توفيق الشيخ حسينبهذه العبارة أفتتحت الكاتبة وفاء عبدالرزاق روايتها "دولة شين": (كن نفسك وأزح عن عينيك غشاوة الفراغ .. كن ينبوعا ًوأبعد عني العدم كي أرتاح) .

كن صوتا ًولا تكون صدى ً لذاتك دائما ً، كن صامدا ًوكن لنفسك أبدا ً، ومعبرا ً عن أعماقك في دروب الحياة، وأعكس خواطرك على مرايا الواقع، وأجعلها أكثر قوة حتى وأن جعلها لك الزمان أكثر ألما ً .

تنقل لنا الكاتبة وفاء عبدالرزاق في روايتها "دولة شين" الحدث الصرف من الزمن المُعاش المتعمد والمتراكب من خلال السرد ضمن الأطر المكانية والزمانية والذي يدخل القاريء في عوالم مختلفة،عندما تتوغل الكاتبة في بواطن الشخصيات وتحليل مغزى أفكارهم وتطلعاتهم، تحاول من خلالهم اعتماد تقنية تعدد الأصوات لسلوكيات وظواهر إجتماعية مازالت تعيش فسادا ً في الروح الإنسانية .

تحتل الشخصيات موقعا ً هاما ً في بنية الرواية "دولة شين" من حيث تعدد الشخصيات وتماسكها وكثرت الأحداث، ولعل نظرية المحاكاة لأرسطو تشكل مدخلا ً ملائما ً للحديث عن مفهوم الشخصية، حيث يدفع بالشخصية الى أن تكون تابعة للحدث أو ظلا ً لها، شخصيات رواية " دولة شين " للكاتبة وفاء عبدالرزاق متنوعة في جنسها وهي على ثلاث أنماط (الشخصيات الدينية، والشخصيات المنحرفة، والشخصيات الشاذة) .

في قمة الجبل بنوا مملكتهم الكبيرة، يسود اجواءهم الهدوء والطمأنينة، ويعيشون في سلام وآمان، "كريم" لم ينس عظمته وعلى جميع جلاسّه تلبية أمره بإشارة منه، يدير مملكته الجبلية بحركة أصبع، أفضل ما يريده من الآخرين الإيمان به سيدا ً، ومنحه الطاعة ليجزل العطاء عليهم، (ودا ً كان أم ثوابا ً)، ونادرا ً ما يحدث شجار هنا أوهناك، ولو حصل يكون سطحيا ً ولا قيمة له، ثم ينتهي بالصلح والاحتضان، ذات أمسية بينما هم ساهرون على تحليل التوقعات، في منتصف الليل نهض " كريم " عن كرسيه وخاطب الجميع واقفا ً: (لقد نصبت " نديما " رئيس وزراء المملكة، وعلى الجميع تنفيذ أوامره وطاعته) صعقتهم المفاجأة، لكن " شين "خرج هائجا ً وغاضبا ً مما سمع، لحق به رضوان وأعاده الى المجلس، حتى وقف مخاطبا ً " كريم " بصوت مرتفع " لن أخضع لمن هو أدنى مني مرتبة ًوشرفا، غضب كريم منه ثم ترك الجلسة آمرا ً شين بالرحيل

قضى " شين " في سيره أسابيع هابطا ً من أعلى الجبل الى الوادي، " نديم " لم يكن بمستوى مسؤولية الوعد الذي قطعه، وقادته غريزته الجسدية وأهواؤه الى خرق الوعد، غضب " كريم " وأقسم أن يصب عليه الزيت ويجعله كتلة من طين، لكنه استحلفه الغفران والرحمة، إنه الضعف أمام الشهوات، قبل " كريم " توسله وصفح عنه، لكنه نفاه خارج سور المملكة وأنزله أرضا ً في أعماق الوادي قبل أن يصل " شين " اليه، نفاه هو وزوجته .

وقف " شين " وقفة الحائر في صحراء مترامية الأطراف، استفزه شكل غريب، الا هو وجود ثلاثة عشر بابا ً صُفت الى بعضها وكّونت سورا ً في صحراء دون حوائط وجدران وأسوار ثم يبدأ بسؤال نفسه: " أما من معلم ٍ للأخلاق خلف هذه الأبواب ؟" آدميتهم تحولت الى ذئاب، وأصابعهم الى مخالب، ألسنتهم مليئة بالآقاويل، مليئة بالكفر وعفونة النميمة .

2482 وفاء عبد الرزاقالرواية كما يؤكد الدكتور (ناصر الأسدي) تستحضر الموروث الديني كله، وتقوم بتسليط الضوء على كل جزئية من الجزئيات التكوينية، لينبعث منها قبس ممكن لنا نحن أن نتلمسه من خلال القدرة على تقصي الأجزاء الآخرى . تطفل "شين" ونظر من ثقب أحد الأبواب، استغرب من معاشرة القرود للحمير تزاوج جديد وذرية مشوّهة .. لكن لماذا يشعرون بعذوبة المخاض والوليد المدنّس ماهذا العالم الملىء بالتناقض ! انتقل الى ثقوب أكبر حجما ً، فاتسعت لديه مساحة الزرائب، يتعين عليه ألا يطرق الأبواب، بل يدخلها ليلا ً مثل فأر ليتعرف على حقيقتها، وتحسبا ً من أن يعرفه أحد الساكنين غير ّ ملابسه وارتدى ملابس فقير .

الشخصية الدينية فرضت نفسها في الرواية العربية، ويرى الكاتب " سعد المطوع" أسباب التحولات التي تطرأ على شخصية المتدين في الرواية العربية راجع الى سببين: الأول: ان الشخصية الدينية في النص الروائي أرتبطت بالواقعية لذا جاءت انعكاسا ً للواقع بحسب ما يبنيه الروائي، أما السبب الثاني: فهو طبيعة العمل الروائي، إذ هناك ما يعرف بالشخصية النامية، الكاتبة وفاء عبدالرزاق لا تقدم شخصية التدين دفعة واحدة بل تجعلها تنمو من خلال النص ووفق منظومة زمان ومكان وتاريخ .

المتتبع لدورة الحياة يرى الأضواء مسلطة على جوانب محددة من حياة الناس دون الجوانب الأخرى، أهم الجوانب التي تم ابراز سلبياتها دون الإيجابيات شخصية المتدين، فقد شوهت صورته بشكل كبير، حتى خيل للمشاهد أن عامة المتدينين يتصفون بتلك الصفات السلبية، أن النفوس تتفاوت، هناك النفوس الطيبة التي لا تعمل إلا طيبا ً وخيرا ً، والنفس اللوامة وهي التي يقع صاحبها في المعصية ولكنها تلومه عليها، والنفس الأمارة بالسوء، وهي التي اعتاد صاحبها السوء، فلم يعد يثير فيه أي شعور بالندم والاستنكار، بل هو يعيش مع السوء، ويأمر بالسوء وقد اعتاده، بحيث أصبح لا يفعل إلا سيئا ً، ويستمتع بذلك السوء .

فتى ملتحي يعتمر عمامة، لم يظلمه أحد، كان كل الوعاظ مجتمعون فيه، يضع رأسه بين ركبتيه نادما ً على فعلته لائما الشيطان وغوايته، حدث " أمير" نفسه باحثا ً عن جواب، تحكمه غرائزه متحديا ً بتأثيرها عليه لحيته الطويلة وسجادته المهيأة للصلاة، لو لم يكن عاملا بسيطا في مصنع الجلود لاستطاع استكمال نصف دينه، لكن دينه يأبى أن يكتمل .. ظل " أنور " مختلفا عن ظل " أمير " بينما ظل " أمير " واضحا ً للباقين، ووجهه اكثر سوادا ً من وجه ظل " أنور "، الإ ان " أنور " كان رافضا ًلما يقوم به " أمير " لكنه في النهاية يستسلم لرغباته واكتشاف أسرار جسم جارتهم المومس ومفاتنها التي أثارت رجولتهم وسيطر عليهم شيطانهم. هذه النفوس أمّارة بالسوء، ظاهرها لا يشبه باطنها، فأية رحمة تاتي من نفوس مريضة ! فعملهما الحيواني خضع لنظام الغاب، كان الليل غابة وشيطانهما ذئبا غابة وخلوة حيوانية، تردد " شين " كيف يواجه الحياة الجديدة لهؤلاء ! هي فرصته في التعرف على هذا العالم الغريب، جاء من اجله، وها هو يقف موقف المتفرج، ربما هي أزمة ضمير أو ازمة موقف ! بل هي أزمات في حال اخترقت كل الأبواب .

تناولت الكاتبة وفاء عبدالرزاق العنف الجسدي واختراق حرمة جسد المرأة بالتحرش والإغتصاب حتى تصل في بعض الاحيان الى القتل وأزهاق الروح تتساءل الكاتبة وفاء عبدالرزاق، أليست الخطيئة كونية ؟ أبونا الأول وأمنا كانا صوت الحرية والتعبير عن الذات دون قيود، لذا أثمرت شجرة التفاح خطايا بعدد الحقول وبائعي التفاح وشاريها، أباح الرب لأدم وحواء الجنة، وقد تمكن الشيطان من إخراجهما من جو الحشمة والعفـّه والسمو الروحي، وبدأ الشيطان مشواره معهم، فرأى البشر في عريهم وفسادهم وعدم احتشامهم، وأنتقالهم الى جو الشهوة الفاضحة .

" بشرى " أو المرأة الشيطان والذي اطلق عليها هذا الأسم أغلب الجيران، لأنها تظهر فجأة ثم تختفي ولا يعرف أحد عن اختفائها، لانها تعيش وحدها، كانوا يرون شابة تشبهها تماما تدخل خلفها وترافقها أينما ذهبت، ذات يوم حين التقى الشيطان " أنور " بشيطان " أمير " اتفقا على الاقتراب من شيطانة " بشرى " والتعرف عليها، " بشرى " تكره كل رجل ملتح، وتحاول الإيقاع به وتقتله، سأل الشياطين الثلاثة " أنور، اسراء، أمير " الشيطانة بشرى عن سرها: (دفء الحياة لم يعطها فرصة للبقاء معها حتى تكبر وتتربى بعز أسرتها، التي ابتلعتها حادثة سيارة مفخخة، مما جعل أصحاب المحلة يشفقون عليها وهي لمّا تزل في الخامسة من العمر، قرر إمام المسجد احتواءها وتربيتها مع أسرته في دارهم)، لم تتركها الحياة تمتلك نفسها، منذ اللحظة الأولى لوعيها شعرت بشيء غريب يخترقها، يد الأب تغوص في احشائها بأصابعه في المرة الأولى، ثم استفحل الأمر حتى تعرفت على ما لا تعرفه بالضبط، إلا ان زوجته اكتشفت ذات يوم مداعبته الغريبة للطفلة " بشرى " فأقسمت ان تبلغ الشرطة عنه، توفى وهو ينازع مرضا عضالا ً.

" برهان " .. يعجن الألوان ويرسم وشما جميلا على الأيدي والاكتاف والصدور، يرسم ورودا وأشكالا هندسية غاية في الجمال، جاره " بشير " باكستاني الجنسية يعتبر الوشم حراما، ملأ محله بصور شيطانية، أحب هذا المحل الشياطين الأربعة (أنور، أمير، اسراء، بشرى)، اصبح برهان يرى الشذوذ منطقيا، تعرف على أحد المخرجين الكبار من صنّاع الأفلام، الكوكب لم يعد يحتمل الشياطين البشرية وبحاجة الى اللجوء لكواكب اخرى، ركز عمله على صناعة سينما التشويق والوجوه المشوهة والشيطانية، رفع " شين " بصره متفقدا وجه السماء لعله يجد بصفائه منقذا مما يرى، لم ير َ الصورة التي رسمها " الله " للبشر، كثرت الثقوب وعظمت، واكثرها قبحا اكل قلوب المذبوحين نيئة، أطفال القصور يرمون الحجارة على أطفال الفقراء، أرض تحرث بالكرباج، وتسقى بماء الكذب .

وقف " شين "، مد يده لدفع الباب ثم سحبها وكأنه يقبض على جمرة وليس مقبض باب، شيطان " توفيق " مربوط بقوة بحبل شيطانة حين صادق جارته " تغريد "، كلمات الغزل تنبثق من فمه كشعلة نار تحرقها وتحرق حياتها الهادئة الهانئة مع امرأة متزوجة ولها سبع بنات، يتحدث شيطان " أنور " بهمس (صرنا تسعة وهذا عدد لا بأس به كي نكوّن مدينتنا الكبرى) انه عالم مزيف، ومتى لا تستحي من الزيف افعل ما تشاء، مسرحا ًعاهرا ًوخائنا ً، وجوه مدربة على تغيير شكلها كما الحرباء، لم يتحمل " شين " منظر طفلين يغُتصبان من معتوهين تبرأت الضمائر منهما واستفحلت شياطينهما، في هذا الثقب بالذات، احتار ما سيكون عقاب الأخرة! وهل موت الطفلين حرية لهما من شرور البشر ! الأرواح لم تغط وجوهها خوفا من الشياطين، إنها تخلق فجوات جديدة ليس لها أثر وتتحصن بها، وإلا ما تفسير حادثة المرأة التي سرقوا بيتها وأرضها وبقيت متشبثة بشجرة زرعتها وهي طفلة أمام الدار .. هل الشجرة أعز ّ من الدار، أم كل هذا ما تبقى لها من حياة مسلوبة ؟

الغش ليس في الميزان وحده، بل الغش وصل لهيئة البشر، " ثريّة" ترغب باللعب مع إخوتها الثلاثة ولم تشته اللعب مع أختيها بالدمى، أغوتها كرة القدم بدل لعبة النط على الحبل، استهوتها لعبة خنق الضفادع قرب النهر، كان العنف الأول أسّريا ً ثم توسع فصار مجتمعيا ً، " ثورة " صديقتها منذ الأبتدائية وحتى التخرج من الجامعة، قررت تأجير شقة تحتويهما معا، لتمارسا كل طقوس الإنسانية المحقة لهما، شيطانتاهما سحاقيتان ايضا، الشبه بمن تشبّه به قرين .

العلاقة المثلية بين (ثريّة وثورة) تفتح لنا عوالم مغلقة وممنوعة الإشهار لانها تمس اكثر مكامن الوجع في روح الإنسان، السحاق وتعني اشتهاء المماثل بين الجنس الأنثوي، هناك من يذكر بأن الأسم مشتق من الجزيرة الإغريقية (لسبوس اليونانية) والتي كانت تعيش فيها الشاعرة (سافوا) في القرن السادس قبل الميلاد وقد كانت تمارس علاقات الحب مع مثيلاتها من النساء اليونانيات .

وقف " شين " في الصحراء يحدّث نفسه كمجنون أخرق بعد خروجه من الباب كممسوس مصاب بالهوس، سمع هرج ومرج وصراخ وعويل، الباب يهتز بقوة، لم ينظر من ثقبه إنما دفعه ليعرف ويختلط مع الآخرين في الداخل .

عملت الكاتبة وفاء عبدالرزاق على تقريب المسافة بين النص والواقع وتقديم صورا ً لسلوكيات وظواهر إجتماعية مازالت تمعن في قتل الروح وكما برز ذلك في موقف رجل الدين " جاسم " الذي يتذرع بالدين ليحقق مآربه المادية والجسدية،

كيف يتجاوز الإنسان آدميته ويصبح شرسا ً؟ الطاعن والسكين أصدقاء، والضحية فتاة سقطت في وكر الجنس، " جاسم " كان يشتري الأفلام الممنوعة التي تباع سرا ً في محلات الفيديو، وبيعها بأثمان عالية لمن هم على شاكليه، أوقع صبية في فخ غرامه وعشقه لها، حتى تبادل العشق سعيا وراء تحقيق ساعته المجنونة، لقد تجاوز الإنسان حدود " شين "، تناقل الحي قصة " جميلة " المحرومة من النزهة والخروج من الدار حتى وصل الخبر الى " جاسم "، أصابه الفضول لمعرفتها ورؤية وجهها الممنوع من الجميع، سمع أن أخيها الصغير مصاب " بالصرع " ولم يفده الطب في استخراج الجنيّ منه، التحى " جاسم " بلحية صناعية، واشترى مسبحة وبعض كتب السحر والتنجيم وذهب الى عائلتها، لما احضروه، وجده في الخامسة من العمر، فهذا الصغير لا يدرك ما سيدور حوله، عندما يقرأ واضعا كفه على جبين الطفل ومرددا بعض الأسماء الغريبة، يصرخ الطفل فجأة خوفا من صوت الشيخ " جاسم " ويصرخ عاليا: أُ ُريد " جميلة "، متعلق بها لأنها تحبه حبا ً كبيرا ً أكثر حتى من امه، تحضر " جميلة " ويرى جمال وجهها على الرغم من تلحفها بالسواد الكامل، تكررت الخلوات والسهرات بحجة البقاء على الشغل، وبعد شهر اختفت " جميلة " ولم يبق غير شيطانتها وشيطان " جاسم " في المكان، من الطبيعي ان يفرح الشيطان " شين " انه مجّبر الآن على الانخراط باللعبة حتى نهايتها، الاعتداء الجنسي على الأطفال أمر منبوذ لا ينبغي التسامح معه، بعض الباحثين من المانيا يرون أن (البيدوفيليا) لها علاقة بالدماغ ويعانون من إزدواجية اضطراب السايكوباثية وأحيانا ً أضطراب الجنس، ويتصفون بالتمرد على القواعد الإجتماعية ويفتقدون لتأنيب الضمير وبأي احساس للتعاطف مع الآخر، كما يتصفون بالاندفاع واللامبالاة وعدم تقدير عواقب الاعتداء الجنسي على الأطفال .

هكذا إذا ً يا " شين " أنظر الى الأمور وأقترب منها، مجّد نفسك إنقاذا ً للأبدية، هذا هو العالم المتحضر الآن، العنف، والتنكر للأخلاق والبربرية المطلقة في كل السلوك، أنت لست في مملكة الوحوش، هنا التوحش النبيل، والحروب تغير وجهة نظر الإنسان للحياة .

أهمية جسد المرأة من منظور ذكوري، لتفريغ شهواتهم ونزواتهم وإرضاء ذواتهم المريضة دون مراعاة لمشاعر المرأة ورغباتها بلعبة الكلمات .

هاجرت من بلادها الى بلد آخر بحجة البحث عن الرزق، تبحث عن نفسها بين المدرّسات، بين شوارع وضفاف الأنهار، بين أضلع المغرّبين في ارضهم، وفي مراياها، اصيبت بدهشة حين عرفت أسم مديرة المدرسة " خاتون " ومعلمة اللغة العربية التي ستتقاسم واياها حصص اللغة " خلود "، " خليل " مالك البناية التي تسكن فيها " خولة "، قرر التقرب اليها وشهامته اقتضت التواصل معها، تكررت محاولات التوصيل للمدرسة، وتكررت معها الهدايا بمناسبة ودون مناسبة، تم كل شيء بسرعة، لم يترك لها مجالا للتفكير، وبلحظات صارت زوجة له، عرفت من باب الصدفة، له أسرة مكونة من ثلاث زوجات وأبناء بعدد زيجاته المتكررة، كلما وصلن الى الأربعة، طلّق واحدة، ليحق له الأستمرار في شرَه الزواج، وتحريف الدين على هواه وهوى جيبه المقتدر، يذهب للقرى يتزوج بنات الفقراء وهن لما يتجاوزن الحادية عشرة ويطلقهن بعد شهور، يرجعهن الى ذويهن خاليات من كل شيء، حصل مع " خولة " الحال ذاته، انتابها الشعور بالضياع، كل الآمال خائبة، وتتجاوز حدود حلمها، وكأن أيامها كانت على اتفاق مع اليأس .

مساكين هؤلاء البشر، محكومون بالقهر، يكدون ويتعبون، يغوصون في قعر أيامهم كما البحار الهائجة، ولا يملكون مفاتيح أبواب المستقبل، وهم مجرد وهم بهيئة إنسان، تأمل " شين " وجوه الجميع رآها ممسوحة، سرعان ما تبخرت فيها الملامح، وصارت مسطحة، تنزف حزن السنين، وتمشق سيوفها لتطعن نفسها، سمع صوت ذئبة عابرة، بدأ يراقبها وهي تدخل الباب الثامن يتبعها ذئب أسود اللون، ذئب آخر يتربص في كل الأشياء حوله ويدخل .

" دلال " شابة تزوجها مدير مدرسة، قبلت الزواج منه من أجل العيش الرغيد والحياة، هي بئر تفيض ماؤها، اما زوجها بئر نضبت ماؤها وصارت قاحلا، كان يعيش معهم ابن اخت المدير، شاب في مقتبل العمر، كلما غط ّ الزوج في نوم عميق، تتسلل " دلال " الى فراش ابن اخته، ويفعلا الفاحشة معا، ندم على فعلته ولم ينظر بعين خاله ولا بعين جدته، استأجر غرفة مع صديق له، بقى يومين وغادر البلاد، توفى الخال في حادث سيارة، عثروا في حقيبته على قلادة ذهبية واساور واوصلوها لزوجته الذئبة .

" دريد " متزوج بأمرة متزوجة قبله ولها ابنة صغيرة " دريّة " تعيش معها، رزق بثلاث بنات منها أيضا، فصار أسمه " ابو البنات "، كان يعاني من ألم في الركبة، فطلب من ابنة زوجته بدعكها بالدهان، شعر باناملها تخترق وجدانه وجسده، وهي في ريعان فورتها الأنثوية، ذات مرة وبعد اطمئنانه من خروج زوجته، تسلل الى غرفة " دريّة " وجامعها ثم خرج، بقى على وضعه هذا لسنة كاملة، والابنة تخاف إخبار والدتها، إنه القتل، قتل الطفولة والبراءة، " دريّة " زهقت براءتها بكل سهولة من مجرم ترك في اعماقها لقيطا ومنفى ً مظلما ً، لذا اقتادوه الى السجن، الشياطين جميعهم فرحين خلف الباب، لانه اضاف لهم شياطين آخرين، شيطان " دينا " واخوها الأصغر التي كانت تداعبه في الحمام، وحين بلغ الثالثة عشرة اخذت تتقرب اكثر منه وتجبره على الممارسة معها، وحين رفض هددته بأمه، لقد هزم الطفل بداخله وصار شيطانا، من الملام هنا ؟، الأم بقسوتها وعقابها غير المنصف جعلت منه هاربا لفراش الأخت، التي استثمرت رجولته المبكرة، الكل هنا مجرم ..

يشير الدكتور (جمال فرويز) الى ان جرائم اغتصاب الآباء لابناءهم مرض نفسي ناجم بسبب التربية الخاطئة للأسرة منذ البداية وخلل في التنشئة الإجتماعية، وأن ظهور مثل تلك القضايا نابع من انحراف سلوكي ومرض نفسي وشخصية غير سوية ومضطربة، وأن المخدرات تعد ّ سببا ً رئيسيا ً وراء انتشار تلك الظاهرة المشينة، تتوالى الجرائم الإنسانية وتتضاعف حدتها وقسوتها، وباتت الأبوة عند البعض بلا معنى يُذكر، حيث التجرد من كل الأحاسيس والمشاعر الفطرية .

" ذياب " يهان من أبيه في اليوم عشرات المرات، هذا ما شاهده " شين" وأستغرب الحدث، " ذو النون " خمار ومرتش، وبائع حشيش، يمارس الطريق الأسهل للخنزير الذي يقطن روحه، أو لشيطانه الخنزير، كان يعتدي على ابنه جسديا ً بالضرب والمعاشرة، أي ذنب هذا ؟ كيف سمح له ضميره بمعاشرة ابنه ؟ لم تثنه الأبوة من بيع شرف ابنه وقبض من " ذاكر " سمسار الحشيش، من أجل المال يفعل المعجزات، ما الذي يجعل الإنسان أصلا ً ميالا للقتل والأنتقام ! لم يعد ذوالنون بائعا، فقد تحول الى مدمن بالأبر، حوّله ذاكر الى مدمن مستعد دفع ثمن إبرة الحشيش بأي طريقة،(العرض يباع من أجل نشوة) غرز الإبرة في وريده وسلم طفلته الى " ذاكر " فما كان من " ذياب " الا أن يصب ّ النفط على ابيه وعلى " ذاكر " ويتركهما يحترقان، " شين " الظامن الدائم، يرى نفسه فارسا ً، بينما يراه الآخرون موسوسا ً للنفوس، يوسوس للشر ذاته ليصبح ابنه الشرعي، مشى بطيئا ً ودخل بكل هدوء ولطف .

" شين " يكتشف عدة أماكن في مكان واحد، " رسول " أحد الهاربين من ذواتهم تأخذه الأمنيات لأكثر من أمنية، عندما حلم وتمنى مضاجعة أمه الجميلة، أمه الخائنة لأبيه، وعلى مرآى منه كانت تستقبل عشيقها في غياب الأب، جبان يحمل داخله جبانا، يقوده من يده ويذكره بما قام به في المقبرة، حين استدرج مراهقا مجنونا وهناك مارس معه التجربة الأولى له، ثم استدرج طفلة في السابعة ولحظة صراخها قتلها خنقا، واكمل دوره معها وهي ميتة، بصدره العاري خرج منه الشيطان الوقح المتسول باسم الثقافة، المتضرع للمسؤولين ليكرموه بجائزة مالية، يمسح بكرامته الأرض، " ثرية " لا تعرف ما الكتابة، يكتب لها سيرة إبداعية وينشر لها في الجريدة التي يعمل فيها مسؤولا للصفحة الثقافية، ينتظر مبلغا يكفيه للخمر والسجائر، طبع لها كتابا كتب اشعاره هو، واستلم الثمن سيارة فارهة، الشيطان المتسول فيه تستهويه اللعبة، ثلاثة شياطين بصدر " رسول " يتوالدون ويتكاثرون أبشع ما يتمناه لنفسه أن يصبح رئيسا للجريدة، دائما يقف "شين" محموما حيال مايراه، تصيبه رعدة قوية فيختض بدنه، أهي الجذور الأولى للجرم! جرب عدة مرات امتحان نفسه، وخرج بحصيلة الوهم .

ينتهي الرابط الجسدي بين الأم وابنها بقطع الحبل السري، ومن هنا تبدأ مرحلة جديدة في العلاقة تعتمد على العاطفة والنفسيّة، لكن ماذا لو أستمر هذا التعلق بعد مرحلة البلوغ، يمكن للحب أن يكون تجربة قوية ومفقدة للإتزان، وتزيد الرغبة الجنسية في حالة نوبات الهوس، مما يؤدي الى فرط الجنس وهو ما يسمى  (الهوس الجنسي)، يتملك منها شيطانها فتدفن مشاعر امومتها أسفل التراب، ولم تكتف بخيانة زوجها بل تسول لها نفسها أجبار ابنها على ممارسة الرذيلة معها .

المحقق يقرأ ملف " زهير " ويعرف تفاصيل القضية، لكن " زهير " من أجل سمعته ونفسه قرر البقاء صامتا، المحقق يعرف بأن الجثة المذبوحة في الشقة هي جثة أم " زهير " والسكين عليه بصمات اصابعه، اخذ المحقق يحقق في قضية آخرى أمام " زهير " ليعطيه الفرصة لكسر قيد الصمت، " زين العابدين " خبير حسابي في المحكمة، اغواه الشيطان حين راى المدُعّى عليه ثريا ً، فطلب من مبلغا كي يكتب التقرير لصالحه، كان يرغب بزيارة " بيت الله الحرام " لكن وضعه المادي لا يسمح بذلك، كان المدُعّى عليه سارق من الشركة مبالغ كبيرة وشريكه المشتكي كل الحق معه، اذا ً هي رشوة واعتراف بجريمة الزور، هل تظن ان النبي سيقبل حجتك بالزور والرشوة، قال له المحقق أنت ليس " زين العابدين " بل اسوأ العابدين .

رصدت الكاتبة وفاء عبدالرزاق التحولات النفسية للبشر وظهور عقدها، وبعض المتلازمات النفسية كعقدة أوديب، والمشاعر السادية، أو المازوشية معتمدة على أساليب التحليل النفسي .

نظر " زهير " بكل الجوانب كمن يبحث عن شيء مفقود، تحشرج صوته في بداية الأمر لكن الضابط شجعه على الكلام، همهم ثم صمت، كان أبوه مصابا بمرض السكر، وعاجزا جنسيا كليا، وأمه شابة بحاجة لمن يشبع جسدها، تعلقت بابنها تعويضا عما فقدته، ترضعه من ثدييها ويتلذذ لصوتها، تهدهد بأغان ٍ جميلة وتمسد جسده بأناملها الرقيقة، ويوما بعد يوم صارت تداعب عورته معها وتشجعه على ممارسة الفعل معها كل ليلة وتتأوه، لكن حين بلغ الثانية عشرة شعر بحاجته مثلها، تعلق بها ولم يستطع رد أي طلب لها، لكن ليلة الجريمة لم يقم برجولته، جذبته اليها بقوة، لكنه تردد كثيرا، وعى على وضعه الشاذ ورفض، لكنها أصرت بقوة واخذت تغريه، وبعد أن انتهى من فعلته ذهب الى المطبخ وسحب السكين وذبحها لا يدري كيف قام بذلك، كان في حالة انفصام تام عن ذاته .

كتب " شين ": (اللذة الحيوانية هي التي اسقطت " نديم " من الجبل، يا لحيوانية الإنسان !) .

الهذا الحد يصير حقد الإنسان على أخيه الإنسان ؟ أبشع وجه للإنسانية ، صورت الكاتبة وفاء عبدالرزاق الشيطان في روايتها " دولة شين " مهموما ً وحزينا ً فقد تفوق الإنسان عليه، وأصبح أقوى منه في الغواية وإبتداع المنكرات، شياطين البشر (أنور، أمير، إسراء، بشرى، باسم، برهان، توفيق، ثرية، ثورة، ثابت، جاسم، جميلة، حنون، حازم، حاذق، حذام، حمزة، خولة، خليل، دلال، داود، درية، دينا، ذرى، ذياب، ذوالنون، ذاكر، رسول، زهير، زين العابدين، زهدي، سعيد، سمير) .

رجع " شين " الى تيهه في الصحراء وجلس الى مرتفع رملي يعبىء يديه بالرمل وينثره في الهواء، مفكرا بحاله وما آل اليه من سوء واكتشاف حقائق لم يكن يعرفها، يهرب من التساؤلات، انه جبار أيضا، من يتحدى جبارا فهو جبار مثله .

دخل " شين " الباب ولم يعلم انه بيته، وجد فيه اثنين من أعوان " كريم " ضحكوا واكلوا بنهم بعض الأكل من اللحم والرز والفواكه والحلويات، إنها وجبة الأشرار، كما يقول المثل (شعرة من جلد الخنزير حلال)، تمدد الأثنان على الأرض، أخبرهم " شين " بأنه عازم على الرحيل الى الجبل، حيث القلعة، قضى ليلتين يطوف الجبل صعودا، لا يعرف لسيده قرار، ففي كل مرة له رأي، لذلك كلما استقر وهدأ راح يحدث نفسه، انهم ينتظرون عودته، سيتصفح الحياة وقتها ويعلن انتصاره، كيف نزل الى الأسفل بكل تحد وغضب في لحظات المطر والعاصفة، وحين حط ّ في صحراء قاحلة، كانت الأبواب غير موصدة، ولم يعرف لماذا وجد الأبواب مواربة بعض الشيء، لذا قرر اقتحامها ليعرف اهلها، صار يفكر بملاقاة " كريم " وأحبته، وكيف سيواجهه وما عساه سيقول له، وهو العارف بكل شيء، لكنه فكر قليلا: لِم َ كل هذا الألم إن كان عارفا ً! أهي لذته في آلامنا ؟ أمنحه البهجة مضاعفة حين نتألم ؟ ..

هكذا تقدم لنا الكاتبة وفاء عبدالرزاق في روايتها (دولة شين) عن انتهاكات لحقوق الإنسان،وتعتبر النساء والأطفال الذين يتعرضون أكثر من غيرهم للإعتداءات على حقوق الإنسان، وهم الإشخاص الأكثر معاناة من العنف الجنسي والقتل والقائم على نوع الجنس والتي تعتبر مشكلة خطيرة والتي يجب التصدي لها، إن ما يقلقها هو الهم الإنساني الكوني، فأغلب أعمالها تصب ّ في حالات الظلم والقهر والإستبداد والتشرد .

 

توفيق الشيخ حسين

...................

- رواية / دولة شين / وفاء عبدالرزاق / دار أفاتار للطباعة والنشر / القاهرة .

 

صدرت عن دار "سرد" ترجمة رواية الكوبي أليخو كاربنتييه" "أسلوب المنهج".

تظهر هذه الرواية، في الإشارات العربية القليلة التي كتبت عنها، تحت عنوان «أسباب الدولة». ولا شكّ أنّها ترجمة حرفيّة للعنوان الذي وضعه فرانسيس پارتردج Frances Partridge لترجمته الإنكليزيّة: Reasons of State

فكّرتُ، وأنا أطالع بعض ما كتب حول الرواية ومحتواها، أن أعنونها «مصلحة الدولة العليا»، جريا على عباراتٍ درجنا على سماعها من قبيل «مقتضيات المصلحة العامة» و«متطلبات الأمن القومي»...ثمّ ما لبث رأيي أن استقرّ على «أسلوب المنهج»، وهو ترجمة حرفيّة للعنوان الأصليRecurso del método ، ثمّ لأنّ هذه الترجمة تلبّي ما أراده المؤلف من تناظر وتواز بين عنوان روايته وعنوان كتاب الفيلسوف الفرنسي ديكارت «خطاب المنهج» Discours de la méthode الذي منه استلهم روحها:

Discours de la méthode

Recurso del método

وما أبعد ما "خطط" ديكارت عمّا "اختطّ" الدكتاتور.

في ثنايا الرواية يشير الدكتاتور إلى مفهومه عن "المنهج" بعد قضائه على محاولة انقلابيّة قام بها أحد جنرالاته:

«إنّ عليه مطاردة الجنرال هوڤمان في تلك المسالك، محاصرته، تطويقه، عزله ثمّ وضعه على جدار دير أو كنيسة أو مقبرة وقتله. «أطلقوا النار!». ما من سبيل آخر. إنّها قواعد اللعبة. إنّه أسلوب المنهج».

  صحيح أنّ كارپنتييه يقدّم لكلّ واحد من فصول روايته بفقرة مأخوذة من أدبيات ديكارت، تلخّص فحوى ذلك الفصل، لكنّ الفرق بين فقرة ديكارت الموجزة والحدث الذي تلخصه هو أنّ الفيلسوف يضع القاعدة ويداه في الماء البارد، بينما يظهر تطبيقها ساخنا ملتهبا مسوّما بالحديد والدم والنار. فهو الواقع. والتطبيق. والتبرير. والحجة. واقعُ الفرد وتطبيقُ الواحد وتبريرُ الأفق الضيّق وحجّة الرأس المربّع.

وهكذا تسير الرواية، بين "خطاب" ديكارتي و "أسلوب" دكتاتوري.

بين منهجmethod  وريجيمregime .

بين علميّة methodology وتجريبيّة empiricism

لترينا في النهاية عواقبَ التجريب والتطبيق:

«توقّفوا وتأمّلوا هذه الفوضى»

فـ «المنهج» في هذه الرواية هو «الدولة». «الدولة» بمعنى الـ System أو الـ Regime، الدولة التي لها «أسلوب»، هو، في الواقع، «منهج» ثابت مضطرد.

ولأنّ الدكتاتورية واحدة في كلّ مكان، لم يضع كارپنتييه لدولتها مكانا على الخريطة ولا لعُهدتها زمانا على الروزنامة. مكانٌ عام ورمزي: أمريكا اللاتينية. وزمان نخمّنه تخمينا ونستنتجه استنتاجا. أمّا اسم الدولة المزعومة فهو "الجمهورية" مرّة و"البلد" مرّة أخرى و"هنا" مرّة ثالثة. أمّا اسم الدكتاتور فهو منصبه: المستشار الأوّل. حيّ الله دكتاتور:

«تماثيل حضرتك ستستقر في أعماق البحر؛ سيصبغها الملح بالخضرة، وسيحيط بها المرجان، وتغطيها الرمال. وسيعثر عليها، في العام 2500 أو 3000 رفشُ كاسحة، ليعيدها إلى دائرة الضوء. وسيتساءل الناس وقتها: ومن كان ذلك الرجل؟". وقد لا يجدوا من يردّ على سؤالهم. هذا ما حث للمنحوتات الرومانية الكثيرة التي تشاهدها في المتاحف: لا يُعرف عنّها إلا أنّها لمجالد أو خطيب أو قائد. أمّا الأسماء فقد ضاعت. أمّا في حالة حضرتك فسيقولون: "تمثال نصفي. تمثال  دكتاتور. وما أكثر من مرّ منهم على نصف الكرة الجنوبي هذا، وما أكثر من سيمرّ، حتى لا تعود الأسماء تهمّ في شيء»

فالقصة خيالية لكنّها محتملة الوقوع.

والحكاية مصنوعة لكنّها ملء العين والواقع

لأنّ التاريخ القريب أرانا ما يشبهها تماما وقدّم لنا منها النموذج والمثال.

وهكذا هي القصّة: حقٌّ أو باطلٌ مصنوعٌ على غِرار حقّ.

يقول الدارسون إنّ شخصية المستشار هنا خليط من شخصيات فُلان الفُلاني في كوبا وعِلان العِلاني في المكسيك أو كولومبيا. لذلك فهي خيال مبنيٌ على واقع، ووهمٌ مبنيٌ على حقيقة.

يرسم كارپنتييه للمستشار صورة الدكتاتور "المثقّف" المتفرنس المتنوّر الذي يصادق أكاديميا وشاعرا وأديبا هناك، والذي يزور، حين يكون هناك، المتاحف ويحضر عروض الأوبرا ويزيّن قصره باللوحات. والذي يشيدّ هنا مبنى الكابتول على غرار ما ينهض منه في حواضر العالم وعواصمه.

ويرسمه خطيبا مفوّها ديماغوجيا سلاحه الكلام واسطوانته هي الحديث عن:

«حرية. إخلاص. استقلال. سيادة. كرامة وطنية. مبادئ مقدسة. حقوق مشروعة. وعي مجتمعي. ولاء لتقاليدنا. مهمّة تاريخيّة. مسؤولياتنا تجاه الوطن»

 لكنّه، على "ثقافته"، دكتاتورٌ فاسدٌ مفسدٌ يتلقى "الكومشنات" عن طريق سكرتيره، ويتغاضى عمّا يبتدعه المحيطون به من مشاريع وهمية يكسبون منها السّحت الحرام، وعمّا تعقده ابنته من صداقات، وما يبرمه ولده، سفيره في واشنطون، من صفقات.

أمّا وحشية الدكتاتور فتظهر في قمعه لأيّة معارضة وإخماده لأيّة ثورة، وإن كلّف القمعُ أرواحا وصوامعَ وكنائس وقديسين.

يفعل كلّ شيء للبقاء على كرسيه: يحوك المؤامرات ويرسم المسرحيات: انتخابات مزوّرة ومواقف مؤثرة وابتزاز ومساومات وشراء ذمم. لأنّه يعرف أنه من دون الكرسي لا يساوي شيئا:

«إن نزعتِ الصليبَ عنّي فماذا سيتبقى منّي؟ من سأكون؟»

  وكما ينتهي كلّ دكتاتور فقد انتهى هو مطرودا مطاردا بعد أن رفع عرّابوه وصانعوه أيديَهم عنه:

«الشيءُ الوحيد الذي يمكنني عمله هو أن أمنحك لجوءاً في قنصليتنا. هناك ستكون حضرتك في حماية رجالنا من المارينز. وقد حصلتُ على موافقة حكومتي»... «في تلك اللحظة أدركتُ بأني خُدعت: «وأنا الذي كنتُ دائما على علاقة جيدة بكم...وما أكثر ما قدمتُ لكم من خدمات!» ابتسم الآخر، من وراء نظاراته، وقال: «ومن دوننا...كيف كنتَ ستظلّ كلّ هذا الوقت في الحكم؟ أمّا الخدمات فسيقدمها لنا سواك...»  

ارحلْ

ارحلْ

مطرودا ثم لاجئا ثمّ ميتا في منفاه سائرا على آثار أمثاله:

إنّه لا يريد أن تكون نهايته كنهاية الطاغية روساس، الذي مات ميتة غامضة، منسيا – نسيته حتّى ابنته. ولا يريد أن يكون مثل پورفيريو دياث، زعيم المكسيك، الذي مات وهو حيّ، فكان يطوف بجثته، ببدلته وقفازيه وقبعته المهيبة، في جادات (البوا)، بين مشمّع أسود، كثياب الحداد تقريبا، في عربة تجرها خيول، تفصح طريقة سيرها عن خطوات موزونة بطيئة لمواكب جنائزيّة قادمة

لقد خانه جنرالاته وخانه سكرتيره وتخلّت عن دعمه القوة العظمى التي كانت تسنده.

خيانة من كلّ جهة وطرف.

حتّى أنتَ يا پروتس

حتّى أنتِ يا أوفيليا.

أوفيليا ابنته، التي طردته من بيته الباريسي، وودعته مع "شلّتها" بنشيد ساخر:

«إن لم يعجبك أصدقائي، فاحمل حقائبكَ واذهب إلى (الكريلون) أو إلى (الريتز). هناك لديهم غرف فاخرة. رووم سيرڤيس وأجواء ممتازة»

العجوز الأحمق ذاهب إلى الحرب

انظر إليه، انظر، انظر

العجوز الأحمق ذاهب إلى الحرب

ولن يعود!...

بل لقد انتظرت بفارغ الصبر أن يلفظ أنفاسه الأخيرة لتخفّ إلى كرنفال يعده أصدقاؤها.

أمّا وصيّته فقد نفّذتها "بالحرف"، حين لم تضع على قبره حفنة التراب، تراب الوطن الطاهر المقدس التي أمر بها، بل جاءت له بحفنة من ترابٍ أخذته من حديقة (لكسمبورغ) الباريسية.

***

لطالما قُرنت هذه الرواية بأخريين من تلك التي عُرفت بـ "روايات الدكتاتور": "خريف البطريارك" لغابرييل غارثيا ماركيث و "أنا الأعلى" لروا باستوس. فخلافا لروايات الدكتاتور الكلاسيكية – "فاكوندو" لسارمينتو و"باندريس الطاغية" لبايّه إنكلان و"السيد الرئيس" لأستورياس، فإنّ هذه الروايات، الأقرب عهدا من تلك، عالجت شخصيّة الدكتاتور من الداخل. تأملتْ نفسيّته وأصدرت عليه حكما ذاتيا لا موضوعيا.

أمّا اللغة التي كتبت بها الرواية فهي التي تعرف بالباروكيّة الأمريكية اللاتينيّةbarroquismo americano. لغة معقدة متكلفة مجددة مصطنعة تكثر من الوصف ومن الإشارات الثقافية والرموز المتصلة بشعوب وبلدان متحضرة ومتأخرة. إنّها لغة "التجديد والتغيير" التي تظهر حين ينوء الفنّ بفراغ لا تستطيع اللغة الكلاسيكية المعهودة ملأه.

***

أمّا أليخو كارپنتييه (1904-1980) فهو واحد من أبرز أدباء كوبا وكتّابها. ولد في لوزان بسويسرا لأبٍ فرنسي وأم من أصل روسي. في أحضان تلك الأسرة الأوربيّة نشأ، ومن ينابيع الثقافة الأوربية نهل. اهتمّ بالموسيقى وبالنحت. ودرس الهندسة المعمارية ثمّ الصحافة وعمل فيها وفي الإذاعة، ومنها انطلق إلى الكتابة الأدبيّة، بعد أن ترأس تحرير العديد من المجلات الأدبيّة. أقام في فنزويلا سنوات طويلة، وفي باريس سنوات أطول، فضلا عن زيارت تطول وتقصر إلى العديد من بلدان العالم. تأثّر بأفكار الشيوعية وهو في العشرينات من عمره وسجن بسبب تلك الميول والأفكار ونفی. عاد إلى كوبا من فنزويلا بعد انتصار الثورة في كوبا وتولّى مسؤوليّة دار النشر الوطنية الكوبية. ثمّ عين وزيرا مفوضا في السفارة الكوبية بباريس. سار إنتاجه الأدبي جنبا إلى جنب مع عمله الوظيفي، فأصدر رواية "مملكة هذا العالم" عام (1949) ورواية "الخطوات الضائعة" عام (1953) ومجموعة "حرب الزمن" القصصية عام (1958) ورواية "عصر التنوير" عام (1962). في عام 1974 صدرت له روايتان هما "كونشيرتو باروكو" و "أسلوب المنهج".

عرف كارپنتييه بلغته المنمّقة الصعبة التي تهتمّ بالصناعة اللفظية والوصف وتزخر بالإشارات الثقافية والفلكلوريّة والفنية. وصف بأنّه الكاتب اللاتيني الأكثر ولعا بالرسم والنحت. أمّا هو فقد وصف نفسه بأنّه "مزيج أوربيّ- أمريكي، عابرٌ للثقافات، ومفترقُ طريق لاتيني يشعّ بالصور نحو ضفتي الأطلسي بعفويّة وطلاقة".

 

 د. بسّام البزّاز

 

 

تجعل الرواية ولوجَنا إلى عوالم أخرى سهلا، دون حواجز أو عراقيل. يمكننا من خلالها أن نكون شهود عيان على حيوات متعددة، تارة غريبة عنا وتارة شبيهة لنا. الروائي أو الروائية عبارة عن حكواتي، ينسج حكايات، تبدو لأول وهلة أنها متفرقة، لا تمتّ لبعضها البعض بشيء. وكل حكاية تشكل لوحدها حلقة كاملة، لكن كل هذه الحكايات، في الواقع، ليست منفصلة، وإنما هي متداخلة بعضها ببعض داخل حلقة كبيرة. هكذا تشبّه الكاتبة والروائية التركية إليف شفق، في أحد محاضرتها باللغة الإنجليزية، على منصة  Ted Talks، فترات حياتها التي تبرزُ على شكل دوائر عديدة  تلمّها  دائرة كبيرة. كانت بدايتها في فرنسا، حيث ولدت في ستراسبورغ عام  1971. ثم عاشت فترة المراهقة في اسبانيا. فبعد انفصال والديها عادت مع والدتها إلى أنقرا، ليعيشا مع الجدة من جهة والدتها.

كانت أنقرا سبعينيات القرن الماضي ذكورية بعائلاتها الكبيرة العدد. فكيف لأسرة من ثلاثة أفراد نسائية أن تعيش بينهم؛ طفلة وأمها شابة متعلمة ومنفتحة لكنها مطلقة وجدَة، امرأة تقليدية تؤمن بالمعتقدات. لكنها، مع هذا، رفضت تزويج ابنتها وشجّعتها لإكمال دراستها الجامعية التي جعلتها، بعدئد، تعمل بالسلك الديبلوماسي. هذا من أحد الأسباب التي سمحت لإليف شفق، وشفق هو اسم والدتها، أن تتنقل بين دول عديدة في العالم. و تشبّه، بذلك، نفسها بالرحالة أو البدوية التي هي في ترحال مستمر، حاملة حقائبها المليئة خيالا وذكريات، حنينا وغضبا، فرحا  وخيبة أمل. وهي الكاتبة الأكثر مبيعا في تركيا، تكتب باللغتين التركية والإنجليزية، وتُرجِمت أعمالها إلى خمسين لغة، ومن أبرز رواياتها "قواعد العشق الأربعون"، "حليب أسود"، "أنا وسيدي"، فضلاً عن "لقيطة إسطنبول" و"الصوفي" وغيرها."

فما شدّ انتباهي هو بناء تقديمها للمحاضرة التي تحدثت فيها شفق عن فترات حياتها وأيضا عن نظرتها إلى مهنة الكتابة. فهي تعتبر أن كل فترة من حياتها تشكل دائرة تغادرها لكي تشغل دائرة أخرى في مكان آخر أو ربما في نفس الفضاء. فالبقاء في نفس الدائرة يجعل المرء يجف ثم يموت، حسب قولها. كلنا نفضل أن ننتمي إلى مجموعة معينة أو مجموعات، لأن ذلك يوفر الأمان  والحماية والاعتراف الذاتي. لكن سلبية هذا الانتماء لدائرة مغلقة تحدّ من التنمية الذاتية والانفتاح على الآخر. لذلك تعتبر نفسها رحالة، تبني مفاهيمها على أفق متحرك وتعيد بناءه باستمرار. فالتغيير في المضمون يتطلب، أيضا، تغييرا في الأسلوب.

فطريقة تفكير شفق تحيل على مفهوم التفكير البدوي الجذموري للثنائي الفرنسي الشهير جيل دولوز  والمحلل النفسي فيليكس غتاري في كتابهما تحت عنوان "ألف هضبة" ( 1976). فإنهما يؤمنان بفكرة نظام يتضمن مجموعة من المفاهيم المرتبطة في ما بينها ارتباطا ضروريا ويكون هذا النظام مفتوحا. فالفكر بدون صورة، حسب قولهما، هو ما يعرف الآن بالتفكير البدوي أو البداوة في التفكير. لأن البدوي لا ينشأ عمارات فلسفية ثابتة، بل هو في ترحال مستمر.

الترحال أو البداوة  ليست مجرد وسيلة للتنقل الجسدي. فحسب القراءة التي قام بها دولوز لنيتشه، فهي شكل من أشكال التفكير الذي يتبع خط الهروب والذي لا يسمح بالسقوط في شباك القوى المؤسساتية. وهذا يعود إلى التفكير الفني البدوي، في القرن التاسع عشر، الذي يغرف من منبع استقلال عالم الفن وتكوين شخصية الفرد الذي يعمل على إبراز فردانيته وهويته الإبداعية.

أما الجذمور، في علم النبات، فهو عبارة عن نباتات واسعة الانتشار، تنبثق من الأرض وتمتد فوق منطقة واسعة. تبدو وكأنها منفصلة، لكنها مترابطة تحت الأرض، تنمو أفقيا وموازية لسطح التربة، يستعملها النبات للانتشار وتكوين نباتات جديدة تطلق جذورا وسوقا عند العقد الساقية. حسب دولوز وغتاري، تكتسب هذه النبتة  دلالات فلسفية متميزة.

فمفهوم الجذمور باللاتينية rhizome   يقوم على ستة مبادئ:

مبدأ الترابط والتنافر، التعددية، القطيعة الغير دالة ومبدأ الخريطة.

أما التفكير البدوي الجذموري، فيعتمد على افق منفتحة وعلى عدم ثباته على تعريف مفهوم معين؛ بحيث يبقى هذا المفهوم الفلسفي عرضة للتغيير والحذف والاضافة المستمرة.

وهذا ما تدعو له  شفق في كتاباتها ومحاضراتها. ففي روايتها الأخيرة، باللغة الإنجليزية، المعنونة "10 دقائق و38 ثانية في هذا العالم الغريب"، تطرح حيوات اجتماعية متعددة، متنافرة وفي الوقت نفسه، مترابطة لتعدد هوياتها وانتماءاتها. تهرب من وسط لا يؤكد ذاتها فترسم لنفسها خريطة طريق؛ تجهل توقعات موطنها الجديد.

البنية النصية

تُهدي الكاتبة روايتها، التي تتكون من ثلاثة أجزاء معنونة؛ العقل ،الجسد والروح، "لنساء إسطنبول، ولمدينة إسطنبول التي كانت ولا تزال  مدينة أنثى"، أو بالأحرى تتمناها أن تكون أنثى.

في الجزء الأول، اضطرت الراوية العليمة / شفق أن تعرضَ، في عشر دقائق وثمان وثلاثين ثانية، صيرورة مكثفة لحياة ليلى "التيكلا" التي اشتهرت بهذا الإسم بين زبنائها وأصدقائها. فبدأت بنهاية الحكاية؛ حيث وُجدت ليلى كاملة عفيفة، المولودة يوم 6 كانون الثاني عام 1947 بمدينة فان، مقتولة ومرمية في حاوية نفايات معدنية  في اسطنبول وحذاؤها الأرجواني ما يزال في قدميها، يوم 29 تشرين الثاني عام 1990. كانت رابع عاملة جنس تُقتل خلال شهر حسب التلفاز الوطني. صادف خبر مقتلها تقرير الأمم المتحدة للتدخل العسكري في العراق واستقالة السيدة الحديدية في بريطانيا والتوتر بين تركيا واليونان وإعادة توحيد فريقي كرة القدم في الألمانيتين الغربية والشرقية وإلغاء الشرط الدستوري الذي يفرض على المرأة التركية المتزوجة الحصول على موافقة الزوج للعمل خارج البيت وحظر التدخين على الرحلات الجوية التركية.

لقد توقف قلب ليلى التيكلا عن الخفقان، لكن دماغها ما زال يقاوم حتى النهاية ولمدة عشر دقائق  وثمان وثلاثين ثانية أخرى؛ حسب تشخيص سابق لأطباء العناية المركزة في كندا.

وخلال هذه المدة القصيرة ستستعرض ليلى التيكلا ذكرياتها، دقيقة تلو الدقيقة، من خلال مذاق ونكهات أطعمة سبق أن تناولتها تماما كما حدث مع الكاتب الفرنسي مارسيل بروست / الراوي عند تناوله كيكة المادلين في روايته "البحث عن الزمن المفقود".

ففي أول دقيقة التي توقف قلبها عن الخفقان ومازالت الخلايا العصبية نشيطة تربط بعضها ببعض وتمدها بطاقة أخيرة، كانت أول ذكرى مرّت بعقلها هي ذكرى الملح الذي غُطست فيه إبان ولادتها لامتناعها عن إصدار الصرخة الأولى. ولدت ليلى في عائلة أكارسو في مدينة فان التركية. تزوج أبوها هارون من والدتها، بينّاز، وهي في السادسة عشرة زواجا غير رسميا. بيناّز التي بقوا يعيّرونها بالفقر، هي ضرة الزوجة الأولى سوزان العاقر. هذه الأخيرة التي أصبحت أمّا  لليلي وبينّاز، أمها البيلوجية، عمّتها.

دقيقتان:

بعد توقف قلبها بدقيقتين، تذكرعقلها مذاقين متناقضين؛ الليمون والسكر. ففي حزيران عام 1953، رأت نفسها طفلة في السادسة من عمرها، في بيتهم الكبير، بمدينة فان، بجدرانه المزينة بجداريات فنية الذي ينمّ عن تاريخ عريق. لقد سكن هذا البيت، قبل الحرب العالمية الأولى، طبيب أرميني مع زوجته وبناته الستة اللواتي كنّ يعشقْن الموسيقى والغناء. لكن هذه العائلة خرجت ولم تعد وتركت ورائها ممتلكاتها الثمينة. وحصل والد هارون، محمود (الأغا الكردي) المتنفذ على هذا البيت لقاء دوره في تهجير الأرمن من هذه المنطقة، اللذين اُرسلوا في جماعات إلى صحراء دير الزور، حيث لم ينج منهم إلا القليل. اكتشفت ليلى أن الأمور ليست كما تبدو عليه؛ يوجد طعم مرّ تحت الطعم الحلو.

ثلاث دقائق:

بعد توقف قلب ليلى التيكلا بثلاث دقائق، تذكرت القهوة المنكهة بالهيل؛ قهوة مركزة ارتبط مذاقها في عقلها بشارع المواخير في إسطنبول. كان ذلك في شهر أيلول عام 1967، تذكرت ليلى شارعا مسدودا بجوار المرفأ، الممتد بين صفوف المواخير المرخصة. وفي الجوار، توجد مدرسة أرمينية وكنيسة يونانية وهيكل لليهود الشرقيين وتكية للصوفيين وأبرشية للروس الأرثوذكس. وهذا كله ينتمي إلى الماضي الذي أسسه السلطان عبد العزيز في القرن التاسع عشر. كانت ليلى آنذاك في السابعة عشرة من عمرها، حين باعها زوجان منغمسان في الدعارة إلى أول ماخور، ولم يكن في حوزتها إلا خمس ليرات وعشرين قرشا. وذلك حدث قبل ثلاث سنوات. لكنها تعتبر ذاكرتها مقبرة للماضي، دفنت بها مقاطع من حياتها. ففي هذه السنة، تعرفت ليلى على نالان في  الزنزانة، وهي من عائلة ثرية من الفلاحين ومربي المواشي في منطقة  وسط الأناضول. جاءت إلى إسطنبول لكي تصحح الخطأ السافر الذي اقترفته الطبيعة. أسمتها ليلى نوستالجيا. وكانت  نالان تدعى عثمان. هرب في ليلة زفافه إلى إسطنبول. وهي أحد أصدقائها الخمسة.

أربع دقائق

إن رائحة البطيخ ومذاقه أعادها إلى صيف أب 1953 ورحلة عائلة أكارسو إلى بلدة معروفة بصيد الأسماك على الساحل الجنوبي. هناك بدأت ليلى تعيش كابوس الاعتداءات الجنسية من قبل عمّها وعمرها لا يتجاوز ست سنوات واستمر ذلك خلال زياراته للعائلة.

كان صديقها الوحيد في هذه القرية، "والشجرة التي تقدم لها الحماية والملاذ" بالرغم أنه يعاني أيضا من التنمر،  سنان، ابن صيدلية القرية. وهو أيضا أحد أصدقائها الخمسة. كان أبوه الذي توفي في الحرب. يعتبر "أن سكان القرية أناس مسحوقين تحت وطأة الدين والمعتقدات الصارمة". وكان يؤكد "أن المرء لا يستطيع تغيير الجغرافيا، إلى أنه في وسعه أن يحتال على القدر".

خمس دقائق

بعد مرور خمس دقائق على توقف قلبها عن الخفقان، كانت ذكرى ولادة شقيقها تاركان مقرونة برائحة يخنة الماعز المتبل بالبهار ومذاق الكمون والثوم والبصل. ازداد تاركان بمتلازمة داون وكان ذلك بمثابة عقاب رباني للأب هارون. فامتنع هذا الأخيرعن شرب الخمر وخياطة فساتين النساء ومنع أسرته من سماع الراديو وتصفح مجلات الموضة ونجوم الفن.

في 13 نيسان عام 1963، صادف هذا العام أحداثا كثيرة، اطلعت عليها  ليلى في الجريدة اليومية؛ اعتقال مارتن لوثر كنغ لاحتجاجه على سوء المعاملة. وفي الأخبار المحلية، اضراب فلاحي الأناضول بسبب الفقر والبطالة. حينها بلغت  ليلى السادسة عشرة.

كان سنان ينقل أخبار الراديو ويمدّها بالمجلات، فعلمت بحصول المرأة الإيرانية على حقوقها السياسية وأن أمريكا خسرت الحرب في الفيتنام. كما أن سنان يعرف الكثير عن الحربين العالميتين الأولى والثانية. لذلك أسمته سابوتاج – تخريب. بالإضافة إلى ذلك، كانا يساندان بعضهما البعض كونهما يعانيان من التنمر خصوصا في المدرسة.

ست دقائق

بعد ست دقائق على توقف نبضات قلب ليلى عن الخفقان، مرّ في خاطرها ذكرى الموقد المشتعل ورائحة الخشب. كان ذلك يوم 2 حزيران عام 1963 وهو يوم زفاف ابن عمها. وأرعبها حزام الطوق الأحمر الذي يلف خصر العروس ويرمز إلى العفّة. فشعرت بصخرة على صدرها لأنها تعرف عقاب الفتاة الغير عذراء. هكذا بدأت ليلى تؤذي نفسها بأي شيء حاد للتكفير عن ذنبها. وكانت اعتداءات عمّها تتكرر كلما سنحت له الفرصة ويوهِمها كل مرّة بأن القذارةَ موجودةٌ فيها. أما والدها فكان يعلّمها القرآن ويكرّر لها بأن الله يرى كل شيء، لكنها ترى أن الله لم يساعدها عندما تحتاجه.

سبع دقائق

إذ واصل عقل ليلى القتال، تذكّرت طعم التربة، الجاف والطباشيري والمرّ. فالطباشير ذكّرها بأطفال كانوا يطاردون رجلا عجوزا يزيديا، فرسموا حوله دائرة بالطباشير وتسمّرَ في مكانه. فهذه الدائرة هي أيضا تمثل شكل لعبة الهيلا هوب التي منعها والدها من اللعب بها كالعارضة الأمريكية التي رأتها في مجلة "الحياة". فكيف يمكن أن يصبح الطوق الدائري الذي عزل إنسانا، أوقعه في فخ، رمزا للحرية المطلقة ونعمة لإنسان آخر؟" فهذا التوق الذي يلف خصر الأمريكية يمثل لها الحرية، أما اليزيدي فكان ينتظر أحدا يمحو له خط الطباشير لكي يخرج من الدائرة.

أما التربة فقد كانت تلتهمها عندما عرفت أنها حامل من عمّها. وباحت بذلك لعمتها بيناز وهذه الأخيرة أخبرت أباها الذي لم يرد أن يصدق ذلك لكي يحمي أخاه. أما الطعم المرّ فقد اقترن باكتشافها حقيقة والدتها البيلوجية؛ وهي عمّتها بينّاز.

ففي أيلول عام  1963، قرر الأب منع ليلى من الذهاب إلى المدرسة. وفي تشرين الثاني داهم المرض شقيقها تاركان وغادر الحياة. وفي عصر نفس اليوم تركت ليلى البيت. وعرفت أنها "لا تستطيع العودة، وأن هذا الموت البطيء الذي وجدت نفسها فيه أصبح هو نفسه الآن حياتها".

تعرفت على جميلة في المستشفى أثناء الفحص الطبي لعاملات الجنس وهي أول صديقة لها في إسطنبول "وهي أحد خمسة". ولدت جميلة في الصومال لأب مسلم وأم مسيحية توفيت باكرا. عند بلوغها السابعة عشرة، انضمت جميلة إلى اجتماع في الكنيسة. ولم يجد ذلك قبولا عند العائلة فأصبحت منبوذة. فخلال فترة حكم سياد بري، جاءت مع العديد من الافارقة إلى إسطنبول هربا من الحرب الأهلية والعنف الديني والعصيان السياسي.

ثماني دقائق

مرت ثماني دقائق وتمثلت الذكرى التالية، التي تركت أثرا على جسدها في آذار عام 1966، في رائحة حامض الكبريتيك، لقد حاول أحد الزبائن، المختل عقليا، أن يفرغ محتوى الزجاجة على وجهها. فأصاب، لحسن حظها، ظهرها.

لقد ازداد البؤس والعنف في المدينة، طوال فصل الربيع لعام 1966.  واشتبكت الفصائل السياسية وقتُل الطلاب في الجامعات. لكن ثمة امرأة عربية واحدة كان يروق لليلى أن تقضي الوقت برفقتها، امرأة قامتها قصيرة إسمها زينب 122. وهي أحد خمسة؛ ولدت في قرية جبلية شمال لبنان. كانت تتمنى أن تكون رحالة وهي قارئة الفنجان في أوقات فراغها. ففي نيسان عام 1964، اشتغلت في صالون حلاقة في إسطنبول لساعات طوال لم يتحملْها جسمُها. فعرضت عليها سيدة العمل كمنظفة في الماخور.

تسع دقائق

تذكرت ليلى د/علي الطالب اليساري ومذاق حلوى الشكولاته المحشوة بالكراميل والكرز والبندق المطحون. ففي تموز عام 1968، كان الأسطول الأمريكي السادس في طريقه لكي يرسو على ضفاف البوسفور. لكن مظاهرات مناهضة للنظام أفشلت قدوم سفينة الناتو. كان من ضمنهم د\علي الذي هرب من الشرطة وآوته ليلى في الماخور. وأصبح يتردد عليها ويجالسها في غرفتها ويحكي لها عن والده العامل في مصنع فورد في كولونيا وعن روزا لوكسمبورغ التي اغتالها الجيش ورماها في ترعة. كما أنه كان يكلمها كأنها ندا له. فراقت لها هذه المساواة.

عشر دقائق

بمرور الوقت، استعاد عقل ليلى مذاق بلح البحر الأسود المقلي في زيت غامر. ففي تشرين عام 1973، اكتمل جسر البوسفور، بعد ثلاث سنوات من العمل. وهو رابع أطول الجسور في العالم. يلتقي البحر الاسود ببحر مرمرة من جهة في حين يجري بحر إيجه ليلتقي بالبحر الأبيض المتوسط من جهة أخرى. وقد صادف احتفال التدشين الذكرى الخمسين لتأسيس جمهورية تركيا. في ذالك اليوم،

زار د\علي ليلى وهو محمل بمنشورات ضد النظام وبلح البحر المقلي. لقد كاد أن توقفه الذئاب الرمادية - الفاشيون المسيطرون على المنطقة.

ففي تلك الفترة، تعرفت ليلى على حميراء بالصدفة عندما وجدتا، على الطريق، قِطّا أسودا مُصابا وقرّرتا أخذه إلى بيطري لعلاجه. فحميراء أحد خمسة،

ولدت حميراء في ماردين، على مقربة من دير القديس غابرييل في سوريا وهو اقدم دير في العالم للسريان الأرثوذكس. اُرغمت على الزواج وهي في السادسة عشرة من صديق والدها في التجارة والذي كان يعنفها فهربت إلى اسطنبول وكانت خائفة أن تقع ضحية غسل العار. لقد كانت تعمل مغنية في كازينو على رصيف الميناء.

عشر دقائق وعشرون ثانية

في الثواني العشرة الأخيرة التي سبقت توقف دماغ ليلى عن العمل توقّفا تامّا، تذكّرت قالبَ حلوى زفافها مع د\علي  وتركها للمهنة واستأجراهما، في شارع هيري كافكا، شقة رقم 7 في الطابق العلوي. لكن  فرحتها لم تدم طويلا؛ لأن  د\علي قُتل أثناء مظاهرات  الأول من أيار، في ساحة التقسيم، من قبل أحد القناصين عام 1977.

عشر دقائق وثلاثون ثانية

قبل أن يستسلم دماغ ليلى التكيلا نهائيا، تذكرت مذاق الويسكي بالشعير، وكان آخر طعم بين شفتيها قبل وفاتها. ففي تشرين  الثاني عام 1990، بينما كانت  ليلى وصديقتها جميلة في البيت رنّ الهاتف. كانت مديرتها السابقة في الماخور تطلب منها خدمة؛ أن تلتقي إبن باشا وتقنعه بالزواج  من فتاة اختارها له والده. يبدو أن للشاب المُثلي عشيق منذ زمن طويل. وافقت بصعوبة. فذهبت للقاء الشاب في فندق الإنتركونتنتال لكي تعلّمه قواعدَ الإغراء قبل ليلة الزفاف ربما يتماثل للشفاء، حسب والده الباشا المتدين والمحافظ جدا. وخلال حديثها معه تفهّمته وغادرت المكان. وهي في طريقها إلى بيتها، اعترضتها سيارة مرسيدس وعرضوا عليها الركوب لتشاركهم عيد ميلاد صديق وأغروها بمبلغ كبير، كانت هي فعلا في حاجة إليه لعلاج صديقتها جميلة التي تعاني من مرض الذئبة. ففي الطريق، انقبض قلبها. لكن فات الآوان.

الثواني الثماني الباقية

كان آخر ما تذكرته ليلى هو مذاق قالب الحلوى بالفراولة في السادس من كانون الثاني الذي أعدّته بنفسها. لقد أقام، بمناسبة عيد ميلادها، أصدقاؤها الخمسة، سنان المُخرب، صديق الطفولة والذي لحق بها في اسطنبول، نوستالجيا نالان المتحوّلة جنسيا، جميلة، زينب 122 وحميراء المغنية حفلة لها. لقد كانت تظن أن العدد خمسة مميز؛ فالتوراة تتألف من خمس كتب وأركان الإسلام خمسة وفي البوذية خمسة طرق، في حين أن شيفا كشف عن خمسة وجوه تنظر إلى خمسة اتجاهات مختلفة، وأما الفلسفة الصينية فتدور حول خمسة عناصر؛ الماء والنار والخشب والمعدن والأرض. وهناك خمسة مذاقات متعارف عليها؛ الحلو والمالح والحامض والمر والأومامي (طعم الغلوتامات). كما يعتمد إدراك البشر على خمس حواس؛ السمع والبصر والشم والذوق واللمس.

هكذا حاول العقل تكثيف حياة برمّتها في وقت يستغرق غليان ماء في إبريق. أما في الجزء الثاني "الجسد"، فسنرى الأصدقاء الخمسة الذين يريدون انتشال جثة صديقتهم ليلى، التي رفض أهلها إستلامها، من مقبرة "كيروس" للمنسيين والغرباء والمنبوذين واللاجئين والمهمّشين، وذلك لكي يردّوا الاعتبارَ للجسد  ويمنحوه قبرا وليس رقما مجهولا؛ ولأنسنة المجّرد من الانسانية. فبعد أن نُبذت ليلى من جهة قرابة الدم فقد وجدت في أصدقائها قرابة الماء. لقد كانوا "ضعافا منفردين، ولكن أقوى في اجتماعهم".

أما في الجزء الأخير المعنون "الروح"، فقد نجح الأصدقاء الخمسة في إيجاد قبر الجثة وانتشالها رغم ملاحقة الشرطة لهم.  فلقد غامروا وألقوا بالجثة في آخر لحظة في مضيق البوسفور كما كانت ليلى تتمنى أن تعيش سمكةٌ في كونٍ غنيّ بالألوان الطبيعية. وقد شاهدت كنوزا ضائعة وهياكل صدئة لمراكب غارقة ومحضيّات دُفعن بهنّ دفعا من نوافد القصر وهنّ داخل أكياس تماما كما نقرأ في قصائد "الشرقيات"(1829) للكاتب الفرنسي فيكتور هوجو. لكن ليلى أضحت سعيدة لكونِها أصبحت جزءا من هذا الملكوت النابض بالحياة والبرّاق مثل ولادة شعلة جديدة. لقد "صارت حرّة أخيرا".

 

نجاة تميم

 

امان السيد قراءة في رواية "يوميات عجوز مجنون" للروائي الياباني "جونيشيرو تانيزاكي"

 في الروايات الناجحة يستطيع الكتّاب أن ينسلوا بالقارئ إلى جحور في وديان لا يتجرأ بنفسه أن يميط لثامها أحيانا، وإذ بها تفتحه على أبعد الأمداء، فيخلع برقع حياء مجتمعيّ كريه قد يعتبر المصدر لبؤسه، وتشوهاته. لنكن صريحين حين نعترف أن الكبت هو المُدان الأمكن في هذا الموضع!

 إنه الكبت بمختلف أنواعه وأشكاله وألبسته من قمصان إلى فساتين، إلى وجوه مبرقعة، وضحكات عاهرة، وتهجّم وعبوس في مقابلة الحياة رغم ما فيها من جمال لا تنكره عين.

 ماذا، وإن كان الجنس الذي نكبته في نفوسنا هو ذاك المدرج الأول للاستئثار بالخفاء لتقمّص صورة يرضى عنها المجتمع، بينما صاحبها في أعماق نفسه ينتحب وهو يئدها، ويركم عليها التراب والأسمنت ركما؟!

 رواية "يوميات عجوز مجنون" للياباني "جونيشيرو تانيزاكي"، تحيلك إلى ذلك الفضاء الأجرد من أي قيم، فتترك للنفس أن تتعرّى بمختلف قذاراتها، أو ما اصطلح على نعته بالقذارة دينيا ومجتمعيا، فتروح تغتنم الفرص بوضاعة الدنيء أمام شهواته التي تقفز فوق المحرمات لتمارس حقوقها في إشباع نزق يرى أن من حقه أن يرتع صاعقا في طريقه كل شيء، من قيم متعارف عليها، ومن اعتبارات، وروابط عائلية، فتروح تثير من الجدليات الملعونة ما يستحق المتابعة، والتقصي، والاستنباط، وكأنك بالروائي المذكور أعلاه يعول بمعوله بلبلة في خزائن النفس البشرية في أدق ثنياتها مرخيا لها الانطلاق على سجيتها، وعبث فطرتها، وهي تنشد الارتواء، والانتشاء.

 العجوز الذي يُفصح منذ أوائل صفحات الرواية عن رغباته التي من صورها التلذذ بالشذوذ المأفون مجتمعيا، ثم إنه الحريص على تدوين يوميات يودعها درجا غير متقصد إغلاقه!

  يوميات، تراتيل أيام لا تنتهي مع أمراض الشيخوخة التي تتكالب على رجل مثله تجاوز السبعين من العمر، هي أمر عادي، ولكن الروائي يحلو له أن يقدّم بطل روايته العجوز لقارئه عبر منصتين حساستين بينهما اتصال لا يخفى للقارئ: العجوز المتآكل المتهاوي المصاب بالعنّة، والإنسان المتماسك الذي ما يزال يشعر بالنشوة الجنسية، وإن كانت غير مكتملة، ولكنها كافية لأن تسمح له بأن يمرر لعابه بلسانه على فخذ امرأة، وإن كانت تلك المرأة الصبية كنته!

  المرعب في الأمر، وهنا أعود إلى المجتمعيات، والخلفيات الدينية، والأدبية كأي مبنى يتراصّ على طول زمن بما حُشي من مبادئ وقيم، وارتكازات خُلقية لأستثار من الدهشة والامتعاض في الوقت نفسه، فكيف لرجل أن يشتهي كنته، وأن ينحدر به الإسفاف إلى استجداء أطراف من المتعة معها، ويذل نفسه في سبيل تلك الشهوة، بل ويكتريها بالمال، بينما وحين أكتب من منطلق المحلل، ورافع ألوية الحريات أرى أني أمام كائن ضعيف يتحامل على ساقيه، وعجزه، وهو يرى أنه ينحدر إلى أراذل العمر، ولكنه حريص على التشبث بالحياة، وممارسة قناعاته ما دام يشاركها مع طرف يتوافق معه في الرأي، والرغائب أيضا!.

 أليس في الجنس الإحياء للجسد الذي يأتلق بالحب، حتى وإن نُعت بالنقيصة، والانحطاط، والعار؟! ثم أليست النفس الإنسانية لجج عميقة من دوامات، ومجاهل وتحليقات، وانتفاضات، وبراكين، صاحبها بها العليم، وغير العليم في الوقت ذاته، فإن تكشفت له اشتهاءاتها، لن يتمكن دوما من مغالبة شراستها، وما توحي إليه به من سعادة، وإن كانت قاتلة؟!

روائي قدير، وذكي في انتقائه للشخصية المحورية هنا، عجوز ثري مالك يريد الجميع إرضاءه بما أنه المغدق، فلا يمتنعون عن الرضوخ إلى طلباته، ويغضون النظر عما يستدعي حقا الثورة، والتأجج، والاتهام، ثم المقاصصة، والمعالجة النفسية!

 إن الازدواجية تتبدى في الرواية حلة رئيسة للشخصيات في المجمل، فالزوجة، الحماة، تدرك ما يفعله العجوز مع كنته، ولكنها لا تحتج، بل إنها تصمت مقابل ما يقدمه الزوج من العطاء، وأيضا اتقاء لفجور، وسفاهة كنة أرغمت على قبولها. البيت واسع ثريّ التضاريس، الحياة رفاهة، إلى ما إلى ذلك، أما الكنة الشابة التي تعيش حياة البذخ بعد أن كانت راقصة تعرّ في كاباريه، فلا تقنع بما حازته من حياتها الجديدة، بل هي تساوم حماها، وقد استشعرت شهوته تجاهها على مجوهرات فادحة الثمن، وسيارة فارهة، والمال الوفير، وتمارس في الوقت نفسه حياة زوجية مفتوحة إلى درجة مخيفة، فلا هي تكتفي باستغلال اشتهاء العجوز لها، والسماح له معها بممارسة سلوكيات جنسية مستهجنة، بل تجعل منه الراضخ لغرائزها وشهواتها أيضا، تصطحب عشيقها إلى بيت العائلة للاستحمام تحت حجة واهية لا تلبث أن يسقط قناعها، حيث تمرره إلى غرفتها، وإلى حمامها فيتشاركانهما سوية، والعجوز في منتهى السعادة، والمرح، بل إنه الملحّ في طلب مشهد يعوضه عن عنته، ونقص أداء جنسي ما يزال في شره إليه!

 للمصداقية، إن روائينا الياباني لا ينعت بجرأة الطرح فقط، بل إنه وافر الشفافية، والواقعية في سبره لما في الأعماق من الانتكاسات، والانفعالات التي يحرم خروجها إلى العلن، والذي يحرص المجتمع منذ الأزل على تهذيبها، وتأطيرها في أطر دينية، ومجتمعية، والتي إن أفلت لها القياد، فستودي بتلك المجتمعات إلى الهلاك شرقا وغربا، وكم من ممارسات قد ترد على الذهن، والقارئ يبحر في القراءة بلا قيد أو رقابة مع نفسه، وحوله، منها ما خضع أصحابه للعلاج النفسي، ومنها ما أدى إلى الإجرام، ومنها ما ظل حبيس جدران الذات، أختار  أو أورد منها جانبا من حلم كان يرد بإلحاح على مراهقة ويمنعها من مواصلة حياة طبيعية مع الخارج،  ترى أنها معلِّقة نفسَها إراديا عارية على حبل، أو عمود يماثل أعمدة السيرك، وأسفلها حشد من الرجال يتناوبون على ارتشاف ثدييها، وهي في خدر لا انتهاء له، فلا هي تمكّنهم من مرغبهم، ولا هي تمنعهم عنه، وهي الآمرة الناهية، والجمع في تداول سكينة، والتفاف طوفي!.

 من تراه ذاك الذي يجترئ على تعرية مشاهد تنحشر في بؤر البشر سوى كاتب، أو فنان، أو قناص غير مبال.. أولئك الملعونون من مجتمعات تتجلل بالخطيئة سرّا، وتتربع موائد لذائذها جهارا، وبكل صفاقة؟!

***

خاص/ صحيفة المثقف

أمان السيد

 

 

2477 OIPترجمة: صالح الرزوق

ترتبط جينيالوجيا المقاومة في روايتي أهداف سويف ونايانتارا ساغال بمصر والهند، وتشترك بتجارب اقتصادية وثقافية تسيطر عليها الإمبراطورية البريطانية. وقد تغلغلت السيطرة البريطانية عن طريق مصانع شركة بريتيش إيست إنديا (شرق الهند البريطانية)، وتبع ذلك تبادل تجاري كثيف منذ القرن السابع عشر، وتم تسمية الهند مستعمرة بريطانية في أعقاب حركة التمرد في الهند عام 1857. وفي نهايات القرن التاسع عشر، أصبحت الهند جوهرة لا تقدر بثمن في التاج البريطاني، ليس لأنها قدمت المواد الأساسية مثل القطن والتوابل، ولكن أيضا لأنها وفرت تيارا مستمرا من المتطوعين للجيش، وكانوا قوة لا غنى عنها لبقاء الحكم البريطاني في أرجاء الإمبراطورية. وكان الجنود الهنود غالبا إما يشكلون قوات احتياط أو إمداد للقوات البريطانية في بقية المستعمرات، ومنها مصر على سبيل المثال.

وبعد مقتل الضابط البريطاني جورج غوردون في السودان عام 1885 على يد قوات تابعة للمهدي، وهو قائد ديني أعلن الاستقلال وشكل دولة منفصلة، تم إرسال جيش مكون من جنود مصريين وبريطانيين وهنود بقيادة هوارشيو كيتشنير لفرض السيطرة، واستعادة ما سيعرف لاحقا في عام 1898 بأرض مصر والسودان الإنكليزية. 

وقد ضعف دور الحكم البريطاني في الهند على نحو محسوس بعد الحرب العالمية الأولى، حينما اندلعت على مستوى وطني الاحتجاجات بسبب المجزرة التي ارتكبت ضد متظاهرين سلميين في أمريتسار عام 1919، وهو ما قدم الدافع للحركة الوطنية البورجوازية. ولكن التيار الجارف بدأ حينما طلبت حركة “خروج الهند” بقيادة الزعيم غاندي الاستقلال عن البريطانيين  مقابل التعاون  معهم في الحرب العالمية الثانية. ووافقت بريطانيا، التي أثخنتها الجراح في الحرب، على هذا الشرط، وتكونت دولتان مستقلتان جديدتان هما الهند والباكستان في 15 آب عام 1947.

وبدأ تاريخ مصر الاستعماري بعد فترة وجيزة، وتضمن طيفا معقدا من القوى الأجنبية. فقد رزحت تحت حكم الإمبراطورية العثمانية لعدة قرون، ثم وقعت بين أيدي جبيش نابليون عام 1798.  ولكن القوات المصرية تلقت الدعم من الجيش البريطاني، وتمكنت من دحر الفرنسيين بعد ثلاث سنوات من الصراع. ومع أن مصر، وخلال ثمانين عاما تلت، لم تكن رسميا مستعمرة فرنسية أو بريطانية، فقد وجدت نفسها على نحو متزايد تحت سيطرة اقتصادية للحكومتين الفرنسية والبريطانية، وديونها المستشرية كفطر الغابة، وعلى وجه الخصوص في عهد الخديوي إسماعيل (الحاكم المعين من قبل الإمبراطورية العثمانية)، أجبرها لقبول إدارة اقتصادية تعاون فيها الفرنسيون مع البريطانيين. ولاحقا قاد الكولونيل أحمد عرابي جماعة من الوطنيين المصريين للقيام بانقلاب عسكري على الخديوي توفيق في نهايات عام 1881. وقدمت هذه الخطوة للقوات البريطانية المبرر لتحتل مصر رسميا عام 1882، وكانت تهدف من وراء ذلك للتحكم بقناة السويس، ومنع القوات الاستعمارية المناوئة من فرض سيطرتها على مصر واستعمارها. ثم نشبت الحرب العالمية الأولى، وحولت السلطات البريطانية مصر في عام 1922 من محمية إلى ملكية دستورية، كخطوة مصالحة وكمحاولة يائسة لاحتواء الثورات الوطنية. ولكن احتفظت بالجيش وقطاع الاتصالات بيد البريطانيين. ولم يحصل في مصر قطيعة اقتصادية مع الفرنسيين والبريطانيين حتى قيام حكومة ناصر، واستلامه السلطة عام 1952. فقد أمم قناة السويس، وطرد القوات البريطانية، ونفى الملك فاروق وأعلن قيام الجمهورية.

ولا أريد من أحد أن يفهم أنني أعتقد أن كلا من مصر والهند سارتا بمسار متماثل في ظل الاستعمار البريطاني، حتى قيام الثورات وتحقيق الاستقلال. والحقيقة أن هذه الجينيالوجيا تؤكد وجود تمايز في روابط مصر والهند مع الاستثمارات الاستعمارية البريطانية، فقد اتخذتا موقعين مختلفين، وأحيانا متعاكسين، وذلك ضمن الأسرة الاستعمارية. مع ذلك رغم هذه الفروقات الواضحة في تطور تاريخ المقاومة الوطنية، وتطور ظاهرة الاستعمار، توجب على مصر والهند أن تكافحا ضد الاقتصاد الاستعماري والتبعية الثقافية التي اتكأت بشكل واسع على مجاز ورموز معينة، هي تحديدا ما اتفقنا على تسميته باسم “الاستشراق”.

كان الاستشراق (ولا يزال) مهووسا بفكرة مركزية وهي افتراض وجود عقدة جنسية عند الذكر “المحلي”، الذي يعتقد أنه يحمل رغبة جارفة بالمرأة البيضاء الغربية.  وترى روايتا سويف وساغال بشكل مباشر، مع مجاز استشراقي آخر، ظهر تقريبا في كل سياق استعماري في نقطة من النقاط - إن المرأة البيضاء الكولونيالية مهددة من السلطة الاستعمارية، وتهددها بنفس الوقت. كان من المقبول للنساء البيض القدوم للمستعمرات بأعداد كبيرة في نهايات القرن التاسع عشر لسد النقص في “التحضر”، وما قد يسببه ذلك من ضغط على المستعمر البريطاني. ولكن تمثيل صورة المرأة البيضاء في المستعمرات لم يكن بنية مستقرة، فهي مثل بنية الرجل الاستعماري، تشير لمخاوف وتخيلات كولونيالية وليس لمجرد حضور واقعي وفعلي. بهذا الصدد لاحظت آن لورا ستولير Ann Laura Stoler  في “المعرفة الجنسية والسلطة الإمبريالية” أن موقف بريطانيا، من فكرة النساء البيض في المستعمرات، قد تبدلت بتبدل السياسات الاستعمارية نفسها. وعليه في بواكير القرن الثامن عشر كانت المستعمرات تصور على أنها شديدة الخطورة على المرأة البيضاء، وكان المستعمر البريطاني يفضل اتخاذ تدابير لتوفير خادمة وخليلة من النساء المحليات لإرضاء ميوله الجنسية و“احتياجاته” المحلية التي تعتني بها عادة الزوجة البيضاء. ولم يكن يسمح للضباط أن يتزوجوا حتى يتموا فترة محددة بالخدمة، وغالبا تبلغ ثلاث سنوات أو ما يزيد على ذلك. وبنهاية القرن التاسع عشر، هذا السلوك المعياري، أصبح ينظر له كسلوك غير متحضر وله احتمالات خطيرة. وللتأكد أن الرجل الأبيض يحافظ على “نقاء” هويته البريطانية في فترة الخدمة بالمستعمرات، أصبحت السياسة الرسمية تشجع النساء البريطانيات على الهجرة مع أزواجهن أو للاقتران برجال يخدمون العلم في الخارج. وبتكوين “بريطانيا مصغرة” بشكل بيوتات في المستعمرات، خدمت المرأة البريطانية البيضاء هدفا أساسيا وهو حماية وإعلاء شأن التسلسل الهرمي الذي خشي عليه المسؤولون بشكل جدي، ولا سيما بسبب نظام المحظية وما نجم عنه من أطفال مهجنين ومزدوجي العرق. ومع أن النساء البيض كن يعتبرن أساسا حاميات لنقاء العرق البريطاني في المستعمرات، سرعان ما انتقلن لتمثيل المخاطر التي لحقت بالمشروع الاستعماري. إن تصوير النساء البيض وكأنهن عرضة لخطر العنف، وبالأخص العنف الجنسي، الذي يمكن للرجال المستعمرين (بفتح الميم) أن يقترفوه قد خدم بتوحيد المجتمعات البيضاء ضد أولئك الذين يحكمونهم، وبالتالي ساعد على تثبيت وفرض الحدود العرقية، وهو ما كان الموظفون الاستعماريون يقلقون منه. هذه الحدود كانت قابلة للعبور في عقود سابقة، وفضفاضة، ولا تقيد التواصل بين الحاكم والمحكوم. وقد قالت فرون وير  Vron Ware:”أصبح أمن النساء البيض في الإمبراطورية مشكلة إيديولوجية مستمرة، مرتبطة بشدة بشرعنة السلطة الاستعمارية”. وبتعبير آخر: أصبحت حالة النساء البيضاوات في المستعمرات ترمز لمصير سيطرة الثقافة البريطانية نفسها. ونتيجة ذلك تزايدت المخاطر المعلنة الموجهة للنساء البيضاوات مع ظهور علامات تدل على المقاومة الوطنية للحكم البريطاني، ورسمت بالتالي حدودا تاريخية نوعية لكل مستعمرة على حدة. وتمثيل الذات الكولونيالية ثقافيا في وقت الأزمات كان عقدة تاريخية وجغرافية، وعليه إن أوصاف الرجل الهندي الخطير والمعبأ بإيحاءات جنسية قد يختلف عن الصور الاستشراقية للخطر الجنسي في مستعمرات الشرق الأوسط.  وبتعبير جيني شارب Jenny Sharpe رمزية المرأة البيضاء  بشكل ضحية جنسية محتملة للرجل الهندي قد برزت أولا بعد ثورة الهند عام 1857، وتم تعويمها بشكل أداة تحريك وتعبئة موجهة للمجتمع الأبيض بعد أزمات لاحقة  عانت منها السلطات البريطانية، ومنها على سبيل الذكر لا الحصر مشكلة ميثاق ألبيرت عام 1883  (*وثيقة أجازت للقضاء البريطاني في الهند بإصدار أحكام ضد  رعايا بريطانيين إن كانوا غير أوروبيين) وما تبعها من عصيان في أعقاب مجزرة أمريتسار عام 1919. 

وهكذا أمكن تبرير واتباع القمع الوحشي لعصيان الوطنيين المعارضين للكولونيالية بحجة أنه ضروري لحماية نساء وأطفال بريطانيا في المستعمرات. وبالمقارنة مع الهند البريطانية، كان هناك القليل من النساء البريطانيات في مصر في بواكير القرن العشرين. ولذلك كانت المرأة البيضاء أساسا رمزا للحريات التي حرمت منها النساء في “الثقافة  الإسلامية الأحادية والظالمة” جدلا.

طبعا إن هذه البلاغة كانت مبطنة بالتعالي والتزوير. مثلا استعمل اللورد كرومير، القنصل البريطاني العام غير المحبوب شعبيا والمعروف في مصر في بدايات القرن العشرين، هذه البلاغة عن حريات النساء البيضاوات حتى بعد أن قطع التمويل الذي كان متاحا لبنات المدارس في مصر وساعد بكل قوته في دعم جمعية معادية للأنوثة في بريطانيا هي: نادي الرجال ضد حق اقتراع النساء.

ومع أن الوضع المهدد بالخطر ساعد على تلاحم البيض في بعض الأوقات حينما  تعرضت السيادة البريطانية لتحديات ومعوقات، فقد تلقت النساء البريطانيات الملامة على انحدار الإمبراطورية البريطانية. وفي الهند كانت شخصية الممصاحب (*السيدة البيضاء) برهانا على عنصريتها في المستعمرات، وكانت تقارن بالدور المقابل للرجل الكولونيالي. وبتعبير جين هاغيز  Jane Haggis  كانت المرأة البريطانية في الخيال البريطاني الشعبي هي“التي تسببت للبريطانيين بفقدان إمبراطوريتهم، وللأصدقاء المحليين بالاستلاب من خلال كبريائها المثير للشفقة وغيرتها الجنسية”. ولكن النساء البيضاوات لسن مشكلة فقط في حال تورطن كثيرا ببلاغة التعالي الكولونيالي. هن أيضا مشكلة إن لم يتورطن بها على الإطلاق. تقول كوماري جايا واردينا Kumari Jayawardena “النساء البيضاوات حارسات للعرق، ومن لم تمتثل لهذه الصورة ينظر  لها كخطر موجه للسلطة الاستعمارية. ومن لهن صديقات محليات كن تتهمن - بالتغول - وأي نشاط اجتماعي مع الرجل المحلي ينظر له كما لو أنه خيانة عرقية”. وليس مدعاة للدهشة أن التمثل المزدوج للنساء البيضاوات كمنظفات عرقية وملوثات عرقية قد فشل بوجه الإطلاق للاعتراف بدور العقدة التي لعبتها المرأة البيضاء في المستعمرات البريطانية. لقد ذهبت المرأة البيضاء إلى المستعمرات لأسباب متعددة. بعضهن لسبب تبشيري أو بدافع الاشتراكية الداعية للتضامن والمساواة، وغيرهن دفعهن الأمل بالرفاهية المادية أو إغواء السرديات الاستشراقية التي ضخمت من الجانب الروحي المعزو للتصوف الديني. والنساء المبشرات غالبا  تنتمين للأخويات الدولية، وهي أساس تدخلهن بالسياسة الجنوسية في المستعمرات،  وهو ما عارضه المواطن المحلي، امرأة كان أو رجلا.

وفي نفس الوقت تساوى التحالف والصداقات السياسية بين الوطنيين الذكور في المستعمرات مع نشاط  البيضاوات لتحرير المرأة وأصبح المجالان متكافئين على حساب المزيد من التورط بمشكلة التضامن النسوي الذي يهمل الحدود العرقية.  وحينما نصل للترتيبات بين الأعراق، نكون أمام واحد من احتمالين: إما أن فكرة الجنوسة الكونية تفتح الطريق لمعاداة الإمبريالية، أو أن التكافل الوطني يمهد للجنوسة، وهذه مشكلة معروفة حتما منذ دراستي للروايات الجنوب إفريقية سابقا. 

ماذا جعل رواية سويف أو ساغال متميزة بضوء هذه الأنماط التاريخية، في حين أن رمانسياتهما بين الأعراق تبدو مثل تعبير متخيل عن تحالف سياسي بين المرأة البيضاء / الرجل الكولونيالي، فقد كانت تتدبر شؤونها لتتجنب الجانب التبشيري والوطني على حد سواء. 

تبرز الكاتبتان متكاتفتين جزئيا لأنهما تمثلان نوعا من أنواع التضامن الذي يمكننا رؤيته في معظم التفاصيل التاريخية - المرأة البيضاء المعادية للإمبريالية والرعايا المؤنثات المستعمرات.

بالتأكيد تهدف سويف لاستنتاج أنواع جديدة ومقاربات عابرة للحدود الوطنية والمراحل التاريخية، وذلك بواسطة استيعاب الرومانس الاستعماري في “خريطة الحب”. والتمثيل يصبح الموضع الأساسي لمثل هذه العلاقات الحميمة في رواية سويف، فالشخصيات تهمش ضمن الإشكاليات السياسية الوطنية، وفي هذا الحين تلتفت لوسائط تتراوح بين الحبكة والترجمة وحتى الانترنت للبحث عن خطاب مقاومة بديل. وتعود للخلف وتعبر عدة أجيال لتركيب تحالفات مع النساء الأخريات، وهي تحالفات سياسية وفنية صلبة متخيلة عابرة للتاريخ.

ولوصف كيف أن هذه الشخصيات المعاصرة تفقد نفسها في حكايات أمهاتها، تعمل سويف على إضفاء طابع درامي على الشدة المؤثرة والمتعة الخاصة وكلاهما تقدمة من الرومانس، وذلك فقط لتفسير وتوضيح كيف أن هذا التأثير يوفر الرافعة اللازمة لتجديد الفعل التراكمي (*الجماعي).

***

....................

– الترجمة عن كتاب “إعادة التفكير بأنواع الرومانس: تقارب الثقافات الأدبية الدولية المعاصرة. منشورات بيلغراف ماكميلان. 2013. ص 66 - 70.

* إميلي س. دافيز Emily S. Davis كاتبة أمريكية. تعمل بمرتبة أستاذ مساعد في جامعة ديلوير. مهتمة بشؤون الرواية في جنوب إفريقيا وتأثير المجتمع والجندر على أساليب الكتابة.

 

 

عدنان حسين احمدقصائد مُكثّفة تضعُ المتلقّي أمامَ فِخاخ المعنى، وبلاغة التعبير

تشكِّل تجربة الشاعرة المغربية فاتحة مرشيد علامة فارقة في المَشهد الشعري العربي الذي تنتمي إليه، وتفترق عنه في الوقت ذاته، فهي لا تكتب الشعر العمودي الذي يقتضي الالتزام بالوزن والقافية، ولا تميل إلى كتابة "شعر التفعيلة" وإنما تجد نفسها في الأنماط الشعرية المتحررة من القيود والاشتراطات الشكلية التي تحدّ من حرية الشاعرة التي تريد أن تكتب نصًا مختلفًا لا يشبه النصوص الشعرية السائدة والمألوفة التي رضخت لآلية التدجين وفقدت القدرة على الإثارة والإدهاش. ومَنْ يتصفح مختاراتها الشعرية الجديدة التي حملت عنوان "حميميّة الغيم" الصادرة عن المركز الثقافي للكتاب في الدار البيضاء سيجد فيها هذا النزوع إلى المغايرة سواء في المعاني أو المباني التي اجترحتها على مدى تسع مجموعات شعرية بدءًا بـ "إيماءات" عام 2002 وانتهاءً بـ "حميمية الغيم" 2020  التي قام بترجمتها إلى الإنكَليزية الأستاذ نورالدين زويتني، وهي بالأساس مختارات شعرية انتقتها مرشيد من مجموعاتها الثماني التي أنجزتْها على مدى عشرين عامًا، لذلك فإن الحديث عن هذه المختارات يعني بالضرورة الحديث عن التجربة الشعرية للشاعرة فاتحة مرشيد التي سبق لها أن فازت بجائزة الشعر في المغرب عام 2011، وهذا اعتراف صريح بمنزلتها الشعرية، وأهمية ما تكتبه من قصائد آسرة تخلب الألباب لأنها "من نسيج وحدها" وليست صورة مُستنسخة عن شعراء آخرين. ما أريد قوله أو تحديده بدقة هو أنّ هذه الشاعرة لها صوت خاص، وبصمة باتت معروفة لمن يقرأ قصائدها ويتأملها جيدًا لأن نصوصها الشعرية لا تمنح نفسها دفعة واحدة ولا تكشف عن كنزها المدفون سريعًا، ولعل بعضًا من صورها الشعرية تتمنّع كثيرًا قبل أن تنضو عن جسدها المفاتن اللغوية التي تتمترس خلفها لتضع المتلقي أمام فخاخ المعنى، وبلاغة التعبير، واختبار نبضات القلب وهو يتلقى هذه الجرعات الشعرية التي تنقله بسرعة البرق من الواقع الأسيان إلى تجليات الحلم.

صاحبة الأصوات الثلاثة

تروي فاتحة مرشيد قصائدها بثلاثة أصوات، فهي لا تجد غضاضة في صوت الرجل حينما تستعيره صراحة من دون أن تتقنّع به أو تختبئ وراءه. كما أنها تستعمل صوتها الخاص، ونعني به صوت الأنثى الذي يكون غالبًا رقيقًا، وشاعريًا، وحسّاسًا. أمّا الصوت الثالث فهو الصوت المحايد الذي يجمع بين الأنوثة والذكورة ويعبّر عنهما دونما خجل أو وجل.

تتألف المختارات من ثماني قصائد وهي: "ورق عاشق"،"أي سوادٍ تُخفي يا قوس قزح؟"، "أنزعُ عني الخطى"، "فينيسيا الغياب"، "لا موعد لموت أكيد"، "، "هلوسات الماء"، "يوميات الحزن بجدة" و "رشفات". تتضمن "ورق عاشق" 37 قصيدة تتراوح قصيرة تتراوح أطوالها من 6  أبيات إلى 22 بيتًا، وترصد كل واحدة منهما حالة شعورية معينة حيث تلج الأولى إلى مدار الهزيمة العاطفية المُحببة طالما أنّ رحاها تدور في ثغر الحبيبة، والثانية تعبّر عن الاستسلام، والموت البطئ، والانزواء في شرنقة النسيان.

لو تأملنا القصيدة العاشرة في "ورق عاشق" لوجدناها تتمحور على ثنائية العاشق والمعشوق التي كتبتها الشاعرة بضمير المُخاطَب، وبصوت الراوي المذكّر وهي تصف الحدث بعد انتهاء اللقاء العاطفي حيث تقول في المقطع الأول من القصيدة:

"ذهبتِ. . ./ واحتلَّ عطركِ المكان / كيف أهربُ منه؟ / وملء أنفاسي / أنفاسك".

قد يتخيّل القارئ بأنّ المكانَ مفتوحٌ كأن يكون حديقة أو متنزهًا عامًا يحتضن العشّاق والمحبّين لكن المقطع الثاني من القصيدة ينسف هذه التوقعات، فثمة ما يشير إلى فضاء منزلي حميم يحتفي بالحضور الباذخ للمرأة العاشقة وما خلّفته من رائحة زكيّة ورعشات يستشعرها المتلقي الذي يقرأ النص الشعري أو يسمعه. دعونا نقتبس المقطع الثاني حتى تكتمل الصورة الوجدانية التي رسمتها الشاعرة بحذاقة شعرية مُبهرة حين تقول بصوت العاشق:

"ذهبتِ . . ./ يسألني عنكِ / دفءُ الأريكة / ظل الشمعدان / وفنجان قهوة . . . ثمل / يُناجي شفتيك".

2476 فاتحة مرشيد 1

الهايكو الياباني بمَسحة عربية

تكتب فاتحة مرشيد بعض قصائدها بتقنية الهايكو والتانكا اليابانيين لكنها تُضفي عليها مسحة عربية وترصّعها بلغةٍ بليغة لا تخشى من التعابير والصياغات الفلسفية الجسورة. وكما هو معروف للمشتغلين في حقل الأدب بأنّ الهايكو والتانكا والهايبون هي أنماط شعرية تعتمد على البساطة والتقشف اللغوي لكنّ شاعرتنا مرشيد تتجاوز هذه السهولة التعبيرية وتقترب كثيرًا من "الومضة" أو "القصيدة التنويرية" التي تعْلق بذاكرة المتلقي لوقت طويل.

دغدغة مُخيّلة القارئ

يضم "أي سواد تُخفي يا قوس قزح؟" 47 قصيدة قصيرة جدًا تعتمد غالبيتها على تقنية "الضربة الشعرية" التي توخز أذن السامع وتفتح أمامه أفقًا جديدًا لم يعهدهُ من قبل. لنقرأ الومضة الرابعة التي تقول فيها الشاعرة:

"يُعيد صياغةَ / أسئلةٍ قديمة / بفرشاةٍ جديدة / لا تَعنيها الأجوبة".

لا يكتمل بعض هذه القصائد الوامضة من دون الإتكاء على الشجاعة والجرأة الحسيّة بمختلف مستوياتها، وهذه ليست استجارة بمفاتن الجسد لدغدغة مخيّلة القارئ، واستنفار رغباته الجسدية، فالجسد شقيق الروح حتى وإن كان سجنًا لها في كثير من الأحيان. لنتأمل هذه الومضة المكثّفة التي تُعد صورة مؤسية للاشتعال الأبدي حينما تقول:

"تحترقُ شفتاي / كلّما ضمَّ سيجارة / لشفتيه".

ثمة صور شعرية مركّزة تحتفي ببياض الجسد وتموجاته من دون أن تخلّ بالآداب العامة لكنها لا تضحيّ بفنية النص الشعري بحجة الالتزام بالتقاليد والأعراف الاجتماعية.

لا تبتعد قصيدة "أنزع عني الخُطى" عن مضمون العنوان لكنها تتفرّع إلى الوقت والرحيل على متن السفن المُبحرة التي تحمل في جوفها أعدادًا كبيرة من المغامرين الذين لا يرومون العودة. دعونا نتأمل النص الخامس من قصيدة "الخُطى" لنُمسك بهاجس الشاعرة وهي تذهب في مغامرتها الروحية إلى أقصاها حينما تقول:

"لن أكونَ سمكة حمراء / تلتف حول نفسها / في قليلِ مائك / لي قرابةٌ بالأزرق / وشغفٌ بالسفن / التي لا تعود".

يتكرر الليل غير مرة في قصائد "الخُطى" مثلما يتكرر الحوار بين العاشقة والمعشوق اللذَين يتناوبان على إثارة الأسئلة التي تنبثق من الأعماق في محاولة معقدة للإمساك بمعنى الوجود الذي يتسرّب من بين أيدينا كالرمال.

تقنية الهايكو التي تحدثنا عنها قبل قليل تتكرر في قصائد "فينيسيا الغياب" الست ولكن ثمة قصيدة جميلة شكلاً ومضمونًا لابد أن نضعها أمام أعين القرّاء كي تظل وامضة مُشعة في مخيلتهم حيث تقول الشاعرة:

"امرأة من زجاج / لو تنفخُ فيّ / من لهيب أنفاسك / أتشكّلُ مزهرية".

الأجواء المنزلية الحميمة

2476 فاتحة مرشيد 2ليس بالضرورة أن تتناغم أجواء وفضاءات القصائد في المجموعة الشعرية لأنها "مختارات" من عدة دواوين فلا غرابة أن تنطوي على موضوعات متضادة، وثيمات مختلفة. فقصيدة "لا موعد لموت أكيد" تتمحور على الشك، والضياع، والتيه لكن ذلك لا يمنعها من كتابة نصوص شعرية ترصد حميمية الأجواء المنزلية الدافئة التي تتمثل بـ "قط يلاعب كُبّة صوف" أو الاندساس في "ظل المرايا" وما إلى ذلك من صور شعرية تشعُّ كالجمر في موقد شتوي.

تستحق "هلوسات الماء" لوحدها دراسة منفردة لما تنطوي عليه من ثيمات تتمحور على الألوان والحواس، والصوت والصمت، والاتصال والانفصال وما سواها من موضوعات شعرية مثيرة وجذّابة. وأكثر من ذلك فهي تركز على التيه والبوصلة، والقارب والإعصار، ولا تنسى أن تتعالقَ مع سمكة همنغواي، فهي بالأساس سمكة وعواطفها "هلوسات ماء".

لابدّ من التأكيد على الجوانب الحسيّة المهذّبة لغالبية القصائد الجريئة التي تكتبها فاتحة مرشيد، وقد ضمّت "هلوسات الماء" باقة من هذه القصائد المتألقة التي تتوهج بين غلافيّ هذه المختارات الشعرية التي تضع القرّاء الكرام في قلب التجربة العاطفية من دون أن تغفل ثنائية الوجود والعدم أو الولوج إلى غابة الأسئلة الفلسفية التي تؤرقنا جميعًا. تقول الشاعرة في واحدة من الومضات الأربعين ما يسلّط الضوء على اللحظة الحسيّة:

"صَمتي / نهدُ الكلامِ ينتصبُ / كلَّما سَرى همسكَ / في الشِّريان".

أشرنا في مقدمة المقال إلى الصوت المحايد الذي تتشبث به الشاعرة في بعض المواقف والأحوال وقد آنَ الأوان لأن نسلّط الضوء على واحدة من هذه القصائد التي ترصد حالة الحياد وتمجّدها حيث تقول:

"كلّما انشقّت أصدافُ الأنوثة / انتصبَ صوت الذكورة في الحشا / ولا أهتمُّ / من أيِّ الجنسين أنا".

تنهمك فاتحة مرشيد بفكرة التماهي التي يمكن أن نختصرها بذوبان روح العاشق بالمعشوق والعكس صحيح أيضًا ولكنها تجنح في بعض الأحيان إلى خلق صور مركّبة تتداخل بها الأوجه في لعبة الاتصال والانفصال. لنتأمل هذه القصيدة التي تقول فيها:

"نتصلُ عميقًا / إذ ننفصلُ / وفي المرآة / يرتدي وجهي / ملامح وجهكَ".

ثمة قصائد محبوكة، ومُغلقة تمامًا إلى الدرجة التي لا يمكن أن تحذف منها كلمة أو تُضيف إليها حرفًا. فهي مكتفية بمعناها ومبناها ويمكن أن نشير إلى هذا في المقطع 30 من "هلوسات الماء" الذي تقول فيه:

"هذا الليلُ لي / وهذه النجوم لكَ / ولا من نجمةٍ تسطعُ / خارج ليلي".

تحدّي المحرّمات

تشتمل "يوميات الحزن بجدة" على عشرين قصيدة لها خصوصيةمكانية رغم ابتعادها عن المناطق المقدسة في المملكة العربية السعودية لكن منظومة القيم الأخلاقية والاجتماعية تظل واحدة فلا غرابة أن نتلمّس هيمنة الرجل وتسيّده على المرأة في كل مكان من جزيرة العرب. تتناول مرشيد بعض المحرّمات فلا يجوز أن تمشي المرأة حاسرة الرأس، ولا تسافر من دون محْرم (قبل 1 آب / أغسطس 2019) أو موافقة وليّ الأمر وما إلى ذلك. وأولى يوميات جدة العشرين تتحدى الشاعرة هذه التحريمات لأنها تريد لرأسها أن يظل عاليًا، عاريًا، مرفوعًا، وأن تفرد روحها للريح حيث تقول:

"على ضفّة البحر الأحمر / يكنسُ ذيل عباءتي السّوداء / بقايا عاصفة رملية / وترفضُ الطّرحة أن تستوي على جبين أردْتَهُ / عاليًا، عاريًا كشمسِ الظّهيرة / يقول أحدُ المارة: / "غطّي شعرَك يا حُرْمَه" / قلتُ:  / لقد دفنتُ غطائي عندكم / وأفردتُ الرّوحَ / للرّيح".

في القصيدة الثانية يسأل الجمركي السؤال نفسه ولكن بصيغة استفاهمية أخرى مفادها:

"مَنْ سيستلمكِ يا حُرْمَه؟ / قلتُ لنفسي: / ما استلمتني يومًا / غير نفسي".

وفي النص الثالث وعلى ضفّة البحر الأحمر أيضًا يقول لها أحد المارة:

"احتشمي يا حُرْمَه" / دع عنكَ ذنوبي / إنّي كفيلة بها / أتقاسمها بسخاء / مع منْ رضي الله عنهم".

تحتوي هذه الإضمامة على قصائد "سيريّة"تدوّن فيها الشاعرة فاتحة مرشيد جانبًا من السيرة الذاتية للوالد الذي "ماتت في عِشقه النساء" وخلّدتهُ في شِعرها وذاكرتها، وهو في نظرها ذلك الأب الذي لا يموت. ولعلهُ كان مَعينها اللغوي، والمنجم الذي يزوّدها بالصور الشعرية التي تأسر الألباب.

تضم "رشفات" سبع قصائد تزدان بلغة مشذّبة نختار منها قصيدة "كي تحيا" لنلمس حجم التضحية التي تقدّمها هذه الشاعرة المتفانية التي لا تتورع عن الجود بالنفس وهو "أقصى غاية الجود". تقول الشاعرة في هذا النص الصريح:

"كما الموجُ  / ينفثُ / أنفاسه الأخيرة / على الرّمل / الذي لا يرتوي / أموتُ مرّاتٍ  / لكي تحيا".

كلمات مُعجمية

لابد من الإشارة إلى أهمية اللغة في هذه المختارات الشعرية فهي سلسة، متناغمة، ومنسابة وفيها من عذوبة الفصاحة الشيء الكثير ولعل القليل النادر منها يحتاج إلى مراجعة معجمية وسنكتفي بذكر ثلاثة أمثلة لتأكيد ما نذهب إليه. تقول الشاعرة في القصيدة 12 من (ورق عاشق) "أتوجّرُ قهوتي بين سطور جريدة . ." وهي تعني أرتشفها كارهًة وقد أحسن زويتني حينما ترجمها إلى الإنكَليزية I bitterly sip my coffee . تستعمل فاتحة مرشيد في القصيدة التاسعة من "أنزعُ عني الخُطى" الصورة الشعرية الآتية التي تقول فيها: "وعواصف تَسْحُو أحلامَ الملاّحين" ومعنى السَحو هو الجرف والتقشير. لا تتورع مرشيد عن استعمال المحكية أو الكلمات الإنكَليزية التي دخلت إلى اللغة العربية مثل الفعل "أمسِّجُ" الذي أخذته من الفعل الإنكَليزي Massage مع أنّ هناك فعلاً موازيًا لهذه الكلمة العربية وهو "يدلّك" إضافة إلى الأفعال المقاربة "دعكَ، وعركَ، وفركَ" وكلها تؤدي الغرض نفسه وتستعيض عن الفعل "مسّج" وإن كان هذا الاشتقاق جميلاً ومقبولاً ولا تنفر منه الأذن العربية.

ضرورة الإمساك بالمعاني الحقيقية

لا تخلو أي ترجمة من بعض الهنوات والأخطاء، وترجمة الأستاذ نورالدين زويتني جيدة وتتوفر على روحيّة إنكَليزية وهذا أقصى ما يتمناه أي مترجم مُحترف لكنّ هذه الدقة، على ما يبدو، لا تُنقذ المُترجم من اقتراف بعض الأخطاء الناجمة عن سوء الفهم وعدم الإمساك بالمعاني الحقيقية لبعض الكلمات رغم أنها بسيطة. ففي القصيدة 36 من "هلوسات الماء" تقول الشاعرة: "أنْمَحي كالصمغ في قعر مائك" وقد ترجم زويتني كلمة الصمغ بـ Sumac التي تعني "السُمّاق" بينما تعني الصمغ بالإنكَليزية Glue, Gum, Adhesive وما إلى ذلك من كلمات موازية. تتردد كلمة السفينة Ship أكثر من مرة في قصائد الشاعرة فاتحة مرشيد لكن زويتني يترجمها Boat التي تعني قارب وهو أصغر من السفينة بكثير. وفي السياق ذاته يترجم زويتني كلمة البوصلة بـ Astrolabe التي تعني الإسطرلاب بينما كلمة Compass هي الأقرب إلى المعنى من الكلمة الكلاسيّة القديمة إسطرلاب. كما يترجم كلمة غجرية Gypsy بـ Bohemian التي تعني بوهيميّة وثمة فرق واضح بين الكلمتين.

وفي الختام لابد من الإشارة إلى أنّ هذه المختارات تُعدّ إضافة حقيقية إلى قرّاء اللغتين العربية والإنكَليزية خصوصًا وأنّ الشاعرة المبدعة فاتحة مرشيد تتلقّى الدعوات من مختلف بلدان العالم وهم بحاجة ماسة لأن يقرأوا منجزها الشعري بلغات عالمية حيّة مثل الإنكَليزيّة والفرنسيّة والإسبانيّة والألمانيّة والروسيّة وقد تُرجمت بعض مجموعاتها إلى هذه اللغات وبات منجزها الشعري متاحًا أمام القارئ العالمي.

 

عدنان حسين أحمد

 

 

حيدر عبدالرضاعزاء رؤية الذات ويقظة حلم الذات الناظرة

توطئة: من الأهمية أن ندرك أن بناء الرؤية الشعرية في تمظهرات دوال القصيدة، محمولا مزدوجا في تراكيب قضوية من مقابلات قول الذات إلى جانب حيثيات منظور الموضوعة الدلالية في النص . عندما نقرأ تجربة قصائد مجموعة (ببطء مثل برق) للشاعر حسن عاتي الطائي، توافينا تلك المساحة التفارقية في ثريا العنونة المركزية . إذ إننا نعاين وجه الاختلاف في مكونات الصفة الدالة للبرق، وما يترتب على هذا الدال من حالة خاطفة من سرعة الخطف في صدر الغيوم الملبدة، ولكننا عندما نطالع دوال النص المعنون بهذا الوسم، نلاحظ بأن للشاعر حسن عاتي الطائي ثمة محمولات خاصة في الرؤية الإيحائية تدعمها إرهاصات تهكمية من موقفية الموضوعة الشعرية في قصائد المجموعة .

ـ خصوصية الذات وخاصية التفاوض مع الذات .

من الجميل أن نعرف أن تجربة قصائد المجموعة تواظب معطيات تحولاتها في نطاق كفاءة خاصة من فاعلية (الذات المتساءلة) بقصدا ما من تشكيلات التعارض والتوافق بين الخارج والداخل، لذا نجد كيفيات انشطار الذات عن محيطها، كإضافة تكميلية إلى تفاصيل وقائعها الاحوالية الممكنة:

أنا أجيد التحدي

علاقتي به وطيدة

التحدي يلازمني

وأملك تأريخا حافلا بشأن ذلك

فحين جردتني الغيوم

من امطاري

كنت إلى جانب النهر

أشجعه

على

الأبتسام . / ص15 قصيدة : انتصار

وتستغرق استبصارات المعنى الشعري في منازعة ظواهر الأشياء، كحالة توفيقة بين شكل الموضوعة وطبيعة الذات المكتملة وما تتعارض عليه وفيه وقائع الخارج النصي، فجملة (أنا أجيد التحدي) توفر إلى المتن الدوالي في النص، مستلزمات بقاء الذات في منظورها التصوري ضمن جملة استبيانية أحوالية خاصة، من شأنها النظر إلى عوائق العموم الخارجي، كوسيلة تختبر ذاتها في نضوج محصلات دليل (الانتصار) فيما توفر جملة (التحدي يلا زمني) الكشف عن واقع الذات الشعرية وأغراضها التأثيرية في مسار فاعلية تجربة التحدي، كواصلة دائبة بالمرموز الأبعادي المسخر في صفات الذات المركزة في اعتباراتها العلائقية : (فحين جردتني الغيوم .. من أمطاري .. كنت إلى جانب النهر .. أشجعه .. على .. الابتسام) وهكذا الأمر يواليك، بحجة المشاطرة في ممارسة طابع التحدي، فعندما أصبح مجال المطر محجوبا من قبل الذات، بفعل اختلافي معادل من دال (الغيوم)ما جعل للذات سوى مراهنة الغيوم على علاقتها المتمرسة بجدول النهر، وهذه المقاطع من النص، تطوي بدورها مجالات خطيرة من واقع حقيقة صراع الذات مع دلالة الخارج (السياسي / الحكومي / الرقيب) مما جعل الأسطر اللاحقة من النص تباشرنا بهذه المقاطع:

وحين كان الظلام

يحوم فوق رأسي

أبرمت اتفاقا للأصطفاف

مع الأزهار

و يوم قررت الطيور

أن تتخذ لها وطنا جديدا

كانت جذوري تتمسك بكبريائها . / ص16

القيمة الشعرية هنا تكمن في صياغة العلاقة المبدئية مع نوازع الذات، لذا فهي بحد ذاتها تشكل مرحلة عصية في عنفوانها الموقفي والتعقبي، مما جعل صورتها القصوى من الأشياء الجديدة (وطنا جديدا) كحالة غير مستجيبة، لأن أبعاد سيكولوجيتها تتعارض مع لسانية هذه الأوطان الدخيلة . كذلك نتعرف في قصيدة (النهر صديقي القديم) على صورية ـ حسية لا تخلو من تمسك الذات بوعدها القاهري وشرطها الحضوري مع أصعب المسميات، حتى وأن تطلب الأمر أن تتحول إلى رقعة استعارية عصية على السير نحو مجهولية مدينة النجاة:

الطيور تعرف ماذا تفعل

و كذلك الأنهار

أما الضباب فلا خيار أمامه

سوى أن يكون غامضا . / ص17

أن مقاطع شعرية الطائي هنا، تبرهن في ملفوظها على صحة فكرته المتمسكة باعتباراتها الدالة، إذ أننا نستنتج من وراء رسومية جمل (الضباب فلا خيار أمامه .. سوى أن يكون غامضا) بأن الذات الشعرية تكرر رؤيتها ضمن حالات واحدة من الصوغ المتفرق، وكأنها تسعى إلى اعتماد لغة انتقادية ـ أمثولية موجه إلى قناعات خلقتها مرحلة ممجوجة، فيما أصبح البحث في حالات النص، أشد تعقيدا رغم مرونة اللغة وسلاسة دائرتها الدلالية، إذ أن الشاعر الطائي أخذ يحمل قصيدته مرموزات ذات دلالات مترابطة عن حافزيات موضوعية متحولة في خلاصاتها الظاهرة والباطنة :

و الآن

الأضداد

تتجاذب

ولا شيء يمنعها من التماهي

فإن الريح لن تغير سلوكها

و تأوي إلى

بيتها

مبكرا . / ص17

و يحقق الحس الانتفاضي في مخزون الذات الصامدة ـ المنتصرة، من خلال محاور: (الضباب ـ التخلي ـ الاختيار ـ الريح ـ ببطء مثل برق ـ تغير سلوكها ـ ما يمكن إخفاؤه بالضجيج) وهذه الدوال لو دققنا في ملامحها المضمرة، لوجدنا ثمة كيانية حاشدة من الأسئلة والنفور والاحتجاج والبركان المرهون برمزية الإضمار الشعري الدال في اختياراته وتواصلاته وإضاءاته القيمية . وانطلاقا من قصيدة (أسئلة) وقصيدة (حراس شخصيون)و قصيدة (نحلق ذقن أحزاننا) وقصيدة (نسيان) وقصيدة (وحدي مثل غيمة) وقصيدة (الهزيع الأخير) تتشكل أمامنا موضوعة شعرية ذات هوية مضمرة، ولكنها هوية تحيا داخل الحب والحرب والذات المستشعرة في حكايا شعرية، تحفزها ظلمانية التوقع وتدفعها خصوصية الذات المرهونة بتفتيت صوت يسعى إلى دحرها عن مجال محمولات رؤيتها الذاتية المشبعة بأرهاصات إحالة موضوع بلاغاتها الى محض تتابعية هامشية:

في الهزيم الأخير

من حياتي

قررت أن أكف

عن التلويح بأحلامي

و إيقاف حركة أحتجاجي

و ترك نفسي تقرر

مصيرها بنفسها

و السماح لها بأن تسترخي

و تغمض

عينيها

قليلا . / ص19 قصيدة : الهزيم الأخير

تنفتح الدائرة (الاسترخائية) من دلالة قول الذات الشاعرة، التفافا حول مشهدية ساكنة من قرار النفس على هيئة مراجعة الأسباب المتاحة في أحياز مأزومية الأسئلة الواردة من قبل مواجهة لذاتها وإلى مؤشرات الواقع الخارجي المتمركز في بؤرة (عبث الرقيب) لذا وجدنا حالات النفس في نموذجها المثال، تتوسع في مديات مراجعاتها القاهرة في إحصاء شوائب ومثالب واقعها الخارجي المصفد بعثرات الأقنعة والمسميات المسطحة، قد يكون لها حنين الاسترخاء الشعري قليلا، أو أنها تختزل أسئلتها في خصائص متفردة وحدية لمقارعة ذلك الآخر، لذا فإن جملة (في الهزيم الأخير) ما هي إلا علامة استفهامية إلى قيامة أكثر استظهارا برقيتها الخاطفة، بيد أن جملة العتبة العنوانية (ببطء مثل برق) قد تكون الصورة المختزلة لفرحة الاحتفاظ الذاتي للثورة الشعرية بنهضتها المأتية حسما . وعلى هذا النحو نعاين بأن مرآة الذات قررت عن الاكتفاء بالحلم وحده (عن التلويح بأحلامي) وصولا إلى (السماح لها بأن تسترخي) اقترانا لها ب (حركة احتجاجي = ببطء مثل البرق) وعلى هذا النحو تتكشف لنا أذونات المكون الشعري في مجموعة قصائد الشاعر ـ استفهاما وتنقيطا وبياضا ـ الى جانب حضور فاعلية أفعال الذات الشعرية بمنظور التشاكل والتفاوض مع موقفها من (ببطء مثل برق) ومصالحات أحلامها المتبقية في دلالات وحدات:

فليس أمامي سوى

التفاهم مع اللحظة

الأخيرة

من

الشك . / ص93

ـ تعليق القراءة:

أن الدائرة الاستفهامية في محرضات الذات الشعرية أخذت تستدرج احتمالاتها الظنية بروح الاستظهار بوضوحية متلبس بلبوس الشكوكية والريبة والظنية من واصلية ذلك الآخر المتمثل بمحاور (الغيوم / الريح / أحتجازي / شروخ / الأنقاض / الظلام / الغبار / لاوطن) فجملة هذه الدوال الزاحفة في متن وعلامات التمثل والتشكل الشعري في النصوص، كان مبعثها التصوير الحسي المخالف بروح المعادل الرموز والمغزى المقطوع والمحتمل المفجوع، فالشاعر يلخص لنا استجاباته المؤولة ضمن ماثلات افتراضية في الشكل والمقاربة والمقترح والفاعل في منطقة التوزع الحلمي، لذا وجدنا مجموع قصائد المجموعة، وكأنها مؤلفة على نحو موجهات دالة وغير دالة، متعددة وأحادية، منوعة ومنفردة، وقد تبدو لنا حينا كثورة حاسمة وحينا كمحض سطور في قصيدة واعدة . إذ تتنازع في اشتغالات النصوص اللغة الشعرية التي لا يتحصل من خلالها الموقف السياقي الدلالي الثابت، ولا حتى خضوبة المستوى الشعري المؤثر، ولكنها من ناحية هامة تبقى كنوازع لمحمولات ذاتية تسعى في ذاتها إلى بث لواعجها المبطنة على هيئة إرهاصات ذاتية منفعلة ضمن إحالات متعينة من الملفوظ الجاد في رسومية ظنية من سببية الأغراض القولية المراد حقا قولها في مضمر حقيقة هوية النص الشعري . في الحقيقة أن وظائف مجموعة قصائد (ببطء مثل برق) للصديق العزيز حسن عاتي الطائي، ما هي في النتيجة القصوى، سوى صور شعرية مأزومة بسرد مواقع الذات من الأخر الكلي أو الجزئي، إذ يرتد الراوي الشعري في التواصل الحقيقي مع روح ودلالة الموصوف في قصائده، مما جعلها تبدو كتساؤلات بياضية أو أنها صرخة ذاتية محبوسة في موقع حيادها المنعزل عن استنطاق حقيقة جوهر الأشياء بلغة تستقطب التدليل في الأشياء من غير الحاجة إلى إثارة غبار إنقاض الحروف من جهة ما وتعطيل جسد الحلم الشعري المؤثر والأثير . أن مشكلة الشاعر العزيز مع قصيدة مجموعته، عدم تفعيلها بصورة استنطاقية حية، فقط أنه قام بأرسال برقيات محفوفة بلغة عزاء الذات ويقظة حلم الذات الناظرة .

 

حيدر عبد الرضا

 

 

محمود محمد عليما زلت أومن بل ربما أكثر من أي وقت مضي بأن "دانتي" يعد أعظم شاعر إيطالي، اشتُهر بـ"الكوميديا الإلهية"، وهى قصيدة ملحمية تُعد واحدًا من أهم الأعمال الأدبية في العالم، ظلت علامة بارزة في الأدب الإيطالي، وصُنفت من بين أعظم الأعمال الأدبية الأوروبية فى العصور الوسطى، إذ قدمت رؤية مسيحية عميقة لمصير البشرية الأبدي، وقد اعتمدت على تجربة "دانتي" الخاصة فى المنفى من مدينته فلورنسا، وتسرد رحلته الخيالية إلى الإله، وتتكون من ثلاثة أقسام، حيث يزور "الجحيم" و"المطهر" و"الجنة". ويمكن قراءة الملحمة على شكل رمزي، حيث تأخذ شكل رحلة عبر الجحيم والمطهر والجنة، تحلل المشاكل المعاصرة لتُظهر كيفية تحقيق الخلاص.

وإذا نظرنا إلي "جحيم دانتي" فنجد أنه لا يزال معدودًا أكبر قصة ذات حوادث رائعة في الدنيا، ولكن قليلًا من الناس قد قرأه رغم ذلك، ولئن كان كثير من شعره صعب الفهم غير محبَّب إلى القارئ العصري أن يستمر في قراءته، ويشارك "دانتي" في رحلته الطويلة حيث جاس خلال الجحيم، فهو — مع ذلك — خيال رائع التورية والكناية، لا يتخلَّف إذا قيس خياله القوي إلى خيال شكسبير وملتن الذي اشتهرا به في أشعارهما. وظاهر الكوميديا الإلهية وصف للجنة والنار والمطهر، وباطنها تصور حال الأرواح بعد الموت، مورِّيةً بذلك، ومكنِّيةً عن حاجة الإنسان إلى قبس روحاني ومرشد يكون له هاديًا. ولقد رسم لنا «دانتي» جحيمه على صورة هاوية عميقة هائلة تشبه مخروطًا مقلوبًا يلتقي بالأرض في منتصفها، ثم ينقسم في جانبيه عدة أقسام — طبقات بعضها فوق بعض — تضيق سعةً بالطبع كلما هبط الإنسان من درك إلى درك، وكلما ازدادت شناعة الجرم سفل مكان الخاطئ فيها!

وعلى الرغم من صعوبة فصل الخيال عن الواقع لرسم سيرة دانتي، إلا أنه من المؤكد بأن منظوره الفلسفي ومطامحه الشعرية تَشكّلا ضمن سياق نشأته في فلورنسا أواخر القرن الثالث عشر. على سبيل المثال، كان لدانتي دورٌ شاغل في الحياة الثقافية والمدنيّة لفلورنسا: حيث خدم في الجيش، وشغل عدة مناصبَ سياسيّة بين العامين 1285 و1302، فتزوج وكوّن أسرة، ثمّ تذوّق حرارة المنفى من مدينته فلورنسا. وفي هذا السياق، ونأيًا عن يُسرْ حال عائلته، كانت لمساهمة دانتي في السياسة الفلورنسيّة دور رئيسي في نمو فكره الفلسفي وجسامة طموحاته الشعريّة.

وفي دراسة رائعة نشرها المؤرخ المصري المبدع الدكتور حسن عثمان بعنوان " أفريقيا في جحيم دانتي"، حيث أكد في هذه الدراسة أن دانتي كان رجلاً واسع الثقافة متعدد الجوانب، فتأثر بتراث القدماء وبتراث العصور الوسطي، وبآثار الأدب الإيطالي الوليد، وبثقافة الشرق والعرب وأفريقيا . وكتب دانتي "الكوميديا الإلهية" بأقسامها الثلاثة " الجحيم والمطهر والفردوس"، وأشادها علي معرفته وأصالته، واستمدها من الماضي والحاضر والمستقبل، من الذكريات والأماني، من التجارب والمحن والآلام، من العلم والفن، من النبات والحيوان والإنسان، من الآثام والخطايا والعواطف الرقيقة النبيلة، من فرائز الجسد والزهد والتبتل، من اليأس والإيمان والأمل، من الأرض والسماء، من الأنهار والبحار والصحاري والجبال والبلدان والأقطار والقارات.

و"الجحيم" كان الجزء الأول من قصيدته، تبدأ بأن يعتزم «دانتى» ارتقاء جبل أضاءت الشمس قمته، لكن اعترض طريقه 3 وحوش، ترمُز للخطايا التى تُحيِّد البشر عن الطريق الصحيح، فشعر برعب شديد، وقرر العودة، إلا أنه ظهر أمامه شبح شاعر اللاتين «فرجيليو»، عطف عليه وأزال مخاوفه، وذهبا فى اتجاه آخر ليصل إلى أعلى الجبل، وعندما زار الجحيم رأى نفوس الآثمين يلقون صنوف العذاب، وأدرك أصل الشقاء فى الدنيا، ثم زار المطهر وشهد فيه عذاب النفوس التائبة التى تأمل بلوغ الجنة بعد تطهرها، وبعد اجتيازه الجحيم والمطهر صعد إلى الجنة.

وفى "الجحيم" يقول: "فى منتصف طريق حياتنا وجدت نفسى فى غابة مظلمة، إذ ظللت سواء السبيل.. آه ما أصعب وصف هذه الغابة الموحشة الكثيفة القاسية التى تجدد ذكراها لى الخوف.. إنها شديدة المرارة حتى لا يكاد الموت يزيد عنها، ولكن لكى أتناول ما وجدت هناك من خير، سأتكلم عن أشياء أخرى رأيتها فيها"، ويضيف: «هنا الطريق إلى مدينة العذاب، هنا الطريق إلى الألم الأبدى، هنا الطريق إلى القوم الهالكين". فى ملحمته، يتشابه الجحيم والمطهر عند "دانتى"، من حيث موضوعهما، الذى يتطرق إلى عذاب النفوس الآثمة، إلا أنه فى الجحيم وصف عذاب الخُطاة غير التائبين عذابًا أبديًا، أما فى المطهر فعذاب الخاطئين عذاب مؤقت.

واختتم "دانتى" ملحمته بـ"الفردوس" أو "الجنة"، وفيها، يجيب "دانتى" بأن الإيمان هو الأساس لكل ما يؤمل فيه من الأمور، والدليل على ما لا يُرى منها بالحواس، ويقول إن أسرار السماء خافية عن أهل الأرض، وينبغى أن يُتخذ القياس المنطقى بدون المزيد من الرؤية، وبذلك يتضمن الإيمان معنى البرهان.

وكانت أفريقيا كما يذكر حسن عثمان من العناصر التي استمد دانتي منها مادته، فأخذ منها طائفة من الصور والأساطير والشخصيات والحوادث والبلدان . ووضعها في موضع مختلف،وأحكم صياغتها حتي جاءت وحدة متماسكة متآلفة مع شتي الجزئيات العديدة التي تالف منها عالمه العظيم.

وسنعرض هنا في هذا المقال نماذج لما أورده دانتي عن أفريقيا في " الجحيم " من خلال دراسة حسن عثمان:

1- في الأنشودة الخامسة في الحلقة الثانية، حيث تبدأ " الجحيم " الحقيقية عند دانتي، بلغ هو وأستاذه فرجيليو المنطقة التي يعذب فيها أولئك الذين غلبوا العاطفة علي العقل في أثناء الحياة، وارتكبوا الخطيئة التي يعذب فيها أولئك الذين غلبوا العاطفة علي العقل في أصناء الحياة، وارتكبوا الخطيئة بسبب الحب، وينقسم هؤلاء قسمين الطائفة الأولي منهم جماعة الذين أمعنوا في حياة الهوي وشهوة الجسد . رأي دانتي أرواح هذه الجماعة تطير في عاصفة هوجاء،وتطلق صرخاتها كأنها الكراكي تنوح بصوتها الحزين في أثناء هجرتها من المناطق الباردة في أوربا إلي المناطق الدافئة في أفريقيا.

2- وفي الأنشودة الرابعة عشر في الحلقة السابعة، حيث يعذب أولئك الذين ارتكبوا العنف ضد الله وضد الطبيعة والفن، وذلك بممارستهم اللواط، وهم يعاقبون بأن تسقط عليهم من السماء شواظ من اللهب فوق رمال قاحلة جرداء، وصل دانتي وفرجيليو إلي سهل رملي قاحل أحاطته غابة المنتحرين . ووصف دانتي هذا السهل بأنه كان رملاً قاحلاًً كثيفاً لا تختلف طبيعته عن السهل الذي وطئه "كاتو" السياسي الروماني في رمال ليبيا المحرقة، حينما انضم إلي " بومبي" ضد "قيصر" وهرب بعد معركة "فارساليا" إلي أفريقيا في 48 ق.م.

3- وفي الأنشودة الرابعة والعشرين في الخندق السابع من الحلقة الثامنة، حيث يعذب اللصوص بين الزواحف القاتلة، رأي دانتي منها حشداً مخيفاً ما تزال ذكراه تجمد الدم في عروقه .وقال دانتي إنه لا يجوز لليبيا أن تفخر برمالها مزيداً، لأنه رأي هناك من الطواعين القاتلة ما ليس له في أراضها مثيل أبداً، ولا في إثيوبيا كلها، ولا في البلاد الواقعة علي البحر الأحمر، ويقصد بذلك ساحل بلاد العرب وساحل مصر.

4- وفي الأنشودة السادسة والعشرين في الخندق الثامن من الحلقة الثامنة، حيث يعذب أولئك الذين بدلوا خادع الرأي فأصابوا غيرهم بالكوارث، وتسير بهم شعلات من النار، رأي دانتي شعلة ذات لسانين من اللهب بعكس سائر الشعلات . وكانت هذه الشعلة تضم أوليسيس وديوميد اللذين قاما بأعمال الخداع لإحراز النصر في حرب طروادة . قال أوليسيس إن الروابط الأٍسرية والعواطف الإنسانية لم تغلب حماسته لكي يصبح خبيرا بالدنيا وبأحوال البشر، فركب متن البحر العميق المفتوح مع جماعة من رجاله الأمناء، وشهد في مسيره الشاطئ الأوربي حتي أسبانيا، ورأي الشاطئ الإفريقي حتي مراكش .

5- وفي الأنشودة السابعة والعشرين في ذات الخندق وذات الحلقة والتي هي استمرار للأنشودة السابقة، لقي دانتي "جويد ودا مونتفلتر " وزعيم الجبلين في أوربينو في القرن الثالث عشر الذي هزمته قوات البابا "مارتينو الرابع"، وامتاز بالخبث والرأي الخادع . قال "دا بونيفاتشو الثامن" عدو دانتي – قد أعلن الحرب علي آل كولونا، وكان جديرا به أن يحارب العرب واليهود أعداء المسيحية عنده وعند اهل العصر، لم يكن من أعدائه بعض المسيحيين الذين انضموا إلي المسلمين في الاستيلاء علي عكا في سنة 1291إلي 1341 . ولم يحفل البابا في عدائه للمسيحيين المخلصين بمركزه الرفيع ولا برداء الرهبنة الذي لبسه دا مونتفلتروا بعد توبته حينما سأله بونيفاتشو الرأي الخادع للتغلب علي أعدائه.

6- وفي الأنشودة الثامنة والعشرين في الخندق التاسع من الحلقة الثامنة، حيث يعذب مثيرو الشقاق ومروجو الفتن بقطع أعضائهم وتمزيق أوصالهم علي يد شيطان رنيم، رأي دانتي مشهدا رهيبا وأبدي قصوره عن وصف ما شهده من الدماء والجروح . وقال دانتي إنه إذا اجتمع كل من بكوا دماءهم فوق أرض أبوليا ضحية للطرواديين، وللحروب الطويلة التي تكدست فيها خواتم الذهب من أصابع القتلى، وإذا ظهر الجرحى أعضاءهم الممزقة، فلن يساوي هذا شيئاً بجانب ما رآه في الوادي التاسع الرهيب . ويقصد دانتي بالحرب الطويلة الحرب البونية بين روما وقرطاجنة والتي استمرت خلال القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد ويريد علي الأخص كعركة " كان".

7- وفي الأنشودة الثلاثين في الخندق العاشر من الحلقة الثامنة، حيث يعذب الأشخاص والكلام والنقود، رأي دانتي المعذبين وقد أصابتهم الأمراض ومن بينهم "أداموا دا بريشا" الذي زيف عملة فلورنسا الذهبية في النصف الثاني من القرن الثالث عشر. وسأله دانتي عن معذبين استلقيا علي الأرض متلاصقين وقد تصاعد منهما الدخان . فأجابوا أدامو أنهما ظلا هكذا دون حراك منذ أن هبط هو إلي هذه الهوية، وان أحدهما هي الزائفة التي اتهمت يوسف زورا وبهتانا بمحاولة اغتصابها عندما لم يستجب لإغوائها . والزائفة هي زوجة فوطيفار المصري في عهد الهكسوس في حوالي القرن الثامن عشر أو السابع عشر قبل الميلاد كما ورد في الأساطير القديمة.

هذه نماذج من الصور الإفريقية التي استمدها دانتي في " الجحيم" من أساطير أفريقيا وتاريخها وأهلها وعلمائها وأبطالها وقوداها وغزاتها، ومن بلادها وصحاريها وزواحفها وجبالها وشطآنها وبحارها ونيلها ومصرها .

ومزج دانتي في ذلك كله كما يقول حسن عثمان بين الأسطورة والتاريخ، وبين الخيال والواقع، وبين الشمال والجنوب، والشرق والغرب، وبين الطبيعة والإنسان ولم تبدأ واحده من صوره قلقة في موضعها أو متنافرة مع ما يحيط بها أو منفصلة عن السياق العام، بل جاءت كلها في ثنايا " الجحيم" ممتزجة متسقة مع سائر العناصر والجزئيات، ومتآلفة مع الأفكار والمعاني التي أقام دانتي عليها بناءه الشامخ . وهذه بعض مواهب دانتي . ومن غيره استطاع أن يأتي بمثل هذا الفن العظيم.

 

أ. د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

نور الدين حنيفتمهيد: نحدد وجهة تحليلنا البعيد كل البعد عن استيفاء كل مكونات الخطاب السردي في الرواية أعلاه. وسنكتفي بمساءلة مكون المكان وحده داخل إمكان تعالقاته مع باقي المكونات إخلاصا لنسغ البناء، ودرءاً لانزلاق نتائج التحليل في مطبات التأويل الجارف.

نعتبر (المكان) مقولة وجوديـة مرتبطة أساسا بالكائن، ومشتقة من فعل (الكينونة) التّام والمحيل في ذاته على معنـــى (وجد). كما نعتبر هذه المقولة صياغة غير مباشرة لفعل التحول، على الرغم مما يتعلق بمقولة المكان من تداعيات جامدة منظورا إليها داخل مفهوم الحيز الفيزيائي المادّي. وصفة التحول هذه تتأتّاهُ من التصاقه بمفهوم أكبر، هو الفضاء الروائي، ومن ثمّة، فهو يصطبغ بصبغته ويتلون بتلاوينه ويتحقق داخله، مُدرَكاً مرِناً متخيّلا، لا مدرَكاً ماديا جامدا.

و المكان في الرواية هو كل فضاء تخيّلي يصنعه الروائي كإطار يُجري فيه الأحداث الوقائع والمواقف، بحيث يتعذر تصور وقوع هذه الثلاثة خارج هذا الإطار المكاني الذي يمثل في الرواية ما تمثله الخشبة في المسرح، ويربو عن ذلك إلى تأطير رؤية البطل وكذا رؤية مؤلف الرواية، وتطويرها، باعتباره مكونا روائيا قادرا على حمل المنظورات المتعددة وبسطها مفككة أمام ناظريْ القارئ والمتلقي. إن المكان من هذا المنظور الروائي التحليلي لا يصبح مجرد إطار فيزيائي يحتضن الحدث وما شابه الحدث في تجلياته السردية مع القوى الفاعلة وغيرها من مكونات العمل الروائي، وإنما، وأيضاً، وأساساً، يصبح دليلاً أنطولوجياً على الرؤية إلى العالم، وهي رؤية تنهضُ في منظور السارد، على الرفض الظاهر لهذا العالم شرقاً وغرباً من جهة، والرغبة في تصحيح هذا العالم من جهة ثانية، على اعتبار أن المكان يورّط الذات في أتون المفارقة الوجودية التي تقوم على التقابل والتمايز والتناقض بين مجموعة من المقولات المتضادة (و لكن ما يعني على نحو ملموس رفض العالم؟ يُقدَّمُ هذا العالم إلى الوعي كفرض للخيار بين بين عدة إمكانيات متناقضة، تتنافى، ولا يعد مع ذلك أيّاً منها مع ذلك مشروعاً وكافيا. فالرفض الدنيوي للعالم، هو رفض الاختيار والاكتفاء بإحدى هذه الإمكانيات أو هذه المنظورات. إنه فعل الحكم بوضوح ودون تحفظ بنقصها وحدودها، ومعارضتها بفرض قيم حقيقية الكلية يصبح بالضرورة فرضا بوحدة الأضداد)*1

يتجاوز المكان الروائي ما يسكن تمثلاتنا البسيطة التي تختزله في شرنقة الحيز الذي نعرفه في معيشنا اليومي، ونصوغه خارج ذواتنا كمادة منفصلة. في حين أنه في العمل الروائي يمثلُ قيمةً متخيلة مشبعة بعناصر الجمالية، ومفعمة بالحركية الروائية القادرة على التأثير في عمليات السرد، في تعالقاتها الممكنة مع الذات، التي نستحضرها هنا مقابلة لمقولة الموضوع، حيث يظل الجدل قائما بينهما ومرتكزا على سيمياء التفاعل وتبادل كل إمكانات التجلي الفني المترجم لأشكال أخرى من الوجود ... من هنا إحساسنا المستمر بالمكان إحساسا جوانيا يستحيل معه تصور الذات خارج الموضوع، والمتخيل خارج الواقع.

إن قراءة عمل روائي ومقاربته في أبعاده المكانية هو في حد ذاته دخول أدبي مغامر، يستبيح عوالمه المتخيلة. وهي عوالم تستدعي كثيرا من التداعيات، أبرزها تأسيس علاقة جدلية بين مخيال الكاتب وبين الواقع الزئبقي الذي يغوينا فعل الكتابة بولوجه، لا من باب الانعكاسية المسطحة، ولكن من باب الكشف عن رؤية الكاتب للعالم.

و من ثمّة، فالعمل الروائي هو في صميمه لغة تمارس حضورها النوعي عبر مجموعة من الشفرات الخاصة والأكثر حميمية، تجعل المكان الروائي فضاء معلنا ومبنيا وموصوفا داخل المعنى الحامل لدينامية الحدث، ولتفاعلات القوى الفاعلة، ولتشعب عناصر التشكيل المتأزم للرواية في أبعادها الدرامية الآيلة إلى قدر الانسجام الخطابي (من الخِطاب لا من الخطابة). من هنا، فالمكان الروائي خاصة والفضاء الروائي عامة لم يحظ بحقه في (الدرس باعتباره عنصرا مكوّنا تأسيسيا للعمل الروائي في تعادل مع باقي المكونات الأخرى مثل الشخصية والعقدة والزمن، بحيث كان يتمّ استحضاره كامتداد فيزيائي فقط، يقوم بدور احتضان هذه المكونات)*2

تحليل:

1 - بين يدي الرواية:

في رواية (سماء صالحة للرقص) يلعب الفضاء المكاني ببعديه الرمزي والواقعي، دورا أساسيا في شدّ لحمة الخطاب السردي، لا باعتباره حيزا فيزيائيا لتمظهرات باقي المكونات السردية فحسب، وإنما وأساسا باعتباره قوّة فاعلة في هذا الخطاب، يشي بالتحوّل المبين في حساسيات القراءة النقدية للفعل الروائي الذي كان دائما يحتفظ للحدث وللزمان بنصيب الأسد في التناول القرائي. في حين أن قيمة المكان النسغية في النص الأدبي عامة وفي العمل الروائي خاصة قيمة أساسية لا محيد عنها البتّة. فالعمل الأدبي حين يفقد المكانية فهو يفقد خصوصيته وبالتالي أصالته كما عبّر عن ذلك غالب هلسا في مقدمته لكتاب جمالية المكان.

و دون تعطيل لفعل الزمن في هذه الرواية، نقول إن القوى الفاعلة تتطور تبعا لطبيعة الأمكنة لا في تجليها الواقعي المحض، وإنما في وجودها الفني الموسوم بقدرة المبدع (ناصر قواسمي) على تمثل المكان كنقطة بدء واقعية تمتزج بإحساس هذا المبدع بالجمال القمين بتحويل العمل الروائي من عملية تأريخ للحظة الحيوية إلى عمليات تخييل لهذه اللحظة، تخييلا ديناميا يدعونا فيه المبدع (ناصر قواسمي) إلى اقتناص حقيقة المكان في خصوصياته المتعددة عبر مداخل مختلفة أهمها مدخل الوعي الخلّاق الذي يشعل ثنائية الذات والموضوع وميضاً مفاجئاً سريع التدفق عبر مجموعة من التحولات الفضائية .

يعفينا المبدع من عناء التقطيع السردي والبحث عن محددات إجرائية لهذا التقطيع، لأنه يقدم لنا الرواية داخل أربعة وعشرين فصلا نستدعيها كالتالي وفق الترتيب الكرونولجي للسرد: (نافذة صغيرة – الهروب – عزلة طفيفة – شمس ليلية – سماء صالحة للرقص – حزن صغير – كطير في مدى – فكرة مغلقة – كي تكون أكثر – تفاصيل ناضجة – فراش خفيف – هي عزلة أخرى – على شرفة وحيدة – حين ترتبك المدن – لا تملك ثمن الحلم – شرطان وحزن – وعي بلا وعاء – لا سبب للصعود – حظ الغريب دخان – نرد بلا أرقام – كذلك تمنو الفكرة – لا تعتذر عن شيء – وحيداً في الفراغ – تعود بلا معناك) .

2455 ناصر قواسمي

2 - المتن الروائي:

في مسافات غير طويلة احتضن المبدع تفاعلات هذا العمل الروائي الموسوم ب (سماء صالحة للرقص) في مائةٍ وثلاثٍ وأربعين صفحة ضمّنها تصوره الفني والفكري لقضية من قضايا هذا الوجود المستشكل في ذواتنا الصغيرة، عبر متابعة رحلة (علي الدبس) مهاجرا من أرض الشام إلى أرض الغرب، وعبر رصد معاناته في دول العبور مثل تركيا واليونان قبل استقراره في إيطاليا وفي مدينة جنوة بالخصوص. في هذا المسار يلتقي علي بإيلينيا، وهي شابة إيطالية، ينعقد بينهما شغف الحب، ويتمكن ... ويحدث أن تُصاب إيلينيا بتهتك في عمودها الفقري إثر حادثة سير، أفقدها القدرة على الحركة. في هذا الظرف العصيب، يتقدم (علي) بكل شهامة ويساعدها في محنتها ثم يتزوجها. وفي الأخير تقرر إيلينيا وضع حد لحياتها عن طريق الموت الرحيم في أحد مستشفيات سويسرا بقرار فردي لا رجعة فيه، بعد أن تركت لعلي وصية مكتوبة، مرفوقة بشيك محترم، تنصحه فيها بالرجوع إلى أرضه ووطنه والبدء من جديد .

3 - آليات اشتغال المكان:

+ المقطع المركزي:

عنوان الرواية هو عنوان الفصل الخامس (سماء صالحة للرقص)، وهو تركيب لغوي يبتعد فيه المبدع ما أمكنه الابتعاد عن واقعية الصوغ وبساطة الرؤية ومرآتية التخييل، ليحمّله دور الكثافة في الكتابة الروائية المُسائلة لسيمياء الواقع \ الأرض، انطلاقا من فعل متعالٍ تمارسه السماء الراقصة، عبر آلية التنسيب التي تشي بأن مقولة (الصلاح) توحي بنقيضها (الفساد) وتستحث الوعي على استحضار الرقص وعدم الرقص في آن .

إن قيمة العنوان الموقعية (السماء) تشي بالتعارض الواضح مع الواقع، ومع الأرض، في توجّه سردي سيميائي يفضح الثنائية التالية: السماء ترقص في مقابل الأرض التي لا ترقص. من هنا استدعاؤنا لقراءة العنوان داخل هذا المربع السيميائي:

سماء --- أرض

رقص --- لا رقص

أو: سماء --- أرض

مكان --- لامكان

هكذا يتميز العنوان باستقلاليته الزئبقية كنص متعالق مع الخطاب السردي في هذه الرواية =، من حيث قدرته على الإضمار المفهوم من خلال لغة الانزياح، حيث يتم إسناد فعل الرقص الدنيوي المادي للسماء \ الدخان الميتافيزيقي، باعتبارها جوهرا في مقابل العرَض، الأرض ... إن فعل الرقص كما هو قابع في تمثلاتنا البسيطة فعل يستدعي جسدا راقصا بأرجل راقصة. من هنا ثنائية النسق المعلن (السماء) والمضمر (الذات) في شقّيْها الواصف والموصوف ... السارد والمسرود ... حيث تتبدى الذات راغبة في التعالي، بمفهومه الفلسفي، والسمو على سيمياء الواقع \ الحضيض، فاتحةً عواهن السرد للذات الأخرى الموصوفة كي تنتصر على الألم بقرار خرافي، في بعدين: الأول يتجلى في تماهي البطل مع قضية إيلينيا والتجرد في الإخلاص لها رغم ظرفية النقصان، والثاني يتجلى في تسامي إيلينيا على الجسد الموبوء واختيار الموت كلحظة خلاص أسطورية . من هنا عملية دمغ السرد بدمغة التعالي سيميائيا وبشكل مفتوح على كثير من إمكانات التخييل.

+ في البدء كانت النافذة:

وقد كانت النافذةُ مكانا جزئيا يختزل مكانا كلياً هو البيت. وكانت العلامة الفاصلة أو الواصلة بين الجزء والكل هي علامة الريح التي استحضرها السارد قوّةً فاعلة موصوفة بالوقاحة والصلف والبلادة (الرواية ص 03) غير معترفة بحدود المكان. ونعني بالحدود مقولة الأبواب التي تتلبّس بسيمياء الانغلاق والانفتاح، متجازوة بذلك حركيتها الآلية كوظيفة اجتماعية للولوج والخروج والستر ... إلى وظيفة دلالية رمزية تُهرِّب المعنى السردي إلى أقصى حدود التأويل، حيث تتحول الريح إلى (آخر) يهدد خصوصياتنا الحميمية، ومع ذلك نحتاجه ولا نطيق غيابه. ومن ثمّة يكون هذا التجلي المكاني معنىً سرديا ممهدا بذكاء لانفتاح الذات الشرقية \ البيت، على الغرب \ الريح ... قال السارد (من أجل هذا وذاك كله لا يجب أن نهمل النوافذ لأنها عيننا الوحيدة على الخارج المتاح – الرواية ص 04)

يمكن تأويل هذا المعطى السردي الواصف (إنها عيننا الوحيدة على الخارج المتاح) تأويلا رافضا لعمليات الشفط التي يمارسها البيت على الذات الراغبة في الانعتاق. قال ماكس بيكار، الفيلسوف السويسري (البيوت تشبه الأنابيب التي تشفط البشر في داخلها بواسطة تفريغ الهواء Les rues sont comme des tuyaux où sont aspirés les hommes) * 3

و السارد في (سماء صالحة للرقص) يبدو رافضا لهذه الحياة الأليفة المسترخية المنتظرة في سلبية واضحة قدر الشفط وقدر الاندماج البليد في دواليب الأمكنة الراكدة التي تعزل المرء، وتفقده شعوره بعواصف الكون الخارجية، أي تفقده شعوره بالحياة وبمعناها (لم يكن المقرر أن نفتح الباب على مصراعيه – الرواية ص 3)

+ رقصة الهروب:

يحتمي السارد بمجن الأسئلة المنبثقة من رغبة غير واضحة في التبرير عبر مساءلة مقولة الهروب التي توحي سلبا وإيجابا بمقولة المكان، إذ لا يتأتّى هذا الفعل في الهيولى. لابد له من فضاء يمكّنه من ممارسة الهرب. قال السارد (هذا الكائن الهلامي العبث إذا ما جازت التسمية ص 6)

والمكان هنا مستحضر في سياق غير مرغوب، وهو سياق يغذيه ويثريه فعل الهروب، ويجعله فضاء قابلا للتلاشي بحثا عن فضاءات بديلة. وفي هذا المنحنى السردي، يتم اعتبار الذات غير مالكة لقراراتها، ولا قوة لها أمام جبروت الموضوع. ويتجلى ذلك داخل شرطين: شرط المكان الذي أمسى خلفية ماضوية، وشرط الفعل (الهروب) الذي أصبح حلاً بديلاً (و نمضي... كأننا لا شيء – ص 6)

تصبح الذات المحكي عنها هنا ذاتا متشيئة شبيهة بالكائنات الغريزية، تتصرف وفق ناموس فوقي لا يستشيرها في إرادتها (نعم إنها الغريزة التي تقودنا للقفز – ص 6)، وكأن السارد هنا يريد تبرير فكرة الهروب وشرعنتها وتصديقها، على احتمال أن ينبري للذات من يعارضها في قرار الهروب مسفِّهاً اختيارها ومدينا له.

يتحول ضمير السرد من الأنا المفردة إلى الأنا الجمعية (سنهرب إذن – ص 7) وهنا يكبر حجم التبرير ويزداد. وكأن السارد يفر من تهم الهروب محولاً القرار الفردي إلى قرار جمعي، يتدثّر فيه وبه متملصاً عبره من حق الآخر في المساءلة وفي الإدانة، مادام السارد قد وزّع دم الفعل على الأنا الجمعي حيث يستعصي التأشير بأصبع الاتهام على أيٍّ كان. يذكرنا هذا السياق السردي بهروب الشباب الفلسطيني داخل الخزان في رواية (رجال في الشمس).

تتبدى لنا قمّة التبرير في التجاء السارد واحتمائه بالمكان \ الحلم، في يقظة لا في منام، عبر هذا المقطع السردي الاستباقي (كي نتمكن من تجميع ما تكسر أو تهشم في دواخلنا ونعيد تدويره وتكريره من جديد لنضعه في خزانة المحتمل إلى حين – الرواية ص 7) ... والملاحظ أن السارد لم يكتف بتجميع ما تكسر، ولمِّ ما تهشّم، بل أضاف في سياق لعنة الوصف عبارات دقيقة آثمة ومُدينة في الآن نفسه. قال (ونعيد تدويره) في وصف يعتلي قمّة الهزء والسخرية السوداء الفاتكة بما تبقى من كرامة . ولا أدلّ على ذلك من قراءة فعل التدوير في مقامه الأصلي، حيث التدوير لا يكون إلا في المتلاشيات المحكومة بقدر القمامة. وهنا أيضا يزورنا طيف (رجال في الشمس) وهم يلقون حتفهم في آخر المطاف ويُلقى بجثامينهم في القمامة على مشارف المكان \ الحلم (الكويت).

هكذا، يتجاوز المكان حيزه الجغرافي إلى متعلقه بالمخيال الروائي المتجاوز هو أيضا لصرامة الواقع وسطحيته، بحثاً عن المعنى داخل ثنايا المادة المكانية، وهو المعنى الحامل لفعل الإدانة المنصبّة على فعل الهروب وفعل الركض عبر مقولة اللعنة (اللعنة... ألم ننتبه إلى كم ربيعا أضعنا في زحمة الركض – الرواية ص 9)

+ المكان العزلة:

العزلة مقولة لا نستوعب دلالتها إلا في نقيضها أي في الاختلاط والاجتماع، ولا عزلة ولا اختلاط في الهيولى واللامكان، بل لابد من فضاء مكاني يسمها بالمعنى. في هذا السياق، يتحول السارد من موقع المتكلم \ الأنا إلى موقع المتكلم \ المخاطب، بكسر حرف الطاء، في إطار تصور باختيني يتكشف المعنى السردي في تعدد الأصوات ويستثمرها في تشييد الرسالة السردية وبناء شفراتها الخاصة. من هنا، انزياح (سماء صالحة للرقص) من دوائر الرواية المناجاتية إلى آفاق الرواية الحوارية، وهي المثلى في نظر باختين. لأنها تمنح الفكرة حقّها في التعبير. وبالتالي، تخلق نوعا من التوتر بين الأنوات، كما هو الشأن في سياق هذه الرواية التي بين أيدينا، حيث تعدد الرؤية والرؤية المخالفة ... وهو تعدد يوفر للنص الروائي فرصا كبيرة لرصد الواقع رصدا شموليا في إطار محاورته لا تسجيله، وفي إطار تنبني فيه الفكرة عبر ذاتها وعبر نقيضها أولاً بأول. قال السارد (تكاد تنفض ضلوعك عن بعضها من التوتر والنزق وأنت تبحث عن معنىً صالح للاتكاء عليه – الرواية ص12). إن مفرداتٍ من قبيل (تكاد، أنت، تبحث) كلها مؤشرات لسنية تفيد انتقال الصوت من الأنا إلى الآخر القابع في الذات، المُسائل، الواخز، المُدين، المثبت، النافي، المصحّح، المستدرك، العارف ...) وحسبنا من هذا، هذا، لأن المقام مقام تأويل للأمكنة فقط، وبالتالي فالعزلة قدرٌ يجر بعده أقدارا وأبرزها سكون الذات ودخولها مراحل للتأمل وقراءة التاريخ العامر بحالات الهروب.

تفيدنا العزلة انتقالا سرديا من مكان إلى مكان، من مكان \ الحلم إلى المكان \ الواقع، عبر جسور دلالية ترتبط أساسا بالمعرفة والذاكرة، حيث يعمل السرد بمكر على زوبعة استقرار قارئ الرواية في استرخائه لسلاسة التأمل والزجّ به في المكان \ المحطة ... حيث بطل الرواية ينتظر وصول القطار، وحيث المكان يعج بالحياة لكنه لا يزيد الذات إلا إحساسا بالعزلة لا الاغتراب، وبالفرادة لا الشبه، وبالوحدة لا الاجتماع .

تعتبر المحطة مكانا لتكريس العزلة بامتياز، ومكانا لتتبع التفاصيل المرتبطة بالآخر في أدق حيثياتها، تأشيرا على الفراغ المهول الذي يسكن الذات، وتأكيدا على حجم الانتظار الذي يأكل أزمنة الذات، لكنه يغنيها ويثريها بالقدرة على الملاحظة وتتبع التفاصيل (أنظر وصف السارد لصراخ الطفل الذي استغرق أكثر من صفحة – الرواية ص15)

إن المسوغ لهذه الرؤية الواصفة الدقيقة هو ما يعبر عنه في أدبيات فن الحكي بالزمن النفسي، وهو زمن داخلي لا تتحكم فيه شروط موضوعية تقيس وحدات الزمن قياسا تقطيعيا محايدا. إنه زمن متواطئ وذاتي خاضع لشروط سيكيولوجية تمدّ في عمره أو تقصره، تبعا لطبيعة المواقف التي يمر منها الفاعل (l’actant) . وفي سياق (سماء صالحة للرقص) يكون الانتظار هو الشرط السيكولوجي المهيمن والمضخّم للوهلة، والمقزّم للتاريخ، في الآن نفسه.

تخيم العزلة على فضاء الانتظار تخييما كاسحا (الساعة الآن تمام العزلة ... الرواية ص 16) بل تتحول هي ذاتها إلى حالات انتظار فائضة تملك أعناق الزمان لتؤكد أخيرا قرارها بالصمت المتواصل القاضي بتوقف الزمن واشتغال الانثيال السيكولوجي لهذا الزمن فقط.

+ المكان الموسوم بالبداهة:

يتعلق الأمر بمكان خاص جدّا هو القطار، لأنه كأي قطار نكرة لا يحمل في ذاته إدهاشا وصفيا ولا يخرج عن وظيفته الاجتماعية. لكنه في سياق (سماء صالحة للرقص) يتحول إلى مكان \ بؤرة. وعملية التبئير هذه، تتأتّاه من احتضانه للقوى الفاعلة الرئيسة في هذا المحكي، ويتعلق الأمر بشخصيتي (علي وإيلينيا) أو بالأصح، يتعلق بفضاءين مختلفين (دمشق وجنوة، سوريا وإيطاليا، الشرق والغرب) حيث تمّ اللقاء \ البداية التي ستتناسل عنها أشكال عديدة من السرد وأشكال مختلفة من الرؤية والرؤيا معاً.

إننا لا نقصد بمفهوم التبئير اصطلاحه السردي المرتبط برؤية السارد، وإنما قصدنا (مَرْكَزَة) المكان و(تَنْوِيته أي جعله نواةً) باعتباره نواة خلق لكثير من أشكال التفاعلات المتفرعة في غضون الرواية. فلولا حضور مكون القطار الجامع بين علي وإيلينيا، لما كان لهذا الانثيال القصصي بفضاءاته المتعددة من قيمة، أو من وجود أصلا . (تجلس بقربك فتاة عشرينية تحمل حقيبة صغيرة تخرج منها كتابا أبيض لا تتبين عنوانه تماما رغم فضولك في المحاولة – الرواية ص 19)

+ مكان الانتماء وتشظي الهوية:

يستحضر السارد عبر آلية تعدد الأصوات شجرة الصنوبر، حيث تشتغل الذاكرة بمكر واخز ووخزٍ ماكر، تتحكّم في رقص الأمكنة بين حاضر ينفتح فيه المكان على المجهول (إيطاليا) وماضٍ ينغرس في الذات انغراس شجرة الصنوبر (سوريا)، وهي الشجرة الموصوفة بالعجوز لا قدحا ولا مدحا، وإنما تكريسا لسلطة المكان وتجذره وانغراسه اللامشروط: (تلك الملامح المسكوبة في قالب الجمال تعبث بحساسين رأسك النائمة على جذع صنوبرة عجوز، كنتَ تربيها في الذاكرة فتمادت وراحت تتمدد في كل أركان الرأس وصارت محجاً للعصافير البرية وطيور الغربة البلا وطنٍ محدد – الرواية ص 26)

لا تحيل مفردة الصنوبرة على حب الوطن وتمجيده والحنين إليه عندما تستبد الغربة بتلابيب الذات، فهذا يدخل في العادة والمعنى المطروح في الطريق طرحا جاحظياً ... لكنها هنا مفردة تدخل في نسغ رؤية سردية تفجّر العديد من الأسئلة الوجودية التي يطرحها المعيش اليومي في الهناك باستمرار، من خلال وضع الرغبة في قفص المساءلة الجدلية الدائمة، في غير إجابات، بل في شكل تهويمات تتمادى وتتمدد في وجود هذا الكائن المغترب حتى لا ينسى طبيعة الرحلة التي يمارسها في تفاصيل هذه الذات الملغزة، الموسومة بالرغبة الوجودية في الخروج من الحلقات المفرغة ومفترقات الطرق المتشعبة وغير المنتهية .

هذا التشعب الممكن في رصد طبيعة المكان يأتي جوابه في الحين بعد انسياب الذاكرة مباشرة، وانسحابها في الآن ذاته، إذ يلوح للقارئ ذلك المكان الواقع الحتمي والمرغوب في غير إرادة، والمطلوب في غير اختيار، تنتقل فيه الرؤية السردية من سديم التذكر إلى قسوة الحاضر الممتد في الذات والبادئ بتشكيل مسلسل الدراما الراقصة التي تبدأ الآن، ومن هذه الطريق (طريق طويل يمتد أمام ناظريك من الباب الزجاجي البسيط في زاوية الطريق إلى ما لا نهاية في مدى البصر وكأنها موصولة باللانهائي الأبدي، لكنك ستسعى للمشي فيها بحثاً عن لا شيء آخر تضيفه إلى قوائم اللاشيء الكثيرة في خزانتك الفارغة إلا من حطب الذكريات ونحاس الوقت وماذا سيحمل الغريب معه سوى ذكريات لا تُرى ومصابيح لا تضيء في العتم، من أجل بقاء الأرض على حالها دون المساس بكينونتها المنحازة لنفسها – الرواية، ص 26) ... هكذا تنرسم ملامح القسوة في صيغ تعبيرية تتجاوز دغدغة عواطف المتلقي بحثا عن التعاطف، إلى صيغ أكثر وخزاً تُسائل في مكر وجودي لا يني يؤكد احتراق الماضي (حطب الذكريات) كما لا يني يؤكد حيادية الحاضر ولا مبالاته (الكينونة المنحازة) .

من هنا، تبدأ رحلة الهوية، أو بتعبير أكثر صداميةً، رحلة اكتشاف الهوية . إن الأمكنة، سواء ما تعلق منها بانثيال الذاكرة حيث مقولة الانتماء، أو ما تعلق منها بالحاضر حيث مقولة الاغتراب، لا تتوقف عن مساءلة الذات في حميميتها (الهُوياتية) وتركيم كل أشكال الإدانة الصامتة على عاتقها في قسوةٍ واخزة (... من أنت لتبحث عن أثرك في هذه المدينة، ولست سوى عابر سبيل لا أكثر ولا أقل وإن بدوت للحظة من أهلها؟ من تكون لتحمل الجدران صورتك أو ملامح وجهك الشرقي؟ ... – الرواية، ص 27) ... إنه الوجه الشرقي اللاصق في وجه الذات الساردة مثل قدرٍ والراصد لحركيتها الباحثة عن المعنى في الأمكنة التي خلقت لذاتها كل المعنى ورسمت لوجهها خارطة وجه لا يأبه بالوجوه الأخرى ولا يكترث (تنتهز فرصة وجود المقهى على الرصيف العميق في الداخل والناس في شغل عنك كلٌّ لاهٍ في طقسه من دون وجهك الحنطي اللون، عبوس الشكل، خفيف الطلوع، كضوء فقد العزيمة – الرواية، ص 27). هذا الضوء الخافت الموسوم بالغياب، يتحول إلى ظلال في مفهومها الباهت والذي يشي بالغياب المرير لذاتٍ تقترب من الشبحية (تجلس على مقعد منزو ٍ كأنك تبحث عن ظل لا ظلّ له يبعث فيك الطمأنينة ويحدثك أن هناك على هذه الأرض من هو أسوأ منك حظا وأكثر تعثّرا بالطريق التي بلا طريق ... – الرواية، ص 27) ...

وهنا، وتحديداً هنا، يرقى التعبير السردي إلى قمّة الوخز حيث يسلخ الذاتَ حتى عن إمكان الظلّ في رسمٍ سيميائيٍّ قاسٍ ينفي عنها قدرتها على تشكيل الظلال التي تفيد فيما تفيد وجود الجسد. إن الجسد العربي هنا مخصوصاً في الجسد السوري، مخصوصاً أكثر في جسد المحكي عنه، هو جسد بلا ظل، بلا هوية، لأنه ترك ظله في الهناك الشرقي حيث الصنوبرة سامقة وظلها، وحيث الإحالةُ عميقة على أن الظل هو الانتماء، وأن بداية الجسد تكون بوجود الظل. والهوية لا تتحدد في جزئيات الكائن جسداً مفصولاً عن مكون من مكوناته مهما صغُر حجمه أو ضؤُل، مثل سياق الظل الذي يصبح تفصيلاً يسكن فيه شيطان مركزي. إن اختزال الكائن في بعضه داخل فضاءات الاغتراب هو اختزال يفضح درجة المرض الإنساني الذي يعاني منه المغترِب، وهو يتعرض في جوهره لنوع من التشويه والإغتصاب يوصله إلى أزمة حقيقية مع ذاته ومع الآخر ... وهذا ما يجعله متشظيا مضطربا، مريضاً إنسانياً (و الشخص المغترب، كما حاولنا أن نصفه في هذا الفصل، لا يمكن أن يكون صحيحاً، ومادام يخبر نفسه بوصفه شيئا ... فإنه يفتقر إلى الإحساس بالذات، وهذا الافتقار إلى الذات يخلق قلقا عظيما) *4

يتبدى هذا التشيؤ قاهرا في لهجة السارد وهو يصف في إدانة واضحة وجودَه المتشيئ (فأنت لم تكن سوى حدث طارئ، لا معنى له ولا تفسير لدى البعض، غير أنك شيء مرّ من هنا، ولا يستدعي أكثر من لحظة المرور فاذا توارى نُسي تماماً كقوس قزح أو كغيمة بلا معنى تحتل مساحة صغيرة في السماء بلونها الرمادي المختلف قليلا أو كثيرا عن قميص السماء الأزرق – الرواية، ص 29)

لكن الذات الساردة تسعى دائما إلى ردم المسافات التي يصنعها هذا التشيؤ وهذا الانقهار، عبر ممارسة لعبة الذاكرة المستحضرة للجمال. والجمال هنا عنصر تعويض نفسي أكثر منه حلية سردية تملأ الفراغات الوصفية: (ما حال دمشق الضاربة في الروح كشجرة صنوبر، والأقدم من الزمان بزمان وقد مّرت عليها العصور والأزمان والشعوب ولم تزل دمشق دمشق؟ - الرواية، ص 63) وفي هذا السياق نجد الذات مستريحة في شغفٍ برئ لانثيالات الذاكرة وهي تستحضر شريط الجمال والخير والحق، كقيم قابعة في الأرض، وفي الإحساس العارم بالانتماء: المسجد الأموي، القلعة العظيمة، الـبيمارستان، المدارس، المدرسة العزيزية، رفات صلاح الدين الأيوبي، قصر العظم، سوق الحميدية، قوس التترابيل، كنيسة المريمية، الباب الشرقي، متحف الخط العربي، سوق المهن اليدوية، الحمامات الشعبية، سور دمشق، أبراج دمشق، بيت السباعي، كنيسة الزيتون، مسرح دمشق، دار الأوبرا، ضريح السيدة زينب، المكتبة الظاهرية، مقبرة الدحداح، نصب الجندي المجهول، ساحة الأمويين ...

إن هذا الإفراط في الحنين مردّه إلى إفراط المكان الجديد في جلد الذات بقيمه المكانية والحضارية المغايرة في غير توقف، وفي غير هوادة. والأمر يزداد حدّة عندما تجد الذات الساردة نفسها في مأزق اجتماعي معيّن. من هنا اشتغال الذاكرة عبر هذا العنف المضاد لعنف رمزي آخر أكثر قوّة لما يمتلكه من حضور حضاري متسيّد، ظاهراً متسلّطاً متسيّبا كان أو خفيّاً متستراً بمظهر السكون والاستكانة الخادعة.

+ المكان العدم:

قال السارد: (وحملت روحك ومضيت لا تدري إلى أين؟ ولماذا؟ أو كيف؟ - الرواية، ص 32) ... يصوغ السارد ذاته صوغا وجوديا يتماشى سيميائيا مع هذا الانثيال الروحي القاضي بطرح الأسئلة والتنكر للأجوبة، لأن الأجوبة تقتل الأفق وتسد مداه. ولأن الأجوبة ترسم الطريق وبالتالي تحدّ من حرية التيه، أو على الأقل تتعارض مع طبيعة التيه الفارضة سياقَ العبث والعدم والخواء. وإذا كانت كل الطرق تؤدي إلى روما كما قالوا، فإن الطريق هنا لا تؤدّي إلا إلى رغبة هذا الكائن المتدثر في عباءة السارد، والموسوم بالقهر الوجودي الممتلئ، وهي الرغبة البانية لنسق السرد بناءً واعياً باللحظة وبالزمن في غير تسجيل وفي غير نسخ وفي غير تماثل. الرغبة تؤسس لفعل المساءلة الفاتكة بمشروع البداهة الرامية إلى تنميط الكائن داخل دوائر الإنسانية المستهلِكة لفعل الحياة. الرغبة هنا مشروعٌ منفتح على اللاإنسان، وعلى اللّاظل، وعلى اللاأحد، وبالتخريج النهائي، على اللاجسد . في هذا الخواء يكمن المعنى، إذ العمار موصوف بالنهاية، أما الفراغ الذي نفضلّه على إطلاقية العدم، فموصوف بالإمكان المفتوح على كل الدهشات والصدمات والمفاجآت بمعناها المباغت لا بمعناها الحالم والسعيد ... (لا طريق يؤدي إلى رغبتك ولا جهة تعرف جهتك كأنك تمضي إلى لا أحد ولا مكان ولا ظل ّ، وما هي الا محاولة فاشلة كسابقاتها للحصول على وقت إضافي آخر كي تستعد للمعركة التي في خيالك ورأسك المشرع لألف خيال وهاجس – الرواية، ص 32) .

يبني السارد المكان ويبنيه المكان في جدل قاسٍ جدّاً، وقاهر، وفي نفس الآن هو جدلٌ محاصر بسياق الرغبة الدائمة في الحضور وفي البناء وفي التميّز اللاإرادي المكره لا البطل... (وأنت تحاول، تحاول ماذا؟ أن تبحث عن أرض محايدة تقيم عليها عاصمتك المزعومة في خيالك وبناء جيش من العزيمة والرغبة لصعود السلم الطويل نحو أمانيك وانتصاراتك – الرواية، ص 32) هذه الأرض المحايدة لا وجود لها كمكان إلا في ذهن السارد، لأنه يعقل المكان داخل المكان، ويعقل البديل داخل المعطى، ويعقل الممكن، أي ذلك الشرق المُعدّل، داخل الكائن، أي ذلك الغرب المدهش والقائم على مستوى الحضور الثقافي كما على مستوى الحضور الإقناعي في جدلٍ أكبر هو جدل الحضارات .

في هذا الجدل المكاني أو هذه الأمكنة الجدلية لا يمارس السارد فعل الصدمة بين الشرق والغرب، كما هو الشأن في (موسم الهجرة إلى الشمال، للطيب صالح) ولا فعل التواطؤ بينهما، كما هو الشأن في (قنديل أم هاشم، ليحيى حقي) ولا فعل التوازي بينهما، كما هو الشأن في (عصفور من الشرق، لتوفيق الحكيم) ولا فعل الاكتشاف كما هو نسق (نيويورك 80، ليوسف ادريس) ... وإنما يمارس فعل تكريس ٍ لمقول الاختلاف كمفهومٍ حضاري قائمٍ على التمايز القاسي السائر بالذات الواصفة إلى قدر التعارض المستحيل بين خصوصيتين متباعدتين كل التباعد: بين الشجرة \ الشرق، والجدار \ الغرب، في سردٍ نسقي مولِّد لحالات مفارقة في الوعي بالذات وبالموضوع معاً ... (لا وجه للشبه بين الجدار والشجرة، فذاك لا يحتاج لشيء على الاطلاق وقد اكتفى بجموده ووقوفه لغاية في نفس الذي بناه، وتلك تحتاج الهواء والماء والشمس لتواصل انطلاقها نحو ذاتها التي تجهل – الرواية، ص 33) ... وهي الحالاتُ التي تؤدي بالذات الساردة إلى سلوك نوعٍ من المراقبة لتفاصيل الحياتين معاً في عبث يهدر الوقت وفي لاجدوى .

+مكان الهوية والبرزخ:

في (سماء صالحة للرقص) لا تتقدّم إلينا الهوية كمفهوم زئبقي هيولاني عائم، بقدر ما يحرص السارد، على تقديمها كمعطى إجرائي، يتموضع في المفترق الحركي لعلاقة الفرد بالمكان، بشكل عام، ولعلاقة (علي) كقوة روائية فاعلة بالفضاء الموسوم بالتشظي، بين مكانين، واحد يشدّ ذاكرته إلى الأصل، والثاني يدعوه إلى القطع مع هذه الذاكرة، وهي الازدواجية التي ولّدت في الذات تشظياً آخر، عنوانه الكبير الإحساس العارم بالصراع الداخلي الشديد التوتّر في غير هوادة . وقد عبر عنه المقطع السردي التالي خير تعبير (فقررتَ بكامل الغباء أن تبتعد عن الصراع المحتشد في الأركان كي يتفرع الصراع دون قصد منك فيصير صراعين لا يرحمان، صراعك مع الآخر الوهمي الذي غاب عن بصرك وما زال في عقلك يثير عاصفات من الجنون والبؤس والتنديد والتهديد، وصراعك مع ذاتك التي ترى حيناً سوء ما قمت به وحيناً صوابه كأنك نهر يتفرع في كل الاتجاهات حتى يفقد مجراه ويتيه عن مصبّه بكامل الارادة والرغبة ... من دعاك للهرب ... – الرواية ص 46)

و يتعلق الأمر أساسا بسردٍ روائي يحاول القفز على الذوات المتقابلة إلى مساءلة المقولات الأشدّ تقابلا، وأقصد بذلك: المساءلة بين الثقافة والذاكرة، وهما في عمق النظر، عالمان لتشكيل الهوية، الأولى مكتسبة عنوانها أرضٌ وتاريخ ووطن ( من سلخك عن أرضك؟ ... الرواية، ص 47) ... والثانية مُشَيّدةٌ، تبدأ أبجديتها انطلاقا من صناعة قرار الهروب والدخول في (الآخر) دخولاً اختياريا يستتبع شروطه الخاصّة التي تملي على الذات وجوداً هوياتياً جديداً جديراً بالتمزق الغامض الذي لا يبين فيه صاحبُه وضعَه وموقعه وقراره بالمضي أم بالنكوص (وأنت حالة من الصراع بين الوقوف والركض، إن وقفت ستصدمك الأشياء، جميع الأشياء الراكضة باتجاه المجهول وغير منتبهة لشيء فهي أيضاً أخبروها أن لا تقف، لا تتأمل، لا تفكر، لا تتأنى، لا تنتظر فركضت ... - الرواية، ص 48) . ورغم الإقبال المكثّف الذي تبديه الذات لهذا المكان الموسوم بالآخَرِية، إلا أنه يبقى مكانا مُعاديا بتعبير باختين، وضيّقاً رغم سعته الجغرافية، ورغم رحابته وامتيازاته التي يقدّمها .

في الانسلاخ عن الأرض \ الهوية، تتولد حالة من اللاموقف، هي حالة البرزخ التي لا نتبيّن حقيقتها، أهي عذوبة ماء النهر أم هي ملوحة إرهاصات المحيط ... وقد عبّر السارد بذكاء نوعي عن هذه الحالة بلاموقف الركض . وهو تعبير سردي يتجاوز فعله الحسي المرتبط بحركة الإنسان العادية (من العدْوِ) إلى التعبير الروائي الدرامي عن قدر غامض يلفّ حياة القوة الفاعلة المدعوة (علي) . والركض كأي فعل حركي له مسار وله بداية وله نهاية، لكنه في حالة (علي) هو ركض في اتجاه المجهول، في ارتباط بحالة أخرى أكثر صدامية هي حالة اللاوعي . من هنا، أصالة التعبير الفني الروائي وهو يرصد حركية الإنسان في لافيزياء المعقول، حيث تتحول الهوية إلى كائن يركض في مسار مجهول ببداية مُهرَّبَة إلى نهايةٍ مجهولة، وأكثر غموضاً، رغم معالمها الحاضرة انطلاقا من تمثلات الغير لها وإرسالها شفراتٍ إلى الذات عبر السماع القابع في تجارب الهاربين السابقين، وبمعنى أكثر انسجاماً: في تجارب الراكضين السابقين .

تتبدى الهوية أكثر تشظيا وفي قمّة التصوير السردي الواصف لعبثية الهرب وعبثية الركض في المقطع السردي التالي: (وأنت تتشظى في كل الأرجاء تبحث عن بقايا من بقاياك كي تجمعها وتعيد بناءها لعلك تتبيّن ملامحها التي تحدّق في المرآة فلا ترى سوى ظلال لا تشي بملامحها – الرواية، ص 47) وهنا يتجلى فعل الأرض قويا في قدرتها على التجميع لبقايا الذات الساردة والهاربة والراكضة، وهو تجميع لأشلاء قابلة للبناء من جديد لأنها هي الأصول التي تحمل جينات الهوية ولا يمكن التملص منها أو نكرانها أو التخلي عنها . وقد عبّر السارد عن هذه الأصول المتجذرة بلفظة (ملامح)، وهي مفردة عربية تدل على العلامات الحقيقية أكثر من دلالتها على الظلال . نقول: ملامح الوجه أي علاماته المميزة، سواء تعلق الأمر بخاصيات الوجه الطبيعية أم بالحالات العرضية كملامح الغضب أو ملامح السرور وغيرهما ... ورغم حديث السارد عن الظلالِ المتكرر إلا أنه أوردها في سياق المرآة وليس في سياق الواقع . وهو السياق الجديد الذي أربك هوية الذات وجرّها إلى المساءلة الدائمة والمقهورة في اتصالها بالآخر .

تحضر المرآة في تيمة الهوية لا كانعكاس للذات المغتربة، في تشظيها بين المكان الأصل والمكان العابر، وإنما كأداة للمساءلة كلما التقى الوجه العربي الشرقي مع صفحة هذه المرآة لا في سياق الأرض، أي الهوية الجاهزة والتابثة، وإنما في سياق الغربة، أي الهوية المتحولة والمشيّدة . وهو السياق الكفيل بتحويل السارد إلى كثافة وجودية تستطعم السؤال وتستلذ المساءلة عن طبيعة هذه الهوية الهاربة الراكضة في اتجاه النهاية . وما النهاية إلا هذا الضياع المربك لأحلام الذات وطموحاتها (يا له من ضياع هذا الذي نبحث عنه، ويا لها من معادلة مربكة ومثيرة للسخرية والألم، نركض لأننا نسعى للوصول وندرك كامل الإدراك عدم جدوى الركض وقناعتنا مطلقة من عدم وجود نهاية للأمر، ولا نستطيع الكفّ عن الركض، تلك أحجية أصعب من أن نستطيعها، وأن نفكك طلاسمها ورموزها كي تتكشف لنا، كأننا نهذي ونذوي في ساحةٍ عرجاء تضيق بنا وتودّ اخبارنا بالكفّ عن النزول بها، حتى الأماكن تضيق ذرعاً بنا وتصاب بالملل والقشعريرة – الرواية، ص 49) ... هكذا تتكلم الأماكن، وتحس، وتضيق بالإنسان، وتُصاب بالملل، كما أنها أماكن موصوفة بالعرج، خروجا بالمعنى إلى اللامعنى كي يصيبَ الساردُ كنْهَ المدركات التي تنبطح أمام القارئ انبطاحا طواعيا لغوايته خارج السرد، في لعبةٍ سردية ماكرةٍ تستبطنُ الغواية داخل السرد، في أفق روائي تجريبي جديد ومطلوب، وهي الغوايةُ القمينة بتأويل المكان داخل شرط الإبداع بعيداً عن كل محدد فيزيائي يقتل المعنى واللامعنى .

هكذا، فالمكان \ الهوية هو في أصله فضاءٌ لتمدد البرزخ بقوة، إذ هو بالتحديد من يرافق السارد في تهويماته الوجودية المبطّنة بالسؤال الواخز، ويجعله فريسة دائمة للتنغيص النازح من الذاكرة المعذِّبة في تقريعٍ أوخزَ من شتيمة (اركض دون انتظار أو نظر، لا تفكر لا تقرر، لا تتأمل أو تتخيّل، ولا تحفل بشيء سوى الركض، إن الركض رسول النجاة اليوم، وعرّاب الروح الأخير – الرواية، ص 54)

+ السماءُ الممكنة:

يرتبط المكان \ السماء بإمكان تجاوز لحظات الانقهار والاغتراب والإحساس بوخز الذاكرة في رؤية سردية تروم تحقيق نوع من التصالح بين السارد وبين رؤيته للعالم، وبين السارد وبين واقعه المشحون بكثير من أسئلة الرفض، أو على الأقل، بكثير من أسئلة الموقف الذي قد يتجاوز عتبات السلوك إلى دوائر من التأمل في الكيان الخاص وفي الكيانات الأخرى .

و تأتي لحظة الحب إكليلاً لهذا التيه، وتتويجا لهذا الضياع الفردي الخاص ب (علي) المتشظي والذي يكاد يطرق أبواب العبثية لولا حضور السماء في شخص هذا الحب الذي اندلع بينه وبين (إيلينيا) . إن الإمكان الذي يتناوله السارد هنا هو إمكان فلسفي يروم تحويل الجغرافيا المقيتة إلى عوالم سديمية جذْلى تستطلع الآفاق كي تشرب الروح منها بعضا من مشاربها المنقذة . ولا أدلّ على ذلك من حضور سيمياء المفردات المجاورة للمكان \ السماء، من قبيل (الظلال، الأغنية، القفز، الطيران ... أنتَ تحبّها) وهي مفردات مناقضة تمام المناقضة لمعجم التيه والضياع والتشرذم المسبوقة في بدايات النزوح من الشرق إلى الغرب .

إن السماء هنا صالحة لرقصة الروحين المتجاذبتين رغم التباعد الجغرافي والثقافي والحضاري الموسوم بالجدارية . لكنه رقص ممكن في سيمياء الوجود الكوني والقناعة بهذا الوجود في غير شعارية أو تطبيلٍ خاوٍ تنتهي صلاحياته بانتهاء مهرجانات تفعيله . المهرجان هنا سماوي الركح، سديمي القوى، زئبقي المتن، عجائبي العرس، هيولاني الجمهور، ومعنويٌّ بشدّة ... يقوم هذا المهرجانُ على فعل التأمل، ويولّد لدى السارد مجموعة من القناعات الحياتية التي من شأنها أن تغير رؤيته للعالم . (لِمَ لا نكون بكامل صدقنا كما ندّعي في مشاعرنا وأحاسيسنا لِمَ نحن مضطرون لأن نكذب أو نخبئ مشاعرنا في داخلنا كالأسرار، أو كأنها جرائم ارتكبناها في لحظة سكر وعربدة ولمّا صحونا خجلنا منها؟ ِلم لا نكون نحن كما نحن من دون أقنعٍة ونظارات سميكة تخفي ملامحنا؟ - الرواية، ص 88) ...

تتجلى حتمية السماء الممكنة في ارتباط المكان بالبرنامج السردي في رواية (سماء صالحة للرقص) وهو برنامج تكسّرُ خطّيتَهُ رغبة السارد في مفهومها الفلسفي المرتبط بأنطولوجيا بالتجاوز: تجاوز لحظة الشرق ابتداء من التفكير في هجرة الشام، وتجاوز لحظة الغرب ابتداء من التفكير في العودة إلى الشام، مما يسمح بالقول إن التشظي هو حالة الأرجوحة الوجودية التي تمتد بين أربعة أقانيم: الروح والجسد والعقل والقلب . وفي كل أقنوم نسجل تمكن هوية من الهويات، هوية الأرض مع الروح، هوية الغرب مع الجسد، هوية المساءلة مع العقل، وأخيرا هوية الحب مع القلب . مما يتناسل عنه تشابك غريب في شخصية السارد وهو يتتبع أطواره طورا بطور في تشكّلٍ عارٍ من كل شيء وفي شفافية ثقافية هي وليدة انصهار الشرق مع الغرب في قناعات السارد .

تتجلى هذه الحتمية في انسلاخ المكان عن قدر الالتصاق الترابي، ومحاولة التعالي الروحي المجسد أولاً في تضحية (علي) بشبابه وهو يرتبط بفتاة غربية المنزع، كسيحة الجسد، فاقدة لكل ما من شأنه أن يكون أداة إغراء وغواية بعد الحادثة ... ويتبدى ثانيا في حضور المكان \ الجنّة: (تصلون الى المكان المنشود، ويا له من مكان مطلّ البحر في ركن تستطيع بكل ثقة أن تطلق عليه اسم الجنة، في تلك البلدة الجنوبية من سويسرا فوق سطح البحر، والتي تحيطها جبال الألب فتضفي عليها جمالا طبيعيا ساحراً يمكن وصفه – الرواية، ص 138) والأمر هنا يتعلق بسويسرا، التي تحضر في سياق هذا البرنامج السردي مكسّرةً لرتابة الحكي الراغب في النهايات السعيدة بين شاب شرقي وفتاة من الغرب، وبالتالي تتحول سويسرا من فضاء جغرافي إلى فضاء سديمي يرتبط بالخلاص، وينسجم مع طبيعة شخصية (علي) المتأملة، ومع طبيعة العلاقة بينه وبين (إيلينيا) ومع طبيعة الدراما السردية التي شاء لها المؤلف هذا الاتجاه السردي، الغائص في التجربة الإنسانية المحترقة، سواء تعلق الأمر بتجربة (علي) في محنته الوجودية بين الشرق والغرب، أو تعلق الأمر ب(إيلينيا) في محنتها المرضية والتي لم ينفع معها علاج، ونفع معها الارتقاء إلى الجنة عبر مكان أرضي هو سويرا، المكان الواهب للحظة الخلاص .

الختم:

كيف يتوحد السرد مع الأنطولوجيا؟ سؤال يستسيغ ذاته في قراءة رواية (سماء صالحة للرقص) التي ابتعد بها صاحبها عن أي تشكيل روائي يروم الحكي خارج واقعيةٍ لا تبغي تسجيلا، وإنما تبغي تخييلا قائما على ذكاء الشعرية الروائية القائمة بامتياز على استثمار كل الممكنات الجمالية في هذا النوع الأدبي الموسوم بالبحث الدائم عن شكله المثالي . وفي هذه الرواية يضعنا صاحبها أمام قضايا متعددة، ومختلفة، وإشكالية، وغنية بالتوترات التي لا تدع للقارئ فرصة الاستكانة والاسترخاء، بل تظل تمارس عليه الوخز تلو الوخز عبر منطق السؤال الوجودي الراغب في السؤال الذي يتناسل عنه السؤال إلى ما لا نهاية . فلا ندري هل نجيب عن سؤال الغربة والاغتراب، عن الهوية والانتماء، عن الشرق والغرب، والجدل الحضاري بينهما، عن الأصول التي لا تمّحي، عن محنة الرحيل والخروج، عن سلطة الذاكرة، عن الحنين، عن الحب والعشق، عن التضحية، عن الشهامة، عن الحياة والموت، عن الجنة والجحيم ...؟ ... وأقول ختماً لبدايات أخرى: لا يسعنا إلا أن نقرأ (سماء صالحة للرقص) قراءة واعية بلحظة خلقها كي نظفر ببعض الجواب، أما بقية الأجوبة فتظل قابعةً فينا وفي ذواتنا الصغيرة أمام جماليات الحكي العربي المشخص امتيازا في هذا العمل الروائي الكبير لمبدعنا الكبير (ناصر قواسمي) .

بقلم: نورالدين حنيف

..................

1 - لوسيان كولدمان، الإله الخفي، الهيئة العامة السورية للكتاب، ترجمة د . زبيدة القاضي، ط 2010، ص 101

2 - R.Bourneuf, « L’organisation de l’espace dans le roman », in Études littéraires/Avril, 1970, Université Laval, p78

3 - غاستون باشلار، جمالية المكان، ترجمة غالب هلسا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية 1984، بيروت ص 53.

4 - إيريك فروم، المجتمع السويّ، ترجمة محمود منقذ الهاشمي، الطبعة الأولى، 2009، ص 322 .

 

حيدر الشماعتفاؤل

(لأنني لا أصلح إلآ للفرح

فسأبقى مبتسمًا

حتى لو ألتفَّ حبلُ النار حول عنقي ..

فالنخلة التي خسرتها في أمسي

سأجعل منها الـشراع الذي

سيقود سفينة يومي

لأربح بستانا شاسعا فـي غـدي)

من الممكن للشاعر أن يعطي مبررا لقناعاته على توليد صور وعلاقات لغوية تعمل بحرية قصوى لتؤثث له فضاء يوازي احساسه بغرائبية الحياة وصعوبتها، وكثيرا ما يفكر في مغزى تلك الحياة، وتجدد المرارة في حرارة واقعه وتصور ذلك المستحيل الذي يلازمها، وما يقترحه هو محاولة للوصول ليس إلآ عبر سرد جزئياتٍ والاحاطة بالكليات بواقع وجهها البشع الذي يرفضه ، فالخيبة والخذلان يجعلان الحاجة الى التفكير امرا واجبا تقتضيه نزعة الشك التي تقضُّ مضجع الشاعر حتى من خلال إشراقاته أزاء مسائل مجردة وتموضعات معنوية، ولافرق أن يكون متحاملا أو مستهزئا أو مكابرا بثوريته، مادام في زخم أتون الصراع والواقع، (تفاؤل فرح مبتسما) حيث الشيء لابد منه سأكون رغم اللاممكن ولكن ليس بالممتنع او المستحيل، في تناص مع أي للذكر الحكيم (حبل النار حبل من مسد) في مجاز ودلالات اشارية

سيمائية من المتعلق والمتعلق به كما يقول الناقد علاء حمد، (النخلة والحبل منها) والنخل من جذر ن خ ل في التفسير المعجمي، انتخل الشيء أي أختاره عن طيب خاطر، والنخل رمز وجذر وقيمة اعتبارية للحياة الراسخة بعمق جذورها الى عمق الارض وعمر الخليقة التاريخانية كأخت لآدم (أكرموا عمتكم النخلة) واعتبارها أصلاً للشموخ والثبات والمواجهة لعناصر الوجود الطبيعية القاهرة، كما اعتمدتها الميثولوجيات التي تشير الى جعلها شعاراتٍ ورموزاً دلالية لأعظم الحضارات المتعاقبة، فإنه مزيج عبقري وواقع مرتهن للمحيط في لحظة العقدة والانفراج أو الترميز تارة عبر مجازية ايحائية بين المحسوس واللامحسوس في فضح الواقع وستره حيث تعكس رؤية الشاعر، في احتمالية احتراق العنق والرأس والنخلة وتاجها، لكن الأصل والجذر خالد ثابت في الاعماق بعيد عن المنال، في عملية خلق لفضاء يؤسس له الشاعر سيكون الزمن فيه متحررا منسحبا من الماضي الى الحاضر الآني بفعل محرك لحظوي دينامي خلق فسحة من فضاء الإشراق لفعل يصلح جميع الازمنة ويؤسس لقيمة ذاتية، (سأجعل يقود أربح) (شراع سفينة بستانا) يكفي أن ننظر الى الخيال الخلاق والى حلم اليقظة حول الذات في استخدام المظهر المادي ويجعل نفسه شخصية رئيسة تستهوي الافئدة لأنه يعيش أناته من الداخل يشدها ويتعداها في منحى ملامح تجعلنا في استغراب وتعجب رغم الخوف والألم في عملية رفض واظهار مقاومة تقابل الفعل ورد الفعل تجاه ردود افعال تواجهه، في رد فعل انعكاسي انفعالي كمكافئ إدراكي (لأربح بستانا شاسعا)انا سيده وحاكمه فهو ليس مستحيلا ولكنه ممكن رغم امتناعه.

 

حيدر الشماع

 

 

عاطف الدرابسةعلى الرَّغمِ من تقديريَ العظيمِ لكلِّ الدِّراساتِ التي تتعلَّقُ بقصيدةِ النَّثر، ومحاولةِ البحثِ عن تعريفٍ لها، أو حدٍّ لها، غيرَ أنَّني أرى أنَّ البحثَ في هذا الأمرِ هو ضَرْبٌ من العبثِ أو التِّيهِ، خصوصاً وأنَّ العقلَ النَّقديَّ الآن قد تجاوزَ قضيَّةَ الأجناسِ الأدبيَّةِ أو الأنواعِ الأدبيَّةِ، باعتبارِها من أعقدِ المشكلاتِ الجماليَّةِ، منذ أفلاطون وأرسطو إلى يومنا هذا، ولعلَّ السُّؤالَ الأكثر جدلاً هو ذلك السُّؤالُ الذي يتعلَّقُ بقصيدةِ النَّثرِ، ويمكن صوغُه على النَّحو التَّالي: هل نتعاملُ مع قصيدةِ النَّثرِ بحسبها جنساً أدبيَّاً أو عملاً أدبيَّاً أو نصَّاً أدبيَّاً ؟ وهذا السُّؤالُ يتناسلُ منه سؤالٌ آخر: هل ثمَّةَ فرقٌ بين - لفظةِ - ولا أقولُ (مفهومَ) جنسٍ أو نصٍّ أو عملٍ .

كلَّما تكاثرت الأسئلةُ ازدادت المشكلةُ تعقيداً، فكلُّ لفظةٍ هي إشارةٌ دالَّةٌ، ولكلِّ دالٍّ مدلولٌ، غير أنَّ هذا المدلولَ يرتبطُ بمرجعينِ: الأوَّلُ ثابتٌ، والآخرُ متغيِّرٌ ؛ فالثَّابتُ هو السِّياقُ اللغويُّ المرتبطُ بوجودٍ ذهنيٍّ، والمُتغيِّرُ هو المرجعُ المعرفيُّ، أو أُسمِّيه المرجعَ الابيستمولوجي .

إنَّ قصيدةَ النَّثرِ هي مفهومٌ - إن جازَ لي أن أُسمِّيه مفهوماً - هو مفهومٌ جدليٌّ، ينطوي على غيرِ ثنائيَّةٍ ؛ (الشِّعر - النَّثر، النِّظام - الفوضى، المُقيَّد - المُطلَق)، وهي ثنائياتٌ لا يمكنُ فصلُها عن: (كلاسيكي - رومانسي، واقعي - رمزي، عقلي - مُتخيَّل) .

وهنا يَمكننا على نحوٍ ما أن نضعَ قصيدةَ النَّثرِ في مواجهةِ ما هو منظومٍ، كما أنَّنا في الوقتِ نفسِه نفهمُ الرُّومانسيَّةَ باعتبارها ثورةٌ على القواعدِ والأصولِ والنِّظامِ، وثورةٌ على العقلِ وتحريراً له من هيمنةِ القواعدِ والأُصولِ باعتبارِها قيوداً، من هنا يُمكننا أن نُقابلَ تاريخيَّاً بين الرُّومانسيَّةِ بوصفها ثورةً على الكلاسيكيَّةِ، وقصيدةِ النَّثرِ بوصفِها ثورةً على القصيدةِ الموزونةِ سواءٌ كانت على مستوى البناءِ العروضي أو على مستوى التَّفعيلةِ .

إنَّ أيَّ مفهومٍ جدليٍّ له شروطُه التَّاريخيَّةُ، وله شروطُه المعرفيَّةُ، وقصيدةُ النَّثرِ لها جذورٌ مرتبطةٌ بالجذلِ الكلاسيكي والرُّومانسي، غير أنَّ هذه الجذورَ قد تمدَّدتْ نحو جدليَّةِ الواقعي والرَّمزي، ومع بداياتِ الرَّمزيَّةِ دخلت اللغةُ الشِّعريَّةُ عموماً في طورٍ تجريبيٍّ على مستوى النَّماذجِ، والأنساقِ الأُسلوبيَّةِ، وسلوكِ اللغةِ، ولعلُّه لا يخفى على أحدٍ أنَّ الرَّمزيَّةَ قد تزامنتْ مع ظهورِ الفرويديَّةِ، وهنالك بدأ الخديثُ عن تغريبِ اللُّغةِ، وعن مصطلحاتٍ مثل الإيحاءِ، والتَّكثيفِ، والصِّراعِ، والتَّخييلِ، والحلمِ .

إنَّ حضورَ الرَّمزيَّةِ بشكلٍ طاغٍ، وحضورَ علمِ النَّفسِ، وعلمِ النَّفسِ الأدبي، وعلمِ النَّفسِ اللغوي، وما صاحبَ ذلك من حضورٍ حادٍّ للسِّيرياليَّةِ، وحين نتحدَّثُ عن السِّيرياليَّةِ فإنَّنا نتحدَّثُ عنها بوصفها مرجعاً أصيلاً للتَّفكيكِ، باعتبارِها رؤية لتحريرِ النَّفسِ، والعقلِ، والاستفادة من تجلِّياتهما الخفيَّةِ .

إنَّ مفهومَ التَّحريرِ قد يكونُ على نحوٍ ما مُعادلاً دِلاليَّاً لمفهومِ التَّفكيكِ، ومُعادِلاً دِلاليَّاً لمفهومِ الهدمِ، وإعادةِ البناءِ، ومع السِّيرياليَّةِ بدأت الثَّورةُ على الشَّكلِ أو لنقُل تحريرَ الشَّكلِ، فحاول الرَّسامون هدمَ الصُّورةِ النَّمطية للفنِّ التَّشكيلي، كما حاولَ المسرحيُّون هدمَ الشَّكلِ التقليدي للمسرحِ، وكذلك كُتَّابُ الرِّوايةِ والقصَّةِ، ولعلَّ أفكارَ فرويد ويونغ المُتعلِّقة بمفاهيمَ الوعي، واللاوعي، والوعي الجمعي أسهمَ في ظهورِ مصطلحاتِ العبثِ واللامعقولِ، والعدمِ، وهي بدورِها أسهمتْ في ظهورِ مصطلحاتٍ من مثلِ: ما وراء اللُّغةِ، أو ما فوق الواقعِ، أو العمى والبصيرة، أو الخفاء والتجلِّي، أو الثَّورة وما فوق الثَّورة .

وهكذا بدأت تظهرُ علاقاتٌ أشدَّ تقابليَّةٍ، وأشدَّ تضادٍّ، ممَّا أدَّى إلى ظهورِ شبكةٍ من المفاهيمِ من الرَّوابطِ الدِّلاليَّةِ، تتَّصفُ بالتَّغريبِ والدِّلالاتِ البعيدةِ، والإيحاءاتِ العميقةِ، والتَّشكيلاتِ العنكبوتيَّةِ إذا جازَ لي التَّعبير التي جعلت العلاقةَ بين الدَّالِّ والمدلولِ أكثرَ تعقيداً، وأكثرَ تأويلاً، فاتَّسعت الفجوةُ بين الدَّالِّ والمدلولِ، وضاقت المسافةُ بين الشِّعرِ والنَّثرِ، فكانت قصيدةُ النَّثرِ أشبهَ بحالةِ انفجارٍ أصابَ بِنيةَ اللُّغةِ، هذا الانفجارُ أصابَ الأصواتَ، والمقاطعَ، والألفاظَ، والتراكيبَ النَّحويَّةَ، والأساليبَ البلاغيَّةَ.

وهنا لا بدَّ أن أخلُصَ إلى أنَّ قصيدةَ النَّثرِ ينبغي أن تُدرَسَ بعيداً عن الشَّكلِ، فالشَّكلُ متغيِّرٌ ومتحوِّلٌ، شأنُه شأنُ فيروس الكورونا كما يظهرُ لنا الآن، فقصيدةُ النَّثرِ باختصارٍ ينبغي أن تُدرَسَ وفقَ مفهومِ البِنيَّةِ الأُسلوبيَّةِ، فهي بِنيَّةٌ ذات مضمونٍ شعريٍّ بشكلٍ لا شعريٍّ .

 

د. عاطف الدرابسة

 

 

أحادية المصدر وثنائية التناول في ثلاثية القراءة النقدية لرواية عيسى الحلو

"نحن بحاجة إلى التاريخ بأكمله، ليس لكي نعود إليه، ولكن لنرى إن كان بمقدورنا أن نهرب منه."              خوزيه أورتيغا غاسيت

لقد وصلت أخيراً إلى ما وعدت به: كتابة ثلاثية نقدية عن رواية عيسى الحلو "نسيان ما لم يحدث". وهي قراءة لا تضع اعتباراً إلا لسلطان النقد .... بدأتها ب"البحث عن الذئب الذي لم يأكل يوسف  وأنهيها بمحاولة "الهرب من الذئب الذي لم يأكل يوسف... " والذئب الذي نركض ونلهث ونطارده، ويطاردنا هو بدوره في متاهات "نسيان ما لم يحدث" هو التاريخ الذي ينشغل به عيسى الحلو على عدة مستويات في متاهات الرواية وتخومها. فهو مشغول به كفلسفة  عندما يقول: "حينما يعلو الواقع المباشر حيناً  ويتدنى التخييل.. ينهض علم التأريخ.. ويتسفل شأن الفنون.. والأفكار والآداب.." (ص 105). ومشغول به كذلك كسرد، وأيضاً كخطاب.

ومنذ البداية أود توضيح أنه على الرغم من اهتمامي، كما كان في الجزئين السابقين هو نص "نسيان ما لم يحدث" فإنني سأتعرض في قراءتي هذي لمقابلة أجراها معه محمد نجيب محمد علي تحمل عنوان "حدد العمر مسارات خطيرة جداً في الكتابة/ السرديات الكبرى سدت الطرق أمام الكتابة الجديدة" على صفحات مجلة كليك برس الإلكترونية، لأنها تتضمن إشارات حبلى بالدلالات عن التاريخ وعن أشياء أخرى ذات صلة قريبة أو بعيدة به. والمقابلة كما سنرى لاحقاً، مثل جميع الكتابات الجيدة، تثير من الأسئلة قدراً أكبر مما تنجح في الإجابة عليه.

ومع تعدد محاور الحديث عن التاريخ وتعقيداته في "نسيان ما لم يحدث"، فإن الحديث عن الرواية لا يستطيب دون التعرض للنقد والتعريض بالنقاد الذين أنا منهم. أقول هذا وأكاد أكون على يقين من أنه في وجدان ثقافتنا هذا أ نه إذا كان الشاعر هو ابن الأدب المدلل، والروائي والقاص هما من أبناء العمومة والخؤولة المقربين، فإن الناقد هو النغل الذي يعرفه الجميع ولا يعترف به أحد. ورفقاً بنا معشر النقاد ارتأيت استدعاء كلمات تندد بالنقد والناقد دون أن تغلظ عليه شديداً في القول. هذا مع الإقرار بأن كلمات تيودور روزفيلت التي اخترتها ليست عن الناقد الفكري أو الأدبي أو الفني، وإنما عن الذي يرتضي بديلاً عن الفعل أن ينتقد ويعيب وهو ينظر شزراً إلى إخفاقات الذي يحاول فيصيب حيناً ويخطئ مرة أخرى: "ليس الناقد هو المهم، ليس ذلك الذي يشير إلى كيف أن الرجل القوي قد تعثر، أو حيث كان بإمكان فاعل الأشياء أن يفعلها بشكل  أفضل. الفضل يعود للرجل الموجود بالفعل في الساحة، الذي يغطي وجهه التراب والعرق والدم، الذي يناضل ببسالة، الذي يخطئ ويقصر مراراً وتكرارا: لأنه ليس هنالك جهد بدون أخطاء وعيوب. الذي يسعى فعلا لكي يفعل وهو يشعر يالحماسة الكبرى والتفاني الكبير، الذي يبذل نفسه في قضية تبيلة، من يعرف في النهاية متعة الإنجاز الكبير، ومن في أسوأ الأحوال، إذا فشل، على الأقل يفشل بينما كان يحاول بجسارة حتى لا يكون مكانه أبداً بين تلك النفوس الباردة والخنوعة التي لم تتذوق نصراً أو تتجرع هزيمة." وما أقل الذين يفعلون، وما أكثر الذين يكتشفون النقص والنقصور فيما يفعلونه.

وعودة إلى التاريخ  ليس بوسعي غير أن أقول إن تعامل عيسى الحلو معه في "نسيان ما لم يحدث" يتصف بتعقيدات يكشف عنها السرد وحديث عيسى الحلو عنه. ويدفعنا هذا للتعامل مع تجلياته على عدة مستويات من بينها الفصل والتفريق بين تاريخين هما العام والوجودي الخاص: "يمتلئ رأس أمين النوراني بالصور. صور تأتي من بعيد .. من أمكنة وأزمنة مجهولة. من الخيال ومن التاريخ. وهنا يحتدم الصراع. وتقاتل ذاكرة أمين النوراني قتالا شرسا هذا التاريخ العام الذي يسعى بقوة لمحو تاريخ أمين النوراني الوجودي الخاص. وتجيء الصور من الخيال والوهم والنسيان مكسوة بغبار الأزمنة." (ص13)

وتقودني المقولة أعلاه إلى التنويه والتنبيه والتحذير من أن هذه الثنائية في التعاطي مع التاريخ في "نسيان ما لم يحدث" عميقة ومتجذرة وذات مغازٍ ودلالات تفرض عليّ العودة إليها أكثر من مرة في سياق هذه القراءة. ومع القبول في هذا المنعطف بوجود قتال شرس قي ذاكرة أمين النوراني بين تاريخين، فإن خصوصية التعامل مع التاريخ تأتي ومعها مشاكلها "الخاصة" بها عندما تعنمد عملية استرجاع التاريخ على الذاكرة، كما يتضح في حديث إحدى شخصيات الرواية عندما تقول "الذاكرة هي وعاء التأريخ العام والتأريخ الخاص .." (ص17). ولكن الذاكرة لا يُعتد بها كثيراً في رصد التاريخ، ولا يعول عليها إلا قليلاً عند استعادته. وإن كان هذا الحال يصدق على العديد من مجالات البحث، فإنه يكتسب في الإطار السردي السوداني مذاقاً خاصاً أخشى القول إنه ليس طيباً في كثير من الأحيان. ومن الدراسات التي تسلط الضوء على هذا المذاق المُستعاد دراسة إلينا فيزاديني التي تحمل عنوان "الذكريات المتنازع عليها، التبعية والدولة في التواريخ الاستعمارية وما بعد الاستعمارية في شمال شرق إفريقيا"، وأيضا دراستها "جواسيس وأسرار وقصة تنتظر أن تُحكى: ذكريات 1924، الثورة والتعنصر في التاريخ السوداني." ولعلي لا أخرج عن السياق هنا عندما أقول إن فيزاديني تزعم أن الخيانة تتسلل من بين جنبات التاريخ السياسي السوداني، وهذا أيضا تتلمسه وتفضحه بعض روايات "نسيان ما لم يحدث" التي تزعم أن "طعم الهزيمة (في كرري) خرّب الضمير السوداني كله  .. فأصاب الداء الأجيال جيلاً بعد جيل! وطلب خليفة المهدي من رجالات الدولة أن يستعدوا للهجرة .. استعدادا لمواصلة القتال .. ولكن رسول الخليفة كان قد وجد رجالات الدولة قد ذهبوا لسراي كتشنر لإعلان الطاعة والولاء!" (ص 41). "

كما تظهر بين متاهات السرد ثنائية تاريخية أخرى عندما يقول السرد "ولكن رسول الخليفة كان قد وجد رجالات الدولة قد ذهبوا لسراي كتشنر"، و"تتوغل الجياد وتخترق حزام الدفاعات والستر(في كرري)"، و"أبحرت (البواخر) باتجاه الخرطوم التي استولت عليها جيوش كتشنر." وهذه الثنائية تنهض طارحة تعارضاً واضحاً بين القراءة المعتمدة للتاريخية وقراءة أخرى يتبع فيها عيسى الحلو بشكل عام، وبطريق مقصود أو غير مقصود، ما ينادي به بروفيسور إيه إتش كار في دراسته "ما هو التاريخ"، والذي يبسط فيها اعتراضه على القيم الليبرالية السائدة حيال التاريخ والحقائق والعلوم والأخلاق، وبخاصة الأحكام التي يطلقها الأفراد وتتبناها الجماعات عن أحداث التاريخ. وقد عارض بروفيسوركار في دراسته بشكل أساسي مقولة سي بي إسكوت الشهيرة "التعليق حُر ولكن الوقائع مُقدسة"Opinion is free, but facts are sacred والتي تعتبر حجر الزاوية في الدراسات الإنسانية بشكلٍ عام في كل مكان. ويعترض كار على هذه القاعدة الليبرالية زاعما أن "التعليق ليس حراً والوقائع ليست مقدسة." ويزعم بروفيسور كار أن غاية ما يفعله المؤرخ هو أن يختار الحقائق التي تروقه من بين عدد أكبر من الحقائق التي تتوفر له ثم يقوم بتفسيرها وإعلاء شأنها من منظور أيديولوجي، قد يتعرف عليه ويعترف به وقد لا يفعل، على حساب حقائق أخرى تتمتع بذات القدر من الصلاحية، ولكنه اختار أن يتجاهلها بسبب المنظور الأيديلوجي الذي يصيب رؤيته هنا بالغبش. ولا بد لي من التنويه هنا إلى أن هنالك أيضاً معطيات الحقيقة الجمالية والحقيقة التاريخية و"فرضية "التاريخ المغلوط" والتي من شأنها أن تضيف أبعاداً إضافية إلى هذا الجدل، وكني لا أريد الخوض فيها هنا.

وهنالك ثتائية أخرى تتبدى عندما تقول شخصية أخرى من شخصيات الرواية:

"هي إذا أرواح تحلق.. تأتي من بعيد .. أكاد أسمع رفيف وأزيز الأجنحة!! إتها أعمال كالسحر .. يأتون من  بعيد من موقعة كرري! ومن لينينغراد.. ومن ضربة أبراج واشنطن في سبتمبر .. ومن تهديد دولة صغيرة تافهة لأعظم قوة ترسانة هيدروجينية في العصر الحديث! .. وها نحن نرى ونلمس أجساد يأتون إلينا في الخرطوم الآن من كل الأزمنة ومن كل فج وصوب.. من دولة المهدي ومن مروي القديمة .. لقد جاءنا الجاسوس العالمي المعاصر من أمريكا اللاتينية .. وابن لادن من زمان الصحابة الأول! وهكذا!!!" (ص 17).

والثنائية التي نحن معها الآن هي ثنائية الصحيح والخطأ التي قد تتسلل تفاصيلها عبر عُتمة - أو إعشاء وهج - السرد غير الموثوق به، والتي يعتمد قبولها أو رفضها على فطنة القارئ الذي قد يتبين وقد لا يتبين أنه لم تكن هنالك ضربة على أبراج واشنطن، وإنما كانت هي أبراج نيويورك للتجارة العالمية ، وأن العالمي الذي جاءنا من أمريكا اللاتينية (كارلوس) لم يكن جاسوساً، وإنما ثوري احترف النضال، أو إرهابي على أسوأ الفروض، وأن ابن لادن لم يأتنا من زمان الصحابة الأول وإنما جاءنا عبر وكالة المخابرات المركزية من أضغاث أحلام أو أو هام التطرف الإسلامي. كما قد يتبين القارئ، أو على الأرجح قد لا يتبين، ما هي الدولة الصغيرة التافهة  التي تهدد أعظم قوة ترسانة هيدروجينية في العصر الحديث، وهكذا، وهكذا، وهكذا!

وقد آن الأوان لكي أتوقف هنا عند ثنائية قد تبدو غير ذات دلالة كبرى، ولكني أراها بالغة الأهمية، وهي ثنائية التاريخ والتأريخ. فعيسى الحلو يستخدم كلمة "التأريخ" بالهمز الساكن، والذي هو المصدر من أرَّخَ يؤرِّخُ تأريخًاً أي كتب تاريخًا ودوَّنَ تقييداً عن زمان محدد، أو مكان معين، أو حدث بعينه ثمان مرات. أما التاريخ بالمد من غير همز كاسم للعِلْم بالأزمنَة والأمكنَة والأيام والأحداث، والذي يُطلَقُ عَلَما على مصدر مثل تاريخ الطبري وتاريخ ابن خلدون وتاريخ السودان فهو يستخدمه ثمان مرات أيضاً. ولا أظن أن عيسى الحلو قد توخى استخداماً متعادلاً للتاريخ والتأريخ، ولكن قد يكون! ففي حين يستخدم عيسى الحلو مصطلح التاريخ بمعناه العام عندما يقول "ولكن هذا التشابه الذي نجده يطبع بعض أحداث التاريخ .. أهو كما نقول (إن التاريخ يعيد نفسه؟؟)" (ص47) فهو يستخدم تأريخ عندما يتحدث عن كرري وأم دبيكرات وخليفة المهدي والخليفة علي ود حلو. وهذا يعود في تقديري، كما ألمحت سابقاً، إلى أن عيسى الحلو حتى عندما يتحدث في المقابلة التي نوّهت إليها عن "نسيان ما لم يحدث" "كذاكرة للأصوات المفصلية في تاريخ السودان القديم والحديث، وهو تاريخ زاخر بما حدث وما لم يحدث وبنسيان بعض أحداثه"، فإنه ينوء بثقل وطأة تاريخ، بعضه، إن لم يكن كله، هو إرث شخصي عليه أن ينهض بثقله كل صباح.

"كان الليل يهبط وكانت كرري قد دمرت تماماً. وانسحبت البواخر النيلية المحاربة. تراجعت من الشاطئ إلى وسط النيل... وكان خليفة المهدي وأعوانه على مشارف ضاحية أم دبيكرات وهم على ظهور الخيل .. أجسادهم منهكة حيث قضوا ثلاث ليالي في الطريق من أم درمان إلى هنا... ونزل أصحاب المهدي من ظهور الخيول .. وفرشوا الفروات على الأرض وأخذوا يصلون.. وفجأة حصدتهم رشاشات الجند!! ومع الأيام أصبحت أم دبيكرات مزاراً للثوار وأيقونة وذكرى عزيزة لوطن استلبه المستعمر... وهي موطن قبيلة دغيم التي ينتمي إليها الخليفة علي ود حلو الذي دفن مع الخليفة عبد الله التعايشي والصديق الإمام المهدي." (ص 51-52)

فالتاريخ هنا تأريخ، والفقد هنا شخصي، والفجيعة ماثلة، والحزن ملموس، والوجع محسوس، وعيسى الحلو لا يكاد يمضي منه قليلاً حتى يعود إليه:

"وتجيء أزمنة الوطن .. يجيئ البلد .. تجيء كرري بواخر نيلية داخنة، مبحرة فوق عرض النهر .. مدافعها موجهة نحو العمق .. جهة الغرب .. جيوش على ظهور الجياد تزحف شرقاً نحو النهر .. وهنالك محاربون مدججون بالبنادق .. والدراويش المهدويون رافعين سيوفهم التي تلمع تحت ضوء الضحى الباهر والغبار المتصاعد تحت حوافر الخيل وهي تخوض ساحات الوغى.. تتوغل الجياد وتخترق حزام الدفاعات والستر وتتساقط العمائم تارة والطرابيش والقبعات تارة أخرى وتتساقط الجثث من الجانبين. وتصرخ الحرب كلها شرقاً وغرباً .. سيوفاً وحراباً ومدافع وكلاشنكوف وبنادق. وتتساقط الجثث .." (ص 40-41)

وهنا لا بد لي من القول إن "نسيان ما لم يحدث" نص ينتحل نفسه. فهذا المجتزأ المقتبس أعلاه يعاود الظهور، ولا يكرر نفسه تماما. فبدلاً عن " يجيئ البلد ..تجيئ كرري" نجد "يجيئ السودان .. أزمنة إثر أزمنة"، وتضاف الطبنجات إلى البنادق، وَضوء الضحى الباهر" تحول إلى " أضواء الضحى الباهرة"، وبدلاً عن "وتتساقط الجثث من الجانبين" نجد "وتتساقط جثث الغزاة.." وهنالك أيضاً "وعندما مالت الشمس للمغيب  كانت السهول تحت جبال كرري قد امتلأت بجثث أنصار المهدي التي حلقت فوقها الغربان." التي تأني أكثر من مرة! وهذه جميعاً انتحالات، أو إن شئت استعارات. لأنه كما يقول بي بي كينق "لا أعتقد أن هنالك من يسرق شيئاً، جميعنا يستعير." ولكن، مثلما هو الحال في كثير من الأحيان،يأتينا إيقور استرافينسكي مناقضاً ذلك بقوله: "الفنانون الصغار يستعيرون، ولكن الكبار يسرقون." ومن بين تلميحات الاستعارة وتصريحات السرقة أود التأكيد على أنني لا أولي مسألة "انتحال النص لنفسه" اعتباراً كبيراً إلا في حدود أن الدهشه أصابتني وأنا أرى عيسى الحلو يشعر باحتياجه ليفرط في قول شيئ في حين أن الاستراتيجيه الغالبة لكتاباته القصصية والروائية هي جعل السرد يقول عنده لفظاً أقل مما يقوله عند غيره. ولا أتردد هنا للحظة واحدة عن قول إن عيسى الحلو ينحو في هذا منحى أحد "أساتذته"، إرنست هيمنغوي الذي كتب في "موت في الظهيرة": إذا كان كاتب النثر يعرف كفاية عما يكتب عنه، فقد يحذف الأشياء التي يعرفها، وإذا كان الكاتب يكتب بما يكفي من الحقيقة، فسيكون بمقدور القارئ أن يشعر بقوة بتلك الأشياء كما لو أن الكاتب قد صرّح بها. إن وقار حركة جبل الجليد العائم يرجع إلى كون ثُمنه فقط هو الذي يظهر فوق سطح الماء." وعيسى الحلو يعرف هذا جيدا كاستراتيجية للكتابة. ولهذا يمكن القول إن الحذف المتعمد، في كثير من الأحيان، هو الطاقة الكامنة وراء الوقار المتوتر في كتابات عيسى الحلو.

ويحكي السرد في "نسيان ما لم يحدث": "وقد كان أمين في سرده للحكايات يحاكي الحيل الذذكية في تلك الحبكات القوية في السرديات الأسطورية والقصائد الملحمية الكبرى. وكان النقاش بين الأصدقاء يحتد حول السرديات المهمة على طول مجرى التاريخ الإنساني.. تلك الحيل التي تجيء عند الكبار .. كافكا .. وفيرجيلوهوميروس وهمنجواي وبرخيس." ولكن ليس هو فقط أمين النوراني الذي يفعل ذلك نيابة عن الحلو، إذ أن الحلو نفسه يعود ليفعل ذلك عمداً وقصداً وأصالة عن نفسه.  ففي بوحه في "حدد العمر مسارات خطيرة جداً في الكتابة" يقول عيسى الحلو: "هنالك كتاب ينطلقون من الأفكار أنا من بين هؤلاء، في القصة العالمية أرى بوضوح في ذلك ميلان كونديرا والبرتو مورافيا، وأيضاً هنالك جون بول سارتر الذي كتب رواياته بدافع تبسيط الفكر الوجودي فلسفياً." وعلى الرغم من أن "الخفة غير المحتملة للوجود" تُذكر في تناقض مدلول كلماتها بتناقض مدلولات "نسيان ما لم يحدث" فلو كانت هنالك رواية تبدو من الخارج بسبب عنوانها وكأنها ستشارك "نسيان ما لم يحدث" في بعض ملامحها ثم لا تفعل فهي تلك. ولو كان هنالك روائي يختلف تماما في تعامله مع الرواية عن عيسى الحلو فهو ميلان كونديرا. فعلى الرغم من أن كونديرا يشبه عيسى الحلو في بعض المناحي، فإنه يختلف عنه أيضا بشكل واضح في عدد منها. فكونديرا مثل الحلو ممارس متميز للنقد، ومثله أيضاً معادٍ للأيدولوجية، ولكن في الوقت الذي آثر فيه كونديرا الصمت والتوقف والإنزواء، فلحسن حظنا لم يفعل عيسى الحلو شيئاً من ذلك.

وكما قلت فإن مقابلة "حدد العمر مسارات خطيرة جداً في الكتابة/ السرديات الكبرى سدت الطرق أمام الكتابة الجديدة" مثل جميع الكتابات الجيدة، تثير من الأسئلة قدراً أكبر مما تنجح في الإجابة عليه. ومن هذا المدخل هنالك أشياء اتفق مع عيسى الحلو فيها مثل "أن القصة القصيرة فقدت قارئها". وهذه ملاحظة لماحة مدركة وذكية. فعالمياً ازدهرت القصة القصيرة مع ازدهار الصحافة وظهور المجلات. وفي سودان اليوم الذي يشهد اضمحلال الصحافة تفقد القصة القصيرة قارئها. وهنالك أشياء أظل فيها على الحياد مع الحلو مثل وقفته المطولة على أطلال الشكلانية وتجاهله لما جاء بعدها مثل البنيوية وما بعد البنيوية  وأركيولوجية فوكو واستشراق سعيد وهجنة هومي بابا والخطاب ما بعد الكولونيالي. وهنالك أشياء أخرى أختلف فيها معه تماما، وعلى رأسها تسليمه على "أن الطيب صالح سقف الرواية"، وهو موقف، كما يقول محمد نجيب محمد علي، تراجع عنه الحلو قليلاً، ثم عاد وأكد "أن الطيب صالح هو سقف الرواية." والذي أراه هو أن الطيب صالح ليس سقفاً للرواية السودانية أو أي رواية أخرى. وهذا ليس موقفاً من الطيب صالح، إذ أنه ينطبق على غيره. فإيفو أندريتش ليس سقفا للأدب السلافي، ونيكوس كازانتزاكيس ليس سقفاً للأدب الإغريقي، وليس كذلك سلمان رشدي للأدب الأنجلوأمريكي، أو باولو كويلو للأدب البرازيلي، أو نايبول للأدب الكاريبي، أو غابرائيل غارسيا ماركيز للأدب الناطق بالأسبانية. يكلمات أخرى ليس للأدب مقياس يقاس به Yardstick أو معيار يتم تقييمه على أساسه Benchmark. فالإبداع باب مفتوح على مصراعيه يقود إلى ساحة تطل مباشرة على السماء. وهو جهد لا يحدده مكان ولا يطوقه زمان ولا يملي عليه إرادة كائن من كان. أما القول بأن "السرديات الكبرى سدت الطرق أمام الكتابة الجديدة" فهو قول لا تسنده وقائع تاريخ الأدب في أي مكان. فإبداعات دستيوفسكي لم تمنع ظهور باسترناك، وروائع توماس مان لم تحول دون ظهورغونتر غراس، ومرويات يوكيو ميشيما لم تحجر ظهور هاروكي موراكامي، وإنجازات فوكنر الروائية لم تحول دون ظهور جاك كيرواك

ولجاك كيرواك، صاحب "أحدهم طار فوق عُش الوقواق"، رأي بديع في هذا الشأن طرحه في مقال شهير له تحت عنوان "هل يُصنع الكتاب أم يولدون؟" موجود ضمن كتابه "العطف، خداع الذات والأبدية الذهبية." ويبدأ كيرواك بحثه بالنظر إلى كلمة "العبقري" التي لعبت دورا كبيراً في تشكيل مفهوم الثقافة الإبداعية، فيقول: العبقرية لا تعني الغرابة أو الانحراف أو الموهبة المفرطة. فهي مشتقة في اللغة الإتجليزية من الكلمة اللاتينية gignere (تلد). ويضيف أن العبقري في الأدب هو الشخص الذي ينشئ شيئاً لم يكن معروفاً من قبل. وفي هذا الإطارلا أحد غير ملفيل يمكن أن يكتب "موبي ديك"، ولا حتى ويتمان أو شكسبير كان بإمكان أي منهما أن يفعل ذلك. ولا أحد سوى ويتمان قادر على أن يكتب "أوراق العشب". لقد وُلِد ويتمان ليكتب "أوراق العشب"، ووُلِد ملفيل لكتابة "موبي ديك.

وعلى ساحة الأدب السوداني لو لم يكتب محمد عبد الحي "العودة إلى ستار" لما كتبها أحد، ولو لم يكتب محمد المكي إبراهيم "بعض الرحيق أنا والبرتقالة أنت" لما كتبها غيره، ولو لم يكتب محمد الفيتوري "معزوفة لدرويش متجول" لظلت غائبة تماماً في رحم الغيب. فهذه الأعمال هي نتاج عبقرياتهم وحدهم لا شريك لهم فيها ولا مانح أو مانع. وفي الرواية لم يكن بمقدور أحد أن يكتب "السواد المر" غير الروائي القاص الشاعرالناقد المترجم وصانع الأفلام محمد سليمان الفكي الشاذلي، ولا حتى صديقه الطيب صالح. كما أنه لم يكن لأحد أن يكتب "أطياف هنري ويلكم" غير العبقري الفوضوي الخلّاق مهند الدابي. والحال هو ذات الحال مع "نسيان ما لم يحدث" بنواقصها المحدودة وبروعتها اللامتناهية. لا سقف هنا يحجب أو يظل، ولا نافذة يطل منها من يطل، ولا درج يرتقيه عازم على الصعود، أو حبل يتدلى به راغب في النزول وإنما هي عبقريات تفري فريها حتى يرتوي الناس منها ويضربوا بعطن.

 

وكما أن هنالك تاريخ وتأريخ، فهنالك أيضاً في "متاهات نسيان ما لم يحدث" الهرب من شيئ والهروب إلى شيئ آخر. وهذه ليست محاولة للتلاعب باللغة، وإنما هي اختلاف في المداخل والروئ والتصورات تتضح معالمه عند النظر إلى منطلق خوزيه أورتيغا غاسيت الذي يرى أننا "بحاجة إلى التاريخ بأكمله، ليس لكي نعود إليه، ولكن لنرى إن كان بمقدورنا أن نهرب منه" وبين منطلقات وقراءات آخرى مؤسسة على تجارب معرفية مختلفة قادت إلى تبني مواقف مغايرة من بينها قراءة فرانك جيري الذي يقول: "لا يمكنك الهروب من التاريخ حتى ولو أردت ذلك، فأنت بحاجة لكي تعرف جيداً من أين أتيت، وأن تدرك تماماً كيف أن كل شيئ قد تمّ على هذا النحو أو ذاك." ويمضي معه في هذا التوجه اليكس هيلي، مؤلف ملحمة "الجذور"، الذي يكاد حلقه أن يغص بمذاق كل تلك المرارات التي تجرعها الأفارقة الذين حملتهم رحلة الاسترقاق عبر الأطلنطي إلى حقول التبغ والقطن والسكر والذل والمهانة في الكاريبي والجنوب الأمريكي، ولهذا فهو أكثر إحساساً بمغبة تجاهل دروس التاريخ وعبره عندما يقول: "ما لم نتعلم من التاريخ فسيكون قدرنا أن نعيده. وهذا لم يعد مجرد اجتهادات أكاديمية، وإنما قد يتضمن مصير عالمنا وقدرنا كبشر." أما عيسى الحلو، المُلِم بذلك جميعه، فإنه يعيش في "نسيان ما لم يحدث" حالتي الهرب (كفعل غير مشروع)، من التاريخ والهروب إليه (كفعل مشروع وأكثر ايجابية). فعلى مستوى "الهرب من" يقول السرد:

"وطوال كل هذ القرن المنصرم، ورغم تكرار هذه الفواجع في التأريخ الوطني وإن اختلطت أشكال هذه الفواجع إلا أن القوم لم يتعلموا شيئاً من هذه الهزائم! .. كانوا ينسون كأن شيئاً لم يحدث!! ... وهكذا يشتغل النسيان.. نسيان ما لم يحدث أصلاً في فضاءات الذهول والنوم الأسود. ويمشي الناس على الأرض وهم نيام .. يحيطهم الليل من كل جانب! وهم لا يدرون... حتى أصبح وعي العالم هو نوع من الهروب من الواقع." (ص 35-36)

وعلى مستوى "الهروب إلى" يقول السرد:"وهكذا انتهى ذلك العهد الوطني الذاخر بالتضحيات وغيب في غياهب التاريخ ... انطوى الناس صمتاً وتوجساً وخوفاً من الزمن الذي أصبحوا لا يأمنونه ولا يستريحون إليه. لقد قتلت في قلوبهم هذه النبضات التي تمجد ذكرى المهدي الإمام. وانتظروا حتى أتاهم استقلال السودان فعاودوا رواية تلك السير..وأخذوا يتعرفون على أنفسهم كأناس حقيقيين من جديد!" (ص 52). ويلاحظ القارئ أنني أكتفي بتقديم كلمات عيسى الحلو كما هي من غير أي محاولة لتقديم أي نوع من أنواع التفسير، لأني على قناعة بأن التفسير، كما تقول سوزان سونتاج، هو "انتقام المثقف من الفن"Interpretation is the revenge of the

وفي ذات المقابلة عندما تحدث عيسى الحلو عن توجيهه بعض اللوم لأبناء جيله لأنهم لم يأخذوا أنفسهم "بالشدة فتضخمت عندهم أحيانا "الذات الكتابية" سأله محمد نجيب "ألا تجد في ذلك تواضع الكاتب منك؟" فرد عليه الحلو"يقولون لي ذلك، وأنك متواضع كأنما في ذلك خلل في استقامة الأمور، وأنا أرى أن الكاتب كلما عاش التواضع قرأ العالم وما حوله ونفسه قراءة ذاتية جيدة لا ترتبط بنرجسية ولا تضخم الأشياء..." والحلو يقول، وإن لم يكن يقول فإته يقبل بفضيلة التواضع. والذي أراه أن ذلك غاية في حقيقة الأمر غايية في الغرور. ولا أقول هذا من باب اللوم أو التعيير، وإنما أقوله من منطلق المحبة والتقدير.فالروائي بحاجة إلى ذلك الزهو الداخلي الذي يجعله، كما يقول جيمس جويس في "صورة للفنان في شبابه": "أن نعيش، وأن نخطئ، ونسقط، وننتصر، ونبدع الحياة من الحياة. ظهر له ملاك وحشي، ملاك الشباب والجمال الفاني، مبعوث من محافل الحياة الرائعة، ليلقي أمامه مفتوحة في لحظة نشوة أبواب كل طرق الخطأ والمجد. وما إلى ذلك وما إليه وما إليه وما إليه!" ولأن المتحدث هنا هو جويس لا أستطبع التوقف عن إيراد ما قاله في لغته الأصلية حتى يرى القارئ شتان ما بين الترجمة مهما حاولت وذلك الإبداع اللغوي الذي لا يجارى:

“To live, to err, to fall, to triumph, to recreate life out of life. A wild angel appeared to him, the angel of mortal youth and beauty, an envoy from the fair courts of life, to throw open before him in an instant of ecstasy the gates of all the ways of error and glory. On and on and on and on!”

وأنا أقترب من .. على يقين من أنني قد أزعجت أستاذي عيسى الحلو بالعديد من الأحكام التي لا أخضع فيها إلا لما أعتقده من جماليات الأدب وما أقتنع به من حقائقه. والعلاقة بين الجمال والحقيقة في الأدب والفن علاقة لا انفصام لها. وفي هذا يقول دبليو أتش أودن "ينشأ الفن من رغبتنا في كل من الجمال والحقيقة ومعرفتنا أنهما لا يتطابقان"، ولكننا نسعى لكي يتطابقان. أو كما قال فيليب لاركن "تبدأ كل قصيدة على أنها إما حقيقية وإما أنها جميلة. ثم نحاول أن تجعل القصيدة الحقيقية تبدو جميلة، وأن تبدو الجميلة حقيقية."  ولهذا قد يريحه قليلاً أنني قررت منذ البداية أن تكون قراءتي لرواية "نسيان ما لم يحدث" ثلاثية، وليست خماسية أو سباعية. ومع هذا لا بد لي من الإعتراف بأنني قد وجدت متعة بالغة في التجوال بين متاهات "نسيان ما لم يحدث" باحثاً عن "الذئب الذي لم يأكل يوسف"، مستانئساً به وقتاً، وهاربا منه عند نهاية التجوال بعد أن عوى مراراً بنداءات الذاكرة والنسيان والخيال والوهم والإمكان والاستحالة وأخيراً التاريخ.

أخيراً، لقد ظل عيسى الحلو عمراً في ساحة الأدب يكر ولا يفر، يراجع تارة وتارة يبدع، يقول ولا يقذع، ينصح ولا يروع، ويطمئن ولا يفزع، ويزود عن كل ثغر للأدب، وينافح عن كل موقع. يفعل ذلك وهو "يطاعِنُ خَيلاً مِن فَوارِسِها الدَهر"، ويترك في عوالم القصة والرواية والنقد "دَوِيّاً كأنّما تَداوَلَ سَمْعَ المَرْءِ أنْمُلُهُ العَشرُ." ولهذا كلما رأيت صورته مبتسماً على الغلاف الداخلي "لنسيان ما لم يحدث" وجدتني أردد كلمات الفريد لورد تنيسون:

“Though much is taken, much abides; and though/ We are not now that strength which in old days/ Moved earth and heaven; that which we are, we are;/ One equal temper of heroic hearts,/ Made weak by time and fate, but strong in will/ To strive, to seek, to find, and not to yield.”

"وعلى الرغم من أن الكثير قد ذهب، إلا أن الكثير يثابر؛ ومع أننا لم نعد نمتلك قوة الأيام الخوالي التي تحرك الأرض والسماء، فلا زلنا نحن كما كنا نحن، ذات المزاج المعادل للقلوب الجسورة، التي ألحق الزمن والقدر بها الضعف، ولكن الإرادة لا تزال قادرة على أن تناضل، وتسعي وتبحث وتَجِد، وأبداً لا تذعن."

 

أحمد حسب الله الحاج

 

 

مهما كان الالم رقيقًا واقصد هنا وصفه بترفق، يبقى يمارس وظيفته، في النهاية هو منظومة من الأوجاع الجسدية او النفسية، حتى لانبتعد كثيرًا،،ساقني الفضول الى قراءة رواية خطى في الضباب للقاصة ذكرى لعيبي، وقد عزفتها كاتبة قصة وشاعرة وناقدة احيانًا، اقول ساقني الفضول لانها مجايلة لي،،على الاقل في الاحداث الجسام التي مر بها العراق، انهيت الرواية في جلسة واحدة ليس لانها قصيرة، بل بسبب اسلوبها الشفاف والجاذب

 بصراحة انا عندي نقطة أتوقف فيها عن قراءة اي عمل او استمر،أتوقف عندما اشعر ان الكاتب، قد توقف او انقطع في إيصال الفكرة، انا اتكلم هنا كقارئ واعتقد ان جميعنا لديه هذا الامر، وهذا ما أكده بنفسنت في تعريفه للخطاب " الملفوظ منظورًا إليه من وجهة آليات وعملية أشتغاله في التواصل "اقول ان ذكرى لعيبي في هذا النص توارت بجهد منظم خلف شخصياتها ومارست تنظيم النص بكل حرفية سواء في القوس العاطفي وهنا نقصد به نمو الشخصية السردية بالإيجاب او السلب،او في طرح رؤيتها في جانب الميتاسرد (ما وراء السرد)، لكنها منذ العتبة الاولى، اي العنوان (خطى في الضباب) اوحت لنا طبيعة النتائج التي سيفضي اليه خطابها السردي،منها اولا، ان الحب المنتج مرتبط بمرحلة الشباب لانه يشكل حلقة مكتملة مع انها حاولت ان توغل في ايداع هذه النتيجة في الضباب لكن شخصية اليازية كشفت لنا هذه النتيجة،ثانيًا ان العلاقات في العالم الافتراضي تخفف من القيود الاخلاقية في جانب الإلزام، مع توفر مساحة فردية لا تطالها الاعراف والقيود على العموم سنعود على هذه النتائج كمحمولات للخطاب السردي (خطى في الضباب) لقد حاولت ذكرى لعيبي الاقتراب من الحدود الخطرة

،لكنه اقتراب حذر ومتحفظ،،ربما فقط في الحلم الذي راود أميرة احدى ابطال الرواية،وهي في رحلتها الى باريس حيث استطاعت ان تظهر رغباتها المقموعة الى منطقة التمثل،وكذلك لامست بحذر قضية زواج المتعة في جانب انعكاسه على المرأة هو غطاء شرعي للرجل لكنه عبء على المرأة التي هي في المحصلة تندحر الى مخلوق ثانوي وفق المنظومة الاجتماعية والدينية لان المجتمع والدين عندنا ذكوري أبوي رعوي،ما يلفت الانتباه بشدة في (خطى في الضباب) هو صوت المرأة ولانريد هنا الجانب الفني والذي سنتطرق اليه في ملاحظتنا للجانب الفني السردي، انما هنا أردت ان ابين أن خطاب ذكرى لعيبي هو اول خطاب يفصح عن مشاعر المرأة العراقية،،بصدق،،ببساطة لايستطيع الروائي الرجل التعبير بصدق عن صوت المرأة الداخلي وكذلك لاتستطيع المرأة عن تعبر بصدق عن صوت الرجل، مهما امتلكا القدرة الفنية، نلاحظ في رواية (ذهب مع الريح) استطاعت مارغريت ميتشيل ان تجعل شخصية (سكارليت اوهارا) صوت حقيقي للمرأة بكل صدق حتى أنك تستطيع ان تتفهم آلية اشتغال تفكيرها، وكذلك فعلت إيزابيل الليندي في منزل الارواح حيث مكنتنا من الولوج الى عقلية بطلة الرواية كلارا، بينما ذهبت كل مساعي هاروكي ماراكومي ادراج الريح حينما حاول استنطاق عقل المرأة في الغابة النرويجية، ولو نلاحظ حتى اُسلوب ڤرجينيا وولف المركب والوامض وهومايسمى بتيار الوعي،استطاعت رغم كل تعقيد الأسلوب ان توضح لنا ومضات السيدة دلاوي،،لقد سقت هذه الأمثلة واعتبرت ان ذكرى لعيبي في عملها الإشكالي خطى في الضباب هو اول عمل حقيقي يتناول آلية تفكير المرأة العراقية التي عانت الامرين خلال الحيّز الزمني المأزوم،،حيّز الحروب وإسقاطاته على المرأة العراقية مع اني كنت اتمنى عليها ان تتخطى حذرها وتوغل في سعيها لكشف معاناة المرأة العراقية إبان هذا القطع الزمني اللعين، فالعاطفة التي تمتاز بها المرأة عن الرجل،،عندما تتشابك مع الأبعاد الاجتماعية والدينية والسياسية،،وما تمثله من سرديات تخطاها الزمن،اقول هذه العاطفة في تشابكها ستفضي الى ضياع المجتمع، وبنفس الوقت هو هدر لكرامة وحقوق المرأة،،هذا الامر سيظل يلاحقها حتى في الغربة والتي تضيف قيد آخر،،ربما يقضي على ما تبقى من إنسانيتها،،

في الجانب الفني، اشتغلت ذكرى لعيبي بأسلوب رواية الأصوات المتعددة وهو اُسلوب يدل على احترافية متقدمة،،لكن الرواية كانت بحاجة الى صوت ثالث عدا صوت أميرة وصوت شامة، ومع تداخل الصوتين في بعض الأحيان، الا انها فصلت بينهما بالإيغال في تفاصيل حياة كل منهما، انا كقارئ كنت بحاجة الى قسم اخر يتمم الحكاية، ليس بالضرورة نهاية مصير كل من البطلات سواء أميرة او شامة او حتى فاطمة واليازية، لقد اوحت لنا ذكرى لعيبي بفصل مخفي وهو فصل الضباب، لابأس بذلك لكن النهايات المفتوحة يجب ان يساهم القارئ في نهايتها وحتى يفعل ذلك لابد من نقطة ينطلق منها، ربما نحن نسميها نقطة ديكارت، طيب سأتكلم. أخيرًا عن خطورة المحمول الأهم في خطاب (خطى في الضباب)، يذهب رولان بارت في كتابه المهم (درجة الصفر في الكتابة) ؛ " أن الشكل ليس حلية ولا مجموعة قواعد، بل تشخيصًا لأحاسيس ملتصقة بتجاويف الذات وبأعماق الموضوع وعلى الكاتب أن يواجه العالم والاشياء وأن يختار عزلته أو حضوره مع الآخرين "اذ تخطينا وفق هذه المقولة الجانب الفني في خطاب ذكرى لعيبي ماذا سنواجه ؟ هل اختارت العزلة ام الحضور ؟ الحقيقة هي اختارت موقف موارب بين العزلة والحضور، وارجو الانتباه لما سيأتي لنقدر خطورة المحمول الذي أشرنا اليه، اذا استطعنا تشخيص منظومة الشخصيات في النص سنكتشف نسقين الاول متمثل بالرجال (احمد،سامي، مؤيد،حاج جاسم،ابو خالد، الزوج الثاني) اما النسق الثاني متمثل بالنساء (أميرة،شامة،فاطمة، اليازية، المرأة العجوز)، هذين النسقين رغم انتمائهم الى منظومة واحدة الا انهما متناقضين، وفي اماكن تعالقهما يحدثان الضرر أشبه بالتيار السالب والموجب للكهرباء عند تماسهما، النسق الاول متعدٍ على الثاني ومنتهك لحقوقه وفق ما جاء في الخطاب مهما تفاوتت درجات التعالق او الشخصيات في تقاطعها، ما اريد ان أوضحه وقد اشرت اليه سابقًا في مقالات عدة ومواضع مختلفة، ان المرأة العراقية هي بنية تاريخية مصمتة تبلورت بحكم شبكة السرديات الكبرى والصغرى منها الدينية والعشائرية والاجتماعية والسياسية، انعكست عليها ظلال كل هذه المحددات بالاضافة الى سلسلة الحروب التي زادت من صلادة هذه البنية، فالمرأة العراقية بحكم غياب الرجل عن البيت بحكم الحرب،،تحولت المرأة مهما كان تموقعها الى الصف الأمامي في مواجهة متطلبات الحياة، لذلك كان عليها ان تمارس واجبات الرجل والمرأة في آن واحد، وكل هذا على حساب أنوثتها،،او بمعنى ادق وظيفتها البايلوجية اذًا هناك هدر كبير لتاريخ المشاعر، هناك وجه آخر لهذا الامر، الرجل العراقي ينظر الى ممارسة المرأة في افق متحرر لعواطفها او مشاعرها مهما كان تمثلها، خارج نطاق المنظومة (الدينية - الاجتماعية) على انها خروج سافر على المقدس وبالتالي يمارس رد فعل جائر يتفاوت بين الهجر صعودًا ربما حتى القتل حسب التموقع الثقافي والمعطيات الظرفية، في حين ان المرأة نظرتها تختلف بالكلية عن هذا الامر، اذ انها تمارس وظيفتها الام لا اكثر ولا اقل وقد اختزلت ذكرى لعيبي هذه القضية بجملة في غاية الحكمة والبلاغة وبصراحة انا شخصيًا احتجت الى سنين طويلة وقرائات متراكمة حتى توصلت الى هذه النتيجة بينما أوردتها ذكرى لعيبي بكل سلاسة وبصياغة ادبية رائعة اذ اختزلت بها طبيعة وظيفة المرأة وما يتراتب عليها من وعي لنرى ما ذكرته في ص٧١ " إن بهجة أرضاء غريزة لدى المرأة توازي بهجة ولادة طفل جديد في عالم اشرف على الهدم "

في الختام أقول ان (خطى في الضباب) نص بمحمولات خطيرة .

 

جمال قيسي / بغداد

 

حيدر عبدالرضامقاربة مبحثية مع فصول رواية (حديقة حياة)

البنية الدالة بين وعي الواقع وواقع الممكن

الفصل الرابع ـ المبحث (2)

توطئة: تتماثل وتتشكل في سياق الفصول الأولى من رواية (حديقة حياة) ذلك الزخم الترتيبي الزمني في لحظة بلوغ الشخصية الروائية أقصى شهودية تفارقها مع الزمن التناسبي المخصوص في مشخصات حالاتها الانفرادية المعنونة في واصلات صيغة (الاسترجاع = المسرود الذاتي) والقارىء إلى مستوى تقانة الاسترجاع الديالوجي والمونولوجي على لسان حال الشخصية ميساء، وقد نعاين أن مهام السرد في النص، غدا مسرودا مركزيا ذاتيا يحدد انتقالات الأحداث الروائية من عين حاضرها وماضيها، بدءا من مناجاة الشخصية ميساء إلى غيابات الحبيب زياد، وكيفية هي اللحظة الكاشفة عن جل خلجات مرورات الشخصية ميساء في استعادة الأحداث ضمن فواصل مرحلية خاصة من زمن ظرفية الواقع الشخوصي لها في النص .

ـ زمن حكاية الرواية وأوليات مؤطرات النص الروائي .

تتعامل الكاتبة لطفية الدليمي في الفصل الثالث الموسوم ب(من أوراق ميساء) مع الواقعة الشخصانية المتمثلة بشخصية ميساء، ضمن وحدة تصدير استهلالية من شأنها الحكي عن ارتباطات ومواقف عاطفية تخص بها حالات الشخصية ميساء، وعندما نتعامل مع تلك الافراغات الناتجة من قبل الشخصية على حال عين شهودها، نجدها عبارة عن نزعة عاطفية خاصة بهموم المرأة والفتاة التي تسعى إلى التمسك بأدنى رأس خيط من خيوط الأمل والحلم في الحياة العاطفية، وبالتالي فأن الكاتبة الدليمي كما هي عادتها في حال رواياتها السابقة، تجعل من شخوصها النسوية ذات أحلام متلاشية وزائلة، قياسا بأرجاعات وااقعها المغمور بالعزلة والحروب والأسئلة المصيرية الغارقة وسط الجدران .

1 ـ راهنية الزمن المفترض وسياق متخيل الفاعل السردي:

يتبين لنا من خلال فقرات ووحدات (من أوراق ميساء) ذلك الرصد العاطفي والوجداني المركب من صراعات الأنثى إزاء عقبات (الزمن = المكان = الذاكرة) ومن الملفت إلى النظر أن واقع الشخصية هنا، قد حل حلولا لا تقوى على نقله مفردات (العرض / السرد) لأن طبيعة اللغة في المنطوق جاءتنا وكأنها مناجاة مونولوجية مستفادة من منظور الرؤية الشخصانية من الداخل حصرا: (لا أسأل لماذا ؟.. وهل يعرف المرء لماذا وجدت الحياة والموت ؟.. أندفع للركض في دائرة مكتملة.. تنبهر أنفاسي، أواصل الركض، تعيدني الدائرة إلى النقطة ذاتها / أحاول الأفلات، لا أجد منفذا.. أعاود الركض في الدائرة الموصلة فلا أجد أحدا كل شيء موحد.. جنون.. هذا هو الجنون.. أخاطر بكل شيء.. ولكن بماذا يخاطر أذا كان لا يملك شيئا . / ص48 الرواية) تسجل هذه الوحدات من النص، فاعلية أداتية تقترب من موضعية قيمة الفقدان العاطفي والفراغ منه، إلتماسا منه إلى محاولة تصعيد الملفوظ الموقفي إلى درجة تحقيق القصد الأقناعي من معرفة حالات الفعل السردي المنقطع .

2 ـ الصعيد الشخوصي وتماثلات الملائمة السردية:

يمكن للحكي في أفعال الشخصية أن تكتسب محورية الفاعل المعروف كمرسلا ضمن محمولات خطاب السارد المحفوفة بكفاءة المسرود الشخصي المتصور، وهذا الأمر ما جعل موجهات السارد ـ انعكاسا داخل صوت الشخصية ـ الممارسة لتتابعية زمن الحكي (لا أملك غير قصة الحب المترنحة على حافة الهاوية.. حبي لزياد.. بالأحرى حبي أنا وليس حب أي واحد.. حبي وحدي.. عامان.. نعم منذ عامين تخرجت في قسم الآثار.. لم أكتشف غير البلايا لم أنقب في الحياة إلا على  المزيد من الميتات، كل خطوة أتعثر بضريح.. مرة واحدة شاركت في عمليات التنقيب مع أساتذتي.. أطروحة التخرج كانت تقوم على تجربة العمل في موقع ـ أورـ هناك وجدتني أعبث بالزمن . / ص48 الرواية) وعلى هذا النحو يتدرج مفهوم الزمن عبر وحدات المسرود، وفي حدود من الأطارية المحملة بخفايا تصورات التأريخ، امتدادا نحو صفات وسلوك الشخصية، وهذه العلاقة المطروحة ما بين (قصة حب = زياد = الميتات) هي الصورة المستعادة من قلب واقع الشخصية فاعلا منفذا، يقوم بمتابعة تقابل الحالة الأدائية في الموضوعة الظرفية له، تقابلا معادلا مع وقائع عوالم التنقيب في الآثار الميتة وكينونتها المتفحصة في مصنفات (إداء الفاعل) ذاته ولذاته، دون حدوث إي معطى كموضوعة واصلة في الدلالة الروائية . يأخذ المحكي المسرود في الرواية بعين الاعتبار، لذلك المنحى المستلب من ذاتية الشخصية، وعلى الصعيد السردي يشكل ـ فاعل الحالة ـ مضادا لعلاقته بقيمة الزمن الراكد والمنسي من حكاية حب الشخصية، وهذا الحد من الضدية للشخصية نحو زمن الأفعال المستعادة، ماراح يشكل بذاته العلامة الفارقة على كابوسية الزمن الشخوصي بعين الاندماج مع حساباته المعنوية , فالشخصية ميساء تنظر إلى الزمن وشخوصه (زياد = الأب المفقود = الأم الصامدة = مناقب الآثار) على أنها معطيات تفعيلية ومتلقية لوقائع زمنها بالنسبة لكونها هي المرسلة والمتمعنة إلى أفعال هذه المرسلات الفعلية . لذا نجدها تتلمس في ذاتها الفعل المتقبل والخاضع إلى هيئات ذلك الزمن الراكد في جداول (الذاكرة / الحرب / الحديقة / الكوابيس) بينما تجاهد الأم ـ  حياة ـ ذات الواقع المرير، ولكنها بدت عليها سمات التشجع والتجبر إزاءه عنوة ، من غير أن تظهر لأبنتها مدى ما خلفه الفقدان والحرمان في ذاتها: (أستخرج دهرا.. قطعة فخار صغيرة.. واتفرج على دهرا آخر.. شظية آجر من سلالة حاكمة أرسلت السلام فكتب بناؤوها قصائد حب على الآجر والعمدة . السلام والحب توأمان.. كيف أقع في الحب ونحن نكابد الحرب في البر والجو.. بيدي الشظية الناطقة بحب سومري لم يندثر . / ص49 الرواية) أن أرسالية المكون السردي الناتجة على لسان حال مواقف وعاطفة الشخصية ميساء، بمثابة تفعيل الخلاصة من فاعلية المؤول من موقعها الشخصاني، فالشخصية تنتشل لذاتها وضعية الفاعل المنفذ ـ استقداما معادلا نحو حالة من المقاربة بين حقيقة مرحلة زمنية معتقة، ولكنها أثبتت خلاصة سلامها وحبها على آجر معمارية تراثها، مما راح يعكس حيثيات المفارقة في حدود زمن الشخصية المستحدث والمحفوف بروائح ركود الزمن وجفاف المعطى الحياتي . ومن خلال وعي الشخصية نتعرف على تفاصيل حياة والدتها ـ حياة ـ وهي تكابد أشق مراحل الواقع الحرماني في تمفصلات الحياة: (أمي ترفض أن يشفق علينا أحد.. لا تقبل أي عون من أي قريب أو كائن.. تتقبل حسب عون الطبيعة.. حذو الشجرة.. هبة العشق.. عطايا الزهرة.. خبرة أمي في مقاومة الجوع مهدت لنا سبل البقاء.. البقاء دونما يأس.. لا نحاول أن نستكين لخراب العالم بل نتعلم من كل شيء يذوي وكل أمر يلم بنا وبالآخرين كيف نخطو في لحظتنا التالية . / ص49 الرواية) .

ـ المعادل المكاني وسيكلوجية الاداء الشخوصي .

لقد أصبحت دلالات الرواية في مسار المد الأحوالي المتكون من (ميساء = الأم حياة = المنظور السردي) كمنظورات تستكمل حكمتها من الأعشاب والأزهار وروائح تربة أرض الحديقة . هذه المستويات تنقسم إلى ثنائية خاصة من (المنظور الموضوعي = المنظور الذاتي) ففي المنظور الأول تقدم لنا الأحداث الشخوصية بطريقة موضوعية، لولا أنها تقترب من لغة القصيدة منها إلى الرواية، غير أن المنظور الآخر يبرر لنا تكاثر المنقول من وجهة نظر الذوات الشخصانية، بواسطة السارد المتمظهر على لسان أحدى الشخوص في الرواية . ومن خلال ما يتبين لنا من علاقات المحورين (ميساء + حياة) فضلا عن المستوى الزمكاني واتجاه الموضوعة الروائية المتقدمة نحو ملامسة إدانة انسحاق المرأة وأبنتها في ظل ظروف قاهرة من الفقدان للحبيب والزوج في ظروف مختلفة، كما تطلعنا فصول (من أوراق ميساء) على الجوانب الأكثر تبئيرا من وجهة نظر الشخصية وعلاقاتها مع أمها ـ حياة ـ وصيغة حبها المتورط بالشخصية زياد . وهذا الأمر ما يدفعنا إلى معايشة مماثلة في أحوال الأم حياة، حيث تجربة المعادل والتعويض لا مع حياة نباتات حديقتها . فالشخصية حياة في حدود هذه الوحدات الأولى من فصول الرواية، تتبين لقارئها ذا وظيفة مزدوجة بين سلطتي (الرهان = الإحباط = الزمن) كما أن التصوير السردي لدورها في النص، لا يزل مشحونا بصبغة مقاومة الأم لأشد أعباء وأهوال مرحلة ما بعد غياب الزوج . إذ تمنحنا مقتطفات تفاعلات السارد المشارك على لسان الشخصية ميساء، جملة مرتكزات استعادية ناتجة من مجمل تخيلات الشخصية ميساء في مواقفها الحاكية لأهم تمفصلات أحداث حياة والدتها مع والدها في مرحلة ما قبل الفقدان له في الحرب (أمي تبتسم.. لعلها ترانا في الأمس قبل غياب أبي.. لعلها ترانا في الأمس قبل غياب أبي.. أو ترانا في الغد بعد عودته ألينا.. تقول لي: ـ أنظري إليه.. لقد أغفى وكتاب الطبري بين يديه.. أخفضي صوت المسجل.. أسدلي الستائر.. دعيه ينام.. تذهب إليه وتدثره بغطاء وتطفىء مصباح الغرفة.. تأخذ الكتاب وتضعه على النضد . / ص52 الرواية) لعل من أكثر علامات تغلغل مأزق الحلم بالواقع الحلمي المتخيل ما شهدته أحداث عوالم روايات (لطفية الدليمي) بدءا ب(سيدات زحل) ورواية (عالم النساء الوحيدات) ورواية (حديقة حياة) موضع مباحث دراسة كتابنا الآن . فكل شخصية نسائية في روايات الدليمي، تشكل حالة مفصلية من حالات مؤرقة من عذاب الحرمان الأنثوي إلى جانب مواجهات غيابات (الذات / الحلم / المصير / سوء الطالع) بحثا دؤوبا منهن نحو ذلك الموضع المناسب من يوتوبيا المرأة الجامحة في أحلامها وصفاتها وأفعالها ومقاومتها لنوازع ظرفيا الواقع الخارجي السياسي والمجتمعي والداخلي المترتب على الجوانب النفسية والعاطفية والقدرية، لذا وجدنا في مركب استطرادات أحوال الشخصية ميساء، ما تخبرنا به الرواية عن حالها المأزوم بكيفيات العطش العاطفي ومصارعة أوجاع الظرف الأقتصادي الحرج والضغط السياسي الخارجي للبلاد، كما تعرفنا تداعيات فضاءات الشخصية ميساء عن تفاصيل حياة الأم ـ حياة ـ والتي تحيا داخل أوهام تخيلاتها المتصادقة حول مواجيد حياة وهمية للأب في تفاصيل يومها الذي هو ككل الأوهام العجاف المصاحبة لها في زمن لياليها القمرية الباردة حيث الحرب والذاكرة والوسادة الفارغة من شبح الزوج: (هل أرى ذلك أم أتخيله ضمن كوابيس ؟.. أقف أمام النافذة.. الحديقة تتضاءل.. تختفي أشجارها ويجف عشبها.. تتهاوى الشجيرات والمتسلقات.. أراها وهي المترملة التي لم تترمل إذ لا تقر بإكتمال غياب المفقود ـ أنا لست أرملة ولن أرتدي ثياب الحداد ـ أرى لوحا من ألواح الأمس.. في لوح الأقدار مكتوب: غربت حضارات الحب.. وأشرقت فينا الحروب.. وأمي تستدرج حمامة نوح في أمسية المطر.. تقول أمي: ـ هذا طوفان قتل واليمام يعود مضرجا بالدم / زياد يغرب في المغرب.. ويشرق مع دموع أمي / تلفعت بشال صوفي سميك واقفة أمام النافذة وقد انهمر عليها فيض أبيض من نور القمر فقسم الغرفة إلى نصفين.. نصف رمادي بارد يغمر أمي.. ونصف أسود يخفي أحزاننا وأشباح الغائبين . / ص52 الرواية) .

1ـ البنية الزمكانية بين المجسد حلما والمتضاعف ملفوظات:

إذا ما تفحصنا مجال البنيات الزمكانية المؤطرة بإملاءات فضاء رؤية ورؤيا الشخصية ميساء، لوجدناها واصلات ذهنية ودلالية، أخذت تستشف من سياق الاستعادة الذاكراتية والاسترجاعية الداخلية، مستويات موازية إلى روح فضاء الاستعارة المعادلة في لغة مجرى الواقعة السردية . إذ أننا نواجه فضاءات من جهة خاصة بالشخصية تستعيد بها الأحداث ملفوظية استدعائية، بلا فواعل حدوثية موقفية متباينة، من شأنها الدخول في مساحة موظفة من الفعل السردي الدال والمجسد، فضلا عن بقاء شخصية الأم ـ حياة ـ كهالة معادلة عن دلالات إدائية ملمحة إلى أقصى درجات مرموز الفقدان وخلفية وجودية العدم . ولو دققنا من جهة أخرى في مقدمات فصل (من أوراق ميساء) لوجدنا أنها عبارة عن مذكرات أو مجموعة حالات حوارية متعددة بوظيفة المونولوج المتمظهر بأيقونة الحلم والرؤيا للواقع بطريقة الاسترجاع في زمن هو خارج إطار حكاية النص الروائي تحديدا . لذا فأننا لا نعثر في هذه المقدمات الروائية، سوى لوجود بنائية المخيلة الواصفة ملفوظا نحو أفعال إيهامية شعرية من شأنها نقل مهام الحكي المسرود تداعيا على حال لسان الشخصية ميساء أو الشخصية الأم كما قلنا مرارا (حياة)، فيما تلعب القابلية لأداة السارد شرطا انتقاليا ما بين كلا المحورين (حياة = ميساء) وفي ضوء هذا التصور يغدو مسار السارد تشاركا في عملية تناوب مضافة إلى مهام الفاعل المسرود ما بين (حياة ـــــــ ميساء / مستوى الحكاية ــــــــــــ تشاكل الخطاب / الأدوار: ميساء + حياة = فاعلان منفذان / جهة الموضوعة: غياب الزوج ـــــــــــ زياد / نتائج المكون السردي: كفاءة الغياب ـــــــــــ معادل تفعيل موضوعة / ملفوظ حالة: إيهام ذاتي ــــــــــ واصلة حلمية / المرسل: أنا الفاعل الموجب ــــــــــــ موقع السارد / تناوب الضمير الفاعل ـــــــــــــ السارد المرسل كعلاقة شخوصية مشتركة في موجهات الفاعل المنفذ) حاولنا من خلال هذه الترسيمة العاملية من لدنا وليس من المنهج النقدي، إيضاح شكل وموضوعة وعلاقة الأدوار الوظيفية والبنائية والتشكيلية في محتوى أسلوب أفعال السرد الشخوصي في ظل مصاحبات نوعية خاصة من مؤشرات الأرسالية العامة والخاصة من أواصر وظيفة المؤلف الضمني ومن خلفه السارد المناوب في تمظهرات الأصوات الشخوصية، فيما تبقى أحوالية المؤلف الحقيقة في علاقات النص كحركية تكوينية مفترضة وحقيقة من خلال مصادر ومراجع الإحالات التأليفية الخاصة .

ـ الأنا الشخوصية كعلامة سيميائية جامعة في المتخيل والنسق المرجعي.

و على نحو أكثر إيغالا في معادلات مسار السرد في وظيفة الشخصية الساردة، توافينا حكاية المرجعية المؤسطرة من دلالات حزن النساء وهموم شعرية الغم والهم النسوي إجمالا، ذلك بدءا من المرأة النواتية الأولى مرورا بالسومرية وحتى شخوص الرواية وكاتبتها، دون إغفال هاجس قصدية الحكي على لسان الشخصية الساردة ميساء، والتي تشكل بدورها الصيغة الأكثر بعدا في تداعيات العلامة المحكية عن مراحل أحزان النساء في الرواية وفي التأريخ النسوي ـ قديما وحديثا ـ وصولا إلى مرجعية النواة الفاعلة في حوارية الأنا الجماعية المرمزة في ضمير أحوال الشخصية الأم حياة: (لا أملك مكيالا لقياس الطوفانات ولكني أتيقن وهي مستغرقة في البكاء أنها تدفع ضريبة الدموع عن نساء البلاد جميعهن من أول الخليقة حتى آخر الحروب وظهور النجم المذنب لقيامة العالم / تبكي أمي ليعود أبي.. وتبكي ليوقظ دمعها سبات الأرض ويبزغ الخصب في تراب حديقتها.. تبكي.. تيامات التي هي أمنا وأمي جميعا . / ص53 الرواية) أن العملية الاستقرائية الدالة لمؤشر دلالات الشخوص الروائية، تدفعنا إلى مقاربة الانبعاث المرجعي في صورة معادلات كونية من الصراع والحلم وقصص الطوفان القرآنية والميثولوجية . فالشخصية الساردة ميساء، بحكم كونها باحثة في علم الآثار السومرية نجدها محملة بحكاية تثاقفات (الميلاد.. الموت.. الجدب.. الخصب.. الحياة.. الموت.. آلهة الحب الوثنية.. آلهة الحرب الوثنية الضالة) وهذا الأمر ما جعل منها جسرا تنافذيا واصلا ما بين الحس المرجعي ومعطى الحاضر الشخوصي في شتى ملامحه الموغلة في القسوة والحرمان العاطفي من الأب والحبيب، إلى جانب فناء الروح والجسد في صومعة أحلام العاشقة المحبطة في مسراتها المتوفاة بين يدي المصير القدري والاحتفاء بموتها المعنوي انتظارا للمحبوب غيابا وحضورا: (في لعبة الحب يبصر الحد الفاصل أو الضفة الأخرى.. خمس سنوات بمقياس الروزنامات المعتمدة في تقاويم البشر.. خمس سنوات بمقياس انحدارات القلب.. خمس ميتات بمقياس السقطات التي مني بها زياد خلال سنوات غربته وما بيننا من الرسائل وجدل اللغة وربما الصمم الذي نتفادى به القطيعة النهائية الآن ننتظر حدوث أمرا ما.. كل الأشياء تتحفز لمواجهة الكارثة التالية / الأشجار التي ستنال نصيبها من النار والشظايا.. الكتب التي سيغرقها الطوفان . / ص55 . ص56 الرواية) .

ـ تعليق القراءة:

في الحقيقة حاولنا في معرض وقائع مقاربة مبحثنا الثاني التابع للفصل الرابع من دراسة كتابنا، هذا القول منا: كان سعينا في تحليل دقائق سياق المسافات الموضوعية والذاتية للشخوص الروائية والدلالات الروائية ضمن خصوصية (الإداء / التماثل / التشكيل / فضاء الاسترجاع / العرض الذاتي للمسرود الشخصاني / مرجعية النص) وصولا إلى معاينة العلاقات الدلالية العضوية اتجاه معادلات مجردة ومزاحة في لغتها الشعرية والتوظيفية، فيما تبقى إجرائية المعاينة لدينا في حدود زاوية خاصة من مؤولات الدارس وحده بمعزل عن معيارية المناهج الجامعية.. أحببت أن أقول أننا لا نتعامل مع سياق المصادر والمراجع في آلية بحثنا، لأننا لدينا في الكتابة منهجية خاصة لا تتوخى سوى مادة الرواية وذائقة وثقافة ومخيلة الدارس نفسه من جملة تحاليل وانطباعات وتقويمات انتخبتها الذائقة النقدية الخاصة للناقد في معاينة الوحدات السردية للرواية بمنظور دلالات القيمة الفنية والجمالية والأسلوبية في صوت الشخصية الروائية المتماهية في موصولات وتداعيات تفاصيل حياتها الحلمية والواقعية المفترضة بدليل المعادل النصي والموضوعي . إلى جانب مباحث دراستنا الفرعية القصيرة أي في صدد هذا المبحث المركزي المتمثل بعنوان (البنية الدالة بين الوعي الواقع وواقع الممكن) فهو من المحكومية في شطره الأول ببنية المدلول التصوري للشخصية الروائية تحديدا، فلكل شخصية في النص سواء كانت (ميساء = حياة) فلها ملكيتها الخاصة من درجات البنية الذهنية المتخيلة والدالة في حدود رقعة موضوعة واقعها الفني والتخييلي في النص . أما بصدد أفق الواقع الممكن في النص، فيتمثل هو الآخر في هيئة علامة الرسم الشخوصي الدال خارج حدود متناول جهة قدراتنا الإحاطية كقراء بذلك الطموح الشخوصي المتجاوز كشرطية واقعة في حدود تعيينها في مركب خطاطة النص اللامقدرة نقديا من قبل قابلية التلقي ووعي القراءة المستأثرة في المعاينة النقدية كممارسة بحثوية ضمن حلقات خاضعة في مقاييسها لأحكام تطور النص .

 

حيدر عبد الرضا

 

 

 

جبار ماجد البهادليقِراءَةٌ نَقديَّةٌ في الأَنسَاقِ الثَّقافيَّةِ لِقصيدةِ  (مِحنَةُ أَنكِيدُو)، لِلشاعرِ يَحيَى السَّماويِّ.

تحت تأثير سطوة الأسطرة المثيولوجية لـ (ملحمة كلكامش) السومريَّة، وسحر مقاربة جاذبيتها التاريخية والنفسية في أدب أوروك الرافديني العراقي الحضاري القديم، كتب الشَّاعر يحيى السَّماوي قصيدته الواقعية الملحمية  (محنة أنكيدو) التي وجد فيها حلَّاً سحريَّاً ناجزاً لآيديولوجيته الفكرية الثقافية  (الذاتية والسياسية والاجتماعية) الَّتي يدافع عنها عقيدةً مبدئيةً، ويؤمن بها في فلسفة الحياة طقوساً وممارسةً إبداعيةً لها وقعها التاريخي الجمالي الحضوري اللافت في الواقعة الشعريَّة.

فإذا كانت ملحمة كلكامش قد مزجت في أدبها السردي التاريخي الأوروكي بين (الحقيقي والأسطوري)، فإنَّ قصيدة السَّماوي  (محنة أنكيدو)) ذات النفس الملحمي، والوقع الأسطوري قد مزجت في تجلِّياتها الوثوقية بين  (الواقعي المتجلَّي)، و(المخيالي الخفي) المضمر في وقائع مشاهد سرديتها الأدبية التعبيرية. وإذا كان كلكامش هو نفسه البطل الأسطوري الرمزي الخارق المُتغطرِس بجبروته في أدبيات الملحمة، فإنَّ أنكيدو (السَّماوي) الإنسان البريِّ المتوحش، والمُتَأنسِن بفعل غواية (شامات) وإغرائها الآيروسي الشبقي الجنسي، هو البطل الحقيقي الفاعل بأدائه وفعله الأسطوري الملحمي في قصيدة السَّماوي (محنة أنكيدو)، وليس كلكامش الرمز الأكدي المارق بغطرسته واستحيائه لمناطق العفَّة والعذرية والشرف والجمال.

فالملحمة الكلكامشية كانت واقعيتها المشهدية الحقيقية تستند إلى الحكمة (السيدورية)، والأخذ برأيها السديد الصائب، أمَّا مخيالها الماورائي، فهو متسربل بوشي غطاء الرمزية في البحث عن الخلود لحياة أخرى ذات مرامٍ وقصديات بعيدة. في حين تَشي (محنة أنكيدو)) اليحياويَّة السَّماويَّة بأنَّها تقوم في معمارية هندسة بنائها اللُّغوي التركيبي الحقيقي والمجازي المخيالي على ناصية نسقين ثقافيين مختلفين في إنتاجهما الخفي والمتجلِّي، ومتَّحدين في وحدة الموضوع؛ كون محنة أنكيدو العصرية الراهنة تعدُّ في تجليات أقانيمها الداخلية القريبة والبعيدة قَصيدةَ أنساقٍ  ثقافيةٍ إنتاجيةٍ بحتةٍ. وعلى وفق تلك المدخلات الثيمية، والمخرجات التأثيرية، فإنَّ النسق الأوَّل الظاهر منها والمهيمن على تخوم فضاء القصيدة وأجوائها الحَدَثِيَّةِ، هو النسق الآيديولوجي الثوري الذي يتماهى فيه السَّماوي_وطنيَّاً وثوريَّاً_ بتقريب الواقع العياني الراهن وإسقاطه على أدبيات أسطرة التاريخ الأوروكي السومري، وليس العكس من ذلك بإسقاط واقعية التاريخ الملحمي للأسطورة على الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي للوطن الكبير (العراق) الذي يجد فيه الشاعر في مقاربته النسقية مِساحةً من السعة الشعرية الكبيرة، ومهمازاً فنيَّاً لحريَّة التعبير الآيديولجي عن أنساقه الفكرية، وهمومه وآماله وتطلعاته وطموحاته الثورية المنحازة لهموم الوطن السليب، والمعارضة لنظام الحكم الدكتاتوري الفاسد، سواء أكان السابق أم اللاحق، وما يندرج تحت مظلته من تحدياتٍ كبيرةٍ،وإسقاطاتٍ متواليةٍ راهنةٍ،لها أثرها الكبير في رسم الحياة السياسية للبلد وإرجاعه إلى الخلف.

أمَّا النسق الآنتاجي الثقافي الثاني، فهو النسق (الذاتي العاطفي)، أي الهمّ الذاتي الكبير والوجع  (الأنوي) مع الآخر، وما له علاقة بالجمال الروحي، وصيرورة التغنِّي بالجمال الحسِّي الأنثوي للمرأة المعشوقة أو العاشقة، وما يقع تحت ظلال الرومانسية الحالمة بوطن آمن وعشق قائم يحتاجه الفكر غذاءً روحياً للعقل المعرفي، وترويحاً نفسياً لعلائق شغاف القلب. والعلامات الفارقة المضيئة لمهيمنات هذين النسقين المتشابكين عند يحيى السَّماوي  (نافذة العشق الروحيَّة المضيئة)، تُشير إلى أنَّ موضوعات النسق العاطفي الذاتي لا تقلُّ أهميةً وجدوىً في شعرية الخفاء والتجلِّي عن موضوعات النسق الرمزي الأسطوري؛ وذلك لكون النسقين (الأسطوري الرمزي)،  (والذاتي العاطفي) يشكلان جدلياً وجمالياً وحدتي التقارب والتلاقي، والتعانق والتماهي في رفد المشروع الفكري الإنتاجي الثقافي وتعضيده بديلاً شعرياً مناسباً لكسر وخلخلة الأنساق الشعرية المستهلكة التالفة المعطوبة في منظومة الشعر العربي المعاصر التي استحال أكثرها لا رَصينُها الإبداعي إلى هذيانٍ لغويٍّ وإسهالٍ لفظيٍ ممجوجٍ تحت مظلة النثر المبهم، والمستغلق من الشعر العربي الحديث، والذي لا يمتُّ لحداثة لشعر بصلة.

إنَّ لجوء السَّماوي إلى تقنية التوظيف الشعري الأسطوي بِنَسَقَيْهِ الآيديولوجي والذاتي، والاستفادة من الدلالات المعنوية والتاريخية الكبيرة للرموز والشخصيات الأسطورية في النصِّ الملحمي يعدُّ فتحاً معجمياً كبيراً مدهشاً، له مسوغاته الفنيَّة والجمالية المؤثِّرة، وله أيضاً مراميه البعيدة، وأهدافه ومقاصده الإبداعية الباسلة التي يقتفي أثرها الشاعر المجدُّ في حفرياته التاريخية وتنقيباته التراثية على المستوى الوطني الموضوعي العام والذاتي الروحي الخاص . فعراق اليوم بمجمل صور وجعه المدمي ومآسيه وجراحاته الكبيرة، ونهب خيراته وثرواته الوطنية الكبيرة، واهتزاز سيادته، وتصدُّع لحمته الكليَّة وسداه، وفقدانه لهيبة اسميته الدولية، هي بحدِّ ذاتها تشِّكل وحدةً موضوعيةً أسطوريةً سرديةً مُذهلةً، وتعدُّ هاجساً موضوعياً وفكرياً رمزياً معقَّداً في تركيبه اللامؤسساتي، والَّذي لا يمكن أن يستوعبه أو يتخيله فكر العقل الإنساني، أو يتقبَّله المنطق الواقعي الذي يُنبِىء بأنَّ حاكمية السلطة وراعية شؤون رعيتها العليا تُفضي بالبلد وشعبه الآمن من سيء الحال إلى حالٍ أسوأ، وتمضي بخارطته الدولية إلى عالم المجهول، عالم المستقبل اللامتناهي.

فعلى صعيد الخطاب الشعري، فقد كتب السَّماوي عنواناً أسطورياً دالاً على نسقية نفسه، موازياً لتجلِّيات متن النصِّ االشعري اتّخذه قناعاً رمزياً تخفَّى به نسقياً تحت دلالة الرمز الأسطوري المنقذ من الظلال (أنكيدو). وإنَّ لمثل هذا القناع الماسك الشخصي أثراً كبيراً منح بناء القصيدة ومنحها جوَّاً أسطورياً عابقاً بالتوهج الفكري المقارب لحيثيات الواقع؛ كونه يحمل رسالة آيديولوجيةً عقائديةً واضحةً المعالم في ولاء الشاعر وانتمائه السياسي الممتد عبر جراح الوطن الكبير، والذي رمز إليه بـ (أوروك)، أوروك التاريخ والوطن والعراقي الكبير، أوروك ملاذ حبِّه الذاتي وعشقه الروحي. فتراه متسللاً بحذر شديد عبر نوافذ ماضيه، باحثاً عن إشراقة شمس تضيء حاضره النازف الطافي وتستشرف غده الراكد المعطوب، وتستنقذ أنين وجعه الراهن المغيَّب الذي يُجيلُ النظرَ بحثاً عن أثر له في أوروك، فلم يجده، فلا أوروك هي أوروك، ولا هو الوطن:

جَالَ فِي أرجاءِ أُورُوكَ

طَوِيلَاً

بَاحِثَاً عَنْ أَمْسِهِ المُشْمِسِ

فِي أَحْيَاءِ عَدْنَانَ

وَطَيٍّ وَمَضَرْوبعد سبع سنواتٍ مملوءات لا عجاف من العشق الرُّوحي الأثير، كَمِثلِ سنينِ يوسفَ في رؤيا سنابله الحبلى المملوءة، تنعَّمَ بها الشاعر في ظلال جنائن مملكته العشقية الطاهرة العذراء النقية الفاضلة، حيث عقد يحيى السَّماوي العزم، فكان  (أنكيدو العشق السومري) الذي شدَّ الرحيل إلى أبواب مملكة أوروك قاصداً الحياة متوخياً البحث عن حقيقة وجوده الكوني الحياتي، فلا مناص من الحقيقة المرَّة  (أكونُ أو لا أكونُ). فكان أنكيدو محارباً حاسراً لا درع ولا خوذة على رأسه، ولا بحثاً في رحلته الأسطورية عن شبقه الفحولي الذكوري الذي حدث بتأثيرٍ من غواية شامات فتاة الهوى، بل عن أنسنة وحشيته البرية التي باركتها وعمدتها تعاليم (إينانا) إلهة الحبِّ والخصب والجمال، وعضَّدتها حكمة  (سيدوري) صاحبة الحانة بالقول النافع والرأي السديد. فلولا (شامات)، وخصيب أمطار (إينانا)، وحكمة (سيدوري)، لِمَا كان أنكيدو الحياة صنواً ندياً مناظراً لغرور كلكامش وغطرسته الظلمية،ولبقيَ وحشاً بريَّاً هائماً سائماً لا يعرف معنىً للعشق والحياة في معراج رحلته الوجودية:

شَدَّ أَنْكِيدُو إِلَى أُورُوكَ عَزْمَاً ..

حَاسِرَاً عَنْ شَبَقِ الفَحْلِ لِـ"شَامَاتَ"

وَعَنْ زَخَّةِ لَثْمٍ مِنْ إِلَهِ العِشْقِ

والأَمْطَارِ "إِيْنَانَا"

وَكَأْسٍ مِنْ نَبِيْذِ العَقْلِ فِي حَانَةِ "سَيْدُورِي"

تَخَفَّى

سَارَ كَاللِّصِّ بِخفٍّ مِنْ حَذَرْ

وفي ضوء أنساق هذه الرسالة الرمزية التي تبثها سطور هذه الدفقة النصوصية، يبدو أنَّ الشاعر كان متشائماً قلقاً جدَّاً، وحذراً يقظاً من عواقب خطر رحلته الأسطورية. فهو على الرغم من أنَّ البطل الحقيقي (أنكيدو) قد أَلهَمَ كلكامش بفعله القوِّيَّ الخارق في المنازلة وعلَّمه معنى الحياة الحقيقية الحقَّة، وانتشله من ظلال براثن عقليته وغطرسته وجبروته وجَوره المستبد، إلَّا أنَّ الانتظار قد طال أمده على شعب أوروك، وأنَّ عودة (غودو) ورجوعه أصبحت خبراً مستحيلاً حتَّى في طيف الأحلام والرؤى والتمنيات، كي يعيد لـ (أوروكَ) الأمسِ  (أريدو) اليوم مجدَها الضائع وعزَّها الذائب الذي صادره جموع ألهة الزور الحفاة من سياسيي الصدفة، وسدنة الأحزاب اللاهثين وراء المال والجاه والمناصب، والمُغَرَّرينَ بخيانة الوطن الكبير:

جَازَ فِي عَوْدَتِهِ سَبْعَةَ أَنْهَارٍ مِنْ الخَمْرِ

وَسَبْعَاً مِنْ سَوَاقِي المَنِّ وَالسَّلْوَى

وَغَابَاتٍ وَتَرَاتِيْلَ وَوُدْيَانَ سَهَرْ

 

فعلى الرغم من أنَّ مشارب أنهار الخمر، ومآكل وسواقي المن والسلوى لها  أثرها الروحي والقرآني الديني المتجلِّي الكبير لدى المؤمن الموعود بجناتها الدائمة في الحياة الأخروية، فإنَّها في أنساق شعريتها الخفية له خصوصيتها الأثيرة لدى الشاعر العاشق؛ كونها مخاطر رحلته العشقية التي يتلذَّذ بوقعها وتأثيرها النفسي في رحاب مسيرة حياته الدنيوية.

وكما أنّ ظاهرة التكرار _كما معروف_ من أبرز ظواهر الشعر العربي القديم والحديث، لكنَّ تكرار العدد (سبعة) في تذكيره وتأنيثه في انثيالات هذه الدفقة النصية له في نفس الشاعر قدسية كبيرة من المعاني والدلالات الخفية البعيدة. فيتناهى إلى ظنِّي كثيراً أنَّ  (أنهار الخمر السبعة)،  (وسواقي المن والسلوى السبع) التي قطعها أنكيدو في أسفار رحلته الأوروكية الخطرة، هي أنهار سنوات الإبداع الإنتاجية السبعة الأخيرة التي أمضاها الشاعر متوجِّهاً سبعاً مملوءاتٍ فكراً ومحبةً في مركب رحلته الشعرية العشقية الطويلة نحو (إينانا) الخصب والمطر، والعشق الجمالي الروحي المائز في الأسطرة الشعرية. وليس الغاية من هذا التكرار العددي اللَّفظي هو توكيد المعنى الإخباري للرحلة، وتهويل محموله المعنوي الدلالي، وإثارة انتباه المتلقِّي القارئ إليه فحسب، وإنَّما الغاية التقصدية والأُرومة التي يتخفَّى وراءها الشاعر العاشق للجمال في قصديته البعيدة هي غاية نسقية معرفية ثقافية ذاتية مضمرة تخصُّ سلوكيات الشاعر وأدبيات ممارساته المعجمية.

إنّ صورة الواقع السياسي المتردِّي المأزوم في العراق، والذي تشتدُّ فيه حمى وطيس الصراع التحزُّبي الآيديولوجي على قيادة السلطة، وتُسفَكُ على مذابحه الدماء من أرواح العراقيين الأبرياء على الهُوِيَةِ وتحت ما يسمَّى بمظلة الطائفية والإثنية المقيتة تارةً، وتارةً أخرى تحت شعار التبعية الولائية غير المعلن لخارج حدود الوطن الجريح. كلُّ هذه الممارسات والمسوغات الفكرية والعملية تُغرِسُ ثقافةً عدوانيةً دخيلةً جديدةً لم يألفها واقع المجتمع العراقي من ذي قبل؛ كونها تَؤسِّسُ إلى صياغة خطاب ثقافي شعري متضاد يدعو فكرياً وآيديولوجياً وعقائدياً إلى صناعة لغة الكراهية والمعارضة والمواجهة:

طَمَغَ الجَبْهَةَ

قَصَّ الشَّعْرَ

وَاخْتَارَ لَهُ اِسْمَاً جَدِيْدَاً

وَاكْتَنَى غَيْرَ الَّذِي كَانَ يُسَمَّى ..

فَهْوَ الآنَ "أَبُو الخَيْرِ عَلِيُّ"

وَ"أَبُو العَدْلِ عُمَرْ"

إنَّ من أساليب الشعرية العربية المعاصرة في الخطاب الشعري من الناحية اللُّغوية والجمالية تعدد المستويات كالمستوى الإيقاعي (الصوتي)، والمستوى التركيبي (النحوي)، والمستوى البلاغي (الانزياحي)، والمستوى الدلالي (المعجمي)، والمستوى الصرفي (الوزني)، لأبنية الكلمات العربية الذي يميل فيه الشاعر في أسلوبية معجمه الشعري إلى الألفاظ والمفردات المُعَرَّبة والدخيلة على اللُّغة، ويوظِّف بعض المفردات والألفاظ العامية في اللَّهجة (الدارجة)، ويختار منها ما كان وقعه مضيئاً مؤثِّراً في دلالته النفسية وفقهه اللُّغوي وإيقاعه الشعبي اللغوي البلاغي على المستوى  (الزمكاني) المؤثِّر والمتأثِّر.

فمن بين هذا السمين المملوء المُعرَّب الذي لجأ إليه السَّماوي كغيره من الشعراء الكُبار اختيار الفعل الماضي الشعبي القديم (طَمَغَ) ذي الأصول التركية العثمانية بدلاً من الفعل الماضي العربي المعروف في التوظيف السُّوَرِي القُرآني (خَتَمَ) الذي يُماثله في المجانسة اللفظية وزناً ومعنى، ويختلف عنه في دلالته الواقعية السياقية البعيدة. ويتناهى إلى اعتقادي كثيراً أنَّ السَّماوي كان مُصيباً فَطِنَاً في حُسنِ اختياره لهذا الفعل المؤثِّر في جملته الشعرية (طَمَغَ الجَبْهَةَ)، أي علَّمّ ناصية جبهته بعلامة زورٍ ومَرَاءٍ ورياءٍ ونفاقٍ، لِمَا لهذا الاختيار الفعلي من تأثير نفسي حسِّي وصوري مغاير في نفوس العراقيين الوطنيين الأحرار من أبناء الوطن الحُماة،؛ كونه أصبح (الفعل) صورة (إمجيةً) قبيحةً، ووشماً صورياً حسيَّاً مغايراً لصورته الدينية الحقيقية لمن يَدَّعون فضيلة الإخلاص وحبَّ الوطنية الحقَّة من آلهة الزور الذين يتسترون بعباءة الدين، وهم بُراء منها. وممن يختارون لأنفسهم كنىً واسماء جديدةً يتسربلون بها بردةً ووشياً لفظياً وَحِليةً اسميةً لا معنىً حقيقياً لها يعطيها الأحقية في الاختيار الزور. وهم منتفعون _ظلاً ظليلاً دائماً_ من أسماء الرموز الدينية الكبيرة في التاريخ العربي الإسلامي، فمنهم من يُشابه نفسه ظنَّاً ووهماً بصوت العدالة الإنسانية أبي الخير عليٍّ، أو أبي الحقِّ الفاروق عُمَرَ، متغافلون في الوقت نفسه من أنَّ ما يطفو على السطح من الزَبَدِ الدنيوي يذهب جفاءً، وأنَّ ماينفع حياة الناس يمكث قارَّاً ثابتاً في نهر الحياة الجاري الذي ينظر أمامه شاقاً طريقه، ولا ينظر إلى الخلف تماماً في مسراه الحقيقي.

فضلاً عن هذا كلَّه أن توظيف الأفعال الماضية الأربعة (طَمَغَ، قَصَّ، اِختارَ، اِكتنَى) قد أسهمت جميعها في تركيب الجمل الشعرية بإنتاج دلالات صورية (حسيَّةً ومعنويةً) مؤثِّرة في إعادة إنتاج الصورة الواقعية الهشَّة بلغةٍ شعريةٍ قصصيةٍ ساخرةٍ تميَّز بها السَّماوي في هجائه الآيديولوجي السياسي لهؤلاء المدَّعين الفضيلة والعدل الإيمان من الذين باءت كلّ محاولاتهم الإدعائية الرخيصة، وانكشفت رائحتهم العدائية في الحفاظ على أوروك، فأصبحوا إنَّهُمُ الخطر الحقيقي الذي يُهدِدُ أوروك العراق الجديد، وليس الحامي أو المنقذ الذائد عنه حياضه الوطني حين يهدده السيل الجارف لحمى لخطر:

وَهْوَ المُنْقِذُ وَالحَامِيُّ/ القَوِّيُّ/

الزَّاهِدُ /المُؤْتَمِنُ/ السَّبعُ

إِذَا هَدَّدَ أُوْرَوْكَ خَطَرْ

وأشدُّ إيلاماً وترويعاً على فكر الشاعر ونفسه أنَّ أضواء دروب الأمسِ الماضية الزاهية لا تؤدِّي خطاها المشرقة إلى حاضره، ولا تمتُّ بأيِّ صلةِ تواصلٍ إليه، فلا الحاضر الراهن يُشرِّفُ الماضي بحضوره الغائب، ولا الماضي يَتشرَّفُ بموت الحاضر المُغيَّب المشلول الكسيح. ومما يغيظه أنْ يرى رموز الوطن وَدُعاته الحقيقيين لا أثر لهم ٍفي أوروك الجديدة، فلا حياةَ مُغريةٌ بعد اليوم (لشاماتِ) الهوى تُذكر، ولا مَلاذاً آمناً لـ (إينانا) العشق في أوروك طالما المغاني أضحت أثراً بعد أثر:

راعه أنَّ دُرُوبَ الأَمْسِ لَا تُفْضِي إِلَى اليَوْمِ

وَشَامَاتَ قَضَتْ نَحْبَاً بِساطُورِ وِلَاةِ

الأَمْرِ بِالمَحْشَرِ

وَالنَّهْيِّ عَنَ العِشْقِ ..

وَإِينَانَا اِسْتَخَارَتْ غَيْرَ أُوْرُوكَ مَلَاذَاً

وَالمَعَانِي لَا أَثَرْ

وفي ظلِّ هذه المطابقة اللَّفظية لولاة الأمر بالمحشر، والنهي عن العشق التي أزهقت حياة (شامات)يتماهى السَّماوي في أنساق شعريته الأسلوبية مع أسطرة الواقع السياسي والاجتماعي الراهن وتوظيفه على لسان بطله الخارق (أنكيدو)، فيرسم صوراً أليمةً موحيةً لذلك الواقع من الوجع الأسطوري العراقي، لبلدٍ يطفو على بحيرات من البترول، وشعبٍ لا يملك من الخير الوفير غيرَ الذُّلِّ والاستجداء والفقر والفاقة والمجاعة وحطام الأمنيات في لوحةٍ مشهدية موجعةٍ تجمع أسطرتها بين طرفي (الأمل والألم)، أمل الحياة التي يسعى إليها أنكيدو، وألم السلام والأمان الذي ينشده السواد الأعظم من الناس الفقراء:

وَرَأَى الفِتْيَةَ وَالصِّبْيَانَ يَمْشُوْنَ

حُفَاةً ..

بَعْضُهُمْ

يَبْحَثُ عَنْ بَقَايَا طَعَامٍ فِي بَرَامِيْلِ

النِّفَايَاتِ ..

وَبَعْضٌ

يَبْسِطُ الرَّاحَةَ يَسْتَجْدِي نُقُوْدَاً ..

وَكَثِيْرُونَ عَلَى أَرْصِفَةِ الذُلِّ

يَبِيْعُونَ دُخَانَاً وَمَنَادِيْلَ وَأَشْيَاءَ أُخَرْ

فالشاعر في التقاطات هذه اللَّوحة التجريدية الصورية الضوئية، وانثيالاتها الحسيَّة الموحية بجماليات قصصها الأليمة الموجعة لشعب أوروك الجديدة، أوروك اليوم والحاضر،إنَّما يؤسطِرُ فنيَّاً ونسقياً بإنتاجه الإبداعي الشعري السردي لقليل من صور ومناظر الجوع والمهانة المتعدِّدة فيه. فهو لم يقل في صوره النسقية الواقعية المتجلِّية إنَّ الفتية يبحثون عن بقايا فُتَات طعام ٍ في (سِلال المُهملاتِ)، أو النفايات، وإنَّما تقصَّد القول تعظيماً وتفخيماً لحجم المأساة الشعبية العراقية، فقال يبحثون في  (براميل النفايات)، ودلالة (البحث) المعنوية ليس كدلالة الموجود المتوفر المتاح لهم في الحياة. كما أنَّ لفظة (البراميل) هي الأقرب المتيسر إلى حياتهم اليومية، كونها مزابلَ أو مصدراً للقمامة التي هي أرخص شيء أو أتفه صورة للإنسانية الحقَّة، أمَّا لفظة سلات أو (سلال المهملات)، فهي الأقرب في دلالتها النفسية اليومية إلى المترفين من المترفهين بالعيش الرغيد ونعومة الحياة الهانئة السعيدة التي لا شأنَ لها ببراميل النفايات، ولا تعني بِهَمٍّ الفقراءِ المعدمينَ والمعوزينَ في بلد البترول الثري الذي تكالبت عليه الانظار غنيمة لا تنضب مصادرها العظيمة ولا تجف خيراتها.

فما أجمل أنساق الشاعر المتجلِّية لهذا (البعض)من فتية الشعب وشبابه حين يُقَسِّمُ أفعالهم اليومية بين باحثٍ عن طعام لسد رمق جوعه اليومي، وباسطِ راحةِ كفيهِ كلَّ البسطِ يستجدي مالاً يعيل به نفسه المعدمة، وبين بائع دُخان ومناديل ورقية يقف مَحْنيَّ القامة، مكسورَ الخاطر،موجعَ القلبِ على أرصفة الذُّل والهوان كي يعيش ويحيا في بلدٍ مأهولٍ بالثراء كالعراق. فأفعال المضارعة الأربعة (يَبحثُ، يَبسِطُ، يَستجدي، يَبيعُ) الدالة على آنية المشاركة الفعلية قد أدَّت دورها الدلالي التركيبي القريب والبعيد في سياقاتها، ومنحت الجمل الشعرية المتراتبة طابعاً نسقياً خاصَّاً مميَّزاً لصور البؤس والعدمية لواقع الناس.

ويستبد ألم النسق الآيديولوجي الثوري لفكر الشاعر في انفعالات قلبه الثائر، وهيجانه الروحي الكبير،حتَّى يُصبحَ قادراً على صنع الحجج والعبارات المقاومة، وإنتاج المسوغات التي تتحوَّل إلى عقيدةٍ ذاتيةٍ في ثقافة المعارضة ولغة الاحتجاج، والعقيدة الآيديولوجية وحدها تكفي لإنتاج حراكٍ شعريٍ ثوريٍ يكون سلاحاً ثقافياً موجَّهاً ضد دكتاتورية المستبد الطارئ:

وَأَرَى بَعْضَاً مِنَ القَوْمِ _قَلِيْلِيَنَ_

يَسِيْرُونَ طَوَاوِيْسَ

وَيَمْشِي خَلْفَهُم جِنْدٌ كَثِيْرُونَ ..

رَأَى مِنْ بِدِعٍ فِي الدِّيْنِ مِا لاً يُغْتَفَرْ

يا لها من ترانيم صورة فنيَّةٍ كاراكتورية ساخرة مضحكة رسمتها ريشة الشاعر الثائر المحتقن اهتياجاً من ظلم وجور تلك الأفعال الدنيئة. واللافت المُدهش على تقاسيم هذه الصورة السلبية للوجه الآخر أنَّ النفر القليل الضالَّ منهم لا يسير سير الراعي الخادم المتواضع لشؤون رعية شعبه،بل يمشي استعلاءً مشيةَ الخُيلاء والتكبُّر والغرور،مزهواً كالطاووس النافخ لريشه فخراً، وهو الفارغ الأعجف الأجوف الذي يُمارس من بدع الدين والضلالة ما لا يُغتفر عند ربًّ مليكٍ عزيزٍ مقتدر.

وتحتدم مشكلة الشاعر الموضوعية وطنياً وثقافياً في سرده الشعري الملحمي، وتتهول عظمة محنته الأنكيدوية في بلاد أوروك قداسةً، وتتعثَّر خطى رحلته الأسطورية لأوروك حين يسود عنصر الشرِّ رمزاً في هذه المقاربة النسقية بديلاً عن الخير فيها، فَيُذْهِلُهُ وقع المفاجأة وَيُدهشهُ فِرار إله الشَّمس (أوتو) من أوروك اليوم الحاضر والماضي البعيد، فَيَشعرُ بحيرةٍ واغترابٍ حين أُعلِمَ بخبر انتحار إله الحِرَفِ والأعمال والصناعة (أنكي)فَكَرِهَ العيش في بلاد تسير إلى عالم أرضي مجهول:

فَأَتَاهُ الرَّدُّ:

"أُوْتو"  منذُ سَادَ الشَّرُّ فِي أُوْرُوكَ

فَرْ

 

وَإِلهُ الحَرْفِ وَالقِرْطَاسِ وِالأَشْغَالِ "أَنْكِي"

كَرِهَ العَيْشَ أَسِيْرَاً لِجَهُوْلٍ

فَانْتَحَرْ

فإنَّ النسق الثقافي المضمر في توظيف إلهي الشمس (أوتو)، والحِرَفِ (أنكي) توظيفاً فكريَّاً جمالياً آيديولوجياً تومئ دلالتهما الإيحائية وعلامتهما السيميائية الأسطورية إلى النخبة العاملة المتعلِّمة المنتجة من أبناء طبقات الشعب المكافحة المتعفّفة التي ترفض سيادة منطق الشرِّ وأساليب التجهيل والتهميش والإقصاء. فهذا الأمر المفاجئ الصادم مما روَّعَ أنكيدو وأهاله خوفاً، وبثَّ فيه شعوراً بالرعب سرى في قلبه الخافق، وصار لا يدري ما الذي يحدث في أوروك، ولا يعلم أين أضحى مبتدأ أوروك التي شدَّ رحيل العزم إم صار محض خبره،فكلُّ شيء مُبهمٌ لدية يلفُّهُ وقع الغموض والإيهام التام:

فَرَّ أَنْكِيْدُو

سرتْ في قلبهِ رعشةُ موتٍ  ..

لَمْ يَعُدْ يَعْرِفُ

هَلْ مُبْتَدَأ أَضْحَى لِأُوْرُوكَ الَّتِي شَدَّ

إِلَيْهَا العَزْمَ

أمْ مَحْضَ خبرْ

فالفعل الماضي المُضَعَّف (فرَّ) في مستهل الجملة الشعرية  (فرَّ أنكيدو..) التي تقصَّد الشاعر أن يترك للقارئ أوالمتلقِّي المبدع اللبيب في هذه البياضات النُّقَطِية الفراغية الحذفية تقدير ما يمكن  أنْ يُتمَّهُ إبداعياً في مشاركته النصيَّة، قد لوَّن النصَّ الشعري بصورةٍ حركية صوتية إيقاعية مموسقة لفرار أنكيدو من هول ما رأه مما يحدث،وأسقط وقع هذه الصورة على نفسه. ويبدو لي أنَّ السَّماوي في ظلَّ هذه الفوضى والاحتدام النسقي التخريبي العارم الذي أسس له العابثون الفاسدون بأمور البلد من ساسة الأحزاب والطوائف الإثنية والدينية لمْ يتغافل أو ينسَ الاهتمام بسياقات بنائه التركيبي في خطابه الشعري، تدفعه في ذلك ضرورة وحدات الوزن الشعري الإيقاعي، وجماليات فقه لغته الرصينة في جملته الاستفهامية الطلبية التي يبحث فيها عن جواب مقنعٍ إلى تقديم المفعول به كلمة (مبتدأَ) المنصوبة على الفعل (أضحى) الماضي الناقص الدال على زمنية وقته، فضلاً عن هذا أن الشاعر حرصَ في علاقة توخي نظم جمله على إنْ تبدأ الجملة الاسمية الشعرية الاستفهامية بكلمة (مبتدأ)، وتنتهي بمفردة (خَبرْ) المتمِّم لمعنى المبتدأ في سياق الجملة التامة المعنى؛ وذلك لضرورة الجمع والتفريق بين دلالتي المبتدأ والخبر التي تساوت صورتهما في الجمع بين الاثنين بحرفية (أَمْ) المعادلة العاطفة عند أنكيدو المنذهل المفجوع المتألَّم من تأثير صدمة حقيقة هذا التعادل غير المقنع لما حدث لأوروك، وما يمكن أن يحدث في القادم اللاحق.

لم يحدث على المدى الزمني البعيد في التاريخ السياسي العراقي الإنساني البشري الواقعي أنْ تكون الدولة العراقية الواحدة الموحدة أرخبيلاً مُجزَّءاً من دويلاتٍ وأحزابٍ طائفيةٍ هشَّةٍ متعدِّدة لها اليد الطولى والجرأة الكبيرة _من خلال مليشياتها المسلحة وأجنداتها الخارجية والداخلية_ القدرةُ على صنع القرار السياسي ورسم سياسة البلد، والتَّحكُّم بمصائر النَّاس وحياتهم في هذا البلد تحت رحمة المنقذ من الجهل والضلال في دولة الإسلام التي لا ينتمون إليها شكلاً ومضموناً:

كُلُّ حَيٍّ دَوْلَةً صَارَ

لَهُ جَيْشٌ وَقَاضٍ وَإِمَامٌ مُنَتَظَرْ

ومن خلال تكريس فاعلية الأسطرة التاريخية في النسق الآيديولوجي الثوري يتحوَّل السَّماوي بقصدية وعيه وحسِّه الوطني الثقافي في المجمل إلى شاعر ناقد يسعى عبر آليات الكتابة الملحمية الإبداعية المنحازة بأنساقها الخفية والمتجلِّية إلى صفِّ الشعب المأزوم بواقعه الراهن. فيعيد بأرخنته الشعرية المعارضة حركيةَ تلك الأحزاب، وفاعلية إنتاجها الفعلي بلغة الشاعر المبدع المتمكِّن من أدواته الشعرية الفذَّة، ويجدُّ بعين الناقد المُبصِرِ الكاشف للأضواء في تلك الأنساق المتداخلة. ويلفت نظرنا مرَّةً أخرى في طيات سياقه الشعري التركيبي النحوي بتقديم المفعول به على الفعل والفاعل. فذهب في المقطع السابق إلى تقديم المفعول (دولةً) على مرتبة العامل الفعل الناقص (صارَ) لغايةٍ جماليةٍ بلاغيةٍ فقهيةٍ لغويةٍ، ومن باب تقديم المهمِّ المقصود بالذم والسخرية والتهكُّم على الأهمِّ المذموم في التصيير والتحوِّل إلى إمكانيات دولة كبيرة.

وفي واحدة من أكثر تجليات شعرية الخفاء والتجلِّي النسقية الإنتاجية في الخطاب الشعري ذي الروح الأسطوري الملحمي الذي يُعبِّر فيه االشاعر يحيى عن مدى تذمره النفسي وسخطه الآيديولوجي وهجائه الثوري الكبير من تلك الجموع الضالة الفاسدة لآلهة الزور الجديدة الحاكمة؛ وذلك النهج (الأفيوني) واضح من خلال تلك الممارسات المشوِّهَة للدين والوطن، وعبر لغة العقود والعهود الأفَّاكة الكاذبة التي يقطعونها بأغلظ الأيمان على الناس، ويشرونها لهم بيعاً رخيصاً بشعارات الآمال والأماني والتمنيات ومسكِّنَات الخدر التي تعدُّ أفيوناً لتخدير وتكميم أفواه الناس عن مطالبهم المشروعة:

كُلُّهُمْ فِي مَجْمَعِ الآلِهَةِ الزُّوْرِ

يَبِيْعُونَ عَلَى النَّاسِ الأَمَانِي

وَالخَدَرْ

وبهذا الجمال النسقي الثقافي الإنتاجي لـ (محنة أنكيدو))الكبيرة يُعيدُ الشَّاعر يحيى السَّماوي إنتاج أحداث الواقع اليومي للأُمَّة، ويؤرخِن لمرحلةٍ جديدةٍ من تاريخها الحديث بتقارب فنِّي ملحمي أسطوري جمالي موضوعي ذاتي روحي، لا يتناُّص فيه الشاعر مع نصِّ الملحمة، ومع أحداثها التاريخية، بل يستفيد من طبيعة تراث وقائعها، ودلالات توظيف وظائف رموزها وشخوصها الحقيقية، وبيئتها الطبيعية الجغرافية المكانية والزمانية، وَيُسقطُ بحرفيةٍ فذةٍ عاليةٍ موضوعات وقائع الحاضر الراهن على ظلال التاريخ الماضي تأسيساً وتواصلاً بين التُّراث والمعاصرة.

 

د.جبَّارماجد البهادلي

...................

للاطلاع

يحيى السماوي: خيبة أنكيدو

 

صالح الطائيقراءة موضوعية في رواية وكر السلمان للأديب شلال عنوز

رغم التعب الكبير الذي يسببه الصيام لمن هم بمثل عمري، وملل الروتين الحياتي الذي يسببه الحجر الصحي الطويل والمستمر، وثقافة التباعد المفروض، وانعدام فرص اللقاء بالأحبة والأصدقاء، فضلا عن حالة امتناع الكتابة التي أعاني منها، والتي بدأت في الآونة الأخيرة تباغتني بشكل متكرر وكأنها تعلن نهاية أمجادي الكتابية، ومع التعب الشديد الذي سببه تنوع مواضيع القراءة المفرطة التي مارستها خلال الأيام المنصرمة؛ بين كتب التاريخ والفلسفة والاجتماع والدين والأدب، مع معاناة ضعف البصر وتكرار انقطاع الكهرباء وموجات الحر التي بدأت غزوها لبيوتنا، رغم كل ذلك، إلا أن العيش لثلاثة مساءات متتالية مع رواية (وكر السلمان) أعطاني دفقات من التنوع الذي كنت بحاجة لمثلة دفعا للملل ولكي أحرك ركود واقعي الروتيني الجاف.

ووكر السلمان رواية كتبها الأديب الأستاذ شلال عنوز، بدت مشحونة بالحوارات والحركة والترقب والمفاجئات الغريبة، ومع تشابك أحداثها واللقطات الاسترجاعية الكثيرة لحوارات وأحداث قديمة تتكرر هنا وهناك، إلا أن استذكارها لمحطات ساخنة من حياتنا الواقعية في أخطر حقبة زمنية مرت بنا، خلق بيني ـ ومعي كل من خاض تلك التجربة المرة ـ وبينها وشيجة بدت دسمة في بعض جوانبها الخفية، ولاسيما وأن الرواية تحدثت عن حقبة كنا خلالها مشاريع موت مؤجل ينتظر التنفيذ على مدى ثمان سنوات عجاف، امتدت من عام 1980 ولغاية عام 1988 حينما كانت جبهات الحرب الاعتباطية العبثية الغبية تطحن أعمارنا على مشارف بوابة الوهم الشرقية التي أقامت السياسة الفاجرة على مصراعيها نصبا للشيطان تحيط به الأبالسة الصغار ويدعمه الأرباب المزيفون بدولاراتهم المضمخة برائحة البترول والعمالة، ونصبت غير بعيد عنها مجاميع مجرمة أطلقت عليهم اسم (مفارز الإعدام) كانت مهمتهم تنفيذ أحكام الإعدام الفورية بالرجال المهزومين أو المضطرين للانسحاب تحت وابل النيران وصرخات الموت المحتم بدون محاكمة أو أمر من قاضٍ أو استجواب أو دليل. هذه المفارز التي كانت تجبرنا على التقدم لا ولاء للمجرمين الأغبياء ولا حبا بالبطولة الزائفة ووهمها، وإنما أملا في عيش يوم آخر في ترقب الموت المؤجل، ولاسيما وأن أصدقائنا والمحيطين بنا كانوا يتساقطون حولنا كأوراق خريف مبكر الواحد تلو الآخر، ومع ذلك لا يتركون في نفوسنا حُزنَ مفارقٍ أبديٍ بقدر وجلِ اللحظاتِ القادمة أن يكون أي منا هو الذي سيترجل عن صهوة غبائه ليعانق التراب.

2067 وكر السلمان

يومها لم تكن المذابح تكتفي بالقتل الكيفي بقدر كونها ساحة لعب للكبار وما نحن سوى احجارا على رقعة شطرنج يمتعون أنفسهم بتحريكها دون علم ولا دراية وكأنهم يتعمدون التخلص منا أو أن موتنا لا يعني لهم شيئا؛ مثلما هي حياتنا كانت رخيصة عندهم، الكبار كانوا يمنون النفس بالـ(عفية) التي ينتظرون خروجها من فم كبيرهم الطاغية الأخرق النزق الغبي الجاهل الذي علمهم الخنوع مقرونة بعدد من أنواط الشجاعة وأوسمة البطولة التي أساءت للشجاعة التاريخية نظرا لابتذالها ورخصها ومنحها لأوطأ الدرجات وأحطها بما في ذلك منحها لعمال الخدمة القائمين على توفير الراحة والمتعة للضباط، وحرمان الأبطال الحقيقيين منها.

ثلاث ليال تبدأ من ساعة ما بعد الإفطار لتمتد على مدى ساعة أو أكثر خصصتها لقراءة وكر السلمان، تلك الرواية التي كانت رائحة العقد النفسية المدمرة تفوح من أسطرها مثلما هي رائحة الموت تفوح من صورها المتشابكة، وتملأها صور توحش الإنسان والأمراض النفسية الخطيرة التي تخلفها الحروب على المشاركين فيها، والتي بدت لعبة أجاد شلال عنوز صياغتها وكأنه يسعى للمراهنة على خزين ذكرياتنا المر المترع بالمخازي التي سببها تنازل الإنسان القسري عن حريته وبعض كرامته لمجرد أن يعيش يوما آخر لا يدري ماذا سيحدث بعده!

وهذا يعني أن رواية وكر السلمان بوصفها أدب حرب قد اختارت الجانب غير المباشر، فالمعروف أن أدب الحرب يكون مباشرا وغير مباشر، المباشر منه يتناول الأحداث الحربية المفصلية بدقة راسما صورة للواقع تنز من جنباتها الدماء والآهات والوجع، أما غير المباشر فيختار جزئية من عالم الحرب العام الذي يشمل الجبهة وامتدادها المجتمعي؛ قد تكون غير مهمة، يختارها من ذاك الواقع المعقد الذي تختلط فيه مديات المجتمع والجبهة، ثم يقوم بتضخيمها لتشغل كامل الحدث من خلال أحداث قد تكون غير واقعية ولكن العلم يؤكد أنها محتملة بسبب ما تتركه الحروب ومعاركها الدموية من أثر على نفسية المقاتل، ذلك الأثر الذي يتأخر ظهوره أحيانا إلى ما بعد مفارقة المقاتل للخطوط الأمامية بسبب عوق أو إصابة مباشرة، وكأنه يرسم ذيولا غير مرئية للحرب قد تكون أكثر منها ضررا لأن حاملها يعيش وسط مستويات مختلفة من البشر الذين يمكن أن يؤثر فيهم على خلاف تواجده النمطي في الوحدة العسكرية التي تضم غالبا شريحة متقاربة في أعمارها وثقافتها.

ورغم الجو المأساوي الذي شاع في أجواء الرواية إلا أنها بدت في رصانتها الأدبية إدانة صريحة وواضحة للحروب بكل أنواعها، ودعوة لأن يحترم الإنسان إنسانية أخيه الإنسان ولا يفرط بها إرضاء لحاكم مجنون أو فكر متطرف أو عقيدة محرفة، فالعقلاء يضعون الحرب احتمالا قهريا محتملا يمكن أن يُستخدم حينما تغلق كل الأبواب الأخرى، طالما أن هناك سبلا أخرى ممكن أن يتم التفاهم من خلالها، أما المجانين والمصابين بداء العظمة والساعين إلى سد عقد النقص في حياتهم فالحرب لديهم هي الأصل وكل ما سواها استثناء، ولهذا السبب كنا لا نخرج من حرب إلا لنتهيأ للدخول إلى حرب أخرى.

ومع أنه ليس من اليسير إحصاء الأعمال الأدبية التي تناولت حروباً على مر التاريخ، إلا أن دراسة سريعة لتطور هذا النوع من الأدب، وإشغاله حيزا مهما في الساحة الأدبية العالمية العامة تُظهر بشكل جلي ذلك الدور البارز والكبير للأدباء والمثقفين والباحثين والأكاديميين في مناهضة الحروب وإدانتها من خلال نتاجاتهم الأدبية، مع أن الحروب نفسها بكل مسمياتها القومية والإقليمية والدينية كانت المحفز لولادة تلك القصص التي زودت لغة السرد الأدبية بذخيرتها التي مكنتها من رسم صور بدا بعضها في غاية الدهشة والغرابة. الإنسان الأديب نفسه وجد في جذوة تلك القصص محفزا مكنه من إعادة صياغة الحدث ليس الآن بل منذ أن شمر هوميروس عن ساعده ليسطر ملحمتي الإلياذة والأوديسا، وقد استخدم الأديب قلمه لكي يدين تلك الحروب ويعلن اشمئزازه منها ومن وحشيتها الطاغية ولاسيما بعد النهضة الفكرية التي أشعلت جذوتها الثورة الفرنسية عام 1789، حيث انبرى المستنيرون والمفكرون والفلاسفة الكبار من أمثال كانت وهيغل وسبينوزا ليدينوا الحروب من خلال كتاباتهم.

يومها بدأت الأقلام المثقفة تسخر من تلك الحروب العبثية وتدينها بشدة، فانبرى الروائي الفرنسي الكبير ستاندال، (1783-1842)، ليجعل من روايته (الأحمر والأسود) وسيلة لإدانة تلك الحروب والسخرية منها. بل إن أدباء آخرين عبروا من خلال رواياتهم التي كتبوها عن انطباعاتهم الشخصية بحتمية سقوط ونهاية حقبة الحروب العبثية الدموية، تجد ذلك واضحا في (دون كيشوت) للروائي الإسباني الشهير سرفانتس، والبؤساء للكاتب الفرنسي الكبير فيكتور هيجو. وبعدها جاء المد الجارف على يد المنظرين اليساريين والأدباء العالميين مثل إيريش ماريارُمارك، وإرنست همينغواي، وروجيه مارتن ديغار، ولويس فردينان سلين وآخرين غيرهم تركوا بصمة مشرقة أسهمت في دعم ثقافة وأدب إدانة الحروب.

إن انعدام هذا النوع من الأدب الجاد والحقيقي قبل عام 2003 في العراق كان سببه تخويف وإرهاب المثقفين والكتَّاب الذي مارسته السلطة القمعية، من أجل مواصلة نهجها العسكري العدواني وتطلعات القادة الأغبياء، ولذا جاءت كل قصص وروايات أدب الحرب التي كتبت في تلك الحقبة داعمة لفلسفة الحرب ساعية لتمجيد بطولات الطاغية وتحويل هزائمه إلى انتصارات كاذبة، ففي خضم التطورات الدراماتيكية التي حدثت أثناء وبعد حرب الخليج الأولى، بادرت الحكومة المتورطة في الحرب إلى تشجيع الأدباء على الكتابة الزائفة مقابل الحصول على مكاسب مادية ضخمة، انتجت كما وفيرا من الروايات الكاذبة المصطنعة البعيدة عن الواقع، ولم تبدا مرحلة الكتابة بوعي إلا بعد التغيير في عام 2003 حيث انزاحت سلطة القمع وشعر الأدباء بأجواء الحرية التي اتاحت لهم الكتابة دونما خوف، فانتج ذلك كما كبيرا من أدب الحرب العراقي الجاد، منه روايتنا التي نحن بصدد الكتابة عنها (وكر السلمان).

صدرت رواية وكر السلمان عن اتحاد الأدباء والكتاب في النجف الأشرف بواقع 220 صفحة تزين غلافها لوحة للرسام العالمي الإنكليزي ديفيد ماكوشي.

 

د. صالح الطائي

 

 

نور الدين حنيفتوطِئَة: نقول في عبورالمسافات المتخيلة للشِّعرية الزجلية في ديوان (سرْ النّونْ) للشاعر الزجّال المتميز ( فؤاد البياز القاسمي): إن الفرادةَ في الصوغ الزجلي تتأرجح بين خطابين وكلاهما ديناميكي ومتغير. الأول يمتح من لغة (المرڭد) والثاني يستضيف الحداثة في تجلياتها الماكرة . والمزيج المتجانس  جاء مخيالاً عاميا ينضح بالغناء، لا في تجليه الإنشادي فحسبُ، وإنما في بعده الجواني الغارف من الوجدان المغربي الجمعي والذاكرة التراثية معاً .

و في هذا السياق النظري، ندرك قدرة الشاعر الزجال (فؤاد  البياز القاسمي) على تطويع المخيال في مساجلَة أسرار الكلمة المخزونة في أتونِ علامةِ " النّونْ " الحاملة لأكثر من دلالة، لينتج في الساحة الثقافية المغربية خطابا زجليا  جديرا بالجدّة وقوّةِ الاقتراح لذاتِه كذائقة خاصة، ببصمة أخصّ، تقرأ الماحولَ في علاقته بالذات، وتقرأ الذاتَ في علاقتها بالواقع قراءةً تكرّس فعل الهوية خارج المساحات الجغرافية إلى آفاق الرحابة الإنسانية الضاغطة بكفٍّ حريرية وجمالية على منطوق الزجل كي ينخرط في صميم الإبداع الكوني، حتّى وهو يمتطَى اللهجة العامّيّة المحلّية، أداةً للتواصل وللتواصل الشعري .

واحد وأربعون قصيدةً عجنها الزجال (البياز) في خمسة أبواب هي (لغبْشِية، تحليقة لطيار، خْيامْ الدنيا، غوتْ لخْيامْ، غوتْ لمْطافِي) . وكل بابٍ منها، احتضن مجموعةً من الزجليات، أقلّها ثلاثة، والباب الأخير احتضن ستّة عشرة قصيدة، وذلك لحاجاتٍ في نفس الشاعر، أمّا (يعقوبُ) فهو برئٌ منها .

بحثْتُ في سيمياء العلامات بحثاً عابرا في غير عمق، فوجدتُ الأبواب تتحرك في تيماتٍ هي: الزمان والسماء والماحول . ولاحظتُ أن هذا الأخير استأثرَ باعتبار الشاعر، لا في مفاضلة تقوم على الاستحسان والتقبيح، ولكن في انفعالٍ شاعري واضح، يقدّم لنا تجربة زجلية في جماليةٍ مفردة، تقوم على المساءلة في شرطين هما شرطُ الوعي بالقضايا المطروحة، وشرط اللاوعي الذي يقبع في سرّ النّون باعتبارها مفتاح هذا الشعر وهذا الزجل .

= مكوّن الزمان:

يشكل الزمان في المقول الشعري وضمنه، الزجلي، مكوّنا لا مندوحة عنه في تربيب القول والارتقاء به إلى مستويات الكشف الدلالي البعيد عن الأطاريح الخطابية المعانقة لحضيض اليومي . وهو، أي الزمان والزمن معاً، شرطٌ عميقٌ لتحقيق التماهي بين الشاعر ومكونات الإبداع وبين الماحول، تماهياً يساعد على تكثيف الصور الزجلية والذهاب بها مذاهب الإدهاش لا محافلَ التسجيل والمِرْآتِية . على اعتبار أن توظيف الشاعر (البياز) لمفهوم الزمن لا يدخل في تأريخ القصيدة داخل الحيز والتحقيب، بقدر ما يدخل في قناعة شعرِية تنظر إلى الأشياء نظرة عميقة تربطها بالكون . وما حديث الزجال (البياز) عن (الغبشية والفجر والنهار وغيرها من وحداتِ الزمان) إلا دخولٌ في هذا الحضن الكوني الشارِح لهذه التجربة الفنية والذاتية في تلاحم جليلٍ يستدعي أكثر من وقفة . وهنا يقع التماسّ الجميل بين الذات والزمان حيثُ يتغير نظام الأشياء ويتغيّر نظام النظر إليها (وهذا النظام المختلف في النظر إلى الأشياء يعمق صلة الشاعر بتجربته ويبرهن رابطته بالكون، وبالحياة والأشياء، فيجعل من هذه الصلة، لا نقاط تماس مجردة، بل انصهارا حادا واندماجا في تيار جارف، شديد الفرادة، ولا يمكن لصلة الشاعر بعالمه أن تكون على هذا المستوى إلا إذا كان مسكونا برؤيا حقة، تتيح له تمثل العالم، والانغمار فيه والتفاعل معه تفاعلا داخلا وهاجا) -1

إنّ استحضار الزمن في تخوم الزجل هو من صميم الزجل ولا يشكل حِلْيةً للزخرف، وإنما يشكل صميماً موجوداً في نسغ هذا الفن . ومن ثمّة فإن اختيار (البياز) لزمن (الغبْشِية) بثقلها الشعبي الموسوم بانحسار الضوء في الوجدانية المغربية لا يجد جماليته التعبيرية إلا في حميمية المفردَة اللهجية المحلية والتي لا تعيق انسيابها في أفهام الإنسان في شرطه الخارجي . إن حضور (الغبشية) له علاقة شديدة الالتصاق بقدَر الإنسان المغربي الذي يرنو بعينه إلى السماء وهو الملتصق قدَراً بالأرض، ومادام هذا الإنسان يعي محدوديته في الاشرئباب إلى السماء فإنه يكتفي بغمزها ... وهو يرنو في زمن (الغبشية) لأنه خارج هذا الزمن سيتعرّض للَفْح الشمس الفاتك ولنورها الوهّاج وسيرتد إليه طرفه حسيرا ضعيفا.

عَيْنْ تَغْمَزْ السّْمَا   بِحَسْ مَقْطوع

عَيْن عْلَى  ڭلب حَاضي  مَفْڭوع

تْنَهّدْ لَفْجَرْ ..ضَوّ... فِ حْجَرْ لْعَشِي

تْرَبّى فِ عَزْ الِليلْ.... شَانْ مَرْفُوعْ

و ليس حضور الزمن هنا إلا تشكيلا زئبقيا للغة الزجلية الشعرية حيث تترجم لنا بصيغتها الماكرة باطن الذات المتكلمة وظاهرها، في تجلياتٍ مختلفة تنسجم في رؤية الشاعر (الحس المقطوع - الڭلب الحَاضي  - الڭلب المَفْڭوع) ... وهي اللغة الزجلية التي لا تقف عند حدود رسم اعتمالات الذات في المحتوى، بل تتجاوز ذلك إلى رسم الإيقاعات بمفهوميْها: الوزني والنفسي . وأمّا الوزني فهو واضح التقاسيم في المفردات والمقاطع، يتقدّم إلى القارئ في دندناتٍ مموسقة تشي بقدرتها على الاستدعاء اللبيب لمتابعة المقروء في معناه وفي لامعناه . وأمّا النفسي فهو الفاضح لغور الذات وترقباتها وتطلعاتها، وقبل ذلك لمعاناتها . هكذا تكون (اللغة الشعرية هي أحد مظاهر التآلف مع الزمن في علاقاته الظاهرية والباطنية، فما يحدث من أشكال أو أوصاف تتجمع بذاكرة الشاعر ودواخله على هيئة إيقاعات وأصوات ثم بعد ذلك تخرج في قالب شعري متنوع الطبقات الموسيقية التي تأتي بأنماط مختلفة) - 2

تنسجم الذاتُ مع الزمن في سلاسته الهادئة والمواربة للضوء، حتّى لكأنها تخشى السطوع المعادل للفضيحة . وتجد في الفجر فضاءها المميّز لممارسة حضورها بامتيازٍ أكبر، حيث قدرتها على المناجاة والطرح والشكوى والبثّ ... وفوق ذلك وأعلى، فإن الذات تستزيد من رغبتها في الوجود الممتاز والمقترن بلحظة الكتابة التي هي في عرف الشاعر لحظة الوجود الحقيقية:

أنا مْزاوَڭ وَالَّلهْ

فِي ديك نَجْمَة لَفْجَرْ

إِلى مَا زِيدي فِي لِيلي

وَوَنْسِي دَاكْ لَبْدَرْ

وَخَلِّي مْدَادْ لْكَتْبَه

يْسيلْ عْلَى السْطَرْ

را الدَّمْعَه سَايْلَه سَايْله هَوَّادَه.

تستفيد الذات من البدايات في انبلاج أزمنة الفجر، لتتجرّأ على الخروج من دائرتها المغلقة إلى أنساق أخرى مفتوحة على الآخَر، وتنسجم مع التحول في الحساسية الشعرية فتنتقل من الاعتمال الداخلي إلى الرغبة في التغيير المُمَارَس على عزلة الآخر ... إنه الزمن الزئبقي المتحوّل:

نُوضُو فِيقُو

رَ النّْهَارْ طْلَعْ

وَ اللِّيلْ رَاحْ

مَا بْقَى يَسْمَعْ .

وَلْبَرڭي عَنْدْ مُولاهْ رْكَعْ

جَبْتْ لِيكْ قُرْطَاسْ شْمَعْ .

 

و لا يكون الزمن في سياق هذا الديوان معزولاً عن التحولات الذاتية الممكنة، لأنه يرتبط بها ارتباطا عضويا يشي بالتفاعل والتداخل البنيوي الأكثر إمكانا وتوليدا للدلالة في أبعادها السيميائية الخارجة من شرنقات العلامة الملفوظة إلى التعبير عن البؤر النفسية المختلجة في جوانية الذات، مستعينةً بالشعرية اللغوية العامية، القابعة في القدرات التعبيرية البيازية (الدّكّالِيّة والقْواسْمِيّة) التي تسمح  بتوليد إمكانات كثيرة لتأويل المعنى،  لأن اللغة الشعرية تختلف في ارتباطها بالزمن، وهيَ تمزج هذا الأخير بالموضوع (الطير والفجر)، ولأنها قد تصفُهُ في إيقاع متوتر لا يكتفي بالوصف والتسجيل بقدر ما يقفز على ذلك إلى المساءلة والتنديد المتستّر في سيمياء الخوف:

خَوْفِي عْلِيكْ وَاهْيَا طَيْرْ لَفْجَرْ

مَنْ بَحَّةْ التَّلْفَه فِي سُوقْ لَغْدَرْ

وَطَجَّانْ اللّْغَا وتَجْيَاحْ لَوْكَرْ

وَصْبَاحَكْ يِسَوَّكْ بِعْكَرْ لَغْرُوبْ

 2438 سر النور

= مكوّن السماء:

الحديث عن الطير هو الحديث عن السماء لأن عنصر التحليق هو المؤشر السيميائي المشكل لمحورية الصوغ الزجلي في هذا الديوان، الكائن كينونة مضمرة في توظيف سياق النون (القرآني) في صميم الزجل الترابي، وأقصد: زجل (المرڭد) المعانق لتيمة السماء في شخص النون الربّانية . وحيث إن الطائر هنا ليس جسدا متشيئاً في المعنى فإنه ثقافة ترتبط بقبائل (القْواسم) – 3 التي يشهد لها التاريخ بالريادة في تربية الطائر القنّاص وتربيبه والممارسة في حقوله السماوية العجيبة . من هنا حضور الطائر في سماته المتعددة والتي سنروم القفز على مُتشيئِها في الديوان إلى الحديث عن دلالاتها ومدلولاتها  الممكنة .

للطير في هذا الديوان أربعة مواقع: موقع البدء (الفجر) وموقع القيمة (الخير) وموقع الحركة (الحوم) وموقع الجهة (الساحل) . وفي هذه المواقع يتربص الزجل بسيمياء الطير بذكاءٍ إبداعي تبدو فيه القصائد ولأول نظرة ساذجة وعابرة، وأن الديوان مجرّد مجموعة متناثرة من أشكال القول الزجلي، هنا وهناك . إلا أن الشاعر البياز اختار لفسيفساء زجلياته هندسة دلالية مقصودة تحكمها ثلاثة أنساق، الأول هو نسق السماء في شخص الطير، والثاني هو نسق النون كشرط صوتي ربّاني يبارك طير السماء، كي يكون لتحليقه المعنى الجبّار الذي يخرج من ريش الكائن والحيوان القنّاص إلى أجنحة الشاعر الإنسان . الطائر إذن ليس جسداً فلكلوريا، يسبح بعيوننا في تصفيق الإعجاب وصفيره، إنه معادل موضوعي للذات المتكلمة في تجلياتها الصاعدة والهابطة . والثالث هو نسق الانخراط في هذا الماحول الذي يُشَرّحُه الكلام الزجلي بآلياته الخاصّة .

و إذا كان تحليق (طوير الفجر) يشكل البداية المتعثّرة فلأن مقصدية الصوغ الزجلي اختارت مقولةً صرفية مناسبة هي التصغير (طْويرْ) واختارت له زمنا بدئياً يشي بالغموض في اقتضام الطريق . إلا أن ثقافتنا الإيمانية تربط الفجر بالرزق وبالبشارة وبالتوفيق، وثقافتنا البلاغية تفيد في التصغير تمليحاً أو تقبيحا ... ومن ثمّة يدخلنا الشاعر في متاهات التأويل، ويؤرْجحنا بين المدح والقدح في سيرورة زجلية لا تقدّم ذاتها هامدة سهلة القضم . وإنما تتقدم إلى القارئ ذكية موغلة في اكتناز المعنى والدلالة . من هنا فهمُ واستيعاب حضور مقولات لسنية تسير في اتجاه النقص مثل (خوفي عْلِيكْ – بحّةْ التّلْفَة – طجّانْ اللْغَا - ڭلْبُو تَعْگَرْ – مرّة مْكدّرْ ...) وهي الدلالة المهيمنة على مساحات هذه الزجلية المعنونة ب (طوير لفجر) . وينتهي هذا الميزان المترنح بتأييد المتلقي لهذا الطائر المبتدئ في اكتشافه لهذا العالم الموبوء، حتى يتمكن من ولوجه بذاتٍ محتكّة ممخوضة لها رصيدٌ من القسوة في استقبال القسوة (يا طْويري نَخْضَتكْ ايَّامْ لْحَرْ وَلْقَرْ) ...

يخرج من عباءة الطير الفجري المبتدئ طائر حكيمٌ يقرأ الوجود قيمةً تقتبس السماء في سديمها المشرق لتنقله إلى الأرض سلاماً أخضر . هكذا تتحول الزجلية الثانية من المجموعة الثانية إلى رسول سلام وتعايش وتسامح:

شَفْتْ ذَاكْ الطّيْر فُوقْ شَجْرَه

فُوقْ اجْبَلْ ؤُ فُوقْ هَضْبَه

فِ لَوْطَى ؤُفُوقْ حَجْرَه

هَازْ فْ مُقَّارو وَرْقَه

شَفْتْها.... لُونْها خَضْرَه

مَكْتُوبْ فِيها السَّلاَم ْ

ننتقل الآن من حالة البدء إلى حالة القيمة إلى حالة الحركة . وهنا يستدعي الزجال (طائره) ليتحوّل إلى مُجمّع شعري لمجموعة من المقولات هي الموضوع والفضاء والذات في مكتَنَز قول الزجال (يَا لْحَوَّامْ في سْمَا لَخْواطَرْ) . إنه استدعاءٌ فنّيّ قبل أن يكون استدعاءَ محتوىً ثقافيّ يربط القارئ بالمعنى . إذ المعنى موسومٌ بالطريق الجاحظية المعروفة . من هنا فالحركية تمتد من أجنحة الطائر إلى أجنحة الخاطر، إلى حركية الآخر، في تشظيه بين الإيجاب والسلب:

يَا لْحَوَّامْ في سْمَا لَخْواطَرْ

حَلَّقْ وَارْخي لْبالْ

شي هَادِي

شي هَايَجْ

شي ضَاصَرْ

فيصبح الشأن لا شأنَ سماء لممارسة التحليق الطقوسي والاحتفالي حيث الطائر عريسٌ مُجتبىً، وإنما يصبح التحليق شأناً خاصّا بالأرض وتناقضاتها (شي هادي، شي هايج) . بمعنى أن الصورة الزجلية هنا لا تقف عند حدود البذخ الثقافي الموسوم بالتعريف بثقافة (الطير) وإنما يصبح هذا الطائر أداةً وجودية للكشف عن طبيعة المفارقة المقيمة فينا عبر مقولة الحوم التي نعتبرها في هذا المقام مسحاً سماوياً للتناقض القبيح الموجود في عيوننا . لهذا يدعونا الشاعر إلى مأدبة الحوم مع (الطير) كي نكتشف جمال هذا الوجود، حيث تكون الكتابة أجمل ما فيه للفتك بكل أشكال المفارقات:

واهْيا لْحُوَّامْ

في سُوقْ لَكْلامْ

غْريبْ في هادْ الرَّحْبَه

حَرْفِي طَلْ مَنْ هادْ لْعَتْبَه

رُوحْ رُوحِي سَلْبَاه الجَّدْبَه

من هنا أيضا نفهم الحالة الأخيرة في هذا الباب، وهي حالة الجهة، وأسميها حالة النزول حيث المكان فارضٌ حضوره في مقولة (الساحل) . (والساحل شاطئ البحر، والساحل ريف البحر ... وفي حديث بدر: فساحلَ أبو سفيان بالعير، أي أتى بهم ساحل البحر) – 4 ... ومنه دلالة النزول الي نستخلصها من طبيعة الصوغ الزجلي في هذا المقام، حيث ينحسر الحديث العلوي والسماوي كفضاء مميز لتحليق الطائر . والبديل الزجلي هنا طائر معادلٌ موضوعيّ يشي حضوره بالإشكال الوجودي الأرضي الجانح نحو الاعتبار والاستلهام من تجربة الطائر المسقوطة على الذات المتكلمة  في شقّيْن: شقّ مُنتقِد، تمثّله هذه الصياغة (لَعْريسْ بْغا يَذْبَحْ - وَالنْسيِبَه كَتْلَحْلَحْ - فِي أيَّامْ لْكَزْ - كُلْشِي كَحْ كح  - لْبيرْ وْمَا وْكَحْ - شَارَبْ الزَّعْترْ مَا كَحْ  - وَاكَلْ لْحَلْبَة - مَا يَلْكَحْ ...) وشقّ مُعتبِر وتفيده هذه العلامات (اَنَا بْخُورَكْ  - اَنَا سْحُورَكْ – نْدَاويكْ - فِي مْتُونِي - وَنْرُشْ فِي سْطُورَكْ - مَنْ حَالي  - مَنْ حْوَالي - مَنْ قْوَالي - كِطْوِيرْ السَّاحَلْ - حَلَّقْ مَا غَابْ - مَا ذَّا خْبَارْ مَا جَابْ - عَيْنُو فِينَا عَاشقَة - وَلْحَطَّه مَا صَابْ ...) كل ذلك في تصوير لا يقدّم نفسه سهلا بسيطا وإنما يتجلى لنا آبقاً ماكراً صعب القبض والانقياد . إذ كيف نستسيغ حضور الطائر في توجّهين، الأول يرتبط بالتحليق والثاني يرتبط بالغياب، في حين أن العلاقة بين الطائر ومدرّبه تقوم على الحضور الكلّي والحميمي . من هنا نفهم جنوح الذات إلى التماهي لا مع الطائر \ الجسد وإنما مع الطائر \ الأيقونة المتخيّلة في جسد المفارقة، والحاملة للإدهاش من خلال تمرّدها على معنى الطائر إلى معانقة لامعنى الطائر في زئبقيته المتعالية .

= مكوّن الماحول:

يتمسرح هذا المكوّن الدلالي على مساحة ثلاثة أبواب في هذا الديوان، هما باب (خْيامْ الدّنيا - بأربع قصائد) وباب (غوتْ لخْيامْ – بثلاثة عشرة قصيدة) وباب (غوتْ لمْطافِي – بستة عشرة قصيدة) . والملاحظ هو أن طائر النّون ينزل بأسراره كلّها إلى تخوم الواقع حيث علاماتُه الدالّة واضحة في ملفوظات (الخيام والمطافي) وحيث المكان والماء هما أسباب الحياة في القبيلة . إلا أن سياق ورود مثل هذه العلامات سياق أبعاديٌّ ومخياليّ أكثر منه انتربولوجي وإناسي يبحث في تمظهراتها وتشكلاتها الاجتماعية والثقافية .

بمعنى أن المكان قدرٌ يجرّ الصوغ الزجلي إلى جاذبيته المقروءة داخل الفن لا داخل المرآة . لأن هذه الأخيرة تقدّم لنا الخيمة – مثلا – في وجودها الاجتماعي والإناسي والأيكولوجي وغير ذلك مما نلامسه في اهتمام المتخصص، تقديماً لا جرأة فيه ... أما الفن فيقدمها لنا في مقولة التماهي وفلسفة المكان غير المتحيز وفلسفة الدلالة البعيدة الباحثة عن خصوصية تعبيرية محمّلة بكثير من الإمكان التخييلي، وباصمة بميسمها الأخص، بحثا عن فرادة أكثر إمكانا .

و أول ما يطالعنا في مجال الماحول هو مقولة الهدم تأسيسا لفكرة البناء القادمة في السياق . والهدم في تجلياته السطحية يرتبط بالمكان الحيز (رابتْ لخْزانَة) . لكنه سيتحول إلى هدم يتناسل في مفهوم تفكيكي ليطال أكبر قدرٍ من المقولات . ومن ثمّة فهدم (لخزانة) هو هدمٌ وتفكيك لعوَجِ الزمان (مالتْ ليّامْ) ولعراء الحروف (تْعرّاتْ لحروف) ولفساد الغلّة  أو لفضح المكنون (تْفَرْڭعَتْ الرُّمَانَة) ... في نسقية ذهنية واصلة بين أطراف المتن والوجود معاً .

و نكادُ نلامس في الديوان تلكم الرغبة الدفينة في قراءة الماحول قراءة زجلية تهدم أنساقَه لتعيد بناءها من جديد، لا في قرارٍ نقدي يمارِس فيه الشاعر الزجال رقابةً على هذا الواقع لتقويمه وتعديله وتصويبه، فهذا ليس من مهمّات الزجل، وإنما في رؤية فنية تحليلية بين قوسين، وهي تفكيكية بامتياز لا بمباضع المتخصص الناقد وإنما بأدوات حريرية تتوسّل الكلمة العاميّة الشّاعرية التي تسلط على بنيات الماحول بعض الضوء الرؤيوي .  هكذا نفهم أن " التفكيك حركة بنيانية وضد بنيانية في الآن نفسه، فنحن نفكك بناء أو حادثا مصطنعا لنبرز بنيانيه وأضلاعه وهيكله ولكن نفك في آن معا البنية التي لا تفسر شيئا فهي ليست مركزا ولا مبدأ ولا قوة فالتفكيك هو طريقة حصر أو تحليل يذهب أبعد من القرار النقدي"- 5

تفيد مفردة (لخْزانَة) في الثقافة الشعبية المغربية لا بيتاً من قماش، مشدوداً إلى قدرين: قدرٌ جميل هو العرس وثانِ غير جميل هو المأتم . ولكنها تفيد طقساً احتفاليا جماعيا يلقي بالآصرة الجمعية في أتون الحاجات المطلوبة والمرغوبة سواء تعلق الأمر بالمواسم أو تعلّق بالطوارئ . وهي قبل هذا وذا تفيد ثقافة اللمّة بمفهومها الإيجابي الحاضن . ولكن الشاعر الزجال (البياز) هدم الفكرة ليبنيَها من جديد في عُرفِ الْمُساءَلة: ماذا وقع لهذا الفضاء ؟

إنّ انتفاء (لخزانة) ليس انتفاءً لجُدُرها وسارياتها الخشبية، ولكنه انتفاء لمعناها أو لمعانيها . ذلك أن تداعيات سقوط الخزانة كثيرة وعميقة: منها سقوط الزمن، وسقوط المعنى (الحروف والرمانة) . وبإمكاننا أن نقرأ أيقونة الرمانة في توجّهات متعددة، بعضها يمليه شرط الوجدان المغربي المرتبط بعملية الفضح (وَتْفَرْڭعَتْ الرُّمَانَه) تمهيداً للكشف عن وضعٍ آخر غير الذي تختزنه الرمانة والذي يفرض على الماحول الإيمان بالرمانة في نسقها المغلق . إن تفجير الرمانة في عرف هذا الديوان هو تفجير لكثير من المسلمات، منها مسلّمة الواقع المتغوّل بغموضه المفروض، ومنها مسلّمة الحرف الذي يشكّ الزجال في قيمته إذا ما حافظ على نسقيته المألوفة، ومن ثمّة نفهم رغبة الشاعر في فضح الحرف وتعريته تمهيدا لبناء مفهوم جديد للكتابة، أسميها كتابة العراء .

نفس النسق نقرأ به ما شئنا من مقولات الديوان، تفكيكاً  قرائياً للمغلق في المفتوح . ومنها قول الشاعر (لِيَّامْ ڭرَّاتْ) حيث الإقرارُ نسقٌ مفتوح على ضده الكتمان ... (ليّامْ ولدات) بين الولادة المترقبة الراصدة في فرح وخوف لجنس المولود او عقم الولادة، وبين الولادة كمحصّلة مفتوحة على الفتك بالسؤال بعد أن عُلِم الخبر \ المولود أو المولود \ الخبر ...

القصيدة            النسق المغلق               النسق المفتوح

رابتْ لخْزانة   (الخْزانة) في حالة البناء   (الخزانة في حالة الهدم \

                        \ الغموض                   الوضوح

لِيَّامْ ڭرَّاتْ       الكتمان                         البوح

ليام وَلْدات    الحبل حالة انتظار              الوضع حالة انفراج

الدَّنْيا حَنْتَاتْ    القسم كحالة غير خبرية    الحنت كوضعٍ واضح

حَالْنَا مَعْڭودْ    الماحو في وضعية العقدة      الماحول في وضعية الحلّ \

                        \ الأزمة                     الكشف

***

وهكذا دواليك أيها القارئ في غضون الديوان، تجوّل فيه ما وسعك الجول واقطف من لذائذه ما وسعك القطف، لكن في حذر شديد، يرشدك إلى عدم التعسف في التأويل، وإن شئتَ مخرجا فلا تؤوّل بغير شرط منهجي، يعصمك من القراءات المبتسرة والمجانية والعاشقة في رخاء المجانية المسترخية على أرائك الكلام الوثيرة .

إن هذا الماحول الذي يُشَرّحه الزجال (البياز) ويشْرَحه هو لعمري مجموعة من القضايا العالقة والتي يمارس عليها الزجل بعض الكشف الفني برؤية أكثر فنّا، وبطريقة تميل إلى المساءلة الاجتماعية منها إلى النقد الاجتماعي . ولا غرو أن يكون الفن بهذه الزئبقية المستعصية على القبض . ومنها قضايا تمس الدهر في توصيفٍ كلاسيكي للزمان (واشْ الزْمانْ ڭيَّدْنا ؟ تَشْكِيلَة رْباعِيَّة !) في غير تسجيلٍ ولا معاودة (رُندية) ... ومنها ما يمس التأمل الفلسفي المعيد لقراءة التاريخ (تفاحةْ آدَمْ) حيث لا تجد أيها القارئ لتجربة (آدم) تكرارا لقصة العصيان والنزول، ولكن تجد في هذا السياق شاعرا يمارس إعادةً لإنتاج المعنى الديني في لبوس زجلي عميق يقوم على إحداث حالاتٍ من التماهي الجليل بين الإنسان الحداثي وبين الإنسان \ البداية (عَرْاتْنَا الشَّجْرة وَالذّْنُوبْ كَانَتْ دْوَا) في تحليلٍ جديد لمكونات القصة الأزلية، والتي يُلقي بها الشاعر في أحضاننا جمراً لا نكاد نقبض عليه . وحتّى إذا رُمنا ذلك أرسَلَتْنا القوافي (البيازية) إلى حدود أخرى من الصوغ والمعنى والدلالة، فلا نجد (آدم) ولكننا نجد ابن الدوار والقرية مثخنا بجراحه الخاصة:

دَوْرُوكْ وَاهْيَا بُويَا

فَڭلتتْ لْڭسْ ؤُ لْقِيرْ

وَنْتَ خُويَا تَقْرَا

و منها ما يتساءل بمكر رؤيوي لا يدين الجهة وإنما يدين الفعل، خارج أصابع الاتهام القاصرة والتي تُسجّل القضية دائما ضد المجهول، وتعلّق العدالةَ في مقاصل النسيان:

وَمَالْ  عْرَاسْنا لَبْسُوا الدَّمْ

وْڭعدَةْ لَمِّيمَاتْ عْلَى الشَّطْ بِالتَّخْمامْ

وْمَالْ حَالْنَا بِمْدَادْ لْڭطْرَانْ

فِي وَرْقَه .. لاحْتُو لْمِيجَاتْ بِالتَّزْمَامْ...

غِيرْ اَناَ  ڭلْتْ، حَثَّى اَنْتَ  ڭولْ

و منها قضايا الحق . وحتى لا يقع الزجال (البياز) في محظور التكرار والشبه، فإنه بذكاء الزجال (لعْروبي) المخالِط لسيمياء الطير، يُمرّغ التجربة الاحتجاجية في تراب البلد (لوزِيعَه - حَقّْ لْمَڭرُوحْ – جِيحَة ...) حتى لنكاد نلمس تلكم الخصوصية في صوغ العبارة وفي طرح الإشارة مضمّخةً بتألّقها الإقناعي وبإقناعها المتألق الذي إن لم يخلق فينا تغييرا في الحساسية الإنسانية، يخلق فينا تعاطفاً جماليا بالقضية، في موقف سديميٍّ نسمّيه أضعفَ الإيمان .

إن تتبعنا لمثل هذه التيمات ومثل هذه القضايا أمرٌ سيحول دون استقراء منهج الرؤيا (البيازية) للماحول . لأن رصد القضايا في جنوحها القضوي سيقبِعُنا في المعنى، والمعنى مسألةٌ قدحها الجاحظ في طريقه القديمة . وخير لنا أن نتتبع الرؤيا الفنية في تجلّياتها الممكنة والممتدة خارج المعنى، حتّى نظفر بالأقل الممكن من نظرية الزجل في (أسرار النونْ) .

= الصوغ الزجلي:

أ – المفردة المحلّية:

يختار الشاعر (البياز) ودائما مفردته البانية لا لقصيدة زجلية يتيمة، ولا لديوان زجلي عابر، يقوم على الرغبة الهجينة في طبعه ونشره في الساحة الثقافية قصد جني بعض التصفيق والإعجاب . وإنما يختار مفردته لبناء مشروع زجلي مسؤول فنيا ورؤيوياً يدخل الساحة الثقافية من باب الإضافة لا من باب التكرار ودعم ثقافة الشبه .

من هنا سنتابع بعض المحطّات التي يتبدّى فيها الصوغ الزجلي البيازي، تمثيلاً واستشهادا لا حصرا . ومن ذلك نذكر: انتقاء المفردة المحلية المرتبطة بالأرض، (عَنْدي جُوجْ سْبُولاَتْ، مْهَاوْداتْ لِلْغا  بِفدّاني) والديوان عامر بمثل هذا الصوغ، لا لأن الشاعر ابن منطقة تُملي عليه ذلك، وإن كان هذا حاضرا في غير شرطية، ولكن لأن نسغ الكلام يفيضُ في هذا الاتّجاه لمقصِدِيَتيْن: الأولى نسْغِية تؤالِف بين المتكلم وبين مسقط رأسه في إطار تبادل ثقافة الاعتراف . والثانية تمثيلية يصبح فيها التراب مجالا استعاريا للقبض على المعنى والدلالة خارج البداهة . لأن هذه الأخيرة لا تُنتج زجلا وإنما تنتج خطابا يوميا يتقنه المتواصل مع الآخر في حديث يومي في مقهى أو في مجلس .

من هنا قوة الصوغ عندما تتجاوز المفردة في إدهاشها البسيط وهي تنغلق على المستمع الشمالي مثلا أو الحسّاني ... إلى إدهاش بلاغي يرتبط بفنّ الزجل المخلص لنسغ (المرڭد) حتى ولو استغلق الأمر على المخاطَب خارج هذا الحزام اللغوي . فهذا الأمر أصبح في المتناول عبر آليات التكنولوجيا الحديثة التي تقرّب البعيد وتقدّم للقارئ إمكانيات جديدة للاطّلاع على لهجات الأحزمة اللغوية المغربية في أقوى تعدّدها .

قلنا إن الأمر يتعلق ببلاغة المفردة وبالتالي ببلاغة التركيب المخلص للمحلّية، لا في شوفينيتها وإنما في تعددها الثر والغني والباني لزجل وطني مفعم بالتنوع . من هنا جاءت استعارات (البياز) منزاحةً بقوّتين: قوة التركيب المحلّي وقوّة الصوغ الجمالي . ودعنا الآن نستمتع ونعتبر ببعض الأمثلة من الديوان:

- (اعْريِّشْ الشكْوى تزْياطْ) ... لا يستعلي الخطاب هنا على المستمع بقدر ما يخلص لنسغ المحلية، ذلك أن مفردة (التزياط) لا تحيل على ذاتها في حصار مُعجمي بقدر ما تُحيل على حالة نفسية موجودة تحت قوة القهر، ويفيدنا القولُ الصوغي (الدَّقْ ف ڭلْبي... تَعْياطْ) إفادة بائنة . ومن ثمّة ف (التزْياطُ) في جرْسِها الصوتي وفي مجاورتها لمفردة (التعْياط) وفي انتمائها لنسق تركيبي دلالي تفيد أكثر من صوت، إنها صراخٌ وجودي يكاد يمزّق الأسماع قبل أن يدقّ طبلات الآذان .

- (لاطْني حَالْ هاذ السْلاط) ... يكاد يصدمنا لفظ (لاطْنِي) لأنه مُغرِقٌ في المحلية، ولكنه في آخر المطاف علامة لسنية لا تُكلّف القارئ إلا حركة بسيطة في محركات البحث للتعرف على ماهيتها وهويتها اللهجية . وإن شاء لم يفعل، وإن شاء احتمى بمقومات السياق، حيث ترقد اللفظة المفتاح في الجوار القريب (حالْ) . ومن ثمّة نُسرع ونقول إن المعنى وبكل بساطة هو (لاطْني الحالْ = مسّنِي الحالُ) وهكذا تتعرّى الدلالة في آفاق واسعة للتأويل ... كما أن مفردة (السلاط) تفتك بالمجهول في البيان، وتُعرّيه، لأنها تحيل على مفردة لهجية أخرى هي (امْسَلّطْ) ... وكفى بنا توضيحا .

ب- في سيمياء الانزياح:

يركّب الشاعر الزجال (البياز) لبنات زجلياته تركيبا يُغادر بشدّة واضحة مفهوم الكتابة المسطّحة إلى مفهوم الكتابة الشاعرية المتوتّرة الرافضة للمعنى في عباءات الخطاب اليومي . يذهب بها بعيدا حتى تستوي جواهر في قلائد بليغة بلاغة الزجل في مدلهمّ الكلام . نختار من ذلك على سبيل الاستئناس بعض العبارات الحاملة لهذا الجمال:

-(البدرْ التّحْتاني) ... وحيث لا يكون البدر إلا في الأعالي فإن هذا الموصوف انزياحٌ جميل وبليغ يؤطر الصورة الفنية الزجلية داخل المشابهة في غير تطابق تقليدي . فالبدر هنا ليس إمكاناً فلَكيا، إنه إمكان إنساني، وللقارئ كل الحقّ في التأويل .

-(وَلْوَرْدْ انْطابْ تَغْناجُو) ... كيف السبيل لا إلى استيعاب الجمال ولكن إلى تذوق الجمال في هذه العبارة النازحة من قزحية ال (الخاطرْ) التي استطاعتْ أن تحوّل المجداف إلى بحور الجمال في هذا الصوغ ؟ ... ولا نكاد ننهي سؤال الإدهاش حتى يعرّي الورد عن حالة استوائه الجمالية في غنج التثنّي والاحمرار البالغ أوجه في سيماء الخجل داخل صورةٌ فنية عاميّة محمّلة بقدرة بلاغية (بيازية) على تمثل الورد في حالة الثقافة بعيدا عن حالة الطبيعة . هكذا هو الزجل حين يفرّ من أسر الكلام ليبدع حقيقة الكلام .

-(فَقتْ مَنْ لَرْمادْ، كَانْ رْڭادي عَافْيَه) يتدثّر الزجل هنا، في هذا الصوغ داخل الانزياح المزدوج: لأنه يمتح المعنى من أسطورة الفينيق أو العنقاء، ولأنه ينتج الدلالة الآبقة على تسطّح المعنى . وفي هذين السياقين تدوخ ذائقة المتلقي دوخانا لذيذا يمرّغُها في منتديات الاستيعاب الجمالي . هل يقطف القارئ من بساتين المعنى الموسوم بحركية الرماد ؟ أم هل يقطف المعنى داخل انزياح اليقظة التي تكون عادة في الفراش وإذا بها هي الآن في الرماد ؟ أم هل يقطف المعنى في قدرة المتكلم على صناعة التماهي القوي بين الذات والأسطورة ؟ أم هل يقطف المعنى في تحويل النار إلى أُنس ؟ أم هل وهل وهل ... هكذا يمكن للزجل أن يستقلّ بشِعرِيته بعيدا عن الاقتراض من المنظومة العالِمة التي تُملي نظريتها في صوغ الجمال وفي تلقّيه أيضا .

-(كانَتْ غَوْتَة مَنْ جوجْ

جاتْ في تَعْواقْ فَرُّوجْ

للِّي فَيّْق السُّؤالْ

في زْحامْ لَمْدادْ

وَلْباكِي عْلى هْروبْ لْوَقْتْ

مَنْ نْواحْ لْكيسانْ

للِّي فاضَتْ

فوقْ الصّْوانِي ...) ... وحيث إن الذكاء الشعري لا يقف عند حدود المتشيّئ فإن الشاعر (البياز) يقفز بنا إلى ما فوق العلامة . وأقصد علامة الديك بصيغتها الدّارِجة (الفروج) التي تؤدي في هذا السياق دلالاتها أبلغ من أداء مفردة الديك . ولأن (الفروج كائن مألوف في طبيعة العلاقات النسغية البدوية ويمثل جزءاً من الحضور الإيجابي فإنه انتقل، بمبضع الشاعر، إلى علامة سيميائية لا تُحيل على المكوّن الحيواني المرتبط بخصائص الطائر، وإنما تُحيل على استبدالٍ بلاغي يُلقي بظلال التعبير على الإنسان . لأن صراخ الديك هنا موسومٌ ب (التعواق) الذي يتحول إلى (غوتة) وبالتالي تتحول هذه الأخيرة إلى استفزاز كبير لمقولة السؤال . ولا يتم هذا السؤال في المطلق وإنما يتمسرح في سياق إنساني موسوم بالزحام والاختلاط والتدافع، وموسوم أيضا بالعجز البائن على القبض على سيمياء الزمن . قال الشاعر باكي على هروب الوقت من نْواحْ الكِيسان (وتبقى علامة (الكيسان) علامة دالّة وجامعة لحضور إنساني يفقد في كل حين لذّته بفعل تغوّل مستجداتٍ تكاد تفتك بالطقوس الجميلة والبسيطة والدافئة التي كنا نختلسها في أزمنة الوضوح الطبيعي .

ج – سرّ النُّونْ:

هو سرّ الكتابة كما يذهب إلى ذلك منطوق الديوان في بعض محطّاته المركزية التي لا تعبّر عن ذاتها في التراكم الكمّي وإنما في الورود الكيفي . قال الشاعر (البياز) في مواقع مختلفة:

+ من قصيدة (كاسي فريد)

الليفْ لٍيفي والنّونْ نُوني

يا خُويَا تْشمْعتْ ظْنونِي

بْكَاتْ لَحْرُوفْ فِ مْتُونِي

وَتْجَنَّاتْ خْوَاطَرْ جْنُونِي

حلَّلْتِ لَحْرُوفْ وَسَڭتِيها

و أول التدبيج كان إقراراً بالخصوصية . والشاعر (البياز) يعلن في بيانٍ شعري زجلي أنه يمتلك حرفه الخاص، لا في تشابه ولا في تكرار ولا في تناص ولا في تقليد ... (الليفْ لِيفِي والنونْ نُوني) ويعلن أيضا أنه زجلٌ يكتوي بالاشتعالِ والبكاء، لا في نسقهما المحترق في مجانية رخيصة أو بكائية رومانسية، وإنما في تخطٍّ للمألوف يكاد يبلغ درجة الجنون في الكتابة . وهذا سرٌّ من أسرار النّون في الديوان . فالشاعر يقدّم لنا مفهوما متمرّدا لفعل الكتابة، وفيه نفهم تجاوزه للكتابة الناسخة في غير إبداع .

+ قصيدة (شطحة لحروف)

مَاحَزْتِ لْكَافْ وَالنُّونْ بِليلَهْ.

نبْها بِمدادي

فِي خْيامْ اللاَّماتْ

وَانا غيرْ كْليمَة

خَرْجَتْ كِيَّاتْ

نَحْصَدْ شُوكْ لْمَعْنَى

مَنْ بَعْد ما زْرَعْتْ

لَوْقاتْ

و هي أيضا كتابة تدعو صاحبها إلى التباهي المشروع مادامت متميّزة وباصمة على فعل الشعر في الساحة العاجّة بالغثاء . (نبْها بمْدادي) في محافل القامات الشعرية الكبيرة (في خيامْ اللامات) ودائما في حضور شرط الانكواء (خرجتْ كيّاتْ) والمعاناة (شوك المعنى) وهذا سرّ آخر من اسرار النون في الديوان .

= بعض الموسيقى:

لا يمكن الحديث عن الصوغ الزجلي دون الحديث عن المفارقة . ويتعلق الأمر بكثير من الكَتَبَة في مجال الزجل، يظنون أن هذا النوع الأدبي الموسوم بالعاميّة حائط قصير تسهل الكتابة فيه والإبداع، مادام في نظرهم مصوغا بالدارجة . مما يعطيهم انطباعاً خاطئا بأن الزجل مطيةٌ سهلة . هذا خطأ فادح وخطل في التصور الفني لطبيعة الإبداع في مجال الزجل . وليست هذه مناسبة للخوض في هذه المفارقة، وإنما حسبنا في ذلك، تتبّع طريقة الصوغ لدى الشاعر الزجال (فؤاد البياز القاسمي) .

يَنْظِم (البياز) زجلياته مؤمنا أولا وآخراً أنه ينحت من صخر، لأن العبارة الزجلية ماكرة مكرا أشدّ من مكر العبارة المعربة والفصيحة . إن استعصاء العبارة الدارجة على الانخراط في شِعرية القول هو لعمري رهان يبلور حقيقة المبدع الزجال، ويضعها في المحك مادامت الدارجة تتغوّل في سديم التركيب الشعري المنزاح عن طبيعة التخاطب اليومي الذي يحكم المتواصلين باللهجة المحلية بغاية التواصل ليس إلا . من هنا قوة الزجل حين يمارس عليه المتكلم المختلف عن الناس شِعريةَ الصوغ . فليس كل كلامٍ دارِجٍ بالضرورة زجلاً، والزجل أكبر من لهجة أو لسان عامي ينتظم مجموعة من المتكلمين . الزجل شعرٌ وكفى .

و هنا لا يهمّنا الحديث عن أوزان الزجل المرتبطة بالمبيّتْ أو مكسور الجناح أو السوسي أو غير ذلك، مما يحتاج درسا أكاديما خاصا ليس هذا مقامه، وحسبنا من ذلك أن نقرأ بعض الموسيقى في تجليات هذه الرحلة الزجلية تمهيدا وانتقاء وليس حسما وانتهاء .

يمتد الديوان على مساحات واسعة من القول الزجلي، وهو الشيء الذي قد يكون وبالاً على صاحب الديوان وعلى القارئ إذا ما لم يكن الصوغ الموسيقى صوغا واعيا بالعلاقة بين الشعر وأذن المتلقي . إلا أن الزجال (البياز) عرف كيف يوظف هذا الجانب في رؤية إيقاعية متنوعة تعتمد تعدد الأنساق الصوتية . ومنها النسق الوزني الرباعي الذي يعتمد رويا واحدا، وأحيانا أروية متعددة تتغير من مقطع إلى مقطع لتنويع الاستقبال الإيقاعي وبالتالي التأثير في استقبال المعنى والدلالة والمُضي بها إلى أقصى تخوم الجاذبية والإدهاش احتراما لذائقة المتلقي الذي لم يعد متلقيا ساذجا يستهلك كل القول باعتباره زجلا وما هو بالزجل .

و منها النسق الوزني المتعدد الأسطر الزجلية الشعرية بحيث لا مقياس إلا مقياس التدفق النفسي في قوالب صوتية تتحكم فيها طبيعة الدلالة . مع احترام نسق توارد الأروية بشكل هندسي واضح التناوب حيث يحرص الشاعر أحيانا على روي واحد يختم المقاطع، مهما تعددت أرويتها داخل الأسطر ما قبل الدفقة الزجلية الشعرية الأخيرة .

قد يزيد الشاعر في حجم المقاطع الصوتية البانية لهيكل البيت الزجلي الشعري فوق الأربعة عشر مقطعا وهذا نادر الاستعمال وقد يؤثر إيجابا في سمع المتلقي وفي وجدانه، كما قد ينفّره من المتابعة، وذلك تبعا لطبيعة المستمع وقدرته الجمالية على التلقي . مثال:

اَنَا مْزاوَ ڭ  في ذِيكْ لَحْروفْ لِي طَجَّتْ مَنْ لَوْكَرْ – نقطّعها كالتالي:

أ – نمْ – زا - وڭ  - فْ – ديكْ – لحْ – روفْ – اللّي – طَج – جتْ – ملْ – لو – كَرْ = 14 مقطعا

و في نفس الإطار الزجلي، يطفو على السطح سطر زجلي بمقاطع أقلّ:

شَفْنَاها في مَجْمَعْ الطُّلْبَه – بثمانية مقاطع، نوزعها كالتالي:

شفْ – نا – ها – فْ – مج – مع – الطلْ – بَ = 8  مقاطع

و أحيانا تنزل إلى أقل:

مالتْ بِنا لِيّامْ – بستّة مقاطع نوزعها كالتالي:

ما – لتْ – بنا – ل – يامْ = 6 مقاطع

و أحيانا أقل بكثير:

وا هْيا لِيّامْ – بأربعة مقاطع، نوزعها كالتالي:

واه – يا – ل – يامْ = 4 مقاطع

و في سياق إيقاعي آخر وجدنا (البياز) مبدعاً في نوع (لَمْبِيّتْ) وهو الصيغة الزجلية للبيت الشعري العربي التقليدي المشطور إلى صدر وعجز، وبالتعبير التقني الزجلي يسميهما الدارسون المهتمون بالمجال (افْراش ؤُ اغْطا) ... برع فيه (البياز) اختيارا للأنساق الصوتية المُعبّرة . قال:

فِي لْوْزيعَهْ ضَاعْ حَقّْ لْمَڭرُوحْ

ضَوّْ لْغُرْبَه   تَلّفْ طْريقْ لْبَرّانِي

رَفْرَفْ ڭلْبِي ضُّرْ كِفْريخْ مَذْبُوحْ

نْبُوحْ لْبُوحْ شُوقَاني.  لْعَلَّة شَدّانِي

***

و هكذا سار الصوغ الموسيقي في قصيدة (حَقّْ لْمڭروحْ) وغيرها من القصائد، يستظل فيها الشاعر بهذا الأثر الطيب في السمع والسماع المغربي، الذي يداعب الأذن عبر توظيفٍ جيدٍ لوحدة الروي (صوت الحاء الساكنة في العروض) و(صوت النون المشبعة في الضرب) . وفي هذه الزجلية التقتْ الدلالة البعيدة مع الإيقاع في شخص المقاطع الممثِّلة للدفقة الأخيرة من (الفْراش) ومن (الغْطا) حيث انسجمتْ الحاء الساكنة مع طبيعة المعاناة لهذا الموصوف ب (الْمڭروحْ) كما انسجم الإشباعُ في نون الدفقة النفسية والموسيقية في آخر البيت الزجلي مع توقِ الموصوف إلى شيء من الانفراج في مكابدته التاريخية . فتنوعتْ بذلك سيماء القصيدة بين اختناق الدلالة وانفتاحها، كما بين انغلاق الصوت وانسيابه .

و كما نجحت ذائقة (البياز) في اختبار الأنسب في (حَقّْ لْمڭروحْ) نجحت أيضا في انتقاء اللازم صوتا ودلالة في قصيدة (لَعْبارْ) . قال:

مَنْ عَنْدَكْ جَا هَاذْ لَعْبَارْ شِيَّاعْ

وَوْزَنْتِ النَّاسْ بٍالشُّوفَا قْيَاسْ

تُوتَشْ لْحَادْرَا الجّْمَلْ لْڭعڭاعْ

طَاحَتْ هَذْ لْبَيْضَه فِي الطَّاسْ

و الجميل هو توزيع المقاطع الصوتية في أبيات هذه الزجلية داخل نسق عددي يتراوح بين 9 و10 و11 مقطعا في البيت . مما يضفي على العمل الزجلي الشعري هنا بصمة موسيقية واعية بذاتها في محاورة الأذن المغربية كمتلَقٍّ لا يمكن تجاوزه كوعيٍ آخر ينتج القصيدة إنتاجا آخر بمكرٍ شديد، قد يتحول إلى نقدٍ أشدّ، ومنه إلى موقف نقدي أكثر شدّة . إلا أن (البياز) احترم هذا الشرط ولم يصدم المتلقي في ذوقه الذي أسمّيه الذوق العامّيّ المشترك، والذي يؤسس دونَ وعيٍ منّا قوة العلاقة الجمالية في مسألة التلقي الجمالي .

فنصبح أمام ديوان يوزّع مقاماته الموسيقية على شتّى الإيقاعات واختلافها وتعددها تعدد تنوعٍ لا تعدد تكرار ليفسح الزجال (البياز) المجال للمتلقي كي يشنّف مسامعه من لذيذ الوزن في زجل لا يتكلم تقريرا، وإنما يقدم للقارئ شيئا من الموسيقى الجاذبة والمؤثرة والمتجاوزة لوظيفة الحلية الصوتية إلى الوظيفة الإدهاش المبَطّنة بكثيرٍ من الوظائف الأخرى كالتأثير والإقناع والتوجيه والتعليم والإخبار والتصوير الفني وغيرها ...

خاتمة:

لم نحاصر الديوان في كلّه وفي جلّه، وإنما انفتحنا على بعض قضاياه وحاولنا مقاربته في حذر من أن يقرأَنا أحدٌ مُلمّين بالمادة والمجال إلمام العارفين . إن هي إلا مغامرة العابرين تروم تفكيك بعض العناصر الشعرية في ديوان (سر النون) للزجال (فؤاد البياز القاسمي) الذي اختار هذا العنوان تبرّكا بحرف قرآني أودعه أسرار الذات (البيازية) المهووسة بالقول العاميّ و(الشعبي) بين قوسين، وفيه تبدّتْ هذه (النون) حرفا زجليا لا يقف عند حدود الصامت المقيم في لسان العرب والمغاربة، بقدر ما هو نسقٌ ثقافيّ يمتح صولته الزجلية والقِرائية من الوجدان المغربي الغابر والراهن . من هنا قدرة الشاعر على التقاط عناصر هذه (النونْ) داخل نسق لهجي بدوي يستمد جماليته لا من مفردات اللهجة، فهذه ممكنة لكل متكلم (دكّالي) وإنما يستمد جماليته من قدرة (البياز) الشعرية الزجلية على عجن التراب البلدي في أتون الجمالية الشعرية، بطريقة تترك أثرا إيجابيا في المتلقي وهو يسبح مع الشاعر في عوالم الإدهاش الزجلي .

 

الكاتب: نور الدين حنيف

..............

هوامش:

1 - علي جعفر العلاق، في حداثة النص الشعري، (عمان: دار فضاءات، ط 3، 2013م)، ص11.2

2 - صابر عبيد، القصيدة العربية الحديثة بين البنية الدلالية والبنية الايقاعية، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2001، ص 12

3 - توجد قبائل القواسم بمنطقة دكالة وعاصمتها مدينة الجديدة بالمغرب، وهي قبائل مشهورة برياضة الصقور .

4 - ابن منظور، لسان العرب، باب السين، دار المعارف، القاهرة، ص 1958

5 - حوار مع جاك، دريدا، كريستيان، ديكان: مجلة الفكر العربي المعاصر، العددان 18-19 (1982)، ص:254 عن عبد الله، إبراهيم، وآخرون،معرفة الآخر، مدخل إلى المناهج النقدية الحديثة، ص:114.

 

 

 

 

 

 

 

صبري يوسفيكتب الشّاعر، والمخرج اليمني حميد عقبي الشِّعر كمَن يبحثُ عن مساراتِ دهشةِ الرّوحِ، وهو في أبهى تجلِّياتِهِ. لا يمسكُ بخيطِ القصيدة أثناءَ انبعاثها، لأنّ هذه القصيدةَ انبلجت عنده بطريقةٍ إشراقيّة عفويّة متدفّقة من دون أن يخطِّطَ لها، فلم يجدْ نفسَهُ إلَّا وهوَ أمامَ حالة انبعاث بهجة الحرف من وهجِ تدفُّقاتِ الخيالِ، فولدتِ القصيدةُ بطريقةٍ ابتهاليّة انسيابيّة خلّاقة، أشبهُ ما تكون رؤية حلميّة حنينيّة شوقيّة مكتنزة في عوالمِهِ الباطنيّة، فانبعثَتْ كإشراقاتٍ إلى مساحاتِ لاشعورهِ، ثمَّ أمسكَ قلمَهُ أو حاسوبه أو ما وقعَ في متناولِ يدِهِ، ليدوِّنَ ما انبعثَ من فضاءاتِ الخيالِ والأحلامِ المعشّشة في حنايا اللّاشعور، لأنّهُ ما كانَ يعرفُ أصلاً ماذا سيكتبُ، لأنّه كان في حالة تدفُّقاتيّة مفاجِئة، وغامرة بالفرح والجموح والتّجلّي، وهكذا حالة غالباً ما تكون ناجمة عن شحنة مشبّعة بالتَّأمُّل ومخزّنة في بواطنِهِ نتيجة تراكم أفكار مشرقة في ساحةِ الشّعور، تلقَّاها بطريقةٍ أو بأخرى ثمَّ توغَّلتْ إلى واحاتِ اللّاشعور كي تغفو هناك، ثمَّ تنبلجُ بطريقةٍ خاطفة دونَ أيّةِ مقدّمات. وبما أنَّ محورَ هذه القصيدة ينبعُ من فضاءاتٍ روحيّة إنسانيّة تأمُّلاتيّة، ومهداة إلى الشَّاعر القس جوزيف إيليا، هذا الشّاعر البديع الَّذي شاركَ في ندوة حول فلسفة الموت، الخاصّة برحيل والد الشّاعر والمخرج حميد عقبي، حيث ألقى القس الشّاعر بعض القصائد خلال النّدوة، افتتحها واختتمها، ويبدو أنّ ما قاله توغَّل في ذاكرة الشّاعر حميد عقبي، وظلَّت هذه المشاعر المتوغّلة في أعماقِهِ غافية في بواطنِهِ، تتحينُ الفُرصة لتخرج بشهقةٍ شاعريّة مفاجئة، وإذ به يجدُ نفسه يكتبُ نصَّاً عن عوالم الطُّفولة والبراءة والصّفاء وكل ما هو روحاني وطفولي وبرئ، حيث وجد نفسَه في لحظاتِ انبعاث القصيدة، محرَّضاً لما يعتريه من هواجس في هذه الفضاءات الرّهيفة، فكتبَ قصيدته مستوحياً من عوالم الرُّوحانيات والبراءة والقداسة وهيبة الموت وسموِّ الرّوح، ما جاء في سياقِ القصيدة، وأشار في نهاية القصيدة إلى أنّهُ في انتظارِ بسمة الرّب وعطاءاته الوفيرة. وكل هذا يشير إلى أنَّ الشّعر والإبداع بشكل عام ينبع من حالات إشراقيّة، تكون كامنة هذه المشاعر في أعماق الشّاعر، وتحتاجُ هذه المشاعر الكامنة في اللّاشعور إلى ومضة، أو إشراقة ما، وحالما تومضُ هذه الومضة تنسابُ القصيدة وكأنّها نسمة منعشة منبعثة من مهجة الرّوح إلى نورِ الحياة، وأكثر ما يعانقُ الرُّوح في مذاقِ الإبداعِ هو الشِّعرُ، وأرى أنَّ الشِّعرَ هو نوعٌ من التنبُّؤ وينبعثُ من حبورِ الرّوحِ والحلمِ والخيالِ، وكل هذه الانبعاثات محتبكة بخصوبةِ الرُّوحِ المتجلِّية، وعندما تولدُ القصيدة بهذه الطَّريقة، غالباً ما تكونُ رهيفة وشاهقة وخلّاقة، لأنّها تنبعُ بكلِّ انسيابيّتها وعفويَّتها ورشاقتها، وقد قرأتُ ما جاءَ بين سطورِها وما كان متوارياً في فضاءاتها الّتي لم يدوِّنها الشّاعر، لأنّ القصيدةَ عندما تولدُ في هذه الحالات، لا يستطيعُ الشّاعرُ الإمساك بالكثير من الخيوطِ الإشراقيّة المتدفّقة، فيكتبُ ما يمسكُ به، ويتوارى ما لا يمكن التقاطه، فيتلمّس القارئ اللّبيب توهُّجات ما توارى لحظات وهج الانبعاث!

 

 صبري يوسف

أديب وتشكيلي سوري مقيم في ستوكهولم

..............................

مانزال أطفالاً

حميد عقبي

الإهداء: إلى الشَّاعر القس جوزيف ايليا

 

يغترفُ الرَّبُّ من ينبوعِهِ 

ينثرُ ألواحَ قوس قزح

كنّا أطفالاً تغرينا شهقةُ السَّماوات

همهماتٌ في الأعلى

وتصفيقٌ ...

أصبحَ لكلِّ عاشقٍ ملاكاً

يشدُّ من أزرِهِ لينسجَ قصيدةً

يواسيهِ في  ليالي الهجرِ

يقبضُ روحَهُ إن طالَ الفراقُ ..

 

يغترفُ الرَّبُّ من ينبوعِهِ الآخر

قبضةً من نجومٍ

يزرعُها فوقَ الرَّوابي والغاباتِ 

تزهرُ للعشاقِ 

تظلِّلُهم فلا خوفَ عليهم

تعالي نبحثْ عن عشبةِ اللّاخوفِ 

اللّاحزنِ

اللّاوجعِ

 

وعدتني يا أبي بلقاءٍ قريبٍ

ظننَّا أنَّ الحربَ شاخَتْ

أنّنا سنقبرُها

نهيلُ التُّراب ونبتني قبراً إسمنتيّاً

نوصدُهُ عليها

قلتَ لي صدّقني

لماذا أصغيتَ لصفيرِ قطارِ المغادرة ؟

تسبحُ أحلامُنا المشروعة

يصفِّقُ الأطفالُ

قوسُ قُزَح يكحِّلُ عينَ الشَّمسِ 

تكلِّلُ أعناقَ السُّحبِ بعناقيدَ مغريةٍ

يدي ظمأى

الكأسُ على الطَّاولة

نصفُهُ ضوءٌ ونصفُهُ فراغٌ

الزّجاجةُ تنتظرنُي

يتلصَّصُ النَّدى

ليلٌ ساكنٌ

وأنا المسكونُ بالهواجسِ

أنتظرُ العودةَ

همساتٌ بلغةٍ غير أرضيّة

ترقُّباتٌ لهلالِ العيدِ

مانزال أطفالاً

ننتظرُ ضحكةَ الرَّبِّ .

 

حميد عقبي

مخرج سينمائي وكاتب وشاعر يمني مقيم في باريس

 

الكبير الداديسيبعد الجزء الأول التي رصدنا فيه النظر السوداوية لمدينة آسفي في كتابات روائييها، ونوعا من جلد الذات بالتلذذ في إبراز عيوب المدينة وتقديمها في صورة كالحة، نحاول في هذا الجزء الثاني إبراز بعض الإشارات المشحونة بدلالات موجبة في الكتابات الروائية التي استطعنا قراءتها.

فمن الروايات ما رأت أنه لولا البحر لما كان للمدينة وجود، ولَمَا قصدها التائهون وأهل الله، فقد " كان البحر بدءاً وكانت آسفي، استوت على الجرف العالي، واستوى الفلك على الجودي، صاعدة من قلب الطوفان، جوهرة ومنارة وحضناً للتائهين والحيارى وعابري المحيط والمؤلفة قلوبهم على الخير والصلاح والواصلين من أهل الله"  هكذا كانت أسفي عاشقة البحر ومعشوقته، بينهما عناق أبدي، حتى لتبدوَ المدينة من قمة سيدي بوزيد " في عناق حميمي خالد مع البحر فكأنها تخرج من بين ذراعيه، أو هو ينسل من بين أحضانها، أو كأنهما في اللحظة الأخيرة للانفصال عن بعضهما، أو هما في اللحظة الأولى للعناق والالتحام والضم"، هذا العشق يفرض التضحية من أجل العشيق، والحب عطاء مستمر بدون انقطاع ومن أحب يعيش من أجل الحبيب: "أحب البحر هذه المدينة، وأحبت آسفي هذا البحر، عاشت من أجله، وعاش من أجلها، أغدق عليها خيراته وعطاياه فسكنت إلى جواره بنت بيوتها البدائية على شواطئه"

لقد جعل البحر من آسفي نهاية العالم، وأبعد ما يمكن أن تصله المراكب والحضارة يوما ما، من وسط البحر تتراءى المدينة نقطةَ ضوءٍ تلوح فيقصدها التائهون في البحار وعلى ساحل بحرها وقفت: "سنابك جياد عقبة بن نافع كآخر نقطة للعالم المتحضر، نهاية العالم المتحضر، فلا فتح ولا عمران بعد آسفي... وآسفي آخر منارة قصدها الفتية المغررون أنقذتهم من التيه والضلال، كانت منتهى رحلتهم وغاية مجراهم، لقد اتجهوا نحو الضياء والشهاب والقبس "أسافو"

ظل البحر، ولا زال، يغدق خيراته على المدينة وكان سببا في أن بوأها مكانة عالمية في الصناعة الغذائية، وجعلها عاصمة السردين العالمية، فساهمت خيرات البحر في إنشاء "معامل تصبير السمك الممتدة على طول الساحل ابتداء من حي تراب الصيني وانتهاء بالشاطئ الجنوبي للمدينة يفوق عددها خمسين معملا يرتبط نشاطها بالإنتاج البحري" ، هذه الخيرات والمعامل خلقت فرصا للشغل، وما ضاقت الحياة بامرأة من أبناء المدينة إلا ووجدتْ ضالتها في تلك المعامل هكذا لمَّا "ترمَّلت رحمة أم إزَّة خرجتْ للعمل في معامل تصبير السردين الملاذ الوحيد لمن ضاقت به سبل العيش وصفعته الأيام القاسية" . ولم يجد المستثمرون لما فكَّـروا في بناء مشاريع استثمارية سوى الواجهة البحرية لبناء تلك المعامل، فشيدوها "على امتداد الساحل الجنوبي للمدينة: ارتفاع صخري يشغل مساحة هامة من حيز طبيعي يطل مباشرة على البحر بأجرافه العالية"  ليكون البحر مصدر الخير، مطهِّر الأجساد والأرواح ومستقبل النفايات لذلك بُنِيَتْ المعامل على مشارفه " مما يسهل رمي النفايات والتخلص من بقايا مخلفات السردين" بالبحر.

وبالإضافة إلى تأثير البحر على اقتصاد المدينة، فقد بينت بعض الروايات أثره على ساكنة المدينة وتطبعهم بطباع كائناته البحرية ، فليظهر بطل إحدى الروايات تعلقه بمحبوبته قال: " كسكان آسفي أصبحت آكل السردين باستمرار، فحملت كثيرا من خصائصه، السردين وَفِـيٌّ لأرضه، يقطع ألاف الأميال ليعود لمسقط رأسه ليضع فيه نسله، لا يمنعه من الوصل سوى الموت، وأنا وَفِيٌّ مثل السردين، أحِنُّ لأرضي، وأنت يا سكينة أرضي، سأموت ما دمت لم أستطع الوصول إليك" ، هكذا يكون البحر قد سكن أفئدة أبناء المدينة ليظل منقوشا في ذاكرتهم ووجدانهم حتى وإن غادروا المدينة، فلم تجد "السيدة كركم" إلا أن تمتع شريكها بما كان البحر قد متعها به في صغرها بآسفي فتقول له: "سأجلبُ لكَ جراد البحر الشّائك، وكذا حبّاره وأخطبوطه ومحاره وبلحَه الأحمر، لن أتركَ شيئا كان اللهُ يرزقني إياه على مائدة طفولتي" فظل البحر، ولا زال، يسكنها لا يفارقها طيفه، لدرجة أن أول ما تنسمته في صدر حبيبها عطر البحر الذي ذكرها بمدينتها آسفي تقول: "وتتذكّر جيّدا كيف ظهرتَ لي حينما وضعتُ رأسي على الوسادة في أوّل ليلة أقضيها بها (صقلية) ، كنت لا أعرف أيْنني حقيقة، أمازلتُ هناك في المغرب أم أنني في أرض أخرى غيره؟ كيف لا وقد كان أوّل ما تنسّمتُه عطرَ البحر في صدركَ فتذكّرتُ محيط المدينة التي رأيتُ فيها النّور، واليوم وأنتَ تظهَرُ لي من جديد في السّوق بالقرب من بائع السّمكِ فإنّ أول سفر ستقوم به ذاكرتي سيكون في ملكوت السّمك"  وكلما رأت البحر أو مدينة بحرية إلا لاح طيف آسفي التي ارتبطت بالبحر تقول وهي في صقلية: " صقليّة تذكّرني بكلّ شيء وبحرها يجذبني إلى بحري وسوقها تجذبني إلى أسواق وطني"

 

لقد شكل البحر على الدوام مصدر متعة وإمتاع، فيقصده أبناء المدينة للراحة والاستجمام، وتفريغ ما يختلج صدورهم، وكلما اغتم أحدهم، أو ضاق ذرعا بالحياة أمَّ البحرَ يشكوه همومه لأن البحر يحيط بالآلام ويرسم ويتقبَّل الآمال الممنوعة "مدينة آسفي كنت أستمتع قرب بحرها المحيط الذي كان يحيط بآلامي ويتقبل آمالي الممنوعة" . وكان سارد رواية "النادل والصحف" لا تحلو له جلسات المساء إلا في شرفة شقته يستمتع بجمال زرقة البحر يقول: (كثيرا ما كان يحلو لي الجلوس بهذا الفضاء أحتسي ما أعده من قهوة المساء، منتشيا بزرقة البحر على مرمى البصر من على الطبقة الثالثة من العمارة، وهي عمارة، تعتبر من نتاج الحرب العالمية الثانية مثلي، ما زالتْ إلى الآن على اسم مشيديها من الأوروبيين تحمل اسم العمارة الأوروبية) . وكذلك كان الطيبي الجزولي الطفل الكسيح في "سيرة صمت" يحب الجلوس في الكورنيش ومراقبة البحر (كنت أحب أن أجلس في الكورنيش أراقب البحر الهائج والصيادين الذين يرمون بقصباتهم المصنّرة خيوطها نحو الماء طلبا للأسماك."

 وأحيانا كثيرة، كان البحر يجود بفواكهه دون تعب، فيلتقطها الأطفال من على رمال الشاطئ، تصف بطلة رواية السيد كركم كيف كان الأطفال يتناولون فواكه البحر الشاطئ دون أن يدركوا قيمتها الغذائية فتقول:" وفوق الرمال المبلّلة كنّا نجلس معاً ونفرش إزارَنا الأبيض ونبدأ في أكل خيرات البحر نيّئةً، بينما والدي يشرحُ لي كيف أفتحها بالكُلاّب أو أكسرها بالمطرقة الصّغيرة، وكنتُ سعيدة بذلك أيّما سعادة وأنا سّأشربُ ماء القنفذ وألتهمُ بيضَه، أو وأنا أتلذّذ بمذاق بلح أو محار البحر النيّئين يِن والمالحين والمفعمين بكلّ العناصر المغذّية للجسد والمولّدة للطّاقة فيه. وما كنتُ أعلمُ أنّني كنتُ ألتهمُ الحياة الحقّة في شكلها الخام وكلّ عناصرها التخليقية إلا حينما كبرتُ وبدأتُ أعيد النّظر في كتاب الوجود، وأستوعب كيف أنّ البحر نفسه كان ولم يزل معلّمي الكبير، وكيف لا يكون كذلك وفي حضَرتِه عثرتُ على بيضة الكون، ومعه وبه شربتُ سرّهَا، ومددتُ كلّ خليّة في جسدي بنُسغها وأنا في رفقة السلطعون النّاسك والسرطان الأحمر والأسود والأزرق، وحيوانات أخرى لا حدّ لها ولا حصر."

هو البحر مصدر تغذية ومفرِّج الكُرَب والهموم، فلما ضاقت الدنيا بفاطمة – بطلة رواية "انتقام يناير" - وقررت الانتحار بعدما كاد يغمى عليها وسط زحام شارع الرباط بالمدينة، لم تجد سوى البحرَ متنفساً وبلسماً يشفي جراحاتها تقول: "تمكنت من سحب هامتي من الازدحام نحو كورنيش المدينة المطل على البحر من على ظهر جرف هار، بدت لي الشمس بعيدة تستعد لتغطس في قاع البحر، وتغتسل من تعب النهار، فكرت في إلقاء نفسي في الجرف السحيق عسى الارتطام يطهر النفس من أردان الزمن الموبوء، ضباب سنوات الدراسة الطويلة تلاشى، وألق الوعود بدده قرار رئيس يدعي تمثيل الشعب : لماذا لا أنتحر أ ريح وأستريح؟؟(...) نفخ نسيم البحر رذاذه على وجهي فكانت انتعاشته بلسماً" بل استفادت من إصرار الموج على نطح صخور الكورنيس دون ملل، ومن مقاومة الصخور للموج على مر الزمان، تقول" وضعت صدري النصف مكتنز على الحاجز، وغرقت أتأمل الجرف العنيد يقاوم تتابع هجمات الأمواج، فتتكسر تباعا، لا هي تعبت، ولا هو استسلم، ردَّدتْ قول الشاعر بترنم:

ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر  تنبو الحوادث عنه وهو ملموم

فَلأكن كهذه الصخور لن أستسلم سأتسربل المشاكل، وإن أصابتني مشاكل أخرى تكسرت المشاكل على المشاكل..."

نِعَمُ البحر على المدينة لا تعدُّ ولا تُحصى، فهو مصدر غذاء، ووسيلة راحة، سبيل حذاقة إنسان المدينة وفطنته لقدرته على تعليم الصيَّادين أسرارَ الطبيعة فرأت فيه إحدى البطلات المعلم الكبير "البحر نفسه كان ولم يزل معلّمي الكبير" . والبَحَّارُ الذي استأنس بالبحر وعرف أسراره "يُكثِر الحديث عن الصدفيات والرخويات والقشريات فيعرف المصايد واحداً واحداً، وأيُّها أوفر سمكاً، وأيُّ ريحٍ أنسب للصيد، وأي طعم يمكن استعماله في أوقات معينة تستهوي الأسماك مما يجعل الصيد وفيرا وعن حركات المد والجزر وارتباطهما بالقمر.." بل إن البحر يُكسب البحَّار درايةً وخِبرةً فتصبح له " القدرة على معرفة الأسماك الموجودة في كل جهة من البحر بحاسة الشم فقط، يشم ريح المنطقة ويأمر" ارموا الصنانير هنا يوجد سمك موسى بالأطنان" ومنه كانت بطلة رواية "سيدة الكركم" تستلهم معارفها فبقد الرهبة التي كانت تشعر بها كما وقفت بجانب البحر، كانت استفادتها منه تقول لعشيقها: "دعني أحدّثك عن البحر، فمنذ طفولتي البعيدة، كنتُ كلّما وقفتُ أمامه شعرتُ برهبةٍ كبيرة، كان أبي يعلّمني كلّ أسماء أهل البحر من القشريّات والصدفيات راسماً في يديّ خريطة الصّخور كي أعرف أين يسكن سرطان البحر مثلاً، أو الرّبيان الملكيّ، وكنتُ أجد في ذلك متعةً كبيرة وأنا أطّلع على الكهوف والثقوب الصّخرية الكبيرة" ـ ومن الكائنات البحرية التي تتأملها على الشاطئ كونت معرفتها بالكون والوجود، تقول: " حينما كنتُ أمسكُ قنفذ البحر بين يديّ فكان أوّل ما يصلني منه من رسائل عرفانيّة هو خطابه الدّفاعيّ المتمثّل بكثرة أشواكه، ضف إلى ذلك رائحته التي كانت تحتفل بالحياة بكلّ معانيها، ولون بيضه البرتقاليّ كان يقول لي إنّه منّي تبدأ الحياة وبها تنتهي. سرطانُ البحر له أيضا خطابات من هذا القبيل لكنّ شكل قوقعته كان يذكّرني دائماً بشكل القوقعة البشريّة أيْ بجمجمة الإنسان التي تحتضنُ الدّماغ بكلّ عنايةٍ ومحبّة، هذا الدّماغ الّذي يشبه في تشعّباته ولزوجته كثيرا المادّة الحيّة التي توجد في داخل قوقعة السرطان"

وتستمر تلك العلاقة الوجدانية والحب العفيف الطاهر، بين البحر وسكان مدينة آسفي حتى بعد الممات، في علاقة تشبه ما عبر عنه جميل بن معمر لمحبوبته بثينة لما قال فيها:

يهواكِ ما عشتُ الفؤاد وإن أمُتْ       يتبعْ صدايَ صداك بين الأقبرِ

لذلك كانوا يختارون لموتاهم مقابر تطل على البحر، حتى يظلوا مستمتعين بجماله بعد موتهم، ورد في روايةٍ لعبد الرحيم لحبيبي: "حفر أهل آسفي قبور موتاهم ومقابرهم على جنبات البحر، شمالا ووسطا وجنوبا، على منخفض حي آشبار المطل على الشاطئ والميناء، كانت هناك مقبرة كبيرة يشرف منها الموتى وهم في العالم الآخر على الرمال الذهبية... وعلى هضبة لالة هنية الحمرية، ومن تحت أقدام الجهة الجنوبية للسور كانت هناك مقبرة ، تحتها آثار مدينة قديمة مطمورة... في كل مكان على جنبات البحر مقابر صغيرة وكبيرة حتى في ضواحي المدينة باديتها المجاورة للبحر هناك مقابر ساحلية بحرية" . فظل البحر عبر التاريخ يُمْتِع المدينة، يستمع إليها ويحكي حكاياتها " هذا البحر يحكي قصتنا نحن في آسفي" .

 وللروائية الاسفية لمستها الروائية ونظرتها الخاصة للبحر، هكذا وجدنا الروائية أسماء غريب تضفي مسحة نسائية على علاقة البحر بأسفي فتفتح في كتاباتها الروائية المطبخ المغربي على البحر لتقدم ألذ الأطباق لشريك حياتها تقول بطلة "السيدة كركم" : "بعد المشروب السّاخن دعني أقدّم لك الجزء الثاني من أطباق البحر: سأبدأ بسمك القدّ، وقد طبختُه لك بالبخار في كسكاس من الخيزران ولا شيء معه غير بضع قطرات من زيت الزيتون وبصلة لتمتصّ روائح الخشب والسّمك، بعد هذا سأطهو لك بيديّ هاتين أطباقاً متنوعّة من سمك السردين" و لنر كيف تتفنن في تقديم تلك الأطباق وكيف وسم البحر الطبخ المغربي ليقدم للعالم طريقة تحضير وجبات السمك لما تقول لحبيبها "سنشعل نارا ألسنتها من خلٍّ عَطِر صنعتُه من التّفاح، وآخر من الليّمون الحامض وقشرته، وسأنقع فيهما معاً قطعاً رفيعة من سمك السّلمون والسّيف الفضّي، ثم أُزْهِرُهما بعروش من البقدونس الطريّ المقطّع بشكل دقيق جدّاً، ولن أضع ذرة واحدة من الملح. أمّا عن الأفوكادو والإجّاص، فإني سأصنع لك منهما طبقاً منعشاً ممزوجاً بحفنة، وبضع من حبات ياقوت الرمان ووريقات النّعناع الزكي وبضع قطرات من عصري الليمون.." وأكثر من الأكل كان البحر قادراً على أن يقدم إكسير حياة، وقادرا على تجديد الخلايا الإنسانية، وتطهير الأبدان والنفوس فتدعو حبيبها إلى شراب صنعته بيدها من ماء البحر : "هذه مائدتنا الرّابعة أ يها الفتى الزكّي، سأفتح إزارها في الصّباح الباكر، ونشرب معا قبل كلّ شيء إكسيرا صنعته لك بيديّ من ماء البحر وجلستُ أنتظركَ. سترى كيف أنّه لم يعد مالحاً، نريد أن نجدّد به خلايانا، ونطهّرها من كل العوالق والرواسب. فهو كما تعلم سرّ من أسرار العرفاء الأوائل"

هكذا كانت المدينة هِبَة البحر، وكان البحر مصدر رزقها ووجودها، وحق لأبناء المدينة أن يفخروا بهذه العلاقة بين المدينة والبحر ويكفيهم فخرا وقوف عقبة بنافع على شاطئها يقول سارد باب الشعبة مخاطبا سكان المدينة: (حق لكم أن تفخروا يا أهل آسفي... فوق هذه الشطآن تكسرت أمواج البحر على ركائب الفرسان، هناك رفع عقبة بن نافع يا سادة إلى الباري عز وجل أكف الضراعة وصاح عبر الزمان" اللهم لو كنت أعلم أن وراء هذا البحر أرضا لخضت جهادا في سبيلك" وكيف لا يفخرون والبحر يتعاطف مع المدينة في السراء والضراء فثارت ثائرته غضبا، وتجاوزت أمواجه الحواجز لتلامس الأسوار، وبكت السماء مطرا مدرارا ، وقصف الرعد منذرا بالخطر المحدق بالمدينة، ليلة قدوم السفن البرتغالية غازية: "لم يكد ينتصف الليل حتى ارتفعت أمواج البحر فلامست السور المواجه لها كما أخاف الرعد والمطر الغزير السكان..."

ما يشبه الخاتمة:

يستنتج إذن من خلال مقاربة تيمة آسفي والبحر في الرواية المعاصرة اختلاف وجهات نظر روائيي آسفي إلى علاقة المدينة بالبحر، ورغم ذلك الاختلاف فالنظرة عموما محكومة بنوستالجيا وحنين جارف للماضي مقابل حنق وغصة في الحلق على ما آلت إليه المدينة. فعلى الرغم من كون بحر آسفي اليوم يلعب وظائف متنوعة، يؤمن وظائف وقوت عدد كبير من أبناء المدينة، ويساهم بنسبة هامة في الاقتصاد المحلي، الجهوي والوطني، فإن الكِتابة الروائية وهي تحن إلى الماضي إنما تحاول خلق طريقة للتأقلم مع الحاضر ورصد مخاوف المستقبل...

 وتتضح هذه النوستالجيا أكثر عندما تقارن بعض الروايات بين واقع البحر الآن وحاله في الماضي، فقد روى بطل رواية "باب الشعبة - الذي طالما أثث الصورة السلبية روايته- قائلا: " كان الصيد وفيرا وكان الميناء رغم صغره يضج بالحيوية والنشاط وكان من عادة الصيادين رفق أصواتهم بالصلاة على رسول الله عند إنزال ما اصطادوه من قواربهم." ليتبين بالملموس أن المسألة متعلقة بالأحاسيس، وبتطور الحدث الروائي، أكثر من تعلقها بالواقع، فما يصطاده صيادو أسفي اليوم أكيد أضعاف مضاعفة مما كان يصطاد قبيل الغزو البرتغالي، وحركية الميناء وقيمة ما يروج فيه، وتقنيات وآليات الصيد لا يمكن مقارنتها بما كانت عليه آنئذٍ... وليبرر السارد إحساسه اضطر إلى العزف على وتر الدين " وكان من عادة الصيادين رفق أصواتهم بالصلاة على رسول الله عند إنزال ما اصطادوه من قواربهم"

ولتبين بعض الروايات أهمية النشاط التجاري للميناء ذكرت ذات الرواية أن الميناء كان يربط بين آزمور وجزر الكناري والبرتغال تقول: "نشطت حركة التجارة وازدهرت سوق السفن الرابطة بين ميناء آسفي وأزمور وموانئ جزر الكناري وأصيلا والمملكة البرتغالية ولسنا في حاجة لنبين الجهات التي يتعامل معها ميناء مدينة آسفي كل يوم في الوقت الراهن من جميع القارات...

والحنين والنوستالجيا للماضي ليس عيبا، ولكن لا ينبغي بخس الحاضر حقه، وإصدار أحكام قيمة مطلقة قد يتداولها الخلف، مثلما نتداول رأي الأسد الأفريقي في آسفي وأخلاق أهلها وقد انطلق من تجربة ذاتية ليعممها على المدينة، فالحاضر سيصبح غدا من الماضي، ومن يعيش بيننا صبيا قد يحن هو الآخر لهذا الواقع الذي يحلو لبعض الروائيين تقديمه مأزوما. فمن حق الرواية انتقاد الواقع، لكن الرواية الفضلى هي التي تتجاوز الواقعية الانتقادية إلى الرواية التي يثور فيها البطل الإشكالي على واقعه ويغيره لينشر الأمل... و مدينة آسفي حباها الله بمؤهلات طبيعية كثيرة ولعل من أهم تلك النعم أن ارتبطت في تاريخها ببحر كان وسيستمر مصدر الخيرات، وليس عبثا اختيار العرب البحر رمزا للتعبير عن الكرم والجود.

إن البحر جزء من آسفي ، وآسفي جزء من البحر وخصائص البحر تشكل جزءا من هوية ابن المدينة، بتسللها لكل شيء فيه، فأثَّرت على سحنته وشخصيته وارتسمت على ملابسه وجلده، فهذا " عطانة السمك امتزجت بملابسه وعلقت بجلده ) وذلك تسللت إلى فراش نومه فأضحى فراشه "تفوح منه رائحة الرطوبة الممتزجة بملح البحر"  ومن المؤسف أن نجد معظم الروايات تربط بحر المدينة بالغزاة، ونهب الثروات وتهريب الرمال، والأشغال الدونية المحتقرة سواء في الميناء، في البحر أو في معامل السردين... ولا رواية ذكورية أشارت لما يلعبه البحر في تلطيف الجو، ولما يجود به على المدينة من أسماك، ولما ميز مطبخ المدينة من أطباق شهية تفردها في المطبخ العالمي... ولعل الغرابة أن تجد بطل رواية يعيش في مدينة يحيط بها البحر ولا يذكر البحر إلا عند زيارته لمدن أخرى، فلما أراد بطل رواية "أناس عرفتهم" الإشارة إلى نسيم البحر العليل سافر بالبطل "الطيب" من آسفي إلى رؤية صديقه حسن يقول " تذكر صديقه حسن فقرر السفر لرؤيته، حسن يقطن بمنطقة مطلة على البحر، منطقة هادئة يشعر معها الطيب بطراوة البحر ، وبنسيم البحر العليل" وكأن مدينته لا بحر فيها، وفي بيت صديقه فقط " وككل زيارة يجلس الطيب للحظات طويلة في شرفة الغرفة ... كي يراقص النوارس بعينيه ..." وهو القادم من مدينة النوارس بامتياز، ولما تزوج لم تتمكن زوجته من الاستمتاع بالبحر إلا بعد سفرهما إلى طنجة " على رمال البحر الأبيض المتوسط، مرغت العالية جسدها لأول مرة بالرمال... كانت العالية تتمرغ بالرمال والماء، تتمرغ لدرجة أثارت استغراب الطيب لقد كانت متعتها الأولى" . فيما لا يربطه ببحر آسفي غير المآسي ووأد أحلام الطفولة، ولم يشر إليه إلا عندما " كان يرافق أصدقاءه نحو الشاطئ، على سوره رسم بيت حبيبته ومكان وقوفها... طريقة لتأكيد أحقية حلمه في الوجود... فاجأه حارس الميناء بالقبض عليه من الخلف... ليسمع هدير الفاركونيت على مقربة منهم، استعطفهم الطيب، لم يمهلوه الوقت الكافي للكلام، حملوه ورموه دفعة واحدة للداخل، اتجهوا به مباشرة إلى مركز الشرطة"

 صحيح إن البحر في الثقافة الإنسانية عالم المتناقضات: مد وجزر، هدوء وعاصفة، لين وقسوة، أمان وخوف، غدر ووفاء... لكن معظم روائيي آسفي آثروا ألا يروا سوى الصورة السالبة... وصعب جدا على مدينة ضاربة في جذور التاريخ أن تؤول حروفها هذا التأويل: "آسفي: أربعة حروف وملايين الأوجاع؛ ألفها استبدلت الألفة إفلاتاً وتفلتاً، سينها استبدلت السناء سكونا وسكّيناً غائرا في الجراح متغوِّلاً على الجسد، فاؤها فراغ لا نهائي ينخر الأرواح والأحياء والنفوس فيحولها إلى غيران لا تصلح إلا سكنا للوطاويط من مصاصي الدماء" إلا إذا كانت رغبته قول عكس ما يحس به تجاه مدينته.

 

الكبير الداديسي

.................

الروايات المعتمدة في هذه الدراسة:

لأنجاز هذا العمل عدنا لعدد هام من الروايات والإشارة هنا إلى الروايات التي المقتبسة منها بعض الاستشهادات وهي :

1- عبد الرحيم لحبيبي: خبز سمك وحشيش، إفريقيا الشرق ط1 الدار البيضاء

2- عبد الرحيم لحبيبي: تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء،

3- أحمد السبقي: باب الشعبة ج1 مطبعة طوب بريس الرباط 2011

4- ياسين كني: سيرة صمت، دار راشد للنشر ط1، الإمارات 2019

5- ياسين كني: تيغالين حلم العودة، ط1 ، المكتبة العربية للنشر والتوزيع القاهرة 2017

6- عبد الرحمان الفائز: النادل والصحف، ط1، المطبعة والوراقة الوطنية ، مراكش 2019

7- حسن رياض: أوراق عبرية ، مطبعة المعرف الجديدة ط1 الرباط 1997

8- محمد أفار: درب كناوة، ط1 مطبعة سفي غراف آسفي 2013

9- عبد الله إكرامن: السيد "س" ط1 مطبعة الكتاب آسفي 2013

10- المصطفى حاكا: أناس عرفتهم ط1 ، دار وليلي للطباعة والنشر، مراكش 2017

11- الكبير الداديسي: انتقام يناير، مؤسسة الرحاب الحديثة، ط1، بيروت 2020

12- أسماء غريب: السيدة كركم، دار الفرات للثقافة والإعلام ط1 العراق 2019

الهوامش

1- عبد الرحيم لحبيبي: خبز سمك وحشيش، ص5

2- خبز سمك وحشيش ص 5

3- المرحع نفسه، ص6

4- - المرحع نفسه، ص 5

5- محمد أفار: باب كناوة ص 15

6- المرحع نفسه،  ص35

7- المرحع نفسه، ص 35  

8- المرحع نفسه، ص35

9- ياسن كني: سيرة صمت ، ص77

10- أسماء غريب: السيد كركم، ص70

11- المرجع نفسه، ص66

12- المرجع نفسه، ص66

13- ياسين كني: سيرة صمت ص32

14- عبد الرحمان الفائز: النادل والصحف ص87

15- ياسن كني: سيرة صمت ص29

16- أسماء غريب: السيد كركم، ص 75

17- الكبير الداديسي: انتقام يناير، مؤسسة الرحاب الحديثة ط1 بيروت 2020 ص 353

18- المرجع نفسه، الصفحة ص 354

19- أسماء غريب: السيد كركم، ص 75

20- محمد أفار: درب كناوة ص246

21- المرجع نفسه، ص247

22- أسماء غريب: السيد كركم، ص 74

23- أسماء غريب: السيد كركم، ص 76

24- عبد الرحيم لحبيبي: خبز سمك وحشيش ص7

25- أحمد السبقي: باب الشعبة ص44

26- أسماء غريب: السيد كركم، ص 80

27- أسماء غريب: السيد كركم، ص 98

28- أسماء غريب: السيد كركم، ص 101

29- المرجع نفسه، ص33

30- المرجع نفسه، ص47

31- - المرجع نفسه، ص15

32- أحمد السبقي: باب الشعبة، ص 160

33- ياسين كني: سيرة صمت، ص 27

34- المرجع نفسه، ص97

35- المصطفى حاكا: أناس عرفتهم، ص 61

36- المصطفى حاكا: أناس عرفتهم، ص62

37- المرجع نفسه، ص 68

38- المرجع نفسه ص 19

39- - ياسين كني: سيرة صمت، ص 97

 

 

 

تشغل نازك الملائكة مركزاً مرموقاً في تاريخ الأدب العربي الحديث لا لكونها شاعرة مبدعة مجددة فحسب – وقد تميزت بجهودها المتواصلة منذ صدور ديوانها الأول (عاشقة الليل) (1947)، أو لأنها أسهمت إسهاماً إيجابياً في تطوير القصيدة العربية في موضوعها وبنائها سواء كان ذلك في محاولاتها الشعرية أم في تنظيرها لما شاع باسم الشعر الحر، - بل لأنها عرفت بمجهودها النقدي المنظم ومواقفها من بعض القضايا الفنية واللغوية والفكرية في أدبنا الحديث.

وليس من الغريب أن يكون لأعمالها وآرائها صدى يتجاوز حدود الوطن العربي وأن يعنى بها كتاب في عدد من اللغات الغربية لا سيما الإنكليزية بالرغم من أن الغرب لم يول الأدب العربي الحديث اهتماماً ملحوظاً إلا بعد الحرب العالمية الثانية كما بينا في موضع آخر (انظر الطعمة 70: 243-257)(**) .

وإذا استعرضنا نماذج مما كتب عن نازك الملائكة منذ عام 1950 حتى أوائل الثمانينيات، فإننا نلاحظ أن الإشارات الأولى إليها كانت ذات طابع عام تهدف إلى بيان مكانتها في الشعر العربي الحديث.

ولعل أول إشارة للتعريف بها وردت عام 1950 في مقالتين نشرهما صفاء خلوصي في "المجلة الإسلامية" (42: 40-45) و"مجلة الجمعية الآسيوية الملكية" (43: 149-157). وضم مقاله الأول – كما يدل عليه عنوانه: "شاعرات العراق المعاصرات" – تعريفاً موجزاً برباب الكاظمي وأم نزار الملائكة ونازك الملائكة وفطينة النائب ولميعة عباس عمارة، وكان لشاعرتنا شطر وافر منه تطرق فيه المؤلف إلى أثر الأدب المهجري فيها وأثر كيتس ود . هـ . لورنس ومحمود حسن إسماعيل، من غير أن يدعم رأيه بأدلة، وألمح إلى استعمالها بعض الرموز أو الأعلام اليونانية في شعرها ذاكراً بينها – سهواً – "هياواثا" وهو بطل أسطورة من أساطير الهنود الحمر (وقد نصت الشاعرة على استعمالها في ديوان (شظايا ورماد)، وترجم لها مقتطفات من بعض قصائدها في (عاشقة الليل): "بين فكي الموت" و"التماثيل" و"سياط وأصداء" و"أشواق وأحزان".

وكان خلوصي – حسب المعلومات المتوافرة لدي – أول من أشار في الغرب إلى خروج الشاعرة على نظام الشطرين واعتمادها التفعيلة أساساً وإلى إسهامها المبكر في وضع الأسس النظرية للشعر الحر مؤيداً ما ذهبت إليه الشاعرة في مقدمة ديوانها (شظايا ورماد) (42: 43)، غير أن محاولته هذه – على ما لها من قيمة تاريخية – لم ينوه بها حتى في البحوث الأكاديمية التي ظهرت بعد عشرين عاماً من تاريخ صدور مقاله.

أما مقاله الثاني عن الشاعرة عاتكة الخزرجي فقد اتسم بشيء من التسرع في أحكامه كقوله عنها بأنها تفوق غيرها من الشاعرات مكانة، وإضفائه عليها لقب "ملكة الشعر الحديث غير المتوجة"، وإن كان قد اعترف في موضع آخر بأنها في شعرها أقل من نازك الملائكة خيالاً وأصالة وموسيقية (43: 154).

وتبعت هذه المحاولة مقالتان للكاتب السوداني ووزير خارجية السودان السابق جمال أحمد نوه في إحداهما بنازك الملائكة كإحدى الشاعرات البارزات (18: 164)، وخص في الأخرى (19: 20) قصيدتها "الأرض المحجبة" – وهي من ديوانها الثالث (قرارة الموجة) – بملاحظة ثناء وإعجاب وترجم بضعة أبيات منها مشيراً إلى أنها لا تتميز بمتانة التعبير فحسب بل بكونها من خيرة القصائد العربية الحديثة.

وظهرت في عام 1959 مقالة للكاتب الفرنسي "روسي" (74: 199-212)، بعنوان "انطباعات عن الشعر العراقي: الجواهري، مردان، نازك الملائكة، البياتي" وفيها نجد ترجمة لقصيدتها "غسلاً للعار" بين ما ترجم من قصائد الشعراء الأربعة المذكورين، غير أنها – أي المقالة – تفتقر إلى الدقة في ذكر المعلومات عن الشاعرة وأعمالها كقوله إنّ ديوانها الأول صدر عام 1951، و (شظايا ورماد) عام 1954.

وشهد عام 1961 عدة محاولات للتعريف بها: محاولة مونتي (67: 99-109) في كتابه الثنائي اللغة عن الأدب العربي المعاصر حيث نجد قصيدتها "خمس أغاني للألم" في نصها العربي كما نشرته مجلة الآداب عام 1957، وترجمتها الفرنسية، وإشارة أستاذها الكاتب والمترجم الإنكليزي المشهور ستيوارت في مقاله "اتصالات مع أدباء عرب" (76: 19-20) وقد ذكر فيه بضعة أبيات من قصيدة "خرافات" كما ترجمتها الشاعرة نفسها مع بعض التعديل على حد تعبير المؤلف، ومحاولة جورج صفير في الملحق الأدبي الأسبوعي لجريدة النيويورك تايمز (75: 48-49) حيث يقول عن نازك الملائكة بأنها تعبر في أنماط رمزية ونغم حزين عن المشاعر الخفية في للمرأة المتيقظة، ومحاضرة صالح جواد الطعمة التي ألقيت في النادي النسائي لرابطة القلم في واشنطن (21: 14-15) وقد اعتبرها أبرز شاعرة في العالم العربي، وألمح إلى ما يشوب شعرها من تمرد وحيرة وكآبة كما ترجم بضعة أبيات من قصيدتها "جامعة الظلال".

إن هذه المحاولات وأمثالها مما ظهر حتى أواسط الستينيات ظلت مقتصرة على الطابع التعريفي العام، ونماذج شعرية محدودة من غير بيان مفصل لدورها في تطوير القصيدة العربية في سياق التجارب التي سبقتها أو عاصرتها، أو التطرق إلى آرائها ومواقفها النقدية. غير أن هذه الجوانب بدأت تلقى اهتماماً ملحوظاً منذ 1965 لاسيما في البحوث الأكاديمية أو الرسائل الجامعية التي تناولت الاتجاهات الحديثة في الشعر العربي.

ومما هو جدير ذكره أن معظم المعنيين بهذه الجوانب كتّاب من الوطن العربي شاءت ظروفهم أن يواصلوا بحوثهم في الغرب، أي أن الحضور العربي يعد عاملاً أساسياً مسؤولاً عن ظاهرة انتشار الأدب العربي الحديث في الغرب، وإبراز الشعر منه على وجه الخصوص.

وسأتناول بإيجاز الجوانب التالية: 1- موضوع أسبقية دور الملائكة في استعمال الشعر الحر. 2- آراؤها النقدية. 3- تأثرها بالشعر الغربي وترجمتها له. 4- ما ترجم من شعرها.

- 2 –

تناول عدد من الباحثين موضوع بداية الشعر الحر، وما إذا كانت الملائكة حقاً أول من استخدمه أم أن غيرها سبقها إليه كالسياب أو شعراء آخرين كنقولا فياض ولويس عوض.

ولعلّ موريه – وهو عراقي الأصل – كان أكثر المعنيين تتبعاً لهذه المسألة من الوجهة التاريخية، فقد أشار في دراساته العديدة إلى محاولات أبي شادي في التعريف بالشعر الحر، ودعوته إليه واستعماله له منذ أواخر العشرينيات. كما نوه بتجربة خليل شيبوب في قصيدته "الشراع" (وقد نشرت عام 1932) وإن ذكر أخوه صديق شيبوب أن تاريخ نظمها يعود إلى 1921، وبتجارب لنقولا فياض وفي طليعتها "وصال الخيال" التي نشرت في مجلة "الحرية" العراقية عام 1924. وقد خلص من دراسته لهذه التجارب وأمثالها إلى أن نقولا فياض كان أول من قال الشعر الحر عام 1924 (70: 205) ورأى أن يخصص للشعر الحر وخصائصه فصلاً يتناول مرحلته الأولى (ما قبل 1947) وآخر لما أسماه بالمدرسة العراقية (70: 196-215) حيث ألم بأهم آراء الملائكة ومفهومها واستعمالها للشعر الحر إلماماً شاملاً معتمداً على كتاباتها النقدية لاسيما ما ورد منها في مقدمتها لـ "شظايا ورماد" وكتابها " قضايا الشعر المعاصر".

وقد ميز بين قصائدها التي تتبع نظام الشعر المقطعي Monostrophic والشعر الحر الذي لا يخضع لنمط ثابت من التفعيلات والقافية، مبيناً أن ديوانيها "شظايا ورماد" و " قرارة الموجة" يحتويان على (25) قصيدة ذات نظام مقطعي موحد (70: 219) وكانت الشاعرة نفسها قد أشارت من قبل إلى أنها استعملت نظام المقطوعة Stanza وأنها أخضعت القافية أحياناً لأكثر مما فعل سواها (9: 17-18) كما في قصيدة "الكوليرا" التي جرت على النسق التالي في جميع مقاطعها: أ ب ب ج ج د د ب هـ هـ هـ هـ.

وبين موريه أن تجربة السياب في قصيدته "هل كان حباً" تختلف عن قصيدة "الكوليرا" بكونها غير خاضعة لنظام مطرد في الشعر الحر، وأن السياب كان على حق حين اعتبر محاولته أقرب إلى الشعر الحر بهذا المفهوم من قصيدة "الكوليرا".

ويفهم من هذا التمييز بين "النظام المقطعي الموحد" و "الشعر الحر" – وقد دعا إليه كذلك الكاتب التونسي في مقاله "قصيدة الكوليرا: ليست شعراً حراً" (4: 376-388) – أن القائلين به لا يعتبرون من الشعر الحر إلا القصائد غير الخاضعة لنسق أو نظام موحد، ولاشك في أن مفهوم نازك الملائكة للشعر الحر أوسع من ذلك إذ أنها تريد به ما يخرج عن نظام الشطرين ويتخذ التفعيلة أساساً له سواء التزم أم لم يلتزم بنسق موحد كما بينت في مقدمتها لديوانها (شظايا ورماد) حين أشارت إلى نوعين من قصائدها الملتزمة وغير الملتزمة بنسق موحد، من التفعيلات أو القافية، لـ "الكوليرا" و "غرباء" من النوع الأول، و"مر القطار" و "نهاية السلم" من النوع الآخر. وقد تناول منح خوري (39: 137-144) و (41: 127-149) مجموعة لويس عوض "بلوتو لاند" كتجربة أولى جادة في الشعر الحر سبقت محاولات الملائكة والسياب وبلورت على حد تعبيره "الأنماط والصيغ الشعرية الأساسية التي ميزت حركة الشعر الحر" (39: 138) ولكنه مع ذلك اعتبر الملائكة أول من وضع الأسس النظرية لتطوير هذا الشكل الجديد في مقدمتها لديوانها " شظايا ورماد" وكتابها " قضايا الشعر المعاصر" (41: 132).

إن هذا الجدل الأكاديمي حول من كان أول شاعر استعمل الشعر الحر أو دعا إليه له مبرراته بالنظر إلى أن الأدب العربي الحديث قد شهد منذ أواسط القرن التاسع عشر دعوات تجديدية كثيرة نتيجة للتفاعل مع الآداب الغربية وما نتج عنه أو رافقه من حركة ترجمة أدبية واسعة ومحاولات للأخذ ببعض الأنواع والأشكال أو الأساليب الغربية ومنها تجارب الشعر المرسل والشعر المنثور والشعر الحر، وأغلب الظن أننا قد نكتشف أسماء أو أعمالاً أخرى تتصل بالدعوة إلى التجديد إن قمنا بمسح شامل لما نشر في الصحف والمجلات العربية من شعر ونقد منذ أواسط القرن التاسع عشر، غير أن ذلك كله لا يغير من تاريخ انتشار الشعر الحر كحركة بدأت في العراق ولا ينال من دور الملائكة الريادي في تطوره بفضل منزلتها كشاعرة استوعبت التراث الشعري العربي ومارست أشكاله الموروثة وجددت وظلت تواصل التجديد في هيكل القصيدة العربية حتى يومنا هذا، وثانياً كمنظرة ذات رؤية أصيلة وثقافة وتجربة ساعدتها على وضع الأسس النظرية الأولى للشعر الحر، وتتبع تطوره بتفصيل لم يشهده الأدب العربي الحديث من قبل.

- 3 –

يكاد الكتاب الذين درسوا الملائكة يجمعون على أهمية دورها ناقدة لها مواقفها وآراؤها في مجالات عديدة وقد ترجم لها بعض النصوص النقدية إلى عدد من اللغات الغربية كمقالة "الجذور الاجتماعية لحركة الشعر الحر" وقد ترجمها عبد الملك إلى الفرنسية ملخصة (16: 372-447) كما ترجمها إلى الإسبانية مارتينث مونتابث (65: 372-385) و"بداية الشعر الحر" وقد ترجمتها إلى الإنكليزية اليزابيث فيرنيا وباسمة البزركان (35: 232-243) وبحثها "الأدب والغزو الفكري" (14: 30-34) وقد لخصه وترجم بعض فقراته نسيم رجوان تحت عنوان "رفض تأثير أوربا الثقافي: احتجاج شاعرة عراقية" (73: 16-17).

وفي مقدمة الموضوعات التي تناولها النقاد مفهوم نازك الملائكة للوزن في الشعر الحر وإصرارها على الإلتزام بوحدة التفعيلة بدون الخروج على القواعد العروضية كما يتجلى ذلك في بحثها عن تفعيلات الشعر الحر. فرأى المستشرق الفرنسي جاك بيرك أن مفهوماً كهذا يمثل تقييداً – إن لم يكن انتكاسة – للثورة التي اتسم بها الشعر الحر، وأن كتابها "قضايا الشعر المعاصر" كان متشدداً إزاء كل مرة يخرج على الضوابط التي اقترحتها (32: 272). وأشار بدوي كذلك إلى النزعة المحافظة في كتابها المذكور إشارة عابرة (29: 203 و 30: 228) وأغلب الظن أنه كان يريد بها موقفها من الشعراء الذين يخالفونها في تجاربهم الشعرية. وتطرقت الشاعرة الناقدة سلمى الجيوسي إلى الموضوع ذاته ورأت ألا ضرورة لإصرار نازك الملائكة على الإلتزام بثبات الضرب (38: 165) كما خالفتها في موقفها من قصيدة النثر واعتبارها الوزن وحده معياراً للتمييز بين الشعر والنثر (38: 638) كما يفهم من قول الملائكة: "إن القصيدة إما أن تكون قصيدة وهي إذ ذاك موزونة وليست نثراً وإما أن تكون نثراً فهي ليست قصيدة" (10: 132). وأشادت الجيوسي بحرص الملائكة على سلامة اللغة مؤكدة أنها قدمت خدمة عظيمة إلى الشعر العربي الحديث بتبيانها بعض الهفوات التي يقع فيها الشعراء (38: 607) كما نوهت بمعالجتها للجانب اللغوي في فصلين في كتابها عن أساليب التكرار في الشعر ومسؤولية الشاعر اللغوية (10: 230-240 و 289-300).

ومن أعمالها النقدية التي كانت موضع بحث أو ثناء كتابها عن شعر علي محمود طه، فقد لخص بدوي (30: 143) بعض آرائها حول ظاهرة الشهرة العريضة التي تمتع بها علي محمود طه وما نال من حظوة لدى جمهور قرائه على اختلاف مشاربهم واتجاهاتهم (11: 8-17 و 27) وأشار إلى تحليلها المتمكن النفاذ لموسيقية شعر طه في مواضع عدة من كتابها حيث تناولت العوامل التي أسهمت في خلق ظاهرة الموسيقى في شعره كالأساليب اللفظية والتناغم الصوتي (11: 64-68 و 143-156). غير أنه عندما تعرض إلى مسألة الجانب الحسي في شعر طه آخذ الملائكة على ما أسماه بـ "إنكارها المغالي" لذلك (30: 144) بمثل قولها "نعتقد أن الحسية وطلب اللذة عارضان في حياة على محمود طه لأن أصل نفسيته روحاني" (11: 81) وقولها "إن أعنف قصائد الشاعر الحسية لا تكاد تخلو من خلفية روحية وفكرية" (11: 365) وأحال القارئ على عدد من القصائد كـ "حانة الشعراء" و"حديث قبلة" و"خمرة الشعراء" من ديوان (زهر وخمر) وقصيدة "سؤال وجواب" و"جزيرة العشاق" و"الغرام الذبيح" من (المعشوق العائد) و"فلسفة وخيال" و"أندلسية" من (شرق وغرب) ليؤكد بذلك كله النزعة الحسية السائدة في شعر طه قائلاً: "ليس هناك من شك في أن وجهة نظر طه الرئيسية بدءاً من ديوانه الثاني حتى ديوانه الأخير ظلت باطراد تقريباً حسية" (30: 144).

ومن الجدير بالذكر أن الملائكة نفسها نصت على ذلك في كتابها حين قالت: "إن المنهج العلمي في الدراسة يقتضي أن نقرر أن في دواوين على محمود طه الأخيرة مسحة حسية ظاهرة خلا منها الديوان الأول (الملاح التائه) فلقد زخر هذا الديوان باللفتات الروحية والمثل العليا وتقديس الجمال المجرد وطهارة الحس والنفس بينما أقبل الشاعر في دواوينه التالية إقبالاً ملحوظاً على وصف المشاهد الحسية وابتعد إلى درجة معينة – عن عوامله الإفلاطونية الجمالية الأولى" (11: 366). واستشهدت ببعض القصائد التي أشار إليها بدوي، وغيرها لا سيما في الباب السادس في كتابها (11: 365-381) حيث تتبعت هبوطه "من مرتبة العاشق الأصيل إلى مرتبة المتفرج اللاهي الذي يبحث عن التسلية العابرة ومتعة النظر والنشوة الحسية"، وانتقاله من صومعة المثل العليا إلى الشرفة الحمراء، أو من الدين إلى الوثنية. ولكنها – بالرغم من ذلك – لم تشأ أن تجاري من ينفي عن شعر طه روحانيته نفياً تاماً كما فعل محمد مندور، وأرادت أن تجد تعليلاً يبرر الشذوذ الظاهر للقصائد الحسية المنزع، وإن كانت لم تفصح بوضوح عن ذلك بسبب الحاجة كما تقول إلى "معرفة التفاصيل الوافية عن حياة الشاعر ونفسيته وآرائه". (11: 381 و 104-111).

أما بحثها "الأدب والغزو الفكري" (14: 30-34) – الذي ألقته في المؤتمر الخامس للأدباء العرب المنعقد في بغداد عام 1965 – فقد كان موضع تعليق في مصدرين: رجوان (73: 16-17) وموريه (70: 273-274) بالإضافة إلى ما ورد عنه في بعض المصادر العربية (1: 120-121). لقد قام رجوان بتلخيص البحث وترجمة فقرات منه تشمل أبرز النقاط التي أثارتها الملائكة كالمقارنة بين الغزو العسكري والغزو الفكري، وملاحظتها حول سلبية مواقف العرب التي تتجسد في ترك "ما هو جوهري في حضارتنا وما نتفوق به على الغرب لنأخذ مكانه بضاعة رخيصة تضر بنا" وفقدان المدلول الأخلاقي للأدب العربي وانتشار روح التشاؤم فيه وابتعاد الجيل الجديد عن القرآن الكريم وما فيه من أجواء روحية، والترجمة كوسيلة لإضعاف اللغة العربية. وأنهى تعليقه الذي كان أقرب إلى الأسلوب الصحفي منه إلى التحليل الأكاديمي بترجمة ما قالته الملائكة حول لجوء بعضهم إلى مأساة فلسطين كتبرير لموقف اليأس والعدمية والإحساس بالفراغ: "إن المأساة التي وقعت عام 1948 قد ألهبت الوطن العربي كله بنار الكفاح والعروبة فقامت الثورات العظيمة في القاهرة والجزائر وبيروت وبغداد واليمن" (14: 33).

ومهما تكن الأسباب التي دفعت رجوان إلى اختياره هذا البحث موضوعاً للتعليق ونشره في مجلة سياسية مناوئة للعرب، فإنه أراد أن يبين جانباً من رد الفعل العربي إزاء تسرب الغرب بطرائق حياته وأيديولوجياته على حساب تقاليد العرب الأصيلة وهويتهم الحضارية، وأن يدلل على أن بين الداعين إلى مواجهة التحدي الغربي مفكرين تأثروا بالغرب وكانوا نتاج ما أسماه بـ "عصر التغريب"، متخذاً من بحث الملائكة نموذجاً متطرفاً أو عنيفاً لموقف دعاة التصدي للغزو الفكري.

وإذا انتقلنا إلى موريه فإننا نلاحظ تأكيده على الجانب الأدبي من آراء الملائكة، أي تقليد العرب للآداب الغربية، وقد أشار إلى أنها رددت رأيها مرة أخرى في رسالتها إلى سهيل إدريس (2: 1-2) وقد جاء فيها مآخذ أخذتها على "الآداب" منها أنها "تنشر الأدب المتحلل الذي يصدر عن نظرة غير أخلاقية إلى الحياة والوجود وذلك يطعن الأمة العربية في صميم كيانها لأن الأدب المرذول يفسد الشباب البريء ويلوث روحيته ويشل عزيمته وأنها دأبت "على نشر إنتاج لليافعين يغرق في تقليد الفكر الغربي المعاصر بما فيه من تشاؤم وإلحاد وتحلل وقلق ...".

واستشهد موريه كذلك ببعض ملاحظاتها المماثلة حول قصة زكريا تامر "قرنفلة للأسفلت المتعب" وما شاع فيها من تصوير مشوه للمدينة العربية مترجماً الفقرات التالية:

"نجد صورة المدينة العجوز المريضة في شعر بعض شبابنا وقصصهم لأن هؤلاء يستقون من آداب أوروبا العجوز حيث المدن قد شاخت وأصبحت بؤراً للجريمة والمرض والظلام والغثيان، وحيث الأدب المعاصر نفسه لا يعكس غير ذلك الجو القاتم الموبوء ... نحن (العرب) الأغنياء بالحياة والروح والأصالة والأخلاق نترك مواهبنا ... وينابيعنا ونتطلع مستجدين إلى أدباء أوربا التي تتفسخ حضارتها وتحتضر وتقترب من نهايتها المحتومة. نحن الذين تقبل الدنيا علينا اليوم وتتطلع إلينا لنعيد بناء العالم، نحن أنفسنا نزدري كنوزنا الفكرية والحضارية ونقف أذلاء على موائد الغرب المنحطة التي تشيع الجريمة والذعر واليأس والغثيان في أنفس القراء ... إن الشباب العربي يصحو اليوم ويهب منتشياً نشيطاً ... هذا الشباب يندفع اليوم في حرارة ونشوة لينفق طاقاته الفكرية والجسمية في بناء أمة تعمل من المحيط (الأطلسي) إلى الخليج (العربي)" (70: 272-273 و 13: 72).

إن موريه يعالج آراء نازك الملائكة هذه ليخرج بصورة عامة عن التيار القومي في الأدب العربي كما تمثله نازك الملائكة ونزار قباني.

 

- 4 –

ليس من شك في أن الآداب الغربية تكون مصدراً مهماً من مصادر ثقافة الملائكة وفي أنها قد تركت آثارها في بعض أعمالها، كما يدل على ذلك ما يرد في شعرها وكتاباتها من صور أو رموز مستعارة وإشارات إلى كيتس وغيره من شعراء الغرب، أو ما ترجمته من قصائد لبايرون وتوماس وبروك وغيرهم. غير أننا لا نجد بين ما نشر عنها في الغرب سوى الإشارة العابرة إلى بعض هذه الآثار كقول موريه (70: 204) بأنها تأثرت بالشكل المقطعي الموحد الذي استعمله كيتس مردداً بذلك رأياً مماثلاً لجبرا إبراهيم جبرا نشره في مجلة شعر (1957)، أو تنويه بدوي (30: 230) بما ورد في شعرها من التلميحات إلى الأساطير اليونانية أو استعمالها "هياواثا" من قصيدة الشاعر الأمريكي لونكَفيلو، وقد أشار إليها من قبل خلوصي (42: 43)، أو قول عبد الحي (17: 27-29) بتأثرها بالشعر الرومانسي الإنكليزي وشعر جماعة أبولو، وقد خص بالذكر استعمالها لصورة "القمرية" على غرار ما جاء عند كيتس، أو إشارة مونتي (67: 100) إلى العلاقة بين "خمس أغان للألم" وبعض الملامح في شعر غبرييلا مسترال (1889-1957)، وتلميح خوان برنيت إلى ذلك (77: 212).

إن هذه الأمثلة لا تعطينا إلا انطباعات أولية أو جزئية عن المؤثرات الغربية في شعر الملائكة، أي أننا ما نزال نفتقر إلى درس منهجي يوضح بالتفصيل وبالأدلة طبيعة هذه المؤثرات ومداها سواء كانت تتعلق باستعمالاتها اللغوية أو الصور والموضوعات أو غيرها مما يعكسها شعرها وجهودها النقدية.

ومما يتصل بموضوع تأثرها بالأدب الغربي ترجمتها لبعض القصائد الغربية كقصيدة توماس غراي المنشورة في ديوانها الأول بعنوان "مرثية في مقبرة ريفية"، وقد اعتبرها عبد الحي أنضج ترجمة من بين عشر ترجمات - وقف عليها في العربية - للقصيدة المذكورة، ووصفها بأنها عمل إبداعي يعيد خلق القصيدة الأصلية في قالب عربي جديد ويضفي على الأصل طابعاً رومانسياً، باستعمال بعض الإضافات أو التعديلات التي أحدثتها شاعرتنا كصفات الحزن التي أضافتها أمثال "المحزون" و "المكدود" و "الكئيب" و "الحزينات" 17: 27-28). وذهب عبد الحي إلى أن هذه الصفات المضافة تؤدي وظيفة تأكيد الكآبة التي يحتويها النص الأصلي، ملمحاً إلى أن مفردات الحزن والكآبة تكون عنصراً يتردد في معجمها أو أسلوبها الشعري في (عاشقة الليل)، وقد أحصى منها ما لا يقل عن "190" مفردة ورد منها "20" كلمة في ترجمتها لمرثية غراي. وبالإضافة إلى هذه الملاحظات أشار عبد الحي إلى خروجها التام غير المبرر - حسب رأيه - عن الأصل في بعض المواضع (17: 28) ولكنه لم يتناول هذه الناحية بصورة مفصلة كما فعل عزت خطاب في دراسته لأوجه الشبه والاختلاف بين ترجمة الملائكة والنص الأصلي (3: 227-247).

- 5 –

ليس من اليسير حصر ما ترجم من قصائد الملائكة إلى اللغات الغربية بالنظر إلى عدم توافر الأدلة الببليوغرافية الشاملة عما ترجم من الأدب العربي الحديث، وحسبي أن أذكر أن ببليوغرافية أندرسون (26: 1980) التي هدفت إلى الإلمام بما ترجم إلى الإنكليزية من الأدب العربي حتى عام 1977 لم تدرج للملائكة إلاّ قصيدة واحدة: "الزائر الذي لم يجيء" (26: 198). غير أن ما وقفت عليه من قصائدها المترجمة إلى الإنكليزية والفرنسية والإسبانية والألمانية لا يمثل إلا جزءاً محدوداً من شعرها، وفي مقدمتها القصائد التالية:

1 - الكوليرا. 2 - نهاية السلم. 3 - الأفعوان. 4 - أنا (شظايا ورماد). 5 - مرثية امرأة لا قيمة لها. 6 - الزائر الذي لم يجيء. 7 - غسلاً للعار (قرارة الموجة). 8 - خمس أغان للألم. 9 - نحن وجميلة. 10 - ثلج ونار (ترجمة غير كاملة ظهرت بعنوان صمتي). 11- تحية للجمهورية العراقية (شجرة القمر).

وقد ترجمت بالإضافة إلى ذلك مقتطفات من بعض قصائدها:

بين فكي الموت. 2 - التماثيل. 3 - سياط وأصداء. 4 - أشواق وأحزان (عاشقة الليل) ترجمة خلوصي (42: 42-43). 5 - الأرض المحجبة ( قرارة الموجة) ترجمة جمال أحمد (19: 20). 6 - خرافات (شظايا ورماد) (ستيوارت. 76: 19-20). 7 - جامعة الظلال (شظايا ورماد) (الطعمة 21: 14). 8 - تحية للجمهورية العراقية (هيوود. 37: 185). 9 - نهاية السلم (شظايا ورماد) (بدوي. 30: 230).

إن القصائد والمقتطفات المذكورة تعكس في غالبها سمات الكآبة والتشاؤم والحيرة في شعرها، ولا تمثل قصائدها السياسية المتفائلة الطابع، أو شعرها الصوفي النزعة لا سيما ما ورد منها في مجموعتيها الأخيرتين: (للصلاة والثورة) (1978) (ويغير ألوانه البحر) (1977).

ولهذا ليس من الغريب أن تتكرر الإشارات إلى شعرها المغرق في الذاتية والكآبة والرومانسية وإن وردت هنا وهناك تلميحات إلى قصائدها الوطنية (بدوي 30: 230) أو ما جاء في مقال الطعمة أخيراً (1982) من تنويه بالنغمة المتفائلة وروح التحدي في قصائدها السياسية كما تعكسها مجموعتها (للصلاة والثورة) (24: 457).

إن هذا العرض السريع لما لقيته نازك الملائكة من اهتمام في بعض اللغات الغربية يدل بلا شك على ما تحتله من مكانة مرموقة في الأدب العربي الحديث، ولكنه في الوقت نفسه يكشف عن فجوات فيما نشر عنها أو ترجم من شعرها لا سيما فيما يتصل بالجوانب التالية:

أولاً: ثقافتها الأدبية (العربية وغير العربية) ومدى تأثرها بالآداب الغربية.

ثانياً: تمثيل شعرها دراسة وترجمة في مختلف مراحله.

ثالثاً: نتاجها النقدي ومكانته في حركة النقد العربي الحديث.

ملحق: مختارات من شعر نازك الملائكة المترجم إلى الإنكليزية

1- بين فكّي الموت.

1- خلوصي. 42: 542

ها أنا بين فكي الموتِ قلباً

“Here am I between the jaws of death”

لم يَزَلْ راعشاً بحُبِّ الحياةِ

As a heart still throbbing with the love of life

وعيوناً ظمأى إلى مُتَعِ الكو

As a couple of eyes athirst

For the enjoyment of the universe;

نِ تُنَاجي مفاتن َالأُمْسياتِ

Making advances to the charms of the evening,

لم أزَلْ بُرعماً على غُصُنِ الدهـ

I am still a bud, on the twig of fortune,

ـرِ جديدَ الأحلامِ والأمنيات

Whose dreams and hopes are fresh and new.

فحرامٌ أن تدفِنَ الآن يا مو

It is a shame, O death, that thou shouldst

تُ شبابي في عالم الأمواتِ

Bury my youth in the world of the dead

* * *

2- التماثيل.

2- خلوصي. 42 - 42 - 43

وأنا يا حياةُ ماذا سألقَى؟

“And I, O life! what fate is meted out for me?”

هل سأغدولفظاً جَفتْهُ المعاْني؟

Am I going to be a word devoid of meaning ?

هل ستطوينيَ الليالي وتُلْقي

Will the nights carry me away

فوق عُمْري دياجَر النسيانِ؟

And cast the gloom of oblivion over me?

وغداً يطفئُ الزَّمان سراجي

In the morrow, fortune will extinguish my lamps

ويُضيعُ الرَّدى صَدَى ألحاني؟

And death will squander the echoes of my tunes

ثم أغدو بينَ التماثيلِ تمثا

Then I shall become, amongst other ghosts, a ghost myself

لاً؟وأُمحَى من الوجودِ الفاني؟

And shall be erased from mortal existence.

آه لا لا أريدُ فلترحمِ الأيّا

Oh, no! I do not want that .

مُ دمعي وشَقْوتي واكتآبي

Would fortune have mercy on my tears misery and sadness.

وليكن من لحني الحزين صدى با

Let there be a lasting echo of my melodious song

قٍ بسَمْع السنينِ والأحقاب

Ringing in the hearing of the coming years, nay even centuries

رحمةً لا تكنْ دموعي الدِفُوقا

O mercy! do not let my flowing tears

تُ رثاءً مبكَّراً لشبابي

Be an early elegy on my youth

وليُسَجَّلْ على ضريحيَ ما يُبـْ

ـقي شبابي وان أكن في الترابِ

* * *

3- أشواق وأحزان.

3 - خلوصي . 42 - 43

كيف مرّت أيامنا كيف مرَّت

How did our days pass - how did they ?

بين فكِّ الأشواقِ والأحزانِ؟

Between the jaws of eagerness and grief !

ملء قلبي وقلبكُ الحبُّ والشَّوْ قُ

Your heart and mine were full of love and anxiety

ولكن نلوذ بالكتمانِ

But we took refuge under the wing of secrecy

كلّما حدّثتْك عيناي بالحبِّ

Whenever my eyes speak to you of my love

أعاقبْ عينيَّ بالحرْمانِ

I punish them by depriving them of you

كيفَ يا شاعري كتمنا ولم يَعْـ

O my poet, how did we keep it secret?

ـص كيوبيِد قبلَنا عاشقانِ؟

Yet of old, no two lovers ever disobeyed Cupid.

يا نشيدي متى ستأتيكَ ألحا

O my song, when shall my tunes reach thee

ني فتُصغْي إلى هُتافاتِ حبّي؟

So that thou wilt listen to the joys of my love ?

فيمَ أقضي الأيّام أكتُمُ أشوا

Why do I spend my days suppressing my

eagerness,

قي وقد ضاقَ بالعواطِف قلبي؟

When my heart is overflowing with emotions?

أبداً نلتقي فأعرضُ حَيْرى

Always we meet and always I ignore you, perplexed,

ولقلبي الكئيب أشواقُ صبَّ

While my sad heart is possessed of the anxiety of a lover!

إنّها الكبرياءُ تمتلكُ الرو

It is pride possessing the soul

حَ فيبدو المُحبُّ غيرِ محبِّ

That makes a lover appear indiffernt.

* * *

4- جامعة الظلال.

4- الطعمة. 21 : 14

أهذا إذن هو ما لقّبوهُ الحياهْ ؟

Is this then what they call ‘life’ ?

خطوطٌ نظلُ نخطِّطُها فوق وجهِ المياه؟

As lines we continue drawing upon the water,

وأصداءُ أغنيةٍ فظّةٍ لا تَمَسُّ الشِفاهْ ؟

As echoes of a cruel song which does not touch the lips.

وهذا إذنْ هو سرُّ الوجودْ ؟

Is this then the essences of existence?

ليالٍ ممزّقَةٍ لا تعودْ ؟

As torn nights with no return

وآثارُ أقدامِنا في طريقِ الزمان الأصَمْ.

and the trace of our feet on the road of the deaf time are gone !

تمرُّ عليها يدُ العاصفه

فتمسحُها دونما عاطفه

For the storm`s hand wipes them kindlessly

وتُسْلمُها للعَدَمْ

and surrenders them to nothingness

* * *

5- الأرض المحجبة.

5- جمال أحمد. 190 : 20

صَوّروها جنَّةً سحريَّةً

A haven of magic, we were told

It was.

من رحيقٍ وورودٍ شفقيَّة

Made of nectar and twilight roses,

وأراقوا في رباها صُوَراً

من حنانٍ، وتسابيحَ نقيَّه

Of tenderness and gold .

ثم قالوا إن فيها بلْسَماً

In it, they said, was

هيّأتْهُ لجراحِ البشريَّه

The panacea for the wounds of man.

وأردناها فلم نَظْفَرْ بها

We wanted it but didn’t get it.

ورَجعْنا لأمانينا الشقيَّة

Back to our hopes, miserable and unfulfilled.

أين تلكَ الأرضُ؟ هل حان لنا

Where is the land ? Are we see it or

أن نراها أم ستبقى مُغلَقه ؟

Is it to stay Enveloped, unattainable

لم تَزَل فينا حنيناً صامتاً

Agitating inside us only A numbed yearning ?

وابتهالاً في شفاهٍ مُطْبَقه

A prayer Within closed lips ?

والملايينُ حنينٌ جارفٌ

The millions are A torrent of desire,

يتلظّى ورؤىً محترقه

Burning desire,

And a dream of flame.

افتحوا البابَ فقد صاح بنا

Open the gates.

صوتُ آلافِ الضحايا المُرهَقة

* * *

6- خرافات.

6- ستيوارت. 76 : 20

قالوا الحياة

They spoke of “life”:

هي لونُ عينَيْ ميّتِ

it is the colour of a corpse’ eye:

هي وقعُ خَطوا القاتِل المتلفّتِ

it is the echoing steps of a frightened killer:

أيامُها المتجعداتْ

its curving days

كالمِعطف المسمومِ ينضَحُ بالمماتْ

a poisoned coat diffusing death.

أحلامُها بَسَماتُ سَعْلاةٍ مخدَّرةِ العيونْ

its dreams the humour of a demon

ووراءَ بسمتِها المَنُونْ

with paralysing eyes, death-hiding lips.

* * *

7 - أنا

7- خوري. 54 : 81

والريح تسأل من أنا

The wind asks who am I ?

أنا روحها الحيران أنكرني الزمان

I am its confused spirit, whom time has disowned

أنا مثلها في لا مكان

I, like it, never resting

نبقى نسير ولا انتهاء

continue to travel without end

نبقى نمرّ ولا بقاء

continue to pass without pause

فإذا بلغنا المنحنى

Should we reach a bend

خلناه خاتمة الشقاء

we would think it end of our suffering

فإذا فضاء !

and then -void

والدهر يسأل من أنا

Time asks who am I ?

أنا مثله جبارة أطوي عصور

I, like it, am a giant, embracing centuries

وأعود أمنحها النشور

I return and grant them resurrection

أنا أخلق الماضي البعيد

I create the distant past

من فتنة الأمل الرغيد

From the charm of pleasant hope

وأعود أدفعه أنا

and I return to bury it

لأصوغ لي أمساً جديد غده جليد

to fashion for myself a new yesterday whose tomorrow es ice.

* * *

8 - الزائر الذي لم يجىء

8 - هيوود. : 51 : 123

..ومرّالمساء، وكادَ يغيبُ جبينُ القَمَرْ

The evening passed and the moon’s brow was on the wane,

وكدْنا نُشيّع ساعاتِ أمسيةٍ ثانيه

We were about to say farewell to another evening

ونَشْهد كيف تسير السعادةُ للهاويه

And witness how happiness was moving towards the abyss

ولم تأتِ أنتَ..وضِعْتَ مع الأمنياتِ الأخَرْ

You did not come and were lost with the other hopes,

وأبقيتَ كرسيّك الخاليا

You left your vacant seat

يُشاغِلُ مجلسَنا الذاويا

To hold our fading gathering in anxious expectation

ويبقى يَضجّ ويسأل عن زائرٍ لم يجيءْ

Clamouring about a visitor who did not come.

وماكنت أعلم أنّك إن غبت خلف السنينْ

I did not know that in your absence beyond the years

تخلّف ظلّكَ في كل لفظٍ وفي كل معْنى

You leave your shadow behind in every word and every meaning

وفي كلّ زاويةٍ من رؤايَ وفي كلّ مَحْنى

In every angle of my vision and every curve.

وما كنت أعلم أنّكَ أقوى من الحاضرينْ

I did not know that even in your absence, You overshadow those present.

وأنّ مئاتٍ من الزائرينْ

That hundreds of visitors

يضيعون في لحظةٍ من حنينْ

Are most in a moment of yearning

يَمَدُّ ويَجْزُرُ شوقاَ إلى زائرٍ لم يجيءْ

Which ebbs and flows, longing for a visitor who did not come.

* * *

9 - نهاية السلم

9- أ - نهاد سالم. 52 : 152

مرّت أيامٌ منطفئاتْ

The days have passed,

لم نلتقِ لم يجمعْناحتى طيف سراب

طيفُ سراب

سسسَرَابْ

bedimmed.

وأنا وحدي، أقتاتُ بوقْع خطى الظُلماتْ

When we met not, even in the

shimmer of a mirage

خلف زُجاج النافذةِ الفظّةِ، خلفَ البابْ

And when I, alone, feed on

the sound of footsteps in the dark

وأنا وحدي …

Behind the cruel windowpane, behind the door

مرتْ أيامْ

I stand alone …

باردةً تزحفُ ساحبةً ضَجَري المرتابْ

And days have passed,

وأنا أصغي وأعدُّ دقائقَها القلقات

Cold, creeping and dragging along my dubious boredom.

هل مرَّ بنا زمنٌ؟ أم خُضنا اللا زمنا؟

While I harked, counting their anxious minutes beat.

مرَّتْ أيامْ

Has time gone by ? Or have we lived a timeless time ?

أيامٌ تُثقلُها أشواقي. أينَ أنا ؟

Sunk in the tide of dreams.

ما زلتُ أحدِّقُ في السُلّمْ

And days have passed,

والسّلمُ يبدأُ لكنْ أينَ نهايتهُ؟

Laden with my longings. Where am I ?

يبدأُ في قلبي حيثُ التيهُ وظلمتُهُ

Still staring at the stairs

يبدأُ. أين البابُ المبهَمُ ؟

And stairs do start, but where do they lead ?

بابُ السُلّمْ ؟

They start in my heart where a dark maze reigns,

* * *

9 - ب- بدوي. 30 : 230

Days have passed, whose light has been snuffed,

When we did not meet, not even in imagination,

While all alone I have been here feeding on the footsteps of the dark

Outside the cruel windowpane, outside the door.

Days have passed while all alone I have been here,

Cold days creeping, dragging along my suspecting impatience,

And I have listened and counted the anxious minutes.

Was it time that has passed or have we been wading through timelessness ?

Days have passed, made heavy with my longings,

And I ? I am still gazing at the stairs,

The stairs that begin here, but I know not where they end ?

They begin here in my heart where it is all dark,

But where is the door, the shadowy door

At the bottom of the stairs ?

* * *

10 - خمس أغانٍ للألم

10- بلاطة، عيسى. 33 : 13

نحن توّجناكَ في تهويمةِ الفجْرِ إلها

We crowned you as a god at dawn

وعلى مذبحكَ الفضيّ مرّغْنَا الجِبَاها

And prostrated our brows at your silver alter

يا هَوانا يا ألَمْ

O our love, O Pain

ومن الكَتّانِ والسِمْسِمِ أحرقنا بخورا

We burnt you incense of linseed and sesame

ثمّ قَدّمْنا القرابينَ ورتّلنَا سُطورا

Then offered sacrifices and sang verses

بابليّاتِ النَغَمْ

Of Babylonian tune.

* * *

نحنُ شَيَّدْنا لكَ المعبَدَ جُدراناً شَذيّه

We built you a temple of fragrant walls

ورشَشنا أرضَهُ بالزَّيتِ والخمرِ النقيّه

Sprinkled its floor with oil and pure wine

والدموع المُحرِقه

And burning tears.

نحن أشعلنا لكَ النيرانَ من سَعف النخيلِ

We kindled for you fires of plam branches,

وأسانا وهَشيم القمح في ليل طويلِ

Of our sorrow and of wheat bran in the long night,

بشفاهٍ مُطْبَقَه

Our lips closed.

* * *

11 - ثلج ونار.

11 - بلاطة كمال. 60 : 46

وإذا ما رُحْتَ تؤنّبُني، هل أنسحبُ؟

You may reproachfully provoke my guilt.

Would I retreat ?

هل يقبَلُ ثلجَ عتابكَ قلبي الملتهبُ؟

Would the sharp icicle of your plague cut through my flames ?

أترى أتقبّلُ؟ لا أغضَبُ؟ لا أضطربُ؟

Would I yield, and not go mad ?

لا!بل سأثورُ عليكَ...سيأكلُني الغَضَبُ

No. I should revolt, I scream inside.

* * *

وإذا أنا ثرتُ عليك وعكّرتُ الأجواء

But were I to trespass darken the air

بمرارةِ لفظٍ جافٍ أو حرفٍ مسْتاءْ

with some bitter phrase perhaps a misplaced word

فستغضَبُ أنتَ وتنهَضُ في صمتٍ وجَفاءْ

you would be offended, turn dry like sand

Rise and quietly disappear.

وستذهَبُ يا آدمُ لا تسألُ عن حوّاءْ

 

لا، لا تسأل … دعني صامتةً منطويه

Don’t ask me why I am gagged.

اترك أخباري وأناشيدي حيثُ هيَ

 

اتركني أسئلةً وردوداً مُنْزويه

Here, I remain

ووروداً تبقَى تحت ثلوجكَ منحنيه

a bed of roses bent under your snow;

* * *

يا آدمُ لا تسأل … حوّاؤكَ مطويّه

a puzzle of unanswerable questions

في زاويةٍ من قلبك حيرى منسّيه

in some corner of your heart.

ذلك ما شاءتْهُ أقدارٌ مَقْضيّه

It is a destiny’s prescription :

آدم مثلُ الثلْج، وحوّاءٌ ناريّه

Adams is the ice

Eve the fire.

* * *

12 - الأفعوان

12- فرنيا وبزركان. 35:245

أين أمشي ؟ مللتُ الدروبْ

Where shall I go ?

I’m weary of the ways,

وسئمتُ المروجْ

I’m bored with the meadows

والعدوَ الخفي اللجوج

And with the persistent, hidden enemy

لم يزل يقتفي خطواتي، فأين الهروب ؟

Following my steps .

Where can I escape ?

الممرات والطرق الذاهباتْ

The trails and roads that carry

بالأغاني إلى كل أفق غريبْ

Songs for every strange horizon,

ودروب الحياة

The paths of life,

والدهاليز في ظلمات الدجى الحالكات

The corridors in night’s total darkness,

وزوايا النهار الجديب

The corner of the bare days …

جبتها كلها، وعدوّي الخفيّ العنيدْ

I’ve wandered along them all,

With my relentless enemy behind me,

صامد كجبال الجليد

Keeping a steady pace, or sitting firmly

Like the mountains of snow

في الشمال البعيد

In the far north,

* * *

د. صالح جواد الطعمة

.............................

(*) نشر في كتاب تذكاري "نازك الملائكة دراسات في الشعر والشاعرة"

بقلم نخبة من أساتذة الجامعات.الكويت:شركة الربيعان، 1985.ص ص:111-141.

(**) سنشير إلى المصدر بذكر رقمه أولاً حسب وروده في قائمة المراجع في نهاية البحث تليه أرقام الصفحات.

المراجـــع

1- ادريس، سهيل: "تعليق" الآداب 13(3/ آذار 1965)120-121.

2- : "الآداب في عامها الرابع عشر" الآداب 14 (1/ كانون الثاني 1966) 1-2

3- خطاب، عزت عبد المجيد: "ترجمة عربية لمرثية الشاعر الإنجليزي توماس جراي" مجلة كلية الآداب (الرياض)3 (1973/1974) 277-247

4- صمود، نور الدين: "قصيدة الكوليرا: ليست شعراً حراً" افكر 24(1978/1979) 376-388

5- طه، علي محمود: ديوان علي محمود طه، بيروت : 1972 .

6- الطعمة، صالح جواد: الشعر العربي الحديث مترجماً. الرياض: 1981.

7- -:"شوقي وآثاره في مراجع غربية مختارة" فصول 3 (1/أكتوبر-نوفمبر-ديسمبر 1982)243-257.

8- الملائكة، نازك: ديوان نازك الملائكة. المجلد الأول. بيروت: 1971.

9- : ديوان نازك الملائكة. المجلد الثاني. بيروت: 1971.

10- : قضايا الشعر المعاصر. بيروت: 1962. ط3 بغداد:1967.

11- الملائكة نازك: محاضرات في شعر علي محمود طه: دراسة ونقد. القاهرة: 1965.

12 - : "ياسمين" - قصة- الآداب 6 ( 3/آذار 1968) 5-10.

13- : "نقد قصص العدد الماضي" الآداب 7 (12/ كانون الأول 1959) 69-72

14- ------- : "الأدب والغزو الفكري" الآداب 13 ( 3/ آذار 1965) 3 - 34.

15- موريه، س.: حركات التجديد في موسيقى الشعر العربي الحديث - ترجمة سعد مصلوح. القاهرة: 1969.

16- Abdel-malek, Anouar: ed. & tr. Anthologie de la littrature arabe contemporaine. II. Les essais. Paris: 1965. pp. 443 - 447.

17- Abdul-Hai. Muhamad: Tradition and English and American influence in Arabic Romantic poetry. London: 1982. pp. 27-29. 110- 112 , 119.

18. Ahmed, J. M.: “Present mood in literature.” Atlantic Monthly, 198(October, 1956) 163 - 164.

19.--------------------:“Young Arab writers today,” Middle East Forum, 33 (No. 7, July, 1958) 19 - 21, 33.

20- --------------------: “Young Arab writers today,” Islamic Review. 46 (July - August, 1958) 70 - 73.

21- Altoma, Salih J.: “Iraq and its contemporary Arabic literature.” The Arab World, 7 (No. 10, November 1961) 14 - 15.

22- --------------------: “Iraq’s contemporary literature,” Islamic Review, 50 (May - June, 1962) 14-15.

23- -------------------: “Postwar Iraqi literature: Agonies of rebirth,” Books Abroad, 46 (1972) 211- 213.

24- ------------------: “Iraqi literature,” Encyclopedia of World Literature in the 20th Century. Vol 2. New York: 1982. pp. 456 - 458.

25- Alwan, Mohammed B. : “A bibliography of modern Arabic poetry in English translation,” Middle East Journal, 27 (1973) 373-381, esp. p.378.

26- Anderson, Margaret: Arabic materials in English translation. A bibliography of works from the Pre-Islamic period to 1977. Boston: 1980. p.198.

27- El-Azma, Nazeer: “Free verse in modern Arabic literature,” Ph.D. Dissertation, Indiana University, Bloomington. 1969. pp. 77-82, 114 - 119.

28- Badawi, M.M.: An anthology of modern Arabic poetry. Beirut / Oxford: 1970. pp. xix-xx, xxxv.

29---------------------: “Convention and revolt in modern Arabic poetry,” Arabic poetry: Theory and development. ed. G. E. von Grunebaum. Wiesbaden: 1973. pp.181 - 208, esp. p. 203.

30---------------------: A critical introduction to modern Arabic poetry. Cambridge, England: 1975 . pp. 228 - 230.

31- Bellamy, James A. et al.: Contemporary Arabic Readers. V. Modern Arabic poetry. Ann Arbor : 1966. p. 217 (part 2).

32- Berque, Jacques: Cultural expression in Arab society today. tr. Robert W. Stokey. Austin: 1978. pp. 270, 272. 275, 289, 291, 300.

33. Boullata, Issa J.: Modern Arab poets : 1950 - 1975. Washington, D. C. 1976 . pp. 11 - 13, 157 - 158.

34- Boullata, Kamal. ed.: Women of the Fertile Crescent: Modern poetry by Arab women. Washington, D. C.: 1978. pp. 13-22.

35- Fernea, Elizabeth & Bezirgan Basima Q.: Middle Eastern Muslim women speak. Austin: 1977. pp. 331 - 349.

36. Harris, George L.: Iraq: Its people, its society, its culture. New Haven: 1958. p. 289.

37- Haywood, John A.: Modern Arabic literature: 1800 - 1970. New York: 1972. pp. 184 - 185, 187.

38-Jayyusi, Salma Khadra: Trends and movements in modern Arabic poetry. Leiden: 1977. See Index, pp. 865 - 866.

39-Khouri, Mounah A.: “Lewis cAwad: A Forgotten Pioneer of the Free Verse movement,” Journal of Arabic Literature, 1 (1970) pp. 137-144, esp. 138-139, 143. Reprinted in Issa J. Boullata (ed). Critical perspectives on modern Arabic Literature. Washington, D. C.: 1980. pp. 206 - 213.

40- Khouri, Mounah A. & Algar, Hamid.: Ed. & tr. An anthology of modern Arabic poetry. Berkeley: 1974. pp.15-17, 78-81, 240.

41- Khouri, Mounah A.: “Prose poetry: A radical transformation in contemporary Arabic poetry,” Edibyat 1 (1976) pp.127-149, esp. p.132. Reprinted in Boullata’s Critical perspectives.., 280-304.

42- Khulusi, S. A.: “Contemporary poetesses of Iraq,” Islamic Review, 38 (June, 1950) pp. 40-45, esp. pp. 42-44.

-43 -------------------: “Atika, a modern poetess,” Journal of the Royal Asiatic Society, 1950. pp. 149-157, esp. 149.

44- Al-Mala’ika, Nazik.: “Pour laver le déshonneur,” tr. p. Rossi, see 74: 209 - 210.

45---------------------------: “La douleur en chemin,” tr. V. Monteil, see 67: 100 - 109.

46---------------------------:“Funf gesange an den schmerz,” tr. Annemarie Schimmel. Fikr wa Fann, 1 (No. 2, 1963) pp. 34-35, 38-39.

47---------------------------: “Canciones para el dolor,” tr. L. Martinez Martin. See 61: 75- 82.

48---------------------------: “Sur la poésie libre,” tr. Anouar Abdel-Malek, see 16: 444 - 447.

49---------------------------: “Down hill.” The Arab world. 12 (October-November, 1966) p. 21. (a short story).

50---------------------------: “Jamais le visiteur,” & “Laver la honte,” tr. Luc Norin & Edouard Tarabay. See 72: 176 - 178.

51---------------------------: “The visitor who did not come,” Lotus: Afro-Asian Writings, 1 (Nos. 2 - 3, 1968) p. 123.

52---------------------------: “The top of the stairs,” tr. Nihad A. Salem. Afro-Asian poetry. Cairo: 1971. pp. 152-153.

53---------------------------: “Moonlight.” tr. Nihad A. Salem. Lotus: Afro-Asian Writings, (No. 16. 1973) pp. 138-139.

54---------------------------: “ Who am I ?,” tr. Mounah Khouri & Hamid Algar, see 40: 78 - 81. Reprinted in Fernea, see 35: 244.

55---------------------------: “The visitor who did not come,” tr. Shafiq Megally, Journal of Arabic literature, 7 (1976) p. 85.

56---------------------------: “Five songs to pain,” tr. Issa Boullata, see 33: 11-13.

57---------------------------: “The beginnings of the free verse movement,” tr. Elizabeth Fernea and Basima Bezirgan, see 35: 232-243.

58---------------------------: “The viper,” tr. Elizabeth Fernea and Basima Bezirgan. see 35: 245 - 247.

59---------------------------: “I am”, “Insignificant woman”, “My silence”, “Washing off disgrace”, “Jamila”, Tr. Kamal Boullata, see 34: 17 - 22.

60--------------------------: “Washing off disgrace”, “Jamila”, “My silence” tr. Kamal Boullata. Arab Perspectives, 1 (No. 4, July, 1980) pp. 45-46.

61. Martinez Martin, L.: “Nazik al-Mala’ika,” Cuadernos de la Biblioteca Espaٌola de Tetuan. 2 (1964) 75 - 82.

62-----------------------------: Antologia de poesia arabe contemporanea. Madrid: 1972. pp. 179-180.

63Matinez Motavez, Pedro: Poesia arabe contemporanea. Madrid: 1958. pp.260-261.

64-------------------------------: “ Aspectos de la actual literatura feminina arabe.” Almenara 1 (1971) 85 - 110.

65-------------------------------: “(ed.) Literatura Iraqui contemporanea. Madrid: 1973. 2nd. edition. 1977. pp. 65-68, 155-156, 373-385.

66-------------------------------: Introducciَn a la literatura arabe moderna. Madrid: 1974. pp. 174-204.

67- Monteil, Vincent: Anthologie bilingue de la littérature arabe contemporaine. Beirut: 1961. pp. 99 - 109.

68- Moreh, S.: “Nazik al-Mala’ika and al-shicr al-hurr in modern Arabic literature,” Asian and African Studies, 4 (1968) 57-84. Reprinted in his Modern Arabic poetry. (see below) pp. 198 - 215.

69----------------: “The influence of Western poetry and particularly T. S. Eliot on modern Arabic poetry,” Asian and African Studies, 5 (1969) 1-50. Reprinted in his Modern Arabic poetry. (see below) pp. 216-266.

70----------------: Modern Arabic poetry 1800 - 1970: The development of its forms and themes under the influence of Western Literature. Leiden: 1979. See Index p. 349 and pp. 213, 214, 215.

71----------------: “Technique and form in modern Arabic poetry up to World War II,” Studies in memory of G. Wiet. Ed. M. Rosen-Ayalon. Jerusalem : 1977. pp. 415-434.

72- Norin, Luc & Tarabay, Eduard. Eds.: Anthologie de la littérature arabe contemporaine. III. La poésie. Paris: 1967. pp. 23, 176-178.

73- Rejwan, Nissim: “Rejecting Europe’s cultural influence: Protest of an Iraqi poetess.” Jewish Observer and Middle East Review, 15 (No. 22, June 3, 1966) 16-17.

64- Rossi, Pierre: “Impressions sur la poésie d’Irak. Jawahiri, Mardan, Nazik al-Mala’ika, Bayati,” Orient, (No. 12, 1959) pp. 199-212.

65- Sfeir, George: “Writers in Arabic,” The New York Times Book Review, (September 23, 1961) pp. 48-49.

66- Stewart, Desmond: “Contacts with Arab writers,” Middle East-Forum. 37 (January 1961) pp. 19-21.

67- Vernet, Juan: Literatura rabe. Barcelona: 1968. pp. 212-245.

68- Wiet, Gaston: Introduction a la littérature arabe. Paris: 1966. pp. 301, 303.