محمود محمد علي"قراءة في جدل السؤال والاندهاش"

نعود ونكمل حديثنا عن دراساتنا للأدب المقارب والمتمثل من خلال قراءتنا حول جدل السؤال والاندهاش من خلال غوصنا في كلاً من رباعيات "عمر الخيام"، ورباعيات "صلاح جاهين" ؛ وهنا يمكنني القول بأن: هناك قوتان علي ما اعتقد تنازعان صلاح جاهين، قوة الثورة والتمرد، وقوة الخوف والرعب.. الخوف قد يكون فيزيقياً، وقد يكون ميتافيزيقا، لكنه يستحوذ عليه، ويشعر أنه قدر أقوي من الإنسان والثورة والتمرد قد يكون أيضاً لما يحيط به من البيئة والمجتمع، التمرد علي كل ما يهدر كرامة الإنسان ويبعثرها. التمرد علي الفيزيقي وأيضا قد يكون تمرداً علي الميتافيزيقا، وهنا يكمن الجمال عند صلاح جاهين من قدرته علي الانتقال مما هو ملموس إلي ما هو غير ملموس، أو من الفيزيقي المتطور إلي الميتافيزيقي غير المتطور (12).

ولد صلاح جاهين في الخامس والعشرين من ديسمبر عام 1930م، بحي شبرا في شارع جميل باشا، وهو الأكبر بين أخوته، كما أنه الطفل الوحيد علي بنات ثلاث.. والده المستشار بهجت حلمي الذي تدرج في السلك القضائي بدءً من وكالة النيابة حتي أصبح رئيساً لمحكمة استئناف المنصورة، وقد عرف عن جاهين في صغره الهدوء، والبراءة، والهوايات الرقيقة.. تخرج من كلية الحقوق، وإذ كان يتمني أن يلتحق بكلية الفنون الجميلة، ولكن رفض والده جعله يغير مسار تعليمه.. بدأ جاهين حياته العملية بجريدة ” بنت النيل”، ثم لجريدة ” التحرير”، وفي تلك الفترة بدأت مسيرته مع رسم الكاريكاتير. . ومع حلول الخمسينات من القرن الماضي بدأ صلاح جاهين يكتب شعر العامية المصرية، وهو مصطلح أطلقه هو للتمييز بينه وبين الزجل، وكان يقصد به الشعر الوجداني العميق الذي يتناول كل المواضيع والأحاسيس والأفكار التي يتناولها شعر الفصحي.. بلغ قمة شهرته عام 1965م حين أصدر ديوانه قصاقيص، فاختفي من الأسواق فور صدوره من شدة الإقبال الجماهيري عليه، وصدرت الطبعة الثانية ونفذت (13)، وظل اسمه براقاً مبدعاً إلي أن توفاه الله في السادس والعشرين من أبريل عام 1986م.

ورغم تفوق ” صلاح جاهين” في كافة أنواع الفنون السالفة، إلا أن اسمه كشاعر كاف لأن يجعله واحداً من أبدع شعراء القرن العشرين في مصر، وواحداً من أهم شعراء الإنسانية في العالم، نظراً لما قدمه من إبداع شعري إنساني صادق وجديد ومعبر عن روح إنسان العصر وقضاياه من خلال خيال شعري إنساني صادق وجديد ومعبر عن روح إنسان العصر وقضاياه من خلال خيال شعري جري عليه الشعر العربي (14).

ويؤكد ذلك ما جاء للأستاذ “رجاء النقاش” في دراسته بعنوان:” صلاح جاهين الشاعر والإنسان “: ” والفن العربي، يشكو من النقص في جرأة الخيال وطموحه فليس في أدبنا كله أكثر من موقفين أو ثلاثة تدل علي تحليق الخيال العربي، وهذه المواقف هي فكر ” أبي العلاء المعري” في رسالة “الغفران”، فقد تجرأ خياله الأدبي، وتصور عالم الجحيم والجنة، وبني صورة لهذا العالم، وهناك قصة ” حي بن يقظان” لابن طفيل التي تصور فيها إنساناً يعيش في جزيرة منعزلة يبحث عن معني المجهول وسر الحياة، وهناك أخيرا بعض قصص ” ألف ليلة وليلة”، ولكن الطابع العام للخيال الأدبي عند العرب والخيال الشعري علي وجه خاص هو القصور، والعجز عن التحليق، ولذلك لم يظهر في أدبنا شاعر مثل ” ملتن” أو “بيرون”، من الذين تصورا عصيان الشيطان في صورة التمرد، والبحث عن المعرفة، وربطا بين فكرة التمرد وبين الطموح، وليس عندنا شاعر؛ مثل ” شكسبير” ، أو “دانتي”، فالشائع في شعرنا العربي أن الشاعر يطير بجناحين صغيرين لا يقدران علي التحليق فالخيال كسول قاصر الطموح محدود بالواقع المادي مشغول برسمه وتنظيمه عن طريق الحكمة والفلسفة (15).

وهذه الطاقة الشعرية للشاعر “صلاح جاهين” التي جسدت لنا الدراما الخاصة في رباعياته والتي تعد من أجمل القوالب التي لامست الوجدان وبرزت خلالها عبقريته الشعرية، من خلال كنوز الكلمات التي تركها، وباتت مصدراً للإبداع في كل المجالات الفنية، وقد كان حريصاً علي أن يجعل مصادره الدرامية في الرباعيات تستمد أصولها من الأساطير العربية والفرعونية مخلوطة بحياته الشخصية، وكان أكثر حرصاً علي أن يجعل التخيل أهم مصادره علي الإطلاق، بل إنه جنح إلي اعتماد مصدر العقل الباطن خلطة بالتخيل الذي كان يملك ناحيته الشاعرية (16).

لقد كانت رباعيات “صلاح جاهين” من أشهر أعمال الأدب باللهجة العامية في ذلك العصر، وقد حفظَ تلك الرباعيات معظم معاصريه لما فيها من بساطة وعذوبة وقُرب من مشاعر وأحاسيس الناس ؛ وقد تجاوزت الرباعيات، مبيعات إحدى الطبعات في عدَّة أيام 125 ألف نسخة في ذلك الوقت، وقد بدأ “صلاح جاهين “بكتابتها عام 1959م باللهجة المصرية العامية، وقد كانت رباعيات صلاح جاهين عن الحب تحملُ القارئ على أجنحة الهيام لتنفضَ في قلبه فلسفة الحيرة في الحب، ورغم بساطة الأسلوب والكلمات المستخدمة إلا أنَّها عذبة ساحرة تشدُّ القراء ببساطتها، وقد غنَّى رباعيات صلاح جاهين عن الحب الفنان علي الحجار ولحَّنها السيد مكاوي.

وفي رباعياته الشهيرة نجد صدى الحكمة التي وعاها جاهين من تجربته في الحياة وتمثلها من قراءاته لسارتر، ونيتشه، وألبير كامي، ورغم عاميتها الواضحة وانتمائها الصريح للغة بسيطة يتكلم بها الناس في البيوت والمقاهي فإنها حوت عمقًا ونفاذًا لا حدود له ليصبح جاهين مثل أبي العلاء المعري واحدًا من أولئك النفر الذين جمعوا بين الحكمة والإبداع ومزجوهما في كأس واحدة فكأنما شعرٌ ولا فلسفة وكأنما فلسفةٌ ولا شعر.

ويمكن تقسيم رباعيات “صلاح جاهين” إلى ثلاثة مراحل: المرحلة الأولي، وهي مرحلة بزوغ الحلم الذي انتابه فيوقت اعتقد فيه أن كل ما يحلم به يمكن أن يتحقق، والمرحلة الثانية، هي مرحلة تحقيق الحلم، والمرحلة الثالثة، وهي مرحلة انكسار الحلم، ومن ثم حملت كل مرحلة سماتها وعكست حالته النفسية بجلاء مما كان له أكبر الأثر في خروج رباعياته وكأنها لوحة مرسومة لمنظر هو وحده من يراه (17).

وأغلب الظن أن رباعيات الخيام هذه كما يحدثنا أستاذنا الدكتور “جابر عصور”؛ كانت تتردد أصداؤها في بيت “صلاح جاهين” الطفل والفتى الذي سرعان ما شب ليصبح واحدًا من أعظم مبدعي قصيدة العامية المصرية. ولا غرابة والأمر كذلك في أن يميل صلاح جاهين إلى قالب الرباعية، ويحاول استخدامه على نمط قصيدة العامية المصرية ليؤكد الحضور المتميز لهذا القالب الشعري؛ سواءً في لغته التي تتوسط بين العامية والفصحي، أو في صوره الشعرية التي تمضي مع الخيال في كثافة آسرة أو في تأملاته التي تصل ما بين السماء والأرض وتتجول بينهما متبصّرة حضور الكائنات المتحركة، في مدى التأمل أو البصر الذي سرعان ما ينقلب إلى بصيرة (18).

ولذلك يمكن أن نتوقف قليلاً في رباعيات “صلاح جاهين” التي تحمل من معاني التأمل الكثير، حيث تقف مندهشاً ومتسائلاً.. أو يقف هو مندهشاً ومتسائلاً، إنها اللحظة الفلسفية، أو هي شراة الفكر الفلسفي.. فما الفلسفة إلا الاندهاش والسؤال.. في رباعيات جاهين يكمن العمق الفلسفي.. والسؤال الفلسفي ينصب على (هذا) الشيء أو (ذاك) مما يقع أمام بصرنا لا يتجه إلى شيء يقع خارج العالم، أو في عالم آخر وراء التجربة اليومية.. لكنه يسأل عنه بطريقة تمس جذوره وتفتح فيه أعماق الدهشة المتجددة.. وفي رباعيات جاهين نجد هذا الجدل الدائم بين الاندهاش والسؤال.. يقول:

مع أن كل الخلق من أصل طين..

وكلهم بينزلوا مغمضين..

بعد الدقائق والشهور والسنين..

تلاقي ناس أشرار وناس طيبين..

عجبي!! (19).

هنا نجد أن النتيجة مختلفة أو متناقضة مع المقدمة التي بدأ بها الرباعية، وهنا يبدأ السؤال ويقف العقل أمام معضلة، أو إشكالية لا نجد لها إجابة شافية، ويتعرض جاهين لفكرة (الجبر والاختيار) ليضعها في كلمات بسيطة. ويقف العقل أمامها متسائلاً ومندهشا.. يقول جاهين:

عجبي عليك يا زمن..

عجبي عليك يا زمن..

يا أبو البدع يا مبكي عيني دماً..

إزاي أنا اختار لروحي طريق..

وأنا اللي داخل في الحياة مرغما..

عجبي!! (19).

وتزداد لحظة التعجب والاندهاش عند جاهين عندما يتوقف عن الحياة متسائلاً إياها محاولاً فهمها واستخلاص المعني والمغزى من الرحلة.. يقول جاهين:

مرغم عليك يا صبح مغصوب يا ليل..

لادخلتها برجليا ولا كانلى ميل..

شايلنى شيل دخلت أنا في الحياة..

وبكره ح اخرج منها شايلنى شيل..

عجبي!! (20).

ويتضح لنا من الرباعيات أن قضية السؤال والاندهاش قضية محورية في شعره.. إن الفلسفة نامت خلال أبيات الشعر، أو سكنت بيوت الشعر، وأبيات الشعر تدثرت بالفلسفة.. يقول جاهين:

سنوات وفايته عليّا فوج بعد فوج

واحدة خَدِتني إبن والتانية زوج

والتالتة أَب خدتني والرابعة إيه

إيه يعمل إللي بيحْدفُه موج لموج؟

عجبي (21)

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة ألا وهي أن “صلاح جاهين” يكاد، في كثير من الأحيان في رباعياته، يتجاوز ذاته وهو يتقمص تاريخ البشرية، فيعلن – من خلال ذلك – روعة جدل التطور عبر خبرات الأجيال السابقة، حين تتكثف في ذات متفردة لا تدّعى “الواحدية” المختزلة فيما هو “أنا أكون”، وإنما تصبح نموذجا لتاريخ البشرية في اللحظة الراهنة، وهي ممتلئة بكل حركية الوجود متعدد المستويات والوسائل واللغات: يقول جاهين:

أنا شاب لكن عمري ولا ألف عام

وحيد، ولكن بين ضلوعى زحام

خايف ولكن خوفى منى أنا

أخرس، ولكن قلبى مليان كلام

عجبي!! (22)

ليس هذا فقط، بل قد يوهمك “صلاح جاهين” في هذه الرباعيات أنه يروي لك لقاءً عارضًا حدث له ذات ليلة، دلالة متصورة على شخصه، وربما أوحى صلاح لك بأن هذه الدلالة تشمل كل الناس، نطاقها هم البشر وليس غير، وأن لا خوف حيث لا إنسان. ولكن لا، إن الخوف عند صلاح يرتفع إلى مقام التفسير الشامل الكلي للكون كله، بنجومه وأفلاكه وسديمه وأجزم أن الرباعية التالية فريدة في الشعر العربي كله، لا أعرف لها مثيلا في روعتها وشد وقعها في القلب، ولا في رسم صور للكون من خلال رؤية وليدة الزلازل والبراكين التي صَحبَت مخاض النشأة الأولى: يقول جاهين:

“كان فيه زمان سحلية طول فرسخين

كفين عيونها: وخشمها بربخين

ماتت، لكن الرعب لم عمره مات

مع أنه فات بدل التاريخ تاريخين

عجبي!! (23)

وفي النهاية يصل “صلاح جاهين” لكل حكمة الوجود والحياة، ويعرف أن كل شئ باطل، وكله في الفاشوس يقول جاهين:

وكل شئ مالهوش طعم ولا لون ولا حتى ريحة، حتى لو كان الدنيا ربيع

نسمة ربيع لكن بتكوي الوشوش

طيور جميلة بس من غيرعشوش

قلوب بتخنق.. إنما وحدها

هي الحياة كده؟ كلها في الفاشوش

عجبي!! (24)

وأخيرًا يكتب جاهين كل مخاوفه الأرضية والكونية في رباعية واحدة: يقول جاهين:

“لو كان فيه سلام في الأرض وطمان وأمن

لو كان مفيش ولا فقر ولا خوف ولا جبن

لو يملك الإنسان مصير كل شيء

أنا كنت أجيب للدنيا ميت ألف ابن

عجبي!! (25)

خلاصة القول نقول بأن رباعيات “الخيام” و”جاهين” كلاهما ينطلقان من مشكاة واحدة شعارها أن هناك فرق بين السؤال والتساؤل، ليس في ميدان الشعر فحسب، بل في كل الميادين تقريبا، لأن السؤال بصيغه المختلفة: ” من؟، ما؟، ماذا؟، لماذا؟، كيف؟، أين؟، متى؟، وجميع الصيغ القريبة منها، أو المشتقة منها يتعلق باستفهام محدد عن معلومة، أو إجابة، أو تقرير والوقوف عند ذلك، بينما التساؤل يتعلق بموضوع مفتوح، أو بقضية غير منتهية، أو بتناول مشكلة جزئية، أو كلية، بحاجة لمزيد من البحث، والدراسة، والحوار. ولهذا فإن التساؤل يفيد ويثري الميدان الشعري أكثر من السؤال. ويمكن للتساؤل أن ينطلق من نفس صيغة السؤال التقليدية، والصيغ المتعددة للأسئلة يمكنها بدورها أن تمهد لتساؤلات بعدها، ومن ثم تمنحنا تلك التساؤلات تفكيراً فلسفياً بأمل الوصول إلى فكر فلسفي، ومن ثم معرفة ممكنة عن مشكلات فلسفية غير محددة.

 

أ.د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..................

12- حسن يوسف: صلاح جاهين وبئر الكلمات، أدب ونقد، حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، مج 23 ,ع 251، 2006م، ص 85.

13- المرجع نفسه، ص 84.

14- نبيل بهجت: المرجع نفسه، ص 90.

15- رجاء النقاش: صلاح جاهين الشاعر والإنسان، القاهرة، 1989، ص 13.

16-محمود لطفي بكر: الصور الشعرية في رباعيات صلاح جاهين كمدخل درامي لبناء اللوحة التصويرية، المؤتمر العلمي السنوي – العربي الرابع – الدولي الأول: الاعتماد الأكاديمي لمؤسسات وبرامج التعليم العالي النوعي في مصر والعالم العربي – الواقع والمأمول، جامعة المنصورة كلية التربية النوعية، المجلد الثالث، 2009، ص 182.

17- المرجع نفسه، ص 182.

18- د. جابر عصفور: المرجع نفسه.

19-أنظر رباعيات عمر الخيام، ترجمة أحمد رامي، مرجع سابق، ص 22.

20-المصدر نفسه، ص 45؛ وأنظر أيضاً حسن يوسف: المرجع السابق، ص 91.

21- المصدر نفسه، ص 57؛ وأنظر أيضاً حسن يوسف: المرجع السابق، ص 92.

22- المصدر نفسه، ص 67؛ وأنظر أيضاً حسن يوسف: المرجع السابق، ص 93.

23- المصدر نفسه، ص 69؛ وأنظر أيضاً حسن يوسف: المرجع السابق، ص 94.

24- المصدر نفسه، ص 71؛ أنظر أيضا: مقدمة الكاتب الكبير يحيى حقي لرباعيات الشاعر العظيم صلاح جاهين، المرجع السابق ص 18.

25- المصدر نفسه، ص 79؛ أنظر أيضا: مقدمة الكاتب الكبير يحيى حقي لرباعيات الشاعر العظيم صلاح جاهين، المرجع السابق ص 19.

 

محمود محمد عليقراءة في جدل السؤال والاندهاش

أنا لست في مقام الناقد الأدبي المتخصّص، لكني قارئ نهم لنصوص الشعر القديم والحديث منذ نعومة أظفاري، ففي اليومين الماضيين أتيت على ديوان “رباعيات الخيّام “بتعريب الشاعر أحمد رامي، والمؤلف هو غياث الدين أبو الفتوح عمر بن أبراهيم الخيّام المعروف بـ {عمر الخيّام} 1040 -1131 م، ولادة ووفاة نيسابور بلاد فارس، والخيّامُ لقبُ والدهِ حيث كانَ يعمل في صنع الخيام، وهو شاعر وفيلسوف وعالم رياضيات ؛ وخاصةً في موضوع الجبر حيث أشتغل في المعادلات الجبرية من الدرجة الثالثة، وعالم فلك أشتغلَ في تحديد التقويم السنوي للسلطان ملكشاه والذي صار التقويم الفارسي المتبّعْ اليوم، وهو فيلسوف متصّوّف أتهِمَ بالألحاد وأحرِقتْ كتبهُ ولم يصلنا سوى “الرباعيات” التي أحبها الناس بشغف وحُفِظّتْ في صدور المتتبعين والتي جسّدتْ شخصيتهُ وفلسفتهُ في الحياة (1).

والرباعية هي مذهب ونمطْ ولون شعري أختصّ بهِ وحدهُ {رباعيات الخيّام} للشاعر الفيلسوف {عمر الخيّام}وعرض علينا مذهبهُ الشعري هذا، وقد تقرأ الرباعيات ساعة، ولكنك تحس إنّك عشتَ حياة الخيّام طوال عمره، والرباعيةُ هي قالب شعري يرجع إلى أصول فارسية، أشهرها كما قلنا رباعيات عمر الخيام (2).

بدأ الشاعر الكبير أحمد رامي ترجمة رباعيات عمر الخيام عندما كان في باريس 1923 بعد دراسته اللغة الفارسية في مدرسة اللغات الشرقية في جامعة السوربون، وقد صدرت الطبعة الأولى في القاهرة في صيف 1924 ؛ ومن قبل رامي ظلت رباعيات عمر الخيام غائبة في بطن الكتب، حتى ترجمتها إلى الإنجليزية الشاعر “فتزجرالد” سنة 1859 ثم توالت الترجمات بها بعدة لغات أجنبية، وقد صدرت باللغة العربية مترجمة عن الإنجليزية (3) ؛ ويقول أحمد رامي في مقدمة رباعيات عمر الخيام التي ترجمها “يذكر أنه في سنة 1930 اكتشف أول مخطوط مصور لرباعيات الخيام بخط أحد سكان مدينة مشهد سنة 911 هجرية وأول من تنبه إليه شخص يسمى “نجيب أشرف” فاشتراه وأهداه إلى مكتبة بتنا بالهند، وأوراق هذا المخطوط خالية من ذكر طريقة انتقاله من فارس إلى الهند. وفيه ست ومائتان رباعية مكتوبة بخط جميل، وبه من الصور البديعة ما يجعله طرفة فارسية نادرة (4).

ورباعيات الخيام تحكي ما بداخل الخيام من عشق، وحب، وأمل، وخمر، وتفاؤل، ويأس، وقنوط، وصوفيّة، وتمرد، وتديّن، وندم، وهذهِ بعض من مقاطعها:

سمعتُ صوتاً هاتفاً في السحرْ.

نادى من الغيبِ غفاة البشرْ.

هبوا أملأوا كأسَ المنى قبلَ أنْ.

يملأ كأسَ العمرِ كفُ القدرْ.

القلبُ قد أضناهُ عشق الجمال..

والصدرُ قد ضاقَ بما لا يقالْ.

أفقٌ خفيف الظلِ هذا السحر.

نادى دَعْ النومَ وناغِ الوترْ.

فما أطالَ النومُ عمراَ ولا.

قصّرَ في الأعمارِ طول السهر.ْ

فأمشي الهوينا إنّ هذا الثرى.

منْ أعيُنٍ ساحرة الأحورار.

وهكذا تتوالى رباعيات الخيام كأنها حوار أو صراع بالحجة والمنطق بين ثنائيات مُتعددة ومُتقابلات في بحث النفس البشرية عن الكمال، بين نقيضين، البطل والخصم، المؤمن والملحد، الزاهد والوجودي، والأبيقوري والأفلاطوني. رباعية تضعنا في المسجد ورباعية تضعنا في الحانة، تارة تدعونا الى العبادة وتارة الى الطرب، طوراً تشدنا الى الملذات وطوراً تشدنا بالعفة، مرة تغوينا بالعشق الجسدي، ومرة تسمو الى الحب الإلهي. وبين هذا وذاك، نسمع نغمات كئيبة ومتشائمة، ترثي، وتندب الذات البشرية؛ وقد أثنى المتصوفون الذين جاؤوا بعد الخيام على الرباعيات ووجدوها تعج بالمعاني والرموز الصوفية، فتناقلوها واستشهدوا بها. وإذا بالخيام الذي يحث على النهل من مباهج الحياة وملذاتها، يحث على التعبد والقناعة والزهد. وليست تلك المباهج برؤيتهم غير رموز: الروض يرمز إلى الدنيا، وخد الحسناء الى الحقيقة، والخمرة إلى ماء الحياة، وأنغام العود الى التناغم الأزلي في الوجود، والجداول والأنهار ترمز الى الجنة (5).

ويرى الكثير من النقاد أن ترجمة “أحمد رامي” لرباعيات الخيام فاقت النص الأصلي جمالاً، لكن لا يخلو هذا القول من إجحاف لجماليات الرباعيات وسلاسة أفكارها الأم ؛ وقد انتقل هذا القالب إلى الشعر العربي الحديث وأصبح فنًّا من فنونه المحببة التي يُقبل عليها كثير من الشعراء الذين يرتبط شعرهم بالغناء، أو محبة الحياة، أو حتى التفلسف، أو التأمل في أحوال الكون، لكن تلك الرباعيات، دائمًا ما ترجعنا إلى تأملات عمر الخيام في رباعياته الشهيرة، التي تبارى الشعراء العرب في ترجمتها، ولعل أشهرها – فيما يعرفه الذوق المصري- ترجمة أحمد رامي التي غنت بعضها الفنانة المصرية “أم كلثوم” (ذات الصوت الندي) فجعلتنا نهيم بها عشقًا (6).

وإذا كانت الحيرة مؤلمة فليس هنا لذة تفوق لذة هذه الحيرة التي يلقيك “عمر الخيام” في أحضانها أو بين مخالبها، ذلك لأنها ليست ناجمة من أنك تجد نفسك في فراغ من حوله فراغ، بل لأنك في قلب دوامة تدور من حولك لا تعرف أين رأسها من ذيلها، هذا هو عين الخدر الذي يحبه الكبار الذين يركبون أرجوحة الصغار (7).

والرباعيات هي أفضل القوالب للشاعر الفيلسوف الذي يريد أن يعرض علينا مذهبه، لا في بحث فقهي، أو في تتابع منطقي، بل في ومضات متألقة. الديوان حينئذ يأخذ شكل العد الذي تنسلك فيه حبات من أحجار كريمة مختلفة المياه، ولكنها تنبع جميعًا من معين واحد؛ والرباعية الواحدة تنبئ عن إقبال شديد على الحياة وإكبار لها. وتعلق بها، وتنبئ في الوقت ذاته عن الاستهانة بهذه الحياة واحتقارها لا تدري أهي لذة حسية أم هي لذة روحية؟.. أمتفائل هو أم متشائم مؤمن؟. .هو أم كافر؟.. هل هو مطمئن أم خائف؟.. هل هو مستسلم للحياة أم رافض لها؟.. هل هو يؤمن بالبشر، أم يكفر بالفناء، أم بالبقاء؟ هل يعطف على ضعف الإنسان أم يضيق به؟.. قد لا تعرف كيف تجيب على هذه الأسئلة. ولكنك ستعرف ولا ريب شيئًا واحدًا لا يمكن لك إنكاره: هو أنك لقيت عنده السعادة التي كنت تتمناها ولا تجدها: أن تقابل فنانًا أصيلاً لأحد لإنسانيته ورقته وصدق نظرته وعمقها، هو وحده الذي يجود عليك بفيض الكريم؛ وتنم رباعيات عمر الخيام عن أنها لم تتشكل إلا بعد أن استقر ربها على رأي فلسفي في الحياة، نضج عنده أولا وتحدد، ثم تكامل واتسق. وحتى إذا كان قوام هذا الرأي القاطع هو الحيرة، فإنها حيرة مقننة ثابتة، إنه المحور المرسوم من قبل الذي تدور عليه الرباعيات جميعها، كل واحدة منها تقيس منه وتنعكس عليه، كل رباعية جزء فيه خصائص الكل، يكشف ويعرف به، فلا نشعر ونحن نمضي في قراءتها أننا نشهد تشييدًا متعاقبًا لبنيان لا نعرف كيف يكون إلا بعد تمامه. الرباعيات تتعلق بالرأي وحده دون صاحب الرأي، فليس فيها إشارة تنبئ عن شخصيته أو هيئته أو صفاته (8).

أما صلاح جاهين فقد كتب رباعياته منجمة، في كل عدد من صحيفة أسبوعية واحدة، وما أظنه دار في خلده أو في خلدنا، وهو يفعل ذلك أنه يعكس في هذه الرباعية، خصائص الكل لرأي فلسفي في الحياة نضج، واستقر في ذهنه، بل خيل إليه – كما خيل إلينا – أنه ترك حبله على الغارب. ما وقع في شبكته من صيد فهو قانصه، يستمد الرباعية مرة من عالم الفكر وحده، ومرة من مشاهدة المحسوس، ولا بأس عليه أن يشير أحيانًا إلى شخصه (9).

وعن شخصه كما ورد عنه هو: صلاح الدين أحمد بهجت حلمي الشهير بـ ” صلاح جاهين، وهو أحد الأدباء الذين شكلوا الوجدان المصري الحديث، فكان شعره يمثل نقلة نوعية في شعر العامية علي مستوي الشكل والمضمون (10)، فهو فنان مبدع، متعدد المواهب، ابتكر عددا من شخصيات الكاريكاتير الشعبية، وأثار برسومه معارك سياسية، وفكرية كبيرة، وهو أحد راود الكتابة لمسرح العرائس في مصر بل وفي الوطن العربي، كما كتب استعراضات كثيرة للتلفزيون وسيناريو وحوار عديد من الأفلام، وأيضا كان لأدواره التمثيلية في الأفلام السينمائية طبيعة الإنسان المصري الشهم المنتمي إلي أرضه وناسه ومجتمعه، ويتجلى ذلك في أفلامه ” المماليك” و” اللص والكلاب”، و” لا وقت للحب”، وقد نال وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولي، كل ذلك إلي جانب عمله الصحفي الذي بدأه في عام 1952م، وتألقت أعماله الفنية في روز اليوسف، واشترك في إصدار مجلة ” صباح الخير”، ثم انضم للأهرام عام 1964م (11).. وللحديث بقية..

 

أ.د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..................

1-أنظر كتاب عمر الخيام عالم الفلك والرياضيات وكتابه نوروز نامة، ترجمة رمضان مصطفي متولي، مراجعة وتقديم، السباعي محمد السباعي، المركز القومي للترجمة، الهبئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، القاهرة، 2008، ص 19-22.

2- أنظر رباعيات عمر الخيام، ترجمة أحمد رامي، ار الشروق – القاهرة الطبعة الاولى 1421هـ، ص 12.

3- أحمد إبراهيم الشريف: رباعيات Omar khayyam.. قصة ترجمتها على يد الشاعر أحمد رامي، مقال بصحيفة اليوم السابع المصرية، السبت، 18 مايو 2019 10:43 ص.

4- أنظر رباعيات عمر الخيام، ترجمة أحمد رامي، مرجع سابق، ص 16.

5- أنظر د. حسين جمعة: فلسفة الخيّام في الرباعيات (بين الوجود والعدم وبين الزهد والتصوف)، القاهرة، 2015، ص 17-19؛ وأنظر أيضا فريد نعمة: رباعيات الخيام.. فلسفة عشق وتأملات حياة، مقال منشور بصحيفة البيان في الأول من ذو القعدة 1442هـ.

6- د. جابر عصفور: رؤى نقدية عن رباعيات صلاح جاهين، مقال منشور بالأهرام، في السابع من يوليو عام 2017.

7-أنظر: مقدمة الكاتب الكبير يحيى حقي لرباعيات الشاعر العظيم صلاح جاهين، ضمن مختارات أدبية، القاهرة، 2011، ص 17.

8- المرجع نفسه، ص 44.

9- المرجع نفسه، ص 46.

10-نبيل بهجت: القيم وأثرها على البناء الفني في مسرح الطفل عند صلاح جاهين، المجلة المصرية للدراسات المتخصصة، جامعة عين شمس – كلية التربية النوعية، ع16، 2017، ص 15.

11-جابر بسيوني: صلاح جاهين الشاعر المفكر، مجلة الأدباء، جمعية الأدباء، العدد الثالث، 2007م، ص 90.

 

قدمت في المقال الأول محددات العمل الأدبي، ورصدت تنويعات القيمة التي تحقق عدا أدبية الأدب قيما أخرى كالقيمة الاجتماعية والوطنية، والانسانية، والأخلاقية والمعرفية والتاريخية، وأكدت أن عملا أدبيا ما سيحمل قيمة ما، غير أنها تختلف في الدرجة والكثافة والحيوية والطزاجة، وزاوية التقديم.

في هذا المقال سوف أعرض لنماذج من الأعمال الأدبية التي تؤكد ما ذهبت إليه، شارحا ومفسرا، تاركا للقارئ الحكم الأخير.

في البدء أستطيع التأكيد أن الأدب الذي قيل إبان الاستعمار الغربي الأقطار العربية سيحمل بالضرورة القيمة الوطنية التي تتفرع إلى قيم وجوب النضال والكفاح ضد المستعمر، وتمجيد الشهداء، ودور المرأة في معركة النضال الشعبي، والموقف من النظام السياسي، وإدانة التخاذل الرسمي.

هذا وقد شكّل وقوع فلسطين تحت الوصاية الإنجليزية ومن ثم احتلالها شكّل بؤرة كثير من الأعمال الأدبية، فقارئ شعراء من مثل: عمر أبو ريشة، وعلي محمود طه، ونزار قباني، والرصافي، وغيرهم سيعثر بيسر على تلك القيمة القومية والوطنية والسياسية أيضا.

صواب القول إن القيمة في أعمالهم الأدبية حققت مبدأ الأدبية والفنية مضافا إليها قيمتها القومية، غير أن المميز هو زاوية التقديم والقدرة على تناول القضية من وجهة نظر خاصة، ولغة خاصة أيضا. ونزار قباني واحد من هؤلاء العرب المبدعين الذين قدموا نصوصا تبرز القيمة الأدبية والوطنية والسياسية من وجهة نظر خاصة وأسلوب فردي يترك بصمة واضحة على تلك القيمة.

ولكني سأتناول في هذا الخضم الكاثر نصا من شعر إبراهيم طوقان الذي يتغنى بشعره كل عربي حتى اللحظة من خلال نشيده الوطني بعنوان " موطني".

ولكن ليس هذا هو الطابع الوحيد؛ فالإضرابات العامة ضد بريطانيا، وإدانة الأحزاب العربية، وبائع الأرض والجاسوس، كانت محاور تؤكد قيمة وطنية ذات بعد سياسي وقومي أيضا ولكن بلغة ساخرة، ومن منا لا يذكر نصه الساخر من المسؤولين العرب، ومنهم بعض الفلسطينيين، بنكهة لغة يومية مفصحة دالة شعبية وفنية في ذات الوقت .

أنتم المخلصون للوطنية .. أنتم الحاملون عبء القضية

أنتم العاملون من غير قول .. بارك الله في الزنود القوية

وبيان منكم يعادل جيشا .. بمعدات زحفه الحربية

واجتماع منكم يرد علينا .. غابر المجد من فتوح أميّه

وخلاص البلاد صار على الباب .. وجاءت أعياده الوردية

ما جحدنا أفضالكم غير انّا .. لم تزل في نفوسنا امنية

في يدينا بقية من بلاد .. فاستريحوا كي لا تضيع البقية

أنتقل إلى الماغوط ونصه الإشكالي" سأخون وطني" الذي بالتأكيد يحمل قيمة سياسية ساخرة وعالية فنيا، يقف فيه أمام مرآة العربي الخائف والجبان والمستكين أمام النظام العربي الرسمي، حتى وهو في بلاد الغرب، ينظر نص " وجه عربي ومرآة إنجليزية ". وبوسع للقارئ أن يطالع نص " برتوكولات حكماء العرب" ليكتشف تلك النبرة السياسية الساخرة التي وسمت نص الماغوط بفن " الساتير" الذي يستدعي القيمة الضد ليؤكد القيمة الأصل

لا تكن ودودا فهذا زمن الحقد

لا تكن وفيا فهذا زمن الغدر

…….

إذن لا مفر

سنظل أبرياء ولو بقوة الرصاص…

ولكن، انا الفلسطيني المرقع بألف وطن ولا وطن لي

أنا الهائم في البحار العربية كبقعة الزيت العائمة، كل الشواطئ ترفضها، ومعظم الدول تطاردها، أين المستقر؟

فلسطين،

ليس لي أطفال، أنت طفلتي

ليس لي مستقبل، أنت مستقبلي

..ثم يقفل نصه

يا إلهي

امنحني عقل أينشتاين لأستوعب ما يجري على الساحة العربية

امنحني غباء الأوزة لأصدق ما أرى ..

 شعر طاغور جله في الإنسانيات، ونص "خطبة الهندي الأحمر قبل الأخيرة أمام الرجل الأبيض" لمحمود درويش عمل أدبي إنساني حتى أقصى خلية فيه، وإن كان يحمل في نسقه المضمر قضيته الوطنية المرمزة.

 تتنزل ورائعة الشاعر والأديب الدنماركي (هانس كريستيان) " بائعة الكبريت" قيمتها الاجتماعية كأشد ما تكون وأقسى، حافية تشعر بالجوع الشديد، تخشى العودة إلى البيت خوفاً من أبيها الذي طلب منها بأن تبيع أعواد الكبريت. تموت من شدة البرد مع أنها تحمل أعواد الكبريت الدافئة، لتلتقي بجدتها العطوف، ويتابع أبوها الظالم النظر إلى جثتها على قارعة الطريق في صباح عيد الميلاد، أية قيمة تلك ! قيمة مركبة، بل فيض من الفن والإنسانية والواقعية الاشتراكية، بل محو وتقويض ما يسمى البرجوازية ونذالة النبلاء.

في نص " هكذا أصبح جاسوسا" الذي أهدانيه وليد الهودلي الذي لاقى رواجا وتقبلا ؛ يسائل أدب الأسرى عن جدواه ويحاكم السجان وأساليبه في إسقاط الضحية، وأساليب التعذيب لأجل الحصول على اعتراف، واستهانة الفلسطيني الشاب بالمقابلات التي يجريها ضباط الشاباك ، إنْ على الجسر، أو في مراكز الارتباط العسكري، والعبارة البؤرية التي تؤكد جدوى المقابلات ترد (ص١١٥) على لسان ضابط الخلية المسؤول:" دوما يقول لأعضاء فريقه: تخيل أنك أنت الفلسطيني وفي موقع هذا الذي ترصده، أنت محتل وتعاني ويلات الاحتلال ماذا عليك أن تفعل؟!"، والكاتب في خضم معاركته السجن يدخل عميق نفسيات السجناء ويفتض أسرارهم بل أخطاءهم التنظيمية التي أودت بهم إلى الانكشاف، يصل النص إلى الأسبوعين الثامن عشر والتاسع عشر اللذين يمثلان العمود الفقري للرواية ويحملان عنوانها، ليبقى سؤال الجنس الأدبي (رواية) حاضرا ؛ هل هي حقا رواية، أم مجموعة قصصية صغيرة وحكايات واقعية انتظمها سارد مشارك ؟ .

وتحمل رواية " حليب التين " لسامية عيسى، تحمل قيمة جدلية وتراجيدية، وتحكي قصة البطلة (صديقة) زوجة المناضل الشهيد أحمد التي أصبحت بعد استشهاده تحمل عار جسدها بعد وقوعها في شرك الأصدقاء والثوار القدامى، إنها تحمل قيمة "محاكمة ثائر" وسلطة " المخيم " في الشتات، وفي بعض زواياه العتمة ." نسيت وجه صبحي الدنيء صديق زوجها أحمد حين حاول التحرش بها بعد أقل من شهر على استشهاده / ص١٨٦.

نجد قيمة الثائر السجين السياسي الذي وقع على صك الاستسلام والخروج تترنح في "شرق المتوسط ".

وتتنزل قيمة تصوير الآخر في العمل الأدبي حداثيا حين تتعثر بأعمال أدبية تستدعي اليهو/دي كمضمون وكقيمة وطنية (يمكن مراجعة كتاب : اليهود/ في الرواية العربية جدل الذات والآخر/ ٢٠١٢) ، لكن هذه القيمة يجري تحويلها وتحوريها، بل وقلبها في بعض النصوص الأدبية، بعد مرحلة ترسيخ صورة الآخر العدو .

نص "السيدة من تل أبيب" ونص "صديقتي اليهودية"، ونص " في قلبي امرأة عبرية " وكذا " الرقص الوثني" والقائمة تطول في ظل موجات التطبيع واستحداث لغة مشتركة ودين أبراهام الجديد.

بالتأكيد تتسلل في العمل الأدبي قيم نفسية وأخرى تاريخية ومعرفية ثقافية، وطورا أيديولوجية تتراءى فوق سطح العمل الأدبي، قد تكون سطوحا مهشمة أو مهمشة، وعلى الرغم من ذلك تبقى لها قيمتها المنبعثة من مضمونها تارة، ومن لغتها تارة أخرى، ومن موقف الكاتب والقارئ كليهما معا.

بقي أن نقول إن عبثية القيمة في بعض الأعمال الأدبية ولا معقوليتها، وامحائها وتشظيها في لا غائية الوجود الإنساني هي قيمة بحد ذاتها. قد تكون من وجهة النظر الأخلاقية والدينية لا قيمة لها، ولكتها في ذات الوقت تعبر عن إنسان هذا العصر الذي لم يعد يفهم كينونته، وهدفية وجوده، ومآسيه، وحروبا ليست حروبه.

ومسرح العبث واللامعقول مجال لدراسة تلك القيمة العبثية.

ومهما يكن، فقد أضأت بعض جوانب كامنة في أعمال أدبية منجزة لها حضورها الفلسطيني والعربي والعالمي، وإن كان لدي الكثير لأقوله، فإنني أفسح للقارئ النموذجي أن ينور المقال، ويزيل التباساته

ومجاهيله الثاوية.

 

د. خليل قطناني / فلسطين المحتلة

 

 

 

عامر هشام الصفارأصدرت الكاتبة الفلسطينية المولد العراقية النشأة سلوى جرّاح روايتها السابعة والمعنونة "حين تتشابك الحكايا" في نهاية عام 2019.. وراحت تخطط لأحتفالية أصدار الرواية، الاّ أن جائحة الكورونا وما ترتب عليها من أغلاق للمدن ومنع للتجمعات، قد حال دون ذلك.

صدرت الرواية عن دار المدى العراقية ب 128 صفحة من القطع المتوسط، وقد تصدّرها أهداء الى جيل الكاتبة الذي تنتمي أليه، حيث عرّفته بأنه الجيل الشاهد على الحروب وخيبات الأمل...ولكنه جيل تعلّم، وأحّب، وأنجب، وكتب الشعر، والّف الموسيقى.. مؤكدا مقولة نيتشه "ما لا يقتلك يجعلك أقوى".

ثم أن المؤلفة قد وضعت مقدمة لروايتها، وفيها البعض من صراحة القلم، وهو يشير الى غيرة المؤلفة من شخصية الرواية سهام، وهي تسجل على لسانها ذكريات الطفولة، ورؤاها، وصورها، ومعانيها. ولعلها الصدفة وحدها التي جعلت الحكايا تتشابك وتتناسل في رواية سلوى جرّاح، مع وقائع ما جرى على الأرض الفلسطينية، بعد ما يقرب من 21 شهرا من صدور الرواية، حيث شن العدو الصهيوني في مايس 2021 عدوانه الذي أستمر ل 11 يوما على غزة- الأرض التي ولد فيها السيد غريب عطا الله بطل رواية "حين تتشابك الحكايا" وشخصيتها المركزية.. يقول غريب: أنا من غزة.. أهلي لجأوا أليها من يافا.. هل زرتِ يوما غزة؟.

ولكل كاتب رواية هدف يتوخاه ويسعى أليه.. ولعل الرواية هنا أرادت لحكاياتها المتشابكة أن تصل للمتلقي ببساطة ويسر دون تعب.. فجعلت من غريب فاقدا للقدرة على الكلام بعد أن سقط أرضا.. فكأنه قد أصيب بجلطة الدماغ، فأدخل المستشفى بعد أن ظل يتساءل مع نفسه -كما بدا للراوي العليم- لِمَ هو مستلق على الصوفا الوثيرة فيما يجلس الجميع حوله صامتين.. في حين راحت سهام زوجته تقص (كما الراوي العليم) كيف بدأت علاقتها بغريب (لاحظ معنى الأسم لرجل فلسطيني-ظل غريبا أينما حلّ) المقيم في بريطانيا وأستاذ الهندسة المعمارية في جامعة لندن.. حيث تزور سهام لندن في دورة تدريبية أرسلها أليها المركز الثقافي البريطاني في عمّان حيث تقيم. وهكذا يكون للصدفة دورها في أن تصبح الفلسطينية -حتى نخاع العظم- سهام زوجة لغريب المولود في مخيم للاجئين الفلسطينين في غزة.

وكان لابد لغريب وسهام من أن يتعارفا عن طريق القص والحكي بما هو شخصي..فيسرد لها قصة زواجه من فتاة مصرية وأن له منها ولد وبنت..ولكنهما أنفصلا عن بعضهما لعدم تحملّه آراءها في السياسة التي تبتعد به عن أرض فلسطين، ومبادئه وما يؤمن به. كل ذلك بعد أشتداد الظرف السياسي عليه، حيث زار أنور السادات أسرائيل عام 1977 فصارت مصر الشقيقة الكبرى متصالحة مع العدو!... وبعد أن ظلت تقول له زوجته الأولى أنها لا تحب الحديث عن الأحتلال لأنه يعني المطالبة بالتخلص منه، وهذا يقود الى الحرب.

ولكن سهام تصّر على عدم تذكّر حكاية حياتها الخاصة الاّ بعد أن تفصّل في حياة غريب في مخيم جباليا، فحياة المخيم ذل تتوارثه الأبناء عن الآباء.

وراحت الحكايا تتشابك مع صديق غريب عبد الواحد الفلاح أبن الفلاح، والذي حصل على دكتوراه الزراعة وأستصلاح الأراضي، والذي أخرج عنوة من الضفة الغربية لأنهم-نسبة الى الأسرائيليين- ليسوا بحاجة لخبير زراعي فلسطيني، مصّر على زراعة أرض فيها نبع ماء قريبة من مستوطنة. وتتواصل فصول الرواية من غير ترقيم، وبأستهلال عن حالة غريب الصحية يمتد لأسطر قليلة..لتنطلق بعدها سهام متذكرة الماضي بشيء من التفصيل (تقنية الأسترجاع أو الفلاش باك)..وهو ليس تذكّر حَدَث فقط، بل تذكّر مشاعر ومواقف تفرض نفسها على الذاكرة، وهي تعاني الظرف الصعب من خلال أحتمال فقدان الزوج بعد المرض.

وفي تداخل زمني فيه تقطيع سيناريست، ينتظر المتلقي مع سهام ما ستؤول أليه صحة غريب الذي دخل غرفة العناية المركزة..وهو المكان الذي يقرر الأطباء أدخال المريض أليه في حالات الحاجة الى دعم جهازه التنفسي ودورته الدموية.. وكل ذلك يجعل الأنتظار صعبا على الزوجة التي راحت تحكي لنفسها وتتذكر لندن ودورتها التدريبية فيها، ومحل ضخم لبيع الكتب (فويلز)، وكتاب حريق لندن، لتعترف لنفسها أنها يوم جاءت الى لندن هذه كان الحب آخر ما يشغل البال.. لتقول: ثم وجدتني بلا مقدمات أكسر كل قيودي وأخرج من سجني طائعة كما دخلته...وجدتني أقّر وأعترف أنني أعيش حبا غيّر ما بي، وأختزل الزمن، ووضع نهاية لأسر ذاك الماضي البعيد.

وحين تتشابك الحكايا الرواية بعد ذلك كانت قد أخذتنا سردا في فضائها المكاني من غزة ولندن وبغداد والقاهرة وعمّان الى أشهر مخيمات اللاجئين الفلسطينين في محافظة طول كرم –مخيم نور الشمس- ورام الله وسلفيت والتي تعني (سلة العنب) لتحط بنا في ردهة الأنعاش في نهاية المطاف بمسشتفى أنكليزي حيث غريب الذي بدأ يستجيب للعلاج، فها هو يطلب أن يحكي مع سهام زوجته.. فلقد صحصح..

وعندي فأن عودة الوعي لغريب وأرادته على الكلام أنما هي عودة الوعي الى أمة تستعيد قدرتها على قراءة تاريخها.. فغريب الرمز في زمن الرواية الدائري هذا (بداية السرد به ونهايته) هو الذي يمثل الأنسان العربي الذي قد يسكت ولكنه لن ينسى.. ثم أنه لابد من أن يتكلم ويصحصح.  وعندها فقط سيكون للتاريخ شأن آخر.. وسيكون لغريب ذاكرة جديدة وحكايا أخرى قد تتشابك من جديد.

لقد أعتمدت الروائية سلوى جرّاح لغة سهلة شفافة واقعية،  ليس فيها أطناب أو أسهاب في غير محله.. فأبتعدت عن المجاز والأستعارة والشاعرية لتضع القاريء في صلب الحكاية. وعليه ففي لغة الرواية أقناع وأنسجام يعطي للمتلقي القدرة على الفهم والتأويل.

أن رواية "حين تتشابك الحكايا" وهي تستخدم الجغرافية للتعريف بالتاريخ الفلسطيني عبر تقنية الحكي فيها، أنما تحاول أن تظل للقضية الفلسطينية مركزيتها من خلال أطلاع الجيل المعاصر من المتلقين على تفاصيل هذه القضية وتعقيداتها. وفي هذا فهي تتواصل مع روايات فلسطينية أخرى بنفس الهم رغم أختلاف الرؤى. وكأني بالروائي الفلسطيني وهو يكتب روايته أنما أجده يتمثل بقول الراحل الكاتب جبرا أبراهيم جبرا والذي قال عام 1988 "أنه يجب عليه أن يكتب ليتفهم أولا لماذا يحاصره العالم ثم هو يكتب ثانيا على أمل الهروب من هذا الحصار.. وثالثا لابد من أن يكتب على أمل أيجاد مخرج للعالم كله من هذا الحصار".

أن الروائية سلوى جرّاح هنا أنما تكمل مسيرة أميل حبيبي (المتوفي في حيفا 1996) وغسان كنفاني (أستشهد في بيروت عام 1972) وجبرا أبراهيم جبرا (توفي في بغداد 1994) والروائية سحر خليفة المولودة في نابلس عام 1942.

أن رواية "حين تتشابك الحكايا" ليست مجرد سرد للتاريخ الفلسطيني والعربي في المعاناة والهزيمة والأذلال، ولكنها أيضا لها سماتها الجمالية المميزة في تسجيل قصة التحوّل التاريخي الفلسطيني والعربي بعد النكبة. وكما قال الفيلسوف لوكاش فأن المثقف الحقيقي هو من يقف بثبات في مواجهة التاريخ بالأدب ومواجهة الأدب بالتاريخ. 

 

عامر هشام الصفّار

 

عبد الكريم قاسمديوان الشاعر ابراهيم العامري

سياقات التلقي:

القراءات المتعددة توقع الدارس في حيرة، فأية قراءة يختار؟ في عصر تعددت فيه القراءات، ومنحت فيه سلطة على النص. لهذا دور القارئ هاما، لأن المنجز الأدبي، مكون من ثقوب على القارئ ملئها، ووصل الصلات المفقودة بين القصائد.

هنا تتحرك الدائرة التأويلية من الجزء(همسة) الى الكل(شائكة)، من أجل بناء معنى متماسك للنص.

بسبب تعددية المثاقفات سوف نتخلى عن:

1ـ القراءة الاستنساخية: التي تقف عند حدود التلقي المباشر.

2ـ القراءة التأويلية: التي تريد أن تساهم  في إنتاج وجهة نظر الخطابابات المتزاحمة.

3ـ نرتكز على القراءة التشخيصية: القريبة من روح التفكيك، إننا نحاول أن نسهم بوعي في إنتاج مقروئنا المعاصر (همسات شائكة)، من أجل تفكيك مجتمع النص، الكشف عن تهافته، تقديم تناقضاته ونقائضه.

أن قراءة نصيات الشاعر العراقي المبدع ابراهيم العامري (همسات شائكة/مكتبة الحكمة/كربلاء) تعمد الى المزاوجة بين المعالجة البنيوية والتحليل السوسيولوجي؛ هي ما نراه المناسب لمقروئنا..مع أنموذجاتها.

ينطوي الادب التعبيري على عالم غير الظاهر، الذي غالبا ما يكون وهميا. الوهم، هذه الكينونة اللامرئبة يتماهى اللغز الابداعي وتستلزم اداة القراءة الخبيئ في الفكرة الاساسية في التحليل السوسيولوجي التشكك في أن خلف هذا الهمس العلني يختبئ همس آخر، خلف هذا الانسجام اللفظي ثمة صراع.

يتفرد صراع نص العامري بطرح اسئلته على المخيال والذاكرة بغية توجيه الاحالات الى اقتراح اجوبة ذات بعدين:

الاول، عدم التعرض الى اعتقال العقل والمخيلة.

الثاني، عدم عزل المتلقي عن الخطاب الانساني.

اعتقال العقل:

الأنظمة التي تقوم بصورة مباشرة على القوة هي أنظمة غير مستقرة، رغم أنها يمكن، بثمن باهظ ، أن تستمر بعضا من الوقت.

يمكن أن تكون الهوية الاجتماعية المذوتة الى هذا الحد أو ذلك، مرتبطة بإحساس خاص أكثر بالولاء لفئة اجتماعية بعينها بحكم الامتثال السلوكي الطوعي.

على انه يمكن لأنماط الولاء للسلطة الأكثر بعدا وللروابط الفئوية المرجعية الأكثر قربا أن تدخل في حالة صراع.

أدرك الباحثين منذ وقت بعيد ان الإنسان والحيوان معا مروضان بالعادات المكتسبة، وان نسبة ردود الفعل عندهما تنخفض تدريجيا تجاه كل جديد وتنعدم تماما حينما يصبح هذا الجديد قديما..

استغل رجال السياسة الفكرة. فترويض الحيوان يتوقف عند سلوكه الحركي، أما  الإنسان فيتجاوز السلوك الظاهري/ الحركي وصولا الى تشكيل الأفكار، القناعات، بحيث يمثل امتلاك الإنسان من الداخل، على مستوى الوعي أعلى مراحل التحكم.

تتنوع تكنولوجيا تعديل السلوك، بين الإغراق الإدراكي الذي يوفر الحضور الكلي للمستبد في وعي الجمهور، وبين آليات التجميل والتفخيم، وبين التأثيم والإخضاع من الداخل، خصوصا السحب من الرصيد الثقافي والديني الخاص بأخلاق الطاعة.

الاصطلاح الصيني his nao تنظيفا المخ، استبدل في علم النفس والاجتماع باصطلاح  اشمل مثل التحوير الفكري او المذهبة...حيث يتم غسل دماغ الضحية لكي  تتغير اتجاهاته الفكرية.

ان أهم الطرق تتلخص ب:

2527 همسات شائكةأولا، بذر القلق والشعور بالخطيئة، ثم تضخيم المتناقضات داخل الفكر.

ثانياـ إدخال الرعب المفتعل فالألم والإرهاق والإهانة والتجويع ..كلها معاول هدم الشخصية ولهيب يذيب المقاومة الفكرية.

دخّل دورة

يريد يتعلم كلام

حذره الحاجب

گله ممنوع الكلام (6)

 

الحرامي بسرعة يركض

تاته .. تاته

يركض الحارس وراه (23)

 

يوّل من شوكت نايم .

گتله أذكر قفلت

من بده فصل التهايم (22)

الحرمان بوصفه شعورا :

هو صراع الفقرة والوفرة من الناحية السوسيولوجية والسيكولوجية الدالة على الحرمان.

يعد الحرمان Deprivation المرادف النفسي لمفهوم الفقرPoverty ذي المضمون السوسيولوجي ـ الاقتصادي. أن المفهومين كثيرا ما يأتيان في سياق واحد متداخل في الأدبيات الاجتماعية.

عليه، موضوعة الحرمان ودوره في التغيرات الاجتماعية، يقود الى سؤال جوهري: إذا كان الحرمان يتأتى من مقايسة أنفسنا بمن هم أفضل منا، فلماذا لا نشعر بالحرمان على الدوام؟.

بمعنى آخر، صياغة نفسية لمضمون العلاقة الجدلية بين الحرمان والاحتجاج؛  إن المظالم التي يمكن تحملها بصبر لكونها غير قابلة للتجنب، تصبح غير قابلة للتحمل حالما تطرأ في أذهان الناس فكرة الهروب منها.

الفكرة مؤداها إن كل فرد له  مطالب اساسية، يتم على أساسها الإيفاء بها، يمكن تقسيمها على قسمين:

1- إيفاء حقيقي، يشير الى مدى ما يتحقق فعلا من حاجات،

2- المتوقع، يشير الى المدى الذي يشعر فيه الفرد بالعدالة من تحقيق حاجاته.

فإذا كانت التوقعات أكثر مما تم تحقيقه، يشعر الفرد بالحرمان نتيجة نقصان الحاجات الحقيقية عما هو متوقع، بهذا امتلكنا الجواب.

يؤدي هذا الحرمان /النقصان الى الغضب والتمرد والثورة خاصة بالشعر... الومضة الحسچة للتعبير عن التبرم والاستياء من الظروف القائمة.

عايشت چم اخطبوط

وعلموائد مددت ونضحت جوع

وكما كنت

لصدر امي فضلت الرجوع

تألمت صابه جفاف

شفته يرضع بالدموع (25 )

 

هو

أخذوله تحيه

وآني ربطوهن أديه (40)

أنسنة الترقيم لماذا؟

هيئة الأمم تطلق على الجماعات المعدمة ماديا تسمية(ما دون خط الفقر). ككل ماهو إحصائي، تفقد الظاهرة خاصيتها الإنسانية المأزقية، حيث تأتي على شكل تجريد رقمي يغطي على كارثة الفقر، والحديث ليس عن بشر.

هجرة وتهجير الادمغة والملاكات العلمية والفنية وأصحاب رؤوس الأموال والاستثمار .

ثم حصدت ماكينة الحرب الشباب ..أدت الى انهيار الوعي وتشوش القيم. استسهال تقمص السلوك الإجرامي وشيوع ثقافة الإرهاب.

استقبال وتبني الوافد من قيم..

ان الفقر عندنا تهديد للأمن الاجتماعي. الفقير العراقي يختلف عن غيره في مجتمعات العالم. الفقير ممكن ان يسمعك قطعة موسيقية أو يبيع الورد .. بينما يتراوح عندنا بين الفقير المستكين المهمش لايملك سوى كسرة خبز ومهفة كارتونية في الصيف، فجأة يصبح  سلاب، نهاب،غلاب، قتال، حيال...

بينما جحافل الفقراء المستغنى عنهم تتزايد، ا نهيارات انسانيتهم ينحدر رويدا رويدا، الفقر، يصل الى إنهيار قيمة الإنسان ذاته ونوعية الحياة ذاتها.

اننا بصدد انهيار ديني قيمي واخلاقي ينسف خدعة الفقير الشريف، عفيف النفس. فقراء العراق محرمين من القدوة الحسنة، التعليم، الصحة، الثقافة، الأمن، الاستقلالية والمشاركة في قضايا المجتمع.

الى هيئة الأمم:

إذا سوو الدي دي لقاح

اذن شنهي بقائچ

والمرض يجتاح (24)

 

گال لو مرّك الجوع

بگلبي ضيف

...

وگال نكست المضيف (10)

 

للوجبة ضافو ريجيم

وللهدايا احجز مكان

هاي منحه من بلاد العسكريم (41)

 

اضطراب أبعاد الديمومة :

ان طول معاناة الإنسان، مدى القهر والتسلط الذي فرض عليه، ينعكس على تجربته الوجودية للديمومة على شكل تضخم آلام، تأزم في معاناة الحاضر، انسداد أفاق المستقبل .العجز أمام التسلط وما يستتبعه من عقدة نقص، العجز أمام قوى الظلام وما يحمله من انعدام الشعور بالأمن، يجعلان الإنسان فاقدا للثقة بنفسه وامكاناتها، فاقدا السيطرة على مصيره في يومه وغده.  كذلك فإن انعدام الضمانات في الصحة، الرزق يجعله نهبا.

قانون السلطة، يتلخص في مدى السيطرة على قوى الزمان والمكان، بالتالي فالتخلف يبدو من هذه الزاوية كعجز متفاوت الدرجة عن هذه السيطرة.

عجز الإنسان المظلوم عن التحكم بمصيره مرتبط بوثوق، باضطراب الديمومة. الآمال التي يحملها المستقبل تخفف بدورها من وطأة المعاناة الحاضرة وتنسينا متاعب الماضي. اليأس من الخلاص، من خلال الجهد الذاتي،هو ما يميز نظرة الإنسان المقهور.

اذ ان المعاناة الحاضرة التي لاتجد لها إمكانية خلاص في مستقبل منظور تحول الحياة الى جحيم. وذات طابع انفعالي خال من العقلانية.  .ومع ذلك التوتر تزداد العدوانية المتراكمة المقموعة، تصل عتبة الانفجار، مما يثير قلق هذا الإنسان خوفا من نتائج عدوانيته التي يخشى أن تفلت من عقالها. هو لهذا يضاعف جهده لقمع طاقته، من خلال  الرضوخ طلبا للسلامة.

إزاء هذه الأزمة الوجودية لايملك الإنسان حلا سوى الهروب الى الخرافي أو الواعي. كما قد يهرب من إطار الزمن من خلال الغرق في الممارسات  التي تنسيه واقعه المؤلم: كالذكر والخمر سوية، التخريف والشعوذة أو الادعاء انه طريح احد الاولياء.

شلت تابوتي أعله رأسي

رحت ادور لي مكان

و من شافني صابه الذهول

السيد الدفان

ما ادفنك ..!  صاح بيه

أنت ميت من زمان (20)

 

لا تتوهم تنطق يوم

خليك مصنف تمثال

بس انحني برغبتك

شيل احزان بسلال (65)

اسطوانات...:

طابع الحزن يعمم على كل شيء تقريبا ويبدو بأوضح صورة في الأغاني والقصائد الشعبية التي تدخل جميعا في إطار المراثي..وجلد الذات.

من اللافت للنظر أن نلحظ  ندرة الأغاني والقصائد ذات الطابع الفرح المتفائل والدينامي في الموقف من الحياة.

إن الأغنية تعبير فصيح عن المعاناة الوجودية عموما، وليس تركزها حول عذاب وآلام العشق سوى ستار يخفي جروح الوجود التي تسقط على علاقة الحب.

الأغنية الحزينة أو القصيدة مرآة يرى فيها إنسان مجتمعات القهر ذاته ويعيش من خلالها إحباطاته. أيضا تعكس اجترار الآلام  التي لا خلاص منها والتي يغرق فيها ذلك الإنسان.

ليل أول ..

ليل ثاني ..

ليل ثالث

واحد گال (حسبالي)

و(يا حريمه) الثاني گال

ودار بالراس الشعر

و(يا حسافه)حضر رابع چان عارف بالسعر(33)

 

آه

فيروز الأغاني

الحجر لابس أسود

وبحت أوتار الشمس

وأذكر اهنا چان لوحة

كانت تمثل القدس (42)

 

نسي

يخسارة نسي

من الزغر وفريته للمجلسي

يأتي زمان

تاليه يحكم أطلسي (73)

 

حلوه هاي الأغنيه

انت كاتبه إليّه ؟

لا ..الكل الناس هاذي

زعلت وحقدت عليّه (109)

 

يا طيور الطايره:

كل المهاجرين كأنما هم مواطن واحد يتكرر.. كيف ؟. الهجرة بالنسبة للعراقيين مثل طائر السيمورغ، الذي سمعت الطيور عنه، قررت الرحيل باتجاهه.

من بين الاف نجح ثلاثين، بانتظارها مفاجأة، أن (سي) تعني ثلاثين و(مورغ)تعني طير.

تلك مرآة يمكن أن تعكس كامل المجتمع مع ما فيه من اختلافات وفردانيات.

هذا الشيء لا يتوصل حتى قادتنا الحاليين وبعد 1400 سنة الى إدراكه: إن الشعب وكامل الأرض تستطيعان أن تكونا مرآة:

أنتم ثلاثين طيرا فستجدون أنفسكم ثلاثين طيرا في هذه المرآة، لو جاء أيضا أربعون أو خمسون طيرا لانفتحت أكثر المرآة التي تخفي السيمورغ/ همسا العراقي.

يا ضوه فدوه إلك

لا تبتعد عني

حاولت ردت أختفي

ومرايه تعكسني (110)

 

وآنه شايل قضية

مو ثلج خليته ابتابوت

يا لغة تألف رصاص

و هي ورقة توت (26 )

 

ولو بالعشرين أمي

حطت براسي اخوي

گالت اتراب العراق

ولا بواشنطن ييمه تصير بوي (31)

 

شنهو ضام؟

گلّهم

ذاكرتي ضاعت

من طحت برض الحرام (45)

موطني .. موطني:

على القارئ أن يتفحص، كيف تظهر الاهتمامات بالسلوك الأخلاقي، الواجب أو الالتزام في الفكر والوعي. بل أن يسأل:

كيف وفي أي سياق محدد يصبح أي اعتراف بالسلطة مرتبطا بتذويت الكبح الاجتماعي، أو  الانكفاء داخليا في حالة استلاب؟.

ما يخطط لأن يكون سلوكا، لا يكون كله بدافع نفسي ـ ديناميكي على الصعيد ذاته من النضج ـ الاجتماعي.

العراقي تعرض طوال حياته الاجتماعية على هذه الأرض، الى ألوان من الاضطهاد، لكن، لو تتبعنا جغرافية مسيرة مواطنيته، الولاء والانتماء، لا يبعد عن العراق، الوطن والأرض والشعب واللغة والنهر...

وطنه يا وطنه

مثل الصدگ فرحنه

ايه ..

كلّه ساعة صفر

أطلق لها ونّه (144)

 

يكابر ومرفوع هامه

الروح خلّه تروح فدوه

ولا عاصفة صحراء

تعمي عيون زرقاء اليمامه (18)

 

نايم براحة الأسد

ويطرد الذبان عن حلگه چلب (16)

 

واحد راد اينظف الدنيه

امن الأوساخ

دوّر أصلي

طلعو كلهم استنساخ (9)

المعيوش:

الصراع الإنساني ضد المجهولات، كفة النصر ترجح فيها لمن يوفر أكبر مقدار من المعرفة عن خصمه. لذلك، الناس الذين يعتقدون بأن الأسد لا يخاف، ويعتقد الأسد بنفسه كذلك، هذا المعتقد غالبا يبطله الصياد المستأسد !. لكن المعاناة التي تنتج عن هذه الوضعية،لا يمكن احتمالها الإ بقدر ولمدة معينة.

فجميع وسائل الاجترار لا تحل المشكلة بشكل مقبول.. و لا تسمح بالاحتفاظ بالتوازن النفسي، كيما يتمكن من الاستمرار بالعيش. هكذا عاجلا أو أجلا ،لابد للتوتر ان  يتراكم وصولا الى مرحلة التمرد.

فصّل أحلامك على ميز الطعام

الزكاة من شرعوهه

مثل ما للأسد حصة

بيه حصة للحمام (11)

 

عالناس أصيرن أسد

لو دبرتلي ذيل (93)

 

هي من عبود الأول

حتى هرقل الثاني

كلّهم أسد من ورق

أشرّ الخط البياني (96)

تحولات المگاريد:

نلحظ (مگاريد) الشاعر وقد ذهبت حياتهم إستنزافا بالتقسيط من خلال الفرح في الأحلام. ومن خلال التماهي بإبطال الرياضة والسياسة..الفنون، حيث ينشأ نوع من ازدواجية العيش. شقاء مادي مقابل أحلام اليقظة والاعتقاد الزائف make believe من خلال الاندماج مثلا مع إبطال مسلسل أو فلم..بالتالي، يظل في هذه الدوامة.

تنصب نقمة المگرود المقهور على الذات، لأنها فشلت في ان تحقق مشروع الكيان والمصير.

فالجسد باعتباره مجال التعبير الوحيد

الممكن مقموع في (شائكة) بلا حتى (همسات)وبدون ملامح إنسان مثلما أخلى الشاعر مقتطعيات قصائد الديوان من أي عنوان !. لأن الألم في صميم الوجود تعبير صادق عنه، لا من الجهة الجسدية فقط بل من الجهة الروحية العليا.. وقد يفلح المگرود في خنق الألم لكنه يلاشي باقي كرامته.

الشاعر ابراهيم العامري علته الصراع الدائم بين شطره العميق التائق الى اللانهائية، وشطره السطحي المنغمس في هذا العالم الفاني، عالم الموضوعات. ذلك ان المگرود في صميمه، هدف لعدوين، خارجي عالم الموضوعات، و داخلي الظلام الذي يحاول خنق (همس ..ات) الفيض الإلهي.

عينت نفسي ملك

أعد خطوات الأميرة ..

گالت أنت أجمل حصيرة (5)

 

گبل قرنين اشتمت

وبحالة سكر عبدالحميد

بس چنت اقدم نبل

ويسدد ابقوسه الوليد

انت ابيض صرخ قاضينه العتيد

باليعجبك روح شتم

حتى هارون الرشيد (47)

 

اسرني الزمن قيدني بحبال

ومن دون الربع رد چفي خالي

واذا وياي كل أصحابي تعيل

أصيرن سيف آنه وبيد چتالي (145)

 

بين الظالم والضحية

مسألة حس وعدم

هذا ناره عاطفة وحروفه هم

وذاك سوط توحم بطبع القصور

وطبعه دم (116)

المرموزة همسا تجادلنا:

الانسان كل يوم يستعمل الرمز دون أن يدري؛ لأن كل كلمة رمز. لذا، ليس هناك إذن دائرة محمية أو اتفاقية بل ممارسة يومية. دور الرمز فيها التعبير عن أي فكرة ما بطريقة يقبلها الجميع. فالرمز في نطاق الأفكار عامل صلة غني بالوساطة والتماثل، يجمع المتناقضات وينقص التعارض. لا يمكن فهم شيء أو نقل شيء دون مساهمته.

همسا Humsa  الطائر الرقيق الذي يفكر بالانفلات هو مرموزة بنية جسد النص، السؤال النقدي المتوثب هنا: هل أراد العامري مخاتلة فرضياتنا:

1- إن الصرخة من اجل الحرية لم تعد مرغمة أن تحتجب تحت رموز غيبية، اننا نستطيع القيام بها من خلال مكتسبات الحضارة والثقافة  ونسج الحوارات والتقدم بدون حدود، و(هم سات) قمر الشاعر المشفر.

2 - (همسات) هي (هم )وليد القلق الصادر من اعماق (شائكة) للانسان، بل هو محور الارادة والانفعالات والتمنيات، مبعثه الوجود.

كل ما طرأ على الانسان المگرود في مجتمع النص وجدنا له دواء بالاختباء وراء الناس، والفرار من الذات الى المعية، لكن الى اين الهرب من المستبد ؟ الى همسة الومضة الحسچة.

3- ليست الهمسات شائكة انما مقموعة خلف هيكل صنم شائك لا يتورع من شنق همسات معاندية من خلال احتضانهم في بطنه حسب تطبيل بطانته.   .

4- همسا بجناحها حملت منشورا بلغة الاشارة، الصم والبكم، الى الاحرار لنصرة المظلوم؛ كما كانت الطيور وظيفتها التراسل، لكن، انتابنا اندهاش متأخر، همسا أيضا سجينة، يا للهول !.

اثنينه بخشبه سويه

اثنينه نفس القضية (38)

 

دخل العصفور

في دورة قتال

ولبّس الارنوب خاكي

واعتبر قتله حلال (36)

 

وخطب مرات السراب

وما گدر يهمس

انباعت الميسور حال

وعانس بقصر العرس (42)

 

واشتغل وگت الحصاد

انهض اتنكب السكته

بده الموسم

انطوني منشار وجسد زاند صليب

وگالو اهجم (44)

***

عبدالكريم قاسم

 

 

 

مفيد خنسة(ربيع بلون السماء) / صالح الهنيدي

سيأتي الربيع

يفتّش عنك

يعيد انهمار السؤال القديم

إلى أين تمضين؟

أين المسير؟

وأين انقضاء الطريق الطويل؟!

رحلتِ

وما زلتُ في غصة الوجد

أركض في واحة المستحيل

(2)

يظل النهار بلا شمسه

ويشتاق عمري إلى أمسه

أفتش في دفتر العمر عنك

كحرف تساقط بين السطور

(3)

ويأتي الربيع

يعيد انتظام الزمان الجميل

يراقص أشجاننا

كي يخف العويل

أمانيك مغروسة

في تراب النقاء

سيمضي الزمااااان ويشمخ

في راحتيها البقاء

(4)

ويأتي الربيع

يردد أنشودة الحزن

يسحق أهزوجة كالهديل

نقاوم آهاتنا لحظة

ويعتصر اليأس أفراحنا

ونسمق من بأسنا كالنخيل

(5)

ويأتي الربيع

يصوغ ملامحنا

سحنة من عبق

يشكلنا في احمرار الشفق

وفي زرقة البحر

حين انفلق

يصورنا كيفما يشتهي

ويرسمنا في إطار جميل

(6)

ويأتي الربيع

بلون السماء

يحطم أمثولة الكبرياء

يزلزل وهم الكراسي

العظيمهْ

فتسقط كل المآسي الجسيمهْ

رويدك يا أيها السامري

سينسف عجلك في اليم نسفاً

ويعصف بالذل والهم عصفا

وسوف تذوق انهياراً وخسفا

لأن دماء الشعوب

وقودٌ ولا تعرف

ا ل م س ت ح ي ل]

***

للفصول مناخاتها، وتدرجات حرارتها، فيها تتوالى الأيام وتتعاقب صفاتها، وفيها تتجلى الطبيعة على اختلاف مظاهرها، فالفصول حلل السنة على امتداد الزمان، وهي دلالات انقسام الأقواس على تمام دورة المسار، والفصول عند الشاعر لها معانيها ودلالتها، حيث تتجلى بالرموز التي يحلو له أن يوظفها كي يستتر المعنى في ظلال اللغة، وللفصول ألوانها وموسيقاها ورموزها وعلاماتها، أما الربيع لدى الشاعر صالح الهنيدي فله لون السماء، اللون الأزرق الذي تتعدد دلالاته ومعانيه، الأزرق الذي يعني لون السماء والبحر فهو يشير إلى الخيال الواسع والإلهام، وهو رمز الطاقة والإثارة، إنه رمز الهدوء والسكينة، إنه رمز الثقة والقوة، وهذه الصفات لعلها مشتركة بين السماء والماء وهي مشتركة بينهما وبين الربيع، أما كيف تتجلى من وجهة نظر الشاعر هذا ما سأحاول دراسته من خلال قصيدة الشاعر السعودي صالح الهنيدي بعنوان (ربيع بلون السماء) التي حملت عنوانها مجموعته الشعرية.

الفرع الأول:

يقول الشاعر:

(سيأتي الربيع

يفتّش عنك

يعيد انهمار السؤال القديم

إلى أين تمضين؟

أين المسير؟

وأين انقضاء الطريق الطويل؟!

رحلتِ

وما زلتُ في غصة الوجد

أركض في واحة المستحيل)

يبين هذا الفرع الصورة التي سيأتي عليها الربيع وعقدته (سيأتي الربيع) وشعابه الرئيسة هي: (سيأتي الربيع) و(يفتّش عنك) و(يعيد انهمار السؤال القديم) أما شعابه الثانوية فهي: (إلى أين تمضين؟) و(أين المسير؟) و(وأين انقضاء الطريق الطويل؟!) و(رحلتِ) و(وما زلتُ في غصة الوجد) و(أركض في واحة المستحيل).

في المعنى:

الأسلوب في الفرع كما هو واضح خبري وإنشائي، وفي الأسلوبين يتجلى الربيع كرمز أساس في القصيدة بشكل عام وفي هذا الفرع بشكل خاص، فقوله: (سيأتي الربيع) يتضمن توكيداً لحدوث الفعل، وفعل مجيء الربيع مسلم به، لأنها حقيقة زمانية، إذ لا بد من تعاقب الفصول فيأتي الربيع، ولكن هل يقصد الشاعر ذلك المجيء الزماني وحسب؟!، هل يقصد بالربيع تلك الفترة الزمنية من السنة التي تحدد هذا الفصل؟،أم أن توكيد المجيء ليس هو المقصود بحد ذاته إنما يبين هدف الشاعر من هذا التوكيد قوله: (يفتّش عنك)، واستخدام الفعل (يفتش) يفيد في أنها غائبة في مكان غير معلوم، فلو كان الربيع يعني الزمان الفيزيائي لما صح المعنى هنا، إذ لا شيء خارج الزمان، لنستدل أنها غائبة عن الشاعر نفسه الذي يمكن أن يكون قد تعرف إليها في ذلك الربيع، ومجيء الربيع بالنسبة للشاعر هنا يعني عودة حضورها في ذاكرته ومخيلته من خلال الأثر الذي خلفته خلال ذلك الربيع، وهنا لنا أن نسأل، لماذا استخدم الشاعر فعل (يفتش) ولم يستخدم فعل (يبحث) مثلاً؟ لنستدل من هذا التساؤل النقدي أن (البحث) إنما يكون عن شيء مفقود من دون اليقين بوجوده، أما (التفتيش) عن الشيء يكون في حالة عدم اليقين من وجوده، فقد يكون موجوداً وقد يكون غير موجود، وذلك في الحيز المكاني الذي يتم البحث فيه، وهذا ما توحي به الجملة الشعرية (يفتش عنك) أي الربيع الذي استخدمه الشاعر رمزاً للأثر الوجداني الذي تركته في نفسه وقلبه وعقله في ذلك الربيع ليس على يقين من وجودها في هذا الحيز المكاني أو عدم وجودها، وفي الحالتين لا بد له من التفتيش لأن كل شيء في الربيع يستحضر ذكرى حية في وجدانه لها، وقوله: (يعيد انهمار السؤال القديم) أي كما كان يحصل في عوداته السابقة بإلحاحه في السؤال عنها، فالانهمار يشير إلى السرعة والاستمرار في السؤال عنها، أما كلمة (القديم) فذلك يعني أن معرفته بها قديمة، ومن هنا سيتولد معنى احتمالي جديد، وهو أن الشاعر قد بقصد بها شيئاً غير الأنثى، أي غير المحبوبة، وهذا ممكن ويصح أن يكون أحد المحمولات الدلالية للتركيب الشعري(يعيد انهمار السؤال القديم)، ماذا لو كان يعني الحرية؟، أو ماذا لو كان يعني الغاية والهدف والمصير؟ فلعل هذا التفكير النقدي مع الاستمرار في بسط القصيدة وتحليلها إلى مكوناتها الأساسية يساعدنا في التحقق من المعنى على اختلاف مستوياته، وقوله: (إلى أين تمضين؟) يشير إلى أنها مازالت مستمرة في المضيّ والغياب، وهو مازال مستمراً في السؤال، وقوله: (أين المسير؟) يشير إلى أنها ما زالت في حالتها المستمرة في المسير ولكن من دون أن يعرف المكان الذي تسير فيه، وقوله: (وأين انقضاء الطريق الطويل؟!) أي يتساءل في أي الأمكنة التي سينقطع فيه هذا الطريق الطويل الذي تسير عليه، إذا ثلاثة أسئلة ملحة متكررة وكلها تتعلق بالمكان لاستخدامه اسم الاستفهام (أين)، وما دام على جهل بالمكان الذي توجد فيه فهو يقول: (رحلتِ) أي أنها غادرت، وقوله: (وما زلتُ في غصة الوجد/ أركض في واحة المستحيل) أي منذ ذلك الرحيل وهو يجري بحثاً عنها وقد قهره الشوق وكواه الغياب والبعاد، وقد استحال العثور عليها،.

الصورة والبيان:

مع استخدام الرمز في هذا الفرع تحضر الصورة البيانية، فقوله: (سيأتي الربيع) استعارة، وقوله: (يفتش عنك) استعارة، وقوله: (يعيد انهمار السؤال القديم) استعارة، وقوله: (وما زلتُ في غصة الوجد) استعارة، وقوله: (أركض في واحة المستحيل) استعارة، ويصبح التركيب الشعري (وما زلتُ في غصة الوجد/ أركض في واحة المستحيل) صورة شعرية ثنائية البعد لأنها تتضمن استعارتين معاً .

الفرع الثاني:

يقول الشاعر:

(2)

(يظل النهار بلا شمسه

ويشتاق عمري إلى أمسه

أفتش في دفتر العمر عنك

كحرف تساقط بين السطور)

يبين هذا الفرع صورة الغياب وعقدته (يظل النهار بلا شمسه) وشعبتاه الرئيستان هي: (يظل النهار بلا شمسه) و(ويشتاق عمري إلى أمسه) أما شعبتاه الثانويتان فهما: (أفتش في دفتر العمر عنك) و(كحرف تساق بين السطور).

في المعنى:

هذا الفرع يرتبط ارتباطاً عضوياً بالفرع الأول، فالشاعر الذي أمضى هذا الزمن الطويل في البحث عنها في غصة وحرقة بقي يعاني من هذا الرحيل المرير، فقوله: (يظل النهار بلا شمسه) يبين أن المعنى المعجمي للجملة هنا لا يستقيم، لأنه لا معنى للنهار من دون شمس، لا بل لا يمكن وجود النهار من دون شمس، و(الشمس) هنا رمز دال على التي رحلت، ومنذ ذلك الرحيل بقي نهاره من غير ضيائها، وقوله: (ويشتاق عمري إلى أمسه) أي يشتاق إلى أيام الأمس حين كانت تملأ حياته حباً وسعادة وأملاً، وقوله: (أفتش في دفتر العمر عنك) أي يبحث عن تلك الذكريات الجميلة من عمره والتي قضى معها خلالها وقتاً ممتعاً وجميلاً، وقوله: (كحرف تساقط بين السطور) أي يبحث من دون جدوى، لأنه يبحث عنها كمن يبحث عن حرف ضاع بين السطور، والمعنى هنا مرتبط بالرمز.

الصورة والبيان:

الشمس في هذا الفرع ترمز إلى تلك التي رحلت، ويصح أن يكون اسمها مشتقاً منها، فقوله: (ويشتاق عمري إلى أمسه) استعارة، وقوله: (أفتش في دفتر العمر عنك) استعارة، وقوله: (كحرف تساقط بين السطور) استعارة.

الفرع الثالث:

يقول الشاعر:

(ويأتي الربيع

يعيد انتظام الزمان الجميل

يراقص أشجاننا

كي يخف العويل

أمانيك مغروسة

في تراب النقاء

سيمضي الزمااااان ويشمخ

في راحتيها البقاء)

يبين هذا الفرع صورة الحضور وعقدته (ويأتي الربيع)، وشعابه الرئيسة هي: (ويأتي الربيع) و(يعيد انتظام الزمان الجميل) و(يراقص أشجاننا) أما شعابه الثانوية فهي: (كي يخف العويل) و(أمانيك مغروسة / في تراب النقاء) و(سيمضي الزمااااان) و(ويشمخ في راحتيها البقاء).

في المعنى:

الأسلوب خبري، وفي هذا الفرع يتجلى حضور الربيع في الذاكرة والوجدان، فقوله: (ويأتي الربيع) فيه عطف وتأكيد على أن الربيع الذي قضاه برفقتها ومعها يأتي كلما أتى فصل الربيع، وقوله: (يعيد انتظام الزمان الجميل) أي مع مجيء فصل الربيع ينتظم لديه الوقت بحضورها في قلبه ووجدانه مع كل صورة من صور الجمال في الطبيعة التي يجددها الربيع بمجيئه البهي، وقوله: (يراقص أشجاننا) أي إنه يوقظ الحزن المقيم في الوجدان، ويستحضر الألم المقيم في الأعماق ويجعله حياً كما عاشوه فيما مضى من العمر، وقوله: (كي يخف العويل) أي إن الربيع يفعل ذلك كله من أجل أن يخفت أصوات التفجع والصراخ والنحيب، وقوله: (أمانيك مغروسة / في تراب النقاء) أي الأمنيات راسخة في طينة نقية تقية طاهره، وقوله: (سيمضي الزمااااان ويشمخ / في راحتيها البقاء) أي مع مرور الزمان وتعاقب مجيء فصل الربيع ستنبت تلك الأماني في راحتيها وتستمر في البقاء ما دامت الجذور ممتدة إلى الأعماق.

الصورة والبيان:

الصورة الشعرية في القصيدة من أهم سماتها، فقوله: (يأتي الربيع) استعارة، وقوله: (يراقص أشجاننا) استعارة، وقوله: (ويشمخ / في راحتيها البقاء) استعارة.

الفرع الرابع:

يقول الشاعر:

(ويأتي الربيع

يردد أنشودة الحزن

يسحق أهزوجة كالهديل

نقاوم آهاتنا لحظة

ويعتصر اليأس أفراحنا

ونسمق من بأسنا كالنخيل)

يبين هذا الفرع صورة الحضور للربيع وعقدته (ويأتي الربيع) وشعابه الرئيسة هي: (ويأتي الربيع) و(يردد أنشودة الحزن) و(يسحق أهزوجة كالهديل) و(ويعتصر اليأس أفراحنا) أما شعبتاه الثانويتان فهما: (نقاوم آهاتنا لحظة) و(ونسمق من بأسنا كالنخيل).

في المعنى:

الصيغة في القول الشعري في هذا الفرع جماعية، لقوله: (نقاوم، آهاتنا، أفراحنا، بأسنا) وهذا يشير إلى أن رمز (الربيع) لا يقف عند حدود الذاتي الذي يتعلق بالشاعر وذاته الشاعرة إنما يمتد ليعني الجماعة، وقد يتسع ليشمل الوطن والأمة لا بل والإنسانية كلها، فالنص الشعري كما نرى هو الذي يقدم إمكانات التعدد الدلالي فيه، وهو الذي يخزن المضامين التي تستدعي سبر معانيها، فقوله: (ويأتي الربيع) يتضمن توكيداً واقعياً لتلك العودة، بالإضافة إلى الصورة الجديدة لهذا المجيء، وقوله: (يردد أنشودة الحزن) أي يعيد فتح الجروح والهموم والمآسي، يعيد الأحزان التي تعاني منها العامة من الناس، وقوله: (يسحق أهزوجة كالهديل) أي يمحو أنشودة الفرح التي يطلقها المستضعفون من أجل رفع الظلم عنهم، دعاة السلام كالحمام، ذلك الربيع العائد الذي يفترض أن تعلو فيه مثل هذه الأهازيج التي تعبر الفرح بالغد الجميل القادم، نرى صورة حضوره هنا بشكل مخالف، وقوله: (نقاوم آهاتنا لحظة) أي فتكون ردة الفعل بالصبر ومقاومة أسباب الحزن والألم والظلم الذي يطغى، وقوله: (ويعتصر اليأس أفراحنا) أي يواجهون صورة الواقع التي يعود فيها الربيع بالصبر حيناً، ثم باليأس من تحقيق الحلم بالأفراح التي يبشر بها الربيع الحقيقي، وقوله: (ونسمق من بأسنا كالنخيل) أي يبقى الإصرار على انبثاق الأمل وتجدد الأمل بحياة أفضل كالنخيل الذي يستمر بالارتفاع والسمو والعطاء في رحاب تلك الصحراء القاحلة.

الفرع الخامس:

يقول الشاعر:

(ويأتي الربيع

يصوغ ملامحنا

سحنة من عبق

يشكلنا في احمرار الشفق

وفي زرقة البحر

حين انفلق

يصورنا كيفما يشتهي

ويرسمنا في إطار جميل)

يبين هذا الفرع صورة الربيع في الحياة وعقدته (ويأتي الربيع) وشعابه الرئيسة هي: (ويأتي الربيع) و(يصوغ ملامحنا) و(يشكلنا في احمرار الشفق) و(يصورنا كيفما يشتهي) و(ويرسمنا في إطار جميل) أما شعابه الثانوية فهي: (سحنة من عبق) و(وفي زرقة البحر) و(حين انفلق) .

في المعنى:

الربيع في القصيدة كما نرى متعدد الدلالات والمعاني، وهو رمز لتعدد صور الحياة فيه، وفي هذا الفرع تتجلى صورة الربيع في الحياة كصورة الربيع في الطبيعة بين الفصول، فقوله: (ويأتي الربيع) يشير إلى توكيد المجيء على صورة جديدة، وقوله: (يصوغ ملامحنا) أي يعطي صورة حقيقية عن الحياة والواقع المعاش، وقوله: (سحنة من عبق) أي صورة بهية معطرة، وقوله: (يشكلنا في احمرار الشفق) أي يعيد رص الصفوف بعزيمة وثقة من أجل الثورة وتحقيق الأمل، وقوله: (وفي زرقة البحر / حين انفلق) أي بسلام بعيداً عن العنف. وقوله: (يصورنا كيفما يشتهي) أي كما يريدهم أن يكونوا، وقوله: (ويرسمنا في إطار جميل) لتكون الصورة أشد بهاء، وأكثر جمالاً .

الفرع السادس:

يقول الشاعر:

(ويأتي الربيع

بلون السماء

يحطم أمثولة الكبرياء

يزلزل وهم الكراسي

العظيمهْ

فتسقط كل المآسي الجسيمهْ

رويدك يا أيها السامري

سينسف عجلك في اليم نسفاً

ويعصف بالذل والهم عصفا

وسوف تذوق انهياراً وخسفا

لأن دماء الشعوب

وقودٌ ولا تعرف

ا ل م س ت ح ي ل]

يبين هذا الفرع صورة الربيع حيث المصير للطغاة والبغاة وعقدته (ويأتي الربيع / بلون السماء) وشعابه الرئيسة هي: (ويأتي الربيع) و(يحطم أمثولة الكبرياء) و(يزلزل وهم الكراسي / العظيمهْ) و(ويعصف بالذل والهم عصفا) وأما شعابه الثانوية فهي: (فتسقط كل المآسي الجسيمهْ) و(رويدك يا أيها السامري) و(سينسف عجلك في اليم نسفاً) و(وسوف تذوق انهياراً وخسفا) و(لأن دماء الشعوب / وقودٌ ولا تعرف / ا ل م س ت ح ي ل) .

في المعنى:

في هذا الفرع تتوضح الصورة، وينكشف الرمز، فالمقصود بالربيع هو ما سمي الربيع العربي، وهنا تأخذ القصيدة بعداً سياسياً إضافة إلى أبعادها الجمالية والفنية، فقوله: (ويأتي الربيع / بلون السماء) أي يجيء الربيع بلون السماء الأزرق الذي يرمز للثقة والقوة، وقوله: (يحطم أمثولة الكبرياء) أي يكسر صورة التكبر والصلف والاستعلاء، وقوله: (يزلزل وهم الكراسي / العظيمهْ) أي يأتي الربيع الذي تتصدع وتنهار فيه كراسي الطغاة المستبدين المتحكمين بمصائر المستضعفين من الناس، وقوله: (فتسقط كل المآسي الجسيمهْ) أي بانهيار تلك الكراسي وزوال أصحابها يتخلص الناس من المآسي والآلام والأحزان والقهر والظلم وما كانوا يعانون منه بسبب وجودهم على تلك الكراسي وطغيانهم وجبروتهم، وقوله: (رويدك يا أيها السامري) أي متوعداً السامري وهو رمز للطاغية الذي يحب التملك والسيطرة وجمهرة الناس من حوله، وقوله: (سينسف عجلك في اليم نسفاً) مستوحى من قول الله سبحانه وتعالى: (وانظر إلى إلهك الذي ظلْت عليه عاكفاً لنحرِّقنَّه ثم لننسفنه في اليم نسفاً سورة طه الآية (97))، وقوله: (ويعصف بالذل والهم عصفا) وهو مصير البغاة الطغاة المتكبرين، وقوله: (لأن دماء الشعوب / وقودٌ ولا تعرف / ا ل م س ت ح ي ل) أي ما تقدم من وعد ووعيد للمصير كان نتيجة لهذه المقدمة وهي أن دماء الشعوب الثائرة في وجه الطغاة والبغاة والمتكبرين سوف تنال حريتها ولن يكون أمامها مستحيل ما دامت مستعدة للتضحية من أجل أن تعيش بحرية وكرامة.

الحرف (في) والبعد الدلالي:

من المعروف أن الحرف لا يقوم معناه إلا إذا استخدم مع غيره في سياق الجملة، وهنا أتوقف عند استخدام حرف الجر (في) !، وإذا لاحظنا أن الشاعر قد استخدم حرف الجر (في) عشر مرات في القصيدة، وجدنا أن (في) في هذه القصيدة تفيد ظرفي الزمان أو المكان و سأتوقف عند استخدام هذا الحرف (في) بالجملتين الشعريتين، (وما زلت في غصة الوجد / (أركض في واحة المستحيل)، فمن المعلوم أن حرف الجر (في) يفيد الظرفية المكانية والزمانية كما يفيد التعليل، ولنتساءل لماذا استخدم الشاعر في الجملة الأولى (وما زلت في غصة الوجد) حرف الجر (في) ولم يستخدم حرف الجر (من) على الرغم من أن المعنى قد يفهم منه أنه بسبب غصة الوجد ما زال يركض في واحة المستحيل، لنتبين أن المعنى الذي تحمله الجملة يدل على أن الغصة مستمرة استمراراً زمانياً فكان استخدام (في) بالجملة الأولى كما أنها مستمرة استمراراً مكانياً فكان استخدام (في) في الجملة الثانية.

تقاطع الأزمنة:

زمن القصيدة كما نرى هو زمن الربيع الآتي على صوره المختلفة، ففي الفرع الأول يفتتح الشاعر قصيدته بحرف السين الذي يدل على المستقبل، ثم يستخدم الفعلين المضارعين (يفتش، يعيد) وكلاهما يفيدان الزمن المستقبلي، والمعنى سيأتي الربيع وسيفتش عنك وسيعيد انهمار الأسئلة .. ومن ثم يستخدم الشاعر فعلين ماضيين (رحلتِ، وما زلتُ) ليشير إلى أن الزمن الماضي مستمر في كنف الحاضر، وكذلك يستمر الفعل في الفرع الثاني مضارعاً (يظل، يشتاق، أفتش) أما الفعل الماضي (تساقط) يفيد الاستمرارية لفعل (سقط)، وفي الفرع الثالث يستمر الفعل مضارعاً (يأتي، يعيد، ويراقص، يخف، سيمضي) وكلها تشير إلى المستقبل، وهكذا في الفرع الرابع يستمر الفعل مضارعاً، (ويأتي، يردد، يسحق، نقاوم، يعتصر، نسمق)، وكل ذلك يدل على أن زمن القصيدة يمثل تقاطعاً لأزمنة الأفعال والمكونات للقصيدة نفسها، وهو هنا تجليات الماضي في الحاضر واستمرار الحاضر في المستقبل، وفي الفرعين الخامس والسادس الفعل مضارع وعلى صيغة المستقبل . لنستدل أن زمن القصيدة يشير إلى الزمن العربي الراهن على اختلاف فصوله وتعدد صور ربيعه وما يمكن أن يحمله هذا الزمن من المصير للطغاة والمتجبرين، فيما يستقبل من هذا الزمن، إنه حلم الشاعر الذي ينظر إلى الغد المشرق الذي يمكن أن يحققه الشعب من خلال ثوراته من أجل الحرية والكرامة، والخلاص من التبعية والاستبداد والقمع.

التوازن وتمثيل القصيدة:

من الواضح أن الربيع هو مركز توازن القصيدة ونقطة انبثاقها وفيض معانيها، وإذا لاحظنا أن عقدة كل فرع من فروعها يمثل نقطة توازن في القصيدة بالإضافة إلى نقاط التوازن التي تمثل كل منها تقاطعاً لفرعين أو أكثر فيها وهي:

(1) الربيع: هي نقطة تقاطع لفروع القصيدة باستثناء الفرع الثاني فهي تمثل نقطة توازن.

(2) اللون الأزرق: هي نقطة تقاطع الفرعين الخامس والسادس فهي تمثل نقطة توازن.

(3) الجميل: هي نقطة تقاطع الفرعين الثالث والخامس فهي تمثل نقطة توازن.

(4) السقوط: هي نقطة تقاطع بين الفرعين الثاني والسادس فهي تمثل نقطة توازن.

(5) المستحيل: هي نقطة تقاطع بين الفرعين الأول والسادس فهي تمثل نقطة توازن.

(6) الحزن: هي نقطة تقاطع للفروع الثالث والرابع والسادس فهي نقطة توازن .

فإذا مثلنا مركز توازن القصيدة بدائرة مركزية صغيرة، ومثلنا عقد الفروع على محيط دائرة واحدة، ومن ثم مثلنا نقاط التوازن على محيط دائرة واحدة بما يتناسب مع عدد الفروع التي تتقاطع في كل نقطة، وبعد ذلك إذا مثلنا فروع القصيدة بأشعة منطلقة من مركز توازن القصيدة ومثلنا الشعاب الرئيسة والثانوية لكل منها كأشعة منطلقة من العقد للفروع، نكون بذلك قد حصلنا على تمثيل للقصيدة يبين كيف أن القصيدة تميل في بنيتها الفنية والجمالية والإبداعية إلى التوازن، والتوازن هو أحد أهم مرتكزات منهج النقد الاحتمالي .

الكلمة المنوالية:

وهي الكلمة الأكثر تكراراً في القصيدة وهي هنا (الربيع) الذي يمثل مركز توازن القصيدة أيضاً، ويمكن اعتبار كل نقطة من نقاط التوازن (اللون الأزرق، الجميل، السقوط، المستحيل، الحزن) كلمة منوالية إذ يمكن أن يكون في القصيدة الواحدة أكثر من كلمة منوالية، والكلمة المنوالية في القصيدة ذات أهمية بالغة، إنها تشير إلى مدى حضور هذه الكلمة في ذاكرة الشاعر ومخيلته، وتشير إلى مدى تأثيرها في نفس الشاعر حتى يكرر استخدامها بمعاني متعددة تعدد استخداماتها، والكلمة المنوالية تعتبر مفتاحاً أساساً للدخول إلى عوالم القصيدة وملامسة الحدوس الأولى لدى الشاعر أثناء إحداث المعاني وإنشائها في تراكيبه الشعرية.

النص الاحتمالي:

القصيدة مؤلفة من ستة فروع، ويمكن أن نعيد ترتيب هذه الفروع ب(720) طريقة وذلك يعني أنه هناك سبعمئة وعشرون قصيدة ممكنة، وكل قصيدة ناتجة عن إحدى إمكانات إعادة ترتيب فروع القصيدة،وهذه القصائد كلها قصائد افتراضية، لا يعترف عليها الشاعر، وإذا أخذنا بعين الاعتبار عدد إمكانات إعادة ترتيب الشعاب الرئيسة والثانوية في كل فرع فسوف نحصل على عدد هائل من النصوص الشعرية الاحتمالية. وكل نص من هذه النصوص هو نص واقعي لأنه نص ممكن وهو ناتج عن القصيدة الأم، لكن الشاعر لن يعترف إلا بالقصيدة الرسمية التي أشهرها رسميّاً للعامة في مجموعة شعرية. وإذا أجرينا تطبيقاً على القصيدة التي جاءت في مقاطع مرتبة على النحو ((1)، (2)، (3)، (4)، (5)، (6)) فلو أعدنا ترتيب المقاطع على الشكل ((6)، (1)، (2)، (3)، (4)، (5)) نكون قد حصلنا على قصيدة جديدة، لكن القصيدة الجديدة الناتجة ستكون مختلفة في بنيتها ومعناها اختلافاً جوهرياً عن القصيدة الأصل، لأن القصيدة على هذا النحو تبتدئ بطرح الخلاصات ثم يعود إلى عرض المقدمات، وهذا يضعف القصيدة ويجعلها مكشوفة بحيث تضعف الإثارة والقدرة على التأثير، كما يضعف عامل التشويق وتكون قد أعطت مفاتيحها سلفاً من دون أن تترك للقارئ أو الناقد متعة البحث عن المعاني المختزنة في مكنونات النص، من هنا نتيقن أن الشاعر لا يمكن أن يعترف بهذه القصيدة المتولدة عن النص نفسه .

 

مفيد خنسة

 

تنطلق هذه المقالة من إشكالية يثيرها كثير من دارسي الأدب حول مسألة "قيمة العمل الأدبيّ"؛ ماهيتها، مصدرها، ومحدداتها، فحين يتصدر المتلقي /الناقد / القارئ للحكم على النص يقع بعضنا تجاه العمل الأدبيّ في الانحياز والتقريظ، أو التطرف، أو المهادنة، أو التقويض، أو حتى المحو ...

في البدء ينبغي أن تتوافر في العمل الأدبيّ عناصره اللغوية والفنية وشروطه الموضوعية، حتى يخضع لتجربة القراءة والحكم والتقويم، وفي تقديري أن أبسط تعريف للعمل الأدبيّ وأعمقه هو ما كثفه " سيد قطب" في كتابه النقد الأدبيّ مبادئه وأصوله حين قال في معرض تعريفه للعمل الأدبيّ:" التعبير عن تجربة شعورية في صورة موحية" فإن توافرت فيه التجربة والايحاء يمكن الحديث بعد عن قيمته في إطار الجنس الأدبيّ الذي ينتمي إليه.

والقيمة أصلها (قِومة) من الجذر الثلاثي (قوَم)، طرأ عليها إعلال، وحينما نصدر حكما إنما نقوم بعملية التقويم، ويرد في المعجم العربي تعبيرات تحمل معنى التقويم من مثل:

قوّم المعوج: عدله وأزال عوجه. وقوّم السلعة: سعّرها وثمّنها. وقوّم الأخلاق: هذّبها وصححها. 

وللتقويم جناحان هما (التفسير والحكم) على حد تعبير مندور. وبعد هذا المحدد الشرطي يمكن لنا أن نتناول قيمة العمل الأدبيّ، ونتساءل عن منابعها، وعن علاقتها بالكاتب والمنهج النقدي والتجربة الشعرية، والإشهار ...

وفي اعتقادي أن ّكلَّ عمل أدبيّ يحمل قيمة ما، وإذا: فالسؤال ليس عن وجود قيمة لهذا "العمل الأدبيّ" أو عدم وجودها. ولكن السؤال الحقيقي يكمن في الكم والنوع والكثافة والحيوية والطزاجة ووجهة التقديم لتلك القيمة التي تتنزل في العمل الأدبيّ.

ومما لا ريب فيه أنّ القيمة تختلف باختلاف الزمن التاريخيّ؛ فما كان مقبولا في حقبة زمنية ما قد لا يلقى الاحتفاء والقبول في حقبة أخرى، والزمن هنا يُقدَّر بقدره، وكذا المكان بطبيعته وحيثياته.

كما تتبدّل القيمة بحسب القارئ وتوجهاته الأيديولوجية وخلفياته الثقافية، وحمولاته الفكرية، وتبدلالته النفسية، وحتى ذوقه ومزاجه.  وهذا أيضا له شأن كبير وخطير في الحكم على قيمة العمل الأدبيّ .

وكما ترتبط القيمة بالتاريخ والبيئة والمتلقي، فهي كذلك مرتبطة اشد الارتباط وأقواه بالمنهج النقدي؛ ومن يدرك خلفيات واختلافات المناهج النقدية النسقية منها والسياقية، التاريخية منها والحداثية وما بعد الحداثية يدرك حتما أهمية ذلك في التصاق العمل وقيمته بمنهج القراءة فيه.

ولكن هل ترتبط قيمة أيّ عمل أدبيّ بكاتبه؟

لهذا التساؤل تحفظّات وتحذيرات؛ فإن بعض الدارسين -ولا أقلل هنا من عددهم-يحكمون على قيمة العمل الأدبيّ بمجرد معرفة كاتبه، وهذا لعمري فخ يسقط فيه السطحيون والانحيازيون والتلقائيون.

إن ّلكل عمل خصوصيةً وظرفا واشتراطاتٍ لا ينبغي تعميمها، وإنني أزعم بوصفي قارئا للأدب ومطلعا على مناهج النقد أنه بمجرد أن تنطق باسم أديب (شاعر أو شاعرة أو روائي أو روائية، قاصة ...) أمام بعضهم يسرع في إطلاق الأحكام العمومية على أدبه بعامة، فإذا رحت تناقشه بعمق حول إشكالياتٍ ما في مسيرته الأدبيّة فهو أحد اثنين : أما أن يتراجع، ويحاول أن يكسر حدة حكمه،ويعدُك بالبحث مجددا، وإما أن يصر على حكمه السابق من باب " عنزة ولو طارت". وهذا كثير وذائع لا يُقلل من شانه، ولا مناص من تبيانه.

إن مجرد شهرة الكاتب لا توفر له مقومات الحكم على قيمة عمله الأدبيّ فضلا عن نقده وتقويضه أيضا .

وكما أنّ ثمة تباعدا ليس بالهيّن بين قيمة العمل وكاتبه، فإن الشُّقّة تتسع فيما يتعلق بحصوله على الجوائز أو سيرورته بين القرّاء.

وهنا يجب أن يكبح الدارس هواه، وأن يتحكم فيمن يهواه، فقد علمنا أن بعض الأعمال الأدبيّة قد انتشرت بين المراهقين والرومانسيين " بالمفهوم المتداول" في فترة ما من تاريخ الأدب العربي، وليس تحتها طائلة قيمة كبيرة . وليس مبتغاي هنا أن أقدح في قيمة بعض الأعمال بقدر إرادتي في أن أقدح ذائقة القراء .

- أين تكمن قيمة العمل الأدبيّ؟

سبق وأسلفنا أن لكل عمل أدبي قيمة ما ينتجها، بقصر النظر عن مدى التوافق معها أو الاختلاف فيها، وسواء اتفقنا مع كاتبها أو اختلفنا، وسواء أكانت  له قيمة  سالبة أم موجبة، وبل وأتطرف في رأيي هنا وأقول: إن العبث واللامعقولية في العمل الأدبيّ يعد قيمة في حد ذاته .

إن دور النقاد هو إبلاغ المتلقي وإرشاده وإقناعه إنْ عبر التبرير والتسويغ، أو من حيث التأكيد والإتباع، ولا غرو أن الرقعة هنا تتسع، والتبرير لا ينقطع، ولكل حجته الدافعة، أو المدافعة.

تنوع القيمة وسلطتها

بعض الأعمال الأدبيّة تنبع قيمتها من جمالية اللغة وفنية الصورة، ومخاتلتها وسيرورة "الشعريّة" في عروقها حتى إنها لتنبض، وتنتفض، وتسحر  وكأن القارئ حيالها كالمستكين المستسلم أو المتنسك الخاشع، وفيما أرى أن هذه القيمة الجمالية يجب أن تتوافر بدرجة كبيرة في كل عمل أدبيّ، وإنني لأجد خصاصةً بالعمل الأدبيّ تغض من قيمته إنْ لم تتحقق فيه تلك القيمة التي هي من أخص خصوصيات أدبيّة الأدب .

هل تكفي تلك القيمة العالية لتحقق سمة الخلود للعمل الأدبيّ؟

في رأيي أنّ ثمة قيما أخرى تتوزع، وتنتشر بدرجات متفاوتة عبر طبقات النص ومستوياته، قد لا تطفو على السطح، ولكنها تكمن هناك عميقا في بنياته الداخلية وأنساقه المضمرة، وخفاياه اللامتناهية، وضلالاته الغاوية من مثل: القيمة الشعورية، والقيمة الأخلاقية، والقيمة الإنسانية، والقيمة الفردية والقيمة التأريخية، والقيمة الاجتماعية، والقيمة الوطنية، والقيمة المعرفية، وقيمة المتعة أيضا .

إن قيمة الأعمال الكبرى تلك التي تبحث في المصائر الإنسانية، وتحقق قيمتي العدل والحرية في الحياة والكون، ولست أقصد أن يباشر المبدع تلك القيم ويعلنها، بل يُعرِّيها عبر استدعاء أو استعداء نقيضها الآخر عبر ثنائية الهامش والمركز.

يتبع الحلقة- 2- تطبيقات

 

بقلم د. خليل قطناني

كلية العلوم والدراسات الإسلامية/

 قسم اللغة العربية-فلسطين

 

 

منذر الغزاليللشاعر اللبناني ناصر زين الدين

تمهيد: منذ وعى الإنسان ذاته والمحيط الذي يعيش فيه، لاحظ تعاقب الفصول، واختفاء العالم النباتي في فصل الشتاء، ثم عودته في الربيع، ووقف مذهولاً أمام الموت... ما أوحى له بفكرة الانبعاث والولادة بعد الموت، وتجدد الحياة كما تتجدد الفصول. وكانت أولى الأساطير المكتوبة التي تشير إلى الإله القتيل الذي يهبط إلى العالم السفلي، عالم الموت، ثم انبعاثه من جديد هو تموز ابن الإلهة عشتارت وحبيبها، إله الخصب الذي بانبعاثه تتفتح الحياة ويبدأ موسم الخصب من جديد. انتقلت عبادة تموز إلى كل الحضارات بتجليات مختلفة تتناسب وتلك الحضارة، فكان تموز الكنعاني هو أدون، رب الحب والجمال، ابن عشتار، إلهة الخصب وزوجها، وكانت طقوس عبادته تقام في جبيل، وأدونيس الإغريقي وحبيبته أفروديت، وأوزيس المصري وأوزيريس....

تموز والاغتراب

تقوم أسطورة تموز على ثنائية الموت – البعث، فالموت أمر لا مفرّ منه، باعتباره النهايةُ الحتمية لكل شيءٍ مهما طال به الأمد؛ وفي المقابل البعث المتجدد الذي سعى الإنسان، منذ جلجامشَ السومريِّ، للظفر به، بشكلٍ أو بآخر، فأدونيس لم يمت؛ لكنه غاب ليبعث من جديد، حسب الأسطورة البابلية.

هذه الجدلية الثنائية، جدليةُ الموت والانبعاث، شكلت نبعاً لا ينضب لدى الشعراء، لما يحمله موت تموزّ من معاني الاغتراب بمختلف أشكاله؛ الإنسانية والسياسية والوجودية؛ وما يحمله انبعاثه من معانٍ مختلفة في كلِّ مناحي الحياة، لتجاوزِ الهوانِ على مستوى الوطن، الوطن الأرض، والبيت، والأهل...  والوطن الداخليّ، روح الشاعر وهواجسه وأفكاره وعاطفته...

وديوان "أدون  الشاعرالمغترب" للشاعر اللبناني المغترب ناصر زين الدين، يستلهم أسطورة تموزَ في حضورها الكنعاني "أدون" ليحمّله رؤاه الشعرية...

ها هو يقول عن نفسه في قصيدة (لعينيك):

"إنني آدون

استيقظتُ

بعد أن شربتْ شقائقُ النعمان من دمي

استيقظتُ وحيداً

أعانق الحياة من جديد"

إذا كان الناس يستقبلون عودة أدونيسَ الغائبَ بالطقوس، فتتفتح الحياة بعودته وتزهر زهور شقائق النعمان، فإنّ الشاعر يعود وحيداً، غريباً، كأنما لا ربيعَ في وطنه... هنا يبدأ بتحديد غربته، غربة الشاعر، و سوف تكون السطور التالية هي اقتفاء أثر هذه الغربة، وتلمُّس أهمِّ عناصرها.

أولاُ: الغربة في الوطن

لبنان هي موطن الشاعر، وبيروت هي مدينته التي عشقها وعاش في حناياها، خبر حنانَها، ثم عاش مأساتها وحروبَها:

يصف الشاعرُ فظاعةَ الحرب في وطنه بعيني أدونيسَ الذي انبعثَ؛ لكنْ بدل الربيع كانت الحرب، نقرأ في قصيدة (ضوضاء):

"أرى حاملاتٍ

تجوبُ طُرُقاً أُفُقيَّةً

إلى أعلى نقطةٍ، فتقفُ

في غرابةٍ

وأنابيبَ

تملأُ السماءَ

من صوبٍ إلى آخرَ

وأسمعُ ضوضاءَ لا تتركُ لي هدوءا...

هنا وهناك...

بريقٌ ثمَّ بريقٌ..."

ويكون أدون الشاعر شاهداّ على ويلات الحرب وضحاياها، يكمل في نفس القصيدة:

"أخافُ وأركضُ

من هنا... لا، لا، إلى هناك..

أضيعُ في ضوضاءِ الموتِ

رأيتُ أُناساً يركضونَ ويُقتلونَ...

وباباً

حاولتُ فتحَهُ

وكان من خلفِهِ

جثثٌ تُقفلُهُ ممسكةً بهِ".

ويتساءل في ذهولٍ، كيف تحوّلت بيروت إلى كلّ هذا الدمار:

"كيف خرجت (ميدوزا) من البحار؟

كيف هدّمتِ الأسوار

كيف حجّرت بعينيها الصغار؟

ووقع في متاهات الصراع

فتانا الجريح

في مقبرةِ اليتامى

وقعَ على الضريح"

ميدوزا، الأفعى التي تُحوِّل من تقع عليه عيناها إلى جماد، في إشارةٍ إلى العدوان الإسرائيلي على بيروت، ودمار بيروت وحصارها.

ثانياً: الغربة الحضارية

ميدوزا هي رمز السكون، وعدوةُ الحركة، السكون الماديُّ، والسكون الحضاري، توّقف دورةِ التجدد والانبعاث، الذي يمثله أدونيس، فالحرب في بيروت سببٌ لغربة الشاعر، لكن ليست الحربُ وحدَها، وليس خرابُ البيوت وحدَه، ولا العدوُّ الخارجيُّ وحدَه هو ما يعانيه الشاعر، في قصيدة (أنا عربي) نلمس وجهاً آخر لمعاناته:

"أتعرفونَ لغتي..

حروفٌ أضاعتْ نقاطَها...

عربيٌ...

وفي جُعبتي

رصاصٌ وبضعُ أطعمةٍ وترابٌ...

جسدي عارٍ

إلاّ منْ اهتراءِ الزمانِ

ووشمٍ.. ودماءٍ...

وقصَّتي

ردَّدَتْها جَدَّتي:

عِرضٌ.. وأرضٌ.. وحروبٌ...

في عتمةِ التاريخِ...

لا أدري

مكفوفٌ وأمشي...

عربيٌ أنا...

الموتُ يلتحفني

وشياطينُهُ

تُعلّمُني رقصتَها

صمتًا وبكاءً...

عربيٌ أنا...

وثوبي تشقَّقَ..

يتطايرُ في مسيرتِي

ويتمزَّقُ"

إنه التخلّف الحضاريّ الذي يؤلم الشاعر، ويغضبه، ويجعل بين حال وطنه المؤلمة، وبين حلمه بوطنٍ جميلٍ متحضّرٍ، هي غربةٌ أعمقُ من غربة أدونيس.

ثالثا: غربة المواطن في وطنه:

في قصيدة (في جعبتي) يتماهى الشاعر مع المواطن العربي الذي يشعر بالغربة حتى وهو في وطنه، الوطن الذي سلبه حكامٌ ظهروا كالنبت الشيطانيِّ في صراع الحروب، ودهاليز السياسة:

"في جُعبتي...

ليلٌ دونَ قمرٍ..

عَواصفُ

انتحابٌ للشجرِ...

غُرابٌ طارَ في النفيرِ

واستفاقَ

في صباحِ ليلٍ أسودَ

ظنَّ أنَّهُ أميرٌ

وغابَ بينَ الغيومِ"

هؤلاء الحكامُ الذين ظهروا من غياب عشتار، في ليل الوطن، وعلى أنقاض دمارِه  كالغربانِ، وظنّوا أنّهم أمراءٌ حقاً، ونهشوا الوطن كما تنهش الغِربان جُثةً بعد صراعٍ دمويٍّ.

من تجليات عشتار أنها سيدة القمر، للتشابه بين حياة المرأة الفيزيولوجية وإيقاع جسدها، وبين دورة القمر الشهرية، الذي يبدأ هلالاٌ في اول الشهر، ثم يكتمل بدراً في وسطه، ليتلاشى من جديدٍ، في آخر الشهر، ويبدأ دورةً جديدةً في شهرٍ جديد.

والشجرة هي ايضاً أحد تجلّيات الإلهة الأنثى، فأدونيس وُلد من ساق شجرةٍ، تمثّل عشتارَ، في الأسطورة الفينيقية.

رابعاً: الغربة الجسدية، المنفى.

في أكثرَ من قصيدةٍ يصف الشاعرُ غربتَه بعيني أدونيس، فتارةً هو البحّارُ الذي فقد السفينةَ، وتارةً هو الهارب من بلادٍ تأكل أبناءها الطيبينَ، وتهجّرُهم:

"سأسرق بعضَ الحروفِ

من لغتي

وأخبئها

في جرحي

وجسدي النازفِ

وأسبح أرضاً

خارج الحدود

هارباً من هويةٍ عربيةٍ

لأصبح نازحاً"

وتتضاعف مأساة الشاعر حين يقرأ أخبار وطنه، ويأسى فلا يجد في غربته من يشاركه حزنه، من يشكو له:

"وحيداً أبكي

في لغةٍ أجنبيةٍ غيرِ مفهومة

وقد رأيت ما حصل

أيصدقني أحد؟

وأنا الهارب من الوطن؟"

خامساً: الغربة الوجدانية

للحب في الديوان حضور دائم، بل الديوانُ كلُّه ديوانُ حبٍّ، وهو المسمى باسم إله الحب! لكنَّ قصائدَه الوجدانيةَ، التي يرسلها لحبيبته، لها حضورٌ خاصٌّ، وقصائد الديوان الوجدانية ليست مكرسةً لعشق امرأة، وإن كانت حاضرةً، فالشاعر يسمّي حبيبتَه: عشتارَ،  باسمها الصريحِ أو بأحد رموزها؛ وكما أنّ طقوسَ الحبِّ المقدَّسةِ في معابدِ عشتارَ، الحبُّ فيها يكون طقساً مقدّساً، يتضرّعون فيه الى للإلهةِ عشتارَ ، واهبةِ الحياة، في مواسم جْدِبهم، ومواسمِ خيرِهم؛ وكما أنّ عشتارَ الأسطورةِ هي الإلهةُ الأمُّ، يهرع إليها المؤمنونَ، فإنّ عشتار القصيدة، الحبيبةِ، هي المرأةُ الكليّةُ، الحبيبة التي تتضرع اليها روحُه ليستعيدَ توازنَه؛ وفي هذه القصائدِ تحضرُ الغربةُ أيضاً، وتكون مناجاةُ الحبيبةِ هي حلمٌ في اللقاء، أو وقوفٌ على الذكريات:

"تهربين أنت والقمر

وفي ليلتي الحزينة

كنت أجلس على مقعدي القديم

أتأمل سماءك

قمرٌ هو أنت

سابحةٌ في أسرار السماء

في الصفاء

في لهفة اللقاء

في تلألؤ النجوم"

ويرى بأن افتراق عشتار وأدونيس هو سببٌ لما آلت إليه حالُ وطنه، وأنَّ الخلاصَ يكمن في التقائهما من جديد؛ كما كانت عودةُ تموزَ من العالم السفليِّ، والتقائه بعشتارَ هو انطلاقةُ الحياة وبدء الربيع:

"يقوم تموزُ، بكفَّيهِ يحمل الصغارَ

يصيح (عشتارُ... عشتارُ)

تعانقا

كالبدر في ساحة السماء

يعانق المساءَ

بين أنقاض المدينة"

سادساً: غربة وجودية

الاغتراب من طبيعة الإنسان، نجده في آداب الإنسان منذ أقدم عصوره حتى الآن، هذا الكون وما فيه، والطبيعةُ والانسان ذاتُه، والموت والحياة، كلُّها عناصرُ تشكّلُ لدى الإنسان قلقاً وجودياً، وتتركه معلَّقاً على حبال أسئلةٍ يحاول أن يجد حلاً لها، بدءاً من الأساطير الأولى، ولا يزال يحاول أن يستعيد توازنه في الفنون والآداب....

هذا الاغترابُ الوجوديُّ هاجسٌ لدى الشاعر ناصر زين الدين، نراه في قصائده مبثوثاً متفرقاً، لكنه لا يخفى. في قصيدة (هجرة القمر) يقول:

"ليلٌ

دمعه شحوبٌ....

باكٍ

يراقصه الشجر

أحبّ

حلم الوجود....

صراعٌ

في دنيا البشر

ضبابٌ

عند الغروب

فكانت هجرة القمر"

ويكمل في القصيدة ذاتها:

"أنا فتى الليل

ابن الظلام....

صارعت الزمان حيناً

ثم القدر"

وينهي القصيدةَ بهذه الخلاصة التي تعبّرُ عن قلقه وغربته الإنسانية في عالمٍ يسوده الصراعُ:

"هاجر القمر

حين رأى صراع البشر"

وقلق العجز أمام هذا الوجودِ الذي يثقل روحَه الشفافةَ:

" أمواجٌ

تصرخُ في الزمنِ..

والمحن

لا تَلقَى

سوى آدونَ

بحّارٌ

كالقبطانِ

لكنّه دون سفينةٍ

كأسطورةٍ

عانقتْ حزنَ الوجودِ

رهبةً دون حدود

رهبةَ النوى

وصرخةَ الأمواجِ في العاصفة.."

إنه العجز الإنسانيّ أمام وجودٍ يأبى أن يُحْكَمَ، وإن ظنّ الإنسان أنه أحكمَ قبضته عليه بما أنجز من علوم، فإذا به كلما تجاوز لغزاً، وُلِدت ألغازٌ جديدة، ليظل الإنسان في دائرة عجزه، يحاول الفَكاك من شبكة الأسئلة بأسطورةٍ تُبنى على أنقاض أسطورة.

سابعاً: الابن المخلّص

تموزُ الذي مزَّقه الخِنزيرُ البرّيُّ، وأزهرتْ من دمائه شقائقُ النعمانِ، واصطبغ َبلونها نهرُ إبراهيمَ، لم يكنِ الموتُ خاتمتَه، بلِ الإيذانُ بانبعاثه، وتجدّدِه، ليُعيدَ للأرض خصبَها وللحياةِ رونقَها، ولِيبدّلَ طقوسَ الندبِ والبكاءِ، بطقوسِ الفرح والحبِّ؛ واستعارةُ أدونيسَ في الشعرِ هو لبثِّ الأمل، واليقينِ بأنَّ الفناءَ ليس قدراً، وأنْ لا شيء يفنى؛ لكنّها دورةُ الحياة؛ كما يأتي خريفٌ وشتاءٌ، سيأتي ربيعٌ وتُخْصِبُ الأرضُ من جديد؛ وتموزُ الذي يمثّلُ تجربةَ الاغتراب، يمثّل، في الوقت ذاته، تجريةَ الانعتاق؛ في صعوده من عالم الاموات، وبعثِه وقيامته، صورةٌ من صورِ الحرية والتجدد. من هذا المعنى لأسطورة تموز، نجد الشاعرَ زين الدين ينهيَ الكثيرَ من قصائده بإشارةٍ إلى الانبعاثِ  والخلاصِ، والغدِ القادم ، نأخذ إشاراتٍ من خواتيمِ قصائده التي تبثُّ اليقينَ بعودة تموزَ والخلاصِ، مثل:

"النورس سيعود

يحمل في فمه حبة قمح

رسم عليها البقاء"

سنبلة القمح، هي رمزٌ آخر من رموز عشتار، إلهة الخصب، وجدت تماثيلها وأختامها تحمل سنبلة القمح بصور مختلفة. وتموز الذي هو امتداد للإلهة الأم، يبشر بالخصب القادم، والنماء، كما بشرت حمامة نوح بنهاية الطوفان.

ومن مثل:

"لكنني...

ما زلت أتنفس

وما زال هنالك إلهٌ

وبعضٌ من آلهة الشرق

ما زلتُ أزحف

والشاهدة رُفِعت على قبري

قبل أن أموت

وما زال هناك

إلهٌ ينبض في جسدي"

وكذلك:

"أكاد أرى عينين تسجِنان جنة القمر

يفيض من جفنيهما كوثرُ السَّحَر

قطرةً فقطرةً

وتنبت بيروتُ

ربيعاً من الأنقاض"

علمنا أن القمر هو صورة عشتار في الأسطورة القديمة، وأن عشتار هي ربة الينبوع تسقي الزرع بجرّتها، وتتفجر الينابيع في الأرض، كما يتفجّر الحليب من ثدييها، فترتوي الأرض وتنبت، كما يرتوي الرضيع وتكتمل دورة خلقها.

خاتمة

الدروب في ديوان الشاعر ناصر زين الدين متفرعةٌ، متشعبةٌ متداخلة، كأنّه قصيدةٌ واحدة، أسطورةٌ جديدةٌ عن الإنسان في غربة وجوده، وغربة وطنه، وغربة حضارته... لكنْ لا بدّ أن يتوقف الحديث.

في الكلام الجميل، في رغبة الحديث وسحر المتعة، يكون الوقت  سجناً أقسى من الصمت.

الديوان بيدر نجوم، في سماءٍ من رموزٍ ونُتَفِ أسطورةٍ، وبوحٍ وجدانيٍّ، يمضي بين الأسطورة وبين الواقع، يمتزجان حيناً، يفترقان أحياناً، لكنّي وأنا اغوص في كلمات الديوان كنت أشعر أني أحيا، بالفعل، في زمن الأسطورة.

 

بقلم منذر فالح الغزالي

 

قاسم محمد الياسريالقصير في مجموعة أفلام قصص عراقية

وفق قاعدة الذاكرة البصرية التي تسهم بترسيخ المعلومة في ذهن المشاهد ولأول مرة من على شاشة القناة الإخبارية العراقية يطل علينا صوت المبدع سيد الفلم الوثائقي الأنثربولوجي القصير(روبرت فلاهرتي العراق محمد خليل كيطان) بسلسلة أفلامه الوثائقية الأنثروبولوجية القصيرة مقدماً بارعاً وفارس من فرسان الابداع المخضرمين الرواد في الصحافة العراقية بفديوهات رقمية حديثة او بروبرتاجات قصيرة ترتقي لمستوى أفلام وثائقية قصيرة جدا تتناول قصص عراقية واقعية وتاريخية تذكرنا بأحداث وحكايات شعبية حدثت في مجتمعنا في أماكنها وأٔزمانها بوقت لا يتعدى العشر دقائق أو أكثر بقليل وتتميز قصص عراقية التي قدمها وأبدع بصناعتها المبدع المتميز محمد خليل كيطان ذات صلة بتاريخ مجتمعنا من خلال الاطلالة على روح العصر وثقافته وحداثته في اشتغاله على مادة الفلم ذات العمق الانثروبولوجي كالثقافة او العادات او التقاليد اوغيرها من ألمصنفات الإنثروبولوجية لمجتمعنا العراقي بكل مصنفاته كمجتمع بسيط قبلي أومركب حضري منوع ..ويعد الفلم الوثائقي القصير ظاهرة إعلامية جديدة في صناعة الوثائقيات بأساليب حديثة نسبة مشاهديها عالية ..لأن العثور على فلم وثائقي أسهل بوجود التكنولوجيا الرقمية التي تقوم عليها فكرة الوثائقي القصير من الاختصار فهو لا يختلف عن الفلم الوثائقي التقليدي ويعمل على إيصال رسالة للمتلقي في سياق مقتضب لايؤثر في المضمون ولا باطاره الزمني القصيركي يكون ملائما مع شبكات التواصل الاجتماعي الحاضنة له والتوجه برسالة توجيهيه قائمة على قواعد وإستراتجيات صناعة المحتوى بسيناريو جذب إنتباه المتلقي كما فعل زميلنا محمد خليل كيطان كصحفي مبدع معداً ومصوراً ومعلقاً ومنتجاً ثم مخرجاً،من خلال تقديمه ماهو جذاب إبتداء من عنوان الفلم وصورته مرورا بمقدمته وحبكته السردية وحتى نهاية الفلم واليوم بات واضحا في العروض والبرامج التي إعتمدتها قنوات شبكة الاعلام العراقي بادارتها المبدعة الجديدة ومنهجها الرائع في برامجها بعد فترة ضمور ونكوص طويلة للاسف ومن ضمن ما إعتمدته للمساهمة في بناء العراق العظيم ولعكس صورته المشرقة هوإعتمادها عرض أفلام الاعلام الرقمية الوثائقية الإنثربولوجية القصيرة وهو نوع جديد من المحتوى الاعلامي وتشجيعا لهكذا صناعة متميزة تساعد في ايصال الرسالة الاعلامية للجمهور بشكل أكثر فعالية من الاساليب التقليدية المعتمدة في العمل الصحفي وكذالك التشجيع على الاخذ بروح المبادرة والتفكيرالابداعي للوصول الى الافكار والاساليب المبتكرة في صناعة وانتاج والبحث في الفلم الوثائقي القصير بعيدا عن التاثر بالاساليب والافكار التقليدية مع التاكيد على الالتزام بقواعد العمل الصحفي وقواعد الصناعة الوثائقية وتسليط الضوء على ظاهرة الافلام الوثائقية القصيرة الرقمية كظاهرة اعلامية مستحدثة تؤكد على أهمية صناعة الوثائقي القصير بشكل يجعله متلائما مع خصوصية وفهم طبيعة المشاهد في وطننا العراق ونجاح التجربة وتحقيق الهدف في مواكبة التطور في المجال الصحفي والاعلامي . ومن هكذا باب يعمل الزميل المبدع محمد خليل كيطان من حيث العمق والبساطة التي تناولها في توثيقه لقصص عراقية في سرد وسياق تفسيري يسلط الضوء فيه على نقاط الاستفهام بطريقة أرشيفية وبايقاع سريع يتناسب مع جمهورعصر السرعة وبسرد بسيط لكل العينات التي اختارها المبدع الزميل محمد وبشكل يجعلها ملائمة للمشاهدة لفترات طويلة فاعتمد المبدع محمد خليل كيطان باسلوبه لصناعة التوثيق على عنصر لابداع بالتشابه مع أغلب القوالب والاشكال الصحفية الحديثة التي تقوم على التفكير الابداعي كصحافة البيانات كمثال للإعتماد في تحقيق النجاح وهو يملك آفاقا واسعة من التفكير بشكل إبداعي لإختيار الإسلوب الأنسب للفلم إستنادا لطبيعة الجمهور والقصة التي يسردها والرسالة التي يود إرسالها من خلال التلفزيون ومنصات التواصل الاجتماعي وطبيعتهما لأن الفلم الوثائقي القصير في بيئته يعتمد أحد القوالب الجديدة كالغرافيك الذي يستخدم في الاعلام الحديث على نطاق واسع كعنصرتعويضي بل أساسي في حالة غياب الصورة لمكونات الفلم.فالمبدع محمد خليل إعتمد على الكرافيك بشكل جوهري في بناء مجموعة أفلام قصصه عراقية وثائقية رائعة بسردها وعرضها علينا حيث ساعده الغرافيك على إحتواء موضوع القصة في المدة الزمنية القصيرة للفلم وهذا يعني أن حبكته السردية ليست مجرد حبكة مكتوبة فقط بل يصاحبها تصوريساعد على رواية القصة سمعيا عبرالنص المكتوب للفلم أسفل الشاشة وبصريا عبرالغرافيك بتفاصيل الواقعة كعنصرإحتواء لتكوين القصة الفلمية بإعتبار هذه الصورة العنصرالاساسي لبناء الفلم الوثائقي وإيصال المعلومة القصصية والتي يعتمدها راوي الفلم أو المقدم في سرده لقصة الفلم وتفسيرها وتسليط الضوء عليها حيث أن الغرافيك يؤدي دورا في تركيز ذهن المشاهد سريعا على أحد عناصر القصة التي أبدع المبدع محمد خليل كيطان في إبرازها للمساعدة في السرد بشكل سلس للمشاهد وفق القاعدة التي أشرت إليها بداية موضوعنا هذا حيث لجأ المبدع الى بناء هوية بصرية ساعدته على السرد للحقيقة سمعيا عبرما قام به في روايته لقصة الفلم وبصريا عبرالغرافيك وقد إستعان الصحفي المبدع محمد خليل بالعناصرالتي تدلل على المعلومات الواردة في القصة وفق عنوان الموضوع نفسه وقد أعطي أفلامه الوثائقية القصيرة (قصص عراقية) أهمية بصرية جاذبة بالشكل الذي جعلها ملائمة للتلفزيون وجميع شبكات التواصل الإجتماعي الرقمي في الإعلام الأمرالذي جعل من أفلامه الوثائقية وخاصة قصص عراقية مندرجة في خانة المنهج الإدائي الذي يتسم بالإبهار الشكلي كعنصر من عناصر الفلم الوثائقي القصير.وحرص المبدع محمد خليل كيطان بأفلامة الوثائقية القصيرة على الاستفادة من كل ثانية في وقت الفلم حيث يلجأ في سرد المعلومات المتشبعة ببلورتها بأشكال توضيحية للمشاهد وفق مايساعد على سرد القصة بالشكل المطلوب وكذالك إستعان المبدع بالنص المصاحب ألا وهوالسرد المكتوب أوالترجمة كسمة بارزه من سمات المحتوى المرئي تظهر أسفل الشاشة بالتزامن مع الكلام الوارد في قصة الفديو وهذا يستخدم بكثرة اليوم في الافلام الوثائقية القصيرة مع العناصرالتي يرغب بإبرازها المنتج أوالمقدم للمشاهد في سياق القصة وقد لجأ المبدع محمد للاستعانة بعناصرعديده ساعدته على تفسير المعلومة وتقديمها بشكل مبسط وإنسيابي للمشاهد بمنهج تفسيرية إعتمد على التعليق الصوتي لأنه مفضل في إنتاج الافلام الوثائقية التلفزيونية ومن ناحية الإداء إعتمد على الابهار الشكلي في إستخدام أدوات التعبيرفي المونتاج وفق السرد بطريقة حيوية مفعمة بالمشاعروالايقاع في التعليق الصوتي الذي قاد السيناريووالراوي لسرد قصة الفيلم وتقديمها للجمهوربإعتماد عناصرالمنهج التفسيري لإنتاج الفلم على الارشيف ووثائق الغرافيك وهكذا حرص المبدع محمد خليل كيطان على إيصال رسالته الفنية والعلمية والبحثية إلينا من خلال أفلامه الوثائقية القصيرة جدا بعنوان قصص عراقية.ونحن اليوم بعد هذا الانجازنفتخر بزميلنا المبدع محمد خليل كيطان التميمي ابا صادق على هذا العطاء والإبداع وكما عهدناه هو مبدعا منذ كان طالبا وسكرتيرمجلة عشتار في جامعة بغداد وكما وصفه زميلنا وصديقنا الرائد الصحفي الإستاذ صادق فرج التميمي في موسوعته (صحفيين بين جيلين) إعلامي ملم بجميع الفنون الصحفية وبإحترافية عالية ككاتب مقال رائع ومصمم ذكي ومصور مبدع ومحقق مميزومذيع مونتير ومخرج أفلام وثائقية ورائد من رواد الصحافة الالكتونية الحديثة قدم الكثير من الدروس العلمية المجانية للمبتدئين وطلبة كليات الاعلام والدوائروالمؤسسات الحكومية حصل في العام 1987 على الدبلوم في هندسة المساحة بمعهد التكنلوجيا في بغداد توَج دبلومه العلمي هذا في العام 1999 بالحصول على البكالوريوس في الاعلام بكلية الآداب ــ جامعة بغداد مُتخصصا في الاذاعة والتلفزيون لايهدأ أبداً ولا يَكف عن التعلم والمثابرة والابداع زميل ذكي ومحبوب ذا خلق رفيع وطيب المعشر خفيف الظل وسريع البديهية تلميذ نجيب بحضرة الصحفيين والاعلاميين الرواد مثل الدكتورالفيلسوف طه جزاع والمعلم الكبيرزيد الحلي والدكتورأحمد عبد المجيد وعبد الستارجواد وعبد الرزاق الدليمي وآخرين من سلسلة طويلة من الزملاء والاساتذة المبدعين في عائلة صاحبة الجلالة.وختاما أقول هكذا عرفنا الزميل محمد خليل كيطان التميمي معطاء يمتلك موهبة الابداع في دمج وخلق أشياء تبهرالناظروالمتذوق لفنه وهو يحمل مجموعة من القيم التي يسعى جاهدا في حياته للالتزام بها كونه يعمل في مجال يتيح له تحقيق هذه القيم والاهداف الشخصية وهو الهادئ المتحفظ محترم حساس في تعامله يميل لمساعدة الاخرين وجعلهم يشعرون بالسعادة والرفاهية ومن نوع الذي يضع جهده وطاقته في اي عمل يؤمن به وهو ذا صلة عميقة يقدر الجمال والفن غيرتقليدي ومستقل يسعى للحصول على لحظات حياة جميلة دائما وفقه الله..

 

د. قاسم محمد الياسري

 

 

قلولي بن ساعدمن تيهرت إلى لوس أنجلوس  قراءة وجه الآخر عبر الرواية

في جزائر اليوم وهناك في الأقاصي النائية والمداشر والقرى والأرياف البعيدة عن المدن الكبرى والعواصم الكبرى والفضاءات الكبرى.

أصوات إبداعية أخرى هي أصوات الهامش أو "الهامش اليقظ" بتعبيرالمفكر المغربي عبد الكبير  الخطيبي  تكتب نصوصا  روائية هي أشبه بما كان يسميه فيليب سولزر "النصوص التخوم".

لم يتسن  لها بعد المرور إلى القارئ بكرامة تنتظر من يأخد بإيديها دون أدنى التزام بإشارات المرور الحمراء أو بحق "الفيتو" للإعلان عن "هويتها النصية " .

ومن الأهمية بمكان الإنتباه إليها وفسح المجال لها دون شرط أوقيد غير شرط الحد الأدنى من الإبداعية الواجب توفرها في أي نص روائي يروم البقاء والإنخراط في تمثل هموم الذات والوجود والكتابة .

وهذه تحديدا مهمة القائمين على دور النشر التي يقف وراءها ويديرها مثقفون قبل سنوات قليلة كانوا هم الآخرون يبحثون عن  ناشر يتولى نشر مخطوطاتهم النائمة في مكتباتهم الخاصة .

ومن هذه الأصوات الروائية يقفز إلى الذهن صوت روائي من نواحي عاصمة الرستميين تيهرت .

وبتعلق الأمر هنا بالروائية الشابة  صفاء  دراجي وهي شابة لا تزال طالبة في الطور الثانوي من التعليم .

ومع ذلك فقد أصدرت سنة 2020 عن دار تسنيم بالجزائر العاصمة رواية بوليسية أستوحت أحداثها من  بعيد هاك في الولايات المتحدة الأمريكية .

ولاشك أن الرواية البوليسية بوصفها نوعا ثقافيا طارئا على الثقافة العربية التي لم تعرفه لا في الماضي ولا في الحاضر   يكاد يكون نادر الحضور  في الفضاء الثقافي الجزائري.

ومن نتائج ذلك لا تتوفر مدونة الرواية الجزائرية فيما أعلم سوى على نص روائي وحيد صدر قبل صدور رواية " الجرائم المدفونة " لصفاء دراجي وهو نص " نبضات آخر الليل " للروائية نسيمة بولوفة .

وهو أول عمل روائي يتخذ من التقنية البولبسية مجالا للكتابة الروائية لحد وقوع الرواية بكاملها ضمن نمط الرواية البولبسية .

وهي نسيمة بولوفة وصفاء دراجي ينطلقان في تشييد البناء الروائي لهما من العدم بالنظر لعدم توفر مدونة الرواية الجزائرية  على تراث روائي بوليسي يتكآن عليه وهو جهد منهما يستحقان عليه كل الثناء والإشادة .

ولا علاقة لهذا الكلام بنوع  من التعميم المفرط الذي ينكروجود أعمال روائية إتخذت من التقنية البولسية في الكتابة الروائية مجالا لجزئية أو مكون محدد من مكونات الكتابة الروائية .

مما يعني أنه لا يخلوا التراث الروائي الجزائري من هذه التقنية البوليسية كجزئية بسيطة في رواية وجودية أو تاريخية أونفسية   لم تأخذ طابع الرواية البوليسية بالكامل كما هو الشأن في رواية  ( كولاج ) لأحمد  عبد الكريم و( البطاقة السحرية ) لمحمد ساري .

وهكذا فنحن مع صفاء دراجي في ي روايتها ( الجرائم المدفونة ) .

أمام معالجة جديدة في قراءة وجه الآخر الغيري (أمريكا ) الذي لا يخلوا من إنتهاك للقيم الإنسانية الغائبة بين أفراد المجتمعات التعددية التي تحاول التغطية عليها سياسات التعتيم عبر خطابات فضفاضة عن التعددية الثقافية التي لا وجود لها سوى كخطاب مفرغ من جدواه ووظيفته الحية .

هذا ما جعل الروائية تختار فضاء آخر هو الفضاء الأمريكي لتدور فيه أحداث الرواية طالما أن الأمر يتعلق برواية هي الرواية البوليسية بالنظر لعدم توفر الفضاء الإحتماعي الجزائري لنوع معين المحققين المستقلين عن المؤسسات الأمنية كما هو الشأن بالنسبة لجيسكا المحققة التي تولت البحث في ملابسات الجرائم التي حدثت في المحيط العائلي للسيد كيم ديزار وبطلب منه

ثم سرعان ما تعرضت هي نفسها للقتل بنفس الطريقة التي تعرض فيها للقتل عدد من أفراد أسرة كيم وأقارب زوجة إبنه  إدوارد .

ومما لا تخطئه بصيرة القارئ لهذه الرواية فحتى أسماء الشخوص التي إتخذت منها الروائية عينات لشخوص تخييلية  هي أسماء من صميم النسيج الإحتماعي الأمريكي .

وكان يمكن على سبيل المثال ربط بالنص بحاضنته العربية و إختيار أسماء لشخوص روايتها من مجتمع المهجر العربي في أمريكا  للدلالة على عدم قبول الآخر في المجتمع الأمريكي رغم تعدديته الظاهرة وهو الأمر الذي لم يحدث .

هذا شأن الروائية ولا دخل للقارئ فيه وليس من حق الناقد والقارئ أن يوجه الروائي الوجهة التي يريدها .

رغم أن الأمر يتعلق بحق القارئ / القارئ العربي على وجه الخصوص في مطالبة الروائية  في " تبيئة " الكتابة الروائية بربطها بحاضنتها الإجتماعية وسياقها الثقافي .

ومن ثم إختبار قدرته أي القارئ / الناقد في التأويل والتفسير لنص خرج عن سلطة الكاتب وهو الآن بين يدي القارئ لتلقية التلقي الذي بينسجم مع مؤهلاته الذاتية في القراءة والتلقي .

وقد يزول العجب والتساؤل عندما نعلم أن هذا العمل الروائي هو باركورة أعمالها الروائية بالنظر لصغرسنها .

وهو بمثابة إعلان عن شهادة ميلادها الإبداعية ومن الطبيعي جدا أن يحمل معه عثرات البداية ككل البدايات التي لاتجيء مكتملة التكوين، .

وبالتالي فالحكمة تقتضي أن يتم التغاضي عن بعض العثرات والهنات بوصفها  لا تزال على عتبات البداية بأن  تحاول الإستفادة من هذه العثرات وتداركها في المستقبل، وهنا تكون مساحة التسامح النقدي مع النص أوسع وأرحب .

وعلى الصعيد الفني   لا تخلوا الرواية من بلاغة وصفية   في جنوح مخيال الكاتبة إلى السرد الوصفي وإنفتاح مخيالها السردي على المعجم الفني  المناخي رغم أن هذه الأجواء والتقلبات الطبيعية هي أقرب إلى حاضنة الكاتبة الإجتماعية ولا صلة لها بالطبيعة الأخرى في بلد الآخر الذي هاجر إليه هذا النص .

يبرز ذلك جليا في عدد من الجمل الوصفية فبينما كانت المحققة جيسكا تفكر في وفاة ثلاثة نساء بنفس الطريقة " حل الصباح ومازال الجو على حاله أمطار غزيرة ورياح قوية "

"صباح ممطر وبرد قارس ظلام دامس يعم مدينة لوس أنجلوس "

وهي الأجواء نفسها  التي تميز مدينة تيهرت  مسقط رأس الكاتبة الباردة شتاء الممطرة خريفا .

والنتيجة أنه عندما كانت الروائية تستدعي مناخ مدينتها فهي لم تفعل ذلك بغرض إحداث  نوع من المفارقة في ذهن القارئ بل الذي فعل ذلك هو (لاوعي في النص ) أو لاوعي اللغة بالمعنى البسيكولوجي .

أسوق هذا المثال وفي ذهني أن بعض النصوص هي التي تكتبنا ولسنا نحن الذين نكتبها  وحتى عندما نريد ذلك فإرادة المعنى لا تستجيب سوى لعدد محدود من القصدية التي نضعها كأفق إبداعي في نص قيد التشكل .

كما لا يخلوا ايضا هذا النص الروائي من الحوار المتواتر بين المحققة جيسكا وعدد من أفراد عائلة كيم  كشقيقة إدوارد تيريزا و خادمة البيت ليانا وغيرهما .

مما يتطلبه عمل المحقق عندما يريد أن يطرح أسئلة دقيقة على المحيطين بالضحايا رغبة منه في الكشف عن ملابسات الجريمة والجرائم المرتكبة ضد بعض الضحايا .

ولأنها كذلك فقد إستطاعت الروائية في رواية لا يتجاوز عدد صفحاتها ثلاثة وستون صفحة وهو الجزء الأول من الرواية تشكيل عالم الآخر الأمريكي  بتناقضاته مع الخطاب الرسمي  في إمريكا وفق مخيالها الطبيعي .

بالرغم من عدم خروجها عن المعتمد في الرواية البوليسية وإختيارها لنسيج إجتماعي بنت عليه عملها الروائي هو النسيج الإجتماعي  الأمريكي  وهذا يحسب لها لا عليها.

ومن هنا كانت حاجة الروائية إلى إخضاع العقدة السردية إلى التأزم أكثر فأكثر أكثر من حاجتها إلى البحث عن حل مثالي طالما الأمر يتعلق برواية هي الرواية البوليسة.

فتركت فرق البحث والتحقيق يعجزون إلى الوصول إلى المجرم الذي إرتكب كل هذه الجرائم بما يتناغم مع العنوان الذي وضعته لروايتها وهو " الجرائم المدفونة  " بوصفه " عتبة نصية " بمفهوم جيرار جينيت يقرأ النص في ضوءه .

أسوق هذا الإستنتاج النقدي بنسبية مؤقتتة في إنتظار الجزء الثاني من الرواية .

وهو ما يعد في نظري إقترابا من إحدى مفاهيم النقد الروائي كما تمثلته تجربة تيار الرواية الجديدة في فرنسا على الصعيدين التنظيري والروائي  الوارد في هذا المثال على لسان آن روب غرييه القائل :

أن الرواية " ليست حلا لمشكلة بل هي نتيجة الشعور بوجود مشكلة وعدم القدرة على حلها "

 

قلولي بن ساعد

 

 

صالح الرزوقتعود فكرة الميت الميت الحي في الرواية لعدة نسخ وعدة أشكال. لكن أشهرها هي شخصية فرانكنشتاين Frankenshtein لماري شيللي والتي صدرت بطبعتها الأولى عام 1818، ودخلت مباشرة على خط الصراع التقليدي الرومنسي بين مشكلة المعرفة والإيمان. ومن المؤكد أن شيللي لم تقترب من الموضوع السياسي لعصرها، ولذلك بقيت بعيدة عن أي مباشرة اجتماعية، وركزت كل كلامها حول مجموعة ثنائيات أو تقابلات لتطوير الحبكة، ومنها عدم قدرة الإنسان على الحياة بمفرده وضرورة خلق قنوات للتواصل.. إنسانية عامة (أن تكون وسط بيئة حاضنة) وبشرية خاصة (أسرة من امرأة ورجل وأطفال). وهذا هو السبب الحقيقي لتمرد المخلوق المرعب على صانعه وهو الدكتور فكتور فرانكنشتاين.

بالمناسبة هذا الاسم يعود لطبيب جراح شاب اهتم بمشكلة البعث والنشور وبحث عن أسرار الخلود (على طريقة البطل الملحمي الرافديني جلجامش).

لاحقا ظهرت من العمل نسخ معدلة آخرها فرانكستاين  Frankissstein لجانيت ونترسون Jeanette Winterson.  وبها رفعت سقف مطالب مخلوقها الاستثنائي والمرعب، وجعلته نافذة ننظر منها على مجتمع ما بعد - بعد الحداثة. عدا عن تحطيم الشكل التقليدي للحبكة، والتعبير عن الوجود من خلال الفراغ أو بواسطة  تحريض وتنشيط عمل الذاكرة، اختارت أن تضيف إنجازات الصناعية الصغرية في إنتاج المارد، تمهيدا ليواجه أعتى قضايا الألفية الثالثة: مثل الذكاء الصناعي وتبديل الجنس والتمرد على التصور التقليدي للعلاقات بين أفراد المجتمع من جهة والسماء من جهة أخرى. 

ولكن هناك نسخة مزامنة لرؤية شيللي. وهي مثلها تلعب على مسارين: الحب وتلازمه مع الخوف. وأشهر الأمثلة دراكولا لبرام ستوكر التي صدرت عام 1897. وهو مصاص دماء مشهور، ينام نهارا وينشط ليلا. وهذه إشارة واضحة لدراما النور والظلام والصراع الأبدي بينهما كتمثيلات مباشرة عن فكرة الخير والشر. غير أن لدراكولا مضمونا طبقيا، فهو كونت - من طبقة النبلاء. وفقد سلطته بصعود الرأسمالية واندحار الإقطاع. وبما أنه أضعف من أن يعتدي على الطبقة الصاعدة اختار ضحاياه من بين العامة. وتطور دراكولا لاحقا لشخصية زومبي الذي لا يكتفي بدم الضحية بل يستهدف كل شيء فيها.. اللحم والعظم، الأطراف والرأس،  القلب والصدر. باختصار تحول لميت يفرض فلسفته على مجمع الأحياء دون أي شفقة أو رحمة. وباعتقادي هو وريث حركة نهوض أدب الرعب (الأدب القوطي) وليس أدب التشويق (المغامرات والمطاردات الليلية - كما في أشباح والتر سكوت وما يضاهيه)، ويعبر عن مطامع الإمبريالية بالسيطرة والتوسع لدرجة الاستعباد.

وبدمج كل النسخ السابقة وصلت إلى أدبنا العربي صورة مرعبة ومثيرة للشفقة بآن واحد. وتجدها في  (فرانكنشتاين في بغداد) لأحمد السعداوي. وقد صدرت في بيروت عام 2013، وحصدت على الفور تقديرا منقطع النظير. واتفق سوق الرواية العربية والغربية على تتويجها بعدة جوائز لأنها بإجماع الآراء تمثل نقلة نوعية في أسلوب ومضمون رواية ما بعد الاستعمار. وباعتقادي الشخصي إنها عمل وطني يبني على رموز من المخيلة الجماعية. واختار السعداوي لروايته إدارة حبكة مستديرة، وفيها يتعهد الميت التراكمي (المصنوع من ترابط ضحايا مجهولين)  بالانتقام من قاتليه.

2517 قصي عسكرولم تنفرد مغامرة السعداوي بكل المشهد، وفي أدبنا الحديث أمثلة متعددة على شخصية المسخ والقزم والشهيد الذي يستعذب الموت لأسباب متنوعة (انعدام الحرية أو الفقر الأسود إلخ..). وأذكر من هذا النوع: حارس الموتى لجورج يرق (2015)، وآخر من شبه لهم لأديب النحوي (1991) وغيرها. وهي أمثلة أخيولية، بمعنى أنها تتخيل الواقع وتبنيه على أساس الاحتمالات. بلغة مختصرة تدخل في عالم الممكن. وما يبرر لها ذلك أنها تريد التبشير بحياة أفضل، وقد غلب عليها التفكير النضالي والسياسي، ولم تقف عند حدود الأحوال الاجتماعية بعمومياتها.

وأهمها رواية (شيء ما في المستنقع) لقصي الشيخ عسكر (صدرت في دمشق عام 1991)، وتدور فكرتها حول شاب يكتشف في مستنقع قريب من بيته أجزاء تعود لجثة. وبالبحث عن بقية الأجزاء يكتشف أنها جثته.  وغني عن القول إن الحبكة وجودية. فهي تفترض أن الحياة راكدة كمياه المستنقعات، ولا شيء جديد، والإنسان تحول لشيء في مجتمع مجرم وبارد ويفتقد للعواطف الإنسانية. ولا تجد بالرواية فرقا يذكر بين المدينة والمستنقع. كان كلاهما كناية أو مجازا عن حالة موت سريري.

وتتطور هذه الحبكة لاتهام الشاب بالجنون، ومحاكمته، ثم هروبه مستغلا اندلاع حريق هائل يحاصر المدينة.

أكثر ما لفت انتباهي في الأحداث أنها بعيدة عن فكرة فرانكنشتاين. فأجزاء الميت لا تعود للحياة، والشاب لا ينوي على الانتقام. بالعكس حاول الشاب تحذير أبناء مدينته من عواقب الإهمال، وذلك بلغة نبوئية، وبخطاب تبشيري يذكرنا بحالة "نبي" جبران في عمله التنويري المبكر، مع لمحات إضافية من (إنجيل الابن) لنورمان ميلر و(جدار الموت) لسارتر.

ويمكن  أن تقول إن بطل (شيء ما..)  نسخة ضعيفة من مسيح أناني لا يؤمن بدور التضحية في التطهير. وتدعم هذه النقطة عدة لمسات تقريبية. فالابن لا يعرف أباه، ويعيش وحده مع أمه الشبيهة بأيقونات العذراء التي لا يخلو منها جدار كنيسة. وحسب الرواية هي دائما حزينة وساهمة، لا تبدل اتجاه نظراتها. ويعقب الراوي العليم على هذه الصورة بأعلى صوته فيقول: هكذا يجلس الفلاسفة (ص5) وكأنه أراد أن يجعل من هذه الأم البسيطة كائنا فوق الواقع. 

مع ذلك قد لا تكون هناك علاقة مباشرة بين الرواية وما سبقها، ولا سيما نص شيللي أو السعداوي (ناهيك عن نسخة ونترسون). كان فرانكنشتاين صنيعة العقل البشري (الوعي أو العلم في حالة شيلي - والوعي الباطن في حالة السعداوي). وهو بالأساس إعادة تدوير لمبدأ تنويري يعود للقرن التاسع عشر ومضمونه:  لا شيء يأتي من الفراغ، ولا شيء ينتهي للعدم، بل هناك أفكار تغذي التمثيلات، وهي الطبيعة البشرية (الطبع الذي يغلب التطبع عند شيللي) والهوية الوطنية (المضمون الحضاري للمجتمع عند السعداوي).

وقد ذهب السعداوي لما هو أبعد من ذلك حينما وضع للعنف في روايته هدفا نبيلا. وهو انتقام جماعة الضعفاء من واحد أقوى منهم. فمخلوقه من ضحايا المفخخات، وبينهم الفقير والغني. والعبد والسيد. والمؤمن والكافر. واجتمعوا على إرادة واحدة وهي تحرير أنفسهم من قيود المدينة الفاسدة أو الدايستوبيا. وبدواعي الإنصاف يجب أن نعترف أن السعداوي حرر فرانكنشتاين من أفكار شيللي الجاهزة، ووضعه بسياق مبتكر وهو تحرير الإنسان والأرض بنفس الوقت.

ولكن ليس هذا هو مبدأ رواية (شيء ما..). لقد تحركت ضمن إطار واحد بدأ من السأم الوجودي وانتهى به. ولذلك كانت الرموز واضحة ومباشرة وبلا تمثيلات. المستنقع، مثلا، هو طوفان الأخطاء. وسطحه مجرد فاصل رقيق بين الوعي الباطن (لغة الأعماق - الأموات المغمورين بماضيهم ورذائلهم)، والسطح العاكس الذي ترتسم عليه الصور المشوهة كأنها صورة دوريان غراي بطل أوسكار وايلد، المعيار المنظور لمقدار الرذائل التي نرتكبها.

وكان الماء الراكد يدل على أمرين اثنين.

الأول هو كساد الحياة. فقد ترافق صدور الرواية مع فترة كساد مجتمعاني كبير (يعادل الكساد الذي ضرب أمريكا في الخمسينات).  وكنا آنذاك نمر بمرحلة مجتمع ما بعد النكسة وظروف أوسلو ودخول حركة التحرر العربية بموت سريري.

الثاني هو انتشار التفسيرات الذاتية للظواهر على حساب التأويل الموضوعي. وبلغة علمية كان وعي البطل في الرواية  طفوليا يشبه تعرفه على ذاته من خارجها وهو ينظر لصفحة المرآة (حسب بارادايم لاكان).

وحتى لا نحمل الرواية أكثر مما تحتمل أستطيع القول إنها شهادة إنسان أعزل عن فترة مضطربة وحزينة من حياة المنطقة. ولكن هذا لا يعفينا من الإشادة بطموحها الفني. فقد سبق للمرحوم يوسف سامي اليوسف أن اعتبر أنها عمل طليعي تعاقب فيه نوعان: فصل سرد - وفصل حوار في غرفة مغلقة وبالتبادل. وكأنها مسرواية (فن هجين من تداخل المسرح مع السرد).

وأغتنم هذه الفرصة لأذكر أن رواية ماري شيللي كانت سباقة فنيا أيضا. فهي أول رواية فنية بتكنيك الأصوات، وقد تناوب فيها على السرد:

1- شهادة فكتور فرانكنشتاين.

2- وجهة نظر المخلوق المرعب.

3- وأخيرا رسائل القبطان لأخته، وجاءت أشبه بتفسير للفراغات المبهمة التي تخللت الأحداث.

ولم يكن التنقل بين هذه الوحدات السردية ميكانيكيا (فهو عيب فني لم ينج منه حتى نجيب محفوظ معجزة الرواية العربية سواء في "ميرامار" أو "المرايا" حيث كانت الأصوات تتراكم ولا تتطور وتأتي بسياق واحد بسيط وغير مركب). لقد عرفت ماري شيللي كيف تربط وتفصل الأصوات، وكيف توزع حصة كل صوت على الحبكة.  

باعتقادي إن قصي الشيخ عسكر كان يفكر بدايستوبيا وهو يكتب روايته. فقد صور لنا مدينة شريرة تأكل أبناءها. وكانت أشبه بكابوس دائم يجثم على صدره (كما ورد في الفصل الأول - ص 6).

ولم يجد حلا لها بغير ركوب زورقه والهرب. لكن يحسن بنا أن ننتبه هنا لملاحظات عابرة ذات معنى.

أولا المستنقع هو بقايا فيضان أحفوري سابق.

ثانيا الزورق هو رمز لسفينة نوح.

ثالثا وهي أهم نقطة أنه مركب صغير لا يتسع لسوى شخص واحد.

ويعبر عن هذه المشكلة الحوار التالي:

قال الشاب لأمه وهو على متن المركب: هل تركبين معي؟.

قال صانع الزوارق: لكنه صغير ولا يسع لأكثر من واحد.

فردت الأم: عليك أن تنجو بنفسك يا ولدي. الزورق هيأه لك أبوك (ص93).

والتفسير الوحيد لهذه النهاية هو عقدة أوديب مع تبديل في الرموز والأدوار. الأم تتحول لزورق وتحمل ابنها لشاطئ النجاة. والأب يفوز بالأم. لكن بشرط أن يحترق معها في هذا الفرن الكبير، الأتون الذي كان ضروريا لإنقاذ الابن. 

وعموما الإبدال شيء أساسي في الرواية. فالابن الحي -في الرواية - هو الأب الميت أحيانا، والحاكم يتجلى في بعض الأوقات بصورة الأب، والأم يمكن أن تكون ضحية وظالمة (بالتناوب - حسب قانون اللحظة - وهو شيء مختلف عن قانون البنية الثابتة). وبمثل هذا المنطق وظفت الرواية تكنيك الصور عوضا عن أسلوب الأصوات لتغطية الأحداث من عدة زوايا. وهذا فرق جوهري آخر بينها وبين الأسلوب الراديكالي لنسخة شيللي والسعداوي. لجأ الاثنان لبناء شخصيات بذاكرة قوية وواضحة ولكن دون أي تصور عن نهاياتهم.   بينما صور قصي الشيخ عسكر أبطاله دون ذاكرة، وكان يغلب عليهم الالتباس والشك غير أنهم يصنعون قدرهم بأيديهم. وعن ذلك يقول بطل الرواية: كل شيء محسوب حسابه (ص91). وعلينا أن نتصرف لأن البكاء وحده لا ينفع (ص93).

 

د. صالح الرزوق

 

 

 

 

انعام كمونةوجلٌ ووردٌ وعود / د. سجال الركابي

خلاصة: استخدام الرمز احدى مظاهر التجديد في قصيدة النثر وتوظيفه من أهم السمات الجمالية في الشعر العربي المعاصر لغرض إيحاء عمق الدلالة بابتكار رؤى الشاعر بسيمائية لغته الشعرية، وظاهرة توظيف الرموز أسلوب استعاري فني للتشبيه أو الكناية لإيحاء الدلالات في ذهن القارئ بإيماءة وتلميح وتستر، والتعامل الرؤيوي للشاعر مع الرموز لخلق عوالم غير تقليدية أو تجريب غير نمطي في قصيدة النثر خاصة بمستويات عدة في التركيب البنيوي أو الاقتباس والتناص أو التضمين الكلي أو الجزئي بصياغة عصرية تعي مرونة تراث ادبي وابتداع فكري لاحتواء التجربة الشعرية بتركيز وتكثيف، البحث يتضمن رمز انفعالي ذاتي الابتكار يحتضن كتلة النص بموضوع تشكيله، ويتدرج بأفق الانساق يتراءى ببنية النص معمارية ترابط متين، باغترابه عن ظواهر المألوف بجوانب فلسفية شعورية بكونيات النص، يتكرر بتساؤل معرفي باستفهام واستغراب عن طبيعة علاقات انسانية بفكر حسي،يتماهى دلاليا للتجريب والتطبيق والتقريب الذهني بوقفات تأملية او صيرورة رؤيا فلسفية تثار من معاناة فكرية ونفسية فيعبر عنه بمفارقات أبستمولوجيا الإيحاء بإسناد رمزي، والأبستمولوجيا من احدث التطبيقات والنظريات المنهجية الحديثة واكثرها مرونة للفيلسوف باشلار والذي أهتم بدراسة المخيلة والخيال في الشعر وفلسفة الفن والجمال، تبحث عن الحقائق العلمية للأشياء بالشك والظن لحين اثباتها بشواهد مقنعة، والأدب احد العلوم التاريخية والمعارف الحضارية القابلة على التطور باستيعاب العلوم الإنسانية والاجتماعية والدراسات النفسية لذا تسعفنا بحرية استنطاق دلالات الجمل الشعرية والمجازات الفنية ووحدات عالم النص بدلالات عنصر الإيحاء وتطبيقها من خلال تجلي أبستمولوجية الرمز بابتكار وتجديد، الأنموذج رمز" التأرجح " في نص/ وجلٌ ووردٌ وعود / للشاعرة سجال الركابي ومن الضروري ان نحيد لدراسة تحليلية وسيمائية أسلوب النص لتكتمل القراءة.

تمهيد

- الرمزية وسيلة تعبير اسلوبية تتجلى من الوعي أو من تراكمات في دهاليز ومتاهات اللاوعي الحسية والنفسية،لتمنح رؤى الشاعر بعدا دلاليا وتعتبر آلية مهمة للابتكار الجمالي في النص، ويعد استخدام الرمز بأشكاله وأنواعه من أهم عناصر قصيدة النثر للإيحاء، وقد عبّر الدكتور عز الدين إسماعيل عن الرمز والإيحاء بقوله " تركيبة وجدانية تنتمي الى عالم الوجدان أكثر من انتمائها الى الواقع"، لذا يختارها الشاعر بحتمية ما يتطلبه الموقف الشعري بشعور وجداني ، ويقتنيها بما تستدعي غايته الدلالية برؤى ممزوجة بين الواقع والخيال،والرمز أداة لغة قوية واسلوب اشاراتي لحالة شعورية فني الفلسفة لتكثيف الفكرة بتلميح مستتر،، وتتغير دلالة الرمز بتشكيلات المجاز وموقعه في الصورة الشعرية ومستوى صياغته في الأنساق، وقد يتجلى بجنوح دلالات الأنساق اليه فيكون صيغة شمولية للرمز وهيمنته الإيحائية فنية تشكيل بلغة غائرة الدلالة تقنية الأبداع والتميز ...

- ومن بعض تعريفات الرمز /الرمز في اللغة " يعني الإيماء والإشارة والعلامة "، وردت لفظة الرمز في الآية المذكورة في القرآن الكريم:﴿قال ربّ اجعل لي آية قال آيتك ألّا تكلّم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا﴾ آية آل عمران "41"،أي أن يومئ لهم فقط، يعني إشارة بنحو يد أو رأس (لا تكلم أحدًا الا بالإشارة )، وما ورد في لسان العرب لابن منظور في مادة الرمز معناه " تصويت خفي باللسان كالهمس وتحريك الشفتين بكلام غير مفهوم باللفظ من غير إبانة بصوت، إنّما هو إشارة بالشفتين والعينين والحاجبين ...

- أما أحدى تعريفاته اصطلاحا،" إنّ الرمز بمفهومه الشّامل هو ما يمكن أن يحلّ محل شيء آخر في الدلالة عليه لا بطريقة المطابقة التامة وإنّما بالإيحاء أو بوجود علاقة عرضيّة أو علاقة متعارف عليها، فالرمز وسيلة إيحائية تستخدم للشعر، إذ هي قادرة على الايحاء والتلميح”، كما يقال أن : " الايحاء إلقاء المعنى إلى النفس في خفية بسرعة "، فالرمز فلسفة الشاعر ولغة رؤاه للتعبير عن خلجاته المدفونة دون الإفصاح المباشر ...

- والرموز أنواع قد تكون من التراث أو الأسطورة أو عقائدية وصوفية وغيرها،وممكن من أي مصادر معرفية اخرى علمية أو أدبية، لربما تكون عبر جملة أو مفردة اسمية أو فعلية بما تشير اليه من عمق غائر بقيمة موقعها في النسق النصي وترابطها لِنَشد الفكرة،وكثيرا ما تكون خليقة ابتكار نابعة من مخيال الشاعر بعفوية ترميز ذاتية الشعور أومن تراكمية اللاوعي المكتوم، يستجلبها من أفق معرفته ويلتقطها من فضاء خياله بمكنون الموقف الذي تستحثه عليه تجربة ما، يبثها الى أثير ذهن المتلقي ليلتقطها بفاعلية ما يتذوقه من رؤى الشاعر فيعيرها اهتمامه كما يسميه الناقد روبرت ياوس بأفق توقعه بتحفيز ما يدخر من فلسفة ثقافية ومعرفية ...

- نستقطب من فلسفة النص عنصر مهم نضعه تحت بصيرة الاستقراء هو رمز  (التأرجح ) بسيمائيته الفنية ..التعبيرية ..الجدلية ..الحدسية والافتراضية،كذلك،الظاهر والباطن منها،وما يتمظهر منه دلائل حيوية الحركة بملامح تمركز الزمان والمكان، يحيلنا لرمز ذاتي الشعور محوري الأبعاد، مضمر الدلالات، يعج بتفاقم حسي ونفسي عاطفي التأثر،يبرهن واقع انساني متماهي بين الحضور والغياب، بعلامات أشاراتية مركزة الإيحاء، يتجلى في كيان عموم النص بتوغل لا مرئي حتى يستشرق عنوة قبول وشدة وضوح،يتراءى حضوره بإيماء دلالاته في كل الصور الشعرية ويتدحرج على كل الأنساق، يهيمن على فضاء المتن بإيحاء مستتر، نسترجعه احيانا بطاقة دلالية التأويل، نفترضه احيانا أحجية يستوجب حلها ، واحيانا يتجلى ضمور لغز بدلالة التعبير، تفوح به كينونة الصور، أو يستجلبه لب الموضوع بإيماءة غائرة، ومن طاقة أبستمولوجيا الرمز تتيح لنا فلسفة رؤى مرنة بحداثة ناضجة ...

- نرى الشاعر اكثر من يتحسس ما يدور حوله من مواقف وتجارب وصراعات فيسعى لمواجهة الواقع بنسج الخيال من خصوصية رؤى لعمومية خطاب، كما نرى في رؤى الشاعرة سجال حين تتفاعل بوجدان معرفي مع قضايا جنسها وتشدها هموم المرأة ومعاناتها النفسية والإجتماعية وغيرها مما يدور في فلكها من مآسي وأحداث، فتبحث عن المستور في محيطها الإنساني وتخترق ظلال المحظور،لتنقب المطمور من بيئتها، فتنشدها رؤى بتأثر نفسي قدرة مبدعة معبرة بلغتها الغير معيارية بآليات حِرَفية وأدوات تقنية المحاكاة الفكرة بإجراءات شعورية بارعة النظم نمط قصيدة النثر وآفاق بصيرة انسانية ...

-ولقصيدة النثر فلسفة خصائص معينة ليس من السهولة تكوينها بدونها كما يذكر الناقد العراقي الكبير احمد عبد الرضا عن فلسفة قصيدة النثر (أن الصعوبة تتجلى حين نتلقى النص الجديد الذي يثير عواطفنا مباشرة من غير مؤثر خارجي، فيلامس اعماق الوجدان دونما استئذانِ، او ترخيص، الى جانب ما يحمله من ابتداع في فلسفته، فلسفة النص، او الموضوع الذي يشتغل عليه الشاعر ويضيف ان يحدث فينا ادهاشا عند التلقي وترتاح له ذائقة القارئ، لما يقدمه من خيال سحري مولد تصطفيه النفس وتنشد إليه على نحو تفاعلي، فيستغرقها في مآلات المخالفة، والتباين،والثراء التصويري، فضلا عن بقاء عواطفه فيها أطول مدة ممكنة)، وبما ان الشاعر باحث في كيان محيطه يتوجس الفكرة بحسية متأمل ويستبصر بؤرة القضية،تحفزه آفاق فكرية وثقافية باستدراك واعي وخزائن اللاوعي ...

فنرى من نص الشاعرة الركابي حين تتقصى المخبوء تبثه فلسفة رؤى برسائل انسانية شفافية الوعظ بسماحة الإيحاء وبُعد الإيماءة حين يصعب التصريح،فيغدو المضمون جوهر خطاب عام، تتسرب لغتها للقارئ بتيار مشاعر مستساغة الفكرة بدفقات شعورية نتذوقها بالوان الابتكار تجربة وجدانية بابتداع تقني للصور الشعرية والمجازات المفعمة الرهافة والعذوبة متوهجة بروعة التصوير، ورشاقة التعبير لذيذة الحوار برومانسية عفوية قوية الانفعال رخيمة المعاني...

- ننحو لدراسة العنوان وفرد سيمائية مفتاح أول العتبات

- نُسِجَ كيان العنوان ببنية أسمية من ثلاث معجميات معطوفة على بعضها سيمائية رقيقة التعبير أنيقة اللفظ بتناغم صوتي، تؤكد رهافة حس شاعري شفيف الروح، فمجاز العنوان قصدية رؤى منتقاة بفلسفة أنثوية الشعور، مصاغة بلغة مخملية، ناعمة الهمس تفوح من حيوات الطبيعة، تفصح مكنوناته الدلالية بتوتر واعي ولمسات تضاد جميلة ببيان الرؤى المكثفة الومض،ومن سيميائية الرموز نبحر استبصارا واستنطاقا مع دفقة شعورية ببنية بسيطة سهلة التعبير، وحداثة لغة عذبة لخيال شاعرة بشاعرية الموقف ورؤى معمقة للحدث الوجداني بقصيدة النثر...

- لننحو لمقاربة العنوان بأول مفردة ال (وجل) بناء مشهدي لإيماءة حسية باستنفار جميع الحواس، فالوجل دلالة ذاتية بالغة الانفعال باعتراك نفسي داخلي للمشاعر الإنسانية توحي لرقة الأنثى بلحظة الحدث،حين الخوف من شيء ما يربك أمانها الحسي فيؤدي لا اراديا الى سمة الارتجاف بتشتت فكري واستفزاز حركي ...

- ولننحو لمعجميات (ورد،وعود)استعارة رموز تفوح منهما شذا الطبيعة الخلابة بمزايا عطور، والتي لها سحر مميز باختلاف الاذواق ترتبط ارتباط وثيق ومباشر بحاسة الشم من جهة، كذلك لها تأثير نفسي بالتذوق النفسي،فتعم بيولوجية الحواس بدرجات متغايرة من شخص لآخر، مما يدل تباين العلاقات بين الجنسين بمستويات فكرية واجتماعية وثقافية، ورغم اختلاف فسلجة التكوين وتنوع الأجناس إلا أن جمال ائتلافهم منذ ذرى الطبيعة حقيقة رحلة...

- إن تاريخ الحيوات ماهية وجود جوهرية الحراك لزمكان بنشوء التواجد لأي عمر بمحدودية التواجد تتجلى في ال (ورد وعود) زمن معين منذ مهد التكوين كأي كائن حي شبيه (الأنسان) بدأ ببادرة(الجنين) برحم التراب ليتبرعم (طفل) ومراحل النمو لحين إنتاج الثمر ثم يكبر ويشيخ، ويموت، مقاربة لدورة كاملة للحياة، تشبيه متكامل ببيان استعاري بليغ ورائع، كذلك تأثره بكل متغيرات الطبيعة وظواهرها الموسمية من مطر أو رياح رطوبة جفاف ضوء، فيمرض ويحتاج لعلاج وهكذا يمر بكل مراحل الحياة كالبشر فالورد استعارة بيانية لحياة نوعين من الجنس في الوجود (انثى وذكر) بجينات تكاثرية للتوالد والحفاظ على الجنس الكوني وأن اختلفت مواسم التزهير وتغاير الذبول فيبذر جيناته يجف ويصبح عودا ويعيد دورة الحياة أجياله...

- نلاحظ استثمار راقي لمعجمية ال (ورد) جمعي الإشارة،ورمز نداوة غضة بأنطولوجيا ملونة، مختلفة ومتعددة الدلائل ،استعارة بليغة التشبيه للمرأة كجنس ناعم بصفاتها الطبيعية والفطرية خصبة العطاء،تتعطر الأجواء بوجودها، ومن اقدم العصور مرمزة آلهة خصب ونماء، رغم ان رمز الورد سرعة الذبول والانكسار الا انها تمنح الجمال وتنشر العطر بدلالة مشبهة بنوع من الأجناس ولرقة مشاعر المرأة بتأثرها العاطفي وخلقتها الفسلجية...

- أما (العود) هو يباس الاخضرار (من ورد واغصان وأوراق أوساق الشجر أو لحاء وجذور، ومنه كثير من البخورات الزكية الرائحة)، استعارة بليغة وذكية من كيان الوجود، تشير لمادية الكون، ونسبية الرموز تأمل فلسفي عن معنوية (الوجود والعدم) بخلاصة تكوينية لأصول الخلق، ندركه جدلية ميتافيزيقية عقائدية الرؤى، نستشفها من هيكلية البنية دلالة أساس الكون بأوجه مختلفة لدورة حياة كائن ...

لذا استعارة رموز العنوان لبلاغة تشبيه يومئ ظاهريا بصلة المعنى، هما الورد بأنواعهِ والعود بأوجه مختلفة، فالرموز تشي بائتلاف الاختلاف موحي لقصد غائر،وما يكتنف العلاقة من إيقاع تجاذب وتنافر بهاجس حسي وانفعال نفسي بدلالة الباطن، فمنذ تمام الخلق لقصة الوجود وتطوراته العصرية بتراكم الزمن وأعرافه الاجتماعية بنتائجه التراكمية، تجذرت البنية البشرية والطبيعة الفطرية بتذبذات متواترة وترددات منسجمة أو متنافرة،نستخلصها من رؤى الشاعرة كيان وجود آدم وحواء منذ عجينة الطين والنفخة الأولى بسائد الانسجام والاختلاف ...

- وعلى مستوى جمالية البنية واثراءها بتشبيه حميمي وتضاد رائع تشي بدلائل متنوعة عن علاقة بشرية بتماس فطري ما بين توائم صفات وتوأم روح، يترجم ثلة أحاسيس لموضوع انساني حسي نستنبطه من دلالة مجاز مباشر بعاطفة خاصة لموضوع مشاعر عامة، وبتقديم مفردة (الوجل) نتحسس هاجس الخوف الذي يعتري مشاعر بوح المرأة وكما ذكر في الكتاب الكريم من سورة الأنفال آية 2 "الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ"، فالوجل رمز شعوري لا ارادي، إحالة تأويلية لحالة شعورية بعنفوان وجداني يدل على الاضطراب ...

- النص

نلاحظ مخاتلة غرائبية بين رقة ومضة العنوان وتفعيل ثورية النص بتماثل المضمون وانسجام على مستوى الموضوع والدلالة باسترسال متدرج،وبما تنطوي عليه قصيدة النثر فلنتابع عتبة عتبة بتشكيلاته الحسية والنفسية والفكرية الرائعة الرؤى ...

- تستدرجنا أول العتبات باستفهام استدلالي ونبرة خطاب مونولوج داخلي،جدلية حوار فاعل بشواهد عديدة نحو حبيب افتراضي، نستبصره من مشهد التأرجح كرمز نفسي وحسي مقترن مع سيميائية رموز اخرى بكيان النص بالتفاف بلاغي ملتحم رؤيويا بعدة معادلات موضوعية تتماهى بإيحاء دلالي مستتر على مستوى الأنساق بإيقاع دافئ ولغة حميمية رائقة البوح بتوجس انثوي، وانغماس روحي لتكريس فكرة خطاب ملهم يتمحور من الخاص للعام، من أنطولوجيا الأعراف الاجتماعية وبؤرة سلوك متوارث،تتفحصه الشاعرة بفلسفتها الشعرية المتميزة التأمل، ببنية فنية النزوع لحداثة شعرية بأصول رؤى انسانية،تستنفر فضول المتلقي لشوق مبحر لمعرفة رؤى الشاعرة،وكنه الاستفسار طبيعة جدل بتضارب حسي وتنازع فكري،، فلنستنبط من حروف حكمتها، ونرحل للصورة الشعرية التالية بأول الغيث...

هل عرفتَ لماذا أتأرجح..! ؟

- استهلال أول العتبات بعلامة استفهامية وتعجب تقنية اسلوب بارع بتجلي انفعالي تحرر اداة التعبير من قيد التقليد لتشكيل نص شعري بأسلوب عصري متجدد لتقنية قصيدة النثر بملامح رؤى حديثة، تنبئ عن ادوات متميزة بخبرة شاعرة تجيد مبضع التخييل، بطوبوغرافية لغة أنثوية ولمسة حسية مؤثر نفسيا بثراء ملهم يستلطفه القارئ للبحث والاستقصاء ليستوفي دلالات الإجابة من ثنايا النص بكنه الخطاب...

- أول القطاف صيغة رائعة لصورة شعرية ببنية استفتاحية ب "هل" حرف الاستفهام الذي يستفز دهشتنا ويثير غيض تساؤلنا لنبحر في مشهد هذا التأرجح ورصد خباياه من فعل ذهني الشعور بانعكاس واعي،هو الفعل "عرفتَ"، الذي يدل على حدث مضى وتم التعرف عليه والتاء مرهون بضمير منفصل مضمر افتراضيا لتوجيه رسالة لغائب حاضر (أنت)، ولننحو لأداة أخرى داعمة ومتممة لهذا السؤال وهي (لماذا) والتي تعد (كلمة مركبة من لام التعليل، وما الاستفهامية، وذا الإشارة)، فالسؤال نتيجة ايجابية لمنطق تجربة خاصة بموضوعه العام سبق اختباره وتراكمت اسبابه واستحدثت نتائجه من قوة قيمتة الدلالية ب (هل وماذا )، سؤال بفلسفة لغة شعرية بارعة يُحشد القارئ بالاستطلاع والبحث عن الأسباب والتنقيب للوصول ليقين القناعة...

نستنطق من سيمائية رمز (التأرجح) تمركز دلالي مكثف حركي الأبعاد متعاكس الاتجاهات، رمز شعوري يشي لبعثرة توازن حسي بثنائيات متعارضة وتضاد مسافات يومئ ب(البعد والقرب،الحضور والغياب)،بمعيار دلالي لعدم الاستقرار بعامل وجودي لتاريخ زمان ومكان، وكذلك إيحاء دلالي نفسي لتقلب الرغبات بحركة ضدية مع وضد يخلق التوتر النفسي، فالتأرجح معادل رمزي مدمج التجسيد بحيوية غائرة عن سمة عدم التكافؤ بالفكر والمشاعر والأحاسيس، يحيلنا لتأويل دلالي عن التشتت العاطفي الملفت في صميم العلاقات الإنسانية...

وللعتبة الأولى ارتباط متين بكل عتبة من عتبات النص الآتية، تتلاحم بانسجام يوحي ويشير لتناسل السؤال بوعي استرجاع رمزي الإيحاء بتوالي الصور الشعرية والتي تتغير استعاراتها وتتباين دلالاتها الحسية وتستكمل ماهية أسباب سمات التأرجح، فنحيد لأبستمولوجيا رمز التأرجح ممغنط بتيار انفعالات زئبقية،ممسك بعتبة الاستفتاح لخاتمة دفقات الشعور، متطوف بملامح دلالات أنساق النص، منه سيتعلق شغفنا الاستقرائي بتفاصيل فنية الخطاب للوصول لسر مكنون السؤال والعثور على الأجوبة التي تستنفر ذهن القارئ، لذا يستوجب التوقف لتأمل عميق بما يرتبط بها من بقايا النص لنستنطق فحواه ...

ونستطلع ملامح ابستمولوجيا التأرجح ورمزيته الشعورية من الصور الشعرية التالية

بين رجفة نار وحمّى صقيع

نلاحظ بينية الزمن تشي بعدا عميق الدلالة لحالة التأرجح في دوامة حياة توحي لاستمرار معاناة حسية بتدفق تلقائي للمشاعر، وتوظيف استعاري بليغ لرموز مادية من الطبيعة لإيحاءات معنوية التشبيه باستعارات متضادة (النار والصقيع) كذلك توليف السمة الحسية برمز صوفي مادي نسجة فنية متمازجة البينية مع( رجفة النار)، وباستثمار سمة اللهب بحركته التذبذبية إيحاء دلالي لقوة انفعال عاطفي محتد وحركية زمن، وتكملة الصورة بواو عاطفة ب( وحمى صقيع) نقيضين متآلفة بتقنية وخبرة بارعة لتوليف المتضاد بمقاربة دلالية مرهفة الشعور، قوية الإشارة، لتبيان مستويات التأثر الوجداني برؤى الشاعرة وتمرير انفعال المشاعر المتسببة زمكانيا من وجع الأحاسيس، إحالة تأويلية بدلالة نفسية لمعاناة عاطفية...

ونستمر مع بينية الشعور في الصورة البديعة التالية...

بين رقصٍ على موج وعود

من تكرار(بين) تأكيد نغمي لزمن مستمر، تعصف بمشاعر امرأة جلية الانوثة بلسان ارهقه الاحتجاج، مقاربة تشبيهيه للتأرجح باحترافية رائعة ممسكة بتمهيد الجواب تزحلقنا على الأسباب، متمثلة بالانزياح التركيبي والدلالي الباذخ الشفافية،فما زال رمز التأرجح يقض الشعور بذبذبة أهواء الحبيب،استخدام رمزية الرقص استعارة لبيبة،حركية الإيقاع مختزلة الزمان والمكان بطاقة وافرة الأحاسيس استخدام رمز الفرح (الرقص) ملتفع الحزن، تشبيه جوهري مراوغ ولاذع، خلاله نستذكر مثل معبر عن وجع المعاناة ( الطير يرقص مذبوحا من الألم)،فأي وجع يكون؟...

وتشبيه استعاري آخر لرمز من الطبيعة متأرجح الاتجاهات،هو (الموج) إيحاء تجريدي للدلالة عن حركة التأرجح بسيمائية الزمكان وتغير مستمر بين مد وجزر شعور تخمر في اللاوعي أرهق نفسية المرأة بوعود خاوية، فأي ابداع رُسم بعنفوان الشعور، وشعرية استعارة تضاد لكل مفردة برمزية دلالية موحية، فنستقرأ اشارات دلالية انيقة التعبير بحس أنساني تجسد مدى التوجع بغائر الأحاسيس، احالة تأويلية عن فقدان السكينة الوجدانية بشحوب الود...

ومن ثم يستمر صوت التأرجح معطوف بسؤال معاتب لاستكمال الوصف لحالة التوتر الحسي كما في...

واختباءٍ في لون ورود

صورة شعرية تعيدنا لثريا العنوان تثبت جدارة وإتقان ترابط العنونة بكيان النص، ومنه تستكمل أوجه العذاب بكتمان أحاسيس الوجل والخجل بدلالة معاناة التأرجح النفسي والحسي بذات مرغمة اجتماعيا،، فلما يستدعي الاختباء بلون الورد؟، علامة استعارية معنوية الاشارة عن ملامح الخجل بأنسنة كيان طبيعة ببيان تشبيه،اذن بما يمكن تأويله ان دلالة الكتمان هو استحياء من خيبة شعور مجروح انسانيا،، يوحي لدلالة نفسية تنتهج الحذر أو الخوف من مواجهة حقائق عارية محظور تداولها، والتكتم على سلوك الآخر بأعراف العادات والتقاليد،إحالة تأويلية لاحتكار معظم شؤون وخصوصية المرأة ...

ثم يتكرر صوت الحواس بهدوء ما زال معاتب نستبصره من قطاف الصورة الشعرية التالية ...

أرأيتَ الوجَلَ في عيون الظباء؟

بصوت حسي رقيق الهمس نلاحظ بنية الماضي الصورية في (أرأيتَ الوجَلَ ) تربو أسباب دلالات مرمزة لتفسر ابستمولوجيا التأرجح بتكرار منطقي نستنتجه من شاهد ملموس ويقين رؤية من الفعل (أرأيت) فعل حسي تأكيد دلالي باستمرار استفهام بعدة عتبات على مستوى التكثيف يضفي اتساع دلالي برؤية شعورية لتقييم الذات المجروحة، ما يومئ لجدلية الخوف المستمرة تحت وطأة التسلط بعدة أساليب نفسية بتقادم الزمن...

 

تبدو سيميائية الذعر بما يرتسم في العيون، النظر للشيء بتماس مباشر مع النصف الآخر رؤية بالعين المجردة، والرؤية هو ما ينقل عبر العصب البصري دلالة على مدى التماس الزمكاني، فتحدث ردود الأفعال مباشرة،ونستشف من حرف الألف(أ)لرسم طبوغرافية الارتجاف بطاقة صوت المفردة ذبذبات نفسية الإيقاع لحاسة النطق يضفي نغمة حسية مع حاسة البصر، فلنستمتع بإيقاع الحواس بدلالة الباطن، إحالة دلالية بأهمية تأكيد أهمية الحواس لتفسير التدفق الانفعالي، فالعيون رمز استعاري لترجمة اعماق الأحاسيس ....

نلاحظ ترامي رمز التأرجح بتكرار معجمية (الوجل) في سياق النص التي تسترجع حسيتها من العنوان يبدو ايقاعها الداخلي نغمات تأثير الشعور بقيده المنهك والذي يرسم هالة الفزع النفسي فتفر المرأة لخلجات الصمت أسلم حلول، وما يخفى من دلالة نستكشفها من تكملة الصورة الشعرية بتساؤل ذهني لما تخاف الضباء، ومِمن ؟، نرى تشكيل البنية انزياحات استبدالية رائعة التشبيه لوصف الأنثى بجمال طبيعي متوهج، فالظباء رمز بليغ الاستعارة رائع البيان ...

فلنستكمل الرؤى من ابستمولوجيا رمز التأرجح في جدلية الزمكان من الصورة الشعرية الآتية ...

(حيرة النسيم بين تناغم أغصان وتشابك أشواك؟!)

نلاحظ استعارات موحية للمرأة بتشبيه حريري الدلالة بتكوينها الفسلجي، إشارة شعورية لرمز الحيرة،وما يلتمع منها ملامح التردد العاطفي تشي بدلالة غائرة للتأني والصبر رغم وجع التأرجح، ومن البعد الظاهري لمعجمية (النسيم) رياح الربيع المنعشة للروح والنفس بدلالتها الزمنية، مقاربة تقنية الاستعارة بتشبيه رمزي للطبيعة الفيزيائية للمرأة،تشكيل لغة رشيقة السمات، بشاعرية الاقتناء لأدوات رائعة التعبير بما يلائم طبيعة المرأة برهافة عاطفتها الحميمية وقدرة احتمال لمجابهة قسوة الحياة وتأثيراتها ...

تتجلى بينية زمن مترادف الدلالة في الصورة الشعرية (تناغم أغصان وتشابك أشواك)، بما يراودها من اعصار انساني يدين التلاعب الحسي بعاطفتها تحيلنا لدلالة الشعور بالغربة، نستدل من تضادية تناوب نستبصره من الأفعال المضارعة الموحية بالاستمرار المستقبلي (تناغم وتشابك)...

وبوحدات طبيعية التضاد تحقق التزاوج الدلالي المكاني ببلاغة استعارية بين رموز الطراوة واليباس في( أغصان، أشواك)، نلاحظ جمال الانزياح الدلالي والتناغم الزمكاني واستعارات مترفة الروعة يزيح لأبستمولوجيا التأرجح بتلميح مقتدر، إحالة تأويلية لعدم الاستقرار العاطفي ...

ولننحو لخلجان أنات قسرية بتعابير حسية من حشايا ذات أنثى تستبصر مواجع بنات جنسها أثر تجارب الحياة تجسدها بفلسفة شعرية خصبة الرؤى بدلالات مكثفة الإيحاء نستشفه من القطاف التالي ...

(هل تنسّمتَ لحناً جنوبيّ الشجَنْ؟)

تساؤل واستفهام بنزعة عتاب رومانسي الملامح، قائمة على توجيه الخطاب لغائب يفرض حضوره من خلجات متباينة لكيان وجود مرتسمة استفسار بلواعج الأحزان استرجاعا لصورة ذهنية، وتكرار صيغة السؤال ب(هل) الاستفهامية يلحقها فعل حسي يدل على الشم (تنسمتَ) وما يضفي على الروح من صوفية انتعاش لبقية الحواس، توظيف عميق الدلالة، وتقنية التفاف ادبي، استبدلت السمع بالشم كأداة تعبيرية لحالة شعورية، تلفت القارئ لبيان صيغة تبادل الحواس، نلاحظ تكثيف التَمَوج الصوتي بتناغم تعدد الحواس ...

ثم توظيف رموز التراث برؤى عصرية أيديولوجيا حداثة،وكما يذكر الاستاذ محمد شنيشل الربيعي في كتابه حكيم اوروك " ان حوار الكاتب مع مفتعلات عالم الصورة يُسَهِل في انضاج إخراجها "، فيبدو من رؤى الشاعرة الانتقاء الفكري بمقاربة حوارية مع الحبيب، باستعارة رمز تراثي في (لحن جنوبيّ الشجَنْ؟)، وعلامة شعرية تختزل دلالات الزمكان،بسيمائية صوت فلكلور متميز بجمال اللهجة المحلية أو الشعبية، ينعش الذكريات بتذوق الخاطر، التفاتة جدية موغلة الروعة بعيدة الدلالة لربط الماضي بالحاضر تنم عن خبرة ابداعية الرؤى للشاعرة الركابي بانتماء أصيل،تبدو لنا سمات التأرجح ابستمولوجيا التأثر النفسي، إحالة لدلالة تأويلية تلوح عن جفاء التواصل الاجتماعي ومشاركة طقوس ميول المرأة ...

وننحو برؤى الشاعرة افتراضات بصيغة احتمالية متعددة الأسباب،لمواجهة حتمية بما تترتب عليها من تبعية قرارات تلحقها نتائج لهذا التأرجح المتأزم تشحن مشاعر القرار بمناورة خطابية كما في ...

إن لم تراودك رموش نجوم نَعِسة

فلسفة حسية بأداة جزم ندركها من الفعل المضارع (إن لم تراودك) بخطاب موجه للآخر يشغل الحواس قلبا وعقلا، إيماءة رومانسية بوعي ضدي الدلالة بإلغاء مشاعر المرأة كإنسانة أو حتى مناقشتها عن همومها فتوظيف" رموش نجوم نعسة " تشبيه استعارة بأنسنة معنوية، إحالة تأويلية بدلائل حسية وفكرية ونفسية، توحي التمني ...

وصورة شعرية أخرى معطوفة على سابقتها بترابط نسقي متداخلة الأحاسيس بقوة التأثر تستكمل انسيابية الإيقاع، بتوظيف مقتدر الصيغة فني التشكيل وجمال إيحاء تجذب تأمل المتلقي فلنتابعها ...

ولا ترنّحَ الليل في سهادكَ

من الفعل" ولا ترنّحَ " علامة النهي دلالة لجفاء مشاعر الآخر، بشاعرية محتدة مشحونة بحكمة اجتماعية، فالحب والعشق يجعل الشخص معنويا بتأجيج حسي طرب سينمائية الترنح هي طبوغرافية مشاعر فطرية، تشي بهيام العاشق فالليل ذكرى المحبين وتأجج عواطفهم، فتبدو بلاغة الاستعارة، يتجلى الانزياح التركيبي والدلالي للقارئ من التشبيه للمرأة برموز من الطبيعة في أنسنة الليل بترنحه وسهاده، إحالة تأويلية واضحة الدلالة بتهمة جمود مشاعر الآخر نستشعره من الجزم تأكيد يومئ لاحتجاج انفعالي مضني ...

وحين نكمل الصور الشعرية التالية ...

فأنت

من الضمير (فأنت) اشارة للكناية عن الحبيب لأثبات توجيه الحوار وتأكيد الخطاب بلهجة قوية التعليل تشي بذات فاعلة بجدية التفكر ولمعة جواب بما ستخبر رفيق الحياة، لذا سترتب بالتعاقب عدة نتائج حسية نستقرؤها من الآن في ...

لا رأيتني ولا

رغم تقريرية التعبير إلا أنه استوجبت الرؤى كردود حسية لإرضاء الذات الأنثوية وحتمية ما يتطلبه اكمال السرد بإبداع، فتوظيف تكرار (لا) اعتداد نفسي جازم لحسم اشكالية التأرجح بإصرار، نرى مؤكَد اعتراضي يشي بالنفي والتصريح، يتبادر لذهننا اختلاف نغمية صوت الذات العاتبة بهدوء حميم إلى صوت الذات المتمردة، بتراكم الأسباب وتراتب النتائج، فتهيء مناخ الدهشة للقارئ بمفاجأة ثورة انثوية ضد إهمال المشاعر وكل ما تستحقه من خصال الإنسانية بمواربة فائقة الجمال،إحالة تأويلية عن التوافق الحسي والفكري بحسم القرار بتصالح الذات مع القلب والعقل، نستشف سمة رمز التأرجح ببستومولجية نضوج الفكرة...

وبفلسفة شعرية عابقة بالأنوثة تتدفق احساسا في الصورة الفنية الفاعلية الاحتجاج بعد النفي السابق بامتداد آخر في سمعتَ عطر تنهّدي

صورة شعرية مركبة الاحاسيس مكثفة ببراعة لغة غير معيارية باستعارات حسية الدلالة،وانزياح مركب اختزل عمل ثلاث حواس " السمع الأذن، العطر مشموم الأنف، والتنهد من الفم " دوال محملة من واقع جميع الحواس بدلالة مجترحة توحي بنتائج رمز التأرجح فتستقر في عمق الذات بوعي ناضج وتنحدر في اللاوعي متراكمة الاستنتاج ...

ما زلنا على أوج فرضيات فلسفة أنثوية اللغة عميقة الأحاسيس معتقة بالمعاناة وسرد ايحائي التصوير، فلنتابع ماذا ستقرر بصحوة نافرة لولادة جديدة بعد سيكولوجية التأرجح باندلاع لغة خطاب التحدي في الأمر التالي...

إطوِ ما لم تكتبه

توظيف مخاتل ببراعة لغة رافضة سمة التأرجح،فماذا يطوي رفيق العمر أو الحبيب وهو من أهمل كينونة وجودها وأصول نشوئها، هل ستستمر معه..؟ فلنرى ماذا ستخبرنا بتجربتها الشعورية ورؤياها الشعرية، بتعبير آمر يؤكده فعل الأمر(إطو)، إحالة تأويلية بدلالة مكثفة ولغة خبرية ببراعة تقنية، اختصرت سيرة حياة مشتركة لجدوى رحيل ونسيان قبل ان يخوض مساومة الرجوع، قرار حازم ليكف عن خضوعها لدراما فوضوية الفكر والتزام متشظي بعقدة الذكورة؟...

وبدفقات خاتمة شاعرية الوجدان لأحاسيس إنسانية وما يترتب على التغاضي عنها، نرى ما توهج من لحظة شعورية بحزم أنثى لأنهاء عمر الجروح العاطفية باستفتاح نفسي وحسي وفكري مثير ورائع التكثيف، بتشكيل فعل التمرد من حوارية الذات الآتية ...

أما أنا

نزعة تنبيه إنيوية عميقة التبصر مشحونة بالإصرار، ونقطة تحول واعي بتحدي مؤكد وحازم، لنتابع نتعرف على ما اتخذت من قرار ليتوقف زمن التأرجح النفسي ...

سأسكبُ جدائل ليلي على كتفي فراغ

صورة شعرية بانزياح مركب بإيحاء دلالي عن خلاصة تجربة لتفتح نافذة الخلاص بتحدي واضح فتصرح بالتخلي عن الحبيب، والرحيل للوحدة رغم الم الفراق، استعارات بليغة التعبير فنية البيان تشي بالتنحي عن كل سمات التأرجح، وجفاء تواصل غير مُقنع، احالة تأويلية عن استفزاز نفسي بمنحى تراجيدي فكثيرا ما يقال( أهون مما هي فيه)، والجمال الاستعاري في أنسنة الليل في ( جدائل ليلي )تعبير معنوي عن تفضيل الوحدة، وما أروعه من تعبير أنثوي عذب بقوة التلميح عن غصة الألم،كما نستشف من رمز (الفراغ) بيان تشبيه لعدم جدوى وجوده بحياتها سيان غيابه وحضوره، وتستمر القرارات الثورية فلنتابع نتائج الأسباب السابقة للتأرجح ...

أكفكفُ صرير الأوهام

تظهر غمامة الحزن من الفعل (أكفكف) فعل يفيد التكرار،دلالة حسية لتناسى الماضي تمسح ما ترسب من آلام وخيبات،وكأنما تقول لألملم أشلاء نفسي، حتى تشير الى بلاغة ما تبعثر منها من مشاعر وما ضاع الكثير من انسانيتها، فتستجمع ما تبقى من كيانها، ونسق نغمي آخر للحواس حسي السمع هو (الصرير) صوت احتكاك مزعج تشبيه استعاري لدلالة توحي لعدم الارتياح لفوضى العذاب،واثبات خطأ التجربة تشبهها بالأوهام والفعل أكفكف للدموع والألم والجراح والوجع، أحالة متكاملة التعبير مكثفة الدلالة إشارة موحية لصراع الذات...

ونتابع ترابط نتائج أسباب سيميائية رمز التأرجح بقرارات من،

أرتقُ ألف بوح استفهام

تبدو لغة الحواس بصوت متعدد بتكثيف مشترك لحاستي اليد والفم تشي بعمق التوجع ومعجمية الرقم (ألف) رمز التعدد والتكرار الكثير توحي لغرض الشفاء من هذا التأرجح ...

وبشفافية امرأة تتردد باتخاذ القرار نوازع مختمرة ذاتيا بعد توخي الصبر لتجزم قرارها لمرحلة مواجهة مجتمع تقف بمنتصف الطريق نستدلها من المجاز التالي محتارةٌ في انتظار فجركَ …

نستشف من سيميائية الحيرة رؤية دلالية مواربة للمراجعة والتأني لمعاينة تنظيرية للتمحص النفسي والفكري، لترجيح الخطى بين الذات والعام، والخطأ والصواب، فتتصدى لنفسها بقرار الانتظار، مما يوحي لزمن كوني غير معلوم بتصاعد شعور الذات الواعية كرهان مؤثر لإرادة ورغبة لا تنفصل عن مشاعرها بمسؤولية شخصية فتعاود النظر بتقليب القرار، ايضا يرتد علينا ايحاء رمز التأرجح ونمسك زمامه بإحالة تأويلية لتردد خلجات النفس الانفعالية...

وبخاتمة استفهام زمني واستغراب مقيد بالاستحالة والممكن يبدو في الصورة الشعرية التالية ...

تُرى متى تُشقشقُ الأنوار…؟!

اتقد التساؤل بمدى استفهامي مفتوح الزمن (متى) بمنحى استطلاعي للتغير بدلالة رمز استعاري (الأنوار) احالة لأمل إنبعاث جديد يشي بتنور فكري، كذلك بباطن معجمية التشقشق بداية الفجر يومئ لشروق ضوء المعرفة الإنسانية من الأنا للمطلق، وما تُرك من بياض باستفهام لوقفة تأمل القارئ ليضيف ماهية رؤاه بتأويله وتحليله ...

خاتمة:

لنلقي الضوء على ابستمولوجيا رمز التأرجح ودلالات الإيحاء التي اعتلت النص، وطغت على نسقية الاسلوب بسلسلة مشاعر إنسانية بتوالد يرتشح من ذاتية موضوع لمَعين مركزية الخطاب، متزحلق من أول عتبة لآخر دفقات الختام ..متواري ..مترائي، بجمال كيان النص، تكتشفه مجسات رؤى القارئ المعرفية بفلسفة دلالات فكرية من معترك المنطق أو حسية تجريبية التوقع،افتراضي الإيماءة، يذكر الدكتور غالي شكري (ايديولوجية الشاعر الحديث تنبع أساسا من إحساسه الذاتي بالقضايا الكيانية الكبرى،لذلك فهو لا ينحصر في أطر سياسية او اجتماعية او اقتصادية وانما يكتسب ايديولوجية في الإطار الحضاري الشامل لمأساة الإنسان)*1، بادلجة الحداثة لقصيدة النثر باختلاف المسميات، يبدو صدق الحالة الشعورية للشاعرة بشعرية ديناميكية التشكيل محكمة النسجة بجمال فنية المضمون، برسالة حتمية الاعتراف بإنسانية المرأة طوبوغرافية نوع من نفس واحدة كما ذكر في القرآن الكريم من سورة الشمس (ونفس وما سواها)، كإنسان بطيف رقة الخلق ورهافة عاطفة، برؤية الشاعرة سجال لقضية انسانية مهمة ابدعت التصوير بابتكار لون الرؤى وأُطر التأمل

 

بحث وقراءة إنعام كمونة

............................

1/ شعرنا الحديث ..الى اين ص 256/ ظواهر التشكيل ورؤى الشعر العراقي الحديث،

 

 

وسام عبدالعظيم عباسفكرت كثيراً وانا متجه الى العرض المسرحي، (الراديو) اخراج محمد حسين حبيب وتأليف كين تسارو-ويوا، الذي قُدم في جامعة بابل كلية الفنون الجميلة بتاريخ 1/6/2021، وقلت ماذا سيقدم العرض من جديد والاستعارة الاسمية له كادت ان تنقرض، كيف سأتفاعل مع عرض مسرحي اسمه راديو، ازاء التطور التكنولوجي الفائق ومغرياته المتاحة في متناول اليد كالسينما وما تعرضه من اعمال عالمية،  فضلاً  عن مغريات الصورة البصرية للعروض الاستعراضية واشكالها الماتعة التي ترتكز على التقنيات الرقمية والاضاءة الليزرية، بالإضافة الى الالعاب التفاعلية التي هي  في كثير من الاحيان اكثر ابهاراً مما يُقدم في عديد من العروض المسرحية، وما عزز في خاطري هذه الفرضية، تَصَوري ان اغلب شخصيات العرض تنتمي لإيقاع جيل السبعينات، الذي لا ينسجم كثيراً مع الجيل المعاصر والمزاج الذي يعيش فيه، فتبادر في ذهني، واذهان ممن يفكرون بطريقتي، اننا سنشاهد عرضاً تعليمياً / تربوياً/ مدرسياً بامتياز، وهذا ما لا يمكن ان يقدم لنا المتعة او الإشباع الخيالي بوصفه قائم على وظيفة معينة، بالإضافة الى ان اغلب الممثلين في العرض هم من الذين لديهم خبرة في مجال المسرح المدرسي ومتضلعين فيه، فافترضت ان اشتغالاتهم السابقة ستتمظهر في الراديو، وكل المعطيات تؤكد هذه الفرضية، ابتداءً من تصميم بوستر العرض الذي يُشير صراحة لصورة الراديو/ المذياع هو نفسه لا لشيء اخر يمكن ان يكسر افق توقعي، بقي هذا التصور حتى لحظة دخول القاعة وما زاد على ذلك؛ واقعية الصورة الاولية للعرض  والمباشرة المقدمة على الخشبة من خلال بعض الادوات والاكسسوارات التي تظهر، كون الستارة لم تفصل بين الخشبة والصالة، فهي مفتوحة منذ البداية، فضلاً عما يعلنه المخرج في شاخصة العرض، ان مدة العرض ستين دقيقه، قلت في نفسي يا له من عذاب .

بدأ العرض بمشهد استهلال عَرفَ من خلاله المخرج، طبيعة شخصياته التي ستُدير دفة العرض، وكَشَفها لنا مرة واحدة، فتنوعت بين البائع (حسنين الملا) والموظف (علي التويجري )، وصاحب الدار(مهند بربن)، والنزلاء الذي فيه (احمد عباس، ومحمد حسين حبيب)، ثم يستمر العرض ليكشف عن شخصيتين رئيسيتين/ النزلاء، امتازت صفاتهم بالكسل والملل والفقر، وعدم الارادة، فهما نموذج للإنسان المتقاعس العاجز عن مجابهة المجتمع والانخراط فيه، تدور احداث العمل في غرفة تنقصها جملة من مقومات العيش الكريم، ليس لديهم ما يفعلوه سوى ان يقضوا الساعات من اليوم في نقاشات لا طائل منها يختلفوا في بعضها و يتفقوا في الاخر ليس  عن قناعة انتجها الحوار انما لمصالح خاصة، وهكذا تنتهي لديهم الايام، ويتهربوا نهاية الشهر من صاحب الايجار باستخدامهم شتى انواع الكذب والخديعة  والاحتيال.

2512 راديو 1

على الصعيد الفني لجماليات العرض امتازت الصورة البصرية بمنطقتين الاولى اشبه بمنصة مرتفعة عن خشبة المسرح تتوسطها شخصية مستمعة للأحداث عبر الراديو، قدمها (علي العميدي) التي ظهرت منذ الوهلة الاولى للعرض حتى نهايته، ما يحسب لصانعها ان هذا التشكيل اعطى شكلاً بصرياً مغايراً عزز من تأثيث فضاء العرض،  وما يحسب عليه عدم توظيفها بشكل فاعل، اذ بقيت اشبه بالصورة الثابتة طوال فترة العرض ولم يتم تفعيلها والممثل الذي فيها الا في حركة بسيطة تُشير الى تغير موجة الراديو وهي غير كافية، وقد كان بالإمكان ان تتداخل مع القسم الاخر على خشبة المسرح عبر تعليقه على الاحداث سلباً او ايجاباً، او تفعيل ادائه مع الراديو بوصفه ناقلاً لحركة النزلاء وما يحدث معهم وهذا بطبيعته يمكن ان يزيد من فاعلية الصورة البصرية للعرض .

والقسم الاخر هو المنطقة الثانية على الخشبة بوصفها غرفة للنزلاء، جاء تأسيس المكان والصورة الاخراجية فيه بشكل اعتمد الواقعية في منطلقاته وكل ما قُدم فيها بصورة واقعية بدءاً من الازياء الى الديكور والاكسسوارت، اذ تم توظيف السرير/ المنضدة/ المغلاة/ الراديو /الشاي/ الاكواب وتدور الاحداث وكأنك تسمع النص لا ان تشاهده ما اعطى الحيز الاكبر للمنطوق على حساب الصورة البصرية للعرض،  ولعل الغاية من تقديم العرض بشكله الواقعي هو لان المخرج مدرس لمادة الاخراج في الكلية، اذ اراد ان يبين لطلبته والمشتغلين في المسرح ان العرض يمكن ان يُقدم بشكل واقعي بالاعتماد على حرفية المخرج ومهاراته رغم كل ما للتقنية من ابهار جعل من البعض يتصور انها اطاحت او يمكن ان تطيح بالعرض المسرحي الذي يعتمد على تقنيات الممثل الاعتيادية وتقنيات المسرح التقليدية، اذ اثبت مخرج العرض ان المسرح يمكن ان يُقَدَم بواقعية رغم العصف التكنولوجي الذي اعاد صياغة الفنون بمجملها، وما يحسب له ولـكادره الدرجة العالية من الاتقان والاهتمام بأدق التفاصيل على خشبة المسرح، اذ سار كل شيء بانتظام وانضباط عال، رغم كثرة التفاصيل التي يستخدمها الممثلين، الا ان كل شيء تم توظيفه بشكل منسجم مع الشكل العام للصورة البصرية وحركة الممثلين فيها، وما زاد من فاعلية العرض هو الترابط الوثيق بين اجزاءه الذي جعل من ايقاعه متدفقاً لم يسمح لاذهاننا كمتفرجين ان تغادر ولو لثوان خارج ما يحدث في الخشبة على مدى ستين دقيقة وهذا ما لا يتحقق بسهولة الا اذا كان للعرض منطق يساعدنا على متابعة احداثه وتفسيرها لان متعة المسرح مركبة تحدث نتاج المزج بين المراقبة والتفكير والانفعال، والتسلية،استمرت وتيرة العرض بالتزايد رغم اعتماد الممثلين على تقنياتهم الاعتيادية وما متاح من اكسسوارات دون اي معززات رقمية سانده. و ان الحركة المنضبطة للممثلين وتعاملهم مع مكونات العرض التقنية وترابط اجزاء المَشْاهد مع بعظها والشخصيات جعل من العرض يسعى الى تحقيق الهدف الاعلى وخط الفعل المتصل الذي نادى به المخرج الروسي الكسي بوبوف عبر تحقيق السمترية والترابط المنسجم بين الممثلين ومكونات العرض

2512 راديو 2

اما المنظومة الادائية للممثلين فلها الكفة الاكبر من جماليات العرض، وقد فاقت عمل المخرج في انشاء الصورة البصرية اذ امتازت الشخصيات بتنوع ادائي لافت، واجتهاد واضح في مجمل الشخصيات المقدمة، لا سيما شخصية (الآلي) التي مثلها (احمد عباس) ولشدة أدائه المتدفق اعاد في ذاكرتي تساؤلاً فحواه ماذا يفعل الممثل حتى يصل الى جماليات الاداء وذروته؟، ماذا يفعل الممثل في لحظات التجلي الذي تجعلنا كمتفرجين نشعر بتلك النشوة ونتفاعل مع ادائه؟ اذ قدم جملة من الاداءات المختلفة في آن واحد، كان جائعاً فأشعرنا بصراع احشاء معدته، صار ثملاً زكم انوفنا برائحة الخمر، ثم اميراً ليغمرنا برهبة الحكام وعظمتهم، فضلاً عن صمته المدقع الذي نقلنا الى عوالم خارج فضاء العرض لحظة اكتشافه اقرب الناس اليه (باسي) يمارس الحيلة والكذب والخديعة حينما انتحل صفة رسمية غير صفته وخدع الاخر بها، فجاء ادائه اشبه بالعصف الذهني الذي جعل من صمته كلام منطوق . ومن خلال مشاهدتي لـ (احمد عباس) بوصفه ممثلاً ازعم ان هذه الجماليات جاءت نتاج جملة من الفواعل:

1- الدقة في تفعيل تقنياته الصوتية والجسدية بشكل مهاري عال، وهذا تبلور نتيجة للخبرة المتراكمة و التمرين المستمر للممثل .

2- الجهد الادائي الواضح في تحقيق تطابق الفعل الداخلي مع الفعل الخارجي للشخصية .

3- الوعي في العمل مع نفسة بوصفه (احمد) ومع الشخصية التي مثلها (الآلي) وجعل مسافة بينهما .

4- تطابق الفعل الادائي لمهاراته العقلية وخياله وانفعالاته، مع الفعل الخارجي للجسد .

اما اداء الممثل (محمد حسين حبيب) فانه وْسِم بالاستراخاء العال والتلقائية في الفعل ورد الفعل، ورغم ما لهذه الصفات من اهمية في الاداء الا انها اوقعته في مطب اخر، اذ انه لم يعطي للشخصية التي مثلها نمطاً معين او سلوكاً خاصاً بها كما فعل اقرانه الممثلين في الشخصيات الاخرى من العمل ذاته، فضلت شخصيته دون ملامح واضحة، ولشدة استرخائه غالباً ما كان ينقل حركاته اليومية الاعتيادية المألوفة نفسها على خشبة المسرح، كظرب كلا يديه مع بعظهما (وهي تصفيقةٌ واحده)  في اطراف الاصابع وقد تكررت لأكثر من مره دون تبرير واضح، فضلاً عن ايقاع شخصيته الذي لم يكن ينساق بوتيرة منتظمة، فتمظهر ذلك من خلال جملة من الحركات التي تم رصدها، عبر وضع يديه في جيوب بنطاله، وتارة اخرى يلفها على ذراعيه وكانه حائراً بها، ما اعطى انطباعاً غير راكز عن شخصيته، كما بان جلياً عدم اعتماده هيئة واضحة للشخصية التي مثلها في مشهد الرقص الذي قدمه، فاذا افترضنا ان هذا الاداء للشخصية العفوية التي فيها شيء من شخصية الممثل (محمد حسين حبيب) فهي غير منسجمة مع هيئته وعمره، لذا كان الاجدر ان يرسم ملامح واضحة لشخصية (باسي) وخطاً يتفرد به عن شخصيته كممثل، وربما يعود السبب في ذلك للوظيفتين المناطة به (المخرج و الممثل)  الذي يؤديهما في آن واحده اما على صعيد اداءه الصوتي فقد امتاز بالقوة والوضوح والثبات.

فيما جاءت شخصية صاحب الدار التي قدمها الممثل (مهند بربن) بوصفه سانداً للحدث الرئيس داخل العرض، فقد ساقنا معه ببراعة وحرفة وجعلنا نعتقد انه ثملٌ حقاً، لكن سرعان ما كسر خط فعل الشخصية بمخاطبته لمنفذ التقنيات عبر اعتماده تقنيات الاداء الملحمي، فتحول من ذلك الشخص الثمل الى الشخصية الواعية الراكزه التي وجهت خطابها عبر اللاقص الصوتي بنبر شجي ليكسر التماهي الذي قد يصل بين الشخصية والمتفرجين .

وقد سار على النهج ذاته شخصية رجل الامن الذي جسدها الممثل (علي التويجري) ولا يؤخذ على ادائه الا في مشهد التوسل لشخصية الضابط التي انتحلها (باسي) من خلال كثرة التوسل وطلب العفو (ارجوك يا سيدي ... سامحني ياسيدي) فقد تكررت مراراً وكأن هناك ضعف في بنية النص لم يتم تداركها من قبل الممثل او المخرج، وقد كان بالإمكان تعضيد المشهد بحوارات اخرى . وكذا الحال بالنسبة لشخصية البائع الذي قدمها (حسنين الملا) بوصفها ساندة للشخصيتين الرئيسة في العرض، فقد كان لهم الفضل في تعزيز ايقاع العرض وتنوعه .

اما على صعيد التنفيذ التقني للإضاءة والصوت فقد وفْقَ كل من (علي عادل) و(علي المطيري) بالتنفيذ المنضبط الذي سار مع ايقاع الممثلين والشكل البصري للعرض .

وان ازدياد وتيرة ايقاع (الراديو) وتماسكه  طوال الستين دقيقة  بعرض امتازت خصائصه الادائية والبصرية (بالواقعية) هو الذي عزز الاعتقاد بان الراديو يمكن ان يلتحق بالتطور التكنولوجي الفائق.

 

د. وسام عبد العظيم عباس

 

 

عبير خالد يحيىدراسة ذرائعية مستقطعة في قصائد للشاعر العراقي وليد جاسم الزبيدي من ديوان مرايا الورد

مقدمة: مما لا شكّ فيه إطلاقًا أن هناك علاقة وثيقة ومحكمة بحتمية التأثير والتأثّر بين الفنون جميعها بالعموم، ومنها الأدب بالخصوص، وبين المجتمع، فالتطوّر الذي يشهده أي مجتمع، وعلى أي مستوى كان، اجتماعيًّا أم سياسيًّا أم اقتصاديًّا أو ثقافيًّا، يرتكس له الأدب، ويتطوّع ليكون أداةً ومؤشّرًا ومقياسًا يقيس هذا تطوّر، وبالأخصّ التطوّر الاجتماعي الذي تدفعه عجلة الحداثة ليحتلّ صدارة المشهد الحضاري والثقافي في أي مجتمع. لقد كان الشعر العربي سيد الأدب، وأول من وعى هذه الحقيقة، ولو بالفطرة بدايةً، تحت ذريعة أن الأدب انعكاس اجتماعي، فكان الشعر القريض، وكان شعراء القريض ينظمون قصائدَ كالمرايا، تعكس صور مجتمعهم وحياتهم الاجتماعية كما هي، فتأتي قصائدهم مباشرة، تشرح المحيط الاجتماعي والبيئة الطبيعية والقضايا المحدودة شرحًا مباشرًا بعيدًا عن الترميز والعمق، فقط منزاحة نحو الجمال، بأغراض شعرية معدودة، لاتتجاوز الذمّ والمدح والغزل والفخر والرثاء.

لقد شهد القرن العشرين تطوّرًا اجتماعيًّا كبيرًا على المستوى الكوني، ولم يكن المجتمع العربي بمنأى عن هذا المدّ الحضاري ولا عن هذا التطوّر الاجتماعي، الذي تعقّد فيه المجتمع تحت ضغط التطوّر العلمي والثقافي والتكنولوجي في جميع ساحات الحياة وزواياها العلمية والاجتماعية والأدبية وغيرها، وهذا التطور بدوره خلق محيطات وبيئات مختلفة لا تمتّ بصلة للبيئة التاريخية التي سبقت، بمعنى أن كل حقبة من الزمن لها بيئة أدبية ومحيط أدبي جديد، لذلك يقف الأدب مرآة عاكسة للبيئة الآنية مثلما كان للبيئات السابقة، مستجيبًا لضرورات الدعوة إلى مواكبة التطوّر الاجتماعي من جهة، ومتأثّرًا بمحمولات الذراع الثقافي لأخطبوط الحداثة الغربية من جهة أخرى، ما دفع الكثير من الشعراء العرب المعاصرين للدعوة الملحّة إلى حرية الشعر، وانعتاقه من كل ما يمكن أن يقيّد مضامينه، سواء كانت الأوزان الشعرية أم الأغراض الشعرية المعتادة، ليكون الشعر حرًّا، كفوءًا وجديرًا بمهمّة نقد المجتمع، فتقتضي حرية الشعر  الالتصاق بقضايا المجتمع طبقًا لتطور البوصلة الاجتماعية واتجاهها نحو الأدب كبديل للصحافة التي تركت موقعها كسلطة رابعة ساندة للمجتمع، فتقدّم الأدب خطوة للأمام لاحتلال موقعه في الريادة، ليكون عرّابًا للمجتمع، وهذه المكانة تفتح للأدب أبوابًا تفرض ظهور أغراضٍ جديدة تمكّنه من القيام بمهام تلك العرابة، وهذه الأغراض تتنوّع بتنوّع قضايا المجتمع المتعلقة بالتطوّر والعصرنة الآنية في جميع جوانبه السلبية والإيجابية، ولو ضربنا مثلًا عمّا قلنا، سنجد الشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي،وهو شاعر يكتب القريض، يدعو لأن يكون في الشعر غرض اجتماعي حر، هدفه متابعة إرهاصات المجتمع، في قصيدة شهيرة له يتناول موضوع حجاب المرأة، بحريّة الرأي الفكري والفلسفي الخاص به يدعو المرأة العراقية إلى نزع الحجاب، بأسلوب راديكالي:

مزّقي يا ابنة العراق الحجابا    واسفري فالحياة تبغي انقلابا

مزقيه أو احرقيه بلا ريب        فقد كان حارسًا كذّابا

ما الغرض الشعري في هذه القصيدة؟

هل هو المدح؟ لا،

هل هو هجاء؟ لا،

هل هو رثاء؟ لا

غزل؟ لا ....

فهو ليس غرضًا من الأغراض التقليدية، هو غرض اجتماعي، دعوة لنقد اجتماعي، بغض النظر عن كون الدعوة سلبية. لأننا سنجد شعراء آخرين يستجيبون لنفس الدعوة ولكن بفكر أعمق، يتجاوز شكل الظاهرة الاجتماعية، متبصّرًا في أعماقها، ومحلّلًا تداعياتها، وهذا ما فعله الشاعر المصري حافظ ابراهيم في قصيدته المشهورة (الأم مدرسة) حيث تناول نفس الموضوع، حجاب المرأة،لكنه تناوله بالعمق، حجب المرأة عن العلم، وعن كل ما يصعد بها فكريًّا واجتماعيًّا وأخلاقيًّا، فجاءت دعوته متعقّلة، متطورة ورزينة، يقول:

الأم مدرسة إذا أعددتها    أعددت شعبًا طيب الأعراق

أنا لا أقول دعوا النساء سوافرا    بين الرجال يجلن في الأسواق

فإذًا، نستطيع أن نقول: إن شعراء القريض، ومع تطوّر المجتمع، كانوا أول من أحسّ بضيق الأغراض الشعرية التقليدية، فانبثق من هذا الضيق بوادر شعر جديد، بأغراض جديدة، وهذا المفهوم لحرية الشعر أيضًا، بعد أن انعكس بشكل متعلّق بالمضمون، ينعكس أيضًا بآخر، بالشكل الشعري، وبما أن النص الأدبي هو سباق بين الشكل والمضمون، نرى هذا السباق يستمر في بوتقة التطور الإنساني، لذلك ما عادت القافية ملزمة للشاعر، فقد خرج عنها نحو التفعيلة، ثمّ نحو الحرية الكاملة تحت ضغط المضمون على الشكل، فتنوّع الشعر الحر طبقًا لدرجة الحرية الماثلة فيه وبشكل نسبي: (قريض /قافية) مقيدة، (وسيط- تفعيلة/ موسيقى تفعيلة) حرية نسبية، (نثر /موسيقى داخلية) حرية كاملة.

في المجلد الثاني من الموسوعة الذرائعية، الموسوم ب / الذرائعية وسيادة الأجناس الأدبية / يميز المؤلف المنظّر الأستاذ عبد الرزاق عودة الغالبي في الشعر الحر المعاصر ثلاثة أنواع: الشعر الوسيط – شعر التفعيلة – وقصيدة النثر . يقول:

"الشعر الوسيط [1]: الشعر الحر هو تأثير غربي دخل الأدب العربي بدافع إذلال قصيدة القريض ومحوها من ذهن الإنسان العربي، وذلك محال، حيث جاء الرد عكسيًّا من شعرائنا حين نحتوا منه الشعر (الوسيط) بموسيقى خليلية، وتعبير غربي مليء بالانزياح نحو الخيال والرمز، فكان لونًا حداثيًّا جميلًا انبثق من سيّدته قصيدة القريض بشكل جميل ومبهر، وحلقة وصل بين القريض والحر المستورد، وتلك حركة عبقرية نابعة من الانزلاق الحيادي للرفض المجتمعي لساكني ذلك الزمن الجميل (منتصف القرن العشرين) الذي يتمسّك بالموروث ولا يرضى بديلًا عنه، ومن هؤلاء الشعراء شاكر السياب ونازك الملائكة، فكانوا عندها مختبئين تحت جلباب الحذر والخجل من أنهم أدخلوا شيئًا غريبًا للخيمة العربية المترعة بشموخ فراهيدي، لذلك جاءت أوزان قصائدهم (وسيطة) تميل نحو الأوزان الخليلية بتحفّظ شديد من تطبيق الحرية الكاملة والاتجاه المستعجل نحو التفعيلة بشكل كامل .... "

لقد أطلقت الذرائعية مصطلح (الشعر الوسيط السيابي) على الشعر الذي يركب موجة الشعر السيابي الذي يجمع بين موسيقى التفعيلة والمضامين المتعددة. وخروجه عن الأغراض الشعرية السلبية من مدح وهجاء وذم، وكسب مفهومًا ذرائعيًّا حين دخل المذاهب والمدارس الأدبية.

هذا النوع من الشعر الحر (الوسيط) والذي ساهم بتقريب الحرية للشعر القريض الذي استفاد منه كثيرًا فصار يلاحق المعنى بدرجة ملاحقته للموسيقى الخليلية وأكثر، والاستفادة الكبرى كانت بخروج الشعر القريض عن الأغراض الشعرية السلبية، وقبوله الانزياحات نحو الرمز والخيال، فصار عميقًا بعد هجره المباشرة التكوينية، مع بقائه متمسّكًا بالوزن والقافية.

في هذا النوع من الشعر، الوسيط السيابي، والتفعيلة، بالإضافة إلى قصيدة النثر كاملة الحرية، كتب الشاعر وليد جاسم الزبيدي ديوانه (مرايا الورد) الذي سنتناول بعض قصائده بالدراسة الذرائعية.

السيرة الأدبية للشاعر:

الاسم/ وليد جاسم الزبيدي، التولد/ العراق- بابل/ 1956م.

عضو اتحاد الأدباء والكتّاب في العراق. / عضو رابطة الأدباء العرب/ عضو اتحاد المؤرخين العرب/ عضو رابطة المبدعين العراقيين/ عضو رابطة الأكاديميين العراقيين/ عضو الاتحاد الدولي للشعراء والأدباء

- خريج الجامعة المستنصرية/ كلية الإدارة والاقتصاد للعام الدراسي 1976/ 1977م.

بكالوريوس لغة عربية –جامعة بابل/ كلية التربية-قسم اللغة العربية للعام الدراسي 1999/ 2000م.

ماجستير تحقيق مخطوطات عربية/ جامعة الدول العربية/ معهد التاريخ العربي- للعام الدراسي 2005/2006م.

دكتوراه تراث فكري –جامعة الدول العربية/ معهد التاريخ العربي – للعام الدراسي 2008/2009م.

التخصص الدقيق: أدب عباسي.

الإصدارات:

ديوان خرافة المرايا- مكتبة الأدباء/ بابل سنة 1995م.

ديوان حصى الانتظار- مكتبة الأدباء/ بابل 1998م.

كتاب جمهرة الإسلام ذات النثر والنظام/ دراسة وتحقيق مخطوطة- دار الضياء للطباعة- النجف الأشرف سنة 2010م.

كتاب (ذاكرة المكان) دراسة اجتماعية، دار الضياء- النجف الأشرف سنة 2010م.

ديوان محارتي/ دار كنوز المعرفة/ الأردن سنة 2011م.

كتاب نقدي (أوراق ورأي)- دار كنوز المعرفة / الأردن 2012م.

كتاب (محمد مهدي البصير مؤرخًا) دار تموز-دمشق سنة 2013م.

ديوان (تغريدات نخلة)- المركز الثقافي بابل- القاهرة سنة 2014م.

كتاب نقدي (فانتازيا النص في كتابات وفاء عبد الرزاق)، تقديم: د. علي حسين عبد المجيد الزبيدي، دار العارف- بيروت سنة 2015م.

كتاب (كمامة الزهر وفريدة الدهر) – دراسة وتحقيق مخطوطة/ دار الميزان – النجف الأشرف/ سنة 2015م.

ديوان (أيقونات على مكتب الذاكرة) –عن المركز الثقافي بابل-دمشق- القاهرة سنة 2017م.

ديوان (مرايا الورد) –مؤسسة نجيب محفوظ- القاهرة / سنة 2017م.

دراسة نقدية (الظاهرة الأدونيسية بين الأصالة وآفاق الحداثة- دراسة في كتاب ديوان الشعر العربي-) دار السكرية/ القاهرة /2018م.

ديوان (أناشيد الرّائي)- دار السكرية/ القاهرة، 2019.

ديوان الظلّ ضوءاً- دار الفرات للثقافة والاعلام – العراق- 2020م.

كتاب نقدي(مرايا وأقنعة في السرد –في كتابات د.فاتحة مرشيد)- دار مقاربات- فاس/ المغرب/ 2020م.

كتب تحت الطبع:

-كتاب غزل المحبين، للشيخ مرعي المقدسي (ت1033هـ)، دراسة وتحقيق.

-كتاب الشراكسة ، للشيخ مرعي المقدسي، دراسة وتحقيق.

مستويات الدراسة الذرائعية

أولًا- المستوى البصري اللساني والجمالي:

المدخل اللساني:

نبدأ بدراسة الدلالات اللغوية التي يطرحها الشاعر في الديوان، لنقف على ثيمة كل قصيدة، وبعدها نحدّد ثيمة الشاعر واستراتيجيته وبؤرته الفكرية.

اخترت من الديوان عشر قصائد:

القصيدة الأولى:  بعنوان "اش زهرون " .

بالبداية سنتفق على حقيقة يقرّها النقّاد باختلاف مناهجهم، وبالأخص المنهج الذرائعي، وهي: إن العنوان هو الدلالة الأولى التي تعطينا بؤرة النص أو ثيمة القصيدة، فإذا أُدغِم العنوان يستقصي الناقد الثيمة في متن القصيدة نفسها، وهذا ما يفعله الشعراء الرمزيون، يقفلون العنوان فيكون (رمزًا مقفلًا) فتُقفَل الثيمة، ويصبح العنوان تجريدي Abstract مثل الفن التجريدي في الرسم تمامًا، حيث يقوم الفنان بتجريد اللوحة من الشكل الصُّوَري، ويعوّض فيها عن الشكل باللون فقط، فتُحلَّل اللوحة انطباعيًّا (المدرسة الانطباعية لقراءة وتحليل الفن التجريدي)، أي وفق نظرية الفن  للفن، وحين امتزج الأدب مع الفن بدأ الأدب يُقرَأ انطباعيًّا، أي وفق نظرية الأدب للأدب، والتي يُكتَب فيها الأدب بلغة أدبية غير خاضعة لشكل، يُكتَب فيها النص بالأسلوب الرمزي المقفل.

بالعودة إلى قصيدة " اش زهرون":

اش: لفظة سومرية تعني فعل أمر (اسكت)، وهي تدل على تكميم الأفواه.

زهرون: " هو زهرون الملا خضر بن بدران بن قارجار ال زهرون عمارة، والملقب ب (زهرون عمارة) صائغ فضة عراقي ولد في محافظة العمارة من الديانة الصابئة المندائية، عرفه تقريبًا كل أشراف وملوك العالم "[2]

" اش زهرون" عنوان أعطى البؤرة، أو ثيمة القصيدة، فاقتران توجيه الأمر بالسكوت لشخصية عراقية ممثّلة بشخصية علَم مشهورة يحيلنا إلى ثيمة سياسية. وهي ثيمة سنجدها مستمرة بدلالات كثيرة على امتداد هذه القصيدة السيابية الوسيطة، وسأشير إلى بعض تلك الدلالات بخط، حيث يبدأ الشاعر قصيدته بشعارات ثورة، تُطلِقُ لسانَ الشعب من عقال الخرس، وتقتلع خوفه من جور السلطان وسوط السجان:

إش .. إش

لا إش بعد اليوم

فالأخرس نطقْ

والخوف مزّق أغلاله

والصوت فِرَق

إيه .. زهرون ..!

تتفيأ بستان السلطان

والبستان ظلال ال (إش)

و(إش) سوط السجان

ويعرّج الشاعر على كل دروب وعيوب المجتمع، فينقد السياسة الاقتصادية والفساد الاقتصادي نتيجة سوء تطبيق النظام الاشتراكي من قبل الحزب الحاكم، بأسلوب الكوميديا السوداء، باستدعاء أرباب الاشتراكية (الروسي كارل ماركس- والألماني فريدريك إنجلز)، وما يمكن أن يفعلوه وهم يشاهدون نِتاج اشتراكيتهم في العراق، وكيف انعكست على حال الوطن والمواطن، فقرًا وتجويعًا وحربًا أهلية وتهجيرًا وتشريدًا:

لو .. (ماركس) يأتينا اليوم

لأخفى " رأس المال "

بجوارب " أنجلز "

لاستحيا خجلًا من هذا العصر

من التنظير

فلا تنظير، ولا تطهير، ولا تحريرْ

فالسوقُ اختلفتْ

والسَوقةُ والأرباب

إيه .. زهرون ..!

اختلفت فيك نظرياتُ:

الموت، والحرب الأهلية،والجوع

ورصيفٍ كان لك مسكن

تلغيه البلديةُ من خارطة التصميم

فأنت المتجاوزُ على حقوق

الأمم المتحدة

وحقوق الحيوان

في عولمة صارت هجرة

يلفظُنا الوطنُ فننزح

وبنفس الكوميديا السوداء، ينتقد الشخصية العراقية التي ما نمّا فيها الظلم الاجتماعي إلّا الممالأة والنفاق الثقافي، وركوب الموجة العريضة، وامتطاء الفكرة الرائجة، تُهلل، على السواء، لزعماء الاشتراكية السوفييتية والرأسمالية الأمريكية، وكلتاهما اغتصبت أمنها ومالها وكرامتها، وكأن هذه الشخصية مصابة نفسيًّا بـ(متلازمة ستكهولم)[3]، شخصية مزدوجة المعايير، تتقلّب بين الخير والشر،تارة تكورة شخصية ملائكية خيّرة، تناصر الفقراء، والأطفال واليتامى، مخلّفات الحروب ومخيمات اللجوء (أنجلينا جولي)، وتارة أخرى تكون شخصية شيطانية فاجرة ك (راسبوتين)، شخصية مهلّلة، مبهورة بكل القادة الكونيين (بوتين- ستالين- كاسترو – ترامب).

زهرون العراقي، وقد انطوى فيه كل الأعلام المذكورين من كلا المعسكرَين الكونييَن المتنافرَين.

إيه .. زهرون..!

كنتُ أظنك تبقى أبيضَ

لا تتقلبْ

تكدحُ.. تتعبْ

لكني .. قرأتُكَ في صحفِ

" بوتينيًا" قُح

أكثر من " بوتين"

تحتسي " الفودكا " مع صورة " ستالين"

وتدخنُ سيكار " كاسترو"

وتأخذ " سيلفي"

مع " أنجلينا جولي"

وتضاهي خسة " راسبوتين"

في فصلٍ آخر

تتبدلُ أوراقَك، تصوّت، وتهلّل

تصدح بلون " ترامب"

" ترامبيٌ" أنتَ ومسكين

مسحورٌ ببرهجة التكوين .

 

القصيدة الثانية: بعنوان " اشتغال"

المعنى القاموسي ل " اشتغال": عَمَل، حركة، سَير

وهو عنوان مُدغم ومُبهم، لا يكشف ثيمة القصيدة، التي وجب علينا استقصاؤها في القصيدة نفسها، عن طريق تقنية الاستنتاج الدلالي: ونعني بها الغوص لمعرفة ما لم يُعرَف .

ونبدأ باستخراج دلالات ملقاة في القصيدة، أشير تحتها بخط:

قد تساعدكِ: الغيرةُ

في حرق أوراق العتب

أو تؤشّري

في بعض الكتب

عباراتٍ للعشقِ، والحبِ

من واضح من الدلالات (الغيرة_ العتب- العشق – الحب- وياء المخاطب المؤنثة) أن القصيدة خطاب عتاب رومانسي بين الشاعر وحبيبة، فالثيمة رومانسية.

وعلينا أن نجد العلاقة الإجرائية بين العنوان و الثيمة، وإلّا كانت القصيدة ساقطة فنيًا.

يتابع الشاعر إلقاء الاحتمالات،(قد تساعدك) مع وسائل المساعدة:

قد تساعدُك: الأسئلةُ

التي صيرتْ عيونَكِ نوافذَ

مكسرةَ الزجاج، مخلوعة الستارة

في الدخول إلى صندوق أسراري ..

أو العبث بأقداري ..

الأسئلة هي حقل الحيرة والشك، والنوافذ مكسرة الزجاج ومخلوعة الستارة هي حقل الهجر والإهمال الطويل، وصندوق الأسرار هو حقل النفس والباطن، والعبث بالأقدار هو حقل الفوضى والكفر والتألّي على الخالق، فحينما تتساءل الحبيبة بعيونها المهجورة المهملة الخربة عن أسباب منعها من الدخول إلى عالم حبيبها الداخلي، تفقد مكانتها ودورها في تشكيل مصيره، فنحن هنا في حقل الهجر .

يستمر الشاعر بنفس الاستراتيجية طرح دلالاته الرمزية، بطريقة الاحتمالات وأدواتها، ليتلقّفها المتلقي لاستكمال العملية الإجرائية:

قد يحيلُكِ: الشكُ آلهةً

تنفخُ غضبها ريحًا

تقتلع سفنَ الحنين

أشرعةَ الدموع

نحو ليالٍ، أولها نسيان ..

وآخرُها: قبلةُ وداع..!!؟

من الدلالات (قد- الشك – آلهة – غضبها ريحًا – سفن الحنين – الدموع- النسيان – الوداع) نحن في حقل الغضب المثار بعواصف الشك، يقصم ظهر الحنين والحزن، ليمضي نحو النسيان وذكرى الوداع.

إن الإحاطة بحقول الدلالات، التي ينبت فيها ما لا يحصى من المدلولات التأويلية، والتي تؤطّرها الذرائعية ضمن نطاق المفهوم، تجعانا ننهي استنتاجاتنا الدلالية التأويلية للوقوف على الثيمة الداخلية للقصيدة، والتي تحوي استراتيجية الشاعر وبراعته الشعرية، ونثبت الغرض في هذه القصيدة على (الرومانسية)، ونستأنف الربط بينها والعنوان " اشتغال"، هذا العنوان يحيل إلى الاحتمالات الإجرائية التي طرحها الشاعر عبر قصيدته منذ الاستهلال إلى قعر القصيدة، والتي حوت كل الدلالات، لبلوغ الثيمة، وبمطابقة المعنى القاموسي للعنوان مع مفهوم الدلالات نجد أن " اشتغال" هو السير والحركة باتجاه الهجر والفراق. بهذه العلاقة الإجرائية بين العنوان والثيمة (غرض رومانسي بثيمة الهجر) استطاع الشاعر ببراعة أن يحولَ دون انهيار القصيدة المحقّق بذريعة انفصال العنوان (المُقفَل)عن الثيمة، هذه العلاقة الإجرائية لو لم تتحقّق لكان الشاعر كمن بنى بيتًا (قصيدة)، ثم وضع بابه الرئيسي (العنوان) عند جاره.

القصيدة الثالثة: بعنوان " الكائن: جلجارا..!"

ثيمة (الأسطورة) واضحة من العنوان، والقصيدة مليئة بالرموز الأسطورية التي وظّفها الشاعر في خدمة قصيدته التي ربط فيها بين أساطير الماضي وأحداث الحاضر، وقارن بين الرموز المتمرّدة الأسطورية (قيثارة سومر- أسد بابل- ثور آشور) وبين الرموز الفكرية الثورية المعاصرة المنادية بالحرية والسلام (حمامات بيكاسو – حصان جودت سليم)، ومزج بين جلجامش المتمرّد الذي بحث عن الخلود،وجيفارا الثائر الماركسي الكوبي الذي بحث عن الحرية، فكان الكائن جلجارا، ولادة رمز (ثوري وطني) أبواه الأسطورة والمعاصرة، وطنه عربي حرّ بلا حدود، غرض وطني بثيمة الأسطورة:

نصفه جلجامش ...

الذي اعتصر في خمّارته

جنون قيثارة (سومر)

نشوة أسدِ (بابل)

عربدة ثور (آشور)

رحلته صوب غابات (خمبايا)

نصفه جلجامش...

الذى رأى نصفه الأسفل

وبلاد الله السفلى ..

ونصفه الآخر: جيفارا ...!

فكرُه: موقدُ ثورة..

كتابٌ يعتقُ نظريات

الديالكتيك .. والميتافيزيك..

نصفه الآخر: جيفارا ...!

حيث الوطنُ، الأملُ

لا تحبسه حدود

يرسم على جدران السجون

حماماتِ بيكاسو،

حصانَ جواد سليم[4]

القصيدة الرابعة: بعنوان " المتجرّدة"

العنوان كدلالة يحيل إلى الثيمة (الصوفية)، النفس الإنسانية عندما تتجرّد من ذواتها باتجاه فضاءات نور الله، يدعم ذلك الدلالات الصوفية التي حوتها القصيدة، غرض وجداني بالثيمة الصوفية:

ما بين ضغينة وبغضاء..

ما بين محبة ووفاء ..

تجردتِ الأسماء..

لتشكلَ دلالات في سماواتٍ

وفضاء..

التوبة ثوب التوت

تداعبه نسمات الخطيئة

وبين مسرةٍ ومسلةٍ

ونبوءة،

القصيدة الخامسة: بعنوان " توكي"

الثيمة واضحة طبعًا من العنوان، لعبة التوكي تحيل إلى ثيمة الطفولة، ومع ملاحظة أن هذه اللعبة هي خاصة بالفتيات من عمر السبع سنوات تقريبًا، وبعد قراءة القصيدة سنجد أننا أمام دلالات رومانسية، حب طفولة، إذا ربطنا بين دلالة المعنى ودلالة العنوان، سنجد أن القصيدة تأخذ غرضًا رومانسيًّا بثيمة الطفولة، وهذا وجدته بكثرة في قصائد الديوان، "غرض رومانسي بثيمات مختلفة ":

زُيّن لي أنكِ طفلتُنا

ولسانُكِ ما زال يُتأتأ،

وأصابعُ ترسمُ في الباحةِ

صورَ مربعْ

و(الغميضةُ)، تسري ليلًا

هل تأتين..؟

تختبئُ (الصايةُ) و(الصرمايةُ)

وغواةٌ سُراق يحكونْ..

أحاديثَ لموسى وهارون..

يرمون الحجرَ، يضجّون..

لكراسٍ تهتزّ بلا فكر

كي .. لا.. ينتبه الناطور

القصيدة السادسة: بعنوان " خائن"

ثيمة الخيانة، أيضًا عنوان مكشوف، وهي ثيمة خاصّة خطرة تشير إلى واقع سلوكي سلبي في المجتمع الإنساني، فالغرض من أغراض الشعر الجديدة وهو غرض نقد اجتماعي بثيمة الخيانة،  وجملة حتى أنتَ .. يا .. تحيلنا إلى جملة هاملت الشهيرة (حتى أنتَ .. يا بروتس)، الشاعر وضع نقطتَين تفيدان الاستئناف، وتشيران دلاليًّا إلى فراغ يجب أن يُملأ بالمنادى، لكنه لا يأتي بالمنادى إلا بعد أن يعدّد مثالبه، يطعن بمدية عمياء(العدالة الزائفة والقوانين المجحفة)، والصعق بالكهرباء (طرق التعذيب الوحشية) :

حتى أنتَ .. يا ..

حتى أنتَ ..

تطعنني بمدية عمياء..

بأجهزة لا كاشفة

تغطي الجريمة والمجرمين

وتصعقني بالتي كانت هي الداءْ..

التي اسمها: الكهرباءْ..

ويستمر الشاعر في سرد انتهاكات وغدر وخيانات (أنتَ)، ثم يكشفه، هو الوطن الذي سمح للقادة بانتهاك الرعية:

حتى أنتَ .. يا وطني..؟؟

ستقتلني ..

وتذبحني..

وتدفنني..

بلا كفنِ..

وهل يُغفَر للوطن الخيانة؟ هنا تتحوّل القصيدة لتلبس الثيمة الوطنية، الشاعر لا يتنكّر لوطنه مهما قاسى منه:

وبرغمها .. أصرخُ:

حتى أنتَ يا وطني..؟؟

ستظل أنت وطني ..

وطني..

وطني..!!

القصيدة السابعة: بعنوان دبابيس كلام

العنوان كدلالة يحيل إلى ثيمة (انتقاد) سلبيات المجتمع، هذه القصيدة نثرية، أي أنها قصيدة مضمون، وعصرنا عصر المضمون، لذلك انتصرت فيه القصيدة النثرية، حين تخلّت الصحافة عن دورها في قيادة المجتمع ونقده وتقويم اعوجاجه، عندها تحرّك الأدب ليكون سلطة رابعة، فتعدّدت أغراضه، وتنوّعت حسب حاجة المجتمع في مطاردة الظلم والفساد والسلبيات، والحضّ على الكفاح في الحياة والمجتمع لنصرة الخير في صراعه الأزلي مع الشر:

دبابيسُ الكلامِ تغصّ بها

تختنق بجرح دمعة

تستفيقُ...؟ لا ...، تجفلُ

مع كل صباحٍ يعلنُ نهوضَهُ

يقرعُ أبوابَ من لا قوتَ لهم ..

كي يشطبوا أيامهم

على خشبِ عرباتهم

المنحوتة على ......

صورة نعش..!!!!!

القصيدة الثامنة: بعنوان " كهرمانة"

" كهرمانة" رمز تقني تاريخي عن العصر العباسي، وهي الشخصية المشهورة في حكاية علي بابا، إحدى حكايات " ألف ليلة وليلة" الفتاة البغدادية التي سكبت الزيت الحار في أربعين جرّة كان يختبئ داخلها أربعون حرامي، فثيمة القصيدة المستقاة من دلالة العنوان هي ثيمة رمزية تاريخية، حيث وظّف الشاعر رمز تقني تاريخي ليقارنه برموز حداثية أشير تحتها بخط، الغرض وجداني بثيمة رمزية تاريخية، القصيدة ترصد حالة الغربة المصاحبة للإنسان حينما تداهمه الشيخوخة، فيجد نفسه فجأة يعيش غريبًا، في غير زمنه:

وفتية آمنوا بصداقات ((الفيس بوك))

وما جمعوا من بوكيمونات فراغهم،

بعدما علّقوا أحلامهم على مسامير:

التوتير .. والواتساب

وأنتَ ما تزال تخاطب العالمَ

ب (الصرصور)

وخطوتُكَ سلحفاةٌ عجوز،

وتجاعيدُك رقيمٌ يتكلّمُ

في زمن بابل

وتكاد تكونُ: أنتَ صوتكَ، أغانيكَ، ذكرياتكَ..

متحفًا

يزورُك طلبةُ الآي باد ..

فيتندّرون .. ويقهقهون..

بل يضعون صورتكَ في صفحاتهم

ليحصلوا على أكثر تعليقات

وأنت ما زلتَ تصبّ

في جراركَ الستين

زيتَ حماقاتك

ليكون زمانك:

كهرمانة ...!!!

القصيدة التاسعة: نخلة صيّون أو حكاية يهودية

قدّم الشاعر لهذه القصيدة بمقدمة عن حال عوائل يهودية كانت تسكن مدينته (المحاويل)أربعينات القرن الماضي، القصيدة قصّة قصيرة بطلها(حمزة القناط) ونخلته (صيّون)، وحمزة شخصية محاويلية كان يعمل ساقيًا للنخل على امتداد طريق المحاويل، القصيدة تحمل ثيمة وطنية، نستدل عليها من الدلالات في القصيدة التي تظهر أن الوطن والمواطنة كانت فوق كل الاختلافات العقائدية:

نخلتُهُ ..

ما يزالُ رطبُها

تأكله السيّارةُ

كان السقّاء يصبّ عليها

من عرقِ جبينه

يسمّونهُ:

(حمزة القناط)

نخلتُهُ:

ظلّتْ مثل مسمارِ (جحا)

يغادرُها ..ثم يعودُ

بعد حنين .. واسترخاء .

 

كان الوطن (العراق) أكبرَ من الحلم القومي لليهود، الصدارةُ فيه للأكفّاء الغيورين عليه بغضّ النظر عن دين النشأة، وكان (ساسون حسقيل)[5] أول وزير مالية في العراق في العصر الحديث، هاجر حسقيل، وهاجر حمزة، وبقيت نخلة صيّون حكاية ترويها الأمهات للأطفال:

هناك رحلةٌ أخرى

في محطة القطار

لمهاجرٍ آخرَ

يسمّى:

(حسقيل)

علّمهم: التجارة والحساب،

لكنّ أمّي،

بين رغيف وآخرَ

تقصّ على طفولتي

قصة نخلةٍ

نأكل منها،

تسميّها:

نخلة (صيّون) ..!

القصيدة العاشرة: بعنوان نبوءات أجاثا كريستي

النبوءة دلالة أسطورية، والثيمة الأسطورة يستخدمها الشاعر بكثرة، ولا غرابة في ذلك، فهو من العراق، سحر الشرق، وبلد الأساطير، تحيط به الرموز الأسطورية أينما أدار وجهه، كما تحيط به أهوال الحاضر ومآسيه، لذلك هو مجبر على الإتيان بالماضي ليستطيع أن يقرأ الحاضر، على مبدأ (وبضدّها تُعرف الأشياء)، وهذه القصيدة أنموذجًا حيًّا عن ذلك، إن نحت الأسلاف حضارتهم النيّرة، فإن الخلف الآن يشهدون نبوءات (أجاثا كريستي) المرعبة عن جرائم فظيعة ترتكبها عصابة داعش:

في مربع يفوق أفق الزمان،

يفوق تكعيبة البحر واللون،

ينحت في رمل دجلة

في صخر (النمرود)

تتفتّح رياضٌ بين كفّيه

وقصورٌ تفتحُ أبوابها لمخيّلتها

مع أنفاسه..... تكتبُ

قصصَها

تأريخًا إلى: نينوى ..

تل عفر

تنبّأتْ قبل قرن ....

في قصصها البوليسية

أن (داعش)

ستأتي هنا ذات ظلام ..

لتسبي النساءْ

وتهتكُ الحياءْ

وتحبسُ المطر..!!

المدخل الجمالي:

شاعر متمكّن من أدواته الجماليّة قبل اللّغويّة. فهو بارع في البديع، وبارع في البيان، وبارع في الجمال، و له استراتيجيته الحسّيّة، عندما يكتب الأسطورة يغدو نحّاتًا تارة، فنسمع وقع إزميله على رمل دجلة، وصخرة النمرود، وعازفًا تارة أخرى، يطربنا بأنغامه على قيثارة سومر،

ينحت في رمل دجلة، في صخر (النمرود)، تتفتّح رياضٌ بين كفّيهِ

تستفيق مع طرقِ فأسهِ

حيث يعلنُ الفتحَ لمقامٍ جديد، زقورة .. معبد

قاموسه في علم البديع ثري:

في الطباق:

الأخرس نطق

السوقة والأرباب

ومضة ظلام

شيخ وطفل

قريبًا، غريبًا

وفي الجناس:

فلا تنظير، ولا تطهير، ولا تحرير

التشريع .. التصريع .. التمييع

خلق، قلق

قدسية، تقديس

الصّاية والصرماية

يحكون ويبكون

مسرّة ومسلّة

في الترادف:

في زمن البؤس وخارطة الحرمان

تكدح تتعب

أوّلها: فنجان نسيان .. وآخرها: قبلةُ وداع

نصفه جلجامش، ونصفه الآخر ُ: جيفارا

ضغينة وبغضاء

وأنتِ النارُ حارقةً، وأنتِ الثلج في الكاسِ

متجرّدةٌ من شرّ ما خلق، من وهمٍ ومن قلق

تأتين بياتًا، وتروحين

تسمع قولي .. وتدعم فعلي

بجرم الخيانة وبيع الأمانة

ستقتلني، وتذبحني، وتدفنني

سنونو العشرين، ونوارسُ الأربعين

يتندّرون .. ويقهقهون

يغادرها .. ثم يعود

أما الصور البلاغية: فغزيرة، معظمها استعارات، وكنايات بالإضافة إلى التشابيه:

يلفظنا الوطن

نؤسس أوطانًا لليتم

لأرامل تلتحف الطرقات

تتسوّل .. تجتر نفايات

شوارع يخنقها الطين

قد تساعدك الغيرة في حرق أوراق العتب

لتفجّر الأفكارُ قدحةَ صورةٍ.. أو ومضةَ ظلامٍ وارتعاشةَ حجر

قد تساعدكِ الأسئلة التي صيّرت عيونَكِ نوافذة مكسّرة الزجاج، مخلوعة الستارة في الدخول إلى صندوق أسراري

قد يحيلكِ: الشك آلهة تنفخُ غضبها ريحًا تقتلع سفن الحنين، أشرعةَ الدموع

صواريه: عناقيدُ كرومٍ تتأرجحُ نجومًا تفطمُ عطشَ المجرات

مجاذيفُهُ: ممالكُ تحضنُ كفَيهِ

مواويلهُ: آهاتُ جوعٍ، وأعوامُ ظمأ تحفر في شفاهٍ آبارَ أغانٍ رعاتُها يسابقون سرابَ ترنيمة ناي.

فكرهُ: موقد ثورة ..وكتاب يعتّق نظريات الديالكتيك .. والميتافيزيك..

وثوبٌ تتجسّد فيهِ مرايا الطفولة،

صورُ كفاحِ نساءٍ يتعلّمنَ حياكةَ صباحٍ يولدُ من دياجير ليل مثقل

حيثُ الوطنُ، الأملُ لا تحبسُه حدود، يرسمُ على جدرانِ سجونٍ حماماتِ بيكاسو، حصانَ جواد سليم

من حقيبتهِ،تخرجُ .... ولادةُ: ج ....ل....ج....ا..ر..ا....!!

التوبةُ ثوب التوت تداعبه نسماتُ الخطيئة

تتناوب غيماتٌ على جبينِ مروءة

تجرّدَ الشجرُ من أوراق همومه، وهو يعدّ دمعاته

تجرّدَ الطريقُ من خطواتِ عشّاقِه، ومن أفولِ لقاء

تجرّدَ الليلُ من قهوةِ حنين، وآخر سيجارةٍ ينفث فيها تعبُ السنين.

تجرّدتِ من خوفكِ، من أسئلةٍ كانت سكاكين في خاصرة استفهام

تجرّدتُ من شكوكي، فكانت غيرتي فزّاعةً تطردُ طيورَ وسواس

وتصعقُني بالتي كانت هي الداء.. التي اسمها: كهرباء.. والتي شُيّعتْ بتلك القرون كسُمِّ المنون

تتقلّبُ بين فكرةٍ، دخانُها يجرّه قلقٌ، يتأرجح بخيوطِ الخوف، تتعلّق بمسامير ذكرى على جدران زمنٍ صاخب

بشعاراتٍ: يحملها النملُ نحو ...مساكنه

أناشيدَ تردّدها خفافيشُ بياضَ السواد

رسوم: تلوّنها ريح غربة .. يوقظها .... حلمٌ

يقتاتُ على ريش جسدها نعومة الصخر، خشونة الحُفاة

دبابيسُ الكلام تغصّ بها، تختنقُ بجرح دمعة

مع كل صباحٍ يعلنُ نهوضَهُ، يقرعُ أبواب من لا قوتَ لهم .. كي يشطبوا أيامهم على خشبِ عرباتهم المنحوتة على صورة نعش..!!!!!

صبابة تعتّقها في جرارِكَ السّتين

تضلّلُ دروب السواقي، تجعلُ لُهاثُكَ طيورًا

خطوتُك سلحفاةٌ عجوز

ينحت في رمل دجلة، في صخر (النمرود)، تتفتّح رياضٌ بين كفّيهِ

تستفيق مع طرقِ فأسهِ حيث يعلنُ الفتحَ لمقامٍ جديد، زقورة .. معبد..

كان السقّاء يصبّ عليها من عرقِ جبينه

على امتداد شارع ما زال يمتدّ أفعى مسالمة، تلوّح لأطفال المدارس بالتحية

على مرمى وردة، كان هناك بيت (الياهو)

نخلتهُ ظلّت مثل مسمار (جحا)، يغادرها.. ثمّ يعود

لكن أمي، بين رغيف وآخر تقصّ على طفولتي قصّة نخلة

ثانيًا – المستوى الأخلاقي:

البؤرة الفكرية الثابتة:

وفيها نثبت ثيمة النص الأدبي، واستراتيجية الأديب وأيديولوجيته الفكرية، وثيمة الناقد أي المنهج الذي يقدم فيه دراسته، وهنا أثبت المنهج الذرائعي كمرجعية منهجية علمية أستند عليه في دراستي هذه.

بالنسبة لثيمة العمل:

بعد استعراض كل القصائد بالديوان، وانتقاء عشرة منها للوقوف على مواضيع القصائد أو ثيماتها، لا بد من العودة إلى الديوان كوحدة دلالية تبحث تحليليًّا عن مدلولاتها المراوغة، وإيقاف مراوغتها التأويلية داخل إطار المفهوم، لقد وجدنا أن في الديوان ثيمات متعدّدة، تراوحت بين الثيمات العامة كالرومانسية بأنواع عديدة، والأسطورية، والوطنية، والسياسية والصوفية، والتاريخية، كما شهدنا ثيمات خاصة تدخل في حقل انتقاد المجتمع السلبية كالخيانة والقمع والازدواجية المعايير .

فإذا عدنا إلى عنوان الديوان (مرايا الورد) وتساءلنا، هل أمكن لهذا العنوان أن يكون قلبَ النص وثيمته؟ هل وُفِّق الشاعر أن يجعل العنوان، كبوابة للديوان، وأولى العتبات، ملخّصًا لكلّ الثيمات التي وجدناها في قصائد الديوان؟

مرايا: جمع مرآة، والمرآة هي أداة لها القابلية على عكس الضوء بطريقة تحافظ على الكثير من صفاتها الأصلية قبل ملامسة سطح المرآة، وتستخدم المرآة للتأنّق الشخصي والتزيين، كما تستخدم في الأدوات العلمية كالتلسكوب والليزر والكاميرا .

وهذا التعريف القاموسي للمفردة الأولى في العنوان يحيلنا إلى حقل عكس صورة الواقع كما هو (مرآة- كاميرا) أي عكس كل مظاهر المجتمع + عكس الجمال (تأنّق شخصي – وتزيين) وأكثر ما يستخدم المرآة للتزيين هنّ النساء الشابات. المرآة كأداة علمية (تليسكوب) تعكس أيضًا دقائق المجتمع البعيدة، وهي أداة معالجة (الليزر) للآفات المستعصية، فالحقل الأول والثالث هو للمجتمع بكل مظاهره وآفاته(الاجتماعية والتاريخية والسياسية والاقتصادية والوطنية،،،،)، والحقل الثاني للرومانسية.  وهي كلّها ثيمات رصدناها في قصائد الديوان .

اقتران (مرايا) ب (الورد) جعل حقل الجمال أكبر، أي جعل ثيمة الرومانسية تطغى، وهذا محقق فعلًا، فالقصائد الرومانسية بأنواعها كانت الغالبة في الديوان.

إذًا، نستطيع أن نقول بمنتهى الأمانة، أن الشاعر عكس حرفنته، وتقدّمه الحسّي الكبير، في اختار عنوان الديوان، وربطَ بدقّة بين العنوان، كعتبة خارجية، و بين قعر النص، أي ثيمته الداخلية التي تحوي استراتيجيته وبراعته النصية.

نحدّد استراتيجية الشاعر من خلال ثيمة الديوان بأنه شاعر رومانسي بالدرجة الأولى، وطني إلى درجة كبيرة، يتألّم لأوجاع وطنه، وينتقد أحوال مجتمعه الحياتية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، هوشاعر مفتون بأساطير حضارات الشرق وسحره،

الخلفية الأخلاقية:

الرومانسيات عنده متحفظة، أنيقة بعيدة عن الابتذال والتجاوز الأخلاقي، مختلفة تمامًا عن رومانسيات التيارات الوجودية الذاتية والإباحية التي لم تحترم كيان المرأة الجنسي تحت ذريعة حرية التعبير، فكانت تلك الحرية تجاوزًا رمزيًّا على الأخلاق،

ثالثًا_ المستوى النّفسي Psychological Level:

الشعر انفعالات وجدانية تهاجم الشاعر الموهوب من حين إلى آخر، مساقة بالحالات النفسية التي يمرّ بها الشاعر، فهي ليست حالات حاضرة التصرّف يستطيع الشاعر أن ينظمَها كيفما أراد، أو يوجّهها حسب ما يُطلَبُ منه من قِبَل الآخرين، ولهذا السبب نجد فرقًا شاسعًا بين نظم الشعر الذي يسلكه مؤلفو الأغاني حينما يُطلَبُ منهم أو يُفرَض عليهم موضوعًا معيّنًا مسبقَ الانفعال، وهذا لا يجوز،لأن الانفعال حالة نفسية عميقة غير مُسيطَر عليها، تُثار بالتأثّر الانفعالي للشخص غير المعنون، وهذا ما أسماه العرب القدماء بشيطان الشعر، (وهل للشعر شيطان؟) .

أمّا التنضيد الشعري فهو حالة تعقب ولادة القصيدة، فحين تولد القصيدة من هذا الانفعال النفسي الواقع بين وعي ولاوعي الشاعر، والذي يتضمّن مفاهيم غير مقرّرة مسبقًا، وإنمّا قُرِّرتْ بحالات نفسية تأثّر بها الشاعر، فتسلّلت إلى أعماق نفسه لتصبح قصيدةً لا يعلمُ وقتَ ولادتها، صباحًا أم مساءً، ليلًا أم فجرًا، وحين تولد القصيدة يبدأ الشاعر بتنضيدها كتنضيد اللؤلؤ في حلية جمالية تعكس إبداعًا مميّزًا، وحرفنة يتقدّم فيها الشاعر خطواتٍ عن أبناء جيله، فالشعر غير السرد، السرد يُكتَبُ بأسلوب، والشعر يُكتَب بإحساس. لذلك فإن للشعر حصّة كبيرة في المستوى النفسي ومداخله المتعددة:

المدخل السلوكي Behaviorism Theory:

من خلال التّساؤلات المطروحة ضمن متن القصيدة، ومحاولتنا البحث عن الأجوبة التي من الممكن أن يضعها الشّاعر مخفيّة أو ظاهرة، أو من خلال محاولتنا استنباط أجوبة لتلك التّساؤلات، سنتمكّن من الدخول إلى أعماق الشّاعر لاستخراج مخبوءاته والوقوف على جوانب عديدة من أفكاره، ولا يُعد النّصّ حيويًّا ما لم يطرح تساؤلات تدخل في مضمار الإشكاليّات الجدليّة، وقد رصدتُ في الدّيوان عددًا لا بأس به من التّساؤلات على أنواعها...

في قصيدة " اش اش .. زهرون": يطرح سؤالًا وجوديًّا عن ماهيّة الإنسان، وهي أدرى بها، وإنما يلقيها تحت ضغط نفسي، حرقة النفس وقهر الروح، عن الجرائم التي ارتكبتها النظام الاشتراكي بحقه كإنسان، يستقدم ماركس ويبدأ في طرح أزماته، لتغدو الأسئلة قضايا كبيرة، تلوّث بيئي، وانهيار اقتصادي، وفساد تشريعي، وتهجير وتسطيح:

لو تعرف ما الإنسان..؟؟

لو يأتي .." ماركس"

ماذا سيكتب عن نفايات برية ..؟

ماذا يقترحُ لحل الأزمات القهرية؟

ماذا سيطرح من مشروع للتأميم ..؟ببلد الفقر

ولمن .. سيعطي حق اللجوء..؟

ماذا سيكتبُ في فلكلور التشريع .. التصريع .. التمييع

بعد طرح الأسئلة، يطرح إجابات فيها استشراف قائم على مقتضى الحال، استشراف فيه تهكّم بقدر مرارة حال الشرق، فما صلح للغرب ما صلح، ولن يصلح، للشرق الغارق في سكرة الشعارات والمغيّب بأفيون السياسة والجري وراء لقمة العيش:

لو يأتينا ...؟؟ لتمرّد

يساريو الشرق

وغنّت جوقة " ماو"

ألحان كفاح لا مصرّح

على شواطئ الكافيين

وتجاهل يساريو الغرب

ستايلَ (لينين)

في تقليعة لحيتهِ

واستغراقٍ في التلوين

وشوارعُ يخنقها الطين

وسؤال وجودي آخر حائر، في القرن الواحد والعشرين، عن حال شاذ لا يقبله العقل ولا العصر  :

أين تكون ..؟ وكيف تكون ..؟

في عولمة صارت هجرة

يلفظُنا الوطن فننزح

خلف بحار، خلف سهول

وماذا نفعل خلف البحار وخلف السهول؟ جواب يفوق السؤال لوعة، نؤسس (أوطانًا لليتم) مأوى ومخيّمات لجوء لأطفال في حكم اليتم، ونساء في حكم الترمّل، ينامون في الطرقات، ويقتاتون من المزابل :

نؤسس أوطانًا لليُتم

لأرامل تلتحف الطرقات

تتسوّل .. تجترّ النفايات

من قصيدة كهرمانة:

تساؤل وجداني: عن غربة النفس حين تداهمها شيخوخة العمر، ومازال فيها قلبٌ مراهق يخفق بالحب:

لماذا الآن؟؟ لماذا في هذه الصفحة؟؟ في هذا الخريف..؟؟ لماذا تذكّرتَ بعد رحيل سنونو العشرين ونوارس الأربعين

اليوم دقّت طبولُ صدرِكَ هل تقوى على الركض في مراثون الصّبابة..؟؟

أيُّ صبابةٍ وأنتَ تصبغُ الصدأ، وتجاعيدك رقيم يتكلّمُ في زمن بابل..؟

 

المدخل العقلاني / التّناص والتّوازي في نصوص الشّاعر:

كتب القصيدة الحرّة (الوسيطة) كما كتبها السيّاب، بخروج خجول عن القافية، وموسيقا الفراهيدي، وعدّد في حروف التفعيلة، وجعلها متقاربة، وتناصّ مع جميل صدقي الزهاوي في الدعوة للنهوض بالأغراض الشعرية،بالرغم من أن جميل صدقي الزهاوي ليس شاعرًا حرًّا، لكنه دعا لتجديد الأغراض بقصيدة القريض، عبر طرح ثيمات خاصة تخرج القصيدة عن الأغراض التقليدية باتجاه العصرنة التي تسيّدت المجتمع، وطرحت فيها قضايا جديدة، يجب على الشاعر أن يتابعها حتى لا ينفصل شعره عن مجتمعه، وحتى لا يكون شعره مجرد نظم فارغ من المضمون، والشعر في هذا العصر هو شعر المضمون.

رابعًا- المستوى الحركي في التّحليل Dynamic Level:

الموسيقى الشّعريّة:

لقد اشتمل الديوان على قصائد تفعيلة، وقصائد نثرية.

في قصائد الوسيط والتفعيلة، الموسيقى محقّقة في حرف التفعيلة، وقد نوّع الشاعر في تفعيلاته، فجعلها على حروف عديدة في القصيدة الواحدة، وجعلها تفعيلات متقاربة، ونسوق بعض الأمثلة:

أولًا- عن التفعيلات المتعدّدة المتقاربة: نجدها في قصيدة "إش زهرون" وهي قصيدة سيابية، فيها خروج جزئي عن القافية، نوّع فيها الشاعر تفعيلاته بين حروف (القاف – والنون- والميم- الراء- والتاء المربوطة والعين- والتاء المفتوحة والباء) ويعود إلى النون بتقنية التدوير الذرائعية.

لا إشّ بعد اليوم

فالأخرس نطق

والخوف مزّق أغلاله

والصوت فِرق

إيهٍ .. زهرونْ

تتعمّدُ، والدمع عيونْ

والناس نيام

من تعبٍ تحرسها الأحلام

تتفيأ بستانَ السلطان

والبستانُ ظلال ال(إش)

و(وإش) سوط السجان

نفس الشيء نجده في قصيدة (اشتغال) التي نوّع فيها التفعيلات المتقاربة على حروف (الباء، التاء المربوطة، والياء والنون، والعين)

في قصيدة(المتجردة)أيضًا تفعيلات متقاربة على حروف (الهمزة – التاء المربوطة- اللام – والهاء – الياء – السين) مع التدوير على الهمزة، التفعيلة الرئيسية.

يندرج تحت نفس النوع، قصيدة توكي..! وخائن ...!،

ثانيًا- القصائد الكاملة الحرية أي قصائد النثر: نستقصي الموسيقى في الإيقاع الداخلي للقصيدة.

وقصيدة النّثر، أشدّ القصائد صعوبة في ضبط الموسيقا الدّاخلية فيها، وذلك لشدّة السّرديّة فيها، والسّرديّة علّة كبرى في هذا الجنس الرائع، لأنّها تأخذ القصيدة نحو الخاطرة، والعودة إلى الشّعريّة فيها تتمّ عن طريق الجانب الموسيقي في شطورها، والمبالغة في ذلك، فكلّ شطر يجب أن يكون موزونًا موسيقيًّا، أي لا كسر فيه، بنهاية مختلفة عن سابقه ولاحقه، وهنا تشتدّ الصّعوبة على كاتب هذا الجنس، فعليه أن يدرس التّشابه النّغمي بين جميع الأصوات العربية، كأن يلاحق الأصوات القوّيّة والضّعيفة، وأن يزاوج بينها، وأن يبحث عن الأصوات المتشابهة في نبرة الصّوت النّغميّة، وتلك عمليّة وعرة على شاعر هذا الجنس مقارنة بسهولة النّظم بالشّعر الخليلي، فالشّاعر الخليلي يجد هيكليّة موسيقية جاهزة تسمّى بالبحر الخليلي، أما شاعر النثر فإبداعه بخلق بنيّة موسيقية خاصّة به، وقد كان الشاعر وليد جاسم الزبيدي مجيدًا في خلق هذه البنية الموسيقية، عبر اختيار الألفاظ ذات الأصوات التي تملك ذات النبرة الإيقاعية، نذكر مثالًا على ذلك قصيدة: الكائن جلجارا

يخافُه البؤساءُ المطرودون

من موائِدِ القصر

ومراقِصِ البغي

ف (موائد القصر، ومراقص البغي) لها نفس الرتم الإيقاعي (متحرّك فتحة- متحرك فتحة – ألف ممدودة – متحرك كسرة- متحرك كسرة – أل تعريف – متحرك فتحة – ساكن- متحرك كسرة).

أيضًا: (جنونَ قيثارةِ، نشوةَ أسدِ، عربدةَ ثورِ)

نصفه جلجامش ...

الذي اعتصر في خمّارته

جنونَ قيثارةِ (سومر)

نشوةَ أسدِ (بابل)

عربدةَ ثورِ (آشور)

كما لجأ الشاعر في بناء إيقاع قصيدته إلى تكرار جملة بعينها (نصفه جلجامش) لتكون لازمة موسيقية أكثر من أنها لازمة فنية، يستخدمها كلما خفّ أو خبا إيقاع القصيدة تحت وطأة السردية، يستأنف من بعدها السرد:

مواويلُه: آهاتُ جوعٍ، وأعوام ظمأ،

تحفر في شفاه آبار أغانٍ رعاتُها يسابقون سراب ترنيمة ناي

نصفه جلجامش...

الذي رأى نصفه الأسفل

وبلاد الله السفلى

ونصفه الآخر جيفارا...!

في قصيدة (دبابيس الكلام)، هناك إيقاع موسيقي متحقّق بحسّية الألفاظ الشعورية والمادية، ومفارقاتها البارادوكسية(بياض سواد، نعومة خشونة)، وتراتبيّة الأفعال (تردّدها – تلوّنها- يوقظها- يقتاتُ):

أناشيدها: تردّدها خفافيشُ

بياضَ السواد..

رسومَ: تلوّنُها ريح غربة ..

يوقظُها..........حلُمٌ

يقتاتُ على ريش جسدها

نعومةُ الصخر

خشونةُ الحُفاة

في قصيدة (كهرمانة)، بنى الشاعر إيقاع القصيدة على نبرة السؤال، وتكرار علامة الاستفهام:

لماذا الآن؟؟

لماذا في هذه الصفحة؟؟

في هذا الخربف ..؟؟

لماذا تذكّرت بعد رحيل

سنونو العشرين

ونوارسُ الأربعين

اليومَ دقّتْ طبولُ صدرِكَ؟

هل تقوى على الركض في ماراثون الصبابة ..؟؟

فالإيقاع الموسيقي هو عامل سحري له تأثير مباشر على المتلقّي في اللّغة، كما نراه عند التّعامل مع نوم الأطفال (التّهليلة والرّبت الإيقاعي) .

التجربة الشعرية:

هو شاعر رومانسي، وطني، فانتازي.

وظّف القصيدة الشعرية كطريق معبّد لحرية الأغراض وتعدّدها في القصيدة الحرّة، تلك الأغراض التي فرضها التطور الاجتماعي ما أعطى القصيدة الحرّة المعاصرة مبرّرات خروجها من جلباب أمّها القريض لتلحق بقطار العصرنة الموجّه نحو عربة المضمون وليس الشكل، لذلك توجّب أن يخرج الشاعر بقصائده من مجتمعه بالدرجة الأولى، على اعتبار الشعر انعكاس لحالة نفسية، والشاعر هو أول من ينفعل نفسيًّا اتجاه أي ظاهرة تلمّ بمجتمعه، فينزف انفعاله إحساسًا حقيقيًّا على الورق من رأس قلمه، لتولد القصيدة ولادة حسيّة، بإحساس حقيقي، لتكون القصيدة موقفًا وليس تعبيرًا، وبذلك يقدّم الشاعر مجتمعه على ذاتيّته، والغرض الرومانسي لم يعدغرضًا مهمًّا أو مؤثّرًا في هذا العصر، والبعض يعتبره غرضًا فارغًا من الثيمة، إلّا إذا اقترن بثيمات أخرى، تتبع للأغراض الشعرية الجديدة، وكان هذا ديدن شاعرنا وليد جاسم الزبيدي الذي تميّز بازدواجية الغرض الشعري، وإدراكه لحقيقة أننا نعيش في عصر القضايا الجسام، في عصر المضمون، وهذا مبرّر آخر لاكتمال الحرية في قصيدة النثر، والتي هي مضمون، وتقدّمها بخطوة كدليل للشعر نحو نهاية النفق.

والشاعر وليد جاسم الزبيدي، ما فتئ يحاول أن يجعل قصائده متعدّدة الأغراض قدر الإمكان، وكأنه يكتب قصصًا سردية تمتاز بالوصف الجميل والصور الجميلة، كان متقدّمًا في المستوى الدايناميكي في بناء القصيدة الفني والموسيقي، كما كان متميّزًا في البناء الجمالي،حيث زاوج أيضًا في بناء الصور الجمالية بين علم الجمال وعلم البلاغة، وجعلهه معمّدة بالحس الشعري الحقيقي، إيمانًا منه بأن الشعر هو بالدرجة الأولى إحساس حقيقي يكتبُ نفسَه موقفًا وليس تعبيرًا. لذلك وجدناه في القصائد ذات الغرض الوطني يكتب بهمّ كبير، يعرض المثالب، وما آل إليه حال الوطن والمواطن، بحرقة مغموسة بغصّة القهر وقلّة الحيلة، وجلد الذات، يأتي من الماضي العريق بقبس من نور، يحاول أن يضيء به مساحات العتمة، لعل في قصص الماضي دروسًا مفيدة قد تسهم في نهضة الحاضر. هو شاعر لم ينفصل عن عصره أبدًا، كما لم ينفصل عن ماضيه، فنراه يذكر (الفيس بوك – تويتر – واتساب – بيكاسو- لينين – ترامب – بوتين – ستالين – ماركس – ماو – جيفارا ....... وشخصيات رسمية في حكومة بلده، أو شخصيات من بلدته)، لا ينفصل عن حضارته، رموزها وشخوصها(الزقورة – شبعاد – جلجامش- وأسد بابل- ثور آشور - قيثارة سومر .....). وظّف ثقافته العامة، وهي غزيرة ومتنوّعة في مختلف المجالات، الفنية والتاريخية والحضارية والأسطورية والثقافية والسياسية والاقتصادية..... إلخ، في قصائده توظيفًا دلاليًّا موفّقًا .

شاعر، في قلبه إيقاعات حب، ونبضات وطن.

***

د.عبير خالد يحيي -  الاسكندرية

 ................................. 

المراجع والمصادر

1- الذرائعية وسيادة الأجناس الأدبية – تأليف / عبد الرزاق عودة الغالبي – تطبيق / د.عبير خالد – دار النابغة للنشر والتوزيع – مصر – الطبعة الأولى 2019- ص57

2- زهرون عمارة- ويكيبيديا – المصادر كتاب شخصيات مندائية في التاريخ المعاصر تأليف (خالد ميران دفتر)

3- متلازمة ستوكهولم: Stockholm syndrome هي ظاهرة نفسية تصيب الفرد عندما يتعاطف أو يتعاون مع عدوه أو من أساء إليه بشكل من الأشكال.... ويكيبيديا

4 - جواد سليم هو فنان تشكيلي ونحاة عراقي مشهور واسمه الكامل جواد محمد سليم عبد القادر الخالدي، ويُعتبر من أشهر النحاتين في تاريخ العراق الحديث – ويكبيديا -

شارك بنحت نصب الحرية مع عدة نحاتين، كانت مشاركته منحوتات: الحصان ورواد الثورات والطفل والباكية والشهيد والأم وطفلها والمفكر السجين والجندي والحرية ودجلة والفرات والزراعة والثور والصناعة (من مدوّنة ثائر الأطرقجي)

5- ساسون حسقيل أول وزير مالية للعراق في العصر الحديث، استلم وزارة المالية العراقية سنة 1921 وفي 13 آب 1923 فوضته الحكومة العراقية آنذاك لمفاوضة البريطانيين حول امتياز شركة النفط العراقية التركية، حيث ثبت بأن يكون الدفع بالشلن الذهب سعرًا للنفط المباع، مماأفاد الميزانية العراقية فيما بعد _ ويكيبيديا

 

جمعة عبد اللهيتميز الاديب (واثق الجلبي) بعدة مواهب أدبية متنوعة (صحفي. شاعر. قاص. روائي. اعلامي. كاتب مقالات) وفي ناحية فن القص والسرد، يملك اسلوبية متميزة. أو ظاهرة تشق طريقها بكل اقتدار في عالم السرد المتطور، في فن تداعيات السرد الحرة. لا يتقيد في فن القص السائد والمألوف، فهو متغير في التعاطي والطرح، في الصياغة الفنية واللغوية، يحاول تجنيس اصناف متعددة من أصناف الادب ويدخلها في فن القص (الشعر / النثر. اصناف التداعيات الدرامية المتنوعة الاخرى) يجنسها بجنسية واحدة في اللغة الحبكة والحدث السردي. اما من ناحية الصياغة الفنية، فهو يعتمد على نصوص أدبية من القصص القصيرة وانه يجزء المشهد السردي العام، يقطعه الى اجزاء من القصص القصيرة. ويجعل النص يملك تداعيات حرة يقودها السارد العليم، الذي يقود دفة السرد الى ضفافه المرسومة. أما من ناحية الرؤية الفكرية فتكون العمود الفقري للبنية الروائية وحكايته، يتوغل فيها في اعماق الواقع، ويكشف تداعياته وتجلياته، بلغة حادة كأنها لغة المسامير المدببة والجارحة. ويتناول في هذه المجموعة القصصية،. التي تتعرض الى ازمة الانسان المعاصر وتداعياته المتشظية في انفجاراتها الحادة، التي تقود الانسان العراقي الى الانكسار والاحباط والانهزام من خلال تناول الثالوث القائم، الذي يكون شكل ومحور  البنية الاجتماعية والسياسية للمجتمع، وهي (الاسطورة. الدين. الواقع الاجتماعي السائد) بالمصارحة والمكاشفة الحادة بالطرح الجريء في الجدل. من خلال عمق الوعي وتصوراته الفكرية التي يملكها من عمق المشاعر التي تلاحق مجريات الامور الملتهبة على سطح الواقع، وابراز صورتها بالتصوير الحسي والفكري، ليضرب جدار الواقع السميك الذي يقود الانسان العراقي الى الارتباك والفوضى. ويجاول يكشف متاهاته المجنونة والسريالية. ويتوغل في هذا الجدار الصلب لكي يضربه باللغة الحادة أو لغة المسامير. طالما الواقع يحرث في الزوابع المتغطرسة بصلافتها، ولا تعير أهمية للقيمة الانسانية، في معاناتها وشقائها وحزنها. تتعامل مع الانسان العراقي كبضاعة رخيصة أو منتهية الصلاحيات. ومن سوء الزمن والقدر الذي يحرث في تعميق أزمة الانسان العراقي الجديد، هو دخول الى حلبة الصراع القائم، صنف سياسي هجين ومتغطرس بالنفاق والزيف والخداع. هذا الصنف السياسي يمثل اقذر انواع السياسات القائمة، وهي سياسة المعمم.. يتناوله في نصوص السرد على شكل ألاقصوصات القصيرة جداً (لكل مجموعة قصصية متكونة من نصوص سردية قصيرة) وايضاً يتعرض الى مسألة في غاية الاهمية هي مسألة الالهة وتوابعها. كأن آلهتنا مثل آلهة الاغريق، يتفرجون على شقاء ومعاناة البشر، ولا يقدمون يد العون والمساندة، بل تتركه يسبح في برك من الازمات ولا يستطيع الخروج منها. حتى تكون حياته مشبعة بالمعاناة. كأن الانسان هائم في صحراء قاحلة تذر عليه الرمال الحارقة، ولا يعرف اتجاهات الصحراء وبوصلاتها، كل ما يشاهده سراب. يتغاوى وينادي عليه. ان الاديب (واثق الجلبي) يحاول ان يضع التوازن في المعادلة. عنف الواقع في مفرداته، مقابل عنف اللغة في مفرداتها:

1 - المجموعة القصصية. الاغتيال الازرق: نصوص قصيرة تتكون من 50 نصاً:

يقدم رويته الفكرية من خلال لغة السرد المركب (النثر / الشعر) برؤية السارد العليم في تجليات الرؤية الفكرية، التي تكشف مفردات الواقع الخفية والظاهرة، ويغوص في اعماقها يكشف معانيها ومغزاها الدال. في الاشياء الظاهرة وخلفياتها العميقة، التي تنظر الى السماء والشمس والانسان بعين عوراء، وتشير الى القمر بالاصابع المبتورة. لكي يكون المكان عبارة عن ظلام داكن. يتحرك الانسان في داخله بالمتاهة المجنونة، لكي يجر اذيال الخيبة والهوان الى حد الاختناق والمحاصرة. والالهة تتفرج على مخلوقاتها، حتى تكون هذه المخلوقات مصابة بالاغتيال الازرق، بشكل ناعم وصمت خافت. والزمن في بلاد سومر الجديد، عبارة عن نكسات متوالية. تدخل في ثقوب الروح. ويصبح كل شيء يطارده كغنيمة سهلة. حتى الصغير لا يجد ثمن رغيف الخبز. وعندما يلعلع الرصاص يرقص الموت في الطرقات. في استباحة على ضفاف ومراى من آدم وعشتار والرسل والانبياء. يتفرجون على فاجعة الانسان العراقي. في فرح سريالي مجنون (كانت خطواته الاولى باتجاه الحذر...... لم يستطع أقناع نفسه بما ستؤول اليه الامور.. سقط من جيبه معول... تراكضت الاصابع نحو نجيع أحمق.. رأى نفسه قنينة دواء من ارخص ما يكون.. نظر الى الوراء وهو يتصفح بيانات الانبياء) النص رقم 6. تدور الاسئلة حوله ولا تترك له مجال للهرب. يحمل اثقالها المنتحرة بالسؤال (العذاب الذي قضاه في حرائقه لم يشبهه ثلج آخر... فكر في ان يجعل ناره برداً فلم تتح له الفرصة... أراد أن يخنق نفسه بدخان سيكارته لكنه فشل مرة آخرى.... لم يتح له قلقه أن ينشغل بقلق آخر.. أكل نفسه دهوراً واردفها بكلمات كانت أحمق ما نطق بحياته الاسفنجية... أشترك إلهان في جسده فلم ينهض عقله المنتوء... كفر بكل شيء) النص رقم 8. و(جاء الى هذا العالم القذر وهو يلوك نفسه مراراً على بؤس هذا القاع.... كانت مداركه معطلة فأشتعل الرأس بمعاقبة الجوارح) نص رقم 18. و(جاء الى هنا.. ممتداً بين كل رجوع قبضة من دم لم يستوف حقوقه من الطعنات... كانت خطواته مستمرة في التخاذل الطروب..... ويداه مخفوق احلام وكوابيس مرتبة حسب الابجدية الغامضة) نص رقم رقم 43، وسقط في القاع المظلم.

2 - المجموعة القصصية. لحاء الطباشير: تتكون من 51 نصاً.

يسقط في كأس الاحزان المليء، ويحاول ان يلملم بعضه، لكن زفة الريح الرعناء بالتوحش تمنعه من ذلك. ينتكس في اعماقه، خوفاً من كوابيس تداهمه على حين غرة. وتجبره على يلوك احجية الموت  (بعد أن ضرسته الخطوب واعتراك الليالي.... جلس يستنطق افواه الدماء والدموع... لم تلبث أنسانيته في أنائها المكسور ماحتوت وجهه أسراب طيور مهاجرة.. كان انشغاله ساعة رمل وفنجان هوس ومصباح وحبوب بكلمات متوفية) النص رقم 11. ويحاول ان ينتشل نفسه من سراب الواقع، فلم يجد سوى رزايا الواقع تتربص به (كان غرقه جزء منه فانتشله صوت أخرس.... صار هشيماً تذروه المنون.. فانتشر راية الموت لا تمر بقبضة مكان إلا حولته زمناً بلا وقت.. وثق بئره فلم يظمأ فانحاز الى كهوف الانامل المبثوثة كالرحى في عاصفة النواعير عند مسارب الرحيل) نص رقم 19. كره عيشه منزوياً بما يقدمه افكار الجوع. تتدثر على لوعته، وان قلبه محموماً بالرحيل (وقف على جثته طويلاً.. بكى عليها.. لطم نخلة الجوع..... ورمى على جثته الطين..... قلص مشافره وركب بغلة النهار.... لم يرغب بالاستواء فعالجته الرمية... ظل يشق صدره ويخيط ماله حتى لم يؤويه زورق..... بلغت به ذروة البكاء ما لم يبلغه موسى بموعد الجبل) نص رقم 36. فأنكفأ بلوعته بأنه سيغادر هذا الواقع محموماً في قلبه ألف غصة.

 هذه رحلة آدم في بلاد سومر الجديد، الذي احتله عالم مغلف بالخداع والزيف، لكي يعلو على كل الاشياء.

 

 جمعة عبدالله

 

منذر الغزاليللشاعر العراقي المغترب: د. مديح الصادق

مقدمة: حظي الشعر بمكانة كبيرة في الثقافة العربية، وللمرأة في الشعر مكانة بارزة؛ فإذا كان الشاعر العربي يبدأ قصيدته بالوقوف على الأطلال، فإنه ينتقل بعد مقدمته الطللية إلى الحبية، يتغزّل بها، أو يصفها، أو يصف مغامراته معها. 

وظلّ للمرأة – الحبيبة المكانة البارزة ذاتها مع تطوّر القصيدة العربية، وأخذت الحبيبة دلالاتٍ أوسع من دلالتها التقليدية التي تنحصر في إبراز ذكورة الشاعر، أو أنوثة الحبيبة.

ولعلّ أبرز الدلالات التي ارتبطت بالحبيبة في الشعر الحديث هي دلالة الوطن، كأنّ الحبية هي وجهٌ آخر للوطن.

في المجموعة الشعرية التي نتناولها اليوم للشاعر العراقي المغترب الدكتور مديح الصادق كانت العتبة الرئيسية، عنوان المجموعة هو عنوان إحدى أجمل قصائدها (لي في العراق حبيبة) في حضور بارز لارتباط الوطن بالحبيبة في وجدان الشاعر، وفي قصائد المجموعة، سواء كان هذا الحضور حضوراً ظاهراً بارزا، أم حضوراً بشكل نسقٍ دلاليٍ مضمر تحت لأنساق أخرى، يحتاج من القارئ بعض التفكيك ليبرز ذلك المنسق المستتر الذي يعطي الإشارة الباطنية لرؤية الشاعر في الحبيبة وفي الوطن، سواء بسواء.

وهذه القراءة تحاول الكشف عن بعض تجليات حضور المرأة في المجموعة القصصية.

المرأة الحبيبة، الجسد

لجمال المرأة، وصورة الجسد مكانة في القصيدة العربية التقليدية، ووصف جسد المرأة هو أحد الممكنات الجمالية في القصيدة العربية.

العشيقة من لحم ودم، وبما تملكه الأنثى من عناصر فتنة وأنوثة؛ وهي على العموم أقرب إلى النسيب منه إلى الغزل، فيكشف لشاعر في قصائده بعض صفات الحبيبة الأخلاقية، وبعض محاسنها الجمالية.

ففي قصيدة (صلاة في حضرة الحبيبة) يصف حبه للحبيبة، مستعيراً بعض أوصافها الجسدية

 "حبّي لك من أنفا سك أعذبُ

مثلُ اللون الوردي في خدَّيك

بأول لُقيا

مثلُ بها ء الشفتين

الأحمر"

وقد يصل النسيب إلى التشبب بالحبيبة، فيصف بعض حالات الوصال، ولو بشكل حلمي أو وهم. يقول في قصيدة (لي في العراق حبيبة):

"في صُحوتي عيناي ترنو لها

وفي حلمي

أشاطرُها السرير حتَّى

تفضح الشمسُ أسرا رنا

أُداعبُ الشعر، تلك لُعبتي

أرشفُ الشهد عذباً

و من مبس مها الدُرَّ"

صورة المرأة القدسية

يفتتح الشاعر د. مديح الصادق ديوانه بقصيدة (صلاةٌ في معبد الحبيبة)، ولعلّ لهذا الافتتاح دلالته التي لا تحتاج تفسيرا، فالمرأة في ضمير الشاعر، وخياله، وتكوينه الثقافي جوهر قدسي، فيه حالة طهريّة رغم حضور الحالة البشرية، والتوصيف الجسدي للحبيبة وطقوس الحب؛ غير أنه في الحالة العامة، كل ذلك تفاصيل صغيرة من الصورة الأشمل، صورة الطهارة التي تصل حدّ القداسة. فما الصلاة إلا لمقدّس، وما طقس الصلاة إلا حالة طهارة تامة:

"أحببتُك فوق الحبّ

و أبهي مما عرف الناسُ

و أكبر

قدر عد د نجوم الكون

وذرَّا ت الرمل

و أكثر

أنقى من حبّ ملاك لملاك

........

حبي لك فوق الفوق

وما هو بالعادي"

بل تتمظهر قدسية الحب، وبالتالي صورة الحبيبة في تناصّاتٍ لها أبعاد دينية، مثل

 "أقسم بالتين والزيتون

وعينيك

بضفائر أمي أقسم

وخبز التنور الأسمر

وفي قصيدة  (الحب عبودية) يقول:

وليشهد كل الأسلاف من الماضين

أنك لست بأنثى

ما مثل الناس، ولا ببشر أنت

ما من ماء أو طين

ما مثل الخلق، فحسنك لا يوصف إلا

في التوراة أو الكنز أو الإنجيل

وإما في صحف الأولين"

المرأة الأسطورة

الشاعر ابن الرافدين، موطن الحضارات، ومنشأ الأساطير الأولى، عشتار، وما تبعها من أساطير تنسج على منوالها، فلا غرابة أن تتجلى حبيبة الشاعر بالإلهة عشتار، بما تحمله رمزيّتها من خصب وأنوثة وعشق:

"من غيرك ما فاض فرات

ولا رويت بابل

لا زرع قام

ولا أثمر"

ومن التجليات الأسطورية للمرأة في الديوان صورة المرأة السيدة/ الإلهة

يقول في قصيدة عنوانها (الحب عبودية):

"الروح ملكك وأنا عبدك

ماذا تأمرين؟

أعبّد الأرض باللؤلؤ، بالديباج

وكلِّ ثمين

على ريش نعام

أو أفرش روحي

أبسط قلبي

تنامين وتحلمين"

 الحبيبة – الوطن،

الديوان كله امتزاج بين المرأة بكل تجليات حضورها، وبين الوطن, فالوطن في قلب الشاعر حب كأنه الحببة، والحبيبة في وجدانه هي الوطن، هي الملاذ، ذاكرة المكان وحارسة السنين:

"نخلة داري أنت

وأنت الدار والأهل"

 صورة الجسد – صورة التاريخ، حارسة المكان والحضارات

"ليست ككل النساء حبيبتي

وما هو كسحر الباقيات جمالها

بابلَ في عينيها أرى

وفي القامة سومر لاح لي

ملوكُها

ذوائب الشعر تحكي لنا

آشور، وما حكت

لشهريار من قصص، شهرزاد

وأخبارها العجيبة

الحبية الوطن، ذاكرة الجرح

شبّه الشاعر عذاب حبّه وقسوة حبيبته بالصدود، بعذاب الوطن لأبنائه المخلصين، فالحبّ في الحالتين صادق، والعذاب في الحالتين جارح، والمقصود بالوطن ليس التراب والحضارة والأبناء الطيبين، أبدا، فالشاعر يشير إلى مغتصبي الوطن، مدّعي الوصاية عليه.

وكيف لا يكون عذاب الشاعر من قسوة حبيبته كعذابه من قسوة الوطن؟ فكلاهما: الوطن والحبيبة أثمن وأغلى ، وكلاهما: الوطن والحبيبة، عذّباه لأنه أحبهما كلّ هذا الحب:

"أنى وليت وجهي

فثمّ وجهان بلا ثالث

حبيبتي التي سرقت نومي

وفي محجريها

مكر كل النساء

شاحبا مثلما الموت

في مقلتيهما نائما كان

وجه الوطن

مرسومٌ على الجبين

حدّث السيف

قطّع الأوصال

وانتهك المحارم

واسترخص الدماء

وأغرق البلاد طولا وعرضا

بالمحن"

ويغرق الشاعر في ذكريات الحزن يفيض طوفان الذكريات البائسة، ذكريات الألم والظلم، فتتحول الحبيبة القاسية التي كان يشكو صدودها إلى ملجأ آمن يرتشف منه الصير على الذكريات.

في قصيدة حبيبتي ووجهُ الوطن:

"أيا وجه الحبيبة، مفعما بالنور

اسقني صبر اً، سأشتريه

ألا ليت لي صبرا كصبرك

يا جمل

وهل للحرّ من صبر

والسبايا كما الخراف تقاد

وبين سقط المتاع يبعن

ويشترن؟

غاباتُ جفنيها، حبيبتي، غرقى

جحافلُ الرجال كلمى

على النع ش مواكبُ قد حمّلت

والموت لا تشتهيي، حبيبتي

منهما الحياةُ، ومنهما

تُسق السُنن"

الحبيبة – الأم

حضرت الأم في أكثر من موضع في الديوان، لكن الشاعر أفرد لها قصيدة خاصة بعنوان باقة ورد لأمي

نقرأ منها:

"ما أجمل، ما أعذب

صوتك يا أم

يا نبع المحبة

يطفئ ظمئي

ومن دمك الصافي: خلق الدم

كفّاك تطعم، تكسي

بل تداوي

علّتي

عيناك أقمار

تضيء الظُلَم

أنهار هذي الأرض

من نبع أمي، تجري

منها الخير، ومنها الطيب

منها تُرضَع الذمم"

الحبيبة والصورة الصورة الميتافيزيقية:

الشريكة في رحلة الحياة، ومشوار الفراق واللقاء، والانتظار، وأمل العودة... زوجةً، أو أوختاً، أو بنتاً.

بل تأخذ بعداً ميتافيزيقياً، وتصبح الصورة هلاميّةً، شفافةً، صورةً غيبية، بألفاظٍ لها جذورٌ مادية واقعية، غير أنها تأخذ دلالات غيبية، فلا الانتظار يظل الانتظار الذي نعيشه، ولا الغائبون هم الأحبة في الغربة، ولا البيت ولا الزهور... إنها أبعاد فوقية، علوية، فيها الغياب الأزلي، وفيها انتظار البعث المحتوم، وفيها ترتيب النفس وتأثيث الضمير، وزرع الزهور في السرائر لتبقى عطرة إلى يوم لقباء لا بد آت:

"لا تقفلي الباب بالمزلاج

ولندع خاشعين

أن يعودوا

آخر الليل

حضّري ما يشتهون من الطعام

وكفكفي الدموع

قد يفزعون من سيل الدموع

رتّبي الصالة

مثلما أرادوا لها

قبل الرحيل

واسقي الزهور التي غرسوا

وادعي من ربّ الزهور

أن لا تموت الزهور

وأنْ لأعشاشها تعود الطيور"

الحبيبة وصورة الذكر والأنثى

صورة المرأة العشيقة، في مخيالنا الجمعي، امتزجت بصورة العاشق الرجل، الذكر، وثنائية الذكر وانث، وذلك الصراع الأزلي بين سطوة الذكورة، وخضوع الأنوثة, بين خشونة الذكر، ومكر الأنثى. فالشاعر في قصيدته قصة مجنونين يرسم هذه الصورة بطريقة جميلة، عذبة. يقول واصفا أقاويل الناس وأوهامهم:

"نسجوا روايات

وأشاعوا

أنكِ مغرمةٌ

غارقةٌ حتى أذنيك

بحبي

قلبك مجنون

يبحث عن مجهولٍ

عني... في الطرقات

ويقضّي الليل قبالة نافذتي

شعرا ينشدني

ويسامرني"

لكنّ الحقيقة أنّ حلم الحب يبدو منعكساً في انعكاس الصورة؛ يشدّه حبه لها، ويحلم أن تكون هي بدلاً عنه، تنشده الشعر الذي ينشدها، وتحقق أحلامه التي يحلمها:

أنذر عمري لك

يا... غدي الآتي

وأشاعوا

لخيالك يرقد جنبي

في نومي

ويحاورني

يهمس في أذني

أحلى الهمسات

أقوال... وإشاعات

وأنا لصٌّ

مذعوراً... أتسلل

سوراً.. أتسلّق

أتحدّى الناطور

وليل جحيمٍ

إياك... أبات"

الحبيبة، وصورة المجتمع الذكوريّ المتزمّت

في قصيدته  (محكمة القرية المتحضّرة جداً... جداً) يرسم صورة متهكّمة للظلم الاجتماعي الذي يلحق بالمحبين، وعلى وجه الخصوص على المرأة العاشقة، التي يخشى من تمرّدها على قيوده الصارمة، من خلال قصيدة قصصية جميلة:

"ممنوعٌ أن يجتمعا

ممنوع أن يبتسما

محذور حتى الهمس

فطهرٌ للطهر

في القرية ممنوع أن ةينبض قلب

في حب الثاني

علناً ذلك، أم في السر

في القرية أن تكفر سهل

أن تكذب أيسر

والأهون أن تسرق

تبقى المعصية الكبرى

أنْ للحب تغني

ناموس القرية

لا يُسمح أن يُخرق.

قلم الشاعر يكسر

ودواوين الحب تصادر

شمع أحمر يختم ثغره

خشية أن ينبض حبا

جهاز مراقبة يرقب صوته

خطر جدا

هذا الشاعر"

ويبقى في الديوان الكثير الكثير من حضور المرأة وتجلياتها ومقاماتها.

والشاعر كما قال أحد الأصدقاء يوماً تتوهّج قصائده بالجمال حين يكون عاشقاً؛ وهو عشقٌ إنسانيٌّ، شموليٌّ كونيٌ.

 

منذر فالح الغزالي

 21/5/2021

 

 

 

عدنان حسين احمدنص سردي يدور في فَلَك الحُب الذي جاءبعد فوات الأوان

تلجأ مريم مشتاوي في روايتها الجديدة "هاتف الرّياح" الصادرة عن  المركز العربي للكتاب في الدار البيضاء إلى تقنية القصة الإطارية Frame story التي تتضمن قصة داخل قصة Story within a story أو عددًا من القصص داخل القصة الرئيسة التي تُهيمن على المَسار السردي كما في "حكايات ألف ليلة وليلة" و"الديكاميرون" لجيوفاني بوكاتشيو لكن مشتاوي ستُدخل قصة واحدة تتعلّق بطوني وروزا وتستفيد من بُعدها الميتاسردي الذي يُغذّي الثيمة المحورية بمعطيات جديدة تمنح النص نكهة إضافية مغايرة.

يساعد استرجاع النسق الخطّي المستقيم لـ "هاتف الرّياح" في فهم الشخصية المحورية مريانا التي ألْقتها الأم عند ولادتها بالقرب من سطل للنفايات، وقد عثرت عليها امرأة عجوز سلّمتها للشرطة وانتهى بها المطاف إلى مَيْتمٍ مظلم. وعلى الرغم من تداخل الأزمنة والاسترجاعات الذهنية  Flashbacks للبطلة إلاّ أنّ الإمساك بالنسق التصاعدي للأحداث ليس أمرًا صعبًا، فقد أحبّت مريانا راؤول الذي تصغره بسنةٍ واحدة، وهو فتىً أشقر الشعر تعرّض للاغتصاب من قِبل الأب جرمان وفارق الحياة، وقد قالوا "إنّ كلبًا هاجمه حتى الموت". وحينما شبّت عن الطوق أحبّت فتى متهورًا في بيروت "سرق براءتها برضًا تام". ثم وقعت في حُب رياض، وانجذبت إلى مداراته لكنه رفض أن يقترن بامرأة نشَأَتْ في ميتم وترعرعتْ فيه، ومع ذلك فقد قبِلت بعلاقة مؤقتة واستجابت لنداءات قلبها الغامضة، وظلّت تلاحقه في المستشفيات والمظاهرات ووجوه المارّة الذين يشبهونه في الشكل والهيأة والحركات. وأخيرًا تعرّفت إلى ليث وما إن اكتشفت غرابة أطواره حتى بدأت تُعامله بحذرٍ شديد وتنبو عن عالمه الخاص. أمّا العلاقة الجوهرية التي ظلّت مخبأةً فهي صداقتها الحميمة مع "صادق" الذي كان يكبرها بثلاثين سنة، وقد أهداها في عيد ميلادها الثلاثين كتابًا وطلب منها ألاّ تفتحه إلاّ بعد أن يغادر الحياة. وعلى الرغم من اعتقادها بأنّ هذه العلاقة لا تتجاوز حدود الصداقة إلاّ أنها اكتشفت في كتابه "كم أحببتها!" حجم الحُب الذي كان يكُّنهُ لها بغض النظر عن فارق السنّ الذي يحول بينهما. وأنّ قراءتها لهذا الكتاب سيعزّز المبنى الميتاسردي لهذه الرواية التي تتعالق في أكثر من موضع مع أشعار شكسبير، وأغاني فيروز، وبعض المقولات الفكرية والفلسفية التي تلامس ثنائية الوجود والعدم، وتستنفر أفكار الحُب والشجن والتماهي مع المحبوب الذي أدار ظهره لها متذرعًا بالتقاليد والأعراف البالية التي تُوصِم كل يتيمة بـ "بنت الحرام" التي لا أصل ولا فصل لها.

نَفَس بوليسي خفيف

لا تخلو رواية "هاتف الرّياح" من نَفَسٍ بوليسي خفيف وخاصة فيما يتعلق بالمرأة العجوز التي تظهر وتتوارى فجأة مثل حلم خاطف، تُرى، هل هي القديسة "ريتا" المتحدّرة من الاسم اللاتيني "مارجريتا" الذي يعني اللؤلؤة أم هي شبح يظهر ويتلاشى فجأة وكأنّ شيئًا لم يكن؟ لقد نجحت الروائية مريم مشتاوي في بناء شخصيات الرواية برمتها لكنها برعت كثيرًا في رسم معالم المرأة العجوز وجعلت منها لُغزًا لابدّ من من حلّه وهذا هو ديدن الكاتبة المحترفة التي تُمسك القارئ من تلابيبه، وتجعله يواصل القراءة بلهفة كبيرة حتى يصل إلى الحلّ الصادم، وتتكشّف الأمور أمام عينيه، ويعيد ترتيب الأحداث من جديد في ذاكرته التي تشتتت بفعل الأنساق السرديّة التي تقوم على تقنية التلميح والتصريح، والكشف والمواربة وما إلى ذلك من وسائل فنية تعزّز الحبكة الروائية، وتحاول قدر الإمكان الذهاب في المغامرة الشكلية والمضمونية إلى أقصاها. كما أنّ شخصية الراوية مريانا هي شخصيّة إشكالية ومستديرة حقًا وتنطوي على قدرٍ من التعقيد الاجتماعي والفكري والنفسي الذي يؤهلها لأن تكون حبيبة لصادق، ونظيرة له في الثقافة والعمق الفكري، فهو الذي اكتشفها، وعلّمها على التمرّد، ودلّها على عيون الكتب التي زوّدتها بالعلم والثقافة والمعرفة رغم أنها كاتبة وصحفيّة وتعمل في قناة فضائية وتُعدّ التقارير والريبورتاجات التي يطلبها مدير القناة. وإذا كان صادق يعيش برفقة دي أتش لورنس وأودِن وفرجينيا وولف وإليوت فإن مريانا لا تتورع عن ركوب المخاطر والأهوال وهي تسافر من لندن إلى بيروت المنتفضة من أجل الحرية، وتأكيد الذات، والعيش الكريم، فهي الأخرى شخصية مثقفة، وناشطة، ومناضلة تضع روحها على راحة يدها، وتهتف مع المتظاهرين بأنّ كل الساسة في بلدها فاسدين، وأتباع لا كرامة لهم مُذكِّرة إيّانا بالشعار المدوّي الجريء "كِلنٌ يعني كِلنٌ".

توسيع دائرة الأحداث

تُوسّع الروائية مريم مشتاوي دائرة الأحداث والشخصيات بمهارة كبيرة، ففي "ميتم الأمان" في بيروت نتعرّف على مربيتها إيفون التي قَدِمت مع سائق الضيعة العم أنور لاستقبالها في المطار ومرافقتها في السكن بفندق البريستول القريب من موقع الأحداث. وحينما تتحدث مريانا عن علاقتها بالمهندس رياض الذي رفض الاقتران بها لأسباب عائلية واجتماعية وأخلاقية لا تنسى الروائية أن تعرّفنا بكامل أسرته، فأمه وأخته تعيشان في باريس ولا تتردد الأم بزيارته في لندن كلّما دفعها الشوق، وحرّكها الحنين لابنها الذي لم تستقر مشاعره العاطفية بعد. كما نتعرّف على أخويه منصور وعبدالكريم اللذَين أنجبا خمس بنات وثلاثة صبيان، كما أصبحت شقيقته التي تصغره بسنة واحدة جدة، فلاغرابة أن يؤجل زواجه لخمس سنوات قادمة، ثم يقترن بامرأة أخرى بحجة إنجاب ولد قبل أن يتزوج من مريانا رغم معارضة الأهل برمتهم لكنه لم ينفِّذ هذا الوعد الذي قطعه على نفسه. وعلى الرغم من أنّ مريانا فقدت أثر رياض إلاّ أنها ظلت تبحث وتلاحق أخباره حتى أنها اضطرت لمجاراة ليث الكئيب، والمضطرب نفسيًا الذي اصطحبها إلى مستشفى القدّيس جوزيف لكن تبيّن أنّ الغرفة رقم 7 التي يقيم فيها رياض كانت مغلقة لمدة شهر بسبب الترميمات وليس هناك أي مريض يحمل هذا الاسم، فتُصاب مريانا بانهيار عصبي وتضطر لأن ترقد في المستشفى ذاته لمدة يومين حتى تلتقط أنفاسها، وتستعيد عافيتها من جديد. تنصحها الممرضة بأن تستعير كتابًا من مكتبة المستشفى فيقع اختيارها على كتاب "رجل يلاحق القمر" لجوبير حسن وفيه نتعرّف على قصة طوني الذي فقد عقله، وروزا التي تدهسها سيارة فتفقد القدرة على الحركة جرّاء العملية الجراحية في دماغها والتي سبّبت لها شللاً نصفيًا أقعدها عن الحركة.

2486 هاتف الريح

روافد تغذّي النهر الكبير

ثمة قصص جانبية تغذّي النص السردي وتشدّ انتباه القارئ إلى أنهار فرعية لكنها تصب في خاتمة المطاف في النهر الكبير للرواية ومن بينها قصة العمّ ميشال، عالِم الرياضيات، والإنسان الذي درس الطب والهندسة، وقدّم للناس خمسة ابتكارات وانتهى به المطاف في دار المسنّين بسبب خراب الدولة، وفساد المسؤولين، وسرقة مقدّرات الشعب اللبناني. أو قصة "بائعة المحارم"، المرأة الخرساء التي كانت توزّع المناديل مجانًا إلى المتظاهرين رغم أنها الوسيلة الوحيدة التي تعتاش منها، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ هذه القصة هي عراقية بامتياز وقد عرضتها شاشات التلفزة مئات المرات ولا أدري لماذ أدرجتها الروائية مريم مشتاوي في "هاتف الرّياح" بوصفها امرأة لبنانية؟ وثمة قصة ثالثة تتمحور على الرجل العجوز الذي يحاور جنديًا شابًا يتفهم حرقته، ويعرف ما يدور في أعماقه، ويخبره في خاتمة المطاف بعبارة مُقتَضبة شديدة الدلالة مفادها "أنا بأمرك!" التي تعني اصطفافه كجندي إلى جانب المتظاهرين، وتمرّده على أوامر الدولة القامعة. أمّا القصة الرابعة والأخيرة فهي قصة سمير، المواطن اللبناني الفقير الذي كان يعمل في منشرة تمّ إغلاقها ولم يستطع توفير الغذاء لأولاده والدواء لزوجته المُصابة بالسرطان. وحينما يشعر بالعجز الكلّي يعلّق مشنقة على الجدار ويشنق نفسه بصمت رهيب.

تقنية الإثارة والتشويق

تُعد "هاتف الرّياح" من الروايات الشائقة التي يتكشّف فيها غموض بعض الشخصيات التي منحت النص السردي بُعدًا بوليسيًا وأولها شخصية المهندس رياض الذي تعرّفنا عليه بواسطة خصلات شعره البُنيّة المربوطة إلى الخلف وقد تابعناه من خلال الرحلة الطويلة لمريانا مع ليث المضطرب نفسيًا وهو يصطحبها إلى المستشفى الذي زعم أن صديقه رياض يرقد فيه وقد تبيّن لنا في خاتمة المطاف بطلان إدعائه. ولكي تواصل الروائية مريم مشتاوي لعبة الإثارة والشدّ والتشويق تدفع شخصيتها الرئيسة مريانا لأن تسأل عن متظاهر لبناني اعتقلتهُ العناصر الأمنية وكان شعره مربوطًا إلى الخلف فيأتيها الجواب سريعًا: "إنه الثائر رياض!" لكننا كقرّاء لم نتيقّن من حقيقة هُويته. فهل ترك رياض عمله في لندن مؤقتًا وعاد إلى لبنان لكي يشترك في المظاهرات الحاشدة، ويظهر لنا بشخصية الثائر الذي غيّر قناعاته السابقة؟ إنّ مجرد الوصول إلى هذه النتيجة تبدو مُقنعة إلى حدٍ ما في معرفة مصير هذه الشخصية التي بدأ الغموض يلفّها في الفصول الأخيرة من الرواية. أمّا الشخصية الغريبة حقًا، والمثيرة للانتباه فهي شخصيّة المرأة العجوز التي تحمل السرّ الأكبر في النص السردي وقد شغلتنا بها الكاتبة على مدار الرواية وجعلتنا مُنْشدّين إلى إطلالاتها الخاطفة وهي تحمل مسبحتها اللؤلؤية المُلفتة للأنظار. لقد أجّلت مريم مشتاوي الكشف عن شخصية المرأة العجوز حتى الفصل السادس والأخير من الرواية حيث ظهرت أمام مريانا ثم توارت فجأة لكنها تركت المسبحة اللؤلؤية على عتبةٍ بيت قديم فوضعت المفتاح الذهبي، الذي سبق لها أن استلمته في علبة خشبية، في ثقب الباب فانفتح، وحينما دلفت إلى الدار  وجدت كتابًا يحمل عنوان "كم أحببتها!" وتبيّن أنّ مؤلفه صادق وقد أهداه إلى مريانا التي أحبها حُبًا جمًّا يقول فيه:"الحياة سفينة دون ربّان . . تتهادى بين أمواج وقت ميّت لا نعلم زمانه. طوبى لمن لم يركب السفينة". أمّا العجوز فهي أم صادق التي تحمل شبهًا كبيرًا بعجوز الكنيسة. وعلى الرغم من فارق الحُب الذي تشعر به مريانا بين أحبائها السابقين إلاّ أنّ حبها لصادق الذي تكشّف لاحقًا كبير لدرجة لا يمكن وصفها أو تخيّلها. دعونا نقتبس بعضًا مما كانت تشعر به:"لقد أخذ نصفي ورحل . . لم أكن أعلم أنّ حُبه لي كان رحبًا رحابة الأرض". ثم تمضي في البوح حينما تقول متسائلة:"كيف لي لم أُدرك وقتها كل هذا الحُب الذي كان يكُنّهُ لي؟".

تعالقات مع الأشعار والأغاني

ما يميّز "هاتف الرّياح" عن روايات مريم مشتاوي الأربع السابقات "عِشق" و"ياقوت" و"تيريزا آكاديا" و"جسور الحُب" هو كثرة الثيمات الرئيسة والثانوية ومن بين هذه الثيمات يمكن أن نشير إلى هذه الفكرة المهيمنة التي تقول فيها مريانا:"الحُب في نهاية المطاف كالقدر نُساق إليه من دون مشيئتنا". وحتى التعالقات التي تعقدها مع التماعات محددة من نصوص أخرى مثل الاقتباس الذي استعارته من ت. س. إليوت يصلح لأن يكون ثيمة ثانوية في أضعف الأحوال حين يقول:"لا يمكنني أن أحبّ امرأة لا تُحبّ الشعر . . فهذا يعني أنّ ذوقها رديء" في إشارة واضحة إلى تعلّق صادق بحب الشعر خصوصًا والأدب بشكل عام. لابدّ من الإشارة إلى ثيمات أخر تزدان بها الرواية من بينها ما قاله رياض:"لن يكتمل الحُب إن لم تنفخ المرأة عطرها في روح الرجل"،. أو ما قالته سوسن، صديقة روزا، وهي تقرأ مقطعًا شعريًا لشكسبير في مسرحية عُطيل يقول فيها:"لا تحاول أن تستمر في حياة لا تجد فيها مكانك. التقط روحك وطر بها إلى مكان آخر. قد يكون الأعلى الشفيف أو قد يكون المهوى السحيق. حاول أن تستمر في حياة تحضنك بدون وجع".

تسرّب المَحْكيّة إلى النسيج الفصيح

لا شك في أنّ لغة مريم مشتاوي فصيحة وعذبة ومنسابة لكنها تستعمل المحْكيّة أحيانًا أو تتسرّب إلى نصها السردي من دون وعي مثل كلمة "طابة" التي تعني بها "كُرة"، أو كلمة "شنطة" التي يقابلها في العربية "حقيبة" وكلمة "شنطة" çanta كما هو معروف تركية وتستعمل في الفارسية أيضًا. كذلك ترد كلمة نهر التيمزThames The في الرواية لكن المؤلفة تكتبها "التايمز" خلافًا للصيغة الصوتية المتّبعة لدى الإنكَليز. وهناك أخطاء إملائية في عدد من الكلمات من بينها "ساوث بنك" حيث كُتبت ثلاث مرات "سواث، وثاوث، وساوس" وهي منطقة تجارية وترفيهية معروفة في قلب لندن.

تنجح مريم مشتاوي في خلق حبكة روائية متميزة في هذه الرواية إلى الدرجة التي نلمس فيها قدرتها الكبيرة على التلاعب بالأزمنة سواء من حيث التداخل أو الاسترجاع الذهني أو الاستباق وما سواها من تقنيات زمكانية تُدلل على حِرفية الكاتبة التي تمزج بين التقنيات القديمة والحديثة. كما برعت أكثر في تطوير شخصيات نصها الروائي بطريقة ذكية تُغبَط عليها حقًا وخاصة فيما يتعلّق بمريانا ورياض وصادق والأم العجوز.

تُسجل مريم مشتاوي طفرة كبيرة في "هاتف الرّياح" عن رواياتها الأربع السابقات، وهي تكشف بشكل لا يقبل الجدل عن قدرتها السرديّة التي تتطور باطّراد. كما تكشف مضامين هذه الرواية عن طاقتها الفاذّة في تطعيم النص السردي بأفكار ومهمينات تجمع بين الفكر والشعر والفلسفة، ولا تجد حرجًا في مواجهة مَواطن الضعف لدى رجال الدين في المؤسسة الكهنوتية التي تُخلخل هي الأخرى منظومة القيم الأخلاقية في المجتمع اللبناني على وجه التحديد، وهو صورة مصغرة للعالم العربي والإسلامي برمته.

 

عدنان حسين أحمد

 

الحسين بوخرطةقراءة نقدية للقصة القصيرة "البحث عن قبر الشاعر البياتي" للدكتور علي القاسمي.

المجموعة القصصية "أوان الرحيل"

من خلال ملاحظة العنوان "البحث عن قبر الشاعر البياتي"، وبداية النص المعبرة عن حالة نفسية عادية "... سافرت من مقر عملي في المغرب إلى سورية للمشاركة في مؤتمر مجمع اللغة العربية في دمشق ... وصلت قبل يومين بسبب مواعيد الرحلات الجوية ... جاءني (الأخ من العراق) إلى الفندق ضحى يوم الجمعة ... سلام وعناق وحديث طويل عن الأهل والأصحاب..."، ونهايته "تذكرت غربة البياتي، وتذكرت غربة الشيخ محي الدين بن عربي التي لم تطالب الأندلس باستعادة رفاته، وتذكرت غربة العراقيين في بلادهم، وتذكرت غربتي، وبدون أن أدري ترقرقت دمعة في عيني،..."، وبعض المشيرات الهادفة "...أتلوا الفاتحة على روحه ... ولد (البياتي) بالقرب من صوفي –الشيخ عبد القادر الجيلالي- ودفن بالقرب من صوفي – الشيخ ابن عربي- ...عرفنا المحافظ من لهجتي التي لم يندثر لحنها بعد خمسة وثلاثين عاما على فراق العراق ... للقبر شاهد مرتفع نوعا ما (قبر البياتي الذي ألف الآلاف المؤلفة من العبارات الشعرية الأخاذة وأغنى بها اللغة العربية لفظا ونحوا ودلالة)... كُتِبتْ على قبره عبارة واحدة فقط، مبتسرة ركيكة التركيب... ذهني حلق بعيدا في فضاء حزين من الذكريات... شاهدت الدمع تتجمع في عينيه (البياتي) مثل غيمة تسوقها الريح... "، يتضح أن قصة القاسمي تعالج قضية نفسية، قضية سارد ووطن وإقليم.

إنها نفسية حزن وعذاب وألم وحسرة واغتراب خيمت وتخيم على أنفس وأرواح المفكرين والمبدعين، الأحياء والأموات، داخل وخارج البلدان العربية. إنها نفسية السارد، والشاعر، والأديب المبدع، والمفكر العالم، ... فالبياتي، الشامخ في الذاكرة الثقافية العربية، كما هو الشأن بالنسبة للكاتب، قاوم بشراسة بالقلم والكلمة، مرددا برقي وسلمية صدى العبارات الإبداعية والكلمات المنحوتة في شمول الفضاء العربي الشاسع، زاخرة بالحب والحزن والقيم الإنسانية وبواعث الانتماء الكامنة. ولد بالقرب من صوفي، ودفن قرب صوفي آخر، لكنه أحب الحياة كما تمناها للعراقيين بصفة خاصة والعرب بصفة عامة، متشبثا بدون استياء بالنضال من أجل الكرامة داخل الوطن. سطع نجمه وبزغ لامعا من خلال حياة متاخمة لموقعين زاهدين، الأول احتضن فرح ولادة والثاني استضاف الرفات بعد الوفاة.

لم يستسلم (البياتي) لطلبات وتغريرات الارتماء في حضن الصوفية، كمجموعة طرق وسلوك في العبادة والتنسك، لأنه كان يعتبر بإيمان المبدع أن نزعة الهروب، هروب الزهاد، ما هي في العمق إلا ردود أفعال مناوئة للتغطرس وانعكاس مباشر للمبالغة في ممارسة القمع والتسلط النسقي باسم الدولة الراعية. تابع كيف تبدلت أحوال وأحلام الناس، وبارت أمانيهم، وتكسرت علاقاتهم الاجتماعية، واستسلمت النفوس الزكية للهروب بعيدا، لتتفرغ للأذكار والخلوة بالنفس، لتزداد قوة عزيمة الشاعر في البوح الفاضح لمساعي إبادة أرواح الأوطان العربية وكبس أنفاسها، جاعلا من الكلمة المنحوتة بالدقة المتناهية سلاحا عتيدا للمقاومة، ومواجهة مخاطر السباحة ضد تيار الحاكم. إنه ابن حضارة بلاد الرافدين المجيدة والمتسامحة بصداها المدوي في فضاء الحضارات التاريخية. السارد، كما البياتي، تعايشا مع الصوفي الذي انتابه الاعتقاد، أمام تكدر المعيش وشيوع الفواحش والاعتداءات على كرامة كينونة البشر، أن الخلاص يوجد في الغوص في صفاء القلوب وركوب الطريق السوي.

 إن سطور هذه القصة الرائعة، تحمل بين طياتها دلالات استفحال مقت النظام العسكري للمبدعين بالعراق، مقارنة مع الدول العربية الأخرى. فالانقضاض القسري العنيف، بالحديد والنار، على فضاءات العيش المشتركة داخل الوطن الواحد، لا تولِّد إلا الزهد أو الإرهاب أو التيه والتفاهة. فإذا كان الزاهد يحرص على التفرغ للعبادة وإهمال الدنيا وطلبها والتقليل من شأنها والرغبة في دار البقاء، فإن النزوع إلى الإرهاب عنوانه الحقد والرغبة في الانتقام، لتستسلم فئات من العامة إلى الصمت والخوف والمسايرة اليومية لتعبيرات الدونية، مقتصرين بالتشبث بالبقاء على قيد الحياة بدار الفناء. إنها بدع أنتجها وأذاعها الطاغوت عربيا في أذهان الأجيال المتعاقبة.

فخصائص القصة من حيث الحالة النفسية تزكيها بقوة دلالة المكان (سورية المتفاعلة والمتاخمة للعراق -مؤتمر مجمع اللغة العربية في دمشق)، والزمان (أوائل شهر أكتوبر – يوم الجمعة وإقامة صلاتها وزيارة قبر البياتي)، والشخصيات برمزيتها الكبيرة (السارد كشخصية رئيس، أخو السارد الذي تحمل عناء السفر للقاء شقيقه بعد سنوات عجاف من الفراق، البياتي نفسه قيد حياته، القيم على الضريح، ومحافظ المقبرة وابنه).

كما نجدها في قطع متواليات السرد من خلال استثمار الكاتب لخطاطته السردية بإبداع لافت. البداية كانت عادية نفسيا (وصول إلى الفندق، لقاء الأخ بحب وعناق وشغف). لكن البراعة ستزداد ارتقاء في منعطف أحداث الوضعية الوسطية المخلة، فالشخصية الرئيس (السارد) سيرتبط بأحاسيس جديدة ستغوص به في عالم ذكريات الأحزان (البحث عن قبر عبد الوهاب البياتي رمز جدلية اليأس والأمل). إنها وضعية انجذاب اصطفى وامتثل من خلالها وجدان السارد متنكرا للذات، عكس الأخ الذي كان يطمع في لحظات متعة ذاتية مع أخيه (استشهاد: تبادر إلى ذهني أنه كان يرغب في اصطحابه إلى مطعم فاخر في أحد المصايف الجبلية الرائعة)، باحثا عن قبر الشاعر البياتي (استشهاد: رآني أتهيئ للخروج؟ أين ستأخذني؟ قلت : "سنذهب إلى ضريح الشيخ محي الدين بن عربي للبحث عن قبر المرحوم عبد الوهاب البياتي، لأتلو الفاتحة على روحه". فبقدر ما ازدادت الرغبة عند الأخ للهروب إلى فضاء رحب وممتع، وأن يستل من مآسي تراكم القتلى والموتى (استشهاد: ألم نشبع من القبور والمقابر في العراق؟)، اشتد الحرص الدائم لدى السارد للتشبث بكينونته الإنسانية ونضاليتها (استشهاد: هذا قدرنا).

أما في وضعية النهاية، فقد تم التعبير بأمل عن مآسي الذكرى، مآسي الغربة والهروب من الفظاعة، والويلات التي تحملها وتكبدها الشعراء والأدباء والمفكرون ورجال الفن المبدئيون والملتزمون بالقضايا العربية. والسارد في طريقه إلى اندونيسيا، توقف ذات مرة في عمان قاصدا شقة البياتي، ليتم إخباره بانتقاله إلى دمشق للإقامة فيها. إنها وقفة تذكَّرَ فيها مقطع من ديوان المغترب النازع إلى الموت تحت عنوان "قصائد حب على بوابات العالم السبع"، الذي يقول فيه: "عدت إلى دمشق بعد الموت/أحمل قاسيون/أعيده إليها/ مقبلا يديها/فهذه الأرض التي تحدها السماء والصحراء/والبحر والسماء/طاردني أمواتها وأغلقوا علي باب القبر". توجس خوفا، ليسترسل في استرجاع شريط الذكريات القاسية (غربة البياتي، غربته هو نفسه، غربة محي الدين بن العربي وآخرون). أما الأخ، فقد رمزت وضعيته النفسية غير الآبهة إلى الإنسان العراقي الذي لا يعبأ بمجريات الأحداث بوطنه، المغترب في بلاده، وغير المكترث خوفا من عواقب الكلام في السياسة والفكر، والميال إلى الصمت والعيش بما يضمن الروح في الجسد (استشهاد: عندما استدرت خارجا من المقبرة صامتا واجما، وأخي يتبعني من غير أن يتكلم).

بأسلوب حواره الداخلي، الذي امتزج فيه الخارجي، وبأسلوب سردي من الخلف، غاص بنا الكاتب بشخصيته الساردة الرئيس في فضاء إبداعي سلس، بحبكة قياسية الإتقان، وببناء فني مرصوص، وباختزال يبهر، أهدى للقارئ خطاطة سردية منظمة بمقاطعها ومقاصدها الدلالية، زارعا الأمل في استنهاض الضمائر والهمم. لقد عبَّر، بنفحات امتزج فيها الفرح والتوتر والانفعال والحسرة والحيرة، عن جرح غائر في نفسه، لا يضمده إلا الأمل في غد أفضل، الأمل الذي لا يكل ولا يمل بهمساته وصيحاته في مناداة المثقفين العرب للوحدة في التعبير عن الكلمة الهادفة وإيصال مدلولها إلى نفوس الأفراد والجماعات. إنه الأمل في غد أفضل الذي يجب أن يعضوا عليه بالنواجد متضامنين ومتعاونين وموحدين إلى حين التخلص من غبار التخلف والانحطاط. فعلا، لقد ربط الكاتب ما عاشه السارد من أحداث مؤثرة بشخصيات من عظماء الحضارة العربية. أولهم عبد الوهاب البياتي، الشاعر نجم أدباء العراق المغتربين، اللغوي والأدبي المبدع اللامع، والصحافي المقتدر، الذي تكبد الويلات بسبب مواقفه الوطنية، والتي كان أبشعها فصله من وظيفته واعتقاله. عاش مغتربا متنقلا بين الأقطار شمالا وجنوبا. سافر إلى سوريا، ثم بيروت ثم القاهرة. احتضنه بحنكته وخبرته الاتحاد السوفيتي، واشتغل في جامعة موسكو الحكومية، ثم باحثا علميا في معهد شعوب آسيا. جاب العالم وأقطار الدنيا رحالة ومهاجرا ومنفيا وثائرا ومفكرا، وبقي مرتبطا بحق العودة وانعتاق الشعب العراقي من التسلط، وظل منارة أرض سومر وشاعر الحنين والمنافي، مستلا بعقلانية من الصوفية ليعانق المرحلة الرومانسية والحداثة (مقطع من أشعاره: نحن من منفى إلى منفى ومن باب لباب / نذوي كما تذوي الزنابق في التراب / فقراء، يا وطني نموت وقطارنا أبدا يفوت…).

انتقل بنا السارد إلى مسقط رأسه معلنا أن البياتي ولد في بيئة شعبية صغيرة وفقيرة (عام 1926) بالقرب من مسجد وضريح الصوفي الشيخ عبد القادر الجيلاني في بغداد. وهذا الأخير كان علامة عصره في علوم الشريعة. تابع طلبه للعلم، ورحل إلى بغداد ودخلها سنة 1095 ميلادية وعمره ثمانية عشر عاماً. انتسب إلى مدرسة الشيخ أبو سعيد المخرمي. عايش الفوضى التي عمت كافة أنحاء الدولة العباسية، وويلات هجومات الصليبيين. إنها ولادة قرب رجل مقدام استطاع بالموعظة الحسنة مجابهة الحكام الظالمين مغذيا روح المقاومة عند الناس محذرا إياهم من الانصياع للطواغيت (أشهر عباراته: "صارت الملوك لكثير من الخلق آلهة. قد صارت الدنيا والغنى والعافية والحول والقوة آلهة، وبحكم جعلتم الفرع أصلاً، المرزوق رازقاً، والمملوك مالكاً، الفقير غنياً، العاجز قويا والميت حياً، .. إذا عَّظمت جبابرة الدنيا وفراعينها وملوكها وأغنياءها ونسيت الله عز وجل ولم تعظِّمه، فحكمك حكم من عبد الأصنام، تصيّر مَنْ عظّمتَ صنمَك"). لقد اغتنم يوما وجود الخليفة في المسجد وخاطبه ببسالة من على المنبر قائلاً "وليت على المسلمين أظلم الظالمين وما جوابك غداً عند رب العالمين". ومن أبرز أقواله الشهيرة: أن يجتنب المتعلم الكذب هازلا أو جادا/أن يجتنب لعن أي شيء من الخلق/أن يجتنب الدعاء على أحد/أن لا يشهد على أحد من أهل القبلة بشرك/أن يجتنب النظر إلى المعاصي/أن يجتنب الاعتماد على الخلق في حاجة صغرت أو كبرت/أن يقطع طمعه من الآدميين/التواضع، وبه تعلو المنزلة.

ألحق السارد القارئ به، ليجد نفسه واقفا أمام معلمة تاريخية ثالثة، وهو الشيخ محي الدين بن عربي (استشهاد: سنذهب إلى ضريح الشيخ محي الدين بن عربي (1165-1240م) للبحث عن قبر المرحوم عبد الوهاب البياتي، لأتلو الفاتحة على روحه). هو واحد من أكثر المتصوفة والفلاسفة العرب تأثيراً. كتاباته لا تزال تتمتع بشعبية كبيرة، وتعطي اليوم أجوبة هامة على المقاربات الأصولية في الإسلام. لقد كان خبيرا في الشؤون الدينية المرتبطة بالتجربة الكونية الروحية الضمنية، وساعده الشعر في التعبير عن اجتهاداته المبهرة. بفضله انتشر الإسلام في عدد من أقطار آسيا. يُعتبر أحد الأشخاص ذوي الكرامات في دمشق، وله صورة براقة في بقية العالم الإسلامي، ونجم كوني برؤاه في شأن التسامح والتناغم بين الأديان. يعد من رواد تشكيل حضارة عالمية إنسانية بالكامل، الداعين إلى الإبداع والتعاون العميق الذي ينبع من فهم روحي حقيقي للدين، مستندا على فهم عميق للقرآن، منتجا بذلك للمعاني المتعددة والمتداخلة. كان من دعاة رقي الإنسان بإنسانيته بطموح الإتحاد بخالقه تعالى. لقد كان دائما يردد أن الحكم نتيجة الحكمة، والعلم نتيجة المعرفة، فمن لا حكمة له لا حكم له، ومن لا معرفة له لا علم له.

بعد ذلك يدخل السارد صحبة أخيه لمسجد محي الدين بن عربي. أديا صلاة الجمعة، بارزا دلالة جواب القيم على ضريح الشيخ :"لا يوجد أي قبر بجوار الضريح، ما عدا قبر الأمير عبد القادر الجزائري، ملفتا نظر القارئ أن قبر المقاوم للاستعمار بالجزائر قد استعادته الدولة الجزائرية بعد الاستقلال، متسائلا بغليان وحزن شديد: متى يستعيد العراق رفات البياتي والجواهري ورفات مئات نوابغه الأحياء والأموات؟ الأمير عبد القادر ابن محي الدين المعروف بـ عبد القادر الجزائري ولد في قرية القيطنة قرب مدينة معسكر بالغرب الجزائري سنة 1808 ميلادية، هو قائد سياسي وعسكري مجاهد عرف بمحاربته للاحتلال الفرنسي للجزائر. يتلقى السارد هذا الجواب لينقاد لضغط الذكرى وذكريات الأحزان مستحضرا مقبرة الغرباء بدمشق التي تحتضن النوابغ من أبناء العراق، تحتضن الكثير من رفات نجوم الإبداع في هذا البلد الأبي الساطعين في مختلف المجالات، أمثال الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري والشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي والشاعر مصطفى جمال الدين وغيرهم. في حين هناك حيرة كبيرة لم يجهر بها السارد تتمثل بعدم معرفة أين دفن الكثير من مبدعي العراق الذين ماتوا في الغربة.

أثار السارد الارتباط الوجداني للبياتي بالمغرب حيث خصص لذلك فقرة هامة في القصة (استشهاد: "كان يأتيني إلى المغرب في بعض المناسبات الثقافية، وأحيانا بدون مناسبة، وكنت أعلم أنه يأتي إلى المغرب ليرى ملامح الوجوه العربية وليسمع اللغة العربية في الطرقات، وليتناهى الأذان من المنابر إلى أذنيه، وليشاهد المنازل والبنايات المشيدة بالعمارة والريازة العربيتين، ويروي عينيه بالأزياء العربية التي يرتديها الناس"). وأضاف جملة مغمورة بالرمزية قائلا: (استشهاد: "وبعبارة أخرى كان الشاعر في حاجة إلى رؤية جمهور قراؤه العرب وهم في بيئتهم العربية ليتمكن من قول الشعر باللغة العربية). سافر بنا كذلك إلى عمّان، بارزا بعد ذلك مكانة الامتداد الإسلامي إلى الباكستان في وجدان شاعره الفذ عبد الوهاب، محدثا وقفة سردية محزنة معبرة على تعلقه بنوستالجيا موسكو (استشهاد: رأيت ملامح وجهه تتغير (البياتي)، ثم شاهدت الدموع تتجمع في عينيه مثل غيوم تسوقها الريح. سألته عن السبب، فقال: إنها قصائد الشاعر المرحوم أنصاري الذي كان زميلي في المنفى بموسكو).

خلاصة القول، لقد أمتعنا الكاتب بهذه القصة الرائعة للغاية بما أثارته من تشويق، وكسر لرتابة السرد من أول كلمة في التقديم إلى آخرها في الختم. لقد أبرز للقارئ، تارة بشكل مباشر، وتارة عبر رسائل مشفرة، أن أحسن وسيلة للتخلص من الشقاء والموت هي الاعتصام بالخيال والقناعة والرضا وعدم الاستسلام للوهن والأحزان. بأسلوبه السردي المتين، واستعماله الأساليب الإبداعية الحجاجية، علمنا ما معنى الانتماء إلى العروبة، ونبهنا بمزيج من الشعور والفكر أن استعصاء احتضان تراب الأوطان العربية لكل أبنائها وبناتها ما هو إلا حالة نشاز غير طبيعية، وأن بناء الغد يتطلب صحوة الذات بأبعادها الشعورية واللاشعورية، لتنتزع الحق في التعبير عما تفيض به النفوس من أحاسيس وأفكار وعواطف ونوازع وطنية والقواسم المشتركة في أبرز منطقة تتوسط جغرافية العالم، فارقة شماله وجنوبه، ومحدودة ما بين الخليج والمحيط. وطن حضاري عريق بذكريات عوالم ووجدان رواد اللغة العربية.

غادرنا البياتي في الثالث من أغسطس/آب 1999 ميلادية عن عمر 73 عاما، قضى أغلبها في المنافي، كانت دمشق آخرها، وجاء حسب وصيته بأن يدفن في مقبرة بن عربي الصوفي الذي عشقه شاعرنا، مرددا أكثر من مرة "إنني أعد العدة لكي أنام إلى جوار شيخي". السارد، مطرقا بقدميه على تراب سورية، وهائما في ملكوت وجدانه خارج الفضاء الدمشقي، وهواجس الأخ تتابع الخطوات بملل وحيرة مرتبطة بنوازع الذات، يناشد العراق، الوطن الحضاري الباشق الذي يئن جراء العنف القاسي المسكون بعقدة اغتال مادته الرمادية داخل الروح الشعبية، لاسترداد رفات مبدعيه المنفيين. فعلا، قيل للسارد أن البياتي اختار مكان دفنه، ليقرر السارد الالتحاق به مشيا على الأقدام إكراما له، بدون أن يعلم أن المقبرة في اتجاه قمة الجبل. لم يكن هناك أمامه من سبيل سوى التسلق صاعدا، وصل هو وأخيه والإجهاد باد عليهما. لم يجده في المقبرة المنعوتة بل في ملحقة لها. الموقع تضلله شجرة صفصاف وارفة ينبعث منها نوح حمامة محزونة، أما لوحة قبره (الشاهد المرتفع)، على تراب محكوم بنظام مشابه، لم تجسد قيمة الرجل لغة ولفظا ونحوا، بل تغذت ركاكة وابتسارا

 

الحسين بوخرطة

 

 

السعيد بوشلالق- أستفتحُ هذه القِراءة بهذا الاقتباس من نفس الرِّواية: (مَنْ لا يَعي القراءة جيداً سينحت الحروف والفواصل بعيداً عن تمثال الحقيقة) ص 62. فلعلّ أزميل القلم ينحت ذلك التمثال..

- الكاتب هو سليم بن اعمارة من مواليد عام 1977 بمدينة بوسعادة، الجزائر

- الرِّواية صدرت عن دار الماهر للطباعة والنَّشر والتَّوزيع. العلمة. سطيف. الجزائر. الطَّبعة الأولى 2019. من الحجم المتوسط بـ 210 صفحة.

- تتوزع الرِّواية عبر أربعة أجزاء هي: - رِيح الرَّماد. - صِراع الاتزان. - جُرعة الألم. - لمسة الكفن.

- سيميائية الغلاف والعنوان: القراءة السِّيميائية تسعى إلى التركيز على الدلالات والعلامات، بدايةً بقراءة الغلاف؛ فالغلاف بلونه الأسود يُحِيل إلى العشرية السَّوداء التي عرفتها الجزائر في تسعينات القرن الماضي، يظهر في السَّواد تشكيل شخص غير واضح الملامح تشي صورته إلى سوداوية المشهد وضبابيته حيث تداخلت الأحداث والمعلومات والبيانات وتأثيراتها على الواقع وأصبح الجميع يشك في الجميع. (.. ما أمْقُتُه في ظِلِّي هو سواده هل هذا أنا..؟ أهذا عالمي..؟) ص 51.

ونقف عند عتبة العنوان باعتباره تعريضاً للنص، ويشكل بنية دلالية كبرى تساعد القارئ على فهم دلالات النَّص. حيث جاءت كتابة العنوان (شاهد على شفرة) بالأبيض و(الكنيف) بالأحمر، لون الدم، فجاء التأثير ملفتاً لنظر القارئ المتطلع إلى قراءة نص حافل ممتلئ يروي شغف القارئ معرفة، فما الرِّواية إلَّا نص ماتع للكاتب والقارئ معاً. يقول السَّارد في ربط واضح بين عمق المتن والعنوان (لعنة الله على مَن سماها السِّلاح الأبيض، إنّه السَّواد بعينه، والله إنّ الرَّصاص مسالم مع حِلكَة سواد الخناجر. لو خيَّروهم قبل قتلهم: أتختارون الموت بسلاح أبيض. لاختاروا كُلَّ الألوان إلَّا الأبيض..) ص 146. وعن معنى (شفرة الكنيف) في الموروث الثَّقافي الشَّعبي في المنطقة التي تدور فيها أحداث الرِّواية في مسعد بولاية الجلفة، فهُم يُسمون الشفرة أو السكين باسم (الكنيف)، أما في اللغة العربية فيقصد به المرحاض أو الساتر أو الترس. طبعاً لفظ (الكنيف) هُنا في الرِّواية لا علاقة له بالمعنى اللُّغوي بل بدلالته في الموروث الشَّعبي للمنطقة التي تدور فيها أحداث السَّرد. يتماهى العنوان مع المتن ليدل على عمليات الذبح الجماعي للمواطنين الأبرياء العزل من الجماعات الإرهابية المسلحة في تلك الفترة المظلمة من تاريخ الجزائر التي تفرق فيها أبناء بعض العائلات بين من كانوا في صفوف رجال الأمن والجيش ومنهم من التحق بالجماعات الإرهابية المسلحة. فبات الأخ يقتل أخيه في هستيريا مرعبة. (الأخوة يأكلون بعضهم بعضاً، أولادنا يقتلون بعضهم بعضاً) ص 47.

-عتبة النَّص: يستفتح الكاتب سليم بن اعمارة متن الرِّواية باقتباس للرِّوائي الكبير غابريال غارسيا ماركيز نصه: (ضع بعض أحجار ساخنة على تلك الجراح). قد لا يُدرك القارئ المغزى مِن هذه العتبة إلّا بعد أن يغوص في عمق الرِّواية إلى نهايتها. وهو ما يدفعه ليسأل هل يمكن للأحجار السَّاخنة أن تداوي الجراح؟.. إنّ الكاتب أراد بهذا الاستفتاح أن يخدم محتوى ومضمون النَّص. فهو يشير إلى أن آخر العلاج الكي. غير أن الحجارة السَّاخنة تكون كالسِّكِين السَّاخن يمكن أن يُشفي ويمكن أن يقتل.

- أحداث الرِّواية: الشَّاهد في هذه الرِّواية يسرد أحداث حقبة عايشها خلال العشرية السَّوداء والحمراء التي عرفها القُطر الجزائري، وفي الرِّواية بالتحديد قرية سلمانة بمنطقة مسعد بولاية الجلفة بالجزائر، ويروي ما حدث في المنطقة من أعمال إرهابية، ولعلّ القارئ يستشعر أن أحداث الرِّواية واقعية فهي تأخذنا نحو صِدام الذَّاكرة، ونسير معها على شظايا الألم، والحرية، والوطن، والخيانة، والنِّفاق... تتحرك شخوصها وتتقاطع أحداثها في زمن بداية العشرية السَّوداء بالجزائر، لترسم لنا بشاعة الإرهاب ووحشيته.

2484 ابن عمارة سليمتتشابك أحداث الرِّواية ابتداءً من سنة 1994عندما يفترق الأخوين "أحمد" و"عيّاش" "بطل الرواية" من عائلة واحدة، لتتفكك الأسرة ويجدا نفسيهما وجهاً لوجه بالسِّلاح، عندما يلتحق "عيّاش" بالجماعة الإرهابية بعد وفاة والده في المستشفى وما حدث له مع الطَّبيب عبد الباقي هناك (نظراتُ الطّبيب باستِحقار إليه، بينما يحمل والده وهو في آخر لحظاته، ذلك الشُّرطِي يتملَّقُ بهم وهُمْ فِي طريقهم إلى المُستشفى، زواج أُخْتِه، وتِلك الصَّداقات التي تغيِّر وجهتها، كُلُّها أحقادٌ تدفعه لِيكتسي حُلَّة الإنسان الأخر، وتُنير له دربه المُتلاطم، كُلّ لحظة سيدنو أكثر مِن الجماعة ويمحو كُلّ بصمة مِن شخصه.) ص 114، يحاول عيّاش أن يُعوض خساراته، لكنه تعويض بمثابة هروب إلى اللاشيء، فهو حائر ومتناقض، شخصية قلقة مضطربة مشوشة بين العبث والضَّياع. وفي الوسط الدَّموي الجديد الذي انتمى إليه يكتشف حياة "أبا ذر" وهو اسمه الجديد بين الجماعة الإرهابية، حيث يصارع ذاته بما حمله من خير وبما سيحمله من شر، متخبطاً في أفكاره، يتقاطع بأحد أفراد الجماعة الإرهابية في شخص "الرُّوجي" كهل متضارب الأفكار، خلافه مع أفراد الجماعة المسلحة حيث البحث عن القوة والسُّلطة، وحمايته لـ "عيّاش" الذي يرى فيه صورة أخيه الذي تلاعبت به أيادي من الجماعة نفسها.. الكُلّ يشكُ في الكُلّ، والجميع يرتاب في الجميع.. (أترى ظلك.. لا تأمنه، إنه يُلازمك فقط عندما يسطع النُّور) ص 159.

الخيانة حتى عند بعض أفراد مصالح الأمن حيث الوشاية تطمس الحقائق، يُصارع "أحمد" رجل الأمن في مسعد والأخ الأكبر لـ "عيّاش" مفترق طرق أو قد يكون ملتقى طرق، مقتفياً آثار الجماعة الإرهابية في قرية سلمانة، متخفياً بصفة أحد أفراد الدِّفاع الذَّاتي، ليكتشف خيانة ضابط في جهاز الأمن كان له اتصال بالجماعة الإرهابية.

"أحمد" رجل الأمن في مسعد والأخ الأكبر لـ "عيّاش" يلوم نفسه على أنّه لم يتقرب من أخيه مما كان يمكن أن يساعد على إبعاده عن الانخراط في هذه الجماعة المسلحة يقول: (كنتُ بعيداً عن أخي.. لا أستمع منه إلَّا الأخبار التي تسُوء. ولا أُحاوره إلَّا لِعِتَابٍ.. لم أقرأ صفحته كاملةً يوماً.. كُنتُ أقرأ إلَّا بعض السُّطُور.) ص 181.

"بختة" أخت "عيّاش" يجمعها القدر بالزواج بـ "عيسى" مصور القرية، وهو أخ الطبيب "عبد الباقي"، هذا الطَّبيب الذي يفاجئ الجميع في النِّهاية كونه هو أمير الجماعة التي يحركها من بعيد، "الزّردي"، "الباز"، "الأزرق"، و"الجزار" مجموعة دموية تتصارع فيما بينها وهي تتحرك بعدة أوجه. ليكتب في النِّهاية أن تسقط الأقنعة وتتشابك الأحداث في موقف واحد حيث لا نهاية لشرٍ صنعه الإنسان، إنه الإرهاب لثام لا يؤمن بالمكان ولا الزمان.

تختتم الرِّواية بنصب حاجز مزيف، كانت الحافلة تَقِلُ أخته "بختة" وزوجها "عيسى"، يُعتدى بالضَّرب والتهديد بالذَّبح على أخته وزوجها، وذلك كُلُّه على مرأى من "أبو ذر" الذي لم يستطع الدفاع عن أخته وزوجها وهو بين الإرهابيين، وعلى مرأى أيضاً مِن بعيد من أخيها "أحمد" الذي كان هو ودوريته التي تتبعت الإرهابيين تنتظر الإذن بالهجوم عليهم.. وفجأةً تصل سيارة مِن بعيد ويصيح أحدهم: الأمير وصل الأمير.. وصل الأمير. لم يكن أحد يعلم بأن "عيسى" زوج "بختة" هو أخ الأمير. وفي هذه اللَّحظة (يُدرك - الأمير- أن مُعظمهم قد اكتشف حقيقته، فَهُمْ يعرِفونه كَطَبيب في مستشفى المدينة، أما اليوم فهو مُدبِّر الحاجز المُزيف. فهذا سِرُّه ولا بُد أن يموت معهُم.... - اِقْضِ عليهم.. وتأكد مِن موتهم.) ص 204. في نفس تلك اللحظة تشن دورية الأمن الهجوم على الإرهابيين ويتم القضاء عليهم. واعتقال "عيَّاش - أبو ذر" بعد أن باءت طريقه بالفشل. (حدَّق عيَّاش إلى أخيه أحمد ثُم قال: إنه الإرهاب.. يختفي ورائنا لِيُلبس كُلّ واحدٍ مِنا ريحه التي يعبق بها المكان، لكن في جوفه آلة لحصد الأرواح، إنه لا لون له فهو يحمل كُلّ الأقلام، ولا طعم له فهو يحمل كُلّ الأذواق، ولا رائحة له فهو يحمل كل الأنفاس. الفرق بينه وبين الماء، أن الماء خُلِق للحياة، والإرهاب خُلِق للموت.) ص 208.

وفي رمزية وإيحاء إلى ألم وحزن الوطن الذي جمع فيه كُلَّ الأطراف المتناحرة من أبنائه، يقول السَّارِد: (منذ غياب عيَّاش وبعد زواج بختة، ساءت الأحوال.. البيت الذي كان يجمعهم ضربه طنين الفراغ، لم تعُد فيه روح.. السُّكون يملأ جُدرانه.. كآبةٌ ترسبت في زوايا البيت.. كُلّ شيء ملمسه بارد. إنّه الكدر الذي يُلازمنا. لم يعُد للأفقِ قيمة. فنظراتُنا بالكاد تعلو. تحطَّمتْ الأُم وهي تشهد فرقة أبنائها. لقد وُلِدُوا في حُضنها وتغذَّوا من شريانها.. ما ذنبها. لقد ذكرتهم دوماً بحبِّها لهم. ألمْ تمنحهُم جَمَال سُهُولِها..ألمْ تُهديهم صفاء مائها.. ألمْ تُغرقهم في عشق بحرها.. ألمْ تُلهمهم بِسُفوح جبالها.. ألمْ تذكر لهم تاريخها لوحدهم.. كونها أبنائها الأقحاح.. عندما تشُدُّ بأيديهم لتأخذهم خِلسة، لِيَشْتَّمُوا ذلك الثَّرى الذي يُغطي أجدادهم.. للذين وحدهم مَن منحوها الحُبَّ دون مُقابل.. وقد تغنوا لحياتها قبل موتهم.) ص 172.

- نقاط على هامش الرواية: هذه مجموعة من النِّقاط سجلتها على هامش الرِّواية أثناء قراءتها:

- الرِّواية تُعري ذلك الواقع الذي طالما زجَّ الدِّين بالإرهاب، وإن كان الدِّين مطلقاً بريئاً مما نُسب إليه من تشويه وسوء فهم لنصوصه وحملها على غير محملها الصَّحيح.

- الرِّواية كُتبت للجيل الذي عاش تلك الفترة وللأجيال التي أتت وتأتي بعده. فهي ذاكرة مزجت بين الشّخص والشخصية؛ بين الحقيقة والتَّخيل. لأحداث حقبة حمراء انتكست فيها البلاد ولا يمكن أبداً نسيانها لانعكاساتها الماضية والحاضرة.

- الرِّواية تفسح مجالاً لاستقراء الماضي، لا من أجل الماضي نفسه، ولكن ليكون رؤية استشرافية للحاضر والمستقبل.

- الكاتب مكن النَّص باقتدار من ممارسة سلطته وهيمنته على القارئ، فأدخله في أجواء الرِّواية وشغفها من بدايتها إلى نهايتها.

- إن شخصية "عيَّاش" بطل الرِّواية، تمثل نتاجاً طبيعياً لذلك الواقع الذي عايشه في عشرية الإرهاب، في مراحل القهر والفقر والظلم، وبعد أن فقد والده في المستشفى، مع ما حدث له من صدام مع الطبيب هناك. ففي واقع الحال فإن "عيّاش" استسلم للواقع وقَبِلَ به، وهو يعاني من وجع نفسي سيطر على سلوكه ونمط تفكيره، وقاده إلى حالة اضطراب وارتياب، وشعور بفقد الثِّقة بالنَّاس، والرِّيبة منهم. كل هذا الكم من الارتدادات ارتدت على شخصية "عيَّاش" أو " أبو ذر" بطريقة تجعل حياته محطمة ومحبطة يسودها (الخوف والتَّرقب والشَّك..)

- (شاهد على شفرة الكنيف) نصٌ يخاطب الضَّمير ويُسلط الضَّوء على حقبة صعبة وقاسية من تاريخ الجزائر المُعاصِر، أراد الكاتب سليم بن اعمارة من خِلاله أن يُبين حجم المأساة التي عاشها المجتمع الجزائري، في محنة الإرهاب من قتل وخطف ونهب وحرق ودمار وفوضى وخوف وفساد بكل أنواعه وأشكاله.

- بدا لي أن الكاتب اعتمد نظرية الفهم، وهي نظرية القراءة التي يشارك فيها المُتخيل في صُنع المعنى والصُّورة والمشهد الرِّوائي. فرواية (شاهد على الكنيف) مرتوية بالتَّخييل قادرة على التَّواصل.

- إنَّ أهم ما استوقفني كقارئ له سلطته على النَّصِ أيضاً في رواية (شاهدٌ على شفرة الكنيف) هو الصَّلابة والوضوح في الرؤية والموقف بثبات واستقامة، لعالم يشتد فيه الصِّراع من أجل الانتماء والهوية.

- اقتباسات من الرِّواية (شاهد على شفرة الكنيف):

- (الأجسام كالدُّموع متشابهة لك آلامها مُختلفة.كُلّها خِضَّم. فالحزن والفرح يشتركان في دمعة ويختلفان في ضبط أوتار الفؤاد) ص 16

- (لستَ مُجبراً لاختيار ذوق الماء كونك تمتلك البئر نفسه) ص 20

- (إذا لم تسمع صدى صوتِك فاعلم أنه لم يصل) ص 24

- (العِطر الذي أخفى لبعضهم رائحة خيانتهم، وزيف دناءة أفعالهم. تتغير نظرتنا إليهم مثلما تتغير عندما يُخاطبك سيئ الخُلُق بطيب الخَلق. حتماً سترتاح له، وطيبة كلامه وأفعاله ستمنحه نوراً يحجب عنك حقيقة خُلُقه) ص 37

- (امتدت الحِمم وتناثرت الشَّظايا، لِتُصِيب البعيد والقريب. لا بُد وأن هذا الزمن سيعيد نفسه يوماً ما، فذاكرتنا دائماً ما تصدح لومضات لا نعي زمانها ولا مكانها، لكننا متأكدون وبلا شك بأنها قد مضت علينا. أحياناً ندرك بأن الأمور لا تسير على الطَّريق الصَّحيح. ونعلم بأن خطواتنا تسير بلا دليل، نتكبد جُلّ المآسي والمحن ونحن عاجزون عن فهم السّبب. ولا نعلم حتى مصدر تلك الأيادي الآثمة.) ص 45

- (اقتنع في الأخير أن موته على تُراب أرضه أهون من أن يتلذذوا في انتهاك كل ذرة منه، ليس من السَّهلِ عليهم أن يُخرجوه مِن أرضه فقد يفتديها بِكُلِّ ما يملك، وأقسم بِأنهم لن يُزيحوه إلّا على روحه التي سيزكيها لِتُرابِهِ. على الأقلِّ ستشهد لهم الأرض بنضاله، وترتوي جراحها بدمائه، ويوماً ما سينبت زرع لهذه الأرض لِتحيا مِن جديد) ص 48

- (لن يتذوق الأمل من يختفي وراء فشله، لأنه سيبحث عن ذرائع يَطمس بها الحقائق ليغير مبادئه ويبسُط لها قواعد، حينها لن ينهزم. ومن يعرف طعم الهزيمة قد يعتريه الفشل، ولن يختفي وراءه بل سيقاتل ليّحي الأمل) ص 49

- (إنه يحمل المرآة ليُشاهد من خلفه النُّبل كلها ضده وَوِجهة الأسهم كلها نحوه، فجأةً وهو يُلاحظ ظِلّه وهو يَتموَّج ، يتلاشى أحياناً. يتحرك لِيُغير خلاخل فِكره. أهذا ظِلِّي..؟ ليتأكد خيانة ظِلِّه، ركز على تفاصيله. جُبّة وسِلاح بيده وحذاء عسكري. قال في نفسه: إنه يعكس حقيقتي. إنه يلبس وِجداني. ما أمْقُتُه في ظِلِّي هو سواده هل هذا أنا..؟ أهذا عالمي..؟) ص 51

- (الهدوء لا يعكس حقيقة الحال. لعله كبت الحِمم. أو حشوة للشجرة التي طالما غطت غابتنا. حتى أننا لم نعُد نأمن بعده.عندما تسقط إحدى أوراقك لا يهمك ستتوالى كُلّ الأوراق، ولن يتظلل أحد منك سوى الحطَّاب) ص 52

- (الفرق بيني وبينهم أني أستيقظ لأسعد بالشُّروق باكراً، وهم يبحثون ويسعَدون دائماً للغروب) ص 54

- (الحياة كالوردة اختر مَمسكها، وابحث عن رائحتها، وفكر قبل قَطفها، مُرادك تجارة لِمِسكِها أو حَصادٍ لِعبقِها، ربما في النِّهاية ستذكر أن مُعظم حقلك قد قُطفت منه بعض الورود، والباقي كُلّه وخز للأغصان) ص 56

- (قد نتلذذ بأحلامنا لأنه لا وقت يُقيدنا، سنخسر التّلذذ والسّعادة عندما نتقيّد) ص 57

- (قد تغدو الكلمات سلاحاً للبقاء، لكنها في الأصل تُغير المعاني الحقيقية، ويمكن للصّمت أن يرسُم لوحة أوسع) ص 78

- (الواجهة النّقية لا تعكس حقيقتك، فمظهرك الواقعي لن يعكسه النّهر النّقي، فالكُلُّ يختفي وراء نقائه المُزيف، وعندما تُهز أو تُحرك مشاعرك سيعكس حقيقتك المُرّة) ص 84

- (تلك الصُّورة التي نراها تُدمينا عزاءً، يوماً ما سندرك أنّها تُخفي لنا وميضاً لحقيقةٍ أسعد) ص 88

- (إذا فقدنا حُريتنا سنتأمل السَّعادة بعيداً عن أحاسيسنا وسنخسر الفُرصة لأننا مُجبرون على الجُثوِّ على واقِعنا) ص 90

- (عندما ينخرنا الألم عدة مرات يُمكننا أن نفقد الشُّعور به. ولن نُميِّز بين الصُّور فتأمُلُنا يفتقد الإحساس) ص 98

- (عندما ينبض قلبك أقوى وأنت تغمرك الابتسامة، تحلّى بالتّوازن لعلّك ستقبَل الجمود ولن تتقدم. فَعُقدك لن يَحُلَّها المدح وإنَّما النَّقد الذي يفكُ عنكَ عوائق الطّريق) ص 106

- (لم يعُدْ للغد قيمة فنحن نتشبث باليوم وكفى، كونه الأفضل مِمَا مضى فيه رُغم مآسينا، سنذكر كُلّ لحظة أمنٍ مرتْ علينا، سنقصُها على أولادنا قبل النَّوم، أو نُحدث بها أحفادنا عندما يكون للغد قيمة، أو نُتمتم بها ونحن نحرك مهد ذلك الطِّفل الذي ولد في خِضَّمِ السُّكون، فصرخته وحدها، لا ابتسامة، لا فرحة، وإنّما حُضنٌ دِفْئه حارٌ سيروي له لا محالة الحقيقة) ص 135

- (هُناك من يعيشون ليُساوموا، يبحثون عن مربط فرسٍ للآخرين، كالّذي يُساوم على خِدْمةٍ لِينتشل بها كرامة الآخر، إنَّهُم يُسْقِطونكَ في فِخاخِهم، فهُناك مَنْ يُساوم بركعةٍ، وهُناك مَنْ يُساوم بِقطرةِ دم، الفرق بينهما أنّ الأول يُساوم الإله، والثاني يُساوم الوطن) ص 138

- (السُّور الذي تبنيه ليحمي قلعتك سيأتي يوم وتجده صعب التَّسلُّق لتنجو مِن كلابك.) ص 152

- (البعد يُقاس بقرب القلوب ولا يُقاس بقرب القريب، أحياناً تجتمع أرواح الأحياء بأحبابهم الّذين رحلوا، وأحياناً تنفر القلوب مِن بعضها ولو كانت تلتقي في كُلِّ لحظة) ص 168

- (عندما يشتد الألم رُبما في تلك اللحظة قد لفظت العِلَّة فيها آخر أنفاسها. فالسَّماء لا تُمطر إلّا بعد ظلمة سحاب، حياتنا كمياه الوادي العابر تمر بلا عودة، فلنحرص أن نتذوق القطرة التي نختار فالأيام تنتهي عند عبورها) ص 189

- (لا يُمكن أن نبني جداراً في لحظة، لكن بإمكاننا أن نحتمي به طوال العمر.) ص 195

- (لا شيء يدوم سنهزل كَكُلِّ الأسود عندما يَلفظنا العرين) ص 199

 

أ. السعيد بوشلالق

 

علوان السلمانللشاعر اليوناني سيمونيدس (ان الرسم شعر صامت..والشعر تصوير ناطق)

وللشاعر نزار قباني:كل الدروب امامنا مسدودة، وخلاصنا بالرسم بالكلمات

..الشعر نشاط إبداعي جمالي قائمٌ على التخيل الخالق لصوره التي تحقهها المخيلة المنتجة..وتجسدها الالفاظ الشفيفة..فضلا عن عناصره المتمثلة بالفكرة والشكل والموسيقى والتخييل والالفاظ الموحية.. وهذا يجرنا لعوالم اللوحة التشكيلية التي تعد شكلاً من أشكال التعبير ورؤية فنية تقوم على اللون والصورة والخيال

ومهارة  التفكير.. هذا يعني انهما  يلتقيان في مصب واحد هو وجدان المستهلك (المتلقي) فيستفزان ذاكرته لاستنطاق عوالمهما وما خلف صورهما..كونهما يعبران عن (نشاط بشري يتمثل في قيام الانسان الفنان بايصال عواطفه الى الآخرين بطريقة شعورية ارادية وبعلامات خارجية..) على حد تعبير  شارل لالو.

2483 لوحة

والخطاب الشعري الذي نسج عوالمه الشاعر (يحيى  السماوي) متناغما واللوحة التشكيلية للفنان ستار كاووش ببنيته اللغوية والفنية المنفتحة على امكانيات التأويل..كون الشعر والتشكيل من التجارب الروحية والرومانسية التي ترتبط وأعماق الذات الانسانية.. فاللوحة كون تعبيري اسلوبا ومنهجا تقوم على (دراما تشكيلية) مشحونة بالمشاعر الداخلية التي تصور الانفعال..مع اعتماد عناصر تشكل نظرية (الجمال الفني) تتجلى في (الموضوع والشكل والتعبير والتوتر...)..

وجعي لذيذ فيكِ فابتدعــي

جرحا يزيد حلاوة الوجــعِ

 

لي فيك اطـــــــماع وأولها

ان تمنعي عيني من الطمعِ

فالنص يعانق اللوحة بعوالمها التي تكشف عن الانثى..الحياة النابضة بالوانها وخطوطها المتناغمة كاوتار (الكمان) الندية التي تتمحور حول الحب والعشق بصوفية شفيفة من خلال توظيف مساحات لونية وخطية ذات منظور باصر وبصيرة طرية ثاقبة ..فضلا عن توثيقه بعض الرموزالمتمثلة بـ (طاقية الراس والعيون المتقابلة وهي تعيش لحظتها العاطفية بدفء..وقد انتشرت  بين عوالمها الانسانية  الوان  الطيف الشمسي  فكانت عنصر جذب مضاف.. كونها تنسجم ومناخاته الفنية والاسلوبية الحالمة..وكل هذا اقترن بفضاء النص الذي يخاطب انثاه برؤية مشهدية تنتزع اللحظة وتسجلها بعناية ودقة مبتدءا بضمير المتكلم من خلال حوار ذاتي وحركة الزمن الخفي..اضافة الى اعتماد المنتج (الشاعر) خطابا يتسم بالواقعية التعبيرية المتميزة بالحركة مع اشتغال على سايكولوجية الشخصية انطلاقا من معطياتها وسلوكها وتحولاتها..

فأنا وانت لنـــهر عاطــــــفةٍ

ضفتان من طيش ومن ورعِ

معك اختتمت العـقل ملهمتي

وبدأتِ انت لظى الجنون معي

فالنص يمتاز بنزعته السردية الموسومة بالحركية والتوتر مع مقصدية  رامزة..فضلا عن تتابع الصور المازجة بين الحسي والذهني بتشكيل بصري يتحرك وحركة الذات وهو ينطوي على افقين مترابطين..اولهما افق التجربة الذي يقوم على صياغة متابعة للحدث وثانيهما افق التوقع المستقبلي (الجنون معا).. باعتماد لغة يومية شكلت المصدر الاساس في بناء النص وانجاز اللوحة بمفرداتها اللونية والحركية (خصلات الشعر والأقدام ونوافذ نصف عارية والعيون المتقابلة).. كل هذا يعني ان النص بكل تشكلاته واللوحة بكل مكوناتها يتخذان من الواقع منجمهما الذي يتكئان عليه لخلق ابداع متسائل..مزاوج ما بين الحياة واللغة الحرفية واللونية الاشارية..مزاوجة المبنى في المعنى التي يلعب فيهما كل من التنقيح والطبع دورهما..

 

علوان السلمان