ضياء خضيرحداثة لم تؤثر جوهرياً على روح القصـيدة الغنائية في الديوان الجديد

ديوان (نهر بثلاث ضفاف) الذي وصلني قبل أيام من الشاعر يحيى السماوي،  قاطعًا بأيام المسافة الشاسعة من استراليا إلى كندا البعيدة "بعد القلب عن اليد"، كما يقول في إحدى قصائد هذا الديوان، [ربما لأنها بين الأصدقاء] ينطوي على آخر ما تفتقت عنه شعرية هذا العراقي الطالع من (أرض السماوة)  منتظرا "هدهد البشرى" الذي ينقل إليه أخبار الوطن المحمولة على جناح قصيدة يختلط فيها الواقع بالأسطورة، والضفة الثالثة المجازية بضفتي الفرات وجرفه الأرضي و(السماوي) المجنّح، أوالهابط إلى الأعماق مع إينانا الباحثة عن تموز العراقي القتيل ليبعث ويعود من جديد كما الحلم في قصيدة، قبل أن يتحول إلى كابوس في قصائد أخرى.

لقد كتب لي  الشاعر في الإهداء

(أهدي مائدتك هذا الرغيف الورقي عسى أن تجد فيه شيئًا من طحين الشعر).

مع أن شعره في هذا الديوان، مثل دواوينه الأخرى التي نيّفت على العشرين، لا تنطوي على (طحين الشعر) وحده، بل أيضًا على حنطته وشعيره كاملين، بكل مكوناتهما وعصارتهما الأصلية الطالعة من أرضهما العراقية الخصبة. أعني أن القصيدة التي اختار السماوي أن يوزعها على بياض الصفحة في هذا الديوان بطريقة تشبه توزيع القصيدة (الحرة) وتوحي بنظامها القائم على مبدأ التفعيلة والتدوير، ما زالت تحتفظ ببنائها العمودي القائم على وحدة البيت الشعري بما ينطوي عليه من وزن وقافية واستقلال في المعنى، على ما قد يصيب بعض البحور الصافية أو المختلفة في تفعيلاتها من إجتزاء وتغيير لا يؤثر على طبيعة الإيقاع ووجود القافية التي توفر الضربة الموسيقية التي تختم البيت وتضع حدًا لامتداده اللفظي والدلالي.

نعم، هما وزن وقافية ظل الديوان، كل الديوان، يحتفظ بهما أصلا ثابتا وقاعدة عامة لا يستطيع شاعر مثل يحيى السماوي تربّى على فحولة القصيدة العربية وعرف " شرف المعنى وصحته، وجزالة اللفظ واستقامته، والإصابة في الوصف" التي يقول المرزوقي في شرحه على (حماسة أبي تمام) إنه من "اجتماع هذه الأسباب الثلاثة كثرت سوائر الأمثال، وشوارد الأبيات، والمقاربة في التشبيه، والتحام أجزاء النظم والتئامها على تخيّر من لذيذ الوزن ..". فنحن ما زلنا نجد كل هذه المزايا التي تؤلف فحولة الشعر وقوام القصيدة العربية موجودة في شعر السماوي ، على الرغم مما قد يمسّ وجهَ قصيدته ويلحق بقوامها من شيات وألوان ووسائل حداثة شعرية لم تؤثر تأثيرًا جوهريًا على روحها الغنائية ولهجتها الخطابية التي تلبي المطالب التداولية العامة، وتلامس في بعض نماذجها الذائقةَ الشعرية الخاصة على نحو لا يخلو من إبداع وقوة تأتيان من اكتمال العناصر التي تؤلف بنية القصيدة وتخالط لغتها شكلا رائقا، وروحًا نبيلًا شديد القابلية على الإحساس.

أما التدوير الذي تحدث عنه الدكتور (عبد الرضا علي) في مقدمته على الديوان باعتباره نوعًا من "التدفق في تركيب النسيج ، وفي انسيابية الجريان الإيقاعي وفيضه"، ويشبه عند السماوي التدوير في بعض دواوين نزار قبّاني، كما يقول، فلا أظن أن له هنا وظيفة تزيد على ما في البيت الشعري في القصيدة العربية التقليدية من ناحيتي الوقفتين الدلالية والعروضية، اللهم إلا في استثناءات قليلة، بصرف النظر عما يقوله الدكتور  عبد الرضا عن " شعر الأعالي المغاير للسائد في أسلوبيهِ التفعيلي المدوّر، والشطرين الجديد".

ونحن نعرف أن التدوير، كما رأيناه عند حسب الشيخ جعفر مثلا، يرتبط برؤية شعرية وفلسفية من شأنها أن تعبث بنظام القصيدة وتدخل التغيير على مجمل البناء الشكلي والدلالي لبنائها الكلّي. فهي شكل يحمل خاصية تعبيرية بين عناصر أخرى متكاملة، وليست مجرد إضافة خارجية أو حلية شكلية.

وقصائد من هذا النوع يمكن أن  تفيد من بعض العناصر الجمالية في الشعر، مثل الملحمة والقصة والحوار والتكرار، واستخدام بعض الكلمات الشائعة على ألسنة الناس في الاستعمال اليومي في إطار التدفق الغنائي وانسيابية اللغة. ولذلك، فهي تقنية مختلفة غيّرت السائد من نظام توزيع مفردات القصيدة من الناحية الصوتية والدلالية. واعتماد التدوير، والكتلة، والتدفق، تبقى خصائصَ في هذا النوع من الكتابة الشعرية. إذ إن مجموع العلاقات المعقودة بين وحدات اللغة وعناصرها المختلفة تتجاوز طول السطر وكيفية توزيع وحداته الإيقاعية داخل النسق من أجل الحفاظ على علاقاتها النحوية والإسنادية، بصرف النظرعن مكان وجودها داخل السطر أو نوع نغمتهما وزخرفهما الصوتي. ومهمة التدوير في هذه القصيدة ليست شيئًا آخر غير هذه التلاحق أو التدفق والاحتدام الحاصل بين محتوى اللغة وإيقاعها الموسيقي أو الوزني من جهة، وبين طبيعة التركيب الذي تبقى فيه العلاقات الإسنادية والنحوية قائمة بين السطر والذي يسبقه أو يليه، حسب التوزيع الذي تقتضيه الضرورات الإيقاعية أو الوزنية، من جهة أخرى. وهو أمر ليس موجودًا، كما قلنا، في ديوان السماوي هذا، إلا بصورة جزئية، وشكلية أحيانًا، تتمثّل إعادة التوزيع المكاني للبيت الشعري مع بقاء تفعيلاته، في مجملها، مستقلة أو غير مرتبطة بغير البيت الشعري نفسه، حتى إذا اقتضت الضرورة أحيانًا إضافة بعض التفعيلات إلى هذا البيت من أجل إكمال المعنى على طريقة القصيدة الحرة.

غير أن كل ذلك لا يعني أن شعر يحيى السماوي في هذا الديوان يفتقر إلي هذا التدوير، ولا تكتمل شعرية صاحبه المتميزة إلا به. وكل ما هنالك أن الحديث عن وجود هذا التدوير بوصفه تقنية شعرية حداثوية لازمة في شعر السماوي يشكّل نوعًا من الخطأ الذي يشبه الخلط الذي ينتج عن محاولة إدخال نظام على نظام. نظام مختلف في طبيعته وروحه وقواعده المنظمة. ويكفي يحيى السماوي أن يكون الشاعر الذي ظل سنين طويلة يمسك بطريقته الخاصة بزمام موهبة شعرية (عمودية) محلقة، وباعثة على الإعجاب دائما، بما انطوت عليه من أصالة وعناصر شخصية وثقافية وروح غنائية في إطار القالب الشعري القديم نفسه.

وقصيدته، مثل قصيدة الجواهري، تنطوي على روح القصيدة القديمة ورواسمها الأساسية. وهي تجهد نفسها من أجل تحقيق ما يمكن أن نسميَه (كلاسيكية جديدة) تقوم على التنويع والتجديد في المعاني والأغراض؛ مع العلم أن قصيدة السماوي، على (فحولتها) وقوة عارضته فيها وتمكّنه من لغتها، تبدو أكثر طراوة ولينًا وقدرة على قبول التغييرات الحداثوية المحدودة من قصيدة الجواهري نفسها. 

وهذا المثال من مقطوعة للشاعر بعنوان (قناعة) يمكن أن يقدم أنموذجا على طريقة الشاعر في هذا الديوان القائمة على توزيع مفردات البيت الشعري (المكتوب على الرمل هنا) من دون ضرورة ملزمة غير التوكيد، ربما، على القافية التي تنفرد، كما نرى، باستقلالها بسطر كامل في كل بيت من الثلاثة في المقطوعة:

"رشيقًا

"مثل مشحوف تهادى

يشقّ

بنور طلعته السوادا

 

أتاني والنعاس يشل جفني

وحين خلعت ثوب النوم

عادا

 

فيا تنورّها إن عزّ خبزٌ

فهبني منك جمرا

أو رمادا" 

وهذا المقطع المأخوذ من قصيدة الشاعر الطويلة (هبوط إينانا) يمكن أن يكون أنموذجا آخر لهذا النوع من (التدوير) الذي لا يوجد في القصيدة بمجرد إعادة توزيع تفعيلات الكامل أو مجزوئه على سطور الصفحة. فهذه التفعيلات تبقى، في جملتها، مستقلة من الناحية النحوية، مع إمكانية انتظامها من الناحية العروضية بأبيات كاملة أو مجزوءة تكتمل بوجود القافية اللامية الساكنة التي تضع حدًا لامتداد الجملة من الناحيتين الدلالية والعروضية.

" شقت ظلام الليل إينانا

فأيقظت المرايا

ألبستني

بردة الفرح المؤجل

منذ عام الهجرة الأولى

عن الماء الفرات

وسيد الشجر

النخيلْ

 

وعن السماوة

والظباء الفاتنات

إذا نظرن إلى الغزال

أسرنه

بمصائد الطرف الكحيلْ"

واستخدام الشاعر لرمز إينانا الأسطوري في هذا الديوان أو في عدد من القصائد فيه، يمكن أن يندرج في إطار قصيدة القناع باعتباره تقنية فنية  لجأ إليها الشاعر للتعبير عن تجربة أو تجارب حب وعلاقات وتأملات اجتماعية وفكرية ومواقف سياسية وغزل صريح قد يقطع مع الصورة العذرية العفيفة، أو يقلق حدودها الخفرة. وهو يحاول أن يعبر عن كل ذلك بصورة غير مباشرة للتخفيف من حدة صوته الشخصي، والنغمة الغنائية المباشرة في خطابه الشعري.

والقناع المختار هنا هو، كما نرى، إي إينانا (عشتار) إلهة الحب وقرينة تموز المعروفة في الثقافة الرافدينية القديمة، ليس اختيارًا اعتباطيًا بالنسبة للشاعر الذي تحتوي بيئته العراقية على الإرث الأسطوري والآثاري والحضاري السومري والأكدي والبابلي القريب من مدينة الشاعر (السماوة) وما يحيط بها من مدن الوسط والجنوب العراقي؛ علما بأن هذا القناع يبدو، مثل التدوير، شفافًا أو جزئيًا قد تتحلّل منه القصيدة نفسها، ويعود الخطاب فيها إلى ضمير المتكلم المباشر الذي هو صوت الشاعر نفسه، كما في هذا المقطع الذي ترد فيه هذه السردية الخاصة بعد المقطع السابق مباشرة:

"وحدي وقاسم كنت في قصر الغدير

مهرولين وراء قافية

وتطنبُ في الحديث عن البلاغة والبيان

وسرّ عجز النهر

عن إرواء متبول تأبّده الغليلْ

 

قبل انتصاف الليلْ

آذن بالذهاب إلى جنائن بيته الضوئي قاسمُ

فاقترحت عليّ أن أبقى معي

لأعيد ترتيب الهموم

عساي أطفئ من حرائقها القليلْ

 

قبل النداء إلى صلاة الفجر

فزّ القلب..

صوت كالأذان أتى..

أصختُ النبض

من؟

فأجابني صمتي هو المطر الوبيلْ

 

فانثر بذورك

آن للصحراء أن تتفيّأ الأيك الظليلْ

وتفيض غدران بأعذب

سلسبيلْ.. "  (هبوط إنانا، ص 14- 17)

وفي المقطع، كما نرى، إشارة إلى التغيير الذي حصل بعد سقوط النظام في أعقاب الاحتلال، قبل أن يتحول الحلم الذي "تتفيأ فيه الصحراء الأيك الظليل، وتفيض غدرانٌ بأعذب سلسبيل"، إلى كابوس في قصائد ومقطوعات أخرى في الديوان نفسه، كما ذكرنا.

وإضافة إلى (هبوط إينانا) هناك قصائد أخرى في الديوان ترتبط بأسطورتها نوعًا من الارتباط الشكلي مثل (قبل دخولي فردوسها) و(حبل إينانا)و(وصايا إينانا)، القصيدة التي سلكت وصاياها وتعاليمها التي "أوصى بها ربّ الفلق" مسلكًا أخلاقيًا يحضّ على الفضيلة ومكارم الأخلاق في إطار من المعاني الاجتماعية العامة التي ليس لها خصوصية معينة أو ارتباط بإينانا العراقية القديمة.

ووجود اسم إينانا والخطاب الموجه منها للشاعر أو من الشاعر إليها في هذه المقاطع، لا يختلف في الواقع عن الخطاب الذي اعتاد الشاعر العربي القديم توجيهه لامرأة حقيقية أو متخيلة يتخذ منها متّكأ ومعينًا له في قوله الشعري المتصل بكرمه وتضحياته وشجاعته ومجمل فلسفته في الحياة.

وبعض دلالات هذه (الوصايا) يرتبط بمعان ودلالات شعرية قديمة مثل قوله:

"إن ثوبًا من حرير الذل

أبهى منه في العزّ رداء من

خرقْ

 

ورغيف التبن

أشهى لأبيّ النفس من

خبز الملقْ "

فهو مأخوذ من أبيات معروفة لميسون بنت بهدل زوجة معاوية بن أبي سفيان:

ولبسُ  عباءة وتقرّ عيني    أحبّ إليّ من لبْسِ الشفوفِ

وأكلُ كسيرةٍ في كسْر بيتي    أحبُّ إليّ من أكلِ الرغيفِ

في حين تعكس بعض الأبيات والمقطوعات الأخرى ظلالًا وأضواء من قصائد ثانية، مثل هذه الأبيات المكتوبة تحت عنوان (خلاصة الحياة) التي نستطيع فصل ارتباطها الدلالي والشكلي برباعيات الخيام، أو بقصيدة إيليا أبو ماضي (الطلاسم):

"منذ دهر

وأنا أركض وحدي

في سباق الفوز بالجنة أو بئس المصيرْ

 

مرةً يسبقني الليل وأخرى أسبق الصبحَ

وفي الحالين

وحدي أركضُ الأشواطَ مجهولَ المصيرْ

 

ليتني أعرف: هل كنت بها الأول؟

أم كنت الأخيرْ ؟" ص 111)

والخلاصة التي يمكن أن نخرج بها من قراءتنا لهذا الديوان هو أنه يبقى، كما قلنا، شعرا عربيا عذبا مكتوبا على وفق مقتضيات العمود الشعري الذي درج الشاعر على الكتابة فيه بكفاءة وقوة، وعلى نحو تحتل قصيدة الغزل والعلاقة مع المرأة فيه موقعًا مركزيًا، سواء أكان الخطاب فيه مباشرًا أو متخذًا من إلهة (الحب والعشق والمطر) إينانا، ستارا وقناعًا شفيفًا وبسيطًا لا يخفي ما وراءه من مباشرة ورغبة في الإفضاء والتعبير باستخدام ضمير المتكلم – الشاعر، أو راويه النائب عنه والقريب في موقعه منه.

والضفة الثالثة في ديوان السماوي هذا ليست، في الواقع،  شيئًا آخر غير هذه المرأة التي امتلأ الديوان بالقصائد الموجهة إليها تحت اسم إينانا، أو من دونه "فأنا الفرات، وأنت دجلة، والسرير بكوخنا شط العرب!". وهو ما يتكرر بهذه الصيغة أو ما هو قريب منها في أكثر من مقطوعة وقصيدة.

ولا بد من القول، أخيرًا، إن في شعر السماوي جانبا صلبا ومتوازنا على الرغم من تلقائيته التي تجعل  القصيدة المفردة منه تبدو خالية من التكلف والاصطناع، ولكنه شعر يبقى في عمومه بعيدا عن أن يكون عميقًا أو جارحًا أو خارجًا عن مألوف القول الشعري، على الرغم من وجود الإحساس المأساوي المتولد عن تجربة البؤس الجماعي و"والحزن الفراتي المعتّق" التي عاشها الشاعر في مدينته وبلده، حاملًا أحلاما وشظايا من فكر يساري تقدمي لم يجد غير حياة المنفى والغربة أو ما يسميه حياة ( الغربتين)، للتنفيس عنه.

وليس هناك في بناء هذا الشعر علاقات تركيبية معقدة على مستوى الإدراك العام للقصيدة ومحتواها الفكري والدلالي. فهي تبدو، مثل القصيدة العمودية، مكشوفة لا تنطوي على غير لغتها التي يمكن شرح بعض مفرداتها في الهامش من قبل الشاعر نفسه، وعاطفتها المبالغ فيها أحيانًا، وصورها وتجربتها وعلاقاتها الداخلية المحدودة بحدود أفكارها الاجتماعية والفلسفية المعلنة.

وبعض القصائد التي نشهد فيها شيئًا من ملامح البناء السردي والدرامي الفاعل مثل (حبل إينانا)، تبدو قليلة إلى جانب القصائد الذاتية والتأملية والغزلية التي تشيع في الديوان ويتراوح فيها الخطاب الموجه إلى المرأة بين العفة والعذرية، والغزل المكشوف أو المورّى عن الفحولة وأداة الذكورية فيه بألفاظ وتعبيرات ورموز واضحة الدلالة.

واستخدام الرمز الأسطوري إينانا وتكراره في قصائد عديدة من الديوان قد بقيَ، كما ذكرنا، دون عمق كاف لأنه ظل يفتقد الإطار النسقي الذي من شأنه تبرير استخدام هذا الرمز الأسطوري أو تسويغه. فأينانا في هذه القصائد تبدو مجرد امرأة عاشقة أو معشوقة وحكيمة توجّه النصائح لحبيبها. وهبوطها إلى العالم السفلي لا يحمل أية ضرورة أو معنى استعاريا محددا ، على الرغم من أن لجوء الشاعر إليه يبدو موظفا من أجل  كسر الرتابة وتوفير فسحة فكرية وخيالية أوسع، والخروج من الصورة النمطية للقصيدة، ومحاولة إدخال شيء من التوتر الدرامي، والبناء السردي الذي يربط الشاعر السومري بماضيه ويجعل قصيدته قادرة على التأثير عبر اقتحام حصون الحداثة وبعض وسائلها وأدواتها التي لا ينبغي أن تبقى لصيقة بنوع  أو لون شعري دون غيره.

 

د. ضياء خضير

 

 

عبد الله الفيفي- قال (أبو خراشة):

أُشهِدك، أيها الإمام الهمام الأكبر، بأني متنازلٌ عن تبعات ما شجرَ بيني وبين حبيبي، وقُرَّة عيني الخَرشاء، (العباس بن مرداس السُّلَمي، رضي الله عنه وأرضاه)، في القرن السادس الميلادي أو السابع، شريطة ألَّا يغدو ذلك سببًا في شجار أكبر بين العُربان كعادتهم إلى يوم يبعثون، وما ذاك إلَّا لبيتٍ زلَّ به لسانه فيَّ، عن غير قصد، قال فيه:

أبا خراشة، إمَّا كُنتَ ذا نَفَرٍ             فإنَّ قوميَ لم تأكلهم الضَّبعُ

ثمَّ أصرَّ النُّحاة، كعادتهم أيضًا، "ولكلِّ امرئٍ من دهره ما تعودَ"، أنه إنما قال:

"أبا خراشة، أمَّا أنت ذا نَفَرٍ ..."               

ومذ هذا البيت المشؤوم أكلتهم ضبع النحو، وإلى يوم الناس هذا.  بل أخشى في الأمر ما هو أدهى وأطم، وهو أن يكون ذلك سببًا في فساد العربية كلها، بعِلم نحوها؛ لتلك الرواية الغريبة التي أدلى بها سيبويه، بلا سند، ولا متن سليم؛ فأثارت الزوابع في ديار العُربان قاطبةً خمسة عشر قرنًا أو تزيد، وما زالت، وواضح أنها ستستمر!

فما كان من أحد تلامذة الإمام الأكبر، ويكنى بـ(أبي قوس النشاشيبي)، إلَّا أن انبرى لأبي خراشة:

- أ وتظن دخول السرداب كالخروج منه؟ ثكلتك أُمُّك! ألم يقل صاحبك (ابن أبي الآفاق التراثي) في مقال سابق تحت عنوان "من أوهام النحاة" ما قال؟ وأيُّ أوهام توهَّمها لدينا، وعِلمنا لَدُنِّيٌّ مُحكَم، لا تخرُّ منه قطرة ماء، يقينيٌّ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا من فوقه ولا من تحته؟ ثمَّ سَلْ صاحبك: ومن أنت، أيها النويقد، حتى تخرج من مجال الأدب إلى الثقافة، ثمَّ اليوم نراك تتجرأ لتقفز إلى حِمى نحونا المصون وأربابه؛ لتتعرَّض لسيِّدنا ومولانا الإمام الأب، رائحة التفاح الزكيَّة الفارسيَّة، قدَّس الله أسرار نحوه، أو لتتمادى لتناقش أحد ورثته الأبرار، ابن هشامنا الأنصاري المصري، هشم الله شانئيه، وشذر ناقديه، عليهم من الله ما يستحقون!  وهو الذي أصلح لنا النحو، على حين غفلةٍ من الزمان، فشذَّره تشذيرًا، وقطَّره تقطيرًا، كما هذَّب سميُّه (ابن هشام البصري) سيرة (ابن إسحاق)، فمحقها محقًا، معمِلًا فيها مشارط التهذيب والتشذيب، إلى أن حذف معظمها واستراح، ومَن لم يفهم النحو أو التاريخ، فلا فَهِم، وليشرب من بحر الروم! 

ألم يأتيكَ والأنباء تَنْمِي          بما لاقتْ لَبُونُ بَنِي زيَادِ

لا جرم، سترى منا ما لم تره (البسوس) من (كُلَيب بن ربيعة)، حين انتهكت حِماه!  أ ولم تسمع بأن لحوم علمائنا مسمومة؟!  ثمَّ ألا تعرف بأن بلاد فارس وبلاد مِصْر لهما سحرهما الغلَّاب منذ القِدَم، فمن دخلهما مغالبًا لم يعد أبدًا آمنًا! هيهات هيهات، لقد وقعتَ ولم يُسَمِّ عليك أحد!

فإذا (ابن أبي الآفاق) بالباب:

- سمعت صوتًا هاتفًا!

أبو خراشة: "أدرِكني، يا ابن أبي الآفاق!  ما قولك في ما شنَّه (أبو قوس النشاشيبي)؟

- وربِّك، ما كنتُ أحسب أن حكاية "أمَّا أنت ذا نفرٍ" تستأهل من النحويِّين كل ذلك الاحتفال في كتبهم، سواء أ صحت أم لم تصح، حتى أثبت لي صاحبك أنها لديهم كذلك، بالفعل والقوَّة، وأنها قضيَّة لا يستهان بها، ولا ينبغي أن يُعرَض لها بنقدٍ أو بتشكيك، كيف وقد جاءت في كتاب "الإمام سيبويه". حتى لعلَّه لو بُعِث ابن مرداس شخصيًّا، لما كان أشد حماسة ضدَّك، يا أبا خراشة، من حماسة هؤلاء النحاة لإثبات رواية بيته الغريبة عن قواعدهم، التي قعَّدوها فصدقناهم!  بل لو جاءهم ابن مرداس شخصيًّا، فأقسم لهم أنه إنما قال: "أبا خراشة، إمَّا كُنتَ ذا نَفَرٍ"، لقالوا له: كذبت، ومن أنت لتصحح لنا رواية بيتك؟  بل قلت: "أبا خراشة، أمَّا أنت ذا نَفَرٍ"!  اعترف، أحسن لك! لا حُجَّة بكلامك، ولا بديوانك، ولا بمن شهد لك من العلماء والمحققين، القدماء والمحدثين، وإنما المعوَّل عليه ما في كتبنا نحن، التي أولها كتاب إمامنا الأعظم سيبويه وروايته!  اغرب، تبًا لك، لا تفسد علينا تراثنا الجدليَّ المتوارث وشواهدنا!  أمَّا صاحبك، فلا ريب أنه أستاذ الأساتيذ في هذا الميدان، وهو ابن بجدتها، ولا فتوى وهو بالمدينة.  وهو نحوي مستنير، في ما نحسب، غير أن الحُبَّ غلَّاب، والصنعة قد تُعمي وتُصِم.  وما كنتُ لأعقِّب على كلامه النفيس، لولا أنه طرح بعض الإشكالات والتساؤلات.

وبدايةً، أحب أن أطمئنه، وزملاء النحو أجمعين، المستقدمين منهم والمستأخرين، بأنني لست "ممن استُهتِروا بشنآن النحو والنحويين، حين توهَّموا أن حماية العربية وإصلاح شأنها إنما يكون بالزراية على نحوها وعلى أعلامه، متجافين عن النقد العلمي الجاد، وهم أهل النقد وسدنة علمه"، كما تفضَّل.  ولكن لماذا يحسبون كل صيحة بالنقد شنآنًا لهم، وكل دعوة لنفض الغبار عن التراث، وتجديد مناهجه، زراية وعداءً لأئمتهم؟!  ثمَّ أينهم من النقد العلمي الجاد؟ وما النقد العلمي الجاد؟  أتقديس السلف، واتخاذهم أئمة يهدون بالحق وبه يعدلون، وجعلهم فوق النقد والتساؤل والشك؟  وأين نحن من قول (مالك بن أنس)، مثلًا: "كل يؤخذ من كلامه ويُرَد"؟ 

ولقد كان مبتدأ نقاشي لجهود النحاة هو لتفكيك خطاب أحد القمامصة المشلوحين المتسلحين بأقوال النحاة للطعن في "القرآن الكريم"؛ لأنه بزعمه مخالف لقواعد النحاة.  ثم انقلب النحاة ليصطفوا مع القمُّص، من حيث لا يعلمون، منتصرين له، مشرعين له ولغيره الأبواب، بترديد ما جاء عن آبائهم، متبعين سننهم، حذو القُذَّة بالقُذَّة.  فيا لله العجب!  بل جعلوا يثبتون أن النحو نفسه، في كثير منه، لا يعدوا اجتهادات مضطربة، وتمنطقات بيزنطيَّة عقيمة، وآراء متضاربة، وشواهد ملفقة، واضطرابه وعقمه وتضاربه وتلفيق شواهده كل أولئك تمثِّل فيه عين وجوده، وسر خلقه، وأصل بقائه.  لا زيادة لمستزيد، وليس في الإمكان أبدع مما كان!

قال (أبو خراشة) عن (أبي قوس النشاشيبي):

- إن بيت ابن مرداس "لم يصدمهم، ولم يفاجئهم؛ فقوله جاء موافقًا لاستعمال عربي عرفوه فذكروه، وسيبويه يروي أمثلة ذلك التركيب عن أشياخه ولا يزعم ذلك زعمًا...".

- هذا ادعاء فضفاض.  ولنسلِّم أن سيبويه كان راوية عربيًّا، بل كان كـ(الأصمعي) أو (المفضَّل الضَّبي)، ومن أبناء البادية العربيَّة، ومن رواة مدرسة (زُهير بن أبي سُلمَى) الممتدة، لا شيرازي المولد فارسي النشأة، انطلق من عُقدة تلحينه في النحو إلى صناعة النحو الذي كان لحَّنه فيه أستاذه (حَمَّاد بن سلمة)، في حكاية لحنه المشهور في الحديث النبوي، هكذا: "ليس من أصحابي أحدٌ إلَّا لو شئت لأخذت عليه، ليس أبو الدَّرداء"، حتى انصرافه عائدًا من بغداد إلى بلاد فارس، بعد المسألة الزنبوريَّة الأخرى بينه وبين (الكسائي)؛ لنسلِّم بامِّحاء هذا كله، وأنه لا أثر له، نفسيًّا ولا ذهنيًّا، كأنه لم يكن، وأنه فوق ذلك راوي الرواة، فما أهميَّة رواية ما روَى والتقعيد له والانشغال به؟!  لقد أهمل اللغويون كثيرًا من كلام العرب، ولم يستشهدوا به، لأسباب ساقوها مكانية وزمانية، وتركوا كثيرًا من كلام العرب، حتى قال (أبو عمرٍو ابنُ العلاء): "ما انتهَى إليكم ممَّا قالت العربُ إلَّا أقلَّه، ولو جاءكم وافرًا لجاءكم عِلْمٌ وشِعرٌ كثير."(1).  فيا ليتهم تركوا أيضًا تلك الرواية للغرائب والعجائب من كلام العرب، وإنْ صحَّت، بل ليتهم لم يشغلوا أنفسهم وأهل العربيَّة بها، فهي لا تسمن ولا تغني من جوع، وإنما يصدق فيها القول: إنها من قبيل العلم الذي لا ينفع والجهل الذي لا يضر.

هذا، ولقد جاء كتاب سيبويه خليطًا من مسائل النحو واللغة واللهجات، على طريقة التأليف في زمنه، فهو "كتاب" عامٌّ في العربيَّة، حتى إنَّ مؤلِّفه لم يحدِّد هويته، بل سمَّاه "الكتاب".  غير أن من جاؤوا بعده عدُّوه غالبًا نحوًا، ثمَّ بالغوا في إجلال صاحبه مبالغات فجَّة!  فأرهقوا أنفسهم واللغة العربية على مر العصور.  وزاد الطين بلَّة التعصب الذي أزرى بالمتأخرين، فلم يعد يدع لديهم فسحة للمراجعة.  مع أن القدماء أنفسهم كانوا يختلفون، ويشككون ويتحفَّظون. ومن أولئك (سيبويه) نفسه، القائل عن أستاذه (يونس بن حبيب، -182هـ): "ومن ذلك قول العرب: مَنْ أنتَ زيدًا، فزعم يونسُ أنّه على قوله: مَنْ أنت تَذكُر زيدًا، ولكنه كثر في كلامهم واستُعمل واستغنوا عن إظهارِه"، فلم يتحرج من استعمال كلمة "زعم"، كما لا يتحرج من نسبة الزعم إلى أستاذه الآخر (الخليل) في عشرات المواضع. 

- لماذا لم نعد نتحلَّى برحابة صدور هؤلاء؟ سأل (أبو خراشة).

- ذلك أننا ورثة تراث يتراكم مع الزمن ويلتبس.  مواقف القدماء وتحيزاتهم لم تكن تبرأ من نزعات شعوبيَّة تارةً، وقبليَّة أخرى، وطائفيَّة ثالثة، تنجم عنها المبالغات في تمجيد عَلَمٍ وصولًا به إلى عنان السماء أو الحط منه إلى الحضيض.  ثقافة ظنها المتأخرون بريئة كل البراءة، صادقة كل الصدق، لا تحيد عن الحق.  فاصطف فريق مع هذا وفريق مع ذاك، ونشبت المعارك الطاحنة، لا في شأن اللغة والنحو، بل في شأن أولئك الأبطال الأوائل، الذين دارت عليهم وبهم رحى المواجهات على أرضيات اللغة والنحو، فتعصَّب كل جمهور إلى بطله المثالي المتخيَّل. 

- قال (أبو خراشة): ثم قال صاحبنا: "تعلم العربية ليس طريقه تعلم النحو بل طريقه تلقي مهاراتها المختلفة بالوسائل المعروفة، وليست هذا الظواهر التي تشِكل بعض الإشكال كل النحو، وليس خطأ المخطئين بمثلها، بل بما هو أيسر مما أحكامه معروفة ميسرة. ولست تجد في كتب تعليم العربية في التعليم العام حديثًا عن مثل هذا البيت وما تعلق به من تفسير." 

- أتفق معه في أن العربيَّة طريقها ليس تعلُّم النحو.  لكن هذا لا يعدو كلامًا نظريًّا مُطرِبًا جميلًا، وهو محلَّ اتفاق.  غير أن الواقع بخلافه.  ولئن لم تكن تجد في كتب تعليم العربية في التعليم العام- من الابتدائية حتى الثانوية- حديثًا عن مثل ذلك البيت الغريب وما تعلق به من تفسير- كما احتجَّ- فإن طالب الثانوية ما أن يضع قدمه على عتبات الجامعة لدراسة اللغة العربيَّة حتى يُلطَم وجهه وقفاه بأمثال قضيَّة "أمَّا أنت ذا نفر"، مع كتاب كـ "شرح شذور الذهب"، والجدال المنطقي الفارغ حولها!  ولا حول ولا قوة إلا بالله!  هذا ما يعنينا، لا أن ثمَّة رواية لبيت العباس بن مرداس، لم يسمع بها سوى سيبويه "عن أشياخه"، الذين لم يصل إلينا عنهم شيء أصلًا.  كما لا ينبغي أن يشغلنا الانتصار "للإمام" سيبويه، أو غيره، والمسارعة لاتهام من يقترب من حماه بالزراية على الأئمة الأعلام والشنآن لهم، مع تهديده بنحو ما هددك به ابن مرداس، يا أبا خراشة! 

- لا تذكرني، فقد سامحته لوجه الله، ثم لوجه الإصلاح بينك وبين معشر النحاة!

- حسنًا، فعلت!  وليتنا نترك الشخوص في مدافنهم، ملتفتين إلى النصوص، وتطوير مناهج تدريس اللغة العربية، كما تفعل الأُمم.  وهذا ما جاء في حديث لي سابق تحت عنوان "مؤلَّفات العَرَبيَّة: (ضرورة المراجعة والتحديث)".  تلك هي القضيَّة المحورية.  لكني أفاجأ بأن الهمَّ، كل الهمّ، منصبٌّ على الدفاع عن الإمام فلان والشيخ فلان والعلامة فلان. 

- ثم يقول لك صاحبنا: "على الرغم من أن الظاهرة من الشيوع الذي لا يقتضي شاهدًا ذكروا بيتًا آخر هو:

إمّا أقمت وأمّا أنت مرتحلًا ... فالله يَكْلأ ما تأتي وما تذرُ."

- أيُّ ظاهرة تلك التي هي من الشيوع؟

- ظاهرة "أمَّا أنت ذا نَفَرٍ"، بتركيبها الذي أنفقوا فيه أعمارهم لتحليله وتأويله.

- أ وقد صارت ظاهرة؟!

- هكذا يقول.

- هذا الشاهد الآخر الذي ذكره أوهى من سابقه.  فعلى الرغم من القول إنها ظاهرة من الشيوع بمكان، فإنه لا شاهد لديهم عليها. فكيف تُعَدُّ ظاهرة وهي باطنة؟ وكيف كانت من الشيوع بحيث لا تقتضي شاهدًا؟! وكأنها من المفروغ منه، على حد قول المتنبي:

وليس يصحُّ في الأفهام شيءٌ          إذا احتاج النَّهارُ إلى دليلِ

ليس بين أيدينا سوى رواية مرجوحة لأحد الأبيات، عبث بها الرواة أو الكتبة أو النحويون، وبيت مجهول القائل أضافه صاحبك، عن (الزمخشري، -538هـ)، انفرد بالاستشهاد به، حتى لقد قال (الدكتور علي بو ملحم) في تعليقه على بيت الزمخشري: "لم أر مَن نسبه إلى قائله ولا مَن استشهد به."  ونضيف: إن ما لا شاهد عليه ليس بعِلْم يُركن إليه، فضلًا عن أن يبنى عليه ويقعَّد!  أين تلك الجمهرة المزعومة من لغة العرب، وهم عاجزون عن الإتيان بشواهدها، وإن أوردوا الشاهد، فإمَّا أن يأتي مجهول القائل، وإمَّا أن يأتي برواية مختلقة، تقابلها رواية موثوقة ومتسقة مع لسان العرب؟  ولولا اقتضاء الشواهد، لما تشبثوا برواية بيت ابن مرداس بأيديهم وأرجلهم، ولما أسعفهم الزمخشري ببيتٍ من خرجه، مجهول القائل، هو ببديعه أشبه بالشِّعر العبَّاسي منه بشِعر العرب الأوائل: "إمَّا أقمت- إمَّا مرتحل/ تأتي- تذر".  حسبنا من العربية ما جاء بالروايات الصحيحة عن العرب، ففيه الكفاية وزيادة.

- ثمَّ أردف صاحبنا: "والحق أن سيبويه والبصريون لا يبنون قواعدهم بلا شواهد، وشواهده في هذه الظاهرة أقوال العرب التي نسبها لهم، وأما الرواية الشفاهية فهي العماد في التلقي، وبها روي الشعر الجاهلي والقرآن الكريم، بل شاع بين أهل العلم أن الاعتماد على الصحف مرغوب عنه متهم صاحبه بأنه صحفي. قال العسكري "كَانَ يُقَالُ لَا تَحْمِلُوا الْعِلْمَ عَنْ صَحَفِيٍّ وَلا تَأْخُذُوا الْقُرْآنَ عَن مصحفي"." 

- "أن سيبويه والبصريون..."، كذا؟! 

- نعم.

- لعلَّ هذه كتلك، ظاهرة من الشيوع في كلام العرب، الذي لا يقتضي شاهدًا.  أو لعلَّ لها شاهدًا كشاهد سيبويه المشار إليه!  أمَّا ترديد القِيَم المعرفية البدائية الشفاهية، أيام "كان يقال"- تنقُّصًا للوثائق العلمية المكتوبة التي يُعتدُّ بها: "فلان عِلْمه من قراطيس"، مفضِّلين مَن يتلقَّى العِلْم عن شيوخ، ثاني الرُّكَب، وربما أصبح بعدئذ: "ثانيَ عِطْفِه"، أي أنه لا يعتمد على عقله وقراءاته، بل على الحفظ والترديد والاتباع، فتلك أُمَّة قد خلت، البقاء على مبادئها المعرفيَّة البدائيَّة، والاحتجاج بها، في العِقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، لعَمري قاصمة الظهر.  أمَّا نحن فسنقول: أين "أقوال العرب" تلك؟  قل: هاتوا برهانكم!  على أنه لم يكن اعتراضنا على الرواية الشفاهية، من حيث هي، ولكن على يقينية الاعتماد عليها في دقائق الأمور، كحرف فاصل بين رواية ورواية، وبين مسألة نحوية وأخرى.  وعَبَثُ الولدان من الرواة، وانتحالهم، وكذبهم، وازدهار التجارة الروائية في مدرسة البصرة، بخاصَّة، أشهر من وصفها هاهنا.  وليس (خلف بن حيَّان الأحمر، -180هـ)- وهو من علماء البصرة في اللغة والنحو- غير عَلَم اشتهر هنالك، وأمثاله كثر.  فالسؤال الذي طرحناه: أنَّى تيقَّن سيبويه أن ابن مرداس، قبل زمنه بنحو 150 سنة، قال: "أمَّا أنت"، لا "إمَّا كنت"؟!  أو قال: "ذا نفرٍ"، لا "ذو"؟!  أم أنَّ ذلك إنما وافق حاجةً ماسَّةً إلى شاهد؟!  أجل، لقد كان الرواة يتصرفون في الروايات، حتى قال (ابن مقبل): "إني لأُرسل البيوت عوجًا، فتأتي الرُّواة بها قد أقامتها".  وربما فُعِل ذلك حسب العرض والطلب، وربما قالها الشاعر مستقيمة، فتأتي الرواة بها قد عوجتها، بحسب الحال والغرض!  وما قولي  باحتمال وضع واضع على الألف همزة، وتغيير "كنت" إلى "أنت" متعلق بالكتابة بالضرورة، فالتغيير محتمل هنا شفهيًّا وكتابيًّا، وهو في الشفهي أكثر احتمالًا، وقد حدث في ما هو أكبر من حرفين وأخطر.  وأمَّا احتجاج صاحبنا بأنه "لا وجود لهمزة في ذلك الزمن تحت الألف، فهمزة الألف أول الكلمة ترسم فوقه أبدًا"، فحجَّة لنا لا علينا؛ لأن معناه أن "أمَّا" يمكن أن تُقرأ "إمَّا" أو "أمَّا" إذ ذاك.  فتأمَّل! 

- وهو يتساءل بعد هذا: أتطمع في أن "يُقبل ترجيحك ويدع النحاة رواية إمام النحويين الثقة"؟

- الحق أنني لا أطمع في أن "يُقبل ترجيحي ويدع النحاة رواية إمام النحويين الثقة"، لكني أطمع في أن يتواضع النحاة قليلًا، فيراجعوا كتبهم، وكتب أسلافهم، وينقُّوها، ويهذبوها من أوزار متراكمة، أقل ما يقال فيها إنها محض ترفٍ سفسطائي، عفَّى عليه الزمن.  فإلى متى يستمر التعامي والمكابرة؟!

- ثمَّ أسهب صاحبنا في نقل ما أورده (الجبوري) حول ديوان (العباس بن مرداس)، لينتهي إلى حكم نهائي، لا رجعة فيه، ولا استئناف، وهو: "لا حُجة بهذا الديوان المجموع، والمعول عليه ما في الكتب التي أولها كتاب سيبويه وروايته"! 

- سبحان الله!  كاد يقول: "التي أولها وآخرها كتاب سيبويه"! وأنا أعلم، طبعًا، أنه ديوان مجموع، وهو أَمامي، لكن رُب مجموع خير من مخطوط.  غير أن صاحبك لم يلتفت إلى قول المحقق هناك: "فقد أفدت من المخطوطة واتخذتها أصلًا من جملة الأصول التي هي مصادر الشعر... وقد حاولت ما وسعني أن أحرر نسخة صحيحة مضبوطة من شعر العباس... فثبت ما اتفقت عليه المصادر، وفضلت رواية القديم منها، إلَّا أن تكون مخطوءة وبينت الخلاف أو الخطأ أو التصحيف والتحريف."

- ثمَّ هو يتساءل عن الثمانية عشرة كتابًا التي روت البيت بصورته الطبيعية "أبا خراشة إمَّا كنت ذا نفرٍ"، ذاكرًا أنه لم يجد قول المحقق؟

- أحيله إلى الديوان نفسه، ص106، كما وثقته من قبل في المساق الزوبعة، وتحديدًا إلى حاشية تخريج البيت، ثمَّ ليَعُدَّ الكتب، كما عددناها.  ذلك أن المحقق، بعد أن اختار رواية "إمَّا كنت ذا نفر"، وفق ما ذكر من منهجه في الترجيح، أورد اثنين وعشرين مرجعًا للبيت من كتب التراث، لم يستثن مما أشار إليه منها سوى أربعة، روته "أمَّا أنت..."، فالبقية ثمانية عشر مرجعًا.  وليس بجائز في التحقيق العلمي أن يذكر المحقق تلك الأربعة على سبيل التمثيل فقط.  فعلام استند، إذن، في ترجيحه الرواية التي اختار؟  قطعًا ليس بيني وبين (يحيى الجبوري، رحمه الله) اتفاق على ذلك، لنغيظ النحاة!  والعهدة عليه في عدتها، على كل حال.  غير أن ما أنا متأكد منه هنا يكفي لترجيح رواية البيت غير الإشكالية.  فنحن ببحث سريع نجد ممن رواه "إمَّا كنت ذا نفرٍ": الخليل، "معجم العين"؛ ابن قتيبة، "الشعر والشعراء"؛ الجاحظ، "الحيوان"؛ ابن دريد، "الاشتقاق"، ابن دريد، "الجمهرة"؛ ابن سيده، "المحكم والمحيط الأعظم"؛ الخالديَّان، "الأشباه والنظائر من أشعار المتقدمين والجاهليين والمخضرمين"؛ الفارابي، "ديوان الأدب"؛ البلاذري، "أنساب الأشراف"؛ رواية في كتاب البغدادي، "خزانة الأدب"؛ ابن منظور، "لسان العرب"، (خرش)؛ الزبيدي، "تاج العروس"، (خرش). 

وأمَّا أسلوب التكثر بالكتب النحوية، التي أخذت برواية سيبويه طبعًا، فقد أشرتُ إلى أنهم إنما يتوارثون الشواهد ويتناقلونها كابرًا عن كابر، ويكررونها أبًا عن جد، منذ إمامهم سيبويه!  فبالتأكيد، والحالة هذه، سيزداد عدد الكتب التي تجتر رواية سيبويه- بل سيستمر رصيدها في الازدياد، على افتراض أهمية العدد في ذاته هاهنا- لكنها في النهاية ككتابٍ واحد، هو "الكتاب" لسيبويه.

- غير أنه قد أفحمك في اعتراضه على استشهادك بأن (الخليل بن أحمد) قد أورد البيت كما هو في ديوان الشاعر، لا برواية تلميذه سيبويه.

- كيف؟

- هو يشكك أصلًا في نسبة معجم "العَين" إلى (الخليل).

- قلتُ لك: لو بُعث العباس بن مرداس السُّلَميُّ لأنكروا روايته لبيته، واحتجُّوا عليه بما ورد في كتاب سيبويه!  التشكيك في نسبة كتاب "العَين" إلى الخليل بن أحمد، كلام قديم معروف ومكرور، لا يقوم على تحقيق ولا على إنصاف، تولَّى كبره الأول (أبو منصور الهروي الخراساني، المشهور بالأزهري، -370هـ)، الذي لا يُخفِي تنقُّصه الشخصي للخليل، مع نقله عن معجمه، وانتخاله إيَّاه في "تهذيبه"، واتكائه على جهوده مع نكرانها، إلى درجة الانتهاب والانتحال، مسميًا الخليل: تارةً (الليث)، وتارةً (ابن المظفَّر)، وتارةً يقول عنه: "رجل من الأزد من فراهيد"!(2) وقد أشرتُ إلى ما كان بين هؤلاء الأعلام من إحن ومنافسات وتعصبات، كسائر البشر، فلم يكونوا  ملائكة ولا معصومين، كما يحاول عشاقهم أن يصوروهم. ثمَّ خلفَ من بعد الأزهري خَلْفٌ تابعوه في دعواه، من عرب ومستشرقين، ووسعوها. 

- والله أنا حائر بينكما، مرةً تشكك أنت وتعيب عليهم ثقتهم، ومرة يشككون هم ويعيبون عليك ثقتك!

- المفارقة هنا أن نجد التشكيك في نسبة معجم كامل إلى صاحبه، مع الإلقاء عرض الحائط بما جاء عن بعض متقدمي اللغويين والمعجميين من نسبة "العين" إلى الخليل؛ وفي مقابل هذا يقف المشككون أنفسُهم كالطود، واثقين كل الثقة، من رواية بيت يتيم، مشتبه في روايته، مقيمين الدنيا من أجلها؛ لا لشيء سوى أنها جاءت في كتاب إمام الأئمة (سيبويه) وفيها شاهد لا يُعوَّض لمسألتهم النحوية.

- ولا تنس أن قد بنى عليها النحاة تراثًا من جدال طويل، لا يُستهان به!

- لم أنس ذلك.  نعم، هو جدال طويل، كليل العاشقين، لا ينتهي إلَّا لكي يبدأ!  ومهما يكن من أمر، فلنسلِّم جدلًا أن معجم "العين" من وضع (الليث بن المظفَّر)، صاحب (الخليل)، فذلك لا ينفي عنه قيمته العلمية، وما وردَ فيه من رواية قد تظافرت به الروايات عن غيره.  إلَّا أن تأخذ بتلابيبنا مناهج انتقائية ضيقة.

- أمَّا أنا، فسآخذ بتلابيب العباس، لنحتكم إلى قبيلة بني سُلَيم لحلِّ ما شجر بيننا من خلاف قبل أن يُخلق النحو وأهله.  بارئين إلى الله تعالى من خلافكمُ جميعًا!  ربنا لا تؤاخذنا!

- قبل أن تأخذ بتلابيب العباس، أبلغ سلامي وتقديري صاحبك، واشكره على فتح هذا النقاش.  وأكِّد له مجدَّدًا أن "الإمام" سينام قرير العين في تُربته، ولن يقضَّ مضجعه ما دار حول مسألته المثيرة للجدل.

 

ا . د/ عبدالله بن أحمد الفَيـْفي

.......................

(1) الجُمَحي (-231هـ)، (1982)، طبقات الشعراء، تح. جوزف هل، (بيروت: دار الكُتُب العلميّة)، 34.

(2) انظر حول صنيع (الأزهري) مع (الخليل)، مثلًا: المخزومي، مهدي؛ السامرائي، إبراهيم، (1980- 1985)، مقدمة "كتاب العين" لأبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي، (العِراق: وزارة الثقافة والإعلام)، 1: 19- 27.

 

طالب عمران المعموريالايقاع ونسج الصور في الوميض الشعري في (مجرات ضوء) الاديب رجب الشيخ.. مقاربة نقدية

نص وجيز يجمع خصائص الوميض الشعري من حيث التكثيف والايحاء والايجاز والايقاع الداخلي والخروج عن المعتاد والمألوف واللغة النثرية المباشرة انزياحا وتقيدا بعدد المفردات  اقف متأملا نص (مجرات ضوء) للشاعر الاديب رجب الشيخ  فقبل الدخول الى النص لابد ان اقف عند  العنوان فلا يمكن الحديث عن النص دون العنوان فهو جه النص(لذا يعد نظاما سيميائيا ذا ابعاد دلالية واخرى رمزية تغري القارئ بتتبع دلالاته ومحاولة لفك شفراته1.

ارى في عتبته الاولى واحدى المناصات 2المهمة والذي قدم فيه شعرية المناص على شعرية النص، ودوره المهم في تحفيز القراء وتنشيطهم وازدياد فضولهم على قراءة وسبر اغوار النص، جمالية شاعرية العنونة التي تحمل شحنة ايمائية انزياحية بثنائية لفظية (مجرات/ ضوء) بدلائل متشعبة تستدرج المتلقي لممارسة التأويل ففيها اكتناز عمق المعنى كعمق المجرات واسرارها واشراقية شعرية في بريق ضوئها    أما من حيث   عالم قصيدته جاء على مقاطع نصية بوميض شعري (نصوص فلاشية)  في طياته هاجس سرد نثري ،كما في نصه:

الساحل الذي يفتش عن أغواره...

غرزت

بين أصابعه رائحة البحر

اعتمد الناص في تشكيل الصورة الشعرية وهي من مميزات قصيدة الومضة من خلال توظيف ادوات رسم الصورة من مزج التناقضات والرمز و أنسنه واختزال لغوي من حيث الشكل والتكثيف والمضمون :

من سيكتبني بعد أن أرحل

خلف مدن الأسوار...ومن يقرأني بقايا رماد،

غير صور تكاد ان تفنى

في مجرات الضوء...على جدران الليل الباهت

نصوص باذخة في انزياحها اللغوي  الذي يضفي على النصوص تشكيلاً جمالياً للصورة الشعرية  كما في المفردات التالية:

الساحل الذي يفتش / صخرة الوهم/ جلد القصيدة/ لامس أطراف حروفها/

دعها ترقص على أطراف أصابعها/ اسمع صوت خلخالها/

وكذلك تجلت الصورة الشعرية في الحضور والغياب كما في :

من سيكتب/ بعد أن أرحل

خلف مدن الاسوار/ ومن يقرأني بقايا رماد

صور/ وفناء الصورة

مجرات الضوء/الليل الباهت

اجاد  الناص  من حيث الايقاع الشعري أعني ما يقع من أثر وجداني في القلب الذي جاءت نصوصه  بلغة  عاطفية شفيفة وخيال متوقد وحس مرهف نراه جليا في نصه رقم (6):

جلد القصيدة طري جدا..

فلامس أطراف حروفها، شيئاً من الرقة

دعها ترقص على أطراف أصابعها...

وأسمع صوت خلخالها

موسيقى...أنغام عشق  ملائكي...

زقزقة عصافير لمسة عشق

أما النص رقم (1)

الساحل الذي يفتش عن أغواره...

غرزت

بين أصابعه رائحة البحر

٣-

سرك المكنون تحت جلد

الخوف ...

يصرخ ملء فمه يستغيث

 

،(4)

القارب الذي غير وجهته

بعد حين

أرتطم بصخرة الوهم يندب حظه

ارى من وجهة نظر قاص، نصوص فيها من شعرية السرد النثري، فهي أقرب الى القصة الومضة الشعرية اذا وضعنا لها عنونة مناسبة و راعينا فيها علامات الترقيم لكتابة النص فمثلا يكتب النص رقم (1)

الساحل الذي يفتش عن أغواره؛ انغرزت بين أصابعه رائحة البحر.

النص رقم (3)

سرك المكنون تحت جلد الخوف؛ يصرخ ملء فمه يستغيث.

النص رقم(4)

القارب الذي غير وجهته بعد حين؛ أرتطم بصخرة الوهم يندب حظه.

الايحاء والتكثيف والاختزال  الذي اعتمده الشاعر الذي يهدف اليه بناء القصيدة الحديثة  ونقاط الحذف، الذي يثري  قوة للنص ويشد خيال المتلقي للتأويل  ودورها في تفعيل اقصى الطاقات الشعرية كما في نصه:

سرك المكنون تحت جلد

الخوف ...

يصرخ ملء فمه يستغيث

 

مجرات ضوء

١-

الساحل الذي يفتش عن أغواره...

غرزت

بين أصابعه رائحة البحر

٢-

أخْشَى على أصابعي

حينَ تصافحني بجنون... تريث قليلًا ..

قبلَ ان تسرقَ مني شَغف العِيون ..

٣-

سرك المكنون تحت جلد

الخوف ...

يصرخ ملء فمه يستغيث

٤-

القارب الذي غير وجهته

بعد حين

أرتطم بصخرة الوهم يندب حظه

٥-

من سيكتبني بعد أن أرحل

خلف مدن الأسوار...ومن يقرأني بقايا رماد،

غير صور تكاد ان تفنى

في مجرات الضوء...على جدران الليل الباهت

٦-

جلد القصيدة طري جدا ..

فلامس أطراف حروفها، شيئًا من الرقة

دعها ترقص على أطراف أصابعها ....

واسمع صوت خلخالها

موسيقى ....أنغام عشق ملائكي ...

زقزقة عصافير لمسة عاشق

 

طالب عمران المعموري

..........................

المصادر

1- بسام قطوس، سيمياء العنوان، وزارة الثقافة، عمان،ط1 2002، ص12

2- عبد الحق بالعابد/ عتبات جيرار جينت من النص الى المناص. الدار العربية للعلوم ناشرون، الجزائر،2008.

 

 

2418 محمد الواضحأولاً:  قصيدة (حيرة) للشاعر العراقي الكبير يحيى السماوي:

سـأظـلُّ مـشـنـوقـاً بـحـبـلِ

الأسـئـلـةْ:

 

الـدارُ ثـكـلـى

والـمـديـنـةُ  أرملـةْ

 

وطـنٌ تَـسَـيَّدَهُ الـلـصـوصُ

وعـاقـدو صـفـقـاتِ نـصـفِ الـلـيـلِ

والـمُـتَـجَـلـبـبـونَ بـطـيـلـسـانِ “  الـبـسـمـلـةْ “

 

فـإذا حُـفـاةُ الأمـسِ بـاتـوا الـيـومَ أسياداً

بـأرفـعِ منزلةْ

 

حـتـى مـتـى يـبـقـى عـلـى الـتـلِّ الـجـيـاعُ

مُـحَـدِّقـيـنَ بـسـارقـيـهـمْ

مُـكـتـفـيـنَ بِـشـهـرِ سـيـفِ “ الـحَـوقـلـةْ “ ؟

 

ولِـمَ اسْـتـحَـلـنـا لا نُـمـيِّـزُ بـيـن “ حلاّجٍ “ وحـجّـاجٍ “

وفـلاّحٍ وسـيّـافٍ

ولا بـيـن “ الـحـسـيـنِ “ و “ حـرمـلـةْ “ ؟

 

فـمتـى تـفـيـقُ مـن الـسـبـاتِ  جـمـوعُـنـا

الـمُـسـتَـغـفَـلـةْ !

***

ثانيا: القراءة النقدية

لايزال الشعر لسانًا احتجاجيًا يشكل الحدث الاجتماعي ببعده الأخلاقي والاعتباري سؤاله الكبير في دائرة الأسئلة الواعية والمتهكمة والمتندرة، يظهر الوعي ثيمة مضمرةً في الخطاب الشعريّ، ويحضر التهكم والتندر إشارة بليغة تزيد من فرص تفاعل المتلقي وانشداده مع النصّ من جهة، وتستبطن علائقية الوعي بكل تجلياته حين يغدو كل شيء مثارا للسخرية والتندّر والمفارقة والعجب.

 

نص السماوي نص جماهيري ينتمي الى اللون السياسي الذي يعتمد على الوضوح والمباشرة لتحقيق الحالة التواصلية في الخطاب، وهذا لايعني أنه يخلو من عناصر التوظيف الشعري وجماليات الأسلوب الأدبي المتغيّى من الشاعر كما سيتضح في هذه المقالة.

فحيرة السماوي الشاعر العضوي المسكون بوجع وطنه، والمأخوذ به عشقا حلّاجيًّا، لا يأبهُ: أكان الموت على مقصلته أم في كانونه الشعري؟!

 وحبال الأسئلة يلتفّ على بوحه ويأخذ بخناقه وخناق كل العراقيين على ذات المقصلة.

(الدارُ ثكلى والمدينةُ أرملة)  يستحضر السماوي في هذا الوعي صورتين مؤلمتين للمرأة العراقية المفجوعة بالفقد:

الأولى: الدار (الأم)الثكلى بفقد أولادها، وماذا بعد الثكل غير انطفاء جذوة الحياة وتشييع الفرح وانكفاء تلك الدار وطنها الصغير؛

 إنها بإيجاز  أم معطّلة من (معنى الأمومة). وما أكثر الثكالى في العراق!!

والثانية: المدينة (الزوجة)  أرملة .

وهنا تستجلي صورة الانكسار والاغتراب وغياب الأنس، والمدينة الموحشة .

بتكثيف أعمق وأدلّ ؛ إنه انتظار لغائب لايأتي .

(وطن تسيده اللصوص…)

اللصوصية والسيادة منهج تجاوز فكرة السرقة المنظمة الى حالة ينتهجها أرباب السلطة؛ إذ تُعين دلالة التلصلُص اللغوية على الخفاء والتجسس والظلام؛ لذلك يعقدون صفقات نصف الليل في (الغرف المظلمة) تطابقا مع صفة اللصوصية المناسبة لهذا المعنى.

ثم يشير الشاعر بقوله (المتجلببون بطيلسان البسملة)  إلى تماهي بعضٍ منهم بستار الدين، إذ يرتدون طيلسانهم: (الطيلسان وشاح ديني يضعه رجال الدين على كتفهم تمييزا لهم من غيرهم) وهنا يكني عن الساسة المتسترين باسم الدين؛ للتدليس عن وجههم الآخر المخبوء تحت الأردية والبسملة اللفظية الخالية من أدنى مصاديق القلب والمعنى.

يعرّض الشاعر بقوله(فإذا حفاة الأمس) - بتهكم لاذع-  بحقيقة واقع هؤلاء الحفاة متعجبا من دول الأيام كيف أمسوا وكيف صاروا؟! ويزيد من حيرة الشاعرة هيمنتهم المطلقة على مقاليد الحياة وتقييد الحريات والاقتصاد وقوت الناس.

وليس للجائعين غير سلاح سيف الحوقلة وهذا في الفهم العام أقل سبل الاحتجاج بل هو وسيلة الضعفاء والجماعات المأخوذة بالقهر والخوف والتجويع!!

تتسع حيرة السماوي تعجبا ودهشة؛ إذ تساوت مصاديق الفضيلة والرذيلة لديه:(ولم استحلنا لانميّز بين حلاج وحجاج.. وفلاح وسفاح)

تمثيل يشي بمرض مجتمعي جراء ازدياد سطوة القهر، فهل يتساوى (الحلاج) أيقونة التصوف ورمز الإنسانية والصفاء والعشق الإلهي مع (الحجاج) أيقونة البطش والهتك والتجبّر ؟!!!

وهل يتساوى الفلاح مثقف الأرض وموقد الخبز مع سفاح يلتذ بدماء شعبه؟ فبين جرس الجناس (حل . وحج + اج) و( فل. سف+ اح) تناغم في الإيقاع الصوتي وتشاطؤ في المعاني السامية وضدها، فذلك حمل آخر من الشاعر للمتلقي على المفارقة والدهشة!!

ويسدل السماوي الستار على حيرته باستفهام لتمثيل بائن الافتراق والقياس: أن يتساوى الحسين وحرملة!!!، ولنا أن نتساءل لماذا اختارالشاعر في جهة التضاد مع الحسين “حرملة” مع وجود نماذج أعلى تمثيلا منه، كالشمر وابن سعد ويزيد؟!

وهنا اعتقد أن الموضوع ليس له علاقة بالتماثل الوزني (حرملة، مستغفلة) مع فرض احتماله؛ لكن الشاعر آثر اختيار حرملة بوصفه الاسم الاكثر وخزا لجراح الامام الحسين، فقد تركت سهام حرملة بحق من أصابتهم وقعا وألما لايسكن في قلب الحسين وضمائر الاحرار؛ لذا يعد اسمه مصداقا للقبح البشري في ذاكرة الشر منذ التاريخ الاسلامي وحتى يومنا هذا !

صورة مسخة للإنسانية في قبالة أعلى مصاديق الرحمة المحمدية أبي الأحرار ليحملنا استفهام السماوي الأخير على الاستفاقة والوعي من يقظة الاغترار والتضليل التي تمارسها الجماعة الضالة  المتمثلة مصاديقها في النص.

 

د . محمد الواضح

 

نبيل عودةتعرضت قبل سنوات، لتهجمات شخصية تحت صيغة ملاحظات نقدية، بسبب رواية كنت قد نشرتها تحمل عنوان "امرأة على الطرف الآخر" بحجة انها مليئة بالجنس، واليوم تكرر الهجوم برسالة من "مثقف كبير" قرأ الرواية واثاره الجنس في الرواية .. ربما من "قصر ديلك يا أزعر" فأرسل لي رسالة "نقدية أخلاقية" مليئة بمواعظ  لا شيء ثقافي فيها.. الا اذا اعتبرنا التفاهة جزء من الثقافة.

الأمر الأساسي الذي اعجبني إني تلقيت اثباتا على نجاحي في صياغة نص روائي جذاب، معبرا عن واقع انساني هو ضمن حياتنا الاجتماعية وحياة سائر المجتمعات.

بالطبع ليس هذا ما دفعني لكتابة هذه الملاحظة الثقافية، فرأي شخص متحجر ومغلق لا يهمني، انما دافعي لكتابة هذه الملاحظة الثقافية عن الجنس في الأدب، انني حتى اليوم لم اقرا أدبا يستحق تسمية رواية او قصة او شعر، دون ان يشمل الجنس بمفهومه الشامل، من أبسط أشكال العلاقة، حتى أكثرها عمقا وتوترا وانصهارا.

هل من ادب عالمي خلو من المرأة والرجل والجنس؟ وهل من ادب عربي، يستحق تسمية الأدب بدون ان يكون الجنس او العلاقة مع الحبيب او الحبيبة، في مضمون النص النثري او الشعري؟

من أعظم الروايات العربية التي اسرتنا هي رواية جنس مباشر، وأعني رواية "الخبز الحاف" للكاتب المغربي محمد شكري.

المرأة في الأدب، ليست مجرد شكلا هندسيا، انما انسانا كاملا، بايجابياته وسلبياته، تماما مثل الرجل. والعقلية التي تظن ان الرجال قوامون على النساء، وأوصياء على الأخلاق حتى في النص الأدبي، هم نبتة غريبة في المجتمع البشري المعاصر. هم بقايا منقرضات مصيرها الاختفاء. وكل ما يعبرون عنه من أفكار محافظة ومن رفض للجنس في الأدب، سيكون محط سخرية وهزل، والمضحك انهم اذا ما تحدثوا عن سجلهم العشقي، نراهم يتفاخرون ويتباهون بإنجازاتهم الرقمية .. فبأي حق يصبحون قضاة اخلاق عندما يقعدهم العمر؟

التراث العربي على اختلاف ابوابه اعتنى بالجنس، ويندر وجود كتاب تراثي خلو من المواضيع الجنسية. هناك كتب خصصت للجنس فقط، مثل "نزهة الألباب"، و "رجوع الشيخ الى صباه" و"تحفة العروس ومتعة النفوس" و "الروض العاطر" وكتب تراثية هامة خصصت ابوابا للجنس، مثل كتاب "الأغاني" و " العقد الفريد"، و"نثر الدر" و"الامتاع والمؤانسة" و"البيان والتبيين". تقريبا لا يخلو كتاب تراثي او حتى ديني من مواضيع الجنس والحب والخلاعة والمجون، بل والشذوذ الجنسي ..

هل ما كان مسموحا الكتابة عنه في الماضي، ممنوع اليوم؟ وهل الثقافة الجنسية التي انتجتها مجتمعاتنا القديمة، كانت شرعية، واليوم تسحب شرعيتها؟ ربما يجب جمعها وحرقها حفظا لأخلاق العرب؟

 الجنس ممنوع اما زواج المتعة وزواج المسيار وزواج السياحة و30 نوعا آخر من فنون وجنون الزواج او الجنس الاباحي للدقة، وملايين الأطفال بلا اب هم حالة أخلاقية ومأساوية في المجتمعات العربية، هو امر متاح، ورواية تعالج واقع اجتماعي تسحب شرعيتها وشرعية كاتبها؟

اذن يا عزيزي الناقد آسف لأني أثرت شهواتك العتيقة، وذكرتك بأيام ركضك وراء التنانير .. ويبدو ان غضبك بسبب فشلك في الوصول الى مبتغاك وانت شاب، فكيف هي حالك اليوم وقد صرت مجرد مراقب محروم يشتهي ما يرى، فيصب غضبه على نص أدبي يذكره بانه كان صائدا نسائيا فاشلا؟

هل حان الوقت حسب تفكيرك لحرق كتب التراث العربي التي جعلت من الجنس محور مواضيعها؟ اذكر ان أحد كتاب مصر السلفيين كان له موقف مشابه لموقفك قبل سنوات طويلة، وجعل من نفسه سخرية للأدباء المصريين.

 هل بإمكانك عزيزي الناقد ان تشير الى رواية عربية جيدة لا مكان فيها للجنس؟

هل قرأت رواية "بنات الرياض" للكاتبة السعودية رجاء عبد الله الصانع التي تحدثت عن العلاقات بين الجنسين أي بين الرجال والنساء داخل المجتمع السعودي المحافظ والمغلق لدرجة نفي المرأة بل ونفي انسانيتها، الكاتبة الجريئة لم تتردد في تصوير العلاقات الجنسية، وهذه الرواية نجحت بشكل كبير جدا وربما كانت من أكثر الروايات العربية توزيعا ومبيعا؟

اعرف ان الأدب العربي المعاصر يواجه محاكم تفتيش دينية في العالم العربي. تمنع نشر بعض الكتب، وتصادر كتبا بتهم انها تخدش الحياء، لكن لا تخدش حياء زواج المتعة، وتسجن كتابا بتهم الكفر.

الموضوع ليس ما يطرحه الكاتب في اعماله الإبداعية، انما قدرته على التعبير عن عصره بكل تشعبات هذا العصر وتناقضاته. وبلا شك ان الجنس يشكل حيزا واسعا في حياة الانسان والمجتمع. ان التغاضي عن الجنس تحت ستار الأخلاقيات هو أمر مناقض للأخلاق .. بل دجل أخلاقي وزنى فكري لتغطية القمع الثقافي والفكري.

يدعون الطهارة بينما يرتكبون كل الموبقات وأعمال الفساد الاجتماعي والسياسي والثقافي، وهو أكثر حقارة من الزنى الجنسي.

الجنس هو من مكونات الحياة الإنسانية، والأدب له وظيفة بصفته تعبيرا عن الوعي الاجتماعي الإنساني، ولا يمكن ان يكون خلوا من علاج قضايا الجنس بكل ابعادها الإنسانية والأخلاقية.

 

نبيل عودة

 

 

حيدر عبدالرضاالعلاقة المونتاجية في وظيفة الأنموذج الشعري

الفصل الثاني ـ المبحث (5)


توطئة: يتضح ونحن نعاين تجربة أعمال الشاعر علي الأمارة، إلى أن مجالات وظائف قصيدته تتشارك وتتنافل مع مجالات خاصة من آليات وأدوات وتقانات سينمائية جاذبة الفعل القرائي نحو خصائص متميزة من نوعية مؤولات ذات غايات موضوعية دقيقة، على العكس مما نجده في حدود وتيرة المنجز الشعري التقليدي لدى الشعراء . فالشاعر كان أكثر تعضيدا في مسار اشتغالات دلالاته المتنية صعودا بها إلى ذلك الحضور الشعري المتمركز في حيز من تقانة (مونتاج العلاقة الشعرية) المبثوثة على هيئة مقصديات إيحائية لافتة في سياق اللقطة الشعرية المحفوفة بأجلى سمات الصنعة الشعرية المؤثرة .

ـ الحساسية الشعرية ومنظور الانعطافة اللقطاتية

أن عاملية الطبيعة الشعرية في مكونات قصيدة الشاعر، دائما هي ما تتشكل وتتلون وتختلج وفقا إلى ما تثيره علاقات الشكل الوظيفي والموضوعي في وظيفة النص، لذا وجدنا في نموذج قصيدة (مدينة .. بلا أمكنة) تضج بمحمولات الشكل الحواري ـ المونتاجي ـ اللقطاتي، استثمارا فريدا نحو خلق دوال صورية مدعومة بظاهر (الصيغة / الملمح / المسكوت عنه) فالأشياء في علاقات هذه اللقطات الشعرية، تعد بمثابة الطاقة الكامنة في الوعي الإمكاني، وما يستتبع هذا الوعي من التأثير في مجموعة الوظائف المونتاجية، التي ينظر من خلالها إلى الدلالة المضمرة في النص، على أنها الصورة المتعددة في العلاقة الواحدة من التكوين الموضوعي في محققات النص النوعية:

ـ ألو

ـ أهلا

ـ ألا نلتقي .. ؟

ـ أنا رجل بيتوتي

من البيت إلى النص

ومن النص إلى البيت

ـ ولكن بحق الصداقة ..

ـ أين نلتقي .. ؟ / ص6  قصيدة: مدينة .. بلا أمكنة

أن حوارية المقاطع المونتاجية، تتوفر على مساحة خاصة من الأسباب العلائقية المتعينة في حضور النص ـ امتدادا لها نحو الوظيفة القولية الممسرحة ضمن تواصلات خاصة مع الحال الفعلي للسارد الشعري، وبهذا المعنى تبدو وحدة الانتاج في القصيدة، وكأنها الظاهرة المخصوصة من الشاعر وإلى الشاعر نفسه، لكنها على صعيد اللقطة المنظورة تبدو لنا عبارة عن تشكلات في ظل شعرية مشهدية ضاغطة بإتجاه التجاوز والتخطي الذاتي، وهذا ما وجدناه في أحوال النص: (أنا ـ رجل ـ بيتوتي ـ البيت ـ النص) وبذلك يمكننا القول أن فاعلية الصفة الحوارية التخاطبية في مشهد اللقطة، لا يتوقف عند حدود الملفوظ فحسب، بل أنها حوارية تداخل نعاين من خلالها مواقع (الذات ـ الموضوع) اقترانا بذلك الانفتاح الوظيفي بأبعاد الذات الساردة:

نار جيل ونار أجيال

نتنفس الأحلام والترانيم

نسحب هواء المدينة النقي

دخانا

لكن الماء ..

ليس حميما ... دائما ... !

لا شك أن الانعطافة الدوالية الأخيرة، تظهر لنا مدى فعالية القطع اللقطاتي، المتجسد في جمل (لكن الماء .. ليس حميما) وبهذا الاعتبار القولي والدلالي تفصح لنا معادلات القطع المونتاجي مجالا داخل مساءلة كينونة (الماء) وهو ليس الماء في مادته العينية، بل إنه المستعار في أنتاج المعنى الآخر من اللفظ والكيفية الدلالية الأحوالية . أما الحال في موجهات اللقطة الثانية من النص والتي جاءت بعنوان منتظم (سجن نقرة السلمان):

السجن قفص صدري

ينشد فيه القلب

اسفار العزلة

ويؤرخ أبجدية البياض . / ص 15

أن طبيعة النسق البنائي والتشكيلي في هذه المقاطع، جاءت لنا بجملة استدلالات في الرؤية والمعادلة الموضوعية، وبقصدية مونتاجية واضحة ذات علاقة كامنة ما بين الموصوف والدلالة القطعية في جملة (أبجدية البياض) أو جملة التوحد مع الذات القطعية في (أسفار العزلة) إذ تمثل هذه المقاطع عينها من جهة هامة، تشكلات استعارية ذات أبعاد متمركزة في فواصل القطع الزمني (المونتاجي) بحيث يمكننا الاستدلال منها على روح الموازنة الشعرية المرهونة بقصدية قوة الدليل الموضوعي: (ليست ثمة جدران .. سوى الوهم .. حين تتوجك العراءات .. حلما)  إذ تتنازع الدوال ضمن وساطة مونتاجية فاعلة تواجهنا منها الاستجابة القرائية إلى رغبة في التأويل الموضوعي المتعدد عبر كيفية تراتيبية ساحرة في القول الشعري (سوفَ تتيهْ .. سوفَ تتيهْ.. وتصبحُ ملكَ الضلالةِ .. يصبحُ ماؤكَ جمراً .. ودمعكَ خمراً .. فهلْ تحتسيهْ ..إنها .. محنةُ المبتلى .. بأبيهْ ! . /ص19 قصيدة: الإرث) فخاصية التوليد المونتاجي الدلالي تكتمل ضمن حدود الذات الساردة، حيث تكتفي هذه الذات من محاولة تقديم طاقة لغوية مضاعفة في الاستجابة والتمثيل الصوري، فيما تشتغل بنية العنوان (الإرث) على ثنائية حضور ـ غياب، وصولا منهما إلى وضعية المثول داخل علاقة شعرية متحكمة بأبعاد الملفوظ بالزمن والمكان والموصوف ذاته، وقد يقترح فضاء الملفوظ حضورا بدلالة أفعال الإزاحة نحو مكامن خاصة من المشهد الشعري .

ـ الجمالي والتأثيري في قصيدة النموذج الشعري القصير .

أن مشروعية بناء النموذج الشعري القصير في عوالم شعر علي الأمارة، تتنامى من خلاله صياغات متوازية من علاقة البنية القصدية المحفوفة بأعلى مستويات شعرية الظل ـ التوقيعات، كما أن الترابط ما بين دوال هذا الشكل الشعري القصير، تحكمها مكاشفات البنية التفارقية المحكمة والمباغتة في مدى تصويريتها الإيحائية ذات الضربة الموضوعية الموفقة:

رياح واقفة

مدن متنقلة

نساء جميلات حدّ الرجولة

ساعات عاطلةٌ ملعقّةٌ

على حائط القلب .. / ص 35 قصيدة: تركات

يندفع الدال الشعري باتجاه رؤى تشكيلية تجمع ما بين زمن الأشياء المثقلة بانعكاسات وجودية ذاتية معطلة في تواصلاتها من الشاعر مع حركة الحياة والزمن، بالإضافة إلى ذلك تنحصر دلالات الأمكنة ضمن تحصيلات ذاتية منفردة في مجال تأملاتها المشهدية القصيرة .

ـ تعليق القراءة:

عند نهاية مبحثنا نرفد عتبة تعليق القراءة بهذا القول الآتي: أن مجالات الكتابة الشعرية في عوالم شعرية الشاعر علي الأمارة، تحكمها استراتيجية اللغة ذا الحساسية التصويرية المضاعفة، وقد تصل آليات النص الشعري إلى حد أستثمار تقانات متعددة من مجال الفنون الأخرى القولية والبصرية منها، بما يجعل من اللغة الشعرية في قصيدة الشاعر حمالة لأوجه فنية وأسلوبية ونوعية جادة وجديدة، وعلى هذا النحو وجدنا التقنية المونتاجية حاضرة ضمنا في أداة الوظيفة الشعرية في قصيدة الشاعر، إلى جانب توفر تصورات مثيرة من بنية النموذج الشعري القصير، الذي تعاملنا وإياه في مباحث سابقة على زمن هذا المبحث، غير أن تعاملنا هنا جاء في سياق آخر وموضوعة أخرى من أبعاد المقاربة المختلفة، وللشاعر مسارات مختلفة من الأداة والخصوصية والمنظور الشعري، كما أن أبعاد الواقعة الشعرية في أعماله إجمالا تتخطى الصور والموضوعات العارية والعابرة، بل أنها ملفوظات أخذت تتلمس طريقها الصعب والشاق للوصول نحو نقطة جوهرية من وجودية علاقات الأبعاد الدلالية القصوى من أسرار لغة الشعر والشعرية .

 

حيدر عبد الرضا

 

  

2410 مختار امينعن رواية وكر السلمان للكاتب العراقي شلال عنوز..

1ـ مدخل: إن من جماليات العمل الأدبي بشكل عام الفكرة والموضوع وحرفة التأليف في القصة والرواية على وجه التحديد، فإن الفكرة هي روح العمل القصصي والروائي، الفكرة هي التي تهم القارئ، بمعنى ماذا يريد هذا العمل الأدبي أن يحدثني عنه؟ هذاعامل، والعامل الآخر أن الرواية إضافة لتاريخ الأدب، بمعنى أن هناك على سبيل المثال رواية "وكر السلمان" للكاتب العراقي "شلال عنوز" كتبت في القرن الواحد والعشرون أرّخت عن حقبة بعينها في هذا العصر الذي كثرت فيه الحروب، ورمزت بشكل مباشر وغير مباشر عن أثر الحروب في نفوس البشر الفطرية التي نشأت في بيئة سوية لحد ما، وعامل ثالث هو الوقوف على رصد التطور الأدبي الحديث في التكنيك الروائي، من ناحية الشكل والمضمون فيما ظهرت عليه الرواية في أول عهدها، ومما لا شك فيه أنها قد اختلفت عن الرواية التي مارست مشوارها الإبداعي طوال مئات السنين، وأحدثت تطورا ملحوظا من حيث الشكل والمضمون والتكنيك حتى في أفكارها والموضوعات التي تناولتها، إذ لم يكن لدى الكتاب الروائيين القدامى حرأة وعلم كاف لاختراق النفس البشرية ومعرفة ما يؤرّقها في الآن والحال بترجمة علمية للشعور واللاشعور، وإن نحت في غير التقليدي تكلّمت عن الخيال العلمي، ولعلنا الآن نشهد هذا التطور التكنيكي الذي تحلى بالعلم والثقافة والادراك المعرفي جعل كتاب الرواية يتناولون أفكار وموضوعات يرصدون في رواياتهم الحال الواقعي للإنسان بشكل أقرب للتعبير عن هموم النفس البشرية ومعاناتها وما تتوق إليه.. هذه عوامل قد تعتبر ترسيخا لرسالة الأدب وأثره على المجتمع، وفي تطوره الحداثي من خلال كل الأجناس الأدبية قد تخطى حدّ المتعة والتسلية وتعبير الرواي عن نفسه لتفريغ همومه وأوجاعه الشخصية على الورق.

فنحن اليوم أمام عمل روائي بمثابة الصرخة المدوية في وجه العالم الحديث، تصرخ رواية "وكر السلمان" صرخات متلاحقة في وجه إنسان اليوم والحقب المتوالية من الإنسان القادم، تقول وبملء فمها: "انظروا إلى أين تتجهون بالإنسان المعاصر والقادم.. إن رحى الحروب المتكررة لن تكتفي بإبادة الجنود على أرض المعركة فقط، بل تطال الإنسان خارج أرض المعركة الذي ظن أنه آمن في بيته وفي عمله وفي الشوارع والميادين، ولم يكن الأوجع للإنسان المدني أن تطاله هو الآخر صواريخها وقنابلها حيث كان، بل هي تقتل وتدمر النفس البشرية كافة، وهي الدمار الشامل على أمد التاريخ" فما أوجع ما قالته الرواية وصرخت به. 

2ـ الصورة في الزمان والمكان والإنسان:

مما لا شك فيه أن الرواية التقليدية طوال مراحلها قامت على التركيز على أبعاد رئيسية تبدو تابو مهم أصيل في التوصيف النقدي لكل الأعمال الروائية من خلال: الزمان، و المكان، والأحداث، والشخصيات الفاعلة، ولكننا اليوم نسير وراء حداثة ربما تكون فاعلة للتقدم والتطور، وربما تخفت وتثبت فشلها في الأيام القادمة من خلال الإنسان المعاصر بتركيبته الفريدة المتنوعة المحيرة، إذ أنها تتجه نحو الخروج بالأجناس الأدبية من براثن الشكلية والأطر المحددة، وترفع لواء عدم تحديد الهوية للنصوص الأدبية عبر التدنيس، والخروج عبر النوعية والانحياز في التعريف والتوصيف إلى سلطة النص، وفي هذا حديث طويل لم يتسع مجال هذه الدراسة للخوض فيه، ولنا رأي فيه من خلال مقال منفرد يعبر عن وجهة نظرنا بالدلائل العلمية، يتكئ على أن العلم التقدمي صاحب الرؤية الدقيقة إما يؤكد على هذه النظرية أو يثبت عدم مصدقيتها، ولكننا اليوم في حضرة نص واضح معرّف محدد الجنس والهوية، في حضرة رواية " وكر السلمان" للكاتب شلال عنوز..

لابد وأن نعترف كنقاد أن دراسة الزمان والمكان في الرواية بشكل عام، عنصران مهمان يرتبطان ارتباطا وثيقا بآلية التكنيك والإبداع، ورواية وكر السلمان دليل. أولا من يقرأ الرواية قراءة نقدية أو تذوقية انطباعية سيقف عند الصورة في كل فواصل وعناصر الرواية، إذ أن الصورة محرّكة الخيال وهي القوة المغناطيسية لانجذاب القارئ أو المتلقي في الأعمال الأدبية والفنية على حد سواء، وفي هذه الرواية تأخذ الصورة اهتمام العين ولباب الفكر، وهي أداة رئيسية من أدوات مؤلف الرواية، لعل من قرأ رواية دعاء الكروان لطه حسين يلمح جليا فعل الصورة في عملية الانجذاب، وحرفية طه حسين كأديب في خلق صورة جمالية ومعبئة بالفكرة وأصل الموضوع، إذ أنه نجح في تصوير الدم الأحمر القاني الرقراق كأبشع جريمة، واليد المخضبة به هي فعل شيطان مريد، كما صور كتل الظلام وسحب الغيم كصورة مفبضة للنفس البشرية دال رئيسية على الجهل وخواء النفوس وتوقها لنور العلم والبصيرة؛ تماما كالصورة المحركة الفاعلة في هذه الرواية..

2399 وكر السلمان

والسؤال الفارض نفسه تحت هذا العنوان الفرعي "الصورة في الزمان والمكان والأثر الفاعل" هل الصورة في الزمان والمكان لها أثر فاعل، إما أن تصدر أثير يتيح الانجذاب لدى القارئ، أو تصدر أثير يساعد على النفور والبعد والترك؟.

فالنتكلم عن الصورة في الزمان وأثرها الفاعل في الرواية التي تخلق البصيرة في ذهن المتلقي..

الزمان والمكان نجحا في تصوير البيئة الداخلية للبطل والشخوص المحورية، ووضعا الرواية في بيئة محيطة تؤكد على فكرة الرواية في كل تفاصيلها، عندما حدثنا الراوي على لسان البطل في أول فكرة يسوقها إلى القارئ في توصيف المجرم، كان المكان في الجامعة -كلية الحقوق- أما الزمان كان (فلاش باك) حيث مرحلة الشباب، وكان نعمان البطل في مرحلة الجامعة وهو والزملاء يناقشون نظرية لامبروزو في علم الإجرام، للخروج بالفمهوم الحديث من هو المجرم؟ وهل له أوصاف شكلية وظواهر نفسية تلمح في السلوك؟ فنجد أن هذه الفكرة هي من المحاور الرئيسية في الرواية، رغم أن الروائي ناقشها بأسلوب فلسفي ليؤكد الوقوف عند هذه الفكرة لدى القارئ، غير أنها في ذات الوقت لعبت على البعد السيكولوجي والدراسة النفسية لشخوص الرواية والبيئة المحيطة التي ترسخ الجو النفسي المطلوب لموضوع الرواية وفكرتها الرئيسية وأفكارها الفرعية الداعمة، وهذا هو الحوار الوحيد لتوصيف المجرم جاء في الأحداث الأولية للرواية باختيار ذكي للزمان والمكان من خلال الصورة في تصوير الجو والبيئة والفكرة التي يريد طرحها بأفضل شكل، حيث أتاحت صورة المكان والمرحلة العمرية التي ترمز للزمان  لسرد تاريخ حالة البطل في مراحله العمرية، كما أن الكاتب نجح في الاتكاء على الصورة لتصوير الحالة النفسية للبطل من خلال الخلية الأولى التي نشأ فيها من خلال تصوير لقطات ذات ملمح لأسرته تؤكد على تاريخ الحالة للبطل في زمان ماض (كفلاش باك) كما تابع هذا في تطور مراحل البطل العمرية، وعند  التحاقه بالعسكرية وذهابه للجبهة أجاد إجادة ولا أروع في تصوير لقطات ومشاهد لصور حية للغارات القتالية من العدو على فصيلته في أحد الخنادق، وقد قتلت القنابل والصواريخ كل زملائه، وهو يشاهد أشلاء الجثث بعينيه ويحكي عن مواقف بعضهم قبل الموت ويقص علينا قصة حياة البعض منهم، ويسرد لنا أحلامهم وأمانيهم، وما ينتظرهم من خط مستقبلي مفروض عليهم لا يسمح لهم بمط خريطة الأحلام لتحقيق مستقبل فوق سقف الواقع المعاش في ظل وجود الحروب المستمرة التي يخوضها العراق مرغما حين، واستعراض للقوة في حين آخر في ظل حقبة مضت من تاريخ العراق في ظل حكم صدام حسين..

كانت الصورة هي الأداة الأولى في تصوير هدف الرواية ومرور فكرتها التي اعتمد عليها الكاتب بإتقان يحسب له، صورة لم تكن عشوائية ولكنها صورة تصور لقطات ومشاهد خاطفة تنور على الهدف من خلال البصيرة..

إن الرؤية البصرية في الأعمال الأدبية والفنية هي أوقع عنصر للجذب في العمل الأدبي والفني للمتلقي، وهي لم تعمل فقط على الصورة المباشرة وتأويلها على حدود اللقطة، ولكنها في المكتوب المقروء بالذات تستخدم دلالات عدة لعناصر أخرى مساعدة للتتحايل على العقل والخيال لدى المتلقي، إذ أنها ترتع في تصوير المكان والزمان وتركيبة الشخصيات وخلق حيوات خاصة لهم تناسب هدف الفكرة، وفي هذا براعة في التكنيك القصصي والروائي من حيث التأليف الذي يناسب ويتضافر مع الواقع بحيث يشعر المتلقي أنها شخصيات حقيقية، ومواقفهم قد حدثت بالفعل، وفي هذا قمة خيال الكاتب أن يصور حكاية من خياله يصدقها القارئ على أنها واقع قد حدث ويحدث وسيحدث، فالرؤية البصرية كما أنها تعتمد على الصورة، تعتمد أيضا في حدود المقروء على عامل اللغة والحوار والموقف المحبوك، وفي بناء الشخصية المحورية والشخصيات المعاونة، فكانت اللغة لغة طبيعية تشبه الحياة والواقع بشكل كبير، تخلت عن البلاغة الظاهرة في الألفاظ وبناء الجمل، وتخلت عن إكسسوارات الزينة والألوان الزاهية كما المعروضات في فاترينات محلات الهدايا في محفل الشعرية، رغم أن عهدنا بالكاتب أنه شاعر بليغ، وهذا أعده للمصداقية الخالصة والأمانة في حدود جنس الرواية كرواية هدفها موضوع بعينه يمرر فكرة تأثير دمار الحروب في الإنسان،  وأن هناك روائيون كثر يسقطون في جب سحيق في معيار اللغة، ويخفقون في اختيار اللغة المناسبة التي تناسب موضوع عملهم الأدبي وفكرته، ويميلون لتذوق حلاوة الألفاظ على ألسنتهم، وبناء المقاطع اللغوية الرنانة بشعرية رمزيوة معتمة لا توضح المعنى المناسب والمطلوب، وأيضا اعتمدت الرؤية البصرية على تركيب الشخصيات المذهل من أول خلق شخصية البطل "نعمان" بدقة وتوصيف واضح، والبناء الشكلي الخارجي، والبناء النفسي الداخلي المغاير، ونجح في تصوير صراع الشخصية الداخلي، واعتماده على المنولوج الداخلي والحوارات والأفكار التي يناقشها الكاتب مع نفسه، ومدى التحكم ورباطة الجأش والبطل يتعامل مع الشخصيات المحيطة به ليبدو متألفا معهم، وأنه منهم، ومماثلا لواقعهم، وفي هذا نصيحة للكتاب الجدد، عليهم الاعتماد في رواياتهم على المونولوج النفسي بقدرة تكنيكية لأنه وسيلة فريدة في توصيف الشخصية، وبساط سريع كما البرق لمساعدة الكاتب للتعبير عن فكرة عمله الأدبي بشكل مباشر وربطها بأفكار فرعية مساعدة، ونجد هذا في تصوير أم البطل المرأة العربية العادية البسيطة التي كل همها ودورها في الحياة الحفاظ على البيت والأسرة وتربية الأولاد ومصادقة الزوج والنرطيب عليه من منغصات الحياة، والأب الرجل العربي الذي يحرص حرصا دائما على توفير مناخ صالح لأولاده وتعليمهم وتربيتهم وفق ضمير مجتمعي عادل..

في تركيبة الشخصيات عمل الكاتب بشكل غير مباشر على تصدير فكرة العدل من خلال أسرة البطل، لتكون فكرة تأخذ كفة الميزان الأخرى معادلا لفكرة الحرب المدمرة الغاشمة التي ينقصها العدل والصمير.يلاك

أما أن الحديث طويل عن كل عنصر من عناصر التكنيك ومدى إجادة الكاتب في العمل عليه بإتقان وحرفة من خلال رواية "وكر السلمان" للكاتب "شلال عنوز" لا يتسع مجال الدراسة للحديث عنه بالتفصيل الدقيق آملا أن تكون القراءة  تفتح طريق الوعي للكتاب الجدد، فلابد أن أعترف على آخر سطور تقريري هنا أن رواية "وكر السلمان" من أروع الروايات التي قرأتها في آخر عام 2020   حتى الآن .

 

بقلم/ الدكتور مختار أمين ـ مصر

 

حيدر عبدالرضاالوقائع الروائية بين الرؤية من خلف ودليل قرائن الغياب الذكوري

الفصل الرابع ـ المبحث (1)

توطئة:

ينفرد الأسلوب الروائي في أحداث وزمن شخوص رواية (حديقة حياة) بما يمكن لنا فهمه بذلك الإطار المنصوص عليه عبر وظيفة المونولوج أو تيار الوعي، مع الملاحظة بأن طبيعة اعتماد الضمائر السردية في النص جاءتنا على هيئة تداعيات وايهامات تبنتها إمكانية العلاقة المتداولة سردا بين ضمير السارد والشخصية حياة والشخصية ميساء البنت الوحيدة للشخصية الأم حياة، وقد تناوبت متواليات السرد ضمن مؤثرات ومؤشرات داخلية وخارجية عبر وسائل السارد وبطرائق تقنيات الاسترجاع والاستعادة المتداخلتان في حدود متواترة من انتقالات خيوط الأحداث المحكية مع بعضها البعض صعودا نحو مسار من الرؤية السردية المكثفة .

ـ اللغة الروائية بين ذاتية السرد وموضوعية البناء النصي .

منذ بداية الرواية ونحن نواجه مأزومية المرأة، كوحدة إشكالية موضوعية إزاء تقاطعات وتفارقات الحياة والقدر والمصير وسوء الطالع . فالعلاقة ما بين الشخصية حياة وأبنتها ميساء تشكل بهذا الاعتبار الصورة الاغترابية الناتجة من منغصات الظروف الحياتية في ظل الحروب وغياب الذكورة، كحقيقة تشاركت في سيرورتها عوامل وعناصر تلقائية وعشوائية ومشيئية ودكتاتورية هي من صنيع الحروب وأربابها وإلتباس المواقف العاطفية وتخاذلها من قبل حيوات عالم النساء الوحيدات في مدن الدخان والشظايا: (تعرف المرأتان أن لا سبيل للتراجع، فقد قالت الحياة حكمتها ورضخ القلب، لا مجال للتراجع، فمهما يحدث للإنسان لابد أن يمضي قدما / ومثل من يسحب خيط ضوء من كتلة ظلام صلدة تسحب ميساء بإصبعين راعشين حلم عودته المستحيلة وتضع الحلم مثل تعويذة عتيقة أمامها.. تفتح النافذة وتناديه لعله ضجيج الحياة وحركة الريح في أشجار الشارع تحمل نداءها: عد.. ألا تعود؟.. تعال.. دع الصيف يسهر على يدي.. تعال ليفتتح المضيع في جسدي.. عد.. أين أنت؟. / ص6 الرواية) وفي هذا الإطار من قابلية المونولوج ـ الإطراد السردي الداخلي، تفصح لنا محكيات السارد عن منجاة الشخصية ميساء إلى ذلك النوع من الرجال ممن يحسنون لعبة اللامبالاة أو التنكر في لبوس عواطفهم نحو المرأة . فقد نتعرف على شخصية ـ زياد ـ دالا على هذا النوع في سياق الذكر الغائب في أسفاره الدائمة بعيدا عن موقعية التلاحم والحضور إلى جانب الشخصية الهائمة بحبه ميساء: (لا يستعاد شيء تهاوى ؟ هذه عبارة أمها التي لم تقلها، أنما تبلغها بهذا الصمت والتجاهل الذي تقابلها به كلما أشارت إلى قصتها مع زياد.. تسمع ميساء أو لعلها كانت تستعيد بإيحاءات من يئسها.. تسمع بلبلة لغات مختلطة تتشابك فيها الغايات بالأهواء بالقسوة والأمنيات والوقائع الصادمة . / ص7 الرواية).

1ـ الفاعل الشخوصي وأوهام مؤولات الفراغ العاطفي:

تسعى الشخصية ميساء إلى محاولة أبتداع لذاتها القامطة مناخات خاصة من مؤولات كاذبة، واهمة، مصدرها فعالية العاطفة المتوقة إلى مساحة منسجمة مع سراب ذلك الآخر ـ زياد ـ وعلى هذا الاعتبار بأن الأم حياة تستنزف في حالها ذات العلاقة من الفقد والفقدان، إذ إنها تشقى كثيرا من شعورها بالحرمان من فقدان زوجها الذي غدا مفقودا في ساحات الحرب، إذن فإن الحكاية الروائية بهذا المسار، تعرض لنا مواجهات قاسية من طرف المرأة إزاء غيابات الذكورة في مواقع مدينة تتنفس الدخان والموت والأوصال المبعثرة هنا وهناك من قتلى الحروب: (رجال المدينة ما عادوا يرون الزهور ولا بوسعهم التمايل مع الريح أو إيقاع موسيقى ولا يستطيعون ترديد كلمة عذبة لتتوغل موسيقاها في نبراتهم الجافة . / ص8 الرواية) إن حالة استقصائية أحاسيس النساء في زمن غياب الرجال في خنادق الحرب أو المعتقلات، صار دليلا شاخصا على أن المرأة مادة حكائية متفردة في ذاتها الناسجة لأهم وأسمى مشاهد حكايا الفراغ العاطفي لديها، وقد وضعت المبدعة الكبيرة لطفية الدليمي، مصائر شخصياتها النسوية كعادتها في مجمل رواياتها وقصصها القصيرة من معاناة هي حصيلة حساسية الأنوثة البالغة والمفرطة في حرمانها العاطفي واضطهادها من قبل مجتمع القمع الرجولي والسياسي إلى أقصى درجة ما من مستويات العمق المعنوي والمادي . نجد في فصول الرواية الأولى مدى احباطات الشخصية الأم حياة مع أبنتها ميساء من جراء فقد الحبيب والزوج في دوامة الظروف غير المعلنة في الرواية ودوامة الحروب: (أصابع الأم تأخذ الزهرة بحنان حذر.. تمسكها من ساقها النحيل المبلول وتضعها في قدح ماء: أعجوبة.. أليست أعجوبة يا أمي ؟؟ عندما فقد أبوها في الحرب.. أمضت ميساء عامين في ذهول وغياب وهي تتعذب في كوابيس مروعة، طحنت طفولتها وسممت حياة الأم.. كانت تسمع أصوات وصرخات تنبت من الجدران أو تتعالى من الأثاث.. أصوات مجسدة ضخمة لها حجم منتفخ كموجات الضباب.. تتطاول أو تكبر وتملأ الغرفة والهواء . / ص9 الرواية) .

2 ـ الفضاء الشخوصي بين الاستعادة الزمنية ومحاور الإيهام:

عالجت الكاتبة لطفية الدليمي في دلالات أحداث الفصول الأولى من روايتها، ثمة تمظهرات نفسانية معادلة إلى حجم موضوعة الفقدان والقنوط من جراء غيابات الزوج مفقودا في الحرب، وهذا الأمر ما ضاعف تصوير الجوانب التحتانية من وقائع الشخوص الداخلية، لذا وجدنا الأم حياة تشغل ذاتها المثقلة بأورام ومخلفات الفقد الزوجي من خلال معاينة نمو فسائل حديقتها وثمار أشجارها وتفتح أزهارها، فيما أخذت ميساء تترأى لها جملة أصوات منبعثة من مفاصل الأثاث المنزلي وزوايا وسقف الغرفة، وهذا المعادل النصي يخبرنا عن فداحة أصوات القتلى في ساحات الحرب وذكراهم المتجسدة بمحور وظيفة فقدان الحياة المادية إلى أولئك الجنود القتلى والمغيبون، إذ وجدنا صورة البراعم من جهة ما في حديقة الأم حياة، بمثابة المعادل الموضوعي للأرواح الشاردة والنافرة من شوارع الجبهات حيث الخنادق والموت المتكاثر: (تتساقط مياه غزيرة على أشجار التين والنارنج في الحديقة وتنساب قطرات المطر على الأوراق الخضراء وتتقطر من جديد.. وعندما تسكن العاصفة.. تتحرك أضواء بعيدة في الأفق.. ثم يلوح لها وجه أبيها ويصطبغ العالم بلون وردي ويضاء المكان وينحل الظلام إلى غمائم والأصوات إلى نغمات غناء: أبي.. أبي؟ تناديه ولا تحرك شفتيها المضمومتين على الرغبة المستحيلة: أبي؟ . / ص9 الرواية) من هنا يمكننا معاينة مستوى شيفرات العلاقة المتداعية ما بين حياة وأبنتها المهووسة بأحلام وأوهام مناجاة تواتر أصوات الأمنيات من مظهر عودة ذلك الحبيب ـ زياد ـ وإلى مستوى لهفتها إلى محاورة موقع والدها وهو في أشد مواقع المتشظى والمنشطر في مسار خبر العدم، وهذا الأمر ما جعل من الشخصية رازحة تحت عبء عقار المهدئات وتداعيات الذاكراتية، كمواضعة مونولوجية داخلية تحكي لذاتها عبر أصداء مجموعة من الأصوات والصوت الواحد من محورية الغياب وتفاصيل المغيب .

ـ كائنات الآخر من الحلم وخصوصية ما وراء الواقع

أن ما يميز الفضاء الخارجي عبر رواية وأحداثها هو ذلك المجترح من خلال (الآخر المجرد) إي أننا نصادف في أحلام الشخصية ميساء في أثناء غفوتها اليقظة من جراء المهدئات، ذات الملامح من العوالم المتخيلة، التي تبدو لنا للوهلة الأولى وكأنها تبئيرات معادلة موضوعية للأمكنة والأزمنة المفقودة في واقع حياة الشخصيتان (حياة + ميساء) فالواقع الحلمي للشخصية ميساء عبارة عن تشخيصات وهمية للأمكنة الخارجية والأشياء الواقعةة خارج أفق تحركات الشخصية، ومن هذا المنطلق الإبهامي، نعاين هذه المقتطفات من وحدات السرد: (ترى جنات وروابي معشبة، ترى أشجارا مثقلة بالثمار، ترى النهر يفيض على الأجراف وتبلغ مياهه الرائقة التي لها ألق البلور عتبات الأبواب / تسير وحدها في الماء البلوري الرائق الذي يغمر بلاطات رصيف المشاة.. تغترف منه وتغسل وجهها وترشه على صدرها.. وعندما ترفع عينيها ترى مبان شامخة في مدينة خيالها / ميساء تسمع همسا رقيقا.. تسمع أنفاسا تحس دفئا يلامس وجهها: هل استيقظت يا حبيبتي ؟.. هيا.. تحس بالنهر يجذبها إليه، جسدها الذي يسح عرقا يعوم في بلورة الماء السائل.. والنجوم لا تزال تنهمر على بغداد . / ص10 . / ص 11 الرواية) .

1ـ الفضاء المغلق والمفتوح في شعرية الأحوال:

و ينتقل السرد عبر لسان السارد والشخوص غالبا إلى نقطة من إمكانية استعادة الأحداث ضمن فضاء من التعضيد (مغلق ـ المفتوح ـ مكامن الذات) ويستبيح المجال الأنثوي لذاته أشد مسارات المتصل الذاكراتي وحدود وقائع خارج زمن حكاية النص بدءا منها نحو علاقة استعادية ـ استرجاعية، من شأنهما تشكيل وجها حلميا خاصا من معطيات شعرية تفاصيل راصدة لغرض استكمال حلقات الكشف عن دلالات عضوية في التفاصيل المفقودة من أجزاء حياة الأب حاضرا معاينا في سياق السرد: (عنقها يتيبس ويزداد تشنجه، تنهض وتمسده بزيت الخزامى حتى يلين وترتخي العضلات وتتمدد.. تلقي رأسها على الوسادة جوار صوت الرجل الذي يتنفس عبر السنوات الغاربة.. تمد يدها تحت الوسادة لعلها ترتاح في الظلمة الباردة الممتدة بين الوسادة والمفرش.. يحدثها الصوت عن زمن طاعن في القدم، يحدثها عن زمن سيأتي بعد شموس كثيرة.. كانت فيما مضى تدس يدها في يده وتنام.. ويضحكان وهما يتصوران لأبنتهما الوحيدة تأريخا حافلا بالفوز.. أريدها عالمة آثار تنقب عن العشرة آلاف مدينة التي لم يكتشفها أحد.. أنا أريدها عالمة فيزياء، لعلها تخترع شيئا يوقف تدهور الزمن في أجساد الناس . / ص11 . / ص12 الرواية) هكذا وجدنا أحلام الشخصية حياة في استعادة وتصور الحوارات والأمنيات والأحلام المعاشة مع شبح زوجها المفقود واقعا، ويعتبر هذا الفضاء المغلق من دائرة تخيلات الشخصية، بمثابة الموقع والشكل والدليل المنزاح عن قسمات الواقع المرير بحرفيته وتقريريته . فالشخصية تمظهر لنا الأبعاد في فضاء مستعاد عبر قابلية الحلم واليقظة المتصلان تعددا بذلك المجال المعادل من حقيقة أفعال وصياغة حياة ناقصة ومفككة في أوصالها وأبعادها ألا متحققة في هيئة تفاصيل الحاضر الزمني من النص . تتميز الفصول الأولى من الرواية على خلق وبث مسار الأفعال السردية ضمن وحدات من الحلم والذكرى والوهم، وبذلك تعد أفعال الشخصية في مجال حلمها، تأكيدا معادلا وتعويضا موضوعيا عن تفاصيل مفقودة من أحوال الشخصية: (تبتسم المرأة إلى جانبه وتتسع ابتسامتها وهي تمسك بيده.. ما بك؟.. ألا تراها؟ أنها على سرير المخاض.. أنت تحمل المولود وأنا أنظف عنه بقايا الدم وألبسه ثيابا أعددتها له.. أتسمعه إنه يبكي.. والله أنه يبكي.. تنسحب من القول.. تتكىء على حلمها وحدها وتدعه يضحك من أشواقها لحفيد سيأتي بعد سنين لا يعرفانها . / ص13 الرواية) .

ـ مأزق الوقوع بين واقع الإمكان وملاعبات الوهم .

يشعر القارىء للفصول الأولى من رواية (حديقة حياة) وكأنه يعاين سردا استبداليا متخيلا في محاولة من الكاتبة إلى جعل ماهية ومؤهلات عوالم نساءها، كصورة محفوفة بمصائر النأي والمأزومية ـ ابتعادا عبر زمن الأرتداد نحو رهانات المرأة مع مرارة واقعها القهري . وهذا الأمر ما وجدناه في أحوال ودلالات رواية (سيدات زحل) ورواية (عالم النساء الوحيدات) والآن الأمر ذاتها مع رواية (حديقة حياة) موضع مباحث دراسات كتابنا، وعبر الانغمار للشخصية حياة في مسار المرأة العارفة والمتبصرة التي تتصادى فيها مجمل المؤثرات التخييلية في النص، وتتساند من خلالها نواة الملامح والتقاسيم والصفات للمرأة التي تصارع الزمن عبر شرنقة مأزق الواقع والإمكان بالتواصل العيشي عبر خلجات الحلم وأوهام تصورات ماضيها مع زوجها كبدائل تعويضية تحكمها حسية الانتماء وعشق الذاكرة الدفينة في سواحل مخيلتها الراجحة نحو الإمساك بذاكرة امرأة تستهويها لعبة التمادي في الحلم واللاحلم، الواقع واللاواقع، الزمن واللازمن: (بعد سنوات عندما تكبر ميساء ويهجرها زياد إلى بلد بعيد، سوف تستعيد حياة ذكرلا هذه الليالي وأغنية فيروز والكلمات التي كانت تتكىء عليها في لحظات الضعف الإنساني.. وسوف تردد في أمسية الغد كلها.. الريح تبكي.. تبكي في ساحتي الحزينة . / ص30 الرواية) .

ـ تعليق القراءة:

من خلال ما قرأناه وعايناه في مسار أحداث الفصول الأولى من الرواية، إذ لاحظنا موضوعية اشتغال الروائية الدليمي على ثيمات النسيج السردي المستعاد، الذي راح متفاعلا وحدود تشكلات اللوحة السردية المشخصة من مسار حياة الشخصية المحورية في النص مع ابنتها ميساء، بالإضافة إلى وجود أطراف أخرى من الشخوص في الفصول الأولى تحديدا، كحادث مجيء أقارب الزوج المفقود إلى بيتها للمعالجة من مرض السرطان المتمثل في الشخصية أنيسة، وما أخذت تعززه الأحداث من متواليات ملتبسة ومأزومة في عاطفة الشخصية حياة.. وبعيدا عن أي مؤولات إضافية منا، نقول أن دلالات الفصول الأولى من النص الروائي، جاءتنا مقامات مدلولية مسوغة في صياغاتها التشخيصية الثمينة لأشد وأصعب الأوصاف والمواقف من بناء حكاية التشاكل والتمثيل الترتيبي في زمن محكيات الرواية التي أخذت تشتغل على الواقعي والمخيالي ضمن موضوعة الأشياء والمخزون الذاكراتي المترسب في دخيلة مقصدية روائية ذات مواقع متراكبة وأشكال دلالية مؤثرة وعنيفة على مستويات كبيرة من فاعليات الذات والهوية وأسئلة المصير الشخوصي .

 

حيدر عبد الرضا

 

 

 

صدرت عن دار النخبة المصرية في القاهرة / 2021 للشاعر والكاتب مصطفى محمد غريب رواية جديدة بعنوان وجوه الوسواس المبعثرة.

- "أي أوجاعٍ عندما تعتمر القلوب بالأسى والتقهقر والعقول بفقدان الصبر واللجوء الى الطاعة، اين سر الحياة في ضجيجها الذبابي وصراخها الفولاذي؟

- كيف تكون قمم التبصر فيما آلت اليه المأساة في شكلها البشري وظهرت الوجوه قرمزية الألوان؟"

المدخل الأول للولوج إلى فصول الرواية الرابعة  المتكونة من ستة فصول وفروع ثانوية ترتبط مباشرة بالتسلسل التاريخي والمتقطع في زمن حدوث الوقائع، في المقدمة  في الفصل الأول تبدأ المداخلة في سبر المشاعر المتناقضة  في تداخلها الغريب ما بين الملموس وغير الملموس، بين الواقعية وما وراء الواقعية في إطار حوار متقطع تظهر مفاتيح من خلال البحث التنويري في مغاسل العلاقات البشرية لإيجاد  قناعات بشرية بلا شكوك في قصة نجية ام سعاد  التي وقعت ضحية السذاجة الفكرية وضبابية الوعي الاجتماعي فانحدرت الى مواقع الرذيلة القسرية تحت يافطات الارتباط الشرعي بواسطة التفاهم الأحادي الجانب ثم تنقلت ما بين الشك والتآمر للخروج من شرنقة القوادة الرسمية المبنية على خداع وعي الناس الى القناعة الشخصية بأحقيتها في ثمن الدعارة غير الناقص ووقوعها في ذلك الخرف الإنساني بما يسمى " المستقبل المضمون"  إلا أنه في هذه الحالة يتغير المثل الى " القرش الأسود ينفع في اليوم الاغبر" محاولة ام سعاد وحنينها العودة لباكورة نشوئها الجنسي يظهر من محاولاتها اليائسة . الرواية جاءت على لسان الراوي مباشرة أو غير مباشرة وعبرت عن مفاصل أساسية سياسية واجتماعية من قواطع واسعة مملوءة بالحوادث وانعكاسات الوعي الاجتماعي على وعي شخوص الرواية ومدى التطورات التي ساهمت في الكشف عن الاسرار والخفايا النفسية والجسدية في هذه الشخوص للاستفسار"

2409 مصطفى محمد غريب

- كيف أنجز؟ وما هي مقومات الإنجاز جدلياً؟ ولماذا لم تنجز الأمنيات والبقاء في التمنيات؟ كنت وما زلت أفكر بعمق التجربة أو التجربة الملغية

-هل يعرف من يريد التعرف على ما أفكر به وانا صامت؟ هل يعرف من يريد التعرف على أفكار الناس الصامتين؟ 

- هل ترى كيف بدأت وجوه مضغها الوسواس وكيف بقت وانتهت باقية! " هذه الاستفسارات دائما التقصي في المكان والزمان وتحوير الوقت المزمن في  التعقيد وعلاقات الموجودات باختلاف الزمان والمكان، أن ما يدور في كواليس الحياة التي ساهمت في التكوينات الاجتماعية أثرت في نسيج الرواية التي لم تتجاوز الواقع الموضوعي إلا بالتشكيل التجريدي للتمويه وبقت في إطاره تتفاعل وتبحث لإيجاد حلول بدلاً من السرد وطرح المواضيع بدون نظرة ثاقبة في مسببات النتائج وعدم الاعتماد على السرد الممل، الملل الظاهر واللامبالاة ظاهرة تجسدها نتائج شرب الكيف " الحشيش " إنها عالم سحري من الامتثال والامتثال من التقرب والابتعاد\، الانسان الذي يخلق ضائقة نفسية غير ظاهرة حتى تتبلور لتصبح هرماً من المعتقدات والأفكار، عالم الانسان البسيط والمعقد على هاجس الابتعاد عن النفس الإنسانية ليتقمص دوراً مسرحياً لا يليق بأدائه ولا مشروع للإعداد ليجسد الحقيقة على وضعها ويختفي في التخطيط المبهم لتنفيذ رغباته الحسية والجنسية أو يتطرف في تصرف بدائي وحشي برمته لا يمت لواقع شخصيته، حوادث لتكتلات بشرية تعيش ولا تعيش وهي تركض في فسحة من الوقت ومساحة من جغرافيا التطاحن من أجل تنفيذ الرغبات الدونية فحادثة الطابق الثاني في اللوندري عبارة عن متاهات مختفية خلف هالات من التسبيح الظاهري وضحاياها المرأة التي ترى في ظاهرة بيع الجسد جسراً للعبور لكنها تكره تاريخ قوم لوط إنه طابق المتاهات في وجود قلق عما يجري في حياة المخلوقات ، بينما نرى ما جرى في المقبرة الخارج عن نطاق المعرفة الإنسانية طريقاً لوحشية تتفوق على قوانين الغاب الجنسية، وتبقى سهام المثل الأعلى في قيام الدور النسائي لمشروعية التساوي لكنها تفقد موقعها الأثري بالتجاوز على حقها لأن تعيش كما تريد بدون خلط الحدود، أما الشخصيات الاجتماعية الأخرى فهي في دائرة مغلقة لها باب واحد مفتوح تحاول الهرب منه لكن هيهات، مجمل الرواية هي حكاية مروية بطريقة تراجيدية مركبة بكوميديا ذات طابع مأساوي له قيمة أدبية إنسانية بتوارد الأفكار والافعال لتكون طبيعية في مجتمع فيه من الطبيعي الشيء الكثير واللاطبيعي منظور، المهم في التصور الوحشي التجريدي نرى الانسان كما هو دون ظواهر انعكاسات التقليد، إنسان بإنسانية غير منظورة ولعب التطور العام الديالكتيك في توضيح مغلفات الميتافيزيق في العقل البشري. إن نشوء العلاقة بين الحوادث وواقعتيها تؤكدها الارتباطات العضوية ما بين الفصول الستة ، الفصل الثاني والثالث والرابع عبارة عن سفرات داخلية تكشف ما بين العلاقة العلنية ومحتوياتها الذاتية في قضايا يعيدها الفكر إلى الوراء للتذكر والارتباط " فلاش باك " خلال العمل البدني والعمل الفكري في قضية العلاقة مع الأرمني هبرسون ثم الهروب  من ملاحقة طارق اليساري الذي أنقلب مرتداً الى الخلف وتطوع " قضية التطوع " هنا التطوع دليل على التشكيل النفسي في قضية الفكر الوصولي الانتهازي ثم قضية ام محمد المصلاوية وابنها ذلك الشرود من الضغط الاجتماعي والتشبث بالعلاقة الامومية ومقدار التضحية في العلاقة البنيوية والوصول لطريق العدم الأبدي عن طريق التضحية بالنفس، والانتقال الجديد والشخوص التي بدأت تتدحرج وتتفاعل فوق قواعد موجودة بينما تفرض الفروع بفعل النشاط البشري الإيجابي أو السلبي،

وتتابع الفصول الخامس والسادس إلى استكمال اللوحة في التسلسل التاريخي وتعرجاته في الصعود والنزول كأفعى تحاول الزحف والتسلق بغية التربص بالفريسة " سهام " بينما ام محمد تختار الطريق في الانتقال من الكبت والحرمان الجنسي الى حريته بواسطة النكاح الحلال حيث تستكمل تواجدها الروحي والجسدي وتتخلص من لصوصيتها النظرية وينتقل جواد إلى العالم الذي يؤمن به في حرية التحرك واستبدال المفاهيم التي تحدد حركته الفكرية بمفاهيم الثورة والتمرد ولكن بشكل باطني ويقوم الفصل السادس في وضع الصورة العامة في تكاملها الخاص الذي أوجد حدوداً فرضت بالإرهاب والقسوة وحجب الحريات العامة وعلى المستوى الشخصي وفيها انقاذ لميسلون وإبراهيم وعدنان وغيرهم ثم بروز الممكن من العقد الاجتماعية والعائلية وأهمية انقاذ ما يمكن إنقاذه بالسفر أو الاختفاء أو الهروب أو السقوط في براثن السلطة التي بدأت تتآكل بسبب تناقضاتها الداخلية والخارجية.. الرواية زاخرة بالعقدية التي تفرزها الاختلافات الفكرية لكنها تبرز حقيقة موضوعية عن الحياة التي كانت في تلك الفترات السياسية قد أسست لاحقاً جملة من القواعد الشاذة لكنها أصبحت عرفاً تقليدياً تخطت الأسس الدينية وكونت  لها دين خاص بها، استحقاق الرواية ليس بضرورة قراءتها فحسب بل الغور في المفاهيم الإنسانية السائدة وتعرية الغث منها ومن هنا ستبدأ المعرفة زاهية غير ناقصة، بقى القول في النهاية الرواية امتدت على (457) صفحة من الحجم الوسط وبغلاف تعبيري أخاذ يدل على الجوهر في شكله التشكيلي وتجريد الوجوه المصابة بهلوسة تجاعيد الحياة وسرمدية العلاقات البشرية في القلق على المصير تحت طائلة الوسواس المتلبس بقواعد وفروع تكاد أن تكون مرتبطة بدون حواجز وقد طبعت الرواية / دار النخبة للنشر والطباعة والتوزيع في مصر، والرواية هي (4) في التسلسل الروائي إضافة إلى وجود ( 5 ) مجموعات قصص قصيرة و(15) مجموعة شعرية  الجميع طبع  في سوريا لبنان الأردن العراق النرويج مصر . وفي نهاية المطاف تنتهي " ــــــ أواه من الوسواس الخيّال الذي يجوب بدون توقف العقول قبل الوجوه، أواه من سهولة وقساوة الحياة بين وجوه من الوسواس الباحث عن حبل النجاة وهيهات ان ينتهي فهو متواصل!"

 

نضال صبيح مبارك

 

حميد الحريزيللروائي:  محمود جاسم عثمان النعيمي

العقل، مراجعة التاريخ، وذاكرة المدينة

الروائي أوضح لنا مضمون روايته من خلال العنوان، حتى قبل أن نقرأ متن الرواية،  فهي (رواية عن الكوفة، وعكد اللّوي).

وقد افتتح الرواية ب (صارت هوايته التي شغف بها ...)، بمعنى: أنها تشير الى فعل ناقص يدل على  الصيرورة والتحول من حال الى حال والحركة والتغيير، هذا بالضبط ما يرمي اليه (بطل) الرواية الذي تبنى فكرة (الفكر المغاير)، الذي يقاوم (الفكر البديل)، وهو الفكر الذي تسعى القوى التقليدية المحافظة الى زرعه وتخليقه في اذهان الناس؛ للإبقاء على حالة التخلف والركود في مختلف المجالات الحياتية. هذا أولاً.

ثانيا: اهتم الروائي بعرض باناروما شاملة لساحات وشوارع ومحلات ومعالم مدينة الكوفة العمرانية.

ثالثا: عرض الروائي الكثير من العادات والتقاليد الاجتماعية والفلكلور الكوفي في الماضي القريب والحاضر، وتحولات هذه العادات وهذا الفلكلور.

فالرواية في مجمل القول، هي: رواية الحركة والتغيير الجاري في الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لمدينة الكوفة وسكانها، سواء في حالة التقدم، أو النكوص والتراجع .

أنها رواية الطموح لتغيير الواقع الفكري والثقافي المعاش، والعمل على مقاومة (الفكر البديل) من خلال العمل على ترسيخ (الفكر المغاير)، وهي المهمة الاولى الملقاة على عاتق المثقف، وعلى وجه الخصوص: المثقف العضوي، والذي يمثل بطل الرواية أو شخصيتها الرئيسية مثاله.

في (الفكر المغاير)، يرى البطل الفيلسوف المتطلع الى مجتمع متحضر مسالم بناء، يتطلع الى نبذ التعصب الفكري والعقائدي والقومي بمختلف مظاهره، وتحكيم العقل وليس النقل الساذج الجامد في الحكم على الظواهر والمتغيرات، ويؤكد على أن الزمن يسير ويتغير وعلى الانسان أن يحمل فكرا مرنا يتماشى مع الثورات الحاصلة في العالم والعراق، وفي المكان والزمان الجديد، ويتطلع الى نبذ كل ما من شأنه اعاقة الانسان، وقمع وكبح حريته في الفكر والعمل، والتخلي عن الرداء الفكري والثقافي الذي أصبح مهلهلا رثا لا يلائم حركة العصر وتطوراته، ويدعو الى نبذ الخرافة والتقديس الاعمى  للنص والشخص بعيدا عن استشارة العقل الذي هو معنى وجوهر كينونته، وما يميزه عن الحيوانات والجمادات، انه الانسان العاقل، حيث يبدو لنا  البطل وكأنه أحد رموز الاعتزال وحكمتهم الرائعة في بدايات العصر العباسي، حيث اعتمدوا العقل في الحكم، والاختيار، والسلوك، والاختبار.

العقل والعقلانية، هي ما دعا اليها القرآن الكريم وسنة رسول الله (ص)، فما  اكثر ما نجد في القرآن الكريم عبارات، مثل: الا يعقلون، الا يتفكرون، الا يتدبرون، وأن  نبي الاسلام  كانت معجزته عقلية، وليست حسية كما في الرسالات السماوية التي سبقته، فموسى كليم الله وعصاه السحرية في اليهودية، وعيسى الذي كلم الناس في المهد، وأبرأ الاجذم والأبرص، وهو روح الله في المسيحية.

البطل المتعقل المتفكر (كان منشغلا بالعقل، فأبدع فيه، ومعه التحم عنده الزمان بالمكان... متمردا على مجتمعه، لكنه لم يكن عدوا له، كان يريد للناس أن يتغيروا من خلال تحكيم العقل) ص/188. فهو من (اطلق صافرة البداية كي افتح مغاليق عوالم الناس الذين كان يراد لهم أن يعيشوا خلف أبواب الخرافة، وقصص الخيال، وتأليه الاسطورة، والنسخ والنقل) ص/189.

البطل المتعقل المتفكر يرى ضرورة اعادة النظر بالموروث الديني الثقافي، الذي هيمن عليه الفقهاء ووعاظ السلاطين، وحرفوا الدين عن معناه الصحيح بما يخدم مصالحهم ومصالح ساداتهم الحكام، وعملوا على احلال فكرهم (البديل)، الذي يدعو الى الخمول والكسل الفكري، والتسليم بما هو واقع وعدم التساؤل والنقد، واغراق الجمهور في الطقوس والشعائر التي تخدر النفوس وتبلد العقل وتقفل الباب امام المنطق، وحرفوا النصوص والاحاديث، بما يكرس الطغيان والفساد والجهل والتضليل ويؤبد حالة الفقر والجهل والتخلف في المجتمع .

لقد اعطى المطيرجية، في كوفة، العقل المبدع أشارة طلاق الماضي الخرافي، وأبرام عقد العقل، حينما دبروا حيلة لاصطياد (لقلق يونس) المقدس، الذي تنذر له الناس النذور. بعد اصطياده والتخلص منه، كانوا يرددون (هذا اللقلق راح نحنطه، قشمرناه بلعبة وحنطه) ص /135.

بمعنى: أن القديم البالي التقليدي أصبح جثة بلا روح، فتم تحنيطه والتخلي عنه، ليكون في متحف التاريخ الطبيعي، بنزع قدسيته وعدم الخوف منه، أو الاستماع اليه.

(اذن ذهب زمان، مات مع اسطورته، وجاء فكر آخر ينبئ بوعي جديد) ص /135.

فهو يحمل المثقف مهمة كبيرة للتوعية والتثقيف والتجديد ومسائلة اللامفكر فيه والمسكوت عنه. انه يرى أن أحد أسباب التخلف، هو: ضعف المثقف، وعدم الاستماع اليه، حين يقول: أن  المثقف بلا حول ولا قوة، يشعر بالغربة والاغتراب في مجتمع تسود فيه الخرافة، حيث يدعو بطلنا حين (اطلق صفارة البداية كي افتح مغاليق عوالم الناس الذي كان يراد لهم أن يعيشوا خلف ابواب الخرافة، وقصص الخيال، وتأليه الاسطورة، والنسخ والنقل) ص/189.

ويورد أمثلة على هذه  المعتقدات الخرافية التي تجاوزها العقل والعلم (يا حوت البلاعه هدي كمرنه بساعة، يا حوته يا منحوسة هدي كمرنه الغالي) ص/61، فتكبر الجوامع والمساجد ويعم الخوف الناس، وتشعل النيران، وتؤدى صلاة الخوف، ويجري الضرب على الصحون والقدور والصنوج؛  لاتقاء شر الحوتة التي  تحاول ابتلاع القمر، كل رد الفعل هذا على ظاهرة  خسوف القمر، وهي ظاهرة طبيعية، وهذا القمر الذي داست اقدام الانسان على ترابه منذ عشرات السنين.

كما أنه لا يرى في المدارس وسيلة لبناء فكر واع خلاق، فهي مبنية على التلقين والتدجين، وكبح التفكر والتساؤل، ولا تدعم التفكر والتساؤل، الذي   تؤديه الفلسفة،وهي: المشاكسة المتسائلة المشككة دوما، والتي ترى أن لا ثابت الا المتغير، لذلك ناصبوا الفلسفة العداء السافر، حتى وصل الحد ببعضهم الى القول (من تفلسف فقد تزندق).

ويرى ان تدهور الثقافة بسبب (قلة القراءة، واستخدام التواصل الاجتماعي، والجملة القصيرة)، كذلك يطالب المثقف بربط القول بالفعل ليكون منتجا ونافعا (امزجوا الوعي بالفعل، فالوعي بذرة، والفعل مطر، كلاهما يحتاج الآخر) ص/200.  هكذا كان يخاطب ويوجه مريديه من الشباب الساعي للتغيير، بمعنى أنه يدعو المثقف أن يكون بين الناس لإزالة الغشاوة عن عيونهم، حيث يقول (أنا عندما أدعو الى عقل مغاير، فإنما أدعو للاحتفاء ب (العقل الفاعل) الذي يسعى الى تفتيت الأساطير والرموز التي صنعت لنا تهويلا لا مبرر ولا معنى له ...) ص/120.

ويرى أن انتفاضة تشرين هم حملة الفكر المغاير الذي سيقلب الطاولة على كل عوامل ووسائل التخلف والجهل والتضليل، انهم الامل في الخلاص من الوضع والواقع المزري والمؤلم الذي يعيشه الشعب العراقي في ظل حكومة المحاصصة والفساد والافساد (أن هؤلاء الشباب، استطاعوا أن يتجاوزوا كل الخيبات في تاريخنا، وهم  الآن يخطون تاريخا آخر حق لنا أن نفخر به... هم ألان يصنعون (المتغير) الذي لم يكن بالحساب يمدون اياديهم نحو مستقبل يرونه بوضوح لانهم سيصنعونه) ص/140.

فقد سافر الى ساحة التحرير، واطلع على حماس الشباب - من الجنسين -وحسن تنظيمهم ووعيهم المتقدم  وإصرارهم على النصر، حيث شاركت المرأة بفاعلية في تظاهرات تشرين، وبشكل غير مسبوق، حتى في المحافظات المحافظة كالنجف وكربلاء، مما جعله ينحاز الى التشرينيين ويرى انهم امل الخلاص.

لكن القوى المضادة، المسيطرة على المال والسلطة، أخذت تحيك الدسائس، وتوجه التهم القذرة للمتظاهرين، بعد أن استشعرت خطورة انتفاضتهم واتساعها، حيث شملت اغلب محافظات العراق، بعد ان  صورتها فقاعة سرعان ما تنفجر وتندثر، شنت حملة كبيرة من التشكيك والتهم الباطلة ضد المتظاهرين، والذين هم جمهور واسع ليس بمستوى واحد من الوعي ومن الدوافع للتظاهر، وليس  بنفس الدرجة من الانضباط والتنظيم، مما سهل عملية اندساس قوى التخريب السلطوي بين صفوفهم، فنصبوا خيمهم متقنعين بقناع الثوار وتحت مسميات مختلفة، وجر المنتفضين الى معارك جانبية، والقيام  بأفعال لا تخدم قضيتهم، مما يوفر للسلطات ذريعة قمعهم، ويقلل من تعاطف الجماهير معهم.

فراحت السلطة تمارس القسوة والبطش، كالقنابل الدخانية والرصاص الحي لقمع المتظاهرين وحرق خيمهم، واختطاف ناشطيهم، بالإضافة الى استعمال وسائل الترغيب أن عجزت وسائل الترهيب عن اسكاتهم، وعلى الرغم من ذلك اصر الثوار على الاستمرار، رغم اعطائهم تضحيات كبيرة واعداد من الضحايا بالمئات وآلاف الجرحى والمعوقين، وقد أجبروا حكومة عادل عبد المهدي على الاستقالة، وهذه الاستقالة (هي ثالث استقالة في تاريخ العراق السياسي بسبب الضغط الشعبي: صالح جبر عام 1948، وياسين الهاشمي 1936 بعد انقلاب بكر صدقي)

ولأن المنتفضين  لم يختاروا بديلهم لرئاسة الوزارة، وفرضه على السلطات، فأن البديل السيد الكاظمي تخلى عن كل وعوده للثوار، وسلك نفس سلوك من سبقه، بل اشد وطأة، في قمع التظاهرات وتصفية الساحات بالتخادم مع المليشيات والكتل السياسية التي نصبته على كرسي الرئاسة، فأحرقت خيم التحرير وغير التحرير، وخلت الساحات من المتظاهرين الا في ناصرية الصمود والتحدي التي مازالت تتحدى، وقد كبل رئيس الوزراء الشعب بقيود القمع المباشر وغير المباشر، عبر اجراءاته الاقتصادية التعسفية تنفيذا لتعليمات البنك الدولي، وبدعوى انقاذ الاقتصاد العراقي من الانهيار، ففرض على الشعب المزيد من الضرائب، ورفع سعر صرف الدولار، في الوقت الذي  ارخى قبضته عن عصابات السلب والنهب، ماعدا قيامه ببعض الجولات والحركات الاستعراضية الزائفة  لذر الرماد في العيون، موهما الشعب بانه المنقذ والمخلص للشعب من ويلاته وحرمانه، وقد صدق المثل الشعبي القائل، حول زيادة مآسي الشعب العراقي، (راد له كرون  كصو أذانه) و(المارضه بجزه رضه بجزه وخروف).  والخسائر مستمرة ومتوالية بزعامة وزير المالية (علي عبد الامير علاوي) وبدعم من رئيس الوزراء.

استعراض الوضع السياسي في العراق عموما، وفي الكوفة على وجه الخصوص:

تتحدث الرواية حول دخول الافكار السياسية المختلفة الى العراق، والى الكوفة أيضا، بعد الحرب العالمية الثانية (الشيوعيون، والبعثيون، والقوميون) حيث كانت هذه الاحزاب سرية زمن الحكم الملكي، وتعمل تحت الارض، لأنها محظورة من السلطات الحاكمة؛ لمعارضتها الحكم ومطالبتها بسقوطه، لأنه وليد الاستعمار البريطاني للعراق، وقد توج  كفاح هذه القوى في ثورة 14 تموز 1958 للخلاص من ربقة الاستعمار وشركاته الاحتكارية، والخلاص من سطوة الاقطاع على الفلاحين في الريف العراقي، والعمل على اقامة دولة مدنية حديثة، ولكن للأسف ساد النزاع السياسي الحامي والدموي بين هذه الاحزاب، وتفتت تحالف جبهتها الوطنية، الذي كان له الاثر الكبير في تفجير ونجاح  ثورة تموز..

وقد اتضح هذا التفتت - كما رصدته الرواية - من خلال توزعهم وانصار كل منهم على مقاهي مختلفة في الكوفة، حيث كانت مقهى سيد علي للبعثيين، ومقهى محسن وعبيد وعبد الشهيد يؤمّها الشيوعيون، وبقية الحركات مقهى الحاج جعفر الكوفي ...

معلوم للجميع ما حل بالعراق وشعبه من حروب وخراب ودمار بسبب هذا الصراع الدامي لهذه القوى، والتنافس العنفي التآمري للسيطرة على كرسي الحكم بأي ثمن، وعلى الاخص ما حصل بعد  انقلاب 8 شباط 1963 في فترة الحكم البعثي الاول، وما حصل بعد حكم البعث الثاني في 1968 وحتى نيسان  2003 وسقوطه على يد الاحتلال الامريكي، حيث مهد الحكم البعثي الارضية لاحتلال العراق من قبل امريكا وحلفائها، ردا على الحروب العبثية المجنونة لنظام صدام واحتلاله للكويت، وقد سلطت أمريكا على حكم العراق طبقة سياسية عرقية طائفية موالية لها، فأجهزت على كل مؤسسات الدولة، وانشغلت بنهب ثروات العراق، وتقسيم المغانم فيما بينها، وعملت على تخليق حروب عرقية وطائفية، وشرذمة الشعب العراقي الى طوائف وملل واقليات قومية ودينية، مما ادى الى عزل  وتهميش العقل وتغليب النقل، فأقصيت الفئة المثقفة عن ادارة الدولة ومؤسساتها، ان وجدت هذه المؤسسات فعلا، (تخلت النخبة المستنيرة، التي تؤمن بالعقل، عن دورها  التاريخي، وتركت زمام الامور بيد شيوخ النقل كي يقودوا حركة الوعي الاجتماعي) ص/164.

مما ادى الى نشر الخرافة والأسطورة، ومزيد من التقديس للنصوص والشخوص، وأذابة الذات الواعية التي تستلم الفتوى من العقل الواعي، وليس من أصنام مقدسة، أو تدعي القدسية الزائفة التي صنعها الجهل والخرافة وتردي الوعي..

فسلطة مبنية على المحاصصة العرقية والطائفية لا يمكن أن يحكمها العقل والعلم، ولا يمكن أن تعيش وتستمر الا وسط التجهيل والتضليل والشد الطائفي...

فانتشر الجهل  والبطالة والعوز، وتقردنت الشخصية العراقية بدافع البقاء على حياة  تماثل حياة الحيوان، وهذا هو الحال الذي نعيشه اليوم، على الرغم من امتلاك العراق لثروات هائلة، فأن ما يزيد على 40% من الشعب العراقي يعيش تحت خط الفقر، مع تردي مريع في الخدمات الصحية والتعليمية والبلدية والسكنية، وفقدان الامن والامان، وتحكم المليشيات في الشارع العراقي ومقدرات الانسان العراقي دون رادع، وقد أحسن الروائي في عدم الدخول في توصيفه وتعريفه لأنه ظاهر للعيان  وليس بحاجة للتظهير او التوضيح..

عادات أهل المدينة وتقاليدهم:

يأخذ الروائي - عبر جولات - بطل الرواية داعية العقل والتنوير في مدينته الكوفة، ايام الطفولة والصبا والشباب والنضوج، في شوارع ومحلات وأسواق وبيوت المدينة وبساتينها، حيث شارع السكة، ومسجد النبي يونس، والجسر ومراحل تطوره وتاريخ  انشائه، معمار الدار الكوفية، تربية الطيور، وانواع لعب ولهو الاطفال الشعبية المختلفة .

ذكرياته التي لا تنسى حول والده وجده وجدته ووالدته (كان أبوه عنده دنيا تطوف في البيت، دنيا رجولة وفرح، ونبرة صوت، وتاريخ مشترك ..) ص/110، وجدته المديرة القديرة لكل شؤون البيت (مديرة ادارة البيت) ومن بعدها أمه، مما يؤشر الى الدور الهام للمرأة في حياة الكوفيين..

كان جده يطبخ الهريس في عاشوراء في كل عام، كعادة اغلب النجفيين والكوفيين في هذا الشهر، واستمر والده بعده في  طبخ الهريس. يستذكر كذلك التشابيه في عاشوراء، حيث يمثل ناس لم يحترفوا التمثيل سابقا، دور ابطال معركة الطف: الحسين عليه السلام وأهل بيته وأنصاره من جهة، وجيش يزيد بن معاوية بقيادة عبيدالله بن زياد من جهة أخرى، في واقعة الطف، حيث تصطرع قيم البطولة والصدق والوفاء والتضحية والفروسية في  الجبهة الاولى ضد قيم العبودية والانحطاط الاخلاقي والغدر والخيانة في المعسكر الثاني... تعرض هذه المشاهد لتكون عبرة لمن يعتبر، وهي شاهد على انتصار الحق على السيف مهما طال الزمان.

يستذكر الاحتفال السنوي بعيد نوروز، او سنده بدر، في 21 اذار من كل عام، حيث يذهب الناس الى الحدائق والبساتين، ومعهم عدة الشاي والاكل والسكنجبيل والخس، ناهيك مما تعمله النساء في البيوت، كجمع وتحضير السينات السبع... وقد كان الريفيون يعملون الدبكات (الجوبي) حول الاضرحة وفي القبور وهم  فرحين، يرقصون على صوت (المطبق)  ... ثم يعودون لمنازلهم مرددين (سنده بدر يا بو الخس خلي العجم تتونس) حيث يحتفل الفرس والكرد بصورة اوسع واكبر بهذا العيد.

يستذكر ايام رمضان، واصوات المرتلين والمؤذنين وشعائر رمضان، وتبادل (صواني) الاكلات المتنوعة بين  البيوت، واقامة لعبة المحيبس  وابطالها المميزين بالفراسة وامكانية اخراج المحبس من يد الفريق الخصم، كذلك المجالس العامة في البيوت والجوامع..

الاستعدادات المبكرة لاستقبال عيد الفطر، من خلال عمل الكليجة ومختلف انواع الحلويات والمعجنات، وتحضير الملابس الجديدة للأطفال، وفرحهم من خلال ركوب المراجيح ودولاب الهوى، وركوب العربات التي تجرها الحمير والدوران في المدينة، وقد انتفخت جيوبهم  بالحلوى والكليجة  والبيض الملون وبعض العيديات النقدية، وتبادل الزيارات بين العوائل  الصغير يقصد الكبير، وبين الجيران والاصدقاء والوجهاء... الخ، حيث تستمر هذه المراسيم لثلاثة أيام متوالية..

ويستذكر مراسيم الزواج والافراح في المدينة، ونقيضها مراسيم الدفن والوفاة والفواتح ودفن الجنائز.

يستذكر الجسر والنهر، الذي يهتم به كثيرا كتوأم للكوفة، حيث يقول (ان من يريد أن يكتب عن الكوفة الآن، يجب عليه أن يجعل نهر الفرات توأما لها، يكتب عن الاثنين معا) ص/44.

يستذكر صباه وفتوته، والسباحة في النهر، والمرح مع  اقرانه من الشباب الكوفي، ومراقبة زوارق الصيد وهي تجوب النهر، والسفن التي تفرغ حمولتها في خانات مدينة الكوفة المنتشرة على امتداد ضفة النهر في المدينة....

يستذكر محل والده واصدقائه، شارع السكة ومحلاته والمقاهي وفاتنات الكوفة المحجبات، الذي جعل احداهن صنو مدينة الكوفة، وحبيبته المفترضة التي هام بحبها، وظل يحلم بلقائها طوال حياته، ولكن  أني  يضفر الفيلسوف المثقف بحبيبته، بمدينته الجميلة، وهو يعيش  كل هذا الخراب الاقتصادي والسياسي والفكري ؟!! وسط موجة الشر والقتل التي تستهدف العقل، والتي اقدمت على شل حامل الراس المفكر حينما كان يقصد مدينة بغداد، فوجه له اعداء العقل رشقة من رصاصهم الغادر ليبقى  مشلولا يتحرك على كرسي متنقل، في محاولة للحد من  نشاطه وفكره التنويري، ولكن هيهات، فالكوفة والعراق ولادا للمفكرين والتنويرين.   فها هو وضاح وشقيقه نجاح، ورثة الفكر النير ونواة الثورة ضد كل ما هو قديم، وقد ابدوا ذلك من خلال مشاركتهم الفاعلة في الانتفاضة التشرينية التي لم تخمد شرارتها مهما فعلت قوى الظلام والتخلف.

في  التفاتة جريئة، يوجه بطل الرواية النقد اللاذع الى العبث في مسجد الكوفة وبيت الامام علي عليه السلام، حيث اظهروه بمظهر باذخ وفخم يضاهي قصور الملوك والامراء، من خلال مظاهر البذخ المعماري والتكييف الحديث، مما افقده قداسته وطبيعته الزاهدة لحياة الامام علي بن ابي طالب عليه السلام، وهو شيخ الزهاد، وسيد البلغاء، ونصير الفقراء،  فما حاجته للأبهة والذهب والفضة التي لو قام حيا لما ابقى منها شيئا، ووزعها على الفقراء الذين يتضورون جوعا وهم يتجولون بالقرب من داره ومسجده وضريحه، ليلتقطوا لقمة عيشهم من القمامة، ويبيتون في العراء، او في المقابر، لا يرون الا النجوم في السماء وبريق قباب الذهب  ومنائر النفاق لمساجد لا يؤمها سوى المنافقين وآكلي السحت الحرام، ويدعون انها بيوت الله، والله غني ومتعال عما يدعون... في حين عياله الفقراء يعيشون الفاقة والعوز، ويفتقدون لسقف يحميهم من حر الصيف وبرد الشتاء.

الروائي المحنك، محمود جاسم عثمان، أحكم سيطرته على حبكة الرواية ، وامسك بخيوط السرد الممتع، متنقلا بالقارئ بين صور ومشاهد  واحداث وجلسات نقاشية، ليجلسه حول موائد فكرية غنية بالفكر الحر، زاده العقلانية والتفكر والتدبر، وفضلاته التعصب والتطرف والخرافة  والتخلف، فما اغناها من مائدة  تثري العقول وتنير البصيرة...

رواية تستحق القراءة والاهتمام، وهي نقلة مهمة في تطور رواية الوعي الانساني والمدني، الداعية للتحضر والمحبة والتقدم والسلام، ناهيك عن توثيق تاريخ مدينة الكوفة ومعالمها وتقاليدها وابرز شخصياتها، كما هو ديدنه عبر رواية حي السعد، ورواية حجر الصوان، لتوثيق معالم وتاريخ  مدينة النجف، وتخليد ابطالها ومعالمها.

 

بقلم: الأديب حميد الحريزي

 

الكبير الداديسيملحوظة: لإنجاز هذا العمل عدنا لعدد هام من الروايات والإشارة هنا إلى الروايات التي اقتبسنا منها بعض الاستشهادات وهي :

عبد الرحيم لحبيبي: خبز سمك وحشيش، إفريقيا الشرق ط1 الدار البيضاء

عبد الرحيم لحبيبي: تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء،

أحمد السبقي: باب الشعبة ج1 مطبعة طوب بريس الرباط 2011

ياسين كني: سيرة صمت، دار راشد للنشر ط1، الإمارات 2019

ياسين كني: تيغالين حلم العودة، ط1 ، المكتبة العربية للنشر والتوزيع القاهرة 2017

عبد الرحمان الفائز: النادل والصحف، ط1، المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش 2019

حسن رياض: أوراق عبرية ، مطبعة المعرف الجديدة ط1 الرباط 1997

محمد أفار: درب كناوة، ط1 مطبعة سفي غراف آسفي 2013

عبد الله إكرامن: السيد "س" ط1 مطبعة الكتاب آسفي 2013

المصطفى حاكا: أناس عرفتهم ط1 ، دار وليلي للطباعة والنشر، مراكش 2017

الكبير الداديسي: انتقام يناير، مؤسسة الرحاب الحديثة، ط1، بيروت 2020

أسماء غريب: السيدة كركم، دار الفرات للثقافة والإعلام ط1 العراق 2019

***

إذا كانت مدينة آسفي قد تناولتها أمهات المصادر التاريخية من كتب التاريخ، الرحلات، التصوف، الدين، الاقتصاد، الجغرافيا... وورد اسمها في كتب من تأليف كتاب سمعوا عنها، مروا بها أو أقاموا فيها، فإننا اليوم نفتح نافذة على أرض عذراء، في بحث لم يطأه باحث من قبل، وموضوع غير مسبوق، من خلال المساءلة عن علاقة هذه المدينة بالبحر في ما كتبه روائيو آسفي عن مدينتهم، وفي النفس صور لمدن عشقناها من خلال الروايات والأفلام، لنتساءل كيف صور ابناء المدينة تلك العلاقة،  وهو ما ستتناقله الأجيال القادمة إن كتب لهذه الروايات الخلود، مثلما نتناقل نحن ما كتبه ابن خلدون، ابن الخطيب، ليون الإفريقي، البكري، الإدريسي، ياقوت الحموي، ابن الزيات، ابن قنفذ،  الحميري، والناصري وغيرهم ممن أرخوا لهذه المدينة، خاصة وأن الرواية أضحت ديوان العرب المعاصر الناقل لأيامهم، أخبارهم وأحوالهم... مبتعدين أشد ما يكون البعد عن اجترار ما قالته المصادر القديمة، ودون إغراق في التنظير والتعريفات المتداولة عن البحر والمدينة والعلاقة بينهما، لتكون الدراسة ميدانيةً تغوص في الروايات التي تناولت آسفي إما في إشارات عابرة، أو جعلت المدينة مسرحا لأحداثها، ولن يهمُّنا منها في هذه الدراسة إلا النصوص التي رصد فيها مخيال أصحابها تفاعل المدينة بالبحر، منذ أول رواية آسفية؛ رواية "الهاربة" لمحمد سعيد الرجراجي[i] إلى اليوم، مقتصرين على عدد من الروايات - لأبناء المدينة منشأ أو مسكنا- تداخلت فيها صور متناقضة لعلاقة آسفي بالبحر. وكل نسج سردي يمتزج فيه التاريخي بالأسطوري، والواقعي بالخيالي، والقديم بالحديث، الحقيقي بالمزيف، الموضوعي بالذاتي الانطباعي... ولا كتابة بيضاء بريئة، وكل كتابة تورط جديد، سواء عادت بالقارئ إلى عوالم غابرة في التاريخ أو صورت الآني اللحظي...

وإذا كانت الدراسات القديمة قد اعتبرت مدينة آسفي هبة البحر، وأشارت إلى أن  البحر لعب دورا هاما  في معرفة المدينة والتّعريف بها، فإنِّي لما خطر ببالي موضوع "آسفي والبحر في الرواية" وضعت أمام عيني فرضية احتمال إشارة كل رواية اختارت أن تدور أحداثها بآسفي إلى علاقة المدينة بالبحر، وإبراز أهميته ودوره في تطوير الأحداث، وأن كتاب الرواية الآسفيين سيهيمون بالقراء في حكايات خيالية أو واقعية بحرية، يكثرون الكلام فيها عن البحر... لما للبحر من علاقة  قوية بالمدينة، وبالإنسان عامة، واعتباره مأوى الحيران، مقصد الولهان،  مشبع الجوعان، كاتم الأسرار وإليه يحج أبناء المدينة في كل حين وآن لغسل الأجساد والقلوب، وإمتاع العيون، يبثونه همومهم وأحزانهم، يرتبط به أكلهم، عاداتهم وتقاليدهم وكل تفاصيل حياتهم... لكنْ سرعان ما خاب أفق انتظاري، بوجود روايات لا ذكر للبحر فيها، وبعضها يذكره باحتشام... ومن ذكره منها فأغلبهم قدَّمه في صورة سالبة، وعلاقة متشنجة بالمدينة؛ فمن رآه سبب تعاسة المدينة وسبب شقائها، حامي المدينة ومُقدِّمها للأعداء، بل منهم من تنبأ بأن يكون البحر سبب هلاكها كما هلك تيغالين بجانب آسفي من قبل، دون أن يمنع ذلك من وجود إشارات في بعض الروايات إلى العلاقة الحميمية بين المدينة والبحر، ليجد القارئ نفسه أمام صورة لعلاقة بوجهين متناقضين، لخصهما سارد رواية "خبز سمك وحشيش" في قوله " آسفي هبة البحر على ساحله نشأت وترعرعت ونمت، كان البحر جحيمها ونعيمها، سعادتها وشقاءها"[ii]

علاقة آسفي بالبحر صورة بوجهين متناقضين:  وجه لعلاقة حميمية نفعية تتكامل فيها مدينة مع بحر يغدق عليها خيراته يحضنها ويحميها... وصورة كالحة  صبغها ساردو بعض الروايات بالسواد فلم يروا في البحر سوى سبب تعاسة المدينة وسكانها، وهي الصورة الطاغية للأسف، مما فرض أسئلة من قبيل ما خصائص كل صورة؟ ولماذا طغت الصورة السالبة على الموجبة في علاقة بالبحر بمدينة آسفي بشكل ربما لا تخطر على بال أي مقبل على دراسة تيمة المدينة والبحر؟

1 –  الوجه السالب في علاقة آسفي بالبحر

معظم ما كتب عن مدينة آسفي في كتب التاريخ لأناس ليسوا من أبناء المدينة، ومعظم ما تضمنه الرواية المعاصرة عن آسفي كتبه أبناء المدينة، والطبيعي أن تتحكم في مثل هذه الكتابات معايير النوستالجيا، والعصبية المحلية فتنبري أقلام الروائيين للدفاع عن المدينة وبحرها، وتقديمهما للعالم متكاملين في أبهى صورة، لكن الغريب هو أن يتعمد معظم روائيي المدينة  تقديمَ صورة سوداء عن هذه العلاقة، فجعل سارد "درب كناوة" البحر سبب كل بلاء حل بالمدينة، محيلا البحر على امتداده واتساعه لمجرد سورِ سجنٍ يحاصر المدينة ويجثو على صدرها، وكلٌّ يتحين الفرصة للهروب والتخلص من هذه المدينة المثقلة بالأوزار الحاطَّة من الكرامة الإنسانية نحو الضفة الأخرى لأنه " حين يصل الإنسان إلى الضفة الأخرى يمارس بحقٍّ إنسانيَّته، يجد خِفَّة في جسده، سيلانُ الزمان هناك يمنح حركيَّةً مغايرةً تجعلُ الإنسان يحمل جسداً شابّاً كما لو أنه تحرر من عبء ووزرٍ ثقيل، يستعيد كرامته التي طالما طمست و جرجرت في الوحل"[iii]

وهي نفس الصورة التي رسمها سارد رواية "سيرة الصمت"  لما صوّر المدينة  محاصرة ، تأكل أولادها، مستباحة للجميع، بل تبحث عن قواد يقدمها فريسة للغرباء، يقول: "كانت مدينة آسفي تشبهني محاصرة ببحر بدل أن يكون سبب عزها أصبح سبب ذلها، لم ينلها منه سوى الغزاة الآتين منه والقادمين نحوه. آسفي مدينة الظِلال في الليل تأكل كالقطة الأصيلة أبناءها خوفا وحبّاً، كالعناكب تسلم نفسها لفلذات كبدها يتقاتلون على جسدها كي يعيشوا ويكبروا ويلهيهم الأمل، تدفع ضريبة التخلي عن رفيق دربها، وصباحا تبحث عن قوَّاد كي يقدمها فريسة على فراش الغرباء"[iv] أي صورة سوداء هذه عن علاقة مدينة ببحر كلاهما ينبض بالحياة العطاء والجمل، أهي غيرة، تشف أم انتقام من مدينة لا ينقصها شيء، مدينة فيها ما لا يوجد في غيرها من المدن من المؤهلات؟؟  أم هل هو قول غير الحق وذم بما يشبه المدح لغرض في نفس الروائيين؟

وتعمم رواية "درب كناوة" اعتبار البحر حصارا وسيَّاجا يحاصر بلدا بكامله فيعبِّر ساردها عن أمنية غريبة لو تحققت لكانت نتائجها أغرب عندما يقول: "لو جف البحر المتوسط لهاجر السكان كلهم كبيرهم وصغيرهم مشيا على الأقدام، سعيا إلى القارة الفردوس التي تذر اللبن والعسل، لن يقعد أحد عن السعي... حتى كسيح الأطراف ومن بهم إعاقات سيذبون ويجرُّون أجسادهم ليصلوا.."[v] ولتحقيق أمنية الهروب من المدينة التي يحاصرها البحر ألفينا بطل الرواية يتحيًّن الفرصة: "كلَّ ليلةٍ يسهر مترقبا حتّى الفجر في محاولات عديدة متكرّرة لا يملّ ولا يكلّ همّه الوحيد القفز على ظهر باخرة الحلم والمكوثُ بلا حركة بين الحاويات لترسوَ به في أرض الأحلام"[vi]

و الميناء الذي ظل على امتداد التاريخ مفخرة المدينة، أشهر من نار على علم، وأبعد نقطة يمكن أن يصلها مركب. قال فيه الحميري: "وهو آخر مرسى تبلغه المراكب من الأندلس إلى غاية القبلة، وليس بعده للمراكب مَذْهب"[vii]. وشكَّل الميناءَ الرَّسميَ والدبلوماسي للمغرب في مراحل متعددة، فإن روائيي آسفي تفننوا في الانتقام منه، وتشويهه عن سبق إصرار وترصد، فلا ترى فيه رواية "درب كناوة" إلا فضاءً أجرد كئيباً مُخرِّباً ينشر الخوف والهلع في الأهالي لما قال السارد:" يضحي أجرد كئيبا، تحوم في سمائه طيور النورس مصخبة المكان بصياحها من يجرؤ على الوقوف أمام أمواج عاتية تقفز فوق الحاجز الواقي لتتكسر بقوة في الحوض  تلحق الضرر بالقوارب الصغيرة تكسر ألواح قوارب الصيد  وتخلق الهلع كأن ماردا جنيا يحرك القاع بعصا"[viii]  ومن لم يكرس هذه الصورة السلبية اكتفى بالبكاء على المجد التليد والماضي الضائع، ليقدم الروائيون صورة مأساوية للمدينة في علاقتها بالبحر، مُجمِعون على أن المدينة اليوم تعاني النسيان والتهميش ووحدهم الأقدمون من كانوا يقدرونها حق قدرها: " آسفي المدينة الغفل الغارقة في الليل، المنسية على سواحل التاريخ، البعيدة قسرا عن خطوط الطول والعرض والتماس، فلا تضبطها المراصد ولا تحددها ولا تعبُرها المسالك، وحدهم الأقدمون عرفوا قدرها"[ix]. وهي مدينة توالت عليها المصائب والأرزاء، و"أنهكتها المجاعات والأوبئة والفتن والدسائس والخيانات فرحل عنها علماء وفقهاء وعاش فيها الصعاليك والأوباش والأوغاد حتى قيل عن أهلها "إنهم أناس لا تربية لهم ولا أخلاق ولا حضارة""[x].

ولم يقتصر الروائيون على تقديم ميناء المدينة في هذه الصورة السلبية الممقوتة، بل نفى عنها بعضهم كل سمات التحضر، وأن عراقتها لم تعد سوى ذكريات بين بعض أبنائها الأصليين يقول سارد "سيرة صمت": "آسفي حاضرة المحيط لم يعد بها حضارة إلا تلك التي يتنفسها أصيل أبنائها بين دروب الزمن فيجودون علينا بنسمات الذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد"[xi].  وضد التاريخ وضد الجغرافيا وضد الواقع، سعى إلى فصلها عن البحر وعن الشاطئ، يؤكد نفس السارد أن آسفي لا بحر لها ولا شاطئ لها، وأن خيراتها من الأسماك التي تميزها عن غيرها من المدن المغربية والعالمية لا يستفيد منها إلا الغرباء والمهربون حين قال: "آسفي ليس بها شواطئ غير تلك  التي تسرق رمالها في واضحة النهار، ليس فيها بحر غير ذلك الذي تلوثه مركبات الفوسفات بمخلفاتها، ليس فيها سمك غير ذلك الذي تختطفه السفن الأجنبية وسماسرة التهريب القانوني قبل أن يصل إلى جوع أبنائها"[xii] . وهي ذات الصورة التي يكررها السيد "س" في نصوص عبد الله إكرمن حين قال" مدينتي كانت ذات زمن عاصمة سمك ، ولم تعد... ولكنها كانت ولا تزال وستستمر مدينة الغريب... – هاد آسفي شحال كتعطي لبراني ... جملة يرددونها"[xiii]

ولإتمام هذه الصورة السالبة آثرت بعض الروايات اعتبار الميناءَ المسؤولَ عن فساد أخلاق أبناء المدينة؛ يَدخُله الشاب مهذبا وقورا، وفي وقت وجيز يحيله طائشا فاقدا للأمل، ولنتأمل كيف تحولت أخلاق وشخصية الكوشي بهذه السرعة لما اشتغل في مرسى المدينة: "خلال الشهور الثلاثة التي قضاها بالشغل في المرسى بدأ يتحول من إنسان مهذب ذمت إلى آخر لا يعرفه أبدا. ضاع إلى الأبد الشاب المليء بالأمل، المفعم بالأماني، انمحت في داخله صور الفضيلة والأخلاق والشرف ليحل محلها شيء آخر مانع مُهترئ أين ذهب الوقار والنقاء والإيمان بالصالحين(...) فقد طاشت ألفاظه، تغير سلوكه، خشنت تصرفاته، غدا تمثالا تنوح بداخله رياح اليأس، والإحباط، انعكست على مرآة روحه آلام البحارة وبؤسهم"[xiv]

وحتى ما تراه المدن الأخرى مِنَّةً من البحر، وهبةً تُحْسَد عليها مدينة آسفي في علاقتها بالبحر، فضل بعض الروائيين - من خلال حب جلد الذات وتحقير كل ما هو موجود بالمدينة – تكريسَ الصورة السالبة عن العمل في معامل التصبير، واحتقار كل من يشتغل في أعمال مرتبطةٍ بالبحر، واعتباره بطَّالا بدون شغل وإن كان عاملا مشتغلا، فنجد في مفارقة غريبة  بحارا  يعمل بالميناء يُنظر إليه "وهو يشتغل شغله أنه بطَّال بدون شغل"[xv]، وأن معامل تصبير السمك رغم دورها الاقتصادي والاجتماعي ليست سوى : "فخاخ ابتكرها السَّادةُ ليجعلوا من البشر عبيدا... تحت اسم مشوه معنويا هو العمل... والراتب الشهري طعمٌ يخدر ضعاف النفوس ليبقيهم جراءً يبيعون أيامهم المعطاة من الله بالتقسيط لنخاسي الأعمار وتجار عرق الوجوه"[xvi] ، لدرجة أن صفة "عاملة في الفبركات" أضحت صفة للحط من قيمة المرأة، وسبة لها بين النساء.

وبدل الدعوة إلى تقنين استغلال رمال البحر، واعتبار رمال البحار كنزا، اكتفت بعض الروايات بالإشارة إلى ظاهرة تهريب الرمال، وما يثيره مهرِّبوه من هلع  وسط السكان  فقد توقف بطل رواية " النادل والصحف" خائفا بالليل من اللصوص لكن ازدادت مخاوفه لما  "فطن إلى أن الشاحنة من ذوات الهيكل الخاص بحمل الرمال، فزاد ذلك من مخاوفه، لكثرة ما يحكى عن مهربي الرمال من ارتكاب حوادث يشيب لها الولدان"[xvii] وبدل التركيز على عمل الصيادين وصراعهم من أجل تأمين لقمة العيش تقدمهم إحدى الروايات:" يقضون أوقات الصيد في تدخين قاذفات اللهب أو "السبسي""[xviii]

أي نظَّارة سوداء ارتداها هؤلاء الروائيون فغدوا لا يرون في المدينة إلا السواد، ويحيلون كل شيء جميل فيها-بما فيه البحر- قبيحاً، بل منهم من يتوغل إلى قلوب الناس ليراها سوداء، فلنستمع كيف ينظر هذا السارد إلى ممارسي رياضة ركوب الأمواج التي بدأت تنتشر في السنوات الأخيرة بالمدينة لما قال: " يمارسون رياضة ركوب الأمواج التي تشتهر بها المدينة، وهم يرتدون زيّاً أسود يقيهم من البرد، أرى أنا الأمواج دنيا الناس والزبد سواد الإنسان من الداخل"[xix] وعلى نفس المنوال لما فكر شاب في مقتبل العمر في كتابة أول رواية له " أوراق عبرية"[xx] اختار عائلة " كبيرهم من أفقر عائلة بآسفي" وتحدث عن المدينة في أسوء مراحلها مما جعل أبطالها من " من "الهاربين من الجفاف والطاعون الذي ضرب مدن الساحل"[xxi]، حتى ليتساءل المرء ماذا ترك هؤلاء الروائيين لمدينة آسفي إذا اجتثوها عن البحر والخزف، وأكدوا عدم استفادة المدينة من بحرها وخزفها: "آسفي مدينة الخزف الذي يعطى للعالم تحفا فنية ولا ينال حرفيوه غير لهيب الفران المتقدة"[xxii].

ولم تقتصر هذه النظرة السوداوية على الماضي والحاضر فقط، بل وجدنا روائيين يتنبؤون بمستقبل أكثر سوادا، ويرون أن المدينة تسير إلى الخلف في عالم يتطور سريعا، وأنها مدينة تفقد بالتدريج معالمها وما كان يصنع الفرجة فيها، وأن أنشطتها ومؤسساتها الاجتماعية يتم إبعادها عن البحر مما يئد أحلام الشباب؛ فقد كان كورنيش المدينة واجهتَها ووِجْهةَ سكانها، وساحة الفرح والفرجة فيها، وكانت به "دار الشباب العتيدة أيام الستينيات والسبعينيات قبل أن تجهز عليها الجرافات فتهد كل أحلام الشباب"[xxiii]، وهو ما أكدته رواية "سيرة صمت" حين تحن إلى أيام الفرجة التي اختفت عن  كورنيش المدينة بالتدريج،  فقد كانت "في الكورنيش حلقة من حلقات الفرجة التي بدأت تختفي شيئا فشيئا، ألعاب سحرية ورقصات غريبة تؤديها كلبة على نغمات قرد طبال"[xxiv]  دون أن تنتبه رواية واحدة لما يُبنى من معالم جديدة بالمدينة، ولما تشهده من توسع عمراني، وتزايد سكاني...

هذه أمثلة وغيرها كثير تفرض على الباحث عدة أسئلة حول سبب هذه الصورة السالبة عن علاقة مدينة آسفي بالبحر، وكره أبناء المدينة لمدينتهم، وشغفهم بجلد الذات والقصد في تغييب فضل البحر على مدينة يجمعها به عشق أبدي...

يتبع ......

 

ذ. الكيبر الداديسي

.........................

[i] – محمد سعيد الرجراجي: الهاربة، ط1 مطبعة الأندلس، الدار البيضاء 1973

[ii] – خبز سمك حشيش،  ص5

[iii] – محمد أفار: درب كناوة، ص284

[iv]  ياسين كني: سيرة صمت، ص96

[v] - محمد أفار: درب كناوة ص284

[vi]-المرحع نفسه،  ص287

[vii]  – محمد عبد المنعم الحميري: الروض المعطار في خبر الأقطار ص57

[viii] - محمد افار: درب كناوة، ص107

[ix] – عبد الرحيم لحبيبي: خبز سمك وحشيش، ص5/6

[x]–المرحع نفسه،   ص6

[xi] ياسين كني: سيرة صمت ص96

[xii]المرحع نفسه،   ص96

[xiii] عبد الله إكرامن: السيد "س"  ص110

[xiv] – محمد أفار: درب كناوة، ص243

28  – المرحع نفسه،   ص244

29 – محمد أفار: درب كناوة، ص 244

[xvii]  -  عبد الرحمان الفائز:النادل والصحف، ص53

[xviii]  سيرة صمت ، ص27

[xix] ياسين كني: سيرة صمت،ص 102

[xx] رواية لحسن رياض فائزة بجائزة اتحاد كتاب المغرب الأدباء الشباب 1997

[xxi] حسن رياض: أوراق عبرية، ص7

[xxii]- ياسين كني:  سيرة صمت ص 97

[xxiii] – عبد الرحيم لحبيبي: تغريبة العبدي ، ص5

[xxiv] -  ياسين كني: سيرة صمت، ص 70

 

 

حميد الحريزي(نتيجة الحروب خَلق اللصوص، ونتيجة السلام قتلهم) جورج هربرت

صرخة بوجه الحرب  يجسدها بطل لاجذر له في الواقع

العنوان:

عنوان الرواية يتكون من المضاف والمضاف إليه (وكر السلمان)، فالوكر غالباً ما يشير إلى مكان للمنوع أو المحظور من قبل السلطات الحوكمية أوالسلطات الأجتماعية السائدة، كالأوكار السرية للأحزاب المحظورة من قبل السلطات، أو أوكار العصابات بمختلف توجهاتها، وبذلك يعطينا المؤلف إشارة أولية بثيمة الرواية وموضوعها الذي يكون الوكر هو بؤرة الحدث..

(نقرة السلمان) وهو السجن الشهير والرهيب الذي أسسه الأنكليز في منخفض وسط  صحراء السماوة المترامية الأطراف، ليضيف إلى الوكر المزيد من الدلالة الأجرامية، حيث كان معتقلاً لأحرار العراق من المعارضين للأنظمة الديكتاتوريةوالاستبدادية، وعلى وجه الخصوص السلطات البعثية  منذ  1963  وإلى 2003...

يستعرض الروائي بين ثنايا روايته مشاهد من الحياة الجامعية للطلبةالعراقيين عشية المحرقةالكبرى لقادسية صدام حيث اندلعت الحرب بين العراق وإيران وطبيعة العلاقات بين الطلبة والطالبات، قصة عشق وهيام (نعمان) أبن السماوة لتاجر ميسور الحال هجر السماوة وعاش في بغداد حتى وفاته، وما خلفه لولده من أملاك وعقارات ومحال تجارية في بغداد والسماوة، وعلاقته مع بقية الزملاء محمود غريمه في حب (سناء) الشابة الثرية باذخة الجمال، ورحمة الصديقة الحميمة لسناء، وكذلك هيام، توصيف شاعري جميل مشبع ببلاغة وخيال شاعر كما هو عنوان المؤلف... الذي كان كريماً ومتمكناً من توصيف أبرز مناطق بغداد  كشارع الرشيد وشارع النهر، والمتحف البغدادي، ساحة الرصافي شارع أبو نؤاس، مطعم دنانير في الكرادة، الأورزدي باك... من خلال جولات الحب والغرام برفقة حبيبته وخطيبته لاحقاً (سناء) صاحبة الجمال وأبنة الابهة والثراء.

توصيف جهات القتال:

يوصف المؤلف كوارث الحرب (قادسية صدام)، المجازر الجماعية المرتكبة من قبل الطرفين دون رحمة أو شفقة، في حرب همجية جهنمية بمثابة محرقة للشعبين العراقي والايراني واستنزاف ثرواتهم لمصلحة قوى خارجية وداخلية.

يؤكد خلال الكثير من المقولات في توصيف وتعريف قذارة الحروب وشرورها، الحروب لا متنصر فيها سوى الخراب والدمار، تفشي البطالة والفقر والجريمة والانحراف الاخلاقي والمعاناة الكبرى وعلى الاخص للشباب والنساء والاطفال.

من ضحايا الحرب كان (نعمان) الشاب خريج كلية الحقوق بتفوق، ابن العائلة الفاضلة والمسالمة التي تعيش في بحبوحة من العيش، (نعمان) يصاب في الجبهة بكسر في عظم الفخذ وإصابة عضوه الذكري مما  تطلب بتره، مما سبب له عوقاً دائمياً من خلال العرج وفقدان ذكورته، أي أن إحدى نتائج الحرب هي عملية الإخصاء العضوي للإنسان، ناهيك عن الإخصاء الفكري، فالذكورة والفحولة فقط للقائد الأوحد، الحرب قامعة لكل رغبات وغرائز الانسان المشروعة، كحب الحياة والجنس والمتعة والاستمتاع بالأكل والملبس والسكن...الخ .

هذا الإخصاء الاجباري لـ (نعمان) يولد عنده ردة فعل انتقامية من كل الناس وعلى وجه الخصوص من القادرين على الفعل رجالاً ونساءً...

وقد كرس كل قدراته العقلية وذكائه من أجل سلب حياة أقرب المقربين إليه من الاصدقاء وحتى الاقرباء وحتى حبيبته وخطيبته الفاتنة (سناء)، حيث يكون الوكر هو محل تنفيذ جرائمه وهو عبارة عن كهف في مكان بعيداً عن الانظار قريباً من مدينة السلمان ومحل سكن نعمان.

((قطع على نفسه عهدا أن يجعل هذا الوكر قبرا لكل اصدقائه ولا يستثني أحدا منهم)) ر ص132.

الجريمة ودوافع الاجرام:

الروائي ولكونه محامياً يطرح أكثر من نظرية لتفسير الجريمة والاجرام الذي يرتكبه الاشخاص والجماعات سواء كانوا أفرادا عاديين أو حكاماً، ومنه أن المجرم يتميز بشكل معين وعلامات خلقية تدل على أنه مجرم وهذه نظرية تم دحضها من قبل الكثير من علماء النفس والاجتماع.

وهناك من يرى أنَّ الجريمة ناتجة عن البيئة الأسرية التي يحياها الفرد في عائلة مفككة عديمة القيم، تتميز بعدم ال

ألألتزام الأخلاقي والتعامل بعنف فيما بين أفرادها أو بين أفرادها وبقية أفراد المجتمع المحيط، فينشأ الفرد في بيئة منحرفة لتكون مثاله، لكن هناك الكثير من الشواهد تشير إلى وجود أشخاص تمكنوا من الإفلات من قيم وسلوكيات عوائلهم، فتميزوا بالأستقامة والفضيلة إن توفرت لهم فرص الخلاص.

وهناك من يرى أنَّ الفقر والحرمان والفوارق الطبقية الجادة بين أفراد المجتمع تؤدي بالبعض إلى سلوك طريق الأجرام والأنتقام والسرقة لتحقيق رغباته وسد متطلباته وتلبية شهواته، ولكن أيضاًهناك آخرين يكون تمردهم تمرداً إبداعياً يسكن طريق الكفاح والنضال الأيجابي لتحقيق العدالة في المجتمع والدفاع عن حقوقه وحقوق غيره من المحرومين ومثالهم الثوار المنادون للعدل والحرية والمساواة.

وهناك من يرى أنَّ الجريمة مغروسة في جينات الفرد المجرم وهو غير مخير في وجوب ممارسة الفعل الاجرامي، وأن الفعل الأجرامي قد يكون موروثاً من قبل الآباء أو الأجداد، وهذه فرضية تم دحضها من قبل علماء الهندسة الوراثية والجينية.

أما النموذج في رواية (وكر السلمان) (نعمان) لا ينتمي إلى أية فئة من الفئات المذكورة.

فهو يعيش في وسط عائلي منسجم ومتعاون ومترف، يؤمن بقيم الحب والسلام وفعل الخير ((دارهم ترفل بالهدوء والسلام والطمأنينة، ونعمان يتربع على قمة حب الأهل)) ص25 وهذا واضح جداً في توصية والده له للحفاظ على القيم الفاضلة والسمعة الطيبة للعائلة، وما أكدته له والدته وطلبت منه أن لا ينسى هذه الوصية.

يملك المال والوسامة، القبول والمحبة بين الناس، مثقف وشاعر مرهف ومميز، كل هذه العوامل تقف بالضد من سلوكه الاجرامي.

وإذا أراد أن ينتقم فكان الأجدر به أن ينتقم من السلطة الحاكمة التي أشعلت نيران الحرب وسببت ما سببته له ولغيره من العراقيين من مختلف أنواع العوق والموت والانكسار، لا أن يوجه عدوانيته صوب من كانوا من محبيه ومن بذلوا الكثير لرعايته ومساعدته، مما يدفع المتلقي إلى الاستغراب لفقدان المعادل الموضوعي في حبكة الرواية، حيث يقدم لنا الروائي شخصية رئيسة محورية في السرد الروائي لا تمتلك مقومات وجودها وتفتقد للأسباب الموجبة والدافعة لسلوكيتها/ فالخالق الروائي  لايمكن أن يخلق  مخلوقه  من العدم .

2399 وكر السلمان

حبكة الرواية والمعادل الموضوعي:

نرى أن الروائي لم يكن موفقاً في محاولته لتقديم شخصية غير تقليدية أو غير متداولة في السرد الروائي للرواية التي تعنى بالجريمة والمجرمين، بل استعار رداء العجائبية والغرائبية ليلبسه شخصية واقعية، وقد أكد عجزه عن تفسير وتبرير سلوكيات شخصيته حينما حولها إلى شبح هائم في صحراء لا متناهية، ولم يجعله يقف في قفص الاتهام والعدالة التي ستدحض كل مبررات الفعل والأنحراف السلوكي لـ (نعمان) الذي كان من المفترض أن تتطاير أشلاؤه خلال عملية تفخيخ الوكر حيث تلبسه الشر والانتقام من كل من يعرفه حتى لا يضطر أن يكشف عن حقيقة فقدانه لذكورته، وهو وضع هو ليس فاعله وليس  نقصاً ولادياً، بل هووصمة عار بوجه السلطات وليس في وجه الضحية.

التاريخ لم يروِ لنا مثل هذه السلوكيات من قبل خصيان خلفاء آل عثمان على الرغم من كثرتهم في قصور الخلافة ومعاناتهم كعبيد في قصر السلطان، فقد كانت لهم أفعال انتقامية ضد الخلفاء وليس ضد من أحبهم أو ضد رفاقهم.

الروائي الشاعر شلال عنوز يدخل ثيمة جديدة في فضاء السرد الروائي النجفي، البحث في معنى الجريمة وأسباب الأجرام كانعكاس لحروب الديكتاتورية، ونشر الثقافة القانونية التي ضمنها الرواية من خلال ثقافته القانونية وممارسته مهنة المحاماة، بمعنى عدم الأكتفاء بتوصيف المعارك  والضحايا، وإنما انعكاساتها على ضحاياها من حيث الحالة النفسية والسلوكية تبعاً لنوع الضرر الذي لحق به من جراء الحرب،فالرواية صرخة عالية بوجه الحروب مهما كانت أسبابها ومسبباتها.

* الشك في تصرفات (نعمان) وعلاقته باختفاء سناء، وقبلها عدم متابعته لأختفائها والمماطلة سابقاً في الزواج منها، لم يكن دافعاً ومحفزاً للأدعاء العام (هيام) لطلب معلومات حول إصابته في جبهة القتال، والشكوك باحتمال إصابته بإصابة غير كسر الفخذ مما سبب له العرج، فلا يمكن أن يذهب الشك والحدس بفقدانه لذكورته، كان يفترض لتكون الحبكة أكثر احكاماً أن يجد تخريجة أخرى يكشف فيها أو يلمح عن هذا العوق، كأن تبدر منه كلمة أو كشف سر لصديق أو صديقة في حالات الصحو أو السكر لتصل إلى علم الادعاء العام، مما يحفزه لطلب المعلومات من مستشفى البصرة العسكري؟!

ومن غير المقنع أن توافق (سناء) بمرافقة (نعمان) وبسرية تامة إلى السلمان من دون علم أهلها، حيث طلب منها التكتم على السفرة والطلب من سائق السيارة الخاص بها بالانصراف وعدم المجيء لإعادتها لدارها، فالسفرة غير مبررة وغير مقنعة... ناهيك عن تصرفات نعمان المريبة وإرغامها على مرافقته عبر طريق مقفر ليلاً لاطلاعها على الأثريات القديمة!

وقد كان من الممكن أرتكاب جريمته في دارها لخلوها من الأهل أو في أية منطقة مهجورة في بغداد، وكأن  الوكر هو أحد بواعث الجريمة في  نفس نعمان.

وكذلك هو الحال بالنسبة لمقتل ناظم ومقتل صديقه ناصر، حيث كان وحيداً في منزله بغياب زوجته وأطفاله عن البيت، ناهيك عن عدم وجود القناعة بتحضير حفرة عميقة بالتأكيد عمقها أكثر من مترين ليتعذر على ناصر الخروج من الحفرة (البئر)، مما استوجب أن يقيد يديه ورجليه حتى يسحبه نعمان خارج الحفرة ويتمكن من قتله؟! يلمس القاريء ان كل شخصيات الرواية  وعلى وجه الخصوص  ضحايا نعمان  اغبياء وسذج   وهو الذكي الوحيد بينهم !!!

من كل ما تقدم يلمس القارئ الناقد ناهيك عن الناقد الأدبي أنَّ هناك خللاً واضحاً من ضبط حبكة السرد الروائي للرواية وهو أمر مستغرب أن تجد كقارئ مثل هذه الثغرات في رواية استغرق الكاتب ما يقارب خمس سنوات في كتابتها (تاريخ كتابة الرواية 17-1-2015 – وانتهت في 16 -3- 2020) ص213 .

- في الوقت الذي يقدم فيه نعمان على قتل المقربين والأصدقاء حتى خطيبته يكتب وصية يوزع فيها ثروته عليهم بأريحية وكرم باذخ لا يصدر إلا من إنسان تقي نقي محب للخير ومؤمن بيوم الحساب والعقاب، وكيف أتيحت له فرصة كتابة الوصية قبل إلقاء القبض عليه؟

-  لا أدري هل أن الروائي كان يكتب كل ما يدور في مخيلته من أحداث دون أن يمسك بزمام السرد لإحكام حبكة الرواية دون أن يهتم بأسئلة المتلقي حول مسار وموضوعية الحدث وارتباطه بما قبله وما بعده؟ فالخالق يحسن به أن يتقن صناعة مخلوقه ...

الديكتاتورية الجهنمية قد تمكنت من بتر عضو نعمان الذكري وأخصائه،في حين بتر الروائي ضمير نعمان بشكل تعسفي غير مسبوق الا وهو قتله  الأصدقاء والمقربين .  فضمير نعمان يتوارى حينما  يدخل لوكره ولايصحو أل بعد أن يلفظ الضحية أنفاسه الأخيرة؟؟!!!

- القطة السوداء: خلق الروائي من القطة الحيوان الأليف رمزاً لأم نعمان مستجيباً لما يقال حول تقمص الأرواح لأجسام حيوانات أو طيور بعد موتها لتظل بالقرب ممن تحبهم، لكنها قطة سوداء بلون عباءة أم نعمان، وليس بلون قلبها الأبيض الطيب المسالم الحنون، وفي الوقت الذي كانت فيه القطة هي دليل الشرطة إلى الوكر للقبض على نعمان وهو أمر لا يمكن أن تفعله الأم بحق ولدها  لتقوده إلى حبل المشنقة نتيجة أفعاله الإجرامية التي كانت هي الشاهد الوحيد عليها، في حين تركته يهيم وحيداً في صحراء السماوة بعد أن فجر الوكر بمن فيه.

- يبدو لي أن الروائي لم يشأ أن يسرد لنا بقية الحكاية، ففي مثل هذه القضية لا يمكن لقوات الأمن بما تمتلك من امكانيات أن تترك المجرم يفلت من قبضتها، لتكون نهايته الموت جوعاً وعطشاً أو أن تفترسه ذئاب الصحراء، أو يموت بحبل المشنقة.

- إن شخصية نعمان ومسيرته وتحولاته السلوكية بطل الرواية بحاجة إلى الكثير لتكون مقنعة بالنسبة للمتلقي، فهل الروائي يجهل ذلك أم أنه أراد أن يضع هذه الشخصية الإشكالية أمام علماء النفس والأجتماع علهم يستطيعون تفسير وتبرير سلوكيتها  الأفتراضية الوهمية... طبعا  من حق  الروائي  أن يصنع خياله  مايشاء من الشخصيات ولكنه لايفترض به  أن ينفصل تماما عن الواقع  ألا في روايات الواقعية السحرية أو العجائبية.

- يمكن أنْ يتحول الإنسان إلى ضده في الفكر والفعل وهناك شواهد كثيرة على ذلك، لكن أنْ يتحول ناقماً على الآخرين ولا يمكن أنْ ينتقم من محبيه، وإذا كان دافع الأنانية المرضي يدفعه لقتل (سناء) حتى لا تكون في أحضان غيره بسبب فقدانه لذكورته فما هي دوافع قتله لأصدقائه المقربين وحتى محاولة قتل أقربائه.

- توصيف العراقي بازدواج الشخصية تعميم في كل زمان ومكان، وكأنها صفة جينية تتحكم في سلوكياته، وليست هي نتيجة للميوعة الطبقية في المجتمع العراقي وعدم انفصال الريف عن المدينة وعدم تخصص الفرد العراقي في مهنة أو عمل محدد، فمرة نجده فلاحاً ومرة عاملاً، مرة استاذاً جامعياً وأخرى سمسار عقارات أو سائق تكسي ووو، وكل ذلك ينعكس على شخصية الفرد وتتحكم في سلوكياته وتصرفاته.

- كنت أود أن تتوافق استنتاجاتي وتقييمي للرواية مع أغلب من كتب حول الروايةمن الزملاء النقاد أو هواة النقد، الذين أشادوا كثيراً بالرواية، وهم على حق في الكثير مما ذهبوا إليه ولكنهم للأسف لم يلتفتوا إلى الثغرات في الحبكة الروائية، فالنقد هو عملية تقويم وليس تقزيماً للروائي  لكي يرتقي إلى ما هو أكمل وأفضل في أعماله القادمة، وعدم ايهامه بأنه قد بلغ قمة الكمال والإبداع فيما يكتبونه حول منتجه الإبداعي...

- النقد يجب أن يكون موضوعياً فلا تجريح ولا مديح مجاني، بل إلقاء الضوء الكاشف لمواطن الإبداع والحبكة في النص موضوع النقد وعدم إغفال مواطن الضعف والركاكة.

الأهتمام بالرسالة الفكرية التي يبثها الروائي من خلال النص، ولفت النظر إلى مواطن الخلل والخطل الفكري ومواطن الواقعيةوالعلمية والصدق في المتن الروائي، وعدم الأكتفاء بتوصيف الشكل وإهمال المضمون، فالرواية مدرسة وتجربة حياتية يمكن أن تؤثر على عقلية وسلوكيات ومواقف أجيال وليس جيل واحد من القراء.

يمتلك الروائي كفاءة كبيرة ومشهودة في سرد ممتع  مشبع بشعرية عالية، ولغة ثرية  انما تدل على امتلاك الكاتب لثروة لغوية غنية  واعتباره شاعرا أضاف للسرد متعة الشعر الجميل المعبر .

 

بقلم: الناقد حميد الحريزي

 

 

صالح الرزوقماذا يمكن أن تقدم لنا مجموعة قصص في عام 2021؟.

هذا أول سؤال واجهني وأنا أقرأ “نزلاء المنام” لأمان السيد. كانت القصص كلها تراوح بين قصيرة جدا وومضة، وهو شيء معروف منذ أيام الماركيز دو ساد (1740 - 1814) وروبرت لويس ستيفنسون (1850 - 1894). وكان يحمل اسم “Fragment” . ولكن تطور لاحقا على يد تشيخوف وكافكا، قبل أن يصل إلينا بالطريقة التي اشتهر بها يوسف إدريس ابتداء من عمله المبكر “أرخص ليالي/ 1954” وما بعد. وكان في كل الأحوال يصور موقفا من الحياة، وينتهي نهاية غامضة ومفتوحة، ويترك بقية المهمة لذكاء وفطنة القارئ. وقد حاولت أمان السيد أن تسير بهذا الاتجاه، لكن مع بعض الاجتهادات التي آتت أكلها.

أولا. حولت الموقف من الحياة إلى فكرة. بمعنى أنها تخلت عن مواجهة ذات الكاتب مع ذات المجتمع، وآخت بينهما، أو ساوت بين المتناقضات. وفي سبيل هذه الغاية حرمت الواقع من تفاصيله، وجردت الشخصيات من صورها. لقد كانت الشخصيات تتحمل أعباء واقعها بالاندماج معه ومشاركته في أسباب الشقاء والفرح كما لو أنهما وجهان لعملة واحدة. أو كما قال وديع سعادة في كلمة على الغلاف الأخير: “إنها تبحث عن قصة وراء كل قصة”. وأفهم من هذه العبارة أنها تكتب ما بين السطور، حيث لكل كلمة ظل، ولكل جملة معنى تسمع صوته ولكن لا تقرأه.

ثانيا. ألزمت شخصياتها بعزلة قسرية، فقد وضعت العراقيل أمام أبطال القصص ومحبة الحياة. وأصبحت حياتهم قاسية، إما لأنهم في الغربة (انظر قصة: سبورت كلاب - ص 24). أو بسبب القهر السياسي وربما الاجتماعي (قصة الجثة - ص15)، إن لم يكن بسبب قسوة الطبيعة وندرة الموارد. وأمام هذا الظرف توجب على كل شخصية أن تعتزل الاندماج مع الآخرين. وتوارت الوحدات السردية في مربعات محاصرة بجدران عازلة أو بزجاج شفاف. وهذا لم يسمح للشخصيات إلا بالمشاهدة أو المشاركة السلبية. ولذلك يجب أن لا تستغرب إذا اختارت موقف النأي بالنفس (إن أحسنت الظن بها) أو الممانعة والإنكار. والمثال على ذلك قصة “تعويذات”. وهي إدانة لسياسة المدينة التي يحكمها شخص “يشبه الإله” على حد تعبير إحدى البنات الصغيرات (ص23). أو قصة “اللجوء قبل الأخير” التي تحمل للقارئ رسالة غامضة تدين بها الواقع جملة وتفصيلا، وفي نفس الوقت تتغزل بكل ما تكره وترفض. مثلا تشبيه الحياة المشرقة والجميلة بالبالوعات (ص115). باعتبار أن كلاهما نافذة للخلاص (115)، وهكذا... 

1886 كتاب امانثالثا. استعملت تقنية الأصوات المعروفة بطريقة معدلة. فقد جزأت صوتها بنسب متفاوتة بين شخصيات متشابهة، أو بين العاقل وغير العاقل.  وهذا أسلوب جديد أضيفه لرصيد السردية المضادة، ومن أحدث أمثلته رواية سنان أنطون (فهرس)، حيث يكون الحوار بين المتضادات: مثلا جذع شجرة وحطاب. وبهذا الخصوص أعتقد أن ذاكرة ما بعد الحداثة لم تقفز من فوق جدار الزمن لتتنبأ بحالة سردية مستقبلية (على غرار استقراء أورويل للشموليات في روايته: 1984)، وإنما قفزت بها للوراء لتعيد النظر بدروس وعبر الماضي كما هي حالة فلاديمير سوروكين في عمل، أنسبه لجو الدايستوبيا، وهو روايته المعروفة: يوم من حياة أوبريشنيك - وموضوعها أيام إيفان الرهيب - القيصر الدموي وجزار موسكو. وبها استفاد من شمولية الماضي ليحذرنا من السقوط في شموليات ودكتاتوريات حديثة. وفي سبيل هذه الغاية عمد لتركيب جو قروسطي مظلم، غامض، غير معقول، تلعب به الظلال والأشباح دورا موازيا للإنسان. وأعتقد أن هذا هو خيار أمان السيد. وحتى لا نحمل قصصها البسيطة أكثر مما تحتمل، يمكن أن تقول إنها دمجت الإنسان وعالمه، وحولت الإحساس لحبكة، والأفعال لمجرد انطباعات عن عالم غائب عن أعيننا. لقد وضعت الإنسان في عالم شرير ومسحور، يتحول فيه البشر لحجارة أو لسفن مثل صرصار كافكا (قصة وصية الجسد - ص29). ولكن إذا انتقل الإنسان عند كافكا لصرصار فعلا، وانتهت القضية، كانت سفينة أمان السيد تتماهى مع بطلة قصتها، ولا تعرف من يحمل من، السفينة أم المرأة. فقد كانت بطلة القصة تجر جسدها الذي تحول إلى سفينة ضخمة (ص30). فقط لتضاعف من رحلتها مع الشقاء والمخاطر.

 بقيت نقطة أخيرة بغاية الأهمية. وهي مشكلة لها علاقة بالتجنيس أو الجندر. مثلما كانت النصوص طيفا عريضا من الكتابات دون أي انتماء لنوع شرعي له أصول وتقاليد مستقرة، كذلك هي الشخصيات، يصعب أن تحدد هوياتها. هل هي من الذكور أو الإناث. وهل هي أساسا شخصيات أم أفكار هيولية ؟؟!!.. وكذلك بالنسبة لقاموس أو مفردات التعبير. فهي من اللغة الفصحى الثقيلة أو من بين اللهجات العامية دون أن تدخل في مرحلة الكلام الثالث، ما اصطلحنا على تسميته العامية الفصيحة، وتخللها حمولة ملحوظة من المفردات الوجودية التي لا تعيدنا لسارتر ولا رفيقة دربه دوبوفوار، ولا لصديقه اللدود كامو، بل لنوع هو نسيج وحده، وأقصد الأمريكي هنري ميلر الذي لم يترك كلمة من لوائح التابو دون أن يستعملها: ابتداء من القيء والفرج والبصاق وحتى النفايات البشرية بكل أنواعها. وقد تغلبت هذه القصص، على هذا الجزء الأسود من المضمون، بالتعابير المجازية التي تستعمل المفاهيم وليس الإشارات. وكانت تقفز من فكرة إلى فكرة بلا أدوات تشبيه وبجمل طويلة ومتشعبة. وبهذه المناسبة لا بد من التنويه أن اللغة كانت مجازية فقط وليست شعرية. بمعنى أنها راوحت عند حدود شبكة من العلاقات غير الطبيعية. وأضفت نوعا من الغموض والتردد على ترتيب المفردات، دون أن تخرج من إطار معاناتها مع عاطفتها المضطربة. وإن كان لا بد من تصنيف لهذا الأسلوب: لا يسعني إلا أن أضعه في ما يمكن أن أسميه “الوسائط المتعددة”، وهو اسم مستعار من التكنولوجيا الحديثة. وفيه يخترق إطار كل قصة عدة أساليب لكل منها مستوياته وخصائصه، حتى تتحول القصة الواحدة لشجرة من الأفكار والحكايات.

 

د. صالح الرزوق

....................

*صدرت المجموعة عام 2019 عن دار جروس برس ناشرون (طرابلس لبنان/سيدني) في 120 ص. وبغلاف للفنانة التشكيلية عتاب حريب.

 

 

شهد الادب السردي تطوراً نوعياً في اشكال الادب المطروحة  على الساحة الثقافية والادبية . من خلال تطوره بالتقنيات الحديثة، التي تعمقت باساليبها واتجاهاتها في الفنجمعة عبد الله الروائي المعاصر، ودفعته الى نقلة نوعية، اخذت تزاحم مقولة (الشعر ديوان العرب) بما يحمل  الخطاب الروائي من مؤهلات المنافسة والتزاحم الابداعي. في الشكل والمضمون، في اشكاله وتوجهاته المتنوعة. بما يعطي التعبير اللغوي في بنية السرد الروائي الركن المهم داخل المعمارية الروائية، تعطيه  مساحات واسعة في التناول والطرح، فالتقنية  الاسلوب اللغوي واسلوب السرد وتقنياته المختلفة عامل مهم في الفن الروائي الحديث. ومدى تناوله قضايا حساسة   في الواقع الاجتماعي في مدى علاقته وارتباطه  في المفردات  الدالة في جملة ابعادها، في البعد المادي والمعنوي  والسايكولجي والايديولوجي،  والبعد في صياغة وخلق الحدث في المتن الروائي  بتنوعاته  وتحولاته وتناقلات في البنية الواقع  الاجتماعي، وما يصدر من  توجهات وسلوكيات  من  عقليتها الفكرية . والحركة النقدية ترصد منصات وعتبات عديدة في جوانب  النصوص ومن زوايا مختلفة، وينشغل الناقد  في اكتشافاتها لتسليط الضوء عليها . اضافة الى كشف البنية اللغوية والفكرية داخل النص الروائي . ووظيفة الناقد المبدع في مهنته النقدية، ان يكتشف دواخل النص ومكوناته الداخلية والخارجية . في التقييم الموضوعي في ذائقة التذوق والوضوح، في جوانب الحدث السردي بمظاهره المختلفة . ان ينشغل في عملية الكشف شكل الخطاب اللغوي  وتقنياته . في  المضامين البارزة  في داخل النص. أن الناقد في ممارساته النقدية، يضيء جوانب عديدة من الاكتشافات، في مدى قربها أو بعدها عن الابداع والفن الروائي، ومدى ارتباطها  أو بعدها عن الواقع، ومدى براعتها في توظيف اتجاهات التناص في جوانب  الحبكة السردية  . والناقد الدكتور (وليد العرفي) يملك مؤهلات معرفية واسعة في اشكال الادب، من خلال الممارسة والخبرة والكفاءة باعوامها  الطويلة في مجالات النقد واشكال الادب الاخرى،  في اهتمامه البارع في  دراساته وابحاثه النقدية . ويأتي هذا الكتاب النقدي (تقنية الخطاب اللغوي في القصة والرواية) هي حصيلة دراسات نقدية رصينة، سجلت اكتشافاتها  لمجموعات روائية وقصصية من  الادب السوري . يسلط الضوء على جوانب عديدة في تحليلاته  النقدية المتنوعة، منها في الشأن اللغوي ومعماريته وتقنياته داخل النص، وتقنيات الاحداث السردية وافعالها وحركتها، وسلوكية رؤيتها الفكرية في اتجاهاتها المختلفة  . ومدى تفاعل الشخصيات في الحدث الروائي، بأعتبار الشخصية هي العمود الفقري في البنية الروائية، في التحولات والتنقلات  . ان هذه الروايات والقصص المختارة  بمجهر نقدي يمتلك البراعة،في تسلط الضوء الكاشف  داخل النص . في التحليل والتشخيص والتفسير، في العمق اللغوي والدلالات الفكرية في المعنى والمضمون . وتعمقها وتطورها داخل الفضاء الروائي . تناولها بجهد موضوعي  وبالرصانة النقدية الهادفة . ومن خلالها يكتشف القارئ مدى  الجهد المبذول في تناول النصوص وتفكيك شفراتها الدالة، في براعة خبرة الناقد في اكتشاف المناطق الظاهرة والباطنة داخل النص . ويكتشف من خلالها  ايضاً أهمية النقد الجاد ووظيفته النقدية في تناول النصوص  الروائية والقصصية. ان تناولها  ليس بالعمل السهل، وانما يحتاج خبرة وممارسة وكفاءة ومعرفة في جوانب اشكال الادب  واتجاهاته، وكتاب الدكتور (وليد العرفي) يمثل حصيلة رائعة من الجهد والتوظيف والانشغال في الدراسات النقدية . لذلك الكتاب النقدي يستحق القراءة والمتابعة، بما يملك الناقد من ابداع في الخطاب النقدي برصانة هادفة .

 

 جمعة عبدالله

 

 

كثيرا ما يفاجئني الصديق الصحفي وصاحب (دار الوطن للصحافة والطباعة والنشر) عبد النبي الشراط بدعمه لتوجهات غير منتظرة، وإطلاقه لبرامج ومشاريع أصيلة مخالفة للمألوف أو تسير بخلاف الاتجاه السائد؛ وقد يظن المرء أول وهلة أن عمله ذاك يخالف منطق الأشياء وصيرورتها، ولكنه يكتشف سريعا حس الرجل الصادق وقدرته على إمالة كفة غير المألوف، أو غير المتوقع، في اتجاه ما هو عين الصواب. فلربما اكتنف غيرَ السائد لحظة غبار النسيان أو التناسي أو ربما التعتيم تحت ضغوط التعود، أو ضغوط آليات التحكم في توجهات الرأي العام عن طريق المفروض أو الممنوع، غير أنه سيظهر حتما حينما يجد من ينتبه إليه. وقد فاجأني هذه المرة حين أهداني مجموعة من الكتب التي تطوع بطباعة بعضها ونشرها على نفقة (دار الوطن) التي يملكها ويديرها؛ وتدور ثلاثة من هذه الكتب حول القصيد العربي العمودي التقليدي مع العناية بقصيدة عروبية مطولة عنوانها (رائية العرب) موضوعها التأسي لآلام العراق الشقيق. ولكن هذه الكتب الثلاثة وإن كانت توحي بالدوران في فلك الشعر العتيق في زمننا الذي يبتعد تدريجيا عن الشعر، أو تدور في فلك المطولات الشعرية (371 بيتا) في زمن السرعة وشعر الهايكو، فإنها في الحقيقة لا تكتفي بذلك؛ فرغم دوران هذه الكتب الثلاثة في فلك هذا العالم التراثي العربي الكلاسيكي فإنها ليست بعيدة عن العالم المفضل لدى هذا الصحفي المثقف والناشر، أي عن الواقع الدولي الراهن وعن عالم السياسة الطافح بالتدافع والنزاعات والآلام.

2389 رائية العرب

إن عنوان (رائية العرب)، وعنوانها الثاني (قصيدة وطن)، تستمد جزءا من تسميتها من قاموس تراثي عربي يحيلنا على قصائد كان لها وقع وتاريخ وقيمة، وإلى شعراء كبار قدماء مثل (لامية العرب) للشنفرى الجاهلي، و(لامية العجم) للطغرائي و(لامية الحِكَم) لابن الوردي و(لامية القضاء والأحكام الشرعية) للزقاق و(لامية الأفعال) لابن مالك... بالإضافة إلى رائية عمر ابن أبي ربيعة وميمية البوصيري ودالية أبي العلاء المعري واللائحة الشعرية التراثية طويلة بأسماء هذه الروائع المشهورة التي شغلت الأجيال واكتُفيَ أحيانا للدلالة عليها بذكر حرف رويها. إن نسبة كل واحدة من هذه القصائد إلى حرف رويها هي بمثابة تعريف ما لا يحتاج إلى تعريف، أو فقط بمثابة إشارة إلى علامة بارزة في الشعر المنظوم على ذلك الروي في مختلف العصور... ولا بأس أن تنظم الأجيال الحاضرة علامة من العلامات الجديدة التي تضاف إلى ذاكرة ديوان العرب.

ولا تقتصر الأواصر بين (رائية العرب) وهذه القصائد على الجوانب الشكلية المشار أليها وحدها، ولكن في الإمكان تلمس علاقات أخرى نجمع بينها، لاسيما مع (لامية العرب) للشنفرى التي يمكن اعتبارها بطريقة ما قصيدة سياسية لاحتوائها على احتجاج شديد على نظام القبيلة الجاهلية وتمركزه في بعض الأيدي وقسوته على الآخرين، مما أسفر عن ظاهرة الخروج على القبيلة، وأدى إلى ظهور طائفة الصعاليك الرافضين لظلم بني أمّهم :

أَقِيمُـوا بَنِـي أُمِّـي صُـدُورَ مَطِيِّـكُمْ               فَإنِّـي إلى قَـوْمٍ سِـوَاكُمْ لَأَمْيَـلُ

فَقَدْ حُمَّتِ الحَاجَاتُ وَاللَّيْـلُ مُقْمِـرٌ                وَشُـدَّتْ لِطِيّـاتٍ مَطَايَـا وَأرْحُلُ

وفي الأَرْضِ مَنْـأَى لِلْكَرِيـمِ عَنِ الأَذَى                   وَفِيهَا لِمَنْ خَافَ القِلَـى مُتَعَـزَّلُ

لَعَمْـرُكَ مَا بِالأَرْضِ ضِيـقٌ على امْرِىءٍ                سَرَى رَاغِبَـاً أَوْ رَاهِبَـاً وَهْوَ يَعْقِـلُ

وَلِي دُونَكُمْ أَهْلُـون: سِيـدٌ عَمَلَّـسٌ                وَأَرْقَطُ زُهْلُـولٌ وَعَرْفَـاءُ جَيْـأَلُ

هُـمُ الأَهْلُ لا مُسْتَودَعُ السِّـرِّ ذَائِـعٌ               لَدَيْهِمْ وَلاَ الجَانِي بِمَا جَرَّ يُخْـذَلُ

ولكن موضوع (رائية العرب) ليس الاحتجاج على القبيلة ولا هروبا منها أو دعوة إلى الاستئناس بوحوش الفلاة والطمأنينة إليها، ولكنها صرخة موضوعها حب الوطن وإعلان التشبث الشديد به، وهي أيضا صرخة ألم ممزقة على شفاه مائة شاعر وتسعة وثلاثين شاعرا (139) ينتمون إلى كل أقطار الوطن العربي من الماء إلى الماء، وبعضهم ينتمون إلى نفس الوطن، ولكن ظروف الشتات دفعت بهم إلى خارج المائين وبقيت قلوبهم أسيرة بلادهم. إن القصيدة بمعنى آخر صرخة من داخل القبيلة، على شفاه شعرائها الذين لا يُحصَون عددا، ناضحة بالألم على ما أصابها من شر، سواء من أبنائها العاقين أو من الغزاة الخارجيين الحاقدين. إنها مبادرة من شاعر مقيم في العراق (الدكتور صالح الطائي)، ودعوة وجهها إلى شعراء بلاده وإلى شعراء العالم العربي للمشاركة بأبيات من نظمهم في قصيدة واحدة فاستجابوا، وبادر لتلقي المشاركات وتنسيقها وتوحيد الرؤية فيها شاعر مهندس عراقي آخر مقيم في نيوزيلاندا (ضياء تريكو صكر)، ثم تلقفتها منهم (دار الوطن للصحافة والطباعة والنشر) في المغرب وتكفلت بطباعتها وتوزيعها.

حين يتمعن القارئ الحصيف في كلمات (رائية العرب) يجد صدى ألفاظ كل واحد من الشعراء المشاركين ومعانيه منطلقة من أفواه كل الآخرين، وكأن قائلها شاعر واحد؛ كيف لا وكلهم متألم نفذ بين ضلوعه خنجر الغدر حتى بلغ شغاف القلب، كيف لا وكلهم متألم لما أصاب بلاد الرافدين من التقتيل والتدمير وبث الفتنة والتفرقة والتفقير والنهب... ولكنهم كلهم مفصح عن الأمل في ثورة الشعب المظلوم واكتساحه لمساحات القهر لإعادة التوازن إلى البلاد التي اختل فيها التوازن... وهي كلها مصائب تهدد كافة أقطار هذا الوطن الكبير المثخن من الماء إلى الماء. ألم يعبر أمير الشعراء أحمد شوقي، حين ضربت دمشق بقنابل الاستعمار الفرنسي (سنة 1926م)، عن نفس معنى وحدة هذا الوطن، ووحدة المآسي والألم فيه حين قال:

فُـتوق الـمُلك تَحدُث ثم تمضي     ...     ولا يـمـضـي لـمُـخـتلفين فَـتـقُ

نـصحت ونـحن مـختلفون دارا     ...     ولــكـن كـلـنا فــي الـهـم شــرق

إن موضوع (قصيدة وطن) هو بدون شك التعبير عن آلام يعانيها العراق عقب غزو التحالف الأمريكي وما خلفه من ويلات وإعاقات، ولكنها تترجم أيضا آلاما عانت وتعاني منها الأجيال المتعاقبة، كما عانى ويعاني منها المواطن في كل البلاد العربية... مما يمنحها عن حق صفة قصيدة العرب أو (رائية العرب) أجمعين مصداقا لعنوانها. إنها قصيدة احتجاج في وجه الظلم و جأر بآلام تنعش في الذاكرة آلام أجيال متلاحقة من هذا الشعب الطيب عبر عن مثيل لها شعراء عراقيون كبار سابقون، مثل محمد مهدي الجواهري الذي يقول في رائعة سياسية من روائعه يبث فيها همومه لنهر دجلة :

يا دجلةَ الخيرِ يا أطيـــافَ ساحرةٍ     يا خمرَ خابيةٍ في ظلِّ عُــــــرْجون

يا سكتةَ الموتِ يا إعصــارَ زوبعةٍ     يا خنجرَ الغدرِ، يا أغصان زيتون

أدري على ايِّ قيثارٍ قد انفـــجرت     اتغامُكِ السُمرُ عن أنَّـــــات محزون

تهزين من خصْبِ جنَّات مــنشَّرةٍ     على الضفاف ومن بؤس المـــــلايين

لعلَّ يوما عصوفا جارفـــا عرِما         آتٍ فتُرضيك عقبـــــــاه وترضيني

يغلب على قصيدة (رائية العرب)، منذ مطلعها الذي نظمه الشاعر (الدكتور صالح الطائي) صاحب مشروع القصيدة، شعور الغضب والرفض والنذير، ثم الأمل في الثورة المطهرة التي تعيد الأمل للبلاد كما تعيد البسمة لوجوه الناس:

حذار من الهدوء إذا تفشى      فعند الفجر قارعة تثور

وألف حذار من صبر التلظّي      هو البركان تحضنه الصخور

ففي النسمات إشعال اللّواظي     وإن الأمر يا هذا خطير

فبعد الليل تنتفض الحكايا      ويكشف وجه ملحمة سُـفور

وتورق كلّ أحلام الضحايا     ويبزغ رغم عمق الجرح نور

وهو معنى يتكرر في كل مفاصل النص من أوله إلى الآخر، أو يتكرر صداه بمائة لون عند الشعراء المائة والنيّف الذين شاركوا في إنتاج لحمة القصيدة وسداها :

نعم يا شعب إن الصبح آت    وليل الظلم مرتعه خطير

غدا نأتي بجيل بعد جيل    يفك القيد كي يحيا الأسير

غدا نبني عراقا يعرُبيّا     فقل يا ظالمي أين المصير ؟

ومع ذلك نجد في القصيدة أبياتا رقيقة مفعمة بحب هذا الوطن الجميل والتغني بخيراته وناسِه وتاريخه الحافل وأمجاده عبر العصور، لكن معظم هذه الأبيات المتغنية بالمحبة لا يخلو، هو بدوره، من التنديد بالظلم والحرمان الذي تعانيه الفئات البسيطة من الشعب الكادح :

ولدتَ مع الزمان فكنت ندا     له بملاحم أنت الجدير

رويت برافديك تراب أرض    فلانت من حضارتك الدهور

قضيت العمر أبحث عن ملاذ   عراق الخير في دمّي يمور

فأرضك جنة والنار فيها    ودجلة كوثر والنخل حور

وخيرك يغمر الآفاق منها     وشعبك جائع  فيها فقير

أيا وطنا بك التاريخ غنى     وصلّت بين نهريك الدهور

ويمكنك القول إجمالا إن قصيدة (رائية العرب) أنشودة رقيقة وحزينة ذات معان متكررة عبر عدد من الأجيال، يرن في أعماقها نفس إحساس الشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السياب وهو يتغزل بجمال بلاده وتناقضاتها من وراء مياه الخليج، عندما يقول :

عيناك غابتا نخيل ساعة السحر

أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر...

أو وعلى الخصوص حينما يقول مستشرفا غضبة الشعب ومندرا بها :

أَكَادُ أَسْمَعُ العِرَاقَ يذْخرُ الرعودْ

ويخزن البروق في السهولِ والجبالْ ،

حتى إذا ما فَضَّ عنها ختمَها الرِّجالْ

لم تترك الرياحُ من ثمودْ

في الوادِ من أثرْ .

ونعتقد في الختام أن القصيدة كانت موفقة تصورا وإنجازا، ولكننا نعتقد أن اشتراط ثلاثة أبيات لا غير على كل شاعر مشارك فيها، تفتح الباب بدون شك أمام أكبر عدد ممكن من الشعراء للمشاركة في هذا المشروع الأدبي والوطني المؤثر، ولكنه شرط كان يعوق الشعراء عن نظم المعاني المركبة التي تحتاج إلى الاستقصاء والتفصيل أو التحليل؛ لذلك تطغى على أبيات النص المعاني القصيرة والشعارات أحيانا، كما تطبعه بعض المعاني العمومية التي تتكرر باستمرار؛ وحبذا لو أتيح للشعراء المساهمة بأكثر من ثلاثة أبيات، إذن لطالت القصيدة أكثر على شاكلة عديد من المطولات والملاحم، ولتعددت وطالت وتكثفت فيها المعاني، ولتمكن الشعراء من الغوص في أحاسيسهم ومعانيهم بالتفصيل والوصف والحجاج.

 

الدكتور: رشيد بناني

باحث في الأدب والتراث، من المغرب فاس ـ المغرب

 

عبد الله الفيفيعن (ابن أبي الآفاق التراثي)، عن (ابن هشام الأنصاري، رحمه الله)، أنه قال في "شذور الذهب":

"ويجب حذف "كان" وحدها بعد "أمَّا" في نحو "أمَّا أنت ذا نفر" ويجوز حذفها مع اسمها بعد إنْ ولو الشَّرطيَّتين، وحذف نون مضارعها المجزوم، إلَّا قبل ساكن أو مضمر متَّصل."

ثمَّ قال (ابن هشام، نفسه، رحمه الله، أيضًا) في "شرح شذور الذهب":

"وأقول: هذه ثلاث مسائل مهمَّة تتعلق بكان بالنظر إلى الحذف: إحداها: (حذفها وجوبًا)، دون اسمها وخبرها، وذلك مشترط بخمسة أمور ؛ أحدها: أن تقع صلة لأن، والثاني: أن يدخل على أن حرف التعليل، الثالث: أن تتقدم العلة على المعلول، الرابع: أن يحذف الجار ، الخامس: أن يؤتى بما، كقولهم : "أمَّا أنت منطلقًا انطلقت"، وأصل هذا الكلام: انطلقت لأن كنت منطلقًا، أي: انطلقت لأجل انطلاقك، ثمَّ دخل هذا الكلام تغيير من وجوه؛ أحدها: تقديم العلة، وهي "لأن كنت منطلقًا"، على المعلول، وهي "انطلقت"، وفائدة ذلك الدلالة على الاختصاص، والثاني: حذف لام العلة، وفائدة ذلك الاختصار ، والثالث: حذف كان، وفائدته أيضًا الاختصار ، والرابع : انفصال الضمير ، وذلك لازم عن حذف كان، والخامس: وجوب زيادة "ما" وذلك لإرادة التعويض، والسادس: إدغام النون في الميم، وذلك لتقارب الحرفين مع سكون الأول وكونهما في كلمتين. ومن شواهد هذه المسألة قول العباس بن مرداس، رضي‌ الله‌ عنه:

أبا خراشة أمَّا أنت ذا نفرٍ                فإنَّ قومي لم تأكلهم الضَّبعُ." (1)

- هل فهمتم شيئًا؟

- لا!

- أحسنتم، وهذا هو المطلوب!  أذكرَني هذا بمدرِّسٍ للنحو، كان يغضب إنْ سألَنا: هل فهتم؟ فأجبنا: نعم!  كان يقول: "أولوا ما فهمتوش وخلاص!"

- لماذا يفعل هذا؟

- المطلوب عدم الفهم، وتلك سُنَّتهم منذ القِدَم؛ كي يستمر مسلسل الشروح والحواشي، والحاجة إليها وإليهم!  لكن ألا ترى أن المتن "شذور الذهب" كان أوضح من شرحه المفترض، مع أن المؤلِّف واحد؟!

- الحق أن المتن المشروح أوضح من شرحه!

- لأنه في المتن يصف الاستعمال، كما جاء عن العَرَب، على حين جعل يحاول في الشرح أن يُمنطق ذلك الاستعمال منطقةً عجيبةً، متكلَّفةً، ومتوهَّمة.  وكان بوسعه أن يقول إنَّ (كان) قد تُحذف بعد "إمَّا"، ويكتفي بذلك.  وأنا أتحدث هنا عن ابن هشام؛ لأنه موضع الشاهد، وإلَّا فهذا اللتُّ في كتب النحاة متوارث من قبله ومورَّث من بعده. وإنما هذا نموذج صارخ مما صنعوه باللغة العَرَبيَّة وبطلبتها؛ حين تَمنطقوا، فضاعوا وأضاعوا.

- ما الحكاية؟

- الحكاية حكاية طويلة عريضة.  ربما صدمهم (العباس بن مرداس، رضي‌ الله‌ عنه) بما لا يتفق مع قواعدهم، التي أقاموا الدنيا من أجلها ولم يُقْعِدوها، إذ قال: "أمَّا أنت ذا نفر".  فما الذي نصبَ "ذا" هذه؟ يا للهول!  لا بُدَّ من حل!

- ألهذه الدرجة كانوا واثقين أنه قال "ذا"، لا "ذو"؟  وكأنَّ الرواية جاءتهم مسجَّلة صوتيًّا!

- إنْ شاءوا، وثِقوا ووثَّقوا، وإذا بدا لهم بداءٌ، ضعَّفوا، وحكموا بالشذوذ، أو بالضرورة، ما وجدوا إليها سبيلًا.

- إنَّ صعوبة العَرَبيَّة، إذن، إنما صنعها لنا النحاة، من خلال تمنطقهم، وتنافسهم، وخلافهم، وصراعهم.  فأضحى جهدهم وبالًا على العَرَبيَّة، وإنْ كان في ظاهره لخدمتها.

- ثمَّ انظر، هنا، كيف أصرُّوا على أن حذف (كان) واجب؟  وكيف جعلوا "أمَّا" بدل "إمَّا"؟  وإنَّما العبارة، كما ينبغي لعَرَبي أن يقولها: "أبا خراشةَ، إمَّا أنتَ ذا نفرِ".  بل ربما كانت "أنتَ" في الأصل: "كُنتَ".  على أنه يجوز أن يقال: "إمَّا أنت ذا نفر"، و"إمَّا كنتَ ذا نفر".  لكنها حرفة النحوي حين لا يجد له حرفة!  ولقد صدق (عبَّاس حسن)(2) في نسبة هذه المسألة، التي استهلكت عقول النحويين، إلى محض التخيُّل؛ لأنَّ العَرَب، كما قال: "حين تكلموا بمثل هذا الأسلوب، لم يَدُر بخلدهم شيء من هذا الحذف، والتقدير، والتعليل، إنما نطقوا سليقةً وطبعًا، بغير اعتماد على تحويل وتأويل، أو مراعاة لقواعد المنطق، وغيره، مما لم يعرفوه في عصورهم السابقة على وضع القواعد النحوية."

- نعم، لم يَدُر...، لكن كلامه ينطوي على تسليم نظري بتعليل النحويين وتحليلهم.

- صدقتَ!  غير أن الأمر لم يكن يقتضي ذلك التخيُّل البعيد أصلًا.  ثمَّ ليت شِعري، أعندهم من الشواهد غير بيتهم اليتيم؟ وزعْم (سيبويه) أنَّ العَرَب تقول: "أمَّا أنت منطلقًا، انطلقتُ معك"، و"أمَّا زيدٌ ذاهبًا، ذهبتُ معه"؟(3) فإنْ صحَّ هذا، أمَّا كان يسعهم أن يَعدوها لهجة؛ فيريحوا ويستريحوا؟! ثمَّ كيف تُبنى قاعدة، تشغل حيِّزًا من كتب النحو على مَرِّ الدهور، ولا شاهد عليها، سِوَى بيتٍ روي شفويًّا، احتمالات الخطأ فيه والتصحيف واردة بلا حدود؟  ومن أين انتهت تلك الرواية إلى (سيبويه، -180هـ) وحده، فتأكَّد قطعًا من ذلك الحرف الفارق، وأن الشاعر قال "أَنتَ"، لا "كُنتَ"، وبينه والشاعر نحو قرن ونصف من السنين؟! أكاد أجزم أن الشاعر لم يقل البيت كما رووه، وإنما قال: "أبا خراشةَ، إمَّا كُنتَ ذا نفرٍ"، فجَعلَ جاعلٌ الهمزة فوق الألف بعد أن كانت تحته في "إمَّا"، وحوَّلَ "كُنتَ" إلى "أَنتَ"، واشتغلت عجلة النحاة على هذا الأساس أكثر من ألف عام. 

- ماذا عن ديوان الشاعر؟

- دعنا نذهب إلى ديوان (العباس بن مرداس السُّلَمي)!  الآن حصحص الحق! في ديوان الشاعر، بتحقيق (يحيى الجبوري)، تجد البيت كما توقَّعناه: "أبا خراشةَ، إمَّا كُنتَ ذا نفرٍ..."؛ فالبيت في الديوان لا شاهد فيه؛ لأن "كان" ثابتة، لم تُحذف. ولقد ذكر المحقق أن البيت واردٌ في اثنين وعشرين كتابًا من كتب التراث، في اللغة والنحو والأدب، منها ثمانية عشر كتابًا برواية "إمَّا كنتَ ذا نفرٍ"، أوَّلها معجم "العَين، (ضبع)"، لـ(الخليل، -173هـ)، أستاذ سيبويه، وهو راوية موثوق، وقد رواه بصورته الطبيعية: "إمَّا كنتَ".  ولم يرد برواية "أمَّا أنت ذا نفر" إلَّا في أربعة كتب، منها ثلاثة نحوية- طبعًا!- أوَّلها "الكتاب"، لـ(سيبويه)، والآخران متأخران- إنما نقلاه كما هو عن سيبويه، توارثًا للشواهد كزملائهم من النحاة- هما: كتاب (السيوطي)، "شرح شواهد المغني"، وكتاب (البغدادي)، "الخزانة". وأمَّا الرابع، فكتاب "المسلسل في غريب لغة العَرَب"، لـ(التميمي).(4)  وكذلك يفعلون؛ فلهم رواياتهم الغريبة، المنتقاة أو المصطنعة! 

- والله المستعان على ما ينتقون ويصطنعون!

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفـَـيْـفي

...........................

(1) ابن هشام، (2004)، شرح شذور الذهب، عناية: محمد محيي الدين عبد الحميد، (القاهرة: دار الطلائع)، 215- 216.

(2) (1974)، النحو الوافي، (مصر: دار المعارف)، 1: 583. 

(3) انظر: (1988)، الكتاب، تحقيق وشرح: عبد السلام محمَّد هارون، (القاهرة: مكتبة الخانجي)، 1: 293. 

(4) انظر: ابن مرداس، العبَّاس، (1991)، ديوان العباس بن مرداس السُّلَمي، تحقيق: يحيى الجبوري، (بيروت: مؤسسة الرسالة)، 106. 

 

محمد العباسيهل تصدقون أن الأطفال الصغار لا تشغلهم هموم المستقبل ولا تشغلهم هموم الحياة من مأكل ومشرب وتكاليف مادية ومتطلبات واحتياجات، رغم يقيننا أن كل تلك الهموم آتية لا محالة؟ بل يبدو من حيث المنطق والواقع أنهم يعيشون فترة أمان واستقرار نفسي ولا يشعرون بالحاجة للمنافسة ولا الغيرة من أقرانهم من الصغار، فهم جميعهم يعيشون في عالم الطفولة والبراءة والسكينة والرضى.. بل لا يعرف الطفل الفقير شيئاً عن الطفل الغني حتى يزوره في داره.. وقد يكتشف أن المنزل أكبر من داره وأكثر نظافة.. ويرى أن طفل العائلة المقتدرة يمتلك ألعاباً وحديقة وربما بركة سباحة.. ويرى زميله الصغير الأكثر حظاً لديه غرفة خاصة به وحده، وسرير وثير ودولاب ملابس يحوي الكثير من الخيارات.. ويسمع لأول مرة في حياته عن أنواع الطعام والأكلات السريعة التي قد يطلبها عبر اتصال هاتفي وكم المبالغ التي قد يصرفها هذا الزميل في عالم لم يكن ليحلم به الطفل الفقير في منزله.. وهنا فقط تحصل معجزة التحول من الرضى إلى نبذ الواقع.. ويتحول كل ما كان هذا الصغير الأقل حظاً يتمتع به من قبول وتقبل إلى عدم رضى وتذمر، بل وربما إلى كراهية أهله لعدم تمكنهم من توفير ما يحظى به الآخرين من متع الدنيا !

فالطفل الذي كان يستمتع بتغميس قطعة من الخبز في كأس من الشاي مع الحليب عند الإفطار أو للعشاء بات يعلم أن هنالك خيارات أخرى عديدة كانت خافية عنه.. والطفل الذي كان يأوي إلى فراش واحد مع بعض إخوته في غرفة مشتركة مع آخرين من أفراد أسرته بات يعلم بأن هنالك أطفال يمتلكون غرفهم الخاصة بهم.. والطالب الصغير الذي يضطر للسير إلى مدرسته البعيدة في الصيف والشتاء حاملاً حقيبته المدرسية الثقيلة قد اكتشف أن معه في المدرسة زملاء يتم توصيلهم إلى باب المدرسة بسيارات فارهة.. والمقارنات كثيرة ومتفرقة، وقليلون هم من تثير عندهم مثل هذه الفروق نزعات إيجابية نحو الجد والاجتهاد والتفكير في مستقبل منير للتعويض لاحقاً عما ينقصهم في الحياة.. لكن في الغالب قد تغلب أكثرهم مشاعر الدونية والغيرة والحسد وتدفع بهم نحو أمور سلبية تكبر معهم وتتحكم في مصائرهم وتقودهم إلى زوايا داكنة ومسالك نفسية غير سوية.

وقد نشرت هنا فيما سبق مقالاً بعنوان "المجرم الصغير" حول موضوع تأثير الفقر وسوء التربية والإهمال على التكوين النفسي للأطفال وتحولهم في سنوات المراهقة وما يليها إلى ممارسة سلوكيات سلبية تقودهم إلى العوالم السفلية من الانحراف واللصوصية والإجرام.. ولست هنا بصدد تكرار ذات القضية، بل أود أن أثير جوانب أخرى أكثر عملية لعلها تعزز بعض الإيجابية في النظرة المستقبلية للحياة لدى الصغار.

تقول الأستاذة "يسرى فيصل" في موقع (سيدتي) أن التفكير السلبي يعد من أهم عوامل الفشل الرئيسة عند الطفل كونه يتسبب في خفض التقدير الذاتي لديه، رغم أن كثير من الأمهات والآباء يكافحون من أجل تطبيق قواعد تربوية "سليمة" ليجعلوا من أبنائهم أطفالاً مثاليين يعتمدون على أنفسهم ويحسنون التصرف.. ولكن أحياناً يصبح نقص المعرفة أو ضغوط الحياة سبباً يخلق لنا شخصية سلبية لا تعرف التعامل مع المواقف.. فالنظرة الإيجابية تساعد الأطفال في التغلب على أي مشكلة تواجههم خاصة وأن النكسات الصغيرة قد تؤثر عليهم بشكل سلبي، ولكن يجب أن يفهموا أنها ليست نهاية كل شيء، فإذا كان الطفل منذ الصغر يفكر بإيجابية سيكون قادراً على حل المشكلات بسرعة ويتعلم أن ينظر إلى الجوانب المختلفة للحياة بإيجابية وانفتاح ووعي، فالإيجابية تعلم الأطفال المرونة والقدرة على التأقلم.

تبين الكثير من الدراسات أن من أهم الأسباب المؤثرة على اكتساب الصغار نظراتهم السلبية أو الإيجابية نحو الحياة هي في الأساس نابعة من الجو العائلي، ممن حولهم، من الآباء والأمهات، قبل انخراطهم في أجواء اللعب مع أقرانهم والتواجد في المدارس أو الحواري.. أي أن التربية تبدأ في البيت وتمتد لاحقاً في البيئة المحيطة.. فاللبنات الأولى يتم بنائها في حضن الأم وكنف الأب سواء كان بسبب الافراط في الدلال أو بسبب التعنيف والقسوة النابعة من الجهل في أساسيات التربية السليمة والناجعة.. وكثيرون هم ممن يتصورون بأن تربية الأطفال والأبناء يجب أن تكون بنفس الطريقة التي اتبعها معهم آباؤهم، أو في بعض الأحيان "بطريقة معاكسة" تماماً.. فإذا كانوا يكرهون الأسلوب الذي تربوا به، ألا ينبغي علينا جميعاً أن نكتشف بالضبط ما تقوله الدراسات والأبحاث ومن ثم نشرع في تربية أبنائنا بناءً عليها؟   كثيرة هي الأبحاث التي أُجريت على مدار الأعوام الخمسين الماضية التي تركز على مفهوم أن بعض طرق تربية الأطفال تأتي بنتائج أفضل من غيرها، من حيث إنها تؤدي إلى نمو علاقات أفضل بين الآباء والأبناء، وتُخرّج لنا أطفالًا سعداء وأصحاء وأكثر فاعلية.

ربما يعتقد البعض بأن الحب والعاطفة يؤديان بالضرورة إلى سعادة الأطفال والرضى الدائم رغماً عن نواقص الحياة أو جودتها المرجوة.. ويرى آخرون بأن التركيز على الجانب العاطفي قد يؤدي إلى الدلال المفرط والاعتماد التام على دور أولياء الأمور في حل المشاكل وتوفير أسباب الحماية مما قد يساهم في عدم اكتسابهم جل مفاهيم ومهارات التصرف السليم عند مواجهة التحديات.. ويذهب البعض إلى أن العلاقة الأسرية السليمة تشمل علاقة الأب مع الأم قبل علاقتهما بالأبناء.. فالعلاقة الإيجابية بين الآباء أنفسهم تنعكس على نظرة الأبناء للحياة، وتتكون لديهم مفاهيم الحياة الاجتماعية السليمة والمتكاملة بغض النظر عن وجود بعض المنغصات الأخرى.

كيف لنا في آخر الأمر من توفير البيئة الصحية والسوية أو المناسبة للصغار؟ ربما يكون الجانب المشرق في المسألة أن الآباء يمكن تدريبهم.. إذ تؤكد الدراسات الاجتماعية والنفسية بأن الآباء الذين حصلوا على دروس في التربية عادة يحرزون نتائج أفضل مع أبنائهم من الآباء الذين افتقروا لمثل هذا التدريب.. فيبدو أن المزيد من التدريب يؤدي إلى نتائج أفضل حيث يمكن لبرامج التدريب (مثل برنامج التربية الرشيدة المبنية على الأدلة، الذي قام بتطويره "دونالد أ. جوردون" من جامعة "أوهايو" الأمريكية) تحسين ممارسات التربية بالفعل.

وتقول الأستاذة "سماء عبيدات" في موقع (حياتك) أنه من الطبيعي أن الأطفال يتأثرون بسلوك آبائهم وأمهاتهم كثيراً، ويكتسبون العديد من المهارات والتصرفات منهم.. ومن خلال العديد من الأبحاث يفترض الباحثون أنه توجد روابط بين سلوك الآباء والأمهات وآثار هذه السلوكيات على الأطفال، وأنها تنتقل إلى سلوك البالغين، ولكن يمكن لبعض الأطفال الذين تربوا في بيئات مختلفة أن تتطور شخصياتهم لاحقاً لتصبح مشابهة لشخصيات آبائهم بشكل ملحوظ، وعلى العكس من ذلك أيضاً، فإن الأطفال الذين يشتركون في منزل واحد وتربوا في نفس البيئة، يمكن أن يكبروا ليكونوا شخصيات مختلفة للغاية كنتيجة حتمية طبيعية لروح المنافسة والفروق الفردية.

تبقى العائلة هي أول عالم اجتماعي يواجهه الطفل، والأسرة لها دور كبير في التنشئة الاجتماعية، ولكنها ليست الوحيدة في أداء هذا الدور.. فهنالك تأتي لاحقاً الحضانة والمدرسة ووسائل الإعلام والمؤسسات المختلفة التي تأخذ هذه الوظيفة من الأسرة؛ لذلك تعددت العوامل التي قد يكون لها دور كبير في التنشئة الاجتماعية سواء كانت عوامل داخلية أم خارجية.. هنالك عوامل اجتماعية أخرى كالثروة والحالة المادية وحتى مستوى التعليم مما تملك أقوى تأثير على أساليب تربية الأطفال وتستخدم من قبل والديهم حيث يكون الوعي أكثر نضوجاً نحو دورهم في التربية وكيف أنها من أهم المهام المنوطة بالوالدين وأخطرها.. مع كل ما فيها من صعوبات وتعقيدات ومشاكل وظروف متفاوتة.. إن مجموع العوامل الخارجية التي تحيط بالإنسان، والتي تؤثِر بشكل مباشر أو غير مباشر في تربية الصغار، تُسمى "المحيط".

وأهمّ هذه العوامل المحيطة التي تؤثر في الناشئة وكل من لهم التأثير على نمو المفاهيم لدى الصغار قد تشمل الدين ودور العبادة والأسرة والعلاقة الأسرية بين كافة الأفراد بشكل جماعي أو فردي، والمستوى الثقافي أو التعليمي ونوعية الصحبة من رفاق وأقران، والجو المدرسي بشكل عام، بل وحتى وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي والوضع السياسي والاقتصادي والثقافي للمجتمع المحيط بالأطفال !

ولا شك أن هنالك عوامل أخرى قد تلعب دوراً في ترسيخ مفاهيم سلبية لدى الصغار بسبب إصرار بعض الآباء على ممارسة أساليب تربوية غير مناسبة.. إما بسبب ما تربوا هم عليها ويظنونها هي الأنسب أو لأنهم يعتقدون أنها لم تكن مناسبة ويحاولون القيام بعكسها تماماً.. فالحماية الزائدة والتدليل وتوفير كل متطلبات الحياة والحرية التامة قد تأتي بنتائج عكسية على المدى البعيد.. وكذلك بعض أساليب المعاقبة والحرمان والتسلط والتناقض في الأقوال والأفعال والتذبذب في المعاملة، فكلها تؤدي إلى نمو مشاعر غير واضحة المعالم وبالتالي تؤدي إلى تفاوت وتناقض ردود الأفعال.

ربما يكمن ملخص القول هنا أن كل طفل منذ نعومة أظفاره يكون معرضاً لشتى أشكال المؤثرات المحيطة به وكلها تترك عليه بصمات.. ومن البديهي أيضاً أن العملية ليست بهذه السهولة والوضوح لنضع أصابعنا بكل يقين على مواطن الخلل.. ويبقى الطفل بيننا يتحمل كل ما ندلقه نحوه من أفعال ومحاولات وأساليب تربوية كل حسب قدراته وعلمه وثقافته.

كيف لنا إذن أن نلعب دوراً فاعلاً في توفير البيئة السليمة لنمو أطفالنا وحمايتهم من منغصات الحياة التي ستواجههم بلا محالة في مستقبلهم القريب والبعيد؟  كم من الوقت والجهد يمكن استثماره في هذا المجال وكلنا نعلم مدى صعوبة توافر ذات البيئة والقدرات لدى الجميع وبنفس النتائج؟  فكم هي نسبة العائلات التي قد تعيش ظروفاً صعبة في الأساس وتفتقر للقدرات المادية والمعنوية للولوج في خضم توفير أساسيات التربية السليمة؟  كيف يمكن للمجتمعات والهيئات والجمعيات المعنية بالأسرة والطفولة، وحتى وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، أن تلعب دوراً مسانداً للآباء والأمهات في حماية وتربية وتنشئة الأجيال القادمة قبل انفراط العقد وتبعثر الأحلام؟

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

 

عاطف الدرابسةلن أُحاولَ أن أُؤكدَ على الصِّلةِ بين الرَّسامِ والشَّاعرِ، كما لن أسعى إلى إثباتِ الصِّلةِ الحيويَّةِ بينهما، ربَّما ما زالت فكرةُ هوراس أنَّ الشِّعرَ هو التَّصوير تُشكِّلُ مُرتكَزاً حقيقيَّاً لكشفِ جوهرِ العلاقةِ بين الشِّعرِ والرَّسم، ولعلَّني هنا لا أبتعدُ كثيراً عن مقولاتِ النَّظريَّةِ النَّقديَّةِ: قديمُها وحديثُها؛ فالنُّقادُ ارتكزوا على كتابِ هوراس في محاولةِ تحديدِ ماهيَّةِ الشِّعرِ، ويبدو لي أنَّهم حين يُعرِّفون الشِّعرَ يلجأونَ إلى الرِّسمِ؛  فالجاحظُ مثلاً المُتوفَّى عام 255 هجرية، يُحدِّدُ ماهيَّةَ الشِّعرِ مُستعيناً بالرَّسمِ كما يظهرُ من مقولتِه: "فإنَّما الشِّعرُ صناعةٌ؛ وجنسٌ من التُّصوير"، ولعلَّ عبارةَ: (جنسٌ من التَّصويرِ)، هي أنضجُ عبارةٍ في النَّقدِ العربيِّ القديمِ، أقامت علاقةً بين الشِّعرِ والرَّسمِ .

بيدَ أنَّ السُّؤالَ المشروعَ هنا: ما هي طبيعةُ العلاقةِ بين مقولةِ: أنا أنظرُ، ومقولةِ: أنا أكتبُ؛ أو ما العلاقةُ بين عبارةِ: أنا أشعرُ، وعبارةِ: أنا أتصوَّرُ، وربَّما قد نُفجَأُ بسؤالٍ آخر حول العلاقةِ بين مفاهيمَ نقديَّةٍ من مثلِ: المجازِ، التَّخييلِ، والتَّصويرِ .

إنَّ مخرجاتِ الاستعارةِ اللَّفظيَّةِ، أو مخرجاتِ المجازِ في الأدبِ، وطرائقِ تشكُّلِ بنيةِ المجاز، هي التي تُسهمُ على نحوٍ ما في تشكيلٍ صورةٍ في ذهنِ المُتلقِّي، أي أنَّنا هنا نُشيرُ إلى الوجودِ الذِّهني للصُّورة، وعبارةُ: (أنا أنظرُ)، تقودُنا إلى مفهومِ الإنطباعاتِ البصريَّةِ، بمعنى أنَّ الرَّسمَ أو النَّحتَ أو الرَّسمَ بالخزفِ هو شيءٌ ماديٌّ، يُرى بالعينِ باعتباره وحدةً واحدةً، لا تخضعُ لشروطِ الزَّمانِ والمكانِ، وهو أمرٌ لا يتوافرُ في الشِّعرِ خصوصاً، وفي الأدبِ عموماً، فالشِّعرُ يستجيبُ لشروطِ المكانِ؛ وشروطِ الزَّمانِ، ولن نكونَ دقيقينَ إذا اعتبرنا أنَّ الشِّعرَ والاستعارةَ هما شيءٌ واحدٌ، أو أنَّ كلمةَ الشِّعرِ وما تنطوي عليه من التَّصويرِ قد تشملُ الأعمالَ الفنيَّةَ كاملةً .

يمكن أن أقبلَ أنَّ الاستعارةَ التي تخلقُ صورةً في الذِّهنِ، قد تتحوَّلُ إلى لوحةٍ فنيَّةٍ تُرى بالعينِ، أو منحوتةٍ، وبالتالي يُمكنُ أن تُحقِّقَ مبدأَ الانطباعِ البصريِّ، ويبدو لي أنَّ العلاقةَ بين الرَّسمِ والشِّعرِ ستأخذُنا إلى مفهومٍ أعمقَ لفكرةِ الشَّكلِ والمضمونِ .

ولعلَّ الفجوةَ بين ما هو شِعريٌّ لغويٌّ، وما هو بصريٌّ، يُمكنُ ردمُها إذا أعدنا فهمَ الاستعاراتِ اللَّفظيَّةِ بوصفِها بِنية موازية للاستعاراتِ البصريَّةِ في الفنونِ التَّصويريَّةِ والتَّشكيليَّةِ .

وكذلك يُمكننا ردمَ تلك الفجوةِ إذا أعدنا النَّظرَ في مفهومِ الشَّكلِ، أو من خلالِ تفعيلِ الطَّريقةِ الطبولوجيةِ لفهمِ هذه العلاقةِ، ولذلك فثمَّة تشابهٍ بين قوانينِ الشِّعرِ، وقوانينِ الرَّسمِ .

ومن جانبٍ آخر، فإنَّ الرَّسامَ عادةً ما يمتلئُ بالرُّوحِ التي تُحرِّكُ الحياةَ في الشِّعرِ، فالرَّسمُ يفعلُ بالعينِ ما يفعلهُ الشِّعرُ بالأُذن، وهناك إشارةٌ لبيكاسو تُفيدُ بأنَّ: الرَّسمَ هو الشِّعر، وهو دائماً يُكتبُ على شكلِ قصيدةٍ، ذات قافيةٍ تشكيليَّةٍ .

وقد أدركَ الشَّاعرُ الغنائيُّ الأوَّلُ (سيمونيدس) (٤٦٨- ٥٥٦ ق.م) الصِّلةَ الوثيقةَ بين الشِّعرِ والرَّسمَ بقوله: "إنَّ الرَّسمَ شعرٌ صامتٌ"، ولعلَّ الأمرَ اللافتَ للنَّظرِ أنَّ صدى تلك المقولةِ قد تردَّدَ في تعبيرٍ ليوناردو دافينشي في القرنِ الخامسِ عشر بقوله: "الرَّسمُ شعرٌ يُرى، ولا يُسمعُ، وأنَّ الشِّعر رسمٌ يُسمعُ ولا يُرى"، وفي القرن العشرين   تتردَّدُ الفكرةُ نفسها بقول إدوارد كامينجز حينما وصفَ نفسَه في مقدمة ديوانِه ومجموعته الفنيَّة (CIOPW)، بأنَّه: كاتبُ صورٍ، ورسَّامُ كلماتٍ، كما وصفَ عمليَّةَ الإبداعِ بأنَّها سماعُ لوحاتٍ، ومشاهدةُ قصائد .

وحميميَّةُ الصِّلةِ بين الشِّعر والرَّسمِ تظهرُ على نحوٍ مباشرٍ جداً في المفرداتِ المشتركةِ بين الفنَّين، فكلاهما يستخدمانِ الأساطيرَ والتاريخَ والحلمَ والخيالَ، ويستندانِ إلى قانونِ البِنيةِ بوصفِها نظامٌ من التحوُّلاتِ، فالنِّظامُ نفسه كما يُفعَّلُ في الشِّعرِ، يُفعَّلُ في اللَّوحةِ، فالتَّكوُّنُ التشكيلي في اللَّوحةِ يتكرَّرُ نتيجةً للتنظيمِ الذَّاتي، وهو نفسُه ما يحدثُ في الشَّكلِ الشِّعري، والتَّنظيمُ الذاتي لا ينفصلُ عن مبدأِ الشُّموليَّةِ، ومبدأِ التَّحوَّلِ .

 

د. عاطف الدرابسة - الأردن

 

حيدر عبدالرضاالمؤلف البديل بين فواصل الذروة ومفترض بدائل الاستبدال

توطئة: تسجل دلالات الواقعة الإبدالية والاستبدالية في وظائف ومحاور رواية (الجبان) للروائي والقاص الصديق ياسين شامل، ذلك المجرى الملح في دائرة إمكانية الأسباب والعوامل السببية في تنصيصات الإدماج والاندماج التداخلي الموظف ما بين أطراف محاور (السارد المشارك ـ المؤلف الضمني ـ المؤلف البديل ارتباطا إجرائيا مغموسا بمؤثرات دائرة تحقيق العلامة الشخوصية في طيات محامل وظائفها ومواقفها الزمنية والمكانية والظرفية المكتظة بصوت ومحورية أصداء السيرذاتية المستوعبة في مجال حساسيتها البؤروية المشغولة بنقل محكيات الذات المعزولة والمغمورة عبر وسائط رواية المؤلف الحقيقي . من الممكن لنا القول عن تجربة رواية (الجبان) للصديق ياسين شامل، إنها جملة علاقات نفسانية وعاطفية وموقفية مستلهمة بوظيفة ملازمة حيثيات مفردات الواقع البديل تخيلا عن المشخص من سيرة حياة المؤلف، ولكنها من جهة ما تستشف وتجترح لإحداثها ومسار أفعالها (منطق الاستبدال = الإبدال) بمعنى ما إنها توظف سلوكيات الواقع المشخص في مجرى واقعية إستبدالية محسوسة، ولكنها في ذات الوقت لا يمكننا التعرف عليها في حدود من استقامة الشواهد الأحوالية والتمفصلية من دليل الواقع المغاير .و على هذا الأساس سوف نتعامل مع أجواء دلالات الرواية، بما يتاح لنا من خطية شواهدها النصية الاعتبارية، مأخوذين بذلك باعتبار أن الراوية في ثوبها اللبوس غير خاضعة لحقائق المعنى، بل أنها خاضعة إلى مجال من تأويلات الناقد والقارىء فحسب . الرواية كانت تؤشر لأهم موضوعة تتعلق بحوادث الثورة الشبابية في البلاد، وانطلاقها في شوارع وتقاطعات المدن المخطوفة، وهذا الأمر ما جعل من مدلول الرواية بمثابة قيمة مشرئبة في التحول الجاذب نحو الاستجابة الآنوية من النص ـ اكتمالا ـ مع الأنا الجمعية في الوعي المرسوم لها في أحداث التوصيف الروائي .

ـ الفضاء الشخوصي وتمفصلات موضوعة الدال الانهزامي .

بدا لنا الواقع الشخوصي في محاور رواية (الجبان) مجالا وإلهاما نحو التفكر بماهية الأسباب القصوى التي جعلت من الروائي نفسه، أن يشرع في زرع ورسم المنزع الإنهزامي في نوازع شخصيته منصور، فيما راح في الوقت نفسه يشيع أكمل المظاهر التكاملية في نرجسية ووثوقية الشخصية المرمز إليها بـ (ك) والحال ما راح ينطبق عليه دون باقي شخوص الرواية حالا وموقفا ونعتا بشقيقة المسمى (ك) التي يرمز إليها أيضا بـ (ن) وتلوح لنا علاقات وأحوال الواقع الروائي، عن مشخصات حكاية غريبة، تتعلق بالسارد المشارك ـ منصورـ وكيفية خطواته في النص بحثا عن دلائل واستدلالات وصوله إلى من كان سببا في مقتل الشخصية سمر في الرواية: (عندما عدت من بغداد شعرت بارتياح، وجدت جنات في بيتنا، التي عملت في عدد من دول الخليج، واكتسبت صفاء لغتها، وقد أختار لها ـ ك ـ غرفة في الطبقة الأولى كي تكون قريبة من غرفة أمي، وترك الطبقة الثانية، ثم نصب منظومة كاميرات مراقبة، بأمر من ـ ك ـ وحين سألته أجاب: بأنه يريد لي السلامة في هذا الوضع المربك، فالاحتياط واجب بعد حادثة مقتل سمر . / ص7 الرواية) تتداعى في السياق النصي، حركة استباقية من شأنها استعادة وتأشير مرحلة زمنية متقدمة في السرد، اقترانا لها باستعادة الأحداث بصورة أولية نواتية في بداية النص، ولأنها هي المحور الأهم في بؤرة النص، بقيت مظاهر السرد في النص عارضة لأحداث تجرى من خلال مسرودية ضمير منصور كساردا مشاركا . وما يدفع هذه الشخصية الانهزامية تحديدا نحو إلتباسية عاطفتها الكليلة، أي في ذلك الشعور المتوفر لديها بالخجل والقلق الاكتئابي من مواقف أحاسيسها بالأشياء من حولها، كحال مواجهة المواقف والأشخاص من قبل ذات واهنة تخشى الخروج من وهن حجبها، إذا تطلب أمرها مقابلة أو مصارحة في حالة من مشاعر الحب إلى فتاة معينة، وهذا الأمر ما صدفنا في موقف الشخصية منصور من سفانة وسمر: (كلما نظرت إليها وهي جالسة، أجدها مختلفة عن الآخرين، كانت لملابسها لمسة فتاة / على الرغم مما كان لسمر من الجمال بما يكفي لجذب الشباب، فهي تصغرني بعشر سنين ..شعرت بأنها غريبة في تصرفاتها .. ولا تطلب من أحد أن يفهمها / لعل كل ما أراه في تصرفاتها ينطوي على سر عميق .. لا تريد البوح به لأحد .. أنا أعذرها .. فأنا أيضا لي أسراري . / ص23 الرواية) قد تكون أوجه التقارب والمغايرة ما بين (منصور = سمر)علاقة مجبولة على التلاقي في صفات حاضرة وغائبة معا، ومن أجل أن لا نفهم بأن الشخصية سمر كانت واقعة في عشق منصور يوما، علينا فقط أن نفهم بأن الشخصية منصور يشكل في سلوكه العاطفي الواهم، مجالا هشا في كل عشق لفتاة يلاحظها في مسار ما وقع عليه بصره، وهذا دليلا على أنه رجلا مهزوزا تداعب وتحرك حتى طنين الذبابة العابرة مشاعره العاطفية بجمرة ملامسة قلبه بواصلة حسية قد تكون مقصودة أو غير مقصودة من الفتاة التي يقابلها في حياته، هذا الأمر ما كان ينسحب بدوره على سفانة زميلته في أيام الدراسة الجامعية، فهذه الفتاة اللعوب بدورها وغوايتها القاهرة، ما كان يجعل منصورا أسيرا لها في وهب كل مصروفه الجامعي لها، المستوى الذي وصل إلى حدود انتشال علبة سكائره التي كان يمنحها إياها بسخاء المهزوم المستضعف . في الحقيقة هناك في الرواية مواقف مفتعلة إلى حد ما، فمثلا ما قيمة استعراض (ياسين شامل) لأسماء أصدقاءه في الواقع لتكون لها دورا في أحداث النص ؟هل هذه الأسماء الواردة لها علاقة عضوية وبنائية ودلالية جادة في ضرورة الخطاب الروائي مثلا ؟ فما الجدوى من ذكر أسماء المطاعم وأصحابها الأصل في مجرى الحبكة الروائية؟ ألا يعتقد الصديق الروائي بأنها محض نكتة مثلا أو مهزلة إعلانية في الإشهار بأسماء أهل الأوساط الأدبية في مدينة البصرة وباعة الصحف داخل أحداث روايته بشكلها المباشر ؟ كنت أتمنى من الروائي أن يكون موظفا لإحداثه الروائية بما فيها من ضرورة مؤشرات الأحوال البنائية والحبكوية الجادة في انتقاء شخوص الواقع الأصل دون حاجة ذكر مسمياتهم البديهية، ربما بهذا الحال أصبحت الممارسة الروائية لديه أسمى وأجدى مما دبجه في أحدى فصول روايته من إعلانيات لا ضرورة لها إطلاقا داخل حيز سياق السرد وحكاية الرواية ؟ صحيح أن هناك روايات وقصص تستثمر عناصر شخوصها من حيز واقع الكاتب، كالأسماء والمدن، ولكنها أسمى من أن توظف مثل هذه المقتطفات وبهذه الصورة من الأخوانيات الإعلانية المباشرة: أقول لو كان يرغب الصديق ياسين شامل في هذا المجال من ذكر الأسماء المباشرة وعلاقتها المباشرة به، فلربما كان ممكنا له أن يكتب مذكراته ويومياته قريبا من أصدقاءه في المحافل الأدبية وبعيدا عن مشاغل وهموم كتابة موضوعة الرواية وتوظيفاتها الضمنية والمضمرة غالبا في أفق من التلميح المرمز لا التصريح بعبارات واسعة من يومياته، أعود إلى نقل شاهدا من هذه المقتطفات من رواية الصديق: (تركت مكتبة الصحراء لصاحبها حمزة العبدلله / فدخلت مطعم أبي ستار / توقفت قرب كشك أبا علي بائع الصحف / ذهب الشاعر والناقد إلى مكتبة القبة لملاقات صاحبها كاظم اللايذ الشاعر الخلوق / تحولات الواقعية الشيئية للناقد خالد خضير / وكان صاحب المكتبة صفاء ذياب الذي كعادته لا يعجبه العجب . / ص36 . ص37 . ص38 . ص40 . ص41  الرواية) وغيرها من فقرات سردية مذكراتية هي من الإشهارية حصرا والإعلانية اللامبررة ضربا، إذ لا علاقة لها هذه الفقرات والوحدات في بناء الدلالة الروائية في سياق من نمو الأحداث والتبئير، كان بإمكان الروائي أن يوظف هذه الشخوص ضمن علامات واقعية متخيلة تستنشق أريجها الطلق عبر خلفيات ومحاور أشد إتماما في معادلة السرد الروائي، دون إفساد الرواية بكشف علاقات يومية تقريرية خاصة بذاكرة الكاتب بهذه الأسماء من الأدباء الأصدقاء له ولنا ولكن خارج الرواية.

ـ المؤلف البديل وأسرار مدونة الفصل الأخير

أكيد أن محاولات الشخصية الانهزامية الفاقدة إلى أبسط روح المواجهة والإرادة الكاملة، صعبا عليها تقديم روايتها وذاتها إلى مجتمع القارىء الجريء والمشاكس والرقيب، لذا وجدناه أي الشخصية الروائية في الرواية فارا من كتابة الفصل الأخير من روايته: (هكذا أنقضت رواية منصور ولأنني لم أعرف طريقا له،ولم أجده في أي مكان يلتقي فيه الأدباء والمثقفون / شعرت في أثناء الكتابة بأنه يرافقني ويبدي موافقته، لذلك قررت توزيعها لما فيها من جرأة . / ص168 الرواية) في الحقيقة أن أجمل ما في رواية (ياسين شامل) والتي لا أحبذ عنوانها أبدا من جهتي الخاصة، هو إمكانية العلاقة المغيبة للشخصية منصور صاحب الرواية (الجبان) ما راح ياسين شامل يحقق علاقة تكنيكية هي ليست بالجديدة في الأسلوب الروائي، ما بين حيز المؤلف المفترض ـ المؤلف البديل، اقترانا بإمكانية التوحد والتماهي في خطاب المؤلف الحقيقي، وهذا الأمر ما جعلنا ننبهر بالضربة المضمونية في نهاية الرواية، بعد اكتمال كتابة الفصل الأخير من قبل المؤلف البديل ـ المؤلف الضمني احتمالا: (في الحال تم اقتياد منصور إلى جهة مجهولة ـ في الساعة التاسعة في نشرة الأخبار من الفضائية الرسمية كانت المذيعة التي بالغت بوضع مكياجها تذيع الخبر: بعون الله وبهمة الأبطال تم إلقاء القبض على أحد أفراد الطرف الثالث، بحوزته سلاح الجريمة في قتل المتظاهرة الشهيدة سمر . / ص174 الفصل الأخير: الرواية) .

ـ تعليق القراءة:

نكتشف من خلال فصول الرواية ما قبل الأخيرة، بأن الشخصية سمر كانت ناشطة في التظاهرات الشعبية وقد تم تهديدها من قبل الطرف الثالث المتمثل بـ (ك) والطرف (ن) بعد أن جرى خطفها ثم مقتلها على أيدي مجهولة الهوية والعلاقة . ولكن من سوء حظ المسكين منصور أنه تسلم مسدسا من قبل الشخصية (ك) بعد أن أقنعه هذا الأخير بضرورة حمله تفاديا لحدوث أي مكروه له، وعلى هذا النحو فإن نهاية الرواية جاءتنا كرواية داخل رواية واصلة بفواصل من المحبوك الاستبدالي ما بين المؤلف الشخصية في الرواية وبين المؤلف البديل عن هذه الشخصية لإكمال روايتها . أقول مجددا أن رواية (الجبان) تجربة فاعلة من خلال وسائل حبكها الذروية جماليا، فيما تحتل وظائف شخوصها الداخلية والخارجية حيوات متحولة ومبررة في مسار العلاقة المحبوكة من الشد الموضوعي الموزع ما بين إجرائية الدال المنفذ والدليل الروائي المسجل لأهم تطورات الرواية .أما من ناحية فكرة الرواية، فهي صورة سير ذاتية للمؤلف الذي راح يقدم لذاته الكاتبة في زوايا وجهة نظر مختلفة، قد تفصح عنها مساحة بنية المدلول معادلا أحواليا محتملا في ضوء تجليات أكثر عمقا وتأشيرا في الخطاب الروائي المبثوث في فضاءات من نزيف استقصاءات الوحدة المضمونية المفترضة من جهات البدائل الدلالية، إي إننا في نهاية مداليل الرواية، لعلنا أمام عدة خيارات وبدائل مضمونية، أولا أن الخاتمة منقسمة إلى أكثر من حالة دلالية وموضوعية، ثانيا أن علاقة الخاتمة بالعنونة الروائية، قد لا تعكس سوى رؤية مرتبطة وحيثيات فكرة دال (الجبان)، لأن ما مر به الشخصية منصور ما هي إلا حالة انهزامية نفسية تحكمها دوافع ظرفية وموضوعية خاصة، وليس كما هو ظاهرا من وراء صفة الجبن عبر شرائطه المختلفة . ببساطة أن خصائص موضوعة الرواية فيها من الإسراف والمبالغة في تحجيم موقع الشخصية في ما ليس ممكنا أبدا في طبيعة التوظيف الشخوصي، كما أن عملية ابتداع هروب المؤلف للرواية، بالإضافة إلى مفارقة إتمام فصلها الأخير من قبل صاحب دار الطباعة، قد يبدو عمل غير مقبول فنيا، بل أنه يحمل أوجه كبيرة من المفارقة في مستوى الإقناع الموضوعي للرواية وسردها . لعل الصديق الروائي كان يطمح من وراء هذا المعنى إنتاج آليات تقنية حاذقة أو لعبة فنية خاصة في خصوصية مواقع المؤلف البديل في المسار الروائي . لاشك أيضا أن العتبة العنوانية في مدار متن النص، لا تعبر عن صياغة إيحائية دقيقة، بل أنها جاءت معبرة عن وحدة الانطباع للمؤلف في ملفوظ التسمية والتوظيف . حاولت في هذا المقال توضيح قراءتي في تعليق سياق القراءة عن رؤيتي للرواية تقويما لها وليس هدما إطلاقا، فهناك مستويات جيدة في الرواية بل هي أفضل من روايات سابقة للروائي ذاته، ولكننا ارتأينا معاينة بعض الملاحظات والاشارات حول المناطق الضعيفة في بناء الرواية بدءا من العنونة وانتهاء بالخاتمة التي تذكرنا بنهايات فن الأقصوصة حيث الضربة المفارقة المختزلة والزهد في لملمة أطروحة الختام . وعلى هذا الأساس أقول موضحا للصديق الروائي: أن معيارية النصوص الجيدة هي الأكثر قبولا للمعاينة والتفكيك النقدي ثم تأويلها وصولا بها إلى حصيلة استقرائية مميزة في التصور والرؤية النقدية التي لا تعد شرطا في إقرار مقرر المعنى المنصوص في النص الروائي، بقدر ما تقدم القراءة النقدية علاقة مؤولة في المعنى الآخر من الرؤية للناقد والنقد .

 

حيدر عبد الرضا

 

نجيب طلالربط الفجوة: مبدئيا ندرك جيدا؛ أن هنالك أيادي تتلصص تجاه ما ننشره؛ وتسعى لا ستتماره بأساليب مختلفة وفي مواقع متنوعة؛ وهذا تبث ما مرة؛ ولا داعي لإحْراجهم، لأنهم أصلا محرجين بضعف تفكيرهم؛ وبالتالي ففي سياق ما ورد سلفا؛ تبقى تلك خطوط عَريضة؛ لإعادة النقاش بصيغة الألفية (الثالثة) وبصيغة عَوالم (الرقمية) لمسار المسرح في المغرب؛ ونشدد على (في) باعتباره فن مستورد؛ ولا يمكن أن نغالط أنفسنا في هَذا المضمار؛ وما(تلك) المحاولات في البحث عن اشكال (ما قبل مسرحية) ماهي إلى لغم سياسي لترسيخ ما يسمى (المسرح الشعبي) وما هو بـ(شعبي) لأنه يقام في قاعة عَرض ذات طابع (غربي/ إيطالي) والمسرح في إطاره العام هو (البناية) مهما تفاقم الجدل. أما المسرح الشعبي حقيقة؛ لا يتم إلا في الساحة العامة، لأنه قرينها مثل (مهرجان أفينيون) . وبالتالي فمسألة (البساط) ليس شعبيا لأنه سليل البلاطات؛ و(سلطان الطلبة) بمثابة مقايضة سياسية بين الحاكم/ الطلبة و(الحلقة) نتاج تذويب وتخفيف من آلام تهجير ساكنة البوادي وتوطينهم في بوادي أخرى نموذج قبيلة (بني هلال) في عهد الموحدين، وأكبر الهجرات تمت في عهد مولاي اسماعيل وابنه مولاي عبدالله، دون أن نغفل عهد المرينيين. والغريب أننا لا نتوفر على دراسات أنتبرولوجية ولا سوسيولوجية نوعية . تكون سندا في الدرس المسرحي. فقط شذرات عَشوائية لا تستند للعلم والحفريات؛ والسبب يتعلق ببنية التعْقيد النسقي في هاته الظواهر. وبالتالي فالتنظيرات التي كانت تنزل في المشهد المسرحي؛ كأننا في (سوق الدلالة) ليتحول نبل المسرح وعمقة للمناورات والمساومات والصراعات؛ رغم أهميتها فلم تستتمَر لبناء فعل مسرحي قوي وفعال؛ فانهار كل شيء تحت غطاء التنظير المسرحي؛ لأن السياسي هو الذي كان يتحكم فيها؛ لتوجيه المسرحيين؛ لما يهدف إليه . ونركز هاهنا فالسياسي يشمل حتى الحزبي باعتباره فاعل سياسي جوانية السلطة السياسية ذات سيادة التحكم في البنية العامة؛ وكذلك كل المتدخلين باختلاف تعبيراتهم الفئوية والطبقية في إنتاج السلطة وتنفيذها.

وهنا نشير من أوحى بتمظهر (الملتقيات المسرحية) التي لم توثق (؟) ولم تنجز حولها بحوث (؟) لملامسة أسباب النزول والوضع الجيوسياسي الذي كان فاعلا أنذاك . فظاهريا بعض الجمعيات والاتحادات المسرحية هي التي كانت في الواجهة التنظيمية؛ لكن كانت هنالك أجندة سياسية مبطنة في [سنة الثقافة] في ذاك الوقت؛ فأوكلت للمجالس البلدية (آنذاك) ولبعْض الجهات دعمها؛ بحيث نلاحظ أن ولادتها كانت غير طبيعية وموتها طبيعي؛ للوصول إلى (الاحتراف) الذي هَرول إليه الكل تاركين إرثا ثقافيا / مسرحيا؛ رغم المعاناة والمضايقات والمناورات السياسية الملغمة تجاه الجمعيات وعروضها؛ فالكل نسي ذلك (تقريبا) ونسوا أنه (كانت) هنالك عُروضا تشارك في الإقصائيات المحلية / الجهوية/ لمهرجان مسرح الهواة. تعرض في قاعة فارغة من جمهورها (إلا) من اللجنة المشرفة على اختيار العُروض(!) نسي بعض من كان يُستدعَى ضمن اللجن؛ لتلك الضغوطات التي كانت تمارس عليه؛ وعلى غيره. من لدن الجهة المسؤولة لترشيح/ اجتياز (عرض) مسرحي(معين) ليخون نفسه وضميره ويضرب التعاقد المبدئي عرض الحائط وتلطيخ ممارسته المسرحية. ففي ظل ماكان يتبن أن السياسي أقوى من المسرحي.

فجْوة الفجَوات:

ولقد تبين هذا بالمكشوف؛ إبان الهجمة الشرسة لفيروس (كورونا) اللعين. الذي غير ملامح الحياة في رمشة عين؛ محْدثا بذلك دينامية الارتباك والفوضى وحالة الهلع من الموت؛ وإفشال نشاط وحيوية البشر وطقوسه اليومية؛ ليلج مرغما في متاهات القلق والخوف من المجهول والأفق المنتظر . بحكم أن [الوباء/ الفيروس] هَدد كل المجالات الاقتصادية والإجتماعية والثقافية؛ مساهما بشكل فظيع في إحْداث فجوة الفجوات (أي) تفاقم حدة الحاجة والفقر والاحتياج وبروز تفاوتات في الشريحة الإجتماعية والفئوية والجهوية والمجالية كذلك، فازداد الوضع اتساعا وانتشارا؛ وإن سعَت السلطة السياسية فرض نفسها للسيطرة عَلى (الوباء) من خلال تدابير احترازية؛عبر بلاغات الحجر الصحي وحظر التجوال والتباعد وعدم التجمعات وبقية التدابير الأخرى؛ وهنا فحال المسرح وفنون الفرجة بدورها أمست تعيش نفس الوضع؛ وخاضعة للشلل التام . مما تفاقمت العَطالة والإفلاس وانهيار الطموحات والمشاريع الإبداعية والفنية؛ مقابل هذا برزت نداءات - ثلة – من الفنانين، وظهر التهافت عن صندوق تدبير الجائحة؛ وإن خصص أساسا للفئات الأكثر هَشاشة وتهميشا وللحِرف غير مهيكلة. وبالتالي فها هَو (الفيروس) يتولد كسلالات؛ مما فرض على كاهلنا تحديات الاستجابة لمضامين التدابير الاحترازية؛ فرغم بعْض الهمسات والنداءات لفنانين مسرحيين والتي (كانت) باحتشام تطالب بفتح [قاعة المسارح] والبعْض يطالب بفتح [دور الشباب] وهي مخصصة أساسا للمواهب والشباب والمراهقين (لتعْديل سلوكياتهم) و(التكيف) مع المحيط سوسيو ثقافي/ الرياضي . وليس (للمحترفين) في المسرح ؟ وهَذا موضوع عريض جدا. فالوضع لازال كما هو(أي) الإغلاق الشامل لقاعة العروض ودور الثقافة والشباب؛ وازدادت حدة الحجر وحالة الطوارئ، بتمظهر المستجد من سلالة (كورونا) ولربما الوضع الإجتماعي والصحي سيزداد تعقيدا؛ وستزداد الفجوة فجوات؛ وبالتالي ما مصير المسرح والفنون الفرجوية؛ والتي تعَد إكسير وجرعة حياة الروح؛ بغض النظر عَلى أنها إتباع وليس إبداع صرف، ذو خصوصية متفردة في معْمعان الوضع [الكوروني] باعتبار أن تاريخ الأوبئة يمنحُنا رصدا منطقيا؛ بأن الحياة الطبيعية ما بعْد الجائحة لا تستقيم إلا بعْد (أربع أو خمس سنوات) بالتقريب. هَذا إذا حاولنا أن نناقش طبيا / صحيا: متى يمكن أن يتم تلقيح كل ساكنة المعمور؛ لتحقيق المناعة الكلية بين البشر والفيروسات؟ أسئلة وتساؤلات تتناسل وتتشعَب في الزمان والمكان . ولكن لنذهب لفكرة هنري برغسون؛ الذي يركز على أن الواقعي أكثر من الخيالي، حين مُعاينته عن قرب. وها نحن نعاين جائحة ومؤثراتها معايشة؛ وبالتالي فالوضع المسرحي الآن يتطلب تحديات والتي يطرحها الواقع [ الكوروني] بين الممكن والمحتمل والذي أحْدث تغييرا في البنى الإجتماعية والفكرية؛ وفي سلوكنا ونظام حياتنا؛ يفرض علينا خيارات ثلاث: إما الانقراض وهذا يقاومه كل كائن حيواني/ نباتي؛ ولا يمكن للمسرح أن ينقرض إلا بنهاية البشرية. وإما الهجرة إلى مجتمع آخر وهذا من باب الاستحالة الآن، وإما التأقلم والتكيف. مع الوضع؛ وبالتالي فقوة المسرح مهما كان توجهه؛ فإنه يتجدد بتجدد الأزمنة، ويتطور بتطور الظروف والأحداث والملابسات. لكي يحقق عمْق كینونتھ الحقيقية .

ردْم الفجْوة :

هُنا الإشكالية؛ بأن أغلبية المسرحيين لم يستطيعوا ردم الفجوة؛ليظل المسرح روحا متجسدة في المشهد الثقافي/ الفني؛ بحكم أنهم لم يستوعبوا شروط الظرفية. التي أمست واقعا لا مفر منه؛ بأن (كورونا) كشفت عن مدى ضعف الكثير من الدول في مواجهته . هكذا فارضا نفسه - كينونة - لامرئية في عالمنا الواقعي والمتخيل؛ وسعى بثقله وشبحيته اختراق عوالم الإبداع والسرديات والنسق الرمزي الذي يحركنا. مما يدفع بالكل عمليا الانخراط في الصراع المفروض حتميا؛ أما على مستوى المسرح والإبداع؛ فلا محيد من تغيير جوهر المعادلة لصالح المسرح . وذلك من خلال ابتداع أشكال فنية جادة تبرز تلك الأفكار الرافضة ضد الشلل والانقراض. الذي يهدف إليه الفيروس (كوفيد 19 وسلالته) علما أننا اليوم نعيش في عالم رقمي؛ ضاغط، يفرض علينا التكيف والتعامل معه بأي شكل من الأشكال؛ بناء على البحث عن نفسنا وطموحاتنا بأنفسنا؛ وإلا سنكون كائنات أثرية/ ميتة. وبالتالي فالمسرح لم يعُد يخضع للأساليب المتعارف عليها وللمنظور الأرسطي أوْ ما بعْد ... بل أمْسى انعِكاسا للتطور المجتمعي بشتى أشكاله، فالطروحات الحالية : ك[ ما بعد الحداثة / ما بعد الدرامية/ ....رغم ضبابية المفاهيم؛ نتيجة تداخل التصورات والرؤى والدراسات الفكرية والسوسيولوجية والإقتصادية والجمالية في المفهوم؛ وتفريع أعمال وتجارب كمسرح التشظي/ مسرح الهيستيريا الوجودي الذي أسسه ريتشارد فورمان(امريكا) لكن (الآن) ففيروس (كورونا) ساهم في خرق وردم كل الأسس والقواعد المسرحية المتعارف عليها. بما فيها الجمهور . الذي لا خلاف ولا نقاش بأنه هو العين الأساس لكل عَرض مسرحي؛ وأبعَد من هذا فالجماهير روحه الفعالة في ديناميته وتفاعلاته . هنا فمن الطبيعي أن يتفاعل المسرحيون مع الشبكة العنكبوتية ويستغلونها أيما استغلال وخاصة مواقع التواصل الاجتماعي التي تتوفر على فاعلين و جماهير ومريدين؛ لأنها هي المستقبل وما بعد المسرح المباشر. فها هي : وزارة الثقافة والشباب والرياضة ابتدعت تصورا؛ انطلاقا من دعوتها لتقديم عروض مسرحية في قاعات فارغة؛ عروض بدون جمهور، يبدو أنها [دعْوة ]مجانبة لروح المسرح؛ ورغم ذلك لم يتم التعقيب أو الاحتجاج عليها؛ باستثناء تموقف المسرحي(ع المجيد فنيش) اعتبره قرارا عبثيا؟ لكن قبل هذا القرار؛ فالمقابلات الرياضية في بلادنا وفي العالم كله (لحد الآن) كلها تقام بدون جمهور؛ لكن البعْض منها يدرج للمشاهدة- تلفزيا- وعبر وسائط التواصل.

إذن؛ فلماذا لم يضع المسرحيون هاته الدعوة كأرضية للنقاش الجاد؛ كأفق عملي / تنظيري. لأنها هي المدخل لمابعد كورونا؛ لتفعيل وترسيخ [المسرح الافتراضي] شئنا أم أبينا؛ وبالتالي فلا مناص من الذين يتفلسفون ويتفقهون في المسرح اتباعا وابتداعا لمختبرات عالمية/ دولية؛أن ينزلوا لمعمعان الفعل الرقمي؛ ومحاولة البحث عن أفق لصيغ نظرية التنظيرية لمابعد – كورونا- لكي تكون ملائمة للتطور التكنولوجي وللجيل الرابع؛ وذلك لتجاوز الفشل الذريع الذي سيلحق المسرح في المغرب . لأن المسرح التفاعلي/ الرقمي/ الافتراضي/ فمثلا فجل أعمال شكسبير التي عرضت على الركح؛ في مرحلة السبعينات من (ق، م) تحولت إلى أشرطة سينمائية كماهي؛ وليتذكر من كانوا منخرطين في الأندية السينمائية؛ وأقرب من ذلك لدينا مرجعية في التمثيلية الإذاعية؛ وإن كانت تعتمد على الصوت؛ فتأكيدا مازال الصوت حاضرا لأنه هو (الإنسان) في حد ذاته؛ وبقوة يغري عشاقه ويستقطب المزيد منهم، والأجمل في التمثيليات الإذاعية؛ أنها تساهم في إطلاق العنان لمخيلة المستمع ليسبح في ملكوتها؛ بذلك ناسجا صورا تخييليه لأمكنة الأحداث؛ وفي وضعنا الحالي(الآن) بنقرة واحدة على جهاز الهاتف أو الكمبيوتر؛ نستمتع بفرجات إبداعية . من هنا فوسائل التواصل الإجتماعي،تكشف لنا أنها خادمة ومسخرة للإبداع، وليست وسيلة لردمه . بحيث يلتقي الصوت/ الصورة في تركيبات وتلوينات غريبة وخادعة وساحرة؛ والمسرح فن سحري؛ وفي زمن الرقمي؛ سيزداد سحْرا؛ أليس كذلك؟ هو كذلك؛ لكن هنا أي تنظير سيليق بمرحلة ما بعد جائحة كوفيد – 19 وسلالته؟

 

نجيب طلال