عيسى الحلو يؤكد شياخته لأدب الحداثة وما بعد الحداثة في السودان

من أصدق وأبلغ الأحكام النقدية في الأدب العربي ما صدر عن جرير حول الأخطل الذي كان قد وقف مع الفرزدق ضده والاثنان يخوضان غمار نقائضهما الموجعة والممتعة. قال جرير ذلك وقد تعرض لهجاء الأخطل فجاراه وهجاه ومن وقف معهما، أي الفرزدق والأخطل، ملحقاً بهم قدر طاقته على الإيذاء كما جاء في قوله عن الأخطل: " والتغلبي إذا تنحنح للقرى.. حك استه وتمثل الأمثالا"، وقوله: "أعددت للشعراء سماً ناقعاً وسقيت آخرهم بكأس الأول/ لما وضعت على الفرزدق ميسمي وصغى البعيث جدعت أنف الأخطل."  ومع ظن جرير أنه قد جدع أنف الأخطل، عاد ليضع ذلك الزعم في إطاره الصحيح فقال: "أدركت الأخطل وله ناب واحد ولو أدركت له نابين لأكلني." وأنا قد أدركت عيسى الحلو وله ناب واحد. ومع هذا فهو لا يزال قادراً على تضريجي بالدم إن تجاوزت ما يبيحه النقد. أقول هذا وأنا أعلم بأنه يعلم أنني لن أنوي عليه تجاوزاً أو ابتغي عليه تطاولاً. فبالإضافة إلى أستاذية لا أغمطها حقها، يجمعني وإياه الكثير من الود، وتصلني منه دائماً نفحات التقدير. ولكن هذا الود والتقدير لن يمنعاني من أن اتناول بصرامة ايجابيات وسلبيات روايته الأخيرة "نسيان ما لم يحدث" (دار مدارك 2020)، وذلك لعلمي أنه لن يرضى مني غير ذلك. فعيسى الحلو قضى عمراً في النقد يكتبه ويعلمه، ولذا لن يرضى أن يغُض النقد الطرف عن أي ضعفٍ يعتري، أو يظن أنه يعتري، سرداً له.

إن طبيعة الحياة تقول إن عيسى الحلو يدخل مرحلة متقدمة، ولكن ليست أخيرة، من مراحل إبداعه الكتابي الذي أرجو أن يتواصل ليثري الساحة الأدبية بقصصه ورواياته ومساهماته النقدية. ولهذا فأنا بعيد هنا كل البعد عن محاولة الإيحاء له بأن يهدأ لكي يستمتع بما حقق وأنجز. فالتوقف أو التمهل أو المضي قدماً مع تقدم العمر أمر يقرره المبدع الذي يدرك أن التقدم في السن قد يعطيه أفضلية في الجلوس في الحافلات، لكنه لن يمنحه رخصة من النقد. ومع هذا ما أعظم السياب عندما يقول متحدثاً عن نفسه كشاعرٍ، ومتحسراً على اضمحلال قدرته "كمغني":

هرم المغني فاسمعوه برغم ذلك تسعدوه

ولتوهموه بأن من أبد شبابا من لحون

وهوى ترقرق مقلتاه له و ينفح منه فوه

هو مائت أفتبخلون

عليه حتى بالحطام من الأزاهر و الغصون

أصغوا إليه لتسمعوه

يرثي الشباب و لا كلام سوى نشيج بالعيون

سلم على إذا مررت

أتى و سلّم صدّقوه

هرم المغنّي فارحموه

إن روعة "هرِم المغني" تأتي من هذه المفارقة Paradox الكامنة في أن الشاعر الذي "يدعي" أن الهرم قد لحق به، وأن معينه قد نضب، يعبر عن ذلك النضوب بهذه الشاعرية الفياضة التي تتدفق وهي تصدح. ومفارقة أخرى ذات صلة هي أن عيسى الحلو رغم تقدم العمر لم يلحقه الهرم بعد، ولم يقنعه كر السنين بالركون إلى دعة المألوف والابتعاد عن مخاطر التجريب.

ولهذا فمن الأرجح أن "نسيان ما لم يحدث" لن تكون "أغنية البجعة" Swan Song بالنسبة لعيسى الحلو بالمعنى الذي يتردد ضمن موروثات الثقافات الغربية وتعبيراتها الأدبية والفنية وحتى الرياضية، والتي تعتقد وفقاً لما تزعمه أساطيرها أن البجعة التي تظل صامتة طيلة حياتها - ما عدا ما تصدره من هسهسات وهي تغازل شريكها - لا تغني، وتظل كذلك حتى تصدح بالأغنية التي تودع بها الحياة. من المؤكد أن ذلك الزعم هو حديث خرافة، ولكن تلك الخرافة تظل مجازاً تتم الاستعانة به عندما يقرر المبدع/المؤدي حلول ساعة الرحيل. ومع ضعيف احتمال، وأيضاً كبير عدم احتمال، أن تكون "نسيان ما لم يحدث" أغنية بجعة لعيسى الحلو، أشعر أنها في تمام شكلها تعبر عن رمزية Allegory مستترة ذات دلالات بالنسة للمؤلف الذي قد يتوقع البعض منه الآن توخي الحذر فيما يقول وفيما يفعل، ولكن عيسى الحلو الذي يقدر نفسه حق قدرها لن يتوخى حذراً ولن ينشد سلامة.

وطوال تاريخ الأدب هنالك دائماً، في مكان ما في زمان ما، من يشعرنا بتميزه وتفرده وخصوصيته. ولعيسى الحلو خصوصيته المتميزة التي تدفعني دفعاً لاستدعاء ما قاله الشاعر والقاص والروائي والمسرحي الأيرلندي برندان بيهان في إحدى نوبات غضبه على النقاد: "النقاد كالخصيان في الحريم: يعرفون كيف يُفعل الشيئ لأنهم يرونه يحدث كل يوم، ولكنهم لا يستطيعون أن يفعلوه بأنفسهم." والشاهد هنا هو أن عيسى الحلو، بحكم  أنه قاص وروائي، إضافة إلى كونه ناقد، لا يندرج ضمن زمرة "الخصيان"، إذ أنه قادر على فعل ما ينصحك بفعله، وكذا بما ينصحك بعدم فعله. وبسبب هذه "الفحولة" فإن مجرد إطلاله على الساحة يقود للحديث عن النقد الأدبي السوداني الذي يعاني، أكثر من أي شيئ آخر، من الابتسار، والذي هو في بعض معانيه،  طلب الشيئ في غير موضعه. ومظاهر الابتسار قد تتبدى متفرقة، وقد تتضافر مجتمعة لتجسد نمطاً من النقد الكسول والعقيم.

وعيسى الحلو، والحق يقال، برئ من ذلك براءة الذئب من دم ابن يعقوب. وستكون لي قبل نهاية هذه القراءة عودة إلى ذلك الذئب وإلى تلك البراءة. وحتى حينها أقول إنني وجدت أن الحلو، على الرغم  من ولعه الواضح بالفلسفة الوجودية وبالمفكرين الوجوديين، كثيراً ما يشير في كتاباته النقدية والمقابلات التي يتحدث فيها عن أعماله أو عن أعمال الآخرين إلى "نظرية الرواية". وعند قراءة "نسيان ما لم يحدث" وجدتني أمام سؤال لماذا يحتفي الناقد بمدخل للرواية لا يأبه به كمبدع، ولا يسعى للاسترشاد به كروائي؟ قد تكمن الإجابة هنا في نصيحة افعل ما أقول، ولا تفعل ما أفعل. أما في إطار الرواية فقد تكون في أن قراءة نظرية ما مثل "نظرية الرواية" لن تساعد المؤلف المخضرم أو المبتدئ على تجويد كتابة الرواية، ولكنها قد تساعد  القارئ الحصيف على حذق فن قراءته لها. أقول هذا مع تسليمي الكامل بأن عيسى الحلو ليس مطالباً بالانضياع إلى مرعيات "نظرية الرواية"، وإن كانت بعض عناصرها لا تزال تمثل مرجعية أساسية تنطلق منها، قبولاً أو رفضا،ً تنويعات السرد وتجلياته. ومن المدهش أن السرد في "نسيان ما لم يحدث" يقول: "وقد كان أمين في سرده للحكاية يحاكي الحيل الذكية في تلك الحبكات القوية في السرديات الأسطورية والقصائد الملحمية الكبرى. وكان النقاش بين الأصدقاء يحتد حول السرديات المهمة على طول مجرى التاريخ الإنساني.. تلك الحيل التي تجيء عند الكبار.. كافكا.. وفيرجل وهوميروس وهيمنجواي وبورخيس." (ص 18)، ولكن عيسى الحلو لا يحاول هنا أياً من تلك الحيل، ولكن له في جعبته، كما سنرى لاحقاً، حيلاً أخرى. وهذه الحيل وإن لم تأت مباشرة من "نظرية الرواية" فقد أتت من اجتهادات ذات صلة بها.

ويدرك عيسى الحلو أنه على الرغم من أن الكثيرين كتبوا عن "نظرية الرواية"، إلا أن أعظم الدراسات التي عملت على تحليل الرواية ووضعها في إطارها التاريخي والسياسي والاجتماعي تظل هي دراسة جورج لوكاش "نظرية الرواية" “Theory of the Novel” التي كتبها في 1915، والتي يقول فيها أن الرواية منحت أهمية غير مسبوقة لقصص الناس العاديين حيث تسمح للقراء بالدخول من غير استئذان إلى حيواتهم ليتعرفوا عليهم بعد اقتحامهم لدنياواتهم. وبعد عشرة سنوات من كتابة لوكاش دراسته بالغة التأثير، انطلق دي إتش لورنس في سلسلة من الكتابات عن الرواية تأتي في مقدمتها مقالته "الرواية". وبطريقته المتفردة يؤكد لورنس أن الرواية هي أعلى أشكال التعبير الإنساني التي تمّ الوصول إليه.

وعند النظر إلى "نسيان ما لم يحدث"، وربما عند النظر إلى أي رواية، قد يكون من المفيد استدعاء تأسيس لوكاش لمفهومي الكلية Totality والنموذجية/العاديةTypicality  كالمحورين الذين يتخرك عليهما العمل الروائي. وللمزيد من التبصر يمكن أيضاً استحضار زعم  لورنس أن "مستقبل الرواية هو أن تأخذ مكان الأناجيل والفلسفات. والرواية الحالية كما نعرفها. يجب أن تكون لديها الشجاعة لمعالجة الأطروحات الجديدة دون اللجوء إلى التجريد. كما ستقدم لنا مشاعر جديدة ودفق جديد من العاطفة، والتي سنحصل عليها بعد الخروج من خِرق العاطفة القديمة." والرواية قادرة على أن "تعطينا الإنسان حياً" لأنها بشكل أساسي "غير قادرة" على المطلق so incapable of the absolute. ومن التبعات التي لا يستطيع السرد المنغمس في المطلق والضالع في التجريد التنصل عنها، التداخل، وربما حتى التطابق، بين صوتي الراوي والمؤلف. ولكل هذا الذي ذكرت انعكاساته، سلباً أو إيجاباً، وحضوراً أو غياباً، عند قراءة "نسيان ما لم يحدث".

وعيسى الحلو، حُكماً على اهتمامه بنظرية الرواية، يدرك ذلك جميعه، ومع هذا فإن "نسيان ما لم يحدث" مُغرِقة في التجريد، ومُوغِلة في المطلق، ولا تتعاطى الكليات، ولا تعترف بالنموذجي. وما أقوله هنا ليس أمراً مستنتجاً، وإنما هو اختيار متعمد تصرح به الرواية:

"في أغلب الأحيان.. أو ربما هو دائماً يكون التذكر هو إحضار قسري للغياب .. فأنت تعيد إحضار الماضي من بئر النسيان .. تحضر الفعل المنسي أخضر.. طازجاً ونضراً .. كما لو كان قد صنع للتو!.. وهذا ما يفعله الأدب الروائي الجيد البناء .. الرواية تحضر بزهو فائق هذا الماضي كما لو أنه يحدث في الحاضر والآن! .. هذه هي معجزة الأدب الروائي .. صناعة الماضي الذي ينهض بشكل باهر من موته الخاص ويدخل في دورات الحياة من جديد .. الرواية بعث لهذا الجمال الخالد والذي لا يموت أبداً.. وتلك هي خدعة الرواية ومعجزتها الجمالية الفائقة .." (ص 100)

وعيسى الحلو إذ يقول ذلك يعلم تماماً أنه غير مطالب بالانصياع لمتطلبات "نظرية الرواية" كما تشهد على ذلك أعماله الروائية. ولكني استحضر الذي قلته لاعتقادي أنه من الصعب أن نتعامل نقدياً مع الرواية دون أن نستحضر مواقف نقدية تتفق مع "نظرية الرواية" أو تختلف معها.

وبالإضافة إلى التنظير أعلاه، تتضمن الرواية إشارات مقتضبة إلى عدة روايات من بينها البؤساء) للفرنسي فكتور هوجو المكتوبة في أوائل القرن التاسع عشر (ص 107)، وكانت تقرأ للرجل الداخل في غيبوبة عميقة من كتاب (زوربا  اليوناني) (ص 118)، و(رباعية الإسكندرية) (ص 118) ورواية (مدام بوفاري) لفلوبير، و(الحنق) لشوقي بدري. كما أن هنالك اقتباس لمقولة ماكبث في مسرحية شكسبير التي تحمل نفس الاسم والتي جعلتها رواية فوكنر "الصخب والغضب" أكثر ذيوعاً واشتهاراً: (ما الحياة إلا رواية يرويها أبله. حكاية مليئة بالصخب والعنف.) (ص 96). ولكل من هذه الإشارات دلالته. ولكن الإشارة التي تحمل قدراً أكبر من الدلالات هي الإشارة إلى خورخي لويس بورخيس: "وهو نفس الحل الذي قدمه الأرجنتيني بورخيس في قصته الدخيلة. عندما اغتال أحد الأخوين التوأمين الحبيبة سراً لأنهما اكتشفا أنها أصبحت الآخر المدمر لعلاقتهما الأخوية .. فتحولت الحبيبة (الأنا) إلى الآخر العدو والدخيل .. هكذا جاء توصيف إيلين لاغتيال كل من جورجينا وسعدية."  (ص95)

ولكن العلاقة بين عيسى الحلو وبورخيس تتجاوز بكثير حدود هذه الإشارة العابرة. فالذي أراه أن الكاتب الذي يشبه عيسى الحلو، أو دعنا نقول الذي يشبهه عيسى الحلو، أكثر من غيره هو خورخي لويس بورخيس. فأوجه الشبه بينهما متعددة، ولافتة للنظر، وجديرة بأن تجذب إليها الاهتمام الجاد. وقد يثير هذا الزعم  دهشة البعض، وقد يقول قائلهم: تمهل يا رجل.. هل أنت مدرك لما تقول؟ وهل تدرك أن بورخيس، على الرغم من عدم حصوله على جائزة نوبل للآداب، يعتبر في رأي الكثيرين من الذين يعرفون الأدب جيداً أعظم كتاب القرن العشرين؟ وهل تدرك أن واحداً من أولئك الذين يعرفون الأدب جيداً، أدولفو بيوي كاساريس، قال "إن قراءة أي عمل من أعمال خورخي لويس بورخيس للمرة الأولى هو مثل اكتشاف حرف جديد في الأبجدية، أو نغمة جديدة في السلم الموسيقي." وأقول نعم إنني مدرك لذلك جميعه. ومع أني لا أستطيع أن أقول في الحلو ما قاله كاساريس في بورخيس، فمبقدوري أن أقول إن قراءة أي عمل لعيسى الحلو للمرة الأولى هو مثل تذوق تمرات الخريف الأولى في براري السودان التي يمتزج فيها المر بالحلو (والجناس هنا تام، ومقصود تماماً). وطعم المرارة أجده مراراً على طرف لساني وأنا أقرأ سرد "نسيان ما لم يحدث". ومبعثه أحياناً عدم إحكام عيسى الحلو السيطرة على الأسماء: فروجينا تصبح أحيانا جورجينا، وجون ماجوك يتحول سريعاً إلى جون دينق، والشامي إدوارد عطية يقف مكان خاله صمويل عطية، إذ أن إدوارد عطية الأكاديمي ومؤلف "الطليعي الأسود" لم يعمل بالمخابرات البريطانية. وحتى الشخصية المحورية أمين النوراني تتم الإشارة إليها أكثر من مرة على أنها الجيلاني. ولكن قد يكون هنالك تفسير لهذه "الأخطاء" كما سنرى لاحقاً.

وهنالك أشياء أخرى في الرواية قد يغلب فيها طعم المرارة على مذاق الحلاوة ونكهة الطلاوة، ومن بينها الترقيم. وعلى الرغم من أن الترقيم أمر مستحدث في اللغة العربية إلّا أنه يحمل فيها ذات الدلالات التي يحملها في اللغات الأخرى. وفي "نسيان ما لم يحدث" يستخدم عيسى الحلو من علامات الترقيم النقطة وعلامة الاستفهام وعلامة التعجب والأقواس، ويستخدم الفاصلة أربع مرات فقط، مع أنها، أي الفاصلة، علامة الترقيم الأكثر شيوعاً في جميع النصوص مع اختلاف مشاربها. ولكن الأمر لا يتوقف هنا إذ أن الحلو يُكثِر من استخدام علامة ترقيم لا وجود لها ضمن علامات الترقيم المعتمدة، ولا تحمل أي دلالة محددة، وهي النقطتان المتتابعتان (..). وإذا احتج عليّ أحدهم سائلاً: وهل لهذا أي أهمية في قراءة النص الروائي؟ عندها سأقول نعم، تماماً، ودون أدنى شك.

وعودة إلى أدولفو بيوي كاساريس نجده يصف كتابات بورخيس بأنها تربض عند "مكان في منتصف الطريق بين المقال والقصة." ومع أن هذا قد لا يكون الحال مع عدد من قصص و روايات عيسى الحلو، فإن "نسيان ما لم يحدث” تكاد أن تمضي في هذا على نهج بورخيس حذو الحافر بالحافر. والأمر قطعاً  ليس إتباعاً أومحاكاة، وإنما هو نتاج لعقليات متشابهة تستهويها الفكرة المستعصية فتسعى للإمساك بها والتعبير عنها عبر طرائق متعددة. كما أنه يتشكل أيضاً كاستجابة لإلحاح البحث المحموم المستعر والمستمر عن الحقائق الحياتية- الوجودية المرواغة. إن "نسيان ما لم يحدث" بورخيسية في احتشادها بالخيالات المتلاحقة، وبامتلائها بالطرف الذكية، واحتفائها بالتلميحات الخاصة، واهتمامها بالتعليقات الساخرة، وعدم تهيبها الإعادات المتكررة والاستطرادات التي تتلاحق لترمي بالسرد في خضم الشك والريب. و"نسيان ما لم يحدث" بورحيسية أيضاً في كونها سلسلة من الحكايات القصيرة التي تبتدئ فجأة وتنتهي كذلك. كما تنجح بمزاجها  البوليسي الغريب الذي لا يسعى لإماطة اللثام عن غموض الجرائم المرتكبة، في خلق مشاهد شديدة التعقيد:

"قال النوراني بشارة: إن الكلب يتبعنا. قال الابن (المزيف).. عليك بالتسلل إلى الخارج. ولنلتقي هتاك في المكان المعتاد! قال أمين النوراني من تحت العمامة التي تغطي فنه. إنهم يعرفون أننا لم نقتل روجينا ولا سعدية. نحن الطعم الذي ال ذي يوصل للجهة التي كشفت ارتباطهما بالمعرضة. وبعد قليل سمع رواد مقهى البان جديد طلقاً نارياً انفجر في كل جنبات ساحة السوق الكبير.. وكان الرجل الكبير يرفس برجله وهو مخضل بالدم كالثور الذبيح.. وما تزال تترد الطلقات في المكان مطاردة الأشباح السرية."

وفي تقديم ذكي للعمل يبادر الناشر قائلاً فيما أحسبه إجراء استباقي لإحتواء أي حكم متعجل على "نسيان ما لم يحدث" :

"هذه الرواية تشتغل في فضاء التجريب. في محاولة تتجاوزتقنيات وأشكال الكتابة الروائية التقاليدة الراسخة. واكنشاف طرائق سردية جديدة عن طريق الاختراع والمغامرة في المجهول.. وذلك لاكتشاف نص لديه قدرة أكبر في التعرف على الراهن والكشف عن الأزمنة القديمة والجديدة.. كتابة تتجاوز تسجيل الواقع.. وتفض غلاف الممكن والمحتمل لتكتشف الطريق السردي الذي يعبر عن عصرنا الراهن. ولهذا ليس المهم أن نكتب نصا روائيا جديدا وفق مخيلة لا تملك إلا تلك الأدوات القديمة والحيل القديمة التي لا توائم الواقع الجديد."

وهذا جهد نقدي يشكر عليه الناشر، ولكني لو كنت مكانه لأضفت إليه بضع فقرات من الرواية تنبه القارئ الذي لا يعرف عيسى الحلو أنه في حضرة فنان كبير يرسم باقتدار بفرشاة الكلمات:

"وأخذ  المساء يهبط في هدوء تدريجي. مالت الشمس نحو الأفق الغربي ممتلئة بالرحيق البرتقالي الذي أخذ ينتشر في الزرقة المتلاشية والتي تذوب في بطء في نسيج الضوء الخليط ما بين الحمرة الهاربة في حذر من خيوط العتمة الرمادية التي تتفتح في أكمام وردة الليل السوداء. وبعد يرهة اعتلى السائل البنفسجي النور الناتج من عناق النهار الآيل إلى الزوال بالهبوط  الرقيق والسخي لحضور الليل البهي. (ص 92)

كما يمضي الناشر ليقدم لنا العمل على أنه رواية. وسأقبل هذا التوصيف لأنني بشكل أساسي غير راغب في إقامة سرادق هنا لتلقي العزاء في وفاة المصطلحات في عالم الرواية العربية، ذلك لأنها لم تولد أصلاً حتى تموت. ولكن فقط من باب التنويه والتذكير فإن "نسيان ما لم يحدث" ليست رواية Novel وإنما هي Novella. والنوفيلا جنس سردي يقع بين الرواية والقصة، هذا مع الإقرار أنه ليس هنالك تعريف واضح متفق عليه لها. وكما يقول هاري اشتاينهاور في دراسته  "نحو تعريف للنوفيلا"  “Towards a Definition of the Novella” "لوقت طويل ظل موروث النقد الأدبي الضخم  يعاني لعدة أجيال في بحثه عن تعريف للنوفيلا، ولكن الجبل الذي ظل يتمخض طويلاً لم يلد فأرا بعد." ولكن القلة النسبية لعدد كلمات النوفيلا لا يعني قلة شأنها. فكما يقول اشتاينهاور "الطول لا يظهر لنا شيئاً عن جوهر العمل" لأنه لا يتجاوز أن يكون أمراً متعلقاً بالشكل. إذ أن جميع أنواع السرد تواجه ذات الهموم وتستخدم ذات التقنيات. ولعل من أجمل التعليقات حول النوفيلا هو ما جاد الشاعر والمسرحي والروائي الألماني جوته في رسالة لإيكرمان: "وفيما يتعلق بالنوفيلا هل هي شيئ آخر غير سرد لشيئ لم نسمع به قبلا؟" وإذا وافقنا على ما يقترحه جوته فلنغض الطرف لبعض الوقت غن طول "نسيان ما لم يحدث" ولنسأل ماهو الشيئ الذي لم نسمع به قبلاً الذي يسرده علينا عيسى الحلو في "روايته"؟

يسرد علينا عيسى الحلو في "نسيان ما لم يحدث"، ضمن ما يسرد، حكايات معقدة عن ابن وأب فارق العمر بينهما خمسة عشر سنة، وعن تواريخ للهزيمة، وعن عاهرات عاشقات، ونساء ذوات نزوع للغواية، وعن رجال شديدي الوسامة، وعن انقلابات عسكرية، وعن عهود ديمقراطية، وعن قصر للمرايا، وعن عاصمة مكونة من ثلاث مدن، وعن أحياء أم درمانية، وعن أسواق ومتاجر وجاليات، وعن مقاه ومواخير وحانات، وعن الأنا العميقة والآخر، وعن شعراء ومغنين وأغنيات، وحتى عن الانفجار العظيم لهذا الكوكب "الذي يراه أمين النوراني بأم عينيه" (ص 32). والرواية تحتشد بالعناوين اللافتة مثل "الزمن النسيان.. والكتابة البيضاء" و"الطفو فوق أنهار المدن التحتية" و"حرائق في التذكارات المخذلة" والتي تؤكد أن اجتراح العناوين أمرٌ يجيده عيسى الحلو تماماً. ومن بين تلك العناوين المدهشة بالطبع عنوان الرواية الذي يُذكر في تناقضه بعنوان مجموعة القصص التي نشرها مايكل بروشتاين تحت عنوان "أتذكر المستقبل" I Remember the Futureوالذي تبعته عدة كتب عملت على استغلال قدرة العنوان الغريب على الجذب ولفت الانتباه مكتفية بحذف حرف هنا، أو إضافة كلمة هناك.

تبدأ "نسيان ما لم يحدث" بكلمة "التيه"، ويغلب الظن أن أي مهتم حقيقي بالرواية ستدفعه كلمة التيه دفعاً لاستدعاء بورخيس، و"المتاهات" "Labyrinths" بشكل خاص. فالسرد يبدأ بأن  يقودنا إلى متاهة الوجود والهوية "ولكن من أنا؟ .. من أكون؟ .. ومن هو أمين النوراني؟ .. .. أهو أنا نفسي؟ ..أم هو أبي؟ .. .. من منا هو الأب؟ .. ومن هو الابن ؟ أم نحن الاثنان .. لا أحد!" (ص 7)، ولكنه لا يتركنا هناك، إذ أن يعود ملتفاً حول نفسه وحولنا ليقودنا إلى متاهات أخرى. متاهات مكانية وجغرافية وزمانية وتاريخية وفكرية وعاطفية  مصنوعة من التذكر والنسيان، وجميعها تتكون من بدايات لا تكتمل يقعدها عن التقدم تواطؤ "الذاكرة المثقوبة" و"النسيان.. (و) التناسي". ومع هذا يتقدم السرد مترنحاً وهو يدور في متاهات من الخيالات والأوهام والأكاذيب والأشواق والمخاوف و"الظنون والشكوك والأساطير والخرافة" (ص68).

ومن بين المتاهات التي نضيع  بداخلها زمناً في "نسيان ما لم يحدث" أحياء العاهرات، وأهمها حي جهنم، الذي في إخلاص كامل لمفهوم المتاهة، يكون مرة في الخرطوم (ص ) ومرة أخرى في أم درمان ( ص 37):

"وكانت الليالي المقمرة قد تحولت من الغزل العفوي إلى تجارة الجسد التي تركزت في حي الشهداء في أم درمان وفريق جهنم بالخرطوم.. وانتشرت بارات الخمور.. سانت جيمس وال جي.بي. والأوكروبول والليدو. وفي الصباح الباكر تجد الطوابير المتراصة أمام منازل العاهرات. وكان الريال التركي يوضع مقابل قضاء ربع ساعة مع إحداهن من العاملات في هذه المواخبر." (ص 20)

ومتاهة أخرى من الرواء والعطش، والجوع والشبع، والعشق والشبق، تمثلها روجينا رزق والتي نلتقيها أولا على هذا النحو:

"كانت (روجينا رزق) ذات جسد ممشوق.. ومشية خفيفة قافزة. وكانت ضفيرتاها المعقودتان خلف ظهرها تتموجان في مرح. والعيون تتابع خطوها القافز الراقص. ورثت البنت عن جدتها العينين الخضراوين كحبتي فيروز .. لهما لمعنان عميقتان تشرقان مع ابتسامة تدفعك لتذكر الأوقات السعيدة القديمة فتمتلئ بالأشواق والعزيمة لتجد ذلك الماضي السعيد. وهكذا منى النوراني نفسه .. أن ينال موعداً. فأخذ يتربص بها .. فكان يلتقي بها وجها لوجه كما لو كان ذلك مصادفة. هكذا أخذ النوراني يندس بين المارة، في طرقات السوق الكبير  حتى أوقع بها. ونال موعده الذي الذي كان توقعات ممكنة لأوقات مرحة قادمة. (ص20 ص-21)

ولكن السرد يعطينا رواية أخرى للعلاقة بين النوراني وروجينا: "لقد أحضر النوراني بشارة البنت روجينا من أحد أسواق الرقيق الأبيض في حي العرب غرب المدينة ودفع مبلغ عشرين قرشاً منقوشاً على ظهرها إسم البتشا التركي السلطان حسين الذي كان والياً من قبل استمبول في القاهرة." وكأن ذلك ليس كافياً إذ تأتي على أعقابه رواية ثالثة: "عهد برامبل بالبنت (روجينا) لإحدى الأسر الشامية الثرية فتعلمت ركوب الخيل والدرجة الهوائية واللغات والأدب وقواعد السلوك المتحضر." (ص 37)

وهنالك المتاهة الكبرى: متاهة التاريخ الذي هو هنا مرثية شخصية بالنسبة لعيسى الحلو: فهو حفيد صاحب الراية الخضراء، الخليفة علي ود حلو:

"ونزل أصحاب المهدي من ظهور الخيل .. وفرشوا الفوات على الأرض وأخذوا يصلون.. وفجأة حصدتهم رشاشات الجند!! ومع الأيام أصبحت أم دبيكرات مزاراً للثوار وأيقونة وأيقونة وذكرى عزيزة لوطن استلبه المستعمر الانجليزي والتركي والمصري. (والمنطقة) هي موطن  قبيلة دغيم التي ينتمي إليها الخليفة علي ود حلو الذي دفن مع الخليفة عبد الله التعايشي والصديق ابن المهدي. وهكذا انتهى ذلك العهد الوطني الزاهر بالتضحيات وغيب في غياهب التاريخ." (ص 42)

ومن بين كل المتاهات تظل متاهة النوراني وابنه ووالده أوفرها تعقيداً وأكثرها التفافاً وأشدها التواء:

"ولد أمين منذ مدة غير موثقة ومجهولة .. ولهذا تجيئ الروايات حوله وحول أبيه .. مؤلفة ومسرودة على طريقة الأساطير .. أحداث ممكنة ومحتملة .. يمكن تصديقها .. ولكنها أحيانا تغالي في خياليتها .. عندما تفترض أن الولد وأباه كانا قد عاشا في فترة المهدية وشهدا كرري .. ثم هزيمة ناصر في السويس .. شهدا اغتيال السادات .. شهدا الانقلابات العسكرية منذ عيود حتى الإنقاذ .. وشيعا الشيخ الترابي إلى مثواه الأخير .. كلها حكايات غير قابلة لأن تصدق! وكانا يعرفان ذلك!!" ( ص 24-25)

وعلى القارئ أيضاً أن يعرف ذلكً. فالراوي في "نسيان ما لم يحدث" غير موثوق به على الإطلاق، وله نزوع دائم لرواية حكايات غير قابلة للتصديق.

ويزيد من تعقيد المتاهة النورانية شيئان :أولهما عدم التمهيد وثانيهما توظيف فكرة Motif المزدوج Double. بالنسبة للأول هنالك مدخل حول العلاقة والاختلاف بين العمل الروائي والسيناريو السينمائي يشي بأن العمل الروائي يبتدئ مبكراً بينما يبتدئ السيناريو السينمائي متأخرا. أي أن العمل الروائي يحتمل المقدمات والتهيئة والتمهيد بينما لا يحتملها السيناريو. لكن السرد في "نسيان ما لم يحدث" يبتدئ متأخراً ليلقي بالقارئ مباشرة في لج المعضلة::

"كانت يدانا متشابكتين!.. كان كل منا يقبض على يد الآخر بقوة.. لا أحد منا يريد أن يترك الآخر. كنا نقاوم هذا الأمر طوال تلك السنوات الماضية .. رغم أن كلاً منا كان يحرص كل الحرص على رعاية الآخر والحفاظ عليه حتى لا يمسه سوء. لقد انطبعت علاقتنا طوال هذه السنوات الطوال بهذا الطابع. لقد كان أمين النوراني يحنو عليّ في أبوة فياضة .. وكنت بالمثل أحنو عليه بذات الدفق .. الأبوي.. فلا نستبين  أينا الإبن وأيتا هو الأب. كنا نلعب الدورين المزدوجين بالتبادل .. كنت أعتبره أباً مرة وابناً مرة أخرى. وكان هو يفعل ذات الشيئ في ذات الوقت." (ص 5)

أما بالنسبة للأمر الثاني فنجد أن أمين النوراني الأب والابن مزدوج. كما أن أمين النوراني الأبن والأب النوراني بشارة مزدوج آخر. والمزدوج the Double عنصر غير مألوف ولكنه معروف في الأدب، ونجد أشهر تجسيد له فى رواية روبرت لويس استيفنسون "الحالة الغريبة لدكتور جايكل والسيد هايد." ويمضي أمين النوراني الأب والابن يتحاوران ويتحالفان ويحاربان ويتنافسان: أمين النوراني مع ابنه، وأمين النوراني مع أبيه. وفي الحالتين يقول السرد "كانت مشاعر كل منهما تجاه الآخر غامضة جداً. كان بينهما شيئ كالندية.. تلك المنافسة على الفوز والنصر وإلحاق الهزيمة بالأخر. كما لو كانا أخوين شقيقين طريدين! وكانت المنافسة التي تشبه الغزل الصريح والمفتوح على الزهو والانتصار المتوقع في جولات الخياة والحب والسلطة الذاتية في التحكم في الأشياء والناس والتي تحول الذات من كائن افتراضي إلى كائن وجودي حقيقي.. الوجود في الذات وليس الوجود من أجل الآخر (ص 24). ويعيش المزدوجان معاً، ويسافران معاً، ويعشقان معاً، ويقتلان معاً، وفي نهاية المطاف يموتان معأ.

وكأن كل هذا التعقيد لم يكن كافياً فيسارع عيسى الحلو إلى إنتهاج سبيل وعرٍ بالغ الصعوبة وشديد الخطورة والتعقيد، ومن شأنه أن يجر عليه ويلات اتهامات أقلها وطأة هو الإهمال. والنهج الخطير الذي يحاوله عيسى الحلو في سرده هو التوظيف الجسور للسرد غير الموثوق به. ومع أنني غامرت بإغضابه عند اتهامه بالوقوع في شباك الإهمال أكثر من مرة، إلا أنه يتملكني يقين راسخ بأنه قد استخدم السرد غير الموثوق به عن قصد ووعي ودراية. وهنالك إشارات متعددة تؤيد هذا الزعم من بينها: "وهكذا يصتع الخيال الجمعي صوراً مزدوجة .. متعددة .. ومتحولة .. ورغم غرابة الأمر وصعوبة تصديقه، إلا أنه كان دائماً وفي كل وقت هو أمر قابل للتصديق .. لأن الناس عادة يصدقون ما يريدون تصديق.." (ص 30)، و"كان النسيان يسود كل شيئ.. ما حدث.. وما لم يحدث. كانت كل الأشياء كاذبة.. ليس هنالك شيئ واحد صادق قط." (ص 39)، و"كان أين الراوي الحقيقي.. غير هذا الراوي الافتراضي الذي يمكن أن نركن لروايته؟  إنها ذاكرات  عديدة تتداخل ..   وهي تتوازى أو تتقاطع أو تتداخل .. تثبت وتؤكد تارة.. وتمحو ما كانت قد كتبت مرة أخرى.." (...)

في 1923 كتب دي إتش لورنس "لا تثق في الفنان. ضع ثقتك في الحكاية. إن دور الناقد الحقيقي هو أن ينقذ الحكاية من الفنان الذي صنعها." وقبل ذلك وبعده أخذت الشكوك تحوم حول مصداقية االراوي والسرد حتى جاء واين سي بوث بمفهوم ومصطلح الراوي غير الموثوق بهUnreliable Narrator  في كتابه "بلاغة العمل الروائي"Rhetoric of Fiction (1961) موضحاً فيه أن مصداقية الراوي قد تتعرض للخطر لعدة أسباب منها صغر السن ومحدودية التجربة ورغبة الراوي في التشويه أو التزييف. ويمكن العثور على عدد من الأعمال الروائية التي لا يمكن فيها الركون إلى الراوي، مثل المربية نيلي في "مرتفعات وذرينغ" لإميلي برونتي، ونك كاراوي في "غاتسبي العظيم" لأسكوت فيتزجيرالد.

والراوي غير الموثوق به، عندما يكون، تكون روايته في الغالب من منظور الشخص الأول الفرد. ولكن هنالك حالات يروي فيها الراوي غير الموثوق به  روايته من منظور الشخص الثاني. وفي حالات نادرة نجد أن السرد غير الموثوق يأتي من منظور الشخص الثالث العليم .Omniscient Narrator  وهنالك عدة طرق لتحقيق ذلك وواحدة من أفضلها هي تحقيق السرد عبر استخدام الشخص الثالث العميق والذي يعرف أيضا بإسم الشخص الثالث الحميم أو الوثيق، وعندها يصبح الخط الفاصل بين الشخصية التي تروي بعضاً من السرد والراوي العليم غير واضح. وبهذه الطريقة يسهل تسلل غير الموثوقية التي تأخذ في بسط هيمنتها حتى تسيطر جزئياً أو كلياً على السرد. وأظن أن هذه هي الحال في سرد "نسيان ما لم يحدث". فالسرد يبدأ من منظور الشخص الأول الفرد: "كانت يدانا متشابكتين" ثم ينتقل ليتقدم من منظور الشخص الأول المتعدد: "إلا أننا كنا كلنا مشغولين بالسؤال الأهم.. (هل حقيقة أن الاثنين هما اثنان حقاً؟ .. الولد والابن! (ص). ثم يتقدم ليستقر على منظور الراوي العليم.

والحديث عن تعقيدات السرد وتنويعاته يقود في كثير من الأحيان إلى "الصخب والغضب" والتي يعتبرها الكثيرون ليس فقط أعظم روايات وليام فوكنر، وإنما أيضاً واحدة من أعظم روايات القرن العشرين. وعلى الرغم من ذلك فقد وصف فوكنر كتابته لها بالفشل. فهو يقول متحدثاً إلى طلاب جامعة فيرجينيا: "حاولت كتابتها أولاً من خلال أحد الأخوان، ولكن ذلك لم يكن كافياً... وحاولت كتابتها من خلال أخ آخر، ولكن ذلك لم يكن كافياً... وحاولت كتابتها من خلال الأخ الثالث... وقد فشل ذلك، ثم حاولت  من خلال نفسي- الجزء الرابع- رواية ما حدث، ومع هذا فشلت." ولكن عندما ننظر اليوم إلى ما وصفه فوكنر "بالفشل الرائع"  splendid failure نجد أمامنا واحدة من أعظم الروايات في تاريخ الأدب العالمي، ويمكنها أن تزهو بمكانتها وسط صفوة الروايات مثل "يوليسيس" لجيمس جويس، والجبل السحري" لتوماس مان، و"الإخوة كارامازوف" لدوستويفسكي، و"لمن تقرع الأجراس" لإرنست هيمنغواي، و"جسر على نهر درينا" لإيفو ادريتش، و"زوربا اليوناني" لنيكوس كازانتزاكيس، و"مائة عام من العزلة" لجبرائيل جارسيا ماركيز، و"حفل التيس" لماريو فارغا س يوزا. وأكثر أجزاء الرواية إثارة لإهتمام النقاد هو الجزء الذي يقدمه فوكنر من منظور الأخ الأصغر بنجي كومبسون المتخلف عقلياً، والذي يعتبر بلا منازع أشهر نموذج للراوي غير الموثوق به في الرواية. ولتحذير القارئ من خطر الوثوق في بنجي صدّر فوكنر روايته بالاقتباس الشهير من ماكبث": "إنها حكابة يرويها أبله. مليئة بالصخب والغضب، لا تدل على شيئ"، ومن ذلك الاقتباس يأتي عنوان "الرواية، والذي يورده عيسى الحلو على هذا النحو: (ما الحياة إلا رواية يرويها أبله حكاية مليئة بالصخب والعنف." وفي ظني أن لكلمات ماكبث انعكاساتها على "نسيان ما لم يحدث" التي تمتلئ هي الأخرى بأحداث "الصخب والعنف" التي تصلنا عبر الرواي غير الموثوق به.

وبعض الذي ذكرت قي مقالتي من أحداث هو استحضار لما أورده السرد، وقد تكون هنالك وقد لا تكون ضرورة لنسيان بعض ما ورد في السرد مثل:

"تجيئ كرري... الدراويش المهدويون رافعين سيوفهم التي تلمع تحت صوء الضحى الباهر والغبار المتصاعد تحت حوافرالخيل وهي تخوض ساحات الوغى.. تتوغل الجياد وتخترق حزام الدفاعات والستر وتتساقط العمائم تارة والقبعات تارة أخرى وتتساقط الجثث من الجانبين. وتصرخ الحرب كلها شرقاً وغرباً .. سيوفاً وحراباً ومدافع وكلاسنكوف وبنادق.ً

ليس فقط بسبب الكلاشنكوف، ولكن لأن كرري لم تكن كذلك. وكذلك لم تكن أم دبيكرات التي يوحي السرد وكأنها حدثت بعد أيام من سقوط أم درمان: "وكان خليفة المهدي وأعوانه على مشارف ضاحية أم دبيكرات وهم على ظهور الخيل .. أجسادهم منهكة حيث قضوا ثلاث ليالي في الطريق من أم درمان.." فواقعة كرري قد حدثت في يوم الثلاثاء 2 سبتمبر 1898 بينما حدثت واقعة أم دبيكرات في يوم الجمعة 24 نوفمبر 1899، أي بعد ما يزيد على السنة من واقعة كرري.

ولكن عيسى الحلو لا ينتظر حتى تنتابك الشكوك في سرد له، فهو يسارع تطوعا للتآمر على سرده برمي بذور الارتياب في كل شيئ. ففي توضيح العلاقة بين جورجينا (روجينا) وأمين النوراني يقول السرد:

"وكان كل يضيف أجزاء للحكاية أو يحذف شي ئاً .. فتتمازج الأفراح والأحزان .. وتتداخل الأزمنة..  ويضيع التاريخ الحقيقي  الذي يحدد تاريخ الواقعة .. وتختلط الشخصيات والحبكات.. وتصبح الحكاية هي ذاتها وهي غيرها في ذات الوقت .. وتختلط الأصوات ويكثر الرواة للحادثة الواحدة.. وهم يتكلمون بأصوات تختلط وتتداخل وتتعارض أحياناً .. تتوارى وتندفع كإعصار دائر حول نفسه .." (ص 49)

وهذا الوصف لا ينطبق فقط على حكاية "جورجينا" التي، إلى جانب الأب، أحبت أيضاً الابن أمين النوراني، وإنما ينطبق على الرواية بأكملها والتي هي متاهة "تختلط فيها الأصوات.. وتتداخل وتتعارض وتتوارى وتندفع كإعصار يدور حول نفسه."

وفي خطوته الاستباقية التي نوهت إليها سابقاً، يواصل الناشر قائلاً:

"علينا محاولة ذلك (كتابة نص روائي جديد) في المكان الأول.. لأن شرف الاكتشاف والمغامرة في تأسيس الفن الجديد أكثر ضماناً وسيطرة وتحكماً في إدارة الحياة من كتابة نص جديد عن طريق المصادفة التي نسميها الإلهام تبريراً بدلاً من التمسك بقصدية الوعي وتقوية سلطتها في إرادة الواقع وتغيير هذا الواقع. إذن فلنجرب حتى ولو واجهنا الفشل."

والكلمة التي تهمني هنا أكثر من غيرها هي كلمة الفشل. وأعتقد أن عيسى الحلو عندما يقرأ "نسيان ما لم يحدث" كناقد سيجد أنها قد حققت نجاحاً مذهلاً في بعض جوانبها، كما سيجد أنها قد سجلت "فشلاً رائعاً"  في جوانب أخرى.

وبعض ما يشبه "الفشل الرائع" يأتي من التجريد، أو الإغراق فيه. وعندما استحضر مقولة دي إتش لورنس أن الرواية "بشكل أساسي غير قادرة على المطلق"  لا أعني أن التجريد ينفي صفة الرواية عن عمل ما جملة وتفصيلا، ولكنه يسلبه صفة التدفق والاستمرارية. والمؤلف قد يشعر أحياناً بضرورة أن يرفع صوته فوق صوت راويه أو شخوصه، ولكن عليه عندما يفعل ذلك أن يُضمن ما يقول ضمن نسيج سرده. وذلك ما يفعله إرنست هيمنغواي عندما يقول في "لمن تقرع الأجراس": "اليوم هو مجرد يوم مثل جميع الأيام التي سوف تأني. ولكن من الممكن أن يعتمد ما سوف يحدث في تلك الأيام التي ستأتي على الذي ستفعله اليوم. لقد كان الأمر كذلك طوال هذه السنة، ولقد كان كذلك للعديد من المرات." وعندما يبتدئ عيسى الحلو من نقطة مثل: إنهم يسألون عن المصير!.. من هم؟ وإلى أي زمان ومكان ينسبون؟ .. كان روع غامض يملأ صدورهم .. روع مشفوع بقناعة تسلطت عليهم بسبب قدرتهم على التخييل .. خيال سرعان ما ينقلب إلى وهم .. وتخيل ما لا يحدث. وهذا يحدث للناس عادة عندما يبدلون في قواعد اللعبة..ً (ص 55) فإنه لا يزال ضمن "قواعد لعبة" السرد الروائي، ونقبل نحن كقراء ضمنياً أن الصوت الذي يحدثنا هو صوت الراوي، أياً كان هو. ولكن عندما يمضي  ذلك الصوت ليقول:

"لعبة أن تتحايل على مصاعب الحياة واستحالاتها في أن يتطابق الفعل مع النوايا التي تمثل النواة الحافزة على صنع هذا الفعل أن يتحول من كونه شوق يقذف الذات إلى الأمام كما لو كانت تسابق اندفاعات سباقها مع جريان لحظات الزمان التي تجري كما الماء من أعلى إلى أسفل .. من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل وذلك ضمن أطماع الذات لتحقيق الإرادة والحرية..  تلك التي تمثل الذات في هذا التطابق الإبداعي البديع بين الذات وحقيقتها ..." (ص 55)

فمن الواضح أن المتحدث هنا ليس الراوي، وإنما هو المؤلف، عيسى الحلو، يتحدث إلينا  مباشرة دونما وسيط ودونما وساطة. وعيسى الحلو يفعل ذلك أكثر من مرة في "نسيان ما لم يحدث". ولكن هذا لا يمثل هاجساً بالنسبة لي بقدر ما يمثله حجم العمل، والذي قد لايكون هاجساً لغيري من القراء.  ولكني أعتقد أن عيسى الحلو قد ظلم نفسه أولاً، وظلم "نسيان ما لم يحدث" ثانيا،ً بأن ضيق عليها الخناق وحرمها من السعة والانسياب. وأريد أن استعير هنا من الرواية ما يساعدني على وصف بعض إحساسي بها. والاستعارة التي أريد هي الإشارة إلى "كبس الجبة" والذي يصفه السرد بأنه من "قتالين القتلة" (ص 128). والروايات التي تتحدث عن "كبس الجبة" وقوته وجسارته وفتوته وبلطجته لا تصدق, وتقول واحدة أن عبد الصبور لما وضع عليه الجبة التي كان يرتديها الجنود ملأها على سعتها بمفتول عضلاته، فصاح أحدهم "الزول كبس الجبة" فصار ذلك هو الاسم الذي يعرف به. وقياساً على ذلك فإن ما "يحدث" في "نسيان ما لم يحدث" قد "كبس جبة" النوفيلا فضاقت به دفتا الكتاب. ولو أتحنا لما "يحدث" حرية التدفق لفاض ليملأ،  ليس فقط رواية متكاملة الأبعاد، وإنما ملحمة  Epic بأكملها. وعلى صعيد آخر فإن ما سميته بالأخطاء فإن الطبعة الثانية ستتكفل به. ويقيني أنه عندما يسكن غبار الجدل فستبرز "نسيان ما لم يحدث" بجرأتها ونزقها وشططها وبقدرتها على التحدي كعمل روائي رائع يؤكد شياخة عيسى الحلو، ليس فقط لأدب الحداثة، وإنما أيضاً لأدب ما بعد الحداثة في السودان.

وأعود هنا إلى الأدب العربي القديم مستعيداً ما أورده عمرو بن بحر الجاحظ في كتاب "الحيوان" سارداً هذه الحكاية المشبعة بالدلالات: "قال أبو علقمة: كان اسم الذَّئب الذي أكل يوسف رجحون! فقيل له: فإنّ يوسف لم يأكُلْه الذّئب، وإنما كذبوا على الذِّئب، ولذلك قال اللّه عزَّ وجلّ: (وَجاؤُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كذبٍ)، فقال أبو علقمة: فهذا اسمٌ للذئب الذي لم يأكلْ يوسف." وعلى الرغم من إيحاءات وتلميحات التشكيك التي ترصع السرد لتجعل الشك يخامرنا في حقيقة حدوث أحداثه، فإن جميع الأشياء التي يحكي عنها السرد في الرواية من عشق وقتل وميلاد وممات، ومن هزائم وانتصارات، ومن عهود استبداد وثورات، ومن صولات وجولات، ومن بطولات كرري وفجيعة أم دبيكرات وغيرها قد حدثت. هذا حتى من غير ضرورة لتطبيق مفهوم "تعليق عدم التصديق" Suspension of Disbelief الذي ابتدعه الشاعر والفيلسوف الجمالي صمويل تيلور كولريدج لكبح جماح التفكير النقدي الذي إذا ما اشتط فسيقضى على المتعة الجمالية التي يتيحها الخيال المنعتق أو المنفلت. ولكن السؤال الكبير الذي لا بد لنا من مواجهته هنا ما هو الذي لم "يحدث" على هامش الذي حدث؟ وهل من الممكن أن تفقد ماهو ليس لديك؟ وأين هو "رجحون" الذي نطارده ويطاردنا في متاهات "نسيان ما لم يحدث"؟

لقد حاولت اقتفاء آثار "رجحون" عبر الصفحات وحتى السطور الأخيرة للرواية، ولكني لم أعثر له على أثر. ولكن قد يستطيع غيري ذلك إذا ما أحكم التأمل بعد أن يجيد القراءة ويحسن الإصغاء:

"من المؤكد أن إمكانية تغيير العالم الذي نعيش فيه ترتبط إلى حد كبير بقدرتنا على تغيير أنفسنا أولاً.. بحيث يمكن أن ننسى ما حدث لنا.. ولكننا لكي ننسى ما لم يحدث علينا أن نتذكر إن نسيان  ما لم يحدث .. هو نسيان أحلامنا في الآتي.. في الممكن والمحتمل.. وهي الأشياء التي تمثل الإمكان.. تمثل النوايا بقيام الفعل كمشروع حياة.. وهو مشروع مبني منطقياً وتاريخياً على مشاريع ماضية أهملت أو نسيت أو نفذت في غير ما إتقان وتجويد." (ص 132)

و"تذكرت" أننا كثيراً ما نعثر في عالمي السايكولوجي والسياسة على أمثلة "يتذكر" فيها البعض ما لم يحدث. أما نسيان ما لم يحدث فهذا أمر لا تستطيعه غير الرواية. ولن يحاوله من الروائيين غير الكبار منهم، من أمثال عيسى الحلو الذين يجرؤون على نبش ركام شقائنا الإنساني باحثين لنا عن شيئ من العزاء. وعلى نحو يكاد أن يكون موازياً يقول أمبرتو إكو في "ست جولات في الغابات المتخيلة":

"قراءة الرواية تعني أن نلعب لعبة تعطي معنى لضخامة الأشياء التي حدثت، والتي تحدث، أو التي ستحدث في العالم الفعلي. ومن خلال قراءة السرد، نفلت من القلق الذي يهاجمنا عندما نحاول أن نقول شيئاً صحيحاً عن العالم. هذا هو دور المواساة التي يمنحنا لها السرد - وهذا هو السبب الذي يجعل الناس يحكون القصص ويروونها منذ بداية الزمن."

وهذا ما يحدث عندما تكون هنالك أشياء قد حدثت، أو تحدث الآن وهنا، أو ستحدث في خضم واقع مضطرب ومرتبك، أو في أمكنة نائية متخيلة وأزمنة بعيدة متوهمة.

أخيراً، يقول بورخيس: "الزمن هو الجوهر الذي صنعت منه. الزمن هو النهر الذي يجتاحني، لكني أنا النهر، إنه النمر الذي يحطمني، لكني أنا النمر، إنه النار التي تلتهمني، لكني أنا النار." وأستطيع أن أقول على لسان عيسى الحلو: الأدب السوداني هو الجوهر الذي صنعت منه. فأنا المتسول عند عتبات بابه، المتوسل إلى عطف جنابه، المؤتمن على مضامين كتابه، الخارج من غليظ وغض إهابه، الذي يرفل في بهيج ثيابه، أنا نصف قرن من غرس ترابه، أنا عرابه... أنا عيسى الحلو.

 

أحمد حسب الله الحاج

 

 

توفيق الشيخ حسينالقراءة الثانية من كتاب (حسرة الظل / تجارب في الشعرية النادرة والبساطة الجميلة) للشاعر والروائي والناقد محمد الأسعد .

تقرأ الثانية تجربة الشاعر الياباني (ماتسو باشو) مكتشف الجمال في الطبيعة والحياة، وصانع قصيدة الهايكو كما عرفتها الأزمنة الحديثة، تزايدت في السنوات الأخيرة التلميحات والإشارات الى قصيدة الهايكو اليابانية في الثقافة العربية، ممثلة بأشهر شعرائها (ماتسو باشو / 1644 – 1694)، أن العالم وعالم الغرب بخاصة انتبه الى هذه القصيدة وتزايد احتفاء شعرائه بها، محاكاة ودراسة في وقت متأخر لا يكاد يتجاوز ثمانينات القرن العشرين .

قبل زمن شاعر الهايكو الكبير " ماتسو باشو " كانت القصيدة المسماة " هايكاي " لعبة متمدنة لتزجية الوقت اكثر مما كانت شعرا ً جادا ً، وكان مطلعها المسمى آنذاك " هوكو " والذي سينفصل عنها في ما بعد ويستقل تحت أسم " الهايكو " جزءا ً منها، واستطاع " باشو " بحساسيته الأدبية الحادة وسيطرته المتمكنة على اللغة استكشاف كل الممكنات الهاجعة في هذا الشكل الشعري، كان مستكشفا ً جريئا ً كما يقول عنه " ماكو إيدا " فقد استخدم الكلمات العامية واستعار من اللغة الصينية الكلاسيكية، وكتب هوكو بثمانية عشر أو تسعة عشر مقطعا ً أو اكثر، بل والأكثر أهمية أنه سعى الى جعل الهوكو تستجيب للتجربة الإنسانية الفعلية لما رأى وفكر وشعر بنزاهة وإخلاص نادرين، وكان لديه ثقة عالية بإمكانية الإنسان على أن يعتنق ديانة إنكار الذات، فسبر في بحثه المكثف عن مخطط قابل للتطبيق، اعماق الطاوية وبوذية الزن، وفي نهاية المطاف وجد، أو اعتقد انه وجد ما التمسه في ما سماه " فوجا " أي طريقة حياة الفنان، وهي طريقة نسك ٍ مكرسة تسعى وراء حقيقة أبدية في الطبيعة .

قصيدة الهايكو وهذا هو الأسم الذي أصبحت تعُرف به الهوكو في القرن التاسع عشر، والتي أصبحت تتكون من سبعة عشر مقطعا ً، تتطلب مشاركة فعالة من اولئك الذين يقراؤنها، لأن الشاعر يترك القصيدة غير مكتملة، أو هكذا يبدو، ومن المتوقع من كل قاريء ان (يكملها) بتفسير شخصي، فلنبدأ بهذه القصيدة:

عتمة البحر نداءُ بطة بريّة شاحب البياض

يقول الناقد (هاندا) أن هذا التركيب يمكن أن يكون بصيغة معتادة كما يلي:

عتمة البحر شاحبة البياض نداء بطة بريّة

2219 محمدالاسعدولكن (باشو) يتعمد إحداث قلبا بين العبارة الثانية والثالثة، انه يختار ان يستمر بسلاسة مع مقاطع السطر الثاني الخمسة لينتهي بقوة بسبعة مقاطع في السطر الثالث وكانت النتيجة أن لغة القصيدة لم تتابع فقط بل وحلقت إحساسا ً قويا ً بالاستقرار .

أما الناقد (كومي يا) فيرى أن ما هو صارخ في هذه القصيدة هو تلفظ السطرين الأخيرين حيث توصف ظاهرة سمعية بتعابير بصرية، وقد أنجز الرمزيون الفرنسيون الكثير بهذه الوسيلة، ولكن من الواضح أن (باشو) لم يتعلم هذه الطريقة منهم، بل منح الانطباع الذي شكله بوساطة حساسيته تعبيرا ً مباشرا ً وأمينا ً، وانتج قصيدة حية لا شيء مصطنعا ً فيها وغير طبيعي، ويتوسع ناقد آخر هو (أواتا) فيقول (إن البخار الأبيض الشاحب فوق البحر ونداء البطة البرية امتزجا في مدركات الشاعر الحسية، بالطبع، العين هي التي شاهدت البياض، والأذن هي التي سمعت الصوت، ولكنه شعر كما لو أن عينيه شاهدتا ما سمعته أذناه، وحول ّ هذا الشعور العذب الى قصيدة) .

وينبه الناقد (اوجاتا) القاريء بأن عليه أن يدرك أن سطر (نداء بطة بريّة) يكثف مشاعر حنين وشجن الشاعر الجوّال الذي مازال يتجول بين الطرقات مع نهاية العام وقد ركز شراح الشاعر السابقون على تعبير (شاحب البياض) وغفلوا عن هذه النقطة، واخيرا نجد لدى الناقد (كونيش) استطرادا ً لافتا ً للنظر يقول: (أسلوب هذه القصيدة وصفي، وهو أسلوب غير موجود في قصائد الشاعر المبكرة إنها تصف مشهدا ً وصفا ً موضوعيا ً من دون ادخال عاطفة من العواطف مثل السعادة أو الأسى، إلا أن هذا النهج لا يجب أن يُخلط بمبدأ (شاسي) أي مبدأ الواقعية الذي أصبح رائجا ً في اوائل القرن العشرين بعد ان وفد بتأثير الواقعية الغربية، فهذا المبدأ لم يظهر في الأدب الغربي حتى القرن التاسع عشر، ومن الواضح أن (باشو) أستمد هذا المبدأ من الراهب (فوكوجاوا) حين بدأ يدرس بوذية الزن، وكان رهبان هذه البوذية يجيدون وصف المشهد وصفا ً موضوعيا ً بكلمات قليلة ويجسدون في هذا الوصف حقيقة كونية .

تعليق:

يؤكد (الأسعد) في هذا الشرح إشارة أو تلميح الى ما يمكن أن يسمى " تراسل الحواس " أي التنافذ بين مجالات الحواس سواء كانت سمعية أو بصرية أو حسّية وهذا التنافذ يكسب اللغة وظيفة غير معتادة تكون معها قادرة على القبض على أشد لونيات المشاعر رهافة، لقد انزاح تركيب السطور عن المعيار المعتاد كما أشار (هاندا) فتحول الى تركيب ذي دلالة مختلفة عن الدلالة المألوفة، يبدو أن السبب حدسي قبل أن يكون فكرة ذهنية، فهنا ليس مجرد تحويل السمعي الى بصري، بل إقامة مسافة توتر قائمة على تضاد بين العتمة والبياض وبينهما النداء، نداء البطة البريّة، المتحرك الذي يصل بين الأثنين، بين المعتم البعيد والبياض القريب، وقد أقتضت الحالة النفسية هذا التركيب كحدس شعري، فارتسمت العتمة للوهلة الأولى ثم النداء القادم من بعيد ممتدا ً مثل امتداد البياض ومتلامحا مثله .

هو الربيع تل بلا اسم في الضباب الخفيف

هذه القصيدة، مع أنها تبدو واضحة، كما يقول الناقد (اوتسوجو) إلا أن وضوحها من النوع النادر، أما أرضيتها فيرجعها الناقد (اوجاتا) الى تقليد كلاسيكي، حيث دأبت أجيال من الشعراء على تبين قدوم الربيع حين ترى الضباب معلقا ً فوق الجبل ولكن الناقد (ياماموتو) يلتفت الى صوت كلمات القصيدة الناعم، فيرى أن هذه الكلمات تحثنا على رؤية بصرية، على رؤية الخطوط الخارجية المرهفة لتلك التلال في مقاطعة ياماتو .

تنوير: لدينا ما يسمى بالأصالة، بمعنى الصدور عن موروث، ولكن حين يكون الموروث أرضية، أي تقليدا ً كلاسيكيا ً بتعبير (اوجاتا) فأنه يتجاوز مجرد الصدور عن موروث أو محاكاته، الشاعر هنا يأخذ مرور الزمن في اعتباره في الوقت الذي يرتبط فيه بالصورة الكاملة للموروث الشعري، ولكن مع أخذه في طرقات جديدة والاطلالة به على مشهد جديد، (باشو) هنا كما يرى (الأسعد) لا يمسك بنافذة التقاليد الكلاسيكية ليطل منها على المشهد نفسه التي كانت تطل عليه، بل يستخدم النافذة نفسها ولكن ليطل على مشاهدة جديدة، هذا أمر منطقي وطبيعي، لأنه متحرك في الزمن، كلما فكر بالماضي فكر بمرور الزمن، لا يكاد ينسى هذا لحظة واحدة، وهذا هو الفرق بين المجدّد الحي الذي يمتلك تراثا ً وبين المحنط التراثي الذي لا يشعر بمرور الزمن .

حين يُقال شاعر أنه كبير، قد يتبادر الى الذهن أنه أصبح فوق النقد، أو أنه بتعبير ساذج قرأناه صغارا ً لعباس محمود العقاد: (يظل جيدا ً حتى في رديئه) . إلا أن الأمر ليس كذلك بالنسبة لجمهرة النقاد اليابانيين، فالنزاهة مطلوبة من الشاعر والناقد على حد سواء، ومن هنا لم تمنع مكانة (باشو) الشعرية والتاريخية بعض النقاد من رفض بعض قصائده إما بوصفها من الدرجة الثانية أو أنها ترتكب جريمة أسوء من الأنتحال .

اليكم هذه القصيدة:

 شجرة صنوبر

كاراساكي، ضبابها أرق ّ

من براعم الكرز المزهرة

فماذا يرى فيها النقاد؟

نبدأ بالناقد (كيوراي) الذي رأى فيها الكثير من الفكر التأملي، ويضيف (إن الهوكو ذات الفكر التأملي ستكون قصيدة من الدرجة الثانية، قال باشو كل الشروحات بما فيها شروحات " كيكايو " وشروحاتك، عقلنات، لقد كتبت هذه القصيدة لمجرد انني فكرت أن شجرة الصنوبر الضبابية تبدو أكثر جمالا ً من البراعم المزهرة)، ولكن الناقد " شيكي " من القرن التاسع عشر كان أكثر قسوة على هذه القصيدة (تلمح هذه القصيدة وفقا لأحد المفسرين الى قصيدة من النوع المسمى " واكا " للأمبراطور " جوتابا " "1239 – 1180 ") .

عند كاراساكي

ضبابية أيضا

تضاهي البراعم المزهرة

فجرا ً في يوم ربيعي

ومن الواضح أن قصيدة " باشو " مبنية على قصيدة الأمبراطور، ولكن هذا البناء جاء بالغ البؤس في هذا النموذج الى درجة انه جريمة أسوء من الأنتحال، بالطبع علينا أن نقرأ القصيدة من دون الرجوع الى تلك الواكا، ولكن حتى في هذه الحالة فإن ثانوية القصيدة لا نزاع فيها، ويجب نسيان قصيدة من هذا النوع حفاظا ً على سمعة باشو، يقول " سانجا " هذه القصيدة تفوق الوصف ويتوسع " شوسون " هكذا لا تشير كلمة (ضبابها) الى عتمة مساء ربيعي حين تبدو هيئة الأشياء غير واضحة المعالم، وعلى رغم أن الشعراء منذ الأزمنة القديمة تغنوا عادة ببراعم أزهار الكرز المزهرة إلا أن أحدا ً منهم لا يصف شجرة الصنوبر بكونها ضبابية أمام مشهد البحيرة، حيث شجرة الصنوبر وأزهار الكرز ضبابية على حد سواء، نظر (باشو) بانتباه وأكتشف جمالا ً جديدا ً في الضباب الذي يغطي شجرة الصنوبر، الوقت في ذلك اليوم مختلف عليه .

تعليق:

 فكرة أكتشاف الجمال في الموجودات هناهي الأكثر لفتا ً للنظر في حديث شوسون لأن العادة الشعرية الرديئة الجارية في مختلف الفنون هي اقتراح فكرة عن الجمال والجميل لا اكتشافه، ومرة آخرى تعود هنا مسألة الموروث في إتكاء " باشو " على قصيدة الأمبراطور القديمة، ولكن بعد أن أطل بأدواته على مشهد جديد، فأن " باشو " كان ينظر الى المشهد وهو يتلامح في مياه بحيرة كاراساكي مساءاً وليس ليلا ً .

ويشعر " الأسعد " أن تقديم " باشو " لا يكتمل إلا بالوصول الى أكثر قصائد الهايكو شهرة، قصيدة " الضفدع " التي كتبها في العام 1686، ويبدو أن شهرتها أنطلقت فور كتابتها تقريبا ً لأن السجلات تظهر أن جماعة من الشعراء التقت في كوخ (باشو) ذات يوم من أيام أبريل، وأجرت مسابقة تأليف هوكو حول موضوع الضفادع، وبدأ باشو المسابقة بقصيدته هذه التي اطلقت في السباق الذي نشرت نصوصه في ما بعد تحت عنوان " مسابقة الضفدع " وهذه هي القصيدة:

بحيرة عتيقة

ضفدع يقفز

بلوب

يقول الناقد " شيكو " كان الأستاذ (باشو) في كوخه على ضفة النهر شمالي "ايدو" في ذلك الربيع وجاء صوت الحمام عبر تساقط قطرات المطر الناعم، كانت الريح لطيفة والبراعم المتفتحة ساكنة، وكان يسمع في آواخر الشهر الثالث صوت ضفدع يقفز في الماء، واخيرا ً طفت في ذهنه عاطفة لا يمكن وصفها وتشكلت في سطرين

ضفدع يقفز

بلوب

" كيكايو " الذي كان الى جانبه، وكان من مقربيه، تجرأ وأقترح وضع تعبير " زهور جبل " ليكون السطر الأول، ولكن الأستاذ اختار تعبير " بحيرة عتيقة ويؤكد " الأسعد " بأن " زهور جبل " رغم انها تبدو شعرية ومحببة إلا أن عبارة " بحيرة عتيقة " تمتلك بساطة وجوهرا ً أعمق .

وكتب الناقد " موران " هذه القصيدة غامضة غموضا ً عصيا ً على الوصف، إنها عميقة ومرهفة ومحرّرة ولا يمكن أن يفهمها المرؤ إلا بعد سنوات من الخبرة .

ويأخذنا " شيكي " الى شيء آخر، إلى أن هذه القصيدة بسبب بساطتها البالغة، من المحال تقليدها: " ما نراه أمر معقد دائما ً، بينما ما نسمعه بسيط عادة، هذه القصيدة لا تعدو كونها تقريرا ً عن ما أحسّت به أعصاب الشاعر السمعية، ولم يتضمن شيئا ً من أفكاره الذاتية أو البصرية أو مجرد صور متحركة، ما يسجل هنا ليس سوى لحظة زمنية، لهذا السبب ليس لهذه القصيدة عمق ٌ في الزمان والمكان . للناقد " أبي جي " تعبير مختزل: " هذه القصيدة مثل ومضة برق تضيء زاوية هادئة "، ولكن الناقد " شيدا " لا يكتفي بالومضة، إنه يحلل الحركة التي التقطها الشاعر، فجأة يكسر الصمت ضفدع يقفز في البحيرة العتيقة، وفي اللحظة التالية ساد الهدوء مرة آخرى، وخلقت النقلة المفاجئة من السكون (لا صوت) الى الحركة (صوت)، ثم عودة الحركة (صوت) إلى السكون (لا صوت) وقد تراكبت مع بحيرة عتيقة وضفدع، جوا ً لا نهائيا ً ومتوازنا ً يتسق تماما ً مع العاطفة التي ترددت داخل باشو، إنها ترمز الى أعمق مشاعره، لقد أنتج " باشو " تحت وطأة التأثر العميق هذه القصيدة بالتأمل الى حد كبير .

تنوير:

 يتابع " الأسعد " بأن الناقد (ياماموتو) يقدم تنويرا ً يجعلنا نستغني عن كل تعليق أو تنوير نقدمه من جانبنا:

(على رغم أن ما استهدفه معاصرو باشو لم يكن بعيدا ً عن نمط الدعابات التي جرت عليه مدرسة " دارين " الشعرية، فما لا شك فيه أن دعابات هؤلاء لا يتبعها إحساس ٌ بكآبة وجودية، ومع ذلك لم يعرفوا كيف يحولون هذا الإحساس الى الفاظ هذه الهوكو موجهة تحديدا ً الى تلك النقطة العمياء في فكر أصحاب الدعابات الشعرية)، والقصيدة تقدم شيئا ً كونيا ً يفتن القاريء مثل ابتسامة، إنها تمتلك شيئا ً تشترك فيه مع الحدث البوذي الشهير الذي يبتسم فيه (بوذا) صامتا ً وهو يقلب زهرة بين أصابعه، في هذه القصيدة تمثل الإبتسامة اعلى إنجازات الفكر، مكملة ما بدأ به الضاحك، ويكمن سرّها ربما في الدقة البالغة التي يقبض بها الشاعر على الموضوع ويحكمه .

من هذا نستطيع القول أن قصائد الهايكو تعتمد البساطة والسهولة، وكلما أرتفعت درجة البساطة فيها أقتربت من الجمالية في إثارة الصدمة الجمالية، أن ّ الهايكو يعتمد في أساسه الجمالي ّ على المشهد الحسّي الواقعي الآني ّ، دون أن يعني استبعادا ً تاما ً للصور الذهنية المستقاة من المخيّلة أو الذاكرة، أو الحلم، وتركيبها مع المشهد الحسّي الآني، والواقعية ليست في حسية الصورة أو اللقطة العفوية أو الحدث العفوي، وإنما في بلاغة التعبير عن هذا الشيء المجسد كقيمة جمالية، وهذا يعني الواقع تمثيل للطبيعة كصور حسية مشتقة من الطبيعة ومتعلقاتها .

 

توفيق الشيخ حسين

 

عبد الجبار نوريإن يوسف أدريس أكثر أقتراباً من القرية المصرية، وبزغ نجمهُ في كتابة القصة القصيرة كما كان تشيخوف الكاتب الروسي والذي يعد من أبرز رواد القصة القصيرة، قال: الكاتب الكبير "عبدالرحمن منيف " عن كتابات يوسف أدريس " أن عبقرية القاص يوسف أدريس بزغ من نظراته للأشياء العادية بنظرة غير عادية ولأن في كل عادي شيء غير عادي، ومهمته الأساسية أكتشاف الغير عادي من العادي وتسليط الضوء عليه وصقله حتى تبرز دقته وقوّته وغير عاديته"، وهنا تكمن براعة يوسف في تسليط الضوء على تفاصيل الحياة اليومية فيما يتعلق بالريف المصري والطبقة الوسطى المسحوقة ونقل صيرورة الحالة المعاشية المصرية إلى الواقع المتداول عملياً، بذلك رسم ليوسف أدريس شخصنته الأدبية في الواقعية الشديدة والأسهاب بالوصف الدقيق ولحد التفاصيل الدقيقة، ويبدو في مجمل قصصه تصحر الروح والبؤس والشقاء والمعاناة في صعوبة الحياة في أسلوب شيّق تمكن الغوص في أعماق النفس الآدمية لتنبيه المتلقي إلى حقيقة الأنسان من الداخل، وبذلك حقاً تقارب مع الأديب الروسي الواقعي تشيخوف، وقد جمعتُ من خلال قراءاتي  للأديبين نقاط التقارب والتلاقي لاحقا عساي أتمكن من أقناع القارئ بأن يوسف أدريس تشيخوف العرب .

 أنطون تشيخوف هو طبيب وكاتب مسرحي ومؤلف قصصي روسي، ويُنظرْ أليه على أنهُ أفضل كتاب القصص القصيرة على مدى التأريخ، ومن كبار أدباء الروس، كتب المئات من القصص القصيرة التي تعتبر الكثير منها أبداعات فنية كلاسيكية، كما أن مسرحياته كانت لها تأثير عظيم على دراما القرن العشرين، بدأ تشيخوف بالكتابة عندما كان طالباً في كلية الطب جامعة موسكو، ولم يترك الكتابة حتى أصبح من أعظم الأدباء وأستمر أيضاً في مهنة الطب وكان يقول فيها (أن الطب هو زوجتي والأدب عشيقتي)، وفي عام 1884 تخرج من كلية الطب التي أعتبرها مهنته الرئيسّة وقد أحرز القليل من المال من هذه الوظيفة، وكان يعالج الفقراء مجاناً ، والذي حفزني ان أكتب  في موضوع المقاربات الأدبية في القصة القصيرة خصوصاً  بين القاصين العملاقين، هو على الرغم من أن أحاديث يوسف لا تخلو من ذكر تشيخوف على أعتبار أنهُ المؤثر الأعلى في كتاباتهِ ألا أنهُ يحلم دوماً بتجاوزهِ وتقديم ما لم يقدمهُ، وهو يرى أنهُ قرينهُ الأكثر حضوراً في العالم، وكان يرى بأنّ أي كاتب قصة قصيرة في العالم لابدّ أن يكون قد تأثر بتشيخوف، وهذه بعضٍ من المقاربات التحليلية والنقدية في الفكر والهدف:

-الأختصاص بالقصة القصيرة: أختص القاصان بكتابة القصة القصيرة، لأعتقاد الكاتبين أن القصة القصيرة أختزال للزمكنة في أقتناص اللحظة الخارقة، وأن كتابة القصة القصيرة أسهل شكل أدبي وأصعب تركيبة فنية في ترجمة واقع لحظة نفسية إلى التعبير عنها بكلمات، ومفهوم يوسف أدريس عن فن القصة القصيرة يقول فيها: (هو فن أقتناص اللحظة والخاطرة والصورة فن لأقصى حدود الطواعية، منوّع لا حدود لتنوعه ولا ضفاف)، كما ظهرتْ عند يوسف أدريس في بدايات كتابته للقصة القصيرة عام 1954 في (أرخص ليالي) التي أشتهر بها عالمياً لكون في نصها السردي تكمن الشفافية والمتعة ودقة الحس ورقة الذوق وصدق الملاحظة وبراعة الأداء، وكانت أعمال " تشيخوف " في القصة القصيرة قد عرفت طريقها إلى المكتبة العربية منذ الأربعينات من القرن الماضي، وأستمرتْ التراجم تتسع في الستينات والسبعينات لأزدياد أعداد قراء المكتبة العربية، فأصدر تشيخوف مجموعتهُ الأولى في 1884 بعنوان  حكايات ملبوميتا، وثم الغسق والنورس والعم فانيا والأخوات الثلاثة وبستان الكرس، ومسرحيات البجعة والدب وطلب زواج  والزفاف وغابة الشيطان والسهوب وحورية البحر.

- تميّز كلٌ منهما بأسلوب السخرية اللاذعة، فيوسف أدريس عايش العهد الملكي صاحب الحكم الشمولي المكمم للأفواه فكان من أدريس المشاكس والمقتحم بجسارة في أنتقاد الوضع السياسي والأجتماعي بشكلٍ ساخر مما شملهُ حجز حريته، وكذلك تميز تشيخوف بكتاباته صفة السخرية والأستهزاء من نظام القياصرة الشمولي والمصادر للحريات والأشارة إلى عبدة المناصب والألقاب والمنافقين وذوي الطباع الفظة الذين يتلذذون بأهانة الضعفاء وربما سخر من الضحية لقبولهم بالعبودية والأستكانة، وأبرع تشيخوف في قصصه في صرخة وجدانية حزينة حول بؤس البسطاء ومعاناتهم التي لا يشعر بها أحد، وأكد تشيخوف على اللامبالاة وخطورتها على الروح الأنسانية في مسرحية (السهوب) 1888 ثم (حكاية مملة).

- تقارب الأثنان في النزعة الواقعية وكانت للثورة البلشفية 1917 عاملا آخر في ترويج الأدب السوفيتي خاصة والروسي عامة طلعت بصيغة قصصية عند مكسيم غوركي ووأسكندر بوشكين وأيفان تورجنيف وديستوفيسكي وعبقريات تشيخوف القصصية على العموم أنها الموجة الواقعية في الأدب العالمي والتي أنسحبتْ على الأدب العربي وحصرياً من خلال نافذتها مصر أم التراجم، شاءت الأقدار أن تندلع في مصر ثورة 1952 التي دخلت كعاملٍ فعال في تأجيج الذات الكتابية عند كتاب كثيرين منهم بالخصوص " يوسف أدريس " أصبح يوسف أدريس أيقونة الفكر السياسي المصري في مراحل الأنفتاح وبالتحديد في خمسينيات القرن الماضي، فأحدث يوسف طفرة فعلية في القصة القصيرة بتجاوز أشكالات كثيرة على مستوى الكتابة، التي كانت تُغرق القصص في الرومانسية الفضفاضة التي تدفع بالمتلقي إلى الضجر والملل، كذلك كان يوسف أدريس على رأس الدفعة الجديدة من كتاب القصة القصيرة منهم: عبدالرحمن الشرقاوي ويوسف شاروني، فكانت قصة (أرخص ليالي) البوابة الكبرى التي دخل منها يوسف أدريس إلى ساحة المجد، فيوسف أدريس ذو السبعة والعشرين عاماً أستطاع أن يهز عرش الثقافة في ضربة زمنية قياسية بحيث أثبت للواقع أن القصة قبلهُ كانت خاملة ورومانسية مملة وغير فنية وتقريرية، وتمكن أن يهيل ويغطي على جميع نقاط العيوب والصفات الركيكة على ما كان يكتب ما قبلهُ، وسحب واقعيتهُ ليس فقط على القصة بل على المسرح والرواية والكاتب الصحفي، ربما تبني يوسف الفكر اليساري فهو في خطٍ متوازي مع أفكار " تشيخوف " في معانقة البطالة والأهمال والفقر والمرض والمعاناة وخروجهما من دائرة الشارع السياسي إلى الشارع الحقيقي في مواجهة هموم شعبيهما في العري والجوع والفاقة .

- البحث عن الحرية: وظهرت جلية عند تشيخوف في مجموعته القصصية في سنة 1884 بعنوان (حكايات مليو ميتا) و(في الغسق) نشر واقع النظام السياسي القيصري المتردي ولكن بأسماء مستعارة مثل: انطوشا شيخونتي، وظهرت عند يوسف أدريس في روايته (المخططين) ناقش فيها الوضع الأنقلابي للعساكر من ثورة 1952 وبأسلوب خيالي فنتازي فيها الرمزية تكشف كيف تتحول الأفكار الثورية إلى نظم شمولية بعيدة عن الديمقراطية، وقال في هذا الموضوع: (أني على أستعداد أن أفعل أي شيء ألا أن أمسك القلم مرّة أخرى وأتحمل مسؤولية تغيير عالم لا يتغيّر، والأنسان يزداد في التغيير سوءاً، وثورات ليت بعضها ما قام).

- والتجربة المكانية في الشعر العربي على يد يوسف أدريس وتشيخوف، بأستثمارهما المكان فنياً، ويقدمان تجربتين حيتين تتمكنان من قراءة أسرار التأريخ والجغرافية، أضافة إلى سعيهما الدائم إلى كسر رتابة العلاقات اللغوية القائمة من أجل الوصول إلى بنية تتلائم والتجربة المكانية الخاصة بالأنحياز والتزلف للأنظمة الشمولية لطالما أحترقنا بنارها!؟ .

- وتقارب القاص يوسف أدريس مع أدبيات تشيخوف في مسألة: الغوص العمودي لا الأفقي في طبقات الشعور واللاشعورالتي تنطوي عليها الحالات النفسية للشخصية، بدل وصف الشخصيات من الخارج والحكاية عنها بمفردات الراوي العارف بكل شيء، كان الميل الغالب هو أنطاق الشخصيات نفسها ما ينكشف عن أعماقها، والغوص في أعماق الشعور واللاشعور في لحظة ضيّقة زمانية ومكانية كاشفاً الأزمات الشخصية الواقعة تحت مشرط قلم الطبيب يوسف أدريس .  

- تجريب في القصة والمسرح: يوسف أدريس رفض تقبل أشكال القصة على نحو ما وجد عليه، وتجربته على المسرح كانت مغايرة على ما موجود بالشكل التقليدي، حيث أستهل شكلاً جديداً، كما ظهر في مسرحية (الفرافير) و(المهزلة الأرضية) يخرج الكاتب المشاركة الجماهيرية مع الممثلين دون حواجز وهمية تفصل بين المشاهدين والمؤدين إلى الحد الذي يسقط فيه الحائط الرابع الذي يعزل الممثلين عن الجمهور، وينقل المتلقي من أحوال التلقي السلبي إلى أفعال التلقي الأيجابي .

عبدالجبارنوري

كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

.............................

مراجع وهوامش

فاروق عبدالقادر- البحث عن اليقين المراوغ – مصر / 

رسائل إلى العائلة –أنطوان تشيخوف- ترجمة ياسر شعبان  

يوسف أدريس تشيخوف العرب – الدكتور فالح عبدالجبار

 

 

حاتم جعفر(حديث عن رواية متاهة اﻷرواح وأشياء أخرى)

جنود الدكتاتور يطوفون شوارع المدينة وهم مدججون بالحقد والكراهية. كانت عيونهم وبنادقهم تحوم حول ذلك الشاب الغرناطي لوركا. كان كل مساء ومع غروب الشمس ينشد للحرية وللجمال وللكلمة الحرة. لماذا يا فيديريكو لا تكتب قصيدة شعر عن سيدك فرانكو؟سأله أحد الجلاوزة؟ لم يردَّ عليه. وما هي الاّ دقائق معدودات حتى وجهوا بنادقهم لتصيب رصاصاتها قلبه الفتي، قلب شاعر اسبانيا اﻷول، لتضع حدا لتلك الروح المحلقة بجناحين من الحب، ولحياته المزدانة بألوان الطيف وبجمال المشرقين، غير أنَّ لوركا ورغم سقوطه أرضا، ظل ماسكا بباقة الورد التي كان قد قطفها قبل قليل من حديقة منزلهه، ليختلط دمه بعطرها.

(سيناريو تصفية الشاعر على النحو اﻵنف كنت قد إفترضته. أمّا عن رَدّةُ فعل الضحية فهي لا تليق الاّ بالشعراء أمثال لوركا).

***

اننا نتحدث هنا عن اسبانيا سنة 1936 ،حيث شهدت بداية إندلاع الحرب اﻷهلية، تقاتل فيها اﻷهل مع اﻷهل واﻷخ مع أخيه وراح البعض يُكسر البعض اﻵخر، ولم تضع أوزارها الاّ بعد مرور قرابة سنوات ثلاث، سال فيها الدم نزيفا والبناء هدما. وإرتباطا بهذه اﻷحداث وعن أسباب ودوافع مرتكبي جريمة إغتيال غارسيا لوركا، فهناك من أعزاها الى تلك الدعوات القوية التي تبناها لوركا وبشَّرَ بها، والمتمثلة في ضرورة أن تختار إسبانيا في شكل حكمها نظاما جمهوريا، يُخلِّصُ الشعب الإسباني مما هو فيه من مهازل، كذلك لتتواكب  وتطورات العصر، فنظام الحكم الذي نخضع لسيطرته اﻵن، والكلام لا زال للوركا، لم يعد يشرف أحدا.

وهناك فريق آخر كان قد ذهب بتحليله الى جهة مغايرة جدا وبعيدة عن سابقتها، فهم يرون أن سبب تصفية الشاعر، جاءت على خلفية ما يحمله من أفكار ومبادى، كانت قد وضعته في خانة اليسار والشيوعية، وهذا هو الظن الراجح بحسب ما أورده مدوني تأريخ بلاده وكادوا أن يُجمعوا عليه. وبمقتله هذا وَمَنْ هو على شاكلته من رموز الثقافة الإسبانية ودعاة التحرر، لم تفقد إسبانياشاعرا كبيرا بقامة لوركا فحسب، بل سيُفتح الباب واسعا أمام صعود شلة من المنحطين والسفلة، ليتبوأوا أهم مراكز صنع القرار وأكثرها حساسية، ليقودوا دفة البلاد وعلى مختلف المجالات الى مصير مجهول، لا قرار له.

***

بعد إنتهاء الحرب اﻷهلية التي شهدتها الدولة، سيبرز نجم الديكتاتور السيئ الصيت والسيرة، فرانسسكو فرانكو، ليتربع على عرش الحكم وبصلاحيات مطلقة. ومنذ البدء سيعتمد في إدارته على أكثر الرجال تبعية وطاعة لفلسفة حكمه، فكانت يده ضاربة بقوة، مادا سلطته وسطوته على كل مفاصل الدولة. وإنسجاما مع سياسته هذه والتي لم يتورع في الكشف عنها والتبشير بها، فقد أقدم على بعض الخطوات السريعة والتي كان من بينها وأخطرها شنَّه لحملة إعتقالات واسعة، شملت أكثر العقول تنورا وممن يتمتعون كذلك بسمعة وتأثير قويين على حركة المجتمع. مدركا(فرانكو) بأن تواجدها خارج سيطرته، ستنسحب سلبا على طبيعة حكمه، وقد تتوسع لتشكل مخاطر أكبر فيما لو تُركت طليقة اللسان والحركة، وقد يؤدي ذلك الى إهتزاز سطوته وإنفلات زمام اﻷمر من بين يديه.

وتماشيا مع الخطوة السابق فقد أوكل مهمة إدارة سجن مونتويك الشهير، والذي يُعدٌ من أكبر سجون اسبانيا وأبشعها طرا، الى شخصية غامضة نسبيا، لم يكن همٌها سوى التسلق والقبول بأي موقع وظيفي، يمنحه الوجاهة وجذب اﻷنظار وما يقترب منهما. انه ماوريسو فايس، حيث سيُمنح فيما بعد لقب الدون، والذي يعني باللغة الإسبانية السيد أو القائد، وكلا الصفتين سيهنأ بهما، فالمهم أن يشار له بإنه مديرا لأكبر سجون إسبانيا، غير مبال لطبيعة المكان والوظيفة التي يشغلها. وعلى طيلة الفترة التي بقي فيها مديرا للسجن والتي تجاوزت الخمس سنين، فقد أداره بقبضة من حديد ونار وصنوف من التعذيب ولم يكد بعد قد بلغ نشوته. لقد قَدِمَ المدير ... قَدِمَ المدير، عندما كان يسمع بهذه العبارة من قبل حاشيته، كان يزداد غطرسة وتجبرا، وسيجد نفسه مدفوعا أكثر نحو تشديد قبضته، ليزيد من الخناق حول رقاب ضحاياه.

بكل تأكيد لدينا مثل هذا الكائن الكثير في سجوننا، وربما كان من بينهم مَنْ فاقه إستهتارا وبطشا، وقد يكون إسمه فلان أو فلان. كل هذا لا يعنينا فما يعنينا أن هذه الشخصية التي أنف ذكرها ستستفز كارلوس زافون، الروائي الاسباني، والذي شاع صيته وإنتشر بسرعة البرق، وراحت  أعماله تلقى رواجا منقطع النظير، مما حدا بدور الطباعة والنشر والتوزيع، الى ترجمة جل أعماله إن لم تكن كلها، الى العديد من اللغات الحية في العالم، لذا ستجده (الكاتب) مندفعا لإعادة قراءة تأريخ بلاده، بعين محايدة وبعيدا عن تأثير وضغوط بعض السياسيين وألاعيبهم، وكان من نتائجها، أن ترى النور الكثير من أعماله اﻷدبية المهمة، لعل من أبرزها تلك السلسلة التي أسماها بمقبرة الكتب المنسية، وهي عبارة عن مجموعة من الروايات المترابطة والتي يمكن قراءتها أيضا بشكل مستقل.

مما يؤسف له، أنَّ كاتب هذه السلسلة الرائعة، لم يأخذ نصيبه من العمر على النحو الذي تأمله اﻷكثرية من بني البشر، كما لم يأخذ نصيبه من ألقاب  وتسميات، تعكِس وعن جدارة وإستحقاق طبيعة إهتماماته اﻷدبية وبما يتتفق وملكاته وقدراته الحقيقية. فالرجل إذن ظُلِمَ مرتين، ففي اﻷولى توفي وهو في أحلى وأخصب سنوات عطائه ولما يبلغ بعد أحلامه وأهدافه البعيدة، ففي منتصف عقده السادس غادرنا الى عالم آخر، ولنسميه عالم اﻷبدية. وعلى المستوى اﻷدبي فقد حصرهُ النقاد في خانة واحدة، حرجة، حين عدَّوه روائيا فحسب، وهم بذلك لم يكونوا مخطئين ولكنهم قصار نظر. فمن يقرأ اعماله سيكتشف أن زافون، واسع الثقافة، عميقها، مسكها وفي وقت مبكر ومن عليائها، وراح يدبجُ منها ما طاب له  من حلو الكلام ودلالاته.

وإذا ما تسنى لك عزيزي القارئ ورحت تبحث عن أعماله ولنسميها الروائية هنا، فأهم ما سيسترعي إنتباهك، وهنا لا أريد أن أصادر وجهة نظر القارئ، هي تمكنه الواضح في بناءه لشخصياته، فزافون لم يكتفِ بالتوقف عند الشكل البارز أو الظاهر منها، بل راح أعمق من ذلك بكثير، لتجده كاشفا عن الجانب الخفي من تلك الشخصيات أو لنقل ما بَطُُنَ منها، وهنا لا أقصد أو اعني الضمر بل الذهاب الى تناول أعماق شخصياته، حاثاً القارئ على الغوص والخوض فيها، جاعلا منه طرفا فاعلا  ومشاركا في نصه، سعيا منه الى إكتمال شروط سرده وأركانه. فضلا عن فتح يديه وخزينه الفكري، ليضع المتلقي أمام جملة من المعارف التي سبق للكاتب أن إكتسبها وتعمَّقَ فيها، ودون أن يغيب عن باله مراعاته للبعدين الزماني والمكاني، وهذا ما سنكتشفه وبشكل جلي، حين يأخذ بيد القارئ على سبيل المثال، ليطوف به أزقة برشلونة وتوقفه الطويل عن أبرز معالمها، ليبدو كمن قرأ تأريخ بلاده بحرفة وإقتدار.

في منحاه هذا، والقصد هنا عن بناء شخصياته، ربما يكون زافون قد تذكَّرَ  وإستحضر طريقة إشتغال ديستوفسكي، محاولا اللحاق به وتقليد أسلوبه ما استطاع اليه سبيلا. وكي لا يبدو أمرا كهذا مبالغ فيه، أو أنه سيغمط حق صاحب أيقونة العمل الروائي العظيم، الجريمة والعقاب وأخواتها، وإعتلائه منصة هذا النوع من اﻷدب ومن غير منازع، فهو ودون شك وبرأي قاطع، أعلى شأنا ومنزلة ومقاما، بإجماع وشهادة كبار النقاد وراصدي الثقافة العالمية وعلى مختلف مراحل تطورها، لذا نقول أن (زافون) بذل جهدا واضحا في إشتغاله، ساعيا نحو التناغم مع معلم الرواية اﻷول ومحاولة السير على خطاه، لِمَ لا فهو بالنسبة له ولكبار الروائيين العالميين، خير مثال ومرجع، وخير مَنْ يُحتذى به أيضا، فعلى شجرته نمت أطيب الثمار ومنها قُطفت، وفي فيئها إستظلَّ كبار الكتاب، فكما غوغول تخرج من معطفه مَنْ تَخَرَّج فكذلك ديستوفسكي.

وإذا شئنا العودة والحديث ثانية عن رواية متاهة اﻷرواح التي تُعَد واحدة من سلسلة أعمال مترابطة كما سبق القول، فلابد من التوقف عند إحدى شخصياتها المحورية والكلام هنا عمن بات ينادونه بالدون ماوريسو فايس، على ما يطيب له. فقد سبق له(فايس)وعشية شَغلهِ لمنصب مدير، ﻷحد أكبر سجون إسبانيا وتوطئة لذلك، وفي خطوة يمكن وصفها بالشديدة الذكاء من لدن الكاتب، حين حرَّك هذه الشخصية، لِتُقدم على الزواج من إحدى الفتيات رغم إصابتها بالإعاقة الدائمة. قد تبدو خطوة كهذه للقارئ في بادئ اﻷمر بأنها تنطوي على جانب كبير من الرأفة والنظرة الحانية، الاّ أن ما خفي كان أعظم. فوالد هذه الفتاة التي ستصبح سيدة بيت الدون فايس، ينام على ثروة مالية هائلة، كان قد إستحوذ عليها بعملية نصب وإحتيال كبرى، كان ضحيتها أقرب المقربين اليه، وتربطهماصداقة مديدة في عمرها. في هذه الحركة، أراد الكاتب أن يُلفت إنتباهنا ليقول لنا ما معناه: اننا نتعامل مع  شلة من المنحطين والسفلة، إذ هم لا يتورعون عن إستخدام أكثر الوسائل قذارة وخسة، من أجل الوصول الى ما يطمحون اليه من أهداف دنيئة.

وعن (فايس) أيضا، فسيمضي الكاتب في كشف تداعيات وحقيقة هذه الشخصيته. فمن خلالها وبالإتكاء عليها، سيستمر في فضح المنظومة السياسية المتحكمة والمتسلطة على رقاب الشعب. ومن بين ماسيجري تسليط الضوء عليه وبكثافة، هو قيامه(فايس) وبالتنسيق مع خيوط وشبكات أخرى على صلة به، بعمليات خطف ومساومة، ومن بينها على سبيل المثال خطف شقيقتين، لا زالتا في عمر الورد، سينتهي بهما اﻷمر الى إيداعهما في بيتين مختلفين متباعدين، ليجري تبنيهما وبصفقة نذلة، ليبقيا على هذا الحال ومن غير أن يلتقيا الاّ بعد مضي فترة زمنية ليست بالقصيرة، حتى كادا أن ينسيا بعضهما بعضا.

غير أن العملية اﻷبشع التي قام بها مدير السجن، حسب تقديري، هو ما كان يمارسه من ضغوط على ضحاياه من السجناء، خصوصا إذا ما علمنا أن أكثريتم من المحسوبين على الطبقة المثقفة، كي يدبجوا له ما يرغب من المقالات، ليقوم فيما بعد بنشرها في الصحف الرسمية وخاصة تلك المقربة من مصادر القرار وهي حاملة وبكل وقاحة توقيعه، وله في ذلك نوايا وغايات ستتكشف لاحقا ومع سيرورة الرواية. ومن بين تلك اﻷسماء التي كان كثيرا ما يعتمد عليها في تنفيذ مأربه هذا وعلى سبيل المثال لا الحصر وبحسب ما ورد في سرده، الكاتب دافيد مارتين، حيث سيستغل ويستثمر(فايس) وبطريقة بشعة، حالة الإضطراب الذهني التي كان يعاني منها هذا الكاتب بسبب ظروف السجن القاسية. يقابله ما كان  يُطلقه (المدير) من وعود كاذبة، تتعلق بتحسين ظروف ضحاياه وهم في زنازينهم.

السيد فايس، ولنسميه هنا بالكاتب الملفق، وبعد تمتعه برصيد إعلامي قوي، كان قد خطط وإشتغل عليه ومنذ تسلقه وشغله لأول وظيفة عامة وفي ظل سلطة فرانكو، كذلك بعد نجاحه في تحقيق حضور سياسي ومن قبله حضورا ثقافيا ملفتا، بدعم ومباركة من جناحه الذي ينتمي اليه ومن بطانته، تجده وقد إنتقل الى خطوة أبعد، تنسجم مع تطلعاته وما كان قد رسم. لذا وعلى ما رآه، وأظنه مصيبا في تقديره هذا، فلابد له من إستثمار الظرف وإستغلاله وعدم إضاعة الفرصة، مادامت اللحظة قد حانت،  ومادام الباب قد فُُُتح وبرحابة أمام فكرة تعيينه بوظيفة أخرى، ستكون بالتأكيد أعلى شأنا وأرفع منزلة، وكان له ما أراد، حيث أستوزر لما كانت تسمى بوزارة التربية الوطنية. لم يكتفِ فايس أو الكاتب الملفق بذلك بل راح مقترحا تغيير إسمها الى وزارة الثقافة، إستجابة لتلك العقدة التي ظلَّت ملازمة له طيلة حياته، لعل في ذلك شفاعة لجهالته ولا أظنها ستشفع.

 

حاتم جعفر

السويد ـــ مالمو

 

جمعة عبد اللهالاديبة (مريم لحلو) تملك براعة في صياغة شعر الهايكو، بما يمكنها من رسم الصورة التصويرية في مقطع الهايكو، يحمل عمق التأمل والتفكير في معاني الصور المرسومة. التي رسمتها بصيغة اللوحات التشكيلية الفنية. والتي تملك براعة شحن الذهن في مؤثراتها في المعنى الظاهر والمضمور. تصوغها بكل براعة التشويق والمتعة. وبما تملك من امكانية متمكنة في هذا المجال، تصوغه  في تقنيات متعددة ومتنوعة. مادتها الخام الطبيعة والانسان، أو في أدق العبارة الانزياح الى الطبيعة وفصولها ومناخها وتضاريسها. والكائنات الحية التي تدب على الأرض، أو تدور في فضاء الواقع. ترسمها بأشكال متعددة، وباللحظة التصويرية في عدستها الراصدة واللاقطة السريعة. منفتحة ومنسجمة مع جمالية الطبيعة ومفرداتها. في محاولات التجريب والابتكار والخلق في داخل عدسة الصورة المصورة. وتضيف براعة جمالية في الخيال والفكرة والرؤية التي تتقاسيم الصدى بين الطبيعة والانسان، مؤطرة في تداعياتها وعتباتها في ديوان الهايكو (نتقاسم الصدى). نجد فيه الانزياح الى نوازع والعواطف والانفعالات الانسانية، في نشوتها وابتهاجها في الصياغة المركبة (السنريو / الهايكو) وفي حالات استكشافية جميلة من الرؤى، التي تخلق النشوة التشويقة في المشاعر.والصيغة الهايكو. وهو نوع شعري قائم بذاته، له خصوصية الصياغة والنسيج والبناء. لا احد ينكر بأنه جرت عليه عمليات تحديثية معاصرة في صياغته، وفي تمدد آفاق التناول والطرح، في نواحي توظيف الصياغة الهايكو التي توسعت كثيراُ عن الاصل (الياباني). ان شاغل المهم لدى الاديبة (مريم لحلو) في ديوانها الهايكو. ان تخلق اليقظة الحساسة في صورة التأمل، لكي تفجر حالة الدهشة الشعورية، التي تبرق في ذهن القارئ. في الترابط الروحي في موجودات الواقع (الطبيعة بكل اصنافها، والكائنات بكل اصنافها، وكذلك المناخات المتبدلة والمتغيرة في فصولها) اضافة الى شغاف الحب والحنين ومشاعر الوفاء والحنان. مشاعر الحزن والالم. مشاعر الوطن الحبيب. تسوقها بتمكن ابداعي دون ثرثرة وتعالي ونرجسية. وانما بالروح الفياضة بالحس الانساني النبيل، الذي ينشد الحب والخير والجمال، تسوقها في نشوة الابداع بما تحمل من احاسيس ومشاعر، تطلقها كالطيور النوارس في فضاء الواقع. لذلك يشعر القارئ بالارتياح والتشويق في سياحة الديوان الهايكو. لنأخذ غيض من فيض، من المقاطع الهايكو التي عددها 365 مقطعاً هايكوياً في الديوان شعر الهايكو.

1 * الغربة:

من الكشك المجاور

أشتري ظرفاً بريدياً

يا للاحساس بالغربة

*

غربة

صفير قطار

وخيط ودخان رفيع

*

النار في السراج

عزيز قوم

ذل

*

نص بديع

على صفحات السماء

سنونوات مهاجرة

**

2 - جمال الطبيعة :

بعيون الامس

أنامل

قمر الليلة

*

مع خيط الصبح الاول

تهتز شجرة النارنج

فراشي دافئ

*

ليلة مطيرة

سقف النخيل

مرايا القمر

**

3 - نشوة الطيور:

بعد هطول المطر

صافية زقزقة

العصافير

*

فراشة

وجه وظهر

ثوب الحسناء

*

العصفور الرمادي

للاسف لا ريش ملون

لا صوت رخيم

*

سرب النوارس

مناديل

تلوح للراحلين

**

4 - الحب:

عيون الحب

قلوب للبيع

ينادي البائع المتجول

*

مطر مباغت

أخلع خماري

لاستقبال رسل الله

*

خريف

ورقة ورقة يفضح

نمائم العاشقات

**

5 - حنان الام:

صباح مثلج

للحطب المحترق

رائحة الأمومة

*

يا أمي

ينادي جدي

وهو يحتضر

*

جدائل أمي

وأوراق الخريف

من نفس اللون

*

غمامات المشاعر:

مطر مفاجئ

بأخبار الحروب

أحمي راسي

*

عودة دخان *

أخفي الدمع

بالدمع

*

سجينان

العصفور

ونظراتي

***

جمعة عبدالله

 

 

حيدر عبدالرضااللاوعي الشخوصي بين استقرائية الفعل الحكائي وغرائبية الموضوعة

توطئة:

يتميز الذهن الحكائي الاستدلالي في مخيلة وتصورات الإجراء الأدائي في تجربة عوالم أقاصيص الكاتب الأمريكي الكبير إدغار ألن بو، على أنها الظاهرة اللاشعورية واللإرادية في التعامل مع الأشياء ضمن خطوط ومؤثرات نفسانية ـ باطنية، وعند التركيز في إيحاءات مسار أحداث قصة (القط الأسود / ترجمة خالدة سعيدة) نعاين مدى تحول الوعي إلى اللاوعي والشعور إلى اللاشعور والعقل الباطن المسكون بقابليات ساحقة من الوهم والعصابية النفسانية المستودعة داخل الصورة الانتاجية في إدراك تشكيل الصور والمواقف وحالات الأشياء .

ـ الشخصية المحورية وعصابية اللاوعي

يظهر لنا أولا وعبر وحدات تمهيدية من صوت السارد العليم بمقدمات تتابعية خطية جاءتنا تمثيلا على لسان حال الشخصية المحورية، تبرر للقارىء حرية الإفضاء بما يخالج ثيمات حكايتها الغرائبية مع نمو مجرى حياته الشخصية إلى جانب وجود زوجته . وقد أظهر السارد على لسان حال الشخصية حكاية قصته، ومدى حميمية علاقته بمجموع الحيوانات الأليفة في منزله، والتي تتكون من الأسماك الذهبية والقرد والأرانب و ذلك القط الأسود الذي يدعى ب(بلوتو) وقد أسهب السارد في رصد مراحل حياة طفولة الشخصية، وكيفية كونها من أبرز الناس إقتدارا على عشق الحيوانات، ما راح يعكس مدى أنسانيته إزاء علاقته بذلك القط الأسود: (كان بلوتو ـ وهذا أسم القط ـ حيواني المدلل وأنيسي المفضل . أطعمه بنفسي، ويلازمني حيثما تحركت في البيت .. بل كنت أجد صعوبة لمنعه من اللحاق بي في الشوارع . دامت صداقتنا على هذا الحال سنوات عديدة، تبدل خلالها مزاجي وساء سلوكي بفعل الإدمان على المسكرات ـ أني أحمر خجلا إذ أعترف بذلك ـ ويوما بعد  يوم تزايدت حدة مزاجي وشراستي واستعدادي للهيجان، وتزايد استهتاري بمشاعر الآخرين . / ص12  القط الأسود) في هذه النقطة الأولى من عتبات النص يختفي خلف صوت السارد العليم، ذلك الصوت الشخوصي الذي يتوزع ما بين (صوت السارد = الشخصية ذاتها) وصولا منهما إلى ذلك النموذج المتحول أو المرهون تحت ضغط وسائل المسكرات، لذا وجدنا عملية التحول وإخفاء الوجه الفعلي من هاجس الشر والشراسة، هو وليد مرحلة سلوكية مزاجية قديمة في حقيقة حياة الشخصية، وليس أبدا الحالة مستجدة في عنفوان الأداة السلوكية الحديثة لدى الشخصية، خاصة وأن المادة الفعلية من سمات أفعال الشخصية، عادة ما تحكمها مساحة متغايرة من العقل الباطن الاستعادي، مما راح يجعل حالة التنافر السلوكي لدى الشخصية كنزعة ضدية مع طبيعة هواجس اختلاف الواقع الجديد للشخصية ذاتها . لذا نقول أن نزعة التحول في مركب الشخصية، هو سيرورة قبلية مترسبة في قاع الذات القديمة، وليس محض تمظهرات محدثة ودخيلة على طبيعة الشخصية في واقعها النصي: (ولكم عانيت وتألمت بسبب التعابير القاسية التي رحت أوجهها إلى زوجتي، حتى أنني في النهاية لجأت إلى العنف الجسدي في التعامل معها .. وبالطبع فقد أستشعرت حيواناتي هذا التغير في مزاجي .. ولم أكتف بإهمالها، بل أسأت معاملتها .. وإذا قد بقي لبلوتو بعض الاعتبار مما حال دون إساءتي إليه . / ص12) . 

1 ـ المسرود القصصي بين الاستباق الخارجي وزمن الداخل النصي:

و قد تعددت مبررات الشخصية في الحكاية، وعبر حركة خاصة من التحول في موجهات السلوك بفعل أزمة نفسية حادة، يمكننا أعزاءها إلى مواقف خارج زمن الحكاية وليس داخل زمن خطاب القصة، نظرا لأن سمات الاستباق الخارج عن زمن الحكاية، كان تمهيدا يتوازى مع تعقيد الداخل من مركب الشخصية، وبهذا الأمر فإن حدود الوظيفة في النص هي حالة من وجهة النظر في اللحظة الخارجة عن حكاية الشخصية في خطاب النص، وإلا ما مستوى إمكانية الخمرة في قلب سمات شخصية كلية أخذت تعترف بذنوبها في الآن نفسه هي مصرة على دوام فعل العنف في ذاتها ؟ قد تكون هناك مواقف متوقعة وغير متوقعة داخل زمن النص، المتوقع منها إن هذا الرجل يعاني من مأزومية انفصامية خاصة، أما غير المتوقع منها، هو ما يتعلق بالحذر والقلق من مألوفية وحميمية أفعال القط المداعبة لإطراف جسد الشخصية، وبالمحافظة الخاصة من الشخصية على مقام كونه هو السيد في المنزل، يسعى ضمنا إلى خلق عادات عدوانية رادعة نحو تصرف حميمية تلك الحيوانات، ومن ضمنها القط، ولكن ما هو أشد غرابة في النص، هو شروع الشخصية إلى اقتلاع عين القط بواسطة آلة حادة: (ذات ليل كنت عائدا إلى البيت من البلدة التي كثر ترددي إليها وقد تعتعني السكر، وخيل إلي أن القط يتجنب حضوري، فقبضت عليه، وإذا أفزعته حركاتي العنيفة جرحني بأسنانه جرحا طفيفا، فتملكني غضب الأبالسة . وبدا أن روحي القديمة قد اندفعت على الفور طائرة من جسدي، وأرتعد كل عرق في هيكلي بفعل حقد شيطاني غذاه المخدر ..  فتناولت من جيب سترتي مطواة، فتحتها، وقبضت على عنق الحيوان المسكين واقتلعت عامدا أحدى عينيه عن محجرها ! . / ص12) ففي حكاية الشخصية يكمن الاستعمال للاستباق الخارجي، عوضا عن الاستباق الداخلي، وذلك لضيق زمن مساحة الحدث في القصة القصيرة، وخصوصا أن الاستباق الخارجي متشابه إلى حد كبير مع مؤهلات الشخصية في القصة، وقد تعددت إمكانية الشخصية فيها بوصفها آلية انفصامية تكن للأشياء عاطفة طارئة في زمن اللحظة المعاشة قسرا، ولكنها سرعان ما تعاودها روحها العدوانية السوداوية في الاستباق الخارجي .

2 ـ إبطاء مساحة السرد وتناسب وقائع القصد في اللاوعي:

و في هذا المبحث الفرعي سوف نستعرض ونتناول تحليلا عبر كيفية انتقالات الشخصية نحو مراحل خاصة من أبطاء عملية السرد والسارد، توغلا في الوظيفة الوصفية بين المشهد والتصوير العرضي، وعلى هذا النحو نعاين حجم مبالغة ألن بو في تفعيل دور الشخصية في الإيحاء بمبرراتها الواهنة والمريضة حيال مشهد قتلها للقط: (في هذه الأثناء أخذ القط يتماثل للشفاء تدريجيا .. صحيح أن تجويف العين الفارغ كان يشكل منظرا مخيفا، لكن لم يبد عليه أنه يتألم وعاد ينتقل في البيت كسابق عهده، غير أنه، كما هو متوقع، كان ينطلق وقد استبد به الذعر كلما اقتربت منه . كانت ما تزال لدي بقايا ممن القلب القديم بحيث ينتابني الحزن إزاء هذه الكراهية الصارخة يبديها لي كائن أحبني ذات يوم . لكن سرعان ما حل الانزعاج محل الحزن . وأخيرا جاءت روح الانحراف لتدفعني إلى السقوط الذي لا نهوض منه . وهذه الروح لا توليها الفلسفة أي اعتبار .. مع ذلك لست واثقا من وجود روحي في الحياة أكثر من ثقتي أن الانحراف واحد من النوازع البدائية في القلب البشري . / ص13) لنفترض بدءا أن الشخصية كانت تهدف إلى نقل واقع الأحداث إلى نقطة نسبية من نوازع الشر في السريرة الآدمية، بيد أن هذا الأمر هو تكملة من خلال مجرى سرد بؤرة النص، إذا ما دخل وجه المسكرات في موقف الشخصية الانفصامي ؟ في بداية النص ملوحا لنا بالتركيز على هذه الجمل: (تبدل خلالها مزاجي وساء سلوكي بفعل الإدمان على المسكرات . / ص12) على ما أظن أن هناك حالة من الازدواجية في سمات أوصاف ـ ألن بو ـ لحالة شخصيته فهو الآخر لا يعلم ما أسباب تحول شخصيته على حد تقديري، فمرة يعزوها إلى المسكرات، ومرة أخرى إلى فلسفة غير مبرهنة حول طابعية وجذرية الشر في القلب البشري مؤخرا على أية حال نعود إلى أسباب إبطاء مساحة الزمن السردي في النص، وذلك نظرا إلى تعليق أهمية وتكثيف الفعل الحاصل في الشكل التبئيري المركز في عملية السرد، وهو الأمر الذي جعلنا ننظر إلى مشاهد وفقرات النص بوصفها الموصوف الواقع في مسافة الغاية والقصد من الفعل الشخوصي .

ـ الوجود العضوي للمكان ومجريات علاقة السارد بالشخصية

في قصة (القط الأسود) يلعب العنصر المكاني دورا مرتبطا بملامح وسمات ومكونات الشخصية القصصية، حيث يرتبط الواقع داخل عوالم الشخصية النفسية، لذا نجد طبيعة الوصف المكاني للسارد، أضحى يظهر القابلية العاملية للمكان، وكأنه تلك الفسحة المنزوية داخل جدران دهليز مبطن، حيث يجرى التبئير من الخارج على لسان السارد العليم، أما من يقوم بأفعال المساحة التمثيلية من النص، فهو الشخصية الساردة بواسطة ظلية ضمير الأنا المخصوصة في النص تمثيلا: (هذا الجدار الذي نجا بمفرده لم يكن سميكا لأنه جدار داخلي يفصل بين الحجرات ويقع وسط البيت، وإليه كان يستند سريري من جهة الرأس . وقد صمد طلاء هذا الجدار كان يتجمهر حشد من الناس، وبدا أن عددا كبيرا منهم يتفحص جانبا مخصوصا منه باهتمام شديد .. دنوت لأرى رسما على الجدار الأبيض كأنه حفر نافر يمثل قطا عملاقا .. كان الحفر مدهشا بدقته ووضوحه، وبدا حبل يلتف حول عنق الحيوان . / ص13) أن الوجود المحوري للمكان كما قلنا سلفا، يتضح من خلاله ذلك الاختلاف ومسبباته وعلاماته، ها هنا تظهر آثار عملية قتل القط مشنوقا من قبل الشخصية في حادث وزمن سابق من النص، ولكن الغريب في الأمر هو كيفية إتمام هذا الرسم على الجدار، أو بالأحرى كيف يكون شبح هذا القط ملازما لمسرى متخيل من قبل الشخصية والناس المتجمهرة أمام صورة وهيكل الجدار؟ ما يجعلنا ننظر إلى أحداث القصة، بوصفها آلية تشخيصة إلى حالة من حالات الانفصام العصابي لدى الشخصية، هو ما يجعلنا ننظر إلى مساحة مقدمات النص على أنها الحركة الباطنة لدواخل وحالات الشخصية المعاقة، وصولا إلى الوجود المضمر إلى روح ذلك القط الشبحية في إيهامات وتداعيات مخيلة الشخصية ذاتها: (عندما وقع نظري لأول مرة على هذا الشبح ـ إذ لم أكن أستطيع أن أعتبر أقل من ذلك، أستبد بي العجب وأفظع الذعر .. غير أن التفكير المحلل جاء ينقذني من ذلك . لقد كان القط على ما أذكر، معلقا في حديقة متاخمة للبيت، فلما أرتفعت صيحات التحذير من النار غصت الحديقة فورا بالناس ـ ولا بد أن شخصا ما قد انتزعه من الشجرة وقذف به عبر النافذة إلى غرفتي . / ص14) كان من الممكن أن يتسع تحليل الشخصية الانفصامية نحو بدائل أخرى من نوازع الضمير، والخروج بنتيجة مريحة نفسيا لقلب وميول الفاعل القاتل، وذلك ما غدت تكشفه لنا تحولات الشخصية بعد ما فاض بها شعورها بتأنيب الضمير وتصاعد وتيرة الندم بها، وذلك ما بدا لنا واضحا عندما ذهبت الشخصية في أحدى لياليها الماجنة بالخمر والمثول إلى أقصى درجات تواصل جلد الضمير لها . يتضح لنا من خلال الفقرات اللاحقة من النص، أن الشخصية قد صادفها مرأى نقطة سوداء واقفة فوق أحدى هامات براميل الحانة، وعند تدقيقها في سحب الظلام في مكمن ذلك الشيء، تبين للشخصية أنه قطا بذات السمات السابقة للقط الذي قتله شنقا: (وعلى مدى أشهر لم أستطع أن أتخلص من هاجس القط، خلال هذه الفترة عاودني شعور بدا لي أنه الندم، ولم يكن في الحقيقة كذلك لم يكن أكثر من أسف على فقد حيوان، وتفكير بالحصول على بديل من النوع نفسه وشكل نفسه / وما سبب دهشتي هو أنني لم أتبين للحال طبيعة الشيء الواقف فوقه .. دنوت ولمسته بيدي . كان قطا أسود ـ قطا كبيرا جدا ـ في حجم بلوتو ويشبهه تماما باستثناء شيء واحد، إذ لم تكن في أي مكان من جسم بلوتو شعرة بيضاء واحدة، وكانت لهذا القط بقعة بيضاء غير واضحة الحدود تتوزع على منطقة الصدر بكاملها . / ص14) .

ـ الخلق القصصي بين عدوانية الذات وعقدة السوداوية

في الجزء الثاني من ترابط علاقة الشخصية بذلك القط الأسود الجديد، توافينا ذات السوداوية المقيتة من قبل مزاجية الشخصية القصصية، إذ يلعب في المحبوك السردي ـ التبئيري، معطى غرائبيا من ناشطية المحور المركزي (الفاعل المنفذ) الذي يتسم بأقصى محمولات العدوانية على ذلك المخلوق الأسود الجديد، وهكذا فعالية مركبة تكرارية، تشكل بعدا جديدا أكثر إقرارا بمأزومية هذه الشخصية الدالة على عدوانيتها ومرضيتها المستوعبة: (ما أكد كرهي لهذا الحيوان هو اكتشافي، صبيحة اليوم التالي لوصوله أنه مثل بلوتو، قد فقد أحدى عينيه، غير أن هذا زاد عطف زوجتي عليه، لأنها كما ذكرت، تملك قدرا عظيما من المشاعر الانسانية / كان هيام القط بي يزداد بازدياد بغضي له .. فكان يتبع خطواتي بثبات يصعب إيضاحه للقارىء .. فحيثما جلست، كان يجثم تحت مقعدي، أو يقفز إلى كربتي ويغمرني بمداعباته المقززة / ومع أنني كنت أتحرق في مناسبات كهذه لقتله بضربة واحدة، فقد كنت أمتنع عن ذلك بسبب من ذكرى جريمتي السابقة إلى حد ما . / ص15) قد يطول احساس العنف والرهاب داخل سرائر واقع الشخصية فترة من الوقت، أي بمقدار ما تتراجع وتمحى ذكرى القط القديم، ولكننا حسبنا أن للزمن داخل الشخصية محددات ثابتة وضمن فترة نفسية مأزومة معينة، ولكن الأمر بات يتصاعد بالشخصية نحو فترات زمنية لا يمكن احصاء حساباتها الظرفية والمزاجية . وإذا ما تفحصنا البنيات اللاحقة من منظور العنف لدى الشخصية حيال ذلك القط، لوجدنا أن الأمر قد طال كل الأبعاد التقديرية من الجانب النفسي، بل أن الشخصية وصل بها الحال إلى قتل الزوجة بطريقة غاضبة ومنتقمة بعد أن كان الفأس مسددا إلى ذلك القط قصدا بقتله، غير أنما حدث أن الزوجة قد تحاشت ومنعت تصويب الضربة إلى ذلك القط، فما كان بالرجل إلا أن أستشاط وراح يوجه بنصل الفأس إلى رأس الزوجة مخلفها ميتة، دون المساس بذلك القط الذي فر إلى مكان خفي من القبو: (تبعني القط على الدرج وكاد يرميني، فستشاط غضبي الجنوني، رفعت فأسا، متناسيا ما كان من خوفي الصبياني الذي أوقفني حتى الآن، وسددت ضربة إلى الحيوان كانت ستقضي عليه لو أنها نزلت حيث تمنيت، غير أن يد زوجتي أوقفت هذه الضربة . كان هذا التدخل بمثابة منخاس دفع بقبضتي إلى الهياج الشيطاني، أنتزعت يدي من قبضة زوجتي ودفنت الفأس في رأسها، فسقطت ميتة دون أن تصدر عنها نأمة . / ص16).

1 ـ رهبانية تحنيط الزوجة داخل مدفن الجدار:

و إذا ما تفحصنا منطق الاشتغال الحكائي في منجز قصة (القط الأسود) لاحظنا بأن ألن بو يستثمر طريقة دفن الزوجة في النص بذات كيفية الطريقة التي كان يدفن بها الرهبان ضحاياهم في مدافن الجدران في القرون الوسطى على حد تعبير فقرات إحالات القصة: (كان القبو مناسبا لمثل هذه الغاية . فقد كان بناء جدرانه مخلخلا وقد تم توريق الجدران حديثا بملاط خشن حالة الرطوبة دون تصلبه . وفوق ذلك كان في أحدى الجدران تجويف بشكل المدخنة تم ردمه بحيث تستوي أجزاء الجدار . وتأكد لي أن باستطاعتي انتزاع قط الطوب من هذا التجويف وإدخال الجثة، وبناء التجويف ليعود الجدار كما كان بحيث لا ترتاب العين في أي تغيير . / ص16)  وتتمثل بلاغة وإجرائية إتمام الجريمة على أتم وجه، ولكن الغريب في الأمر، هو غياب ذلك القط عن مسرح ظهوره المعتاد ومطمئن في أرجاء البيت بعد عدة أيام من الحادث، وعلى هذا النحو أخذت تخضع جميع محفزات الشخصية إلى البحث الناقم عن ذلك الحيوان المتسبب بتلك الجريمة، ولكن دون جدوى من محاولة العثور عليه في البيت . في الحقيقة لدينا بعض المآخذ على حبكة قصة ألن بو، ولابد لنا من توضيحها كمساءلة جادة في قراءة مقالنا هذا: كيف لرجال الشرطة ذلك العلم بمقتل الزوجة ؟ لقد جرت الأحداث في النص بموجب تلاحم محفزات داخلية للشخصية وزوجته والقط الأسود، ودون أدنى علاقة ما بالثلاثة حيال العالم الخارجي للمنزل ؟ أقول كيف تم إبلاغ مخفر ورجال الشرطة عن زمن وقوع الجريمة، خصوصا وأن علاقة الزوج مع زوجته لم يسبق لها أي سابقة إشكالية أو خلافية ما حيث يتطلب أمرهم حينذاك متابعة ومراقبة من قبل رجال الشرطة؟ أقول شخصيا أن مسألة قدوم رجال الشرطة تحت هذا السقف القصير من الزمن قد يكون من قبيل سوء التخطيط والحنكة من قبل ألن بو في نسيج التكوين الحبكوي لنصه؟ على أية حال تحقق رجال الشرطة في مكان وقوع شبهة جريمة قتل الزوجة، دون سابق توكيد منهم على أن الزوجة مقتولة على ما أظن؟ . والغريب أيضا في الأمر أن ألن بو راح يسلم ميثاق جريمته إزاء مكان مدفن الجثة بهذا الفعل الاستعراضي الفج من قبل الشخصية: (هل أنتم ذاهبون أيها السادة ؟ـ هذه الجدران متماسكة تماما، وهنا وبنوع من الزهو المتشنج، طرقت طرقا قويا على الجدار بعصا كانت بيدي، تماما في الموضع الذي أخفيت فيه زوجة قلبي / لم تكد أهتزازات ضربتي تغرق في الصمت حتى جاوبني صوت من داخل القبر ! صرخة مكتومة متقطعة بدأت كبكاء طفل، لكن سرعان ما أخذت تتعاظم وتتضخم لتغدوا صرخة واحدة هائلة مديدة شاذة غريبة وغير آدمية بالمرة / للحظة واحدة ظل فريق الشرطة مسمرا، على الدرج بفعل الرعب / تهدم الجدار، انهار قطعة واحدة . كانت الجثة قد تحللت إلى درجة كبيرة وغطاها الدم المتجمد، وهي تنتصب واقفة أمام عين المشاهدين وعلى رأسها يقف القط الأسود . / ص17) .

ـ تعليق القراءة:

في الواقع أن عوالم أقاصيص الكاتب الأمريكي الكبير إدغار ألن بو كلها تعتمد هذه المعادلات والدلالات الغرائبية من البدائل المغايرة لمخالفات سنن الملامح الواقعية المصورة، وما وجدناه في حال دلالات قصة (القط الأسود) ما هي إلا ذلك الانفراد والتفرد والتأثير الكبير في حكي أحوال النص القصصي، الذي غدا لنا في غاية العمق والتكثيف وسمو الأداة البنائية النادرة لنموذج النص القصصي العالمي . وقد يكون مفيدا من جهة هامة، دراسة مجمل عوالم أقاصيص هذا الكاتب المهيب، لأننا وجدنا في أدبه القصصي الكلاسيكي الثمين، حقيقة وأصالة وهوية المشروع القصصي الحكائي النادر من نوعه، والذي راح يقدم لنا خاصية علائقية جادة وجديدة في مدلول النص القصصي ضمن مؤهلات حقيقة وخلفية جمالية في مقولة التحليل النفسي  والرمزي والغرائبي توظيفا مكينا يستحق كل الدراسة والاهتمام النقدي .

 

حيدر عبد الرضا

 

 

لا يشكل الأرهاب صورة حديثة، نهضت الروايات  على استيعابه، وقراءة اضراراه، ومعوقاته  السلبية على المجتمع، أنما هو صورة قديمة، ومتشعبة في تراثنا الأدبي، والذي يمثل وثيقة رسمية لكل قارىء،وهذا ماسعت رواية  (المرايا) التي صدرت عام 1972 على تجسيده، ولم تكن هي الروا ية الوحيدة لمحفوظ من جسد هذا الفعل المشين، أنما روايات عدّة له مثل (الباقي من الزمن ساعة) التي صدرت عام 1982، و(يوم مقتل الزعيم) التي صدرت عام 1985،حلل الروائي عن طريقها  صور الإرهاب، والتطرف الديني في المجتمع العربي، فضلا ًعن تحليل  أصول الإرهاب الإسلامية .

فالرواية العربية كانت ومازالت تسعى  لتكون مرآة عاكسة  للمجتمع عن طريق بحثها  عن أسباب الإرهاب، والتطرف متنبئة بما سيحدث  في المستقبل  القريب للشعوب.

الرواية قارئة لمشاهد الحياة العابثة، وعقما، والتي حفرت في مخيلة الإنسان العنف، والأضطهاد النفسي العميق؛ لأن الإنسان كيان، وليس آلة في يد المجرم الأرهابي، وهو ماصورته الرواية، عندما نقلت كيف بابطالها آن لهم الأندفاع اللا طوعي إلى مصائر مجهولة، ومروعة، ولغز الحياة المظلم.

هذه الضغوطات المسلطة على الإنسان تهيىء للكاتب القدرة في ابراز قلمه للتحري عن الشخصيات المضطهدة، وتجسيدها، وجعلها تنطق الواقع بطريقة سردية اقرب إلى الحياة اليومية، بل صورة فنية بريشة مبدع نطقت عقم الحياة المعاشة، وهي اقرب إلى القصة، بل وسيرة ذاتية شاهدة على عصر مظلم؛ لأنها تبقى خالدة في الأذهان على الرغم من سردها، وشخصياتها الروائية المطولة .

شخوص الرواية ملونة، وقارئة  للمجتمع بأكمله بطريقة سردية واعية للفعل السياسي المشين، وساردة داخلية لشخوها الآخرى، أي بمعنى أن الحياة تجمعهم في المأساة،والأفراح، ليجتمعوا في هذه المناسبات، والأحزان، ومعرفة بعضهم البعض، ومن ابرزهم الطبيب (سرور عبد الباقي)، وزميله سيد المخدرات (سيد شعير)، أما (رضا حمادة) فقد اتسمت شخصيته بالنضال، والزهد ؛ كونه متقشفاً، وهو عل العكس تماماً من (خليل زكي) الذي كان يسيطير على بيوت دعارة منطقة السكاكيني جميعها.

وصورة الحياة الجامعية التي صورتها الرواية، امتازت بالأرهابي الذي يكتب التقارير عن زملائه.

وتقدم الرواية وجوه انتهازية، وهي صورة موازية للأرهاب، فالأرهاب ليس صورة دماء، وقتل، أنما هو صور متعددة، ومن ضمنها صورة المخبرين الذين

يكتبون التقارير عن زملائهم.

وفى هذا الجو المكفهر يقدم لنا نجيب محفوظ وجه سعاد وهبى ليرطب به الوهج السياسى اللافح.

والرواية شارحة لمعناها ؛لأن المرايا تعرف بكونها أداة لها القابلية على عكس الضوء، ومن هذا المفهوم انطلق نجيب محفوظ لأستثمار الثيمة، وجعلها هوية روايته، وعنوانها، عندما عكست شخوص الرواية وقرأت الوجوه المختلفة للبشر، وتلوناتهم، وقراءة صور الأرهاب بطريقة تحافظ على الكثير من الصفات الأصلية قبل ملامسة سطح الواقع المبعثر.

وكأن الروائي استعار  المرايا المنحنية لتكوين صورة مكبرة أو مصغرة أو لتركيز الضوء أو تشتيت الصورة المعكوسة على الواقع.

وتحمل الرواية النفس الثقافي العالي، والذي يمثل الصورة الحقيقية لكاتبها، وعرضت قراءة مستقبلية للوسط الثقافي المعاش، وكيف تحول إلى وسط يتخلله النفاق، والأنتهاز، بل وتجارة بشعة، إذ تحولت الثقافة  إلى وسيلة لكسب العيش، لا وسيلة لكسب الثقافة، والمعرفة.

 

د. وسن مرشد

 

حيدر عبدالرضادراسة في عوالم شعر علي الإمارة، الفصل الثاني ـ المبحث (3)

توطئة:

إن علاقة الذات الشاعرة بالمنظور الملفوظي لديها، يشكل أكثر من علاقة انشائية وتصويرية ناتجة عن أفق محاور الأشياء الوجودية، بل أنها علاقة وصلة من طرف الشاعر في البحث في غياهب المحاور والدلالات المضمرة من الوجود اللامرئي للأشياء وحالاتها. أما كيفية التقاط ذلك الغياب المسكوت عنه في قيمة المضمر من دلالات النص الكبيرة، فهذا الأمر يعتمد بدوره على أبعاد حسية المخيلة الناشطة في مكنون أسرار وصنعة أدوات خطاب الشاعر المحترف، وليس الشاعر التقليدي الذي يتعامل مع حالات الأشياء وكينونتها ضمن دوال لفظية عابرة ومضطربة.

ـ الخطاب الشعري بين بنى التفاعل وخلفية رؤية النص.

أن القراءة إلى عوالم تجربة الشاعر علي الإمارة في مجموعته الثمينة (حواء تعد أضلاع آدم) ربما عند التحقيق في نصوصها يساورنا هذا السؤال: هل أن العلاقة الدلالية في عوالم الشاعر الإمارة تقتضي حالة من التطابق بين العنصر المحيل والعنصر المحال إليه من ناحية المخصوص الدلالي بذاته من حيث منهجية التأويل ؟ بل أننا وجدنا في قصائد مجموعة (حواء تعد أضلاع آدم) تلك المعاودة الصياغية في صناعة وإنشاء العلاقة السياقية التنافذية، إي من ناحية الإحالة النصية بوصفها غاية منجزة في روابط وسائل النص المرجعية ـ السياقية:

 

لكني لابد أن أعدَّ أضلاعك

كل ليلة..

حفاظا على كنز أنوثتي

و احتفاء ببقائي

فلن اطمئن وفي صدركَ

أضلاع أخرى

الأضلاع الدهشة والرعشة

الأضلاع الأمل

الأضلاع الخيانة

فأين تهرب من ظمأي

أيها الماء القديم

يا ماء التفاحة

وملامحَ الطوفان. / ص21  قصيدة: حواء تعد أضلاع آدم

يجتمع في هذه المساحة من حركية الدوال، ثمة علاقة سياقية متداخلة ومتواترة في مرجعية واصلة محكومة بمواقف ميثولوجية متخيلة في حدود من التحول الدلالي والإمكاني المتماثل في جملة (لكني لا بد أن أعد أضلاعك) بوصفها قابلية احصائية مرجعية من شأنها التعامل مع مكونات ـ حواء ـ كحقيقة مرجعية تتكونها مجموعة من أضلاع الرجل الواهنة، لذا فإن العملية الأحصائية المقصود من وراءها هنا هي القيمة البحثية في مفقودات الأضلاع الأخرى من جسد آدم والتي تتركز من خلالها حظوظ حواء كعلامة تقويمية لخلقها (كل ليلة ـ حفاظا على كنز أنوثتي ـ فلن أطمئن وفي صدرك أضلاع أخرى) ويمكننا فهم مقصودية جملة (أضلاع أخرى) الأهمية الأخرى المعقودة من صفات دال حواء ـ لذا يترتب على كينونتها الناقصة البحث في الأجزاء الأخرى من حظوظها المفقودة في جسد آدم. والملاحظ على الاستخدام القديم للأساطير والرموز المرجعية الدينية، على أنها تتعامل مع الأجزاء العضوية كاستخدامات رمزية مجملة، كما أنها تعاملات جزئية في الآن نفسه، فما كان للشاعر والشعر إلا أن يكتشف ببعدها المتخيل والمتحول في الاستعانة السياقية المرجعية إلى مؤشرات محمول زمن شعرية التصوير. وهذا ما وجدناه في جمل النص: (الأضلاع الدهشة والرعشة / الأضلاع الأمل / الأضلاع الخيانة) ثم وصولا منها إلى خيارية اللاواقع واللابديل دون محددات واعترافات حواء المتوعدة بمكونات آدم: (فأين تهرب من ظمأي ـ أيها الماء القديم ـ يا ماء التفاحة ـ وملامح الطوفان) وتتشاكل العلاقة الماضوية المعاينة في حدود شعرية السياق المرجعي نحو تحقيق خلوصات محققة في زوايا التركيب الآدمي، فالشاعر الإمارة جعل من مظاهر مادة الخلق ك (أيها الماء القديم) كواصلة مدلولية نحو دلالة (ماء التفاحة)، اقترانا بحكاية سفينة نوح والطوفان، وما تتخفى من وراءه ملامح أفعال وذوات الأرحام وتلويناتها المرتبطة بأصل دليل الخلق:

يا خشب َ السفينة

و رمادَ السؤال

يا حبيبَ الجنة

و رفيقَ الكهوف

يا قلقَ العروش

و ترابَ الملاجىء

أين تضعني الآن

بعد أن امتلأتْ خطاك بالوقوف. / ص 22 قصيدة: حواء تعد أضلاع آدم

أن تمفصلات بنيات شعرية الإمارة في أسلوب الوظيفة السياقية، قد لا يمكن تقديرها بكلمات عابرة في قراءة نقدية بسيطة بل أن أمر هذه التجربة وتأريخها الخصب، يتطلب من الدارس والباحث تأسيس آليات منهجية نقدية شعرية جديدة لها، أردت أن أقول أن بنيات الدوال في مشغل شعرية الإمارة، وتحديدا في مجموعته الثمينة (حواء تعد أضلاع آدم) ما هي إلا جملات انتقائية ادائية يصعب علينا مقاربتها مع أي تجربة شعرية منجزة في جيل الشاعر الثمانيني. حاولنا بدورنا تسليط الضوء على نماذج من نصوص هذه المجموعة الشعرية، فأخترنا لها ذلك المحور المبحثي المكرس بصورة خاصة نحو دراسة العلاقة السياقية ـ المرجعية، الكامنة ما بين الذات الشعرية إلى جانب بحثها في الوجود الدوالي والدلالي المضمر من على شاشة القراءة الأولى إلى نصوص الشاعر، وذلك نظرا إلى مستوى سمو أدوات وموهبة ومخيلة الشاعر، التي لا يمكننا كقراء لها دراسة أبعادها الدلالية بطريقة عفوية وعابرة وغافلة. وعلى هذا النحو فأن جملة (يا خشب السفينة) وجملة (رماد السؤال) تفتح لذاتهما أفقا سياقيا مخصوصا نحو مرحلة حكاية سفينة نوح القرآنية وطوفانها، وهذا الأمر بذاته ما راح يحفز إمكانية الدلالات الشعرية في النص، اقترانا له بذلك التواصل الخلقي الأول، وبحكم كونه النبي الأول كمصدرا لأنبعاث البشرية جمعاء، وعلى هذا النحو وجدنا سلسلة العلاقة السياقية في النص تتخذ لها من الملمح التناصي المرجعي دليلا ممتدا نحو مواقف كبيرة من الطابع التصويري والتعددي الاسلوبي في جمل السياق: (السفينة ـ السؤال ـ الجنة ـ الكهوف ـ العروش ـ الملاجىء ـ خطاك) بمعنى ما أن الراوي الشعري حاول التوصيف مظاهر الأبعاد المكانية والزمانية في تلفظات ذات وشائج حسية خاصة بمواقع الهيئة الأحوالية الضامرة لشكل العلاقة الواقعة ما بين (آدم = حواء = مرجعية السياق) فالشاعر بعد أن راح يطابق بين موصوفه القصدي وأبعاد اللحظة المصورة، فما كان عليه لاحقا سوى توكيد مستويات التشكل في المتواتر السياقي، كحال هذه الوحدات من النص:

فما زال بين حذائك وقبعتك

متسع للنبوءة

تسلق لبلابي وعاقر ثناياي

و أخرج من صدأ الأيام

لهفة مفاتيحي. / ص23 قصيدة: حواء تعد أضلاع آدم

فالمتحدث ها هنا بضمير المتكلم هو بمثابة نموذج القناع المتمثل بشخصية حواء صوتا ورمزا بالزمن الأحوالي، لتغدو دالا في مزايا اللحظة الشعرية الدالة تفاعلا مع مفاتيح الاستجابة الممكنة ووجه تعييناتها الاستعارية في صورة المرسلة القناعية.

ـ الأنا الشعرية بين أغنية الشاهد ومضمر التجديف الزمني.

توافينا من ناحية أخرى دلالات قصيدة (أغنية القتلة) بذلك االمؤشر الامكاني المتوحد وهوية الذات الشعرية الموغلة في مدار هيمنة وحدات ذروة الإيقاع الزمني الوافد في خلجات ومحدثات خطاب النص.. ولأنها شعرية تتسع لأبعد مدى من فضاء المحذوف المقطعي، لذا وجدنا مستهل ملفوظها ملوحا نحو فضاء رمزية المسكوت عنه من الوجود الآخر:

أغنية القتلة..

أنا

صوتي

الذي كان يركض

في الوحول

بحثا عن

شمس سواداء

كان فؤاد قصيدتي

فارغا

مفتوحا... للداخلين

ومتسعا

للعواصف. / ص54 قصيدة: أغنية القتلة

 

أن رؤية الشاعر الإمارة إلى لقطات هذا النص، يترشح من خلالها تلك الحدود من مسميات تقانة المحذوف والتعمية، مما يجعل أحوال الدوال تتلمس لها في ملفوظها قيمة إحالية تعمل بإتجاه فتح الصور من حيز اللامرئي حيث هواجس الشاعر في أحوال النص: (أنا ـ صوتي / الذي كان يركض ـ في الوصول) أن تمحورات هذه الفواعل من الدلالة، تبدو وكأنها الاستعارة اللغوية الحاصلة في منظومة التقاط ديمومة المضمر من المرئي والتقاط اللامرئي من العدم تباعا مع دوال أسئلة وجود الأشياء من حول الشاعر ذاته، لذا فأنها في الوقت نفسه شبه معللة نحو ملاذات القلق وحالة الوصول أو اللاوصول إلى أفق السؤال، وذلك لأننا وجدنا صيغة المركز العنواني ـ النواتي الأول من النص ـ شبه إجماليا وليس محددا في مسار فعل المحدد من حال الضمير الأنا المتصدر في الجزء اللاحق من سياق النص. وعلى هذا النحو تبقى جملة العنونة (أغنية القتلة) بمثابة الصيغة المقاربة في المحسوس أو اللامحسوس من حجب ووصولات دلالة النص الجزئية. ولكننا عندما نتابع دلالات جملة (بحثا عن شمس سوداء)و جملة (كان فؤاد قصيدتي فارغا) وجملة البياض التوسطي  (مفتوحا... للداخلين) نفهم هنا بأن انحسار أفعال الذات الشعرية، يشكل في دلالة النص بما يقارب القطيعة المتمركزة وحالات ذلك الوجود المتأزم الذي يحيط بأفعال وصفات وأحوال النص والذات الشعرية، الأمر الذي راح يقودنا نحو دلالة جملة (متسعا للعواصف) أي بمعنى ما راح يتجلى لنا من حيز حدود الضيق، ذلك السؤال للشاعر في حجب المخبوء من تفاصيل قلق السؤال ومكابرات وصولات الذات الشاعرة:

 

و يا للأسف

لم يحظ قلبي

بهبة نسيم

ولا شهقة عشب. / 55 قصيدة: أغنية القتلة

من هنا تبقى مؤهلات خيبات الشاعر من جراء مناخات موضوعة القصيدة المضمرة، بمثابة الخلاصة المأساوية بدلالة تبدد أحلام وأفئدة الشاعر عبر محاور الدوال من حوله ب (حتى النساء الحميمات.. لم يجدن.. ملاذا أمنا.. في زواياه) لهذا صرنا نعاين أخيرا تحولات أداة النص عبر مستلزمات تطهير قلب الشاعر من أهوال وخرائب فصول الأفعال الشعرية السالفة بأداة جديدة من الكلمات والدوال الشعرية الرائقة:

تفريغ قلبي من العواصف

أنظّفُ..

بمكنسة الكلمات

بقايا

الأحتفال الوحش

في جوفي. /  ص56  قصيدة: أغنية القتلة

ـ تعليق القراءة:

حاولنا في مبحثنا هذا أظهار مساحة العلاقة السياقية عبر وظيفة أداة التجربة الشعرية لدى الشاعر، إذ هي تدخلنا في مجاهيل الوجود اللامرئي من الأشياء التي لا تتيح لقارئها لمعرفتها في الوهلة الأولى من قراءة النص، إلا أن هذا القارىء قد يستفهم تلميحاتها وإيحاءاتها ومقاصدها وعلاماتها المحبوكة عبر لغة تداولية الملفوظ في أحوال النص، وصولا لنا إلى فهم لغة الشاعر التصويرية الحاذقة ظاهرا وباطنا والتي تتوارى من خلفها حجب الوجود القصدي والإيحائي الثمين، فيما تبقى كشوفات العلاقات السياقية في القصيدة تعلن عن ذاتها عبر ذلك التحول الثيماتي المضاعف في تقديم أشكال خاصة من المسكوت عنه بأدوات جادة وجديدة من مؤثرات النموذج الشعري.

 

حيدر عبد الرضا

 

جمعة عبد اللهالكاتب المغدور بكاتم الصوت (علاء المجذوب) الذي اغتيل بدم بارد ب 13 رصاصة من كاتم الصوت، كل جريرته أنه أنتقد الدور الإيراني بالتدخل بالشؤون الداخلية للعراق بشكل سافر، فكان الجواب هو الاغتيال في عتبة باب داره وفي وضح النهار، منذ اكثر من ثلاثة سنوات والقاتل مازال طليقاً وحراً يواصل مهنة الاغتيال. هذا الاغتيال أنذاراً موجهاً لكل من ينتقد إيران، صادر من المليشيات التي تعتبر أيران تحمل العصمة المقدسة. والروائي (علاء المجذوب) شخصية معروفة في الوسط الثقافي والادبي، له مساهمات مبدعة في الشأن العراقي، في السرد الروائي في فن الرواية الحديثة، تتناول المراحل السياسية السوداء والبغيضة قديماً وحديثاً. وهذا المتن الروائي يتحدث، عن الفترة قبل الاحتلال الامريكي وبعده. من زوايا المتعددة في الشأن السياسي والاجتماعي، ويغوص الى الاعماق في دقائق وتفاصيل بذور الانتهازية حتى اصبحت أشجاراً عملاقة بالتفاصيل التي رافقت فترة ما بعد الاحتلال، بالتوثيق الروائي والسياسي في سايكولوجية الانتهازية ومراحل تطورها على الخراب العراقي. التي صاحبت نهج الاحزاب الدينية التي جاء بها المحتل وسلمها مفاتيح العراق، لتدوس في بساطيلها على رؤوس العراق والعراقيين، لتلعب على تقرير مصيرهم وحياتهم، وفق ما تريد وترغب، بعدما اتخذوا من العراق مغارة (علي بابا) في النهب والفساد، وسرقوا البلاد والعباد، بمهارات شيطانية فذة في الاحتيال والاختلاس. في بيع مؤسسات الدولة واملاكها وعقاراتها. أو سرقة أموال المشاريع والصفقات والعقود منها عقود صفقات الكهرباء، التي ضخت لها ماكنة خرافية من الاموال، والتيار الكهربائي يشهد تراجعاً الى الوراء، بانقطاع ساعات طويلة للتيار الكهربائي، ورغم ضخ الاموال الخرافية فأنها لم تنتج وحدة انتاجية للطاقة الكهربائية، مما ظل المواطن يعاني من انقطاع التيار الكهربائي في عز قيظ الصيف الملتهب بنيرانه الساخنة لساعات طويلة،. ان النص الروائي يتابع ويرصد ويراقب عن كثب سلوك هذه الاحزاب الدينية لطريقة اسلوب حكمها،بين الشعارات الدينية البراقة في الايمان والتقوى والنزاهة، وبين النفاق السياسي الداعر بالفساد. الذي عطل ماكنة الدولة وقادها الى الخراب، يوثق جمله من ألاحداث العاصفة التي مرت على العراق، من مرحلة الحروب، الى مرحلة الحصار الدولي، الى مرحلة الاحتلال ومابعدها، والتي تصدرت قمة المآسي والكوارث، في هذا الاحتلال البغيض الذي (أحدث تغييراً اًستراتيجياً في العراق وحياة العراقيين. أنه ببساطة أحتل من قبل أعتى دولة في العالم) ص83. وجلب الديموقراطية التي تحولت الى ديموقراطية الدم، والانتخابات البرلمانية ومجالس المحافظات، ماهي إلا مهزلة صورية مزيفة، كل ما في الامر، تتتفق الاحزاب الحاكمة على المقاعد البرلمانية بالتقسيم الحصص سلفاً لتنتج مخلوقات فاسدة في البرلمان (أعلب النواب عبارة عن بالونات ملونة، وقد سرقوا أموال الشعب والبلد) ص231، وما لعبة الانتخابات إلا مهزلة، لذر الرماد في العيون رأي العام الداخلي والخارجي. لان الاحزاب الدينية كل اهتمامها وانشغالها بالفساد المقدس والسحت الحرام المقدس، على نهب أموال خزينة الدولة. وترك الشعب تحت رحمة الارهاب والتفجيرات الدموية والانفلات الامني والفقر. والغريب ان تصادف هذه الاحداث في اشهر رمضان. وخصص لها المتن الروائي ست رمضانيات بالاسماء والالوان والمعاني البارزة وهي:

1 - رمضان أصفر.

2 - رمضان أخضر.

3 - رمضان بلون صدر الحمام.

4 - رمضان يشبه الاخرين.

5 - رمضان العراق الجديد.

6 - رمضان ليس الاخير.

هذه الرمضانيات تتراكم في فصولها على خنق العراق بالفساد وافقار الشعب، بحرمانه من نعم اموال موارد النفط، التي تذهب حصة الاسد الى الاحزاب الدينية، ونجدها تتنازع وتتطاحن بالخلافات حتى لعلعة الرصاص بينها، بسبب ان حزب ما حصد اكثر حصة مالية من الاخر. او حصد المناصب والمشاريع والعقود الوهمية أكثر من الاخرين. او زج المقاولين من بطانته الحزبية دون غيرهم، للنهب والسرقة اكثر من اللازم. يعني الخلافات على المغانم المالية، مما تؤثرسلباً على الوضع الامني الهش، وحتى بعض هذه الاحزاب هي نفسها تلجأ الى التفجيرات الدموية في الاماكن والاسواق المزدحة بالناس، كعامل ابتزاز ومقايضة برفع سقف مطاليبها الى الاعلى، اي مقايضة ملف الامن بالمال. أن الاحزاب الدينية في نهجها ترسخ الفساد السياسي والاخلاقي، وتعتبر بيوتها الاخطبوطية، عصابات مافيوية بأمتياز في أبتلاع البلاد،

احداث المتن الروائي:

شخصية (جبار) المحورية في الحدث الروائي مع عائلته المتكونة من (الاب والام والاخوان، عادل، حسون. ناهض. خالد، وشقيقتهم صباح) وجبار يمثل المثال الساطع على تطور الانتهازية من مراحلها الاولى الى اقصى مراحلها المتطورة. بزواجه من ارملة غنية طمعاً في المال والارث المتوفي، وزواجه الثاني من زوجة شقيقه (عادل) الذي توفي في حادث مرور، وترك ارث مالي محترم، فتحت شهيته على زواج ارملة شقيقه المتوفي طمعاً بالمال، ولكن تحت غطاء صيانة العائلة والشرف والعرض. وزواجه الثالث من (سلوى) حين وصل الى قمة اشكال الانتهازية وتبدلت احواله الى البذخ المالي المجنون، فلابد ان يغيير حياته بالزوجة الجديدة في عشرينيات العمر، بداية اول صعوده السلم، حشر نفسه في حزب ديني وبالتملق والنفاق والانتهازية، فاز في عضوية مجلس المحافظة، لكن هذا لم يشبع طموحه الانتهازي حتى اصبح في مركز حزبي متقدم، رئيس فرع الحزب في محافظته. ثم حصل على مقعد في البرلمان وأصبح بعد ذلك صوت الحزب المسؤول عن صرماية والاموال التي تدر من الصفقات والعقود ومن المشاريع الوهمية. حتى جلب شقيقه (حسون) في ادارة المقاولات والمشاريع ليساعده على الخمط والنهب. وجلب ايضاً شقيقته الارملة (صباح) وحصلت على مقعد في البرلمان، لكن لم يشبع طمعها وجشعها فطالبت بحقيبة وزارية وناطحت في الحصول عليها، لكن ساومها شقيقها (جبار) بدلاً من الحقيبة الوزارية، ان تكون مسؤولة اللجنة القانونية في البرلمان، وعبر لجنتها القانونية تملك صلاحيات واسعة في الاقرار والرفض المشاريع والقوانين المقدمة الى اللجنة. وهي تعتبر عش الفساد المالي، وشكلت اللجنة قانونية من الموظفين، وانجذبت في علاقتها مع موظفها (توفيق) وطرحت عليه الزواج مقابل فتح مغارة (علي بابا ) وان يشكل جمهورية مالية كبيرة مثل جمهوريات الفساد الاخرى، وبهذه الاغراءات الخيالية وافق على الزواج. هذه فنتازيا الفساد للاحزاب الدينية التي آمنت بقدسية في مبدأ (ميكافيللي) الغاية تبرر الوسيلة. في السلوك في الفساد الاخلاقي والسياسي. فأصبح لكل حزب ديني امبراطورية مالية واسعة الاطراف كالاخطبوط. بهذا النهج اصبحت اكثر ظلماً وفساداً من اسلافهم. ومن اجل خنق الاصوات المعارضة، مارست أسلوب الارهاب الفكري وقمع الحريات بالتهديد بالقتل والاغتيال والبطش والتنكيل، ولابد من الاشارة المهمة والهامة. بأن الكاتب الشهيد (علاء المجذوب) كأن قد حدس وبصر مصيره وتوقع اغتياله برصاصات عمياء من كاتم الصوت من مرتزق جاهل. ضمن خنق الحريات العامة، أو بما يسمى بديموقراطية الدم (لم يدور في حسابي أن أموت مبكراً، أو يتم يتم أغتيالي بطلق ناري أعمى من مغفل لا يفقه من الدين إلا قشوره) ص118. وهذا فعلاً ما حصل وذهب مع قافلة مئات الشهداء. فأصبحت الاحزاب الدينية معزولة منبوذة وبغيضة من الشعب (الاحزاب المسيطرة على الحكومة المركزية. التي وعلى مدى سنوات المنصرمة لم تقدم شيئاً أكثر من الوعود، بد أن أحاطت نفسها بكتل كونكريتية وعزلت نفسها عن الشعب) ص107. لقد تركوا فئات الفقراء والجياع يقتاتون على حاويات القمامة للحصول على رغيف الخبز المر في بلد غني بموارد النفط. هذه نتائج الاحتلال والقمامة التي جاء بها وسلمها رقبة العراق للذبح. ولكن الغطرسة المالية تخلق النزعات والمشاكل والازمات داخل صفوفهم. فزواج (صباح) لم يعمر طويلاً فقد مات (توفيق) زوجها بالسرطان مع شقيقها حسون الذي توفى أيضاً، في زيارة الى موقع قصف من قبل في الحرب واهمل، واصبح مكاناً خطيراً بالاشعة المتلوثة، وكان غرضهم من زيارة الموقع، من اجل سرقته وتقاسمه بينهما. وكما دب الخلاف بين (جبار) وزوجته الثالثة (سلوى) ذات العمر العشرين وهددته بالطلاق، ولم تعد تتحمله وتطيقه. وهذا رمضان ليس الاخير في الصراعات الداخلية والخارجية.

 

جمعة عبدالله

 

حميد الحريزيللروائي مهدي النجار

العنوان:

عنوان الرواية يكشف عن دلالته، فالأزمنة الفاسدة هي حكاية اكتشاف الثروة البترولية في امارات الخليج العربي، من قبل قوى الرأسمال العالمي وشركاته الأحتكارية البريطانية (المستر وليم نوكس دارسي) وعميل المخابرات البريطانية والجاسوسية الشهير فلهوزن، والاحتكارات البترولية الامريكية (ايزابيلا – شركة موبيل أويل).. وشراء ذمم الأمراء وبيعهم ثروات شعوبهم لهذه الاحتكارات مقابل توفير العيش الباذخ لهم وحمايتهم وتأبيد سلطتهم وتحكمهم بمصائر شعوبهم .

جهل وعمالة ووحشية الأمراء:

تمكن ممثل الاحتكارات البترولية البريطاني من توقيع صك شراء الثروة البترولية في الامارة من الشيخ (نور الدين برهان - شخبوط سابقاً –المطلق نور الدين برهان لاحقاً)، مغريا اياه بالمال والسلع الاستهلاكية الغربية التي لم يحلم بها هذا الشخبوط الجربوعالجلف عديم الأصل الخادم في بيت الفاتك الذي وقعت في عشق فحولته بنت الفاتك (الفارعة عتاكه الفاتك) التي صنعت منه شيخاً وأميرا والبسته ملابس وحلل والدها الامير الراحل، تاركا لها الثروة والعبيد وقطعان من الماعز، وأصبحت الاميرة طوع بنانه طمعاً في احتكار فحولته الساخنة الفجة لها وحدها .

2199 مهدي النجارشخبوط (الامير نور الدين برهان) يجمع حوله عصابة من البدو المكتوحشين ومن قطاع الطرق واللصوص والشاذين بمشورة من (فلهوزن) لتكون قوة رادعة وقامعة لكل من تسول له نفسه معارضة (شخبوط) أو يحتج على بيع ثروة البلد للاجانب بسعر بخس واستغلال الثروة لملذاته الشخصية وزمرته الفاسدة، ففتح السجون والمعتقلات تحت الأرض وأقدم على ارتكاب المجازر الجماعية وتقطيع الرؤوس وسلخ الجلود لمعارضيه وخصوصا في حي (الغواصين) حي تجمع الممشين والكادحين في الامارة الثائرين على حكم وهيمنة الاجانب على مقدرات بلادهم . حيث تمكنوا من تجريد (فلهوزن) من ملابسه وطردوه عارياً بعد أن حاول التعدي على مقابر أجدادهم وهو يفتش عن ضالة أسياده في نهب الثروات والكنوز والاثاتر الثمينة المادية والثقافية والروحية، فأوغل عليهم صدر (شخبوط) طالبا منه رميهم في البحر وازالة حيهم من وجه الأرض.

تمكن (شخبوط) من ترويض الشيخ عبد الحق النجراني الذي تحاول من معارض للغزو الاجنبي الى مطية طيعة بيد الامير والانكليز يفتي لهم بما يشاؤون وفق مقولة (الضرورات تبيح المحظورات) فأجاز سلخ الجلود وكل انواع التعذيب الوحشي ضد أبناء الامارة من المعارضين .

اعتمد الشخبوط على المتوحش (ناظم فلك) وزيرا للامن والدفاع والذي يذكرنا بالمجرم (ناظم كزار) مدير الامن العام زمن حكم البعث في العراق ويذكر بالحجاج وسجونه امتدادا لتاريخ القمع والقهر والتعذيب في التاريخ العربي الاسلامي في مختلف الحقب، والذي كان مصيرةه القتل على يد سيده الشخبوط ليدفن معه سر قتل زوجته بيدي (ناظم فلك) خنقأ.

كذلك توجه المستبد الى تدجين الشاعر (نابغة الصحراء) كممثل للصوت المؤثر، فوفر له المال والقصر الفاره والنساء الجميلات والخدم فاشترى وامتلك قلمه ولسانه حاله حال كل المستبدين في تدجين المثقفين والأدباء والمبدعين ليكونوا اداة طيعة بيدهم .

تحريف التاريخ بدعم من رجل الدين فصنع له شجرة نسبتنبه الى اشرف العوائل من العرب، فصنعوا له صورة كبيرة لشجرة العائلة مخطوطة بالذهب الخالص في اطار من خشب السنديان) ص64، وكأنه يتحدث عن شجرة نسب عبدالله المؤمن ديكتاتور العراق واسمائه الحسنى ونسبه الى الامام علي عليه السلام .

تدجين واستمالة الغجر هؤلاء الذين لايعرفون القيود ولا الحدود ولايخضعون لسلطة يدجنهم ويصنع منهم قرقزات تطبل وتزمر له ولحكمه وتتغنى ببطولاته الزائفة، كما يتمكن من استحصال الضرائب منهم !!!

تغير وجه الامارة وتغيير معالمها، بنايات شاهقة، وشوارع، واسواق وما اليها، سرعان ما كسدت وتفسخت نتيجة للتلوث البيئي واعدم احترام الطبيعة، وترك البريطاني العجوز ألامارة، لتركب المركب امريكا واحتكاراتها بعد انخفاض أسعار البترول وايهام المستبد من قبل (العاهرة ايزابيل ممثلة موبيل اويل) بانهم سيستخرجون البترول من فضلات الماعز حيث كان الامير يحتفظ بنموذج منه في جيوبه وهو في أمريكا مستغلة جهله المطبق .

البسه الامريكان بدلة عسكرية واعطوه نوطا مزيفا، ومدرعة من بقايا حروبسابقة ودراجة بخارية للابهة، ليكون المستبد الاكبر (المطلق نور الدين برهان )، منتجين له مسرحية انتخابية مزيفة يفوز ببالاغلبية الساحقة فلامنافس له سوى عد من قروده المقربين لتمر المسرحية على الجمهور، هذا هو حال المستبدين وحكامهم المدعومين من قبل الامريكان قادة الارهاب والراسمال والاستغلال في العالم .

الروائي مزج في السرد بين الواقعية الانتقادية الاجتماعية والسياسية وادخل فيها الغرائبية والسخرية الهازئة، كاشفاً جهل وهجانة ورداءة معدن حكام دول البترول العربي وسقوطهم الأخلاقي والأنساني وعمالتهم للأجنبي .

الروائي تمكن من سرد قصة المال والاحتيال والاستغلال في بلداننا بحنكة وفن روائي مميز مبتعدا قدر الامكان عن التقريرية والانحياز لصوت المؤلف رغم انه يفرض نفسه في العديد من المواقف موضحا انحيازه لقضية الشعوب والمهمشين ضد قوى الاستغلال والاحتلال وفضح أساليب القمع والفساد للحكام العملاء ولأسيادهم من الراسماليين وشركاتهم الاحتكارية .

هناك كما نرى تناقض في طبيعة العلاقة بين فارعة بنت الفاتك فمرة يناديها زوجته وهو الواضح من طبيعة السرد ومجرياته، (حرمه المصون الفارعة بنت الفاتك) رص128.

ومرة يناديها بأمي (يدق صدره، أمي، فداك روحي يأمي كان المطلق نور الدينبرهان الدين يحملق بحزن في نقطة المام بصره)117.

كما اننا نعلم من خلال كتابات مهدي النجار بأنه كاتب متمكن من اللغة العربية من حيث الأملاء والنحو، في حين نعثر على اخطاء املائية ولغوية كثيرة ربما لاتخلو صفحة منها وهو امر غريب، فأن مر الامر على منضد الحروف كان يفترض أن لايمر على المصحح اللغوي في دالدار (دار الشؤون الثقافية) وهي دار رصينة ولديهامصحح لغوي وأملائي .

 

حميد الحريزي

 

عبد الله الفيفي(متى تصحو العربيَّة من تركاته؟)

قال صديقي التراثيُّ الحداثيُّ (ابن أبي الآفاق):

- اعلم، علَّمك الله، أنَّ من عيوب علم النحو العربيِّ القديم، إبَّان عصور العُجمة والانحطاط الحضاري- وإنْ كابرَ (أبو جهل) و(أُميَّة بن خلف)، ممَّن لم يعتادوا النقد، بل اعتادوا "اعْلُ هُبَل!"-: تشقيقاتٌ مسرفةٌ في صغائر، ما أنزل الله بها من سلطان. متونٌ تتلوها حواشٍ، وحواشٍ على الحواشي!

- أضف إلى ذلك فرضيَّات فارغة. ولا معنى لفرضيَّةٍ من وجهةٍ عِلميَّةٍ جادَّةٍ، ما لم تكن محتمَلة الوقوع. تراهم كثيرًا ما يفترضون ما لا يخطر على ذهن العَرَبيِّ استعماله أصلًا. مثل منعهم الجمع بين التعريف والإضافة، قالوا: كأنْ يقال، ولن يقال: "الغُلامي"!

- بهذا وأشباهه يحشون كتبهم! وهو ما لن يقوله عربيٌّ إلى يوم الدِّين! 

- فلماذا ينشغلون بهذه التوافه ويشغلون الناس؟

- يبدو- إنْ أُحسِن الظنُّ بهذه "الحركات"- لأنَّ معظم النُّحاة أعاجم، وهو يؤلِّفون لمجتمع فيه أعاجم، فمن المحتمَل أن يكون لفرضيَّاتهم الغريبة تلك ورودٌ بينهم.

- بل يبدو أيضًا أنَّ النحو كان قد تحوَّل، ولا سيما في القرون المتأخِّرة، إلى تجارةٍ، وحِرفةٍ مِن استعراض العضلات النحويَّة والمنطقيَّة والتعالم اللغوي.

- صدقتَ. فـ(ابن هشام، عبدالله بن جمال الدِّين الأنصاري، -761هـ= 1360م)، مثلًا، يؤلِّف في النحو مَتْنًا سمَّاه: "شذور الذهب"، والعنوان نفسه دالٌّ على ما وَقَرَ في ذهن صاحبه من نزوعٍ إلى إضفاء هالةٍ تجاريَّةٍ تسويقيَّةٍ على منتَجه!

- على أنك ستجده مَتْنًا لا يخلو من تعمية.

- وربما بدت متعمَّدة، وكأنه يؤلِّف نظريَّةً غيبيَّة، من تلكم التي انتشر وباؤها في القرون الوسطى الإسلاميَّة، قرون العجائب والغرائب والشعبذات، حتى لتَلحظ فيه أحيانًا التقديم والتأخير بلا مسوِّغ.

- قف بنا، نبكِ أو نضحك، من ذكرى شذرةٍ من شذوره!

- وما أكثرها! خُذْ، عافاك الله، قوله في باب (المعرفة: المحلَّى بأل)، مثلًا: "ويجب ثبوتها [أل التعريف] في فاعلَي نِعْمَ وبئس المظهَرَين، نحو: "نِعْمَ العَبْدُ"، و"بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ"، "فنِعمَ ابنُ أُخت القَوم"، فأمَّا المضمَر فمُستترٌ مفسَّرٌ بتمييز، نحو: "نِعم امْرَأً هَرِمٌ"، ومنه: "فَنِعِمَّا هِيَ"، وفي نعتَي الإشارة مطلَقًا وأيُّ في النِّداء، نحو: "يا أَيُّها الإِنْسانُ"، ونحو: "ما لِهذا الكِتابِ"، وقد يقال: يا أيهذا." فلعلَّ سائلًا يسأل هنا: ما الذي جعل ابن هشام يقدِّم مثال نعت (أيّ) على مثال نعت الإشارة، بخلاف ترتيب كلامه عنهما من قبل، ثمَّ يعود إلى (أيّ) مرةً أخرى؟

- لِمَ هذه الرقصة الغريبة، إنْ كان يريد تسلسل المعلومات في ذهن الطالب؟! أ هو اضطرابٌ في التأليف؟

- لا أظنُّ. إنَّ النحو عِلم التركيب والتأليف في أدقِّ صُوَره. بل قل: كأنَّما ليدوِّخ القارئ؛ كي تحتاج دوختُه إليه في الشرح، وإلَّا لفقدَ مهمَّته ووظيفته!

- حرامٌ عليك!

- لا تستغرب! فهكذا كانوا يفعلون، لو استقرأتَ نهجهم بعيدًا عن التبجيل المتوارث والحصانات الممنوحة جزافًا. إنَّ ابن هشام، على سبيل النموذج، كان يبتدع مَتْنًا ملتبسًا، عويصًا على الفهم؛ وكأنَّه وحيٌ تنزَّل عليه من السماء، "مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ"، ولله المثل الأعلى؛ لكي يُتحِف القارئ بعد ذلك بشرحه الكريم وتفسيره لمغازي ملغزاته، في عمله الآخر "شرح شذور الذهب".

- وما لمَتْنِه سِوَى شرحه؟!

- وبهذا فمَن لم يستطع منهم النَّظْم في أرجوزةٍ ألفيَّةٍ، كـ(ابن مالك)، فليَنْظِم لعباد الله طلاسمَ نثريَّة، كابن هشام، ما كان يقتضي غموضَها لا المعنى ولا المبنى، بمقدار ما هو نزوع التحذلق، والقصد إلى الإلغاز، والإيهام بخطورة الموضوعات، في عِلْمٍ لا يُشَقُّ له غُبار. والضحيَّة، عبر العصور، لغتنا العربيَّة الجميلة وطلبتها التعساء.

- كيف لا، وصاحبنا يقدم لفقراء خلق الله "شذورًا من الذهب"؟!

- مع أنَّ شذوره قد صارت من أيسر كتب التراث لطلبة النحو في الجامعات، ما زال يقرَّر كتابه على طلبة العربيَّة منذ ألَّفَه، وربما إلى يوم يُبعَث من قبره.

- لهذا تولَّى ابن هشام بنفسه شرح نفسه، لإيضاح ما تولَّى كِبره من "الشذور"، تحت عنوان "شرح شذور الذهب"؟

- نعم.. وما هذا المدار البعيد والنجعة الشاقَّة إلا إمعانًا في شغل نفسه والناس ببضاعته الذهبيَّة! والحقُّ أنَّه لولا هذا لما وجدَ له عملًا أفضل، ولما حقَّق صيته التاريخيَّ العريض.

- إنها لعبة تأليفية قديمة، إذن، حسب رأيك؟

- ولقد جنى بها هؤلاء وتلاميذهم على اللغة العربيَّة وأبنائها، حتى لقد جعلوا النحو يبدو عِلمًا طلسميًّا، لدُنِّـيًّا، مضنونًا به على غير أهله. بل لا قِبل لأحدٍ به، إلَّا من أوتي بسطة في العِلْم والذهن والفراغ.

- وإنْ اتَّهم الناسُ، منذ القدم، بعض المشتغلين بهذا الضرب من النحو بأنه قد أورثهم الحمق!

- تلك مسألةٌ أخرى. لكنَّ السؤال المُلِحَّ هنا: متى تصحو العربيَّة من هذه التركة الثقيلة، فتنفض عن النحو العربيِّ متراكمه عبر عصور الانحطاط، ولا سيما منذ القرن الخامس الهجري؟!

- أي منذ بدأ الفراغ يوهم صاحبه بالامتلاء، والضعف يحمل صاحبه على ادِّعاء القوَّة، والموبقات تدعو العاجز إلى ادِّعاء العظمة.

- تقريبًا. حتى إنَّ أحد أعلام تلك العصور ليُضفي على نفسه ما لا تضفيه الأُمُّ المقلات على وحيدها من النعوت المستحيلة، كأنْ يقول (الشيخ محيي الدِّين بن عربي، -638هـ)، عن نفسه: "قال الشيخ الإمام، العالم الكامل، المحقِّق المتبحِّر، محيي الدِّين، شرف الإسلام، لسان الحقائق، علَّامة العالم، قدوة الأكابر، ومحلُّ الأوامر، أُعجوبة الدهر، وفريدة العصر... إلخ. إلخ. إلخ"!

- لكن هذا كان طابع تلك القرون من التعاظم.

- وذاك بيت الداء. فيا ليت شِعري، ماذا سيقول المرء بعد هذه الديباجة؟ وماذا سيفعل مَن يعتقد في نفسه كل هذه النعوت؟!

- وإذا كان هذا شأن المتصوِّف في النظر إلى نفسه، مع أن منهاجه المفترض التزهُّد والتواضع، فكيف بمن منهاجه التكبُّر والتعالي؟ لكن ربما قيل: إنَّ مثل هذا من نسج النسَّاخ، لا من عند المؤلِّف.

- ربما. ولئن صح هذا- وهو ما لا برهان عليه، ولم تذهب إليه (د. سعاد الحكيم)، محقِّقة كتابه "الإسرا إلى المقام الأسرى أو كتاب المعراج"- فما يعنينا هنا إدراك أن هذا كان ديدن تلك العصور، بأعلامها، وعلمائها، وعلومها. ولا غرو أن نجد آثاره ظاهرةً على المؤلَّفات والمناهج، في شتَّى الفنون، ممَّا خلَّفتْه لنا تلك القرون من تركة. وهي تركةُ- على حدِّ قول (المزرِّد الغطفاني)-: "دُلامِصَةٌ تَرْفَضُّ عنها الجَنادلُ"! ولا يزال لجنادلها روَّادها ومنافحوها.

 

أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفي

 

 

حميد الحريزي(يبدو أن هذه المدينة منذ الأزل تعشق الموتى) ص 60

الرواية بعنوان احد اهم شخصياتها وهي الفتاة (مينا) ابنة الحاج (قاسم) رب عائلة نجفية محافظة متمسكة بالقيم والتقاليد السائدة في مجتمعهم وبيئتهم، عائلة مكونة من الاب وثلاث بنات (مينا) و(مريم) و(سارة).

(قاسم أمين) طالب في الكلية الطبية، يسجن ويحرم من الدراسة ويتعرض لابشع اساليب التعذيب، لثباته وصموده وعدم افشائه اسرار تنظيمه ورفاقه السجن المؤبد (لتوزيعه بعض المنشورات الساسية والدينية والمشاركة في المظاهرات التي كان يقوم بها طلاب المدارس والجامعات تدعو فيها الى اسقاط البعث) ص19 فيحكم بالاعدام، ومن ثم يخفف الحكم الى السجن المؤبد ثم ينفى الى ايران لكونه من التبعية الايرانية .

نتيجة للظروف المعيشية الصعبة في ايران تقرر العائلة الانتقال الى سوريا للسكن قرب السيدة زينب حيث تجمع العراقيين بكثافة هناك من المسفرين ومن الهاربين من النظام البعثي الديكتاتوري في العراق آنذاك. خصوصا بعد اندلاع الحرب العراقية الايراني واعدام السلطات لمحمد باقر الصدر وشقيقته بنت الهدى والعشرات من اعضاء واصدقاء حزب الدعوة، وقبلهم اعضاء واصدقاء الحزب الشيوعي العراقي لينفرد البعث بقيادة صدام حسين وتنحيته للبكر من رئاسة الجمهورية والاعدام الجماعي لرفاقه ممن يشك في ولائهم لسلطته .

هناك وصف وتوصيف وتعريف لطيبة السوريين وتعاملهم الانساني مع اشقائهم من العراقيين وجمال المدن السورية . في ظل هذه البيئة وحنان الوالد ورعاية الجدة والوالدة الطيبة الحسناء الحنونة تترعرع (مينا) وتدخل المدرسة للتعلم، حينما تصبح صبية تلبس الحجاب وتنقل الى مدرسة للبنات فقط وليست مدرسة مشتركة بنات وذكور كما كانت، هناك توصيف لطبيعة التعليم وقساوة بعض المعلمات في التعامل مع الطالبات بالضرب والتجريح والتعنيف.كما حصل مع صديقة (مينا) الطالبة (غادة) اليتيمة المهملة من قبل والدهاالمنحرف سيء الطباع مما ادى بها الى الانحراف ورفقة شاب ضعيف الشخصية وعائلة قاسية .

توصيف للحياة الحميمة لعائلة (قاسم) وولادة ام (مينا) لطفلتين توأم يدخلان السرور والفرح والالفة داخل العائلة .

تتزوج (مينا) من شاب نجفي الاصل من العراق مهاجر الى لندن بناءا الى رغبة والدته حيث انبهر الجميع بجمال وأدب (مينا) وطيبة عائلتها، وقد تعرفت العائلتين على بعضهما بالصدفة حين ابتاعت عائلة جبار من محل (قاسم) فدعاهم الى داره تماشيا مع الكرم والطيبة العراقية المعروفة وعلى وجه الخصوص لدى (قاسم) وعائلته المضيافة .

بعد حياة حب عذب وعشق وانسجام كبير بين غادة وزوجها جبار في لندن، تكتشف بأن جبار يتناول المخدرات ويعاشر النساء الشقراوات ويعيش حياة المجون واللاالتزام حيث جرفته القيم والعادات السائدة في المجتمع الغربي ورفقة زمرة من اصدقاء السوء من الشواذ والمنحرفين (كما تلقف الدين لقمة واحدة . هاهو يتقيئوه على جرعات) ص 121. وهو القائل (اخذت نجفي المقدسة تبتعد وتبتعد بشوارعها الضيقة وصيفها اللاهب وشتائها المميز بطينه الوسخ. التعذيب في ززاناتها ومديرية الامن ومجالس العزاء والنواح على الاقارب والاباعد، بهوائها القيل والخوف الجاثم فوق الصدور، بأفراحها الملغاة وأحلامها المهدمة) ص119.

الانبهار بلندن الحرية المطلقة والشقراوات الحسان والانفتاح على كل مباهج الحياة دون اية قيود، بعد الكبت والحرمان والاذلال ولانكسار والخوف، مما يفقد الانسان توازنه ويجرف تيار نهر التايمز الجارف بقيمه من لايعرف العوم ولم يمتلك المناعة لمقاومة التيارات الضارة والمهلكة حيث كان جبار احد ضحاياها ... فتصاب (مينا) بالصدمة الكبيرة وتعاني معاناة قاسية لتبدل احوال حبيبها جبار الذي وصل به الحد نزع حجابها وسحقه بقدميه لانه يعتبره عار عليه في المجتمع اللندني المتحضر، تصاب بانتكاسة صحية وتتعرض لنزف دموي حاد مما يستدعي نقلها للمستشفى فتتمكن من انقاذها الطبيبة عراقية الاصل (قمر) وتخبرها بأنها حامل، فتصاب بالصدمة الكبيرة مما يحول دون قرارها بترك لندن والعودة الى عائلتها، تقر ر ان تنقذ زوجها وحبيبها واب طفلها المرتقب من المنزلق الخطير الذي يعيشه( أخت استعيد الوعي شيئا فشيئا، وانفتحت الرؤية عندي ها أنا امسك بوجه جبار، بين اصابعي المرتعشة) ص 168. ولكن كانت المحاولة متأخرة حيثوصل جبار الى نهايته المحتومة بين يدي غادة وهو يطلب منها الصفح والمغفرة .

2196 زينب صالح الركابي

النجف في ظل النظام البعثي الديكتاتوري:

تسرد الكاتبة الوضع المأساوي للعراقيين في ظل نظام البعث وممارسات القمع الدموي الاجرامي ضد كل من يعارض النظام او يشتبه بمعرضته للنظام ومنها قصة سجن ونفي والد غادة، التسفير القسري للتبعية الايرانية وماتعرضوا له من الاذلال والقتل والاغتصاب والموت المحتم وسط الالغام المزورعة على الحدود العراقية الايرانية، سجن وتغييب (جعفر) الشقيق الاكبر ل(جبار) واذابة جسد خاله في احواض التيزاب من قبل سلطات النظام مما دفع جبار للهرب الى ايران ومن ثم الى الاردن والحصول على اللجوء في لندن، طبعا هذه معاناة الكثير من العوائل سواء كانت اسلامية او شيوعية او غير منتمية للسلطة وحزبها الفاشي القابض على السلطة بالحديد والنار، والهلاك والدمار الذي عانى منه الشعب العراقي من الحروب العبثية المجنونة التي خاضها النظام ضد ايران وضد الكويت ومصير القتل والاعدام لمن لايلتحق بجيشه وجيشه الشعبي ليتعرض الى محرقة الموت المحقق.

تتحدث الروائية عن طبيعة المجتمع النجفي قائلة رغم الطابع العام المحافظ والمتدين للمدينة، فهناك تعدد في الافكار والانتماءات في المدينة كالفكر الشيوعي حيث كان (عبد الحسين المحامي صاحب جريدة الاستقلال النجفية اولى الشخصيات التي حملت الفكر الشيوعي الى مدينة النجف عام 1920) رص78 والبعثيين والمتدينين المسيسين حتى ضمن العائلة الواحدة .

طبعا المدينة مشبعة بالشعائر الدينية طوال العام فلا سينما ولا مسرح ولا متنزهات ف (المظر العام للمدينة واهلها رسم بلون التدين الظاهري للغالبية العظمى ) ص74، ولكن النجف لم تخلوا من المتديينين المزيفين والمنافقين، كذلك هناك ممن يعيشون المتع المختلفة وشرب الخمور ويمارسون الجنس واللبس الحديث في مجالسهم الخاصة وان كان بالسر .

تشير اشارة هامة الى حالة تفكك العلاقات الاجتماعية وهيمنة الفكر العقائدي المتزمت على البعض وخصوصا من قبل البعثيين المتشددين حيث كان (كاظم) البعثي عم (جعفر) هو من اخبر ن ابن اخيه كونه من حزب الدعوة وادى به الى الموت على ايدي اجهزة الامن البعثية . (اخبرنا عنه عمه الرفيق كاظم) ص86 هذا ما اخبر به الامن عائلة جعفر والذي عثر عليه رقما في احد المقابر الجماعية بعد سقوط النظام .

تحمل الروائية الكثير من الاشارات الى ضرورة الاهتمام بالتربية الصحيحة للنات والاولاد في العوائل والكشف عن العديد من الظواهر البيولوجية والاجتماعية التي يواجهونها في حياتهم كالدورة الشهرية للبنت ومعنى مفهوم المراهقة والاجابة العلمية الواقعية حول بعض الاسئلة التي تبدو مخجلة ومحرجة للامهات والاباء . وغلق كل ابواب التفكر والتساؤل بل الانقياد الاعمى الى كل ما موجود ويسير عليه المجتمع من افكار وتقاليد وعادات (يجب ان تكون متدينا حتى تستطيع أن تكون مقبولا بين هؤلاء الذين لايتسرب الشك الى قلوبهم أبدا) ص81.

وكيف ضربه جده بالعصا على رأسه بقسوة وزجره بشدة عندما سأله جبار (شلون بينه جدو اذا طلع ماكو رب ولاجنه ولا نار؟) ص81. فمثل هذه الاسئلة من التابوات المحرمة تماما، فالعقيدة تفرض بالقوة وحكم العرف والعادة وليس بالتفكر والقناعة وبالدليل والبرهان مما يجعلها هشة وعرضة للكسر والتشظي عندما تتعرض لاضعف ضربة وهزة فكرية معاكسة .

اغلب السرد الروائي كان باسلوب الانا المتكلم، كما ان السرد الروائي جاء متقطعا منتقلا من شخصية الى اخرى ومن زمان ومكان الى آخر دون ان تختلط الاحداث او يضيع تماسك السرد بالنسبة للروائة فجائت الحبكة متماسكة ومتقنة ومقنعة للمتلقي .

كما ان السرد يحمل الكثير من الشاعرية وجمالية المفردة ورشاقة الاسلوب، ونقل القاريء بين مختلف الاجواء والمناخات واساليب العيش، وتحفيز ذاكرته بالكثير من المشاهد والمارسات الشعبية والفلكلورية بالاضافة الى بعض الاحداث الطريفة والضريفة بالنسبة للاطفال والصبايا تجذب القاريء ولا تشعرع بالملل وتدفعه للمتابعة والقراءة، كما ان الروائية اهتمت بتأثيث الشخصيات وتظهير اهم مميزاتها من حيث الشكل والسلوك والمظهر والعادات مما رسم صورة واضحة للشخصية في مخيلة القاريء بعد الانتهاء من القراءة، وهذه ميزة مهمة للروائية والرواية النجفية التي تفتقر لها اغلب الروايات النجفية حسب اطلاعنا .

طعمت الروائية روايتها باللغة الشعبية العراقية في العديد من الحورات فاضافت للرواية المزيد من الواقعية والتشويق والملاحة واقتراب القاريء من بيئته الحقيقية المعاشة .

لا نرى ضرورة للاكثار من ذكر العديد من الاغاني وتضمين كامل النص ضمن النص الروائي، فاغلب القراء يعرفون هذه الاغاني وربما يحفضونها على ظهر قلب .

الرواية تصنف ضمن الروايةالواقعية الاجتماعية الانتقادية الهادفة، والرواية التي تقترب كثيرا من السرد الروائي الحديث رغم انها لم تفارق تقليديتها .

 

حميد الحريزي

 

 

حميد الحريزي(ياتي زمان على أمتي القابض على دينه كالقابض على جمرة) النبي محمد (ص)

ثلاث وستون عنوان الرواية دلالة على عمر التقاعد الالزامي للموظف في الحكومة العراقية ومايسمى بسن التقاعد والذي اصبح الان وحسب القانون الجديد 60 عاما، حيث يقدم موظف الخدمة العامة عصارة عمره وشبابه وخبرته العلمية والمهنية من اجل الصالح العام، ونحن نتحدث هنا عما يفترض ان يكون عليه موظف الخدمة العامة وما عشناه خلال كل فترات الحكومات السابقة، حيث التفاني والامانة والنزاهة والابداع الا ماندر من المرتشين والفاسدين محل نبذ واحتقار من المجتمع ومحل المحاسبة والعقاب من قبل الحكومات على الرغم من قلة الرواتب وهزالة المعاشات ولكن مع وفرة في القيم الانسانية والوطنية والاخلاقية النبيلة .

ولكن للاسف الشديد انقلب الحال في زمن الديمقراطية واصبح الفاسد والمرتشي هو السائد والنزيه والشريف والمضحي عملة نادرة ومحل تندر السفهاء لانه لم يلتحق بركب الفاسدين ويبقى يعيش حياة الفاقة والضنك والتهميش.

وبدلا من تكريمه وتثمين جهده وماقدمه من خدمات لبلده ولشعبه خلال فترة خدمته الطويلة كما يجري في اغلب بلدان العالم التي تحتلرم مواطنيها وتكرم من يستحق التكريم وتوفر له كل اسباب الراحة من سكن وسفر وخدمات صحية وحتى زيادة في راتبه على ماكان يتقاضاه اثناء الخدمة لتوفر له حياة كريمة، للاسف في بلدنا يترك يعاني الكثير من المشقة والعناء والروتين القاتل اثناء انجاز معاملته التقاعدية التي قد تستمر لاشهر حتى تكتمل، كما ان راتبه يقلص الى مايقارب النصف مما كان يتقاضاه اثناء الخدمة وليس ههناك اية ميزات صحية او ترفيهية خاصة بالمتقاعد .

2190 احمد الجنديل

(وليد عبد العظيم) معلم مخضرم عاش زمن الحكم الديكتاتوري واحيل على التقاعد في زمن الديمقراطية وحينما ذهب الىمديرية التربية لانجاز معاملة التقاعد تبلغه (حمدية) الموظفة في المديرية بان عليه ان يجلب كتاب مباشرته وخدمته في مدرسة الزهور المدرسة التي كان يدرس فيها سابقا دون ان تداري كبر سنه وصعوبة سفره في ظل ظروف تصاعد عمليات الارهاب ومخاطر السفر،ولم ينتصر له السيد المدير المختم بخاتم ازرق امرا اياه بتنفيذ امر (حمديه) وجلب كتاب تاييد لاكمال المعاملة، يعرض عليه احدهم خارج الدائرة بان يقدم له خدمة في سبيل الله وان ينجز له معاملته ويجنبه متاعب السفر والخطر مقابل دفع مبلغ مليونين دينار، يرفض وليد عبد الحليم ان يكون مرتشيا في اخر عمره ويتجاوز الكلام المهين للمتبرع بالمساعدة عند اعلانه الرفض(درب الكلب على القصاب) منوها بانه سيظطر العودة اليه لاكمال معاملته، كما يعو الكلب للقصاب نتيجة جوعه رغم طرده واهانته .

يتالم كثيرا كما يرفض مقترح ولده رياض بالموافقة على تقديم الرشوة واراحة نفسه ويقرر السفر الى مدينة مدرسة الزهور لجلب الكتاب، والذهاب لوحده ويرفض مرافقة ولده له

تتدعى الذكريات والصور في مخيلة وليدوتبدل الاحوال من حال الى حال وكيف اصبح الانسان الشريف النزيه الذي لم يهادن الديكتاتورية وتحمل التعذيب والاذى ثمنا لصموده وعدم افشائه اسرار الناس والمصلين في المسجد، فقد تفاجأ وليد في احد الايام بمداهمة منزله واقتياده من قبل امن السلطة الديكتاتورية الى دائرة الامن من دون ان يعرف السبب، فهو ليس سياسيا ولايتكلم في السياسة ولم ينتمي لاي حزب سياسي، ولم يسبب الاذى لاحد ولم يقصر في واجبه التعليمي .

يتعرض للاهانة والضرب والتعذيب ومطالبته بالاعتراف على جماعته؟؟

لاينفع معهم الانكار كونه انسان مستقل لاعلاقة له بالسياسة ولا ينتمي الى اية جماعة سياسية، يضرب بقساوة ينزف دما من انفه وشفته، يهدد بالاغتصاب ان لم يعترف !!!

بماذا يعترف (وليد عبد العظيم)، لا اعتراف لديه الا كونه انسنا نزيها شريفا يحب الناس والناس يحبونه، يكره الظلم والظالمين. يتعاطف معه احد افراد الشرطة وهي دلالة الى كون ليس كل من انتمى الى قوات الامن هو شرير وقذر وجلاد فقد يكون هناك من اضطره رغيف الخبر للانتماء الى هذه المؤسسة الامنية .

كان معه عدد من السجناء منهم الشاب الصلب العنيد زهير ابن الخبازه، وعلوان وغيرهم،ولكل منهم سلوكه وردود فعله امام الجلاد، فقد كان علوان خنوعا ذليلا متملقا للجلاد وقد ادلى بكل اسماء الناس الذين يدخلون المسجد لاداء الصلاة، وقد كان محل احتقار من قبل زهير ابن الخبازة ورفاقه .

بعد ان يأس المحقق من حصوله على معلومة من استاذ وليد اطلق سراحه مع اعتذار ثعلبي مخزي من قبل الجلاد .

وهو مستغرق في ذكرياته الاليمة يصل الى مدينة مدرسته القديمة (الزهور) وقد كان الناس كل مشغول بحاله في واقع الخوف من وباء الكورونا ووباء الفساد والزيف والخرافة والدجل (لو كان الامر بيدي لقطعت كل الالسن الملتوية التي تمتهن المواعظ الخيصة وارحت البلاد والعباد من شرها) ص72هكذا كان يفكر استاذ وليد وهو يشهد ظاهرة النفاق والزيف للكثير من ادعياء الدين والتدين وممن يعتلون المنابر لموعظة الناس وهم الاكثر فسادا وخرقا لتعاليم الدين (اقذر الفساد ماكان يحتمي خلف اسم الله) ص73.

يتوجه الى فندق في المدينة كان على معرفة بمالكه فيشهد بابه قطعة مكتبوب عليها بدلا من فندق الامل (جمعية احباب الله الخيرية) ص80.

ثم يشهد ان مدرسته (الزهور) تحول اسمها الى مدرسة (جند الله)! فيصاب بالدهشة بسبب تغير كل شيء ليكون منسجما مع فكر اسلامومي مزيف يهيمن على ثقلفة القطيع، وأدعياء الدين من المزيفيين والمنتفعين والوصوليين والانتهازيين (الناس في هذا اللد امامهم الظاهر، ولهذا اهتمت بالظاهر مثلما اهتمت بالمستور، طالما ان الظاهر يحقق مايريده المستور) 101.لذلك اجتهد هؤلاء الادعياء الى الحفر في الماضي القريب والبعيد لكي يلبسوا كل مظاهر الحياة بلباس الدين والتدين كالمظاهر الشخصية للافراد مثل اطلاق اللحى وحلق الشارب (اكرموا اللحية واهينو الشارب)، وتتالختم بالخواتم مختلفة الالوان والاصول والاشكال ولمختلف الاغراض كما يدعون، وتغيير الاسماء فمثلا الانتقال من مدرسة الزهور الى العروبة ومن ثم الى جند الله ...الخ، من غازي الى قاسم الى جمال الى صدام الى محمد باقر ...الخ . فلكل زمان جلد ومظهر وسلوك طبعا دون تفكر او تدبر وانما هي موجات تأتي ثم تضمحل ... وبذلك يحل الدجل والنفاق وازدواج الشخصية في مثل هذه الظروف يتكاثر اهل الفساد وممارسيه وينحسر دور النزيه والصريح والصادق في زمن (النهضة الشاملة) كما يسمونها فتكون (النزاهة في مجتمع غارق في الجهل انتحار) ص102.

يتوجه الى المدرسة (جند الله) حيث تخبره الست ربيعه بان السجلات اتلفت ولايمكنها تزويده بمثل هذا الكتاب لعدم وجود اوليات، فيعود ادراجه وهو في حيرة من امره في مجتمع (الحقائق لا وجود لها، حلت محلها الشعارات والكذب المطعم بذكر الله) ص117 يعود الى حنش ابن حواس الخياط الذي اصبح من وجهاء المدينة هو واخوانه حيث ركب الجميع الموجة الطاغية فأصبحوا من اصحاب الشأن والنفوذ، حنش الذي كان استاذ وليد معلمه واستاذه مازال يذكر له افضاله عليه وعلى والده واخوانه فاراد ان يساعده ويرد له معروفه ايام زمان وباعتباره احد ابطال مقاومة النظام الديكتاتوري فهو يمثل تنقية وتزكية لكل من يرافقه ويصاحبه ويدعي قربه اليه، يعده حنش ان لا يبتئس ابدا فالكتاب سيتدبر امره هو، مكث في المدينة بضيافة حنش وكرمه مايقارب الاسبوع، زار خلالها (منتدى الصفوة الاسلامي) ص114، ليلتقي كذلك بالشخصية الهامة حيث وعده حنش انهم يترقبون قدومها للمدينة والقاء خطبة لوعظ الناس هناك، وقد حصل ذلك، والمفارقة الكبرى ان هذه الشخصية الكبيرة هو علوان المتخاذل الجبان الذي اعترف على كل جماعته زمن الديكتاتورية وقد كان الشرطي (قاسم ابن الحاج عبد الامير) اشرف وانظف منه، ناهيك عن المقاوم الجريء زهير بن الخبازه حيث (اصبحت الحياة تسير على بوصلة معطوبة بيد اعمى مجنون) ص67.

وقد اصبح (الناس صنفان، صنف يذهب الى حبل المشنقة وعلى شفتيه عصفور يغني للنصر، وصنف يختبيء بين فخذي زوجته وهو يرتجف خوفا، وعندما تتبدل الاحوال والادوار، يطوي النسيان الصنف الاول ويخرج الصنف الثاني حاملا تاريخ البطولة والشجاعة والاقدام) ص139 ولاشك ان وليد عبد العظيم من الصنف الاول وعلوان كان الصنف الثاني وهاهو اليوم يحتل ارفع المناصب ويحصد اعظم المكاسب، يتعرفه وليد عن طريق حنش ويزوده بورقة لانجاز معاملته وقضاء حاجته .

يكشف له حنش عن حقيقته فهو ينافق الوضع القائم في العلن حيث الزهد والورع والسعي لمنفعة الناس في العلن بينما هو يمارس كل ملذاه الدنيوية في السر من شراب ونساء ومالذ وطاب من الطعام وافخر الملابس والسكن الباذخ من حيث السعة والتاثيث وهذا ماشهده وليد بالفعل، عاش وليد وتذوق كل هذه الملذات م فيض كرم حنش، ليكون من(اصحاب الرؤوس المزدوجة والالسن المتعددة الاشد فتكا من جميع الفيروسات التي ارعبت العالم) ص157.

يجهز له حنش كتاب التاييد من المدرسة وبامر مدير التربية خوفا من الشيخ علوان، يرافقه الى مدينته محملا بالهدايا الثمينة في حقيبة كبيرة، تكمل الست مديحة ومديرها المختم معاملته وهو جالس في غرفة المدير وبسرعة قياسية بفضل نفوذ الشيخ البطل (علوان).

يعود حنش الى مدينته بعد وداع استاذ وليد مع مزيدا من الود والاعتذار عن اي تقصير .يعيش وليد حالة من الازدواجية المؤلمة حيث يقول (شعرت بأني محجوز بين رأسين متنافرين، رأس مستنسخ من رأس الشيخ علوان، ورأسي الاخر الذي يلقنني أن الانتصار الحقيقي هو البحث عن القيم العليا داخل نفوسنا والارتقاء بها الى عالم السلوك) ص143.

وقد (كان الالم يتزايد ومع وصوله ذروته رأيت الرأس المغشوش يسقط دفعة واحدة وهو يقطر بالنجاسة والعفونة ومعه سقط شعار (جئنا لنبقى)، ورايت الشيخ علوان يتدحرج وسط الدماء المتعفنة التي خلقتها الشعارات الكاذبة) ص150 .

يصحو استذ وليد على نفسه يعود الى ذاته النقية القوية المقاومة لكل اشكال الفساد والقمع والزيف بكل انواعه ومسمياته .

يترك وليد متابعة معاملة التقاعد ويستشعر ان لامكان له في مثل هذه الحياة المزيفة الفاسدة، يشعر انه يقترب من منيته، فيهيء كل جسده وروحه للرحيل وبالفعل تغادر روحها الى ربها راضية مرضية، نقية زكية لم تخضع لاغراءات البطولات ولا المناصب ولا المكاسب كان الروائي ااحمد الجنديل موفقا جدا في سرد واقع معاش ويرافق تحولاته وتبدلاته واساليبه في عراق الامس واليوم وان كان يقول في مستهل الرواية بانني (دونت ما بقي من ذيول حكايته – يعني حكاية استاذ وليد عبد العظيم – لمن يعشق الخيال، اما المغرمون بالواقع فلا املك لهم غير النصيحة بالابتعاد عن قراءة هذ الرواية التي كتبتها للمتعة فقط، ولاشيء غير المتعة في هذه الرواية) ص5 .

لكن من يبحث في الواقع يراه اكثر مرارة وتوصيفا مما وصفه وقدمه لنا الروائي في روايته الجميلة والمكتملة من حيث المبنى والمعنى، وباسلوب سردي بليغ يحمل بين طياته الكثير من الحس الشعري والبلاغي والفلسفي.

 

حميد الحريزي

 

 

 

 

عبد الجبار نوريتحية لنجيب محفوظ الذي وصفته جريدة لوموند الفرنسية الواسعة الأنتشار في ثمانينات القرن الماضي، قائلة: {صباح الخير.. ياملك الرواية} .

فهو كاتب البورجوازية الصغيرة والفقيرة المعدمة والتي تكافح من أجل البقاء، ولآجل أثبات وجودها، فهو أكثر فهماً للطبقة الوسطى، وأقدرهم تعبيراً عن مشاكلها، وأستعراض دقائق حياتها، وكشف واقعها وطبيعتها والظروف الحضارية والتأريخية وطبيعة القوى الأجتماعية وصراعاتها وحركتها التطورية في المجتمع المصري بالذات، ووضع محفوظ للمتلقي رؤية واضحة عن الظواهر الأجتماعية بتقديراتٍ سليمة، فهو ديمقراطي تقدمي في مجتمع شرقيٍ متخلف .

هو صاحب (الثلاثية) والتي تعتبر أفضل رواية عربية في تأريخ الأدب العربي حسب رأي أتحاد كتاب العرب، وتتكون الثلاثية من ثلاثة حكايات مصرية:

بين القصرين 1956

قصر الشوق 1957

السكرية 1957

وأظهر نجيب محفوظ في الثلاثية النمط الأنساني، معتمدا التحليل النفسي والنقد الأجتماعي بحيث جعل التأريخ شاهدا حقيقيا حياً في سوسيولوجية المجتمع المصري وتراثه الحضاري والعلاقات الأجتماعية عبر رسم شخوص الرواية وتناقضاتها وأرهاصاتها الداخلية وبفطنته البارعة عطر بين سطورها بخط الكوميديا، لكون الكوميديا طابع أصيل للأمزجة المصرية .

وأن أسلوب محفوظ متأثرا بالمدرستين الواقعيتين الفرنسية والأنجليزية مع أنفاس الأديب الفرنسي "أميل زولا " ومدرسته (الطبعانية)  أي فلسفة المذهب الطبيعي في الفن والأدب والعلوم الطبيعية .

نجيب محفوظ1911-2006 روائي مصري أول أديب عربي حاز جائزة نوبل في الأدب، تدور أحداث جميع رواياته على مساحة جغرافية مصر، ويؤكد في نتاجاته الأدبية ثيمة (الحارة) التي توازي العالم، فقد شغل ذاكرة الأمة الأدبية والثقافية بعالمه الروائي والقصصي المتسم برموزه وشفراته المراوغة والتي أصبحت حبلاً سريا مغذياً للسفر التراثي الأدبي لعصرنا الحاضر ورافداً غزيراً لا ينضب من الأعمال الرصينة ذات الشفافية العالية لسفرالأمة الثقافي ...

فهو العزيز في زمن الجدب، فصاغ لنا مفهوم الحداثة ببراعته الفائقة وبشخصنة محفوظ المعصرنة بناءاً ومادة وتكنولوجية بمقاربات في التطور الجمعي السوسيولوجي والتي يهدف منها محفوظ في أعادة صنع الأنسان المصري ضمن حاضره ليستشرق فيه المستقبل بخطى واعية ونظرة حصيفة وقدرة على الأبتكاربدون قيود ويجعل لها رافعة واحدة  هي (التعليم)، لذا تفتحت أمامهُ كل سبل المجد بفوزه بسيمياء الشخصنة المحبوبة قبل فوزه بجائزة نوبل، حيث تمكن برصانة أسلوبه السحري في أختيار الألفاظ من الحصول على رضا (اليمين والوسط واليسار والقديم والحديث) .

فنجيب محفوظ مؤسسة أدبية و فنية مستقرة وضعت هذا الأديب الأسطوري بموقع المؤسسة الشعبية، ولأن أسلوبهُ يجمع بين الحدث التأريخي والحكواتية الشعبية الواقعية .

ويعتمد الرمزية الجزئية وبواقعية سحرية غريبة ينحو مندمجاً مع الرمز الكلي بدلالاتٍ متعددة منتجاً أكثر من تفسير، وأن عالم محفوظ يضمُ بين جنباته عدة مدارس في آنٍ واحد فهو ينحو من الواقعية النقدية ألى الواقعية الوجودية ثم ألى الواقعية الأشتراكية أضافة ألى تزويق الرواية بجماليات السريالية، لذا وجد النقاد بأنهُ  (متحف) لألمامهِ الموسوعي بجميع مذاهب ومناهج وأتجاهات النقد الأدبي أبتداءاً من التأريخية وأنتهاءاً ب(البنيوية).

كما تحتوي كتاباته على مفارقات تنحو أحياناً كثيرة ألى التعداد والتنوع والتضارب والتعارض ومتناقض الأضداد فأنهُ يقدم حالة نموذجية لدارسي (الهرمينوطيقا الأدبية)* فهو يقدم مادة غنية  لألوانٍ مغايرة في الدرس النقدي وهو ما أطلقتْ عليه الحداثة الأدبية أسم نقد النقد أو ما بعد النقد . وأن كتاباته الروائية أو مجموعاته القصصية تربطها مجموعة من العلاقات تتخلل النصوص جميعاً وتوحده ألى نصٍ واحد كما نرى هذا المنظور في رواياته : أولاد حارتنا واللص والكلاب والقاهرة الجديدة وعبث الأقدار .

أولاد حارتنا --- هذه الرواية قد كتبها محفوظ بعد ثورة يوليو1952 بعد أن رأى أن الثورة أنحرفت عن مسارها، ولم يتم نشرها في مصر ألا بعد 2006، ولعل ملخص القصة تبدأ ببطل الرواية (الجبلاوي) كان شخصاً عنيفاً صلباً متسلطاً ومزواجا لهُ الكثير من النساء – وهنا عقدة الرواية في أحتدام الجدل بين الأوساط الدينية بأن محفوظ يقصد بالجبلاوي الذات الألهية لذا كفروا الكاتب ومنعوا نشر الرواية، وتعرض لحادثة أغتيالٍ فاشلة في 14 تموز1994 من جانب أنصار التيار الديني المتطرف .

وحسب أعتقادي الفكري وقراءاتي المتعددة للرواية وفي أزمنة مختلفة : أرى أن محفوظ يقصد بالبطل رمزيا بالحكومات المستبدة الذين حكموا مصر الفراعنة والمماليك والأتراك والأسرة الفاروقية وعساكر أنقلاب تموز، أما الأخوة عباس وجليل ورضوان – عدا أدريس – يمثلون الطبقة الضعيفة والمستلبة في المجتمع المصري .

- أنتهج فيها أسلوباً رمزياً يختلف عن أسلوبه الواقعي، فهو ينحو في هذه الرواية جاهداً على أبرازالقيم الأنسانية التي نادى بها الأنبياء كالعدل والحق والسعادة الروحية، ولكنها أعتبرتْ نقداً مبطناً لبعض ممارسات عساكر الثورة والنظام الأجتماعي الذي كان قائماً.

-على العموم كانت أكثرجدلاً من حيث المضمون بين الأوساط الدينية بالذات، حاول الكاتب أن يصوّر للفقراء والمعدمين مدى الظلم الذي لحق بهم وبالبشرية عموماً منذ طرد آدم من الجنة وحتى اليوم حيث الأشرار يعيثون فساداً في الأرض ويستبدون ويستعبدون الضعفاء وقد غلقوا أبواب الأمل أمام الطبقات المسحوقة أن تتمتع من نصيبها في الحياة .

-  سلط ضوءاً على العبودية والقهر مبيناً وبجرأة فائقة حركة التأريخ في الصراع الطبقي للمجتمع المصري الذي يعيش الخوف والجوع ووضوح الفروق الطبقية بشكل مذهل ورهيب، ووضحها محفوظ ببراعة بليغة وهو يحرك خيوط شخوص الرواية في توزيع الأرث من قبل رب الأسرة بصورةٍ غير عادلة تكتنفها الأنتقائية والأزدواجية والتحيّزْ والتعسف بأعطاء الحظ الأوفر ل (أدهم) والذي يقصد به آدم وحرمان (أدريس) الذي يقصد به أبليس، وبهذه الرمزية وهي الصفة المتعارف عليها عند الحكومات المستبدة، وهي أدانة للنظم الشمولية والدكتاتورية .

- وأنهُ لم ينتقص من الدين ورموزه ولا من ثوابته ومسلماته الفكرية بل هو أستعملها كماشة نار في تقليب الحوادث المأساوية على مساحة جغرافية مصر والعالم العربي، وما كانت حكاية (عرفة) في نهاية الرواية والتي رسم له شخصية معرفية وموسوعية لكي يجلب أنتباه القاريء والمتلقي بأن رافعة التغيير تكمن في (التعليم والمعرفة) الذي يمثله (عرفه) وجعل العلم البلسم الشافي والطريق القويم ألى " أولاد الحارة " في النهوض من كبوتهم، ولعل أهم شاهد على عدم تعرضه للأديان وبالذات الدين الأسلامي هو ما جاء في الصفحة 583 من الرواية (---الدين الذي هو منبع قيم الخير والعلم الذي هو أداة التقدم والنهضة في حاضرنا ومستقبلنا).

- وكان يرى أن الدين قد أُستغلّ ووظّف توظيفاً خاطئاً أدى ألى شقاء الأنسان كما رأينا في سطوة الكنيسة في القرون الوسطى والفتوحات الأسلامية في القرون الماضية وتعسف الدولتين الأموية والعباسية وعبث ولصوصية الدين الراديكالي  وتسلطه على رقاب العراقيين بعد الأحتلال الأمريكي البغيض .

وأعتقد بأن أتهام محفوظ بالزندقة والألحاد فهو محض أفتراء على الرجل حسداً وغيرة لنجوميته الأدبية المتألقة وهو الأديب العربي الوحيد الذي فاز بجائزة نوبل في الأداب ونتاجاته الثرة التي وصلت ألى أكثر من خمسين بين روايات وقصص وبحوث ونقد، وسوف أفند بطلان هذا الأتهام الظالم: بأن محفوظ في مجمل سير الرواية آمن بالموت لجبلاوي، وهل تموت الآلهة ؟؟؟وكذا بطله العلامة (عرفه) مات وفنى كجسد وبقيت معارفه شاخصة ألى الأبد، وهنا أتكأ محفوظ على ركيزتين في أحترام الثوابت الدينية وهما { الخلود لله والموت والفناء للبشر وركيزة العلم }، وثم أصطفاف أعداء الرجل من رجال الدين والأزهريين والمد الأخواني ووعاظ السلاطين وجماعة الوفد وعساكر الثورة البورجوازية ورجال الحقبة الملكية التي عاصرها الكاتب والذين أخضعوا مصر للمستعمر، وهو الذي سفّه آراء من أعتقد ويعتقد أن الأمور سوف تتغيّرْبعد ثورة 1952 معلناً حقيقة تأريخية (أن صنماً هُدم ليبنى صنماً آخر أو بعبارة أدق ذهب الظالم وبقي الظلم) وعرض بشكلٍ جزئي سلبيات نظرية الحق الألهي في فرض عبودية بطل الرواية الجبلاوي على أسرته وهي رموز تشبيهية لدكتاتوريات حكام العرب قديما وحديثا، وأن تشبيهات الكاتب لشخوص الرواية بالرموز الدينية قد خدم النص والفكرة التي أنشيء من أجلها المتن .

أخيراً/ لقد آن الأوان لأولاد هذه الحارة أن يعرفوا سر ضعفهم وخنوعهم وأن يثوروا لكرامتهم وكبريائهم وأن يلقوا بالتخلف والجهل والأنقياد والعبودية بعيداً، هذه هي الروح التي تبنتها الرواية " أولاد حارتنا " فهو لم يدعو للحرب بل للحوار والسلم لذا أنهُ أستحق جائزة نوبل .

 

وأن الرواية تبشر بيومٍ يستطيع فيه الأنسان أن ينتصر على السلطة الغاشمة وأدواتها الفتوات والبلطجية وعاظ السلاطين والجهل وكانت آخر كلمات الرواية والتي حركت مشاعري وأحاسيسي من الأعماق {--- لكن الناس تحملوا البغي ولاذوا بالصبر وأستمسكوا بالأمل وكانوا كلما أضرّ بهم العنف قالوا لابد للظلم من آخر ولليل من نهار ونرى في حارتنا مصرع الطغيان ومشرق النور والعجائب}،  نعم... نعم سوف يولد يومٌ جديد في عراقنا المأزوم والمسروق وتشرق شمس الحرية في وادي الرافدين الجميل ويتحقق شعار الشباب المنتفض اليوم في عراقنا الحبيب {وطن آمن وحر} .

 

أديب وباحث عراقي مقيم في السويد

.......................

*الهيرمنيوطيقا: هي نظرية أدبية تعني بالمعنى الدقيق للكلمة: الدراسة المنهجية لطبيعة الأدب، فهي مرتبطة بمذاهب الفلسفة وعلم الأجتماع وهي فن دراسة فهم النصوص في فقه اللغة واللاهوت والنقد الأدبي لذا يستعمل الأصطلاح في الدراسات الدينية (ويكيبيديا للحرة)....

بعض المصادر والهوامش

- جبرا أبراهيم جبرا – الأسطورة والرمز – ترجمة – بغداد 1973 ص 258

- سليمان الشطي – الرمز والرمزية في أدب نجيب محفوظ- الكويت 1976 ص29

- لويس عوض – دراسات في النقد والأدب – القاهرة ص 345 – ص346

- احمد ابراهيم الهواري - مصادر نقد الرواية في الادب العربي الحديث – القاهرة 1979 .

- ادور الخراط – عالم نجيب محفوظ –مجلة المجلة 1963 – ص 37

 

جمعة عبد اللهتمثل هذه المجموعة القصصية للكاتب (ضياء جبيلي) تناسق مبدع في الجمع بين الواقع والخيال المتخيل، في عتبات بين الواقعية الرمزية، والرمزية الفنتازيا الغرائبية، الممتدة في خارطتها الواسعة، واتجهاتها الادبية لعوالم شتى في السريالية الغرائبية. التي تجعل شخوصها مصابة بالاحباط والحزن والانكسار والهزيمة، في شتى معالم الصراع الحياتي. في ميادين عديدة في الحب والحرب والرومانسية والبحث عن الهوية والزمن المفقود. في عوالم متضاربة في التداعيات من عوالم كافكا والمسخ، الى عالم زوربا كازنتزاكي وعشيقاته الارامل. الى بروست والبحث عن الزمن المفقود. الى عالم جوروج اورويل في حديقة الحيوان. الى عالم همنغواي في الشيخ والبحر. الى عالم الغرائبي في رواية العطر للكاتب الالماني باتريك زوسكيند. الى عالم رومانسية شكسبير روميو وجوليت، وغيرهم من الكتاب المشهورين، يطوع ويكيف هذه العوالم يخلطها في بوتقة واحدة في المناخ العراقي والطقوس العراقية. يعني براعة تؤليفية في صناعة الحدث السردي في قصص المجموعة التي تضم 17 قصة قصيرة. تناولت بأشكال مختلفة الواقع الاجتماعي العراقي. من خلال المعنى الدال في غرائبية الحدث. بأن تأخذ الاشكال الحياتية بين الغرائبية والفنتازيا. لكنها تكشف عمق ازمة الواقع العراقي، التي تجعل الانسان مهدداً في حياته، سواء في حالة الحب والحرب، وصراع الارادة التي لا تقهر، في عالمها الواقعي والمتخيل. لنتناول بعض هذه العوالم من خلال بعض القصص القصيرة في المجموعة:

1 - عوالم رواية العطر للكاتب الالماني باتريك زوسكيند:

في عوالمها الغرائيبية في اكتشاف العطر من الاشياء الغريبة من الكائنات الحية بما فيها جلد الانسان وجثته. ففي قصة (عمر الورد) تأخذنا الى مسألة الجشع واستغلال الاشياء الجميلة حتى اهلاكها ونخرها بالقبح أو العفونة حتى الموت. ولدت وهي تحمل روائح العطر من خلال دموعها الباكية. فتصورت الام ان هذه روائح العطور من البودرة المعطرة، لكن اكتشف بعد ذلك بأن هذه العطور من دموعها، واعتبرت معجزة وهبة مباركة من الله. وكانت الام تأخذ طفلتها الى مجالس الحسينية للنساء في عاشوراء، لجمع الهبات والمال، وحين كبرت تقدم الى طلب يدها للزواج العطارين من تجار العطور، ولكن حظها وقعت في تاجر عطور بخيل، كان يستخدم العنف حتى تبكي ليجمع دموعها العطرة ليتاجر بها، حتى انهكها وحولها الى جلد وهيكل عظمي حتى اهلكت وماتت.

2- (البحث عن الزمن المفقود) بروست.

في قصة (البحث عن الزمن المفقود) في اول يوم من عمله الوظيفي اهديَ اليه رواية (البحث عن الزمن المفقود) وخلال اربعين عاماً من الخدمة لم ينجز قرائتها، حتى احيل على التقاعد، وحل محله موظف شاب، واهداء له الرواية لعله يكتشف الزمن الضائع في حياة الانسان.

3 - البحث عن ازمة الهوية:

من خلال القصة القصيرة (قصة محنة الجندي حميد). وجد نفسه مغطى بالجثث فوقه كغطاء يحميه من الرصاص من كلا الجانبين المتحاربين في حرب طاحنة بين العراق وايران. ففضل هذا المنوال ان يكون تحت الجثث بدلاً ان يقتل في جبهات الحرب، لكن الزمن طال وهو محشوراً بين الجثث، ويسمع اصوات التي تبحث عن اخلاء الجرحى، لكن الخوف لم يكشف عن نفسه، خوفاً من أن يقع في الجانب الخطأ، وممكن ان يطلقوا عليه النار، فبقى على هذه الحال حتى تفسخت جثته، اصبحت جثته من الجثث المجهولة الهوية. وكلا الطرفين يرفض قبول جثته. في الشك بالهوية والانتماء.

4 - زوربا كازنتزاكي وعشيقاته الارامل.

في قصة (حديقة الارامل) آدم مولع بهوس بالكتب وقراءة الروايات، رغم تحذير أمه الارملة، التي تلح عليه بترك الكتب وانشغال بهواية آخرى. لكنه يرفض ذلك فيقول لها (أنا لست طفلاُ) وفي احد الايام اكتشفت بأنه يقرأ رواية (المسخ) لكافكا، فأستشاطت غضباً وفي صباح اليوم التالي ذهبت الى مدرسته وحذرت المشرف من مغبة السماح له بقرأءة الكتب،وقالت وجدت بحوزة ابنها رواية المسخ، فقال المشرف مستفسراً (هل تحول أبنك الى صرصار ؟) ص39. فأجابت الام بغضب (ليس تماماً) لكنه (كان بحاجة الى من يقلبه على بطنه) ص39. فكان (آدم) يحرص في جمع مصرفه اليومي لكي يشتري الكتب، وفي احد الايام اشترى رواية وغلفها بكتاب ديني لكي يخدع أمه المتشائمة من الكتب، فحين رأته قالت (هذا افضل من كتب المهرطقين)، واراد ان يتخلص من الرواية فدفنها في حفرة في حديقة البيت، ونثر فوقها فسائل الريحان، ولكن بعد ثلاثة أسابيع تفقد مكان الحفرة التي دفن فيها الكتاب، فشاهد في مكانها اصبع فطر، وحينما حاول ان ينتزعه من مكانه. صاحت به أمه الارملة (ابتعد عن فطري يا ولد !) ص41، ولكن بعد ايام اخذ الفطر ينمو ويكبر ويتكلم وينطق بالكلمات اليونانية، وكلما اقترب منه، يتناهى له صوت أمه كأنه يسمعه تقول (أبتعد عن رجلي يا ولد !) ص41، وبعد ايام ازدحمت الحديقة بالنساء الأرامل بالثياب السوداء يتزاحمن حول اصبع الفطر، تيقن ان الفضيحة آتية لا محالة. وقال متذمراً: (يا الهي !

 - كم زوربا نحتاج لحديقة سوداء من الارامل)ص43.

5 - شكسبير - روميو وجوليت / رومانسية عشقية في قصة (الذراع):

يتسلل (حازم) الى عشيقته من السياج الى شجرة السدرة حتى يصل الى غرفتها، يتطارحان همسات عشقية في نغمات الغرام والهيام، حتى اخذتها الغفوة الحالمة ونامت على ذراعه، ومضت ساعات طويلة وهي في غفوة الحلم العشقي، حتى جاء الصباح سمع الطرق على باب غرفتها وعرف ان الاصوات هي من أمها وابيها، يدعوانها الى النهوض لانها تأخرت كثيراً في الذهاب الى جامعتها، وتواصل الطرق دون جواب، وشعر (حازم) في الارهاق، فقد الاحساس بذراعه فلم يستطع ان يحركها، وهي في الغفوة الحالمة وبعد ثلاثة أيام تخثر الدم في عروقها، فلم يفلح في ايقاظها حتى اصبحت هيكل عظمي وتحولت الى جثة هامدة.

6 - الشيخ والبحر / همنغواي في قصة (أنتقام المارلين)

 لم يكن الصياد (عطية) يكف عن مزاولة مهنة الصيد في البحر حتى بعد التقاعد، وبلوغ عمره الرابعة والسبعين عاماً، أن يرتاح مثل بقية زملائه الصيادين المتقاعدين، فظل يواظب على الخروج مبكراً في الصباح، لكنه عاكسه الحظ لعدة ايام يخرج الى البحر ويعود خالي الوفاض، فقرر ذات صباح ان يخرج ولم يعود بدون صيدة دسمة، حتى لو غرق في البحر أو اصبح طعماً لحيتان البحر، استعد لمهمته وابحر بقاربه الصغير الى البحر، وشعر أنه ابتعد كثيراً في البحر، وشعر بشيء ثقيل يدور حول حبل صنارته، حاول ان يسحب الحبل فلم يستطع، وظل يقاوم هذا الامر لثلاثة ايام في البحر، وفي اليوم الرابع، ذهب ابنائه الى مركز الشرطة لتبليغ عن مصيره المجهول ربما غرق في البحر. واثناء مقاومته ومصارعته الشيء الثقيل الذي علق بحبله ويرفض الانصياع، شاهد يقترب منه سمكة القرش ارتعب من ذلك، ولكن سمكة القرش ألتفت حول حبله، فحاول ان يبعدها عنه، ولكنها ظلت تدور حوله حتى انهكت قواه، واخذ غفوة بعد التعب الايام المضنية وحين استفاق من غفوته، شاهد فنار الميناء واضوية المدينة قريبة منه، فأخذ يجر نفسه جراً، ولكن شاهد سمكة القرش ملتفة حول الحبل، فأخذ يسحب القارب مع السمكة نحو ميناء المدينة.

7 - فنتازية عراقية غرائبية، في قصة (ذروق لتنين):

بعد انكسار الجيش العراقي وانسحابه من الكويت، هبت الناس في انتفاضة وهجمت على مخازن المؤن الغذائية لتنهب المواد الموجودة في هذه المخازن، التي اصبحت للنهب والسرقة، وكان من بين الجموع الغفيرة (سراج الدين) لكنه لم يبحث عن المواد الغذائية مثل الطحين والسمن والعدس والرز وغيرها من المواد، بل كان يبحث عن توابل والبهارات الحارة الهندية التي تحرق اللسان. مثل الفلفل الحار والشطة والكجب الهندي وغيرها، وحمل الصناديق الى البيت، حتى بوخته زوخته بهذه الاشياء الهندية المجنونة، التي تسطع منها الادخنة من يتناولها. بعد أخماد انتفاضة عام 1991، جر الى مديرية الامن ومارس بحقه التعذيب الجسدي والنفسي، ليس بأنه مشاركاً مع الاخرين في الانتفاضة، وانما عليه ان يعترف بأنه هندي وليس عراقياً، وإلا سيموت تحت التعذيب، رغم انه أقسم وحلف بأنه عراقياً عن أب وجد حتى جده كلكامش ولكن اصرار المحققين، بأن عليه أن يعترف أنه هندي (أعترف كلب.. بأنك هندي) وكانوا يضربونه بقسوة ووحشية حتى تعبوا من الضرب وقال له المحقق (أعترف سيؤمن لك تسفير عادلاً الى بلدك، بدل ان تموت هنا مثل كلب... أعدك) ص109، ولكن بعد مرور عاماً واحد حكم علية بالاعدام شنقاً حتى الموت. وفي أحد الايام نودي عليه، وتيقن في قرارة نفسه بأنه سينفذ حكم الاعدام بحقة، ولكن كانت المفاجئة الصاعقة بأنه افرج عنه واطلق سراحه من حكم الاعدام، فقال له السجان وهو يصحبه حتى الباب الخارجي للخروج (أشكرك معبودتك البقرة أن لكم بلاداً تحترم الانسان مثل الهند، وتقدر مواطنيها الى هذه الدرجة. فعلى الرغم من عدد نفوسها الهائل - مليار؟ أليس كذلك ياعبد البقرة ؟ لكنها طالبت بحياتك، لابد أنك شخصية مهمة، لكي يطالب بك رئيس الوزراء، بلدك عظيم مثل الهند أم أنا مخطئ ؟) ص112.

 

  جمعة عبدالله

 

لا تختلف حماسة العاشق عن حماسة الثوري، ولا يختلف الخطاب المفعم بالحماسة، بينهما، كثيراً فالعاشق والثوري يشربان من بئر واحدة: الرومانسية. غير ان الخطاب يأخذ مساراً فردياً للغاية عند العاشق، في حين يتمدد الخطاب، عند الثوري، الى أوسع مدى ممكن ليحتضن المجتمع الذي تشمله رسالة الثوري. كنت دائماً أتساءل، في سرّي، فيما اذا كان بالإمكان طرح القضايا السياسية، التي تهم المجتمع وتعنيه، ضمن أطر المسرح دون الوقوع في التوثيق الآني والمباشر، كمسرحيات بيتر فايس، أوالخطابة الإعلامية المحابية لدوائر الرقابة، كما هو شائع. وجاء الجواب من ميدان القمقم للدكتور سامح مهران. فهنا نص تجاوز التوثيق، وإبتعد قدر الإمكان عن الخطابية المباشرة وسلّط الضوء على حدث سياسي، لا يهم مصر فقط وإنما كافة دول المنطقة العربية وما يحيطها من دول وأقاليم، بأسلوب الحكاية الشعبية الممتلئة بالخرافات وبإطار ملحمي يغوص فيه شكلاً ثم يعتلي ويعود إلينا بالمعاني المفقودة من مفردات الحدث السياسي. إنه "الربيع العربي" الذي لم ولن يعرف الدفء، ربيع يميل الى الخريف في الخطاب السياسي وفي المخرجات.

خمسة مشاهد هي التي تؤلف المسرحية، المبنية على الحكايا والخرافات والجد والهزل. أربعة أركان تشكل مضلعات الحياة في الشروق والغروب. نرى من خلالها تسلسل زمني سلس ومدهش لنهوض السلطة ونهاياتها. كما نرى كيفية تعزيز الإرادة الواحدة وتكوين الديكتاتور، ثم ننتقل الى المرجل الذي تغلي فيه الجماهير المسلوبة الحقوق، وما يعقب ذلك من التسلل الناعم للقوى الظلامية، بإرثها الدموي المعادي للمجتمع وللمرأة وللوطن، وإختلاس نضال وحقوق الجماهير، يلي ذلك، الرحيل خارج إطار السلطةً، والتربع على أرائك الندم.  مسرحية مكتوبة بلغة بهية ورائعة جديرة بكلاسيكيات المسرح المعروفة.

تبدأ المسرحية في قصر المرايا حيث تقام حفلة راقصة تجمع الملك والملكة، وحوار ذاتي للمك مع نفسه وللملكة مع نفسها تفضح العلاقة القائمة بينهما وتُبرز الى أي مدى يشعر كلّ منهما بالوحدة والغربة مع الآخر، الى الحد الذي يتمنى فيه كل منهما غياب أوموت الآخر. أو ببساطة إعلان أمنية كلّ منهما في العودة الى الحياة البسيطة كبقية الناس ولكن، بطبيعة الحال، دون التنازل عن الموقع الملكي الذي يشغلانه وأمتيازته غير المحدودة.

الملك: (عبر البلاي باك) ليتني كنت رجلاً عادياً، فأرى لمعة في عيون حبيبتي فرحة بساعة اللقاء.

الملكة: (عبر ذات التقنية) تبّاً لكِ كراسي الحكم أمام لحظات مسكونة بالشوق، مستقلة بلهفة إتحاد جسدي ينطوي فيه العالم الأكبر.

الملك: يبلغني سوء الظن أنها تكرهني

الملكة: ليته يموت، فأبعث من جديد.

وعلى أنغام الرقصات يتلون المسرح بألوان الشبح القادم للحديث مع الملك، إنه والده المتوفى. ويغلب على الحوار والشبح اللغة الأبوية الناصحة والعطوفة. لغة "الحكمة" للمحافظة على الحكم. فيبدأ بالأسلوب الأبوي التقليدي وينتهي عند مرجع الحكم الأعلى لديه والذي يُصر على "توريثه" لابنه. منهج حكم صيغ في زمان لم تكن فيه دولة حتى بمفهوم القرون الوسطى، ولم تكن للمجتمعات أنذاك مؤسسات لخدمتها وأخرى لحمايتها كما لم توجد مؤسسات قادرة على حفظ الحقوق، ولا قوانين تؤمن بالمساواة بين أفراد المجتمع وقادرة على التمسك بالحقوق التي يتمتع بها الأفراد والجماعات داخل حدود "الدولة". لغة الحكمة والنصح الأبوي هذه تستند على الإرث المتوالي لأسلوب حكم قائم على وجود حاكم أوحد، بإرادة واحدة،  ورعية مسلوبة الإرادة. 

الأب: (أو الشبح) رسمتُ لك الطريق الذي إن سلكته لن تضل من بعدي أبداً.

الملك: أبحث عن طريق أعبّده بسيري فيه.

الأب: من فات قديمه تاه يابني. (.......)

الملك: لن أكون نسخة منك، ينبغي أن أعيد إكتشاف اللحم والدم الذي أحكمه.

الأب: البشر في كل زمان ومكان هم البشر، مجرد أفواه نهمة (...) لا يجيدون إلاّ التبرّز والتناسل، (...) يرهبون السوط والسلاح، فقط أطفئ المصابيح، ستجدهم على الفور يسرقون كل ما تقع عليه أعينهم وأياديهم.

 (...) ثم يستمر الحوار ..

الأب: الشك يابني هو قاعدة الحكم الأولى.

الملك: والحاكم الهيّن فتنة، وهذه قاعدة الحكم الثانية

الأب: ولو إقتضى الامر إستقرار العرش وأمنه ...

الملك: (مكملاً الكلام الذي سمعه من قبل) قتل ثلث او ثلتي الشعب فلا تتردد، فهكذا أفتى الامام إبن مالك ...الخ

إن ظاهرة التعكز على التاريخ العربي القديم معتمدة جوهرياً على خيارات محدودة ولا تقبل أي إنفراج أو إنفتاح على خيارات أخرى من ذات التاريخ. فماذا لو، بدلاً عن الإمام إبن مالك يشير الأب ، مثلاً، الى منهج إبن خلدون في الحكم وإدارة المجتمع. ذلك المنهج الذي أسس وأثرى مناهج التفكير والفلسفة في الحكم في أوربا، وهو الأساس في نشأة علم الاجتماع أكاديمياً في العالم. غير أن الاب،  الذي يمثل المدرسة العربية التقليدية في الحكم لن يتمكن من فتح أصغر كوّة من الحريات الاجتماعية ولا القبول بأقل الحقوق الاجتماعية لانه يرى في ذلك ضياع لهيبة حكمه وللشرعية الإلهية التي ترعاه. أي أن جميع أدوات ومشاريع الحكم الحالية والمستقبلية تخضع لمعايير الماضي.

الاب: هؤلاء الموتى الذين تسخر منهم الان حكموا بنصوص تحمل توقيعات الله، فهل تودّ إزالة التوقيع؟

هنا إشارة واضحة الدلالات على قوة الشرعية التي يستند اليها نظام الحكم. فهم يحكمون بنصوص تحمل توقيعات الله. ، ثم يضيف، (فهل تود ازالة هذه التوقيعات) اي إلغاء الشرعية الإلهية لنظام الحكم. هذه الشرعية التي لا تقبل ولا تسمح بالمجادلة لإنها تنطوي على "تكفير" مسبق لأية حركة تعارض هذا النهج، ثم أن "الشعب" هو عبارة عن مجموعات من رعاع، أصبح وجودها "مباركاً" لأنها محكومة من قبل هذا الزعيم الفذ او الملك.

الاب:.. كي تصير رابط الجأش (... ) غير مأخوذ بشفقة على من هم دونك، أن تعطي بقدر وتمنع بقدر، وأن تعلم ان لكل إنسان موقع وخانة، لايجب ولا يجوز أن يتخطاها، فتختلط المواقع، وتضيع الهويات، وتعم الفوضى.

وهنا يذكرّه الملك بان العالم قد تغيّر "وتغيّرت الشعوب وعلينا نحن ان نغيّر من أساليبنا في الحكم"

الأب: (في رده يتهم الشعب بالانتهازية وبالجبن وبأنهم غير أهل للثقة ثم يصل الى) كم أودّ ان اقتلهم جميعاً، ولكن لابد لكل ملك من شعب يحكمه ... الخ

إن التغيير يعني حركة ديناميكية تبتعد عن نقطة البدء، في حين يرى الحاكم الأوحد بإن التغيير هو الالتفاف نحو البدء. أي بمعنى إن التغيير الوحيد والممكن هو في الاستمرارية. هذه أيديولوجية سياسية إستخدمها الرئيس الفرنسي الراحل فاليري جيسكار ديستان خلال حملته الانتخابية في منتصف السبعينيات. "Changement dans la continuité  " بمعنى التغيير ضمن الاستمرارية، فالتغيير هو الأمل الدائم الذي تصبو اليه الجماهير، في حين أن الاستمرارية هي الأمان الذي يحرص على حماية سلطة وممتلكات الطبقة المتنفذة في المجتمع. فالإيديولوجية وشعارها مقنّعين، ولكنهما مدروسين جيداً لارضاء طرفي الشعب: الجهة الأولى المتنفذة والقادرة على إحداث تغيير في "شكل الحكم" والجهة الثانية  الآملة بالتغيير في "هيكلية الحكم".  هذه الأيديولوجية حين تمزج بتراث الماضي تغيب عنها المساءلة لانها تستمد شرعيتها "بتوقيع الله".

ثم يضيف الاب من نصائحه للملك: "كل من يقترب منك يريد ان يختلس ورقة من الشجرة الوارفة، وعلى تلك الشجرة ان تبذل أوراقها للطامعين، شريطة إلاّ يطمعوا في الشجرة نفسها، فإن فعلوا، قطعت الأذرع الطامعة".  الشجرة الوارفة هي مجموع ثروات البلد التي يتحكم بها الملك ويتصرف بشؤونها كما يشاء، كما لو كانت هذه الثروات هي ثرواته الشخصية. إن يتنازل الملك بعطايا متفرقة، هنا وهناك، فهذا جزء من وظيفة الملك ولكن المطالبة بكامل ثروات البلاد هي تهديد مباشر لكرسي الحكم وهذا ما لايمكن السكوت عليه. هنا تقطع الأذرع التي تمتد اليها، بل وأكثر من ذلك، ستقطع الرؤس التي تفكّر بذلك.

أليس هذا هو الخطاب الاساسي والجوهري لكل ديكتاتور؟ وهل هناك أسس لصناعة الديكتاتور اكثر صلابة من خطاب الترفع والأنانية والكراهية والإمعان في إذلال الشعب؟ خطاب يتلون بصيغ كلامية متنوعة، لكن الجوهر يظل كما هو. فالأب يضيف: "هذه المدن أعرفها وتعرفني، كلما القمتها حطباً طالبت بالمزيد". يقول فيكتور هوجو "حين تكون الديكتاتورية حقيقة فإن الثورة تصبح حق".

  ثم يرحل بِنَا المؤلف الدكتور سامح مهران الى غابة يظهر فيها الأسد وهو يصطاد وعلاً. حيث ان الاب أراد ان يثبت الى ابنه الملك بان القوة هامة جداً ولكنها غير كافية، فهي تحتاج الى الحيلة. ففيهما (القوة والحيلة) تستطيع ان تحكم شعب مهما كانت مطاليبه. ويرحل بابنه الملك الى الماضي على ظهر حصان مجنح ليشاهد كيف كان جدّه يتعامل مع مطالب الجماهير. ثم يمضي عبر حكايا "فولكلورية" عن مدى تقبل الجماهير لأوامر الملك على الرغم من شدة إفتقادهم للمقومات الأولية للحياة، أي مقومات العيش و الكرامة. ويُطرح الامر على أن ذلك يتم ليس بهدف تحقيق الرغبة المجردة للملك، بل من أجل تحقيق مصالح الشعب نفسه، وهذا بذاته يجب ان يجعل الشعب ممتناً ومعترفاً بالمعروف.  ويضيف الاب نصحاً لإبنه الملك عن كيفية التعامل مع الجماهير: "نعلّمهم ان العافية إذا دامت جُهلت، وإذا غابت عُرفت وان الألم يذهب بسجدة وأن البهجة تأتي بدعوة". حين تُستمد شرعية الحكم "بتوقيع من الله"، فإن هذه الشرعية تكرّس، بالضرورة، الفكر القدري المبني على القناعة والصبر.  ولذلك، فإن غياب مقومات العيش السليم والرفاهية والسعادة يصبح قدراً مفروضاً. وللقدر هبّات ترفع ناس وتُفقر آخرين، وعليه فإن القناعة هي أفضل أسلحة الفقير لمقاومة أحلام العيش برفاهية. غير أن القناعات القدرية تستبطن أسئلة وأحلام الفقراء التي من رحمهما يُولد الوعي في التمرد، فهنا، بدأت مكونات الثورة تتبلور ببطء وتطفو فوق سطح الهدوء الظاهر للحياة اليومية. 

في هذه الأثناء، تنتقل رحلة الملك وأبيه (الشبح) من التجوال في الماضي الى التجول في الحاضر وفي مداخل المستقبل. يتنكر الملك وأبيه ويمضيان وهما محملان بالذهب ليلتقيا بالثوار وبقائد الثورة الذي يُصرّح: "سنوزع أنصبة الذهب على الفرق التي تأتمر بأمرنا، ثم سننصب خيامنا حول ميدان القمقم، وفوق أسطح البنايات التي تحوطه، سيكمن القناصة المأجورين من قبلنا (...) فمن كان على نهجنا ومنهجنا يُحرر ويُعتق، ومن خالفه يُختم عليه (...) وقبل هذا وذاك، علينا تصنيع الفوضى". ثم يلي ذلك الحوار الهام التالي:

الاب: وكيف السبيل الى تصنيع الفوضى؟

قائد الثورة: (...) الشعب يريد إسقاط النظام

الجميع (جميع الثوار): الشعب يريد إسقاط النظام

فرد (ثوري): فلنحرق قصور الأغنياء ..

فرد آخر: ونسبي نسائهم ..

فرد آخر: وننتهك حرمات دورهم التي بنوها من حبات عرقنا ..

امرأة: ونفك أسر المحبوسين والمسجونين

(...)

الجميع: لا دستور ولا قانون، الثوار قادمون.

الشعارات التي رفعها الثوريون هنا لاتتوافق والحركة العفوية والصادقة والمخلصة والوطنية للجماهير، إنما رفع شعارات من قُبيل ماذكر أعلاه يحوّل الجماهير الى مجموعة من الغوغاء (Mob) التي يمكن ان تسرق كل ما تتمكن منه وتحرق ما لاتستطيع إمتلاكه. حركة الغوغاء هذه أمتلكت الصوت الأعلى بين الجماهير وانتقلت به من مطالبات تخص الحياة اليومية والعدالة الإنسانية الى أفعال وأقوال تحركها الكراهية والرغبة في الانتقام وبين كل هذه المشاعر تفتقد الجماهير الحقيقية الى البوصلة التي تشير الى "الوطن" باعتباره مركز أمان المجتمع. كل هذا يقود الملك المتخفي الى أن يسّر لأبيه:

الملك: أسفر الشرّ عن كامل وجوهه ياأبي، الكل يبحث عن ثروة وسلطة لا عن وطن. (...)

الاب: الوطن أيها الملك ليس مكاناً فقط، الوطن زمن، ولكل زمن قانون ... الخ

يتسلل الاب بين الثوار ويكسب ثقة قائدهم وينصحه بالتظاهر أمام زملاءه الثوريين بأنه مجرد عن المصلحة الشخصية وعن الرغبة في إعتلاء السلطة وينصحه أيضاً بتعيين أحد الشباب الثوري للقيام بمهامة نيابة عنه. ونبّهه الى ان "التنافس والتسابق بل والتقاتل والتلاسن بين الثوار" سيزيد من فرصه لاستلام الحكم آمناً ومطمئناً. وتسير الأحداث هكذا الى حين يتفق الجميع على ضرورة فتح القمقم وإخراج مافيه الى الحرية. فيخرج العفريت الأبيض من القمم ويبدأ بنشر أفكاره "الحضاروية" عن التعايش المجتمعي، وهو يشجع الثقافة المثلية في الوقت الذي تتحدث فيه الجماهيرعن العيش والكرامة والعدالة الإنسانية، ثم يخرج عدد من الرجال المزورين للدين "ذوو الخبرة والمعرفة". بعد ذلك يطلب العفريت إجراء انتخابات للناس الموجودين في القمقم، فيخرج عدد من "السائرين بظهورهم" ويتبعهم عدد من التماسيح.  والسائرون بظهورهم، هو كناية للتيارات والأفكار التي تصّر على العودة بالمجتمع الى ماكان عليه في الجزيرة العربية قبل حوالي خمسة عشر قرناً. هنا كنت أفضل ان يخرج "السائرون بظهورهم" كرجال دين ملتحين بصورة مبالغ فيها وعند منتصف المشهد آو عند نهايته  تبدأ تخرج من رؤوس "السائرين بظهورهم"  وجوه التماسيح بحيث تخفي الوجوه الملتحية تماما. هذا باعتقادي يعزز من المفهوم الذي أراده المؤلف ويتوائم مع السياق الملحمي والخرافي للنص.

تتوالى الأحداث سريعاً وتبدأ الخلافات بين الثوار أنفسهم، يُوقد ذلك المندسون فيما بينهم.  وتبدأ معارك أهلية ويخسر الملك مملكته وفي النهاية نعود الى لحظة البدء حيث الملك والملكة،  فكما كانا يعانيان كلّ على حده من الإحساس الشديد بالوحدة وبالغربة، فهما الان يلتقيان كمخلوقين مهملين يبحث كل منهما عن آخر يتعكز به.

ميدان القمقم هو الميدان الذي خرج من القمقم ولن يعود كما كان أبداً. انه نص جرئء جداً من حيث التوقيت، ونص أستطاع أن يشتمل على العناصر الأساسية لفترة تاريخية حديثة، وأن يبدع الدكتور سامح مهران في تحويل هذا الحدث الذي لاتزال أمواجه تتلاطم في صدور الشعوب الى نص درامي ملحمي يرتكز على الحكايا والخرافات وبإطار لايخلو من الهزل. الهزل الذي تستصرخه لحظات العبث التي تسود أجواء العمل. نص درامي مكتوب بلغة متينة ورصينة ترتقي الى معاني الحدث وترسم طيات من الحلم بين جفون المتفرج. فالثورة، كما يقول تنسي وليامز، تحتاج فقط الى حالمين جيدين قادرين على تذكر أحلامهم.

 

علي ماجد شبو

 

استبرق العزاويصدر حديثا ً للشاعر العراقي جاسم العلي مجموعته الشعرية الجديدة التي تحمل العنوان (فوانيس عتيقة) وذلك عن دار ثائر العصامي للطباعة والنشر والتوزيع ببغداد، ويحتوي الديوان الذي يقع في 74 صفحة من القطع المتوسط على إحدى وخمسين قصيدة، تنوعت موضوعاتها الانسانية بين الرومانسي والاجتماعي والوطني وتمظهرت بشكل نصوص شعرية مختزلة أشبه بومضة خاطفة تحمل في طياتها الكثير الدلالات ولعل عنوان الديوان يعكس شكلا ً من أشكال تلك النصوص، ويمكن القول أن الشاعر جاسم العلي قد عمِد َ الى تبني أسلوب الايجاز لشعري في محاولة لمواكبة مظاهر العصر التي بات الاختزال فيها صفة تسود مختلف منابر التعبير حيث البصريات الحسية والمراهنة على سيماء الصورة ودلالتها في أنساق الخطاب لذلك فقد أدرك الكثير من صناع الجمالي الادبي أو الفني الى أهمية  تبني معادلة جديدة من التوازن بين عناصر الخطاب . وفي إطار الحديث عن فكرة الايجاز فقد  باتت تستهوي الكثير من الشعراء والمعروف أن مفهوم الإيجاز في اللغة هو تقليص مساحة الكلام وتكثيفه وتطويعه لصالح إيجاد المعنى أو المغزى الاكبر الذي يريد الشاعر إيصاله وبحسب (سوسير) ثمة توظيف للإيجاز يعتمد على إخراج الصورة من معناها المستخدم لسانيا ً الى المعنى اللا متوقع وكثيرا ً ما يتجسد ذلك في الجملة الشعرية أكثر من غيرها من فنون الأدب حيث تنتقل الألفاظ من معناها اللغوي الى معناها الكلامي  وقد حاول الشاعر العلي تجريب هذه الآلية في نصوص هذا الديوان وقد نجح في الكثير من نصوصه  .

أو َ كلما حمِلت ُ إليك ِ

النرجسة َ بيدي

نثرتَها مسافات ُ،

.... التعلثم

وإضطراب ُ مخاوفنا الضئيلة . ص 47 من قصيدة تلعثم .

وفي إطار الحديث عن قصائد ديوان فوانيس عتيقة لابد من الحديث عن شكل القصيدة التي وردت في هذا الديوان التي عكست هموم الشاعر حيال العديد من الموضوعات 2178 جاسم العليالانسانية .

الأجنة ُ

لم تكتمل

بيد أن َ الأعاصير َ،

تُطلق ُ فيها ثواني الخروج

تُرى من يُفوّج

في تداخل ِ هذه البحار

كي يفسرَ للحزن ِ

... معنى التضاؤل ؟

فقد تنوعت قصائد الديوان بين الرومانسي كما في قصيدة (شغف)

عيناها تحترقان بالتساؤل،

وأصابعها تحركت

مثل َ كنيسة ٍ أطفأت أنوارَها

قلبُها الرقيق

دس َ له في دمي

أرى رعشَته الهائمة

ينثرها الفضاء .

ولم يفت الشاعر حدث إنتفاضة تشرين في العام 2020 حيث إقتنصت مخيلته الشعرية عددا ً من الصور التي ضجت بها ساحة التحرير وهي تحتضن الصراع بين شباب ينشدون مسقبلا ً مشرقا ً وبين جهات حاولت إسكات صوت الشباب المنتفض ضد الفساد والمفسدين والتبعية التي يعاني منها العراق فجاءت قصيدة حكايات تشرينية لتعبر عن الحدث بجمل شعرية مقتضبة ومعبرة ومتدفقة .

في تشرين

بساط الموت أحمر،

وأصابع الحبيبات

مثل رمح ِ الرب،

في قلب ِ الخريف

2 –

حين تُغلَق ُ الأفق

بوجه الريح

لا تخشى الرصاص،

أو المطر

فكلاهما ربيع .

3-

زهرة ُ الحرية أنثى

تشاكس الليل الطويل،

على صدر الجريح

... ليستريح .

وفي رحلة الغوص في ثنايا ديوان (فوانيس عتيقة) يمكن ملاحظة أن عناوين القصائد أيضا ً أخذت طابع الاختزال والاقتصاد والتكثيف فجاء معظمها بكلمة واحدة مثل (سكون، مسافة، شغف، أنت ِ إخترت ِ، تفاصيل، صمت) الى آخره من العناوين التي جسدت متونها فكرة قصائد الومضة التي تعد نمطا ً شعريا ً قد بدأت بواكيره في سبعينيات القرن المنصرم في تجارب عدد من الشعراء حتى تأصل هذا النمط الشعري عبر الزمن ليتبلور بوصفه شكلا من أشكال التجديد الشعري ويتميز بخصوصيته في التركيب، والوحدة العضوية لعناصر القصيدة (الايحاء، وعدم المباشرة) .

ونلاحظ أن هذا اللون الشعري قد إنتشر في السنوات المنصرمة الماضية إستجابة لضرورات العصر الذي نعيش حيث سرعة إيقاع حياتنا اليومية ووفرة ما نتلقاه من مواد صورية وبصرية تحمل الكثير من معاني الصور الشعرية، وثمة آراء تُرجع هذه الانماط الى مرجعيات يابانية وأوربية بيد إننا نشعر أنه محاولة أدبية تتفاعل فيها عناصر الايقاع والصورة والفكرة وتمتزج فيها خصائص تراثنا الشعري العربي مع مفرادت الحداثة العالمية لأننا ببساطة نعيش هذا التثاقف الانساني الكوني عبر نوافذ معرفية وإعلامية ذات آفاق رحبة .

 

إستبرق عزاوي – ديترويت 

 

حيدر عبدالرضاللشاعر عبد الأمير خليل مراد

التحاور النسقي بين حسية شعرية الوجود واللاوجود في ذوات الأشياء

توطئة:

لعل فضاء القراءة إلى مجموعة قصائد (صحيفة المتلمس) للشاعر عبد الأمير خليل مراد، تقودنا نحو تلك العلاقة النسقية المتأسسة ما بين ثنائية الوجود واللاوجود في ذوات الأشياء احتمالا،وصولا منها إلى استكمال وقائع ضمنية أنا الشاعر / الآخر المرجعي، اقترانا بأسباب القول الشعري وأحواله الحسية المتواشجة وآفاق إجرائية ذاتية موصولة من الوعي المحمول بأيقونة أسئلة ومقاصد المعنى المضمر في علاقات دوال القصيدة . وعند قراءتنا إلى الأنماذج الشعرية في منجز المجموعة، تواجهنا كيفيات ومرجعيات خاصة من أمكانية النص الشعري، وذلك بدءا مما تنتجه دعوات المبعث الدلالي في حدود النظرة الإيحائية في شاعرية النص .

ـ منظور الرؤية ومواجهة الزمن المرجعي

عند قراءتنا إلى قصيدة (صحيفة المتلمس) تواجهنا مثالية العلاقة المرتبطة ما بين خاصية الأنا الشعرية وأفق أسفارها في مركبات الأطلال من التفاصيل والاستعارات المتندرة في بواعث الأحساس الفاحص في ملفات حالات القصيدة:

كَمْ مرَّ مِنَ الأَزمانْ

وَأنا كَصيّادٍ يُبْحِرُ في الَمخْطوطاتِ

(مَخْطوطاتٍ للحبِّ وأخرى للمَوتِ)

أُحْصِي الُمدنُنَ الباقيةَ (بابلَ، دلمونَ، الحيرةَ، سومرَ

وَأكدْ)

وَالمُدنَ الزائلةَ (نَحْنُ)

وَتاريخَ الأشخاصِ (مُلُوكاً، صَعَاليكَ، غُلاةً،

شُعراء) . / ص80

إذا تعاملنا مع هذه المقاطع الأولى من النص، على أساس من أنها مخطوطة في مؤشرات (الذاكرة السير ذاتية / وثيقة الأمكنة) فلربما قد لا نقف على واصلة العلاقة الشعرية التامة مع مرجعية مخيلة الأماكن إلا من زوايا نسبية في المقايسة والاحتواء الاستدلالي المحض، نقول من جهتنا الخاصة أن الشاعر أراد تأسيس لنصه استراتيجية خاصة متكونة من علاقة أنا الشاعر وحدود تعاملات المستوى النسقي من التناص ودلالات المحاكاة المتباينة ومسار مشخصات لغة الموضوعة الشعرية، وهذا الأمر بدوره ما جعلنا نواجه جملة مفهوم (منظور الرؤية) عبر سرانية وعلنية إزاء محددات جمل (كم مرة من الأزمان / وأنا كصياد يبحر في المخطوطات = مخطوطات للحب وأخرى للموت) أي أن محاور المرجعية الزمانية والمكانية أخذت تحضر في محمولات علاقة قصدية مواضع مستترة (الذات الشاعرة ـ الأداء ـ تحول الحالات ـ تحول الزمكانية = علاقة تنافذية قيد الفاعل المنفذ) وهكذا تبقى ركيزة الواصلة الموضوعية ما بين الأزمان والأمكنة والذوات، كمفصلية منفذة أخذت تحددها علاقة الأنا / فاعل الحالة، في مرحلة البحث والاستقصاء (كصياد يبحر في المخطوطات / أحصي المدن الباقية / المدن الزائلة نحن / تاريخ الأشخاص) والتعامل الأوحد في وظيفة الوحدات يبقى في مجموعة الجمل، ما يماثل علاقة عادلة ومتفاعلة في الإحصاء التذويتي إلى محاور العلامة المرجعية في جمل المدن ودلالات الأمكنة:

مِنْ كلكامشَ إلى عَبْدَ الأَمير ....و .... و....و

(وَلا تاريخَ إلاّ تاريخُ الأَشخاصِ)

أَتَهَجَّى أَبْراجي بِكآبةٍ

كأَنّني عَلى شَفا حُفرَةٍ مِنْ هذا العالَمْ

أقفُ .... ! . / ص80

الشاعر يسعى إلى استعادة تواريخ الأجناس الآدمية، في سياقية جذرية متنوعة، بدءا من كلكامش وحتى مرحلة الشاعر نفسه نزولا إلى متشكلات الصيرورة المتنوعة في كرنفالية فضاءات التنقيط في بنية المحذوف، فيما تبقى مروياته تحوي ذلك الحدوث العدمي من جملة (أتهجى أبراجي بكآبة) واللقطة الثانية هي حالة توكيدية في مجال الانفصال أو اللا تواصل مع عدمية الوجود في حراك الأشياء الخارجة من معنى موقفية الشاعر الاعتبارية (كأنني على شفا حفرة من هذا العالم) . أما الحال في قصيدة (الأرجوحة) حيث نقرأ:

ظِلاّنا يَقْتربانِ مِنَ العَتَبة

هذا يَتَخَلَّقُ في نَهْر العُمْرِ ....

خَفِياً

وَالآخرُ يَفْتَضُّ تُخُومَ الوَقْتِ ....

وَيَمْضِي . / ص78

علاقة المفتتح الصوري في النص، تزدحم في حيز شعري ملتئم على كينونته الذاتية وسيرة ذلك المنشطر نحو حساسية تفارقية من الوجود الآخر (ظلانا يقتربان من العتبة .. هذا يتخلق في نهر العمر .. خفيا .. والآخر يفتض تخوم الوقت .. ويمضي) من الواضح أن هذه العلاقة النصية في متن مستوى المقاربة مرتبطان أرتباطا وثيقا في مهمة مسافة الزمن والفعل الدوالي لذا نجد مضمار المدلول يعتمد مطابقة ما منشطرة من شيفرة (الوجود / اللاوجود / الأنا / الآخر) وصولا إلى غاية المتحدث تعديلا في مسار العلاقة التوصيفية في حالات موجهات المتكلم ووظائفه الأحوالية:

يَتَوزَّعُ في فاتَحةِ الخِصْبِ ... فُصُولاً

مِنْ خُبزٍ وَدماء

هذا ظِلُّك ... أمْ ظِلّي ...

أَمْ نَصلُ قَتيلْ

يَقْذفُني كالأُرْجُوحةِ في الحَلَبة

وَيَلُمُّ بقايايَ حُقولاً مِنْ شِعْرٍ

وَرُواءْ . / ص78

 

1ـ التبديل والاستبدال:

تتكشف الدوال في المقاطع المعروضة أعلاه في نص القصيدة عن حالات ابدالية ـ استجابية شبه تضامنية وحساسية وظيفة الاستبدال في مستويات حراك الجمل، مما جعل الخطاب في المقاطع أكثر تداخلا وتفاعلا ما بين ثنائية الإبدال والاستبدال، وصولا نحو الركيزة الذاتية المضمرة في السياق الدالي، وعلى هذا النحو نستعرض ما قاله الناقد السيميائي جوزيف كورتيس من هذا القول: (مشكل الاستبدال كله نوع من العملية المعكوسة للتبديل وفيه الدال يمكن أن يقابل مدلولات مختلفة، وبالعكس نفس المدلول يمكن أن تعبر عنه دوال مختلفة . / سيميائية اللغة ـ جوزيف كورتيس / ص64) وبهذا المعنى يمكننا معاينة الإجراء الاستبدالي في جملة (هذا ظلك .. أم ظلي) أن التعادل الافتراضي في بنية الاستبدال هنا تكشف لنا عن حاصلية الناتج في بنية المحذوف من الفضاء النصي ـ اقترانا لها بذلك الحاصل المفترض بين العلاقة الإشارية الواردة في الجملة، وذلك المدلول القائم بينهما في مسار التبديل الدلالي، وذلك ما يجعلنا نفهم جملة (أم نصل قتيل) على أنها المخصوصية المرجحة في دلالة المحتمل الذي هو بمثابة العلاقة المماثلة في مسار الوظيفة الظلية المتقادمة من دليل الأرجوحة .

ـ أنسنة الصورة الشعرية وحساسية الأستدعاء المضمر

تتأكد أنسنة حالات الصورة الشعرية في منحى بنيات قصائد مجموعة الشاعر، نحو ذلك التفعيل الدلالي المخصوص عبر وحدات البنية الدوالية في القصيدة ومحتملاتها المتشكلة في خلق الصورة التشكيلية الأكثر غورا في كوامن لغة المحاور الشعرية، وبهذا الصدد تواجهنا قصيدة (الطائر) وقصيدة (العتايج) وقصيدة (الشاعر):

جَسَدٌ ناحِلٌ كالقَصِيدة

لا زَادَ غيرُ هَشِيمِ الحُرُوفِ

وَبُرْعُمُ ضَوْءٍ يُزنِّر في الذاكرة . / ص50

تتأكد من هذا الفضاء محاور أنسنة الذات الشاعرة إلى محمولات أحوالها الداخلية المؤولة بأوصافها من ناحية الاستثناء واللحظة القاسية من استجابة صوت أنسانية الشاعر ـ تعبيرا صوريا ظاهرا أخذ يكشف عن أشد اللحظات في انسانية أحوال الشاعر وأنسنة دواله الواصفة، والحال يطرح ذاته في قصيدة (تقاسيم الناي الأولى) وقصيدة (إيماءات بعيدة) والحال أيضا من أنسنة المحاور في قصيدة (قطاف) المهداة إلى الكاتب ناجح المعموري:

بِأيِّ فَمٍ سَتَقُولُ القَصِيدة

الرَّبَابَةُ دَارَتْ بِنَا مِنْ زَمَانْ

وَعَلَى حائِطٍ مِنْ رَمِيمِ البَقَايا

رَأَيْتُ المَدِينةَ تَبْكِي ... وَفَانُوسَها

جُثَّةً فِي الظَّلامْ . / ص30

ـ تعليق القراءة:

لاشك أن موجهات قصائد مجموعة (صحيفة المتلمس) للشاعر المتفرد عبد الأمير خليل مراد، بمثابة فضاءات للنموذج الشعري المتمخض عن فاعلية مركزة في أدق تفاصيل شعرية الواقعة المرجعية وسمو الدلالة المنفتحة نحو لغة المعطى الداخلي والخارجي من طاقة الرؤيا الإيحائية المؤثرة لدى الشاعر .. أقول حاولنا في الفروع المبحثية من مقالنا هذا، تقديم قراءة بسيطة ومقتضبة عن سمات الإجرائية الدوالية في متون قصائد المجموعة، والتي أخذت تكشف لنا بالوقائع النصية عن علاقات دلالات القصائد المحملة بطبيعة مركزة في جمال اللغة ونصاعة الأسلوب الشعري المتاح في مجال نصوص المجموعة عبر كامل وظائفها التي لا تتوقف على مسارات الشعرية الآنوية من مساحة لغة الشاعر الذاتية، بل أنها ذلك الخطاب الحلمي في الزمن واللازمن وعبر مقترحات ذلك البديل العدمي من جدوى تحاورية وجودنا النسقي على شاشة الوجود أو اللاوجود في ذاتية الأشياء المصورة في مضمر القصيدة .

 

حيدر عبد الرضا

 

احمد عواد الخزاعيبمعزل عن عناصر الرواية الرئيسية، التي يستمد القارئ منها معطيات النص ودلالاته، كتب سعد سعيد روايته (فيرجوالية) لتكون نصا حكائيا مجرداً، يشكل الحوار عموده الفقري، بغياب عنصر الزمان، الذي يلعب دوراً مهما في بناء النسق الحكائي وتسلسله، وعنصر المكان المسؤول عن منح القارئ منصة لرؤية الاحداث والتفاعل مع بيئتها، اضافة الى افتقادها اهم عنصر في السرد الروائي وهو (الحدث الحقيقي)، الذي يشكل قطب الرحى الذي يدور حوله النص ويستمد منه شرعيته ووجوده. كل هذا الارباك الذي احدثه سعد سعيد في ابجديات السرد الروائي، هو بالمحصلة لا يشكل مثلبة عليه، بقدر ماهو ايذان بولادة اسلوب سردي حداثي، يمكن ان يتواكب مع التطور الحضاري والتقني الذي يشهده العالم، برؤية فنية تفاعلية تستمد ادواتها منه، فهو نص افتراضي غرائبي غير واقعي في معطياته وبواعثه، ينشأ من حصول عطل في حاسوب روائي، ينتج عنه حوارات جدلية افتراضية بين الكاتب ووحدة (SSR2981957-TS) في الحاسوب والتي لم تخلو هذه الجدليات من حضور المنطق والفلسفة فيها.. (SSR2981957-TS  لا يفهم معنى كثير من الكلمات يستخدمها بشر مثل فلوس جنس، انثى، رجل، امرأة، شرف، اخلاق، مبادئ وغيرها) بعد هذا الحوار بين انس حلمي مع وحدة SSR  في الحاسوب، والذي يطلق عليه اصطلاحا (السرد الكاذب) كون احد طرفي الحوار ليس له وجود حسي على ارض الواقع..  تقرر وحدة  SSR الحاسوب بأن تنشر كل حوارات الروائي انس حلمي على مواقع التواصل الاجتماعي (قرر SSR2981957-TS  ان يستعيد معلومات محذوفة وينشرها على موقع حقيقة حيث تعود بشر مدير انس حلمي ان ينشر بعض ما يكتب). هذا الحوار الافتراضي الكاذب، يفتح للنص مدخلاً اخر اكثر صدقاً من سببيته، عندما يبدئ جهاز الحاسوب باستعراض حوارات انس حلمي مع مجموعة من اصدقائه والذين كان معظمهم من النساء، وهنا يبدئ  سعد سعيد باستخدام ادواته الفنية والمعرفية في صياغة شخصياته وميولها وافكارها وتناقضاتها، بغياب البعد السيميائي عن النص وتفاعلاته البيئية (تأثيث مكان الحدث) و(التشيؤ: اي ارتباط الابطال بالمكان وتأثيراته النفسية والسلوكية عليهم).

سبع شخصيات مختلفة (بيئياً ومعرفياً وثقافياً ونفسياً وسلوكياً) اتجاه ثابت معرفي وثقافي ونفسي واحد هو (انس حلمي)، الذي اشار النص في بعض محطاته على انه الروائي نفسه، وذلك بذكر أسم روايته محل النقد (فيرجوالية) وهذا اشعار تطميني للقارئ لإيقاعه بما يعرف ب(وهم الاقناع) اي حضور الروائي في نصه.

حوارات مطولة واخرى مقتضبة، وانتقالات سردية سريعة بين هذه الحوارات، التي تنوعت بين شاخصين رئيسيين هما (الثقافة والجنس) مع الحفاظ على بؤرة علائقية مركزية، هي علاقة البطل انس حلمي مع (روح هائمة) والتي سعى الروائي الى انتشال هذه العلاقة من واقعها الافتراضي الى الوجودي، حين اقدم بطله على السفر الى استراليا لرؤيتها، بعد ان عرفت بطبيعة علاقته الجنسية مع قريبتها ميساء، في انتقالة سردية عمودية، غريبة ومفاجئة تقاطعت مع افقية النص ونسقه الحكائي، الذي اخذ منحاً حوارياً افتراضياً هو اقرب الى ما يسمى ب(مسرح العبث)، فأنتقل النص من التعاطي مع العالم الافتراضي وبواعثه النفسية وتأثيراته على سلوك الانسان المعاصر، الى الحديث عن اخلاق ومبادئ البطل انس حلمي، الذي رفض ان يمارس الجنس مع روح هائمة، لتعارض هذا الفعل مع مبادئه واخلاقه وقيمه السامية.. لكنه برر هذا العمل على لسان بطله في حوار لاحق بينهما :

2175 سعد سعيدروح هائمة :لكن أعبرت المحيط الهادئ لتبقى ثلاثة ايام فقط هل انت مجنون؟

انس حلمي: لقد اخبرتك منذ البداية

روح هائمة: مالذي اخبرتني به؟

انس حلمي: انني مجنون

ربما فسرت مفردة (مجنون) الكثير من التذبذب الذي طال شخصية البطل انس حلمي، وتأرجحها بين (الرذيلة والفضيلة، العهر والشرف، الصدق والكذب، المكر والنبل)، وما يفسر جزء من هذا التذبذب، هو الاطار الحكائي العام الذي منحه صفة (الصياد) في العالم الافتراضي الذي زج نفسه فيه هربا من مشاكل زوجية معقدة.. لكنه حاول ان يظهر خلاف ذلك، بلعبه لدور الضحية بين الحين والاَخر، كما في طبيعة علاقته مع (ميساء) التي لقبها بالعاهرة، حين خطط والح عليها لاستدراجها الى لقاء حقيقي كي يمارس معها الجنس، وعندما تحقق له ما اراد، استنكر ما حصل، والقى باللوم عليها .

(فيرجوالية)  نص رائد في عالم السرد الروائي، لانه انتهج التجريد كأسلوب حداثوي، متعكزاً على ركيزتين أساسيتين:

اولا: العنوان الغريب (فيرجوالية) الذي اشار الروائي الى معناه من خلال حوار ثقافي بين انس حلمي وروح هائمة :

- اهلا بك في العالم الافتراضي في الفيرجوالية

- ماذا ؟

- الفيرجوالية هي كلمة من اختراعي مأخوذة من (virtual world) وهي تعني العالم الافتراضي.

لكن هذا المصطلح العلمي التقني الذي استنبطه الروائي من مفردتين انكليزيتين، هو قريب من حيث اللفظ والمغزى من مصطلح طبي يسمى (متلازمة فيرجولي): وهو نوع من الاضطرابات النفسية النادرة، التي توهم الشخص أنه يرى جميع الناس شخصًا واحدًا، فأي شخص يقابله سواء يحبه أو يكرهه هو نفس الشخص.

وهذه المقاربة التي ربما تكون قد حدثت مصادفة في العنوان، هي مماثلة لجزء من السلوك النفسي للبطل، الذي اعتمد على الشك والريبة والميل الغرائزي مع كل المتحاورات.. لكن يبقى ما اشار اليه الروائي في تعريف العنوان هو الأساس في تعاطينا مع النص وعنوانه.

ثانيا: العالم افتراضي، الذي زج الروائي ابطاله فيه، من خلال مواقع التواصل الاجتماعي ونوافذه التي تتيح للمستخدم التحاور مع الاخرين بكل حرية، وتجريد النص من كل ادواته الفاعلة والمؤثرة، التي تشكل دعائم رئيسية للفن الروائي التقليدي، واعتماده على الحوار فقط في ايصال ما يريد، مستخدماً لغة حداثية، وهي الاداة الوحيدة لدى سعد سعيد في ادارة النص، والتي اتسمت بالبساطة والذكاء في انتقاء المفردات، ومراعاة المستوى الثقافي والمعرفي للمتحاورين، وحضور الاصطلاحات الحداثية العلمية والتكنلوجية المعاصرة، وكان يجب ان يبقى النص في هذا الاطار الافتراضي التجريدي، ومنعه من الانزلاق الى الواقع الفعلي، كما حدث في علاقة البطل مع روح هائمة، وتطور هذه العلائق الافتراضية بدافع غرائزي منفلت، لكن الروائي اعادة النص الى واقعه الافتراضي التجريدي من خلال الخاتمة، التي مثلت حوارا افتراضيا كاذبا بين وحدة SSR وبين انس حلمي، عَبر حوار فلسفي يعي جيدا ازمة الانسان المعاصر في هذا العالم المادي وسطوته عليه:

- يا مسكين هذا الذي لن تستطيع اتقانه ابدا ولذلك ستبقى مجرد الة

- قلت لك اني لست بالة

- كائنا ماكنت انت لست بإنسان ولذلك لن تفقه المنطق الحقيقي

- لم افهم ما تريد قوله

- ولن تفهم .. فالإنسان يستطيع ان يخرق المنطق احيانا ومع ذلك يبقى بأمان.

 

احمد عواد الخزاعي

 

 

جمال العتابيعمار المسعودي يمتلك أفقه ولغته الشعرية المميزة بإسلوب يعرفه، شديد الإخلاص له، المسعودي ابن (الصلامية) إحدى قرى الحسينية في كربلاء، كتب أول قصيدة له على كيس سمنت، كان أبناء القرية يقرأون للسياب والجواهري، ويقرأون الروايات ويتابعون الأحداث السياسية بعد إعلان الجمهورية الأولى في تموز 58، أولئك الذين تأثروا بالإنفتاح على حركة التجديد في الثقافة العالمية، تركوا بصماتهم على أجيال لاحقة، ومنهم عمار المسعودي، فأصدر مجموعته الشعرية الأولى في بداية التسعينات، وتلتها مجاميع أخرى، آخرها ديوانه الشعري، (عمار المسعودي يزرع بهجته) عام 2017.

هنا تتحول القرية إلى رمز لعالمه الخاص، عالم الروح والعقل، وحتى الخلود، فالشاعر في كل قصائده الوصفية لهذا العالم، يستعين بالمشهد الواقعي اليومي مادام يفيض بالحيوية من حوله، والقصيدة طافحة بالبراءة والبساطة والنقاء بنفس غنائي دافيء، والمتتبع لقصائد المسعودي يجد للطبيعة وجوداً سحرياً ، وأصبح هم الشاعر أن يجمع المكان والزمان والأشياء في لحظة الحضور الأزلي، فإزدحمت قصائده بالتفاصيل و عناصر الطبيعة الساحرة من حوله، ونثر أسماء القصائد موزعة على الأ شجار والفاكهة والمياه والحقول والريح والنخيل والأرض والأقمار والسماء، وأسراب الطيور، والندى والعطش وكأنها أقواس قزح مفعمة بالصور والألوان، والأنغام الصافية، إذ لا تكاد قصيدة واحدة في الديوان تخلو من هذه المفردات.

ان قوةً ما تتملك المسعودي تجد قرينتها في مرتع الطفولة التي ما تزال تشغل كل ركن من أركان وجوده، انه يدرك ما يكتب سوف يرتبط بلا شك بأجمل الأشياء، حين يجدها مصدراً لسعادته وكما يختار، وثمة لغة يحتفظ الشاعر بأسرارها لا تتوفر لشاعر آخر :

لو أني من أوراق وأغصان وأشجار فقط/لكان سهلاً علي أن /أبوح بأسراري عن هجرة الطيور

وفي قصيدة عناصر خالدة يقول:

لا أبحث عن الإرتواء/ما يشدني هو العطش، لأختبر شفتيَّ/لأراقب ما تهرّبين من المطر.

ثمة ساحر خفي يحول الاشياء الى نقيضها أو ينقلها من حال الى حال، هذه الطاقة والإنفعالات لا تلبث أن تجد لها متنفساً في الطبيعة للتعبير عن حرمان من لذة الحب، فإستطاب هذا الحرمان.

يميل المسعودي الى الإيجاز باللفظ، إلى حد الإكتفاء بالإشارة، مقتصد في التعبير، القصيدة لديه تكاد تتحول إلى نقش مختصر أو رسالة مكتوبة على جناح طائر،

لنتأمل (فاكهة لبهجاتي) :

لا أريد أكثر/من أن أغني/لهذه الأنهار/أن أخضرَّ/

بدلاً من عشبة نائية/أن أهدأ/صخبي صار /يؤلمني

وفي قصيدة أخرى يتصاعد الإيجاز والأقتصاد في اللغة:

أنا ريح/لا تحسن /إصطياد/النوافذ

عمار في أعماقه إنسان وحيد، متواضع، حبيس داخل ذاته، يحب الجمال، فهذه الصور المكثفة البسيطة تشيرالى واقع خفي وراء الواقع المرئي الملموس، مستسلم لإغراءات الطبيعة المضنية، لا يتردد أن يدخل ذاته في القصائد كلها:

(سألني، هنائي، راح عني، خرج مني، رماني في جب، لا تلمني، كلمني، يحيط بذاكرتي، انا عاشق نخيل، صرت طيراً منه، أودعني في بهائه، أتفقد أبي، أحلم ان اكون غنياً، أنا أنزل، اتقطر حزناً، أنا أقرب إليك، من الهامش أنا، أنا حفنة ماء.....).

وهناك عشرات الأمثلة، في قصائد المسعودي غارقة في ( الأنا)، لكنه سعى إلى خلق حالة من التوازن والإنسجام في محاولات ونداءات لأمل وحلم، تعبيراً عن إنتماء شاعر عاشق لوطن فالأنا في نهاية المطاف ليس موقفاً عدمياً خاسراً، لأنه عاش أبعاد المأساة بحرارة وصدق، تمثلها في قصائد(أملأ من عناقيده، عبث، أستبدلها بشجرة، لا أصلح للهجرة، أبني وحياتي تتهدم، وغيرها)، في هذه القصائد، تتحول اللغة إلى التزام بالعالم والإنسان، لاتفقد حدودها الجمالية في الصدق بمعناه الفني الرحب لأن صدمة الكارثة أقوى من هذا التيار الهاديء، والمشكلات أعنف من أن تقنع بالقيم الجمالية والأشكال الفنية المحكمة:

أبني وطناً /أسوِّره بالشموع /مرة وبالدموع

في فهرس الأمنيات يخفي إحتجاجه على فوضى العالم وراء الحزن والإكتئاب، وهو في النهاية حزن يوجهه العقل الناصع والوعي الدقيق، الشعر عنده هنا ملتزم، لا بالمعنى الذي تردده الألسنة دون إحساس، إنه شعر يشارك معاصريه آلامهم :

ليتني أنتمي لهذه الأسيجة

تلك التي نزفت على صلابتها/أعظم لحظاتي

صفوفاً في مدارس /حصوناً في سجون

ان كل شيء في شعر المسعودي يبدو واضحاً ملموساً مبتعداً عن الإنفعال، لكنه ملفوف في غلالة شفافة من الرموز والأسرار، وإستطاع الشاعر أن يملأ فراغ الوجود الموحش أو أرضه الحرام المهجورة، لتتحول حياته وتجربته محوراً يعبر عنها في شعره، فأصبح جزءاً من كيانه الشعري لا ينفصل عن العالم المحيط به، محاولاً التوفيق بين عناصر الخلق الشعري، وكأنه يقول :ليس من الخطأ أن تجد الطبيعة طريقها الى الشاعر والإنسان، بل الخطأ أن يفقد الشاعر إيمانه بالحياة.

يضيف عمار عنصر البهجة في أشد الحالات الإنسانية قسوة، وشعره أشبه بحقل كثيف تشابكت فيه الزهور والأشجار والنباتات، تحلق فيه الطيور، ويقطر الندى، وتحولت القصيدة إلى فهرس مفصل بأسماء هذه الكائنات، التي لا تحتاج الى متخصص للتعريف بها، لان المسعودي يقدمها طازجة نابضة بالحياة.

السؤال الأهم، هل يمكن لقصيدة عمار أن تجدد نفسها؟أم تظل تلوذ بإغراءات الطبيعة؟ بما يعني الإستسلام لها، أشد ما أخشاه أن تحتج الطبيعة على الشاعر نفسه، وتبعده عن القصيدة! بإعتقادي ان المسعودي بإمكانه أن يضيف لتجربته عناصر جديدة ومثيرة، تؤكد نضج وعيه الشعري وعمق تفكيره، ان ما تميزت به قصائده من جمال في الأداء والتعبير، وما تمتعت به من طعم شعري خاص، لا تحجب الدعوة الى البحث عن المعنى الإنساني العميق في تجارب المسعودي المقبلة، لتعلن عن نفسها انها فوق المقارنة مع ما سبقها من آثاره الشعرية.

 

جمال العتّابي