حيدر عبدالرضاإحالات المعنى بين دلالة المضمر ونظائر فاعلية النص

توطئة: إن التعامل مع طابعية النظائر الممكنة في مختزل تصورات وموجهات بنى ومعنى النصوص المستفادة من أتون تحققات محاور المعنى المخصوص من الفكرة الشعرية المتداولة من إحالة العلاقة القصدية والإيحائية وأهميتهما في أبعاد الخطاب الشعري . وقد تمنحنا هذه النصوص من جهة ما روح التأويل لما نتعرف عليه من سياقاتها الخاصة والمضافة، والتي تنتمي بدورها إلي مؤشرات حادثية ما، تستوفى من خلالها مقدماتها التعليلية والتركيزية الكامنة في منحى طبيعة تلك المحمولات المضمرة من الدلالات المتحاورة مع نظائرها الممكنة في خطاب النص الشعري . من هنا يمكننا افتراض وجوه الملاءمة في نصوص مجموعة (معنىً على التلّ) للشاعر السوري الكبير صقر عليشي، كما يمكننا من خلالها فهم مخصوصية الراوابط والرابط العلائقي الممتد من أذونية قبولية الدال كوظيفة مناسبة لإستقبال إحالات المعنى الموظف في مضمرات مترابطة من القصد في العلاقة النصية المتفاعلة . نقرأ بهذا الصدد قصيدة (المفاتيح) نموذجا تطبيقيا نسعى من خلاله إلى توضيح أهم فقرات مباحثنا الدارسة للقيمة الإحالية والمحالة في مضمر الدلالة الشعرية:

لينظرْ لها

من له نظرٌ

أوْ ليمسكْ

بها إن أرادَ.

ليقرأْ عليها العلامةَ

واضحةً

ليس في الأمر غشٌّ

ولا سحرُ، . / ص9 قصيدة: المفاتيح

أن فعل القراءة إلى مقاطع النص الأولى، لربما تلهمنا حرية التعامل مع نظير الإنابة الشيفراتية، ومهام هذه الإنابة في تدشين جملة خاصة من الإحالة والإشارة والتورية في مرئية وظيفة الدلالة . ولكننا عندما نتنبه إلى ثريا عنونة (المفاتيح) تساورنا برقيات وأبجديات الترميز الاختزال مؤديات خاصية محددات: (المفاتيح ـ العلاقة التأويلية / ينظر لها من له نظر ـ علاقة جهة ـ مرحلة فاعل الحالة / أو ليمسك، بها إن أراد ـ كفاءة الأداة / ليقرأ عليها علامة واضحة ـ الترابط بمواجهة الفعل التأويلي / ليس في الأمر غش ولا سحر ـ العلاقة المفترضة ـ مصداقية موضوعة الظاهر من التعامل الملفوظي) وتباعا توافينا جملة متواليات المقاطع اللاحقة، بما يجعل فهم أبعاد الربط ببث دليل (المفاتيح) فيما تكمن إرجاعية العلاقة الآنوية إزاء محصلات الرابط الدلالي المضمر ذاته بوظيفة أسرار اللحظة القولية:

ها هي كل المفاتيحِ

في قبضتي

ولا ثمَّ بابْ

ما عملي بالمفاتيح

ما نفعها !

ما دلالتها في الحسابْ؟!

لأرمِ بها قاعَ نفسي ...

لأرمِ بها

و لْترنَّ عميقاً هناكَ

فأنصتُ مستمتعاً بالرنينْ . / ص10

و يبدو أن لسياق جملة القصيدة، ذلك الوخز المحتمل، وذلك الوصل العدمي مع علاقة وصال وجود مفاتيح الأشياء، ولكن ما قيمتها ؟ دون وجود الوسائل المتاحة في الوصول إلى روح الأشياء ذاتها . الشاعر عليشي يقدم لنا استراتيجية دليل وأداة (المفاتيح) من جهات ذات خصوصية سرانية وخاصة في رابط القصد الشعري، لذا نجد حوادث الملفوظ والتلفظ، هي بمثابة الإضافة الراجحة في كفة اللاإضافة في محصلات المعنى النصي: (ما نفعها ! .. ما دلالتها في الحساب ؟! .. لأرم بها قاع نفسي) وتتجمل قيم المحذوف في صرخة البياض الشعرية، حتى ليتسنى لشاعرها نشوية الانتعاش في سقوطها اللازمني في من الفراغ وفي قاع الكيان من الأنا الخاصة والإشارة من قاع الخصوصية العامة وبمواجهة دلالات المضمر  (فأنصت مستمتعا بالرنين):

لا باب للحلمِ

لا بابَ لليلِ

لا بابَ للغيبِ

لا بابَ للناسِ

لا بابَ للبابِ

ما عملي بالمفاتيح يا عالمين ؟! . / ص11

لاشك أن حركة الوقوف الأحوالية في زمن لغة الشاعر، ما راح يضفي بعلاقات دوال الرؤية نحو حجب دائئبة من عدمية الوجود أو اللاجدوى من الوجود عبر منطقة المرور الحلمي إلى ضفة العلامات الحيوية، التي يمكن وصفها بمكونات طاقة تشكيل الكينونة الآنوية للشاعر (لا بابا للحلم .. لا باب لليل .. لا باب للغيب .. لا باب للناس) وتتكامل درامية وفاعلية (كينونة العدم) في مساحة وعلامة أنتاج ملحمة النمذجة التشكيلية في النص، وحتى حلول معطى جملة (ما علمي بالمفاتيح؟!) المذيلة بمتواليات الاستفهام ونمو علامة التعجب . ومن هناك تقول لاحقا مواضع الجمل القولية في حدود تمظهرات السؤال والمساءلة العدمية المحفوفة بروح تنضيد حركية اللاجدوى الكامنة من وراء ذاكرة العتبة العنوانية الأولى من النص:

أيكفي ‘ذاً

أن أعلقها فتخشُّ على جانبي،

حين أمشي

و أزهو بها

و كأني أميرٌ على العابرين ؟ . / ص11

 

إن قيمة المفارقة الفنية في دلالة المضمر من وظيفة الدوال، تنعطف بنا نحو تشكيل حالة من حالات الأسى المكرس بحجم علامة تقارب الأفعال المتمثلة في إشكالية ومأزق النياشين والأوسمة الكاذبة، والتي لا ضرورة من وجودها في زمن اللاحرب أو اللا أبواب في قصيدة الشاعر وهي قد لا تستجيب في شكلها المعهود، لأنها قد فقدت مشروطية اقترانها بجوهرها الحقيقي، بعيدا عن أبواب ومفاتيح الشاعر الحلمية المراد من خلالها ذلك القصد الكامل في سرانية المعنى .

ـ المعادل النصي ولعبة الانموذج الدال .

لقد تجاوز الشاعر في بعض من نماذج قصائد مجموعته موضع بحثنا، ثنائية  (اللفظ ـ المعنى) وأصبحت القصيدة لديه تقدم في ذاتها شكلا ما من بلاغة (الميتاشعري) فالقصيدة لدى مجموعة الشاعر، بلغت من الاتصال في الميتاشعري حدا ما يؤهلها إلى أن تكون (معنى داخل المعنى) فيما تبقى معاينة العلاقات المتبادلة ما بين فئات الدوال، إسهابا في أعلى ناصية الاداء الإيحائي المؤثر . من هنا تواجهنا طبقات المضمر من دلالة القصد النصي، عندما نقرأ ما جاءت به قصيدة (كتابة أخيرة للنص):

إذِ التفتُّ

لم أجد بين طيوري هدهداً !!

أرسلت لاستدعائِه

في الحال ْ

***

كما القطا

نامتْ هنا فاصلةٌ،

و أخذَ الظلُّ مكانَهُ

ومالْ . / ص24 ص25

يتجول الشاعر بمعية الفاعل الصوري في مؤثثات بياض ورقة الكتابة، بحثا عن أماكن بدأ وصفته الكتابية، لذا نراه يتحكم في حركة وضبط مجال الرؤية وتحولات العبارة بما يتمم تلك الملاءمة بعملية الإحاطة على كشوفات النص (إذ ألتفت .. لم أجد بين طيوري هدهدا) ويخفي المتكلم في النص كاميرا الرؤية المحايثة لبوصلة الشاعر، مسترجعا حكاية هدهد سليمان، لتشغل تعويضا بالفعل الكتابي، كما أن جمل المضاعفة في الشطر الآخر من النص، أخذت تحملنا نحو مدار المسافة النواتية في اداة الحركة الكتابية وأفقها (كما القطا .. نامت هنا فاصلة .. وأخذ الظل مكانه ومال) .

ــ تعليق القراءة:

لقد بدت تجربة قصائد مجموعة (معنى على التل) بمثابة حالة من كائنية (إحالات المعنى) والنزوع إلى ذروة (مضمر الدلالة) فيما تبقى نظائر خطاب القصيدة، موقفا شعريا هاما إزاء حساسية الذات في مقايسة المعنى الاعتباري، ومقياسا لأداة العلاقات الأحوالية الراجحة في مصنفات المعنى التوالدي الكامن في معرفات ذهنية وذاتية النص الشعري لدى منظومة آليات مجموعة قصائد الشاعر:

معنىً على التلّ

و الوادي العميقُ

هنا

معنى على التلّ

و الوادي العميقُ

أنا

و الغيم خاطرةٌ

في النفس تنتقلُ . / ص29

أن جملة التغايرات التحويلية ـ البدائل ـ في منطلقات ومؤشرات نموذج قصيدة الشاعر، تبدو خاضعة في منحاها النصي إلى علاقة انتقائية متكونة من إحالية (المكون اللفظي) وصولا إلى أدق بنى توالد دلالة المضمر، من فلسفة العلاقة النصية المترابطة والمحققة في الاستجابة القرائية، امتدادا إلى نصوص شعرية معنى المعنى . وبهذا الصدد لا يسعنا سوى تلفظ المزيد من كلمات التقدير والاحترام إلى تجربة الشاعر الكبير (صقر عليشي) لأنه أتحفنا بظاهرة شعرية، هي في أقصى حدود العلامة الجمالية الفنية والذهنية المعززة بطاقة وذائقة ومعيار إحالات المعنى في مسار دلالات المضمر من أيقونة أفعال وحالات العلاقات النصية المتفاعلة والموفقة في تماثلات مقولة شعرية القصيدة .

 

حيدر عبد الرضا

 

 

عامر موسى الشيخاستهلال: تمثل مرحلة الطفولة لحياة  الإنسان رحلة الاكتشافات الأولى للوجود الشاسع، ولحظة التحسس الوجداني البريء للحياة، وكنز الدهشة الجمالي، والأحلام المستمرة، واليد القوية الممسكة بالحياة .. مع التقدم العمري، تتحول تلك العناصر إلى صور موضوعة في خزانة الذكريات، يستلها في لحظات التذكر، أو يستخدمها للمقارنة الحجاجية مع الواقع المعيش اليومي، لتتحول إلى مقياس تقويمي، بين الأزمنة، متناسي البراءة الأولى، ليحملها على واقع هو سيء في الأصل، كان يتصوره جميل .. ولعل هذا التوصيف يمثل توصيفا تقريبيا لمراحل حياة الفرد العراقي . وفي الحديث عن الأدب العراقي نجد أن التصورات أعلاه انعكست في أغلب التجارب الإبداعية، لاسيما الشعرية منها، إذ نجد أن  الطفولة ومفرداتها تمثل مظهرا من مظاهر أغلب التجارب الشعرية، وأحد الأطر التي تجلت فيها الصور الشعرية.

(2) سماء من خشب الطفولة

وفي تجربة الشاعر العراقي زين العزيز، نجد أن هذا الأمر ماثل بصورة جلية وواضحة في ديوانه الأخير " سماء من خشب " والصادر عن دار تأويل، السويد، (2019)، والذي ضم خمسة وثلاثون نصا شعريا . فنجد أن الديوان ومنذ عتبته الأولى يوحي بأن ثيمة الطفولة تهيمن على أجواء الديوان، ولكن أي طفولة تلك التي يعشيها الطفل العراقي في العصر الراهن، أو الطفولة التي عاشاها الشاعر، في زمن مضى ، وهي طفولة موزعة بين حصار جائر، واجتياح لبلاده تحول إلى إحتلال، ومن ثم يشبُ هذا الطفل  في حروب أهلية طائفية، ثم اجتياح جديد، ثم هجرة، وتمزق وتشريد، ببساطة مرّة نقول : أن هذه التوصيفات تمثل السيرة الحقيقية لأربعة أجيال عراقية، تعايشت مع هذه المفردات، وتتنفس معها رائحة البارود وسحب الدخان .

يضم ديوان زين العزيز، تلك الصور، التي كتبت بلغة بريئة، تمثل روح الطفل الكبير بداخله، كتبت ذاتها في عالم غير بريء، بل متهم بكل الجرائم التي تعرض لها الطفل العراقي، إن كان زين، أو أقرانه في هذه البلاد، ليقدم لنا الديوان صور متعددة عن هذه الطفولة المرتبكة .

 (3) الصورة الأولى العتبة

من العتبة الأولى العنوان، ينتخب الشاعر عنوانا من عنوانات إحدى النصوص، ليضع عنوانا كليا كبيرا وهو  " سماء من خشب " ومن حيث هذه الصياغة يتم الاتفاق مع المتلقي، بأن الدهشة التي تتملكه هنا، تشبه إلى حد ما  دهشة الطفولة، فالسماء ليست من خشب !! ولكن وحده الطفل يتصور ذلك !!  اذ يشكل عالمه من محيطه، فالعالم لدى الطفل هو ما يعرفه فقط، ألعابه و أقلامه وأوراقه هي التي تشكل عناصر الحياة، ولأن الخشب قرين جيد بألعاب الأطفال، تصور الطفل بأن السماء من خشب ولا غير، وهذه الصياغة الذكية  تبعث على الانتباه والتحضر والتهيؤ للسؤال : ماذا تحت هذه السماء المفترضة ؟.

لم يترك الأمر هكذا، بل تم وضع العنوان بصورة عمودية،لتمثل علو" السماء"  التي أتت بلون أبيض، تعكس بياض الطفل وأحلامه، ليعقبها بلون أصفر يميل للخردلي  اصطبغ به الحرف " من " ليمثل لون الحيرة وعدم الاستقرار،و المرتكز على سواد مطلق وهو لون لفظة "الخشب" هذا التلوين الثلاثي، يمثل تلك الطفولة الضائعة، والأحلام غير المحققة التي تسربت مع تسرب العمر، ويؤكد هذا التصور المفردة الثانية من مفردات الغلاف وهي  الصورة التي أتت مجاورة للعنوان ومتوازية معه عموديا، وهي صورة الشاعر نفسه " زين " رُسمت على شريحة من الخشب وغطت صورة الشاعر خطوط الخشبة التي تمثل عمر الشجرة المأخوذة منها وبالتالي تمثل عمره، وأتى ضمن إطار عام للصورة على هيئة فأس، بنظرة من عين الشاعر إلى العنوان، لتتحقق الصورة الكلية، بأن الذات الشاعرة، ذات باكية على طفولة ضائعة كانت تحلم بأن لها سماءً من خشب مثلما كان يحلم، لكن فأس السنوات قلعت كل شيء.

وفي الانتقال إلى المستوى الثاني من العتبة النصية نجد أن الإهداء لم يخرج عن اطار الطفولة، إذ عمد الشاعر على كتابته ببراءة واضحة، لم ينهك العبارات بتلوينات الاستعارات الثقيلة، وهذا مبرر جدا، لأن العمل مهدى إلى روح شقيقة الصغيرة التي فقدها وهي طفلة يقول :

" إلى قطر الندى

حزني الأول .. طفولة بكائي

أختي الصغيرة

لروحك الرحمة " .

إذن هي قطر الندى، فإذا لم يكن هذا تصريح باسمها ، فهي  ذلك القطر الذي يحبه الأطفال وهو يزين الزهور والأوراق في الحدائق في الصباحات الشتوية، في صور من أجمل صور الطبيعة، ليصرح بعدها بأن هذه القطرة قد رحلت عنه وعن هذا العالم، لتشكل المعين الأول لمجمل أحزانه التي سوف تتراكم مع تقدم الحياة، إلا أنه يصر على انها تمثل كل بكاء الطفولة، وهذا يعكس صورة أخرى من صور بؤس الطفولة في العراق، بأن اول بكاء لدى العراقي هو البكاء على فقد الأحبة، ثم يصرح بأنها الأخت راجيا لها الرحمة .

إذن فأن العتبتين العنوان + الإهداء يمثلان مفاتيح شفرات العمل، الذي يضمر الحزن والطفولة والضائعة أتت على هيئة نصوص شعرية .

2128 زين العزيز

(4) الصورة الثانية متن مثقل بالضياع

بالانتقال إلى نصوص متن الديوان، نجد أن حبل الطفولة ممتد ومرتب إلى النص الأول "بائع الفشار" وهو ما يمثل علامة مهمة من علامات تعلق الأطفال بهذا البائع الذي يزين تقاطعات الشوارع والأسواق، ومدن الألعاب، وعادة ما يكون هذا البائع صديقا لكل طفل يمرق منه، وصورته لا تفارق مخيلة الطفل، يعود بنا زين إلى ذلك البائع، ويترك خبرات حياته التي خبرها وهو شاعر، يترك كل شيء ويعود إلى اللحظة الأولى التي وقف أمام هذا البائع ويطلق البوح البريء :

" كنّا ثلاثة إخوة،

تعلّمنا أن نحبّ كل شيء

من دون أن نلمسه،

مثلا :

حبة الذّرة المفرقعة " ص (7)

هذه العودة التي أوقفنا عندها النص، تمثل صورة كلية لنموذج عائلي، ويعكس تربية أخلاقية، مستمدة من المحبة الصافية النابعة من البيت العراقي، محبة تتيح إعلان العواطف ولكن من دون عبث أو مس، محبة عذرية بريئة، ومن ثم يفتح لنا أفق تعدد هذه الأشياء المحببة وينهيه بنهاية صادمة  حين يمثل لها بـ " حبة ذرة المفرقعة " وهذا ما يؤكد بساطة الأحلام النابع من  الحرمان الحقيقي، فهو والأخوة يحبون هذا الشيء البسيط جدا   ولكنهم غير قادرين على مس هذا المحبوب، بسبب الحرمان والفقر الذي وقف حائلا أمام تحقيق أي حلم، وإن كان حبة من الذرة المفرقعة .

ويستمر في النص مستكملا التصور السابق والخاص بالتربية التي تُعلم، وهذه المرّة، تضاف له  مرتبة ثانية من التعلم وهي : عدم السؤال :

" تعلمنا

ألا نسأل الجوع متى يرحل ؛

طالما نرى ضوء المطبخ خافتا " .

ينتقل مستوى النص هنا، إلى منطقة تمثل فنتازيا الواقع العراقي، فالجوع ضيف دائم يسكن الأمعاء والبيوت، وليس من حق أحد سؤاله عن الرحيل، وعدم الرحيل هذا مقرونا بالضوء الخافت، والذي يمثل ما تفعله الأمهات من توهيم قصدي للصغار، فالضوء في المطبخ يبعث بأمل بأن الجائع سيأكل، ولطالما الضوء موجود، فإن الأم فيه تعمل على إعداد ما يسد الرمق، ولكن الأم لا تعود للأطفال بالأكل، وهم بدورهم سيغفون من شدة الجوع والانتظار على أمل الضوء الخافت، يمثل هذا المقطع، صورة مثلى لما كان يعانيه أطفال العراق .

ومن ثم، يستمر بنقل صور بؤس الطفولة العراقية، ليفتح لها تواريخا متعددة، ويسميها بالسنوات العجاف :

" سنوات عجاف سحقتنا

ولم تترك لنا سوى وجوه شاحبة " . ص ( 8)

لم يجد بدا من توصيف الزمن العراقي، سوى استعارة لفظ " العجاف " من قصة يوسف النبي ومن ثم  يوسع المعنى ليمنح السنوات سرافات مهمتها السحق على الإنسان ومحو أحلامه تماما، وامتصاص أمانيه  وجسده على حد سواء، ليبقى بوجه شاحب، لتكتمل صورة الحرمان تماما .

ثم يختم النص بفكرة العبث العام، العبث بالإنسان والطفل العراقي معا ، الذي تحول إلى وقود لحروب السلاطين، حتى كاد أن يكون نفاية من نفايات حروب العالم، لينتهي كل شيء لديه، فما ببالك بالطفولة :

" نحن الثلاثة

مثل أكياس مرمية

في مكان

كان يقف فيه بائع الفشار " .

تكتمل عناصر الضياع الحتمي والعمدي هنا، بهذه النهاية المأسوية، إذ أن الأطفال لم يحصلوا على الذرة، وبقوا هكذا، حتى أختفى البائع، وهم تحولوا إلى شيء فائض عن حاجة العالم، وهذا ما تفعله السياسيات العبثية التي حكمت هذه البلاد .

(5) الصورة الثالثة الذات المسحوقة رمزا للطفولة المعدمة

ثمة محاولة ناجحة مكنت الشاعر من جعل ذاته – طفولته- محورا مركزيا يمثل جيلا عاش المحنة الانسانية، لتكون الذات هنا هي الناطقة باسم الأقران، وليس عن نفسه فحسب ، وهذا ما رمز له الشاعر بنصوص حملت ذكرى الأرقام – أرقام المواليد - وطبيعة التعامل معها بشكل عام  ، ومرّة أخرى يعود في لتحديد سنة مواليده التي تمثل جيلا عراقيا بالكامل، ففي نص " مصابون بعمى الأرقام " يكشف لنا عن جردٍ من المآسي التي عاشها العراقيون، وهم يعدون أيامهم بوصفها السوء بعينه :

" أرقامنا الأربعة حظنا السيء،

نلفظها تأريخ حرب،

ونكتبها

على أنها أعياد ميلاد،

أربعة أرقام لا أكثر

ملتصقة باسمائنا كالحشرات " ص ( 22)

يعلن هنا النص عن رفض مطلق لحياة العراقيين المحاطة بالسوء والمقرونة بتاريخ الحروب الضاغط على أعمار الناس، وهنا يقدم النص دعوة للمتلقي العراقي على وجه الخصوص ليستذكر مواليده المكونة من أربعة أرقام وفقا لنظام التقويم السنوي، وفي لحظة استذكار هذا الرقم، حتما ستكون هنالك حربا قد اقترنت بمواليد العراقيين للعقود الأربعة الماضية، إذ تحول هذا المقطع، إلى شبه ( روزنامة ) عراقية تختصر مواليد العراقيين والحروب الخاسرة التي زُوجوا فيها عنوة، وفي النهاية تسحق الذات الانسانية التي كرمتها الشرائع، لتبقى منها فقط الأسماء دبقة بالدم ملتصقة بها أرقام المواليد مثل حشرات تعتاش على جثث العراقيين.

وفي نص آخر يخصص الشاعر هذه الفكرة للحديث عن نفسه وأقارنه ومن هو في عمره، ليعود بنا إلى لحظة تاريخ مولده هو، ومولد من هو بعمره ويحدد ذلك في صدر النص عبر صياغة العنوان بطريقة رقمية " 1985" وفي هذا النص، يصرح الشاعر عن نفسه وفكره وذاته ببراءة مطلقة، براءة طفل ولد في هذا التاريخ، ورغم تطعيم الصورة بالخبرات المكتسبة إلا أن براءة الطفل بقت مهيمنة :

" أنا بائس،

كما تعلم يا الله

أفتح يدي للريح

ولا أرى أحد يحضن قلبي " ص (29)

ومن غير وساطة أو حَدّ ما، يصرح النص بالبؤس علنا إلى المطلق اللامتناهي، ولكنه تصريح ضمن دائرة الإيمان القلبي الفطري، ويحاول جلب صورة يد الطفل المفتوحة للحياة والتي تحاول مسك كل شيء، نعم، انها يد الطفل التي تنتظر المسك والأخذ بها دائما إلى الأحضان، لكن الصورة العراقية هنا مقلوبة تماما عن المنطق السليم، إذ أن اليد تبقى مفتوحة والا من ممسك بها ولا صدرا يحضن، الأمر الذي يشي بمستقبل مجهول وضائع .

(6) خاتمة

تمثل هذه المجموعة بالنسبة للشاعر زين العزيز، مرحلة من النضوج الشعري، ومن ثم فإن قراءة هذه المجموعة تتطلب قراءة المكان الذي كتبت بها أغلب نصوص هذه المجموعة، فهي مجموعة شعرية عراقية، كتبت بأرض غير عراقية، إذ أنها تمثل المرحلة الجديدة من حياة الشاعر الذي غادر بلاده، ليستقر في دولة أوربية، تفصله عن بلاده مكانيا، إلا أن روحه الشاعرة بقت معلقة بمكانه الأصلي، لذلك أتت هذه المجموعة محملة بصورة الماضي، التي استحضرت معها صور الطفولة، فكان ديوان " سماء من خشب " ديوان غربي أوربي من حيث المكان الكتابي لكنه  بلغة شعرية العراقية بكل تصوراتها وانفعالاتها وآلامها التي حملتها النصوص، الأمر الذي يعكس حافظا نسبيا على الهوية الأصل لانتماء الشاعر ونصوصه .

 

عامر موسى الشيخ

 

 

عبد الجبار نوريفيرجيل هو واحد من أشهر شعراء الرومان الذين عُرفوا في عصور ما قبل الميلاد، وقد أشتهرت كتاباتهُ الشعرية في تلك القصائد الطويلة التي عُرفت ب "الأنياذة" حيث سطرها في أثني عشر كتاباً والتي لا زالت تعتبر من أهم القطع التراثيىة الأدبية، وفي الأنياذة سعى فيها إلى تجسيد طبيعة روما الألهية وحكاية الأمير الطروادي، وتجسيد لبعض القيم الهامة التي عُرفتْ في العالم الروماني، فهي حقاً تحفة أدبية غير مسبوقة حيث قام بتوضيح أهداف عصرهِ والتعبير عن مثلها العليا في سبيل تحقيق الرقي والسيادة للجنس البشري فهو يتأمل عالم الحاضر وعالم المستقبل في آنٍ واحد .

فالأنياذة ملحمة وطنية قوية قصد بها ربط أصل الرومان بالرموز والأبطال العظام للرومان، وهي ملحمة شعرية كتبها فيرجيل في القرن الأول ق م، وتروي القصة الأسطورية للبطل إيناس الطروادي كتبها كقصة بأسلوب شعري جذاب وسهل وهو يتغنى بمعارك (أكتافيان) وطبعاً شملت الأحداث التي وقعت بعد تأسيس روما والتنبؤ بأنشاء أمبراطورية أغسطس، وشمل مشروع الملحمة وصف أخلاق الرومان والسعي لنشر الفضائل والقيم الروحية السامية وتصوير بطلها في صورة الأنسان الذي يقدس الآلهة ويهتدي بهديها والذي يدعو إلى الأصلاح والتغيير للوصول إلى التغيير والكمال الذي دعا أليها أغسطس فيما بعد، حيث أمضى في كتابتها فترة تعدت الأحدى عشر عاماً حتى أنهُ توفي قبل أتمامها، كانت لنشأتهِ الريفية أثراً بالغاً في عدم تقبلهِ فلسفة التمدن في مجالات اللذّة، ويمكن القول: أن شعرهُ يختلف عن شعراء زمانه حيث كان يكتب غالباً بلغة بطولية وبشكل قصائد قصصية والتي نطلق عليها اليوم أسم الألياذة، إنها قصص خيالية من نمط أسطوري لمغامرات (أينياس) أحد أبناء ملك طروادة الذي هرب من طروادة ووصل إلى أيطاليا حيث أسس أحفادهُ مدينة روما، وتوفي فيرجيل قبل أتمام القصيدة، وللحقيقة تتقارب الأنياذة بالياذة هوميروس والأوديسا (بعض الشئ) حين تكون قصائد أنياذة فيرجيل على نمط زراعي أطلق عليها من قبل أدباء ما بعد عصره: بالقصائد الرعوية أوالزراعية .

ونظم فيرجيل (رعوياته) وجمعها في عشر كتب في أشعار الحقول نحو ألفي بيت شعري مقسمة إلى أربعة أجزاء فيها وصف لفروع الزراعة الأساسية آنذاك، ويظهر عند قراءة فصول الملحمة بدقة وتأمل يجد القاريء اللبيب : أن فيرجيل لم يكن يكتب رواية خيالية بل كان يكتب لروما كتاباً مقدساً في تقديم شريعة دينية واضحة المعالم هو دين الوطنية وتأليه روما والدفاع عن وجودها عبر بعث الشعب الروماني .

وأن شعر فيرجيل أبداع وأبتكار مزيج من الواقع المرير والجميل مؤطر بالخيال العميق الذي يسمو بالأدراك الأنساني إلى الذروة في العلو لكونها تمتاز بالقوة والمرونة والعذوبة بنقاء فكري وصفاء ذهني وقوة ألهام، أنها كُتبتْ عام 42 ق .م وفرغ منها عام 39 ق م، ولُقب رومانياً ب(DACTUs )أي العلامة،من خلال حكمه الفلسفية الأنسانية وهو القائل : { الزمن يغيّر كل شيء بما في ذلك أذهاننا، إللا ما أسعد الرجل الذي أستطاع أن يتعلم علل الأشياء عبر الممارسة والفكر قد يشكلان بالتدريج فنونا}  .

ومن مميزاته الشعرية : موضوع القصائد هو وصف الرعي على نمط (ثيوقريطس)Theocritus  بالتوقيع على جمالية الأسلوب بأنغام موسيقية شفافة سداسية الأوزان، مليئة بالحنان التأملي والحب التخيلي في تحطيم القلب بالحب عند صد الحبيب !،إنّهُ لامس فلسفة الجمال بظهور عناصر الجمال جلياً في أشعارهِ وبشكلٍ قوي للغاية تتمثل في جمال اللغة في سردياته الشعرية وتلك سمات فنية خصبة تسيطر على الخيال، وأقول إنها من براعة الشاعر الأسطوري " فيرجيل " في توظيف الفنتازيا الخيالية في نقلة نوعية لجغرافية روما المترفة والخلابة، فكان تمجيد فيرجيل للمناظرالطبيعية أكثرواقعية من الأشباح الثيوقراطية، وفي هذه القصائد نرى فناناً عظيماً يعالج أشرف الفنون بأجمعها : فن زراعة الأرض في شعرٍ رقيق مصقول وهو يطرق جميع فروع الفلاحة ويفيها حقها، ولا ينسى فيرجيل أمراض الحيوانات وطريقة علاجها، ويصف حيوانات المزرعة وصفاً يدلُ على فهمهِ لطباعها وعطفهُ عليها، وتلعب الديانات والعقائد الرومانية القديمة في وصف الطقوس والأعياد الدينية دوراً هاماً في منظومات فيرجيل لأعتقاده الزائد لعنصر الحياة وربما شعوره العميق بالأنسانية المعذبة، وجمع فيرجيل مزايا الأوديسا والألياذة في عمل ملحمي درامي بنصوصه الشعرية أصبحت أساساً في تهذيب الأدب واللغة الرومانية وكذا النثر والشعر، وتلك النتاجات الثرة المتميزة لفيرجيل خُلدتْ بأستخدامها في العصور المتأخرة في تدريس التعليم ا

رعويات فيرجيل الشعرية/

أنجز فيرجيل ألفي بيتاً شعرياً ملحمياً صنفها بعشرة أناشيد، كل أنشودة مذيلة بأسم بطل ملحمي من رموز قصائده الشعرية، وأقتصاداً للمساحة المسموحة للبحث أخترت ثلاث لوحات منها (ولا أدري لماذا أخترتُ هذه اللوحات الثلاثة وأن العشرة كلها مبشرة بالحب والتأمل وأيقاض الروح للتمسك بالحياة والسلام العالمي – ربما لا أدري !!!؟):

الأنشودة الثالثة---- بالايمون {وماذا يستطيع أن يفعل أصحاب الأملاك؟، وقد بلغ اللصوص شأواً عظيماً من الجرأة؟ ألم أرك يا أسوأ الناس طُراً؟ وأنت تسرق عنزة دامون ! أتريد أن يجرب كلانا ما يستطيع أنشادهُ؟ سأراهن بهذه البقرة كيلا ترفض أنها تحلب مرتين وترضع عجلتين صغيرتين، خبرني بماذا تراهن على منافستي؟! } .

الأنشودة الخامسة ---- دافنس {-- لقد بكتْ الحوريات " دافنس " بعد أن أختطفتهُ يدُ الموت الكريهة !، أشهدي على الحوريات يا أشجار البندق، وأنتِ أيتها الأنهارستكون لكِ هذه الطقوس إلى الأبد !، عندما نقدم نذورنا السنوية للحوريات، وعندما نطهّرْ حقولنا}

الأنشودة الرابعة ---يوليو{ ---أن العذراء تعود الآن، ويرجع حكم ساترون، ويهبط جيل جديد الآن من السماء العالية، رفقاً بالصبي عند مولده يا " لوكينا " الطاهرة، إذ بمجيئهِ سينمحي العصر الحديدي ويشرق العصر الذهبي على ربوع العالم بأسرهِ } .

أسباب شهرة قصائد " فيرجيل " الرعوية !!!.

1-تتمتع بقدرة شعرية غير محدودة حيث النظم وسرد النص وبأضافة فيرجيل المحسنات الموسيقية واللفظية وأحتواء القصائد النفس الطويل والأصرار والتحدي والصمود، وتمكن أن يعبر عن فكرةٍ هائلةٍ كانت عصيّة على الكثير من السياسيين وهي : " فكرة سيطرة روما على العالم".

2- تتفوّق على ملاحم هوميروس الذي تغنى بالأمجاد بينما فيرجيل صنع الأمجاد، والفرق الثاني بين أوديسيوس بطل الألياذة بطل مغامر يخوض الأهوال ثم يقفل راجعاً لوطنه، بينما (أينياوس) بطل الأينياّذه لفرجيل يمتطي المخاطر ويمخر البحار باحثاً عن وطن أثبت حقيقة المسلمات الأخلاقية الأنسانية لأبرز حلقات الروح نبلاً هي ثقافة (المواطنة) .

3- أن وطنية فيرجيل في أشعاره السياسية غايتهُ أن يصنع مجداً لدولة فتية لا مجد لها، فلجأ إلى الموروث الشعبي في بعث الروح في أسطورة أينياس التي تدعو خلالها إلى الأفتخار بالسلف والأقتداء بهم وأستلهام أخلاقياته النبيلة في بناء المجتمع على غرار ما فعلهُ سليل أسرتهِ أغسطس حاكم روما آنذاك، وألهبتْ هذه الأفكار الوطنية نفوس الشباب الروماني وأندفعوا بحماس لتبني والتمسك بأشاعر فيرجيل .

4- على عكس ما هو مألوف في الملاحم حين تقدم بطلا فوق مستوى البشر، لكن فيرجيل قدم في ملاحمه الشعرية بطلا سويا من مستوى البشر حنون مؤمن يهتدي بالآلهة ويقدس الحياة الأسرية، أنهُ أبنٌ بار وزوج صالح وأب حنون .

5- عُدتْ أشعار فيرجيل خصوصاً (أنيادته) الملحمية من أهم الرموز الثقافية والأدبية الثرة في القرن الأول بعد الميلاد أعتبرت مصدراً للغة اللاتينية عند النحويين، ووضعتْ في المقرر المدرسي، ودفعت الكثير من الأدباء والمثقفين والشعراء الأقتداء به وتستوحي نتاجاته المبدعة مثل : دانتي في الكوميديا اللآهية، وأستخدمها الشاعر الأنكليزي (تشوسر) وأقتبس منها الشاعر الأنكليزي (أدمون سبنسر) في قصيدتهِ (ملكة الجن) في كتابٍ له بهذا الأسم The Faerie Queene وبالمناسبة هذه القصيدة تنحو بأتجاهٍ مقارب للنمط الأسطوري لقصائد فيرجيل حيث القصائد المطولة والرمزية .

 

عبدالجبارنوري

كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

.............................

الهوامش والمصادر /

الأنياده / لفيرجيل – د- أبراهيم سكر 1994

أناشيد الرعاة –فيرجيل – ترجمة وتأليف أمين سلامه

ملامح يونانية في الأدب العربي 2016 (نسخة ألكترونية )

كانون ثاني /2021

 

 

 

"هابل" Hubble هو أسم التلسكوب الفضائي الذي يتجول في الفضاء الخارجي ويلتقط صوراً وإشارات عن المجرّات الكونية الأخرى خارج المجرة التي يقع فيها كوكب الأرض. وفي ذات الوقت يتجول المسبار الفضائي بين الكواكب ويبعث صورا دقيقة عن المريخ ويلتقط أحجاراً من سطحه تسمح للعلماء بإستنتاج إمكانية وجود ماء هناك، أي إمكانية وجود، أو إيجاد، حياة. في الأسفل من هذه الصورة، أي هنا، على سطح هذه الأرض، التي تتنفس الحياة منذ ملايين السنين، تنتشر الحرائق بين غابات العالم من أندونيسيا، وكاليفورنيا وإسبانيا وفرنسا وإيطاليا الى الجزائر مروراً بالبرازيل ونعجز عن إخمادها قبل أن تأكل هذه الحرائق مئات بل آلاف الهيكتارات من الأشجار. وعلى ذات الأرض التي يعيش فيها مختلف أجناس البشر، نعجز عن تحييد القوى التسلطية والقمعية التي تتحكم بالعلاقة بين الرجل والمرأة. أي العجز عن فهم الآخر وإشاعة السلام.

المسرح، بكل أبعاده وأشكاله، يعكس هذا الفضاء من التناقضات والعجز الإنساني. وهو لم يتوقف عن تسليط الضوء الباهر على المشاكل الإنسانية المتنوعة، وجودياً، وإجتماعياً، وإقتصادياً، وسياسياً برؤىً تشوبها المرارة أحياناً، والسخرية في أحيان أخرى، ولكن دون فقدان الأمل. أما المسرح النسوي، فهو وسيلة، لقلب المعادلة التي تتحكم بالعلاقة بين الرجل والمرأة. ولكن من أجل فهم ذلك سيتوجب التساؤل فيما إذا كان هناك أساساً مسرح رجالي قبل هذا النسوي؟ وما هي الأسباب التي أدت الى نشوء المسرح النسوي.

من المعروف بأن المسرح كان في بداياته اليونانية قد أقصى المرأة كلياً من المسرح، فقد كان الرجل هو من يقوم بتشخيص دور المرأة في التراجيديات الإغريقية، واستمر هذا الحال لقرون أمتدت الى بدايات عصر التنوير. حيث حدثت ثورة ثقافية وإجتماعية وتنويرية هائلة، في القرون الوسطى، مما ساعد على إدماج المرأة لأول مرة في التاريخ "كمغنية" عندما ظهر فن الأوبرا لأول مرة.

مع مرور الوقت، برزت أشكال متعددة للمسرح. ومع توسع المسرح في اتجاهاتٍ مختلفةٍ في المواضيع وفي الصيغ الفنية ، ازدادت أهمية وجود المرأة في المسرح أيضًا. بل وأكثر من ذلك، فليس هناك أدنى شك في أن المرأة تشكل كياناً عضوياً في المسرح اليوم ،  فهي تعمل في جميع وظائف المسرح من كتابة النص الدرامي، الى السينوغرافيا والإخراج الى التمثيل مروراً بكل الاعمال الفنية والإدارية التي يتطلبها العمل المسرحي. وقد برعت المرأة في كل ما يجعل النص المسرحي عملاً فنياً وإبداعياً مدهشاً ومتكاملاً. في حين ان  التاريخ الطويل الذي إجتازته المرأة من المعاناة والصعاب سوف لن يكون من الإنصاف إختصاره ببضع كلمات. بل من المؤسف حقاً أن المسرح، تاريخيًا، كان غير عادل مع المرأة. وعلى الرغم من ذلك ، كان هناك الكثير من النساء اللواتي، بفضل عشقهن للمسرح، وتفانيهن، وتضحياتهن أصبح المسرح اليوم كما نعرفه مختلف تمامًا عن بداياته اليونانية، مسرح تقف فيه المرأة ككاتبة، وكمخرجة، وكممثلة، وكناقدة، وكفنيّة وكإدارية، أي ككل كامل في المسرح.

من أين جاء المسرح النسوي إذن؟ ولفهم ذلك، سيتوجب العودة الى الحركة النسوية في الغرب، فمن رحمها خرج المسرح النسوي. إن الحركة النسوية تسعى، بالمعنى الواسع والعام، إلى لفت الانتباه الى الأدوار الحيوية للمرأة داخل حركة المجتمع، كما تسعى الى تحقيق المساواة للمرأة في عالم أستأثر فيه الرجل تاريخياً بالسلطة في المجالات السياسية، والاقتصادية والاجتماعية وانعكس ذلك أيضاً على العلاقات الإنسانية بين أفراد المجتمع وبين أفراد العائلة.

مرّت الحركة النسوية عموماً، وبإختصار شديد، بثلاثة مراحل بدءً من القرن التاسع عشر. وقد ركّزت الحركة في تلك الفترة بشكل أساسي على الحقوق القانونية في المقام الأول مثل حق المرأة في التصويت وحقها في التملك والملكية. أما المرحلة الثانية من الحركة النسوية فقد ترسخت في أوائل الستينيات من القرن الماضي، والتي أستندت، أيديولوجياً، على كتابات سيمون دي بوفوار المحرّضة ضد السكون المجتمعي والداعية لتحرير وإستقلال المرأة خاصة في كتابها الذائع الصيت "الجنس الآخر" بجزئيه، الأول والثاني.  وقد ركزت مطاليب هذه المرحلة على أوجه عدم المساواة في الحياة اليومية، مثل الحياة الجنسية، والأسرة، والحقوق الإنجابية، والحق في الإجهاض، وحقوق المرأة في مكان العمل. وبهذا تكون الحركة النسوية قد إتسعت وتطورت خلال المرحلة الثانية. أما المرحلة الثالثة فقد تعززت خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي، حيث شكّل مؤتمر المرأة في بجين (بكين) وما صدر عنه، الأنطلاقة الحقيقية والقاعدة القانونية الصلبة للحركة النسوية في العالم (مؤتمر الأمم المتحدة الرابع حول المرأة المنعقد في سبتمبر/أيلول عام 1995 بحضور 180 بلداً وحضور حوالي 2500 "منظمة غير حكومية"، غالبية هذه المنظمات كانت نسائية وحديثة التكوين. علماً بان مشاركة هذه المنظمات سمح لها ولأول مرة في تاريخ الأمم المتحدة). تطورت المرحلة الثالثة النسوية وأتسع أفاق عملها صعوبة وتعقيداً، وصارت تعتمد إلى حد كبير، في عملها، على التقاطع والتنقل فيما بين القطاعات التنموية المتنوعة، وخاصة القطاعات التي على تماس بالحياة اليومية للمجتمع. ثم بدأت بترويج أن فكرة العرق البشري والجنس والطبقة الأجتماعية والقدرة المالية، كلها تتقاطع وجميعها تصب في الكل.

من هذا الرحم وِلِدَ المسرح النسوي خلال السبعينيات. وهو بلا أدنى شك كان قد إستفاد من ثورة 1968  في باريس.  وهو يسعى، أي المسرح النسوي، إلى سرد قصص وهموم النساء، وإبراز المرأة كشخصية رئيسية في العمل المسرحي، ومقاومة تهميش المرأة. ثم بدأ المسرح بإستخدام مصطلحات الحركة النسوية من مثل العمل على زعزعة "النظرة الذكورية" في المجتمع. على أن النظرة الذكورية ضمن هذه "الإيديولوجيا"، هي الفكرة العامة القائلة بأن العالم يُنظر إليه فقط من منظور الرجال، وأن هذه النظرة تجعل من النساء، بشكل عام، "كأشياء" جمالية مستحبة أو "كمواضيع" مثيرة للرغبة الجنسية. وانا أجد في هذا الفهم كثير من النمطية السلفية سواء بالصورة التي أُسقطت على المرأة او بالمصطلح ذاته وأعني "الذكورية". لأنني مدرك تماماً بأن هذه المفاهيم وهذه اللغة لا تملك إلاّ أن تمهد للتباعد وليس للتعايش المجتمعي.

إن من أهم بعض سمات "المسرح النسوي" هي العمل من أجل زعزعة وإلغاء "المنظور الذكوري"، ولعمل ذلك يقوم المسرح النسوي بالتمرد على المسرح ذاته، فهو يحاول التفرد بمحاولة تغيير مضمون وشكل الاعمال المسرحية. فمثلاً من حيث المحتوى، ركز المسرح النسوي على ما يلي:

- عرض مفهوم الجنس والعلاقة بين الجنسين، وغالبا ما يعكس الأدوار فيما بين الجنسين أو يقوم بالسخرية منها.

- يروي قصص شخصيات تاريخية مؤثرة، غالبا ما كان يتم تجاهلها. 

- يشدد على رواية قصص الإجحاف التي لحقت بالنساء الذين تعرضوا للقمع والاضطهاد.

- يوجه النقد الشديد للأنظمة السياسية والاجتماعية التي ماتزال تُمارس إضطهاد المرأة.

أما من حيث الشكل، فيتحدى المسرح النسوي جميع جوانب عملية الإنتاج، بدءً من هيكلة الحبكة المسرحية إلى عمليات التمثيل والتمرين (البروفة). وتشمل بعض سمات المسرح النسوي، في هذا الجانب، ما يلي:

- من الناحية الشاملة للعرض المسرحي، يحاول المسرح النسوي السماح للممثلات بالتقاطع فيما بينهن وذلك بإعطائهن الفرصة، أحياناً، في سرد قصصهن الشخصية، ضمن القصص التي يتم سردها وطوال عملية البروفة.  

- العمل على أسس تعاونية، لأن المسرح النسوي يرفض السلطة الهرمية المعمول بها في المسارح، وذلك من خلال إداريون  يحاولون تمكين ممثلاتهم من التدخل في حوار النص، وتعديل حبكة الرواية، والسماح لهم بوضع الاختيارات الاخراجية النهائية.

- إتباع هياكل سردية بديلة - فالمسرح النسوي يرفض السرد التقليدي، وغالباً مايختار السردية المفتوحة النهايات أو الدائرية التي تعود الى البدء أو العرضية التي تتدخل في وسط حكاية أخرى مختلفة.

- التمحور حول موضوع المرأة، يضع المسرح النسوي الشخصيات النسائية في مركز الحدث ، وغالبا ما يستخدم مجموعات من الممثلين عوضاً عن البطل الواحد الواضح.

بطبيعة الحال أنتج "المسرح النسوي" مفاهيمه وشكله من أدوات النقد النسوي التي تتوافق ومجموعة السمات المذكورة أعلاه. ولكني كنت فيما تقدم أستعرض مفاهيم واشكال ولمحات المسرح النسوي كما أُسس لها في المجتمعات الغربية. أود هنا ان أنتقل الى مجتمعاتنا العربية المختلفة والتي يوحدها القمع والقهر والتخلف والبطالة وهواجس الحرية. والمرأة العربية في مركز كل ذلك داخل هذه المجتمعات. للمرأة في المنطقة العربية قضية بدون شك، قضية تتمحور كل تشعباتها حول الاستقلالية والحرية، ولكن هل الرجل، في خلايا المجتمع المتنوعة، هو أكثر حرية؟ يجب ان نفهم بان القضية أساسية جداً ومشتركة. وبان معاداة الرجل او البحث في مفاهيم تزويرية كمفهوم "الذكورية" سيعزز من النظرة المتعصبة واللاأخلاقية، الموجودة أصلاً ضد المرأة. تلك النظرة التي تجعل من المرأة ليس بكائن أنساني مدرك ومتكامل ومستقل، بل كأنثى تثير الإعجاب جمالياً وتؤجج الرغبة الجنسية.

في البلدان العربية، حيث القهر والألم والحزن والفرح كما التفاؤل والامل والتشاؤم واليأس لا يفرق ايأ منهم بين رجل او امرأة، فغالباً ما يكون مصدر القهر و مصدر العبودية واحد.  لذلك فإن كان للمرأة معركة، فهي بالضرورة معركة مشتركة مع الرجل ضد التسلط القسري والقمع واستلاب الحريات. ولمحاربة واجتثاث النظرة الدونية التي يحملها بعض الرجال في مجتمعاتنا للأنتقاص من مكانة ودور المرأة، فليتوجه إذن عمل المرأة، بمشاركة الرجل، بصورة دؤوبة من أجل تحرير "عقلية الرجل". ذلك الرجل الذي كبّل المجتمع عقله لقرون طويلة. وبتحرير عقلية الرجل، تتحرر المرأة من معظم المطبات.  بهذه المعركة المشتركة، تكون أهداف حركة المرأة قد بلغت وبات عليها العمل مع الرجل لتحقيق مبدئي العدالة والمساواة. ثم العمل على إلغاء كل أفكار ومشاريع الأقصاء، والالتزام بالمشروع الإنساني الكبير في الشروع بالحلم الإنساني بمجتمع موحد كبير على الرغم من اختلاف الثقافات والأديان واللغات.  مجتمع موحد عبر إختلاف المسافات.

وحين نعود الى المسرح، سيكون هناك عدد من التساؤلات الشرعية، من قُبيل مالذي أقترفه المسرح بحق المرأة لكي يُختزل بالنسوي؟ أو لموازاته بالنسوي. أو هل يضيف المسرح النسوي بالسمات التي ذكرتها أعلاه الى مسيرة المسرح؟ أنا أعتقد بأن التصنيفات المسرحية "الهامشية" تظلّ، على إمتداد مسيرتها، هامشية، على الرغم من نبل الأفكار التي تحملها، هذا لان هذه التصنيفات لم تُحاكم وجودها ولم تتساءل عن شرعيته. والمسرح النسوي هنا مثال على ذلك. ثم أن هذا التصنيف يسيئ الى المبدأ الأساسي الذي يحتمي به المسرح النسوي وهو حقوق المرأة، ذلك أن تجزأة حقوق الانسان الى حقوق أصغر من مثل حق المرأة، وحق الطفل، وحق المهمشين وغير ذلك الكثير، هو بالحقيقية تجزأة للمبدأ الأساسي، او الحقوق الأساسية  وأعني بذلك مجموعة مبادئ حقوق الانسان. ان هذه التجزأة لاتخدم إلاّ السياسيين الفاشلين وللمرحلة الآنية فقط. ثم أن تصنيف المسرح النسوي يرتبط فكريأ بالإقصاء وتهميش الآخر، وجعل نظرة المسرح تتمحور حول مركزية "الأنا الأنثوية Egocentric “، لنا ان نتذكر بأن المسرح أفرز شخصيات نسائية هامة للغاية سلباً، أو إيجاباً من بينها أنتيجون، وأليكترا، وفيدرا ثم الليدي ماكبث، وأفيجيني، وبيرنيس، ونورا، وهيدا جابلر، والآنسة جولي، يرما، وبرناردا ألبا، وكليوباترا، وريّا وسكينة وغيرهن الكثير. إن المسرح بكل أشكاله الفنية والجمالية كان رائداً بطرح ومعالجة هذه المواضيع بطريقة، على الأقل، تسمح للجمهور بأن لا يرى الواقع كما أعتاد أن يراه قبل إرتياد المسرح.

إود أن أتساءل هنا، هل يمكن فعلاً نقل مفاهيم محورية من الحركة النسوية الغربية مثل "النظرة الذكورية" الى داخل هذه المجتمعات العربية دون التسبب في هياج الفتاوي المتشددة.  الفتاوي التي تتحكم ببرلمانات وسياسات البلدان العربية. ثم ان الأشكال المقترحة في العمل المسرحي النسوي والمذكورة أعلاه، تبدو، الى حد بعيد، مناقضة تماماً للمهنية المسرحية، ولا أجادل في الأشكال الجمالية التي يبدو لي انها تنحني كثيراً الى السذاجة. لنتذكر ان في المسرح العربي برزت شخصيات نسائية فذة أرست قواعد لمسرح إنساني بأساليب متنوعة من الفن الواعي والجمال الراقي. فهناك فاطمة عيد وسناء جميل وسميحة أيوب، نهاد صليحة من بين عشرات المبدعات في مصر، وكذا الحال في العراق زينب وناهدة الرماح وفوزية عارف، وفي تونس رجاء بن عمار، جليلة بكار وزهيرة بن عمارة، ومن المغرب ثريا جبران ومن الجزائر صونيا ومن لبنان نضال الأشقر، ورندا أسمر، وشادية زيتون ومن الأردن سوسن دروزة ولينا التل ونادرة عمران، وغيرهن الكثير ومن سوريا حنان قصاب حسن وميري اليأس، وغيرهن عشرات السيدات اللواتي لم يتوقفن عن بناء مسرح إنساني جاد، بل وساهموا بشكل فعال في ثقافة بلدانهن. سيدات من جميع البلاد العربية.

وفي الختام، يبدو لي، إن المسرح النسوي، غارقاً بالديماجوجية. فهو يحاول إكتساب الشعبية من خلال إستغلال العواطف الشعبوية، والتحيز ضد الرجل وإثارة الكراهية، وأعتماد السطحية في أثارة موضوعات أساسية تخص القوانين وتشريعات البلاد دونما أثر فاعل على مستوى التغيير المطلوب. كما أن الأعتماد الفكري والسلوكي على بقايا تمردات الستينيات، من القرن المنصرم، مثل البيتلز والهبيز وبقايا شذرات من ثورة 1968 الباريسية، سبغ المسرح النسوي بالهامشية، حيث أن الفكر البشري تسارع في عمقه وفي قدراته على تفهم الآخر ضمن مجتمات متوحدة بإختلافاتها وبتنوعها.  أعتقد بأن ظاهرة المسرح النسوي تشبه الى حدّ بعيد ظاهرة كسوف القمر. الظاهرتان تتمتعان بالقدرة على الادهاش وبجماليات من نوع خاص.  غير أن الظاهرتين تشكلان إستثناءً في مجرى الحياة اليومية وليس القاعدة.

 

علي ماجد شبو

 

يسري عبد الغنيمما لا ريب فيه أن الأدب هو ديوان الحياة، وعليه فيجب أن نؤمن عن عقيدة راسخة بالتزام الأدب، ورسالة الأديب في المجتمع، الأديب الذي يجب أن يعيش بالناس ومع الناس بعيدًا عن البرج العاجي أو الثرثرة الفارغة التي تؤخر ولا تقدم .

أرى ـ كباحث ـ أن كل صاحب قلم أيًا كان مجاله وتخصصه، حاملاً للأمانة، ومسئولاً عن كلماته، ليس أمام القانون والأجهزة الحكومية، ولكن أمام عقله وضميره ومواطنيه، فالرصاصة الغادرة قد تقتل نفسًا، أما الكلمة المضللة فقد تقتل أمة بكاملها .

لذلك أجل وأقدر وأحترم كل لون أدبي يعكس هذا الالتزام، ويعبر بصدق وجلاء وأمانة عن قضايا شعبنا ومعاناته التي لا تنتهي في الماضي والحاضر، فالأديب عليه أن يكون ناقدًا مصححًا للحاضر القبيح، ومستشرفًا مبشرًا بالقادم الأفضل والأحسن .

وعليه فإننا حين نصادف أدبًا يبعد أو يتخلى عن تحمل الأمانة، أو لا يعبأ بشرف الرسالة، علينا أن نحاول الكشف عن ذلك دون خوف أو جبن أو مواربة، علينا أن نبينه باحثين عما وراءه من أسباب، عارضين موقف الأديب أو المبدع، من خلال عمله الأدبي، موضحين محددين كل الجوانب الإيجابية والسلبية أمام القارئ .

ولا يعني الاهتمام بموقف المبدع من أمته أو شعبه، إغفالاً لجانب الفن، وما يتطلب من قواعد وشروط، يجب علينا قدر الطاقة والإمكان العناية بكلا الأمرين (المعادل الموضوعي)، لأنهما متلازمان، والفن العظيم الرائع هو في نفس الوقت منطويًا على حس إنساني وقومي أصيل، ومعبرًا عن موقف وفلسفة من الحياة والناس والواقع المعاش .

وكل ذلك يجعلنا ننظر إلى مجموعة (لا .. ليس جسدك) كمثال في إطار الأدب التعليمي الهادف الموظف، فأغلب القصص تسعى إلى بث قيمة جديدة والدعوة إليها، أو بيان خطأ فكرة معينة وسلوك خاص، وربما هدفت إلى إبطال تقليد رديء، إنها تعطي درسًا وتقوم خلقًا، تهدم تقليدًا وتبني قيمة، مثلاً هذه القصص: (كرامة زوجتي  و(بنت تبحث عن زوج) و(زوجة تبحث عن عمل) و(رجل يبحث عن سيارة) و(حائر بين الحلال والحرام) و(لا .. ليس جسدك) و(المنافقة) و(بلا قانون) و(رجل أعلن إسلامه) و(بنت تحب أمها) و(لم أمد يدي) و(الكبرياء والزوج) و(أختي)، كل هذه القصص تحاول أن تعلمنا شيئًا له قيمة، شيئًا ينفعنا في حاضرنا ومستقبلنا .

وهنا بالطبع سوف يأتي نفر من الناس يحتج ويولول قائلاً: هل تصنفون أدب الأستاذ / إحسان عبد القدوس أو أكثره في الأدب الهادف؟، وبعيدًا عن الدخول في مجادلات أو مناقشات بيزنطية فارغة مع هؤلاء الذين يرفضون كل الرفض اعتبار إبداعات أستاذنا / إحسان عبد القدوس ضمن الأدب الهادف أو الأدب التعليمي، نحب أن نقول:

1 - إن الكاتب الكبير كثيرًا ما يضفي على دروسه ظلالاً، ويغلفها بزينة وزخرفة تخفي هدفه النبيل، ويضيع في زحامها وأصباغها ما أراده من تنوير وتهذيب وتعليم، بل ربما أدت إلى عكس ما أراد، ففتن القراء بالزخرف والقشور، وغاب اللباب عنها .

2 ـ إن الأستاذ / إحسان قد يشتط في بعض الأحايين، وينادي بقيم، ويدعو إلى تقاليد قد لا تتفق مع بعض الأعراف الاجتماعية، بل قد يراها بعض المحافظين متنافية مع الخلق القويم، ويراها الأكثر تشددًا وتزمتًا أنها تتعارض مع مبادئ الدين، وكل ذلك تحت شعار التحرر من التقاليد البالية، وضرورة مسايرة التقدم والتطور، والأخذ بالمدنية والتحضر .

كل ذلك صحيح، ولكن قراءاتي المتواضعة لمعظم إنتاج أستاذنا أوصلتني إلى تفسير أرجو أن يكون صائبًا:

لقد رفع الكاتب الجليل في كل إنتاجه، روايات وقصص ومقالات، رفع راية الحرية، والانطلاق من كل قيد يعيق مسيرة التطور والتقدم والتحضر والتنمية، وهدم كل قديم يجرنا إلى الوراء .

وليس ذلك لمجرد الهدم، ولا هو دعوة للإباحية كما يقول أصحاب العقول الحجرية، أو هو خروج عن الأخلاق القويمة أو الدين الحنيف أو الأعراف السليمة، لا أعتقد ولا أظن، فذلك لا يتفق على وجه الإطلاق مع الحس الوطني الحار الصادق الذي كان يتمتع به أستاذنا الكبير .

لقد تطلع إلى هدف نبيل عظيم، هو محاولة تحرير العقل العربي تمامًا وبكل وسيلة، بطرد القديم كله صالحًا وطالحًا، بزلزلة الثابت من الأعراف والعادات والتقاليد، بإظهار التأييد لما يسمى إباحيًا ولا أخلاقيًا، حتى يستيقظ الجميع من سباتهم العميق، ويندهشوا وينزعجوا ويفكروا جيدًا، ويتم الهدم كاملاً، ثم نبدأ بعد ذلك، وبعد أن نزيل الأنقاض، بناءًا جديدًا لقيم وأخلاق وأعراف جديدة صحيحة تدفعنا دائمًا وأبدًا على الأمام.

وقد ذهبت إلى هذا التفسير من تردد الكاتب في هذه المجموعة بين إدانة الخيانة، وبين تبريرها، أو تركها بدون تعليق، تردده بين أظهار الندم من أبطاله على سوء السلوك والاعتراف بالخطأ، وبين اللامبالاة والتبجح، بين الحديث عن الدين والأخلاق باحترام وقدسية، وبين الاندفاع لما يشبه الإباحية .

إن هذا التردد من الكاتب أو من شخصيات أقاصيصه تكشف لنا أنه لم ينضم إلى أحد الجانبين، لم يحسم رأيه بتأييد هذا ولا ذاك، وإنما هو مشغول بقضية أخرى، غير تحديد الموقف وإبداء الرأي، هو مشغول بالهدم وإزاحة الأنقاض، كي يبدأ البناء الجديد المتين آذي لا يعرف الغش أو الخداع أو النفاق .

وختامًا لهذه المقالة النقدية: نريد أن نطرح سؤلاً وهو: هل كان الأستاذ / إحسان عبد القدوس صحافيًا جذبته القصة ؟، أم كان قصاصًا أغرته الصحافة ؟

مما لا ريب فيه أن في الأستاذ من القاصين خياله المجنح المبدع المحلق، والقدرة الإبداعية على رسم الشخصيات وخلق المواقف وتصوير الأحداث، ثم الإثارة والتشويق، وفيه من الصحافي أسلوب السرد والإخبار وكثرة الإنتاج والشهوة للكتابة في كل الموضوعات بلا انتقاء أو اختيار، ثم الاهتمام بالجماهير التي تحتاج من الجميع كل اهتمام وتقدير ومساعدة، أكبر الظن أنه ـ قبل هذا وذاك ـ كان مصلحًا اجتماعيًا بمعنى الكلمة، مصلحًا يسعى إلى هدفه بوسيلتي الصحافة والقصة معًا، إنه دون شك وطني غيور، يحب وطنه ومواطنيه، ويحفزه الحب إلى إصلاح أحوالهم بشتى الطرق، وفي محاولات دائبة لا تكل ولا تمل، ومن شأن العمل المستمر الدائب أن تكون لصاحبه هفوات، ولا ضير في ذلك، فالتجربة والخطأ أفضل ألف مرة من الركود والخمول والسلبية والثرثرة الفارغة الجاهلة التي تؤخر بلادنا ولا تجعلها تتقدم .لقد كان كاتبنا الكبير / إحسان عبد القدوس (رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جنانه جزاءًا وفاقًا لما قدمه للفكر والأدب) رائدًا في إبداعاته، وسيظل هكذا دائمًا إلى يوم أن يرث الله الأرض ومن عليها .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

محمود محمد عليالسخرية سلاح ذو حدين، فهي دائما تميل إلى استخدام الكلمة الغاضبة والرافضة للأوضاع والسلوكيات، وعلى هذا أصبح أسلوبا شائعا لدى العديد من الكتاب يتبعونه بطريقة غير مباشرة في النقد والتطوير والتغيير، إما في الجانب الشخصي أو في جوانب الحياة المختلفة، لأتها تهدف إلى تعرية الواقع وكشف الزيف الموجود فيه من خلال أساليب ّ مختلفة، تتبعها في بث رسائل مشفرة إلى المتلقي لكي يفك رموزها ويقوم بعملية التأويل وإعادة النظر في هذه الحياة وتصحيح ما يجب أن يصحح بلسان ساخر متهكم يترك أثرا قويا وعميقا في القارئ، والكاتب الساخر له نظرة عميقة للواقع وقدرة على نقده وكشف عيوبه، فهو إنسان ثائر على المجتمع لا يرضى بالواقع، فهو في سعي دائم لتغييره يستخدم السخرية سالحا لمواجهة التناقضات الموجودة في المجتمع.

والسخرية السياسية والتي تمثل محور حديثنا في هذ المقال مجال له خصوصيته في حقلي الرأي والتعبير، فحين تضيق مساحات الرأي ويعتمد النظام على الصوت الواحد فلا صوت يعلو فوق صوت السلطة؛ يلجأ الأفراد إلى مجال السخرية السياسية ليكونوا هم الفاعلين الرئيسيين فيه، يخلقون لأنفسهم أدوات شديدة البلاغة في الإشارة إلى مواطن قصور الممارسات السياسية للسلطة معتمدين في نقدهم على الهزل والرمزية، فالسخرية السياسية لها القدرة على اختصار خطابات النقد الطويلة من خلال نكتة موجزة تنتشر بين الناس، أو إثارة قضايا حيوية برسـمة ساخرة، كما يمكنها التأثير على الرأي العام عبر أغنية متداولة بين التجمعات غير الرسمية.

وقـد شهدت السخرية السياسية تجددا مستمرا عبر تاريخ المجتمع المصري، ففي كل أدوات وفنون جديدة للمعارضة السياسية والإشارة إلى الفساد السياسي والبطش الاجتماعي بشكل هزلي، يتضح هـذا التنـوع والتطور عبر التراث التاريخـي والموروثـات الثقافيـة علـى جـدران الأبنيـة التاريخيـة وبيـن أوراق الروايـات الخيالية، وعلـى خشـبات المسـارح وشاشـات السـينما وموجـات الراديـو، استطاعت تلك الفنـون أن تنقـل لنـا العلاقـة الصراعيـة بيـن السـخرية السياسـية والظواهـر الاسـتبدادية في كل عصر، حتـى وصلت السخرية السياسية إلى مرحلة متطـورة وأصبحت تستخدم الفضاء الخارجي والمواقع الافتراضيـة لتنال من تلك النظـم.

وإذا  ما رجعنا إلي الأثر التاريخي للسخرية السياسية لعصر الفراعنة وجدنا أن تلك السخرية  كانت إلـى تجسيد علاقـات السلطة والصراع السياسي بين الحاكم والمحكوم، فنجد على جدران أحـد المعابـد مشهداً للصراع بين القطط والفئران، يصور هـذا المشهد مجموعـة من الفئران القويـة - التي ترمز للقوة الشعبية قد كونت جيشاً وهاجمت حصناً للقطط - التي ترمز للحاكم وبلاطه - وقـد استطاعت دخوله فعـلا والقطـط في حالة شديدة الذعـر ، وفي مشهدٍ آخر نجد رسوماً كروكية علـى بعض صخور الفخار لصراعٍ بين القـط والفأر؛ حيث يقـوم ملك الفئـران بـإدارة عجلـة حربية يقودهـا كلبتان، ويهجم على حصن تحرسه القطط ، تلك الرسومات وغيرها هـي ترسيخ لفـن الكاريكاتير، والذي يعبر عن المعارضة السياسية وتأثيـر الأفراد علي النظام السياسي ومدى قوة الرأي العام والجماهير في مواجهة السلطة.

وخلال العصر المملوكي أظهر لنا التراث المصري صوراًَ وفنوناً ملحمية أخـرى تمتـاز بالطابـع الشعبي الساخر، كالعروض الشعبية في الساحات العامة والشوارع المتمثلة فـي "خيـال الظـل"  و" الأراجوز" ، والتي كانت بمنزلة المرحلة البدائيـة للفـن المسرحي فيمـا بعـد، نجـح فـن خيـال الظل في ترجمـة الظلم الاجتماعي والقهر السياسي خصوصا فـي العصـر المملوكـي، ولم يسلم حكام ذلك العصر من النقـد الـاذع الذي وجهه لهم هـذا الفـن، فقـد تمكـن مـن كشف علاقـة الحكام بالمحكومين، وتعرية الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الظالمـة، ولكـن َّ خيـال الظل تعـرض لهجوم عنيف من قبل السلطة السياسية؛ حيث أمر السلطان "سيف الدين جقمق" بحـرق شخصيات خيال الظـل وتعقـب من يعمل به.

وفي أواخر العصر المملوكي شهدنا حكايات وفنون خارج إطـار القانـون الوضعـي للسـلطة ، وقد كان لها أثر عظيم في حقل السخرية السياسية، ألا وهي "حكايـات الشـطار" أو مـا يسـمى "أدب اللصوص"،  تلك الحكايات التي نبتت من وسـط آلام العامة وهمومهـم للتمـرد علـى الحكومـات وأصحاب المال والسـلطة، رغـم وصف الحكام والسلاطين لهم بأنهم لصـوص صعاليـك وأسباب الفتنـة والاضطراب في البـلاد؛ إلا أنهم ارتقـوا إلـى مرتبة البطولات القومية بين الناس، فنجد في سيرة "علي الزيبق" و" أحمد الدنف" وغيرهم صور مجتمعية تعرض َ بطش الحكام وغياب العدالة الاجتماعية، وتكمن بطولة هـؤلاء في قدرتهـم علـى تحقيق العدالة الاجتماعية، فهـم يحتالون على أصحاب المال والسلطة الفاسدين ليردوا المال لمستحقيه، وعلى الرغـم من بساطة أسلوب هذه الحكايات إلا أنها حملت بيـن طياتها جزءً مـن الطابع البروليتاري الثوري، ينتقم فيهـا أبطال الحكايات من السلطة السياسية .

هذا وتعج الحكايات الشعبية بالقصص والنوادر، إلا أن أشـهرها (نـوادر جحا) التي تميـزت بفكـرة "الرمز والقضية"،  فنجد دوما أن بيت "جحا" الفقيـر عرضة للصوص، وأن "جحا" غالبا ما يلجـأ إلى ذكائه وألاعيبـه الطريفـة للتغلب على هؤلاء اللصوص السـذج ؛ فمثلاً : ُيروى في إحدى نوادر "جحا" أن لصا دخل داره فشعرت به امرأته، فأخبرته فـي لهفـة وهـي مذعـورة: ألا ترى ٍ اللص يدور في البيت؟ فأجابها بهـدوء شديد: لا تهتمي له! ليته يجـد شيئا يهـون علينـا أن نأخذه من يـده، وفي تلك الحكايات وغيرها إشارة إلى غياب القانون وعـدم ثقـة الناس في قضاء الدولة في ظل وطن ٍ منهوب ٍ يعاني من خلل سياسي.

وثمة نقطة أخري مهمة وجديرة بالإشارة ألا وهي أن الحديث عن السخرية والفكاهــة مرتبط في الأذهان بالمسرح باعتباره الساحة الأشهر لتناول القضايا والموضوعات بشكل كوميـدي، انتشرت فكرة العـرض المسرحي على يد "السامر" في النجوع والقـرى والأحياء الشعبية قبـل أن يتطـور إلى شكله الأوروبي المعروف، كان يتناول مشكلات الطبقات الدنيا، ويقـدم ًا نقـداً لاذعاً للجند التركي وغفلته، والعنصر الأجنبي الناهب لأموال الناس وخيرات بلادهم.

وقد حافظ المسرح على دوره النقدي وانحيازه البناء شعبه، وقد تبلـورت علاقته بالدب فظهــرت لنا مؤلفات "توفيق الحكيم" الساخرة مـن أوضاع البلاد، عالـج "توفيق الحكيـم" قضايا مختلفـة، مثـل: قضايا حرية المـرأة والعدالة الاجتماعية، بالإضافة إلى مناقشته للأوضاع السياسية وعلاقـات السلطة والحكم، وفي روايته المسرحية )الحمير) ناقش بأسلوب فكاهي ساخر الممارسات َ القمعيـة إبـان ثورة 23 يوليو 1952م وخيبـة الأمل التي أصابت النـاس إثر تطبيق الاشتراكية وانحرافاتها التي أدت إلى الحكم المطلق.

وفـي الفتـرة نفسـها كانت قصائد "صلاح جاهين" مفعمـة بالأمل والثقـة المطلقـة فـي قـوة البـاد وجيشـها، تبنـى" صلاح جاهين" نوعا آخر من الأدب يركز من خلاله علـى الـروح الوطنيـة والحـب غيـرالمشروط لبلاده؛ فقدم صلاح جاهين " احنا الشعب" التي غناها المطرب عبد الحليم حافظ، وقصيدة " راجعين بقوة السلاح".

ويعد عصر الرئيس" حسني مبارك" هـو الفترة الرئاسية الأطول في مصـر مقارنـة بالرؤسـاء السابقين (عبد الناصر والسادات) ؛ لذا شهدت فترة حكمه تطـورات سريعة ومختلفـة بما فـي ذلك تطور السخرية السياسية، فقد سمح "مبارك« بالأعمال الفنية الاجتماعية للمواطن من استكمال العمل الديمقراطي، فناقشت الأفلام في عهده الحياة الساخرة من نظامه كنوع البسـيط والصعوبات التي يواجهها لتحقيق سبل العيش الكريم، مثل: فيلم (كراكون في الشـارع)، وفيلم (الإرهاب والكباب)، ورغم جرأة تلك الأفلام في تناول بعض القضايا إلا أن سخريتها ونقدها اقتصر على المستوى الأدنى واكتفى بالتلميح إلى فساد بعض مسئولي الدولة دون المساس برأسها.

إلي جاءت ثورة 25 يناير والتي كانت تمثل القشة التي قصمت ظهر البعير؛ ففي أقل من 18 سقط نظام حسني مبارك نتيجة أسباب عديدة ؛ نذكر منها الأسباب الاقتصادية، وتـزاوج السـلطة بالثـروة، والأسباب السياسـية، وفكـرة التوريـث، وتزويـر انتخابـات 2010م ، وأخيراً الأسباب الاجتماعية، مثــل: المرض، والفقر، والبطالة، وغيرها من الأمراض المجتمعية التي تفشت بشكل ملحوظ في المجتمع المصري .

وبعد انهيار نظام "مبارك" ارتفع سقف السخرية السياسية وتنوعت موضوعات الكاريكاتير، بل إن نمط فن الكاريكاتير تنوع ولم تعد أوراق الصحافة هي الموضع الوحيد له. فقد استطاعت ثورة 25 يناير خلق جيل جديد من رسامي الكاريكاتير نجحوا في التعبير عن الأحداث السياسية المتجددة ومناقشة القضايا الشائكة بكل حرية مستخدمين سلاح القلم والريشة؛ هذا بالإضافة إلي تطور مواقـع التواصـل الاجتماعي التي تميزت بكونها منبراً للإعلام المستقل والمتنوع، وتجلى استخدام مواقـع التواصل عندما استطاعت فئة الشباب أن تُخضع قنوات الإعلام الافتراضي لنقـد نظام "مبارك" بشكل هزلي والمطالبة برحيله.

ثم ازدادت معدلات السخرية السياسية من رأس النظام بتولي "محمد مرسي" مقاليد الحكم ، خاصة وأن نتائج فـوزه بالرئاسة كانت متقاربة إلى حدٍ كبير مع منافسه "أحمد شفيق"، مما جعل المناخ السياسي العام يسمح بوجود معارضة ترفض بالأساس خلفيته الدينية ؛ الأمر الذي شكل تدخل الجيش بإذن من الشعب المصري لإسقاط " محمد مرسي" في الثلاثين من يونيو 2013، ممثلا لمرحلة انتقالية علاقة جديدة بين السخرية السياسية والسلطة بشكل عام وبيـن الكاريكاتيـر الصحفي والسلطة السياسية بشكل خاص .

لقد أحدثت مواقع التواصل الاجتماعي نقلة نوعية في مجال الاتصال الجماهيري والرأي العام؛ فقد فتحت ساحات جديدة للنقاش وإبداء الرأي على أسس الحرية بعيدا عن وسائل الإعلام التقليدية؛ كمـا أنها تتميز بسرعة الانتشار وسهولة الاستخدام، واستطاعت من خلال أدواتها المتنوعـة أن تخلق آليات جديدة للمشاركة السياسية والتفاعل المجتمعي حول القضايا السياسية وذلك بعد أن سهل اسـتخدام Facebook وTwitter  انتشار السخرية السياسية لنقـد الواقع السياسي وتنظيـم صفـوف المعارضين لعمليات الحشد والتعبئة السياسية بشكل سلمي، كما لعـب موقـع Youtube دور الإعلام البديـل في بثّ فيديوهات تسخر من كل  شئ ، ومن تلك  الفيديوهات نتحدث في المقالات المقبلة عن  فيديوهات باسم يوسف وجو شو لبث التنكيت المخارع للشعب المصري .. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط.

..............

1-  مي عبد الجليل: السخرية السياسية كأداة للمعارضة: مصر نموذجًـا 2010 : 2013، أركان للدراسات والأبحاث والنشر ، 2019.

2-آلاء عثمـان: "الفراعنـة أول من عرفوا السخرية واعتقدوا أن العالم خُلق من الضحك، مقال منشور باليوم السابع المصرية.

3- أيمـن حمـاد: "المظاهـر الدراميـة لفنـون الفرجـة الشـعبية"، الثقافــة الشــعبية، البحريـن، أرشـيف الثقافـة الشـعبية للدراسـات والبحـوث والنشر، العدد 19 ،خريف 2012 .

 

 

 

حيدر عبدالرضاللكاتبة السعودية أثير عبد الله النشمي

تجليات الفاعل السارد بين متواليات المضمر وغياهب الأنموذج الآخر

توطئة:

أن ما يثير اهتمام القارىء الروائي في عوالم روايات الروائية السعودية أثير عبد الله النشمي، هي محاور ووظائف روايتها موضع بحثنا (في ديسمبر تنتهي كل الأحلام) عبر ذلك الأنموذج المقترن في غياهب المعلن والمصرح من بنية مدار التمكين السردي، فالبعض من المواقع الشخوصية من الرواية، أخذت تقدم لنا ذاتها في صيغة من الحكي المقارب في خطية نمو تصاعدي واسترجاعي، فيما أخذ البعض منها متمسكا بوظيفة الجنوح في خفايا التواصل والانقطاع من ذروة الكشف واللاكشف في موثوقيات متخيل النص .

ـ الوحدات السردية وتمظهرات الخلفية الروائية

في مستهل العتبة الأولى من النص، يكشف لنا الضمير السارد عن جملة كيفيات ومبررات ومميزات تلك الشخصية الأكثر نزوعا في ملفوظها الكينوني والدلالي عن باقي شخوص الرواية . فالشخصية هذام هو أحد شخصيات الرواية المركزية والأكثر إيغالا في محكيات أحوال وأخبار الرواية، لذا نجده غالبا ما يشكل في ذاته، ذلك الفاعل المتكفل بوظيفة الحكي، نقلا عن خطاب موضوعة النص بكافة تعلقاتها التأشيرية واللاتأشيرية . فيما تبقى وحدات الحكي بادئا في الرواية، كحال يقوم السارد المشارك بتقديمها كمقدمة تمهيدية تتحدث عن تلك المرأة المسماة (ولادة) وكأنها مظهرا مصاغا في مستوى من المهيمن على تفاصيل حياة الشخصية هذام: (تدهشني كثيرا هذه المرأة .. تدهشني فوضويتها في الحياة جنوح مشاعرها .. واللاشيء الذي يربطها بأي شيء أو أحد .. لست أعرف إن كان هذا هو ما يغريني بها .. ما أعرفه جيدا هو أنها امرأة استثنائية . / ص11 الرواية) وعلى هذا النحو من التدقيق في موجهات الفضاء المغلق للمرأة، تتكون لدينا دوافع عن تلك الشخصية ولادة الصابئية، كحالة قريبة من النمو المضمر بالنسبة إلى توالد مواقف الرواية الأخرى في كل مكشوفية ومحورية بينة . غير إن حديث السارد عن فضاء هذه الشخصية الأنثى، تنبثق في سيرورة متوترة ومتماثلة إلى مظهر ومدلول (الفضاء المغلق) الذي من شأنه عدم الكشف عن مواقف هذه الشخصية بصورة الحضور الممنوح جهرا في مركب السرد . وعندما نتمعن في كمال هذه الشخصية التي غلبت لب الشخصية الساردة في النص (هذام) نجدها شخصية ذات مواضعات حادة في الذكاء والحنكة الحجاجية، وصولا منها إلى ذلك الأنموذج الذي لا يتاح في متناول اليد والطلب دائما، بل إنها امرأة زئبقية مشرنقة في كوامن وجودها العصي على اللمس المادي والزمني من قبل هذام، وهذا الأمر ما جعلها في حدود الكيفية الاستثنائية في أمر مطالب الشخصية هذام نفسه: (أعرف أن هناك ما يربطنا ما يبقينا مشدوهين إلى بعضنا بعضا على الرغم من مرور كل هذه المدة .. هناك انقلاب عنيف , جنوح صارخ .. أحلام محرمة، ولغة ثائرة تجمعنا .. أنا وهي الجانحان بشدة، الثائران بغضب، المتمردان بلا حدود .. الباحثان عن شيء لا يدركانه بلا خريطة ولا خريطة ولا أدنى فكرة / كيف أحبها بكل هذا العنفوان من دون أن أعرف عنها شيئا ! .. وكيف لا أعرفها عنها شيئا وأنا أعرف منها وبها كل الأشياء . / ص13) ويعتبر الفضاء المغلق في العلاقة السردية ما بين ثنائية (الأنا / الآخر) بمثابة الولوج إلى التفاصيل المسكوت عنها في مبئرات هذه الشخصية السرانية، وينتقل السارد في الحديث عنها طويلا، وبطريقة بادئة للإنكسار والاحباط والهزيمة أحيانا في مركب ملء فجوات غياباتها عنه وإلى فترات غير محسومة من زمن الإقرار السردي في الرواية: (كلانا يفضل أن يبقى الآخر شهيا بغموضه، مثيرا بكونه مجهولا .. كلانا أحب هذه اللعبة، وغرق في الآخر حتى النخاع بل هذا الكم من الشغف والحب والتوق .. بلا ماهية تميزنا .. ولا قانون يحكمنا .. ولا أسماء نعرف بها . / ص13) .

1ـ سلطة الآخر وحتمية المتخيل:

و بسبب الجهر بالعوامل السلطوية التي مارسها الآخر الأنثوي في حق أنسانيته المفرطة، غدا الشخصية هذام كعلامة وظاهرة لإسترجاعات الأفعال والمواقف مجرى في التغييرات الأحداثية التي أولت به إلى أقصى غايات (حتمية المتخيل) في مسببات تفكيك واقعه الشخوصي العنيف بحدة ألم التقصي والبحث في خيوط التداعيات الاسترجاعية من زمنه السردي المطروح حاضرا: (حينما جئت لندن حول قرابة التسعة عشر عاما .. جئتها هاربا من كل شيء .. من أن يشارك عشرات الأشخاص في صنع قراري رغما عني .. غادرت الرياض في قمة الغليان السياسي والعسكري .. أثناء حرب الخليج وقبل تحرير الكويت بقرابة الشهرين شعرت وقت ذاك بأن القومية والقبلية والدين ما هي إلا أكاذيب، أنا الذي كنت قوميا حتى النخاع ! . ص33) على هذا النحو من الأفكار والمواقف والأداة، تعرفنا على الشخصية هذام ومنذ بداية حياته في الحب والكتابة ونبذ موروث الأفكار الأولية الناتجة عن قيم الاحاسيس الشخصانية المتحررة لديه وحتى حكاية حبه الأول ولقاءه بزميلته ليلى في الصحيفة: (مرور ليلى لم يكن في حياتي عاديا، أعرف اليوم بأن لقاءنا قد غير مجرى حياتي كليا .. معرفتي بها أدت إلى أن أكون ذلك الشخص الذي أصبحته الآن، الاصطدام الذي حدث بيننا منذ اللحظة الأولى التي إلتقينا فيها في أحدى أروقة الصحيفة . / ص34) طبعا الروائية عبدالله النشمي كحال قريناتها من الأديبات في الخليج، تسعى في أحداث هذا الجزء من روايتها، إلى إثبات أحقية حقوق المرأة بالموازاة مع حقوق الرجل، وهذا الأمر كثيرا ما وجدناه راسخا في رواية الأدب النسوي في الخليج والسعودية بخاصة، وهذا الأمر ما قاد الأحداث السردية نحو سلسلة من النزاعات الجسيمة في محاولة المرأة إلى إثبات مساحتها القانونية والاعتبارية في بنية المجتمع السعودي: (شعرت بأنها بحاجة لمن يساند حقها في المشاركة بالحياة قبل العمل الصحفي .. فدافعت عنها في أجتماعنا الأول حينما أشار أحد زملائنا بصورة غير مباشرة إلى أن المرأة التي تغادر منزلها لتزاحم الرجال في أعمالهم لن تكون إلا امرأة من أثنتين، فأما أن تكون ساقطة، وأما أن تكون مسترجلة والعياذ بالله ! . ص37) وتبعا لهذا تخبرنا الأحداث في الرواية، عن كيفية خسران الشخصية هذام كل صداقاته مع أقرانه من الرجال العاملين في الصحيفة، ولكنه تمسك بعلاقة مثالية مع ليلى وكان امتدادها خلق حالة جديدة في شخصية هذام، ما جعلته شخصا متوغلا في عوالم المطالعة للثقافات والمعارف الفلسفية، وإلى حد ما يمكننا الأشارة حول تطورات العلاقة ما بين الأثنين، حيث لم تكن محض دوافع شهوانية بل إنها علاقة منزهة من الانحدار نحو رذائل السلوك والأخلاق العامة والخاصة: (لم تكن كأي علاقة بين رجل وامرأة في مجتمع كمجتمعنا، لم تجمعنا الشهوة ولا الحب في البداية، الحياة هي التي جمعتنا، تساؤلاتنا .. شكوكنا .. أحلامنا .. إلا أنني أحببتها كثيرا .. كنت أشعر بأنني أغرق في بحرها تدريجيا يوما بعد يوم حوارا تلو الآخر . ص42 الرواية) .

2 ـ بلاغة الفقد والفقدان في ديسمبر:

توافينا في السياق النصي انطباعات الفقدان نذيرا يمتلك منه الشخصية نهاية المطاف حيوية علاقته المتبادلة مع ليلى، ولكن هناك يبقى ذلك الحائل في إتمام عملية الزواج ما بين الطرفين . يخبرنا السارد المشارك عن قضية إستحالة عقد الزوجية ما بين هذام وليلى، وذلك يعود إلى اختلاف المفكرة العائلية ما بين الأثنين دليلا على تزايد الحس القبلي على عادات وسلوك العوائل المتخاصمة فيما بينها أو المتفارقة فيما بينها طبقيا، وهذا الأمر ما أحدث كل الاستحالة على حدوث الوصل ما بين الطرفين: (لم تكن ليلى تناسبني ـ قبائليا ـ وقضية القبائلية هذه هي المأزق العاطفي الأكبر الذي لن يتمكن أحد من الخلاص منه إن وقع فيه .. هذه القضية لا حل لها مهما أمطرت السماء من المعجزات .. لكن الحب يجعلنا نتمسك بسراب الامكانية، بوهم المعجزة . / 34) تتداعى الصور بالأحداث مع السفر المستحيل في رسم قناعات كل من الاثنين مع بعضهما البعض في التوحد بصوت المقاومة وبمصارعة رفض وشجب إتمام حلقات هذا الحب من أطراف عائلة هذام وعائلة ليلى، ربما كان أصدق الانسحاب من طرف هذام عن مدار حبه لليلى، بعد وصوله إلى خيار الهزيمة إزاء ذاته وسحقها مرات ومرات، لأجل بدء حياة موفقة لليلى مع حياة أخرى لرجل آخر تتوافر فيه شروط الملاءمة القبلية المزعومة: (أدرك جيدا بأن تركي لليلى لم يشفع لي كثيرا عند عائلتي، لكنهم حاولوا أن يدعوا ذلك حتى لا يخسرونني، فتعاودني فكرة الزواج السابقة / طلبت مني ليلى أن أتناسى ما حدث، وأن نتعامل مع بعضنا كصديقين . / ص46) وبعد هذا الفاصل الموحش من دوافع خيبة تحقق الزواج بين الأثنين، توافينا الأحداث اللاحقة من الحكاية الروائية، عن فكرة ليلى وصديقاتها في إقامة انتفاضة نسوية، تطالب بحقوق المرأة السعودية في قيادة السيارة، وقد تجر هذه المظاهرة حالات أكثر تعقيدية على مصيري هذام وليلى وباقي صديقاتها في التظاهرة، لدرجة وصول الأمر إلى حجز كل من كان في المظاهرة في مخفر الشرطة: (لم يفعلوا شيئا يا هذام، اتصلوا بأولياء أمورنا .. وجاءوا لاستلامنا وكأننا طفلات أو سفيهات . / ص59) وآخر ما يصلنا من نهاية مطاف العلاقة بين ليلى وهذام، ذلك الحوار الصادر من جهة ليلى، جاء بعد خيبة هذام من عدم استطاعته تصوير المظاهرة على شريط فيديو الكاميرا خوفا من سيارة الشرطة التي داهمت سيارتهم التي كانت تقودها ليلى حينذاك في التظاهرة: (متى تتحرر من حالة الجبن هذه يا هذام .. صدقني لا معنى لحياتك إن كنت ستعيشها مكبلا بالخوف والضعف والتقليدية ! . / ص61) .

ـ المبنى الروائي وتداعيات السياق النصي

إن عملية القراءة إلى مسار السرد في رواية أثير عبد النشمي موضع بحثنا، لعله يعاين حجم التداعيات في مبنى ومتن السياق النصي في مستوى التخييل ومبذولات العلاقة التبئيرية في وحدات النمو السردي، لذا فإننا وجدنا أغلب اللحظات الفاعلة في مشاهد الرواية، تتركز في أتون مرحلة مواقف الشخصية هذام في لندن، إلى جانب علاقته الهالكة والمتلخصة في سر وأسرار الشخصية ولادة، كما أن مجمل علاقات الشخصية هذام بصديقه جهاد وزوجته مادلين، كانت بمثابة حلقات من التأثيث والتشكل في مسرى المبنى من حكاية الرواية، ولذلك فهي تبقى في مجمل خلاصتها كحالة إطارية من مؤطرات الصورة السردية من فضاء النص الروائي: (مادلين وجهاد لم يكونا بالنسبة لي مجرد صديقين، كانا بالنسبة لي العائلة بالغربة والانتماء والمرجع الوحيد الذي أود إليه .. في بيتهما أشعر أنني في بيتي، أعرف مكان كل شيء . . وكل شيء في بيتهما يعرفني . / ص87) وعلى هذا الأساس تبقى علاقة هذام بجهاد ومادلين، كوظيفة تعويضية في حلقات الغربة عن أجواء الوطن والتفاعل مع مدارات فقدان حميمية الدفء الأسري .

1 ـ تمويه فضاءات الآخر الشخوصي والغور في تفاصيل الأسترجاع:

هكذا علمنا من خلال مشاهد الأحداث بقرار هذام بالسفر إلى لندن مقيما بعد أن حاز على عقد عمل في صحيفة لندنية، فيما أصبحت تفاصيل الشخصية ليلى تراوده كتداعيات من أحلام تلاقي مراتع التذكر والذاكرة، تحفظ صورها ومثيلاتها من أحداث الماضي، لإثبات أفق من الزمن التقاسمي، المتنامى بين محصلة التكوين الفاصل الزمني وتواتر غايات المسرود العرضي من التشخيص الوصفي لأحداث الرواية . كما لا يخفى على القارىء تفاصيل لقاء هذام بمعشوقته ولادة، التي كنا تطرقنا إليها بادىء ذي بدء في العتبة الأولى من دراسة مقالنا، والآن هو دورها في سياق معاينتنا الحالة، خصوصا وأنها ذلك المكمن الذي غدا ينجذب إليه هذام وبكل محمولات وخلفيات عاطفته وهواجسه المقبلة عليها وبأكثر من علامات الهوس والجنون في الحب: (لا تزال الخيبة تملأ نفسي على الرغم من مضي عقدين مررت أثناءهما بمئات الخيبات ! .. وقد تكون ليلى امرأتي الأولى التي لن أنساها يوما .. لكن حبيبتي المجهولة التي جاءتني فبراير 2009 حب عمري بلا جدال ! .. ولا أعرف أن كان مجيئها في فبراير هو استحضار لقناعاتي السابقة، أم أن العشق فعلا لا يولد إلا في فبراير الملتهب .. شهر العشاق .. لكن الكآبة بدأت تتسرب إلى نفسي مبكرا .. أشعر بالخوف يخنقني أكثر كلما أقتربنا من نهاية العام، شيء ما ينبئني بأنها ستختفي في ديسمبر . / ص63) لا شك أن التفاصيل المثيرة في مسار الأحداث المتعلقة على صعيد تلك المرأة الخارقة تذكرنا بأجواء قصص وروايات العملاق الروسي إيفان توروغنيف، ولكن الاختلاف ما بين العالمين، هو إن دلالات الحبيبة في قصص الروسي توروغنيف كانت غير محددة وغير خاضعة لمجالات من التقاويم الزمنية، أما الحال في شخصية هذام وحبيبته كانت محددة ضمن التجهيز الزمني الذي من شأنه خلق حالة تبدد لموقعية موضوعة الحب تماما . على أية حال نعود إلى هذام وإشكالية افتتانه بتلك الجميلة على حد تعبير الرواية، ولا يخفى على القارىء بأن الكاتبة عبد الله النشمي، قد أجادت في تصوير مظاهر العشق والحيرة والقلق والتيه جراء انقطاعات تلك الأنثى الأخاذة في مجيئها إليه في المكان المخصص للمواعد بينهما . وقد لا يتعلق الأمر هنا بخصوص حالة رغبوية ملحة من لدن هذام أو ولادة عندما يجمعهما ذلك النزل والله أعلم، بل أن الحب بينهما أضحى علاقة نادرة ومنزهة عن منظومة الافراغ والتحميل وتفاصيله العقيمة: (من يصدق بأن رجلا مثلي، رجل قدري .. بات يقضي لياليه باكيا على أريكة مشربة بعطر امرأة لا يعرف حتى أسمها .. الأريكة التي أصبحت كهفي منذ إن نامت عليها هي، منذ أن تلطخت بأحمر شفاهها وتشعبت برائحتها / من قال بأن الحب يمنحنا الحياة ؟! الحب يجتث الاستقرار منا / وأنا احتاج لأن أطمسها من حياتي كليا، أحتاج لأن أنتزعها من تأريخي / لكنني أدرك جيدا بأنني لن أقدر يوما على أن أفعل هذا .. هذه المرأة عندما جاءت .. جاءت وهي تدرك بأنها ستخلد في داخلي، جاءت وهي واثقة بأن مثيلاتها لم يوجدان يوما . / ص103 ص104) ولنتأمل قليلا في علاقة عناصر (المؤلف الواقعي ـ المؤلف الضمني ـ السارد المشارك) لنواجه أولا وضعية المؤلف الضمني في النص السردي وبموقعه في الاستباقات التي من شأنها تأويل المستقبل الخطي للنص، وحقيقة الأمر أن الاستباقات السالفة للمؤلف الضمني عالجت نمو الحكاية وأشرفت على تأويل النص وإعادة أكتشافه من قبل السارد العليم، ومن هذا المنطلق صار السارد المشارك يترك للقارىء حرية اسقاط الدلالات التي يراها ملائمة في مساحة موضوعة الرواية، ولا شك أن استرجاعات بعض الأحداث تعود إلى المؤلف الضمني، حتى أنه ليكشف لنا عن جوانب خفية من شخصية ولادة، ضمن زمن صوت السارد المشارك الآخذ بزمام السرد إلى الوراء حيث موقف اللقاء الأول بينهما: (ضننت بأني نسيت هاتفي المحمول في مكتبي .. فخرجت منها مسرعا .. كان الجو ماطرا ولم أكن أحمل مظلة معي فركضت تحت المطر، وعندما ظهرت لي فجأة من شارع جانبي صغير . فاصطدمت بها بقوة .. تناثرت أشياؤها على الأرض وكاد كل منا أن يقع لولا أننا تمسكنا وساعدنا بعضنا بعضا على الثبات . / ص114) وقد تعددت مهام المؤلف الضمني برسم مبررات حالة التصرف الشخوصي من قبل الشخصية هذام وبما يلاءم حالة المكان والطقس، كمعادلان في موضوعة صدفة اللقاء الأول بين هذام المرأة . وهذا النوع من البعد العاطفي والنفسي في طقوس الاصطدام الأول، هو بمثابة القدرة التي قام بها المؤلف الضمني / السارد المشارك على تفعيل آلية الانجذاب والتكيف ما بين الطرفين، بخاصة وأن قابلية المكان والطقس باتا شكلان مغايران في تحقيق سرانية الولوج من كلتا الطرفين في أتون الغالب من المؤثر والتأثير .

ـ أبعاد مشكل المكان وتضاعيف حالات المتخيل

المكان الفني يحتل في ذاته أهمية خاصة في تشكيل أواصر وعلاقات الأطراف الشخوصية في المواقف وجملة أرتباطات المساهمة التفعيلية لإغراض خلق حالات التثوير العاطفي: (لملمة أغراضها وأنا أعتذر وهي تجيبني بالانجليزية لا بأس لا عليك ! أنا أيضا لم أنتبه إليك .. استوقفتني الكتب التي كانت تحملها بالانجليزية لنيتشه .. وملحمة جلجامش بالعربية .. عندها رفعت عيني إليها، والتقت عيوننا فشعرت بالحياة تجتاحني .. خيل إلي أنني أشعر بروحها تغادر جسدها وتتلبس جسدي .. ظللنا قرابة الدقيقتين نتأمل بعضنا بعضا على الأرض وتحت المطر من دون أن يرمش لنا جفن .. سألتها بدهشة وبالعربية: ـ أألتقينا قبلا ؟ أجابتني بعينين لامعتين: ـ أظن بأننا فعلنا ؟: ـ متى ؟ ـ في عصر ما: ـ أتؤمن بالكراما ؟!: أظن بأنني بت أؤمن بها . / ص114ص115) وينحو البعد العاطفي والنفسي في الأحداث الروائية، منحى مغايرا ومتطورا، خصوصا بعد تبادل أحاسيس الحب من طرف هذام إلى هذه المرأة التي لا تحسب مشاعرها الغامضة في الحب، وشيئا فشيئا تبدأ مسرات اللوعة باللوعة، واللهفة واللهفة مقابل فعل لهبة مغتصبة من طرف الشخصية الصابئية ولادة: (أخذت أتأملها تحت عامود الإنارة الذي كنا نقف بجواره .. بشعرها الأسود المبلل .. وعينيها السوداوين اللتين كانتا تجاهدان للبقاء مفتوحتين تحت إنهمار المطر / وخلف ظهرها حقيبة جلدية سوداء خاصة بحمل آلة الكمان . / ص115) في الواقع أن الرواية حافلة ومحفوفة بالحوار والمشاهد الخاصة بتوطين حلقات التتابع في علاقة محاور الرواية، كما أنها وفرت إلى مساحة مؤول التلقي ذلك التنوع المتقن من أسلوبية فضاءات العبور والانقطاع من محور العنونة المركزية الدالة في ديسمبر تنتهي كل الأحلام .

ـ تعليق القراءة:

تتبين في رواية (في ديسمبر تنتهي كل الأحلام) تلك الخلاصة الزمنية النذيرة بانتهاء حكاية كل حب وكل عشق في مكونات السياق التقويمي لهذا الزمن من نهاية كل عام ولماذا كان هذا الزمن مخصوصا لإيقاف وقتل هذه المعادلة الحلمية للحب أساسا ؟ نستدل في نهاية الرواية عن رحيل العازفة محبوبة هذام المموهة بعد نهاية حفلة موسيقية إلى رحيلها خارج لندن مع الفرقة، وهذا التوقيت الزمني سيظل بمثابة الإقرار بأن في ديسمبر تنتهي كل حكايا العشق: (حاولت في الكتابة، حاولت أن أبتدىء مقالي أو أن أنتهي من روايتي لكنني لم أتمكن من كتابة أي شيء،وعندما أمسكت المنشور المخصص للحفلة الموسيقية صدمتني صور أندريه ريو وصورة ولادة بفستان أسود يملأ الأعلاان بصورة تراجيدية مثيرة كتب في الأعلان: الفنان الهولندي أندريه ريو ترافقه الفنانة الهولندية ولادة رافد يودعان لندن بحفلة موسيقية يحييانها في آخر أيام الأعياد . / ص147) وعلى هذا النحو من المفارقة الفنية والعضوية تنتهي حكاية الرواية بعد نهاية أعماق قصة الحب في ذاكرة الصوت الوجداني الداخلي والخارجي للشخصية هذام: (وفي طريقي  شاهدت امرأة تعزف الكمان على ناصية الشارع، وقفت أستمع إلى ألحانها وأنا أفكر في التي عزفت أحزانها وغابت . / ص181) وفي هذا السياق من النص الروائي الختامي، تكون قد حققت الكاتبة أثير عبد الله النشمي ذلك الأنموذج الذروي في أقصى درجات خطوطه الامتدادية في قلب الدراما الحاكية، ولعل رواية (في ديسمبر تنتهي كل الأحلام) أكثر ما تنفرد به أعمال هذه الروائية العربية في سمات الأفق الروائي المتفرد في الصلات المتواترة والمتقاطعة، وهذا بدوره ما جعلنا نلمس أمتزاج صوتي المؤلف الضمني والسارد العليم معا ولا يتراجع منا ذلك الوعي والاحساس بالجدوى النأي والانفصال والإحباط من الشخصية الروائية، إلا وينصب في تفاصيل معنى سحرية المخيلة وبكافة هواجسها المستقرئة لإبعاد مواطن حسية رهانات الكتابة الروائية المحدثة في تجليات الفاعل السارد وهو ما بين متواليات المضمر من غياهب الأنموذج الآخر ومتعلقات الكيان الزمني المأزوم من النص الروائي .

 

حيدر عبد الرضا

باحث وناقد عراقي

 

  

حيدر عبدالرضاللكاتبة لطفية الدليمي.. بنية تداخل الحكي في النص الآخر من التأويل المضمر

الفصل الثالث ـ المبحث (2)


 

توطئة:

يجدر بنا ونحن نعاين عوالم نصوص الملحق الآخر من رواية (عالم النساء الوحيدات) أن نتساءل بدءا: هل علاقة النص الروائي في دلالات مضمون الرواية قد انتهت حقا في حدود نهاية حكاية رواية عالم النساء الوحيدات؟ وإذا كان هذا الأمر فعلا هو ما يحدد نهايات موضوعة الرواية وحكايتها كوحدة دلالية مستقلة في ذاتها فما وظيفة القسم الآخر من نصوص (هو الذي أتى / أخوات الشمس الوحيدات / ليلة العنقاء / عشاء لأثنين) فهل من المصادفة أن تلتحم هذه الفصول مع حكاية الرواية داخل ذات الشكل من المعالجة الثيماتية المحددة في موجهات مداليل عالم النساء الوحيدات؟ . سوف نتعامل مع هذه النصوص المتعاقبة وثيمة الرواية، رغم أنها متغايرة في الشخوص وأسماء الأماكن وأحوال الأزمنة والعنوانات النصية، ولكنها متوحدة تحت يافطة مدلولية مخصوصة من عوالم النساء الوحيدات، لذا فهي ليست قصصا قصيرة في أي وجه من وجوه المعنى المخصوص في بناء وأسلوب وسياق واداة فن القصة القصيرة، لأنها ببساطة لا تتفق مع مؤطرات بنى ومتون العوالم القصصية القصيرة ذات الزمن المضغوط والمكان المحدد والشخصية التي تهيمن على جميع أفعال الفضاء القصصي القصير، بل نقول أنها روايات قصيرة أن صح التعبير، وذلك نظرا لإتفاقها مع فضاءات وادوات الفن الروائي القصير تحديدا، ما جعلنا نتعامل وإيها كسرديات نصية مقاربة في التداخل مع دلالات ونسق رواية عالم النساء الوحيدات .

ـ مرويات الراوي المشارك واستباقية الوحدات .

بهذا الأعتبار من القراءة المبحثية لهذا الفرع من تجربة المعاينة النقدية لدينا، سوف نتناول مكونات السارد / الراوي، المشارك في النص، كمحورية تتمثل وتتماثل بعلاقة الشخصية ـ نهاد ـ تجاه مواقع المكان والزمان والشخوص في النص، بادىء ذي بدء تعرفنا الكاتبة لطفية الدليمي على لسان حال المؤلف الضمني / الراوي، بمعروضية تفاصيل مؤهلات وكيفيات كتابة هذا النص الذي هو قصة خاصة بحكاية المحور المركزي المشارك في النص: (هذه القصة ليست سوى  ــ قصة حب ـ  وما هي بالأسطورة أو الخرافة، وأنا أرويها لكم لا أنتظر منكم أن تصدقوها، حسبي أنني عشتها / والقصة بعد هذا لا تخص أحدا سواي . / ص83 النص) وبهذه العتبة الأستهلالية من النص تضعنا الكاتبة الدليمي أمام خيارات في غاية التماثل الإيحاء واللعبة السردية المؤولة من المعنى الآخر من تأويل المعنى، وصولا منها إلى عتبة عنونة بأسم نهال حيث تبتدأ من خلالها الوظيفة المسرودة الذاتية لحياة شخصية النص: (كلما دخلت متحفا كان يحدث لي هذا الأمر الغريب: دوار وضيق في الصدر وانبهار في الأنفاس يتبعه خدر يسري من أسفل الرأس إلى الظهر والأطراف .. أجل كان يحدث لي ذلك ثم تبدأ يداي بالارتعاش ويتسارع نبضي وتجتاحني موجة من الحرارة . / ص83 النص) وفي سياق تصعيد الحكي من جهة السارد المشارك، تواجهنا مستويات تبئيرية خاصة تذكرنا بأجواء نصوص الفنتايزيا والأدب العجائبي، منها إلى مختزلات الفضاء الأغترابي المغلق بوحدات الشخصية الذاتية مع عوالم تداعياتها المتخيلة في دلالات الواقع المعاش تحولا معادلا .

1ـ الفضاء النصي بين تحولات الزمن وتشيء الرؤية:

و يثابر السارد المشارك على سرد وإلتقاط جزئيات غرائبية من فواصل الفضاء النصي الممتد إيهاما في مسافة مجردة من الزمن الميثولوجي المحفوف في شواهد الأمكنة والحالات الاسترجاعية المخصوصة من زمن المصدر والمرجع، لذلك كانت لوظيفة السارد المشارك المتمثل بنهاد الباحثة في علم الآثار، استحضارا لتلك العلاقة القديمة بزميلها جواد والذي كان هو الآخر متخصصا في علم الآثار السومرية: (وقبل ثلاثة أيام حدث الشيء نفسه وأنا أزور المتحف مع طالباتي، بعد أن انقطعت عن التردد عن هذا المكان طيلة ثلاث سنوات وبضعة شهور .. كنت مترددة في الدخول لكنني تماسكت ومضيت، وما هي إلا برهة حتى بدأت أحس بأعراض الدوار .. فأخذت أترنح وأزداد نبضي وتقطعت أنفاسي وبدأت أقاوم / ثم أسندت رأسي وظهري إلى سطحه الأملس .. بعد قليل أحسست بشيء من الراحة وأنعشتني برودة الرخام الناعمة الملاصقة لوجنتي / كنت مغمضة العينين ولربما تنهدت عندما أحسست بالرخام الصقيل دافئا من حرارة وجهي ونظرت إليه .. كان أشبه بثوب ساتان لؤلؤي ترتديه أم مجهولة ألوذ بها من عذابي . / ص84 النص) يبدو أن الفضاء الخارجي في هذه الوحدات من النص ذا مرجعية خاصة وحيثيات فضاء الأنوثة لدى الساردة المشاركة، إذ أنها تشعر بذاتها أصبحت مع ملمس الرخام الأثري متفاعلة ومسترخية، وهذا الأمر هو صفة تشيؤ معالم المرجع الأثري مع معطى واقع الأنوثة المحاصرة داخل فضاء واقعها الذاتي المغلق، وتنبعث من تفاصيل العلاقة مع الذات والمكان حالة خاصة من المضاعفة والهيمنة والأستذكار لذلك العشق القديم، وبذلك أصبحت الساردة المشاركة تصاب بالدوار والغبطة وضيق الأنفاس بمجرد دخولها قاعة الآثار السومرية القديمة، وهذا الأمر ما جعلنا نشعر بأن الساردة المشاركة تقدم لنا في النص كل تلك المبررات العاطفية والنفسية حيال شعورها عند دخولها قاعة المتحف واستنشاق تلك الروائح القادمة من رخام التماثيل والجدران والقطع الأخرى من واصلة الذاكرة الرابطة مع ذكرى عوالم زميلها جواد: (منذ سنوات وأنا أتجنب زيارة المتحف ــ لأن الدوار والخدر يحلان بي كأنهما اللعنة كلما رأيت الهياكل العظمية وأواني النذور التي يعلوها أوكسيد النحاس الأخضر والتماثيل المستغيثة من أسر الحجر .. ومرة أخرى افتتنت الفتيات بتلك العقود الرائعة التي كانت تتزين بها كاهنات أور المترفات .. عقود هي هدايا الملك لمحظياته العابدات منظومة من خرز الذهب والفضة واللازورد والعقيق .. وبهرتهن براعة الفن، من دون أن يخطر ببالهن ما وراء ذلك الجمال من تفاصيل خفية: من حب وبغض وغيرة وسحر ومكائد والآم ونبوآت . / ص85 النص) وهذا الفضاء الذي يتبأر عن طريق رؤية الساردة المشاركة تخصيصا، يفصح لنا عن أسرار ما وراء السرد المتشيء في علاقات الحاضر المكاني والزماني والمشهدي، امتدادا نحو وثوقية مرجعية عالم الساردة المشاركة إلى ما وراء جمال الظاهر من فضاء رخام التماثيل وسلاسل وقلائد اللؤلؤ التي ترتديها تلك الأوثان النصفية والجزئية، ولكن يبقى السؤال هل الساردة المشاركة هي من ضمن جملة رواة الأزمنة والأمكنة السحيقة في النسق والمحور التحقيبي؟ أم تراها امتدادا في علاقة السارد الخارجي والداخلي أو المتعدد من المسرود؟ وبذلك تلوح لنا موجهات المسرود نحو علاقة انفصالية مشهدية ممكنة بين الفضاء الداخلي للساردة الشخصية وذلك الطرف الموارب من الفضاء الخارجي المتصل وحدود وقائع متخيلة وإيهامية في مسار وظيفة النص: (أقتربت مني أحدى الفتيات وقالت: ـ ست نهال وجهك شاحب أنت متعبة، أتحتاجين لشيء؟: ـ لا بأس .. علي .. لا تشغلي نفسك بي ... أذهبي وتمتعي بزيارتك .. طرفت عينا الفتاة وتوهج خدها، ثم سرت في صوتها رجفة الانفعال وهي تهمس بأسمي من جديد: ست .. نه .. ال .. ـ أذهبي يا سميراميس لا تقفي هكذا أمامي، أذهبي لئلا تسمعي من الأخريات ما يكدرك: ـ أأحضر لك شيئا تشربينه، أم أنك بحاجة إلى دواء؟ . / ص85) .

2 ـ الفضاء الخارجي بين مسافة العلاقة السردية والمسرود المتمحور:

يشكل الفضاء الخارجي في وقائع ومرويات السارد المشارك ما يحملنا على الاعتقاد القرائي بأن السارد المشارك راح يطرح في الوحدات النصية ثمة تطلعات مفتقدة في مجال المسرود الحاضر من الفضاء الداخلي في عوالم الشخصية لذا نجد عندما تتحاور شخصية الفتاة الطالبة مع الساردة المشاركة، تباغتنا لغة غريبة في الحوار / الكولاج، وكأن ما قالته الساردة المشاركة بوصفها الأستاذة في علوم الآثار إلى الفتاة الطالبة ما يشكل بذاته خروجا عن مسار طبيعة الملفوظ في مرمى موضوعة التحاور: (أذهبي يا سميراميس؟ / اختلجت شفتا الفتاة ومدت يدها الصغيرة إلى كتفي، مستها بسرعة ثم سحبت يدها بخوف . / ص85 النص) ما حدث في الواقع لزمن ملفوظ الأستاذة، هو ذلك التماثل مع موجات وخصوصية عقلها الباطن الذي سلخ حقبة طويلة من زمنها في دراسة الآثار السومرية، ومدى تشبعها بثقافة هذه العصور، ما راح يعكس في الآن نفسه طابعا نفسيا وعاطفيا في عوالم خلفية ذهنها المشرب بثقافة هذه العصور وبكافة تفاصيلها وطباعها المشبعة بأسماء الملوك والجواري والرقع الرقمية الطينية والطلاسم السحرية، وصولا إلى أنها كانت تتشبه بذلك التمثال العائد إلى جوديا حاكم لكش بشخصية زميلها وخطيبها جواد الذي كان مختصا بدراسة العصر السومري وبخاصة حول أسرار الملك جوديا في رسالته العلمية: (كنا ندرس معا في قسم الآثار، ونملك أكفا لها قابلية لمس الزمن، تتلمس نصوص أسلافنا المدونة على الحجر والفخار بينما تتوقف حدقاتنا على مدى ساعات عند نص سومري لا نعرف أهو رقية سحرية أم قصيدة حب / وبعد تخرجنا اختار جواد العصر السومري الحديث موضوعا لأطروحة الماجستير وحدد عصر ـ جوديا ـ حاكم لكش وبدأ بدراسة رقمه الطينية وتماثيله وما تبقى من معابده في لكش / وجمعت المادة الأولية لأطروحتي عن أشكال عبادة ـ إينانا ـ عشتار السومرية في بلاد الرافدين .. وبدأت وطأة الدوار والخدر كلما دخلت المتحف أو مكتبته .. وأنصرف جواد إلى جوديا وصارا يتسامران مثل أي رجلين، ويتبادلان الود والطرائف والوعود والأسرار . / ص90 ص 91) بالضبط على هذا النحو من التماثل والتمثيلات وجدنا تمظهرات آليات العلاقة الخارجية الموظفة ما بين (الفضاء الخارجي / الفضاء الداخلي) وما تتوزعهما من مسافة مركبة من علامات التماثل والتجسيد في أدوار المحاور والمنظورات الاستدعائية من جهة الساردة المشاركة، كشخصية محورية تحافظ على موقع تمفصلات حاضرها المعاش وتسترق من خلاله إلى استرجاع مجسدات العلاقة الإيهامية بجواد وعوالم مملوكات جوديا، وجواد وجوديا هما موقعان منظوران من قبل حلمية السارد الشخصية، وذلك عبر موقع استمالاتها إلى ذلك الزمن الاسترجاعي ـ تعديلا ـ في حدود تفاصيل حياتها الراهنة كباحثة في علوم الآثار، وهذا الأمر بدوره ما جعلها تنظر إلى تمثال جوديا والساعات وجميع المقتنيات الأخرى في قاعة المتحف، كجهات موضوعية دالة تربطها بجواد خطيبها، علاقة متمحورة في ذاتها وإلى أقصى درجة من درجات الهستيريا والهلوسة أو الانفصام الشخصي إلى حد ما في مركب ذاتها: (ولاحظ الجميع حالات هذا المرض اللعين الغامض . والنوبات الحادة التي تنتابني وأنا أتحرك داخل قاعات المتحف ومكتبته . / ص91).

3 ـ رحيل جواد عبر الأزمنة والسارد المشارك في غيبوبة الوحدة:

لهذا الفرع من مبحثنا المركزي، ثمة دلالات أكثر سيميائية وخاصية العلاقة ما بين المحور المركز نهال والشخصية جواد، فيما قد تحولت علاقة الأثنان إلى علاقة رسمية بحكم كون جواد قد طلب يد نهال كزوجة من والدتها، وقد تحقق الأقتران برابطة الخطوبة الرسمية، ولكن الإشكالية الكبرى في حياة الشخصية الساردة نهال ظلت مأزومة بسبب تركها لإطروحتها في الماجستير نظرا لذلك المرض اللعين المزامن لأحوالها، مع انشغال خطيبها جواد عنها في البحث والتنقيب في كل متاحف المدن عن أسرار الحاكم جوديا: (قال: نهال، أنا مضطر إلى السفر سألاحق ـ جوديا ـ في متاحف الدنيا وعند ما أنجز عملي وتناقش رسالتي نتزوج . / ص93 النص) نحن إذن حيال شواهد غرائبية مكرسة في ملامح مأزومية صورة المرأة المسكونة بفواصل فراق والوحدة، وتلك التي لم يقدر لها العيش في شرائط ومشروطية السعادة الكاملة كزوجة . أن الكاتبة الروائية لطفية الدليمي، أرادت من وراء نصها السردي هذا، التقاط طرائق متفردة من صياغة عذابات المرأة الوحدة، وفي محاولة منها إلى بناء مرجعية شعورية خاصة تتعلق بامتداد عصور عذابات المرأة ذاتها وكيفية وصولها إلى أعلى مراحل من سوء الحظوظ والطالع والنصيب، رغم تفوقها وكفاءة دورها الناشط في مسلة الحياة . وتبعا لهذا ننظر إلى كيفية وقوع مصير المحور الشخوصي نهال، كساردة مشاركة في النص، بعد أن فارقها جواد قتيلا في الحرب: (قبل أن يباشر عمله في قسم السومريات بالمتحف كانت الحرب المروعة على حدودنا الشرقية قد دخلت عامها الثاني فأخذوا جواد إلى جبهة الكوت .. قال: ـ نهال نتزوج في الربيع، في أول نيسان عيد ـ أكيتو ـ رأس السنة العراقية القديمة،آخذك إلى معبد قديم / وفي لحظات كثيرة يختلط وجه الرجلين أمامي وتمتلكني الحيرة: كيف سيتدبر هذا الرجل أمر حياتنا المقبلة وهو جوال بين الأزمنة .. بعد الحرب تحول الرجل إلى صوت، وشجرة، وطائر، وغيمة، أصبح عاشقا شفافا وحزينا . / ص98 ص99 النص) أن شعرية الوظيفة في الخطاب المسرود، أخذت على عاتقها توظيف وكشف المسكوت عنه ما بين السطور وصولا إلى تلك القصدية الشعرية في مفردات استعارية عميقة قوامها مشحونا بالحيرة والقلق والتساؤل عن معنى الحب والحرب والحلم المسكون في مجرى الزمن المجهول، تتضح من خلال الأحداث المسرودة في الحكي، أن جواد كان قبل موته قد سلم إلى نهال مسودة أطروحة الماجستير الخاصة بدراسة الحاكم جوديا: (نهضت وتابعت نشر أطروحته وفي الذكرى الأولى لرحيله صدر الكتاب ـ جوديا أمير لكش وعصره الذهبي ـ أخذت النسخة الأولى وذهبت إليه، كنت قد زرعت خلال أشهر صمتي حديقة صغيرة حول قبره من شجيرات الآس والجوري وكنت أخشى أن أهمس له بشيء: هذا اليوم سأحدثه بكل ما يعني لي وسأنصت إلى صوته: سينهض صوته، إنني أسمعه: أسمعه . / ص101) .

ـ تعليق القراءة:

في الختام من عتبة (تعليق القراءة) لدراسة مبحثنا نقول أن عنوان نص (هو الذي أتى) أستعارة من ملحمة كلكامش على حد ما ذكرته إحالات الكاتبة في نهاية النص . وهذا الأمر بدوره ما جعل القيمة العنوانية كعلاقة توالدية متخيلة، أخذت تشخص حدود التقابلات المرجعية في وظيفة الحكي المسرود بشاهدة ولادة الصورة الرمزية المترتبة بين الذات الساردة وذلك النص الآخر القابع ما بين زمانين وفضاءين، وعلى هذا النحو وجدنا فضاء الفقدان المشخص للذات الساردة والآخر يشكلان علاقة حميمة نقية، ولعل أهم خصيصة في محكي النص هو ما جاءت به المجاورة في العلاقة السردية بذاتها اقترانا بذلك المعطى التشكيلي السابح في المناصات المرجعية الفاعلة من بنية تداخل محكيات النص الآخر من التأويل المضمر في خصوصية التبئير النصي المكين .

 

حيدر عبد الرضا

 

 

صالح الرزوقلا تبتعد قصص بولص آدم في مجموعته الجميلة (باصات أبو غريب)*  عن قصائده، فهو في الحالتين مشغول بذاكرة مشلولة، وهذا لا يعني أي خلل باستعادة الماضي بقدر ما يشير لنوع من التثبيت وإعادة الانتشار، أو ما نسميه عادة الإزاحة واحتلال واجهة المشهد. ولكن القصص، بعكس أسلوب ومضمون قصائده المشاغبة، تبدو مسالمة أو قل مستسلمة لتقاليد التعبير.

الحساسية الشعرية

فالمعاني تفيض في القصائد على التراكيب، وتأخذ شكلا مضافا على الشعرية، وبنفس الأسلوب الذي ختم به جيسواف ميوش حياته مع الشعر. وربما لهذا السلوك ما يبرره. لقد عاش كلاهما تجربة المنفى: ميوش أنفق ردحا طويلا من حياته بعيدا عن وطنه بولندا، ومتنقلا بين باريس وأمريكا، وكان عقله السلوفيني دائما بحالة حداد أمام جدار عواطف غربية متناقضة ومتناحرة أيضا. وتسبب ذلك بخلل في المنطق وصدع بالعاطفة وتمزق بالأنسجة الفنية للقالب الأدبي. بالإضافة لموقف يغلب عليه شك اليقين أو بلغة أوضح يضعه الشك موضع تساؤلات دائمة، وبالأخص ما يتعلق بالمشاكل الوطنية (أو السياسة في حالة مجتمع غير واضح وملتبس، حكومته مدنية، وجوهره عسكري).

وبالمثل عاش بولص آدم غربته في النمسا. وهناك اكتشف ذوقا شعريا بخلفيات نثرية. بتعبير آخر أمكنه أن يعيش عوالم متخيلة ولكن من موقع معاناة وحرابة وليس من موقع استجمام. واقتضت هذه الحالة البحث عن تفاهمات للوصول لنقطة توازن يمكن من خلالها قراءة عالمه فنيا.

شعرية القصة

ولذلك أجد أن “باصات أبو غريب” تأتي من خارج سياق شعريته، ولكن لتستوطن داخلها. بمعنى أنه وظف نوعين من أنواع التعايش.

الأول حالة المنفى مع حالة الذاكرة المكبوتة والمرعبة. وهو أصلا موضوع كل قصص المجموعة. فهي كلها تدور عن منفى الداخل، أو تجربة السجن، السياسي تحديدا. ولا يخفى على أحد الإحساس الفظيع بالاغتراب والعزلة والقلق التي يعيشها أفراد هذه المجموعة ولو أنهم داخل أوطانهم.

الثاني إسقاط غير المألوف على المألوف، أو غير الممكن على الممكن، وذلك من خلال التقابل بين الذات الاجتماعية بين جدران الزنزانة والذات نفسها بين جدران المنزل أو مكان العمل.

وغني عن القول إنه توجب على أبطال القصص اكتشاف مكان لهم في مكانهم البديل: المعتقل في الداخل، والغربة في الخارج. ومثل هذه الثنائيات ربما هي مصدر شعرية الشكل النثري الذي اعتمدت عليه القصص.

الواقع والذاكرة

2113 بولص آدماختار بولص آدم لبناء واقعه أسلوبين.

الذاكرة ولهذا السبب جاءت القصص بصيغة الماضي والمشاهدة. ولذلك كان يكثر من التلصص والرؤية والتحايل على كل أشكال الحواجز الطبيعية كالجدران والأبواب المغلقة (وهذا دليل مؤكد على الكمون الذي يتحكم بالإنسان من المهد إلى اللحد). وربما هو سبب ارتكاب بولص لانتهاكات بسيطة ضد المنطق (كما ورد في المقدمة التي كتبها الدكتور حسين سرمك حسن للقصص). فقد استعمل أحد السجناء السلّم لينظر للباحة من خلال النافذة المرتفعة. وبالعادة لا تؤمن السجون هذه الرفاهية، ولا تترك للسجناء مرقاة ترفعهم من الدرك الأسفل الذي أسقطوا به عمدا. أصلا السجن هو إلقاء في حفرة، إما تكون تحت الأرض كسرداب أو بئر جاف، أو تكون معتمة مثل مغارة.

أدب السجون

والسجن، كما يقول فوكو، هو بجانب من جوانبه مجتمع ينظر للحريات الفطرية من منظور إجباري. وعليه إن كل كبت للحرية هو سجن بقوة المجاز. ولعل بولص كان يقصد تمرير هذه الفكرة في قصصه الظريفة والشفافة والتي أعادت ترتيب علاقة الأشخاص بموضوعاتهم وفق معايير ثابتة ومعايير متبدلة. وهو ما أريد أن أقوله بالضبط.

إن قصص هذه المجموعة مختلفة عما ألفناه واعتدنا عليه من أدب السجون.

فهي لا تعيد تركيب آلة العقاب، ولا تتابع معاناة السجناء معها. وتقريبا لا يوجد أي مشهد تعذيب كما هو الحال في أدبيات الحجز السياسي. ولنتذكر هنا رواية “الساحات” للأردني سالم النحاس، أو حتى “قافلة الإعدام” للإيراني بهروز قمري. إن قصص آدم نظيفة من التشوهات الجسدية ومن أدوات التنكيل، وربما من لغة التألم التي تفنن قمري في مذكراته بالكلام عنها وباستطرادات سادية ومرعبة ومؤلمة. وإن أطلق بولص آدم على مجموعته صفة أنها كتابه الثالث من “واقعيته الوحشية” (ص3) فأنا لم أجد فيها أي توحش أو تغوّل، ولا حتى أي مفردة من قاموسنا العربي الغني بكلمات وجمل الألم والفجيعة (الفاجع بلغة صدقي إسماعيل في كلامه عن الحساسية العربية تجاه القدر المأساوي والمتكرر، أو المثكل بلغة الدكتور سرمك كاتب المقدمة). وبالعكس توجد علاقة انبهار جمالي ومحزن بنفس الوقت عن الطرق الغريبة التي يتعرف بها كل شخص على نفسه. فالسجن عند بولص يكاد يشبه الثكنة العسكرية، وينطوي على واقع مفارق وخشن ومزعج، ولكنه لا يمت لآلة العقاب بصلة واضحة. والمشاهد التي تبلغ بها علاقة الشخصيات مع الطبيعة درجة الصلاة أو العبادة كثيرة، فأين التعذيب بهذا المعنى؟؟.

حتى أن بطل قصة “حدث ذات مرة” يجد بطريقة عجيبة أن السجن” يدحر ذكريات الحياة المشبعة بالشكوك والخديعة”. ويتركك “أمام مدى الفيافي والسهول وزرقة على امتداد البصر حتى السماء”(ص40). بتعبير آخر السجن خلاص من الرزايا واتصال بالفضاء اللامتناهي. كانت المعاناة الفعلية داخل الزنزانة، وكل شيء خارجها مساحة حرة حتى لو هي باحة السجن. وكانت هذه الباحة تستحق من الجميع المغامرة لاستراق النظر. وكم يبدو لي أبطال بولص قانعين بالمقارنة مع مونت كريستو بطل اسكندر دوما المعروف. ففي القصص كانوا يحفرون في الجدار للتلصص عما وراء السور، بينما بطل دوما حفر حفرته بنية الهرب والانتقام. وهذه ظاهرة إضافية تستحق الاهتمام أيضا. لم يبد أي من أبطال القصص نفس السلوك الانتقامي، وكانوا يتعايشون مع مأساتهم وكأنهم هنا بملء إرادتهم. ولذلك أجد أن “باصات أبو غريب” هي الحافلات التي يتجول بها كل مواطن في أرجاء مدينته وربما جغرافيا بلده. فهي حافلات الحرمان الجماعي في بلد سقط في النفق المظلم وتحول لسجن كبير ومفتوح وتتحكم به الضرورة والندرة. وكانت كل القوانين الاجتماعية تعمل وفق مبدأ التصارع أو فكرة الكفاحية السلبية.. أن تغتنم أي فرصة لتنجو بجلدك من الموت. وهذا يقرب عالم السجناء من نوع من الحس المازوشي، فهم يستمتعون بعذاباتهم لأن الحياة تتطلب مثل هذا الواقع.

لغة أدب السجون

وبنفس الوقت يسجل بولص خلافا آخر مع أدب السجون، فهو يختلف في حبكته عن أدوات التواصل مع الذات ومع الآخرين. إنه لا ينظر لنفسه من داخل جو المحنة، ولا يتواصل مع زملائه بطرق مبتكرة مثل الطرق على الجدار أو استعمال الإشارة كما هو حال قصص “سجين في عكا” لناديا خوست.

وبالمناسبة. مثلما أنه يوجد لسان أو لغة خاصة بعمال المرافئ، وهي مكونة من حطام لغات وتجارب جميع صغار البحارة، كذلك يوجد في السجون لغات محلية خاصة بالمحكومين ولا يفهمها السجان. غير أنه في “باصات أبو غريب” استعمل الضحية والجلاد لغة واحدة مشحونة بدراما موضع كل منهم. وهذا يعيدنا مرة أخرى لافتراضنا السابق. أنها لغة ثنائيات تعبر عن حالة فئة أعلى وفئة أدنى، أو لغة تكشف عن هرم تراتبي في المواضع: من بيده السلطة يستعمل مفردات عدوانية تدل على النفوذ والتسلط والسادية. ومن تبقى يلجأ لمفردات منكسرة وخافتة النبرة ومازوشية، تساعده على استيعاب مكانته المتدنية ووضعه المنخفض.

وهنا لا بد من ملاحظة.

مع أن عدد السجناء أكبر بما لا يقاس من عدد السجانين تساوت مفردات النوعين بالتكرار والتواتر، كما لو أن السجن صورة مصغرة عن مجتمع الحرية المزعومة. وهناك أكثر من شبهة تؤكد فكرتي عن فلسفة بولص آدم: أن سجن أبو غريب هو نهاية منطقية لبلده. وفي حقيقة الأمر إن المشاهد الطبيعية المنبسطة، وتلصص السجناء عليها، يدعنا نجزم أن أيام السجن مجرد استعارة أو مجاز. بمعنى أن الوطن كله سجين، وأن جميع الفئات مكتوب عليها أن تتصارع فيما بينها على أساس حاكم ومحكوم فقط. وبهذه الطريقة استطاع بولص أن يعيد تركيب هوية مجتمع متفاوت بالإمكانيات وطبقي ومختلف مع نفسه لكنه يمر بأصعب منعطف في تاريخه. ويمكن أن تفهم من العنوان أن أبطاله على متن الحافلة، وهي بجولة سياحية داخل مربعات الخوف والحرمان والعبث غير الوجودي. أو ما أسميه اللاجدوى الوطنية. 

القصة ورواية الأصوات

تبقى نقطة أخيرة.

لدي عدة أسباب لأتعامل مع القصص على أنها رواية تتناوب عليها أصوات، كل صوت يدلي بوجهة نظره عن موضوع واحد وهو السجن، وعن مشكلة واحدة وهي العلاقة الإشكالية بين الإنسان وواقعه. وبرأيي إذا اعتبرنا أن “جسر على نهر درينا” لإيفو أندرتش رواية، من باب أولى أن نقول نفس الشيء عن “باصات أبو غريب”. كان عمل أندرتش رواية بسبب التقابل الدرامي بين الثابت (وهو الجسر) والمتحرك (وهو تيار مياه النهر). بينما في قصص بولص كان لدينا ثلاثة أركان درامية.

الأول هو المكان الواحد والمساحة المحدودة. فكل الأحداث تتوالى فوق مربع واحد هو الزنزانة أو باحة السجن.

الثاني هو الموضوع. ومع أنه عن بلد في حالة احتقان ومواجهة مع أعداء مفترضين، فهو بجوهره عن الشرط الوجودي لإنسان يقضم نفسه ويستهلك ذاكرته.

الثالث والأخير هو تناوب الشخصيات على القصص. فهي تغيب وتعاود الظهور كأننا في عرض مسرحي، أو نتابع أحداث رواية واحدة، مثل دعير المطرب الذي يلعب دورا في قصة “علاكات تعبان” ثم في قصة “بانتظار الأبوذية” وهكذا..

ولا أريد أن أوحي أن الأسلوب أو الشكل كان مهما. فالأحداث هي التي كتبت نفسها ببساطة. وتصادف أنها متسلسلة بشكل قصص رواية أو أصوات تغطي جزئيات من جو أعتى دكتاتورية مرت بها منطقتنا في تاريخها الحديث.

 

د. صالح الرزوق

...............

* باصات أبو غريب. قصص بولص آدم. منشورات دار نينوى. دمشق. 2020.

 

 

 

جمعة عبد اللهتتناول هذه الرواية القصيرة جملة مسائل حيوية وجوهرية في قضايا المجتمع الحساسة. بالطرح الذي يكتسب شجاعة وصراحة في المكاشفة الموضوعية، في مسائل الحب وديمومته وخلوده، وحواجز المجتمع التي تقف عوارض مانعة في تنفس الحب اكسير الحياة والبقاء. ضمن قبضة السلطة الاستبدادية غير رحيمة لاهل الحب، وتتلاعب في مصيرهم وشأن حبهم. بأن تكون حياتهم مسيرة من خيوط السلطة العليا، تمنع اختياراتهم من تحقيق المنال، بشكل ظالم في قطع وشيجة قلبين احدهما يحب الآخر. وعقدا  العزم على المواصلة والوفاء نحو المشتهى والمرام. هذا التناول في سرد الحدث الروائي. في تقنيات السرد ولغته المشوقة بالمتعة الجذابة. وبرعت في الايغال في اعماق الحواجز التي تقف في وجه الحب، التي تقف حجرة عثرة في طريق الحب، تحت رحمة سلطة قاسية، لا تترك مجالاً للاختيار. بل تجعل الفرد يشعر انه في عرين جمهورية الخوف ومملكة الرعب، في اجراءاتها القاسية والمعقدة، رغم انف الانسان المحب. في الوسائل القاهرة، أما ان تكون في  ابعاده وتغيبه لسنوات طويلة. أو تجنيده للحرب لفترات الطويلة، واما أن تحرمه من منح فرصة العمل بعدما انهى ألتزاماته الدراسية وخدمة العلم بالتجنيد، ويتطلع ان يأخذ فرصته في التوظيف، كأنها اصبحت من المسائل الممنوعة وصعبة المنال. مما يظل يطرق الابواب المسدودة ويبحث في كل مكان لكن عبثاً، يشعر أنه يبحث في الفراغ يجد نفسه مرمياً في الشارع مفلس وخاوي. لا يستطيع أن يحقق حاجياته وطموحاته المشروعة. لا يستطيع ان يحقق رغبات قلبه وحبه بالزواج المنتظر. بهذا الشكل يسلط الحدث السردي تبعيات المجتمع غير العادل تجاه الانسان والحياة، يحرمه من ابسط مشرعية الحياة والعيش. هذا الواقع بكل حثيثاته يمثل جمهورية الخوف في مملكتها المرعبة، التي لا تصلح للعيش، سوى التعذيب النفسي والمشاق الصعبة والقاهرة. هذه المواضيع الحساسة يتناولها المتن الروائي بكل شفافية وبرؤية فكرية مقنعة وموضوعية. كما يوظف النص الروائي براعة التناص في قصة يوسف وقميصه وحادثة البئر، يتناولها او يصوغها برؤية عصرية تناسب الواقع ومجرياته الفعلية، بشكل مبدع ومتمكن. بأن يجعل من قميص يوسف المحور الاساسي لحياة يوسف الجديد. هذه روحية الروائية بتحويل صياغة نسخة يوسف القديم،  بنسخة يوسف الجديد وقميص الاثم والذنب. ويجعل من القميص وازراره السلطة العليا المتسلطة على خناق المجتمع. التي تذيق الانسان مر القهر والعذاب، بأن ازرار القميص هي الافاعي الذي تلدغه حين يخالف أمرها ومشورتها. مما يشعر المواطن بالاحباط واليأس. هذه تداعيات النص الروائي في الرواية القصيرة. بشخوصها الاساسية (يوسف) و (سماء) تدور عليهما عذبات الاحداث السردية بكل براعة وشفافية، وهي في نفس الوقت تسلط الضوء الكاشف على المجتمع القائم على اللاعدالة، مما يشعر الفرد بعلقم المرارة في الارهاصات والانفعالات، لكي يتيقن بأن الحياة هي اكبر كذبة يتجرعها الانسان.

أحداث المتن السردي:

بعد غيبة لسنوات طويلة من العمر يعود (يوسف) مجروح الهموم يجر اذيال الخيبة والحزن والاحباط، ويترنح أمام حبيبته (سماء) في محاولة تأكيد على الالتزام بحبه الصادق، الذي يعزف داخل الروح، بأنه وفياً على عهد الحب الروحي، وليس حب متعة الجسد والشبق الجنسي. وانه ينتظر أن يمنح فرصة بالعمل أو التوظيف ليحقق رغباته وطموحاته، لكن هيهات ان يتحقق ذلك.

(- سماء تعلمين كم احبكِ وتعرفين أن الحب ليس جنسياً ولن يكون

سماء: هل ستتركني؟

أجابها: لا تفكري بذلك. دعينا من الرحيل فأنتِ تعلمين كم أكرهه)

هذه معضلة (يوسف) بأنه لم يستطع ان يترك حبه، ولم يسطع ان يوفي واجب الحب بالزواج، لان الواقع يكبل يديه. هذا الواقع الصعب بين الطرفين. وتقول له (سماء):

- لماذا لا تتركني؟

- هل جننتِ؟. عندي حل آخر:

- ماهو؟

- نذهب الى المحكمة ونتزوج وهناك نضع الجميع أمام أمر الواقع) يشعر بالاحباط لانه غير قادر ان يفعل ذلك وهو مفلس دن عمل، وكل الابواب تغلق في وجهه، بعدما أنهى دراسته وألتزامه بالخدمة العسكرية والحرب، لكنه لم يجد مخرج من هذا النفق، لكي يشق طريقه الى الحياة ويحقق طموحاته. ومن جانب اخر تواجه (سماء) ضغوطات هائلة من الاهل في سبيل اقناعها حتى ترضخ بقبول الزواج، بعد تكرار الرفض طالبي الزواج. لذلك تجد نفسها معلقة بين الارض والسماء بحب (يوسف)، بأنه لا يوجد مخرج لهذه المعضلة. طالما السلطة الحاكمة بقميص (يوسف) لا توفر فرصة الحياة لهذا الحب وتنعشه بالاوكسجين ليكون خالداً في تحقيق مرامه. ويفتش (يوسف) في اوراقه القديمة واليتيمة، لم يجد سوى الخيبات والانحدار الى الهاوية في جمهورية الفشل القائمة. و (سماء) تلوكها الحيرة وقطار العمر يمر بسنواته ولم تجنِ شيئاً منه، حتى صديقتها (أميرة) دخلت على خط الازمة بالتحذير من عواقب رفضها الزواج من طالبي يدها. وتقول:

(- أنظري الى بياض شعركِ ألا تكفي سنوات العجاف كي تتزوجا

- كان طالباً ثم اكمل الخدمة الالزامية، ولم يتوظف الى الآن.......)

تقول بأن (يوسف) يماطل وليس لديه رغبة في الزواج. لذلك تلح على (يوسف) ان يتخذ القرار وينهي المشكلة لانها لم تعد تتحمل ذلك. ويقول لها يوسف:

(- سماء تعلمين بأني أقدسك وكل الذي ذكرتيه صحيح تماماً، لا أستطيع أن اقدم لكِ شيئاً غير الكلام)

وهذا ما يشبه الرثاء لحبهما بالخيبة المتوقعة بالاحباط والفشل في خلود الحب. في مجتمع يعاني الفقر والعوز والحرمان. مجتمع يدفع الفرد الى قاع البئر، في مستنقع الكوابيس. وبذلك ينفرط عقد الحب وتتزوج (سماء) وتنجب أبناً وبنتاً. ولكن طيف (يوسف) لم يغب عن خيالها وبالها، تشعر به انه حي يعيش في روحها ولا يمكن نسيانه (ذهبت الى الحمام واحكمت غلق الباب، وبكت كثيراً وهي ترى زوجها نائماً على السرير غارقاً بالشخير) ويوسف في قاع البئر مرتدياً قميصه الآثم والذنب، في ضياع الحب من ان يعيش خالداً.

 

جمعة عبدالله

 

 

 فاطمة واياورواية "نازلة دار الأكابر" للكاتبة التونسية الدكتورة اميرة غنيم الصادرة عن دار مسكيلياني للنشر والتوزيع /تونس، والحائزة على جائزة وزارة الثقافة التونسية كومار لسنة 2020 . هي رواية عصية عن التصنيف وذلك رغم اعتماد الكاتبة على النبش في ذاكرة التاريخ التونسي من خلال استحضار المصلح الطاهر حداد، والأحداث التي شهدتها تونس على مدى فترة زمنية تمتد من ثلاثينيات القرن العشرين إلى ما بعد ثورة الياسمين التي اندلعت سنة 2011 ، لتغدو الرواية سردا تاريخيا يحفظ الذاكرة الحكائية الأنثوية التونسية، ويقطع مع الاحتكار الأبوي للحكي وللسرد ولكن أيضا للاحتكار التاريخي والفقهي والاجتماعي واضعا المرأة التونسية في مكانتها اللائقة والمستحقة.

 إن توظيف التاريخ من قبل الروائية سار على نفس منوال التوظيف المعهود حيث كان التخييل منبع السرد في الرواية، فتوظيف الأحداث التاريخية جاء بغاية خدمة السرد ذلك أن هدف أميرة غنيم ليس السرد التاريخي بل الحكي الروائي من زاوية معتمة في تاريخ تونس الحديث، حيث وظفت بشكل ذكي الحدث السياسي والإجتماعي والسياقات الثقافية بل والإقتصادية كذلك. أليست " كل ظاهرة اجتماعية هي ظاهرة تاريخية" كما يقول باختين. نازلة دار الأكابر هي أيضا عبارة عن تاريخ مواز أو منسي أو ساقط من التاريخ الرسمي من هنا أهمية مقاربة الرواية التاريخية وتطويرها لانها المنفذ الوحيد للوصول للحقيقة على نسبيتها.  هكذا يصبح سؤال من قبيل: هل كتابة الرواية يفرض الإخلاص لتاريخ بالنهاية هو في أغلبه تاريخ مزيف وانتقائي، أليس من العدل حين نقترب من الرواية المستندة على التاريخ أن نغرق في التخييل الذي ربما يجعل من تاريخ الأحداث نفسها صدقا ومتعة حقيقية؟ مشروعا. ما يعني أن الرواية وجدت في التاريخ المنسي والمهمش منبعا خصبا للتخييل ومسائلة الواقع من خلال الإحالة على الماضي.

نازلة دار الأكابر احتفاء بالامكنة والطبقات المهمشة

إحياء المدن في حقبة زمنية معينة ماضوية ولكنها أيضا تحيل على الزمن الحاضر، حيث الأحداث يمكن ان تستعاد أو تعاد غير ان ما استجد أيضا مع نازلة دار الأكابر هو انتقالها لمكان قلما نجد له ذكرا في الروايات التاريخية،إنه الماخور، وبشكل ذكي ماخور اسود لتضعنا الكاتبة أمام حقيقة الإرث الثقافي الاجتماعي العربي وبالتحديد هنا التونسي الذي يعج بالتمييز والتفرقة بين بني البشر، فلا مكان هنا ل"لا فرق بين عجمي او عربي وبين اسود او ابيض إلا بالتقوى." بل هناك تمييز قائم على الجنس واللون والعرق والدين وربما أيضا التمييز بين سكان المدن والحضر، هؤلاء ظلوا ولعقود يمارسون التسلط والقمع بل والاحتقار ضد البدويين. وهنا ينتصر السرد النسائي في استدعائه ليس فقط لتاريخ الأمكنة بل باعتماد الانتروبولوجيا الثقافية، فإذا كان التاريخ يكتبه المنتصرون كما يقال، فإنه في حكايات دار الأكابر كان التاريخ مرويا من طرف شاهديه المهمشين ولما لا المنهزمين أمام قوة الإرث الثقافي والاجتماعي، بل إن الحكايات كانت بوحا وشهادة ومكاشفة في لحظة اعتراف تاريخية، لتكون أصدق نقل للتاريخ الاجتماعي الواقعي بعيدا عن ما كتبه مؤرخو البلاطات أو ما دون في نوازل "وعاظ السلاطين" ان اردنا استعارة عنوان كتاب علي الوردي . أليس إذن دور السرد هو منح مكان للمهمشين والمقصيين على صفحات السرد التاريخي بشكل تخييلي  وإبداعي يعيد لهم مكانتهم الضائعة. لن أقول إذن  بأن نازلة دار الأكابر تعتمد فضاء أسطوريا وآخر واقعيا بل هي اعتمدت على الفضاء التخييلي والفضاء الواقعي التاريخي، فحكاية عشق الطاهر حداد مثلا هي حكي تخييلي متعمد، قصدت من وراءه الكاتبة أميرة غنيم أنسنة حياة الطاهر الحداد ومنحها جانبا رومانسيا ربما يتعانق مع الجانب النضالي، كي يصبح بطلا كامل البطولة.

الزمن المتشابك والتقنيات السردية

تطالعنا نازلة الأكابر استهلالا بشجرة عائلتي:   "النيفر" و"الرصاع"  وهو ما يحيل على تقنية قل العثور عليها في الروايات العربية إن لم أقل انعدامها، غير أنها تقنية تحيل على السرد العالمي، خصوصا منه الإنجليزي/الأمريكي مثلما نجد مثلا في رواية " نحن الكذابون"  "We were liars" حيث افتتحت الكاتبة الأمريكية إ . لوكهارت E. Lokhart روايتها بعرض شجرة عائلة سانكلير. وهي تقنية ربما لم يألفها السرد العربي ولكنها كانت تقنية خادمة للنص باعتباره نصا يغوص في ثنايا عائلتين من عائلات الأكابر بتونس على مدى ما يقرب من قرن من الزمن وعلى مدى ثلاثة أجيال. حيث تتشابه الروايتين في ذكر المناقب والتغافل عن صفات أقل ما يمكن أن يقال عنها أنهاغير سوية، وهو تشابه في أغلب ظني من محض الصدفة ولكنه ينم مرة أخرى على قوة التخييل. ومرة أخرى تنجلي أمامنا حقيقة أن السرد الروائي العربي وجد في استدعاء التاريخ منفذا آمنا لمقاربة الظواهر الإجتماعية والسياسية الآنية، ما يعني أن الرواية وجدت في التاريخ المنسي والمهمش منبعاخصبا للتخييل ومسائلة الواقع الآني من خلال الإحالة على الماضي.

نازلة الأكابر بلاغة نسوية ....

أميرة غنيم شهرزاد اللغة بكل امتياز حيث استطاعت أن تطوع اللغة بشكل راق وعميق ينم عن امتلاك ناصية اللغة التي أصبحت أنثوية إبداعية حيث كفت على انامل اميرة ان تكون لغة جامدة محايدة وعنيفة، هي على عكس ذلك تماما، سلسة عميقة ومعقدة الصنعة ولكنها متضامنة ومتغيرة تتقمص مستويات الشخصيات، حيث ينتقل مستوى الحكي صعودا ونزولا ما منح للتعبير السردي في نازلة دار الأكابر الصدق والتجانس والتضامن، يشعر القارئ بأن اميرة وراء صوت الحاكي /الحاكية وهي أيضا وراء الساردة هند، ولكن في نفس الآن تمنح شخصياتها حرية الحركة والتعبير والفعل، هكذا بدت كل حكاية متجانسة مع الحاكي حيث لا يشعر القارئ بهوة فارقة بين مستوى الشخصية واللغة التي تحكي بها. الا يمكن القول انه بمجرد ما اختارت الكاتبة الغوص في عمق أحاسيس المصلح التونسي الطاهر حداد في التفاتة ذكية كانت مغيبة في مساره الفكري والاجتماعي والاصلاحي، الا وهي عشقه المستحيل لزبيدة، الا يمكن القول ان هذه الالتفاتة تنم عن النفس النسائي للرواية؟....

 نازلة دار الأكابر أضافت عامودا أساسيا وصلبا في بناء  ثقة القارئ العربي في السرديات العربية النسائية،  لقد استطاعت أن تدخل مناطق  تابعة للقلم الرجالي كعادة الابداع النسائي لتثبت بجدارة الاستحقاق الأنثوي في امتلاك القلم  العربي. فثقة المتلقي هي رد واقعي ابداعي على كل من ذهب إلى أن " اللغة ما تزال رجلا فحلا"1.  أما عن اللغة فإن اعتماد الروائية على أسلوب الحكي المتسم بالبوح والاعتراف، ينم عن أن القلم النسائي كان ولا يزال قلما اعترافيا بامتياز حيث ينفض الغبار عن طابوهات ويكشف عن مناطق مظلمة لطالما كانت مناطق الخوف والهلع بالنسبة للقلم الرجالي، واعني به بشكل عملي اللغة الكاشفة لمكنونات النفس البشرية خاصة بالنسبة لبطلات الرواية، نتلمس ذلك على سبيل المثال وليس الحصر: في بوح للا فوزية في محراب الولي الصالح سيدي محرز وأيضا اعترافات محسن النيفر على قبر بهية في مقبرة الزلاج.

فأميرة غنيم لم تحد عن ما بدأته السالفات من الكاتبات سواء في الآداب العالمية أو العربية، ولعل استحضار فيرجينيا وولف مثلا وهي رائدة السرد النسائي الإنجليزي في بداية القرن العشرين يضعنا أمام الحقيقة الأزلية وهي أن المرأة ومن خلال حضورها في السرد تؤكد بما لا يدع مجالا للشك بأن السرد غير المؤنث لا يعول عليه كما ذهب ابن عربي في حديثه عن المكان وهو يحتفي بأهمية الحضور النسائي. لم تعد الساردة العربية مختفية وراء هوية مستعارة او لغة مغايرة للغة قبيلتها، بل أصبحت كاشفة بكل شجاعة عن أدواتها الإبداعية بجرأة وشجاعة تنم عن أن حفيدات الطاهر حداد وللا زبيدة يرسمن طريقا جديدا متنورا واعدا بمستقبل مغاير أكثر عدلا وحرية وحداثة.

الزمن المتشابك  في نازلة دار الأكابر

لم يتخذ الزمن في نازلة دار الأكابر منعرجا خطيا تصاعديا بل كان زمنا متداخلا، وهي تقنية ذكية من الروائية أميرة غنيم، هدفت من ورائها إلى تجاوز الحدود الزمانية، لمقاربة واقع المجتمع التونسي من خلال الاختزال الزمني الذي وظفته الكاتبة بشكل ذكي والذي استطاع النبش في أهم فترات التاريخ التونسي الحديث والمعاصر. وهو ينم عن الاستفادة من الأدوات التقنية للرواية، خاصة منها الروايات التاريخية،  فمن مصيبة شديدة الوقع حلت بدار الأكابر في ثلاثينيات القرن الماضي حيث ثقل التقاليد وأعراف المجتمع الأبوي، تنعرج الكاتبة وبشكل ذكي قافزة إلى الأزمنة المتفرقة  باستحضار تقنيات التذكر والاسترجاع والحكي لتصل بالنهاية إلى أن النازلة ماهي إلا حب عذري خفي وانفتاح امرأة في بيئة تقليدية أبوية. وهي نازلة ستسير بالزمن التونسي إلى أفق ارحب واعد بالتغيير وبالثورة.

نازلة دار الاكابر عصية التصنيف...

تظل أسئلة كثيرة عالقة تفتح أبوابا مشرعة على أسئلة مستقبلية، وهو أمر ينم على أن العمل الإبداعي هو العمل المفتوح على كل التاويلات ليصبح نصا يستدعي سرديات مستقبلية ربما تولد أسئلة جديدة ليظل العمل الإبداعي الناجح هو النص المفتوح على مستقبل سردي ابداعي منفتح  ومتجاوز للتصنيف الجنسي للابداع الروائي.

لعل اهم ما يمكن ان يحسب لرواية دار الاكابر هو لفتها لجزئية هامة لم تتطرق لها العديد من الكتب التاريخية والمتعلقة بتونس ما قبل الاستقلال، إنه وضعية النساء، وقصة غرام الطاهر حداد المتخيلة، ما يحيل على أن  الرواية تمتح من معين التخييل الباذخ ولكن أيضا تغترف من حكايا الواقع الماضوي الذي بالتأكيد يفتح بابا للتأويل والتواصل مع الراهن، خاصة وان الرواية زمنيا امتدت على فترة تاريخية هامة من تاريخ تونس الحديث. كما أن التقاط الروائية لجزئية تواجد المعمرين بتونس ، تنم عن اطلاع وبحث مستفيض في تاريخ تونس الحديث خاصة إبان فترة الحماية الفرنسية، والتي عملت على جلب أوروبيين للإقامة بتونس.

لم يركز المتن السردي في نازلة دار الأكابر  على المصلح الاجتماعي والديني الطاهر الحداد، رغم أن انتقال الحكي خاصة من طرف النساء كان يهدف بالأساس لتعميق ما جاء به الطاهر الحداد، فالطاهر الحداد كان أيضا صوتا مغيبا في الحكي وهي تقنية تنسجم مع واقع الحال لتوغل الروائية في وصف التغييب والإقصاء الذي عرفه الحداد حيا وميتا لفترات من تاريخ تونس قبل أن يستعاد مع منح مجلة الأحوال الشخصية للشعب التونسي التي جسدت في حينها وربما إلى يومنا هذا قانونا أسريا أكثر تقدما وحداثة من العديد من قوانين الأسرة في البلدان العربية والإسلامية.

فهل يمكن  إذن ان نصنف رواية نازلة دار الأكابر كرواية تاريخية؟اعتقد أنه ورغم اعتماد الكاتبة أميرة وغنيم على النبش في ذاكرة التاريخ التونسي، إلا انني أميل إلى أن الرواية هي اجتماعية تخييلية، بما فيها عشق الطاهر حداد، إلا أنها اعتمدت على النفس التخيليلي مستفيدة من الأحداث التاريخية التي مرت ولا تزال تمر بها تونس منذ الاستقلال مرورا بصدور مجلة الأحوال الشخصية والإصلاحات الحداثية البورقيبية، وانتهاء بثورة الياسمين وسؤال المرحلة القادمة، فالرواية ابتعدت كثيرا عن الشكل التقريري فحملت نفسا تخييليا حكائيا بارعا دون أن تعدم من تشريح  لواقع اجتماعي وسياسي يتسم بالنفاق والعنف والمحسوبية والإنتهازية.  رواية اميرة غنيم إذن إضافة هامة للتراكم السردي النسائي التونسي بعدما كانت الأقلام الجزائرية والمغربية هي الحاضرة، خاصة في مجال الرواية، وهو أمر يليق بتونس ثقافة وتاريخا ومنجزا نسويا.

نازلة دار الأكابر احتفاء بالحداثة والتنوير...

عن الطاهر الحداد يقول عميد الادب العربي:"لقد سبق هذا الفتى قومه بقرنين" وهو بحق سابق لزمانه والذي استطاعت رواية  نازلة دار الاكابر أن تجسده من خلال تصويرها للأذى الذي لحق الشاب الطاهر الحداد لا لشي سوى لأنه نادى بتنوير فكري ديني يمنح الحقوق والعدالة الاجتماعية ليس فقط للنساء بل أيضا للفئات المظلومة والمهمشة، ولعل أميرة غنيم استطاعت ان تتصيد بشكل ذكي مآسي فئات عريضة من المجتمع التونسي التقليدي، خاصة منهم النساء، المومسات والعبيد، والمثليين وأيضا اليهود، لقد سارت على خطى المصلح الطاهر الحداد حين لمحت لقضية التعدد ولكن بشكل أكثر عمقا حيث يمتزج ظلم المرأة بالتعدد وبظلمها لأنها أيضا من الأقليات خاصة اليهودية والتي دأب المجتمع العربي الإسلامي على النظر إليهم بعين الإحتقار، حين اختار سي محسن النيفر ان يتزوج على سليلة الحسب والنسب للا زبيدة لم يجد سوى بهية اليهودية فهي مجرد يهودية ولن يضير أن تتزوج في السر وأن تكون في الدرجة الثانية في مقابل حفظ مكانة للازبيدة سليلة الأشراف ليس احتراما لمشاعر هذه الأخيرة بل فقط حفظا لصورة عائلة الأكابر التي ينتميان لها. المصلح الحداد بدوره ينحدر من الفئات المهمشة لهذا كان تعاطفه أقوى مع كل المهمشين في المجتمع التونسي، ولعل خبرته بأوضاع النساء في الطبقات الفقيرة واطلاعه على عيش النساء في السجن الحريمي بالنسبة للطبقات العليا، دفع به إلى الثورة على التفسيرات الدينية الأبوية ونهجه منهاج الإصلاح القائم على العدل والمساواة بين كل فئات المجتمع بنسائه ورجاله.  

الإصلاحات التي نادى بها الطاهر حداد خرجت عن الإطار التشريعي، فقد كان لها أيضا أساس اجتماعي ما مكنه من النظر بعين المصلح الاجتماعي لوضعية النساء آنذاك، من هنا خروجه عن العديد من الثوابت التي جاء بها الفقه. هذا المعطى الهام جعل الروائية تسبر أغوار النفس البشرية من خلال حكايات وبوح كاشف لمناطق مسكوت عنها والتي تختلج في نفسيات الشخصيات  حيث يصبح الحكي والسرد الشفهي حافظا للذاكرة التاريخية والاجتماعية التونسية.

على سبيل الختام..

ومثلما ختم الحداد كتابه امرأتنا في الشريعة والمجتمع متفائلا بتغير أحوال النساء التونسيات، تختتم أميرة غنيم روايتها على لسان هند حفيدة زبيدة ونتاج تونس الحدادية إن صح التعبير والتي تعايش إرهاصات ما بعد ثورة الياسمين:" ما يزال الأمل قائما ياهند، السر ههنا في المحفظة المقفلة. وقريبا.. قريبا جدا تفتح الأقفال." وانا  بدوري أختم مقالي هذا بالقول بأن تونس بخير حين تمنحنا رواية بهذا الألق والإبداع والعمق، وتونس برائدات ورائدي الحداثة وهم كثيرون وكثيرات، ستسير خطوات ثابتة باتجاه ثورات ياسمينية هادئة تمنح تونس العدل والمساواة والمواطنة الحقيقية لكل الشعب التونسي.

 

بقلم د. فاطمة واياو

ادنبرة في 16 نوفمبر 2020   

.............................

1- عبد الله الغدامي، المرأة واللغة، ص 62  

 

 

علوان السلمانالنص الشعري رؤية حية منتظمة بتناسق فني جاذب بلغة زئبقية مستفزة للذات المستهلكة (المتلقي) تنبعث من المشاهد الحياتية.. يحقق وجودها شعريا منتجا (شاعرا) واعياً لفنه الشعري بتوظيف التعابير اللغوية المشحونة بطاقة التوتر والايحاء ببناء فني متماسك.. متكىء على التكثيف الصوري والعمق الدلالي.. وقد شهد في ظل تيار الحداثة تطورات لحقت بمبناه ومعناه.. كان آخرها قصيدة التفعيلة والنثر..

وباستحضار المجموعة الشعرية (ملحمة التكتك) بنصوصها النثرية والشعرية الراصدة لحركة الانتفاضة التشرينية في واقعها المجتمعي ومكوناته.. ونسخت عوالمها بوعي انامل منتجها الشاعر يحيى السماوي وأسهم الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق في نشرها وانتشارها/2020.. كونها تقوم على دائرة نصية مكانية تعبر عن فكرة مركزية في سياق حسي مقترن بالحياة.. اضافة الى تنوع صورها الشعرية الموزعة على امتداداتها المقطعية (الكتلية) التي شكلت المحرك النابض لتفعيل النص جماليا بصفتها احد اهم اركان قصيدة النثر.. فضلا عن توظيف الطبيعة بكل مظاهرها لخلق نص اللوحة المتوهج بخصوبته والمكتظ باسئلته المثيرة للجدل.. ابتداء من الايقونة العنوانية السيميائية الدالة التي تميزت بطابعها التقني ـ الفني والجمالي ـ المقصدي، وقد تشكلت من بعدين فنيين:اولهما البعد العلاماتي المقترن بالنصوص الموازية (المنتج والجنس واللون..) وثانيهما التشكيلي.. الصوري المؤثر حسيا وحركيا.. ذهنيا ووجدانيا.. وقد اعتلته لوحة تشكيلية وزعت الوانها انامل الفنان تحسين الزيدي وقد سيطر اللون الرمادي الداكن على معظم مساحة الغلاف الدال على واقع مأزوم كشفت عنه اجساد منتفضة..

جلالة الخليفة /قبل ان تشيد لنا الجسور/شق لنا الانهار اولا

**

ما الفائدة من رسمك للرعية/قوس قزح/اذا كنت ستطفىء خضرة الحقول

وصفرة السنابل/وزرقة السماء/وحمرة الشفق/وبياض الصباح؟

**

الاعمى.. / يحتاج عكازا وطريقا معبدا/لا مرايا ولافتات ضوئية /ص7

2109 ملحممة التكتك

فالشاعر يوظف الفعل الدرامي الحركي الذي يأخذ ابعادا نفسية واجتماعية تؤطر الجسد النصي المقطعي بوحدة موضوعية وهو يسبح بين عالمين مترابطين: عالم الذات وعالم الموضوع المتسم بالوعي الذي يعني الموقف الفكري الملتصق بالانسان.. اضافة الى ان المنتج (الشاعر) يخلق نوعا من التوازن ما بين الفكرة والصورة المكونة للسياق النصي المتميز بالعمق الدلالي المنبثق من خزين الذاكرة وهي تعالج واقعا مأزوما وترسم ابعاده بدقة بكل مكوناته..

دقت عقارب ساحة التــــــــــحريرِ

تك.. تك.. فضج الكون بالتكــــــــبيرِ

زحف الضياء على الظلام مجلجلاً

لا حكم بعد اليوم للديــــــــــــــجورِ

غضبُ الحليم اذا استــــــفز قيامة

واذا استجير فبرده كســــــــــــعير

سيخط سفر المـــــــجد ان شبيبة

هزموا الرصاص وهم عراة صدور/ص11

فالمنتج (الشاعر) ينطلق بتوصيفه الحالة المنتفضة من ضروراتها الذاتية والموضوعية كي يرسم حالة انتماء صادقة لمجتمعه باعتماد مفردات موحية بعيدة عن الضبابية والغموض.. لخلق صوره المشهدية التي تعني قيمة فنية مستمدة من واقعية اللحظة الجامعة ما بين النبضات الفنية والالتقاطات الجمالية التي يخلقها المنتج (الشاعر) محددا ابعادها بقدرته الفكرية وتفاعله النفسي بترويض المعاني البصرية وتجريدها من واقعها بتوظيف تقنيات فنية واسلوبية.. كالتنقيط (التشكيل الصامت) ودلالة الحذف الذي يستدعي المستهلك (المتلقي) لملء فراغاته.. والتكرار اللفظي الدال على التوكيد والذي يضفي موسقة مضافة على الجسد النصي.. اضافة الى السردية الشعرية.. من اجل ملامسة العمق النفسي في الاداء الفني الشعري..

كل حزب/ وله بئر وميناء/ وجيشُ

وزنازين وجلاد/ وبطشُ

ولراعيه بقصر الحكم/ عرشُ

كلهم اصبح (ابراهيم)

أما الشعب والبيت

فكبشُ  ص100 ـ ص101

فالنص هنا شكل من اشكال الانزياح الشعري الناجم عن موقف انفعالي يباغت المستهلك (المتلقي) بصوره التي تكشف عن عمق دلالي لانها تجعل من اللغة فكرا والمرئي تخيلا.. بتشكلها من الفكرة الشعرية لا من اللغة الشعرية.. مع توظيف بعض الاساليب البلاغية (الاستعارة والجناس..).. فضلا عن اعتماد الايجاز والاختزال والمقطعية الكتلية الحاضنة للصور الشعرية..

وبذا كشف المنتج (الشاعر)عن قدرة فكرية منتجة وحضور فاعل ومتفاعل مجتمعيا عبر نصوصه المنسوجة وفق مضمار الحداثة الشعرية..

 

علوان السلمان

 

 

ان التأثير والتأثر بين اللغات قانون اجتماعي انساني، وان تلاقي الثقافات، واحتضان بعضها لبعض، مظهر طبيعي وصحي للثقافة الانسانية، ويمكن الاشارة الى حركتي التأثير والتأثر بين الثقافتين العربية والغربية، على مر المراحل التاريخية، وداخل هاتين الثقافتين ايضاً كانت هناك على الدوام تيارات ادبية تنتقل من بلد الى اخر، اما للتأثير في الآداب الاخرى، واما نشدانا لما به يُغني ويكمل ويساير الركب الادبي العالمي,

ولابد ان نذكر ان التواصل بين الشعوب القاطنة بين بلاد العرب والبلدان الاجنبية، لم ينقطع ابداً منذ بداية التاريخ، وانه قد اشتد وتوثق بعد رسالة النبي محمد (ص) ـ او ما يسميه المؤرخون المضارة الاسلامية رافداً رئيساً مؤثراً في الحضارة الغربية بما حملوه معهم من فنون واداب .

فمجرد التشابه او التقارب بين نص ادبي عربي او غربي لايعد دليلاً على التأثير والتأثر بينهما، ولكن الموازنة بين اوجه هذا التشابه على اساس تأريخي وتقتي لعناصر اي جنس ادبي هي التي تحدد امكانية الاخذ والعطاء بينهما، ومن الاشكال الادبية المتأثرة هي :

المحور الاول: تأثير الادب العربي بالأدب الغربي

الشكل الاول: 

(الفابلو): تعد الفابلو احد الاجناس الادبية الاولى للقصة، ظهرت في فرنسا منذ منتصف القرن الثاني عشر الميلادي، وحتى اوائل القرن الرابع عشر وهي اقصوصة شعرية تحمل روح ومعنى الهجاء الاجتماعي، يقول (جاستون باري) احد اعمدة الادب المقارن الاوائل عن الفابلو، انها استمدت عناصرها وروحها من كتاب (كليلة ودمنة) الفارسي الاصل، والذي ترجمه ابن المقفع وكانت فكرته الاساسية هي الحِكَم والفلسفات التي تقال على السنة الحيوان، وتُعد الترجمة العربية ل (ابن المقفع)، اساساً مباشراً اخذت عنه الفابلو . ومن امثلة الفابلو الغربية اقصوصة تسمى (اللص الذي اعتنق ضوء القمر). تحكي عن لص يخدعه احد الاشخاص بأن للقمر سحراً خاصاً في نقل الاشخاص دون صوت من مكان الى اخر، ويصدق اللص الخدعة، ويقع في يد الشرطة، ونجد هذه الاقصوصة  نفسها بالكيفية والفكرة والتفاصيل الدقيقة نفسها في كتاب (كليلة ودمنة) لابن المقفع.

الشكل الثاني:

قصة حي بن يقضان

من اشهر القصص العربية التي تأثر بها الادب الغربي (قصة حي بن يقضان) التي كتبها الفيلسوف ابن طفيل في القرن الثالث عشر الميلادي في اسلوب قصصي رمزي في شكل صوفي يدعو فيها الى معرفة الله عن طريق العقل والتأمل الواعي، وقد ترجمت الى العبرية واللاتينية والانكليزية في القرنين الرابع عشر والسابع عشر، وراجت في اوربا رواجاً كبيراً، فألفوا على منوالها، وتأثروا بها الكلاسيكيون، والرومانسيون، وترجمت الى الفرنسية والروسية وقد تأثر بهذه القصة الكاتب الاسباني (بلباسار حراثيان) حتى انه كتب قصته (النقاد) على نفس خط – حي بن يقظان لابن طفيل الاندلسي – ولو تأملنا الفضاء المكاني للرواية للاحظنا تشابهاً كبيراً، فنحن امام فضاء واحد (جزيرة نائية) كذلك نجد فيها انساناً وحيداً، يحاول ان يفهم ويستكشف ما يحيط به فهو يعيش العزلة والبدائية، ويصل الى الايمان عن طريق استخدام العقل اولاً ثم الحدس، وكأنه يطلب من الناس ان يمعنوا النظر في هذا الكون ليتواصلوا الى الايمان بعقولهم وقلوبهم، لا ان يكوم ايمانهم ايماناً تقليداياً.

المحور الثاني: تأثير الادب الغربي في الادب العربي

الشكل الاول

الاسطورة (بيجاملون) وتأثيرها في مسرحية توفيق الحكيم

يُعد الادب المصري (توفيق الحكيم) من الادباء القلائل الذين اعادوا صياغة الاساطير اليونانية، وتجسيدها على شكل مسرحيات ذهنية، ولعل اسطورة بيجاملون تحكي قصة فنان ينحت تمثالاً من الرخام ويتوسل الى الالهة في ان تبعث الحياة في هذا التمثال حتى اذا ما استجابت الالهة الى دعائه يتحول التمثال الى جالاتيا الانسانة ويتزوج بها بيجاملون.

اما عن تأثر توفيق الحكيم بهذه الاسطورة فيعود في اساسه الى حكاتيه فيقول : انه شاهد فلماً سينمائياً في القاهرة عن بيجاملون مأخوذة من مسرحية برنارد شو، وهذا يدعونا الى تأمل في قيمة التلاقح بين الاداب.

الا ان توفيق الحكيم قدم تجديداً واضافات على ابداعه حيث جعل الصراع يدور في روايته بين روعة الفن عندما يبلغ درجة الابداع، وبين واقع الحياة . 

الشكل الثاني:

الشعر العربي الحديث قصيدة (الارض الخراب) للشاعر ت. س. اليوت. واثرها في (انشودة المطر) : ان دراسة السياب للادب الغربي في نماذجه الحداثية لاسيما شعر اليوت هي العنصر الحاسم في تغيره باتجاه حداثة شعرية عربية رائدة .

تذهب الناقدة " سلمى الحفناء " الى ان السياب، قد استعمل اسطورة الخصب والحياة بعد الموت بمهارة الفنان في قصيدته المفتاحية (انشودة المطر) بدراسة لقصيدة اليوت الشهيرة (الارض الخراب)، وكما استعمل اليوت اسطورة الخصب والبعث، استعملها السياب ايضاً، فجعل من الماء محور القصيدة، ماء الخليج الذي يحمل الموت للمهاجر وماء المطر الذي يجئ بعد زمن القحط واليباب ليبعث الربيع النصر من قلب الشتاء، اسارة الى مكان انبعاث الحياة الطيبة بعد زمن الموت والفناء.

ان تلاقي الثقافات، واحتضان بعضها لبعض، مظهر طبيعي وصحي للثقافة الانسانية، والنماذج السابقة تبين ان عملية التأثر بالاخر عملية طبيعية لتطوير عملية الابداع وتنويعها.

 

م.م. فكتوريا مناتي محمود

قسم اللغة الفرنسية

 

 

عبد الجبار نوريللروائي شلال عنوز

الذي شوقني وشدني للكتابة عن رواية "وكرالسلمان" للروائي شلال عنوز: تحدث الروائي قائلاً أستغرقتُ في كتابتها قرابة الخمس سنوات، ومشكورا وهو يهديني ملف الرواية وأنا بعيدا عن وطني الأم، وتأثرت حين يبدأ الرواية بالكلمة المعتادة : أهدي هذا الجهد المتواضع إلى ضحايا الحرب الذين خسروا أمانيهم، إلى كل الذين أكتووا بنارها، إلى الأنسانية المعذبة بسبب حماقات مشعليها ، ولتكن روايتي شاهدة دموية الحرب في تعاسة البشرية وشيوع الجريمة على الأرض.

وحقاً أن رواية " وكر السلمان " منجز كبير مكتمل الأوصاف في اللغة والأسلوب والبنية المعمارية والنسق السردي بالشكل والمضمون، ونجح الروائي الشاعر في أظهار مأساة جيل الحرب العبثية والحصار الظالم على وطننا الحبيب وتأسى للذين ولدوا أبان تلك الحرب وأكتوت طفولتهم المبكرة بمأسي حصار الموت البطيء وتهجروا قسراً ويكشف للقاريء حكمته الشخصية {إن السعادة تنبثق من ليل الألم الطويل}، فهو كاتب قدير محترف وخبير قانوني وسايكولوجي في البحث في أعماق البشرية وزواياها المظلمة، فشلال أوغل - بروايته " وكر السلمان "- بميتافيزيقيا الكينونة البشرية وبنهايات ممزوجة بالبراكماتية المطابقة للواقع .

أن سيميائية العنوان في رواية " وكر السلمان " تحمل كل مفردات السيمياءالتي هي أداة لقراءة السلوك النفسي البشري في مظاهره المختلفة بدءاً من الأنفعالات مروراً بالطقوس الأجتماعية والأنتهاء عند الآيديولوجيات، لكون العنوان هو هوية النص والمدخل الذي يحتاجه المتلقي لسرديات المضمون النصيّة وهي التي جذبتني أسيرا رغماً عني لأدخل المتاهات المظلمة والموحشة لقبو الشيطان في قضاء السلمان مسقط رأس والد بطل الرواية نعمان، والمتقاربة مع نكر السلمان الذي هو سجن موحش في قلب صحراء بادية السماوة أبتكرها المحتل الأنكليزي وأستخدمتها جميع الأنظمة منذ تأسيس هذا الوطن الجريح ما عدا نظام الجمهورية الأولى بزعامة عبدالكريم قاسم، لزج الأحرار من وطني .

أسلوب الروائي شلال عنوز في نسج عناصر الرواية وبنيتها

في سبيل السعي لتعريف الرواية يطرق الروائي العبقري شلال عنوز باب الأستخدامات والأغراض لروايتهِ " وكر السلمان " ويلقي الضوء الكاشف برشاقة وشفافية متناهية على سرديتهِ النصيّة ورؤية الحياة وتفسيرها والترويج للدعاية لتقديس المثل العليا القيمية وترسيخ السلام العالمي من خلال أستخدامه العقل واللاوعي، وأثرى السردية بتعزيز الفكر والهوية لأثراء اللغة عند القاريء، فهو بأعتقادي واحة فكر وخيمة أبتكار وبيت للحكمة وغيمة مطر تحطُ حيث الأبداع، البطل الرئيسي في حوارات الرواية هو نعمان الطالب الجامعي شاب في مقتبل العمر يجمع كل صفات الجنتل مان من رجولة ومروءة وذكاء متوقد ذات شخصنة كارزمية، وقع في شباك حبٍ حقيقي ملتهب مع سناء طالبة بورجوازية ذات جمال بارع وأخاذ، وكان الزمن المخملي الجميل لهما فاق البطل نعمان من أحلام اليقضة الوردية الجميلة، بتبليغ التجنيد (السيء الصيت) لأداء الخدمة العسكرية، ويسوقه قدره المحتوم إلى جبهات القتال في ثمانينات القرن الماضي ويخوض هذه الحرب القذرة التي وصفها الروائي والشاعر المبدع شلال بقوله في ص44 : { إن الحرب لا تورث سوى الويلات والدمار والقتلى والأيتام والمعاقين والنفوس المريضة، توحش دمار تنكيل ظلم طغيان فهي عدو الأنسان، ومن قال إن الحرب فيها منتصر؟! وهي تسرطن النفوس}، وتتصاعد ثقافة المواطنة والمروءة والأنسنة في أعماق الذات للروائي المبدع شلال عنوز، وكأني أراهُ وبيده شعار مكتوب عليه : متى يصدر قانون دولي بتحريم الحرب أياً كانت ؟! .

- وبروايته "وكر السلمان" أبدع وهو يحتفي ضمن فصول الرواية بقضايا الرأي والثقافة والتأريخ والقانون والشعر ضمن المألوف مركزاً بعمله على الأشكال الأبداعية ويتواصل مع المبدعين أينما وجدوا، والغريب أثناء السرد الباذخ والشهي لم يتقرب بالمساس من الأديان والقوميات والأقليات والثقافات المحلية وكل ما يثيرالنعرات والكراهية، هو من كتاب الواقع على نحوٍ متميّز حيث الخيال والعمق دون غموض أو تقييد وعموم المبالغة، نجح شلال في توظيف القانون في روايته " وكر السلمان " متقارباً مع توفيق الحكيم في روايته عصفور من الشرق، وتوظيف صبر همنغواي في روايته الشيخ والبحر،وكذا توظيف تصارع الأضداد (الجنون والعقل، الخير والشر، الرحمن والشيطان، الحرب والسلام، الحقيقة والزيف) من ديستوفيسكي في روايته الأخوة كارمازوف.

- وأعتبرهُ من رواد التحديث فكان في روايته هذه موفقاً في توظيف تقنيات الفن الروائي وأبعاده عن الخطابة والتقريرية التي ربما وجدت في أدبيات القرون السابقة، فهو رسم الأحداث والشخصيات بشكل مقنع يدعو القارئ للغوص فيها، وشكلت الرواية مدخلا أساسياً لمنظري تجار الحروب وعشاق السلام العالمي، وأن دراسة تجربة شلال عنوز جعلتني أعتقد جازما أن هذا الروائي الشاعر قد أتقن مفهوم المتضادات والمتقاطعات مثل الحرية والعبودية، السوي والمنحرف، الحرب والسلام.

- طرز روايته بالشعر ومن أرقى صنوفه الشعر الغزلي والعشق الممنوع ووصف الحرب الطاحنة، يوحي للمتلقي أن الشعر أرقى أشكال التعبير اللغوي وهو من أوائل الفنون العربية الجميلة، وللبحث عن التكامل الجمالي في روايته تألق في البحث عن الأيحاءات في أستلابات الوعي بالقهر فهو حقاً أبهجنا بأبيات قمة بالأشراق الرومانسي للحب ممزوجة بنفثات موجعة، فهي إذاً ذات طابع درامي في بناء معماري رصين تبرز مركزية الأنسان والصراع الطبقي وتناقضاته يستحضرها الشاعر والروائي في هذه الأبيات – وهو يقول : على لسان سناء ممثلة الرواية الأنثوية وهي تداعب مشاعر حبيبها نعمان :

فأعلم إني أروض النفس على أن لا تفارق طيفك

متى يا ترى ترقص الأماني ويورق التوق؟!

ورد الشاعر والروائي شلال على لسان بطل الرواية الرئيسي نعمان

أيتها الغافية فوق مفازات روحي

الدافقة بالغناء على منائر الأحلام

وهو شاعر متمكن فذ له منجزات ثرّة وثرية مثل : مرايا الزهور، وبكى الماء، السماء لم تزل زرقاء، ديوان حديث الياسمين، ديوان صدى الفصول) .

- تمكن من رسم السعادة بأرق معانيها ورسم الوجع والحزن بأبشع معانيه، وعرّى واقع الحرب المأساوية بكل جرأة، وبيّن عبثية الحياة في جغرافية الصحراء المستلبة، يأمر أبطال الرواية أن يعايشوا الجفاف الروحي على رمال تبتلع الدموع وعرق حمى اليأس والأستلاب النفسي والمادي كالثقوب السوداء في درب التبانة الموحش .

- وكذا عمل على تكثيف القصة بأختصارٍ عاجل لينقلك إلى حدثٍ مستجد ( تقزّمْ) زمن العشاق بحسابات النظرية النسبية (مجالسة الحبيب ليوم يختصرها الروائي البارع شلال بجلسة سويعات في كازينو البرازيلية في شارع الرشيد أو في مطعم دنانير في المنصور) .

- الميل الواضح للحداثة والتجريب بلغة جميلة مهذبة

- التنويع في النص السردي بين لحظات رومانسية في شارع النهر والكافيتريات وذكريات لا تنسى على ضفاف دجلة الخير وإلى ساحات القتال حيث الموت المجاني ودخان كثيف ممزوج بعواصف ترابية وأصوات المدافع وتصدير الجنائز إلى العراق، وهذا وذاك رسمها بواقعية مشهودة ويميل أحياناً إلى المزج بين تلك الأحداث بمزج الخيال بالحقائق الواقعية

-وينقلنا برشاقة وشفافية روائي شاعر ورجل قانون إلى دراسة مفهوم الجريمة والذي هو الجزء البوليسي من الرواية، فهو يقول في مفهوم الجريمة { الجريمة ظاهرة أجتماعية أزلية يرتبط وجودها ببدايات وجود المجتمعات الأنسانية، والجريمة تحدث كسلوك عدواني جراء تضارب وتعارض سلوك الأفراد لتحقيق رغباتهم وأهوائهم ص11}، نعم تكون رواية " وكر السلمان " شاهدة على دموية الحرب العراقية الأيرانية وأثارها المستلبة ودورها الخطير في تعاسة العراقيين وكان من مخرجاتها شيوع الجريمة في الأرض العراقية، ولأن الحرب هي الجريمة الأم التي تفرخ الجرائم الفتاكة الأخرى، وولدت أجيالاً من المعاقين نفسيا ً، فأصل الجريمة حدثت على جغرافية الحدود العراقية الأيرانية بطلها شخص معاق نفسياً وأحد ضحايا هذه الحرب، وحظهُ النحس نعمان أصيب بأصابة بليغة خضع لتداخل جراحي خرج من المستشفى بتقرير طبي مشؤوم (بتر جزء من الساق مع ذكوريته )، ربما هي من الروايات القليلة التي نحت بهذا المنحى بأقترابها من الجرائم البوليسية .

وتلبسته شياطين سايكولوجي الأنسان الغير سوي أثر جينات الحرب الكراهية والحقد، والأنتقام، والقتل، ولعبت آفة (الأنا) في رأس نعمان أن يخفي الخبر التراجيدي المأساوي عن سناء، ويستدرجها بعد يوم من خطوبتها إلى وكر الشيطان حيث سكناه في قضاء السلمان، ويظهرإنهُ أدمن الدم والقتل وغدرأعز وأقرب أصدقائه ناظم ومهند وناصر، وهنا ينقلنا الروائي بحركات رشيقة ومشوّقة مارأ بمدينة السماوة شاهدة التأريخ على مذبحة " قطار الموت " وأستلاباته الروحية، ولعب الروائي وبمهارته الفذّة بمذهب الحب والعشق الملتهب بين الحبيبين ( نعمان وسناء ) وبفعل صواعق تراجيديات ومآسي الحرب أسدل الستار بذبح ذلك الحب العذري الملتهب بغدر العاشق الولهان بأن ينتهي بنهاية مأساوية يسودها الدم والجريمة بسكين العاشق الغير سوي نعمان ويذكرني برواية " بائع الحليب " لآنا بيرينز في مفهوم العنف ضد المرأة، ورسم الروائي شلال عنوز نهاية سفاح السلمان بالتلاشي في تيه الصحراء ومتاهات الجفاف الروحي والجسدي وطعاما مرّاً للذئاب المتوحشة .

 

عبدالجبارنوري

كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

في ديسمبر 2020

 

 

لدى الكاتبة الأديبة الرّحّالة إيزابيل إبراهاردت قصتا:

النقيب وتحت النير نموذجًا - السّرد والصحراء


مدخل

الصحراء ذلك السحر الأسطوري الكامن في المخيال الجمعي للإنسانية عامة، وفي الذاكرة العربية بشكل خاص، حيث ” تبرز الصحراء في الوعي، والمُخيّلة مَجْمَعًا للنقائض، منسجمة مع طبيعتها المتقلِّبة، فهي لا تسكن حينًا حتَّى تثور، ولا ترضى لحظة حتَّى تغضب، تفرح فيتحوَّل الكون إلى مسرح شعريّ رائع، وتغضب، فيكون في غضبها الهلاك والشقاء. ولوج الصحراء فتْحٌ لإمكانية السرد.. أن تعيش وترى، وتحكيَ عمّا رأيت، والرؤية هنا لا تأبه كثيراً بالمنظور الحسي، بل تتعداه. فالصحراء هي واحدة من مُحرّضات روح المغامرة الإنسانية، وهي التي توسع أفق التصور المحفّز على الإبداع..

إن للصحراء سردَها، وسرد العرب في جذوره سردٌ صحراوي إجمالا، إذا كان يخيّل إلينا أن الشعر هو فنّ الصحراء الأثير، أو الوحيد فإن ذلك الوهم سببه ثبات الشعر أكثر من النثر، والمرويات السردية، أن الشفاهية هي مفتاح الصحراء وعنوانها، وهي مفتاح السرد الصحراوي حتى بصيغة المعاصرة المتأثرة بالكتابة والكتابية.. إنها الكتابة بلغة الرمل..

يقول الشاعر أحمد عبد الكريم: « كتابة الصحراء، لا تعْني الوصف الخارجي لجغرافيا الصحراء بطريقة وثائقية، وإنما تعني نقْل روح الصحراء من خلال تفاعل الإنسان مع المكان والتعبير عنها بشكل عميق بعيدا عن النظرة الايكزوتيكية ».( الغرائيبية)، ويذكر في مقاله عن رواية ربيعة جلطي “ نادي الصنوبر”  التي تتناول عالم التوارڤ  ما ورد على لسان المرحوم عثمان بالي في كلامه للجمهور في إحدى الحفلات: « الليلة إن شاء الله ما قدرناش نجيبوا لكم الصحراء.. ندّوكم أنتم للصحراء ».(1)

وأولئك الذين ولجوا الصحراء، أياً كانت دوافعهم، قد غادروها وهم مُثقلون بوفرة من الحكايات. غير أن الصحراء في الوقت نفسه مرتع فذٌّ للخيال، وفضاء لا يُضاهى لمسارات من السرد لا تنتهي، وهي التي ألهمت شعراء، وروائيين، ومغامرين، ومستكشفين، وجواسيس، ومغرمين بأحابيل الجغرافيا وعتمات التاريخ، ومتصوفةً، ومهووسين بالتحرش بحدود الموت، وغيرهم ليدخلوها، ويخرجوا منها وهم على غير ما كانوا عليه.

في هذا الأفق كتب لوكليزيو رواية “صحراء”، ومثله فعل، ولكن في مدار تجربة مختلفة، لورانس وهو يكتب “أعمدة الحكمة السبعة”، وكذا انطوان ده سانت  أكزوبري “أرض البشر”

تناول روائيون عرب عديدون الصحراء حاضنة مكانية لها فرادتها، والتي تحدد تعرجات الأحداث وتؤطرها ؛ ذلك لأن للصحراء قوانينها، وسطوتها الثقيلة على إنسانها، وقدر هذا الإنسان ومصيره. لكن هؤلاء الروائيين رصدوا لحظات التحول في الصحراء، لحظات الاختراق التاريخية مع دخول المستعمر، واكتشاف النفط، وبناء المدن، وانتشار وسائل التقنية، ومؤسسات الإدارة الحديثة، أي في شبكة علاقاتها مع خارجها.. نذكر هنا، رواية ” فساد الأمكنة ” لصبري موسى، وروايات “النهايات” و ” سباق المسافات الطويلة ” و” مدن الملح بأجزائها الخمسة ” لعبد الرحمن منيف. أما ما فعله إبراهيم الكوني فإنه رسم الصحراء في عزلتها الكونية وعذريتها، وتمنُّعها، حتى بعد تصديها لغزو الأغراب “المجوس والفرنسيس”، وإصرارها على البقاء مِهاداً للحكايات العجيبة والأساطير، وعالماً فسيحاً مُقْفرًا للإنسان.

أسماء أخرى عربية في إبداعية السّرد والصحراء

وعندما نتقصّى متْن السرد، والصحراء حتى إلى وقت قريب سيقفز تأكيدًا أمامنا اسم الروائي الليبي إبراهيم الكوني بكمّ رواياته، وبثيماتها المنفتحة على فضاءات متفرّدة زماناً ومكاناً وأنماط علاقات، ورؤية ورؤيا.

إنّما مجال السرد والصحراء لم يبق حكْرًا على هذا الأخير لكوْن أسماء أخرى ظهرت على الساحة العربية وخاصة في منطقة المغرب العربي منهم الروائي الموريتاني موسى ولد ابنو وروايته “مدينة الرياح”، والروائي المالي عمر الأنصاري صاحب رواية “الرجال الزرق” والحديث عن الصحراء يجعلنا نلتفت إلى تجربة مهمة، هي تجربة الكاتب الجزائري حبيب السايح، الذي عرفت فترةُ إقامته بأدرار تحولا نوعيا في لغة، ومعمارية، وتيمات رواياته، وفي تبلور رؤية جديدة عبْر تلك اللغة التي تنسكب كلمات معجونة بالرمل.

إضافة إلى أعمال سردية أخرى تتخذ الصحراء فضاء معماريا كرواية نادي الصنوبر لربيعة جلطي، ورواية اعترافات أسكرام لعزّ الدين ميهوبي، والمجموعة القصصية ” رحمونة ” لعبد الله كرّوم، وأخيرا رواية ” مملكة الزيوان ” للصّدّيق الحاج أحمد، ورواية ” تنزروفت .. بحثًا عن الظلّ” لضيف الله عبد القادر، ورواية ” الشهيلي ” LE SIMON باللغة الفرنسية لعلي عبيد من الوادي، ورواية ” أعوذ بالله ” للسعيد بوطاجين .

الرّحّالة إيزابيل إبراهاردت

ومن الذين ولجوا الصحراء، وفتنتهم فعشِقوها، وكتبوا عنها وأبدعوا، وبقدْر ما ألهمتهم الصحراء فإنهم خلّدوها في أعمال سردية رائعة أشبه ما تكون بلوحات تشكيلية رائعة الجمال ..الكاتبة الرّحّالة إيزابيل إبراهاردت ذات الشخصية التاريخية المثيرة للجدل, ليس فقط لأنها جزء من ذاكرة الجزائر, وقطعة من فسيفسائها, ولكن لشهرتها العالمية ككاتبة, وما أحيط حولها من جدل، وشكوكٍ في تحرّكها، وعلاقاتها .

لقد وجدت في الجزائر جنتها الأرضية, ووطنها المفقود, فاعتنقت دينه الإسلامي الحنيف، وساندته في فضْح بشاعة الاستعمار, وساهمت في ثقافته, وكل هذا بنشاطها وبقلمها الجريء، وأسلوبها الرومانسي الدافئ تارة، والساخر تارة أخرى؛ وهذا ما نستشفّه من كتاباتها، ومراسلاتها الصحفية.

عشقت إيزابيل الوادي( وادي سوف) ونخيلَها، وكثبانَها الرملية، وأزقَّتها وآبَارها، وساحاتِها، ومآذنَها، وإبلها فجاءت كلُّها صورا متناسقة منسجمة في كتاباتها عن الوادي، كما كانت واضحة جليّة في ذهنها ومخيّلتها . لقد بلغ عشقُ إيزابيل للوادي حتى أن الذين عاشوا حياتهم كلها في هذه المدينة لا يمكن أن ينافسوها في معرفتها لها، واطلاعها على أتفه الجزئيات، والدقائق في الحياة الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والروحية لهذه المدينة حينذاك وهي التي أطلقت على مدينة الوادي : ” مدينة الألف قبّة وقبّة ” .

لقد عرفت إيزابيل عن الوادي خيرها وشرها، جِدّها وهزلها، عفّتها، وفجورها، عاداتها وتقاليدها. عرفت من أهلها صدقهم وكذبهم، غدرهم وإخلاصهم، صداقتهم وعداوتهم.. كل ذلك سجّلته في نصوص سردية جميلة أشبه بلوحات تشكيلية في غاية الجمال .

من أعمال الأديبة إيزابيل إبراهاردت1 – (في ظلال الإسلام الدافئة).2 – (مذكرات الطريق).3 – (صفحات الإسلام).4 – (يوميات) 5 – (في بلاد الرمال).6 – (يسمينة.7 – (مخطوطات على الرمال).

جمال القصّ ومتعة السّرد

لعل أول دافع إلى قراءة رواية، أو قصّة هو تحقيق مُتعة السرد، إذ إن لدى الإنسان بصورة عامة دافعًا كامنًا يمكن أن نسميه مجازًا غريزة السرد، فكلٌّ منّا يودّ أن يروي قصة، أو يحكي خبرة عاشها، أو سمعها وانفعل بها، أي إن لدى الإنسان دافعًا أساسيًا لتفريغ شحنة الانفعال، والخبرة، والمعرفة التي يكتسبها في موقف ما ؛ كما أن لدى الإنسان ميلًا إلى الحديث عن خبرته في شكل سرد، أو حكاية، فإن لديه أيضًا ميلًا إلى سماع حكاية الآخرين عن خبراتهم . ولعل السرّ الكامن في هذين الدافعين اللذين هما في الواقع دافعٌ واحدٌ، يكمن في متعة عيش التجربة سردًا، رواية وسماعًا، من غير جُهِْد ولا معاناة، أو بقدْرٍ أقل من الجهد، والمعاناة.

الدلالية المكانية في العمل السّردي

إن الحيز المكاني في النصّ السّردي هو الفضاء الذي تتحدد داخله مختلف المشاهد، والصور، والمناظر، والدلالات والرموز، التي تشكّل العمود الفقري له ؛ إذ يُعدّ الخلفية المشهدية للشخصية القصصية . فهو مسرح الأحداث، والهواجس التي تصنعها الذاكرة التاريخية برموزها المتنوعة، مادامت صيرورة النص سوى جزء من صيرورة الواقع، وآليات المكان، ما هي إلاّ وسيلة من الوسائل الرئيسة لرصد الواقع على مستوى السرد، وما بعده أي على مستوى الموقف والرؤية.‏

فالمكان من أهمّ العناصر الأساسية في بناء العمل السردي، وخاصة الروائي ؛ فهو الإطار الذي تنطلق منه الأحداث، وتسير وفقه الشخصيات (2) فالمكان يسم الأشخاص، والأحداث الروائية في العمق على حدّ قول غالب هلسا، فالمكان هو الذي يلد الأحداث قبل أن تلده، فيعطينا تصوّرا لها وللأشخاص وللزمان(3)..المكان والحركة تشكّل وحدة لا تنفصم وهذا ما يعطيها ديناميكية، فلا يصبح المكان مجرّد عنصر ثابت معزول عن عناصر النص السردي ؛ بل هو المؤثر، والمتأثر بها.

وهذا يقودنا للقول: إن المكان هو القاعدة المادية الأولى، التي ينهض عليها السرد وعلاماته اللغوية منوطة بخلْق بناء فضاء خيالي “حميمي” له مقوماته الخاصة، وأبعاده المميزة، التي تُعبر عن الهُوية، والكينونة، والوجود.‏

الجمالية المكانية في قصص إيزابيل إبراهاردت

الكاتبة إيزابيل في نصوصها السردية المُشبعة بروح الصحراء، وطبيعتها الساحرة، وتعرية معاناة إنسان الصحراء من قساوة المستعمر، وكذا من صحراء عصيّة جعلها تركّز على ذكْر التفاصيل المكانية بما فيها من محتويات، وألوان، وشخصيات تتحرّك كي تصنع مصيرها الآني البئيس المُثقل بجريرة ماضٍ ليس من صُنْعها، أضفى هذا التركيز شاعرية على لغتها الوصفية التي ترسم فضاء مكانيا مكثّفًا من الناحية الفنية:

« تربّت في موقعٍ جنائزي أين تطفو في ذلك المكان الخرِبِ الحزينِ روحُ الأُلْفيات الغريبة الزائلة. مرّت طفولتها هنا بين الأطلال الرمادية، والأنقاض، وبقايا ماضٍ ظلّت تجهله تمامًا .. من كبرياء هذه الأمكنة الحزينة اكتسبت شحنة إيمانية أكبر بالقدَر، والأحلام ؛ غريبة الطبع، حزينة من بين كل بنات جنسها ..هي ذي ياسمينة البدوية .»( من قصة ياسمينة ..ص 27 )

« … تحرق الشمس بَلاط الشوارع الباهت اللون . يربض الظلّ الأزرق المهزوم تحت الأقواس، وخلْف الدعامات ..تتجوّل زهور وياسمينة . اليدان متشابكتان . تحت الشمس المنتصرة تعرضان رشاقتهما كأنهما قطّان صغيران لطيفان .» (من قصة زهور وياسمينة .. ص 128)

الجمالية المكانية في قصص إيزابيل إبراهاردت

1- قصّة ” النقيب ” نموذجًا أوّل

إن قصة ” النقيب ” بطلها طبيب شابٌّ رمت به الأقدار من وراء البحار إلى الوادي مُجنّدا في القوات الفرنسية لأداء الخدمة العسكرية، تَحُسّ وكأنه قريبٌ إليك لِما يحمله من براءة وطيبة. لم يندمج مع زملائه العسكريين، يقتله الملل وبقدْر ما كان يتحاشاهم كان يتعاطف مع الأهالي المرضى، ثم مع الأهالي خارج الثكنة لتربطه علاقة عاطفية مع شابّة أرملة :

« …كثبان بلا لون، متراكمة، متراصّة، متموّجة تتغيّر مسحاتها في كل ساعة، تكابد جميع تغيّرات النور، لكنها جامدة، وكأنها نائمة في حُلْمٍ أبديٍّ تحتضن القصر العديم اللون الذي تُواصل قبابُه المتعذّرة الحصر إرغاءها المتناهي ..شوارع صغيرة ضيّقة ملتوية، تُحاذيها منازل قديمة من الجبس، تقطعها أطلالٌ، أو يمرُّ أحيانًا ظلُّ نخلة نحيفٌ فوق الأشياء الخاضعة هي أيضًا للنور.. ساحات صغيرة تؤدي إلى دروب صامتة تنفتح في خيْبة على الصحراء الفسيحة المتأجّجة ..برْجٌ ناصع البياض معزول وسط الرمال، والذي من على شرفته ترى تموّج الكثبان اللامتناهي، وفي الحُفر العميقة مخْمل النخيل الأسود …» (من قصة النقيب ..ص 62)

« … ساعة الرحيل اللّذيذة، والتأمّل الكئيب لديه هي عند المساء، عند غروب الشمس، يذهب إلى مقهًى عربي صغير مقابل ل ” بيرو عرب ”، ويتمدّد هناك ليتأمّل الفتنة التي تُولد كل يوم من جديد في حُلّة مختلفة : الساعة الحمراء .

تتلوّن بنايات البرج البيضاء أمامه بالورديّ أوّلاً لتُمسي تدريجيا حمراء كأنها الجمر، مُبهرة، لا معقولة ..تبدو كل الخطوط المستقيمة، أو المقوّسة المرتسمة على حُمرة السماء، وكأنها مرصّعة بالذهب ..خلْف قباب المدينة المشتعلة تلتهب الكثبان الكبيرة، ثم إنّ كل شيء يبهت تدريجيا ليأخذ المسحة الوردية القُزحية …ضباب خفيف باهت بلون الشاموي الفضّي ينزلق على نتوء البنايات، وقمم الكثبان . من الدعامات العميقة، والأروقة الضيّقة بين الكثبان الرملية تزحف الظلال البنفسجية، تصعد نحو القمم المُتّقدة لتُطفئ الحريق، فيغرق كل شيء في ظلٍّ أزرقَ بحريٍّ غامقٍ .» ( قصة النقيب ..ص 69)

2 - قصة ” تحت النّير ” النموذج الثاني

« سيدي مرغني هو ممرٌّ ضيّقٌ بين كثيبيْن رمادييْن بمدخل وادِ مزروعٍ بالنخيل أين تختبئ مجموعة صغيرة من المنازل الفقيرة الآيلة للسقوط، المبنية من الحجر الرمادي الخام بنفس لون الصحراء، والتي عوض السقوف تعلوها قبابٌ صغيرة تجعلك في ” سُوفْ ” يختلط عليك أفق المدينة بأفق الكثبان الرملية ..تسكن هذه الدشرة قبيلةٌ بربريةٌ قدمت من الشمال منذ زمنٍ طويلٍ، وبقيت محافظة على تقاليدها، ولهجتها الشّاويّة ..من على الكثبان الرملية ينفتح الأفق فسيحًا جدًّا، وأزرق جدّا، ونحو الشرق ترى بحْرًا هائجٌا وجامدًا، كثبان وكثبان على مرمى البصر بعضها قممُه حادّة، وبعضها الآخر قممه مسطّحة ..هنا وهناك عبْر الرمل الذهبي نقاط سوداء متناثرة : إنها حدائق نحو الغرب، سهْلٌ فسيحٌ أدكنُ أين تتناثر القباب أيضًا، وعلى جانبي الدروب المبهمة قبور متعذّرة الحصْر، مبثوثة هكذا دون ترتيب، ودون حائطٍ واقٍ، دون أيّ زينة، ولا خوْفٍ .» (من قصة تحت النير ..ص 83)

« … تحبّ أيضا ( تاسعديت) عند الأمسيات التي تسبق ليلة الجمعة المباركة أن تجلس فوق أعْلى كثيب في العرق العملاق لتنظر إلى الشفق الأحمر عند الغروب، ولترى المصابيح التي يُوقدها ” السوافةّ ” بوقار بالقرب من قبور موتاهم ..هذه القناديل النحيفة التي تسهر لرعاية الموتى في شفق الغروب الأحمر المشتعل تحسبُها الفتاة أرواحًا يقظة، أو مخلوقاتٍ حيّةً عيونها من النار تنظر إليها، وترمش بأجفانها »( من قصة تحت النير .. ص 83)

« … الصيف صيف، وأحيانًا يتسلّلان خارج المدينة في الليالي المقمرة، ينزلان إلى أسفل الهضبة التي شُيّدت فوقها مدينة الوادي نحو متاهة الكثبان الرملية التي تُواري في طيّاتها الرمادية الحدائقَ العميقة التي تجتذب، وتضخّ برودة المياه الباطنية في أسفل الحُفر الكبيرة التي تشبه الأقماع العملاقة ..عادة ما يختاران الغيطان المهجورة المجاورة لطريق ” الدبيلة ”، وهناك يتمدّدان على بُرنس عبد القادر المُلقى على الرمل، والذي يوفّر لهما ساعتها سريرًا ملكيا أحمر، فيتأمّلان ظلال النخيل الرقيقة وهي تتلاعب على الرمل الأبيض تحرّكها الريح الباردة، ريح ” سُوف ” الأبدية، كما يتأملان أشعّة القمر وهي تتسلل خلْف الجذوع المتمايلة، وبين عراجين التمر المُصفرّة، ويستمعان لهمْس الجريد، وكأنه صوت أمواج بحرية .» (من قصة تحت النير ..ص 88)

« ..تعصف رياح ” الشهيلي ”، ويسود صمْتٌ كئيبٌ منطقة ” سوف ” الناعسة .يغمر ضبابٌ رمادي السماء، ومن الكثبان الباهتة اللون يظلّ الغبار ينهمر إلى ما لا نهاية كالأمواج الخفيفة لبحرٍ تداعبها الريح .» (من قصة النير ..ص 89)

المكان عند هذه الكاتبة ليس فقط عالما تتحرك فيه الشخصيات، أو ديكورا يقع في الخلفية لأفعال الشخصيات، أو مسرحا للأحداث ؛ بل إنه فاعل أساسي فيها، له وظيفة ودور أساسي في نصّها السردي بعيدا عن كونه لمسة تصويرية فنية فحسب في كمال الديكور المُتخيل، بل هو نظام داخل النص، والمكانيةُ هنا تمثل درجات من الانفتاح..

كما أن تيمات الصحراء متميّزة: (رياح الشهيلي، منطقة سُوف الناعسة، الكثبان الباهتة اللون، يظل الغبار ينهمر، متاهة الكثبان الرملية، الغيطان، ظلال النخيل تتلاعب على الرمل الأبيض، ريح سُوف الأبدية، جذوع النخل المتمايلة، بين عراجين التمر المصفرّة، همْس الجريد…)

جمالية الوصف السردي وغايته

للوصف أهمية كبيرة في القصة، حيث يشكل عالمها الحسّيّ، ويرسم المساحة والخلفية التي تقع فيها أحداثها، ويجسّد الأشياء التي تشغل الحيّز والفراغ ويقرّبها من عين المتلقّي، كما أن فنَّ السرد أحوجُ ما يكون إلى الخيال، وكلّما كان الكاتب أقدر على تثوير المخيّلة بأقصى طاقاتها إلاّ وكان إبداعه أقدر على إثارة المتلقّي، وأوْلى بالبقاء.

” يعتبر الوصف من أبرز وأهم الأساليب الفنية، التصويرية والتعبيرية التي حفل بها الأدب في مختلف العصور في شتى أشكال القول الأدبي، إلى الحدّ الذي جعل منه تقليدا أدبيا يتفاضل فيه الأدباء، ويتمايزون، ويتميزون عن بعضهم البعض”. (4)

ولهذا اعتُبر ” الوصف حتمية لا مناص منها، إذ يمكن كما هو معروف أن نصف دون أن نسرد، ولكن لا يمكن أن نسرد دون أن نصف كما يذهب إلى ذلك جينيت” (5)

إذن فالوصف نمطٌ من أنماط السرد إلا “أن السرد حركة، والوصف سكون، فالسرد مرتبط بالحدث،ومرتبط بالزمن، بينما الوصف هو تأطير الحدث في لحظة زمانية ومكانية ساكنة، والسرد يتوقف عند البدء بالوصف” فالوصف من أهم الأساليب التعبيرية والتصويرية (6) وأدق تحديد للوصف ولوظائفه هو انه ” بمقدار ما يكون الوصف نافعًا في السّرد، مطوِّرًا للحدث، مُلقيا عليه شيئا من الضياء، ممكّنًا للنصّ الروائي من الارتشاش بمسَحَاتٍ من الجمال الفنّي ؛ بمقدار ما يكون مُؤذيًا للسرد إذا جاوز الحدّ. (7)

جمالية الوصف المكاني لدى إيزابيل

« … كثبان بلا لونٍ، متراكمة، متراصّةٌ، متموّجةٌ تتغيّر مَسَحَاتُها كل ساعة، تكابد جميع تغيّرات النور، لكنها جامدةٌ وكأنها نائمة على حُلْمٍِ أبديٍّ، تحتضن القصْر العديم اللون الذي تُواصل قبابُه المتعذّرة الحصرَ إرغاءها اللامتناهي…»

« … تصعد الشمس الحمراء ببطْءٍ خلْف الجبال التي يغمرها ضبابٌ خفيفٌ. يمرّ وميضٌ أحمرُ أمام الأشياء كأنه حجابٌ من الحياء. أشعّة الشمس الوليدةُ تنثر تيجانًا على قمم النخيل لتبدوَ قبابُ أضرحة الأولياء الفضّية، وكأنها من الذهب الخالص…»

ما نلاحظه في هذه الفقرة أن الوصف ذو طبيعة متحركة حيث بعث الحياة في الجماد، وأدخل عليه أوصافا بشرية :(متراصّة، متموّجة، تتغير، تكابد، تصعد، يغمر، يمرّ، تنثر ؛ ولمسات جمالية ( كأنها نائمة على حُلْمٍ أبديٍّ، تحتضن القصر العديم اللون، إرغاءها اللامتناهي، يغمرها ضبابٌ خفيفٌ، يمرّ وميضٌ أحمر أمام الأشياء كأنه حجابٌ من الحياء، أشعّة الشمس الوليدة تنثر تيجانًا على قمم أضرحة الأولياء الفضية وكأنها من الذهب الخالص)، وهذا لم يأت عبثا ؛ وإنما لوجود تماهٍ بين الكاتبة، والطبيعة الصحراوية التي عشقتْها، وافتتنت بها .

« … حين ظهر جاك نهض المرضى، البعضُ بعناءٍ كبيرٍ ليقدّموا التحية العسكرية مرتبكين . خمس أو ستّ نساءٍ نهضْن أيضًا، ورفعْن أيدِيهنّ فوق رؤوسهنّ المنحنية كأنهنّ يطلبْن العفْو. رأى جاك في نظرة هؤلاء الخشية، والريبة بوضوحٍ .

ترتدي مجموعةٌ من الرجال برانسَ ترابية اللون، بشرتهم سمراء، قسماتهم تنمّ على شراسة طبعهم، عيونهم ملتهبة تحجبها نِقابات وسخة بالية ؛ أمّا النساء فأكثر سُمرة من الرجال ..المُسنّات منهن اللاتي فقدن معظم أسنانهنّ، وجوههنّ مجعّدةٌ، تحملْن فوق رؤوسهن ضفائر كثيرة من الشعر الأبيض المصبوغ بالحنّاء، وأخرى من الصُّوف الأحمر، وحلقات، ومناديل ..الصبايا قسماتهنّ بارزةٌ متناسقة، شهوانية، سُمرتهنّ داكنة، والعيون واسعةٌ يبدو عليها الحذر، تكسوهن على الطريقة العتيقة مَلْحفاتٌ زرقاء داكنة كأنها سوداء.» ( من قصة النقيب ..ص 65 – 66) (8)

ما يُستشفُّ من الفقرتين السالفتيْن جمالية السرد، وتواتر حركة الشخصيات، وتشخيص معاناة الأهالي من المرض أوّلاٌ في الظاهر، وثانيا التعبير بالحركات الجسدية عن الشعور بالدونية، والخضوع، وتقديم الولاء ظاهريا رغم المرض، وأمارات الفاقة التي تنهش أجسادهم، كل ذلك في لوحة تراجيدية تماهت فيها الشخصيات مع بصمات الصحراء : ( برانس ترابية اللون، بشرتهم سوداء، النساء أكثر سمرة من الرجال…)

الخاتمة

وفي أكثر من موقع من قصص المجموعة يبدو ارتباطُها بدقّةِ ملاحظاتها للحراك اليومي للناس، وبالتواصل الاجتماعي معهم، وهنا في رأيي تتّضح رسالة الأديب الفنان لتمكُّنهِ من أدواته، فيعرّي المجتمع من زيْفه، ويكشف تناقضاته، ويفضح سلوكات الكثير من أفراده من خلال شخصيات النصوص السردية، وقد نجحت إيزابيل في هذا نجاحًا كبيرًا ممّا يجعل المتلقّي يقف مندهشًا حيال تلك السلوكات، أيشفق على تلك الشخصيات؟ أم يُدينها ؟ أم يُدين المجتمع؟ أم يدين المستعمر؟ أم يدين المتعاملين معه؟

الاشتغال في الإبداع السّردي يحتّم في بعض الحالات على الكاتب المبدع الخوض في دقائق حياتية إنسانية عميقة، ومواضيع راهنة حارقة، أو ماضية فلتت من أصابع الزمان تغيب عن عيني الإنسان العادي في وعاء لغوي جذّاب ..في شعرية لغوية ممتعة، وأداء تشكيلي جمالي.. فيعيد لها الكاتب المبدع ألقها، وحياتها، وقد تتماهى هذه المنفلتة بما هو راهنً في النصّ المُبْدع ..فلكي نبدع سرديا وشعريا، فإننا ننشئ حدثًا أسلوبيا يتخطّى المعيار الكلاميّ السائد.

 

بقلم: بشير خلف

..........................

المصادر والمراجع

(1)  أ . محمد بن زيان: في السرد والصحراء . يومية الجزائر نيوز ليوم : 04 فيفري 2013

(2)  غالب ھلسا :المكان في الرواية العربية عن كتاب الرواية العربية واقع وآفاق، دار ابن رشد للطباعة والنشر .ط1،(د ت)،بيروت،ص 111

(3)  المرجع السابق .ص 209

(4) – عثمان بدري، وظيفة اللغة في الخطاب الروائي الواقعي عند نجيب محفوظ، دراسة تطبيقية، جامعة الجزائر، معهد اللغة العربية وآدابها، 1996، 1997م، (رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه.)، ص: 92.

(5) – عبد المالك مرتاض : تحليل الخطاب السردي، ع، س، ص: 264.

(6) – عبد الحميد المحادين، التقنيات السردية في روايات عبد الرحمان منيف. ص: 54. المؤسسة العربية للدراسات والنشر والتوزيع. 1999

(7) – عبد المالك مرتاض في نظرية الرواية ..بحث في تقنيات السّرد. ص: 295. سلسلة عالم المعرفة . الكتاب 240 ط1  1998

(8)  إيزابيل إبراهاردت : مجموعة قصص . ترجمة : أ. ميهي عبد القادر. دار الثقافة لولاية الوادي، رابطة الفكر والإبداع بالوادي . ط1  2009

من هي إيزابيل إبراهاردت ؟

- هي كاتبة رحّالة من أصلٍ روسيٍ ولدت سنة 1877م في سويسرا من أمٍّ روسية تُدعى ناتالي إبراهاردت حرم موردر، وأبٍ مجهولٍ بالقرب من جنيف.

- قدمت أول مرة إلى الجزائر سنة 1897م واستقرّت مع والدتها في عنابة.

- وفي سنة 1899م عادت إلى الجزائر، ورأت لأول مرة وادي سوف، فأُعجبت به وكتبت عنه خاطرة أسمتها ” المغرب “

- وفي سنة 1900 أقامت هذه الكاتبة الرحالة مدة سبعة أشهر بوادي سوف قبل أن تُطرد من قِبل السلطات الفرنسية بتهمة إثارة الشغب، بعد محاولة اغتيالها بمنطقة ” البهيمة ” خارج مدينة الوادي.

- تعرّفت الكاتبة على سليمان هنّي، وهو عسكري من الأهالي، وتزوّجته. اعتنقت الدين الإسلاميّ على يد أحد شيوخ الزوايا، واتّبعت الطريقة القادرية.

- أحبّت الكاتبة الجزائر، وكتبت عن معاناة أهلها من تعسّف الاستعمار الفرنسي الشيء الذي سبّب لها كثيرا من المتاعب.

- تُوفّيت هذه الكاتبة الرحّالة سنة 1904 إثر فيضان واد عين الصفراء بالجنوب الغربي الجزائري.

في الأشهر الأخيرة من حياتها أقامت ايزابيل في قرية عين الصفراء الموجودة قرب الحدود المغربية الجزائرية . توفيت في فيضان طوفاني في عين الصفراء يوم 21 أكتوبر 1904.

كانت تقطن بيتًا مأجورًا مع زوجها، وانهار البيت الطيني في الفيضان. كان عمرها 27 سنة فقط . وجد عناصر الجيش الفرنسي، والذين كلّفهم الجنرال ليوطي بعملية الإنقاذ، وجدوها ميتة غرقا تحت انقاض بيتها، وكانت تمسك بيديها مخطوطا كبيرا هو عبارة عن كتاب ” تأملات وملاحظات ” خطّت فيه مسارها، ومسيرتها القصيرة الحافلة بالأحداث، وعنونته ب”المتسكع”. توفي زوجها سنة 1907.

عبد القادر ميهي مترجم ومهتمّ بكتابات إيزابيل إبراهاردت

1 - عودة العاشق المنفي

بعد المقدمة والتمهيد والإهداء قسّم المترجم مضمون الكتاب إلى أربعة أقسام:

 يوميات للرحالة إيزابيل إبرهاردت.

 المراسلات الشخصية.

 كراريس التشرّد.

 القصص القصيرة.

2 - مجموعة قصصية أطلق عليها ” تاعليت ” عنوان قصة من قصص المجموعة.

3 - الطريق إلى قنادسة أو (في ظلال الإسلام الدافئة )

4 - يوميات (في إطار الترجمة).

 

 

احمد عواد الخزاعيسارد داخلي يروي مجموعة من الحكايات المترابطة، ربما يكون المتن الرئيسي لها مجتزئ من سيرة ذاتية، وتجارب مر بها الروائي في مرحلة استثنائية بكل تفاصيلها الاجتماعية والسياسية. في رواية (مواسم الثلج والنار) للروائي كاظم الشويلي والصادرة عن دار الورشة الثقافية، نجد ادب الحرب حاضرا بقوة متخذا عدة  اوجه، هي تمثلات الصراع السياسي والاثني الذي شهده العراق في الاربع عقود الماضية على المستويين الخارجي والداخلي، فبينما يعيش البطل مخاوف وارهاصات الحرب الطائفية الداخلية، التي حدثت بعد الاحتلال الامريكي للعراق 2003 نراه في نفس الوقت يسترجع ذكرياته المؤلمة عن الحرب العراقية الايرانية التي حدثت مطلع ثمانينات القرن الماضي، وقصة وقوعه في الاسر وتداعيات هذا الحدث عليه، مما يجعل منه الحدث المحوري للرواية، وهذا واضح من خلال العنوان الذي يعده النقاد متناً موازياً للمتن الرئيسي من حيث التأثير والدلالة (مواسم الثلج والنار)، فالمواسم كانت تمثل ايام الحرب التي خاضها في شمال العراق على سفوح الجبال، وسط الثلوج ونيران الحرب، وهو شاب يافع لم يتجاوز عمره التاسعة عشر، هذا الحدث المهم الذي عاشه الروائي في فترة حرجة من حياته اراد له منصة سردية كي يطل بها على الجمهور، فأتخذ رحلة بطله اليومية مع المهندسة وداد من ساحة عدن  في بغداد الى موقع العمل، مسرحا ومتنفساً للإفصاح عن هذه الجزئية من حياته الماضية، التي كانت اكثر جزئيات النص صدقا وتفاعلا وواقعية، لذا يمكن ادراج هذه النص ضمن مايطلق عليه ب(أدب الحرب) الذي شغل مساحة واسعة في الادب العالمي شعرا وسردا، لما يمثله من عملية جلد للذات تمارسها الشعوب منذ الازل اتجاه ماضيها، للاستفادة من الدروس القاسية التي تخلفها الحروب، حتى عد بعض علماء الأنثروبولوجيا بأن الرسوم الموجودة على جدران الكهوف للإنسان البدائي كانت بواكير هذا الادب المهم، ووفق هذه  الرؤية التوصيفية، فأن ادب الحرب مهمته، يسلط الضوء على حقب تاريخية عاشتها الشعوب في ظل ظروف استثنائية وعصيبة ولدت أنماط حياتية مغايرة للمألوف، وفرضت على الإنسان واقع لا مناص من مواجهته والتأقلم معه سلبا أو إيجابا، وأصبح فيما بعد جزءا مهما من تاريخ الإنسانية.. لذا فأن الخوض فيه، هو الخوض في الماضي، الذي عبر عنه جورج اوريل بقوله (من يتكلم في الماضي يمسك المستقبل).

يبدئ النص بقصة يرويها السارد الضمني البطل (كاظم الشويلي) الذي عرف نفسه، بأنه موظف بسيط في احدى دوائر الدولة العراقية، يمتلك اسرة صغيرة تمثل كل وجوده وركيزة لديمومة عطائه، وفي موازاة ذلك، فهو كاتب مقال وقاص وروائي وناقد، يقع هذا الانسان العراقي المثقف في مفارقة اجتماعية حملت حساً كوميدياً، حين طلب منه رئيس العمل، التكفل بمهمة نقل المهندسة (وداد) من ساحة عدن في بغداد الى موقع العمل والعكس، في خضم الحرب الطائفية التي شهدها العراق، ومحاذيرها الامنية وتأثيراتها النفسية السلبية، ومن خلال هذه الرحلة اليومية يتعرض البطل الى مجموعة من المواقف، غلب عليها طابع الصدمة والدهشة والكوميديا السوداء، والمفارقات الحياتية، بعد ان يقع في حب وداد دون الافصاح لها عن ذلك، وصموده امام اغراءاتها، بسبب حبه لزوجته واسرته، مستغلا وجودها معه ليقص عليها حكاياته التي ارتبطت بالحرب والأسر وزمن لم تعشه، سوى بمخيلة الطفولة وذكريات بعيدة مشوشة.. ليقرر بعدها التهرب منها، وانهاء علاقته بها، وتسخير معظم وقته لأسرته وللقراءة وكتابة النصوص الادبية، الا ان الروائي قد  جعل خاتمة الرواية مفتوحة عائمة،  حين استبدل البطل علاقته الواقعية مع وداد، بعلاقة افتراضية عبر الفيس بوك مع فتاة من جنسية عربية.

اهم مرتكزات النص:

اولاً- البعد العضوية: تعد مواسم الثلج والنار من الروايات (العضوية)، لأننا نلمس حضور الكاتب فيها بكيان شخصيته ودلالاتها الحسية، وهذا بدا واضحا من خلال استخدام اسمه الصريح (كاظم الشويلي) وكنية زوجته ( ام علي)، وذكر جزء مهم من تفاصيل حياته الخاصة وميوله الادبية، مما اعطاها بعداً واقعياً انطباعياً، اضافة الى احتوائها على عدة تفاصيل دقيقة بالرغم من محدوديتها، مثل (اسماء اشخاص، اسماء اماكن، تواريخ ) اضافة الى وجود تشظي مقنن، مثل ذكر تفاصيل عابرة غير مؤثرة.. لكن النص بمجمله حمل خصوصية في سياق بنيته الثقافية والاجتماعية والتاريخية المهمة التي كتب فيها، وتميز بهرمية حكائية تقليدية متزنة.

ثانياً- اللغة: استخدم كاظم الشويلي لغة سهلة مرنة  خالية من المفردات المقعرة والتراكيب اللفظية المعقدة، مع قدرة عالية على السرد والاسترسال في تصوير الاحداث وروايتها دون وجود توقفات زمنية الا ماندر، مع استخدام بعض الانزياحات مثل (الآيات القرآنية، والقصائد المغناة). حيث تكرر تلاوة واستحضار الآيات القرآنية  بصورة ملفته في النص، في الحوارات والمنلوجات الداخلية، كدلالة على الاجواء الايمانية التي تأطر حياة البطل وهو يعيش في كنف اسرته، واشارة متوارية لحسه الديني، الذي كان حاضرا في مفاصل مهمة من النص، وكذلك استخدام القصائد المغناة من خلال مذياع سيارته، وترديده لهذه الاغنيات بصورة متكررة مع وداد، والتي عكست التركيبة النفسية والمزاج العام للبطلين اثناء رحلتهما اليومية الى العمل.

ثالثاً – التضمين: احتوت (مواسم الثلج والنار) على عدة قصص وحكايات ضمنية كان الهدف منها تعضيد قصدية النص، والافصاح عن الوجه الاَخر للحرب وماَسيها، مثل قصص (الرفيق الحزبي مقصود وادي، جارتهم سعدية اليتيمة، صديق البطل في الحرب ياسر) تشعبت هذه القصص، ارتبط بعضها بصورة مباشرة بالحدث الرئيسي للنص (وقوع البطل  في الأسر)، مثل قصة الرفيق مقصود وادي، واخرى انفصلت عن هذا الحدث المحوري، لكنها بقيت مرتبطة بأجواء الحرب، مثل قصة (ياسر) الذي دخل الى حقل الغام املاً منه ان يعاق ويعفى من الخدمة العسكرية، فأنتهى به المطاف مقتولا مقطعاً الى اشلاء، وقصص اخرى ابتعدت عن اجواء الحرب لكنها ارتبطت حسياً معها من حيث واقعها الاليم ونهاياتها المأساوية كقصة (سعدية) الطفلة التي تعيش تحت وطأة زوجة الاب وظلمها لها ولأخيها الصغير.. لقد وفق كاظم الشويلي بالتقاط مثل هكذا صور اجتماعية حياتية، وتضمينها داخل نصه، لزيادة التأثير الحسي لدى المتلقي، وجعله اكثر تعاطيا وتفاعلا مع النص.

رابعاً - السرد الممسرح الظاهري: هيمنت تقنية (السرد الممسرح الظاهري) على اجواء النص، حيث اتخذ الروائي من علاقة بطله بالمهندسة وداد منصة سردية للإفصاح عن ما يود قوله، مستخدما تقنيات سردية موزاية مثل (الارتداد والاستذكار والاسترجاع، المنلوجات الداخلية، القفز).  سارد ضمني يحكي لنا جزء من يومياته، ثم ينتقل ليخاطبنا بصورة مباشرة في مقاربة مع مسرح (برشت) ازالة الحاجز الرابع الذي يفصل الابطال عن الجمهور (لن تصدقوني اذا حكيت ماذا جرى في ذلك الصباح، حدث امر غريب... صدقوني لم ولن اضحك على الذقون، سوف ابوح بكل اسراري... سوف اعود الى الوراء قليلا، اسمحوا لي، اقصد قبل ان تصعد المهندسة وداود سيارتي هذا الصباح).. لكن المتن الرئيسي للرواية يتم من خلال سرد ممسرح ظاهري، حين يقص البطل كاظم على وداد، حادثة وقوعه في الأسر، حكاية (مواسم الثلج والنار).. لذا كان زمن الرواية (زمن متعدد الابعاد) فهناك زمن (الخطاب) وهو خطي اَني، يمثل الحاضر الفعلي، زمن سرد الاحداث ووقوعها اللحظي في النص.. وهناك زمن اَخر فرض نفسه على النص هو ( زمن القصة) قصة وقوعه في الأسر، التي مثلت الركيزة التي تعكز عليها النص.

 

احمد عواد الخزاعي

 

 

اسامة غانمناقد: تحفر رواية "عطش الحمائم" (الهيئة العامة لقصور الثقافة – 2013) لــ ابراهيم سليمان نادر عميقا في الذاكرة التاريخية الفردية بعين طفل – رجل، كونها الوسيلة التي تصِلُنا بالماضي وتعيد حكاية هذا الماضي وربطها باللحظة الراهنة بغية القاء الضوء عليهما، وكشف العلاقات الحميمية لشخوص مسحوقة تحت ثقل عجزها الخاص، وبين رغبة الانفتاح على العالم، المتّشْكل من: الآخر، المدينة / الموصل، النهر/ دجلة، معانقاً ايضاً السير ذاتية والتخييل، وعليه يجب ان تكون قرأتنا للرواية قراءة نص ذاكرة، حسب تعبير الناقدة البريطانية كيت ميتشل، بمعنى انها تشكل بفاعلية افعال الذاكرة الثقافية بدلا من كونها مجرد رواية او بديلاً منافسا لصيغة السرد التاريخي .

وتبقى الرواية الى النهاية معتمدة وتستمد شخصياتها واحداثها من الذاكرة السير ذاتية المتكئة على الوعي الذاتي المتفتح على وعي معرفي - ثقافي، واقعة ما بين التاريخ العام والفردي، والذاكرة المكانية ، وهذا مما منح الرواية انسيابية التداخل ما بين الذاكرتين، والتلاحم في السرد، في صيغة الفعل الاسترجاعي للذاكرة، الموشومة بدهشة الطفولة، وشهقة الاكتشاف، متحولة الى "مصدر اولي من مصادر المعرفة بالذات وبالعالم والنص السردي، ينطوي على افقين: أفق التجربة، وهو أفق يتجه نحو الماضي، وأفق التوقع، وهو الأفق المستقبلي الذي يهرّب النص السردي، بمقتضى تقاليد النوع نفسه، أحلامه وتصوراته، ويوكل للمتلقي او القارىء مهمة تأويلها " 1 .

إن الابتداء بالكتابة عن ماضي الطفولة، هي كتابة ومفارقة عن الحاضر في الوقت نفسه، واعادة تشكيل هذا الحاضر من خلال ايجاد " اشكال ابداعية مبتكرة للإيفاء بمتطلبات علاقتنا المتغيرة دوماً مع الماضي وموضوعاته المؤثرة في الحاضر البشري " 2، وهذه العلاقة المتغيرة والمختلفة ما بين الماضي والحاضر ما يجعلها مدهشة لنا، بالإضافة الى ان ذاكرة الراوي تبقى في حالة اندهاش واكتشاف عند مواجهة الحياة، وهذا ما نشاهده منذ السطور الاولى للرواية، حينما يضع الراوي العليم / الطفل نفسه في مواجهة دهشة اكتشف الجسد الانثوي، وهو ابن العاشرة من عمره، ورؤيته لتفاصيل جسد ام علي العرافة، الممتلئة الاطراف، وفخذيها المنتفضان بالشهوة والغواية والاغراء، المرأة التي لا ترد للسائل طلب، وذلك لأنها تقطر شبقاً:

" كنت اقهقه حينها بعد ان كشفت فعلته الشنيعة، لقد شاهدته بأم عيني قبيل دقائق من خرم الباب، يعتلي المرأة ( العرافة)، ويهتز فوقها مثل بندول الساعة . كانت المرأة تتأوه من تحته، الرواية ص 13 " .

إن البيوت الشرقية في الموصل، بيوت قديمة ذات فناء (حوش) واسع ومكشوف للشمس وللمطر وللريح، تكون متلاصقة الواحدة مع الأخرى بحائط واحد، مما يسهل عبور المرء وخاصة الاطفال على جميع الاسطح بكل سهولة، وتمنح هذه اللعبة المزدوجة الاطفال لذة الرؤية / الاكتشاف، بينما تمنح النسوة متعة استعراض اجسادهن المكشوفة عندما يسترق الاطفال النظر اليهن " مما يجعل النسوة الذاهلات، اكثر جوعا الى الشبق والنشوة، إلا أنه لذيذ وممتع، لذلك كن ينصرفن الى الولاويل الكاذبة، الرواية ص 15 " .

ويبقى البطل اللامسمى (الى نهاية الرواية لم نعرف اسمه، وهذه دلالة رمزية مقصودة من قبل الروائي) ضائعاً، لاهثاً، بين صحراء الحلم والتساؤلات المعلقة، في الازمنة المفتوحة المتداخلة، وبالذات علاقته المشبوبة بالتيه مع العرافة، وفقدان بوصلته للوصول الى الفنارات المضيئة " متى تعود الى رشدك وتتذوق طعم شهدي الابيض الذي يتمناه كل رجل – الرواية ص 42 " ، يبقى معاندا رغبته واشتهاه لها، وهي في ملابسها الداخلية " التي لم يذكر لونها لكي تحفز مخيلة المتلقي "، ويبقى للأخير مفتتن ومرعوب من جسد المرأة، حيث يصل به الحال الى ان يتصور بان العرافة " ربما تتساءل هي مع نفسها الان (من منا يسكن الآخر ؟، من منا يروي عطش الآخر ؟!)– الرواية ص 43"، العطش هنا اخذ منحى آخر، ومعنى آخر، في استعارته للارتواء، حيث جاء هنا بمعنى حاجة الجسد / المرأة للجسد / الرجل للتفاعل والاندماج، مثل ليلى المتمردة " تمارس الحب مع من تريد وتهوى، مجرد إرواء عطش – الرواية ص 39 " . فمعنى العطش هنا مجازي، ولكنه يكون قريب من معناه الواقعي، فالاثنين بينهما قاسم مشترك هو الماء، وهذا ما ذهب اليه الروائي في عنوان الرواية " عطش الحمائم "، وباستطاعة المتلقي المْفّلي للنص ان يستدل على المقصود بالحمائم، فالفصول الاربعة كانت تعني كما يلي: حمامة أولى = العرافة، حمامة ثانية = ليلى، حمامة ثالثة = سمية، حمامة سابقة = السيدة الثرية، وهن الشخصيات الرئيسة في الرواية المتكونة من عشرة فصول .

اما المرأة الأخرى التي حين يلمحها تجعله يكتشف ابجديات جديدة للعالم فهي سمية ابن الحاج احمد الحلواني، حلمه غير المكتمل، او حبه الميتافيزيقي، الرابض في هواجسه الحلمية الليلية، رغم انه اطلق عليها " الرغبة المستحيلة – الرواية ص 51 "، او الرغبة المقموعة . ونتيجة لهذا يحول الرسائل المدفونة فيها مشاعره المضطربة الى الجريدة عوضاً عن ارسالها الى سمية " وتبين لي انها قد مضت في الطريق الذي يجب ان تسير عليه، فتحولت عشرات الرسائل تلك الى مشاريع حكايات كانت لى الجرأة في ارسالها الى (الجريدة) ذاتها – الرواية ص 53 "، وبها يعلن لنفسه بانه يوما ما سيصبح قاصا مرموقاً، رغم رأي استاذ اللغة العربية بانه "عقيم وأجهل كيف تكون الكتابة الفنية – الرواية ص 52 " . ولكن هذا الوهم يبقى ملتصقا به ولا يغادره الا بعد ان يخلف دبيب الشهوة المستعرة " اربعون عاما وانا احث الخطى خلف وهم خاطف، مر بي وغادرني الى الابد . خلف دبيب الشهوة المستعرة التي هي الموت – الرواية ص 134 " .

ومن خلال صديقه فوزي نتعرف على السيدة الرابعة , السيدة الثرية كما يسميها الراوي، وحكاياتها مع عشاقها، او مع الموعدين من نصيبها، فالنصيب هنا هو فرجها كما تسميه هي " – تعال وخذ نصيبك كما وعدتك، الرواية ص 61 "، وبقدرة عجيبة تصبح السيدة الثرية ملكا جنسيا لـــ فوزي الغريب في فكره وفعله ودهاء مكائده مع منحه مبالغ مجزية مقابل ذلك: " اقتربت من الباب المسدود واخذت اتلصص من ثقب الباب . كان الاحدب قد اعتلى السيدة وراح يهتز فوقها ومؤخرته المجعدة القبيحة ترتعش مثل فحل الماعز وتتراقص بصورة مضحكة كمن اصابته حمى مفاجئة، او غثيان او هلوسة . بقيت الهث مع لهاثه، لكني لم احتمل ما يجري، رفست باب الغرفة بعنف – الرواية ص 61 ".

تجادل الناقدة كاي ميتشيل Kaye Mitchell ان مجموعة من الموضوعات الجنسية المكشوفة ( البورنوغرافية ) ذات الاهمية البالغة للحبكة في الرواية يتّم اعادة استخدامها " كتاريخ للمتعة والبهجة الانثوية عوضا عن كونها وسيلة لتشييى النساء وحصرهنّ في زاوية ضيقة وإساءة التعامل معهنّ " 3 .

ونحن نتساءل بدورنا، هل نساء ابراهيم سليمان نادر وقعن في خانة التشيى ام ماذا ؟ رغم ما جاء على لسان البطل اللامسمى: (ليلى ...سمية ... ام علي العرافة ... السيدة الثرية) . كلهن فروع لجذر اخر الا " سمية " فجذرها له صلة بالعالم السماوي، وبقية الجذور ينخر احيانا فيها الدود – الرواية ص 81 "، هذه الرؤية لمن تعود هل هي رؤية الروائي ام الراوي ؟ ساترك معرفة ذلك للمتلقي ! .

ونبدأ بالتعرف على جسد المدينة الملهمة للخيال، خيال الراوي العليم و المتلقي في آن واحد، فأول ما يفتتح به الرواية هو وصفه المكاني لـ حيه وبيته " على ربوة تطل على ضفاف نهر دجلة، كان يقع حينا العتيق . بيوت قديمة جدرانها من الجص والحجر – الرواية ص 9 "، بل يصل الحال به الى ان يتغزل بقباب مسجد شيخ الشط وكنيسة مار يوسف السابحة في اشعة الشمس الغاربة وقت الغروب، ووصفه لسوق الطيور الموجود ضمن سوق الاربعاء وسط مدينة الموصل، وكلما نتوغل في قرأتنا نتوغل في جسد المدينة وازقتها المتشعبة واسواقها: سوق العطارين وسوق الشعارين وسوق النجارين، ويبقى مؤمن بان " مدينتنا اجمل المدن "، المكحلة بذكريات اشورية ورومانية واتابكية، وجدائل اسلامية، انها الموصل الحدباء، الى حد يصل به ان تكون هويته هي هوية الموصل الزاخرة بكل الذكريات الموجعة " منذ مدة وانا اهرب من رؤية بعض الامكنة والازقة التي تواجهني بذاكرة حزينة . لقد هربت . لم اكن اريد رؤيتها كشجرة منخورة، ولا اريدها ان تعيدني الى الوراء والامام قبالتي . ستضعني في المفرق الصعب، وسأقارن وسأضيع، لأ نني اخشى ان اكون بلا تراث ... بلا هوية – الرواية ص 81 "

اما علاقته الحميمية والعميقة بعمق ذكرياته والتي تكونت منذ اول لحظة عند نزوله للعالم، فهي نهر دجلة ومدى تلاحمه معه " كنت احس ان النهر يجري في داخلي – الرواية ص 80 "، بل هما متلازمين، متداخلين، متحدين، لا يستطيع واحدهما ان يستغني عن الآخر، حتى ضفافه تصبح " رمزا للحب وكتم الاسرار – ص 109 "، حتى يصبح دجلة مقياسا له " حين يكون قبالتي، اراه دائما إلها غريبا ومجنونا ومتجددا، لهذا كنت ابارك يومي بالتأمل اليه، لقد احببته بعمق كما احببت سمية – الرواية ص 115 "، ويتعامل معه كصنو له، اي الند للند، وهو الوحيد الذي يشعره بالحياة، واموره الشخصية " انا الان في حضرة النهر، والنهر وحده يمنح معنى لوجودي، ولن اجد بالتاكيد من يسمعني الا هو وحده – الرواية ص 134 "، وهو الذي يهرب اليه من نفسه ..

إن الكاتب يحقق ذاته ويحقق وجهة نظره ليس فقط داخل السارد، وداخل خطابه ولغته، وانما كذلك داخل موضوع المحكي، ومن وجهة نظر تختلف عن وجهة السارد . وراء محكي السارد، نقرأ محكيا ثانيا: هو محكي الكاتب الذي يسرد نفسه ما يحكيه السارد، والذي، بالإضافة الى ذلك، يرجع الى السارد نفسه " 4، وفي رواية " عطش الحمائم "، يكونا المحكيين متواجدين، محكي السارد ومحكي الكاتب، بل وان كل لحظة من المحكي تكون واعية واضحة على صعيدين: " صعيد السارد، وحسب منظوره الغيري، الدلالي والتعبيري، ثم على صعيد الكاتب الذي يعبر عن نفسه بطريقة منكسرة داخل ذلك المحكي " 5، بل احيانا يتداخل المحكيين، وبصعوبة نفرق بينهما:

"يقع الحي الذي اقطن فيه على ربوة عالية تطل على نهر (دجلة) – الرواية ص 16 " .

" كل هذه الامور كانت تشفع لي وانا امارس هوايتي المحببة الى نفسي (تربية الحمائم) – الرواية ص 21 " .

" كنت احس ان النهر يجري في داخلي – الرواية ص 80 " .

" اشعر انني منفي داخل نفسي، منفي داخل رغبتي، منفي داخل عشقي للمدينة والنهر والحي والزقاق – الرواية ص 185 " .

الانا هنا تجعل المتلقي يضيع ما بين " انا " الروائي و " انا " السارد، فهل هي " انا" متداخلة، مندمجة ؟، ام هي انا الروائي فقط ؟، او هي انا السارد فقط ؟ عندئذ يكون المتلقي هو صاحب الرأي الاخير شئنا او ابينا، رغم تباين واختلاف وعمق المتراكمات المعرفية – الثقافية لكل متلقي .

ومما تتميز به الرواية هو كونها مليئة بالصور الحلمية المتخيلة في الحلم الليلي وفي حلم اليقظة، فالنوم " يفتحُ في الذات الحالمة نُزلاً على استقبال الاشباح، وفي كل صباح على الحالم ان يزيح كل تلك الخيالات، والظلال السيئة بمعونة التحليل النفسي، وطرد كل وحوش الظلام، أما تأملات اليقظة وما تُنتجه من صور تُحققُ الالفة فهي – كما يرى باشلار – لا تجلب الا الراحة، حتى وان امتزجت بالحزن، فإن ذلك الحزن هو حزنُ مريح "جذاب " يُعطي للذات وراحة الذات نوعا من التكامل " 6 .

وتغطي الرواية للبطل اللامسمى فترة زمنية طويلة، لحد الخمسين عام، تكون على شكل تداخل الذكريات والاحلام في تطريز اليوميات الوجودية المتعاقبة لحياته ...انها رواية سيرة انسان، مقذوف في مدينة اسمها الموصل، تحتضن نهر اسمه دجلة يشطرها الى شطرين ايمن وايسر، ملتصق بها، وملتصقة به ..

 

أسامة غانم

.........................

الهوامش والاحالات:

1- الوجود والزمان والسرد: فلسفة بول ريكور " – ترجمة وتقديم: سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء / بيروت، 1999، المقدمة ص 31 .

2- الرواية المعاصرة: مقدّمة قصيرة جداً – روبرت إيغلستون، ترجمة وتقديم: لطيفة الدليمي، دار المدى، بغداد، 2017، ص150 .

3- م. ن .ص 126 .

4- الخطاب الروائي – ميخائيل باختين، ترجمة وتقديم: د . محمد برادة، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2009، ص 149 .

5- م . ن . ص 149 .

6- الذاكرة والمتخيل: نظرية التأويل عند غاستون باشلار – د . أحمد عويّز، دار الرافدين، بيروت 2017، ص 49 .

 

انعام كمونةليلى الطيب في نصيها: "فستاني وأحمر شفاه" أنموذجاً

- خلاصة: تكاد تكون المفردة الشعرية للمرأة فيما مضى مفقودة أو شبه مفقودة بزمكانية متغيرة، ولنلاحظ ان معظم الشعر العربي القديم هو للرجل كون طبيعة العيش كانت محض ذكورية، وان كانت لبعض الشاعرات القلة مثل الخنساء ما هو إلا رثاء وبكاء ولن تتطرق أي شاعرة لمقتنيات تخصها أو توظف مفرد فسلجية لغرض توصيل فكرة معينة، وهنا أشاره واضحة لإلغاء معاناة المرأة كإنسانة تعبر عن وجودها عبر وعي التخيل لكل احتياجاتها المادية والمعنوية، تبثهُ تأملا وخيالا ورؤيا عن طريق أجناس الأدب والأخص قصيدة الشعر، ولهذا يعتبر اجحاف بحق المرأة ان نقارن مفردة المرأة الشعرية بمفردة الرجل الشعرية خاصة في تناول مقتنيات المرأة أو من كينونة خلقها كأنثى للتعبير الأبعد عن الدلالة لتثبت هويتها الإنسانية برؤية تأملية عبر افتراضية للإلهام والتأمل بإدراكها الحسي...

- تمهيد

- رغم جدلية الاختلاف والاتفاق على ما يسمى أدب المرأة أو الأدب النسائي وأيضا أدب الأنثى،ولكل من وقف على الحياد أو من تمرد بالرفض على التميز، يبقى مستوى الأبداع منوطا بين ما يكتبه الرجل أو المرأة هو الحصيلة النهائية والركيزة الأدبية المهمة للأثر الموضوعي والخطاب الذاتي لنقل قضايا وهموم المرأة بانفعال مؤثر وأسلوب جذاب متميز الصيغة محققا غرض الفكرة، و بإشباع الرؤيا من مشارب الحياة وروافد إشكالياتها المتغايرة تختلف وجهات النظر أو تتشابه، يبقى النقاش محور القصد اجتماعيا وثقافيا متضارب الرأي،ويبقى جنس الخلق بالتغاير الفسيولوجي بما تتطلبه مهام الحياة بطبيعة التواجد بين ذكر وأنثى ...

- وتنعكس خصوصية الكتابة بتباين أو تشابه الآراء ضمن مستوى الانفعال ومدى التأثير النفسي على فكر الكاتب ودرجة ثقافته نظرا للتعايش الدائم بنفس المحيط والمؤثرات، فكثير من الأدباء كتبوا عن أحاسيس المرأة بعمق وجدانها ملامسة لمعاناتها كما تجلت في قصص نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس وغيرهم، جسدوا خلجات ما تشعر به كما لو كتبت كثير من الكاتبات مثل أمينة السعيد، وسهير القلماوي وغيرهم على سبيل المثال لا الحصر، وبهذا يجدي الاعتقاد أن مبدأ التصنيف هو لتشويه فكر المرأة وعزلها بحدود التهميش كأدب نسوي مالم يخص قضية ما للمرأة برؤى إنسانية دون حكر الأدب وتصنيفه على ذكر أو أنثى رغم فرض التعتيم، على ان لا يمس ما أعتبر اهتمام بفكر المرأة بعد اهمالها لعقود كثيرة....

-  لست بصدد التشعب بخصوصية الموضوع العام، بقدر خصوصية الإشارة لطبيعة مشاعر المرأة الإنسانة لكل ما يحيطها، تلامسه بعمق غير مألوف، فحين تتأزم مشاعر الذات الصادقة تكمن روح الاسترسال العفوي في لذة التأمل وتنهمر من اللاشعور معبرة بدقة عن رومانسية أحاسيسها الرقيقة بسيكولوجيا وجدانية من تراكمات انفعال العواطف تختزن في اللاوعي، (من شعور بالألم والإحباط في توجهات الميول وقصور بعض من رغبات فطرية وضغوط اجتماعية ضمن أعراف وتقاليد متهالكة ضد جنس المرأة وفكرها وفسلجتها واحاسيسها.. وغيرها)، توحي بمكنون النفس عن تجربة ما، فتتفجر طاقات شعرية بقدرة تطويعها لمحاور رؤى وتنغيمها لغة تمرد رغم وجودها المختلف في بيئة الواقع، فتبوحها المرأة بطبيعتها الرومانسية أكثر جمالا من طبيعتها المتداولة فتتحول لعلامة متميزة لها صفات أنثوية خاصة ببنية رمزية تضيف سيميائية مركزة للعنصر بالاهتمام الذاتي تغتني بسيميائية موحية موشاة بسعة الخيال ....

-  ارتأيت الاختيار لبعض قصائد نثر مختلفة العناوين، بصيغتها الحداثوية، ترتكز على سيميائية عتبات جوهرية لرموز أنثوية بدلالات شخصية مرتبطة بطبيعة المرأة وخصوصيتها، والتي تعكس رهافة أحاسيس المرأة بسحر تناولها للتعبير عن عمق الشعور متحررة من قيود تقليد او تناص المفردة النسوية المعتادة، ونظرا لاختلاف مقتنيات المرأة عن مقتنيات الرجل، بدون فرض عنصرية بل بطبيعة خلق كونية مستمرة الوجود لذا لا جدوى للمقارنة بين مفردات شعر الرجل والمرأة،لأن توظيف مفردة من مقتنيات المرأة تختلف عن مفردة مقتنيات الرجل على صعيد ما تشي به المفردة الأنثوية من دلالة غائرة بدال مألوف اللفظة فمثلا دلالة الفستان أو قلم كحل، لا يمكن ان يوحي بميزة معبرة لرجل لأنها موسومة بهوية أنثوية مميزة بكينونة وجود فطري متجذرة الأصول محالا لنكرانها، ومنه يتجلى واضحا أنه من خلال توظيف الشاعرة لمفردة ما من الممتلكات النسائية ومنحها دلالة معينة تخص قضية أو تجربة ما بتركيبة معينة تعبر عنه بمخيال شعري لصورة شعرية معينة أو انزياح يهبه التعبير عن المعاناة فهذا ما يسمى بالأدب النسوي وهو أدب مستقل يمثل قضية تخص حياة المرأة للاختلاف الكبير عما يعبر عنه الرجل كمفردة تشي لنفس الغرض...

- وبملاحظاتي المتتابعة لعدة نصوص لشواعر اتقن استخدام المفردة النسوية وتطويعها لغويا بمقدرة شعرية لتصوير حالة شعورية ما، أخترت مبدئيا من نصوص الشاعرة ليلى الطيب بما تتناوله بطبيعة أنثى ترسم صورها بإحساس امرأة، لتكون تجربتها الشعرية (أنموذجا) لما تكتب بتذوق عن هوية أحاسيس الأنثى بتوظيف مقتنياتها وممتلكاتها الأنثوية ومفردات جسد الأنثى...

- ونظرا لقلة استخدام هذه المفردات وندرة تطبيقها وتداولها كرموز والتي تعكس رهافة أحاسيس المرأة بسحر تشكيلها الفني كأدوات للتعبير عن عمق الشعور، قد يظنها البعض رؤى جريئة لكن طبيعة الوجود البشري تفرض تحقيق التعامل الإنساني بأدراك الذات الموضوعي عبر موسوعة الأدب لتتناوله الشاعرة كرسالة أدبية وثقافة اجتماعية بسمات تخيل تصوغ دلالة المفردة المحاكية لخلجاتها، وتعبر بواسطتها عما تتركه خلفيات وهواجس وسلوكيات الجنس الآخر من أثر في أعماق أنثى أثر تجربة عاطفية بمحيط مجتمع متكتم، لتجسيد كَم المعاناة للمشاعر الإنسانية حين تمنحها المرأة ثقةً بالرجل ويسئ تقييمها بسهولة تغاضي ولامبالاة بتجريح ...

- وقد أتقنت الشاعرة ممارسة التلقائية بملامسة تفاصيل صغيرة لمقتنيات حياة المرأة، قد يعتبرها البعض كمالية الا أنها في الحقيقة جوهرية بتذوق نفسي وشخصي تلامس كل تصرف ومشاعر أنثى يأي زمان ومكان، فالشعر خطاب واعي، واستدراك علاجي لبعض قضايا المجتمع بتأثر واعي لموضوع انساني،وقد ذكر عن رواد قصيدة النثر وأعضاء تجمع (شعر) فيما يخص مفهوم الشعر (هو جعل الشعر قضية مستقلة ونقله من اعتباره انفعالا او وصفا أو حكمة الى اعتباره رؤيا في الإنسان والوجود تستشف العالم وترسم ابعاده) لذا نلاحظ ان الشاعرة ليلى تتطرق لقضية اجتماعية وانسانية عميقة المشكلة بخيال معاصر يتماشى مع حداثة الحياة، تتناول الموضوع بمفردات شجية الأحاسيس وطاقة إيحاء تشع فيض دلائل، تدوفها برومانسية تعابير تحمل في طياتها مغزى عميق تتعدد تجلياته للقارئ...

- والتي تتميز برموز بسيطة معنوية الخصوصية لذات حاضرة الأنا المتأثرة برومانسية الخيال وشاعرية الإيحاء عميقة القصد مألوفة التعبير مختلفة التقليد بإيماءة انثوية رقيقة التلميح عميقة المضمون، تُشحن بوحها بأسمى الأحاسيس وتبث منها ذخيرة دلائل تشي بروح الإنسانية وما جبلت عليه الأنثى من مشاعر وأحاسيس تندرج بغزارة الحنين ضمن طبيعتها الرقيقة، من خلالها ممكن أن تعبر عن لواعج الحب بتماس يقترب مع كل أشياء حياة المرأة المعنوية والمادية،وهي نمنمات صغيرة قد لا تلفت اهتمام الرجل ولا تعبر له بمغزى معين لكن للمرأة تعني الكثير لتستخدمها رمزية بعيدة الإيحاء فلا استغراب أن تشعر بها وهي تشاركها كل تفاصيل حياتها وهمومها وتعيش لحظاتها باللمس والهمس، فتحاورها بلوعة الحبيبة تسرد لها وتسرها ما يجول في خاطرها يوميا، لأنها تحاكي كل خلجات الروح من حزن وفرح وتقلبات الحياة فتكمن ملاصقة لإنسانية المرأة وهذا ما نقصد به قضية أدب يخص المرأة وبالتالي تنحو لإنسانية الموضوع ...

- ولنختار دراسة العناوين التالية المكللة برمزية جذابة وهو (فستاني)، (وأحمر شفاه) والتي تعتبر المعادل الحسي الذي يستثير الرؤى ويدعو الى التأمل بمفارقات أوجه التشابه والاختلاف، لنبحر في تفاصيل مضامينها...

- (فستان) مفردة تصرح من الوهلة الأولى بنغمة صوتية لمصطلح دلالي، انثوي ناعم الاشارة، له خصوصيته الرمزية المتغيرة بسمات الجمال واسلوب تذوق مختلف من امرأة لأخرى بجوهر تأثيره وتأثره نفسيا واجتماعيا، له كينونة مضمرة بروحانية عاطفية للمرأة على مر العصور بهوية خاصة جدا، و دلالة لها صيرورة دائمة غير متناهية لها علاقة بالمحيط الخارجي للشاعرة في حضوره الزمني والمكاني بما يخفي من دلائل من مرحلة لأخرى فتتجسد بكينونته طبوغرافية كل أنثى ...

-  و(فستان) كوحدة تعبيرية بمنظوره اللساني البسيط كمعيار حضاري للتراث لافت بأسلوب التجديد التي تنحو له سيميائية قصيدة النثر بتداول أشياء مادية بسيطة تجذب فكر المتلقي فتثير التفاعل العاطفي بما تخاطب شعوره الحسي بأسلوب ناعم جذاب وبوح رقيق فكل شئ للأنثى له سطوة الجمال والذوق والأناقة في فكر الرجل والأنثى ...

- ونلاحظ البنية بإضافة ياء المتكلم (فستاني) يكسوهُ معيارا لغويا بصيغة إنيوية التملك،وسيمائية تضعه ضمن آلية القصد فترقى لمصطلح تركيبي بمفهومه الدلالي ينقلنا لخصوصية الذات المتكلمة لتصبح غرضا قصديا وغاية دلالية بتلازم متكامل التعبير لوظيفة ادائية ضمن السياق التداولي، فنستذكر ما عبر هاليدي بقوله عن الدلالة "الدلالة هي ما يريد المتكلم أن يعبر عنه، فالمبتغى من العنوان ما تود الشاعرة أن تدلنا عليه من ظاهرة ملبس لعمق ما نسجت منه تناغم رؤيوي بعيد ...

- وقد اندمج المستوى التركيبي (النحوي) والمستوى الدلالي (المرجعي)،وبهذا تكون رؤى التداولية بما ندركه من دلالة اللفظ وما نستدل من معناه الغائر، فيكون التأويل غير مقتصر على معنى معين الا بسياق ترابطه بالنص وهذا يرسخ التفاعل في ذهن القارئ / والمتلقي فيبحث عن المزيد من قراءة النص بلذة الاكتشاف ...

- وبهذا وظفت الشاعرة رمزا بأبعاده التراثية لتوليد دلالات للتذوق الإنساني عموما، ولأنه يضمر بصداه أزمنة تاريخ تتسم بضبابية عائمة جماليا مختلفة بأجمال نسبي بدون تحديد نوع معين كزي أو لون لتختلف في ذهن القارئ من تراكم المعلومة بما يلائم هواه النفسي ومستواه العقلي وبعده المعرفي، وبهذا فالفستان يحمل بخيوطه ونسجته مراحل تطور حضاري لأجيال عبر الأزمنة بروابط مختلفة افتراضية ببعد شمولي لا يمكن الاستغناء عن صدى دلالته وجوده كحدث آني ومتوالد في كينونة النص ...

- أما العنوان الآخر (أحمر شفاه) أتسم بتركيبة متزاوجة ماديا ومعنويا، ورمزية عتبة تثير التساؤل من أول وهلة الاهتمام بأدوات الزينة والتجمل لدى المرأة، لتبدو أكثر خصوصية بمظهرها الأجمل كما يوحي داله ظاهريا، فالتجمل صفة متغيرة ضمن حدود حالة نفسية معينة، فيبوح باطن رمزيته دلائل زمكانية لا تحصى تلوح في افق المراسيم الشعبية بنكهة اجتماعية لممارسة طقوس الفرح،كما تزيح النقاب عن تاريخ طبيعة حواء الأزلية للاستزادة من الجمال وكما نعرف لتلبس الحرير وتتزين بالذهب،هكذا خلقت الزينة للمرأة لتجمل الجمال الرباني، ومنه تتجلى دلائل تراثية تفتح شهية النقاش والمتابعة لخطاب عام بإحالة تأويلية أن التزين والتجمل شعور حسي متناغم بارتياح نفسي ....

- وبمتعة التأويل للعنوان ربما يشي بلونه الأحمر لحميمية مناسبة معينة أو ذكرى حية حاضرة غائبة، فيهمس تأويله بشفاه رغبة ساكنة صمت أمنية،لذا الشاعرة تختار اللون بقصد محبب ومخفي لحبيبة عاشقة بعاطفة أنثى متمردة على محيطها وبيئتها، وقد تشير بتأويل رحلة حب بأسرارها المتكافئة أو الغير متكافئ، وكذلك يمكن تأويله أن اللون الأحمر هو ما تنطقه الشفاه من رفض لحالة معينة أو سلوك يمسها بخطر التصرف بهمس خفي أو سوء ظن بمجتمع مكمم حرية التعبير لمشاعر أنثى، كذلك يمكن لأحمر الشفاه ذكرى عالقة في خارطة الأيام بتجربة حب لاذع للحواس، ويبقى التأويل في فكر المتلقي بشوقه لإكمال عتبات النص والتعرف على مضمونه بما يمتعه التروي للتبصر برؤى عذبة، وما يثري فضوله ومستوى انفعاله لتتفتح الأفاق ...

- فدلالة البحث عن الزينة والأناقة والجمال جانب من متعة المرأة والتمتع بأنوثتها، مقترن بصفات من طبيعة رقة المرأة كما هو مألوف ومتعارف عليه وبما تحمل من فكر واعي بمستوى ثقافي أو مركز اجتماعي رغم كون التزين شخصي بالتقيد به أو اهماله بتفاوت مقصود وعقدي، فنلاحظ ما نسبت الشاعرة بمفردة الفستان لها بشكل محبب بتمويه أنثوي رائع، قد يشير لدلالة أعمق لذكرى مكان أو زمن معين بما تراه حبيبا أو وطنا يحتويها أو تحتويه يلامسها الرؤى ويملأ عليها الهمس، فتلبسه جلدا يلتفع شريانها ويلاصق روحها فيصعب انتزاعه والتخلي....

- كما وظفت أحمر الشفاه بعمق الفكرة بتأويلات متعددة، تزاحم ذهن القارئ ليستقصي دلائله،بما يخفي من دلائل متعددة الإشارة، كثيرة الاحتمالات لكلا العنوانين،ولربما تتغزل الشاعرة بما تقتنيه ماديا أو معنويا؟ ولربما افتنانا وغرورا بجمال الاختيار وغنج أنثوي يوحي لعاطفة حميمية تبتغيها واقعيا أو ذكرى تغازل خيالها من تجارب انسانية، وبهذا نتطلع بكثير من أسئلة الانفعال وغمزات تعجب تغمر متابعتنا...

- قراءة بعض من الصور الشعرية الأنثوية التعبير والنسوية الرموز...

- لنقتطف بعض من رؤى الشاعرة من عتبات النصين ونحط رحالنا على الكثير من الشواهد المستخدمة كمفردات نسوية بحتة تعد دلائل وشمت بروح أنثى وفسلجة وجود، باستخدام ما يناسب المرأة بالمقابل لا تتناسب مع طبيعة تكوين الرجل ومنها صور شعرية لا يليق الا ان تبوحها أنثى سأتناولها لاحقا بتفصيل من نصوصها مثل(رائبٌ وجعي ﺑـِﺳﻤﺎﺭ ﺍﻟﺸَﻤﺲ، ارتضع من أثداء أبجديتي .. بفستانِ حب ..، سأقمط شفاهي، هل بقى لي ..أحمر الشفاه ؟!!..، حبلى برماد ذكراه،المخاض عقيم) ولنتابع مكنونات القصد بدلالة الأحاسيس،فما يعني لوجودها إلا ترجمة لهوية أنثوية بحتة، ولتكن على سبيل المثال لا الحصر...

- نرى النكهة الأنثوية المفردات في الصورة الشعرية التالية (رائبٌ وجعي ﺑـِﺳﻤﺎﺭ ﺍﻟﺸَﻤﺲ) مجاز توهج التعبير بجمال الانزياح،وتطويع اللغة برمز الطبيعة لمفردة الشمس وتوظيفها ضمن عناصر الجملة بما يسبقها ويلحقها أوحت بمكنون عميق عن وجع الفراق، فنرى طاقة تغاير رائعة بالتجاوز عن المألوف، بأسلوب فني مميز، فالسمار سمة جمالية تبحث عنها المرأة أحيانا لتتزين بها، بصيرورة زمنية حين تعرضها لأشعة الشمس بفترة معينة، أو تطلبها بصيغة علاجية لتحول اللون، ونرى في معجمية (رائب وسمار ) كلاهما تحول بعد تفاعل كيميائي بتأثير حراري، وللوقت الدور الفعال بخلاصة التأثير، احالة تأويلية لمرحلة العشق بغرام متجذر الروح بأحاسيس وجدانية...

- كما نلاحظ تضاد استعاري مكثف لرمزية السمار والشمس، فكما نعرف أن دلالة رمز الشمس ايحاء للتوهج والوضوح والضوء الساطع،إشارة دلالية غائرة للنهار أما السمار فيعني العتمة واللون القاتم، تصوير باذخ الجمال باختلاف متمازج وتجاور متوافق ...

- من نص فستاني نلتقط صورة شعرية رائعة جدا مزهرة بالأنوثة وطبوغرافية المرأة كما في (أرتضع من أثداء أبجديتي ) توظيف مكثف للمفردة النسوية (أرتضع،أثداء )مقدرة أدبية باستخدام أدوات فنية بتعبير بسيط بإيحاء عميق،يكمن في أفق تداوله تضاد غير ظاهر نستقرئ زمنية تحول مواربة بين الجدب والنماء أو الفقد والتواجد،احالة تأويلية نستدل منها الرضوخ تحت وطأة الوجع تصبرا بمرار موجوع...

- نرى صورة شعورية بطاقة جمالية انثوية التذوق، ببيان التعبير وأدوات تقنية فتقول، (تطايرتُ من بين عطرك) استعارة رائعة مكينة التعبير رقيقة الانزياح ببلاغة لغة لأبستمولوجيا أنثى مدركة لصفة الوصف متحسسة لشفافية اقتناء المفردة النسوية من مقتنياتها الأنثوية بمقاربة دلالية بين الماضي والحاضر بزمكانية غائرة، فكيف تتطاير الشاعرة ان لم تكن عطرا ؟؟، إيحاء عميق ومتواري ورمزية معبرة ببيان التشبيه لأنثى رقيقة ومبالغة الجمال بما تستحقه ذاتها وتقييمها، تمازج متمكن بتوظيف بينية الزمن لدلالة تعدد وتكرر الحدث، كما تحيل لدلالة تأويلية مبرر عما تعتقده ولتصور متانة تلك العلاقة مشبه وجودها عطر حياته، فتطاير ذلك العشق كما يتطاير العطر ونفذ زمانه مثل ما تسربت أيام ولهه، تشبيه استعاري رائع جدا عن بقايا أثر وذكرى العلاقة لأن للعطر وقت زمني وتنفذ رائحته، احالة تأويلية مكتملة التضاد بين ماضي ومستقبل دلالة للإهمال ونسيان الحب...

- وعتبة خاتمة لنص فستاني بتوظيف عذب (بعثرتني... بفستان حب )، فكما نفذ عطر وجودها بمعالم الحبيب تبعثرت آمالها وأحلامها وحياتها، والأنا المجروحة بالمعنى الموحى لمناجاة الحبيب بضمير المتكلم بدلائلها الغائرة البعد، مثل (عطرك وبعثرتني) وما بين (أنت وأنا) تمازج متواصل بلغة رائعة أن تختمها ليلى لتعود علينا بالعنوان (فستاني) ببراعة وذكاء لتلفت القارئ ما تعنيه من تكرار لإيحاء دلالي ندرك منه تأكيده الوجودي في كيان النص فيتضح مضمون ما يحتويه العنوان بخاتمة تسترجعه بدلائل أخرى...

- وبعد أن تغير مكان المفردة ضمن نسق آخر اصبح لها قيمة لسانية أخرى ومعنى للدلالة وعلاقتها التزامنية في تركيبة النسق أضفت عليها عمقا آخر، وبذا خلقت الشاعرة دلالة مكينة برمز الفستان وبكل ما يحوي من ذرات تنسج زمان ومكان لعلاقات إنسانية حميمية العشق بفطرة نقية الرغبات وما جبل عليه البشر بغريزة السكنى، فنقرأ الحب ملكوت قائم في ذات الشاعرة رغم البعاد ووجع الفراق، ويبقى الأمل كأس العشاق باسترجاع زمن الذكريات أو قدر يعاود ...

- وبانعطافة على نص أحمر شفاه نقتطف صيغة رائعة للمفردة النسوية، بلكنة أنثى خالصة كما في (سأقمط شفاهي )فيبدو من استخدام حرف السين الذي يدل على نية الفعل في المستقبل، وإيحاء دلالي عن التفكر وممارسة التعقل بصمت مبالغ، دلالة عميقة بفلسفة حوار تكنيكي لغريزة أنثى بان الكتمان على مضض بمحض قهر الخنوع كأجدى الحلول لأنثى في مجتمع بتقاليد شرقية، لربما تأويلا غواية لاسترجاعه، فنرى عمق الانزياح الدلالي المختزل وقصدية تشي بتضاد عكسي ما بين الصمت والكلام،وما يشير التعطش لرؤية الحبيب بعدم التواصل معه احالة تأويلية لروح صوفية التلذذ بعذاب الانتظار، وفلسفة النقاء الوجداني لأحاسيس المرأة... أسلوب بليغ للدلالة عن وجع المعاناة بقسرية السكوت ....

- ونستمر بمفارقة أحمر شفاه (عجبت لخافقي..هل بقى لي ..أحمر الشفاه ؟!!..) تحادث الشاعرة وجدانها الروحي بحوار ضمني وتساؤل بدهشة أحاسيس أنثى استفاقت على ألوان الجروح الحسية والنفسية بقسوة حبيب، فالتجمل للأنثى جزء من القبول على الحياة وتصرف طبيعي بفرح فلمن تتجمل !؟، ذلك يتبدى من تراكم وجع الشعور بوقع الخيبة وفداحة الصدمة، تلجأ للانعزال في معبد الروح، فنلاحظ نسق الترابط ببنية اللغة الشعرية يحقق الانسجام بتكرار مفردة العنوان (أحمر الشفاه) صوت تأكيد الدلالة،لإيحاء النزوع الصوفي العذب بأنوثة نقية الدليل صافية السريرة بتصوف مختوم بعذاب وحزن حير أمر علاقتها مع المحبوب، فأهملت التواصل بمحيط اهتمامها وولعها الأنثوي بزينتها وجمالها فغدت لا تستطيب مناجاة مقتنياتها الأقرب لقلبها والتي كانت جل اهتمامها واقرب رفقة مع الحبيب اصبحت الآن تأجج ذاكرتها بألم غيابه، فلا تحبذ استخدامها، ولا تستسيغ التجمل ...

- وقد تنفتح أواصر الدلالة على المفردة النسوية في رؤى القارئ لتأويله بما كان لأحمر الشفاه من رغبة دفينة بلا وعي لأمنية خاصة لرمزية أحمر الشفاه تتوقد برؤيته أو ملامسته بمناجاة روحية مستمد زفرات الأشواق من كبد الانتظار على منوال الحزن ولوعة الفراق ...

- ونلاحظ انحراف اللغة بفنية التشكيل من عدة متضادات متتالية ب أنثوية واضحة كما في الصورة الشعرية الآتية (حبلى برماد ذكراه) الحبلى مفردة نسوية بحتة فسلجية الخلق ومعجمية دال على رمز العطاء ودلائله النماء بضوء الحياة ...

- واستكمالا لدلالة التضاد في الصورة الشعرية من الإنزياح التالي( برماد ذكراه) بما يشي دلالة الرماد من بقايا النار يعقبه البرد والجمود، وتأويلا ما بين جذوة اشتعال الحياة واجهاض جنين الحب قبل ولادته بيان استعاري مترف المعنى ببلاغة تعبير، ولربما يكون جذوة متخفية تأويلا لإحياء الأمل، فيتوهج ذهن القارئ ليبحث عن مدى رؤاه بروعة تشكيل الصورة ...

- وبطاقة جوهرية للذات الأنثوية نلاحظه في التضاد الآتي (المخاض عقيم) استعارة مؤثرة نفسيا بحس أنثى وسيكولوجية مشاعر تكوينية للمرأة وخاصة طبيعة الأم، فكيف يكون المخاض عقيم؟، فالمرأة ذروة حنان ودفء، والحبيبة كيان للمشاعر، فهي الأم الرؤوم يخيب استنشاق أمومتها حين فقدان وليدها، نلاحظ تآلف وتخالف بمجاز مكتنز من صميم الحياة، بتناغم التضاد وعمق المضمون بانتقاء مفردات نسوية دلالية المعنى ببنية باطنية النغمات بصوت انثوي، فلا مخاض بدون عطاء إلا أن اللغة الشعرية في تركيب الانزياح ادى مراد الإيحاء...

- وقد توحي بتأويل آخر من العلاقات الإنسانية للرغبات مكتومة في أحلام الشاعرة ولا تصرح بها الأنثى عاليا، نستقرؤها عمق فلسفي وتفسير نفسي مؤثر على العلاقات الانسانية،نتلمس منها كثير من علامات الاستغراب التي تفرض مغزى السبات في عالم الصمت بألم مكبوت والابتعاد على أمل استعادة الحبيب...

- وتبقى أحاسيس الأنثى مختلفة الفطرة قد لا يفهمها نصفها الآخر بسهولة تحت ضغط التقاليد والتحيز الذكوري وخوفا من الخروج عن قيد المجتمع والعشيرة بالإفصاح عن وعي وثقافة اجتماعية فهل يوجد في كيان الكون غير الرجل والمرأة..؟؟...

- وعبر ما تقتني المرأة من أدوات زينة أو فستان ترتديه في ذكرى حب، يبقى منقوشا بقلبها وجسدها وروحها متمسكة به لا تخلعه تراه كل حين وتزين شفاها بما يطيب ذكراه !!، فهل يكون بديلا للحبيب ..!!، لربما سيكون الفستان شبيه الرؤيا ونقيضها، وقد يكون الفستان رمز تأويلي لأبدية مشاعر لزمان ومكان، وأحمر شفاه رمز ذاكرة لا يطاله نسيان، ويبقى كيان وجودنا طريدا للقدر!...

- ولمكنونات النصوص تكملة لاحقة قراءة أحاسيس المرأة ان شاء الله.

 

بحث وقراءة إنعام كمونة

...................

* الشاعرة ليلى الطيب جزائرية لها عدة دواوين

 

 

حيدر عبدالرضاالتداخل النصي بين الدليل الروائي ومحورية الدال المنفذ

الفصل الثالث ـ المبحث (1)

توطئة: تحتل مساحة التداخل النصي في رواية (عالم النساء الوحيدات) ذلك الاستثمار الوظيفي الجاد بين محورية الدال المنفذ، المتمثل بصوت الفاعل الشخوصي المركزي في النص، وفضاء حكاية تلك الاستجابة التبئيرية في أحداث صاحبة تلك الدفاتر من نصوص المذكرات المتمثلة بـ (الآنسة منى) في الواقع تقوم أحداث رواية الدليمي على خصائص أسلوبية ـ سردية، مركزها تلك العلاقة المتمحورة ما بين الساردة المشاركة وموضوعة تلك المذكرات المدونة في صيغة أحداث حكاية الشخصية منى . بدءا تنطلق الكاتبة الدليمي في معرض عتبة روايتها، من خلال ذلك الفضاء الشخصاني في عرض مسرودية تفاصيل الشخصية المشاركة، وإذا كان هذا هو النمط الذي عهدنا لمثله في رواية (سيدات زحل) فإن الأمر ذاته يواجهنا في أحداث زمن الشخصية المشاركة في رواية (عالم النساء الوحيدات) حيث يوافينا ذلك الصوت المتداخل مع أبعاد وهواجس رؤية وتماثلات الصوت الروائي الواحد وشعرية اكتشافاته الذاتية في دراما الإحاطة بعوالم شخوص الرواية وآفاق ذواتها الداخلية والخارجية الخاصة .

ـ محورية تداخل النص وخاصية مقتربات السرد .

تتداخل محاور المخيلة الرواية في سبيل صوغ دلالاتها العلائقية في مسارية وظيفية خطابية متميزة وموحية في جعل الدال المحوري المتشكل في تشكلات النص، كعلامة مستقرئة لحيوات شخصية المذكرات لآنسة منى . تخبرنا الرواية بأن الشخصية المحور والتي هي بلا أسم أو مسمى، سوى أنها الحكاية التي تملك أواصر متشابهة مع شخصية صاحبة المذكرات التي لم تحدد في مهام أولياتها قطعا، سوى أنها من قامت بكتابة تلك المذكرات على حد تعبير الرواية: (لم أنم الليلة الماضية،أمضيت ساعات وأنا أقرأ مذكرات الآنسة ـ م ـ رغم أنني أكره إعادة صياغة الأحداث في عبارات ميتة تنقصها الدوافع / فرحت بالمذكرات التي عثرت عليها في معرض الكتاب الدولي، وتذكرت وقفتي فوق ذلك المرتفع المشمس المطل على نهر دجلة في ضاحية من ضواحي المدينة . / ص7 الرواية) وبعد تفحص أحوال الشخصية المشاركة في النص، تتبين لنا معاينة لغتها المحفوفة بإيقاعات: (كنت أقف فوق السنوات: قلت وداعا لسنواتي الآفلة .. لم أكرهها ولم أندم ولم أتشبث بها، أدركت حاضري بتحولها إلى رماد نهضت أنا العنقاء السعيدة . / ص8 الرواية) أن حالات الشخصية المشاركة، تتضح لنا وهي إزاء تكوينات (المؤلف) التي من شأنها التقصي عوالمه الماضية وكشفها في صورة السياق الحاضر من طاحونة الزمن الشخوصي، إقترانا لها بذلك العمق من دلالة (النساء الوحيدات؟) فالرؤية لدى شخوص روايات الدليمي، ومنها هذه الرواية موضع بحثنا، مصاغة بذات الأبعاد الموقفية والعاطفية والحسية من أحداث حكايات (سيدات زحل) فالصورة المدلولية في روايات الدليمي، هي دائما معبرة عن عزلة المرأة الوحيدة في زمان غياب لغة الأواصر الحميمة بذلك الزوج أو الرجل المتصالح، وصولا إلى تمايزية انبعاث المرأة ذاتها من أغنية رمادها، لتبدو لنا تلك الصورة هي المكررة في موضوعة روايات الكاتبة الفذة لطفية الدليمي . نعود إلى تفاصيل الرواية، وما حدث مع الشخصية المشاركة بخصوص مذكرات الآنسة منى، وعندما نتفحص حياة الشخصية ذاتها، نجدها بمعزل عن واقعة المذكرات أحيانا، لتكون لصيقة ومحفوفة باستدعاءات ذلك المدلول الغائب، ولكن بصورة مغايرة، إذ تظهر لنا وهي في أسمى دلالات الحب في ساعة لقاء ذلك المحبوب، ولكنها في الآن ذاته لديها من الأسباب الكافية والمحتملة التي تحيل بواقع الاقتران به في علاقة زوجية: (تذكرت هذه الحادثة وأنا أفتح الدفاتر التي عثرت عليها بمحض المصادفة: أهي مصادفة حقا أن أعثر أنا دون ملايين المدينة على دفاتر الآنسة ـ م ـ واعترافاتها ؟ لست أدري كيف أجيب على تساؤلاتي، لكني تذكرت حادثة وقوفي على ذلك المرتفع المشمس في ضحى يوم حار وحولي أزدهار العشب وتدفق الماء والأشجار التي توجز حقيقة الحياة في ثمرة .. وابتسمت وأنا أقلب الدفاتر .. بعض الناس ومنهم الآنسة ـ م ـ يتشبثون برماد الزمن القديم ويدمرون حاضرهم . / ص8 الرواية) على هذا النحو من التداعيات وتيار الوعي تنبني أسئلة السارد المشارك، تحقيقا لذلك الانفصال الارتدادي عن أحياز الزمن الماضوي المتواتر على ذاكرة المكان وتأملات الذات، ولعل أحوال الشخصية المشاركة، لا تتساند مع مرتبطات الماضي، غير أنها تمنحها هالة وقدرة من الانفصال عنه كحسية محتدمة في مؤثرات الانغمار في حلمها الانسراحي: (توقفت نظرت حولي، لم يكن هناك من أحد سواي، أومأت الدفاتر لي وأغرتني وتضرعت ألي مثل مخلوقات ضالة تستنجد بمنقذ / مددت يدي والتقت الدفاتر وقرأت على زاوية أحداها بخط نسوي متردد وناعم يعلن عن خجله ـ مذكرات الوسادة ـ تملكني شعور غامض وأنا أحمل الدفاتر بين يدي، وتبين لي بعد قليل أنني يجب أن أخذها فثمة أسباب عدة تدفعني لذلك . / ص10) الدليمي لعلها تسعى في مدلول واصلية أحداثها، إلى ذلك النحو من ممارسة جمع الأجزاء الروائية في صورة مقربة من حياة الساردة الشخصية، وهذا الأمر محل المستدعى في تداخل الدلالات ما بين موقع المركز والنص الهامش من حكاية الآنسة، فيما تبقى تحولات الأحداث مرتبطة ببعضها البعض، ودون أدنى مفارقة بينهما، فهناك قواسما مشتركة في الهواجس والمصير بين أحداث الشخصية المشاركة وصاحبة المذكرات كما أسلفنا سابقا، ذلك رغم دعوى الساردة باختلاف الدلالة، ولكنها حالة من أخفاء التداخل النصي من جهة المؤلف جزافا .

ـ هواجس النساء الوحيدات .

تكشف لنا الأحداث الروائية عن ذلك الزمن العلائقي الذي يربط بين الشخصية المحور وصاحبة المذكرات، دعما لذلك الانغمار ما بين (القارىء / المقروء) وهو ما يشكل حلقة الوصل الممتدة ما بين الطرفين، فيما يبقى الفاصل الوحيد ما بين الحكايتين، ذلك التداخل من جهة ذلك الحبيب الموعود عبر زمن قراءة المذكرات: (وانتزعني رنين الهاتف من نشوتي، واقتحمني صوته، لم يكن هو صوته الذي أحب، كان مغلفا بطبقة من الحذر والمجاملات الباردة، أضطربت، كان صوتي بادي الانفعال، كلانا يعرف مزاج الآخر من نبرة الصوت ونهايات الجمل المبتورة والصمت بين العبارات وذلك الممل الذي يطعن الكلمات ببرود . / ص11) العلاقة المتصلة بين زمن الشخصية المشاركة وزمن المذكرات، تفصلها فجوات سردية خاصة من الحوار بين الشخصية وذلك الرجل أو هي صديقتها عائدة في زياراتها المتواصلة إليها في بيتها، فالزمن والصيغة المطروحة ما بين المحاور الشخوصية في واقعة الخروج عن زمن قراءة المذكرات، تبدو كحالة تراتيبية غالبا أو كهيئة منوعة في زمن حوار الرجل مع الشخصية المشاركة: (: ـ ستأتي هذا المساء، ألن تأتي ؟ أرتعش صوتي قليلا ثم تلاشى في لهفة صادقة: ـ إذا دعوتني سآتي، أيمكن ألا أجيء ؟ .. أريد أن نتحدث، وأراك وأنت تصغين ألي فتنعكس المعاني وظلالها في عينيك وعلى وجهك وأصابعك وصوتك . / ص12 الرواية) هكذا نتعرف على نموذج المحاورة بين الرجل الحبيب والشخصية المشاركة ضمن حدود علاقة تراتيبية متتابعة في سياق مفترض من هواجس وأحلام الأنثى وحسب .

ـ مذكرات الآنسة ومحكي زمن الحكاية .

وعندما توافينا عتبة زمن المذكرات، تتبين لنا حجم الضالة الكبيرة في صوت الشخصية، وإلى درجة الأحساس بتعطل زمنها الأنثوي على قارعة العمر المتوقف، وبذلك المعنى الذي يسهم ويدفع جملة أفعالها وسلوكياتها في مواطن من حبكة الفتاة التي لا يشتغل فيها سوى عاطفة التمسك ببقايا أنوثة باردة: (أفرح وتعروني رعشة عندما ينادونني ـ الآنسة ـ أنسى سنواتي وجفاف أيامي، والتجاعيد الزاحفة على وجهي وحول عيني ـ يزعمون أن لي عينين جميلتين ـ وأزهو بالكلمة مثل مراهقة، أشم رائحة الانفعال تفوح مني ـ وتعلو وجهي الذابل نضارة طارئة . / ص13 الرواية) في حدود مثل هذه الاستدعاءات نتعرف على شخصية الآنسة منى برغبة الأنثى التي تبدو ظاهريا امرأة تواقة إلى حياة محفوفة بإيحاءات الاشتعال في الحلم النسوي والعيش في تشكلات ذاكرة معطوبة . ولاشك أن الكاتبة الدليمي أرادت من وراء شخوصها النسوية في الرواية أبراز أهواء وهواجس الفتاة المعطلة عن حياة التزاوج والعيش في أحضان فصول الزوجية الملائمة والمستقرة نفسيا وعاطفيا، لذا فأننا أصبحنا نعاين حكايتين بذات المستوى من المقاربة والإيحاء في استقصاء التسليم بالوقائع الحاصلة من حياة وحدة المرأة وعذاباتها الخاصة: (في الأيام الأخيرة صارت كلمة الآنسة توحي بقدر من السخرية والإشفاق ـ ولكنني مثل كل المزهوين بأنفسهم ـ أعمد إلى وضع غشاء التجاهل على بصيرتي، ولا أعبأ بما تنطوي عليه الكلمات من تعريض وإيحاءات جارحة / كل يوم أعود بعد الظهر من عملي ـ تغيرت أماكن عملي مرات كثيرة، عملت مشرفة في مكتبة مدرسية ـ ثم مدققة حسابات ـ ثم موظفة أرشيف ـ ومحررة في صحيفة طلابية ـ ثم مشرفة في مكتبة عامة . / ص15 الرواية) وتخبرنا الرواية على لسان حال الشخصية المشاركة والمتمثلة بشخصية حال الآنسة منى، بأنها وجدت في عملها في عالم المكتبة والكتب، ذلك الجانب الذي غدى يشكل كمولا راجحا في ذاتها، خاصة وأنها باتت تتعرف على المزيد من أسماء الكتب وأصحابها من الكتاب، ومن خلال عودتها إلى المنزل يواجهها ذات الهاجس بالكآبة وروائح الزمن الماضوي، ووجه والدها المريض بداء النقرس وفحيح أنفاسه المخنوقة بداء المرض الآخر الربو، وتخبرنا الشخصية أيضا حول ممارسة عاداتها اليومية في البيت، بدءا ممن دخولها إلى البيت وحتى طريقة ردود والدها المريض على تحيتها: (وأنا أحاذر من انفجار فقاعة الغضب، وينظر إلي كاظما حزنه وخيبته . / ص16 الرواية) كانت الشخصية في حقيقة واقعها تحيا داخل ممارسة يومية قاحلة من حياة الأنثى، وصولا إلى ترويض أحلامها الصغيرة باستنشاق جرعة عابرة من المعطرات النسوية العذبة، استكمالا لحلمها في العيش في مساحة ضيقة وهامشية من فقاعة الأنثى السعيدة: (كنت أضع قليلا من العطر على عنقي ومعصمي، وأغمض عيني لأتخيل أثر رائحته المستعارة . / ص17 الرواية) يجري إذا في الرواية استعراض لأهم بؤرة جوهرية من حاصل مكونات عذاب المرأة العربية في منزل الأب أو خارجه مع سوء الحظ والمصادفة، كما والأمر بدوره ينسحب أيضا على جهة الشخصية القارئة للمذكرات ومسار حياتها العضوية مع مرض الصداع المزمن مع خواء مفاصل حياتها من نكهة استقرارية الأنثى في بيت الزوجية والسكينة مع من تحب: (كانت يدي مطبقة على قبضة من أوراق التوت الجافة وكتلة من الغرين المتجمد اليابس .. سحقت الأوراق والكتلة في يدي ورميت بقبضة التبن والتراب إلى النهر .. وأنا أصيح .. وداعا يا سنوات الرماد . / ص8) من هنا يبدو أن الظروف الروائية متقاربة ما بين الشخصية المشاركة والآنسة منى، لتكون بذلك حلقة متكونة في ملحوظ سلسلة مشاهدها وتأثيراتها الدلالية المتحاورة ضمنا .

ـ المؤلف الضمني وإناه الثانية .

يتبين لنا من خلال أحداث وعلاقات فضاء السرد الروائي، بأن تجليات المؤلف الضمني ما هي إلا شكلية وظيفية وسياقية من صياغة واقع العلاقة المتحولة بعاملية السارد المشارك، وينضوي المؤلف الضمني في حدود معرض مادة الرواية، تتابعا وخطية أحوال ومقولات السارد المشارك المتمثل في محور الشخصية الروائية القارئة لسيرة المذكرات الخاصة بالآنسة منى .

1ـ الأنا الروائية في مقولة المؤلف الضمني:

تتعدد علاقة المؤلف الضمني بالمقولة الآنوية لخطاطة المؤلف الحقيق، وذلك ضمن شرائط مؤولة بصورة الرؤية والأحداث والأفعال في موقع المؤلف الضمني، وهذا الأخير بدوره يؤدي زمنا افتراضيا غير محسوسا في بنية السرد، اقترانا متخيلا في الإيهام بوحدات الإيحاء السردي الواقعة بين السارد والشخوص في الرواية، وعلى هذا النحو من الوظيفة والتوظيف وجدنا السارد المشارك في النص كمقدمة استرجاعية لنواة علاقات (المؤلف الحقيقي= المؤلف الضمني = السارد) امتدادا نحو تحولات السرد النصي بين جهة الشخصية المشاركة ـ السارد ـ ومشاهد دفاتر مذكرات الآنسة منى، والتي هي بمثابة العلاقة الإطارية الرابطة ما بين أحوال السارد المشارك وحكاية المذكرات: (قبل سبعة عشر عاما وكنت في سنة الأخيرة في الجامعة، سافر والدي منتدبا للعمل خارج البلاد، وأصطحب معه أختي وأشقائي الثلاثة / كان لابد أن أجد حلا فأما أن أعيش في القسم الداخلي أو أذهب للعيش مع جدتي وعمي . / ص18 الرواية) وتبقى لمراحل الشخصية منى ولمذكراتها الأثر الواضح في تمفصلات حياتها المستقبلية .. فمنى كانت تصر على والدها بقطع شجرة السدر من البيت، فما كان من والدها إلا الرفض القاطع متعللا بحكاية شعبية تحفظ لهذه الشجرة مكانة قدسية غريبة في مرجعية النص: (ـ حذاري يا أبنتي ويل لم يقطع شجرة السدر .. أن ذلك يجلب الأحزان والمصائب . / ص 18) وعلى هذا النحو كانت نبوءة شجرة السدر خير دليل على اشتعال حياة الآنسة منى بالأحزان ومحاولة الاغتصاب من قبل عمها الثمل رغم عدم قطع تلك الشجرة من البيت أصلا: (في المساء التالي عاد إلى البيت ثملا تماما وعندما كانت جدتي تهيىء العشاء جاء إلى غرفتي .. وأمسك بي وهمس بصوت مرتعش: ـ هيا تعالي . / ص 21) وعلى هذا النحو أخذت منى تتصدى لهجمات عمها مرارا، غير أن هذا لم يحدث لا في المذكرات ولا من جهة حقيقة الأمر .. ببساطة كانت منى تعشق زميلا لها في الجامعة وقد باشر في خدمة الجيش بعد تخرجه مباشرة،وكان ذلك في زمن الحرب، وقد أتفق الأثنان على الزواج على حد ما تخبرنا الرواية: (في غرفة النساء الوحيدات رائحة أنثوية خالصة أحتفظت بنقائها الحزين الخاسر، لم تشبهها نفحة من رائحة الرجال القوية .. وكلما دخلت غرفتي هاجمتني رائحة وأستقرت قلبي في الفراش . / ص24) .

ـ تعليق القراءة:

الحكي في الرواية إجمالا يقودنا نحو خلاصات المرأة وشجب مظلوميتها

و كأن الكاتبة الدليمي حاولت من خلال أوضاع ومصائر شخوص هذه الرواية، بثا وتشكيلا لزمن القراءة في غرف سرانية عوالم النساء الوحيدات . في حقيقة الأمر أن دلالات المبحث الأول من دراسة رواية (عالم النساء الوحيدات) ما هي إلا دلالات في مفكرة الروائي، إذ تبقى من خلالها الأشارات والمؤولات المحورية في النص عبارة عن مذكرات مخصوصة في صلب التداخل النصي الدؤوب تمسكا بذلك الدليل الروائي المتكون في مؤشرات محورية الدال المنفذ في حكاية وخطاب رواية الصوت الواحد .

 

حيدر عبد الرضا

 

يعتقد علماء الانثربولوجيا أن اللغات القديمة كانت متشابه إلى حد إمكانيتة التفاهم بها، فالاسرائيليون الذين عاشوا في التيه اربعين عاماً، تفاهموا مع جيرانهم الى حدما، وزيارة الملكة بلقيس الى النبي سليمان بن داود (ع)، والمكاتبات بينهما تمت دون ترجمة . ومثل هذا، يمكن ان يقال عن رحلات ابراهيم الخليل (ع) المتعددة إلى عدد من البلاد كالشام والعراق ومصر ومكة، مما يؤكد أن إمكانية التفاهم في العالم القديم لم تكن مستحيلة . فضلاً عن رحلات العرب التجارية الى جيرانهم، وإلى الهجرة الاولى لبعض المسلمين االى الحبشة، فاللغات كلها ترجع الى اصل واحد.

فاللغات العربية (كالأم التي أنجبت كثيراً من الأبناء، ثّم توزعوا في الارض، وأختلفت لهجاتهم تباعاً . والرأي السائد أنه كانت هناك جاهلية أولى وجاهلية ثانية، فالاولى تبدأ بابتداء البشرية حتى القرن الخامس الميلادي،والثاني تمتد من القرن الخامس الميلادي الى ظهور الاسلام، وهي المدة التي اوصلت لنا الشعر القديم، والتي يصل بها الجاحظ الى مائة وخمسون عاماً، او مائتين عام قبل الاسلام .وأن كان الذي وصل لنا قليل، عبر عنه ابو عمرو بن  العلاء بقوله (ما أنتهى اليكم مما قالته العرب إلا أقله، ولو جاءكم  وافراً لجاءكم عِلم وشعر كثِير) .

وقد تعرض القرآن الكريم لهم في المدتين الاولى والثانية، فالعرب لم يكونوا في عزلة عمن حولهم سياسياً واقتصادياً بالقياس الى الأمم الأخرى، مما يترتب عليه التفاهم بنقاط الاتصال التي كانت بين اللغات القديمة، وفيما بينهم بلغة رئيسة وهي لغة قريش) 

وعدد من اللهجات . وإذا كانت العربية تعرف  بلغة قريش، فذلك يرجع الى مكانة القبيلة بين العرب، ولمكانة الرسول (ص) منها، لكن يمكن القول بأنها لم تدوَن تدويناً واضحاً إلاَّ بعد مجيء الإسلام، فقد حضَّ الرسول (ص) على القراءة والكتابة بالعديد من الاحاديث، بمختلف الأساليب. وكان أن أتسعت دائرة (كتاب الوحي) إلى دائرة تعرف باسم (القّراء)، وفداء الأسير في  مقابل تعليمه  لعشرة من الصبيان، فضلاً عن كُتّاب الرسائل والمعاهدات، ولعل المراد بـ (قريشية اللغة)، ليس ألغاءً لدور القبائل العربية الاخرى، فالمصطلح  إسلامي عاطفي _  كما ذهب ابن فارس في كتابه  (الصاحبي في فقه اللغة) فقال:- كانت قريش مع فصاحتها، وحسن لغتها، ورقة ألسنتها، إذا أتتهم الوفود من العرب تخيروا من كلامهم  وأ شعارهم أحسن لغاتهم، وأصفى كلامهم، فاجتمع مما تخيروا من تلك اللغات الى سلائقهم التي طبعوا عليها، فصاروا بذلك . أفصح العرب، ألا ترى انك لا تجد في كلامهم عنة تميم، لا عجرفية  قيس، ولا كشكشة أسد، ولا كسكسة ربيعة، ولا الكسر الذي تسمعه من أسد وقيس، مثل: تعلمون بكسر التاء (ثم إن عملية التنقية والاختيار من لغات العرب، لم تكن فقط في موسم الحج، وفي اسواق العرب ؛التي كان العرب يتوافدون عليها للتسوق ولسماع الشعر والنثر، والحكم عليهما، فما تزال هذه  الاسواق باللغة نحلاً واصطفاءً، حتى يتبقى الأنسب الأرقش، ويطرح المجوف الثقيل، ومن المعروف، أن قريشاً مع علو شأنها في الفصاحة، إلاّ أنها لم يكن لها دور كبير في (الابداع)، فالنصوص الأدبية الرفيعة لغير قريش وقد علّل (ابن سلام) هذا بأنه لم يكن بينهم ثائرة ولم يحاربوا، كان هذا في الوقت الذي تعالت فيه أصوات المبدعين في اكثر من مكان، وبخاصة في إماراتي: المناذرة والغساسنة، بل أن النحاة جعلوا للفصاحة حدوداً وأقواماً، ولم يقصروا الامر على قريش، فالتركيز كان على قيس، وتميم وأسد، وطي ثم هذيل) . فهؤلاء معظم من نقل عنه لسان العرب، أما عن سر فصاحة الرسول (ص) وبلاغته، فقد أ رجعها العلماء إلى أنه ولد فيبني هاشم، ونشأ في قريش، واسترضع في بني سعد، وتزوج من بني أسد، وهاجر الى بني عمرو، وهم الأوس والخزرج، وقد حدد ابو حاتم السجستاني القبائل التي نزل القرآن بلغتها، وهي: (قريش، وتميم الرباب، والأزد، وربيعة، وهو ازن، وسعد بن بكر) . وقد رُويّ عن الامام علي بن ابي طالب (ع) أنه قال: نزل القرآن بلسان قريش وليس باصحاب نبر، ولولا أن جبريل نزل بالهمز على النبي ما أهمزنا) لكن ابن عربي (يفرق بين القرآن المنزل على الالسنة والقرآن على الأفئدة)، فيقول: (إن الذي ينزل القرآن على قبله ينزل بالفهم فيعرف ما يقرأ، وإن كان بغير لسانه، يعرف معاني ما يقرأ، وإن كانت تلك الالفاظ لا يعرف معانيها في غير القرآن، لأنها ليست بلغته، ويعرفها في تلاوته إذا كان ممن ينزل القرآن على قلبه عند التلاوة).

 

أ.م. ليلى مناتي محمود

جامعة بغداد / كلية اللغات