاعرهِ، وهو استغراق نشيطاً قائماً على التبادل بين الواقع الملموس بالخارج، وخيال المفعم بالمستقبل. وقد كتب قصيدته الاولى (أمي) بإحساس ولادة شاعر، ينتقل بصورها بفنية أدبية خفية لا بذاكرة مكشوفة بين الحاضر والماضي، موحيٌ بالهوة التي أصبحت تفصل بين الشاعر واسرار بيئته. فالاستنتاج لمطلع القصيدة..

 /أميّ قبعةٌ ناضجةٌ / وأبي صوفيٌ ساحرْ/ أوشك أن يخرجني ربّاً / فاخترتُ بأن يأتي الشاعرْ!/ ..

الابيات عوملت على أنها نوع من البيان الخاص بالشاهر، كأنه يعلن أنه خرج شاعر رغم أماني الأبوين أن يربانهُ كانسان يشبه الملائكة قريب من الله بل هو صورة من صور جمال الله في الارض. هناك سر في هذه الابيات، سراً ما بين نضوج الأم وصوفية الاب الذي شبهه بالساحر، ربما لجمالهِ وخلقه، وربما انه صورة تشبه صورة الشاعر "الشاهر". في قصيدة (أمي) سحر الامومة والابوة وطفولة، فالجميع عاش الحرمان والخوف في زمن حرب تأكل الرجال كما تأكل النار الحطب، لكن الانتصار الحقيقي كان لصبر الأم في نتاج تربية مفعمة بالتألف. كما في نص "ملائكة الارض" هي قصيدة تحمل صور مكملة لقصيدة (أمي) بها ايجاز بلغة الشعر، فتوحي للمتذوق بالمشاعر المثالية، فيلمس مباشرة الحقيقة؛ والغاية من القصيدة، لا عن تعبير العاطفة فحسب، بل بواسطة أهم الصفات الاساسية التي تعد قوام العمل أسلوبه الشعري، التصور والخيال والانفعال والتعاطف وقوة الاحساس والقدرة على نقل الاحساس. والشعر الجيد له القدرة على تشكيل النفوس وتدعيمها بإدخال البهجة عليها أكثر من أي شيء آخر وهذا هو الشعر الجيد الذي ننشده، يجمع بتفاصيلهِ بين البساطة والعظمة..

 /"الدافئونَ حديثاً- الواثقون – الرائعون فماً، الواهبون دماً- السالكون طريقاً"/.

 تفصيل قصيدة "ملائكة الارض" يقول ان هذا العمل بدائي يمتاز بصفة شعرية لا ينكرها أحد وهي تستحق الاشارة اليها. وذائقتي تميل الى القول بأن بيتاً واحداً يكفي دليلاً على السحر الكامن في شعر "الشاهر" أن بيتاً كهذا / قانعونَ بأنَّ الحربَ نُزهتهمْ.. وخلفهمْ طاسةٌ بالماءِ ترتعشُ/... يتميز بأسلوب وحركة من رحم الحياة، صورة من التراث الانساني المحيط بنا، قل ما نجدها في الشعر الذي يتبع بحور الشعر في تنظيمه الادبي.

وفي قصيدة (جنّة الشعراء) انفلات روحي نحو التجلي في كل ما هو نعيم بالحياة، وما يراه " الشاهر" من حقيقة في وجه الخيال، ويرفض ما بالغيب من اسرار لا تعرف الا بالظن والتأويل والانتظار. فيقول:

/ فلا حزنٌ عليكَ ولا بكاءُ! .. كأنكَ لستَ من حمِاً وطينً.. وأنكَ في سجلِ الغيمِ ماءُ/..

صورة شعرية انسانية عالمية الفكر عميقة الوجود، تعتبر فكراً ملغوماً، بطاقةٍ فوق طاقة "الشاهر"، ويمكن القول أنها فوق طاقة أي شاعر في العراق في  مرحلة النمو والنضوج. لكن يجب قراءة (خالٌ في خدّ السماء) باعتباره قصائد عقل وشعر، أن نقرأ "الشاهر" على أنه شاعر مبدع وفيّ بأغراض رسالته ومهمته فان شعره شأن روحه المتعلقة بالعائلة وماضي وذكريات بكل عنفوانها حولها الى دهشة مثيرة للإعجاب.

- الشاعر والمدينة وقلبه العاشق

ويظل" علي الشاهر" في شعره ملاصقاً قريباً جداً من عمق مدينته التي عشقها بعنف، بعتباتها المقدسة بأرصفتها بمكان يذكره بحبه الاول، فيقول في قصيدة ( لعنة الحبّ) / أنا ما نسيتُ لأذكركْ/ قلبي هواكَ فصوّركْ/ .. ويختم / يا بن الهوى / ما أجملكْ / ما أعظمكْ/ ما أطهركْ/ .. والعجينة الشعرية الاولى لهذه الصور عذابات فقدان الاب مبكراً، وعلاقته بالمدينة المقدسة (كربلاء)، وهي المحفز الابداعي دائم الفاعلية للشاعر في كل نتاج (صحفي وأدبي).. وظل أبيه ومدينة (كربلاء) يرقدان على قارعة قلبه، ولا تزال المدينة عشقه، تحمل صوت أبيه، في أعلى قدر من التوتر الداخلي للمشهدية واللغة مجبولاً بالعذابات ومحكوماً بالسرد الشعري، لا الثرثرة، بل الشعر السردي الذي لا يؤتى به الا لبعض الملائكيين (القديسين)، ما يؤكد هذا الكلام في قصائد (الى أبي- قدس الله الشعر قبرهُ) و(ربُّ بلا سحرة)، و(السيدُ الهامش)، و( الى ابي .. او اب الانسانية)، و(ج.م)، وعلى هامش المنفى)، و(باحثا عنك في رأسي)، و(سخرية القدر)، و(صور متشظية)، و(احلام ليست للنوم)، فهنْ كتبنْ بلغة شعرية يكمن فيها جذر الغموض، يجتهد "الشاهر" في تقريبها من المتلقي من خلال قصيدة ( الى أبي.. أو أب الانسانية) ../ فداكَ عمّكْ!/ والعرشُ يمسحُ/ يتمكَ النبويّ/ ..

هذه الصورة الشعرية المكملة لما سبقها أو لحقها، تفرض قوة القصيدة، والمتطلع لنجاح الشعر الذي يتعلق في الذهن ويبقى موضع دراسة وفرضيات ورمزيات شعر يتطلب أكثر من مجرد استخدام الأفكار استخداماً قوياً من أجل ارضاء الاخرين بل يجب ان يكون قوياً من أجل الحياة، اذ ينبغي أن يتم هذا الاستخدام تحت الشروط التي حددتها قوانين الصدق الشعري والجمال الشعري.

- شهادة الشعر.. هوية الاتحاد

قد الجميع يشتركون معي في الاعتراف بقوة شعر "الشاهر" وحصوله على هوية الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين، وحدها شهادة عظيمة لشاعريته المميزة. لكن من يعرف "الشاهر" ماذا يخبئ وراء نصوصه؟!. الكثير من المتذوقين للشعر وحتى النقاد يخفقون في رؤية السر الذي تمكن فيه روح القوة الشعرية الكامنة في نفسه، ذلك انها اساساً تكمن في التهذيب والسمو اللذين يحدثهما في الاسلوب الرائع النادر وقد يحس البعض بهذا الاثر دون ان يقدر ان يعلل سببه تعليلاً واضحاً. فالسر يمكن في روح الشاعر الذي يحاول ان ينهل البعض من هذا الاثر بجمال؛ حين ننتقل الى قراءة  قصيدة (غناء القّصبْ)، وواضح من هذا الشعر أنْ الشاعر يقف وجهاً لوجه أمام عظمة بلاده من جنوب مترامي الاطراف وتاريخ واسع متخوم بالدم والجراح. ونجوم قصيدته أماكن وأشخاص وقف أمامها في حيرة بين حكاياتها وجمالها وعزيتها الى قلبه. ما الذي يفعله كانسان ليبقى ويؤكد ان هذه الاماكن هي كالأفلاك الدائرة منذ البدء..؟ لا تزول وكل ما حوله عزيز ومخلد دائم..؟! فيقول: /  ومن الجنوب الى الجنوب حكايةُ البلد الجريح/ .. بالجمالِ الى السفوح صلّت بروحي كربلاء/.. وللجنوب شذى الذبيحِ ..لناصرية ..للمسلّةِ/. فالطبيعة كما يراها تتولد غير عابئة بالزمان والمكان، تصنع مصيرها الخاص، يحدوها أمل البقاء والديمومة، وهي تحيا بكبرياء، وكتفت بذاتها وهي دائماً حرة تتخلص من رواسب ماضيها وتوقد مشاعل الحاضر وهموم المستقبل، فامتلكت ناصية الأبدية. وهذا ما يوجع الشاعر فيصرخ عالياً: /ها هُمُ إعزازُ روحي!.. إعزاز وحقَّ الله إعزازْ/.

كذلك في قصيدة (طاقائيل) نفس المعاناة والهموم، فهي امتداد لـ(غناء القصبْ)، ظل يلاحقه هاجس الامكنة والتاريخ يقول في مطلعها: / كأنّ باب الطاقِ..  حاضرةٌ تقهْقرَ عندها التأريخُ والتأويلُ/.

ويقلب طرفه في فضاءات كربلاء لعله يبصر ما يريحه من عقدة الخوف على تاريخ مشبع بالهموم والجزع والخسارات. فاذا نجوم سماء كربلاء تحدق فيها العيون بكماء فليس مصادفة ان يرسم صورة جنة لها: / وغاب هن قصد ابتعاد ليلُ ..يا باب حِطة كيف أطوقها ..أخاف على ظفائرها ..تفز ويجفلُ التقبيلُ! /.. فهل معنى ذلك أنه مؤمن بالمكان حين يخطو اليها بهذا الهاجس بقوله / يا باب ما طرقتْ بكف.. غير كفّ الامنيات ..اذا ما اسندت ظهري السنين لها .. وراح الحَيلُ!!/ .

ما يؤكد عشقه وصدقه الكربلائي قصيدة (همسةٌ في أذنِ الصباح) وهي ختام مجموعته.. تعتبر نظرة شعرية، تشبه أسلوبه الذي يعبر به عما يراه يجمع زمنين زمن الوفاء لكربلاء وأخر للعراق. هو ذا إذن زمنُ الوفاء.... لكربلاء / ويظل قبر الحسينِ السبط ينبوع الفداء/ ..  وهنا تخدمه رحابته وحريته بطريقة جميلة مثيرة للإعجاب يضيف فيها الدهاء والذكاء الى جانب الرقة والوداعة، حيث لا يخلو اسلوبه من العيوب والمثالب.. فمقطع الزمن الثاني: هو ذا زمن العراق / مبدعين وصانعين ومجاهدين وناصرين / مسلحين بكل اشكال الدعاء /.

من خلال القراءة والتفحص لهذه التجربة الشبابية وجدت أن " الشاهر الشاعر" يعيش هياماً في لغة الشعر وهوى شفافاً، ورهافة حسيه كان له رأيه في حياته ومجتمعه ووطنه من خلال الشعر حيث يفلسف ذلك في قصائد مختلفة منها (على هامش المنفى) و(احزان نصف الليل) و (سخرية القدر) و( أيها الغرق انت بريء) و(أثر الغياب) و(عرس) و(صور متشظية) و(أحلام ليست للنوم) و(باقة من دموع) و(كائن حزين).. في هذه القصائد ابطاله مقاتلون وعاشقون ومحرمون، كانوا يعيشون ويعبثون حالمين بوطن، يظهرون ويختبئون ويختفون وراء قصائدهم في قلب مكانهم. ورثاءه في (باقة من دموع) يؤكد ان كربلاء التي يجتهدون في ضمها الى صدورهم كما يضمون احشائهم.. منهم ترعرع بها وسافروا عنها، ورحلوا الى الابدية.. لكن بقيت آثارهم الابداعية / وذاك شاعرك الممتد أضرحة / على الفراتين بالنخلات مؤتِزرا / . هذا وفاء لامتداد الشاعر الراحل (هادي الربيعي) الذي اصبح بؤبؤ عين القصيدة الشاهرية.

أعتقد ان علي الشاهر حقق ذاتاً شعرية خاصة به، وان ما يميزه اعتماده على الالفاظ بقدر صراعها لتجاوز هذه الالفاظ واعتمادها علاقة باندماجه كشاعر وصحفي في التاريخ والمجتمع. وبعد هذه القراءة اترك المتذوق للشعر مع هذه المجموعة وقد توخيت ان اقدم اكثر القصائد وعلاقتها بالشاعر واقربها الى روحه. ينبغي الالتفات الى طاقة الشاهر الشعرية والاحتفاء به انسانا وشاعرا وصحفيا.

 

حيدر عاشور

 

 

عدنان حسين احمدتوظِّف الكاتبة وفاء عبدالرزّاق في روايتها الجديدة "تشرين" الصادرة عن دار "أفتار للطباعة والنشر" بالقاهرة اشتراطات المبنى الميتاسردي بواسطة تعالقها مع شخصيات دينية مثل عنان بن داوود، مؤسس حركة القرّائين اليهودية التي عارض فيها اليهود التلموديين في زمن الخليفة أبي جعفر المنصور. كما تستدعي الروائية شخصية دانيال، المثقف المؤمن بهذه الحركة الذي يصف نفسه بشكل واضح لا لَبِس فيه: "أنا قارئ وكاتب ومُولع بكتب الفلسفة والأديان، وصاحب فكر". ويستمر هذا التلاقح الميتاسردي ليشمل الآية 34 من "سورة النساء" وإن لم تُسمِّها صراحة نقتبس منها الآتي"... وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا، إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا". كما تورد حديثًا نبويًا يقول:"لقد كرّم اللهُ المرأةَ في القرآن الكريم بضربها". كما ينطوي النص الروائي على تلاقحات فكرية وثقافية متعددة مع أقوال بعض الكُتّاب والفلاسفة الذين أثْروا الأنساق السردية للرواية ومنحوها نكهة خاصة ومميزة.

على الرغم من كثرة الشخصيات في هذه الرواية وصعوبة الإحاطة بها كلها إلاّ أنّ هناك شخصيات رئيسة هيمنت على النص السردي مثل سلوان، وحبيبته سعدة، ودانيال، وفرقد، وملاك وما سواهم من شخصيات توزعت على مدار الرواية التي تمحورت هي الأخرى على ثيمات متعددة أبرزها انتفاضة تشرين، ومقارعة الأنظمة الدكتاتورية، ولصوصية الحُكام الجُدد الفاشلين الذين نهبوا ثروات الشعب العراقي، وحمّلوه بأعباء كبيرة قد لا يتخلّص منها بعد عقدين أو ثلاثة عقود من الزمان في أقل تقدير.

تتناول وفاء عبدالرزاق في ثيماتها الفرعية موضوعات كثيرة تبدأ بالحُب، وتمرّ بالخيانة الزوجية، وتنتهي بالانهيار الأخلاقي الذي أصاب شرائح محددة من المجتمع العراقي وهي تُلقي باللوم على السياسيين من مختلف القوميات والأديان والمذاهب، ولا تستثني أحدًا سواء أكانوا عربًا أم كوردًا، مسلمين أم مسيحيين، سُنّة أم شيعة، مثقفين أم جهلة، فالكل ينهش بجسد العراق، ونريده نحن، في خاتمة المطاف، أن ينهض مثل العنقاء من رماده ويعود قويًا ومعافى مثل سالف الأزمان التي كانت فيها بغداد عاصمة للخلافة الإسلامية، ومنارة للعلوم والفنون والآداب.

2219 رواية تشرين

شخصيات حيّة من لحمٍ ودم

تنجح وفاء في خلق شخصياتها الروائية الحيّة وتجعل القارئ يشعر بأنهم من لحم ودم؛ فشخصية سلوان يتعاطف معها القارئ لأنها ليست متعجرفة أو متعالية ولا تسكن برجًا عاجيًا وإنما تنبثق من البيئة الشعبية؛ فهو مثقف، وقارئ نهم، لا يفوته كتاب جديد، ولا تفلت من يده صحيفة يومية، والأهم من ذلك كله هو نَفَسَه الثوري المقارع للظلم والدكتاتورية. وحينما تنطفئ جذوة الوالد يشرع سلوان بالعمل ليلاً في محل خياطة، ويواصل دراسته صباحًا، ولا ينفكّ عن القراءة كلما وجد متسعًا من الوقت، فهو يحب الحياة، ولا يملُّ من الطموح الذي يحققهُ في الواقع وليس في الأحلام المجنّحة. يقع سلوان في الحُب في سنّ السادسة عشرة، ويتذوّق طعمه، ويتعرّف على الخدر اللذيذ الذي يسري في بدنه أول مرة حين "يلامس عباءة سعدة"! هذه الفتاة المنحدرة من أصول إيرانية التي أحبّها من أعماقه وتماهى بها، وسوف يكسبها إلى الحزب الشيوعي الذي انتمى إليه وهو في سن السابعة عشرة، وأصبح مسؤولاً عن مجلة تُعنى بالثقافة. وسوف يهرب من الجامعة لأنّ عيون العناصر الأمنية بدأت تلاحق الطلاب المنتمين إلى أحزاب أخرى غير الحزب القائد.

تُعدّ رواية "تشرين" نصًا عن أدب السجون في الحقبتين الدكتاتورية والمعاصرة، وسوف يتعرض العديد من الشخصيات للسجن، والتعذيب، والتصفيات الجسدية حيث كان الجلادون يضربونه على فمه، ويهشمون أسنانه، ويجبرونه على بلعها حتى يعترف بأسماء خليته ويخبرهم بخطتهم لإسقاط النظام. أمّا الآن فـ "نحن في بلد تتحكّم فيه عصابات برابرة". يُعتقل سلوان في الجامعة، ويتعرّض لمختلف أصناف التعذيب، ثم يُدرك أنّ أخاه سمير عبد الواحد مُلقىً في حاوية المشيمات حيث اقتاده أربعة من عناصر الأمن وزجّوه في السجن، وثمة طالب أشقر جميل اغتصبوه أمامهم لكي يهينوا رجولته أولاً، ويرهبوا السجناء الآخرين. ثم أجلسوه على خازوق اخترق أحشاءه وكان سببًا في وفاته. يخرج سلوان من السجن بعد أن يوقع تعهدًا بعدم القيام بأي عمل يضرُّ بالحزب القائد فيُصدم بخبر عن تسفير المواطنين من ذوي الأصول الإيرانية وبينهم سعدة فَحَزُن على فراقين؛ الأول فراق الحزب الشيوعي، والثاني على فراق سعدة ولا حلّ أمامه سوى أن يتزوجها كي ترعى مصالح أهلها. تفرّق الروائية بين الحُب الطاهر النقيّ، وبين الحاجات الجنسية التي كانت يشعر بها سلوان فتختلق له الأعذار إن مال لهذه الفتاة أو تلك المرأة لكي يأخذ وطرها منه. وإذا كان ذنب سلوان الوحيد في السابق هو مناوأة الدكتاتورية فإن جنايته الحالية هي التحريض من خلال كتاباته الصحفية على الثورة ضد النظام الفاشل ومليشياته العميلة التي تتلقى أوامرها من خارج الحدود.

تبدو حبكة هذه الرواية أضعف من سابقاتها بكثير ولولا تشريح الأطباء لجثة سلوان لما حافظت الرواية على نسق سردي مستقيم يصل بها إلى الجملة الختامية، فتارة يفتحون الصدر ويشرّحون القلب، وتارة أخرى يشرّحون القصبات الهوائية، وثالثة يعبثون بالرأس بمنشار كهربائي، ورابعة يمزّقون الكبد والطحال، وخامسة يشرّحون العمود الفقري، ثم يتتبعون الساقين والقدمين حتى يأتوا على أعضاء الجسد برمتها. وغالبًا ما يرتبط تشريح هذه الأعضاء الجسدية بالحبيبة سعدة التي عشقت فيه كل شيء فهي التي سكنت في قلبه، وأقامت في حدقتي عينيه، وطبعت القبلات على شفتيه وجبينه، ونامت على صدره، وتشابكت أصابعها بأصابعه حتى تماهى الجسدان بجسد واحد.

تقنية الأحداث المتجزِّئة

وبما أنّ الرواية تفتقر إلى البنية المتضّامة المتماسكة فلقد لجأت الكاتبة إلى الأحداث المتجزّئة التي تُوصل بعضها بعضًا، فما إن يفتر دور سلوان ويتلاشى دور سعدة الفعلي بعد أن تتحوّل إلى ذكرى عاطفية جميلة حتى تبرز إلى السطح شخصيات جديدة، بعضها رئيسي مثل دانيال، وبعضها الآخر ثانوي يساعد في إثراء النسق السردي مثل ملاك، وقيس، وسامي، وفرقد، وثورة، ورحاب، وزينب، ونبهان، وثنوة، وشخص مثلي وآخر من الجنس الثالث وغيرهم الكثير.

ورغم أنّ دانيال قد تمّ استدعاءه من الماضي التليد الذي يعود إلى زمن أبي جعفر المنصور إلاّ أنه كان يتحرك في المسار السردي وكأنه حاضر معهم، يشارك المنتفضين انتفاضتهم الجبارة ولكنه كان يبدو وكأنه قادم من كوكب آخر في بعض الأحايين فهو لم يسمع بابن ثنوة، ولماذا أُطلقت عليه هذه التسمية، الأمر الذي يتيح لنا، نحن المُتلقّين، أن نعرف حكاية الشهيد الأول في هذه الانتفاضة، ونلمّ بقصة حياته، ونُحاط علمًا بطموحاته وأحلامه الشخصية، فقد كان شاعرًا ورسّامًا مُحبًا لوطنه، يسكن في حيّ جميلة، ويعمل حمّالاً في علوتها، ويواصل دراسته الجامعية في الوقت ذاته، واسمه الحقيقي "صفاء السراي"، ورغم أنه غادرنا بجسده لكنّ روحه ماتزال تحوم فوق ساحة التحرير، وقلعة المطعم التركي، وجسور بغداد التي شهدت العديد من المواجهات بين المنتفضين والقوات الحكومية التي كانت تتفرج على الطرف الثالث وهو يفتك بالشباب الثائرين الذي يبحثون عن وطن لا تُنتهك سيادته من قبل إيران أو أمريكا أو أي دولة مجاورة.

يشترك بطلا هذه الرواية بأنهما قد ذاقا مرارة السجن، وتعرّضا لمختلف أنوع التعذيب، فسلوان تمّ تحويلة إلى مادة تعليمية حينما بالغوا في تشريحه جثته ولم يتركوا عضوًا من دون أن يفتحوه بما في ذلك عضوه الذكريّ. أمّا دنيال الذي لُفقت له تهمة الزندقة، واتهموه بالزنى فقبضت عليه الشرطة، وشدّوا وثاقه، وطافوا به في شوارع المدينة لكنه لم ينكسر لأنه كان مؤمنًا بأفكار عنان بن داود، وأنه يمثّل اليهود الحقيقيين الذين يؤمنون بالسيد المسيح. يتواصل حصول دانيال مع الصبي الصغير فرقد، ويترددا على ساحات التظاهر، ويلتقي بأناس متعددين من بينهم رجل طاعن في السن يتهم اليهود بأنهم وراء إحراق المكتبة العامة، وسرقة كل ما يتعلق باليهود الأسرى في بابل. كما يلتقي بشخصيات أخرى يحبها ويتفاعل معها، بل أن بعضها مثل "ثورة" كانت تتمنى الزواج به لكنه كان يعتذر لأسباب خاصة لم يبح بها حتى لسلوان الذي يعدّه أقرب الناس إليه وشريكه في تلك الغرفة المظلمة. ظل دانيال متخفيًا لا يفصح عن ديانته حتى عندما عمل مزارعًا وخادمًا عند التاجر الكبير نبهان الذي أرسله ذات مرة إلى البصرة ليستقبل ضيفًا ثريًا من الهند، وحينما وصل المهراجا وعائلته اكتشف ثراءهم الفاحش من الهدايا الثيمنة التي جلبوها معهم، ومن الحُلي والاساور الذهبية التي تتزين بها زوجته وابنتيه. كانت البنت الكبرى تميل لدانيال كلما نظرت إليه فهي في ميعة الصبا وقد بلغت العشرين من عمرها بينما شارف هو على التاسعة والثلاثين لكن صدمته كانت كبيرة حين سمع من سيده أنها خطيبة ابنه. كما يلتقي بالطفل فرقد ويتعلق فيه لكنه يسلّمه في النهاية إلى "ثورة" ويوصيها به خيرًا.

خطورة التوثيق الشامل

تسعى وفاء عبدالرزّاق في هذه الرواية إلى احتواء كل القصص، والظواهر، والمواقف الشاذة التي طرأت على المجتمع العراقي. وعلى الرغم من أهمية هذا المسعى إلاّ أنّ النص الروائي ليس توثيقًا لكل ما يجري على أرض الواقع مثل قصة ملاك، طالب الطب الوحيد لأبيه الطبيب، وأمه مُدرّسة التاريخ حيث عمل حاث سير، واخترق زجاج السيارة عينيه، ودخل في غيبوبة، علمًا بأن والده، طبيب التجميل المعروف الخاص بأسرة وزير كان يخصي معارضيه من الأحزاب الأخرى ويرميهم في الخلاء لكي تلتهمهم الذئاب. أو قصة رحاب التي نصبت على شابين قطّعا أحشاء بعضهما بعضًا بالسكاكين، أو قصة المرأة التي رأيناها على شاشات التلفزة وهي توزّع المناديل الورقية على المتظاهرين، أو خبر حرق وتدمير مقرات الأحزاب السياسية في ذي قار وغيرها من المحافظات الجنوبية التي ترفض التبعية لأي دولة مجاورة للعراق، أو الحديث عن زواج المتعة العابرة أو انتهاك شرف الأطفال من قبل أناس محسوبين على رجال الدين، أو قصة العصابة المسلّحة التي دخلت منزل الدكتور أشرف هو وزوجته وابنتيه وما إلى ذلك. وعلى الرغم من هذه الهنوات التي أخلّت بالبنية السردية وأثقلت كاهلها بمعطيات قصصية وحكائية وخبرية لم تنفع الثيمة الرئيسة، ولم تغذّي الثيمات الفرعية إلاّ أن الفضاء العام للرواية لم يهتز لأنها تداركت الموقف حين وزّعت دوريّ البطولة على سلوان ودانيال اللذين ظلاّ حاضرَين في متن النص السردي ولم يغيبا عنه كليًا بسبب اعتمادهما على ثنائية التجلّي والخفاء التي نجحت فيها الروائية وفاء عبدالرزّاق ووظّفتها ضمن تقنية ميتاسردية تستحق الإشادة والتقدير. أصدرت وفاء عبدالرزاق 11 رواية حتى الآن من بينها "بيت في مدينة الانتظار"، "السماء تعود إلى أهلها"، "أقصى الجنون الفراغ يهذي"و "عشر صلوات للجسد".

 

عدنان حسين أحمد