حيدر عبدالرضاالمؤلف البديل بين فواصل الذروة ومفترض بدائل الاستبدال

توطئة: تسجل دلالات الواقعة الإبدالية والاستبدالية في وظائف ومحاور رواية (الجبان) للروائي والقاص الصديق ياسين شامل، ذلك المجرى الملح في دائرة إمكانية الأسباب والعوامل السببية في تنصيصات الإدماج والاندماج التداخلي الموظف ما بين أطراف محاور (السارد المشارك ـ المؤلف الضمني ـ المؤلف البديل ارتباطا إجرائيا مغموسا بمؤثرات دائرة تحقيق العلامة الشخوصية في طيات محامل وظائفها ومواقفها الزمنية والمكانية والظرفية المكتظة بصوت ومحورية أصداء السيرذاتية المستوعبة في مجال حساسيتها البؤروية المشغولة بنقل محكيات الذات المعزولة والمغمورة عبر وسائط رواية المؤلف الحقيقي . من الممكن لنا القول عن تجربة رواية (الجبان) للصديق ياسين شامل، إنها جملة علاقات نفسانية وعاطفية وموقفية مستلهمة بوظيفة ملازمة حيثيات مفردات الواقع البديل تخيلا عن المشخص من سيرة حياة المؤلف، ولكنها من جهة ما تستشف وتجترح لإحداثها ومسار أفعالها (منطق الاستبدال = الإبدال) بمعنى ما إنها توظف سلوكيات الواقع المشخص في مجرى واقعية إستبدالية محسوسة، ولكنها في ذات الوقت لا يمكننا التعرف عليها في حدود من استقامة الشواهد الأحوالية والتمفصلية من دليل الواقع المغاير .و على هذا الأساس سوف نتعامل مع أجواء دلالات الرواية، بما يتاح لنا من خطية شواهدها النصية الاعتبارية، مأخوذين بذلك باعتبار أن الراوية في ثوبها اللبوس غير خاضعة لحقائق المعنى، بل أنها خاضعة إلى مجال من تأويلات الناقد والقارىء فحسب . الرواية كانت تؤشر لأهم موضوعة تتعلق بحوادث الثورة الشبابية في البلاد، وانطلاقها في شوارع وتقاطعات المدن المخطوفة، وهذا الأمر ما جعل من مدلول الرواية بمثابة قيمة مشرئبة في التحول الجاذب نحو الاستجابة الآنوية من النص ـ اكتمالا ـ مع الأنا الجمعية في الوعي المرسوم لها في أحداث التوصيف الروائي .

ـ الفضاء الشخوصي وتمفصلات موضوعة الدال الانهزامي .

بدا لنا الواقع الشخوصي في محاور رواية (الجبان) مجالا وإلهاما نحو التفكر بماهية الأسباب القصوى التي جعلت من الروائي نفسه، أن يشرع في زرع ورسم المنزع الإنهزامي في نوازع شخصيته منصور، فيما راح في الوقت نفسه يشيع أكمل المظاهر التكاملية في نرجسية ووثوقية الشخصية المرمز إليها بـ (ك) والحال ما راح ينطبق عليه دون باقي شخوص الرواية حالا وموقفا ونعتا بشقيقة المسمى (ك) التي يرمز إليها أيضا بـ (ن) وتلوح لنا علاقات وأحوال الواقع الروائي، عن مشخصات حكاية غريبة، تتعلق بالسارد المشارك ـ منصورـ وكيفية خطواته في النص بحثا عن دلائل واستدلالات وصوله إلى من كان سببا في مقتل الشخصية سمر في الرواية: (عندما عدت من بغداد شعرت بارتياح، وجدت جنات في بيتنا، التي عملت في عدد من دول الخليج، واكتسبت صفاء لغتها، وقد أختار لها ـ ك ـ غرفة في الطبقة الأولى كي تكون قريبة من غرفة أمي، وترك الطبقة الثانية، ثم نصب منظومة كاميرات مراقبة، بأمر من ـ ك ـ وحين سألته أجاب: بأنه يريد لي السلامة في هذا الوضع المربك، فالاحتياط واجب بعد حادثة مقتل سمر . / ص7 الرواية) تتداعى في السياق النصي، حركة استباقية من شأنها استعادة وتأشير مرحلة زمنية متقدمة في السرد، اقترانا لها باستعادة الأحداث بصورة أولية نواتية في بداية النص، ولأنها هي المحور الأهم في بؤرة النص، بقيت مظاهر السرد في النص عارضة لأحداث تجرى من خلال مسرودية ضمير منصور كساردا مشاركا . وما يدفع هذه الشخصية الانهزامية تحديدا نحو إلتباسية عاطفتها الكليلة، أي في ذلك الشعور المتوفر لديها بالخجل والقلق الاكتئابي من مواقف أحاسيسها بالأشياء من حولها، كحال مواجهة المواقف والأشخاص من قبل ذات واهنة تخشى الخروج من وهن حجبها، إذا تطلب أمرها مقابلة أو مصارحة في حالة من مشاعر الحب إلى فتاة معينة، وهذا الأمر ما صدفنا في موقف الشخصية منصور من سفانة وسمر: (كلما نظرت إليها وهي جالسة، أجدها مختلفة عن الآخرين، كانت لملابسها لمسة فتاة / على الرغم مما كان لسمر من الجمال بما يكفي لجذب الشباب، فهي تصغرني بعشر سنين ..شعرت بأنها غريبة في تصرفاتها .. ولا تطلب من أحد أن يفهمها / لعل كل ما أراه في تصرفاتها ينطوي على سر عميق .. لا تريد البوح به لأحد .. أنا أعذرها .. فأنا أيضا لي أسراري . / ص23 الرواية) قد تكون أوجه التقارب والمغايرة ما بين (منصور = سمر)علاقة مجبولة على التلاقي في صفات حاضرة وغائبة معا، ومن أجل أن لا نفهم بأن الشخصية سمر كانت واقعة في عشق منصور يوما، علينا فقط أن نفهم بأن الشخصية منصور يشكل في سلوكه العاطفي الواهم، مجالا هشا في كل عشق لفتاة يلاحظها في مسار ما وقع عليه بصره، وهذا دليلا على أنه رجلا مهزوزا تداعب وتحرك حتى طنين الذبابة العابرة مشاعره العاطفية بجمرة ملامسة قلبه بواصلة حسية قد تكون مقصودة أو غير مقصودة من الفتاة التي يقابلها في حياته، هذا الأمر ما كان ينسحب بدوره على سفانة زميلته في أيام الدراسة الجامعية، فهذه الفتاة اللعوب بدورها وغوايتها القاهرة، ما كان يجعل منصورا أسيرا لها في وهب كل مصروفه الجامعي لها، المستوى الذي وصل إلى حدود انتشال علبة سكائره التي كان يمنحها إياها بسخاء المهزوم المستضعف . في الحقيقة هناك في الرواية مواقف مفتعلة إلى حد ما، فمثلا ما قيمة استعراض (ياسين شامل) لأسماء أصدقاءه في الواقع لتكون لها دورا في أحداث النص ؟هل هذه الأسماء الواردة لها علاقة عضوية وبنائية ودلالية جادة في ضرورة الخطاب الروائي مثلا ؟ فما الجدوى من ذكر أسماء المطاعم وأصحابها الأصل في مجرى الحبكة الروائية؟ ألا يعتقد الصديق الروائي بأنها محض نكتة مثلا أو مهزلة إعلانية في الإشهار بأسماء أهل الأوساط الأدبية في مدينة البصرة وباعة الصحف داخل أحداث روايته بشكلها المباشر ؟ كنت أتمنى من الروائي أن يكون موظفا لإحداثه الروائية بما فيها من ضرورة مؤشرات الأحوال البنائية والحبكوية الجادة في انتقاء شخوص الواقع الأصل دون حاجة ذكر مسمياتهم البديهية، ربما بهذا الحال أصبحت الممارسة الروائية لديه أسمى وأجدى مما دبجه في أحدى فصول روايته من إعلانيات لا ضرورة لها إطلاقا داخل حيز سياق السرد وحكاية الرواية ؟ صحيح أن هناك روايات وقصص تستثمر عناصر شخوصها من حيز واقع الكاتب، كالأسماء والمدن، ولكنها أسمى من أن توظف مثل هذه المقتطفات وبهذه الصورة من الأخوانيات الإعلانية المباشرة: أقول لو كان يرغب الصديق ياسين شامل في هذا المجال من ذكر الأسماء المباشرة وعلاقتها المباشرة به، فلربما كان ممكنا له أن يكتب مذكراته ويومياته قريبا من أصدقاءه في المحافل الأدبية وبعيدا عن مشاغل وهموم كتابة موضوعة الرواية وتوظيفاتها الضمنية والمضمرة غالبا في أفق من التلميح المرمز لا التصريح بعبارات واسعة من يومياته، أعود إلى نقل شاهدا من هذه المقتطفات من رواية الصديق: (تركت مكتبة الصحراء لصاحبها حمزة العبدلله / فدخلت مطعم أبي ستار / توقفت قرب كشك أبا علي بائع الصحف / ذهب الشاعر والناقد إلى مكتبة القبة لملاقات صاحبها كاظم اللايذ الشاعر الخلوق / تحولات الواقعية الشيئية للناقد خالد خضير / وكان صاحب المكتبة صفاء ذياب الذي كعادته لا يعجبه العجب . / ص36 . ص37 . ص38 . ص40 . ص41  الرواية) وغيرها من فقرات سردية مذكراتية هي من الإشهارية حصرا والإعلانية اللامبررة ضربا، إذ لا علاقة لها هذه الفقرات والوحدات في بناء الدلالة الروائية في سياق من نمو الأحداث والتبئير، كان بإمكان الروائي أن يوظف هذه الشخوص ضمن علامات واقعية متخيلة تستنشق أريجها الطلق عبر خلفيات ومحاور أشد إتماما في معادلة السرد الروائي، دون إفساد الرواية بكشف علاقات يومية تقريرية خاصة بذاكرة الكاتب بهذه الأسماء من الأدباء الأصدقاء له ولنا ولكن خارج الرواية.

ـ المؤلف البديل وأسرار مدونة الفصل الأخير

أكيد أن محاولات الشخصية الانهزامية الفاقدة إلى أبسط روح المواجهة والإرادة الكاملة، صعبا عليها تقديم روايتها وذاتها إلى مجتمع القارىء الجريء والمشاكس والرقيب، لذا وجدناه أي الشخصية الروائية في الرواية فارا من كتابة الفصل الأخير من روايته: (هكذا أنقضت رواية منصور ولأنني لم أعرف طريقا له،ولم أجده في أي مكان يلتقي فيه الأدباء والمثقفون / شعرت في أثناء الكتابة بأنه يرافقني ويبدي موافقته، لذلك قررت توزيعها لما فيها من جرأة . / ص168 الرواية) في الحقيقة أن أجمل ما في رواية (ياسين شامل) والتي لا أحبذ عنوانها أبدا من جهتي الخاصة، هو إمكانية العلاقة المغيبة للشخصية منصور صاحب الرواية (الجبان) ما راح ياسين شامل يحقق علاقة تكنيكية هي ليست بالجديدة في الأسلوب الروائي، ما بين حيز المؤلف المفترض ـ المؤلف البديل، اقترانا بإمكانية التوحد والتماهي في خطاب المؤلف الحقيقي، وهذا الأمر ما جعلنا ننبهر بالضربة المضمونية في نهاية الرواية، بعد اكتمال كتابة الفصل الأخير من قبل المؤلف البديل ـ المؤلف الضمني احتمالا: (في الحال تم اقتياد منصور إلى جهة مجهولة ـ في الساعة التاسعة في نشرة الأخبار من الفضائية الرسمية كانت المذيعة التي بالغت بوضع مكياجها تذيع الخبر: بعون الله وبهمة الأبطال تم إلقاء القبض على أحد أفراد الطرف الثالث، بحوزته سلاح الجريمة في قتل المتظاهرة الشهيدة سمر . / ص174 الفصل الأخير: الرواية) .

ـ تعليق القراءة:

نكتشف من خلال فصول الرواية ما قبل الأخيرة، بأن الشخصية سمر كانت ناشطة في التظاهرات الشعبية وقد تم تهديدها من قبل الطرف الثالث المتمثل بـ (ك) والطرف (ن) بعد أن جرى خطفها ثم مقتلها على أيدي مجهولة الهوية والعلاقة . ولكن من سوء حظ المسكين منصور أنه تسلم مسدسا من قبل الشخصية (ك) بعد أن أقنعه هذا الأخير بضرورة حمله تفاديا لحدوث أي مكروه له، وعلى هذا النحو فإن نهاية الرواية جاءتنا كرواية داخل رواية واصلة بفواصل من المحبوك الاستبدالي ما بين المؤلف الشخصية في الرواية وبين المؤلف البديل عن هذه الشخصية لإكمال روايتها . أقول مجددا أن رواية (الجبان) تجربة فاعلة من خلال وسائل حبكها الذروية جماليا، فيما تحتل وظائف شخوصها الداخلية والخارجية حيوات متحولة ومبررة في مسار العلاقة المحبوكة من الشد الموضوعي الموزع ما بين إجرائية الدال المنفذ والدليل الروائي المسجل لأهم تطورات الرواية .أما من ناحية فكرة الرواية، فهي صورة سير ذاتية للمؤلف الذي راح يقدم لذاته الكاتبة في زوايا وجهة نظر مختلفة، قد تفصح عنها مساحة بنية المدلول معادلا أحواليا محتملا في ضوء تجليات أكثر عمقا وتأشيرا في الخطاب الروائي المبثوث في فضاءات من نزيف استقصاءات الوحدة المضمونية المفترضة من جهات البدائل الدلالية، إي إننا في نهاية مداليل الرواية، لعلنا أمام عدة خيارات وبدائل مضمونية، أولا أن الخاتمة منقسمة إلى أكثر من حالة دلالية وموضوعية، ثانيا أن علاقة الخاتمة بالعنونة الروائية، قد لا تعكس سوى رؤية مرتبطة وحيثيات فكرة دال (الجبان)، لأن ما مر به الشخصية منصور ما هي إلا حالة انهزامية نفسية تحكمها دوافع ظرفية وموضوعية خاصة، وليس كما هو ظاهرا من وراء صفة الجبن عبر شرائطه المختلفة . ببساطة أن خصائص موضوعة الرواية فيها من الإسراف والمبالغة في تحجيم موقع الشخصية في ما ليس ممكنا أبدا في طبيعة التوظيف الشخوصي، كما أن عملية ابتداع هروب المؤلف للرواية، بالإضافة إلى مفارقة إتمام فصلها الأخير من قبل صاحب دار الطباعة، قد يبدو عمل غير مقبول فنيا، بل أنه يحمل أوجه كبيرة من المفارقة في مستوى الإقناع الموضوعي للرواية وسردها . لعل الصديق الروائي كان يطمح من وراء هذا المعنى إنتاج آليات تقنية حاذقة أو لعبة فنية خاصة في خصوصية مواقع المؤلف البديل في المسار الروائي . لاشك أيضا أن العتبة العنوانية في مدار متن النص، لا تعبر عن صياغة إيحائية دقيقة، بل أنها جاءت معبرة عن وحدة الانطباع للمؤلف في ملفوظ التسمية والتوظيف . حاولت في هذا المقال توضيح قراءتي في تعليق سياق القراءة عن رؤيتي للرواية تقويما لها وليس هدما إطلاقا، فهناك مستويات جيدة في الرواية بل هي أفضل من روايات سابقة للروائي ذاته، ولكننا ارتأينا معاينة بعض الملاحظات والاشارات حول المناطق الضعيفة في بناء الرواية بدءا من العنونة وانتهاء بالخاتمة التي تذكرنا بنهايات فن الأقصوصة حيث الضربة المفارقة المختزلة والزهد في لملمة أطروحة الختام . وعلى هذا الأساس أقول موضحا للصديق الروائي: أن معيارية النصوص الجيدة هي الأكثر قبولا للمعاينة والتفكيك النقدي ثم تأويلها وصولا بها إلى حصيلة استقرائية مميزة في التصور والرؤية النقدية التي لا تعد شرطا في إقرار مقرر المعنى المنصوص في النص الروائي، بقدر ما تقدم القراءة النقدية علاقة مؤولة في المعنى الآخر من الرؤية للناقد والنقد .

 

حيدر عبد الرضا

 

نجيب طلالربط الفجوة: مبدئيا ندرك جيدا؛ أن هنالك أيادي تتلصص تجاه ما ننشره؛ وتسعى لا ستتماره بأساليب مختلفة وفي مواقع متنوعة؛ وهذا تبث ما مرة؛ ولا داعي لإحْراجهم، لأنهم أصلا محرجين بضعف تفكيرهم؛ وبالتالي ففي سياق ما ورد سلفا؛ تبقى تلك خطوط عَريضة؛ لإعادة النقاش بصيغة الألفية (الثالثة) وبصيغة عَوالم (الرقمية) لمسار المسرح في المغرب؛ ونشدد على (في) باعتباره فن مستورد؛ ولا يمكن أن نغالط أنفسنا في هَذا المضمار؛ وما(تلك) المحاولات في البحث عن اشكال (ما قبل مسرحية) ماهي إلى لغم سياسي لترسيخ ما يسمى (المسرح الشعبي) وما هو بـ(شعبي) لأنه يقام في قاعة عَرض ذات طابع (غربي/ إيطالي) والمسرح في إطاره العام هو (البناية) مهما تفاقم الجدل. أما المسرح الشعبي حقيقة؛ لا يتم إلا في الساحة العامة، لأنه قرينها مثل (مهرجان أفينيون) . وبالتالي فمسألة (البساط) ليس شعبيا لأنه سليل البلاطات؛ و(سلطان الطلبة) بمثابة مقايضة سياسية بين الحاكم/ الطلبة و(الحلقة) نتاج تذويب وتخفيف من آلام تهجير ساكنة البوادي وتوطينهم في بوادي أخرى نموذج قبيلة (بني هلال) في عهد الموحدين، وأكبر الهجرات تمت في عهد مولاي اسماعيل وابنه مولاي عبدالله، دون أن نغفل عهد المرينيين. والغريب أننا لا نتوفر على دراسات أنتبرولوجية ولا سوسيولوجية نوعية . تكون سندا في الدرس المسرحي. فقط شذرات عَشوائية لا تستند للعلم والحفريات؛ والسبب يتعلق ببنية التعْقيد النسقي في هاته الظواهر. وبالتالي فالتنظيرات التي كانت تنزل في المشهد المسرحي؛ كأننا في (سوق الدلالة) ليتحول نبل المسرح وعمقة للمناورات والمساومات والصراعات؛ رغم أهميتها فلم تستتمَر لبناء فعل مسرحي قوي وفعال؛ فانهار كل شيء تحت غطاء التنظير المسرحي؛ لأن السياسي هو الذي كان يتحكم فيها؛ لتوجيه المسرحيين؛ لما يهدف إليه . ونركز هاهنا فالسياسي يشمل حتى الحزبي باعتباره فاعل سياسي جوانية السلطة السياسية ذات سيادة التحكم في البنية العامة؛ وكذلك كل المتدخلين باختلاف تعبيراتهم الفئوية والطبقية في إنتاج السلطة وتنفيذها.

وهنا نشير من أوحى بتمظهر (الملتقيات المسرحية) التي لم توثق (؟) ولم تنجز حولها بحوث (؟) لملامسة أسباب النزول والوضع الجيوسياسي الذي كان فاعلا أنذاك . فظاهريا بعض الجمعيات والاتحادات المسرحية هي التي كانت في الواجهة التنظيمية؛ لكن كانت هنالك أجندة سياسية مبطنة في [سنة الثقافة] في ذاك الوقت؛ فأوكلت للمجالس البلدية (آنذاك) ولبعْض الجهات دعمها؛ بحيث نلاحظ أن ولادتها كانت غير طبيعية وموتها طبيعي؛ للوصول إلى (الاحتراف) الذي هَرول إليه الكل تاركين إرثا ثقافيا / مسرحيا؛ رغم المعاناة والمضايقات والمناورات السياسية الملغمة تجاه الجمعيات وعروضها؛ فالكل نسي ذلك (تقريبا) ونسوا أنه (كانت) هنالك عُروضا تشارك في الإقصائيات المحلية / الجهوية/ لمهرجان مسرح الهواة. تعرض في قاعة فارغة من جمهورها (إلا) من اللجنة المشرفة على اختيار العُروض(!) نسي بعض من كان يُستدعَى ضمن اللجن؛ لتلك الضغوطات التي كانت تمارس عليه؛ وعلى غيره. من لدن الجهة المسؤولة لترشيح/ اجتياز (عرض) مسرحي(معين) ليخون نفسه وضميره ويضرب التعاقد المبدئي عرض الحائط وتلطيخ ممارسته المسرحية. ففي ظل ماكان يتبن أن السياسي أقوى من المسرحي.

فجْوة الفجَوات:

ولقد تبين هذا بالمكشوف؛ إبان الهجمة الشرسة لفيروس (كورونا) اللعين. الذي غير ملامح الحياة في رمشة عين؛ محْدثا بذلك دينامية الارتباك والفوضى وحالة الهلع من الموت؛ وإفشال نشاط وحيوية البشر وطقوسه اليومية؛ ليلج مرغما في متاهات القلق والخوف من المجهول والأفق المنتظر . بحكم أن [الوباء/ الفيروس] هَدد كل المجالات الاقتصادية والإجتماعية والثقافية؛ مساهما بشكل فظيع في إحْداث فجوة الفجوات (أي) تفاقم حدة الحاجة والفقر والاحتياج وبروز تفاوتات في الشريحة الإجتماعية والفئوية والجهوية والمجالية كذلك، فازداد الوضع اتساعا وانتشارا؛ وإن سعَت السلطة السياسية فرض نفسها للسيطرة عَلى (الوباء) من خلال تدابير احترازية؛عبر بلاغات الحجر الصحي وحظر التجوال والتباعد وعدم التجمعات وبقية التدابير الأخرى؛ وهنا فحال المسرح وفنون الفرجة بدورها أمست تعيش نفس الوضع؛ وخاضعة للشلل التام . مما تفاقمت العَطالة والإفلاس وانهيار الطموحات والمشاريع الإبداعية والفنية؛ مقابل هذا برزت نداءات - ثلة – من الفنانين، وظهر التهافت عن صندوق تدبير الجائحة؛ وإن خصص أساسا للفئات الأكثر هَشاشة وتهميشا وللحِرف غير مهيكلة. وبالتالي فها هَو (الفيروس) يتولد كسلالات؛ مما فرض على كاهلنا تحديات الاستجابة لمضامين التدابير الاحترازية؛ فرغم بعْض الهمسات والنداءات لفنانين مسرحيين والتي (كانت) باحتشام تطالب بفتح [قاعة المسارح] والبعْض يطالب بفتح [دور الشباب] وهي مخصصة أساسا للمواهب والشباب والمراهقين (لتعْديل سلوكياتهم) و(التكيف) مع المحيط سوسيو ثقافي/ الرياضي . وليس (للمحترفين) في المسرح ؟ وهَذا موضوع عريض جدا. فالوضع لازال كما هو(أي) الإغلاق الشامل لقاعة العروض ودور الثقافة والشباب؛ وازدادت حدة الحجر وحالة الطوارئ، بتمظهر المستجد من سلالة (كورونا) ولربما الوضع الإجتماعي والصحي سيزداد تعقيدا؛ وستزداد الفجوة فجوات؛ وبالتالي ما مصير المسرح والفنون الفرجوية؛ والتي تعَد إكسير وجرعة حياة الروح؛ بغض النظر عَلى أنها إتباع وليس إبداع صرف، ذو خصوصية متفردة في معْمعان الوضع [الكوروني] باعتبار أن تاريخ الأوبئة يمنحُنا رصدا منطقيا؛ بأن الحياة الطبيعية ما بعْد الجائحة لا تستقيم إلا بعْد (أربع أو خمس سنوات) بالتقريب. هَذا إذا حاولنا أن نناقش طبيا / صحيا: متى يمكن أن يتم تلقيح كل ساكنة المعمور؛ لتحقيق المناعة الكلية بين البشر والفيروسات؟ أسئلة وتساؤلات تتناسل وتتشعَب في الزمان والمكان . ولكن لنذهب لفكرة هنري برغسون؛ الذي يركز على أن الواقعي أكثر من الخيالي، حين مُعاينته عن قرب. وها نحن نعاين جائحة ومؤثراتها معايشة؛ وبالتالي فالوضع المسرحي الآن يتطلب تحديات والتي يطرحها الواقع [ الكوروني] بين الممكن والمحتمل والذي أحْدث تغييرا في البنى الإجتماعية والفكرية؛ وفي سلوكنا ونظام حياتنا؛ يفرض علينا خيارات ثلاث: إما الانقراض وهذا يقاومه كل كائن حيواني/ نباتي؛ ولا يمكن للمسرح أن ينقرض إلا بنهاية البشرية. وإما الهجرة إلى مجتمع آخر وهذا من باب الاستحالة الآن، وإما التأقلم والتكيف. مع الوضع؛ وبالتالي فقوة المسرح مهما كان توجهه؛ فإنه يتجدد بتجدد الأزمنة، ويتطور بتطور الظروف والأحداث والملابسات. لكي يحقق عمْق كینونتھ الحقيقية .

ردْم الفجْوة :

هُنا الإشكالية؛ بأن أغلبية المسرحيين لم يستطيعوا ردم الفجوة؛ليظل المسرح روحا متجسدة في المشهد الثقافي/ الفني؛ بحكم أنهم لم يستوعبوا شروط الظرفية. التي أمست واقعا لا مفر منه؛ بأن (كورونا) كشفت عن مدى ضعف الكثير من الدول في مواجهته . هكذا فارضا نفسه - كينونة - لامرئية في عالمنا الواقعي والمتخيل؛ وسعى بثقله وشبحيته اختراق عوالم الإبداع والسرديات والنسق الرمزي الذي يحركنا. مما يدفع بالكل عمليا الانخراط في الصراع المفروض حتميا؛ أما على مستوى المسرح والإبداع؛ فلا محيد من تغيير جوهر المعادلة لصالح المسرح . وذلك من خلال ابتداع أشكال فنية جادة تبرز تلك الأفكار الرافضة ضد الشلل والانقراض. الذي يهدف إليه الفيروس (كوفيد 19 وسلالته) علما أننا اليوم نعيش في عالم رقمي؛ ضاغط، يفرض علينا التكيف والتعامل معه بأي شكل من الأشكال؛ بناء على البحث عن نفسنا وطموحاتنا بأنفسنا؛ وإلا سنكون كائنات أثرية/ ميتة. وبالتالي فالمسرح لم يعُد يخضع للأساليب المتعارف عليها وللمنظور الأرسطي أوْ ما بعْد ... بل أمْسى انعِكاسا للتطور المجتمعي بشتى أشكاله، فالطروحات الحالية : ك[ ما بعد الحداثة / ما بعد الدرامية/ ....رغم ضبابية المفاهيم؛ نتيجة تداخل التصورات والرؤى والدراسات الفكرية والسوسيولوجية والإقتصادية والجمالية في المفهوم؛ وتفريع أعمال وتجارب كمسرح التشظي/ مسرح الهيستيريا الوجودي الذي أسسه ريتشارد فورمان(امريكا) لكن (الآن) ففيروس (كورونا) ساهم في خرق وردم كل الأسس والقواعد المسرحية المتعارف عليها. بما فيها الجمهور . الذي لا خلاف ولا نقاش بأنه هو العين الأساس لكل عَرض مسرحي؛ وأبعَد من هذا فالجماهير روحه الفعالة في ديناميته وتفاعلاته . هنا فمن الطبيعي أن يتفاعل المسرحيون مع الشبكة العنكبوتية ويستغلونها أيما استغلال وخاصة مواقع التواصل الاجتماعي التي تتوفر على فاعلين و جماهير ومريدين؛ لأنها هي المستقبل وما بعد المسرح المباشر. فها هي : وزارة الثقافة والشباب والرياضة ابتدعت تصورا؛ انطلاقا من دعوتها لتقديم عروض مسرحية في قاعات فارغة؛ عروض بدون جمهور، يبدو أنها [دعْوة ]مجانبة لروح المسرح؛ ورغم ذلك لم يتم التعقيب أو الاحتجاج عليها؛ باستثناء تموقف المسرحي(ع المجيد فنيش) اعتبره قرارا عبثيا؟ لكن قبل هذا القرار؛ فالمقابلات الرياضية في بلادنا وفي العالم كله (لحد الآن) كلها تقام بدون جمهور؛ لكن البعْض منها يدرج للمشاهدة- تلفزيا- وعبر وسائط التواصل.

إذن؛ فلماذا لم يضع المسرحيون هاته الدعوة كأرضية للنقاش الجاد؛ كأفق عملي / تنظيري. لأنها هي المدخل لمابعد كورونا؛ لتفعيل وترسيخ [المسرح الافتراضي] شئنا أم أبينا؛ وبالتالي فلا مناص من الذين يتفلسفون ويتفقهون في المسرح اتباعا وابتداعا لمختبرات عالمية/ دولية؛أن ينزلوا لمعمعان الفعل الرقمي؛ ومحاولة البحث عن أفق لصيغ نظرية التنظيرية لمابعد – كورونا- لكي تكون ملائمة للتطور التكنولوجي وللجيل الرابع؛ وذلك لتجاوز الفشل الذريع الذي سيلحق المسرح في المغرب . لأن المسرح التفاعلي/ الرقمي/ الافتراضي/ فمثلا فجل أعمال شكسبير التي عرضت على الركح؛ في مرحلة السبعينات من (ق، م) تحولت إلى أشرطة سينمائية كماهي؛ وليتذكر من كانوا منخرطين في الأندية السينمائية؛ وأقرب من ذلك لدينا مرجعية في التمثيلية الإذاعية؛ وإن كانت تعتمد على الصوت؛ فتأكيدا مازال الصوت حاضرا لأنه هو (الإنسان) في حد ذاته؛ وبقوة يغري عشاقه ويستقطب المزيد منهم، والأجمل في التمثيليات الإذاعية؛ أنها تساهم في إطلاق العنان لمخيلة المستمع ليسبح في ملكوتها؛ بذلك ناسجا صورا تخييليه لأمكنة الأحداث؛ وفي وضعنا الحالي(الآن) بنقرة واحدة على جهاز الهاتف أو الكمبيوتر؛ نستمتع بفرجات إبداعية . من هنا فوسائل التواصل الإجتماعي،تكشف لنا أنها خادمة ومسخرة للإبداع، وليست وسيلة لردمه . بحيث يلتقي الصوت/ الصورة في تركيبات وتلوينات غريبة وخادعة وساحرة؛ والمسرح فن سحري؛ وفي زمن الرقمي؛ سيزداد سحْرا؛ أليس كذلك؟ هو كذلك؛ لكن هنا أي تنظير سيليق بمرحلة ما بعد جائحة كوفيد – 19 وسلالته؟

 

نجيب طلال

 

 

اسامة غانميستمد الروائي حامد فاضل في روايته "لقاء الجمعة"* عناصر روايته التكوينية الثلاث من الذاكرة / التجربة الوجودية الواقعية من شخصية خضير عباس الواقعة خارج النص تماماً، والخيال من الروائي، مما يعني " له السداة وللخيال اللحمة ولي الحياكة شكراً للأستاذ خضير عباس - ص5 الاهداء "، أي له السُدّاة لـ خضير عباس بمعنى مادة النسيج، فالسَدَاةُ = سَدَاةُ النسيج: ما مُدّ من خيوطه، السدى / اللحمة للخيال بمعنى الخيوط، لحمة الثوب = خُيُوطُهُ المُمتَدَةُ عَرْضاً يلحم بها السَدى / الحياكة لـ حامد فاضل - الروائي .

وفي العتبة، نقرأ مرة ثانية على لسان الراوي ما جاء على لسان الروائي: " تلك الذكريات التي شكلت سداة نسيج روايتي، والمذكرات التي كونت لحمتها .. الرواية التي نويت حياكتها عن نضال القوى الوطنية العراقية واخترته هو كمثال لذلك – ص 11 الرواية "، ففي هذا يقوم الراوي بدمج العناصر الثلاث والإستراتيجيات ألحكائية الخيالية ليدفع الى المقدمة بالاستفهامات التاريخية، وهذا ما تشتغل عليه الميتارواية التاريخية، وهو أحدى أشكال ما بعد الحداثة .

وفي رواية " لقاء الجمعة " تتحقق مقولة المؤلف المزدوج التي اشتغل عليها الناقد عبد الله الغذامي، في كتابه "النقد الثقافي"، لتأكيد أن هناك مؤلفاً آخر بإزاء المؤلف الاصلي، وذلك هي الثقافة ذاتها التي تعمل عمل مؤلف آخر يرافق المؤلف المعلن، وتشترك الثقافة بغرس أنساقها من تحت نظر المؤلف وهو في قمة تجليات ابداعه، غير اننا سنجد في مضمر النص نسقا كامنا وفاعلا ليس في وعي صاحب النص، ولكنه نسق له وجود حقيقي، وإن كان مضمرا، إننا نقول بمشاركة الثقافة كمؤلف فاعل ومؤثر، باعتبار أن من اساسيّات الأليات النقدية الثقافية التي تشكل النقد الثقافي هي المؤلف المزدوج .

تتكون الرواية من تسعة فصول، الفصل الاول باسم العتبة والفصل الأخير العتبة ايضا، وهما على لسان الراوي بضمير المتكلم، وسبعة فصول على لسان الشخصية الرئيسة سهيل نجم السماوي " فعليا هو يمثل الاستاذ خضير عباس الذي اهدى له المؤلف روايته "، وضعت تحت عنوان رئيسي موحد لكل الفصول مع عنوان فرعي مختلف لكل فصل: الجمعة الاولى / البرقية، الجمعة الثانية / الزهرة، الجمعة الثالثة / المظاهرة، الجمعة الرابعة / الخَنَاق، الجمعة الخامسة / الدخول، الجمعة السادسة / النفق، الجمعة السابعة / البيان .

تبدأ الرواية بجملة اخبارية، بفقدان (ضياع – اختفاء) الحاسوب المحمول للراوي، والذي يحتوي على جميع لقاءات الجمع مع سهيل السماوي بالإضافة الى مخطط الرواية الذي وضعه الراوي، " ربما هي المرة الألف، التي تُعيد فيها ذاكرتي شريط ذلك الصباح الشباطي المطير، الذي فقدت فيه حاسوبي المحمول .. ماذا أقول لسهيل السماوي؟ - ص 11 الرواية " .

ويستمر الراوي مؤنب ذاته يتسأل:

-تُرّى أين، كيف، متى ضاع الحاسوب؟

أضاع أم سُرقْ؟ ص 12 .

ولا يتبدد عماه الا حين يستلم رسالة عن طريق البريد الالكتروني من المسمى جابر عثرات الروائيين يخبره فيها بانه سوف يرسل: " ملف الرواية التي كتبتها اعتماداً على ما وجدته من معلومات في مخططك، أرجو أن تقرأها بدقة تضاهي الجهد الذي بذلته أنا في انجازها – ص 35 الرواية "، عندئذ تتوضح الامور للمتلقي وللراوي، ولكي يطلعا على ملف رواية لقاء الجمعة المرقوم من قبل جابر عثرات الروائيين، المدون فيه سيرة حياة سهيل السماوي، في حدود دلالية واضحة المعالم: إنه يفعل، ويعاني، ويفكر، ويعي ضمن حدود وجوده المتحقق أي في صورته الفنية المحددة بوصفها واقعا حقيقياً أنه عاجز عن التوقف عن كونه ما هو عليه بالفعل، أي عاجز عن الخروج من حدود شخصيته " 1، المرسومة بدقة من قبل الروائي بوعيه الذاتي، الوعي الذي يصور سهيل السماوي ويحدد ابعاده، ضمن خلفية تتكون في خارج الصورة، أي ضمن العالم الحقيقي . وذلك لأن " وعي المؤلف هو وعي الوعي، يعني الوعي المتطابق مع البطل وعالمه،الوعي المناسب والمكمل لهذا البطل " 2.

من حق المتلقي أن يتسأل، لماذا اختار الروائي " لقاء الجمعة " اسماً لروايته؟ واذا اختاره، هل اختاره بقصدية مضمرة وعلى المتلقي أن يبحث عن المعنى؟ وبالعودة الى قواميس اللغة العربية، لقاء لغة تعني: اجتماع / مقابلة، ملتقى: مقابلته واستقباله . اما الجمعة لغة تعني: الاجتماع / المجموعةُ / الالفْةُ، واشتقاقها من الجْمع،عليه يكون العنوان: الاجتماع . رغم أن هنالك تأويلات متعددة طرحت من قبل البعض على تفسيره كعنوان لا مكاني لا زماني والحقوه بالميثولوجية الاسلامية على انه يعني صلاة الجمعة، ويجب أن لا يغيب عن بالنا ان الذي حدد اللقاء يوم الجمعة هو: سهيل نجم السماوي " ص 26 "، وهو ذلك الرجل اليساري، الذي كان لاجئاً سياسياً شيوعياً في المانيا، وقبل ذلك من المؤسسين الاوائل لأول خلية شيوعية في مدينة السماوة، حاصل على ماجستير في القانون الدولي من جامعة كارلس في جيكوسلوفاكيا، نعم يعتبر الفكر الشيوعي فكرا امميا، أي لا تحده حدود ولا لغات ولا قوميات، لأن الايديولوجيات بالأساس هي لا مكانية ولا زمانية، فهل كان لقاء الراوي بــ سهيل السماوي لقاء صلاة جمعة أم لقاء استماع وتدوين الملاحظات للأعداد " لملف رواية لقاء الجمعة"؟

سهيل نجم السماوي، شخصية موزعة ما بين مدينة السماوة وبين صحراء البادية، شخصية حالمة، حتى وهو في المعتقلات والسجون يحلم، شخصية متمردة على وضعها السياسي – الاجتماعي، هذا كله جعل الروائي يتواجد على حافات العمل الذي يكتبه هو نفسه كمبدع فعّال له،لأن تدخله في هذا العمل يخّرب ثباته الجمالي . لذا كان الروائي " داخل العمل بالنسبة للقارىء هو مجمل المبادىء الإبداعية التي يجب أن تتحقق، وهو ايضاً وحدة الجوانب المكونة للرؤية التي تنسجم مع البطل وعالمه . أمّا فرديته كإنسان فهي فعل إبداعي آخر تماماَ بالنسبة للقارىء وللناقد ولرجل التاريخ"3 .

إن الذي اكسب رواية " لقاء الجمعة " زخماً شعرياً جمالياً مضافاً في سرديات النص، هو خوض الروائي حامد فاضل مغامرة سردية تجريبية في كتابة الرواية، عندما جعل النص يكتب من قبل الشخصيتين الرئيسة: الراوي " كتب العتبات " وسهيل السماوي " كتب اللقاءات السبع " في داخل النص الروائي: " في الهزيع الأخير من الليل . أنهيت مارثون رواية لقاء الجمعة .. حتى تعشقت فصول الرواية بأنفاسي، وسيطر أسلوب جابر العثرات على تفكيري .. كنت أتسأل من المنتصر، أنا الذي هيئت مخطط الرواية، أم ذلك الذي تقمص دور الروائي؟ – ص 214 "، تبقى التساؤلات قائمة ومتواصلة عند الراوي، في العتبة الاولى والثانية، ولكن في الاولى يكون التساؤل قريب من السؤال البوليسي " أين، كيف ، متى؟ أضاع أم سُرقْ؟ "، وحب معرفة الجاني كما يقول تودوروف يدفعنا إلى السؤال: ماذا حدث؟ فيما تجعلنا الإثارة نتساءل: ماذا سيحدث بعد ذلك؟ وفي حال الحبكة التي تثير التشويق، فإننا نتساءل: ماذا حدث وماذا سيحدث؟ . أم في الثانية فيكون التساؤل اخلاقي – معرفي، حتى بعد معرفة هوية الذي ظهر عنده الحاسوب ! .

تميزت الرواية بأسلوب لغوي متميز وعميق، حيث اتسم بالمعنى المكثف والشعرية العالية، دلالة على عبارات الروائي الجزلة المنتقاة مع مفردات جميلة جدا مختارة بعناية فائقة، شكلت جمل رصينة ذات جمالية فائقة، مما جعل الكلمة الروائية حقا كلمة شعرية، كلمة حية، متفاعلة مع وسط خاص متميز، " فاذا فقد الروائي الأرضية اللغوية للأسلوب النثري، ولم يستطع الارتفاع إلى مستوى الوعي اللغوي النسبي، وأصم أذنيه عن الثنائية الصوتية العضوية للكلمة الحية المتكونة وعن حواريتها الداخلية، فانه لن يفهم أبداً امكانات الجنس الروائي الفعلية ومهامه ولن يحققها"4، ولكن كان حامد فاضل مستوعباً هاضماً لكل هذه الأشتغالات الأسلوبية السردية، وهذه اتت واضحة وخاصة في اشتغاله على الامكنة: مدينة السّماوة، وصحراء السّماوة، في تجليات تشكيله للصور اللغوية لهما، من حيث الاستعارة والانزياح والمجاز، وهنا تختلط البلاغة مع الدَلالة .

ليس ذلك فحسب، بل يقوم بالحفر والتنقيب في ذاكرة التاريخ، للبحث عن هويتهما الموشومة على كل طابوقة بنيت بها الزقورات، وبقايا كل حجارة قد اكلت منها الامطار والرياح، انها مدينة موغلة بـ الأنسان، والواحه الطينية النابضة بالأحرف المسمارية، القابع فيها انكيدو وعشبة جلجامش، فالأمكنة عند حامد فاضل تتحول الى أساطير مجنحة تبحث عن خيمة الله، في عوالم لامحدودة لا نهائية، مطلقة، لنقرأ كيف اشتغل على أسم مدينته، وكيف يتوحد معها من خلال الوصف الصوفي، ثم يبين للمتلقي لماذا هو يعشق هذه المدينة، لأنها اول مدينة خط الانسان فيها اول حرف، واول ملحمة كتبت فيها، واول قوانين سنت فيها، واول مدينة يحكمها الملوك الالهة:

السّماوة

السين من السماء

الميم من الماء

الألف من الفرات

الواو من الوركاء

التاء من التاريخ . ص 186 الرواية .

كنت وما أزال معجباً بمدينتي السّماوة، عروس البادية التي اغتسلت بماء الفرات، وتحنت بطين شواطئه، مولعاً بتاريخها منذ اول لوح طيني نقش بالخط المسماري وتلفع بالتراب السومري، السّماوة التي ولدت من رحم سومر، ارتبط اسمها بأوروك، وجلجامش، وابو الجون، وقطار الموت، وسجن السلمان – ص 24 الرواية " .

نستطيع صياغة مفاهيم العلاقات الممكنة القائمة بين: الأسطوري والتاريخي والتخييلي والعالم الواقعي، لكي نفهم المعنى المتحقق، لذا يجب علينا أن نفهم الوظيفة الدلالية للمعنى في الانزياح عند حامد فاضل، عندئذ نستطيع التمييز بين الصور السردية الظاهرة وتلك الأخرى المضمرة الواقعة خارج السرد المتكونة من خلال الكلمات المضللة، فعندما يتناول صور الغروب في آفق صحراء بصية في حالة الشفق الذي كأن السماء / الازرق تتطابق مع الأرض / الاصفر (نعثر فيها على المرجعيات الاربع متداخلة منسجمة) يتناولها كأنها عملية جماع ما بين المرأة والرجل: يلتحم الجسدان / يتعشقان ببعضهما / لحظة ذروتهما . وباستطاعة أي متلقي مهما كان استقباله للصور السردية استشراف ذلك:

" هناك .. هناك بعيدا هناك، حيث ضربت خيمة الله أطنابها في الآفاق، وبظلالها على بادية بصية .. هناك حيث تنحني السماء، وتنهض الأرض، يمد الآفق بساط العشق، فيلتف الثوب الأزرق بالثوب الاصفر، ويلتحم الجسدان الأعلى والأسفل، يتعشقان ببعضهما وفي لحظة ذروتهما، يصطبغان بلون الغسق، يعرقان فيهطل الغيث، يلحس بلسان الماء جلد الأرض الأغبر، يخلع عليها حلة الربيع،فسيستيقظ وادي بصية من سبات الشتاء، يغسل وجه بدلاء السماء، يمشط شيبة العشب ويصبغها باللون الاخضر، يلقي على كتفيه عباءة أزهار قوس قزح، ويخبىء في زوادته الكمء النابت من غير جذور – ص 59 الرواية " .

في الاقتباس التالي سيكون الاستشهاد على شكل تشبيه، سيكون اكثر وضوحاً وخاصة انه جاء على لسان الدليل البدوي لقافلة سجناء نقرة السلمان، عندما استخدم مفردات لغوية متداولة في صحراء السماوة والتي تعتبر عند سكان الصحراء مفردة اعتيادية، أما بالنسبة للأخرين الذين لا يسكنون الصحراء فهي غريبة، غير مألوفة، تدهش مستمعها:

-ها قد وصلنا إلى النهدين .

دهش السجناء من تشبيه الدليل للتلين، لكنهم اثنوا عليه حين مروا بحذائهما، فقد كان التلان مكورين متوّجين بقمتين بارزتين كحلمتين في صدر فتاة ناهد، ختمت مداعبة عيون السجناء للنهدين بالوصول الى الفّرْج وهو المفرق الذي يبعد 5كم عن الطريق الصحراوي المؤدي الى مرآة الرمل المقعرة المعروفة باسم نقرة السلمان – ص 181 الرواية " .

إن زمن العتبات، هو غير زمن اللقاءات، فزمن العتبات هو تاريخ ما بعد الاحتلال الامريكي للعراق، أي بعد عام 2003، والعتبات هي عبارة عن حكي الراوي غير المكتوب، وهو خارج المتن ولكنه داخل الرواية أما زمن اللقاءات هو التاريخ المحصور ما بين عام 1948- 1958، هو الزمن المكتوب على شكل مذكرات تعتمد اعتماداً كلياً على ذاكرة سهيل السماوي " الذاكرة مستودع الذكريات " في المتن، فالذاكرة هي الربط بين الماضي - الحاضر – المستقبل ‘ كيف يعي الانسان ذاته من دون ذاكرة؟ فالذاكرة هنا هي الهويّة، لذا فإن غيابها يغيَبّ الهويّة مما يعني أن الانسان الذي كنته بالماضي او الذي سأكونه في المستقبل، هو الهويّة . مما يعني أن ذاكرتنا تمنحنا الإحساس المتواصل بالفردية، والذات، والهوية . فالهويّة تعيش بالذاكرة . والدلالة على ذلك حتى في الموت نكون بحاجة إلى ذاكرة، شواهد القبور تمثّل هويّتنا وذاكرتنا، أن ثنائية الهويّة والذاكرة تحيل الى الحركية المرتبطة بالسؤال المسافر، دوماً، الذي يكتمل بالتوكيد القائم على الانفصال داخله، كذلك فإن ثنائية الهويّة والذاكرة، تنتمي الى الرؤية التي تقول بلا نهائية الكتابة 5 .

وبالنتيجة الحتمية تكون الذاكرة الشخصية او الجماعية جزء مهم من التاريخ العام، وفي هذا وفق الروائي في مزاوجة الواقعي / الوثائقي / التاريخي بالسرد الفني التخييلي، مما منحه هذا اعادة صياغة الاحداث وفق رؤية روائية فنية متخيلة بشفرات حكائية معرفية – ثقافية، جعل السيرة الشخصية النضالية لـ سهيل السماوي، منذ تعرفه بأمين مكتبة متوسطة السماوة منير الجميلي الرجل اليساري المثقف، واطلاعه على افكاره، الذي قام " اضفاء نصاعة ضوء من سراج فكره المضيء، الى جذوة قراءة سهيل السماوي – ص 69 الرواية " . وقيادته لمظاهرة شعبية لدعم انتفاضة تشرين الثاني عام 1952، ادت الى اعتقاله وسجنه في مركز الخَنَاق في مدينة السماوة هو وجماعة من زملائه الطلبة، ثم تسفيرهم الى معتقل ابو غريب، ثم نقلهم الى سجن بغداد المركزي لعدم تمكنهم من دفع العشرة دنانير، ليطلق سراحهم بعد أن جمع المبلغ من قبل اهل السماوة الميسورين، وهكذا بدت مسبحة الاعتقالات والسجون تكر على سهيل السماوي، ثم بعد حادث قطار الديوانية، يعتقل في مركز شرطة السكك لينقل بعدها الى التحقيقات الجنائية ثم الى سجن معسكر الرشيد ليستقر بعدها في سجن بعقوبة لحين حفر النفق المشارك فيه وهروب السجناء، على اثره ينقل الى نقرة السلمان في بادية صحراء السماوة، ليبقى فيها لحين قيام ثورة 14 تموز 1958، ليطلق سراحه بعدها بأيام، الرواية حوت للكثير من الوقائع التاريخية التي حصلت للسجناء، وخاصة في سجن بعقوبة، مع الكثير من الاسماء الحقيقية مثل: حسين مردان – محمد مهدي الجواهري – كامل الجادرجي، وللكثير من اسماء القيادات الحزبية للحزب الشيوعي العراقي: حميد عثمان – ارا خاجادور – طالب عبد الجبار و عزيز محمد من جماعة راية الشغيلة .

هذه السيرة الشخصية النضالية لسهيل السماوي كما نوهنا، حْولهّا الروائي بقدرة فنية عالية لتصبح هويَة وذاكرة نضالات الشعب العراقي، ولتصبح بالذات جزءاً من تاريخ نضال الحزب الشيوعي العراقي، رغم اننا " نعرف بالطبع أن ما نقرأه ليس هو ‘ الواقع‘، ولكننا نقوم بكبت معرفتنا حتى نزيد متعتنا . ونميل لقراءة المتخيل كما لو كان تاريخاً . وبمعاملة المتخيل بوصفة وثيقة تاريخية، يستخدم فاولز المواضعة ضد نفسها . ونتيجة لذلك، بدلاً من أن يعزز إحساسنا بالواقع المستمر، يمزقه لتعرية مستويات الوهم . إننا نضطر من ثم الى تذكر أن عالمنا ‘ الواقعي‘ لا يمكن أن يكون العالم ‘ الواقعي ‘ أبداً للرواية . ولذا، في الوقت الذي يبدو أن كسر الإطار يجسر الفجوة بين المتخيل والواقع، فإنه يعمل على تعريته في حقيقة الأمر " 6 .

لقد عمد الروائي في ‘ لقاء الجمعة ‘ الى خديعة الذات القارئة عندما جعلها لا تستطيع أن تميز بين الخطابين التاريخي والتخييلي الا بصعوبة بالغة رغم أن التخييل السردي يقدّم لمحات عن البنية العميقة للوعي التاريخي حيث يكون بمقدور الروائي أن ينسج " يصيغ، ينتج " خطاباً خيالياً قد لا يكون أقلّ حقيقية عن احداث واقعية لكونه خيالياً، وهذا ما دفع المتلقي أن يميز بكل سهولة بين الأيديولوجية التقدمية اليسارية وبين الرجعية القمعية، فالعبرة في جوهر الخطاب وليس محتواه، كما نوه الى ذلك بارت عندما قال " نستطيع أن نرى بمجرد النظر إلى بنية الخطاب التاريخي ومن دون الحاجة إلى استحضار مادة محتواه، فإنه في جوهره شكل من الصياغة الأيديولوجية، أو بدق أكثر صياغة خيالية " 7 .

وهذا ما نراه حاصل عندما يقدم لنا ذلك من خلال اسلوبية سوسيولوجية للحدث ظاهره الادانة وباطنه التعرية والكشف، من خلال حدثين، الاول بعد 2003 / الاحتلال الامريكي، والثاني في العهد الملكي / الاحتلال البريطاني، حيث يكون فيه الانفتاح على النص انفتاحاً على المُتخيّل الذي يحُرّره المَعنى:

قطة جميلة، تلطعُ الماء من بركة بحذاء الرصيف، حتى إذا ما ارتوتْ ولحستْ شعرها وتمطتْ، فأجاتها سيارة أوبل زرقاء غير مرقمة، وما بين مَدّ بصري وجزره، صرخت القطة، قفزت، وقعت، وبصحوةِ موتٍ باتجاه النخلة ركضت، ثم تحت طابور صور المرشحين خمدت، في اللحظة نفسها التي اطلق سائق الأوبل النار على رجل من السَابلة، فارداه في الحال، قيل انه كان ضابطاً في الجيش العراقي المُنْحلْ – ص 14 الرواية .

لمحة ذكية ذات دلالات ايحائية – رمزية، تحمل معاني متعددة " تحت طابور صور المرشحين خمدت "، كما خمت الشعب، وعندما تتطلع على القطعة السردية الثانية، تقرأها كأنها ملحقة أو تتمة للقطعة الاولى حيث يتحقق التطابق في الاختلاف:

رحب الخياط اسكندر اللبناني بسهيل السماوي، وفي انتظار الأستاذ عزيز الشيخ . طفقا يتحدثان وهما يحتسيان القهوة عن الوضع الاقتصادي المتردي وعن التبعية والمحسوبية والمنسوبية وتفشي الرشا والفساد الاداري والاجراءات التعسفية التي تمارسها الحكومة لقمع المظاهرات المطالبة بالتغير . 114 الرواية " .

نتسأل هل هنالك اختلاف ما بين العهد الملكي والحكومة الحالية في احداث قمع المظاهرات الشعبية؟ بل نرى الآن اضيفت اجراءات اكثر وحشية واكثر شراسة، مثل الاغتيالات والاختطاف . لنعود نتسأل مرة أخرى هل هنالك فرق بين الاثنين؟ وكيف؟ .

ويبقى التساؤل قائماً عن من هو جابر عثرات الروائيين؟ للراوي وللمتلقي، الذي ارسل ملف رواية لقاء الجمعة والمكتوب من قبله، الى الراوي " لم يطلق عليه الروائي الى نهاية الرواية اسماً ":

- ماذا عن حاسوبي الذي عندك .

- ستجده صباح غداً معلقاً على جذع النخلة الشامخة قدام مطعم فلسطين . والآن اتمنى لك ليلة سعيدة .

- لحظة اسمح لي ألم تنس شيئاً أخر؟

- لا لم أنس، دقيقة وسترى صورتي وتعرف اسمي .

- الله!

صرخت وفتحت عيني على سعتهما، وأنا احدق غير مصدق بصورة سهيل السماوي . – ص 216 الرواية " .

اخيراً، عندئذ نعرف من هو جابر عثرات الروائيين، حيث يكون هو ذاته بعد الاحالة الى ما وراء الرواية المتواجد في الاهداء: خضير عباس .

لتبقى الندوب على خرائط جسده مزروعة، منذ أن ابتدأت رحلته في سجن مدينة السّماوة، وانتهت في سجن نقرة السلمان الصحراوي المزروع في بادية السّماوة .

وليبقى حامد فاضل من القلة المعدودة من الكتّاب في مغامرة الكتابة السردية لأنه سندباد رحلات السرد المغامر .

 

أسامة غانم

..........................

الهوامش والاحالات:

* رواية " لقاء الجمعة " – دار الورشة الثقافية للطباعة والنشر، بغداد، 2020 .

1- ميخائيل باختين – قضايا الفن الابداعي عند دوستويفسكي، ترجمة: د . جميل ناصيف التكريتي، مراجعة د . حياة شرارة، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد / العراق ، 1986، ص 73 .

2- ميخائيل باختين – النَظرية الجمالية: المؤلف والبطل في الفعل الجمالي، ترجمة: عقبة زيدان، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق / سوريا، 2017، ص 67 .

3- م . ن . ص 286 .

4- ميخائيل باختين – الكلمة في الرواية، ترجمة: يوسف حلاق، منشورات وزارة الثقافة، دمشق / سوريا، 1988، ص 101 .

5- جوناثان كيه فوستر – الذاكرة، ترجمة: مروة عبد السلام، مراجعة: ايمان عبد الغني نجم، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة،2014، ص 90 .

6- باتريشيا وُوه – الميتافكشن: المتخيل السردي الواعي بذاته ‘ النظرية والممارسة ‘، ترجمة: السيد إمام، دار شهريار، البصرة / العراق، 2018، ص 45 .

7- هايدن وايت – محتوى الشكل: الخطاب السردي والتمثيل التاريخي، ترجمة: د . نايف الياسين، مراجعة: فتحي المسكيني، هيئة البحرين للثقافة والاثار، المنامة / البحرين، 2017، ص 101 .

 

صباح الانباريفي مجموعة (باصات أبو غريب) للقاص بولص آدم

الشخصية المحورية: هي واحدة من الشخوص الرئيسة في العمل الإبداعي وتختلف عن الشخصية المركزية من حيث موقعها داخل النص، وأهميتها في التمحور حول محور الشخصية المركزية.

اعتبرها بعض النقاد شخصية ثانوية لأنها تدور في حركتها، وأفعالها، وسلوكها حول الشخصية المركزية (البطل) داعمة له ومتفضلة على القارئ بمنحه المزيد من المعلومات المهمة عنها، وعلى عكس هذا جاء في التعريف المبسط لقاموس (المعاني الجامع) هي شخصية رئيسية في الرواية تدور حولها الأحداث. والحقيقة أن الأحداث لا تدور حولها بل تدور حول الشخصية المركزية حسب، إنها تضفي الألق والهيمنة على الشخصية المركزية فضلاً عن جعلها تستأثر بمساحة شاسعة من النص فتبدو والحال هذه محورا لها، ولنا في (باصات أبو غريب) أمثلة كثيرة على ذلك.

باصات أبو غريب

عنونة تشير الى مجموعة حركات انتقالية بين مكانين: الأول معني بشؤون المجموعة كلّها (أبو غريب) والثاني المرتبط بها كـأداة ممولة لباصات (أبو غريب) وبمعنى آخر هي همزة الوصل الكبرى بين الداخل المغلق (السجن) والخارج المفتوح (المدينة). وهي عنونة لواحدة من قصص المجموعة نظراً لأهميتها، وتركيز القاص عليها، وقدرتها الإيحائية، وتحديدها المكاني المهيمن على مساحة المجموعة كلّها.

وانتقالاً للقصة الموسومة (باصات أبو غريب) سنجد أنها تأسست على شخصية مركزية هي السجّان، والفعل الذي بنيت عليه هو (ضرطة السجان) التي أضحكت السجناء وأثارت رغبتهم في التهكم من سجانهم الشبيه ببائع العرقسوس.

"قال أنويا ممازحا سمير الحلاوي (النصف مجنون) ما رأيك لو هبطت علينا من السماء باصات تنقلنا الى بغداد؟ نهض سمير وراح يحث الركاب على الصعود الى الباص ثم قاد الباص وهميا باتجاه عمود في ساحة السجن فارتطم وسقط على وجهه وراح دمه يسيح على وجنتيه" نهض واستدار ووقف أمام السجان الذي اكتفى بشتمه قائلا:

- اجلس يا حيوان

عند هذه الشتيمة الحيوانية المألوفة في السجون، والشائعة في معسكرات الجنود تنتهي القصة. وهي بكاملها تعد لقطة من السجن أو صورة منه. ولم أعرف على الرغم من إعادة البحث فيها عن مبرر اختيارها كعنونة تتصدر المجموعة كلّها كما لو أنها لا تمتلك البديل أو العلامة الدالة على فحوى المجموعة، ورب قائل يقول إن السبب في هذا هو تأكيدها على هوية المكان الذي تعرّف القاص على تفاصيل مساحته وشخوصه. فتماهى في هذه القصة وراء شخصية الراوي العارف بكل شيء فهو السجين المثالي الذي تحصن بثقافته ووعيه وقدرته على مواجهة الظروف المحيطة المؤثرة سلبا على نزلاء السجن. وهو القادر الوحيد على استرجاع الأفعال والأهوال في ذلك المكان المغلق. وإعادة تشكيلها على وفق رؤيته الخاصة المتجاوزة لمحدودية المكان، وان الباصات هي التي تقوم بحركة الانتقال بين العاصمة صاحبة القرار وبين سجن أبي غريب كمكان لتنفيذ القرار.

السجّان هنا يتمتع بقدرة فائقة على التعامل اليومي الروتيني مع السجناء ولا يهمه أن يطلق هذه الصفة أو تلك عليهم ما داموا نزلاء عنده في غرف لا يدفعون ثمن سكنهم فيها. هو كالراعي لهم، والقائد لقطيعهم وعليهم فقط طاعة أمره كما يطيع هو الأوامر الصادرة من سلسلة مراجعه العسكرية. ومع أن هذه الشخصية التقليدية لم تمنح من الصفات التعريفية ما يكفي (داخل النص) إلا أنه لم يفتْنا اختيار تلك الصفات مما عرفناه، وقرأناه، أو سمعناه عنها. لغة الأوامر تستهويها، والطاعة هي دلالتها الى أن أوامرها مطاعة بشكل يريحها ويشعرها بأهميتها الوظيفية كسجّان. وهو مميز بشتائمه التي يوجهها وقتما يشاء الى أي سجين يشاء، وهو المعرّف بسذاجته، ومحدودية فكره، وضيق أفقه، وتبعيته لسلسلة المراجع مثلما يتبع كلب الحراسة صاحبه أنى ذهب ووقتما شاء. ومع أن القصة أشارت الى بعض شخوصها مثل النصف مجنون سمير الحلاوي، وأنويا إلا أن السجّان ظلّ الشخصية المركزية المهيمنة عليها وانتهت عنده جملتها الأخيرة (اجلس يا حيوان). وإذا كان السجان هو شخصية القصة المركزية (بطلها) فان أنويا وسمير الحلاوي هما شخصيتاها المحوريتان الرئيستان.

جملة الأمر (اجلس يا حيوان) لم تغلق فضاء القصة على نفسها بل تركت المجال مفتوحاً على المزيد من الاحتمال، والـتأويل، والرصد للقادم من أحداثها المستقبلية.

في قصة (العُنقُرجي) وهي عنونة شعبية من مفردة واحدة منحت الرائي من على شرفتها إيحاءً دلالياً مفاده أن المجريات كلّها أو جزءاً كبيراً منها تدور حول شخصية شعبية مركزية هو (العنقرجي) الذي ستغطي شخصيته مساحة القصة كلّها أو جزءاً كبيراً منها، وهذا استنتاج استباقي مفترض حسب السياقات المعمول بها أسلوبيا، وان الحدث الأساسي، على قصره أو طوله، يصب في المنحى الذي اختير له بقصد أو من دون قصد. والعنقرجي مفردة جاءت من الفصيح (عُنقُر) وأضيف لها حرفي الجيم والياء لتدخل ضمن اللهجة الشعبية الدارجة، وتعني كما جاء في قواميس اللغة العربية أصل البردي (وقيل كل أصل نبات ابيض فهو عُنقُر)(1) ولم نعرف بعد ما إذا كانت الصفة تنطبق على الموصوف أو الشخصية التي نحن بصدد متابعة أحوالها وظرفها المعطى قصصياً.

تصنّف هذه القصة والقصص الأخرى ضمن أدب السجون لوقوع أحداثها في الأعم الأغلب ضمن مساحة صغيرة في سجن كبير رهيب هو سجن (أبو غريب) الذي أخذت تسميته من اسم المدينة التي تبعد 32 كلم عن بغداد العاصمة. ثم صار يعرف بعد الاحتلال الأمريكي (2003) باسم (سجن بغداد المركزي) وذاع صيته دولياً بعد الفضائح الرهيبة التي ارتكبها الجنود الأمريكان وقتذاك في دهاليزه.

السجن هنا يعني الحرمان شبه التام مما يرى السجين أو يسمع، وبمعنى آخر هو استلاب أكثر من حاسة بشرية يعقل الإنسان بها ظرفه المحيط، ولهذا فان مشاهدة كلب واحد لائذ بمزبلة السجن أمر يعكس مدى العطل الحاصل في رؤية أبسط ما تعودت عليه الرؤية اليومية المطبّعة في بلد قائم على الاضطهاد والاستلاب ليس للحواس البشرية حسب، بل لكل ما له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بذلك السجين. في المدينة وشوارعها تبدو أغلب الأشياء معتاد عليها ولكن حين يحرم السجين منها قسراً وظلما فأنه يفاجأ بمشاهدتها بعد انقطاع طويل ويسأل عن كيفية وصولها الى بؤرة الحرمان الوبائية (مزبلة السجن) وهذا ما حصل بالضبط في مطلع قصة (العنقرجي):

(مرت فترة طويلة لم نرَ فيها كلباً، الحيوان الوحيد هنا هو قمل الرأس الذي يعيش على دمنا)

فهل يؤدي انعدام حاسة الرؤية أو تعطلها الى تفعيل حاسة أخرى مثل الملامسة؟ استنتاج توصل إليه القاص بنباهة مفرطة. وهو ما ينطبق على فاقدي البصر فالأعمى وبسبب العطل في عينيه فان حواس أخرى تحاول التعويض عما فقد تحت أي ظرف كان. إن وجود القمل في رأس السجين الذي أزاح الحيوان (الكلب) هو البديل التعويضي، ليس عند السجين فقط بل عند السجناء جميعاً، وهو الحيوان الملامس الوحيد داخل زنازين السجن. ولم يكتفِ القاص بهذه الإشارة الدلالية إذ أضاف ما يشير الى طبيعة العلاقة بين السجين والسجان، وبهذا شكلت البداية نقطة تنوير شديدة الإضاءة لمجمل ما سنقرأه في متن القصة. ولعل طبيعة الحوار بين هذين الاثنين يكشف عن المزيد من مزايا تلك العلاقة:

- أستاذ جميل لا تهتم انه مجرد كلب

- اسكت لا تتدخل، والا حجرت عليك معه في المحجر يا حيوان!

إن لفظة (حيوان) التي استخدمها (جميل) عادة تغطي جانبا مظلما ودونياً في دخيلته يحاول إزاحتها بنقلها الى خارج ذاته المضطربة أو بالأحرى نقلها الى السجناء عن طريق الإصرار والتأكيد على إطلاقها عليهم، أو على من انعدم عنده ذلك الشعور بالتسامي عليها، وعلى شتائم غيرها.

في الصباح اكتشفوا غياب (العُنقُرجي) وهذه إشارة أولى الى بدء قصته المؤجلة والتي أثارت شكوك السجناء وتساؤلاتهم الكثيرة حتى يخبر أحدهم السجناء بعبارة موحية أن "الحسناء عند الوحش" ويظهر أن العُنقُرجي في مواجهة اضطرارية مع مسؤول كبير في السجن إنه شخصية غائبة لها حضورها الفاعل على ألسنة رفاق السجن، وعلى عنونة القصة التي تمرست خلف اسمه منذ البداية. ولم تمارس حضورها مادياً مثل بقية الشخوص. الراوي العارف بكل شيء وهو سجين جايل شخوص القصة وراح يروي عما حصل له ولهم داخل السجن ينتقل بروايته الى خارج السجن الى المدينة (المكان المفتوح) الذي حرم من مشاهدة تأثيرها على البشر وتأثير البشر عليها، وما (الصابونة) التي وجدها مع بقية أغراضه في الكيس إلا صلة الوصل بين مكانين متشابهين من حيث المعنى، ومختلفين من حيث المبني والصابونة بينهما تعني قذارة المكانين معاً وحاجتهما أو بالأحرى حاجة السجين الى تنظيفهما وهي صلة الوصل بينه وبين عائلته الموصلية وهي علامة مادية، ودلالة مكانية على (باب الطوب) وهو حي من أحياء الموصل القديمة.

وصل السجين الى شاطئ دجلة، أخرج من الكيس بعض حاجياته وخبزاً جافاً وضعه الى جانبه منتظراً النوارس لإطعامها ولكنه راح في إغفاءة طويلة انتهت القصة عندها ولم يكتمل سردها الذي تبقى منه الكثير. وهي بهذا تسير على منوال التي سبقتها في ترك نهايتها مفتوحة على احتمالات كثيرة وأحداث لم تقع بعد. ولكنها ستقع حتما داخل مخيال المتلقي الذي افترضت فاعليته.

العنقرجي إذن شخصية مركزية دار الحديث عنها بوجوده الفعلي أو حضوره الافتراضي وحتى الراوي ذكرها وهو يبتعد عن السجن والسجناء: "تذكرت العنقرجي ونباح الكلب" مما يؤكد مركزية هذه الشخصية الفريدة التي تدور الأحداث كلّها حول محورها وإن كانت غائبة.

في قصة (حدث ذات مرة في الممر) يحل السجين محل الراوي ليحكي لنا بشكل مباشر ما حدث داخل السجن وكـأني به يكتب حلقة ثانية أو فصلا من رواية من روايات أدب السجون. يعود بنا الى الزنزانة لنصغي وإياه الى صوت السجّان وهو يقرأ عددا من أسماء المسجونين المطلق سراحهم بشكل مفاجئ. لحظات ثقيلة وطويلة مرت على السجين وهو ينتظر ورقة، إطلاق سراحه، التي تنقله من غياهب السجن الى عالم النور. السجين حدق بكل الموجودات في الممر للمرة الأخيرة.

فما يراه في هذه اللحظة قد لا يراه ثانية. هكذا كان يفكر، وهكذا كانت لحظات المفارقة بين عالمين مختلفين ومتناقضين: الأول مطوق بالأغلال والقيود والثاني مطوق بالحرية والنور والسعادة المجتمعية المزعومة، مع أن الواقع الفعلي على غير هذا. وتفاصيله ما فتئت تحت هيمنة الفكرة المركزية التي تجلّت فيما حدث ذات مرة في ممر السجن الرهيب (سجن أبو غريب). شعرنا كما شعر السجين أن النهاية قادمة لا محال وسرعان ما تبين أن حلم السجين بالحرية لم يكن سوى وهم من أوهام السجناء. لم يكن في هذه القصة من يشارك السجين محنته ولهذا بدت وكأنها مونولوج حدث ذات حلم وهمي بطله السجين نفسه.

في (الطعنة الغامضة) يخبرنا العنوان أن ثمة طعنة غير مرئية (غامضة) لم يعرف بعد من قام بها. وهي تعني أيضا أن ثمة مطعون نعرف مدى طعنته من حالة سقوطه مضرجاً بدمه النازف بشدة. وهذه لقطة طالما شاهدناها في أفلام السجون كدلالة على عنف السجناء، وخلفيتهم التربوية القاسية، ورغبتهم الجامحة في الانتقام، وثمة طاعن شديد المكر قادر على إبعاد الشبهة عن شخصيته غير المكترثة بالحياة البشرية حيث يتساوى عنده الموت والحياة بعيداً عن حياته المستثناة طبعاً. ويمكن إجمال هذا كلّه تحت يافطة يحلو للقاص تسميتها (الواقعية الوحشية).

هذه الطعنة أدت في القصة الى معاقبة السجناء بتركهم في ساحة السجن تحت المطر المنهمر بغزارة لما يقرب الساعتين أو أكثر قليلاً تنتقل كاميرا الكاتب الى المستقبل لتصور لقطات قام بتوليفها ذهنياً ليرى أمه في المطبخ وهي تسلق الخضار. وشقيقته عائدة من عملها الى البيت وإخوته من الجنود وهم في أماكن مختلفة، مع أن هذه الأفعال (المستقبلية) كلّها تتماهي مع استرجاع الماضي وأفعاله أكثر مما هي رؤية مستقبلية لها. وفي النهاية يتركنا القاص مع آخر لقطة فنية يظهر فيها الفاعل في عملية الطعن متكئاً على جدار السجن أسفل برج المراقبة والحارس ينظر إليه وفي يده سماعة الهاتف. في هذه القصة تجدر الإشارة الى أن القاص باعتباره من المهتمين في السينما اهتم باللقطة السينمائية الموحية والمعبرة عن جوهر الحدث كبديل فني جنّب القصة من الحشو والرتابة المملة.

ويظل الفعل الأخير رهن ذهنية القارئ الذي يقوم بتأويل أو ابتداع نهايةِ ما بعد نهايةِ القاص ولكل قارئ تأويله على أية حال، وبعدد قراء هذا النص تتعدد النهايات المحتملة والمختلفة.

في القصة تنفلت من بين أيدينا الشخصية المركزية ربما بعد غياب الشخصية الرئيسة أو تخفيها داخل ساحة كرة القدم. وحتى بعد ظهورها تظل عصية عن التحديد، حالها حال المتحدث داخل القصة وهو أحد السجناء الذي ظل خارج الفعل الرئيس معلقاً على الأحداث غير مشارك فيها وجاءت النهاية كنهايات القاص المألوفة بانفتاحها على عالم من التأويل واجتراح المجريات القادمة.

في (علاكات تعبان) يبدو القاص مصراً على منح قصصه سمة شعبية خالصة فجاء عنوان القصة مستخلصا من المفردة الشعبية (علاگات) مضافة لشخصية القصة (تعبان) وهو اسم مذكر شائع على المستوى الشعبي واللهجة الشعبية ويدل على سلسلة الأتعاب التي جادت بها الحياة عليه بشكل دائم مع أن هذه الدلالة لا تتوافق مع حقيقة هذه الشخصية، ويخبرنا القاص إن هذا الاسم إنما هو اسم حركي لا غير. وهذا يعني انه مارس السياسة والانتماء لطرف ما في الحركة السياسية ولم يعد يأبه لكل ما وصف به من الأسماء والصفات اللاذعة بعد أن حكم عليه بالإعدام. الرجل عاش معارضاً، ذاق مرارة التعذيب الوحشي وإيهام الموت شنقاً، وصار لا يحلم إلا بشائعة العفو العام الذي لا يصرح به إلا سيادة الرئيس كمرحمة منه لأبنائه السجناء. وما التلفزيون الذي يشغله من أجل متعة السجناء إلا صلة الوصل بينه وبين سجناء (أبو غريب) يقول الكاتب: "تعبان كان من أغزر مساجين أبو غريب تداولا، نقلاً وتأليفاً لمختلف أنواع العلاكات (إشاعة العفو العام)" فالعلاكات هنا هي البديل الأمثل عند السجناء لأملهم بالعفو العام. شخصية إشكالية غريبة ترك الراوي لنفسه حرية الإخبار عنها وعن تفاصيل حياتها في الداخل والخارج عاشت على أمل صدور العفو العام عن السجناء وذاقت مرارة التعذيب الوحشي أيام التحقيق معها كشخصية معارضة للنظام. وسمحت لنفسها القيام على خدمة السجناء بتشغيل التلفاز كل يوم وكانت تكتفي من التلفاز فقط بمشاهد أفلام الرسوم المتحركة فهي وعلى الرغم مما مرت به من المعاناة والمرارات والأذى تنطوي على قدر كبير من براءة الأطفال. شخصية مركزية كانت الفاعل الكبير الذي غطى مساحة النص بأفعاله وأحواله الى يوم انقض عليه السرطان ونقل من السجن الى بغداد.

في قصة (حمامة أبو غريب) تضمنت عنونتها اسم السجن أو المكان الذي تتحرك عليه أفعال شخصيات المجموعة. والجديد فيه الآن هو (حمامة) ظهرت أمام القاص (السجين) في فناء بين ردهتين وهي تلتقط عيدان القش لبناء بيت شقي. استأثرت بمتابعة القاص لها فهي عنده كما هي عند العراقيين رمز للسلام والطمأنينة والمحبة وهي وجه المقارنة المضاد بينها وبين محمود الذهبي الذي قاطع القاص بطلب كتابة قصته أو جريمته وهو أكبر المتنمرين داخل السجن ويخشى بطشه الجميع بما فيهم السجانون. يقوم محمود الذهبي بواسطة نصف موس كان مخبأ تحت لسانه يشق صدر السجان وبطنه عدة مرات بينما انصرف القاص الى الحمامة يرقبها وهي تبني عشها الشقي.

في قصة (بانتظار الأبوذية) ثمة عقدة نفسية كبيرة كتب عنها الناقد الراحل حسين سرمك حسن تحليلاً سيكولوجيا مستفيضا سدَّ به علينا قابلية الاستزادة أو إضافة ما هو مهم في هذه القصة المتفردة. ويمكن الاستشهاد بها أو الرجوع إليها لغرض التعرف أكثر على أجوائها المشحونة بطاقة سلبية غير مستقرة يمكن الرجوع إليها في مقدمة المجموعة تحت عنوان (فأر الوجود) وهذه تسمية مأخوذة من جوهر القصة، كانت السبب في وقوع الكارثة الكبرى على رأس مطرب السجن (دعيّر) فأخرسته ولم تترك لصوته الشجي حرية الانطلاق، ولا بكاء السجناء كلما صدح صوت مطربهم داخل السجن. القصة مشحونة بطاقة درامية هائلة، وأفعال حركية قوية، وتضاد كبير بين المجموعة (السجناء) التي طالما أبكاها مطرب السجن الريفي وبين المطرب نفسه. والذي لم يذرف دمعة واحدة إثر موت ابنه الوحيد (حميّد).

جلّ ما أراده السجناء من دعيّر أن يبكي على ابنه، وان يفرّغ شحنة حزنه العميق بأبوذية نعي تخفف عنه آلام الثكل وهم العارفون أن احتباس الحزن وعدم البكاء يؤديان بالرجل الى الجنون. الكارثة عقدت لسان (دعيّر) فكف عن الغناء وأمام ملحة الجميع اكتفى بقوله: "قلب الأب يدمع وعين الأم تبكي"

في هذه القصة عدد من الشخصيات المحورية التي دعمت الشخصية المركزية بالقول والفعل، وكلّها عززت دور البكاء في معالجة نفس دعيّر وخلاصه مما يسبب له الجنون حسب زعمها.

تتسع رقعة النصوص عند بولص آدم وتكبر مساحاتها وفضاءاتها كما مر بنا في قصص سابقة، وهذه القصة أيضا فموضوعاتها وتشعباتها لم يكن ممكنا صبها على أساس ضيق المساحة في أرض صغيرة. وهذا يعني أننا لم نخض في هذه المساحات أو في استراتيجياتها حرصا على التكثيف والإيجاز في المقال لا التوسع في الدراسة كما فعل الأستاذ الراحل حسين سرمك حسن وهو يتناول هذه القصة المحدثة بدراسة معمقة شاملة.

في سائق القطار يسهل على القارئ تحديد هوية الشخصية المركزية من عنوانها الذي تأسس على اسم الشخصية أو وظيفتها (سائق القطار) وتكون الشخصيات الأخرى بمثابة شخصيات محورية حتى الراوي الذي يخبرنا عما يدور في قصة سائق القطار فهو موجود من اجل دعم الشخصية المركزية بالمزيد من المعلومات عنها وهذه هي وظيفته المحورية عادة. ومن ضمن المعلومات التي أوكل القاص بها الراوي هي إخبارنا بما حدث في قطار آخر أطلق عليه (قطار الموت) والتي تتلخص في إرسال الحكومة عدداً من السجناء السياسيين الى السماوة بمقطورات محكمة الغلق في صيف قائض لتجف السوائل في أجسادهم ويموتوا جميعاً في خاتمة المطاف.

إن جلَّ قصص المجموعة ارتكزت على شخصية مركزية محاطة بعدد من الشخصيات المحورية وهذه سمة تقليدية درج عليها أغلب كتاب القصة العراقية والعربية الى إن حان الوقت لتغيير ذلك في توزيع المركزية على مجموعة من الأشخاص وليس على شخص واحد حسب ولم تعد ثمة أهمية قصوى للشخوص المحوريين في الأدب الحديث الذي تجاوز هذه المعضلة الأسلوبية مبشرا بما استجد في الأسلوبية المحدثة. وخاصة في المونودراما المسرحية، والمونولوج الروائي.

 

صباح الأنباري

 

الحسين بوخرطةقراءة تأويلية للقصة القصيرة "الخوف" للدكتور علي القاسمي

لم يكن الحلم الذي استولى على عقول الجماهير والنخب داخل القطر الواحد في العالمين العربي والمغاربي، من المحيط إلى الخليج، سنوات المقاومة من أجل الاستقلال وبناء الأوطان في سياق سياسي دولي بقطبين قويين، إلا تشييد أسس وجسور أنظمة سياسية بمقومات نظرية فكرية وثقافية تعيد لحضارة المنطقة أمجادها، ويتم الارتكاز عليها لبناء وحدة ونهضة إقليمية بأبعاد جيواستراتيجية حكيمة. لم يدر في خلد الفاعلين، في زمن المقاومة والنضال، سوى فكرة واحدة، وهي تحويل الأوطان إلى فضاءات معرفية، تستوعب كل أبناءها، وتتقارع فيها بسلمية الأفكار والإيديولوجيات، وتتنافس بإيجابية قصوى على ابتكار المعارف والسبل القابلة للتفعيل، راسمة محطات بأهداف واضحة، تتراكم من خلالها مقومات حماية كرامة وحرية الشعوب وتحقيق رفاهيتها وسعادتها.

امتزج الفكر والسياسة، ووثق التاريخ مرورا عسيرا من مرحلة لأخرى. فضاء الوطن القطري الواحد لم يحتضن أغلبية أبنائه. تشبث الوطنيون بالفكرة، واستسلم الانتهازيون للمواقع والكراسي والغنائم، تم اصطناع، بكل الوسائل المتاحة، دوائر النفوذ المحيطة بالسلطة المركزية بطبعة عسكراتية. وعم التهافت ترابيا، في إطار منطق متصارع وعنيف، لتقوية الامتدادات المناصرة، ليضيع الوطن، ويحرم من مادته الرمادية وروحه الجماعية. تكلست العقول، وضعفت عضلات الأوطان وتماسكها، لينتشر ضوضاء وضجيج اصطدام الحديد بالحديد تارة، وبعضلات أو أطراف المعارضين تارة أخرى، لتنقبض النفوس، وتحاصر الإرادات، وتلتهب النيران حارقة الأماني والآمال. همشت "الفكرة الصافية" وأصحابها، واعتبرت تعنتا. تم ترديد الهمسات على الآذان تحت طائلة الوعيد والتهديد، بنفحات الابتزاز والتخويف، رافعة عتبة التفاوض، ومعلنة في نفس الوقت رسمية انفراج الأوضاع في عدد من الأقطار، وبرزت خصوصيات وسطية في أخرى. تجاوز الصراع بعد سقوط جدار برلين وحشية جز الألسن والإبادات والاختطافات والتغريب بدون محاكمات، ليمر إلى مرحلة وسطية أخرى تتخللها أوامر بالاعتقال المشروع ظاهريا ومؤسساتيا. لاح صوت من الأعلى مكررا ومبررا الحاجة إلى مزيد من الوقت لإعداد المقال للمقام، رافعا هنا وهناك، ومن مرحلة سياسية إلى أخرى، شعار "لكل زمن رجاله".

في سياق هذا التقديم، كل من يسترسل في قراءة القصة القصيرة "الخوف" من تأليف الدكتور علي القاسمي، لا يمكن أن يتممها وهو في حالة عادية. ستنتابه بلا شك الرعشة والخوف تارة، ويستسلم كيانه للارتجاف رعبا وهلعا وللحمى جراء فضاعة تسلط رواد الطمع وحب السلطة والمال. لقد أرخ من خلال فقراتها لمرحلة أساسية ومحورية في تاريخ المنطقة، مرحلة أجهض فيها الحلم العربي، وتحول إلى كوابيس قاتلة. تم الاستيلاء ووضع اليد بالحديد والنار على الأوطان واستباحتها في تواريخ متباينة لكن يجمعها منطق واحد، لتتناسل الاعتقالات والاغتيالات والاختطافات وجز الألسن والأيادي.. ضاق واختنق الأفق، واضطرت العقول النيرة بفعل تعسف الأوضاع السائدة للبحث عن منافذ لدخول عالم الاغتراب واللجوء السياسي ومعانات التهجير القسري ... إن البحث على توطيد نفوذ السيطرة لم يترك أي فرصة للتفكير في تقوية الأوطان بزرع بذور المعرفة والديمقراطية، لتصبح الأجهزة الحاكمة، حكومات عسكرية أو شبه عسكرية، متعصبة للذات ودوام سيطرتها.

إن عمليات الانقضاض على الحكم على إثر انقلابات فجائية، عسكرية أو شبه عسكرية، أو ثورات بدون زعامات شعبية حقيقية، سرعان ما انفكت شعاراتها وتحللت، ليتم اللجوء المفضوح إلى اللعب على الخوف وتغذيته باستمرار لخلق الهشاشة والقلق والتذمر في الروح الجماعية والفردية داخل البلد الواحد.

بهذه الانطلاقات غير المشرعنة نضاليا وشعبيا، التي عرفها عدد من الأقطار الإقليمية في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات تكدرت الأوضاع، وتفسخت العلاقات الاجتماعية، وارتمى المواطن رغما عنه، بنفسية مخنوقة، في غياهم الهم والتيه والدوخة والدوران.

وللوقوف عن تجليات هذا الوضع الفوضوي المخيف والمرتبك (ضعف السلطة التدبيرية بسبب انشغالها بترويع وتطويع نفوس مواطنيها)، اختار له الدكتور القاسمي عبارات مذهلة ومعبرة صورت للقارئ بإبداع تركيبة نفسية رجل القصة (الراوي) بالدقة المتناهية:

- خلَّف صخبَ المدينة وأدرانَها وراءه وأتى ينشدُ رحابةَ البحر وصفاءَه (الهروب).

- أحس بصعوبةٍ في التنفُّس وبشيءٍ ما في صدره، يسبّب له أَلَماً مُمضّاً ينضاف إلى صداعه.

- تلفّت حوله، فلم يَرَ في الشارع إلا سيّارات تتلاحق مسرعةً، وهي تُطلِق أبواقها المدوِّية، وتنفث دخاناً أسود من مخلَّفات وقودها.

- ألفى نفسه، بعد برهة، خارجاً من المدينة، مارّاً بشوارعها الخلفيّة العارية من الأشجار، وأحيائها التعيسة ذات المواخير القذرة السريّة، والروائح الكريهة المنبعثة من أكوام القمامة وفضلات الكلاب الضالة والأليفة، وهو يسرع الخطى مهرولاً صوب البحر.

وصل الراوي إلى البحر، إلى الملاذ الذي يتيح تثبيت النظر في أفق الأمل لترتاح فيها العيون. عظمة البحر التي تقاوم جبروت الإنسان وتسلطه. ينحني احتراما وإجلالا للبواخر متقنة الصنع ولقادتها المهرة، ويجلب المتعة والسعادة لركابها. إنه هروب الراوي من كرب المعيش باحثا عن الطمأنينة المنبعثة من شساعة البحار والمحيطات. إنه الهروب الذي خص له القاسمي عبارات الفقرة الموالية التالية، ليلامس القارئ المعنى والمغزى منها: جلس على ربوةٍ عاليةٍ تتوسّط حقلاً من الحقول المُطلّة على البحر - راح ينقّل بصره من خضرة الوهاد المحيطة به، إلى زرقة ماء البحر المترامي حتّى الأفق - راح فكره يتأمّل أحوال المدينة، وتتردّد فيه حكايات والده وذكرياته عنها، عندما كانت، إبّان طفولته، امتداداً لتلك الحقول المُزهرة والبساتين النضرة، لا يُسمَع فيها إلا تغريد الطيور ومزامير الرعاة - لم يكُن ثمّة ما يعكّر صفو ذلك المساء، فالنسيم رائق، والبحر ساجٍ، وأمواجه تنساب برقَّةٍ.

إنه زمن القطبين، زمن الانقلابات والانقضاض على السلطة، وما يترتب عنها من أوضاع صعبة، تقلصت الفضاءات الآمنة أو انعدمت بشكل كلي، بحيث يتحرك جبابرة الخوف والتخويف في كل مكان. إن فترة ارتياح السارد من فظاعة أوضاع المدينة لم تدم طويلا. فالفضاء المتسع الخالي، الذي حال بينه وبين الألم والخوف، سرعان ما فاجأه بحدوث فاجعة مرهبة وشنيعة. سكون المساء لم يدم طويلا. فما إن انتابه إحساس غريب جعلنه يَفزُّ ويدير رأسه بتوجُّسٍ إلى الخلف، مثلما يفزع جوادُ ويصهل وهو على بُعد عشرات الأميال من هَزَّةٍ أرضيةٍ داهمة، حتى داهم المكان جبابرة جز الألسن ورواد القهر ونهب الخيرات (النص:" بيد أنّي أبصرتُ أربعةَ رجالٍ قادمين من المدينةِ يحثُّون السير في اتّجاه البحر... تبيَّنتُ (للراوي) أنَّ الرجل الذي يسير في المقدِّمة، يرتدي ملابس مدنيّة ويداه مقيَّدتان إلى الخلف، والثلاثة الآخرون يحيطون به وهم يلبسون زيّاً موحَّداً خاكي اللون...).

إنه رجل بصفات وملامح المناضلين أو تراب وطن يعشق شعبه (النص: جبهةٌ ناصعةٌ، وعينان تشعّان نوراً، وملامح لم ينَلْ من طلاوتها العَنَتُ، ولم يحجب روعتَها المصابُ. وجهٌ مشرقٌ محبوب) بين يدي الانقلابيين العسكر وبوليسيهم السياسي، المتجبرون الذين لا يرحمون، ويلاحقون المعارضين أو رواد الفكر الأحرار أنّى ذهبوا وحيثما حلّوا، ليجب بهم في دهاليز التعذيب، ويخضعون خيرات الوطن لنزواتهم ومصالح ذويهم وأتباعهم، لتنتفي معاني الوطن (النص: كانت وجوه هؤلاء حادّة التقاطيع، مُتسمّرة مُتصلِّبة إلى الأمام في اتِّجاه البحر. الحقد ينقدح من عيونهم الخُزْر). أما صفة زعامة وشهامة وتاريخ نضالية المعتقل المنغرسة في وجدان السارد)، فعبر عنها بمعرفته اليقينية له، وكونه من أبناء القرية، وكان مجسدا لشساعة تراب الوطن من الغرب إلى الشرق، ومن الشمال إلى الجنوب (النص: هذا وجهٌ أعرفه، هذا وجهٌ ألفتُه منذ طفولتي ... وجهه قريبٌ من قلبي، حبيبٌ إلى روحي، له طعم التمر، وعذوبة الماء الفرات، وطالما حدّثت أطفالي عنه، فأحبّوه كما أحببته. ولكنّي لا أذكر اسمه. أسعفيني يا ذاكرتي المرهقة! انجديني باسم الرجل الأسير!).

فعلا، لقد نجحوا في تقييد وتكبيل سواعد الوطن بشدة لا تترك له أي فرصة للتنصل أو التخلص من أيديهم والهروب إلى مصير آخر (النص: الرجل ذاته في محنةٍ اليوم. وظلّ سؤالٌ محيِّر يجلدني: لماذا يقيّدون يدَي هذا الرجل؟ وإلى أين يقتادونه، يا تُرى؟).

أما عن الأساليب القمعية المعتمدة لإسكات الأفواه وتكميمها، فعبر عنها الكاتب بالفقرة التالية: "وضعَ أحدهم يديه بعُنفٍ على فكَي الرجل، مُرغِما إياه على فتح فمه. وسحب الثاني شيئاً لم أتبينه من الفم الفاغر، واستلَّ الثالث خنجراً، فقطع ذلك الشيء ورمى به في الماء. ورأيتُ بعينيّ خيطاً أحمرَ يمتدُّ من بقعة الماء تلك حتّى الأفق، ليلتحم بأشلاء الشمس المبعثرة هناك، ويرتفع إلى عنان السماء كنافورةِ دم...).

أمّا الوطن الأغر، بصفاته التي تشمل كل الأوطان، فشيمته المقاومة وعدم الاستسلام وكتابة صفحات التاريخ تارة بالأمجاد وتارة أخرى بالدماء (النص: فقد كان يقاوم بصلابةٍ، رافعاً رأسه بين الفينة والفينة إلى السماء وإلى الخلف). الوطن، بتاريخه وكبريائه، عندما يشتد عليه الضيق والاختناق، ينتفض ويصرح، وإذا عم الصمت حوله، يتربص بالزمن باحثا بإصرار عن فرص الحرية (النص: في أثناء ذلك وقع نظره عليّ من بعيد، أو هكذا خُيّل إليّ.  خُيّل إليّ أنَّ عينَيْه تستنجدان بي، تحثّانني على أنْ أتحرَّك، أنْ أصرخ في وجوههم، أنْ أفعل شيئاً، أنْ أنادي على الفلاحين في الحقول القريبة، أن أستغيث بالعمال في مصانع المدينة...).

لم يتدخل الراوي لأن حدة التدافع والتضامن أضعفها الخوف. إنها حالة انتظارية بائسة مكفرة، تتلاطم في جوفها في نفس الآن مشاعر الحصرة والعجز والوهن والعنفوان التاريخي. إنها كذلك مشمئزة بسبب المحاولات القهرية لإفراغ العواطف من حمولة الاعتزاز بالانتماء، لكنها تتطلع لاستيقاظ الضمير الجماعي واستنهاض الهمم (النص: بَيدَ أنّي بقيتُ جامداً في مكاني. فقد أخذ الخوف يتسرَّب إلى مسام جلدي ويتخلَّلها... لقد شلَّني الرعب المنبعث من نصالِ خناجرهم المسلولة، وأقعدني الخوف كسيحاً بلا حراك.. بشيءٍ من المرارة والخجل، اعترفتُ في دخيلتي أنَّني لست قتاليّاً بطبعي.. ولكن ماذا سأروي لأبنائي بعد اليوم؟ ... حتّى إنْ أخفيتُ الحادث عنهم وغلَّفته بالصمت والكتمان، فهل يعني ذلك أنَّ ما وقع لم يقع؟.. سيلاحقني مشهدُ ذلك الرجل الأسير كظلّي، حيثما حللتُ وأنّى توجَّهتُ.. وقلتُ في نفسي يجب أن أتحرَّك الآن، قبل أن يبتروا أطرافه، ويقطّعوا أوصاله، ويقضوا عليه". ولكن بدلاً من أن أتقدَّم إلى الأمام، وجدتُني مرتجفاً أجرُّ رجليَّ الكسيحتيْن إلى الوراء مبتعداً...)

لقد سقط جدار برلين، وتم الإعلان على النظام العالمي الجديد، ولم تجد أنظمة عدة بلدان عربية لحمة شعب موحدة ومتراصة تدافع عنها وعن وطنها، بل تم استحلال تدخل الأجنبي عسكريا لإسقاطها. لقد تبين تاريخيا أن تدبير الحكم الميكيافيلي بإشاعة الخوف من البطش، والقمع من أجل الاستمرار والسيطرة، لا يضمن وطنا حرا لمدة طويلة.

برزت خصوصية وطن أو أوطان وأخرى في مخاض عسير، وارتقت نضالات سلمية كما وكيفا، ونوقش التعذيب السياسي. وغلب الإطناب والتكرار على النقاش في شأن ديمقراطية الصناديق، لترتفع المطالب بإقرار وقفة تأمل لبناء أوطان ديمقراطية وإقليم ينجب كل برهة أطنان الثمار. تشكلت نخب رجالات الدولة في الاقتصاد والسياسة والإدارة، وعفا الله عما سلف، وبرز صيت نخب الفكر المستقلة، وتكثف التواصل والنقاش من أجل تشكيل عقل جماعي يرسم معالم وطن بسمات العرب والمغاربيين التاريخية. غاب الحديث عن الاختطاف والتعذيب وجز الألسنة وتكميم الأفواه، لتصدر أحكام بالاعتقال هنا وهناك. لم يتم الاستسلام للصمت، بل ارتفعت الأصوات الحقوقية، وتعددت الإضرابات عن الطعام، وتمت تعداد عمليات العفو وإخلاء السبيل أو المتابعات في سراح.

إنه وضع جديد بإعلامه القوي، وضع تزايدت فيه حدة الخوف، لكن هذه المرة من السجارة، والمشروبات الكحولية، والسرعة في السياقة، واستهلالك الدجاج والديك الروميين،.. تم استحسان الخوف كمرادف لركوب قاطرة المغامرة والمخاطر والمجازفات في الاقتصاد والسياسة والثقافة. ألغيت الحدود بين الخوف واليقظة والحذر. تفرع كل وطن إلى وطنيين، الأول مكروب ومغموم بإكراهات ورهانات التكيف مع العولمة وخائف من الانحدار والتقهقر، والثاني منشغل ومهموم بحقبة ما بعد الحداثة والهلع من تحويل العولمة إلى أدغال موحشة لا ضوابط إنسانية لها. تم الخضوع لعبقرية أنماط الإنتاج بلا سواعد عضلية، وتم تمجيد الاستهلاك، لتتخذ نسبة البطالة منحا تصاعديا. تم تفييئ الشعوب إلى ملاكين وغير ملاكين واندثرت البروليتاريا، وكثرت الاحتجاجات بمطالب اجتماعية.

أما تكيف الأنظمة والشعوب العربية والمغاربية سيبقى ناقصا للغاية ما لم تبرز العزائم لتشييد وحدة اقتصادية جهوية بسيادات قطرية متضامنة من الخليج إلى المحيط. أما عن أوضاع الأقطار المستقبلية، فلن تعبر المؤشرات عن زخم مشجع من الأمل إلا بتتويج مساراتها الجديدة على المدى القريب باستحقاقات دستورية وسياسية وانتخابية شفافة وذات مصداقية.

 

الحسين بوخرطة

.............................

للاطلاع على قصة الخوف للدكتور علي القاسمي

https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=938920&catid=324&Itemid=1235

 

 

مجاهد منعثر الخفاجيهذا الإنتاج الأدبي مضى عليه قرابة القرن ونصف من الزمن تأليف الكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي.

تعدُ رواية الجريمة والعقاب من أشهر رواياته حيث نشرت على شكل سلسلة من الأجزاء في المجلة الأدبية الروسية في عام 1866م وذلك قبل نشرها في كتاب كامل تحت عنوان الجريمة والعقاب.

وكأن المؤلف في روايته هذه يتنبأ بما سيحدث خلال العقود القادمة في ظل الغزو الحداثي للعالم!

وما يتبين لي بأن الكاتب شخص بلغ من المعرفة النفسية مبلغًا كبيرًا وقطع شوطًا طويلًا في تصور مكامن النفوس البشرية، فلذلك هو يحسن تصوير نفسيات شخصياته وتبيانها.

أو أنه شخص مضطرب نفسيا بالأصل فاستطاع أن يُحاكي هذا الاضطراب بشكل دقيق في روايته هذه؛ إذ أن “غالبًا” الشخص السوّي يصعب عليه أن يصوّر أو يُحاكي المضطرب نفسيًا في الكثير أو في أدق التفاصيل.

السؤال الذي طرحته على نفسي بعد إكمال قراءة الرواية: يشعر القارئ نفسه نظيرا للبطل يفرح لفرحه ويحزن ويتألم لحزنهِ وألمه، لكن هل تصل درجة التقمص إلى انتقال العدوى من البطل إلى القارئ؟!

الجريمة والعقاب رواية عالمية، موضوعها سيكولوجي، ملحمة نفسية فلسفية، فمن الناحية الموضوعية أو العلمية فهي عالية الجودة.

أساس بنائها مبني على الصراع الداخلي عند الإنسان وخاصةً الرغبة في التعبير عن النفس وإثباتها في مواجهة الأخلاقيات والقوانين التي أوجدها البشر مما يجعلنا نحس بقلق مضن ونتساءل عن العدالة في هذا العالم وفي الوقت ذاته نتساءل عما إذا كان يحق لنا الاقتصاص لتحقيق العدالة؟

مؤلف الرواية جعل نفسه شريكاً لنا في تصرفاتنا وأفعالنا السيئة منها قبل الحسنة، فتمكن من الغوص إلى أعماق أعماقنا، تعرف على أفكارنا، التي كثيراً ما كنا نرغب ألا يتعرف أحد إليها، فجعلنا محرجين، ليس أمام الآخرين وحسب، بل، وحتى، أمام أنفسنا.

كتب دوستويفسكي الجريمة والعقاب مفكرًا في الراديكاليين الشباب في ذلك الوقت الذين أنكروا المبادئ الأخلاقية المسيحية التقليدية والذين كانوا يدافعون عن الإطاحة العنيفة بالنظام القيصري واستبداله بنظام اجتماعي وسياسي قائم على السبب (العقلانية) فقط. أراد هؤلاء المتطرفون الشباب فعل الخير من خلال العنف، كما أراد دوستويفسكي نفسه أن يفعل في شبابه قبل أن يُحكم عليه بالإعدام ثم يُعفى عنه ويُرسل إلى سنوات من العمل القسري في معسكر اعتقال في سيبيريا، فتعرف على السجناء الذين كانوا يقتلون الأطفال لمجرد التسلية والذين لم يشعروا بأي ندم.

هذه الرواية في حد ذاتها صورة تعكس حياة المجتمع الروسي حينها، وترفع من شأن الإنسان الأعلى عبر التطهير والعودة إلى الإيمان.

تمثل الرواية ست شخصيات تقريبا من بينها شخصية متناقضة و مزدوجة وهو البطل، روديون رومانوفتش راسكولينكوف، طالب بائس متشظي لعدم شعوره بالانتماء إلى الوسط الذي يعيش فيه، تتولد لديه الكثير من الأسئلة والهواجس والأفكار التي تتسم بالطابع الانشقاقي والعدائي للمجتمع، يرى نفسه أنه أعلى مكانةً من سواه، ومن حقه أن يرتكب جريمة ما لكي يصل إلى المكانة التي يستحق، ألا يفعل كبار السياسيين ذلك؟

ألا يرسل القادة جنودهم إلى الموت ليرتقوا في سلم المجد؟

ولذلك كان راسكولنيكوف بحاجة لقتل عجوز لا قيمة لها تملك مالاً لكي يشق طريقه ويحقق مراده، ولكن ما دفعه حقاً لذلك هو تحديه لنفسه، ورغبته في اكتشاف حدوده وقدراته، فهل أجرؤ على ذلك؟

هذا السؤال الذي قاد الناس لتسلق الجبال والقفز من الطائرة، ومغازلة فتاة جميلة بعيدة المنال، هل أنا قملة أم رجل عظيم؟

يتساءل الروائي في روايته: هل قتل الإنسان للإنسان جريمة؟

إذا كان الجواب: نعم، فلماذا لا نحاسب بعض الأشخاص كنابليون وهتلر وغيرهما الذين قتلوا المئات، بل الألاف من الناس الأبرياء، ومع ذلك يُنظر إليهم كأبطال أو كقادة كبار، ما الذي جعل هؤلاء بمرتبة عليا لا تمسهم يد القانون و العدالة؟

نجد الكاتب يهتم كثيراً في روايته بإبراز ظروف الواقع الاجتماعي، التي تحصل فيها الجريمة كثمرة من ثمرات (السكر والدعارة و الفقر)، وهذه الأمراض الاجتماعية هي التي يعانيها سكان مدينة بطرسبرج (مسرح احداث الرواية).

الحقيقة قارئ تلك الرواية يمسه قبس من تلك النار التي أضرمت في عقله، إنها الحمى التي عصفت بعقل البطل وجعلت عقابه الأليم هو التفكير الزائد عن الحد.

نتيجة سئمنا قوالب الروتين التي وضعتها متطلبات الحياة اليومية يدعو عقل القارئ إلى أن يتعاطف مع العقل الذي أعلن تمرده على صاحبه فأحال حياته جحيمًا

أما المشهد المؤثر في هذه الرواية: أنا لا أسجد أمامك أنتِ .. بل أمام معاناة البشرية كلها.

هكذا تحدث راسكولينكوف إلى صونيا تلك الفتاة البائسة التي باعت جسدها من أجل إطعام أخوة لها من أبيها الذي ترك وظيفته المرموقة بعد إدمانه الخمر، هؤلاء الأطفال وأمهم المريضة بالسل كان يترصدهم شبح الموت جوعاً، لكنها كانت ملاذهم الآمن.

عبارة دوستويفسكي تدغدغ المشاعر كعبارته: الجمال سينقذ العالم.

بالطبع لا يتحدث عن جمال وجهها فقط، بل الجمال الذي يقصده هو انسجام الشكل والمضمون، فجمالها يتجلى في عظم إنسانيتها التي دفعتها للتضحية بهذا الجسد من أجل إطعام الصغار.

أنهى الروائي روايته بإسقاط رائع ليصفع ضمير العالم حينها ليفيق من ذلك السبات العميق بقوله على لسان راسكولينكوف:

ليهرق كل الناس ما شاؤوا من الدم. إن ما سال منه وما سيسيل جزافًا على الأرض، يهرق كما تسفح الشامبانيا. ومن أجله يتوجون في الكابيتول، ويرفعون إلى مصاف المحسنين للإنسانية.

وأخيرا فإن الرواية تظهر كيف أن الدين لا يعد شأناً شخصياً وإنما يعدّ مكوناً من مكونات الهوية الجماعية والفردية، فالبطل فراسكولينكوف بعد تشوشه بفعل حداثة القتل لن يجد الخلاص إلا بالعودة لهويته الدينية عن طريق من شعر تجاهها بعاطفة جياشة جعلته بمصالحة مع القيم المسيحية و مع هويته القومية.

والنهاية تظهر نزعة المؤلف القومية ورفضه للقيم الليبرالية الأوروبية وعداءه الشديد لها.

 

بقلم / مجاهد منعثر منشد

 

 

الحسين بوخرطةولد علي بن الحاج محمد بن الحاج عيسى بن الحاج حسين القاسمي (المعروف بالدكتور علي القاسمي)، أشهر النقاد والقصاصين العرب، في بلدة الحمزة الشرقي في محافظة القادسية في العراق في 31/5/1942. اختار في ريعان شبابه، أي منذ سنة 1972، أن يقيم ويعيش في المملكة المغربية.

تعد قصته "الكومة" من روائعه الإبداعية نظرا لغناها اللغوي وما تحتمله من تأويلات جد إيجابية وبناءة. إنها قصة معبرة عن قدرة اللغة على الإيحاء، بدون نفي مفهوم القصدية وارتباط اللغة ذاتها بغرض قائلها. بطلها يتحدث بضمير الغائب، بتعبيرات لفظية تتفاعل معها الروح بنفسية متوترة، لا تتيح أي هامش للحياد. البطل رجل متعود على ممارسة رياضة الركض فجر كل يوم بطقوس قارة دالة على تنشئته على الانضباط وتدبير الوقت، والتركيز على الذات. إن عمله في القطاع الخاص، عكس السائد في القطاع العام، حوله إلى فاعل يتصارع مع الزمن، بمهام لا تسمح له بالتركيز على تفاصيل الأحداث من حوله، خاصة تلك الخارجة على نطاق ما رسمه له مدبري المعمل.

وهو متعود على هذا النمط في العيش، الذي ترسخ لديه بفعل الضوابط الاعتيادية، تعرض لحدث عارض، لاحقه لمدة ثلاثة أيام. إن التساكن الاضطراري لتعوداته النفسية التي تبعده عن التركيز على تفاصيل الأحداث الخارجة عن نطاق فضاء أنشطة ساعات يومه المهنية من السابعة صباحا إلى غروب الشمس مع خاصيات الحديقة العمومية التي يركض بها يوميا (المرفق العام بأوصاف المتشابهة نسبيا عربيا ومغاربيا)، خلق منه كائنا بشريا نمطيا ومبرمجا. لقد زج به مبكرا في عالم اللامبالاة وعدم استحضار أي فائدة أو حاجة للتركيز على التفاصيل، حتى لو كانت معاناة إنسانية. حرصه على التركيز على الماديات (جسم سليم ومتنافس مهنيا تحت إكراه الخوف من نقصان أو فقدان الطاقة الاستهلاكية) جعله لا يأبه بأي انشغال خارج عن نطاق مسارات تحقيق أهدافه المسطرة مسبقا. وهنا، في اعتقادي، يكون القاسمي قد أغنى رسائل وعبر القاص يوسف إدريس في موضوع التنشئة على الصمت أمام الخطأ والخطيئة، بإبراز سلوك جديد، سلوك الأنانية واللامبالاة اتجاه القضايا والأحداث الخارجة عن اهتمام ذات الفاعل. فالقطاع الخاص في القصة (المعمل)، كمقابل للقطاع العام (الحديقة العمومية)، يجسد منطق الليبرالية كنمط إنتاج وسلوك بشري جديد، تغلب عليه النمطية والحركات المكانيكية، التي تتحول مع فعل التكرار إلى روتين مبرمج. أما أوضاع القطاع العام بلوبياته المتحكمة والمستفيدة، فقد نالت قسطا كبيرا من تأويل عبارات النص القصصي. لقد جسدها الكاتب بتشبيهها بحالة الطقس السلبية السائدة في تلك الأيام حيث العَتَمة التي تلف الأشجار التي يُسقط عليها مشاعر الرجل القلقة فتتراءى له أشباحا أخطبوطية (كانت العَتمة تلفّ أشجار الحديقة العامّة ونباتاتها، فتُخيّل إليه كأشباح طويلة وقصيرة ذوات أذرع متعدّدة متحرّكة مثل أخطبوط هائل داكن). ولإبراز موقف أو تمثلات البطل في شأن طبيعة أوضاع المرفق العام، المشوب بالفوضى واللامبالاة وانعدام الضمير المهني والجمود والصراع من أجل الاغتنام،.... تطرق القاص للوصف المتساوق لحالة الرجل الجسديّة المكدودة (اصطكاكُ أسنانٍ وارتجافُ أوصال) وهو يؤدّي مرغما طقساً روتينيا محاولا التكيف مع مظاهر البيئة من صقيع وعصف ريح في الحديقة العامة (النص: كانت أمطار الليلة الماضية على الأرض قد تجمّدت، هنا وهناك، صقيعاً يتكسّر تحت وقع قدميه. وعصفتْ رياحٌ ثلجيّة تخترق القلنسوة التي يعتمرها، وتلسع أذنيه وشفتيه فتحيلها حمراء قانية كعُرف الديك. وأخذتْ أنفاسه اللاهثة المتلاحقة تتناغم مع اصطكاك أسنانه وارتجاف أوصاله).

إنه يحيلنا على واقع مفروض يتطلب تحمل مشاق التكيف باعتناق سلوكين لا ثالث لهما، الأول أساسه التشبث بموقف اللامبالاة والتركيز على الذات وقبول قانون اللعبة على رقعة الشطرنج المغشوشة (خيار سهل يدمج صاحبه بيسر وبدون معاناة أو جهد كبير في عالم المصالح)، والثاني، بطبيعته الصعبة، يرتكز على المروءة والنضال والتدافع باستحضار مصلحة الذات المشروعة في إطار سياق الرفع من مستوى المصلحة المجتمعية. فالمواطن في إطار دولة مؤسساتية يكون دائما مرغما للتوجه إلى المرفق العام كيف ما كانت جودة أوضاعه (مكان موحش). إنها أوضاع منظومة تعيش معاناة سكرات الموت بسبب الإهمال. الدلالة في النص واضحة. لمح الكاتب "كومة" قاتمة بسرعة أثناء جريه ولم يعرها أي اهتمام، وكأنه يعتبر ما رآه أمرا أو حدثا طبيعيا، مستحضرا في مخيلته في الآن نفسه أن الوضع سيكون متغيرا لو كان الأمر يتعلق بحديقة خاصة مثل المعمل (النص: وفيما هو يجري مُسرعاً مكدوداً، لاحت له كومةٌ قاتمة على جانب الممرّ. ولم يكن لديه متّسع من الوقت (سرعة إيقاع حياة نمط العيش الليبرالي)، ليُمعن النظر أو يطيله في تلك الكومة، فاكتفى بأن حسبها مجرّد كومة أحجار جُلِبَتْ لترميم سياج الحديقة العامّة، أو، ركام أغصان تجمّع من جرّاء تشذيب الأشجار . لا يهمّ.)

لقد أبرز الكاتب من خلال عبارات إبداعية حدة القلق التي تنتاب المثقف كلما استحضر فرضية موت المرفق العام بفعل الإهمال والتسيب. لقد وصف انعدام الوضوح والشفافية بالغلس (ظلمة آخر الليل إِذا اختلطت بضوء الصباح)، وهو وقت مُبكّر جدا (توقيت مرتبك) لممارسة رياضة الجري، وهو في نفس الوقت "العادةُ" المختومة بأحوال عاصفة غمرت فضاء الأحداث المتتالية بلحظات معاناة شبيهة بشدة سكرات الموت، كنهاية محتومة لحياة كائن بشري يترك مكانه لجيل جديد.

العام كفضاء يستوعب الجميع لا يمكن أن يترك أحدا محايدا. وبذلك أحدث الكاتب نقلة في "التأويل" بين اليومين. تغيرت تمثلاته من اليوم الأول الذي اعتبر فيه الكومة مجرد أحجار أو ركام أغصان، إلى اليوم الثاني الذي ندّت فيه حركة مُريبة مع افتراض كونها مجددا حركة صادرة من واحد من الكلاب أو القطط السائبة التي تتخذ من الحديقة ملجأً (وهنا طرح فرضية التنقيص من قيمة الفضاء العام بإثارة عبارات "التسيب" "السائب" "ضالة" وإبراز عدم حاجته للكفاءة). موقف البطل المعبر عن اللامبالاة رغم تكرار الإشارات المنبعثة من الكومة مرده (عدم تقرّبه من الكومة ليطلع على حالها) هو انعكاس لتوجسه من العام. لم يعط لنفسه أي فرصة لاحتمال شيء آخر، كأن تكون هذه الكومة المُهملة "إنساناً" مثلاً. هو الراكض الهارب من أي تفكير يقلق راحته. ما يهمه هو ذاته. غض الطرف جعله يضع أولوياته الترفيهية الشخصيّة فوق كلّ اعتبار، متناسياً كل ما يحيط به أو يصادفه من متغيرات تستحق الالتفات. الأنا بالنسبة له هو التركيز على الرياضة من أجل الصحة وسلامة جسده وكماله والتمتع بملذات الحياة. إنها أنانية مادية لا يمكن أن يتولد عنها إلا الفزع من الموت. فإثارة توقيت اللحاق بالعمل هو تعبير عن ارتباط البطل بالأجر والمردودية في القطاع الخاص، ارتباط جفّت من خلاله المشاعر الإنسانية، وتفاقمت حدة استعباد متطلّبات الحياة للأفراد والجماعات.

إن موت المرأة العجوز هو تنبيه مقلق ودق لناقوس الخطر زمن ما بعد الحداثة في مجتمعاتنا العربية والمغاربية. هو كذلك تحذير قبل فوات الأوان من وقوع خراب الحياة في مجتمعاتنا. ففي اليوم الثالث تراءى له ما يُشبه يد ممدودة من الكومة. ومع ذلك، بسبب حرصه على تجاهل التفاصيل، حتى ولو كانت مرتبطة بمركز كينونة الفرد ومجتمعه، سمح لنفسه بتجاوز ما رآه بخطوات، ثمّ تدارك الأمر وعاد أدراجه، فإذا بها امرأة عجوز متلفّعة بعباءة سوداء. فقرار العودة إلى الكومة هو إشارة لإمكانية حدوث علو للهمم (وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا)، وأمل في استيقاظ الضمير الذي يحمل مقومات ارتقاء القطاعين العام والخاص بمنطق حضاري جديد.

فبالرغم انقشاع هويّة "الكومة"، استمرت النزعة المادية في السيطرة على البطل، بحيث لم يفكر إلا في ارتباط مد اليد بالعوز والحاجة للمال. أخرج بعض النقود، ووضعها في اليد الممدودة في العراء، ولكنّها لم تقبض عليها، فسقطت على الأرض. لم يستوعب في حينه أنها كانت تحتاج للعطف والعناية قبل فوات الأوان، وأن ينظر لوجهها قبل يدها (النص: التقط النقود، وحطّها مرّة أخرى في يدها، ونبّهها بالمناداة، ولكنّها ظلّت صامتة، ولم تقبض النقود. لمسَ كفّها وحرّكها بلطف لعلّها كانت غافية وهي جالسة. ولكنّ برودة مريعة سرتْ من يدها إلى أصابعه. وأشاعت في جسده قشعريرة وتوجّساً. وقبل أن يُتاح له القليل من التفكير، مال جسم المرأة بأكمله مع تلك الحركة الخفيفة، لتسقط على الأرض جثّة هامدة). ماتت العجوز، وبرز مجددا في الضمائر أن الموت هو صاحب الفضل الأول والأكبر على الحياة وليس العكس.

لقد أبرز القاسمي انطلاقا من واقعنا وتراثنا مفهوم الموت وتطوره سواء تعلق الأمر بالإنسان أو الأشياء أو المنظمات، مستحضرا تفاعل مقوماتنا الوجودية مع التطورات الكونية بدقة علمية بعيدة عن أي تأثر إيديولوجي.

إن الجو الرصاصي البارد الذي حول كل شيء في الحديقة العمومية إلى جمود، وأشجارها تعيش كذلك فصل خريف، شكل صورة قاتمة جسد عبث الزمان بطبيعتها الزاهية الساحرة. لقد اقتحم الموت كل شيء بها جراء شدة الإهمال الذي يحول الكفاءات إلى مجرد أشباح مخنوقة. لغة المكان، الذي تكومت فيه العجوز (الزمان) بحلتها البالية الداكنة، شاع فيه الغموض والتيه والعشوائية واختلاط الأمور إلى درجة أصبح صدى صيحات معاناة الرعايا لا تنفذ إلى ضمير المسؤولين. إن حدة القشعريرة والتوجس اللذان أصابا جسم البطل هو بمثابة نداء بعد فوات الأوان للتلاحم الحميمي ودعوة لنفاذ معاناة الآخر إلى القلوب، وتقوية التواصل بين الإنسان وأخيه.

 

الحسين بوخرطة

........................

للاطلاع

علي القاسم / الكومة

 

جمعة عبد اللهيضعنا الاديب زيد الشهيد (الروائي والشاعر) أمام نص روائي لم يلتزم بالقواعد الكلاسيكية في الفن الروائي، فهو يحمل اسلوبية متفردة في المتن الروائي وتقنياته المتنوعة. في صياغة اللغة. في خلق الفكرة الروائية، في تجسيد الرؤية الفكرية في المعنى الدال من خلال الحدث الروائي. ففي اللغة ينتهج اسلوبية المزج بين السرد النثري والشعري، يمزجهما ويصبهما في وعاء واحد، ويسكبهما في المنظور الروائي، في غاية الفخامة والتشويق، في ان يمتلك السرد لغة صافية في رشاقتها في الثراء اللغوي، حتى تكون مغناطيس لجذب القارئ بالشد والاهتمام ومتابعة بشغف تبعيات سرديات الاحداث الجارية في النص، هذا يدل على القدرة المتمكنة بعلم اللغة في وتوظيفها في الحبكة الفنية بمهارة، أضافة الى براعته في توظيف تقنيات متعددة قد تكون غير مألوفة، منها مزج الاسترجاع الزمني (فلاش باك) وجعله في زمن واحد. اضافة الى فن الوصف والتصوير في المشهد السردي، والاهم هو خلق حدث داخل حدث في النص الروائي، وبالاحرى حدث يخلق حدثاً آخر من رحمه أو من صلبه، يربطهما في نسق هرموني واحد على عتبات النص، ليضع القارئ في حالة اندهاش ان يقرأ حدثين في حدث واحد. ففي الحدث السردي الاول يتطرق الى مرحلة مختلفة عن مرحلة الحدث الثاني، الفرق الزمني بينهما خمسة عشر عاماً، في الجانب السياسي وهو المحرك الاساسي للحدث السردي، بتناول الفترات السياسية المظلمة التي مرت على تاريخ العراق، قديماً وحديثاً، يجمعهما مشتركات واحدة، لا فرق بين الاثنين، في الظلم والحرمان والحيف، يجمعهما مشتركات واحدة وجوهر واحد، لكن بأساليب مختلفة، ففي زمن الطاغية ينتهج نهج الارهاب المنفلت في البطش والتنكيل، وفي عهد الاحتلال الامريكي وتسليم مقاليد الحكم الى الاحزاب الدينية، تمثلت بالامن المنفلت بالفوضى السلاح المنفلت. حتى في الكثير من الاحيان، يلعلع الرصاص بينهم على حصص المغانم والفرهود والسلطة والنفوذ. هذا التعامل مع الشعب واحد لكليهما، لكنهما يختلفان في القشور فقط، في عهد النظام الدكتاتوري، كانت النساء يتبرجن في الزي والملبس (كان جميع من الفتيات مراهقات يلبسن البنطلونات الجينز والقمصان المشجرة) ص11. وفي عهد حكم الاحزاب الدينية في فرض الحجاب والزي الاسود (توجهت نحو غرفتها، رمت العباءة على السرير الخشبي، وخلعت عن رأسها شالاً لم ترَّ حاجة له بل أجباراً على ارتدائه منذ تولت الاحزاب الدينية مقاليد تسيير البلد) ص20. نجد بين الحدثين، أن الليل هو الفاعل في بث لواعج القهر والحزن ومواساة الجراح الداخلية باللوعة في نارها المشتعلة في الصدور، بأن الليل خير مواسي للاحزان. وهذه الرواية هي الجزء الاول من رباعيات الليل (الليل في نعمائه. الليل في عليائه. الليل في بهائه. الليل في نقائه) حكايات الحزن العراق بالوجع والالم الجاثم بثقله على صدور العراقيين في اشجانه المستعرة بالنار الملتهبة، أو ان الرباعيات تمثل تراجيدية الحزن العراقي، قديماً وحديثاً. كما نجد ايضاً في الحدث السردي مشتركات بين ابطال الرواية أو الشخوص المحورية، ففي الحدث الاول يجمع بين (مريم) والشاعر (وليد) حب الادب والشعر والتشوق الطاغي اليه، كما ايضاً نفس المشترك بين (حمامة) والشاعر (حزين) في التشوق الى الادب والشعر. وياخذنا المتن الروائي (الليل في نعمائه) بكل شغف الى حكاية (حمامة) الفتاة الجميلة والشاعر (حزين) في مجيئها من مدينة البصرة الى مدينة (السماوة) لتنزل في نفس الزقاق ونفس البيت الذي سكنته (مريم) قبل خمسة عشر عاماً، واطلق أسم الزقاق بأسمها زقاق العمة، ولا أحد اعترض على التسمية (الزقاق الذي اطلقوا عليه قبل خمسة عشر عاماً (زقاق بيت العمة) وظل مقروناً بالاسم، لا أحد من المدينة تنكر له في أستبداله) ص9. لفت نظره الشاعر (حزين) لفتاة رشيقة القوام والجمال (حمامة) تتجه بخطواتها المتعثرة في مشيتها صوب البيت،كأن اصابتها وعكة صحية مفاجئة، تطلع الى جمالها وخفق قلبه بخفقات الشوق متصاعدة في اللهفة لهذا الوجه الفاتن، وقال وهو يدردم مع نفسه (أنها فتاة مموهة بالوان الطيف، فهي الالق وقال هي غيمة بيضاء تعوم في بهاء شذري ناصع، فهي بسمة من بسمات الله في لحظة رضائه) ص9. لكنه استغرب في اندهاش وحيرة، لماذا هي وحدها تركت مدينتها مدينة البصرة، وجاءت هنا الى مدينة (السماوة) وتسكن هذا الزقاق وفي البيت المنزوي القديم. وراح يتسأل بلهفة وهو في حالة بعثرة حواسه بالاضطراب لهذا الجسم الرشيق (حمامة)، ولكنه يعود ويقرض نفسه بالحزن بأن الشعراء يملكون قلوب حزينة وهذا دأبهم في ذلك (هكذا هم الشعراء، ألم في ألم، وجزع يليه جزع، وليست للسعادة رقعة في خارطة حياتهم) ص15،، وراح يلاحقها من بعيد وقريب يطلب العلاقة والتواصل معها، وعرف انها تهوى الشعر وتحضر ندواته الشعرية وتقرأ قصائده وتشتري دواوينه الشعرية من المكتبات، فتعلق بها اكثر. في معرفة سر قدومها، وسكنها وحدها في وحشة الليل، وفي بيت العمة (مريم) هذا البيت المنزوي في الزقاق، لابد وان هناك سبب وجيه للمجيء هنا ؟. ويعود الحدث السردي (فلاش باك) الى خمسة عشر عاماً الى الوراء، عندما جاءت (مريم) أمرأة ذات ثلاثين عاماً جاءت من البصرة الى هنا لتسكن هذا البيت المنزوي بصحبة مختار المحلة وهو يسلمها مفاتيح الدار ويطمئن هواجسها. بأن الناس في المحلة والزقاق يملكون الطيبة والتواضع والمحبة والشرف والشهامة والنخوة والتآلف الاجتماعي. ووجدت (مريم) عمل في معمل الخياطة النسوية، وحين تعود من عملها تكون محملة بالحلوى وتوزعها على أطفال الزقاق في فرح وابتهاج، حتى نالت احترام الناس ومحبتهم، واصبحت واحدة منهم. لذلك لم يتجرأ أحداً لمعرفة سبب مجيئها الى هنا، أو ما تحمل من مأساة في داخلها، وكذلك في رفضها الزواج من الذين تكاثروا في الرغبة بطلب يدها، لكن الحزن واللوعة لم تفارقها في شدها الى الماضي والى مدينتها. فكانت تحمل قصة حب وعشق مأساوية غارقة بالحزن والمعاناة، فقد أحبت الشاعر (وليد) هامت به بالعشقً والهيام، وهو بادلها نفس الشعور بالهوى والهيام حتى تكلل الحب بالزواج، ورأت السماء تفتح اسايرها لهذا العشق النقي والصافي، ولكن لم يمضِ على زواجهما شهرين فقط حتى اغتال النظام زوجها الشاعر (وليد) لانه كان مناوئ للنظام ورفضه الشديد لاشعال الحرب ضد ايران واستهجان ممارساته الارهابية ضد الناس، فكان عقابه بالاغتيال الوحشي والبشع (كان وليد مهشم الرأس، مقطوع الانفاس،جيء به متقطع الاوصال، متهتك الاعضاء..... وسيارته محطمة بشكل كلي و كأنها رميت من قمة جبل الى وادٍ سحيق) ص111. وبعدها شن النظام حملة اعتقالات ضد اصدقاء وليد واقاربه، وحتى شقيقه هرب من الاعتقال، وزوجته (مريم) هربت من بطش النظام خوفاً من سجنها وقتلها، لذلك جاءت الى السماوة هاربة من رعب وبطش النظام، وسكنت في هذا الزقاق الذي اطلق عليه اسمها، وفي هذا البيت المنزوي تداوي جراحها الحزينة في عتمة الليل. وحين اشتد عليها المرض وانهكها تماماً، حتى اصبح ليس في مقدورها ان تطعم نفسها، فتطوع الجيران في عنايتها واطعامها والرعاية بها، لكنها شعرت بأن أن اجلها المحتوم اقتربت ساعته، فصرحت للجيران برغبتها، بأنها تريد ان تموت في مدينتها وقرب قبر (وليد) وسكان المحلة لا يعرفون من هذا (وليد) الذي تعلقت به اشتياقاً وتردد اسمه على الدوام في غيبوبتها، ولم يسألها أحداً بما تحمل من قصة حزينة ومأساوية، فكانت تردد (أريد العودة الى وليد. وليد من يشفيني، ولم نكن نعرف من هو وليد، ولا هي افشت بسرها) ص92 و فحملوها الى كراج السيارات وهناك انطلقت بها السيارة الى البصرة. هذه التراجيدية المأساوية سببها النظام الطاغي بالبطش والارهاب. ومجيء (حمامة) الى هذا الزقاق والبيت، من اجل استخراج السر الدفين في احدى جدران البيت،وهو مذكراتها اليومية عن حبها المفجوع، سجلته على الاوراق واشرطة الكاسيت. وحين وجدت (حمامة) بأن الشاعر (حزين) لايكف عن ملاحقتها بالسؤال، وبما أنه يملك نوايا صادقة، وكان في كل مرة يردد بإصرار حين يراها (ردي حمامة..... ارجوكِ) ص60. فوقفت أمامه وقد رضخت له فقالت (أحقاً تريد الجواب.. يا حزين ؟ أمستعد لما ستكتشف؟

فقال لها (نعم.. بكل جوارحي

- بكل جوارحك ؟ أهذا عهد لا تراجع عنه ؟

- نعم : قالها باصرار)ص61.

عندها سمحت له بالدخول الى البيت والى غرفتها وطلبت منه الاطلاع على الاوراق وشريط المسجل، وذهبت هي تعد له القهوة. وانخرط في قرائتها والاطلاع عليها. واصابه الحزن والالم وهو يطلع على السر الدفين، بقصة حب حزينة جداً التي انتهت الى مأساة، قصة حب (مريم) واغتيال زوجها (وليد)، وخرج من بيت (حمامة) في حالة الذهول والحيرة والحزن (خرج حزين تاركاً بيت حمامة كالمسحور ذاهلاً، ومتذبدباً، ومشوشاً، خرج والصورة التي ألتقطتها عينه، قبل خروجه تستقر على المسجل والاوراق والمنضدة واكواب القهوة وحزن حمامة) ص92. واتفق مع (حمامة) بعد ذلك على طبع ونشر قصة الحب الحزينة ليطلع الناس عليها، وعلى بطش النظام الساقط بأن (وليد لم يمت. بل لن يموت. وليد يعيش في ذاكرة الاجيال. يعود الى جيل جديد يتخذ من كلماته هداية ليومهم ومسيرتهم، يرون فيه الرجل الذي لم يهادن على المبادئ، ولم يتخلَّ يوماً عن البصرة والعراق..... يستذكرون قوله : الاقدام صفة من صفات الشجعان، شرط أن يتحلوا برجاحة العقل، وإلا كانوا حمقى. كان وليد راجح العقل قوي الشكيمة) ص119. لهؤلاء الشجعان هم شهداء العراق ونجومه المضيئة، هم نوارس الحرية في ساحة التحرير. والحياة تؤكد بديهية ناصعة البياض وبيقين الحقيقة، أن البطش لن يدوم، والطغاة مصيرهم مزبلة التاريخ.

 

 جمعة عبدالله

 

 

كان التوق إلى الحرية مشروعا فلسفيا سياسيا والشغل الشاغل للفيلسوف والطبيب الإنجليزي جون لوك (1632 – 1704). فهو يعتبره الحق الطبيعي لكل فرد، لكي يستطيع تكوين شخصيته المتفردة؛ فالإنسان لن يكون مكتملا في انسانيته إلاّ إذا كان حرا مستقلا عن إرادة الآخر. فهذه الأفكار التي تنتمي إلى القرن السابع عشر، ما زلنا في صراع لتحقيقها في الواقع المعاش كما في مجال الإبداع.

هذا ما عايشناه مع الرواية السيرذاتية المعنونة  "سأعيش حياتي"، التي أثارت ضجة إعلامية، وباتت تتقدم لائحة الكتب الأكثر مبيعا، في هولندا، منذ الأسبوع الأخير من شهر آذار / مارس، بعد صدورها يوم 10 شباط / فبراير 2021. وهي الرواية الأولى لطالبة اللغة الهولندية، ذي الثالثة والعشرين ربيعا، لالا غول، الهولندية من أصول تركية.  فبعد موجة من الكراهية على وسائل التواصل الاجتماعي  ضدها، تبدو أنها ستستسلم  وتتوقف عن الكتابة. لقد اهتم الاعلام المرئي والمقروء برفضها للوسط الذي تعيش فيه وتمرّدها عليه أكثر من اهتمامه بتحليل أسلوب ومتن الرواية وأهمية النقد الاجتماعي ووضع المرأة في الوسط الذي تنتمي إليه الكاتبة.

تعيش الشخصية الرئيسة، بشرى، في عالمين متناقضين ثقافيا؛ وسط محافظ ومغلق داخل المجتمع الهولندي الأوروبي المنفتح على الآخر. تذهب كل نهاية الأسبوع  إلى مدرسة Milli Görüs  لكي تتعلم اللغة التركية، وتحفظ القرآن عن ظهر قلب دون فهم فحوى الآيات القرآنية.

بشرى كما الكاتبة، فتاة ترعرعت في وسط تركي - هولندي في منطقة كولنكيت، غرب أمستردام. تحكي تجربتها كشابة تتوق إلى الحرية، ولا تجد من يستمع إليها ويوجّهها. فوالديها  لازالا  يعيشان، بنفس العقلية كما كانا في قريتهما التركية النائية، في وسط تحكمه المعتقدات والعادات والتقاليد وتعاليم إسلامية يُمليها تيارٌ ديني متشدد، ممزوجة بأسلوب حياة مشبع بثقافات راسخة في القدم. كما أنهما غير متعلمين ولغتهما الهولندية ضعيفة. وهذا يجعل التواصل مع ابنتيهما صعبا.

تعتبرMilli Görüs  أكبر حركة إسلامية تركية في غرب أوروبا ولها نشاطات في عدة دول من بينها هولندا، بلجيكا، فرنسا وألمانيا. فاسم ميلي غوروش مأخوذ من كتاب صدر عام 1975، للزعيم الإسلامي القومي المحافظ "نجم الدين أربكان" (1926 – 2010) والذي يُترجم  كإيديولوجية "رؤية وطنية".

كان أربكان أول رئيس وزراء إسلامي (1997- 1998) وهو مؤسس لعدة أحزاب إسلامية وآخرها حزب الرفاه، منذ ستينيات القرن الماضي حتى عام وفاته 2010. ايديلوجية ميلي غوروش ترفض العلمانية وتدعو إلى اتباع القيم الإسلامية وتقوية العلاقات مع الدول الإسلامية.  وكان يُؤلمه الصعود السياسي لتلميذيه رجب طيب أردوغان  وعبد الله غول عام 2002 إثر فوز أردوغان وحزبه العدالة والتنمية  في الانتخابات بأغلبية ساحقة من خلال توليفة ذات مرجعية إسلامية تتبنى (علنيا وليس ضمنيا) الديمقراطية الليبرالية.

تضم مؤسسة ميلي غوروش حوالي خمسين منضمة موزعة في هولندا وثلاثين ألف  منخرط هولندي من أصول تركية وتحصل سنويا من الدولة الهولندية على دعم مادي يصل إلى عشرات الآلاف من اليورو. كانت قيادتها لفترة وجيزة تتسم بالليبرالية الدينية حيث أدانت خلال خطبة في مسجد "ميلي غوروش"  مقتل المخرج  ثيو فان خوخ من قبل محمد بوييري في 2 شباط / نونمبر عام 2004. لكن المركز الرئيسي رفض هذه الليبرالية وسحب الثقة من فرع هولندا. ثم نقل القيادة إلى مقر المؤسسة الأوروبي، المعروف بتشدده. في مدينة كولونيا بألمانيا.

كانت  البداية في برونشفايك، عام 1967، حين تجمع  بعض الطلاب الأتراك لتأسيس جمعية لتقديم خدمات دينية للعمال الوافدين إلى ألمانيا منذ 1961 وبناء مسجد للصلاة وفضاء لتجمع هؤلاء العمال فيه إلى أن أصبحت، منذ 1995، مؤسسة كبيرة بفروعها المنتشرة في أوروبا.

ففي روايتنا، الشخصية الرئيسة، بشرى كما لالا، مجبرة للذهاب إلى مدرسة نهاية الأسبوع، ميلي غوروش، محجبة، من السادسة إلى السابعة عشر من عمرها. وتتذكر أنها يوما طُردت من المدرسة لأن أظافرها كانت مصبوغة. فقوانين المدرسة صارمة جدا. كما أن الحجاب إجباري بالنسبة للفتيات القاصرات. تقول لالا أنها لم تخبر أمها، عامين كاملين، بدورتها الشهرية وذلك خوفا من أن يُفرض عليها ارتداء الحجاب.

ترفض بشرى القواعد الصارمة في البيت وكذلك في الوسط التركي المغلق الذي يعيشون فيه. النميمة والرقابة الاجتماعية تؤثرا كثيرا على الفتيات وتحدّا من تحركاتهن وكذلك من تنميتهن الذاتية. فتثور بشرى ولا تجد من يفْهمها ويتفهّم حاجياتها كشابة مراهقة. تتراكم أسئلتها وما من مجيب. الوالدان يقعان تحت ضغط لوائح العيب والحرام وليس لديهما تفسيرا لإقناع شابة تعيش في بلد متقدم ديموقراطي يحترم الحريات وبالأخص حرية التعبير التي يتلقّنها الأطفال منذ نعومة أظافرهم في البيت وفي المدرسة ابتداءً من الروض.

أَضف إلى لائحة الممنوعات؛ فالاستماع إلى الموسيقى ممنوع، العلاقات الإنسانية مع الجنس الآخر ممنوعة، تكوين صداقات مع شبان غير قانونية، ارتداء الملابس الجميلة والماكياج غير لائق والسهر خارج البيت غير مسموح،  كما الاحتفال بعيد الميلاد والسفرات المدرسية  وغيرها. تقول الكاتبة أن بشرى ليست لالا غول. لكن هذه الأخيرة عانت أيضا من كل هذا. فتقول: " لا أريد أن أكون مجرد نبتة في غرفة المعيشة"

زاد الضغط على لالا وعلى عائلتها. فوالدها بدأ يتجنب الذهاب إلى المسجد للصلاة. أما التلفون فلم يتوقف عن الرنين. حسب هذا الوسط، فهي تهين سمعة الجالية التركية وتوسخ سمعتها وللحفاظ على أمنها اضطرت أن تغادر بيت والديها لتعيش في مكان آمن وفرّته لها بلدية أمستردام ورئيستها فِمْكَ هِلسْما (حزب اليسار الأخضر). بالإضافة إلى الرسائل السلبية والتهديديات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فأهلها أيضا لم يسلموا من كلام البعيد والقريب. ويقال أن منظمة ميلي غوروش اتصلت بوالدها لتوبيخه. اهتز العالم من حولها داخل هولندا وأيضا في تركيا؛ حيث تًرجمت مقاطع من الرواية وأرسلت إلى الصحف التركية المحافظة. لا تحتوي الرواية على نقد المجتمع الإسلامي المتشدد وسيطرته الاجتماعية وأيضا السياسية على هذه المجموعات بل أيضا رفضا تاما للعيش بهذه المنظومة. وهذا لا يقبله بالطبع المحافظون الإسلاميون ويعتبرونه انتهاكا لشرف العائلة وارتدادا يجب معاقبته.

تعترف لالا أن روايتها تتضمن تفاصيل كثيرة من حياتها. تذهب لالا /بشرى لزيارة عائلة صديقها الهولندي السابق فريك (اسم مستعار)، دون علم أهلها، وتجد آذانا صاغية لها. فوالدة فريك تهتم برأيها في أشياء كثيرة. تريد معرفة ذوقها في الستائر وتناقشها عن السياسة وعن برامج تلفزيونية شاهدوها. أما والد فريك فيتحدث معها بصراحة عن انتخابه للحزب اليميني المتطرف، حزب الحرية PVV . كما أنها (بشرى / لالا) تشاركه الرأي في إيقاف هجرات المسلمين إلى أوروبا.

يبدو أن النظام الأوروبي عملة ذو وجهين؛ فلولا الديمقراطية وحرية التعبير وحرية الأديان، لما استقبلت أوروبا في ثمانينيات القرن الماضي الإسلاميين الهاربين من بطش الحكم العسكري التركي. هكذا لقوا ملجأ آمنا ليعيدوا تنظيماتهم ويوطدوا تواصلهم الأيديولوجي. ومن ثم عادوا، واسلاميين لاجئين آخرين، إلى بلدانهم لتطبيق خططهم الأيديولوجية؛ الإسلام السياسي. فالدروس التي تلقتها بشرى / لالا غول في مدرسة ميلي غوروش كانت تتناقض مع  النظام التعليمي الهولندي المبني على المساواة بين الجنسين وحرية التعبير. فهذا التناقص خلق لديها غضبا وبقيت أسئلتها بدون إجابة. فأدارت ظهرها للوسط التركي المحافظ والمتشدد. اختارت حياة جديدة، حريتها. فتوقها إلى الحرية آتى أكله بتسليطها الضوء على وضع المرأة في هذه الغيتوات التي تعيش على هامش المجتمع، وبالتأكيد جعلت فتيات أخريات يتجرأن لحماية أنفسهن في حالات مشابهة، في مجموعات عرقية أو دينية متشددة أخرى.

وختاما، فإن لالا غول حُكم على شخوص روايتها من قبل أفراد جاليتها، لكن شخوص الرواية المعنونة "لقيطة اسطنبول" لمواطنتها إليف شفق مثلوا أمام القاضي عام 2006، الذي برّأها وشخوصها لعدم توفر أدلة كافية.

 

نجاة تميم

 

علي جابر الفتلاوي(اهزوجة عشق خريفية) مجموعة شعرية جديدة، تأليف الشاعر (ثامر الحمداني) أصدرها بداية عام 2021، وصدر للشاعر قبل هذه المجموعة،مجموعتان شعريتان هما: على ضفاف الوجد، في انتظار خطاها.

عناوين المجموعات الشعرية الثلاث، نستوحي أن الغالب في شعر الشاعر ثامر الحمداني، هو الحب والعشق، وأفهم أنا كقارئ أن الحبّ في مختلف ألوانه له مصاديق كثيرة في حياتنا، فالأنسان يحب الله، يحب الحياة، يحب الخير، يحب الوطن، يحب الجنس الآخر، يحب العائلة، إلى غير ذلك من محفزات الحياة الكثيرة التي تدفع الانسان أن يحبّها، أحيانا يحب الانسان أحد هذه المصاديق أو غيرها بدرجة كبيرة حتى تظهر مظاهر هذا الحب في سلوكه، حينئذ يسمى عاشقا،  فالعشق أعلى درجة من الحب، وكثير من العشاق يضحّون بأنفسهم من أجل معشوقهم، وفي التاريخ العربي من اشتهر بعشق إمراة كمجنون ليلى وهو شاعر الغزل قيس بن الملوح، وجميل بثينة، وكثير عزّة، وغيرهم، ومن أهل الايمان والفكر من يعشق  الله سبحانه، وهؤلاء يسيرون في اتجاهين التصوف والعرفان، وسلوك المتصوف غير سلوك العارف. استوحي من العنوان أمورا:

الأمر الأول: وصف الشاعر ديوانه أنه أهزوجة، والأهزوجة تكون وليدة ساعتها وتعبّر عن حالة شعورية معينة يعيشها من يهزج، وفي نفس الوقت يعبّر عن مشاعر مجموعة من الناس عندما يهزج في وسطهم، نرى الناس الذين يُهزَج لهم يستقبلون صاحب الاهزوجة بالارتياح والرضا، إذ يتفاعلون مع الاهزوجة.

عرّفت الموسوعة الحرّة الاهزوجة أنها نوع من الأناشيد الشعبية الغنائية، لا يصاحبها أي نوع من الآلات الموسيقية تعتمد في القائها على المد الطويل للكلمات مع إصدار الصوت الواضح الدال على التمديد، وتسمى في العراق (الهوسة). وأهزوجة شاعرنا ميدانها الحب، فقد تصفحت الديوان فوجدت الغالب في قصائده الحب، وهذا مؤشر على قرب الشاعر من مشاعر المحبين، وأنّه مرهف الاحساس يعبّر بصدق عن مشاعرهم  وأحاسيسهم.

 الأمر الثاني: استوحي من كلمة (عشق) أنّ شاعرنا أما أنّه يمر بتجربة عشق حقيقية فترجمها إلى قصائد، أو أنه استوحى مشاعر العشّاق فترجمها إلى كلمات حارّة في قصائده، ومن خلال معرفتي للشاعر المتألق، اقول: أنّه مرهف الاحساس يتحسس مشاعر العشّاق فيترجمها إلى كلمات تشع منها حرارة تلذع بشكل خاص من يخوض تجربة حب، قد تكون هذه التجربة صامتة تظهر من خلال مؤشرات في سلوك المحبين، وقد تنتج تجربة الحب كلمات يعبّر بها المحب عن مشاعره وأحاسيسه تجاه محبوبه، وفي كلتا الحالتين أجاد الشاعر في قصائده، فهي قصائد معبّرة عن أحاسيس صادقة، ليس هذا فحسب بل أرى الشاعر يحمل هموم أهل الحب خاصة، بدليل أن اسم الديوان الأول، (على ضفاف الوجد) والثاني (في انتظار خطاها)، وكلا العنوانين يوحي بالحب، وهذا مؤشر أن شاعرنا مرهف الاحساس يعبّر بصدق عن مشاعر وأحاسيس المحبين.

الأمر الثالث: استوحي من كلمة (خريفية) في العنوان، أنه يشير إلى عمره، إذ يعدّ نفسه في خريف العمر، أي مابين مرحلة الشبابية والشيخوخة، وأقول للشاعر المبدع ثامر الحمداني، أن الروح لا تكبر أو تشيب إنما الجسد فقط هو الذي يهرم، لكن الروح تبقى متوثبة ومتحفزة للإبداع والعمل في اتجاهات عديدة.

تصفحت المجموعة الشعرية وجدت جميع القصائد موضوعها الحب، أفراحه آلامه محطاته، مع رسم للمشاعر بكلمات معبّرة، يبدو فيها الشاعر وكأنه يمرّ بتجربة حب عميقة، أرى أنّه يستوحي مشاعر وأحاسيس المحبين، فيترجمها إلى كلمات توحي وكأنه هو من يعيش هذه التجربة، وهذا دليل على شاعريته وإبداعه؛ بدأ مجموعته الشعرية بببت من الشعر اسماه (توطئة):

كنتُ الكتابَ لها فطارتْ أحرفي           تحكي الهوى  أهزوجة لخريفي

عندما يكون الحبيب كتابا لحبيبته، ثم هو من يخط أحرف الكتاب، هذا يعني أنه أسير حب يتجّه به حيث يريد، لدرجة أن كلمات الحبيب تحولت إلى اهزوجة للمحب وهو في خريف العمر، لم يكن عائق العمر عقبة، وهو في هذا العمر الخريفى اُسِر قلبه من غير إرادة منه، بعد التوطئة يأتي عنوان (تقديم) للأديبة الفلسطينية (خلود أحمد أبو ريدة)، عبّرت عن رأيها في المجموعة الشعرية، ولا تعليق عندي على التقديم.

نختار نماذج من مجموعته الشعرية، القصيدة الأولى (تطريز)، يقول:  

اهزوجة  نُسِجت  بخيط        وداد            تحكي  حكايا  العشق   للآباد

هي نبض من كانوا رموزا  للهوى            تروي  حكايا العبد   والأسياد

ودموع من عاشوا الهوى     دفاقة            تشكو عذاب العشق والأصفاد

جمر الهوى يكوي القلوب وميضه            أوّاه  من  جمر  لظاه     وقاد 

أرى القصيدة بأبياتها الخمسة عشر تحكي قصة حب يكتوي قلب الحبيب بلهيب نارها، إذ (يرنو الفؤاد متلهفا إلى وصال حبيبه ...مدى الآباد)، وصف الشاعر قصة حبّه أنها اهزوجة، أهزوجة الشاعر تختلف عن الأهزوجة المتعارف عليها كون أهزوجته نسجت بخيوط الود والحب، بل الحب ارتقى إلى العشق الذي يذوب فيه العاشق في هوى معشوقه إلى نهاية العمر (للآباد)، وهذا اعتراف من العاشق بسطوة نار الحب على قلبه لدرجة أنّه يعيش لظاها مدى العمر، وصف الشاعر الحبيبة أنّها نبض، وبتوقف النبض تقف الحياة، حكاية الحب التي عبّر عنها الشاعر أشبه بالعلاقة بين السيد والعبد، العبد أي العاشق يذوب في هوى معشوقه لدرجة أنه يتملكه ويصبح عبدا مطيعا له، دموع العاشق لا تتوقف فهي دفّاقة، وهذا مؤشر أن العاشق لا يقابل بنفس نار عشقه من محبوبه، عشق غير متعادل، هذه الدرجة من العشق تكون في ظروف معينة مؤلمة للعاشق، كون العاشق يكتوى بنار معشوقه دون ملل أو توقف، لا رحمة في العشق إن كان المعشوق لا يبالي بمشاعر العاشق إذ سيتحول قلبه إلى جمر لظاه لا ينطفئ، يستمر الشاعر في وصف مشاعر العاشق. للهوى جمر يكوي قلب العاشق وميضه، وقلب العاشق يبقى مكتويا لأنّ نار الحب تزداد اشتعالا، وهذه النار لا أحد يستطيع إطفاءها إلّا من كان سببا في إيقادها، وهو الحبيب الذي يعيش في قلب العاشق، أبيات القصيدة توحي أن المعشوق بعيد المنال هو أشبه بالسحاب في السماء، يصعب الوصول إليه. أخيرا يختتم قصيدته بقوله:

في  وصلكم  أنات  قلب  تنتهي            تترجل  الأحزان  بعد  سياد

يشدو  كما  الأطيار  لحن مودة            تتراقص النبضات في إسعاد

تدعو  إله  الكون  يبقي جمعهم            ما دام  صوت بالوداد ينادي

هنا يعلن الشاعر أن وجع القلب سينتهي بوصال الحبيب، والأحزان ستغادر بعد أن كانت متسيدة على القلب، سينبض قلب الحبيب بوصال حبيبه نبضات الفرح والسعادة، كالطائر الذي يغنّي لحبيبه في أوقات القرب والوصال، نبضات قلب الحبيب بعد الوصال تتحول دعوات إلى إله الكون، بأن يديم الجمع بين الحبيبين ما دام الوصال والوداد  موجودا ومستمرا، إنها مجرّد أمنية، وليس كل ما يتمنى المرء يدركه، نرى الشاعر يتحسس مشاعر القلب الدفينة الدافئة الحنونة، فيترجمها إلى كلمات ذات حرارة، وهذا مؤشر على الشاعرية والارهاف الحسّي.

أطول قصيدة في المجموعة الشعرية هي (فصول الهوى)، القصيدة أشبه بخطاب وعتاب من الحبيب إلى حبيبته، يظهر أن الحبيبة فاقدة للثقة بحبيبها، إذن الحب من طرف واحد رغم ما يبدي الحبيب من مشاعر الود والشوق، الحبيبة تسمع كلمات الحب لكنّها تتجاهلها، رغم توسّل الحبيب بأن تتفرس ظواهر حبه لها، يقول الشاعر:

(وهبوب نسائم شوقي .. اغتالتها حشرجات ظنونك .. فبان ما أخفاه بوحك .. 

قرأتك غاليتي ... لكنّي لم أجتز الامتحان.. صور الخوف من المجهول..

لم تغادر عينيك .. رغم تراتيلي باسمك..)

يستمر الشاعر في التوسل بحبيبته لتثق بحبه لها لكنّها تقابله بالجفاء والبعد والتجاهل، لدرجة انه استعان بالطير لارسال المراسيل:

(فبت أناجي الطيور.. لأرسل مراسيلي إليك .. ماذا دهاها الظنون ..؟)

اخيرا يستسلم الشاعر لقدره ويقرّ بالانكسار:

 (قدري هذا .. ليس لي خَيار.. هكذا العمر فناء لبقاء..)

 ثمّ يتوجّه إلى حبيبته وكأنها معه ليسألها: (قولي بربّك .. علّلي سبب الفرار..) لكن لا جواب، شوقه الطاغي يجعله يسأل فيجيب. أخيرا يناجي الشاعر حبيبته الحاضرة في قلبه الغائبة في وجودها، يقول: (تجلّي يارؤى روحي .. ظلامي يندب الفجر.. أناجيك معللتي.. أجيبيني بلا نكر) . القصيدة تعكس آلام من يحب من طرف واحد أجاد الشاعر في تصوير ظاهرة الحب هذه، التي هي موجودة في المجتمع.

أقصر قصيدتين في المجموعة الشعرية هما:(هل قرأتي عيوني) و (أنت بدر الأيام) يقول في القصيدة الأولى: (هل علمت ما تخفي .. أين أنت منّي .. يامن ملكتي كلّ شيء.. وهجرتني.. وتركتني أعاني الضياع.. أناجي الخذلان ..اكفكف كلام العيون ..آه من صراخ روحي.. ليتك سمعت ماذا يقول..)

 الغالب في القصائد الألم والحسرة التي يعاني منها الحبيب بسبب عدم اكتراث الحبيبة، في هذه القصيدة إيحاء أن الحبيبة كانت قريبة من حبيبها مستمتع ومسرور بحضورها، لكنّها هجرته على غفلة من دون أن يعرف السبب، فتركت حبيبها يعاني بسبب الإهمال، يكفكف الدموع التي سمّاها كلام العيون، بدأت روح الحبيب تصرخ ولا من مجيب، يتمنى الحبيب لو كانت حبيبته تسمع الصراخ.

في آخر قصيدة من المجموعة الشعرية واسمها (كنت) يقول الشاعر:

(هكذا كان وكان ماض صار .. وجاء آن نزفت مآقي .. ورئتاي لهاثا هل تدرين؟   وصكّت جدباء الروح لواعج هم .. جاب أنين) إلى أن يختم القصيدة بقوله:

(سألت دمعات تغلي .. فأجابت تهذي .. تعكز على حزنك يا مسكين)

وهكذا تتكشف الصورة، رغم لوعات ألم الحب والمعاناة للحبيب، كانت تقابل بالقساوة والتجاهل من الحبيبة، فبقي الحبيب حبيس حزنه وآلامه.

 أرى الشاعر أجاد في تصوير معاناة ومشاعر مَنْ يمرّ بتجربة حبّ، خاصة عندما يُقابل بالسهو والنسيان والتجاهل من قبل الحبيب، شعور صعب وحزين، هذا الشعور يشعر به إثنان: مَنْ مرّ بتجربة حب، أو شاعر يتحسس مشاعر المحبين فيترجمها إلى كلمات ناطقة تضجّ بحرارة الحب، الشاعر المبدع ثامر الحمداني من هذا النوع البارع الذي استطاع بحسه المرهف، رسم مشاعر المحبين وكأنّه يعيشها وهذه موهبة لا تتوفر عند كلّ شاعر، أدعو للشاعر الحمداني بالتوفيق، وإلى مزيد من التألق، ورسم مشاعر من يعاني لوعات الحب، أو أيّ مشاعر أخرى سارّة أو حزينة ومؤلمة في حياتنا وما أكثرها.

 

 علي جابر الفتلاوي

 

 

 

 

احمد عواد الخزاعيلغة سردية هجينة، غريبة على طبيعة السرد الروائي، تتأرجح بين الشعر والنثر، تنتج عن سارد خارجي، يروي قصة مواطن عراقي مثقف يعيش ارهاصات الفوضى السياسية القائمة في العراق، في رواية (فقيه الطين) والصادرة عن دار الشؤون الثقافية 2019 اختار واثق الجلبي لنصه، شخصية محبطة قلقة حائرة لا منتمية ايدلوجيا او حزبيا (احاط حياته بجدار عازل غير راغب بدخول احد الفوضويين في حياته.. ولان المجتمع كان منفتحا على ثرثرة فانه اقفل مساحاته بالغموض .. لا يريد ان يغضب من احد عاش كسيكارته غارقا بالدخان غير الموجه الا اليه).. لكنها في نفس الوقت شخصية اشكالية ناقمة، تمتلك رؤية فاحصة واعية لما يدور حولها، هذه الشخصية التي غابت ملامحها المادية وتفاصيل حياتها الخاصة، حتى تحولت الى بؤرة أنطولوجية داخل النص، فقد وصف الكاتب لنا الحالة النفسية لبطله في عملية افصاح خارجية الهدف منها التعرف على الدوافع النفسية لسلوكه (تناول يومه الاول بعد بلايين الثواني المتأرجحة بين البكاء والقلق والقرف والجوع في عراق كلاب السياسة) .. افكار ورؤى تنهال متدفقة على شكل تداعيات حرة، يرويها السارد العليم مصوراً الحالة التي يمر بها بطله، حتى اننا لا نستطيع التمييز في كثير من محطات النص بين الروائي وبطله، وهنا يبرع واثق الجلبي في كيفية صياغة نص يستطيع الكاتب ان يتوارى خلفه بحرفية.. هذه الرؤية الناقمة لبطل النص عن محيطه الاجتماعي تولد لديه رغبة جامحة في البحث عن حروف اسم شخصية اسطورية، ربما تكون طوق النجاة لمجتمعه والانسانية جمعاء، استحضار لمفارقة ميثولوجيه ازلية تحاكي (البطل المنقذ) التي وردت في ادبيات جميع الاديان حتى الوضعية منها، هذا البحث المضني يتكلل بحصول البطل على الاحرف الثلاثة لاسم البطل المنقذ .. هذا ملخص موجز لنص معقد يحمل انزياحات فكرية وفلسفية كبيرة، يلامس الواقع المعاش للحظة، ثم يغرق في تداعيات تستمر لعشرات الصفحات، الهدف منها استخلاص تلك الاحرف التي تشكل اسم (فقيه الطين).

اهم خصائص النص:

اولاً- اللغة : تميز النتاج السردي لواثق الجلبي بتفرد اللغة، التي تشكل حجز الزاوية في نصوصه الروائية والقصصية، حتى انها تهيمن على الاحداث وحراك ابطاله في معظم هذه النصوص، هذه اللغة التي توسطت بين الشعر والنثر واتخذت لها بين ذلك سبيلا، تثير اسئلة مهمة حول موضوع (التجنيس) بالنسبة لهذه النصوص.. وهل يمكن ان نطلق على ما نقرأه لواثق الجلبي بأنه (رواية ، قصة)؟ ام ان هذا المنحى اللغوي الغريب يحيلنا الى جدلية ادبية نبحث من خلالها عن مسمى اخر لهذه النمطية الهجينة ؟

من يقرئ النصوص السردية لواثق الجلبي يلاحظ ان هناك استثمار للغة الشعرية في البناء السردي، مع المحافظة على تراتبية النص الأرسطي (بداية، ذروة، حل) بضبابية متعمدة تشوب التفاصيل الجزئية والثانوية للنص .. في رواية (فقيه الطين): غابت التفاصيل الضمنية المكملة للنص السردي مقابل هيمنة الانزياحات والانثيالات اللغوية، وغاب الوصف مقابل شاعرية اللغة،  وغاب التشيؤ مقابل الايحاءات اللغوية، وغاب عنصر الزمان مقابل الانتقالات اللغوية .. (تمتمات الاسى تضرب بجراتها عليه منتظرة عودة الزمن ليغتال نفسه او يبيدها سرابا لا يقترب اليه احد .. في تضمينه احداث وعوالم مختلفة كانت اشد فتكا من النعومة.. اشتعاله الدائم كان ترنيمة خلود لا تعرف السكينة.. عيناه تتخللهما عودة مرضية لشبق السلالم المتاخمة للفلسفة الطامحة) .. هذه البدائل التي طرحها واثق الجلبي ربما تؤسس لنمطية جديدة في السرد بدأت بواكيرها في اول مجموعة قصصية له (قشرة الملح).

2369 فقه الطيناحتوى النص على الكثير من المفردات الغريبة القليلة التداول مثل (اماليد)، اضافة الى ميل بعض الحوارات الى (الخطاب المسرحي) كما في هذا النص الذي يمثل حديث يوجهه البطل الى فقيه الطين (ايها الفقيه الذي احمل منه حرفا ناولني بقيتك..).. اضافة الى وجود مقاربات لفظية (تناص قرآني) كما في هذه الامثلة :

1- لاريب فيه .

2-  اربعين سنة مما يعدون.

3-  بلسان عراقي مبين.

4-  التقطه بعض السيارة.

وقد لجأ واثق الجلبي الى (التضاد اللغوي) للتعبير عن حجم المتناقضات التي يعيشها بطله، وانعكاساتها على احاسيسه ومشاعره ومواقفه اتجاه الاحداث المحيطة به:

1- اقام عزاء السعادة في سرادق الوهم.

2- دخل في ظلام الشمس.

3- الصوت يقتلع بالبرودة الساخنة .

4- في خضم الانتهاء من سكرات صحوته.

5- شادخا قلبه ومالئا توابيت صدره بالهناء.

ثانياً - السارد العليم: هيمنت ثقافة السارد العليم (الروائي) على النص وعلى بطله، ثقافة موسوعية سخرها واثق الجلبي لإثارة الكثير من الشكوك والتساؤلات عن (اصل المعرفة، الحكمة، التصوف) اضافة الى محاولته لإبداء آرائه الناضجة وتعليقاته على احداث ومسلمات تاريخية، او يعتقد الكثيرين انها كذلك، وتساؤلات في بؤرة العنونة تبين قصدية النص، كان البطل هنا مجرد اداة لاوجود مادي لها، غير كونه شماعة تُعلق عليه اراء وتصورات الروائي السياسية والثقافية، فقد عمد واثق الجلبي على احدث تعالق أنطولوجي بينه وبين بطله يصعب الفرز او التمييز بينهما، وكأنه شريك معه في هذا المأزق التاريخي..  وقد وضع الروائي لنصه معادل موضوعي يتلاءم مع طبيعته واهميته، من خلال زج البطل في عملية البحث عن (الحكمة، الكمال، العدل، القيم المطلقة) المتجسدة في فقيه الطين لذا كان (البطل = قيمة الحدث) من حيث حضوره المعرفي والثقافي وحجم التداعيات التي يمر بها ومستوى الاحداث السياسية المحيطة به (هناك دسائس توضع بالمصطلحات والاسماء لكن الحكمة التي يتبرا منها الجميع تقريبا كانت اشد ثباتا من التخلل الذي اطاح بأغلب الاسماء فالطبقية ليست عدالة عند البعض والحكمة تقضي ان يبقى الانسان باحثا على الاجوبة لو استغرقت ذلك لبعض الحيوات).. التعالق الفكري والمعرفي الذي اشرنا اليه، بين الروائي وبطله نجده عبر انتقالات مفاجئة في السرد، بين المفرد الغائب (هو) الى صيغة الجمع الحاضر (نحن).. واستعماله صيغة الجمع (نلجأ) بدلا من المفرد (يلجأ).. هذا الامر يتكرر في البناء السردي للنص بطريقة ملحوظة بالرغم من غرابته على هيكلية لغة النص.. عملية التعميم هذه تشير الى رمزية البطل، كونه يمثل ايقونة لكل مثقفي العراق (هل سنأكل الجثث؟ ميزانيات مصدرة الى خارج الافق ..ثعابين الجوع في كل مكان .. ماذا نكتب؟ ماذا نقرا؟ من يقرا؟ من يكتب؟ من يرضى ان نقتل جميعا؟ اين المال؟ وحشود الفقراء تلاحقنا.. ووزارات تقتل الاف العمال .. لا راس معي ؟؟ لا عنوان.. لا اشبه موتي ..لا اشبهني .. كيف نعيش؟ في هذه الدولة سنوت حتما .. سنقتل نحن واولادنا وستسبى نساؤنا .. هل هذا ما يريده السياسي؟).

ثالثا – فقيه الطين : لماذا اختار واثق الجلبي هذه الثيمة الغرائبية في تعاطيه مع الواقع المرير؟  شكل المُنقذ ركيزة مهمة في ادبيات الاديان، واصبح امل لكل الاثنيات الدينية والاقليات القومية المستضعفة عبر التاريخ، ومأمول مُعول عليه في انتصار الحق، ونشر الفضيلة في ارجاء المعمورة.. هذه الميثولوجيا الدينية التي تحولت مع الزمن الى حقيقة اجتماعية تتعايش معها الكثير من الامم والشعوب على مر التاريخ، كان لجوء الروائي لغرض استحضار القيم المطلقة التي تمثلها، والتي تلاشت في عصرنا واصبحت ازمة الانسان المعاصر، وربما تكون ذات تأثير اكبر في مجتمعنا العراقي الذي تعايش مع هذا المفهوم لقرون طويلة، لذا كانت الحاجة الى اسقاط هذه القيم السامية على واقعنا العراقي المعاش.. او قد يكون هذا الاستحضار ناتجاً عن يأس وعجز وغياب القدرة على تغيير الواقع، في عملية تناص مع (غودو) الحاضر في ذهنية المستضعفين (الغائب) عن ارض الواقع (الانسان ظل الله وظل الانسان هو الملك الذي يشبه مرآة السماء الانسان العراقي الذي بدا منه العالم والذي انقذ العالم بالعلم وبالسفينة هل استسلم الان ؟ حاول ان يقدم شيئا بعد معرفته لفقيه الطين فهو يحاول ان يجده لينقذ العالم بالمعرفة ولكن هل هناك وقت للإنقاذ ؟ ام انه سيؤسس  لشيء يستغله الاخرون ؟).

رابعا – عرقنة النص: هي ظاهرة ادبية عراقية برزت بعد الاحتلال الامريكي للعراق 2003 تميزت على المستوى السردي الروائي، حيث برز كتاب تناولوا العراق ماضيا وحاضرا كقيمة عليا، محاولين خلق ثقافة مضادة لكمية الفوضى والخراب اللذان حلا به، فهي تجربة ثقافية لإعادة الوجه المشرق للعراق وابراز دوره الريادي والحضاري والانساني على مستوى البشرية جمعاء، من خلال رؤية موضوعية مجردة تسعى الى ربط جميع وشائجه عبر التاريخ، وصولاً الى العصر الحديث.. رواية (فقيه الطين) بانوراما تاريخية بأسلوب حداثوي معاصر، تزخر بشواهد الاسطورة والدين والتراث، جعلت من فقيه الطين عراقيا صميمياً، متعكزة على الدور الريادي والحضاري للعراق عبر التاريخ، ولهذا لابد من ان يكون فقيه الطين عراقياً.. لذا نجد الرواية حافلة بكل ما هو عراقي عبر التاريخ:

1- نوح النبي العراقي الذي انقذ البشرية (يتحسس سنينه التي غادرت مع سفينة نوح العراقي).

2-  ابراهيم النبي العراقي، مؤسس ديانة التوحيد.. واب الديانات الابراهيمية.

3-  كلكامش واسطورة الخلود.

4- النخلة العراقية (نخلته النيسانية تستبد بحكمتها العراقية).

 

احمد عواد الخزاعي

 

انعام كمونةنص وعنوان فيه رمزية غائرة عن التفكر في كونية الخلق وكيان كل البشر منذ الخلق والنشوء حتى الممات والحيرة التي تدعمها المعرفة عن المجهول هي فطرة ربانية لكيمياء الفكر وفيزياء الذات والإتقاد السايكولوجي المستحدث والذي يبهر يقين وجوده ويستغرب زحزحة شكه، فيبحث عن الأسباب ملفقا فلسفته يدعمها بخياله الجامح أحيانا وبمنطق معقول احيانا أُخر، فما يتوارى خلف الحقيقة عمى الظن وما نراه في الخيال قناعة ارتواء تغنينا عن المستحيل، لذا كلمة ( لو) تأكيد ضعفنا ورسوخ قلة استطاعتنا، مهما بحثنا عن أسرار الكون وأيونات الوجود ..

سيميائية العنوان :صيغة وصفية فيها المعنى ومفهوم حال فيه المحمول والتبعية من الظاهر والباطن بدلالات صوفية واجتراحات نفسية ومؤثرات اجتماعية باختلافات عقدية، فيها التميز والعادي، التصريح والتعتيم، الوضوح والغموض، المستحب والمنبوذ، ورمز ثري بما يجيز لنا من إيحاء يتناغم القارئ معها لاستدراج مرجعياتها والتنقيب عن كنهها واستنطاق طاقاتها باسترسال باحث واستقراء مستغرب، لذا تعم المتعة بالتتابع ولا تنتهي ....

استشراف :أن الإمكانات المستحدثة للرؤى هي قيمة جمالية وفنية بناء وبراعة لغة، فحين يكون النص مختلف بلغته منحرف بأسلوبه متمرد بصوته يكون مغايرا لقداسة الأجناس الأدبية بمعايير مختلفة عن النصوص الكلاسيكية تستنفر القارئ/المتلقي فيجد في تأويلاته المتعددة باستدراج دلالاته بتعدد القراءات يكون نص ما بعد حداثي،لذا يحثنا لهدمه وبناء قوامه بفرض المتعة للقارئ والناقد فيخلق تناسق مشترك معهم بما يحدده مستوياتهم المعرفية فيتعاضد القارئ مع قاموس النص بخصوصية لسانية لبناء مقصده بتذليل عبارات وجمل وكلمات ورموز النص ضمن قواعد معينة ...

النص:

للنص أوجه عدة بزوايا رؤى متعددة، أراد منها الشاعر نقاش موضوعي، وجدلية فكرة بانفتاح مطلق، تستجد من زمن لآخر، ومن شخص لآخر بما يتوافق مع فكره وآفاق رؤاه، كما تختلف بمستوياته العقائدية والالتزام الاجتماعي وفلسفته النفسية، بما تجيز الممنوع وتمنع المجاز، في أنساقه التضارب الواعي والتضاد الاستعاري وبيان الفكرة وتقنية الأدوات،نستنطق منه عرفانية ناسك وانعتاق درويش وتساؤل وجودي والهام شاعر واستبصار كهنوت وفضول عابد عن لدن الغيب،لذا سيدركها القارئ بفهمه المؤول، ورصد تجربته الحياتية فيتقبلها على قدر حالته الذهنية بكل سرحان تحليل وامتداد تفسير مطلق ومقيد، فيمنحه الدلالة والتأويل، بتجاوب مع طاقات استيعابه للفكرة وما يستشرق من خلاصة مراد وقصدية الشاعر...

 النص رسالة لمرسل اليه، فيها الحنكة والمعلومة الغنية عن المؤمن كما نسميه والملحد كما نجيز اعتباره فبأي ميزان نزنه وبأي سلطة نصفه، مما يدعونا أن ندق ابواب النقاش بمحور افتراض ونستدعي مفتاح تخمين، بتأويل متنوع من حين لآخر ومن قارئ لآخر وتلك متعة عدم انغلاق النص ولا أقصد بانفتاح يضيع فيه الموضوع أو تتهاوى الفكرة بل يستجد به الافتراض التأويلي بشغف القارئ ....

فالأيمان حس وجداني وطمأنينة نفس وفلسفة روح من الباطن وليس الظاهر والا سيكون خلخلة حس واضطراب روح، وكذلك عقيدة الإيمان جوهرية إحساس تنبع من الخاص وليس العام والا ما فائدة قناعته أو رضاه ان تكون عقدة تطبع لا غير، ونرى بطبيعة الانتماء وعدمه يبحث الأنسان عن مجهولية الإله ليركن اليه ليشعر بعدم ضياعه، فيعمل ما يقربه باعتقاده ويفسر مردودها عليه بالقبول والرفض وطبيعة النكران للإله هو تساؤل ولربما استنتاج ملموس وغير ملموس فكثير من القبائل أو المجموعات تخلق لها انتماء روحي باي شكل من الأشكال بطقوس معينة لتتميز عن الآخرين، اذن هو تفكر ذاتي للرجوع لمفردة المحسوس والا محسوس، والملموس والا ملموس، فالجزم والتعيين هي حلقة نقاش لا تنتهي من خلال فكرة النص يثيرها كاتب النص، وموضوع العبادة حرية اختيار، وبحتية رأي وقد يكون انتماء اجتماعي، والا سيعمده احساسه بغائب وغير منظور وهو يبحث عن جدلية الخالق بمحيطه، لذا يلجأ الأنسان بفطرته الا ارادية دوما للاستكشاف، لماذا خلق ومن أين جاء وأين سيذهب وكيف سيكون ولماذا تكون هكذا نهايته وما ذا بعد الموت مما يجعله يفكر بالخلود طمعا بحياة اخرى فيختار أما طريق الانحراف والانحراف أو الالتزام بمقومات دينه وعقيدته واعتقاده والنص فيه دلالات توحي بالبحث عن الأسباب في الحياة والممات، برمزية عن جميع طبقات المجتمع وباختلاف الأديان ...

 خلاصة

 برؤياي المتواضعة للنص خلاصة فلسفة عن عموم وجود مما يراها الدكتور والشاعر والأديب استاذ ريكان عن تماس وهو المعالج والدواء فله الخبرة بإتقان الفكرة وانتقاء الموضوع بحكمة حكيم واستبصار من تنوع طيفي لمرضاه ومحيطه وتنوع استشعاره الرؤيوي بذكاء شاعر وأسلوبه المميز بتناوله مواضيع متميزة بحداثة الصور ...

 رؤياي بعموم النص: نص يشحذ طاقة الدلالات بانفتاح التأويل بلغة معرفية وأسلوب تحليلي، ونفسي كما معظم نصوص الشاعر غالبا

دمت بالق وبورك مداد الرؤى وغيث اللغة

 

اضاءة / إنعام كمونة

..................

للاطلاع

ريكان ابراهيم: المُلحِد

 

2349 geoffrey pnashترجمة: صالح الرزوق

إن استيراد صورة الشرق العربي كما يراها خالد والبناء عليها في بحث كوكس عن المدينة العلمانية يعني أننا نحتاج للامتناع عن التفكير أين يمكن أن يودي بنا مقاربة الاستشراقيين وما بعد الكولونياليين لعمل الريحاني. وقراءة سعيد المضادة عن خالد (الثقافة والإمبريالية لإدوارد سعيد وليس الاستشراق) تساعدنا على تخليص السردية المركزية الغربية، عن الإنسان الحديث، من مركزيتها، كما يقدمها لنا كوكس. وهذا يقودنا للعثور على مكان للكاتب المهاجر من“العالم الثالث”، وعن “رحلته إلى” الميتروبول الغربي. مع ذلك تبقى أمامنا مشكلة: وهي وجوب النظر لكتابات سعيد على أنها بعد كولونيالية وتحشد البخار المنطلق من فترة ما بعد تفكيك الاستعمار مباشرة.  فهو يقترح شخصيات مثل غينوا أتشيبي والطيب صالح ونغوجي واثيونغو. وجميعهم كتبوا عن لحظة تفكيك الاستعمار أو ما يليها كما لو أنهم لا يشذون بشيء عن أولئك الذين تفهموا حدود المركز-  الميتروبول للسلطات الإمبريالية السابقة.  لو صدقنا إعجاز أحمد لدى سعيد القليل ليقوله عن الدور الذي يمكن لكاتب من “العالم الثالث” أن يؤديه في المقاومة خلال الفترة الاستعمارية التي كان الريحاني يكتب فيها (42). لقد ناقش سعيد في “الثقافة والإمبريالية” القومية العربية كما كانت عليه في الثلث الأول من القرن العشرين وكما فهمها شخص من نوع جورج أنطونيوس. ورغم إعجابه بكتاب “الصحوة العربية” لأنطونيوس وخطابه القومي العربي، كان يرى أنه تابع للنظام الغربي الذي يروج لليبرالية والديمقراطية (43). ولو كتب سعيد عن الريحاني سيدو مثل مهاجر عربي وكاتب مثقف له دور ووضعية محدودان في الميتروبول الغربي، لكنه سقط في الشبكة الاستشراقية، أو أنه سيظهر كممثل متعب يؤدي دوره على مسرح الشرق الأوسط وهو مقيد الوثاق بالسردية القومية التي ترد على الكولونيالية. وهذا يعني تحميل خالد مهمة المحاكاة الساخرة غير المؤثرة للخطاب الاستشراقي. ووائل حسان أيضا سيحرر دور الريحاني بطريقة مقيدة وهو يطبق نظرية الاستشراق وما بعد الكولونيالية في دراسته “نشوء الأدب العرب أمريكي”.

وفي نقده لوجهة النظر اللبنانية التقليدية للريحاني وجبران كعباقرة كبار وأبناء مهاجرين من لبنان، لا ينسى أن ينظر إليهما كشخصين من الأقليات العرقية في أمريكا، وحاولا خلق مجال لهما ضمن الخطاب الغربي المهيمن: كانا من بين محاولات الكتاب العرب الأمريكيين الساعين لاستبدال المستشرق بمفسر أو مترجم للشرق. وكانت هذه الجهود مجرد طريقة للمطالبة بفضاء وصوت ثقافي، ولتعديل السلبية المرتبطة بالمشرق، وللتوسط بينه وبين الغرب من أجل فهم ناجع للمثاقفة... والتحدي الخطابي الذي واجههما يهدف لاستبدال القيم الاستشراقية بنمط ثنائي دون تراتب طبقي، في حين أن الماهيات المتقابلة كانت تبدو كما لو أنها موجودة في نوع من أنواع التوازن الميتافيزيقي وتبادل المنافع: حاجة الشرق والغرب للمجاملات، وتبادل الدروس والعظات (44).

إن أي مقاربة نظرية مثل ما بعد الكولونيالية، والتي تقتبس من سعيد وفوكو كثيرا، ستؤكد (مثل حسان) أن مشكلة لقاء الشرق والغرب في بدايات القرن العشرين الأمريكي كان بالضرورة موضوعا يعاني من المعايب. والآن نحن نجرد فكرة “الشرق” و“الغرب” من المصداقية. ونروج أن الريحاني وجبران بلا جذور سياسية في الجهد الثقافي لتك الفترة، وهما يقدمان عن نفسيهما صورة وسائط ذات “دينامية هيغلية سوف تمزج في النهاية الشرق والغرب وتقدم أطروحة حضارية مركبة أعلى”، ولكن مثل “هذه الميتافيزيقا المتعالية للروح، والنبوءة، والشعر... ستخطئ رؤية الظروف المادية للانتاج الثقافي والإيديولوجي... <وهناك> أخاديد لا يمكن اختزالها بين الميتافيزيقا الرقيقة والحقيقة المادية” (45). وباعتبار أنه هناك عدم تجانس عميق في القوة بين الثقافة الغربية والعربية لتلك الفترة (وحتى اليوم) إن ابتعادي عن أطروحة من هذا النوع كما افترضها أدباء المهجر لن تكون محتملة على الإطلاق. ومن الواضح أن الريحاني بوضعه الثقافي الضعيف “المتردد بين لحظة تفكيك الاستشراق وغواية الانضمام للعبة الرجولة الثقافية - يعبر عن رغبته بالتحرك على طول المحورين” (46). 

خالد والذات الأصيلة العابرة للثقافات

شرح لنا حسان بشكل واضح أن “التوتر بين مقاومة ريحاني للاستشراق واستثماره” هو موضوع كتاب خالد (47). ومع ذلك أود أن أضيف أنه في الفصول الأخيرة من الرواية يوجد انحسار للإطار العلماني لمدينة نيويورك ولتجربة الانفصال التي يمر بها أي مهاجر، ويبدأ لعب ريحاني وعزفه على نغمة الثورة في الشرق الأوسط، وهكذا ينشأ فضاء لثقافة ذات عربية عابرة للحدود وأصيلة. والسؤال الذي يمكننا توجيهه بما يخص هجوم خالد العبثي على الشرق الأوسط من الناحيتين السياسية والدينية، هو أيضا امتداد لنكسة في خبرات خالد العلمانية العربية المتحررة والتي حصل عليها في نيويورك. بالنسبة لوائل حسان إن قراءة “كتاب خالد” على أنه سرديات مهاجر “وضعها الريحاني لتحديد أو للمبالغة “باستشراقية” خالد لدرجة كاريكاتورية، ولكن هذا التخطيط الساخر إنما ينقل وعي الأمريكيين” (48). عموما يجب أن نشك أنه في زمن كتابة الرواية لم يكن لدينا عدد ملحوظ من الأمريكيين الذين يعرفون أي شيء عن ثورة الشباب الأتراك التي اندلعت عام 1907، أو أهمية ماضي ومستقبل الوهابية، أو أن حركة البهائيين تجذب أتباع الغرب لمركز فلسطين، أو أن الحزب القومي العربي كان في الأفق (وفعليا لم يكن في عام 1911 سوى القليل من الأشخاص في الشرق الأوسط نفسه يدرك ذلك).  

الكلمة التي ألقاها خالد في الجامع الأموي واللهجة التي استعملها مع “البهائية” الأمريكية تشير أن الأنثى المتحولة هي نتاج ارتباط ريحاني مع اتجاهات نموذجية في تلك الأيام: كلها نقلت تفكير خالد إلى أبعاد جديدة ركزت على رؤيته في سبيل شرق أوسط محسن. وفي مركز هذه الرؤية تأتي انشغالات ريحاني بالنهضة والاستفادة من الثورة التركية الشابة وكأنها عقدة in medias res عمله. وكما يقول خالد في منبر المسجد الأموي“إنه بداية الربيع العربي، وانبعاث أمجاد الإسلام” (49). وكانت قوميته العربية تتضمن الإسلام بالمعنى السياسي والثقافي ولكنها تواصل لما بعد أفكار البروباغاندا المسيحية عن الاتجاه القومي العربي بسبب ارتباطاتها الروحية ذات الميول للتصوف مع الإسلام. (ويضاف لذلك، بنظرنا عوائق ومحفزات الوهابية، “الإسلام بطبيعته النقية... إسلام عصر الخلافة العظيمة الأولى”). والنقلة الثانية التي تورط اندفاع الإصلاحي خالد هي رؤية تجديد الرسالة الأبدية للدين:” البهائية... الشعلة القديمة، يعاد إضرامها بعد عدة قرون، بإذن الله” والوسيط هو السيدة غوتفري، سيدة أمريكية، ولها، مع صفات شرقية أخرى، شعر أسود غزير” جوهرة شرقية بتكوين أمريكي” (50). إن سبب التوتر الناشئ بين خصوصيات القومية العربية والبهائية هو خالد الذي يرى نفسه نبيا (“مهدي”) للطرف الأول، بينما يمثل عباس أفندي الطرف الثاني ويرى أنه قائد حيفا. وهنا نقطة مفصلية هامة: كلا الحركتين تستحقان تأييد خالد. وخطاباهما عن التجديد العربي والديني لا يزالان مكتوبين بمصطلحات مزدوجة: شرق/غرب، وهذه حقيقة لم تبدلها رغبة خالد في الانتماء للعروبة، وهي ترقية من “الفكرة” الألمانية كما نقلها كارلايل. فهي تتضمن لمؤهلات تهيئها لتكون شرقية أصيلة: الشرق أرض النشوء والنبوات، ويجب حل هذه المشكلة الأزلية المتعلقة بالقديم والجيد، الخطأ والصحيح بما يخدم تصوراتها. وسواء كان بالثورة، أو التأمل، أو الدستور، إن الرؤيا العريقة ستنبثق وتعود لفطرتها الأصلية النقية” (51).  وينظر كريستوف شومان لما بعد تضاد شرق / غرب كما يظهر في كتابات ريحاني، ويؤكد أن الريحاني كان “رجلا هامشيا” وكتاباته تشكلت بخبرات عابرة للثقافات وليس من إيديولوجيات محددة، ولا قناعات أو أنظمة أو مدارس نخبوية... <لقد كان> هامشيا بالنسبة للحضارة الغربية والشرقية، أو ثقافة الأنغلوساكسون وثقافة العرب، أو للمسيحية اللبنانية والإسلام. ومن زاوية مختلفة يبدو كأنه تعبير مركزي و“أصيل” عن الفضاء العابر للثقافات نفسه، والذي انفتح بين كل هذه المسميات... (52).

ولدينا براهين كثيرة حتى الآن تؤكد افتراض أن خالد هو عربي عابر ثقافات، ولا يمكنه أن يتحاور فقط مع الفضاء التعددي لنيويورك العلمانية والربيع العربي لدمشق الثائرة (ومع أن النبوءات العابرة للثقافات عن إسلام محسن قربته من السقوط)، إلا إن كان مستوطنا محترما و“أصليا” من القرن العشرين ويتحلى بوعي كوني. وبالاستطراد فيما يخص الزعم بأصالة ريحاني سأتوقف مع بحث روبيرت د. لي “التغلب على التقاليد والحداثة: البحث عن أصالة إسلامية”. وما يجذبني فيه هو اختبار فرضية لي حول الأصالة ووضعها على محك “كتاب خالد” للريحاني، وفيها يمكن أن تجد البديل للاستشراق وما بعد الكولونيالية، وفرصة تعوض عن اعتبار خالد شخصية ثقافية مهاجرة. وهكذا نسبر ظروف احتمالية عن اختلاق ذات جديدة (ومجتمعات جديدة في شمال أمريكا والشرق الأوسط). بالنسبة إلى لي يمكن استيعاب مفهوم الأصالة من خلال أربع فئات (53):   

1- تفرد الذات. التفكير الأصيل “يبدأ من مفهوم الذات كعنصر متفرد.. هناك شيء يدعى “الذات”... وتسعى للقيام باختياراتها لتمييز نفسها عن ما هو ليس ذاته. وهذه الخيارات، لتكون أصيلة، يجب أن تعكس خصوصيات تتضمن السياق”.

2- النشاط الإنساني الأصيل. “التفكير الأصيل، بكل أشكاله، يصر على أن الكائنات البشرية تصمم تاريخها، وعليه، نفسها.. والتفكير الأصيل يفترض سيادة إنسانية”.

3- الثورة ضد التقاليد والحداثة. “يتضمن التفكير الأصيل ثورة ضد الحداثة والتقاليد” وبالأخص “أن التقاليد تكبح الخيار الإنساني وتحطم المبادرة البشرية”.  ورواد الأصالة منذ روسو والمؤرخين الألمان وما بعد أيضا “تحدوا العقلانية العلمانية للتنوير، مع أنها من أساسيات الحداثة. ولتقديم تفسيرات كونية... ينظرون للأسطورة والإبهام على أنهما من عناصر الحقيقة التي تذهب لما بعد ما يفهمه العقل.

4- الفردية الراديكالية والمسار العام. بما أن التفكير الأصيل يرفض الكونيات، عليه أن يواجه مخاطر الخصوصية، ولو أنها كلها نتاج ثقافات متفردة فهذا يحد لدرجة قصوى “القيم التي تراقب الثقافات”.  مع ذلك “إن كل عناصر الأصالة، والتي تضمن سرية الذات، تحاول أن تعيد تأسيس بعض عناصر الجماعة وترابطاتها... وكل أنواع التفكير الأصيل تتضمن تأكيدات على الواحدية لتعادل بها دافع الخصوصيات التي تحتها”.  

ولتعقيب لي عن الأصالة تطبيقات هامة في كتابات مدرسة المهجر العربية في أمريكا، وبسبب تماسها مع الرومنسية الروسوية والنيتشوية التي أشرت لنهايات القرن التاسع عشر، أخفقت بنقاط أساسية في استيعاب الحداثة الغربية، المقابل الثقافي المعاصر لها. والفردانية المتمردة المكافحة ضد التقاليد، وهذه خصلة أساسية في كتابات المهجر (ويأتي بالذهن “المجنون” لجبران)، وتقدم بصوت خالد أعلى نبراتها. هنا نقابل إحساسا قويا بالتميز الذاتي، ثورة ضد التقاليد والحداثة، وحركة موجبة مستقلة تتحكم بزمام نفسها، وهو ما يعيد تعميق الرؤية اللبنانية والعربية بسياقها التاريخي. أيضا، إن قررنا أن لا نقرأها بواسطة الموشور الاستشراقي، إن تركيب خالد “للمصاعب” الأمريكية والإبهام الشرقي يمكن رؤيته بضوء الاندفاع نحو الوحدانية، وهي محاولة لدمج خصوصيتين اثنتين من أجل تحفيز “القيم التي تلازم الثقافات”. في النهاية، بمراجعة عدة سرديات أساسية من بدايات القرن العشرين، يرفض خالد ميول العولمة والتحديث التي ترافقت مع التنوير. ويستمر التصوف الغامض جوهريا لصوت خالد العابر للثقافات، مؤشرا على بديل للانجذاب نحو إلحاد المدينة الغربية العلمانية. وبالتمايز المعاكس، ومن زاوية المادية التاريخية المجسمة والراديكالية العلمانية الوهمية والتي تعتمد على ما بعد الماركسية وما بعد البنوية، يصبح النقد بعد الكولونيالي أصم تجاه سياق “التصوف والأسطورة... والتي تصل لما بعد نطاق العقل” وفيما هي تثبت قدراتها على إرسال القرن العشرين نحو هاوية غير عقلانية مظلمة، يمكن للشكل المعدل (كما تقترح البهائية مثلا) أن يستمر من خلال أمل بالتوحيد.

خاتمة

كتاب خالد لرائد الرواية الأنغلوفونية، الريحاني، مهم من وجهة نظر التناص، ولا سيما في قراءة الروايات العربية التالية المكتوبة بالإنكليزية.  وكما بينت أعلاه رد فعل ريحاني نحو أمريكا، وبالأخص على مستوى الإيديولوجيا الثقافية والاجتماعية، كان إبداعيا ويعاني لدرجة أقل من القيود البيتية للخطاب الاستشراقي (بمعنى أنه لم يسجن نفسه بتقاليد قانون الاستشراق)، بعكس إيحاءات بعض محاولات النقد المعاصر. إن وجهات النظر بعد الكولونيالية تنظر لمشروع ريحاني على أنه رؤية شرقية فاشلة ومجرد تطبيق يحرص على محاكاة المشروع الاستعماري، ومن موقع كاتب عربي غير مؤثر يكافح للتخلص من أعباء الاستشراق. ولكن أجد ضرورة لنفي هذا الافتراض على أساس شخصية خالد “الأصيلة” والعابرة للثقافات. وباعتقادي إن ريحاني كاتب عربي يفرض علينا رفض الذوات غير الأصيلة التي أنتجتها الأعراف التقليدية والحداثة. ورفض البلدة الشرق أوسطية التقليدية، يقود خالد للاعتراف بالمدينة العلمانية بما أنها توفر الظروف المناسبة له لتطوير ذات متمردة ومضادة للتقاليد. وعلى أية حال هو لم يشحن المادية الملحدة الفاسدة للحداثة العلمانية، ولكنه بحث، بالتزامن مع حركات التجديد في الشرق الأوسط، عن فضاء لخلق ذات عربية متحررة  enfranchized وعابرة للثقافات. وبهذه الطريقة إن إبداع ريحاني القصصي وشخصية خالد المتخيلة تفتح فضاء للكتاب العرب الأنغلوفونيين الذين سيبرزون لاحقا. ومن خلال الشخصيات المتحولة ذاتيا في روايات جمال محجوب العربي الأفريقي والشخصيات المهاجرة الإسلامية الجديدة في أعمال ليلى أبو العلا، يمكننا متابعة اكتشاف العلاقة مع نموذج ريحاني. روايات محجوب في أواخر 1980 و1990 تركز على أفراد عرب/أفريقيا وأنغلو عرب / أفريقيين والذين يعملون على تصعيد حدود بنيتهم الفردية ومكياجاتهم الاجتماع ثقافية من خلال الاقتراب من آفاق روحية أوسع. وفي مقدمة هذه المحاولات روايات مهجرية لليلى أبو العلا، ومنها “المترجم” و”المنارة”، وهي مثال عن العودة للتقاليد الدينية الشرقية. قد نفهم من ذلك أنها تمثل ردة فعل على الحرية التي اكتشفها خالد في أمريكا. والحقيقة إن الحالة غير ذلك تماما. إن شخصيات أبو العلا تجد مكانا لها في الميتروبول الغربي الحضري، وفرصة تفعيل هوية إسلامية جديدة أصيلة لا يمكن أن تقوم بها في الوطن (54). إن مضاعفات السردية والثيمات والخطاب في “كتاب خالد” لا تزال تقدم حتى الآن إلهاما عميقا للرواية العربية بعد الحديثة المكتوبة بالإنكليزية، بمشروعها الواضح فيما يتعلق بعبور الحدود، وبمحاولة الاستجابة للرأسمال الروحي الدائم في المجتمعات المعاصرة التي يقودها الغرب بصادراته المتعولمة وبدوغمائية فقيرة تمثلها علمانية أصولية.

 

..............................

* جيفري ناش Geoffrey Nash باحث إنكليزي. كان أستاذا في كلية الدراسات الإفريقية والاستشراقية بجامعة لندن.  من أهم مؤلفاته (الكتاب العرب باللغة الإنكليزية: موضوعات عربية بلغة الميتروبول 1908 - 1958) صدر 1998. و(الاستشراق والأدب) صدر 2020.

ت: صالح الرزوق / عن كتاب نوري غانا: دليل إدنبرة للرواية العربية المكتوبة بالإنكليزية: سياسة الأنغلو عربي والأدب والثقافة لعرب أمريكا.

هوامش

42- انظر إعجاز أحمد، عن النظرية والطبقات والأمم والآداب (لندن: فيرسو. 1992). فصل 2.

43- انظر إدوارد سعيد. الثقافة والإمبريالية (لندن: شاتو & ويندوس، 1993). الفصل 3. الفقرة 2 - 4. ناش، الكتاب العرب بالإنكليزية، الفصل 5.

44- حسان، السرديات المهاجرة. 42 - 3.

45- مرجع سابق. 43، 45.

46- مرجع سابق. 47.

47- مرجع سابق. 57. ربما هذا ينطبق على ريحاني وحالة كتاب خالد حيث أن إحساس خالد بثقافته العربة وإرثها قادر على مقاومة الخضوع لأمريكا. ولكن الرواية تقول القليل عن معنى القومية ثقافيا وسياسيا لريحاني خلال عقد العشرينات والثلاثينات حينما كانت السياسة قوميته تبعده عن توجهه للغرب ونحو معارضة حيوية متزايدة، كما نرى في مقولته عن الاستعمار الصهيوني لفلسطين. انظر: ناش، الكتاب العرب بالإنكليزية. 75- 6.

48- حسان. السرديات المهاجرة. 58.

49- ريحاني. كتاب خالد. 316. انظر الملاحظة 5 أعلاه.

50- ريحاني. كتاب خالد. 308، 307، 285. كان عدد من البهائيات النساء والثريات والمعروفات متحولات من الدين اليهودي، مع ذلك يربط خالد السيدة غوتفري إلى الأندلس العربية عن طريق الجنوب الهسباني.

51- مرجع سابق. 287. أي حروف مختلفة من عندياتي.

52- كريستوف شومان. “ضمن أو بلا؟ أمين الريحاني والفضاء عابر الثقافات بين ،الغرب، و،الشرق،، “في التفكير الليبرالي في شرق المتوسط: نهايات القرن التاسع عشر وحتى الستينات، إعداد. كريستوف شومان (ليدن: بريل، 2008). 243. يتابع شومان ليؤكد أن العبور الثقافي لريحاني يمكن رؤيته بسياق تجربة المهاجر اللبنان - سوري.

53- روبرت د. لي، تجاوز الأعراف والحداثة (بولدير، سي أو: ويستفيو، 1997) ، 15 - 18. 54. انظر حسان، السرديات المهاجرة. الفصل 8. ناش، لقاء الأنغلو / عرب. الفصل 3 و5. مثل ريحاني، أبو العلا أيضا تجرب على رموز اليوتوبيا الصوفية.

 

 

نجيب طلالمَــدخل الفـجـوة: نشير بالقول الواضح؛ أن المسرح في المغـرب لم يؤرخ لـه بعْـد؛ ولن يؤرخ له عن المدى البعيد أو القريب؛ ولا تستقيم له  أية منهجية كانت؟ سواء بالمنهاج التوثيقي أو النوعي/ الوصفي أو الإستردادي/ التاريخي...لأن مسرحنا أساسا يـراوح انوجاده بين المؤتلف والمختلف، وبين الواضح والتلفيق وبين الاختلاق والغامض؛ وبين المعنى واللآمعنى؛ وبين الحقيقة والتضليل؛ وبين التضليل والافتراء.... لأنه ذو تركيبة جـد معـقدة؛ نتيجة التداخل والتهجين والتدليس والتجميع ! إذ يتداخل فيه الإبداعي بالحزبي والحزبي بالمسرحي؛ والفني بالبيروقراطي المسرحي؛ و الإداري بالمسرحي السلطوي؛ والسلطوي بالإداري؛ دون أن نغـفل أن بداية المسرح في شكله العام، كانت فرنسية تحْـت غطاء فرقة جوق التمثيل الفاسي وقدماء ثانوية مولاي ادريس (فاس) وبعْـدها كانت الجمعيات إما تابعة لحزب الشورى أولحزب الاستقلال؛ تحت غـطاء المدارس الحرة؛ وبعدها تمظهر مركز الأبحاث المسرحية تحت إشراف (الإستعمارالفرنسي) والذي شحن أغلبية المتدربين المغاربة على مفاهيم وأنماط التفاعل مع المسرح الشعبي؛ وكيفية توظيفه؛ وبالتالي  كان هو الموجه والمنظم للمسرح بعد الاستعمار....وفي لــحظة تأسيس أحزاب سياسية ذات تـوجه ليبرالي صـرف؛ في أواخر السبعينات من (ق، م) بإيعاز من الدولة لتوطيد النسق الليبرالي في المشهد العام، والذي خلف ردود أفعال سياسية بين الأحزاب التي تعتبر نفسها أحزاب وطنية / تاريخية؛ وما جاء بعَـيد 1976 ما هي إلا أحـزاب إدارية (كوكوت مينـوتية) ففي خضم الصراع  الذي كان وردود الأفعال، التي لم تـقـتصر رحاها في المشهد السياسي/ الحزبي؛ بل امتدت لفضاءات أخرى؛ شبابية / جمعـوية / مدرسية/ جامعـية / ..../ مسرحية / ففي رحاب هاته الأخيرة تمظهر التنظير المسرحي ببلادنـا؛ وهذا الأمر ليس مصادفة  أو من قبيل التقاطع العـفوي أو نتيجة شروط موضوعية فرضتها الظرفية التاريخية؛ بل المسرح في المغرب كان  ولازال تابعا للتيارات الفنية التي  تتسرب من الشرق والغرب . إلا أن أغلب الأعمال المسرحية؛ في حقبة ما بعْـد الستينات من (ق.م) كانت تميل وتحاول تأطير نفسها  في إطار فلسفي وإيديولوجي؛ مفعَـم  بالتحـرر للخروج من شرنقة التبعية والتخـلف (هكـذا كان يبدو لنا) نتيجة الأمل المفقود فيما بعْـد الاستقلال؛ وإن كانت بعض الدراسات تربط المسألة ، بسـبب النكسة العـربية . ومن ثمة هي محاولة البحـث عن [هـوية] حتى أن هنالك من جعَـلها خيارا استراتيجيا ! هـنا نتساءل هل كان خيارا مسرحيا / إبداعيا / فلسفيا؟  أم خيارا سياسيا / ديماغـوجيا / إيديولوجيا؟ وبالتالي فالبحـث عـن الهوية هل كانت  تلزمنا إلا نـحـن؟ ولا خلاف بأن أغـلب المسرحيين العـراقيين والسوريين وبعض من التونسيين؛ قدموا تجارب ومحاولات في إطار التأصيل والبحث عـن الهوية؛ ولكن لم تصغها كصيغ [تنظـيرية] للمسرح بالشكل الذي قـٌدم في المغـرب؟ علما أن تصوراتهم كانت سابقة عما تمظهر في بلادنا؛ ولاسيما أن بعض المفكرين العـرب؛ حاولوا البحث في التراث والهوية؛ فهل توصلوا لنتائج  تطـبيقية ترضي أبحاثهم وقضاياهـم؟ بالعكس فالتراث في شكله المادي والشفوي أضحى يندثر بحكم التحولات العَـولمية؛ وطغيان عوالم التوصل الإجتماعي والنظام الرقمي وقوة الشبكة العنكبوتية؛ دون أن نغفل بأن أغلب الدول العَـربية مازالت ترزح تحت مخلفات الاستعمار بأشكال جديدة ومتعـدّدة، أهمها الاستعـمار غير مباشر الذي يهدف لاستنزاف ما تبقى من الثروات وتسريب التجهيل والتسطيح وسلب الهوية والحضارة

فــجـوة للاستئناس:

لكن السؤال الذي لم يطرح؛ فهل البحْـث عن الهوية العـربية لا ينوجد إلا في [المسرح]؟ فهل فنون القول الأخرى كانت لا تحتاج لتأصيل هويتها والبحث عن الذات؛ لأنها كانت متأصلة  أصلا ؟ وهي في الأصل ذات قوالب وتركيب جمالي وفني  أوروبي صـرف كالمسرح؟ ولاسيما أن قضية البحث عن  (الذات والهوية) ومحاولة استرجاع ملامح الشخصية الوطنية (؟) أساسا طرح إيديولوجي؛ فرضته طبيعة تفكير واستراتيجية الغـرب نحونا؛ لأن العالم العربي منذ انهيار الإمبراطورية العربية الإسلامية إلى يوم الناس هـذا .وهو  منخور وتائه  في عـدة اتجاهات  ومفكك بشكـل محبوك لكيانات محْـدودة القوة وإلى دويلات صغيرة منعَـدمة التأثير في القرار الجيوسياسي؛ وفي المنتظم الدولي . مما انهارت وتلاشت الأحلام والأماني؛ وكـل الإنجازات فشلت واضمحلت؛ بواسطة الهدم والتدمير الممنهج وسط حالة من فقدان التوازن الداخلي في كل قطر عـربي؛ وهناك عِـدة أقطار عربية تعيش أزمات عميقة ومشكلات جـد عـويصة؛ من خلال اللاتوازن والاضطرابات والفوضى العارمة  التي تعْـرفها وتعـيشها يوميا. وبعض الدول تعـيش لحظات الاحتقان واللامنتظر؛ بحيث المشهد أضحى أكثر سوريالية؛ والذي زاده قتامة  ملحمة الخـراب والتهجير والدمار  للروح العَـربية بعَـيْـد الربيع العَـربي؛ إنه لوضع مريب ومُخجِل... ففي ظل كل هذه التداعيات التي نعـيش على إيقاعها يومياً، عبر الصحف ووسائل الإعلام؛ ثمة تساؤلات تطفو على السطح حول المستقبل والمصير؟ وبناء على كل هذا فلا خلاف بأن الإبداع المسرحي لا یمكن أن يمتلك مشروعية  تطوره وتقـدمـه إلا من خلال نظریة فنية / فلسفية / جمالية / في نسق مترابط ومتجادل مع الواقع الإجتماعي/ السياسي/ الثقافي؛ فالجمع بین النظرية والممارسة، مسألة أساس . ففي هـذا السياق فالمسرح العَـربي والمغـربي على وجه أخص؛ عاش ويعـيش – ميتا سوريالي– لأسباب متعَـددة . مسؤول عنها المسرحي بالدرجة الأولى ثم الإدارة في الدرجة الثانية؛ لأن الاتجاه الذي بدأ يسير عليه شق المسرح في المغرب؛ الذي كان أغـلب رواده وممارسيه من العاطلين والمعطلين و الطلبة والأساتذة وموظفي القطاعات؛ راديكالي بفعل تجاذب الصراع  الطبقي الذي أمسى يعانيه الإنسان العَـربي بشكل عام. والذي زاد من حـدة الفعل الراديكالي؛ انخراط طلبة تقدميين وبعْـض من أعضاء الإتحاد الوطني لطلبة المغرب في الجمعـيات المسرحية؛ مما أفرز تيارات سياسية وثقافية وفـنية؛ طرحت من خلالها أسئلة المرحلة المقلقة ، من قلب الفعل الجمعوي. الذي كان موجه سياسيا / حزبيا بشكل أو آخر. هنا تشكل المسرح في معَـسكرين (يسار/ يمين) طبعا فصيل(اليمين) بإيعاز من الإدارة المشرفة عن المسرح؛وبطريقة غير مكشوفة . وخاصة – مركز الأبحاث المسرحية- الذي كان  يضم مسرحيين في المقام الأول؛ وبالتالي فذاك المركز كان يهدف لترسيخ مسرح شعْـبي (مبتذل/ مسطح/ مدجن) من عهد [أندري فوزان/ بيير لوكا /...] إلى ما بعْـد دمجـه في مديرية [الطفولة والشباب] ذلك أنه كان يدرك كل الدراية أن المسرح أداة فاعلة في تنوير الشعـب وتـثقيفـه ، ويمكنه أن يكون محرضا قويا ضد الاستعمار وبقاياه . مما أمست المناورات تجاه المسرح .  يتداخل فيها السياسي بالبيروقراطي؛ بشكل مكثف وملغـوم. و هنا لا يمكن تغـييب الدور السياسي للأحزاب؛ وخاصة الحزب الذي (كان) يتقلد مسؤولية تدبير الشأن الثقافي/ المسرحي؛ وإن كان (ذاك) (المسؤول) يتبع استراتيجية الدولة؛ ففي نفس الوقت يساهم في استقطاب مسرحيين لصفوفه؛ وتقديم امتيازات لأتباعه؛ كنوع من الإغـراء للمعارضين والمتنطعين؛ ويمكن أن نؤطرها في منهجية الضغط عليهم بشتى الوسائل المتاحة لتجعلهم خاضعين لها ولسياستها، لكي تجعـل منهم قناة فنية لتمرير خطابها الإيديولوجي، وذلك حفاظا على قوتهم ومواقعهم؛ ولا  نغالي بأن المبدع أصبح خاضعا لهذه الضغوطات والمضايقات والإقصاء؛ حتى أمسى لا يملك من عرضه إلا الجماليات . وهَـذا ما وقع للعَـديد من المسرحيين ولعـروضهم إلى حـدود نهاية الثمانينات من (ق ، م) لأن مسألة التنظير المسرحي في المغرب ، جاءت لتكسير ما لا يتوافق مع الاتجاه الإيديولوجي للسلطة. وهنا نشير بأن السلطة (كانت) تمارس المراوغة والمناورة  وأحيانا التضييق لتحجيم المسرح؛ ولم تعتقل مسرحيا واحِـدا[وهذا القول: للتاريخ والتوثيق]  حتى أن صفة (هـواة) كانت إشارة كاشفة لتقزيم الممارسة المسرحية؛ وضمنيا تقزيم درجة الوعي السياسي/ الفكري، لدى أغلبية  الهواة المتنورين/ المتحررين؛ الذين كانوا في صف اليسار بشكل أو آخر. هنا المطب فالتيار اليساري؛ خاض معارك ضد التنظيرالمسرحي؛ الذي فيه نفحات وأدبيات[ليبرالية] وقبل التنظير خاض معارك ضد[الجامعة الوطنية لمسرح الهواة] التي كانت الصوت والصدى لتعـليمات (الإدارة / الحزب/ السلطة) حتى أن بعض المسرحيين المحسوبين عن (اليسار) ربما خطأ؛ تقلدوا كراسي فيها؛ وأصبحوا يستأسدون ويأمرون وبتأمرون وتاريخ مهرجان مسرح الهواة شاهد على قبح ووقاحة بعضهم ، وبالتالي فالمهرجان بدوره كان بمثابة سلطة ناعمة؛ تحركه إيديولوجية السلطة الضاغطة؛ والتي كانت تـُفرش وتمهد لتفعيل للبيرالية بشكل مكشوف /اقتصاديا / ثقافيا / لأن العائق في مثل هاته القضايا – المثقف- لأنه متنور؛ ويستطيع أن يؤثر في محيطه؛ وخاصة المسرحي باعتباره القرينة الضدية للسلطة؛ وذو قـدرة وقوة الاتصال الجماهيري. فالسلطة باعتبارها الطرف النقيض  للمسرحي(المتنور/ المتنطع / المتحرر) لا تغفل عن السيطرة على المسرح؛ بأساليبها الخاصة لتحقيق مطالبها عَـبردعم إديولوجياتها؛ من هنا فتأسيس الأحزاب الليبرالية؛ باعتبارها كذلك سلطة في المشهد السياسي والاجتماعي؛ وتمظهر التنظيرات المسرحية؛ ليست مسألة جدلية؛ ولم تكن يوما (مـا) بمثابة مشروع نهضوي تحَـرري حداثي متكامل. بقدرما (كانت) مشروعا سياسيا لتشتيت المسرحيين شذر مدر؛ ولقد تحقق ذلك؛ مما سادت الغيبية والضبابية والعشوائية المتخبطة .  حتى وصلنا إلى إفلاس إبداعي/ مسرحي/ ثقافي/ فكري/.....

يــتبــع

 

نـــجـيب طــلال

 

 

 

حيدر عبدالرضاللشاعر عبد الله حسين جلاب.. العلائق الشعرية بين جمالية التوظيف وأيقونة شعرية الأشياء

توطئة:

أن عملية الاستغراق الجمالي في معالجة مسموعات وبصريات حركة مشهد الأشياء، تولد في الذات الشعرية ثمة خلجات من العلاقة النوعية الخاصة المتصلة ما بين (اقتناص ـ رؤية ـ التعديل الموضوعي ـ المعادل المنفذ) في مدى قابلية وفاعلية زمن ومكان منطوق الأشياء المتصورة وصولا إلى دلالة حيزية محسوسة في لغتها وتجاوزاتها الأسلوبية في الشكل والبنية والإيقاع، إذ أن إيقاعات هذه الوظائف اللغوية بدت لنا في قراءتها وجودا مغايرا في لغة التبادل المؤسلب بين الوضع الأصل للمادة الموصوفة وشكلها النغمي المقارب في موضوعته إلى فلسفة الذوق والذائقة ومعاينة معادلة لغة أشياء عبر كاميرا مخصوصة من أتون الفاعل الشعري .

ـ معادل المعطى القصدي وإيحائية كينونة التوظيف .

أن أفعال الكتابة الشعرية في مجموعة إيقاعات قصائد (هديل نخلة الشط / قصيدة الإيقاع المدور ـ القصيدة الجملة) للشاعر الصديق عبد الله حسين جلاب، تحملنا نحو دائرة جمالية قل التعرف عليها في الانتاجات الشعرية المعاصرة، وذلك في اختيار الموضوعة وأسلوبية إداءها الخطابي ضمن مستحدثات عروضية خاصة في تعاملاتها النوعية متفردة، أي أن قصيدة الشاعر كونها هي المادة التكوينية الخاصة والمتكونة من نواة العلاقات الموظفة ما بين مسوغات شيئية الحالات الموضوعية ومخيلة استجابات الشاعر في بوح القصيدة . وعندما نقرأ قصيدة (شوارع تصفر) نعاين ذلك المحمول الدوالي المشخص من أسلوب أسلبة الأشياء في حدود مفترضة من كينونة الإداء الشعري:

هيكلٌ عظميٌّ

على شكلِ خرتيتٍ،

أعمى:

لمْ يستنشقْ بتكشيرتِهِ،

الكونَ . / ص23 قصيدة: شوارعُ تصفرُ

الشاعر في مسار دواله، يؤثر العلاقة الوصلية بين معادلة الخطاب وتواصلية المشخص في هوية الأشياء، لذا وجدنا متعلقات محاوره الشعرية تتقصد رسما مؤسلبا في تحول الصفات والأفعال والأسماء من عينية الشيء إلى روابط معادلة دلالية متكاملة في جهد حالاتها القولية: (هيكل ٌ عظميٌّ ـ على شكلِ خرتيتٍ ـ أعمى: لمْ يستنشقْ بتكشيرتِهِ ـ الكونَ) وهذه التراكيب المؤسلبة، هي تلميحات أحوالية في مبنى معادلة موضوعية مكونة لخصائص المعطى القصدي من المعنى المشار إليه شعرا، كذا الحال في قصيدة (وجهُ القنفذ)و مدى القراءة المتأنية للشاعر فيها، خلوصا منه إلى أسلوبية المؤسلب من محاور الدوال الشعرية:

سماءُ القلعةِ بدهاليزِها

وعفونةِ ممراتِها

و أغصانِ خرسائِها

و لعبِ الزهراتِ،

تُدوِّنُ على الفضاءاتِ،

أطيارَها:

النسرَ

الصقرَ

الشاهينَ . / ص26 قصيدة: (وجهُ القنفذ)

الأمر لدى الشاعر لا يتوقف غالبا في حدود توظيف المعادل الموضوعي من المعنى في حدود رسمية نمطية المحتوى، بل أنه يتجاوز حالات الوصف بما يقارب محور التشكيل المواز ما بين البناء الاستعاري ـ الانتقاء التوليدي ـ العلاقة الشكلية، وصولا بالنص إلى محمولات تتوسط بالمعنى إلى غاية جمالية في موضوعة المكون الدلالي: (تُدَوِّنُ على الفضاءاتِ، أطيارَها: النسرَ .. الصقرَ .. الشاهينَ) علينا من هنا أن نسارع إلى القول بأن الدوال التي قمنا بتصنيفها في محاور النص ما هي إلا علاقات ذات روابط تشكيلية متجانسة في عملية الإطار الاحتمالية من النص . فالشاعر جلاب وعبر كافة أعماله الشعرية السابقة والحاضرة تظهر لديه الأسباب والأحوال والمسميات ضمن رقعة أسلوبية من (أسلبة الأشياء) ومن خلال هذه النوعية الأسلوبية الشعرية، نعاين مدى تحقق ثيمات الدوال في علاقة (المشبه ـ المشبه به) غير أن ظواهر هذه الأسلبة لها من المحسوسية المتطورة في إتجاه الرمز ـ المرموز إليه، وأحيانا نجد المكون الشعري لديه عبارة عن حالة من حالات أسطرة الحدوث الدوالي نحو واقعة شيئية، من الممكن لها الاندراج في ديمومة الإمكان الإستقصائي لحسية الكتابة وهذا الأمر ما جعلنا نعاين مقتطفات قصيدة (موجةُ الضِّفْدِع):

قمرٌ يهبطُ منْ نخلةِ النهرِ،

على قنطرةٍ:

يرى حبَّةَ الأعذاقِ

وحبَّةَ العناقيدِ

على موجةِ الضِّفْدِعِ . / ص31 قصيدة: موجةُ الضِّفْدِع

لقد أفاد الشاعر في مستهل قصيدته، من مثيرات الحس المراوي في جملة الموصوف: (قمرٌ يهبدُ منْ نخلةِ النهرِ) نجد هنا مدى حالة الاستغراق التشكيلي في علاقة دال (قمر) ودال (نخلة) ودال (النهر) مما يشكل بدوره قابلية مراوية في تقبل الانطباع الواجد بأن ظلال القمر تتسلل عبر ثغرات فواصل النخلة نحو جسده المرسوم على وجه النهر، والأبعاد المحورية في هذه الجملة، هي ما راح يتشاكل وجملة (على قنطرة) وجملة (حبة الأعذاق) وجملة (وحبة العناقيد) وصولا إلى هوية الدال المركز (موجة الضفدع) ولا تقتصر إمكانية الأسلبة لدى الشاعر على حدود أداة الإيحاء بالقصد الدلالي، وإنما تتعدها إلى علامات ضمنية بوصفها دلالات مرمزة أو مضمرة في موضوعة القصيدة:

هيَ شجرةٌ تناطحُ بأغصانِها

مداراتِ الكواكبِ

والنُّجيماتِ ..

بينَ نملٍ مثقَّبٍ برمادٍ

لا يُحدُّ،

تطلُّ على نهرٍ . / ص42 قصيدة: سليلةُ العماليق

وبهذا يمكننا القول أن فاعلية أسلبة أحوال الأشياء لدى الشاعر، بوصفها وظيفة تشكيلية لا تتوقف أبدا عند حدود جملة توصيفية عابرة، بل أنها أخذت تؤسس لذاتها آفاق استلهامية وحلمية خاصة من مبنى التشكل والتمثيل في صيغة اللقطات الصورية من المشهد الشعري .

ـ الأبعاد الجمالية المتماهية في العلاقة مع الذات والآخر

أن فاعلية نصوص مجموعة (هديل نخلة الشط) ما هي إلا صورة لسيرة تبئيرات الأشياء المؤسلبة في لغة ومكونات عوالم الملفوظ القولي الملتحم في أتون علاقة متصلة ما بين (الذات ـ الآخر) فيما تبقى صياغة مسار هذه العلاقة في حدود محاور (المعادل النصي ـ اللغة الثانية ـ تأشيرات الأثر المؤسلب) وفي هذه العناصر تترأى لنا معطيات محدثة من تقديرات أصوات المحاور ووظائفها،كإمكانية متماثلة في الإفصاح عن مخابىء لغات وصفات وأفعال الأشياء:

ربيعُ العُشبةِ

أنتِ:

تترجرجُ بين زعانفَ

في المدّ!

ربيعُ الزهرةِ

أنتِ:

تحمرُّ وريقاتُ تُويجِها

في النار ! . / ص45 قصيدة: ربيعُ كائناتٍ أنتِ

قد تبدو لنا هذه المقاطع من القصيدة، ذات محمولات علاقة متكونة من (سياق: الذات ـ الآخر) وقد جاءت أبعادها المنظورة متسربلة في مكاشفات تخاطبية مضمنة في ملامح علاقة متحولة بين المستوى التعددي ومعادلة المقترح الشعري المنصوص عليه، إذ تعود سمات المخاطب على النحو الذي راح يجعل من (ربيع العشبة: أنتِ ـ ربيع الزهرةِ ـ أنتِ) فيما تبقى إحالة الموصوف إلى آلية مستعارة من سياق جملة (تترجرجُ بين زعانفَ في المد !) أو في جملة المعادل المستعار اللاحقة (تحمر وريقات تويجها في النار !) إذ تتجه حساسية الذات هنا بصورة الآخر فيما يخفى على العلاقة الدلالية للوهلة الأولى، إقترابا لها من علاقة مؤسلبة ومختزلة في منطقة التلاحق والتمركز الدلالي المتحاور مع ثنائيات (الذات ـ الموضوع / الغائب ـ الحاضر / الذات المراوية ـ الآخر المؤسلب) ولا شك أن تمظهرات فضاء العتبة العنوانية (هديل نخلة الشط) تدخل ضمن وحدة استعارية مكثفة، تقودها من جهة ما علامات مؤثرة من حيز انتاج العلائق الشعرية الواقعة بين أسلبة الأشياء وشعرية الأحوال الشيئية .

ـ تعليق القراءة:

أن ما عيناه في مجموعة (هديل نخلة الشط) ليس بالجديد والمستجد على عوالم شعر (عبد الله حسين جلاب) فهو شاعر لغة الحلم والأفعال الشيئية المعادلة في تصوير حالات مؤسلبة في لغة ووجدان القصيدة، مرورا بتلك الذاكرة الأحوالية الخصيبة من مرابع طفولة الشاعر مع الكائنات الطبيعية، ما راح يجعل قصيدته محفوفة بوظائف خاصة ومستجيبة لأهم وأسمى شعرية التكوين والتشكل للأشياء ذاتها في منظومة أصوات وأفعال إيقاع قصيدة أسلبة المحاور في شعرية الجملة القصدية المركبة في أبعادها التوصيفية المؤثرة .

 

حيدر عبد الرضا

 

 

هشام بن الشاويفي مديح الترحال في الزمكان

يستهل الكاتب والروائي المصري عزت القمحاوي  كتابه الماتع: "غرفة المسافرين"، باستحضار شيوخ قريته، الذين اعتاد رؤيتهم ملازمين لنفس المكان؛ تقتصر حركتهم اليومية على بضع خطوات محفوظة، يمشيها المبصر والأعمى على حد سواء، بأمان وروية، يخرجون من دورهم ليجلسون أمام المسجد. ومع كل نداء للصلاة يدخلون لأداء الفرض، ثم يعودون إلى جلستهم صامتين معظم الوقت، ينتقلون مع الظل إلى أن يحين أذان الصلاة التالية، ولا يتغير روتين هذا الإيقاع اليومي إلا عندما يسحب منهم الموت أحدهم، فيمشون في جنازته دون أسى، ويعودون إلى جلستهم، التي سرعان ما ينضم إليها شخص جديد، اكتشف أنه صار مسنا، لأنه لم يعد قادرا على مواصلة العمل الزراعي الشاق.

ويشير القمحاوي إلى أنه قد يسافر أحدهم إلى المدينة القريبة، في مناسبات محدودة، لتسجيل قطعة أرض جديدة، أو مصاحبة مريض، ولأنهم أميّون، فهم لم يجربوا متعة السفر في كتاب.. ويفكر فيهم صاحب "السماء على نحو وشيك" بعطف، و يخشى أن يكون مصيره مثلهم، ويتساءل: "ما معنى الثمانين عاما التي يعيشها إنسان في مكان واحد، تمضي فيه وقائع أيامه بتطابق مطلق بين اليوم والذي يليه؟"، ويعتبر القمحاوي من لا يغير مكانه، لن يعرف في حياته إلا القليل الذي يمكن أن يدهشه مهما طالت، ولن تكون حياته مصدر دهشة لأحد إلا إذا قام بانقلاب جنوني، كأن يرتكب جريمة شنعاء أو أن يكون ضحية لجريمة.

ويؤكد صاحب "غرفة ترى النيل" أنه من الصعب على من لا يسافر أن يغير الصورة المرسومة له سلفا، "لذلك كان لابد لكل نبي من هجرة. البعيد منبع الحكمة وموطن الغرابة"، ومن يعجز عن السفر في المكان، يرتحل في الزمان.. إلى سالف العصر، كما في الحكايات الشعبية، أو إلى المستقبل كما في روايات الخيال العلمي، ويتساءل الكاتب بصوت عال: "ماذا يمكن أن يتبقى من "ألف ليلة وليلة" إذا حذفنا السفر من متنها؟".

2366 غرفة المسافرينويعتبر عزت القمحاوي شهريار محظوظا بامرأة ذكية، سافرت به في حكاياتها ليلة بعد ليلة؛ حيث استبدلت عذرية الأماكن بعذرية البنات، وبعد ثلاث سنوات من الترحال في الحكايات، كانت قد دجنته، وأنجبت منه ثلاثة أولاد، ولم يعد يستغني عنها، فقرر الزواج منها.

هكذا أنقذت شهرزاد بسفرها في الحكايات رجلين لا رجلا واحدا من شهوة الدم، حيث تنازل شاه زمان عن ملكه، مفضلا عليه البقاء مع عروسه لدى شقيقه... ويخلص عزت، بكل اطمئنان، إلى أن "ألف ليلة..." كتاب في السفر، من دون الرحلة يسقط العجائبي، العمود الفقري لليالي. لهذا انحاز السرد فيها إلى الارتحال الدائم .. وتيمنا بالليالي يظل السفر هو روح السرد في كل زمان، يمده بالدهشة، ويمتد للانطلاقات الكبرى في الحكاية، من "دون كيخوته" إلى "موبي ديك"،إلى "مدن لا مرئية "، لهذا يحب الروائيون السفر، باستثناءات نادرة كنجيب محفوظ، وأبطاله مثله لا يسافرون، وإذا سافروا، فإننا نعرف سفرهم أو عودتهم كخبر في جملة.

وعند حديثه عن لقائه بصديق طفولة يقيم في إيطاليا، يفرق القمحاوي بين الإقامة والعيش هناك؛ لأن الإقامة تختلف عن العيش تماما. لم يسافر ذلك الصديق القديم إلا للضرورة، بحثا عن الستر، الذي يجلبه العمل في الخارج، ولم يسافر بحثا عن المتعة، ولا عن مضاعفة العمر الذي يبتغيه الناس من السفر، ويذكر ذلك الصديق عزت بحلمه القديم بالعيش في الريف الإنجليزي، فيستحضر تلك الفرحة التي لن تتكرر، عند توصله بمجلة من إذاعة "البي بي سي"، فتنته الألوان المبهجة، وسلب خياله العشب الأخضر الزاهي، الممتد بين البيوت الأنيقة، وبدت له حياة الريف الإنجليزي ناعمة ومصقولة كورق تلك المجلة، ويعترف الكاتب بأنه من حسن حظه أنه لم يزره حتى الآن، ولا يسعى لزيارته لاحقا، حتى لا يجرح صورة تلك الجنة التي حلم بها طفل في قرية مصرية، حلم بمكان بعيد، بريف بعيد جدا، ولم يحلم بمدينة، وكأن المدينة شيء يتجاوز قدرة أحلامه، وربما كان العالم - بالنسبة إليه- مجرد ريف متعدد الأشكال.. ويعترف عزت القمحاوي بأن حلم العيش في الريف الإنجليزي قد لا يراود الكثير من الناس، لكن الشوق إلى لقاء المختلف والمدهش يتطابق وأحلام الملايين من البشر.

السفر اكتشاف لأنفسنا أكثر مما هو اكتشاف للمكان المختلف، حيث نصبح أكثر قدرة على التقدير الصحيح لمشاعرنا بعد الانتقال إلى عالم آخر. وعلى قدر السطحية التي تصبغ العلاقة بالناس والأشياء في السفر على قدر العمق الذي ينشأ بين الإنسان وذاته، يكتشف نفسه ويعرف ما عليه روحه حقيقة وليس ما تبدو عليه بين الآخرين. السفر يحررنا من الرقابة الاجتماعية، فنكتشف أن هذه الأدوار لم تكن لنا، وأن استمرارنا في أدائها محكوم بالنفاق والاستكانة إلى الصورة، التي رسمها لنا الآخرون.

وإذا كان الهروب من الموت مستحيلا؛ فالسفر - بنظرة بنظرة أخرى- محاولة لاستئناس ذلك العدو؛ الرحلة عرض لطيف نقوم فيه بأدوار الموتى، ثم نخرج منه سالمين، مثلما يغادر الممثل المسرح عائدا إلى بيته، بعد أن رأيناه يسقط مقتولا. هذا الموت الرمزي لا يعني أن خطر الموت الحقيقي غير قائم خلال الرحلة، ويؤكد الكاتب أن كل المسافرين تنتابهم قبل الشروع في الرحلة مخاوف الموت في حادث طائرة أو قطار... لكن رحلة الفرار من الموت الوحيدة، التي تكللت بالنجاح، هي رحلة النبي نوح عليه السلام، وقد صارت بمثابة خلق ثان للعالم، لكن القدر لم يكرر منح جائزته لهارب آخر، ويرى صاحب "بيت الديب" أن أسطورة أوديب الإغريقية، التي استلهمها كـتّاب المسرح، وتلقفها فرويد لتفسير ظاهرة تعلق الولد بالأم، تنطوي على ثلاث محاولات للهرب تفاديا للمصير دون نجاح.. وإذا كانت رحلة نوح قصة الهروب الوحيدة الناجحة، فإن الفرار غير المجدي لأوديب مثال للحبكة الأدبية المحكمة، التي تشي بأن الفرار من الموت سعي خائب، ومع ذلك لا نتخلى عن المحاولة.

ويرى القمحاوي أن جنون الحرب الخاسرة سلفا ضد العدم في كل فن عظيم، لكن لا أحد تيسرت له رؤية ذلك العدو مهما أطال التحديق.. إنه الزمن؛ عدونا الخفي، الذي نرى أثر عبوره فحسب، ونسافر على أمل الإمساك به، ويبدو المكان ظاهريا، هدف مطارداتنا، لكن في العمق نحن نطارد الزمن.

"يكتب عزت القمحاوي عن خفة الكائن خارج مكان عيشه الأصلي، عن السفر بوصفه موتا لذيذا، نعود منه لنتأكد أن من نضحي بحياتنا من أجلهم يستطيعون العيش من دوننا.. يكتب عن أشياء صغيرة وأحاسيس سبق أن عشناها، لكننا لم نفكر فيها من قبل.. في نص مفتوح على كل فنون الكتابة، مكتفيا بمتعة القراءة ومهنة العيش مع حس صوفي يسري داخل النص سريان عصارة الحياة في عروق شجرة مبتهجة".

غرفة المسافرين " من الكتب العصية على التصنيف، العابرة للنوع، على غرار كتب سابقة للكاتب، من قبيل "الايك في المباهج والأحزان "،"كتاب الغواية" و"العار من الضفتين"، حيث يصافح الحكي الانسيابي التأمل الفلسفي العميق، متوسلا بأسلوب شاعري تتشابك فيه الكثير من المعارف، الأشواق، القراءات، الخبرات والهواجس الانسانية، فالسفر سعي للعيش الكثيف طالما أن وقتنا على الأرض محدود، ومحاولة لتوسيع للمكان طالما ليس بمقدورنا تمديد الزمان، لكن علينا أن نحذر نظرة الجمال المرتدة المدمرة...

 طوبى للشغوفين بالتقاط الصور أثناء رحلاتهم!

 

هشام بن الشاوي

 

 

حيدر عبدالرضاوقفات مبحثية مع قصة (البئر والرقاص) نموذجا

هموم المكانية بين معادلة القص واللاتحديد الموقعي


توطئة:

قد يعني تلاحم مجسات أداة الحلم في دائرة الوظيفة السردية القصصية، بمثابة ذلك النزوع الحاسم والمباشر بين وصلات وطباع الأنا الكاتبة ومشروع أحلامها وكوابيسها المنضدة داخل هواجس من العلاقة الكتابية الخاصة، بل أنها قد تتعاطى من جهة هامة مع هويتها الشخصانية عبر وسائل حلمها الخاص بطريقة تكسبها أبعادا فنية وجمالية نادرة، وهناك من الكتاب من غدا يتعامل مع مؤثرات التقانة الحلمية والإيهامية والغرائبية والسوداوية ضمن وظيفة مركزة داخل حيثيات النص الأبداعي، تعضيدا لها وحدود رؤيا حالات الذات عبر مركبات خاصة من اللاشعورية أو اللايقينية، أو هي لربما مسلمات خيالية مرمزة في قوقعة حدود المكانية الضيقة وعلاماتها الألهامية الغارقة في قعر محمولات المعنى المنعكس على قابلية وهيئة المؤول الذاتي الشخوصي لها في بنيات القص.

ـ صياغة الترسيمة الذاتية وأسرار المكانية النصية:

تتكاثر في أبدالات وإحالات فضاء قصة (البئر والرقاص) جملة خاصة من الفواصل والتداخلات الإيهامية المؤسسة في ذاتها ما بين (تمفصلات مجاهيل المكان) ومجال استشعارات وتصورات الذات المحشورة في زوايا إشكالية (اللاتحديد الموقعي) ولهذه الأسباب وجدنا الشخصية العاملية في مذخرات الفعل الاستهلالي، تعتمد في ذاتها على محددات أبعادية ـ استعادية، من نسيج عوامل وعناصر الصوغ المتعدد في رؤية المحصول الذاكراتي حسب . وعلى هذا المستوى من النموذج الأفعالي في تشعبات النص، تستعرض لنا مشخصات السارد المشارك، من جهة ما كيفية  علاقة الشخصية النواتية إزاء موضعها داخل طيات من الظلمات المكانية وحالات من التساؤلات حول مسببات ودوافع زجه داخل هذه الزنزانة المعتمة: (كنت محطما، محطما حتى الموت من ذلك النزع الطويل، وحين أفلتوني أخيرا وسمح لي بالجلوس، شعرت أن حواسي جميعها تخذلني . كان حكم الموت ـ الحكم الرهيب بالموت ـ هو العبارة الأخيرة الواضحة التي ضربت أذني .. خيل ألي بعد ذلك، أن أصوات قضاة التفتيش تغرق في طنين حلم غير محدد . / ص18 النص).

1ـ مستوى الوظيفة الاستعادية وشيفرة بلاغة العلاقة الموضوعية:

لقد لاحظنا في جملة مقتطفات عتبتة الوحدة الاستهلالية في النص، بأن هناك مجموعة شواهد ملحة في الأثر المقابل من مستوى دلالة (الزنزانة ـ الرقيب ـ الاستجواب ـ الصراع مع المكان) وصولا منها إلى حقيقة التنبه إلى معنى ذلك الدليل في مسمى السجين المحكوم بطريقة تتخلى عنها مصادر وموارد الأسباب والمسببات، ودون حتى أدنى معرفة ما بحالات وقوع ظرفية جنح الاعتقال وهويته النوعية في الجرم المشهود من قبل الشخصية الجانحة، لذا وجدناها ـ إي الشخصية ـ عبارة عن حركية سريالية داخل لوحة الظلام والعتمة وحواجز من الحجر المتآكل مع غياهب ملامس منعطفات الجدران وفواصل أرضية المكان، وقد أتضحت لنا معالم الخارج النصي أكثر إيهاما أو أنها مجسات من بقايا ذكرى ممارسة حلمية من قبل الشخصية ذاتها، كان قد سلخها الشخصية عبر مكانية منامية ما أقرب إلى الغيبوبة، فيما تنبني ظاهرية علاقة المكان بالشخصية ودوافعها، اقترانا بذلك السلوك المحكوم بها بموجب ثنائية (المنظور ـ التلمس ـ إعادة الدوران) وهذه الوسائل الثلاثة هي ما تتأسس عليه بنية أفعال حبكة النص . أما حقيقة المكان فتبقى وتتبدى كرؤية غرائبية ـ موحشة، خصوصا وأنها تتعلق بدقة هندسية مرعبة من قبل محاولات الشخصية في عملية إحصاء خطواتها داخل ظلمات المكان، طلبا منها لمعرفة هوية الأشياء وجغرافيا ملامح هذا المكان: (فيبعث هذا الطنين في أعماقي فكرة الدوران ـ لعل ذلك يرجع إلى أنني كنت أقرنه في خيالي بدولاب الطاحون . لكن هذا لم يدم أكثر من فترة وجيزة، إذ سرعان ما توقف الدوي ولم أعد أسمع أي شيء . إنما كنت ما أزال أرى، لكن بأية مبالغة مريعة ! كنت ما أزال أرى شفاه القضاة في ردائهم الأسود، كانت تبدو لي بيضاء ـ أكثر بياضا من الورقة التي أخط عليها هذه الكلمات . / ص18: النص) .

2ـ الموقع الضمني للمؤلف وخطاطة السارد المشارك:

ربما أن حدود المواقع في نسق وفضاء زمن النص، تبدو كتوجهات مسافة متكونة من (موقع ظاهر ـ موقع ضمني) إذ أن حالات تسجيل السارد المشارك فوق قصاصة الورقة، أنما هي موقعية خارج أفق النص الحكائي، أي أنها تمفصلات خارج زمن النص قريبا من محكيات (الراوي ـ الشاهد) أما فيما يتعلق في هوية الموقع الشخوصي الموظف في دلالات الشخصية العاملة، فهي موقعية عرضية مسرودة كاسحة لحدود المسافة الواقعة ما بين تداخل المسرود وسارده . وتبعا لهذا نعاين بأن حكي السارد على لسان حال الشخصية، يأتنا ضمن موقع أكثر ضمنية ومستوى منطوق الدال الشخوصي . لنعود الآن إلى مجرى الحديث عن ذلك الأثر المترسب في ذهن وطابع حكاية الشخصية في النص فهذه الشخصية بدورها، قد نفترض لها أنها تعرضت لحوادث تحقيقية وخروقات اعتقالية خارج زمن النص المعلوم، فربما إنها على أقل تقدير قد تعرضت إلى أزمة نفسية أيضا من شأنها التوهم بأن غرفة المشفى، ما هي إلا معتقلا سياسيا أو حفرة في أخاديد كابوسية تابعة لإحدى إيهاماتها الحلمية مثلا . في الواقع أن مصادر وأوليات موضوعة النص، قد لا تحيلنا في الواقع النصي إلى إي جهة إجرائية نفسانية ما، من شأنها إخبارنا بأن الشخصية مصابة بنكسة توهمية أو عصابية ما، ولكننا أيضا لم نعثر في مجال النص على أية شواهد ما تخبرنا بأن الشخصية هي من أحدى العناصر المنصوص عليها بالجرم السابق تحديدا، سوى أنها تلازمها جملة أصوات قضاة التحقيق مع وصف أشكال ثيابهم وألوانها السوداء، وهذا الأمر ليس بالدليل القاطع بأنه معتقلا سياسيا أو لأي حالة من حالات الجرائم الجنائية الأخرى . بهذا الأمر فإن القارىء أمام واقعة مفصولة عن أسبابها التحفيزية نوعا ما، ولكننا عندما نعاين أيضا جهة دليل الموضوعة، نجدها تسعى إلى تشخيص العلاقة الفارقة ما بين زمن الموت وتحديات الشخصية له عبر ذلك الجهاز للمراقب المعلق على سقف الزنزانة، بالإضافة إلى وجود علامة حادة تهدد الشخصية بالموت بين لحظة وأخرى، ما يدلل بأن الشخصية محكومة بجزاء عقوبة الموت المعنوي والمادي: (كنت أرى أن القرارات التي ترسم مصيري ما تزال تطلع من هذه الشفاه .. رأيتها تتلوى في عبارة موت .. رأيتها تصور مقاطع أسمي، وارتعدت لأن الصوت لم يكن يتبع حركة رأيت أيضا خلال لحظات من الرعب الجنوني التموجات اللينة للستائر التي تكسو جدران القاعة .. إذاك وقع نظري على المصابيح السبعة الكبيرة التي كانت موضوعة على الطاولة . اكتست في البداية مظهر المحبة، وبدت لي كملائكة بيض يريدون إنقاذي / لكن سرعان ما داهم نفسي غثيان مميت، وشعرت أن كل عرق في كياني يختلج كما لو لمست شريطا كهربائيا، بينما كان الإشكال الملائكية تتحول إلى أشباح لا معنى لها . / ص18: النص القصصي) هكذا تتبدى أمامنا كما أشرنا سابقا، موقعية السارد الضمنية، كدلالة إيحائية مبطنة من جهات مدلولية تضمر المعنى لذاتها ـ قصدا متحولا ـ غير أنها في الآن نفسه تشيع موقعه دليلا تدبيريا ذا قسمات مرمزة بملامح الطابع النفسي للشخصية وللمكان ذاته، ربما أن الشخصية تحيا بين عالمين أو دارين أو حلمين، أو أنها ربما واجهة فعل الموت في دلالات زمن خارج القص والحكاية، فيما تمضي الآن أسوء حالاتها البرزخية المتصورة في ظلمات (الزنزانة = القبر) أو أنها محض محالمة مفجعة ما بين الذات وذاكرتها وهموم مكانية مظلمة من قرار مملكة الجدران الرطبة المكللة بهمس عشرات أرجل دبيب الفئران المتلمسة لطريقها بيسر إلى قعر إناء الطعام للشخصية السجينة .

ـ التأويل المعادل ومشاغل التأويل الدلالي

يبدو أن عملية التقويم إلى مستوى دلالات قصة (البئر والرقاص) تتطلب من دارسها، الخوض في مغامرة تأويلية إزاء مدى تواصلية المعنى الموزع عبر فواصل وواصلات فقراتها، خصوصا وأن حبكة القص تتضح فيها ضمن مخصوصيات خطية متغايرة في رسم دينامية الذروة القصصية الكاشفة، وعلى هذا فأننا بدءا من حالات غيبوبة الشخصية في الحكي، أي ومنذ الزج بها داخل الزنزانة لاحظنا ارتباطها بهالات معالم بيئة المكان الموحشة ومدى تخوفات وصعوبة الشخصية من التعرف على ملامح المكان: (كنت أتهيب بالنظرة الأولى للأشياء المحيطة، ليس لأنني أخشى النظر إلى الأشياء المرعبة بل لأنني كنت أخاف أن لا يكون هناك ما يرى . / ص20: النص القصصي) أن عملية الزمن المعادل في محتمالات رؤية الشخصية ذات انطلاقة مبنية على دليل مؤولاتها الانطباعية وفي تعاملها مع وحدات المكان والأصوات المستعادة للقضاة في قاعة المحكمة، لذا وجدنا تفاصيل ممارستها العضوية في النموذج المكاني، ذات سمات أكثر تجريدية وأكثر بحثا في غياهب موجودات وحالات الأشياء: (وحين كنت أتقدم بحذر ـ أخذت تتزاحم في ذاكرتي الآف الأصوات الغامضة المنبعثة من أهوال ـ توليدو ـ كانت تروي عن هذه السجون غرائب أعتبرتها دائما من الأساطير ـ لكنها مع ذلك من الغرابة والهول . / ص20: النص القصصي) .

1ـ غرائبية المكان وآليات المنتج الإظهاري:

تهيمن النماذج الوظيفية الغرائبية على تفاصيل دلالات أحداث النص، امتدادا لها نحو فرضيات تحتاج من قارئها الإلمام بفكرة ورؤية (الذات الداخلية) للنص، أي بمعنى ما، فهم مشخصات اللغة السردية على أنها حالات علامية مسخرة بفعل تمظهرات مضمرة من داخل المسرود، وعلى هذا نفهم من تحركات الشخصية في ظلمات المكان المتمثل ب (الزنزانة) على أنها قيم إظهارية من نوع آخر من مؤشرات الترميز القصصي، إي بوصفها نوعية خاصة من المقابل الآخر لصورة العالم الممكن، أو أنها الوظيفة المرمزة نحو محمولات وخاصيات فكرة بطش الحكومات والكولونيالية احتمالا، وتعزيزا لكل هذا تنكشف لنا دلالات كابوسية ذلك الرقيب الحكومي ـ تمثيلا لها في أحوال: (اكتشفت أنني سقطت على حافة بئر مستديرة .. لم تكن لدي في هذه اللحظة أية وسيلة لتقدير مساحتها .. استطعت وأنا أتلمس البناء فوق حلقة البئر تماما، أن أنزع منه شيئا صغيرا وأرميه في الهاوية . / ص21: النص القصصي) .

2ـ الواقع المغلق في محددات اللازمن الواقعي:

و تسعى قابلية القص في مشاهد النص إلى استفزاز منطقة القراءة، نحو كشوفية الشخصية ذاتها في التنقيب في ماهية واقعها الزنزاني المحفوف بمجاهيل العالم المغلق ومحددات اللازمن الواقع فيه . وما منح هذا النص دلالاته الكبرى هو حقيقة مؤثثات المكان الآسرة بسرانية المخبوء وغواية التأويل: (كان الرقاص ينوس عاموديا فوقي .. ولاحظت أن الهلال يتأهب كي يجتاز منطقة القلب .. كان سيمزق طرف ردائي ـ ثم يعود ويكرر عمليته، وعلى الرغم من البعد الرهيب للمنحنى الذي يسير فيه ـ حوالي ثلاثين قدما ـ وحركة سقوطه وهي تفسح والتي تكفي وحدها لشق الأسوار الحديدية، فإن كل ما كان بوسعه أن يقلعه ببضع دقائق هو أن يمزق ردائي . / ص25: النص القصصي) .

تعليق القراءة:

في الواقع أن مستوى رمزية العلامة التوظيفية في المدلول المركز في تفاصيل أحداث قصة (البئر والرقاص) تتركز في وسيلة الخلاص من أصفاد وآلية الموت المتمثلة بحركية نزولات آلية الرقاص القاتلة على الجسد الشخوصي، فيما تلعب دينامية العلاقة الذروية ما بين البئر والرقاص، بتلك الحافزية الخاصة نحو قمع الأداة الأنسانية الرازحة تحت ظلمات شرورها المميت: (وتراجعت جدران النار سريعا .. ذراع ممدودة تمسك بذراعي كما لو كنت أسقط في الهاوية غائر القوى .. كانت ذراع الجنرال لاسال فقد دخل الجيش الفرنسي توليدو وصار التفتيش في أيدي أعداء التفتيش . / ص28: النص القصصي) هكذا وجدنا صورة وشكل الخاتمة المضمونية في النص، وكأنها تتحدث عن العلاقة الرمزية والتأويلية الخاصة بمعادلات حقبة كولونيالية خاصة من تأريخ آليات هموم المكانية الواقعة ما بين انتصارات الشخصية الضمنية في مواقع زنزانتها الزمنية اللامحددة .

 

حيدر عبد الرضا

 

 

تقديم: راسلني الدكتور الباحث الأديب صالح الطائي من العراق ملتمسا مني كتابة قراءة مختصرة لمشروعه الموسوم بـ "جرح وطن: عينية الوجع العربي" الذي بادر به وأشرف عليه شخصيا، فاستجبتُ للالتماس.

وهذا المشروع هو قصيدة عينية عمودية من الطوال، بحرها البسيط، جاءت في 425 بيت، موضوعها انفجار العاصمة العراقية بغداد في مطلع العام الجاري 2021 ، ساهم في نسجها عدد كبير من شعراء ينتمون إلى جنسيات عديدة ولا تواصل بينهم.. لذا برزت مشاكل كثيرة في النص الواحد حين تركيبه لكن الإشراف عمل ما بوسعه ليكون العمل نصا واحدا بلغ القصد في مبناه ومعناه.

وهذا ما حاولت مقاربته في قراءتي المختصرة ... وذلك في المقال التالي:

2357 جرح وطن

على هامش عينية الوجع العربي ...

شِعرُ التأزم في منظوري تعبيرٌ جمالي عن المشخص واللامشخص - في آن معاً - وفق إستراتيجيةٍ واجِهَتُها شعورية تتجلى في حيثيات الواقع بآليته الزمانية المكانية وخلفِيَتها لاشعورية متوارية في ارتكازات إبداعيتها الفنية ... وضمن ثنائية " التجلي / الخفاء " التي تجعل الواحد اثنين والاثنين واحدا ينبني المشخّص المقصود إشكالا قائما يخاله البصر قدرا مقدورا لا علاج له، وفي الوقت ذاته ينبني اللامشخّص في انعكاس البصيرة حلّاً ممكنا للإشكال القائم أو على الأقل بداية التفكير في حل منقذ مما أحدث الأزمة ونتج عنه شعر التأزم ...

هذا ما وقفت عليه وأنا أقرأ صامتا متأملا متألما وأعيد قراءة " جرح وطن " بعيدا عن نقد الخطأ والصواب وأطروحَتَي الاحتقار والانبهار بما فيهما من  قدح ومدح ضررُهما أكبر من نفعهما حتى لو لامسا بعض الصواب المسطح مثل الالتزام الصارم بالتقعيدات التي وضعها – تعليميا – العروضيون والنحاة والبلاغيون وغيرهم ممن نشطوا في حقول اللغة التي تبقى أكبر من التقعيد النهائي إذا انفلتت من سجن المعجمية ورحلت مبدعة منتجة للجمال الذي لم يخطر على بال منظر في ما تقدم من التقنين ...

المشخص المتجلي في واجهة النص

في المرحلة الأولى من القراءة وقفت على البعد المشخص الظاهر الانفعالي في عينية الوجع العربي التي تشكلت وجعا للعين العربية الدامعة بمرارة من جراء واقعها الذي تجاوز مفهوم المأساة مُنخرطاً في مجزرة الانتحار الذاتي الجماعي مُتّجهاً نحو مَضيق الخروج من حركة التاريخ بصفة تكاد أن تحيل على استحالة معالجة الوضع ... هكذا جاءت القصيدة الجماعية بكائية عامة نائحة نادبة حزينة حزنا قاتلا للصبر والأمل قابرا لروح الصمود والمقاومة منتظراً لِحتمية ماحقة للأخضر واليابس وكأن الشمس انفجرت والأرض اندثرت والقيامة قامت وفي الدنيا لم يبق معنى لمقدار ذرة من الأحلام والوئام والسلام ...

 كان العراق أول منتج لتاريخ الإنسان الفاعل السعيد وكانت بغداد أزهى حاضرة عربية إسلامية تربعت تاجا على رأس الحضارة الإنسانية الفاعلة السعيدة، وها هي العينية تنوح وتبوح قائلة:

- لقد انتهى ذلك كله في رمشة عين ...

وتبرير هذا المشخص شعرا لا نجده فقط في بعض ذاكرة الأقطار العربية ومدائنها المتعددة المختلفة وإنما نجده في الواقع العربي برمته خلال زمنه الأخير ... العراق يتلظى ويتشظى ويتآكل من الداخل كما يعمل – جهرا لا سرا - على أكله الآكلون من الخارج، وهذا ما حدث ويحدث حاليا وإن لم نجد المَخرج المنقذ سيحدث غدا بتمام التمام في الأقطار العربية كلها من دون استثناء يذكر ... وبغداد تنحدر وتنفجر وتحتضر في مشهدية بركانية زلزالية عاصفة بتخطيط خارجي عدواني وتنفيذ داخلي – رؤوسه خونة وأتباعهم لا يملكون أي وعي - تماما كما حدث ويحدث وسيحدث في المدائن العربية كلها، انطلاقا من بيروت في منتصف سبعينيات القرن الماضي ومرورا بالجزائر وعدن والقاهرة ودمشق وغيرها من مدائننا الكبرى وغير الكبرى - مشرقا ومغربا - ووصولا إلى الانفجار الأخير وليس الآخر في بغداد خلال مطلع العقد الثالث من الألفية الجديدة التي لا جديد فيها سوى الموت في الانفجارات المتتابعة وهيمنة جمع الأشلاء وثقافة النواح عليها في كل مكان يسمى عربيا.

وتأسيسا على هذا المشخص الظاهر في " جرح وطن " يمكن – بشيء من التسرع الانفعالي السطحي – إدراج هذه القصيدة المطولة الجماعية ضمن الرثاء العام مع زخات عابرة من التضامن الظرفي، ولكن بقليل من التأمل لا نجد في ثناياها رثاء ندبة ولا رثاء تعزية ولا رثاء تأبين ولا حتى رثاء مدن وحضارة كالذي حدث مع سقوط الأندلس ... وهذا ما دعاني إلى إعادة القراءة بشكل مغاير لما أشرت إليه باختصار أعلاه.

- اللامشخص المتواري في خلفية النص

في المرحلة الثانية من القراءة لخلفيات النص المركب ورمزياته وإحالاته وقفت بتمعن هادئ على اللامشخص، وهو أهم ما يوجد في نص يحتوي شيئا من الأدبية غير المألوفة غالبا حتي لو وجد له ألف ناقد وناقد من صيادي الهنات والزلات والعثرات أو من متخيليها ما ينفيه من دائرة أدبهم الوحيد الذي لا شريك معه ولا موازٍ له ولا بديل عنه.

وهذا اللامشخص يمكن تصنيفه كما يلي:

1 - إدراك أبعاد المأساة:

مأساة راهن هذا الزمن لها جذورها القديمة المتمثلة أساسا في التعصب القبلي العرقي والتطرف المذهبي الطائفي وما نجم عنهما لاحقا من طغيان سلطوي وجمود فكري أديا إلى انحطاط عام دام قرونا متتالية، كما لها جذورها الحديثة المتمثلة بدقة في الاستعمار الأجنبي المدمر والاستنهاض الوهمي المخدوع وما رافق ذلك من خيانة وتسلط وفساد ... والغريب حقا هو أن لا أحد من عرب الانحطاط أو الاستنهاض قد أدرك ذلك إدراكا شموليا واعيا ووجد السبيل إلى تفكيك عقد التأزم فيه والخروج منها بسلام معين.

وحين اكتمال المأساة بتزاوج القبلية والطائفية والاستعمار والاستنهاض المخدوع جاءت فكرة عينية الوجع العربي وما يضاهيها من مبادرات لتقترح على العرب كلهم إدراكا مغايرا لسابقه ... وهكذا كان النواح واحدا موحدا مشتركا لأن المصيبة واحدة موحدة مشتركة  ...ورغم كون النواح ليس حلا للإشكال إلا أن الإجماع عليه يعكس ما حدث من تغيير في الإدراك العربي العام للتهديد الوجودي الذي يحيط به من كل جانب.      

2 - البحث عن الجديد لعلاجها:

في المشارق والمغارب لم يكن العرب – كما يشاع عنهم زورا وبهتانا – من أهل اللهو واللغو والعبث والخلود إلى الراحة والنوم، بل كانوا وما يزالون من أهل الجد والجهد والكد والكمد خلال تاريخهم الطويل – والاستثناء الشاذ يحفظ ولا يقاس عليه – والدليل على ذلك أنهم حاولوا قديما فأفلحوا لتوفر أسباب الفلاح وحاولوا حديثا ولم يفلحوا لعدم توفر الأسباب ... وبعد الفشل والانسداد والتأزم وتجلي الخطر المحدق بالأمة جمعاء والوطن كله ها هم يحاولون من جديد وبشكل جديد، بتجنب بعض الأمراض الداخلية كالقبلية والطائفية والقطرية الضيقة والمصلحة الآنية وبالتخلي تدريجيا عن الفكر المستورد الذي لم يجلب إلا الدمار وراء الدمار ... ومشروع عينية الوجع العربي يندرج ضمن البحث عن الجديد المناسب لخطر المرحلة ...  

3 - بناء الجديد من الأصيل:

جدّد قدامى العرب في بناء حضارتهم العربية الإسلامية العظيمة انطلاقا من ذاتهم وتأسيسا على خصوصيتهم واستفادة من محيطهم دون الذوبان في غيرهم فكان النجاح الخالد في التاريخ، وجدد العرب المحدثون في بناء استنهاضهم انطلاقا من ذات غيرهم وتأسيسا على خصوصية ليست لهم من غير استفادة كبيرة ولا صغيرة لأنهم استوردوا القشور التي لا تجدي نفعا ولم يصلوا إلى لب ما عند غيرهم فكان الفشل الفظيع في راهن تاريخهم ... ولما وصل التأزم إلى ذروته ها هم يبحثون في كل قطر وفي جميع قطاعات الحياة عن سبيل لإنقاذ وجودهم من خطر المحو الوجودي ... هنا ظهرت فكرة تجديد المسار الذي تجاوز محاولات الإصلاح الترقيعي المتعثر هنا وهناك تأسيسا على الفعلين السياسي والاقتصادي أكثر من غيرهما من الأفعال.. وهكذا التفتت الأنظار إلى الفعل الثقافي من باب عسى ولعل، وبما أن هذا الفعل الثقافي مر بدوره حين الاستنهاض الوهمي بتجديد مستورد لا وعي فيه يتمثل في وضع السرد الغربي والتمسرح المماثل له والشعر الحر وما يجري هذا المجرى قاطرةً لعربات الحياة ثم انتهى إلى حال يشبه الهامش وليس القلب كما هو ساري العمل به في ثقافات الأمم المتحضرة القوية؛ لقد انتبهت الرؤوس المفكرة إلى أن الشعر العمودي بكل ثقله كان ديوان العرب الذي حرك روح الحياة خلال أزمان وأزمان وعندما ضَعُف؛ ضعف العرب معه وعندما هُمِّش همِّشوا وإذا عاد متجددا فاعلا سيعودون ... وكان ظهور عينية الوجع وما قبلها وما يحيط بها وما سيترتب عليها إعلاناً واضحا على أن التراث الأصيل لم يمت وأنه يمكن استثماره بشكل جديد ليقوم بدوره الحضاري ... والجديد المقترح هو خروج الشعر العمودي من حالة الإطراب إلى حالة الفكر ومن الفعل الثانوي الفردي إلى الفعل الأساسي المشترك ... ولعل النواح المسيطر على العينية هو مجرد استحضار لـ "" قفا نبك "" في المقدمات الطللية بينما الموضوع الرئيس بكل أطروحته الحضارية الكاملة سيأتي لاحقا في الشعر والنثر وما سيجسد المبتغى العربي المستقبلي في أرض واقع الأمة متحدةً متراصّةً ...

4 - التركيز على الثقافي المتخصص:

العينية وما شابهها فعل ثقافي جديد منطلقه ديوان العرب والمبادرون به المشاركون فيه هم جمهرة من شعراء العرب ... وهنا يُطرح السؤال : لِمَ هذا الفعل الثقافي المتخصص ولمَ الشعراء دون غيرهم؟

جاء التركيز على الشعر العمودي لأنه المشَكِّل الرئيس للروح العربية منذ جذور تاريخها، والمفسر الوحيد لماهية دينها كما أنْزِل لا كما تم تأويله لاحقا بغير سند، والحافظ الدائم للسانها الذي به تكون ومن دونه لا تكون، والمعبر بإعجاز عن وسوستها حين الوسوسة وعن طموحها حين الطموح ... وجاء الاعتماد على الشعراء دون غيرهم لأن الشاعر الفحل العظيم في مخزون الروح العربية ليس هو الذي ينظم الشعر ولا مروءة فيه – وبالتالي هو مجرد شعرور أو شويعر لا غير – وإنما الشاعر الفحل العظيم هو قبل أي اعتبار مفكر عظيم، وهو القائد الفارس الإعلامي حين البأس، وهو حين السلم المرادف الدائم للعالم الفقيه أو الفيلسوف المتأمل أو الأستاذ الباحث أو الطبيب الماهر أو المهندس المقتدر أو أي مختص في اختصاص آخر له أهمية قصوى في صناعة الحياة وتسييرها ... وهكذا ينجلي سر الاعتماد على الشعراء الفنانين المفكرين الذين يدخلون ضمن استثناء ""إلَّا"" في آخر آية من سورتهم القرآنية القاطعة لقول كل خطيب.

5 - تسرب فلسفة الحكم إلى الفعل الثقافي الحر:

في أول وهلة يبدو هذا العنصر الفرعي نشازاً غريبا، وربما يجعل القارئ يقول : لا علاقة لفلسفة الحكم بنص إبداعي يتموضع في حيز الأدب الباكي، بمشاركة أقلام من بلدان عديدة أنظمتها مختلفة ولا يربطها رابط بمصدر المبادرة ولا بالمشاركين فيها والمتفاعلين معها. وهذا اعتراض مشروع ما لم تتضح الحقيقة بأدلتها ... وقبل التوضيح؛ أريد أن أنبه إلى أن هذه الأسطر الأخيرة هي مقاربة استنتاجية ولا علاقة لها بالشروح ثم أن الغاية منها ليست إثبات السلب أو الإيجاب وإنما الوقوف على الخلفيات اللاشعورية للعمل حتى يمكن أن نستفيد منه بشكل ما، لا في المبادرات المقبلة وحدها وإنما في محاورة قضايا العصر برمتها، بما لها وما عليها.

عينية الوجع العربي عمل منفصل في واجهته عن فلسفة الحكم دونما شك ولا ريب ولكن ما يحيط به وما جاء في بنيته الفنية يقولان غير ذلك.

فمحيط النص يعلن بوضوح أنه حدد شروطا دقيقة للمساهمة في النص وأقصى جملة من المساهمات في الفرز الأولي ثم أقصى غيرها في الفرز النهائي ثم انتخب من المسهمات المقبولة فقط ما يتلاءم مع البناء العام للنص. والبنية الفنية الختامية يظهر فيها عمل مشرط الجراح إذ البحر واحد والقافية واحدة والروي واحد والكلمة المفتاحية واحدة والبكاء واحد، ولم ينج من الجراحة إلا ما سأتناوله في العنصر اللاحق من هذا المقال. وهذه الفلسفة التي تم بها تشكيل النص وتركيبه هي نفسها فلسفة الحكم عند كل الأنظمة السياسة المهيمنة على المجتمعات العربية في مشارقهم ومغاربهم، إذ يصنع هذا النظام أو ذاك المبادرة التي يريدها ويقنن لها القوانين ويفتح مجال المشاركة لكل من يبتغيها ثم يقصي من يراهم غير مناسبين وفق مراحل لها أسبابها التبريرية ويصل ختاما إلى ما يريده ويراه جديدا معقولا مقبولا من غير أن يفكر كثيرا أو قليلا في من أقصاهم، والنتيجة هي واقعنا المأساوي الذي فجّر بغداد وغير بغداد.

وهذا الاستنتاج لا يلغي عينية الوجع العربي ولا يقلل من قيمتها ولا يشكك في نوايا أحد ممن لهم يد فيها وإنما يرفعها إلى مقام المبادرة التي قدمت دروسا مقصودة لجميع العرب حول وجعهم وأخرى غير مقصودة بالدعوة إلى جعل الفعل الثقافي فعلا حرّا بطبعه ديمقراطيا بممارسته لكي تحرر الأمة من الضغوط الواقعة عليها وتبني حياتها وفق اختياراتها في تعايش سلمي يجد الناس فيه مصالحهم العامة وراحتهم النفسية من غير إقصاء لأي كان، مع التزام نظام مرن لا يلغي حق أحد.

ومن باب التمثيل على النظام والمرونة معاً في حقل الشعر العمودي أشير مجرد إشارة عابرة إلى تجربتين كبيرتين في تاريخنا الأدبي، أولاهما قديمة تراثية وهي تجربة الألفيات التعليمية كأرجوزة عبدالواحد بن عاشر التي تغير الروي مع كل بيت من غير أن يحدث أدني خلل في بنيتها الصوتية ولا أدائها المعرفي، وثانيتهما حديثة الظهور وهي تجربة الملاحم الشعرية مثل إلياذة الجزائر لمفدي زكرياء الواقعة في ألف بيت وبيت، مقسمة إلى مائة مقطع ببحر واحد وروي متغير مع المقاطع المفصولة بلازمة متكررة من غير إن يؤثر ذلك على البنية الفنية للنص في شيء يذكر بل كان التنوع عاملا مساعدا على وصف تجليات الجمال وتاريخ الجلال في الأحقاب المتتالية للجزائر الواسعة.  

6 - انتفاضة الثقافة تلقائيا:

الفعل الثقافي الإبداعي عموما يجد لنفسه بدائل تلقائية خاصة ينتفض بها على التضييق الفني الذي يُفرِض عليه، وهذا ما حدث في عينيه الوجع العربي. وقبل أن أقف على بعض ذلك أشير إلى أن ظاهرة البدائل تجلت أدبياً بصورة عامة على مستوى الآداب العالمية في الكتابات الرمزية التي يقول ظاهرها شيئا بينما يقول باطنها شيئا آخر مسكوتا عنه بسبب تضييق ما، وتجلت أدبيا بصورة خاصة على مستوى الأدب العربي في الكتابات الصوفية التي تقول الشيء بغير لفظه تجاوزا للتضييق وارتقاء بالأدبية في حد ذاتها، كما تجلت ضمن الثقافة العربية الإسلامية بصورة أجمل وأوسع في فن الخطوط أو الكاليغرافيا التي دخلت المساجد لتزخرفها بجمالية لا غبار عليها مستخدمة آيات الذكر الحكيم ونصوص الحديث النبوي الشريف وهذا تعويضا عن الرسم والنحت الممنوعين، ومن دور العبادة وملحقاتها خرجت هذا الجمالية العربية الإسلامية المنمازة لتعبر عن حضارتها بأدواتها في كل مكان دونما أدنى إشكال يذكر.

وبخصوص عينية الوجع نجد أنها حاولت مقاومة التضييق الفني الذي وقع عليها والواقع المأساوي الغريب الذي كان مصدر وجودها بمظاهر متعددة منها ما يلي :

1 - حين الانطلاق كان الموضوع هو فاجعة بغداد لكن مع التقدم قليلا تحولت بغداد إلى مفتاح لكل الفواجع والمواجع التي أنتجتها ظروف العصر العربي الأخير، وهذا من باب إدماج المتلقي العربي المقهور في حيثياتها، أينما كان تواجده.

2 - أسس مُركِّبو النص بنيته المنتقاة على قصيدتين جاهليتين أولاهما رسالة لقيط بن يعمر الإيادي وهي التي كانت وراء اختيار البحر والقافية ظاهريا وفي الخفاء هي إحالة على الصراع العربي الفارسي الممتد في الزمان والمكان، وثانيتهما معلقة عنترة بن شداد العبسي المحيلة على البطولة التي نحتاج إليها وهي غير متوفرة، ثم تأتي قائمة طويلة من قدامى المشارقة فقط ... وذلك من أجل إثبات أن عينية الوجع تندرج في امتدادهم التاريخي ولها شرعية وجودها في هذا الامتداد.

3 - كان غرض العينية هو الرثاء لكنه فقد خصائصه ليصبح تداخلا نائحا يجمع بين الأغراض كلها ويتجاوزها إلى شيء آخر يسعى ليجمع بين النقيضَين ويفرق بين المتحدَين تماما كما حدث ويحدث في راهن الواقع العربي، متجاوزا بذلك إرادة مركبي الأبيات الذين حاولوا بناء نص متناسق.

4 - أسلوبيات الشعراء المساهمين تقول بوضوح إن النص متعدد ... فهذا يقرر، والآخر يسرد، والثالث يصور، والرابع يتداعى، والخامس يمسرح، والسادس يتناص، والسابع يستبطن، وهكذا يسير التعبير بتمايز أسلوبي كبير وتفاوت لغوي يتأرجح بين المستهلك الشبيه بالدارج والنادر الملامس للغريب ...وهذا يعكس رفض الأبيات لعملية التطويع في نص يعلن عن نفسه بأنه واحد.

ومن جملة ما ورد في النص من تناقضات  وتفاوتات نصل إلى أن فكرة النص الواحد المتكامل المتناسق قد غابت ولا يمكنها إلا أن تغيب وحلت محلها فكرة النص المركب تركيبا فيه بعض الضيق الفني كما فيه بعض التوفيق ... ولعل هذا ما تتطلبه مرحلتنا التاريخية المصطخبة المضطربة المتناقضة التي لم يتمكن أحد من أهلها بعد من إيجاد مَخارِج سليمة من أزماتها كلها أو بعضها ... ويبقى التجريب متواصلا إلى أن يبلغ القصد ويحقق المنى ...

ختاما؛ أقدم تحياتي وتقديري إلى صاحب المبادرة والمشاركين فيها إبداعا وتقديما ونشرا وتوزيعا، وإلى القراء في كل مكان، وإلى كل الذين يحاولون أن يجدوا مَخرجا سديدا رشيدا حميدا مما نحن فيه ............ والله سبحانه وراء القصد وهو ولي التوفيق.

 

بقلم: أ. د. بومدين جَلّالي

 

 

عبير خالد يحيىدراسة ذرائعية مستقطعة لرواية (موجيتوس) للأديب المصري منير عتيبة

إغناء:

الرواية التاريخية: هي عمل أدبي يعيد سرد الماضي بطريقة تخييلية، من خلال خلق شخصيات خيالية، بالإضافة إلى شخصيات حقيقية معروفة، وخلق توازن بينهما يتيح للقارئ إعادة رسم مشاهد التاريخ.

وليس بالضرورة أن يكون هذا التصوّر مطابقًا لما رسمه الكاتب، بل هو وفقًا لما سيرسمه القارئ كمتلقٍ لهذا العمل، وفق ما سينطبع في إدراكه ووعيه. لذلك قد نجد الكثير من الروايات التاريخية ذات طابع ملحمي، لأن كلتاهما (الرواية التاريخية والملحمة الشعرية) تشتركان معًا في امتلاك البعد التأسيسي في نطاق وعي المتلقي، يقول هيغل متحدّثًا عن (إنجيل الشعب): " إن الملحمة تمتلك بعدًا تأسيسيًّا قويًّا، وتحكي حلقة متصلة بالعالم الكامل لبلد أو لفترة من الزمن، فتكوِّن الأسس الحقيقية للوعي، ولهذا تدور أحداثها على أرض مفتوحة للمعارك بين جميع البلدان" . وقال جازمًا تلك العلاقة: "إن الرواية هي التعبير المكافئ للملحمة ، في العصر الحديث" [1]

يقول جورج لوكاش في كتابه (الرواية التاريخية)[2]:

نشأت الرواية التاريخية في مطلع القرن التاسع عشر، وذلك من زمن انهيار نابليون تقريبًا، (إذ ظهرت رواية سكوت "ويفرلي" عام 1814) وطبيعي أنه يمكن العثور على روايات ذات موضوعات تاريخية في القرنين السابع عشر والثامن عشر أيضًا، ويستطيع المرء، إذا ما أحس ميلًا في نفسه إلى ذلك، أن يعتبر الأعمال القروسطية المعدّة عن التاريخ الكلاسيكي أو الأساطير "أسلافًا" أو مقدمات للرواية التاريخية .... وليست روايات القرن السابع عشر المسماة بالتاريخية، هي بتاريخية إلا في ما يتعلق بالاختيار الخارجي الصرف للموضوع والأزياء....

وقول لوكاش مردود عليه ذرائعيًّا،بالبداية، قد نعتبر ما نُقل عنه أو ما تُرجم عنه هو خطأ ترجمي أو نقل خاطئ، وإن لم يكن، فعذره أن ما قاله كان مسنودًا على الظروف المعرفية التي كانت سائدة في عصره، بينما الظروف المعرفية في زمننا هذا أوسع وأكثر تقدّمًا، أتفق معه فيما قاله إن قصد الكلام عن البناء الفني للرواية كجنس أدبي ككل، وليس نوع الرواية (التاريخية)، فلم يكن بدء ظهور الرواية التاريخية في بداية القرن التاسع عشر كما قال، ولا حتى في القرون القليلة السابقة، بل قبل ذلك بكثير، وإلا كيف وصلت إلينا قصص القرون الأولى ؟ آدم وحواء، قابيل وهابيل، الطوفان وسفينة نوح .... إلخ؟! وكيف وصلت إلينا الأساطير وقصص الجن والفرسان ومسرحيات شيكسبير والملاحم الغربية الشهيرة الإلياذة والأدويسا وغيرها ؟!.

يفترض أن يكون كل قول مدعوم بذرائع، والذريعة تأخذنا باتجاه العلوم والحقائق،

فكل ما يتولّد من فكَر وأحداث، هي قليلة بالنسبة لسعة الحياة وامتدادها، فحين يلج الشاعر أو الكاتب عالم الأدب لابدّ وأن له تجارب مرّ فيها وهي تجارب مرّ فيها الناس من قبله، فالواقع الافتراضي هو عالم استنساخي للواقع الحقيقي وصورة مزينة له يزوّقها الكاتب لتكون محببة للمتلقي، فما يكتبه الأديب هو مأخوذ من تجربة ثلاثية تتكون من ثلاثة عناصر كما تراها الذرائعية، وتلك الثلاثية تتحكّم في قلم الكاتب وتوجّهه نحو خدمة المجتمع بالمنطلق الذرائعي – إن الأدب هو عراب للمجتمع- وهي:

أحداث الحياة الحقيقية

وتجارب الكاتب الشخصية

والتجارب والأحداث التي مرّ بها غيره وقد شاهدها أو قرأ عنها ونوضحها بالشكل[3]

وظروف الحياة متغيّرة بحساب الثواني، بالشكل والمضمون، والروايات تستمد مادتها من الحياة، ومعظم ما قيل خطّأه الزمن، ومن الممكن أن يكون قول لوكاش مسنودًا بالظروف المعرفية للرواية التي كانت سائدة في زمنه، لكن قوله في زمننا هذا خطأ، بذريعة التغيّر والتقدّم العلمي والأيديولوجي، وحسب المبدأ الذرائعي (الأدب عرّاب وساند للمجتمع) بجميع متغيراته العلمية والأيديولوجية ، وبما أن هذه التغيرات لا تقف عند حدّ فإن ما قيل بالأمس يصلح لمجتمع الأمس، لكنه نسبيًّا لا يصلح لمجتمع اليوم، حيث لم يبقَ شيء لم يُقل، أو حدث لم يحدث، والعلم والتقدّم التكنولوجي هو سيد الموقف،فذرائعيًّا يكون السرّ لدينا ثلاثي الأبعاد كما أشرنا، فلا نستطيع أن نثبّت شيئًا في الحدث الأدبي، لأن القولبة في الأدب رفض للتقدّم العلمي.

ومهما يكن من أمر، فالملاحم والمسرحيات والقصص الغربية القديمة تضاهي في الأدب العربي الأقاصيص التاريخية التي كان يرويها وهب بن منبه، وبالتالي فتلك المحاولات الأولية للقصة التاريخية في الأدب الغربي والعربي، لا تلقي أي أهمية لانعدام العناصر الفنية للفن القصصي أو الروائي[4].

"من أهم التغيرات التي مسّت الرواية التاريخية وتقاليدها، ما نادى به (ألفريد ديفني) سنة 1825 بروايته 5 مارس، بجعل الشخصيات التاريخية في المحل الأول، في حين جعلها (والتر سكوت) في المقام الثاني، والشخصيات الخيالية في المقام الأول، لكي لا يتقيّد بحقائق التاريخ"[5]، ورأي السكوت هو الأقرب لتحقيق المعنى الحقيقي للرواية كجنس أدبي، بذريعة أن الأدب خيال وليس حقائق، وأن الرواية التاريخية هي عمل أدبي تخييلي وليس تأريخًا لحقائق ووقائع حدثت فعلًا. لذلك كان والتر سكوت، كما يذكر غنيمي هلال، يتخيّر أبطاله من العصور الوسطى، ويمازجها بشخصيات خيالية مختلفة نابضة بالحياة، غير متعارضة مع العصر التاريخي الذي يصفه، وكان بارعًا في تصوير وتجسيد عادات وتقاليد وملابس ومقومات ذلك العصر متحايلًا على حقائق التاريخ[6].... وهذا ما فعله الأديب منير عتيبة في عمله الروائي(موجيتوس).

يجمع أغلب نقاد نظرية الأدب أن هذا الرواية كجنس أدبي فني يعتبر دخيلًا على الأدب العربي، منقولًا عن الأدب الأوروبي، رغم محاولة الروائي العربي تأصيله ببعث الماضي والتراث العربي.

وإذا كانت الرواية التاريخية العربية تعتبر محاولات للبحث عن الذات القومية القوية والمنتصرة، خلال فترة الانهزامات، كحلم بانتصار صعب المنال، فإن الروايات التاريخية العربية المعاصرة هي تجسيد للإنسان العربي بعالمية القضايا التي أخذت تعصف بحاضره، بإسقاط الماضي على هذا الحاضر لمحاولة تفسيره وفهمه واستنباط نتائجه، وإلى هذا النوع الأخير تنتمي هذا الرواية(موجيتوس)، رواية تاريخية ملحمية عربية معاصرة، مكتملة في بنائها الفني، ومميزة ببنائها الجمالي، و عالمية رسالتها الإنسانية.

والكاتب منير عتيبة هو كاتب مصري أصدر أكثر من ثلاثين كتابا في القصة والرواية والقصة القصيرة جدا والنقد والدراسات الأدبية وأدب الأطفال إضافة إلى كتابته لمسلسلات إذاعية وتقديمه لبرامج تليفزيونية، وهو مؤسس ومدير مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية رئيس تحرير سلسلة كتابات جديدة بالهيئة المصرية العامة للكتاب ونائب مقرر لجنة السرد القصصي والروائي بالمجلس الأعلى للثقافة. وقد حصل على العديد من الجوائز والتكريم من أهمها: جائزة الدولة التشجيعية في القصة القصيرة جدا 2015، جائزة اتحاد كتاب مصر في القصة القصيرة 2014 وفي الرواية عام 2020.

مستويات الدراسة الذرائعية

أولًا- المستوى الفكري والأخلاقي:

1- البؤرة الفكرية الثابتة:

تعدّ الرواية التاريخية من أكثر أنواع الرواية سموًّا ورقيًّا، تكتسب هذا السمو من موضوعاتها وأهدافها، في سعيها لبعث الماضي وإحيائه في سبيل قراءة الحاضر واستشراف المستقبل.

الكثير من الدارسين يعتبرون جورجي زيدان رائد الرواية التاريخية العربية، لأنه في أعماله الروائية جعل الفن في خدمة التاريخ، بغاية تثقيف النشء وتعليمه التاريخ كما فعل سليم البستاني، وإن كان غيرَ أمينٍ في ذلك، فالكثير من الدارسين يوجّهون له تهمة تشويه التاريخ الإسلامي وتحريف حوادثه وهدم رموزه، يقول عبد الجواد المحص عن تلك الروايات: " روايات خطيرة ، تبثّ لقرّائها السّم في العسل" [7]، ومنهم من أدرجها ضمن الرواية التعليمية التي لا تتوفّر فيها الأسس الفنية للبناء الروائي، وإنّما هي مجرد وسيلة لتحقيق غاية، وهذا ما صرّح به زيدان، إلا أنهم نسبوا إليه فضل تطوير هذا النوع الأدبي وإبراز الشعور القومي العربي، بينما لم يكن لنجيب محفوظ هدف محدّد يصبو إليه في مرويّاته السردية التاريخية، (عبث الأقدار- رادوبيس- وكفاح طيبة) بل كان منساقًا باتجاه العبثية.

الأديب منير عتيبة، تبرّأ من هذين الاتجاهين اللّذين لم يجد فيهما توافقًا مع أيديولوجياته الفكرية في نظرته إلى حياة الإنسان عبر التاريخ، على اعتبار الرواية التاريخية تروي الحياة وليس التاريخ، والحياة المعاصرة بحاضرها وواقعها ومتغيراتها وانفتاحها التكنولوجي والفكري على كل المجتمعات، جعلته يوسّع من أفق تفكيره اتجاه مواضيع كثيرة، منها مفهوم الجهاد والغزو، والحرية والعبودية، الوطن والوطن البديل، والاختلاف بمستوياته العرقية والدينية والطبقية الاجتماعية، لتكون له نظرة حرّة في العمق الإنساني بعيدًا عن الانتماءات، قصرية كانت أم اختيارية، ملخِّصًا عالمية وكونية الإنسان، عبر الزمان والمكان، بأحلام تراوده، ومغامرات يتوق إليها، يُحار فيها هل هي اختيار أم مصير قدري.

لقد انتهج الأديب منير عتيبة في هذا العمل نفس النهج الفكري الذي انتهجه عَلَمٌ هام من أعلام الرواية التاريخية، وهو الأديب السوري (معروف أرناؤوط) الذي كتب عن التاريخ الإسلامي، بمنظور السارد الذي يرى الوقائع والأحداث الحاضرة، ويحيل إلى قراءة الحاضر بالماضي، كما يضع في الماضي إشكالات الحاضر [8].

فالرواية (موجيتوس) عمل تاريخي ملحمي معاصر، بقلم مؤمن برسالة إنسانية خارج كل المحدّدات الوضعية، تغوص عميقًا في الوجدان الإنساني. وتكشف لنا حقيقة صادمة، وهي أن هناك دائمًا من يحاول أن يتجسّس على أحلامنا، ليقوم بتجنيدها تحت أمرة حلمه، منطلقًا من ذريعة منطقية، وهي: " لا سلطة للوعي على الحلم"، فالأحلام تستيقظ عندما ينام الوعي، لكن الإنسان محكوم بالسعي لتحقيق حلمه، أي أن وعيه يأخذه باتجاه الفعل الإجرائي لتحقيقه، لذلك فإن اليد التي تمتد له بالمساعدة ليست نبيلة بالمطلق، وإنما قد تكون يد مُقادة لتحقيق حلمٍ غول، يجيد ابتلاع أحلام الجميع، ويبقى الموت زعيم الغيلان". وكان الطماشكة الزناتي البربري هو صاحب الحلم الغول:

"لماذا كان كل ذلك؟"، " عينا يوسف فقط هما ما تطمئناني إلى أنهم لم يعرفوا أننا اتفقنا على غزو أوروبا، والاستقرار فيها، وليس مجرد رحلة خاطفة لسواحل صقلية، وساعدني الله بالعاصفة المهلكة لأحقق ما أريد دون أن يشكّ أحد، لم أخبرهم حتى لا يتخلّوا عني، لم أترك لهم خيارًا، لكنني منحتهم مجدًا لم يكونوا ببالغيه إن هم بقَوا في الأندلس"[9].

أدرس هذا العمل باستخدام آليات النظرية الذرائعية النقدية المنبثقة من المنهج الذرائعي العلمي.

2- الخلفية الأخلاقية:

رغم أن العمل يعرض لشخصيات مختلفة الديانات والقوميات، إلا أنه لم يتعرّض بالإساءة إلى أي من الديانات أو القوميات، حتى عندما عرض لشخصيات يهودية، لم يشِر بحال من الأحوال إلى عقيدتها، وإنما أشار إلى مهن معينة ومعروفة امتهنها اليهود في تلك الفترة، وعبر التاريخ، وهي الاتجار بالبشر:

" .... مئات الأطفال المخطوفين من بلاد الفرنجة، من حوض نهر الدانوب، ومن بلاد الروس و أطفال اشتراهم التجار اليهود من أهلهم الفقراء في إيطاليا، بنات وصبيان، بعضهم تم إخصاؤه في معمل فردان، بعضهم أخصى في شينا القديمة عاصمة إقليم ألبيرة، التي يسكنها اليهود". [10]

يتناص الأديب منير عتيبة من المنظور الأخلاقي مع الأديب اللبناني الفرنسي (أمين معلوف) الذي يشكّل علامة فارقة في الرواية التاريخية العربية والعالمية، حيث ترجمت رواياته (سمرقند- ليون الأفريقي- الحروب الصليبية كما رآها العرب- حدائق النور – موانئ الشرق ... وغيرها) إلى العديد من اللغات، ميّزته رؤيته الكوزموبوليتانية ودعوته للحوار بين الشرق والغرب والتسامح بين الشعوب.

يعتبر المستوى الأخلاقي مستوى ثابت ننطلق منه إلى مستويات ذرائعية متحركة:

ثانيًا – المستوى البصري واللساني الجمالي:

1- المدخل البصري:

الغلاف الأمامي:

الغلاف من تصميم الفنان التشكيلي السكندري المبدع ماهر جرجس، الذي له بصمته الفنية الخاصة في رسم ملامح الوجوه، لا تخطئها العين، مجرد رؤيتها تقول أن من قام برسمها هو ماهر جرجرس، يحرص على رسم الهالات حول العيون، وهي تحكي حياة كاملة، يستخدم الألوان الواضحة، معطيًا لكل لون حقّه من الكثافة والوضوح، إلا أنه في هذا الغلاف خالف ذلك، فنرى ألوانًا ضبابية مموهة، وكأنها خلفية باهتة للوحة تصويرية تحت عدسة مكبرة، وتحت العدسة تتوضّح اللوحة بألوانها المشبّعة الواضحة، اللوحة الضبابية لعدّة أشخاص ملتحين، غلاظ الشفاه، نظراتهم جامدة باتجاه سيف يحملهم واحد منهم يرتدي زي الفرسان، ويقبض على السيف بيمينه شاهرًا إياه نحو الأعلى ، سيف أصفر اللون بلون الحرب، ومقبض أحمر، الفارس بوضع جانبي خلفه وإلى الأعلى من رأسه امرأة حمراء الشعر، بملامح رقيقة. ضمن العدسة، يبدو السيف، ويد الفارس القابضة عليه، ووجه رجل، خلفه بناء يشبه القلعة. كل العيون في اللوحة تنظر إلى السيف، وكلها عيون متهدلة الأجفان، متعبة، أفواهها مغلقة . اللوحة مكوّن صُوَري بصري معبّر جدًّا عن مضمون العمل النصّي، وكأنّ الضبابية هي الزمن الغابر أو التاريخ، وكأن العدسة هي البؤرة الفكرية، أي المضمون المستقى من هذا التاريخ،(إنسان- يحارب بسيف - ويحتمي بمكان حصين - قلعة)، أما الضبابية فهي من نصيب الأشخاص الذين كانت أحلامهم مجيّشة لصالح حامل السيف الذي يلوّح لهم به مرغّبًا أو مهدّدًا، كما يهشّ الراعي بعصاه على غنمه، والمرأة هي الصاحب في الحرب والسلم.

الغلاف الخلفي: فقرة سردية ملخصة لأحداث الرواية، سأستعين بها في المستوى المتحرك.

العنوان: موجيتوس بخط كبير بالأحمر تحت جنس (رواية) بالأسود، وتحتها اسم الكاتب منير عتيبة بالأصفر.

لماذا موجيتوس؟ سندرس ذلك أيضًا بالمستوى الديناميكي.

العمل الروائي مفرود على بياض 270 صفحة من الحجم المألوف حاليًّا للرواية، مضافة إليها حوالي 7 صفحات فهرس وسيرة الأديب، العمل مقسّم على 23 فصل، منهما فصلان صغيران: بداية (حوالي 4 صفحات)، ونهاية (أقل من صفحة). وما بينهما فصول حملت العناوين التالية، وهي عناوين بأسماء الشخصيات التي تولّت السرد أو كان السرد عنها: (الرجل رقم عشرين- كريستينا- خلف الصقلبي- صفيّ. عليّ- عبد الرحمن بن سالم- عيسى بن أحمد- كريستينا- عبد الله البلوطي- سعيد الإشبيلي. موسى بن الحكم- كريستينا- حسان الغافقي- أمير البحار يوسف- كريستينا- هشام بن عبد المعين – إبراهيم بن عامر – كريستينا – الطماشكة الزناتي- مجاهد/ موجيتوس- ماريا) نلاحظ أن (كريستينا) يتكرر ظهورها 5 مرات والسادسة باسم (ماريا)، يعني الكاتب أتاح لها، كأنثى، مساحة واسعة للظهور والتعبير عن نفسها وآرائها ورؤيتها الحرّة اتجاه الأحداث والقضايا المثارة في الرواية، بينما نجد أن البطل الذي بدأت به ومعه الأحداث، واستمرت به ومعه إلا النهاية على مدى زمني استغرق حوالي 100عام، (وهذا يحيلنا بالتناص إلى رائعة ماركيز- مئة عام من العزلة- ولا يخفى على أحد تأثّر الأديب منير عتيبة بهذه الرواية، والتي جعل منها مسلسلًا إذاعيًّا على حلقات عديدة)، نقصد هنا مجاهد أو موجيتوس، ليس له إلّا فصل واحد يحمل اسمه بشكل مباشر، إن هذه العناوين تحيل بصريًّا إلى أن الرواية رواية متعدّدة الأصوات (بوليفونية)، لم يكتفِ الكاتب لتأكيد ذلك بصريًّا بالعناوين فقط، وإنما عمد إلى تقنية بصرية أخرى دالّة على ذلك، وهي كتابة اسم الشخصية باللون الغامق، ليشير إلى من يتولى مهمة السرد، بدلًا من استخدام فعل القول كتقنية سردية مألوفة، فلا نجده يشير إلى السارد بجملة يقول فلان أو قال، وإنما يتبدّل السارد من غير أن يشعر المتلقي بانقطاع السرد عند تحوّله من سارد إلى آخر، فكل سارد يسلّم السرد لمن يذكره، وكأن السرد كرة يتم قذفها من سارد إلى آخر ، نسوق المثال التالي عن ذلك والأمثلة كثيرة جدًّا وقد حفل بها الفصل الثاني تحديدًا:

" .... ،أرى في عيني عيسى بن أحمد بريق النعيم الذي يسري من قلبه الراضي إلى أنامله، فيبثّ في العود إحساسًا رهيفًا برفاهية لا حدود لها.

كنت كمصعب بن عمير في النصف الأول من حياته، وربما أتاحت لي الحياة من الوسائل ما لم يتح له، الجسد هو آلة الإنسان وسفينته........." [11]

كانت كرة السرد عند مجاهد، وعندما ذكر عيسى بن أحمد قذف الكرة باتجاهه ليتولى مهمة السرد، وهو بدوره سيقذفها باتجاه غيره. هذه التقنية السردية البصرية هي تقنية مبتكرة ومكتشفة عند الأديب منير عتيبة، قد نختلف على جدواها، حيث أنها مربكة للقارئ، ولكني أجدها حاذقة، تجعل المتلقي يستنفر وعيه وإدراكه حين يقرأ الرواية، ويعزف عن قراءتها كوجبة خفيفة قبل النوم، بل هي وجبة دسمة ينبغي أن يأخذ القارئ بنظر الاعتبار يتحضّر لها، كي يحسن مضغها وهضمها.

وهناك تقنية سردية بصرية أخرى لاحظتها في هذا العمل، وهي تعقيبات على السرد، وضعها الكاتب بين قوسين وكتبها بخط مائل كأنها ملاحظات مُستدرَكة يجب إضافتها إلى كتاب المذكرات الذي يخص البطل مجاهد:

" ..... كنا نطلب منه أن يعزف هذا اللحن كثيرًا فيما بعد (ولماذا نسيت أن أكتب أنه لم يكن يستجيب بسهولة، كانت ملامحه وهو يعزف في المرة الأولى غير سعيدة، وكان يبدو حزينًا عندما يضطر إلى عزف هذا اللحن بالذات، أتعرف يا مجاهد ، ليس هذا ما كنت أسمعه ونحن نكافح الأمواج ونوشك على الغرق)[12]

كما استخدم ذات التقنية عند سرد أفعال البطل (موجيتوس) أثناء قراءة المذكرات، وهذا ما أعطى السرد نوعًا من الحيوية والإيهام بواقعية الأحداث وطبيعيّة الشخوص:

"..... ربما (مسح موجيتوس دمعة قبل أن تسقط على الورقة التي يقرأها، لا لم يأتِ هذا المستقبل أبدًا يا مجاهد)[13]

لم أجد بالرواية أخطاء إملائية أو نحوية تُذكر، تم مراعاة علامات الترقيم بشكل جيد، كما أن التنسيق الطباعي جيد جدًا.

2- المدخل اللساني والجمالي:

ندرس فيه الألفاظ والتراكيب والصور الجمالية، ونتعقب من خلال الألفاظ:

ثقافة الأديب العامة: ومدى قدرته وتمكّنه من توظيفها بشكل جيد في عمله الروائي

والأمثلة على ذلك كثيرة جدًّا نكتفي بذكر بعضها:

استخدم مفردات مهنية تعود إلى ذلك العهد، في القرن العاشر الميلادي تقريبًا، مثل الألفاظ والمفردات المشار تحتها بخط:

" .....كان قد طلب من أحد الصنّاع أن يصنع له نموذجًا لمنبر جامع قرطبة، يستطيع أن يحمله أينما ذهب، كان النموذج يزن كيلو غرامًا، أو أكثر قليلًا، لكنه كان مطابقًا للأصل، بدرجاته التسع، وخشبه من الساج والأبنوس والبقم والعود القاقلي، وحشواته الست وثلاثين ألف المسمّرة والمرصّعة بمسامير من الذهب والفضة ..."[14]

كما ذكر بعض أنواع المحصولات النباتية وأساليب الزراعة وأوقاتها وأساليب الري، في ذلك العصر والمكان:

" .... تمسك أهدابي بصور النخيل الشامخ تداعبه الريح، رمان الرصافة، رمان السفري، النارنج، قطن إشبيلية، تفاح سيرانيفادا، والبطيخ السندي، قصب السكر المالقي، وأرز بلنسية، حقول القمح والشعير، حدائق الموالح والكروم والموز والخوخ والتين والبرتقال والليمون، غابات السنديان والصنوبر والبلوط، الأحواض الواسعة تستقبل المياه المتساقطة من القمم الجبلية، تحملها النواعير إلى الحقول ، محكمة المياه الأهلية التي تعقد بجوار المسجد كل أسبوع لتوزيع المياه على أراضي الفلاحين بالعدل، وتحكم في خلافاتهم المائية، التقويم القرطبي الذي يحدد مواعيد زراعة كل محصول، الثيران العفية تحرث الأرض وتقلّبها استعدادًا للبذر ، قصور قرطبة، دورها ، حدائق القصور والدور، الحدائق العامة ، النرجس والياسمين والبنفسج.....) [15]

الكاتب وظّف ثقافته الجغرافية والتاريخية: فذكر مدنًا وممالك تاريخية ومواقع جغرافية:

" .... كان أمراء أوروبا الكبار مشغولين بالصراع على تاج مملكة لمبارديا،.... كان تخريبنا لمدينتي مريجوس وطولون نذيرًا لسكان بروفانس الذين استصرخوا هيوج كونت بروفانس ليعود من إيطاليا حيث ذهب طمعًا في تاج لمبارديا ".[16]

" كان الأوروبيون يطلقون اسم أحد آلهتهم الوثنية على مضيق سان برنارد (جبل جوبتر) ، وكان هذا المضيق الواقع بين أوست وبلاد فالي يجعلنا نسيطر على طريق الاتصال بين بورجون وإيطاليا، .... فاجتحنا بلاد نيس حيث أقام الكثيرون منا في حي المسلمين ، وسواحل جنوة ومدينة جرونبل ...." [17]

" اكتشفت أن السارازين[18] بشر مثلنا "[19] ..." اكتشفت أنهم بشر مثلنا، كل الحكايات المرعبة عنهم تلاشت من رأسي، أخبرني أبي أن الناس يخلطون بينهم وبين الهنغاريين"[20]

وظف الكاتب ثقافة تراثية تتعلق بالأزياء ووصفها:

" أضع حول عنقه الببطير الكتاني ... ليحفظ ثيابه من الطعام واللعاب "[21]

" ... لم يبخل عليّ بالثياب الأندلسية البديعة غالية الثمن من الديباج والسقلاطون والعتابى وغيرها، وأتحفني بأنواع عديدة من عطور الزهور ". [22]

" أعشق الملابس الجميلة، أرتديها مثلما علَّم زرياب أهل الأندلس أن يفعلوا، ثياب قصيرة، ضيقة الأكمام، في الربيع خفيفة بلا بطانة، وفي الخريف خفيفة ملونة ذات بطانة، وخفيفة بيضاء في الصيف، أما الشتاء فله الملابس الثقيلة الداكنة، والفراء إذا اشتدّ البرد، ومثل زرياب قصّرت شعري من الجانبين وأرسلته وراء أذني، وأكثرت من استخدام العطور المستخلصة من الأزهار".[23]

وكذلك استخدم ثقافة تراثية خاصة بطهو الطعام ومستلزمات المائدة في ذلك العصر والمكان:

".... علمني كيف أطبخ " النقايا" بماء الكزبرة الرطبة المحلاة بالسنبوسق والكباب، وتقلية زرياب التي يطبخ فيها الدجاج والأرانب في ماء كثير الأفاوية والطيب،.. كان الأطفال يعشقون ما أقدمه لهم من حلوى زريابيا اللذيذة،.. نبدأ بالحساء، ثم باللحوم والطيور، ثم الفاكهة والحلوى من الفطائر المصنوعة بالجوز واللوز والعسل ، والعجائن المحشوة بالبندق والفستق، والمعقودة بالفواكه، حتى الماء كان البلوطي يجعلنا نقدمه في أكواب زجاجية شفافة، ولم ينسى غطاء المائدة الذي كان من الجلد الرقيق بدلًا من القطن أو الكتان حتى يسهل تنظيفه ويطول عمره" . [24]

استخدم معلومات من علم العقاقير النباتية، وطرق العلاج و التداوي بالنباتات:

" .... غابات الدردار ... لحاؤها الرمادي المائل للاخضرار، أزهارها التي تظهر في الربيع قبل الأوراق على رؤوس العروق كالعناقيد، الأوراق الريشية البيضاوية والشريطية مسننة الأطراف، الثمار الجناحية التي تتدلى من العروق خضراء اللون في البداية ثم بنية بعد ذلك"

" قليل من أزهارها المجففة في كوب صغير من الماء المغلي يمنحني محلولًا له مفعول السحر، عالجت به حالات الأمعاء غير المنتظمة لطرد الطفيليات منها، وخففت به حرارة بعض المرضى، وعالجت التهابات الكلى والمسالك البولية، خففت آلام الروماتيزم للعجائز، وآلام النقرس، وعالجت بأوراق شجرة الدردار الجراح المليئة بالصديد..." [25]

".... كنت أشعر أنني كتلة من نار، ... تناول هشام بن عبد المعين بصلة كبيرة بيضاء مقشرة،.... يقطع البصلة إلى حلقات، يضع حلقات البصل أسفل قدمي، يأخذ من مجاهد قطعة من القماش الأبيض يلف بها البصل حول قدمي بإحكام، ويطلب مني أن أنام..."[26]

البنية اللغوية: من مفردات ونظم وسياق، محققة للوقع السحري الذي تتميز به الجملة العربية الفعلية: فعل فاعل.

البنية الإيحائية الذرائعية:

العلاقة بين الدلالة والمدلولات، المعاني القاموسية والإيحائية الذرائعية المراوغة، والتي توقف الذرائعية مراوغتها عند حدود المفهوم: نأخذ مثالًا:

أم هي اللغة مرة أخرى تراوغ الذاكرة وتكتب نفسها لتبني ذاكرة أخرى تستمد من الكلمات قوتها وليس من تراب ودم الحياة؟

لقد جعل الكاتب (اللغة) أو ظاهرة تبحث عن معناها، قرنها بمدلولات عديدة أو صفات كل واحدة منها تصلح أن تكون معنى لها (مراوغة – ذاكرة – مكتوبة – كاتبة –كلمات – قوية – ليست ترابًا أو دمًا – حيّة) مرادفات كثيرة منها القاموسية ومنها الإيحائية، كل مفردة تستدعي الكثير من المعاني، توقفها الذرائعية عند حدود المفهوم الذي تتقاطع فيه كل تلك المعاني، وهو هنا (تدوين التاريخ).

البنية الجمالية:

هناك الكثير من الصور البلاغية، من استعارات وتشابيه، والصور الجمالية علم الجمال:

- كان زرياب يعلّمني كيف أسكب روحي عليه (العود) .

- علّمني كيف أفهم صوتي، وكيف أحب العود، وكيف أصنع من الفهم والحب ألحانًا تحمل سامعها إلى جنات النعيم .

- أشعر بهزة، كأن الكون ينتفض، وأمواج البحر التي كانت غافية تستيقظ فجأة مضطربة، النغمات تصدر عن العود مترددة ، حائرة، حادة .

- فراغ حاد بأنياب وحشية ينخر روحي.

- يبدو أن من يحصلون على اللذّات على سطحها هم السعداء حقًّا، يرون لمعة البرق على السطح الرقراق، ولا يشعرون بما تحت السطح من حجارة مدماة وحصى وحشى.

- لقد نزلت بروحي إلى ما تحت سطح اللذات بكثير، غصت في أعماق بعيدة، فتحطمت سفينتي على أسنان الصخور الوحشية.

- حتى جسدي ما زال يطلب شهوته، بل يطلبها بعنف وإلحاح أقوى، كطفل متمرد يعلم أنه سيحرم من الحلوى فيأكل منها أكثر من طاقته.

- كانت الدموع تقطر من بين أصابع عيسى بن أحمد فيرتعش العود الذي يضمه بحنو إلى صدره، طعم ملح الدموع على لساني.

- عقلي مغلق دون اللحظة، كأعمى لا يستطيع أن يرى أبعد من مشاعره الحالية.

- لم أصدق أنه يمكن أن تطلع شمس الصباح، لكنها طلعت، ولسعتني، فأيقظتني، أم أيقظني الجوع والعرق الذي يشبه دبابيس تنغز في جسدي.

- هزّتنا جميعًا تلك النغمات، كيف استطاع عيسى بن أحمد أن يصنع لنا أجنحة، وأن يلون أمواج البحر بعشرات الألوان الزاهية.

- من عينيه وملامح وجهه الغليظة يطل شبق ناري اللون، كيف عرفت لون الشبق في عينيه؟

- أم هي اللغة مرة أخرى تراوغ الذاكرة وتكتب نفسها لتبني ذاكرة أخرى تستمد من الكلمات قوتها وليس من تراب ودم الحياة؟

- الشمس تبدو من خلف السحاب كعجوز تحتضر

- ضباب خفيف بعيد يقبل نحونا من كل جانب كأشباح تتشكل بعشرات الأشكال ، كلها ناقصة ، وكلها مخيفة

- يتكاثف الضباب في اقترابه منا، لونه أبيض يحترق في الريح والموج، يصبح حائطًا من الرماد الصلب، ثم يسود، لا يرى أحدنا كف يده.

- نظرت إلى بقايانا التي تلعب بها رؤوس الأمواج، وبقايانا المتجمدة خوفًا في أجساد هشة.

- الجدول الصغير الذي يمر ببلدتنا يموت، إذ يسكب روحه في البحيرة البعيدة، كل شيء في الطبيعة يموت، لكن الإنسان فقط هو الذي يُقتل.

- لم يكن الحب هو ما يملأ حياة البلدة، كان النظام الصارم، الأدوار المرسومة لكل شخص منذ الأزل، من قبل ميلاده حتى بعد موته.

- علمت أنني أطعن بسيفي صفحة الماء طوال الوقت، لن ينكسر السيف، ولن تنزف المياه.

- كان نهر الحياة يتدفق من روح روجينا فيغرقني نشوة أهب لها فيها كل ما يمكنني من محبة

- أنا لم أعش من قبل ولا من بعد مثل هذه الدقائق التي امتدت بعرض العمر وعمقه.

- نجوم متباعدة في سماء حالكة، نجوم متدثرة بوحدتها، وبحر تتباعد أمواجه كل منها عن الأخرى و تهرب منها، فتضيع في الرمال، أمي بعينيها العسليتين تطلق سهام لوم مؤلمة على قلبي

- كان وجه أمي يزداد غضبًا، وكان عسل عينيها يتحول إلى حبال تندفع إلى السماء ، تلتف حول نجومها، وتسقطها واحدة بعد الأخرى عمق البحر، ثم تتحول الحبال إلى سياط تجلدنا بها أمي نصرخ ، نصرخ،

- نفكر في اختيار مصير النجوم لعلنا نرتاح هناك تحت الأمواج الثائرة، لكن السياط تحملنا، وتقذف بكل منا في حجرته، فوق سريره، وإذا كل منا يرى الآخر عبر الجدران ممددًا على السرير، فاتحًا عينيه ذهولًا، وحوله إخوته وأمه يرتلون القرآن.

- ذهبت أبحث عن أرض وجذور فلم أجد سوى سراب مزروع في رياح عاتية.

ثالثًا – المستوى المتحرك:

أتناول في هذا المستوى المضامين المتحركة والمؤجلة، عبر دراسة البنائين الفني والجمالي، وأبدأ ب

البناء الفني:

العنوان: أول لبنة في البناء الفني (موجيتوس)

متخذًا من أول حرف بهذا العنوان مسمارًا، علّق الكاتب خيط التشويق، ومضى يسحبه على امتداد المتن السردي حتى أحكم ربطه على مسمار آخر حرف في النهاية، وسؤال لم يطل بعد الاستهلال مباشرة:

هل هو مجاهد أم موجيتوس؟ كان قد نسي هذا السؤال منذ سنوات، فهل نسيه حقًّا؟ [27]

مجاهد وموجيتوس اسمان للشخصية البطلة، وكانت أول القضايا التي طرحها، هي لماذا تحوّل من مجاهد إلى موجيتوس؟ مجاهد هو ذلك الفتى والشاب العربي القرطبي المسلم، والذي أصبح موجيتوس حينما وهب المنتصر المسيحي (بوبون) مجاهدَ لماريا على أن يتحوّل إلى المسيحية ليستحق أن يستمر زوجًا لها، فأصبح موجيتوس!

لكن لماذا موجيتوس وليس مجاهد؟ موجيتوس: دلالة إيحائية وذرائعية تحيل إلى الواقع المهزوم الذي يرزح تحته العالم الإسلامي الحالي المتّهم بالإرهاب، ولاسيما في قضية الجهاد، حيث أصبح الجهاد مكافئًا للإرهاب، بيد من أساؤوا فهم جوهر الجهاد، وانتظموا في خلايا إرهابية، تحوّل مجاهد إلى (موجيت) ولحقت به اللاحقة الرومانية (وس) والتي نلحظها في العديد من الأسماء الرومانية، مثل (يوليوس- أنطونيوس.... ألخ)، سنجد أن العنوان هو إفراغ للمعنى الحقيقي للجهاد الإسلامي والعربي. هو حالة من الخذلان والإذلال الذي وصل إليه حال العرب والمسلمين، صاروا تابعين بعد أن كانوا ملوكًا متبوعين، ومازال الحال على ما وصل إليه، لذلك هو (موجيتوس).

الاستهلال:

جمل فعلية حسّية ومشهدية متلاحقة، محفزة لتساؤلات تحبُك الحبكة الأولى في بناء الحدث السردي، وهو التشويق:

"شعر بالفزع عندما اكتشف مرور أكثر من دقيقتين على استيقاظه وهو ما يزال جالسًا في سريره ولم يصلّب، ولم يشكر العذراء على نعمة يوم جديد يحياه".[28]

الزمكانية:

العنصر الثاني في بناء الحدث السردي، وهو العنصر الذي اكتسبت منه الرواية ثيمتها التاريخية.

زمن الأحداث: فترة حكم عبد الرحمن الناصر أمير قرطبة حوالي القرن العاشر الميلادي (316 ه- 929 م) وعلى مدى 100 عام، المكان: تنوّع المكان بين سفينة تحمل عشرين شخصًا قرروا غزو جزيرة صقلية، وبين مدن أندلسية (قرطبة) وأوروبية عديدة شملت جنوب فرنسا وجنوب إيطاليا وصولًا إلى سويسرا. وبين ضيَع عديدة و قلاع وحصون حمل معظمها اسم (حصن فراكينسستوم) نسبة لغابات الدردار.

الموضوع:

هي حكاية التوق الإنساني(على اختلاف معتقداته الدينية، مسلم أو مسيحي) للانفلات من قيد الخوف باتجاه المغامرة، ومن قيد العرف باتجاه الطموح والرغبة، في رحلة جهادية لمعرفة النفس أولًا، والغنيمة من الثروات ثانيًّا، مع الحرص على البقاء تحت خيمة محبة الرب، وعدم القفز بدون مظلة رضى الله، بحث عن يوتوبيا الروح، واستنهاضٌ لبطولة الذات الإنسانية، وهذه هي الفكرة المدهشة التي ساقها الكاتب، لأننا اعتدنا البحث عن البطولات خارج ذواتنا، وخارج زماننا، وخارج مكاننا، نبحث عنها في أنموذجات لم نعايشها، قبلناها كما قدّموها لنا أو كما قدّمت نفسها لنا، دون أن نتحقّق من حقيقتها، وهل هي حقًا رمز بطولي يوتوبي يستحق التمجيد، يقول الأديب منير عتيبة بفقرة سردية على الغلاف الخلفي للرواية:

" لقد كانت (الفكرة) نفسها مفاجئة ومدهشة، لكنها متّسقة مع روح العصر المشبعة بحب الغزو وفتح عوالم جديدة، هي روح لم تقتصر على المسلمين، بل شملت كل من يعيشون في هذا العصر، الكل يريد المغامرة والاقتحام والانتصار والفوز بالغنائم، ولا يريدون مع هذا أن يفقدوا محبة الله، فيسعون في كل هذا باسم الله أو الرب، باسم القرآن أو الإنجيل" . لقد كان الكاتب حذقًا جدًّا في إيصال هّذه الفكرة المدهشة، من غير أن يتكلّف، من دون أن يزوّقها بمبرّرات مفتعلة أو مقحمة، بل انسالت كالماء السلسبيل فوق صخرة الوعي، وأظنه صقل ما نتأ منها.

الحبكة:

أنقل بعضها كملخّص أورده الكاتب على الغلاف الخلفي:

يقرر عشرون رجلًا من أهل الأندلس بناء سفينة وغزو صقلية غزوة سريعة باسم الإسلام، ليعودوا بعدها محملين باغنائم والفخر ورضا الرحمن. لكن السفينة تجنح بهم تحت ضربات عاصفة مهلكة وتلقي بهم على شواطئ فرنسا، حيث يجدون أنفسهم في مكان لا يعرفونه، أمام أطلال قلعة رومانية قديمة تشرف على البحر وتتحكم في الطريق الرئسسية بين الجبال، ومن هذا المكان يمدّون نفوذهم لمائة عام على جنوب فرنسا وجنوب إيطاليا حتى يصل إلى سويسرا.

جوهر الموضوع ليس في الأحداث، فالأحداث مكرورة بتعاقب الحياة، وإنما في أثرها على أرواحهم الحائرة، وأحلامهم المتباينة، ومصائرهم التي كان فيه الموت رابحًا بالمحصلة عندما قبض على العدد الأكبر منهم، ولم تنتصر الحياة إلا بواحد منهم، مسلم مع زوجته المسيحية، هما من روَيا حصاد مئة عام من الانتصارات والهزائم والخيانة والحب والحرب، والشهوات واللذات، والعذابات الروحية والجسدية، ووضعا معًا نهاية مفتوحة عبر الزمان، لأحداث تتكرّر على مسرح الحياة الكبير ، الحدث الحاضر فيها هو الهزيمة الكبرى، التي تعقب الانتصارات الصغيرة.

العقدة: تضافر جهود الفرنجة تحت قيادة(جيوم) بجيوش عظيمة مصمّمة على القضاء على أي وجود للغزاة الأندلسيين المسلمين في أوروبا، وحصار الحصن الأول، وذبح كل من فيه من المسلمين والهنغار ، واقتياد الأسرى كرقيق وعبيد عند الأمراء والكنيسة، لم يبقَ من ال20 رجلًا إلا مجاهد، ورقبته تحت سيف بوبون.

الانفراج: تستوهب ماريا رقبة زوجها مجاهد من المسيحي بوبون، ذكّرته بنفسها، الطفلة التي أنقذها في الغابة وتركها في الدير، تستوهب منه رقبة مجاهد، تستحضر نفس المشهد من الماضي، حين استوهبها مجاهد من أمير البحار يوسف وأنقذها من نظراته الشرسة وهو يهمّ باغتصابها كجارية، " هو لي!" ، يهب بوبون مجاهدَ لماريا شرط أن يصبح مسيحيًّا ليستحق أن يستمر زوجًا لها، فأصبح موجيتوس.

النهاية:

اعتمد الكاتب في إنجازها على تقنية التدوير السردية، وهي العودة إلى مشهدية الاستهلال، لنكتشف أن الأحداث المسرودة على امتداد زمني يعادل حوالي المئة عام لم يستغرق ألا ساعات قليلة هي زمن قراءة الرواية، فما زال موجيتوس في الغرفة أمام الصندوق الذي وضع فيه الأوراق، ومازالت عيناه تنظران عبر النافذة إلى النخلة التي تقتلها العاصفة الثلجية، وما زالت ماريا نائمة في السرير.

".... دخل إلى سريره، نظر إلى زوجته، فتحت عينيها، ابتسمت له، بادلها الابتسام، أغمضا أعينهما بهدوء، بينما ملامحهما المجعدة تحكي عن سنوات ملتهبة ضلّت فيها الروح كثيرًا إلى سكينتها المفقودة"[29]

نهاية مفتوحة لأن الأرض لم تُطوى بعد طيّ السحاب، مازال الحال على ما هو عليه، ومازال في الحياة شقاء واغتراب.

الشخصيات:

نؤكد أولًا أن شخصيات الرواية هي شخصيات متخيّلة، حاول الكاتب أن يجعلها تقترن بشخصيات تاريخية معروفة، ليوهمنا بواقعيتها، ف(حسان الغافقي) جدّه (عبد الرحمن الغافقي)، (عيسى بن أحمد) أستاذه الذي علّمه الفن والموسيقى هو (زرياب)، وعبد الرحمن صديق الخليفة (عبد الرحمن الناصر)، الطماشكة الزناتي حفيد الكاهنة البربرية وجدّه الفاتح المشهور (طارق بن زياد)، صفيّ وعليّ منذوران للشهادة كالحسن والحسين، ابني الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

لم نجد في الرواية شخصية بطلة بالمطلق، كما لم نجد شخصيات معارضة، فكل الشخصيات متّفقة على هدف أولي معلن (غزو صقلية)، لمّا لم يتحقّق الغزو للمكان المقصود، اتفقوا على فكرة الغزو لكل الأماكن المتاحة، حتى أنهم في البداية لم يؤمِّروا عليهم أميرًا، بل جاء الأمر وكأن القدر يوزّع الأدوار على الرجال العشرين، ليكون (الطماشكة الزناتي) أمير الحصن الأول، وليحوز حسان الغافقي أمارة الحصن الثاني، حسمًا لخلاف كان من الممكن أن يتطوّر إلى صراع حقيقي، وهكذا، ومع توسع الغزو، بنوا المزيد من الحصون، استقلّ فيها من أراد من الرجال، وتولَّوا إمارتها بالاتفاق، ولكنهم بقَوا يدينون بالولاء للحصن الأول. الصراع الحقيقي كان بينهم وبين من ناوءهم وناوؤوهم من الفرنجة. كما أن الكاتب باعتماده الطريقة التمثيلية في عرض الشخصيات، جعل كل شخصية منها شخصية بطلة وهي تروي قصتها بصوتها.

تتشابه كل الشخصيات بماضيها المأزوم الذي يدفعها للخروج من بلدها، بعضها مأزوم بأسباب عاطفية، والآخر ى بسبب اضطهاد عرقي أو ديني، منهم من أخرجه الانتقام ومنهم من أخرجه حب المغامرة وشهوة السلطة والثروة، والغريب أن كل تلك الشخصيات اتفقت على الخروج تحت شعار معلن هو (الجهاد والدعوة إلى الإسلام) وجميعهم يدرك أنه لم يكن الهدف الأسمى، وإنما كان الستار الذي أشبعوا من ورائه ذواتهم المتعطشة للسلطة والإمارة والسبي والثروة، يقودهم (الطماشكة الزناتي) وهو بربري استغل رغباتهم الدفينة ليحقّق مجد قومه الذين كان يقينه بأنهم كانوا أحق من العرب في حكم الأندلس:

"... كان القائد العظيم مجرد بائع أقمشة في سوق قرطبة،.... كيف لك أيها الوحيد الفقير أن تحلم بأن تكون أميرًا؟ لكن صوت التحدّي لا يتوقّف، فعبد الرحمن الداخل لم يكن سوى شاب وحيد مطارد من العباسيين في الشرق، جاء إلى الأندلس ... وعاش في الأندلس أهوالًا أكبر ، ولكنه بنى لأبنائه وأحفاده ملكًا، وأنا حفيد الكاهنة وأحد فاتحي الأندلس جدير بأن أحقق لنفسي مجدًا عظيمًا...."[30]

بذرة شديدة الدهاء، لابدّ أن تدرس الدواخل النفسية والفكرية لشخصيات الخليّة التي تريد تكوينها لبلوغ الهدف:

" مددت حبل الصداقة بيني وبين يوسف، عرفت منه كل ما يعلمه عن أوروبا وشواطئها وناسها، أشعلت فيه نار حلم كل بحار بأن يصبح أميرًا للبحار، ونفخت فيها باستمرار، ثم أعلمته بما أفكر فيه....، لم أكن أختار الرجال الذين سأقودهم إلى تحقيق حلمي عشوائيًّا، ... لم أختر سوى هؤلاء، أردتهم من كل فئات الناس في الأندلس، لأنني سأكون ملكًا على الأندلس الجديدة"[31]

الشخصية الغريمة الوحيدة التي يمكن أن يصطدم بها الطماشكة هي (حسان الغافقي)، العربي الذي يريد أن يصلح خطأ جدّه، وكان عقبة أمكنه التخلّص منها بسهولة، أيضًا عن طريق دراسة الانفعال النفسي والسلوك:

" أتخلّص من حسان الغافقي الأهوج سريع الغضب بسهولة، لكنني أحافظ على علاقة ودّ بيني وبينه، فنحن في النهاية أخوة ضدّ أعدائنا المشتركين، أوافق على أن يكون بعض رجالنا قادة لحصون أخرى شرط أن يكون ولاؤها لي، لم أرفض أن يتزوّج رجالنا من النساء المحليات، كما لم أرفض أن يعيشوا في القرى ليكونوا من أهلها، فلن نبقى إلى الأبد في الحصون فقط"[32]

مجاهد - موجيتوس:

ولكنني أميل إلى اعتبار مجاهد أو موجيتوس شخصية بطلة تستحق لقب (الشخصية اليوتوبيا) في الرواية لأسباب عدّة:

ليس عبثًا أن يبدأ الأديب منير عتيبة روايته بشخصية (مجاهد)، وينهيها بشخصية (موجيتوس)، ومعروف أن الشخصية البطلة هي التي تبقى عندما تتلاشى الأحداث وتنحسر الشخصيات في مثلث الانفراج في التشابك السردي، لتضع النهاية، فهي شخصية بطلة، وقد يخالفني البعض الرأي، وعذرهم في ذلك أنها شخصية ضعيفة التأثير في سير الأحداث، بمعنى آخر أنها (شخصية متنحية)، لكن بنظرة متبصّرة نجد أنها شخصية مرنة، تتقبّل أفكار الغير دون أن تمارس سطوة المنتصر، فلم يجبر كريستينا التي اختارها بقلبه المحب الرحيم على اعتناق الإسلام حينما تزوّجها، بل احترمها كما هي، واحترم عقيدتها، لكنه لم يقبل بفعل أبيه عندما اغتصب (عجب) الجارية الطفلة التي أهداها له، بينما أرغمه المنتصر الآخر(بوبون)، تحت ذلّ الهزيمة، على التحوّل عن الإسلام واعتناق المسيحية، وصادر اسمه من (مجاهد) إلى (موجيتوس)، شخصية رومانسية متوازنة قبلت أن تكون صلة الوصل بين الشرق والغرب عن طيب خاطر، ومهما اعتنقت من أديان، ليس لها حلم سوى إرضاء الله والطمع بجنته، شخصية تمتلك القوة والجلد على تحمّل صعاب المغامرة التي هي بالحقيقة انتصار صغير لا يكافئ آلامًا كبيرة، انتصار يمكن الاستغناء عنه إن كان الألم ممكن الاحتمال، لكنه أمام مسؤولياته اتجاه عائلته يتابع خوض المغامرة بكل قساوتها، منتظرًا دوره بالموت، مصيره المحتوم، في رسالة مرسلة من خلف الصقلبي لمجاهد يقول له فيها:

" .... كانت قصتك صغيرة وألمها يمكن احتماله ومع الزمن يُنسى، فما الذي ألقى بك وسط قصصنا المربكة؟ ألم تزل لديك فرصة لكي تعود؟ إن كانت فانتهزها (ولمن أترك ماريا وابنها العجوز ، وماريا لن تترك هذه البلاد يا خلف؟)..."[33]

شخصية تعشق الزراعة، أي تعشق الحياة والسلام، وتزرع الحب والطيبة في كل تربة تطؤها القدم، وشخصية حملت على عاتقها مهمة كتابة تلك المغامرة، وتتبّع حياة ومسير كل شخوصها باتجاه الموت، فقبعت تراقب سلوكياتهم، وتتلقّف أخبار من غاب منهم مغادرًا الحصن، وتلك رسالة خفية وصادمة يوجّهها منير عتيبة، مفادها: يمكن للتارخ أن يكتبه المهزوم، خلافًا للمقولة السائدة (إن التاريخ يكتبه المنتصر)، والمهزوم يكتبه بصدق، وكونه محكوم بالندم، يقوم بتحليل واقعة الهزيمة، وتجذير أسبابها بدءًا من البذور، ثم الوقوف على نتائجها وقطوفها. و(مجاهد- موجيتوس) مزارع خبير. وكاتب حر، توسّم فيه(عبد الرحمن) ذلك، وهو الشاعر الخبير الذي يدرك قدْر رسالة القلم، قال له: " إذا أردت أن تكتب حكايتنا فلا تخبر أحدًا حتى يحتفظ قلمك بحريته"[34]

(مجاهد- موجيتوس) هو رمز للإنسان العربي الطيب والصالح الذي غُرّر به منذ صغره، فقد المثل الأعلى، ليلتحق بمغامرات ومؤامرات الكبار دون أن يكون له فيها لا ناقة ولا جمل، فقضى عمره مهزومًا، لا هو مات، ولا هو انتصر ، حتى عندما تزوّج من إفرنجية أنجب طفلًا مشوّهًا محكومًا بالموت المبكر ،كالشعوب العربية المهزومة في حاضرها، بعد أن سادت وملكت في ماضيها، لا تملك من حاضرها الآن سوى بضع وريقات كتبت عليها تاريخها، الكثير من الحروب والانتصارات الصغيرة وبعض الأمجاد الغابرة، والكثير من المؤامرات والخيانات التي قضت على الحاضر وضمنت التهام المستقبل، شعوب عندما انفتحت على الغرب واقترنت به بسماحتها أنجبت منه عالَم مشوّه الشكل، سريع الفهم وسليم العقل، لكنه محكوم بالموت فتيًّا، لتبقى الشعوب العربية مهزومة أرقة، والأجنبية ترفل بالنوم وابتسامات الرضى...

لأجل كل ما تقدّم أعتبر (موجيتوس) الشخصية الرمز الرئيسية البطلة فنيّا ودلاليًّا، تليه كريستينا التي تمثّل أوروبا العصور الوسطى المظلمة والفقيرة، المسيحية المغتصبة من قبل السادة من الإقطاع ورجال الكنيسة، التي يتاجر بها اليهود وقطاع الطرق من كل الأجناس، والموهومة بالأساطير والخرافات، لا تنام إلا لترى في أحلامها (الأخ مارك والأم العذراء).

الشخصيات الأخرى منساقة باتجاه أمانيها التي تتراوح بين شهوة السلطة والجاه، وبين البحث عن اليقين وسكينة الروح الحائرة، شخصيات من منابت عدّة، كلها مأزومة بماضيها وأصولها الحائرة بين الشرق والغرب، من العرب والفرنجة والصقالبة والبربر والمولّدين، تحقق (انتقامها) تحت مسمى(أحلامها) بغزوات في بلاد الفرنجة باسم الله وتحت شعار محبّته ورضاه، بعضها يرسم بعدًا موضوعيًّا عن أسباب هزيمة العرب في تلك الحقبة التاريخية، يتجلّى بالتراخي في حسم المعارك لصالح العرب، تتّخذ هذا البعد ركيزة أساسية في كل الغزوات والفتوحات التي قامت بها، فلم يكن عبد الرحمن الغافقي القائد العربي حاسمًا في معركته، لذلك لم ينتصر كما يجب، أخفق كقائد كما أخفق كفارس، ما جعل حفيده (حسان الغافقي ) يحمّل نفسه وزر جدّه. ويحاول أن يكون هو القائد، الأمير الفارس:

" لو كان عبد الرحمن الغافقي أكثر حسمًا لما اندحر المسلمون تحت ضربات شارل المطرقة ولتغيّر تاريخ العالم"[35]

هناك عنصران يكملان بناء الحدث السردي، من بعد التشويق أو الزمكانية، هما العاطفة والتعبير،

العاطفة: نجدها عند المرور عبر الشخصيات السردية التي عاشت تجربة الحب، بأشكاله ونهاياته المتباينة، هناك مثلًا:

مجاهد – عجب:

الفتى الذي عشق (عجب) الجارية التي اشتراها أبوه وأهداها له، ثم قام الأب باغتصابها أمام عينيه، لقد خبر الحب في بواكير اليفاعة ، حتى أنه حار في تفسير السبب الذي حرّك المشاعر في جسده:

" كانت عجب بالنسبة لي رفيقة سنوات التفتّح، الطفلة التي لهوتُ معها، ولعبنا في حديقة دارنا، مسحت دموعي بيدها، قبّلت وجهها احتضنتها تحت شجرة التين ، فتفتحت بجسدي مشاعر جديدة لم أعرف كنهها، لكن براكين شهوة الجسد لم تتفجّر إلا وأنا أراه عاريًا فوقها، فأراني أندفع بالخنجر لأقتله، فما الذي حرّكني حقًّا " [36]

عبد الرحمن بن سالم– صبح: الشاعر الذي لم يقل شعرًا إلّا بها، ولا يشتهي الولد إلا منها، وأرضها بور، لذلك يفرّ منها ملقيًا بنفسه في حرب إلى أخرى، العشق بينهما مقاس برائحة العنب، التي تفجّر فورة جسديهما للعشق:

".... فتتخلّل رائحة العنب الحلوة الحامضة مسامي، تصبح رائحتي الخاصة ورائحة صبح، هي الرائحة التي تعبر عن عشق كل منا للآخر، هي الرائحة التي يدعو جسد كل منا جسد الآخر بها، وهي مل يتبقى من رحيق العشق وفورة الجسد، إذ تسكر روحي بخمر الحب المتدفّق من عيني صبح "[37]

عبد الله البلوطي – أسماء: مسلم أسباني، يعشق أسماء بنت الفقيه إبراهيم العمري، يرفض الفقيه تزويجه منها لأنه من المولّدين، فيقررأن يحفظ عشرة آلاف حديث وموطأ الإمام مالك ليقبل الفقيه تزويجه ابنته.

خلف الصقلبي – روجينا

وأما الجنس:، فقد تناوله الكاتب بتصوير مشهدي، بتجرّد، بمعزل عن العاطفة، فقط كفعل غرائزي ليخدم الدور الذي أراده في حبكة العمل الروائي، وهو دور الجنس في السياسة والحكم، يسرد ابراهيم بن عامر ذلك من خلال علاقته بسارة:

" .... كنت اعتليها وتعتليني، وتجوب بي مسالك غير معبدة من اللذة التي لم أعرف أوضاعها من قبل، لم تكن بشرًا ، كانت قطعة من جحيم لا مفر من الركون إليها..... أصبحت بالتدريج تتدخّل في شؤون إدارتي للحصن...." [38]

أما التعبير: نجده في كل فصل سلّم فيه الكاتب السرد لشخصية من شخصيات الرواية، فنجد مثلًا كريستينا تذهب إلى أبعد مدى في التعبير عن ذاتها، شخصيتها، آرائها، معتقداتها:

" .... كنت أظن أن الدير هو بيت الرب والعذراء، فوجدته بيت الإنسان الذي لا يختلف كثيرًا عن الضيعة التي كنا نعيش فيها، الإنسان الذي يحقق كل رغباته الشريرة تحت المسميات النبيلة، رأيت كيف يمكن أن تتم السرقة باسم الرب، والاغتصاب باسم المحبة، والكذب باسم العذراء، الراهبة الأخت الكبرى لم تكن أقل قسوة من جدتي، ولم يكن الأخ فيكتور بأقل توحشًا من الشريف هرمان أو اللص الذي اختطفني، الأقسى أنني لم أجد العذراء نفسها في الدير.... كان السارازين، ومنهم مجاهد، حلقة أخرى من سلسلة الشر التي تطوّق حياتي وتكبّل روحي، استسلمت لها لأنني لا أستطيع أن أفعل شيئًا آخر ...."[39]

البناء الجمالي:

o السرد: على لسان الشخصية البطلة (مجاهد) كسارد عليم يقرأ من مذكرات، وعلى لسان الشخصيات المشاركة بضمير المتكلم .

طريقة عرض الأحداث السردية: فهي الطريقة الحديثة، حيث تبدأ من النهاية ثم الخطف خلفًا باتجاه البداية فالحبكة والعقدة والانفراج والنهاية ، وهذه الطريقة مستخدمة في الأفلام السينمائية، مترافقة بتقنيات سردية مثل المذكرات، والترجمة الذاتية، وتدفق تيار الوعي.

الأسلوب:

أدبي إنشائي، منزاح نحو اللغة الشاعرية الجمالية، أسلوب يتنوّع فيه إيقاع اللفظ، باختلاف لسان السارد، فتارة هو أندلسي، على ألسنة أهل السفينة، وتارة هو أوروبي، يذكرنا بالقصص الأوروبية المترجمة، على لسان كريستينا، كما يختلف باختلاف الدفقات الشعورية عند تلك الشخصيات، فنلمس بعض النفحات الصوفية، عند عيسى بن أحمد مثلًا:

" هذه هي المرة الثانية التي أشعر فيها أن نورًا ينقذف من أعلى عليّين إلى روحي فيضيء ما بين مشرقها ومغربها....كان جسدي فقط على الأرض معهم، ولكن روحي كانت ترى الآن ما لم تره من قبل، كان السوس يتجسد أمامي عملاقًا أسود اللون، يزحف على الأرض، يطير في الهواء، لكن حبلًا سريًّا يربطه بالبشر الذين خرج منهم، ويعود إليهم، ويتغذى على دمائهم وأهوائهم، حتى أنا رأيت سوسة تلتف حول جسدي كله، تعتصره ، وتمرح في روحي، تنهشها"[40]

تنوّع يستحق الإشادة به.

الحوارات:

الخارجية: قليلة نسبيًّا، وإن وجدت فهي عبارة عن جمل قصيرة، استفهامية أو طلبية.

الداخلية: طويلة، في جزء كبير منها تتولّى مهمة السرد، والتعبير عن دواخل الشخصية، اهتم الكاتب بها كثيرًا، أكثر من اهتمامه بالحوارات الخارجية. قد يكون السبب هو تعمّد الكاتب الإشارة إلى النيّات الكامنة التي ترفض الشخصيات الإفصاح عنها ديالوجيًّا، فأفصحت عنها منولوجيًّا، رغم أن الرواية بوليفونية بامتياز.

الغرائبية في رواية موجيتوس:

من يقرأ الرواية بدقة، سيسترعي انتباهه وجود العديد من الشخصيات الغرائبية، وهي شخصيات تستقي غرائبيتها من تمثّلها مع شخصيات تراثية، خرافية أو أسطورية، وأحداث ومشاهد عجائبية، مثل حادثة عيسى بن أحمد وعبد الرحمن بن سالم اللذان طارا من ضفة نهر إلى أخرى على قوس قزح، أثناء فرارهما من سجن روما:

" كنت أقود عبد الرحمن صعودًا على سلّم من ألوان قوس قزح، سلّم نصف دائري، وصلت إلى قمته، ثم بدأت أهبط حتى وصلنا إلى الضفة الأخرى للنهر، طلبت من عبد الرحمن أن يفتح عينيه، فتحهما، بذهول سألني:

- ماذا حدث ؟

- لا تسأل!

لم يسأل ، لكنه رفع يديه إلى الفرسان على الضفة الأخرى ليغيظهم ...." [41]

أيضًا حادثة اختفاء عيسى بن أحمد، التي تحيلنا إلى الواقعية السحرية عند ماركيز ، وصعود روح ريميدوس الجميلة إلى السماء، وجسدها الذي طار واختفى وهي تنشر الملاءات المغسولة، في مئة عام من العزلة:

" (كان باب حجرته مفتوحًا، لكنني لم أجده هناك، رأيت بقايا نور على حديد النافذة، ورأيت حشرة كبيرة ميتة ذات رائحة كريهة قاتلة، لم ير أحد غيري هذه الحشرة، ولم أفكر فيها بعد ذلك، فقط كنت أتذكر النور الملون على نافذة عيسى بن أحمد في لحظات الضيق فتشعر روحي باقتراب الفرج.......[42])

ثم يستأنف الكاتب ذات اللعبة،مستحضرًا قصّة شقّ صدر النبي محمد صلى الله عليه وسلّم من قِبل جبريل عليه السلام، وإخراج قلبه ونزع العلقة (حظ الشيطان منه) وغسله في طست من الذهب بماء زمزم، وتطهيره وإعادته إلى موضعه:

(.... كنا قد نسينا عيسى بن أحمد كما نسينا أشياء كثيرة على مر الزمن، في اللحظات الأخيرة للمعركة عندما كان رجال يموتون بالمئات بلا أمل، رأيته..... نزل من السماء على سلم من نور، كان بيده سيف قصير لامع، كان يفتح صدور الرجال،.... يفتح جميع الصدور بلا تفرقة بين رجالنا ورجال الفرنجة والرجال الهنغاريين، فتخرج من الصدر الذي يفتحه حشرة كبيرة متوحشة، يقطع رأسها بحدّة وبسرعة، ثم يبصق عليها فتحترق، حشرة تشبه التي رأيتها في حجرته منذ سنوات، يقتلها ويبكي صارخًا: آه لو كان قبل فوات الأوان[43])

التوأم صفي وعلي اللذان يريان ذات الحلم، في ذات الوقت، وحادثة تبادل روحيهما وحلولهما بجسديهما:

" كانت عيناي تحدّقان في ظهر عليّ وعقلي يفكر ما يفكر فيه، وروحي تخرج هي الأخرى من جسدي، كنت واقفًا على الأرض، فعاينت حركة روحينا في الهواء الشفيف، إذ تتبادل كل منهما جسد الآخر.... شعرت بسكينة لا نهائية وروح أخي تسكن جسدي، ودمعت عيناي مودعة روحي التي تفارقني لتسكن جسد عليّ"[44]

هناك شخصيات غرائبية مثل شخصية ابراهيم بن عامر وكيسه الذي يجمع فيه تراب دفنه، ليشهد له أمام الله على جهاده في سبيله:

"....أتضايق لأن كمّ التراب في جرابي لا يزيد، لكنه كاف لينثر على جسدي فيكون لي وقاءً من نار جهنم، إنه شاهدي أمام ربي على جهادي في سبيله."[45]

أمير البحار يوسف كأنه السندباد البحري، شخصيات كأنّها فرّت من حكايات الشرق التراثية،

خارج نطاق الشخصيات التي تنتمي لأهل السفينة، كان هناك شخصيات غرائبية تقترب من الشخصيات الخرافية الغربية،مثل شخصية جدّة كريستينا، تذكرنا بشخصية الساحرة العجوز الشريرة التي تطير على المقشّة، ويسوق لنا الكاتب أشكالًا وألوانًا من الخرافات التي تعشعش في عقلها المريض بالشك والكراهية، ومنها خرافة الفأر الذي اختبأ الشيطان في جسده ليتسلل إلى سفينة نوح الناجية:

" لولا الفأر لما كان في العالم مكان للشيطان بعد الطوفان الكبير"[46].

ثم تروي كريستينا حادثة المطاردة بين جدّتها والفأر الذي تواجد في حظيرة خنازير الجدة، كيف طاردته بعصاها، وهشّمت رأسه بها فانطلقت من فروه البراغيث التي لدغتها فماتت بمرض الطاعون، هنا يشير الكاتب إلى انتشار مرض الطاعون كوباء كبير اجتاح أوروبا في ذلك الوقت، الأجواء والحكايات الأسطورية التي تشبّعت بها كريستينا جعلتها تتهم جدّتها بنشر وباء الطاعون:

"... ربما تكون جدتي هي من نشرت الطاعون في الضيعة بسبب روح الكراهية التي تكمن بقلبها، أو أن الشيطان الذي أخرجته من الفأر سكن جسدها هي..."[47]

ابن ماريا أو ابن مجاهد، الذي لم يطلقا عليه اسمًا، ينادونه (ابن مجاهد أو ابن ماريا)، أو (ابن العذراء) الاسم الحقيقي للطفل المريض المشوّه الذي ولد بهيئة رجل عجوز، الذي أسمته ماريا وأخفته لاعتقادها أن العذراء ساعدتها في ولادتها بهذا الطفل، الطفل يذكرنا بفيلم (الحالة المحيرة لبنجامين بتن The Curious Case Of Benjamin Button) وهو فيلم بطولة براد بيت مأخوذ عن قصة قصيرة للأديب الأمريكي (فرانسيس سكوت كاي فيتز جيرالد) صدرت سنة 1921،

أيضًا (مارك) أخو كريستينا، تقدّمه لنا كريستينا بعد موته كشخصية أسطورية، تستطيع القيام بكل الأفعال الخارقة:

" كان مارك يقول لي أنه سعيد في عالمه الجديد، فهو يستطيع الآن أن يطير، وأن تسلق سحابة عابرة ، وأن يدخل إلى أي مكان ولو كان نفقًا شديد الظلمة أو غرفة أقوى النبلاء، أو أمواج هادرة في البحر الكبير، وكان يستطيع أن يسمع كل ما يفكر به أهل الضيعة كلهم، .... وهو يخبرني أنه يفتقد شعور الخوف الجميل الذي يحسّه وهو يقوم بأي من أفعاله الرعناء فيدفع الدماء في عروقه ساخنة ليكمل مغامرته...."[48]

رابعًا- المستوى النفسي:

1- المدخل السلوكي:

العديد من التساؤلات، تنوعت بين التساؤلات الوجودية الحائرة، عن القدرية والاختيار، بطريقة التقرير (لم أكن بالحقيقة مخيّرًا) ثم التشكيك (ظننت ذلك في البداية)وهل نحن مخيّرون أم مسيّرون، طريقة طرح التساؤلات على لسان بعض الشخصيات المشاركة هي بالحقيقة طرح من الكاتب على المتلقي لإشراكه في محاولة الإجابة عليها، وهي أيضًا حالة تقمّصية من الكاتب لكل شخصية من شخصياته بكل إرهاصاتها وانفعالاتها العقلية والنفسية الداخلية، وقد أعطى الكاتب الإجابات المباشرة أو السلوكية الإيحائية لبعض التساؤلات:

"... فيما بعد تيقّنت أنني كنت مساقًا إلى قدري، سيشغلني هذا الأمر كثيرًا فيما بعد، في كل ما حدث لي، لنا، للعشرين جميعًا، هل اخترنا أقدارنا أم سرنا إليها؟ لم أستطع الجزم أبدًا ..."[49]

وعن الرغبة والأمنيات، وعن اليقين والظن:

" .... خلعت ملابسي، القيت بنفسي في البحر، وكأنني سأخرج منه مخلوقًا جديدًا، كانت رغبة، أمنية، أم هو يقين بأن هذا سيحدث؟ لا يقين هناك لمثلي، تركت كل شيء لأجد اليقين، بدأت أرى ما لم أكن أظنّه موجودًا من قبل..." [50]

أسئلة فلسفية، عن العلاقة التاريخية بين اللغة والذاكرة، مَن بنى مَن؟ مَن الأصل ومن الفرع، تساؤلات متناسلة من استدراك، نجح الكاتب في تدريجها ضمن نظرية الاحتمالات والنفي، ليصل بنا إلى جواب بصيغة سؤال ينتظر الإجابة أيضًا:

(كيف عرفت لون الشبق في عينيه؟لقد كان يعطيني ظهره، لابد أن كريستينا هي التي أخبرتني فيما بعد، أم أنها غواية اللغة؟ .... أكانت ذاكرتي هي التي تكتب تلك الكلمات أم ذاكرة كريستينا؟ أم هي اللغة مرة أخرى تراوغ الذاكرة وتكتب نفسها لتبني ذاكرة أخرى تستمد من الكلمات قولها وليس من تراب ودم وحياة ؟)[51]

أيضًا تساؤل فلسفي عن ترتيب أحداث الحياة، التاريخ، هل ينبغي ترتيب أحداثه كما حدثت؟ وهذا تساؤل تشكيكي بصدق أحداث التاريخ، أيضًا باستخدام مبدأ الشك والنفي:

(.... من قال إنه يجب أن نرتب ما حدث كما حدث؟ من قال أنه حدث بالطريقة التي نظنه حدث بها؟ ..... سأرقم الصفحات، كيف فاتني هذا منذ البداية؟ كيف يمكن أن يُقرأ تاريخنا- هذا القدر من الحبر على هذا الكم من الورق- دون ترقيم؟ إنني أتوه فيه منذ الآن فكيف سأواصل، كيف يمكن أن يتتبعه أو يفهمه الآخرون؟)[52]

تساؤلات إنسانية اجتماعية طبقية وأحوال العالم الإنساني وتناقضاته، تساؤلات على لسان خلف الصقلبي:

" .... إن العبيد هم من يعاونون السيد المحارب، هم من يصنعون، وهم مع رقيق الأرض من يزرعون، فهل يمكن أن نتخيّل العالم بلا عبيد؟ هل يسمح لي الخلفاء والباطرة واللأمراء من جميع الأديان وممن ليس لهم دين أن أمحو كلمة عبد من عالمهم؟ كيف سيكونون سادة وأنصاف آلهة وآلهة إن لم يكن هناك عبيد؟ " [53]

تساؤل وجودي عن سر عدم اكتمال الإنسان، عن الحكمة من ذلك، تساؤل من العمق، لا يلفظه اللسان،ويبقى بلا جواب:

".....ألم يكن جديرًا أن يُخلق كائن أكثر نبلًا وأقل تعاسة ؟!"[54]

2- المدخل التقمّصي:

استطاع الكاتب كما قلنا سابقًا أن يتقمّص الأفعال المحفّزة والاستجابات السلوكية، ويوظّفها عند العديد من شخصيات العمل، كما استطاع أيضًا أن يتقمّص المواعظ التي خرجت كنتائج للتجارب الحياتية، فكان جواب الصقلبي هو جواب المنطق الذي يركن إليه توتّر السؤال، فالتقسيم الطبقي هو قدر الله في عباده، أن يكون عالمهم على طبقات، وتكون الحرية هدفهم السامي، إن شاؤوا أن يطلبوه:

"... إنك لن تغيِّر العالم، لكن أن تحرّر عبدًا واحدًا يكفيك، وأن تحرّر أكثر من عبد فهو المجد في الأرض والسماء،.... بعضهم أصبح عبدًا حتى النخاع، روحه عبدة؛ لا يفهم الحرية، ولا يستطيع أن يعيشها، فإن لم يستعبده أحد استعبد نفسه لأي إنسان...."[55]

في مفهوم الروح والسكينة، يربط بين الزهد والمدد الإلهي، بأسلوب صوفي، يقول عيسى بن أحمد:

".... ليالي طويلة أقضيها مع ربي ، أقرأ القرآن، وأصلي، وأبكي، وأدعو، وأبحث عن نغمتي المفقودة، فلا تعود الروح سوى بسكينة غير كاملة، أعلم أن سطحها هش لن يقاوم براكين قلقي العميقة. لكنني كنت أيضًا أعاين ما لا أستطيع أن أقصّه، فلو حكيته لانقطع مدده عني، كان شيخي يقول: إن رأيتم الرجل يفشي ما بينه وبين خفي الألطاف من أسرار ولطائف؛ فاتهموه!"[56]

هناك فقرة أكثر من رائعة وردت في الرواية، بين الوجودية والإيمان، حديث عن الحكمة وعن الأخلاق، بين عيسى بن أحمد الذي يمثّل تيارًا صوفيًّا، والذي يبحث عن الحكمة بالعزلة، وبين سعيد الإشبيلي الذي يبحث عن الأخلاق بمخالطة الناس والتعامل معهم:

- أنت تبحث عن الحكمة.

- وعما تبحث أنت؟

- عن الأخلاق.

- وهل وجدتها؟

- كان أحد شيوخي يقول إننا نجد الحكمة في العزلة، وستجد ما تبحث عنه يا عيسى، لأن العزلة في النهاية أمرها بيدك، تختارها، وترغم نفسك عليها، ثم تعتادها.

- وماذا كان شيخك يقول عن الأحلاق؟ كيف يمكن أن تجدها ؟

- في السوق بين الناس، وهذه هي معضلتي.

- وما المعضلة يا إشبيلي

- في معترك الحياة ينسى الناس الحكمة إلا ما يجعلهم يفوزون، وينسون الأخلاق إلا ما يكون في مصلحتهم، ولا سلطان لمثلي على هذه الفوضى الإنسانية

- ربما لربك حكمة في هذه الفوضى

- أكيد هو له حكمة، لأنه إذا لم تكن خلف كل هذا حكمة فلن يكون ثمة إله من الأصل، لكن المشكلة أن عقلي لا يستطيق أن يحيط بهذه الحكمة في سعيه لمعرفه كنه الأخلاق ، وكيفية التأثير فيها.

- ولماذا تريد أن تؤثّر في الأخلاق؟

- أنا يهمني التأثير لأنني أريد أن أغيّر العالم.

- أنا لو استطعت أن أغيّر نفسي لعددتني من السعداء

- هذا هو الخلاف الجوهري بين ما يطمح إليه كل منا، وهذا ما يجعلني أثق أنك ستصل بقدر ما أثق أنني لن أصل إلى شيء. [57]

3- المدخل العقلاني:

تناص الكاتب مع كل من كتب الروايات التاريخية المعاصرة التي تسقط الحاضر على الماضي، وتحاول قراءة الحاضر بالاعتماد على أسباب ومجريات الماضي، وتحاول استشراف المستقبل، آخذة بعين الاعتبار نتائج الوقائع التاريخية، أمثال أمين معلوف، ومعروف أرناؤوط، كما تناص تناصًا كبيرًا مع ماركيز جاريسيا في واقعيته السحرية، سيما في (مئة عام من العزلة)، ورواية منير عتيبة (موجيتوس) هي مئة عام من الغربة، اغتراب الروح التائهة عن السكينة والطمأنينة والاستقرار، في كل صراعاتها، انتصاراتها وهزائمها.

الخاتمة:

الحقيقة أن الرواية ثرية جدًّا مضمونًا وشكلًا، وإن كانت ثيمتها العامة تاريخية،إلا أنها شذية بعبق الرومانسية والروحانيات الشفيفة، رواية رغم أحداثها القاسية حيث يتربع الموت على ذروتها، إلا أنها رواية مادتها الإنسان الذي يمسرح قضاياه بكل نتائجها الخاسرة والرابحة على مسرح الحياة، ومازالت المسرحية مستمرة....

أعترف أنني لم أتناولها بالاستحقاق الذي هي جديرة به، وإن تمكّنت من تقديم إفادة في هذه الدراسة فالفضل لعلمية المنهج الذرائعي، والآلية التي مكنتني من ترتيب مستويات الدراسة، وإن التقصير مني والكمال لله.

كل التقدير والأمنيات الطيبة للأديب منير عتيبة بالمزيد من المنجزات الأدبية الإبداعية المبهرة.

 

بقلم الناقدة السورية:

د. عبير خالد يحيي – الإسكندرية

...........................

 

[1] - الملحمة في الإنسكلوبيديا الإنسانية – كذلك صلاح السروري، بعض قضايا الرواية ، الحوار المتمدن ، العدد 6310- 2019/8/4

[2] - جورج لوكاش – الرواية التاريخية - ترجمة د. صلاح جواد كاظم- وزارة الثقافة والإعلام- دار الشؤون الثقافية العامة – العراق بغداد – أعظمية – الطبعة الثانية 1986

[3] - الذرائعية بين المفهوم الفلسفي واللغوي – تأليف / عبد الرزاق عودة الغالبي – تطبيق /د. عبير خالد- الطبعة الأولى 1440 هجري- 2019 م – دار النابغة للنشر والتوزيع – طنطا – الصفحة 160

[4] -الرواية التاريخية بين التأسيس والصيرورة – سليمة بالنور – الجزائر- مجلة عود الند الثقافية الفصلية العدد:93 2014/03

[5] - غنيمي هلال: الرومانتيكية – دار العودة – بيروت – ط6- 1981- ص 213

[6] -غنيمي هلال – نفس المصدر السابق

[7] - حلمي القاعود: الرواية التاريخية ، الهيئة العامة لقصور الثقافة – القاهرة – مصر – 2004 - ص 320

[8] -فيصل دراج: الرواية وتأويل التاريخ – ص 84

[9] - موجيتوس – ص 253

[10] - موجيتوس – ص 51

[11] - موجيتوس – ص 27

[12] - موجيتوس صفحة 65-66

[13] - موجيتوس –ص 72

[14] - موجيتوس – ص 55

[15] - موجيتوس ص 57

[16] - موجيتوس – ص250

[17] - موجيتوس – ص 252

[18] - السارازين: مصطلح استخدمه الرومان للإشارة إلى سكان الصحراء في إقليم البتراء الروماني، ثم أصبح يطلق على العرب - ويكيبيديا

[19] - موجيتوس – ص 164

[20] - موجيتوس – ص 185

[21] - موجيتوس – ص 266

[22] - موجيتوس – ص 188

[23] - موجيتوس – ص 28

[24] - موجيتوس – ص 187- 188

[25] - موجيتوس – ص 227

[26] - موجيتوس- 114

[27] - موجيتوس – ص 5

[28] - موجيتوس – ص 5

[29] - موجيتوس- ص 269

[30] -موجيتوس – ص 247

[31] - موجيتوس- ص 248

[32] - موجيتوس – ص 249

[33] - موجيتوس – ص 88

[34] - موجيتوس – ص 8

[35] - موجيتوس- ص25

[36] 0 موجيتوس – ص 16

[37] - موجيتوس- ص 17

[38] - موجيتوس – ص 238- 239

[39] - موجيتوس – ص 263- 264

[40] - موجيتوس – ص 151

[41] - موجيتوس – ص 150 - 151

[42] - موجيتوس- ص 153

[43] - موجيتوس – ص 153

[44] - موجيتوس- ص 113

[45] - موجيتوس – ص 235

[46] - موجيتوس- ص 204

[47] - موجيتوس- ص 205

[48] - موجيتوس- ص 156

[49] - موجيتوس – ص 32

[50] - موجيتوس- ص 32

[51] - موجيتوس – ص58

[52] - موجيتوس- ص 59

[53] - موجيتوس – ص 94

[54] - موجيتوس- ص 197

[55] - موجيتوس- ص 95

[56] - موجيتوس – ص 147

[57] - موجيتوس- ص 196- 197

 

 

جوتيار تمرللروائية د. وفاء عبدالرزاق

تنفتح عوالم الرواية منذ الوهلة الاولى على مسارات متشعبة، تحاكي الواقع بكل صلاته، فمن العنوان (عشر صلوات للجسد)، نلامس تلك اللمحة التي تجمع بين ال "صلوات "، والجسد، ويفرض علينا العنوان الانتباه لامر مهم، لكونه لايقدم لنا صلوات الجسد، التي قد تخلتف في طقوسها ومضامينها عن الصلوات التي تقدم للجسد، وهنا المفارقة، فالرواية من خلال عنوانها بلاغياً تقدم لنا نقلة مغايرة عن السائد الذي يمكن للكاتب او المتلقي ان يتعايش معه ذهنياً، وعلى ذلك الاساس نجد الروائية  وفاء عبدالرزاق، في تميزها ومغايرتها للسائد تحاول بناء رؤية لاتعتمد على الظاهر الملتقط من اتون الواقع سواء التاريخي "ميتاتاريخ" او الميثولوجي المسيطر على ذهنية الواقع الملتقط منه الحدث الرئيسي والذي منه تتفرع الاحداث لتتحول من خلال السرد او الميتار سرد الى التقاطات شمولية عبر الدخول في بؤر سردية تربط احداها بالاخرى، او تكمل احداها الاخرى.

بُنيت الرواية على اسسس جمعت بين الميتاتاريخ والميثولوجيا، فقد تعمدت الروائية ان تتوغل في ذلك العمق التاريخي، لتمسك باولى خيوط للحِراك النسائي – المرأة – حيث تبرز ملامح " إنهيدوانا "  الكاهنة المنغمسة في غياهب الحب والتسامح، والتي بروحانيتها وارتباطها الوثيق بالالهة "إنانا" استطاعت تغرس اولى بذور الحب في الارض التي تسعى الروائية من خلال نصوصها دائماً على تنقيتها من براثين الصراع والتفكك والدم المراق بغير حق، وهي بذلك تحاول انتاج رؤية تلاحمية حلولية ترابطية بين الان وبين الماضي السحيق، حيث اللغة هي الحب، والوجود يتمثل بالتسامح، والانسان انسان، مهما كانت جنسيته، ثقافته، ديانته، فالجامع الاول والاخير بينهم هو الارض، والرواية هنا لاتحاول فقط خلق واقع جديد، انما تؤكد على جذور ذلك الواقع، وانه ليس على الانسان سوى احياء معالم ذلك الواقع، وتأتي تلك الايحاءات الرامزة على لسان بطلات الرواية التي يمثلن مشاكل وجودهن الحاضر بعين الكاهنة، فالمرأة بين عنفوان الجسد والشهوة من جهة، وبين وجودها ككائن فعلي تشاركي في الوجود نفسه اشكالية تصدرت الكثير من الدراسات والقصص والقصائد والنصوص النثرية والروائية، ولكن في رواية " عشر صلوات للجسد " اختلفت الرؤية، وحتى اسلوبية الطرح اختلف، فالروائية وفاء عبدالرزاق لم تقحم المرأة في صراعات العصر من خلال مفاهيم الاستغلال الجسدي والجنسي وغير ذلك، انما جعلت نساءها يتخذن من اسلوب حياتهن طرحاً مغايراً للفكرة، والرؤية، حيث نلامس في حركية السرد لديها دوائر نسوية تحفر في جدران الواقع من خلال سلوكياتهن بجدليات لاتقف عند حدود واحدة بل تعددية واضحة في الطروحات " العشق، الخيال، الاختناق، الانبعاث، الحكمة، والجسد، والارض...."، والعديد من المجالات الاخرى التي يمكننا ان نستنبطها من سلوك نساء وبطلات الرواية، اللاتي يخرجن من تعددية انتمائية ووفق نمط اجتماعي مغاير، بحيث تضعنا الروائية امام ثقافات ومجتمعات متباينة " الهند في شخصية هينار، ومهيرة من باكستان، وبربارة من المغرب،  وخضرة يهودية الديانة، ودلكش ذات الاصول الايرانية، وقبس وفتنة.. وغيرها"، حيث جمعت بين الثقافات الشرقية والغربية والديانات الشرقية والغربية، فضلاً عن اقحامها لشخصيات تاريخية ذات ابعاد دينية ايضاً كزبيدة العباسية، وجان دراك القديسة، والكثير من الشخصيات اللاتي ان تمعنا النظر اليها وجدنها تغطي غالبية جغرافية العالم المعاصر، ليس من حيث الحدود الجغرافية فحسب، انما من حيث الدوائر الانتمائية الاصغر الى الاكبر الى الاكبر، تلك الدوائر التي تمنحنا كمتلقين مساحة تخييل واسعة بحيث عند محاولتنا لجمع الصور ببعضها نجدنا نعيش عمق الاشكالية الاجتماعية للمرأة في جميع تلك الدوائر، فمن ترسبات الحياة القبلية الى تراكميات الاعراف الاجتماعية، ومن ثم مثاليات التشريعات الدينية المنوعة الرسالاتية والسماوية والارضية، مع كماليات الحياة المعاصرة، كل تلك الصور المتداخلة تتجمع على لسان بطلات ونساء الرواية، لتجعلنا نقف على مضامين منوعة وذات ابعاد فكرية ووجدانية عميقة جداً.

ما يلفت النظر في الرواية ايضاً تلك الابعاد التي عملت الروائية عليها، بالاخص فيما يتعلق بالشخصيات التي وجدنا ظلالهم تقتحم بعض الاسطر والتي تحمل مدلولات تاريخية واخرى سياسية، فالعمق التاريخي الذي نلاحظه من الموروثات السومرية القديمة والاكدية ايضاً من خلال احد ملوكها سرجون الاكدي، نجد له بعد اخر في شخصيات اخرى كالخيزران  زوجة الخليفة العباسي المهدي، في حين نستحضر شخصيات ثقافية وادبية كديستوفسكي وجلال الدين الرومي تضعنا الروائية امام بولا الكولومبية، وزبيدة العباسية، وغيرها من  الشخصيات التي حين نحتكم الى فعالية وجودها نؤمن بفعالية وجودهن في المقابل، وكل ذلك من خلال البناء السردي الموفق على لسان الراوية الاساسية في الرواية " أزاهير " التي غالباً ما نسمع صدى صوتها من خلال المرايا التي تستشهد الراوية بها للتعبير عن المحاورات الجوانية لبطلات الرواية ونسائها، فالاصوات المسموعة احيانا تتعدى كونها صدى لتمتمات البطلات امام تلك المرايا، فماوراء الجدران حيث يكتظ اولئك الذين استطاعوا من خلال سطوتهم كبت انفاس المرأة، هم انفسهم الذين لايتركون المرأة حتى في احلامها ان تعيش بامان، وذلك ما فرض نوع من التضاد في شخصية الرجل بنظر المرأة وذلك التضاد الازدواجية غير مقتصرة على ثقافة معينة، او دين معين، او قوم معين، انما هي شبه طاغية على اغلب الثقافات تلك، ودائما الضحية هي المرأة، وبذلك استطاعت الروائية وفاء عبدالرزاق ان تقدم لنا انموذج روائي ميتاتاريخي وفق اسلوب ميتاسردي مميز ومتمكن.

 

جوتيار تمر / اقليم كوردستان

28-3-2021