حيدر عبدالرضابنية أغوار الذات الواصفة وثيمة المفارقة الفنية الدالة

توطئة: يشكل فن القصة القصيرة جدا من الأنواع السردية المحيطة بعناصر ومكونات فن السرديات المختزلة،إذ يحدد هذا الفن السردي من أساس بنية ذروية مكثفة ذات زمن بؤروي مضغوط ومكانا أتفاقيا مشخصا في الحضور أو اللاحضور، في المعنى المضموني الأخير، فيما تلعب الدوال السردية في مبنى ومتن هذا النوع السردي، ذلك المجال المؤسس من جملة أواصر علاماتية للحكي، وهي العلامات الموصولة استنادا للعلائق التوصيلية الخاصة من الشد النصي ـ الذروي ـ نحو قصدية الدال المضمونية في خلاصته المنصوصة في الضربة الختامية من دلالة النص. فمن خلال أقاصيص مجموعة (بئر برهوت) للقاص والشاعر جابر محمد جابر تواجهنا ذات العناصر الخلفية من رؤية القص، إذ تدعمها جملة أسانيد علائقية خاصة من فضاء الحكي المحبوك من أواصر العملية النصية الحاذية والمصاحبة لرؤى وأصوات الفروقات الأداتية في مستوى خصوصية النص القصير جدا. فمن خلال أقاصيص المجموعة الواردة (نجمة / معطف الحقيقة / السهم الطائش / قصص فاضحة / عصافير الزمن) توافينا جملة تراكيب تتسع لذاتها ما بين صوت (شعرية الحكي) ومسافة الثيمة المتعلقة بموضوعة أستجابة رؤية القاص في موضوعة نصه: (تركت معطفها، يتوسد أياما، خشيت من تمرد الذاكرة.. ومشاكسات المطر، إلا أنها، كانت تصر مثل كل مرة، على مقارعة الوجع اللامرئي، هي غالبا ما تترك معطف الحقيقة في غرفتي وتغادر بلا ذنوب. / نص: معطف الحقيقة) أن من غايات العلاقة الدلالية هاهنا في النص، جاءتنا مجالا لكشف المعادلة اللامرئية في مشخصات دال (المعطف) وعلاقته بتفاصيل حياة متلونة في الظرف المكاني والنفساني المنصوص، فالسارد العليم وتغليبا منه على مجال المرئي من عوالم السيدة وحقيقة أهواءها اللامرئية، وجدنا دال (الذاكرة) ودال (المطر) هما بمثابة العنصران التطهريان اللذان من شأنهما كشف المستور والأخذ بالمنسي، لذا جاءت هذه الوحدات النصفية من ذروة الثيمة: (يوم أمس تركتها تداعب أحلامي، تستدرجها إلا أنها أخفقت في كشف كل أوراق اللعبة. / النص: معطف الحقيقة) تتحول فرصة الاستجابة من طرف صاحبة المعطف إلى وضعية ممارسة الغواية بملكات ضمير الأنا الذاتي، وصولا إلى (أكتفت بتلميحات إيروسية أنتزعتها من أحلام سقطت قبل سقوط المطر.) تدور مواصفات هذا المجال من النص داخل لغة سردية ذا تفاصيل موحية وملمحة، تأخذنا في مداها الأقصى نحو محيط نصي يكف على أن يمنح علاماته بالتوازن المقروء، فيما راح يصادر ملامح الزمن النصي عبر مرسلة فواصل القول الشعري ومنتهاهها المتخيل في تمثلاته الدائرة في ثيمة الرؤية. ففي قصة(نجمة) ثمة علاقة تفارقية ما بين الأنا الساردة وحقيقة أخفاقات العامل النصي في تدرجات مرحلة العشق، لذا نجده يتعامل مع الثيمة القصصية بروح المفارقة والدهشة: (و دون إرادة من وجعي أمسكت النجمة متلبسة بالجمال، شكرت القدر، ليس لأنه أنصفني لأول مرة فحسب.. بل لأنه كان عونا لي في تخطي محنة العشق. / نص: نجمة) يتوسل هذا المستوى من النص، بأسلوبية نادرة ومشوقة في تأطير وحدات النص، بما يعلق عليه في واقع الحال من صدفوية واتفاقية وخيبة في الآن نفسه، كذا الحال وجدناه في قصة(السهم الطائش) وقصة (قصص فاضحة) وقصة (عصافير الزمن).

ـ السارد العليم وأقنعة شعرية الصوغ السردي

أستأثرت أقاصيص مجموعة (بئر برهوت) بحالات محتملة من (السرد / الشعر) وعلى هذا الأساس جاءتنا جملة عناصر النصوص مخصوصة في العلاقة المستعارة والدلالات الكنائية المزاحة عن مقاصدها الحضورية توظيفا، وبهذا الأمر وجدنا قصة (لص) وقصة (صبي أسمه نوري) وقصة (خضير أبو الثلج) وقصة (السيفونة) ففي هذه النصوص لاحظنا تلاقح علاقة المفارقة الفنية المشبعة بالإيحاء والقناع المستور خلف مواضع الكشف البسيط عن مواطن الثيمات المتسمة بروح التشكيل الدال والمدلول، ويمكننا أن نستدل على نصوص مجموعة (بئر برهوت) على أنها ملفوظات مخصوصة في اختراق العلاقات اليومية والذاكراتية والحلمية من احياز مستودع الذاكرة الواقعية الخصبة. يمكننا من جهة غاية في الأهمية أيضا رصد أدوار وعوامل الذات الحلمية الساردة في قصة (أنا) وقصة (أنا وشبحي) وقصة (محاولة لسرقة امرأة) وقصص أخرى قصيرة جدا من مختارات المجموعة، ويتعزز تشعير الخطاب السردي في أقاصيص جابر محمد جابر من خلال كثافة الرؤية ومضاعفة التشبيه والاستعارة: (مسكينة تلك الحمامة، من أصاب جناحها وعطلها عن الطيران، من كسر قلبها لتصبح هكذا.. رجاء.. ؟!. / قصة: حمامة) بهذا التشكيل المضارع رأينا أغلب أقاصيص المجموعة، وكأنها معادلات نفسانية معادلة في حدود وظيفة الدال المركز المتمثل بمصير دلالات الأنسان في ظرفه وواقعه وحجم بطش الحكومات فيه،كذلك الحال نعاينه في قصة (الحقيقة) وقصة (نورسة زنجية) وقصة (الشك.. !) إذ من خلال موجهات هذه النصوص نعاين بوحي الحكي في أبعاد ثيماتية، من شأنها تشخيص النسق المضمن بوظائف معادلة، وبوعي جديد راحت تحاور الذاكرة وخراب الأمكنة وفساد الضمير، فيما يلعب متخيل النصوص الجمعي ضمن محفزات ملامسة لوظائف دلالية ثرية وشاهدة على فقدان كينونة الأشياء في حضرة المشروط الواقعي اليومي: (في مطعم الجحيم جاء النادل بلائحة الموت، رماها على طاولتي، وبعد أن تجاوزني مبتسما.. أحتج على بعد خطوات مني، ثم عاد يهمس لي أن أتبعه إلى أين..؟.. لا أدري !. / قصة:مطعم الجحيم) أن بواعث العلاقة الدلالية في هذا النص ـ أنموذجا أعلاه ـ يشكل مساحة مراوغة ضمنية بين أفق انتظار القارىء وصدمة المدلول المسرود الذي أخذ يباغت فعل التلقي نحو أقصى درجات توليد الصورة المضمونية. المفارقة، وهذا الأمر وجدناه غالبا في جميع أقاصيص المجموعة وكأنها أبعاد إيحائية بلغت معها الذات الساردة أجلى تمظهرات الظواهر المضاعفة في بنية أغوار الذات المتلفظة والمخصوصة بعاملية الإثارة والمفاجأة والدهشة الموصولة نحو مسافة الدلالة المفارقة في حصيلة الأدوات الفنية الدالة والمركزة.

 تعليق القراءة:

لعل فاعلية المنجز القصصي القصير جدا في نموذج مجموعة (بئر برهوت) ما يشف عن امتزاج صوتي ما بين السارد العليم والذات الموظفة في هواجس النصوص، لذا فأننا وجدنا وعي المحور الذواتي في زمن النص يتلازم وحدود بؤرة إيحاءات السارد النفسية والحسية والكلامية والحدثية الطافحة ألما، وهذا الأمر بدوره ما جعل جميع نصوص المجموعة ذات ترجيعات متشظية من مسار الأفق الصوري للقاص والسارد معا: (أنتهت الحفلة، تفرق الجمع ذهب كل إلى دمعته، حتى أبي ولج غرفته بأنكسار شديد، ترافقه سيكارته، نصب شراكا عديدة، وفخخ الهواء، عله يقتنص سعادة.. جدران غرفته تضيق تكاد تلتصق ببعض، رأيته بركن قصي داخل سقف ذاكرته ويبتسم ابتسامته الأخيرة. / قصة: آخر حلم) ولعل مثل هذا النوع من التداعيات الواصفة بالمفارقة الفنية المركزة، ما أخذت تنسحب على جميع مؤشرات أقاصيص (جابر محمد جابر) وكأنها عوالم في اللاشعور المفتوح نحو تفاصيل وتراكيب الصور المتشظية من الأبعاد الممكنة والمتواترة من بلاغة استقطاب وقائع الاحوال المحتملة ضمن تنويعات من ملامح وحقيقة الحلم الوصفي المعادل في استحالات الواقع واللاواقع والظاهر والخفي من رؤية هوية الأشياء.

 

حيدر عبد الرضا

 

انعام كمونةوثيقة من بعض الوجع الإنساني

- يقول عيسى في الإهداء:

(" الى مجانين لا يشبهون المجانين، مجانين لا يشبهون إلا أنفسهم، مشعل ..تركي .. جابر ..عبد الله ومهدي ..إليهم وحدهم ")

- إشارة لأسماء تعد رموز لجمهورية عيسى التي اتخذها يوتوبيا ذات بمعيار دلائل غائرة لوجه آخر تثبت وجع تشتت الهوية في بلد عربي أو أجنبي، وما تأبطت ذكرياته من دلالات زمن يكمن في سيرورة الحياة بصيرورة معاناة مستمرة، فيبدو من تذييل الإهداء ب (إليهم وحدهم) تأكيد لرصيده الاجتماعي دلالة وطن هو اصدقائه فقط، سنتطرق بما تجلى منه لاحقا ...

مقدمة:

-عمد الكاتب الى تجزئة الرواية وبوبها بستة أجزاء، لكل جزء مدخل تيمنا بقول يرتكز عليه السرد بكثافة الفكرة ليستقبلها القارئ بالقصد والتأويل والحدس بفضول مطالع ومن وراء الأقوال حكمة يؤمن بها الكاتب ليسرد من جذوتها خلاصة تجربة حقيقية بقصد رؤى مخيلته يشد شغف القارئ لتكملة القراءة واستكشاف مضامينها الحقيقية بأسوب شيق...

- ساق البامبو رواية تناقش عدة قضايا إنسانية، تضئ الجدل عن ظواهر اجتماعية متعرقة الجذور في المجتمعات العربية عامة، تطرق لها الروائي سعود السنعوسي مخاطب الضمير الواعي، ووجدان ذهن القارئ المتحفظ على ما يسمع ويرى ويخنع، بأسلوب خطابي يثير الاهتمام لتعرية الممارسات الغير الإنسانية في مجتمع يختلق المعوقات ويغلق طرق التفاهم، يسد منافذ التسامح بوجه حرية القرار، فيرد كف المصافحة للتعايش بسلام، نظام مجتمع يخنق نفسه بعلل نفسية شتى و انفعالات مكبوتة لا يحق التصريح بها الا همسا، فتتهافت صرخات العيب سترا من محيط يشبههم وخوفا من وصمة عار تأكلهم ...

- هكذا يفصح السارد عن البعض مدعيا حجج متوارثة، بسلطة التعصب العشائري تلاحم مغلق تحت قسوة ضغوط سائدة بمسمياتها التقليدية عادات وتقاليد بدستور جماعي، وقيد أعراف متداول تزج الكثير من أفراد العوائل خصوصا الغنية لطريق مسدود، وكذلك أصحاب المراكز والسلطة، مبررة الحفاظ على اسمها وسمعتها ومستواها الاجتماعي، وخوفا من تفكك لُحمة العائلة أو نبذها من العشيرة، أو حرصا على مصالحهم الشخصية وترابطهم الاجتماعي ، وهذا لا يقتصر فقط على العامة بل هناك مناصرة القانون ودستور البلد بتأصيل دم الهوية فئتين كما في البلد العربي الكويت وما تتناوله الرواية عن ذلك الحيف...

- تتميز رواية ساق البامبو بمحاورها الحركية الزمانية والمكانية وما يرافقها من تكالب الظروف وتغير الأحداث بتوارد مختلف للزمن من ماضي وحاضر، بتمركز محوري لدلالات الزمكان بستة أجزاء، وسلسلة ترابط مستمر يتمظهر مدلوله من عنونة الأجزاء كما في الآتي: الجزء الأول عيسى قبل الميلاد، الجزء الثاني عيسى بعد الميلاد، الجزء الثالث التيه الأول، الجزء الرابع التيه الثاني، الجزء الخامس على هامش الوطن، والسادس وأخيرا عيسى ..الى الوراء يلتفت ...

- فكل سيميائية عنوان لجزء دلالة المحتوى بفحوى مكتنز، نستطلع منها فاعلية أقطاب المكان ذهابا وايابا لشخصية عيسى ما بين الفلبين والكويت أما الزمن حلزوني الحركة يبدأ وينتهي لمكان شخصية الأم جوزافين ، ونلاحظ رغم تراكم الأحداث الزمكانية، تظهر بعض الشخصيات خولة، ابراهيم، جابر، وتختفي أخرى بسبب الموت (راشد وصديقه)، ومن مواجهة عيسى لعدة صدمات اجاد الروائي برصد معاناته واصطياد جروحه النفسية بخذلان الأقربون ووطن ينكره ...

- تشكيل تقني لأدوات عرض المواقف والأحداث، مرة بكاميرا خلفية للمشهد ومرة مباشرة الموقف اللحظي وأخرى بمنولوج النفس، فبرع باستنطاق أسبابها ومواكبة تفصيلاتها برؤية انسانية توثيق قرائن ثبوتية لنتائج الحكاية، فاتخذ السيرة الذاتية لشخصية عيسى باستعارة كينونة ساق البامبو وصفاته الطبيعية بسرد حوادث الواقع ونسج الخيال عن شخصية عيسى، بدلالات شاهدة على سلوك الشخصيات ومآسي الأحداث، منها المترجم إبراهيم والمصحح اللغوي أخته خولة راشد وهذا ما يشد القارئ بما يتمثل أمامه وذاكرة تراود الزمن خلال طيف العلاقات...

- ساق البامبو من الروايات الجريئة التي توثق الوجع الإنساني بقصد مباشر، ودعوة واضحة لمعالجة ما تفشى من قطيعة إنسانية، ومن جوهر السرد على لسان الكاتب بصيغة ضمير المتكلم للشخصية نستقرأ أسلوب خطابي كشف المستور وفضح المسكوت عنه، وأزاح الستار عما تكتم عنه الكثير من الحقائق تحت ظل التقليد لموروث ضبابي بأبعاد تجربته الفعلية ومآل معاناته، بفرض تعامل لا انساني بالجبر والإكراه، ولا يمكن المسامحة عليه بمعارضة وتزمت كما في معارضة عائلة راشد بسلطة أمه غنيمة وأخته نورية وعواطف بحق الاعتراف بنسب عيسى ، فنستدل من رؤى السارد، ان رغم التطور الفكري واختلاط أبناء البلد بعديد من الجنسيات والثقافات المختلفة بما تقتضي الحاجة في بلدهم، أو السفر والتطبع بعادات الغرب الا ان بعض العادات تبقى مزمنة السريان، لدرجة أصبحت جزء من تراث الشعوب، وبتوارث من مصدر مجهول الهوية لتلك الطقوس، بدون أعادة النظر بعمق وتروي ومكاشفة النتائج، لإجلاء شوائبها بالتطبع مع الآخر أو قبوله بمواكبة فكر الاختلاط الحاصل بين العروق والتقارب الحضاري بتهجين الأنساب بما لا يعارض الشرع، والسعي لإيجاد حلول وسطية لأجيال جديدة لا ذنب لها بما حدث في الماضي كما في زواج راشد من الخادمة جوزفين، وكثمرة علاقة غير مرغوب فيها، كما حدث مع أبنهم عيسى، بما يُحَمَل الأبناء ذنب لا يغتفر، فتاهوا بين هويتين مختلفتين الأم والأب وضاعت تبعيتهم الوطنية والشخصية والثقافية والدينية والاجتماعية، والقومية والتاريخية وحتى العرقية والسياسية، وفقا لتقاليد تدعيها العائلة وتدعمها عصبية مجتمع بالسلوك والتصرف العقيم، لذا سعى خطاب الروائي بتكتيك السرد لدينامية سلسة بملامسة ذهنية القارئ بحس انساني لإثارة وعي نحو حرية وكرامة الأنسان أينما يكن في الزمان أو المكان وكيفما يعيش لتكون حياة كريمة ...

- العنوان:

- العنوان "ساق البامبو" مفتتح سيمائي مدهش وجذوة بنائية جميلة للغاية، بحيوية كيان شامل التكثيف لتفاصيل أحداث الرواية، منه يتحفز القارئ للمتابعة بقوة بما يشع من حزمة دلالات تُقَوم اكتشاف معالمه الرمزية وما يخفي من ظلال دال تتيح مساحة دلالاته مزايا تأويل كثيرة لمنتهى تخوم المتن الروائي، بما تمحور فيه من خصوبة إشارات ثرية التعبير وسرد موشى بالصدق، فيغري القارئ بالبحث عن رؤى الكاتب وما تخفي طبقات السرد فيركن شغفه للتفسير والتحليل ...

- كذلك مختزل العنوان تشكيل فني ببساطة رائقة تختزن إحالات رمزية مكتظة الدلالة بإسقاطات معالم وتفاصيل واحاديث ومقولات ملخص لكيان الرواية، تستنبط منها تشبيهات استعارية لمقاربة وصفية بين حياة كائن نبات ساق البامبو ومراحل حياة شخصية (عيسى بن راشد) سارد الرواية، والتي سيتعرف على تفاصيلها قارئ الرواية ...

- ونستخلص من العنوان جوهرية دلالية غائرة نستنبطها من فاعلية طاقة المكان لساق البامبو نتقصاها باستمرارية الزمن وتغيراته الطارئة خلال مراحله المستمرة والمتغيرة، فما عيسى إلا ساق بامبو زرع في مكان ونما في مكان وتاه في مكان واستقر في مكان مما يؤكد عدة دلائل نختصرها في:أولا تهجين النسب دلالة زراعة ساق البامبو في تربة غير تربته = الزواج من الأجانب، دلالة اليتم ساق بلا جذور = رفض العائلة والمجتمع، ثانيا دلالة الذبول بسبب الظروف الغير ملائمة = الضياع النفسي والثقافي والاجتماعي بين هوية بلدين، وبعد هذه الصراعات على القارئ ان يخمن هل يمكن لساق البامبو (عيسى) ان ينبت في ترب مختلفة كما في تربته الأصلية، وهل تلائمه الظروف في مكان آخر ليعيش أم يموت...؟؟؟ فلنقرأ ونستدرك ما آل إليه الشاهد .

- قطاف من بعض فحوى الرواية للاطلاع عليها

- من متابعة أجزاء السرد نستخلص ثيمات عديدة مختلفة مترابطة بقضايا المعاناة الإنسانية لعيسى وشخصيات أُخرى، منها يستجلي القارئ حميمية التعصب بسلطة الأنا الجمعي، والتغاضي اللاواعي بتصدع لبنة الانساب والانتماء، واغتصاب حقوقهم الشرعية بعدم الاعتراف بهم، نستشف من قصدية الخطاب فضح انتهاكات انسانية، مشرعة برهانات العرف الاجتماعي، تحت خيمة العادات والتقاليد، كذلك نرى ان الروائي يترك الحكم للقارئ بإثارته قضية مهمة تفتح شهية النقاش حول شرعية الاعتراف بالنسب مهما تنوعت الظروف..!؟ إحالة لرؤية حضارية بمكاشفة واعية ...

- لنقطف احدى الثيمات من الجزء الأول وهي ثيمة استرجاعية للأحداث بعد ما رجعت جوزافين لبلدها الأم الفلبين رحيل عن الكويت بإبعاد اضطراري بموافقة الزوج راشد لإرضاء عائلته ثم طلاقها فترعرع عيسى مع أهل أمه وبيئة والدته الفقيرة والمختلفة كليا عن عائلة أبيه اجتماعيا وعقائديا وحتى اسمه تغير كما يتحدث في بداية السرد باستعراض عدة أسماء له حيث يخبرنا لنتعرف عليه: "أسمي Jose في الفلبين وهوسيه بالإنكليزي وفي البرتغال خوسيه والكويت عيسى وهي العقدة الأولى التي يختلف عليها الكثير ولا ذنب له فيها، كما يخبرنا في الجزء الأول "عيسى قبل الميلاد" مشهد نستقرئ الكثير من الصفحات عبارات مختلفة بدلالة واحدة، دلالة ضياع هوية الاسم بأبسط مطلب شخصي لصور الحرية ...

فلنتابع ...

- ثيمة الهجرة ومعاناة الغربة بسبب مآسي الفقر نستقرئ حالة مهينة أن يضغط الوالد على أبنته آيدا الأخت الكبرى لجوزافين لبيع جسدها بلا مبالاة منه لما تتعرض له من اعتداءات جسدية وجنسية وتعنيف لفظي من أجل جلب المال للأسرة، وبعد ان حملت اختها ولزمت البيت يأتي دور جوزافين فتكون الضحية الثانية التي تترك تعليمها بسبب فقر عائلتها و جاءت عن طريق سماسرة اليد العاملة لتشغيلها في الكويت، نلاحظ دينامية سرد لتمهيد الأسباب كمعادل موضوعي لسوء الأخلاق ودلالة على مناخ عائلي مضطرب ...

- ثيمة فلسفة الجدة العصبية والمتعنتة الاعتقادات بالتَطير والأحلام مؤمنة بتطبيق طقوس قديمة متوارثة، رافضة مناقشة تجديد آراء الأجيال بمراحلها الفكرية والمعرفية، احالة دلالية للفكر النمطي التقليدي المتوارث، اجاد الشاعر باختيار الشخصية غنيمة لأرسال اشارة لمدى شرخ التصدع بين الآباء والأبناء...

- الجزء الثاني

- وبسرد الفلاش باك ايضا بلسان الراوي وضمير المتكلم لوعة عيسى نستخلص عدة ثيم للمقاربة بين البلدين الكويت والفلبين وشتان بينهما، أولا:المستوى المعاشي بين الثراء الفاحش والفقر المدقع، يصف مكان سكنهم المحاط بأشجار البامبو والتي شهدت طفولته وسنين مراهقته وشبابه وشاركها أحلامه البريئة وأمله أن يعود لوطن جذوره كما وعدته أمه بوعد والده راشد لها ليعيش بسكينة وترف مثل والده الثري العائلة والأصول في الكويت ...

- كما يبدو ثيمة سهولة قناعة المجتمع وقانون الدولة بإلحاق نسبه لجده فأصبح عيسى ميدوزا في الفلبين، علما سنتعرف بعد ذلك لعدم الاعتراف به حفيد الجدة غنيمة من قبل عائلة والده في الكويت رغم أوراقه الشرعية وانتسابه كمواطن كويتي، نظرا لالتزامهم في العادات والتقاليد، ونلاحظ ذلك مع بنت خالته آيدا التي ولدت مجهولة الأب ونسبت لعائلة إمها ضمن قانون الفلبين ...

- ولننحو لثيمة التباين الطبقي المرفوض حين تزوج الابن الوحيد راشد من الخادمة الفلبينية جوزافين سرا بشهادة صديقيه بوثيقة شرعية، وابنها عيسى ثمرة هذا الزواج الذي ترفضه الجدة بسلطة العادات والتقاليد فتطرد ابنها وزوجته من بيتها الى ان يتخلى عنها ...

- ومن الجزء الثالث

- ثيمة التشتت العقائدي بإهمال التربية الدينية فرغم تعميده بالكنيسة الكاثوليكية لم يؤمن بها وظل باحثا على استقرار روحي فتعرف على بعض التعاليم البوذية من خلال صديق السكن في الفلبين، تعرف على التعاليم الإسلامية من صديقه ابراهيم سالم في الكويت، ومع هذا لم يشعر باي ايمان روحي نستذكر مقولته إن الأيمان بالرب في القلب، دلالة اختلال الاعتناق الديني لديه ببعده عن بيئة أبيه المسلم ....

- ثيمة إشكال هوية أحد أبطال الرواية الأبن عيسى أبن راشد ثمرة الزواج المرفوض من أفراد العائلة بسبب صعوبة مواجهة المجتمع والإفصاح عنه كحفيد، ونكران نسبه أبسط الحلول، ولأنه سيجلب العار لهم واعتباره فأل سيء كما تعتقد الجدة غنيمة ، ورغم مرور جيل وتغير كثير من الأحداث إلا أن الوضع سيتكرر معه بعدم احتضانه كما حدث مع أمه جوزافين وجعله بمنزلة الخادم بسبب ملامح وجهه الفلبينية ما عدا صوته الذي ورثه من الأب يثبت صدق نسبه عند الجدة ...

- كذلك طرح الروائي قضية الـــ (بدون) في الكويت ثيمة فقدان الهوية، من خلال شخصية غسان احد اصدقاء راشد المقربين من العائلة، نقرأ من سيرته: ولد ونشأ وترعرع في الكويت، مؤلف الأغاني الوطنية وعازف على العود أثناء الاحتلال العراقي كان يعمل مع زمر الثوار وأحزاب الدفاع عن الكويت، ورغم ما قدم من تضحيات حينذاك لم تبرر وطنيته في دستور البلد، وغير معترف به كمواطن من الدرجة الأولى، دلالة سمة التمايز الغريب والعلني الذي يحط من كرامة الأنسان ويبغض وجوده كمواطن ينتمي لمسقط رأسه ، يعيش بلا حقوق وترفضه عائلة حبيبته (هند) حين يتقدم طالبا الزواج منها، والتي هي أخت صديق العمر راشد تبعا لقانون العادات والتقاليد، وأيضا كي لا يتلوث نسب العائلة ويمس كيان الأسرة ...

- ثيمة الاهداء فيه الكثير من المشاعر الحميمية لأصدقاء عيسى " الراوي" ايحاء لمرح الشباب دلالة محبته لهم نعتهم بالمجانين، عبارة عفوية دعابية التعبير قالها عيسى حينذاك، ساخرا من طيش الموقف بلقائه الأول مع مجموعة شباب من الكويت أثناء رحلة ليلية في سفرهم لبلد أمه الفلبين، وسوف يلتقي معهم في بلد أبيه لاحقا بتدبير الصدف، و رغم قصر مدة التعارف وطبيعته الطارئة بانسجامه العابر معهم بقى أثرها في نفسه، سيتعرف القارئ خلال السرد وما تضمنته ذكريات لن ينساها، وسنرى استمرارية العلاقة تحكمها الظروف في بلد صغير مثل الكويت أضافة ما سيتبقى من ذكرى هويته العالقة في جذور ولادته وتعاطفهم معه فما يختزن إلا ما تبقى من ودهم وتواصلهم بإسم هويته ...

- ومنه نستنتج ثيمة علاقات صداقة متقطعة باستمرار الزمن نستبصر منها روح الشباب المحب للتغيير بعيدا عن سلطة الوالدين وقيود المجتمع وضغوطه التقليدية، مما حرى به التنويه عنها بالإهداء لهم في مقدمة الرواية عرفانا لهم ...

ختام:

- ينتهي السرد بالتفات عيسى لوطن أمه بعد محاربته بعدة طرق وقطع رزقه بنفوذ اخواته وموافقة جدته فيعود للفلبين كملاذ استقرار ليكْون أسرة، يتزوج بنت خالته وينجب ولد يشبه سمار وملامح والده يسميه راشد، هكذا يسدل السنعوسي الستار على أحداث الرواية بقصد اعادة التاريخ بروتين المعاناة، للدلالة على تكرار ضياع الهوية مع راشد الأبن أيضا، فهل يثبت هويته المسروقة ...؟؟؟؟ نترك القراءة لإطلاع القارئ.

- رغم طول الرواية إلا أنها لا تمل بما تجلى بها من صدق المشاعر وتفاعل الكثير عما تحمله من رسالة خطية لعدة مواضيع مترابطة أبدعها الكاتب بسرد الأحداث بسلاسة بسيطة متينة المعنى جميلة التعبير، تترك للقارئ فترة توقف وتأمل واستبصار وتأويل، برؤى بصرية للصورة الخيالية لنستكفي من الحدث آفاق الرؤيا بحقيقة تأثر كفلم سينمائي نتابعه بعيوننا وقلوبنا، انسياب الأحداث ببنية ترابط لأهمية الموضوع، وطريقة طرح الفكرة بأسلوب مؤثر يمسك شغف القارئ بمتعة المتابعة ممسك بخيط الحدث بلا متاهة تقطع سلسلة أفكاره ليُقلِب رأيه ويحفز رؤياه وهناك مثل معروف يقوله العارفين تذكرته بمقصود الرواية: (هذا ما جناه علي أبي)...

 

قراءة: إنعام كمونة

 

رحاب عوضالدخول في عالم رواية تجربة إبحار هادئ محفوفة بالازدحام والصخب، تفاعل مع عالم متخم بالمتناقضات، يفترض من القارئ الدارس حيادية الوجهة وحشد حواسه وذائقته ومدركاته ومرتكزاته وأدواته وصلبها على صخرة لتتبع الحدث برؤيا مشبعة بالتركيز، والتجوال في فضاءاتها المترامية الرؤى والمناظير والأطرالفكرية والفنية والتصويرية، وتقمص حركية شخوصها في خضم صراع يحمل مجريات الأحداث والخروج برؤيا موضوعية، تمثل قناعاته الشخصية التي قد يتطابق بعضها أو معظمها أو كلُّها مع قصد الكاتب أو لا يحدث، ومحاولة اقتناص ما قَرُب وما بَعُد من الأهداف والمرامي التي يمكن تصيدها عبر إيحاء أو إيجاز أو حذف لإضمار أو تقديم فكرة وتأخير سواها في معرض احتمالات وحتى من وقع صوت حرف... والوقوف على آلياتها وتقنياتها وجمالياتها الأسلوبية الموظفة، وتذوق لغة التعبير وكل ما قام وانطوى عليه المبنى الروائي.

محاولة تستلزم الإلمام بالمرجعيات الأولى والعوامل الثقافية والاجتماعية والسياسية والدينية ذات الصلة والكشف عن تداعياتها وتبعياتها. فالخوض في غمارها لا يكون باستعراض كمال مصطلحات نقدية تثير الضباب بقدر ما يستلزم الكشف والاستكناه لاستجلاء المستور وحسر الغموض وإنارة جماليات الأسلوب والإشارة الموضوعية إلى التوظيف الإيجابي والسلبي، بإيجاز إنها إعادة كتابة النص من جديد برؤيا نقدية تجتاز الدوال والمدلولات فتبلغ مبعث ذرف الطرْف لقطرة الحبر.

 غوصٌ في أعماق بحر نص متلاطم الصراع يتدرج فيه وضوح الحدث تدرج الخيال في عمق قصيدة، منه ما يرسو على سطح من مباشرة ومنه ما يتخفى خلف المجاز وسواه، وسوى ذلك مما يتوارى بحنكة الكاتب بتموضعه خلف ظل كلمة أو جملة تمر مروراً ومضياً بين زخم الوصف والسرد في زمن يختاره الكاتب بعناية، وأما ما يتخفى تماماً فإنه يخضع لمقدرة الكاتب والقارئ معاً في التورية والاستبيان.

 "وكر السَّـلمان" تراجيديا إنسانية وتجربة كتابة اجتماعية تمثل امتداداً لصراع ثنائية "الخير والشر" الأزلية على مر الأزمان واختلاف العصور، وزينة البنية الفكرية الروائية بما انطوت عليه من فكر ثَّرَّة، أستطيع وصفها بشمولية الأشياء، ما ينمُّ عن سعة الثقافة والإلمام بالتجربة بالإضافة إلى الرؤيا التحليلية المجارية لها، وتبقى الثقافة شجرة مكتثة الأوراق، عقيمة مالم تثمر بالجديد وتفرز مبتَكر الفِكَر. أدانت الرواية الحرب وجرَّمتها بصنع القتلة بمادة أولية وطنية تمثلت بمروجات مشهد دموي يجرع من مستنقعات الجهل والتخلف ولا يرتوي، والذي أيقظ خلفيات فطرية ووراثية ومكتسبة كامنة غافية للتضافر معاً والإصباح على ليل دامس الظلمة من الموت. اقتحمت عالم الجريمة من نوافذ شتى نفسية تحليلية بثوب مباشرة، جاءت ملمة بمجريات الواقع السياسي مضبَّبة التفصيلات، موصَدة الأبواب تحسباً، على المرجعية الدينية مُشرَّعة على تداعياتها،ارتأى الكاتب فيها التواري خلف سدول الشخوص والإيحاء أو المرور الومضي تاركاً لقارئه بعضاً من صموتاتٍ ومرتكزاتٍ لاستكناه المضمر من دلالاتها وما تحفظ على التصريح به في مواطنَ من السرد. ــ مُوجز الرّواية:

نعمان الشخصية المركزية شاب مثقف حاصل على شهادة جامعية في الحقوق والقانون، ينتمي إلى بيئة عُرفت بالاتزان والخصال الأخلاقية الفاضلة غرست فيه المثل والقيم والطيبة والاستقامة، تنحدر عن أصولٍ بدويةٍ صحراويةِ منبتِ الجدود. أنهكته مشاهد الحرب في بلده العراق وأنهار الدم والجثث المترامية والرؤوس المتدحرجة عن مقصلة الحرب إلى هوة الفناء والنسيان، ثم سحقت روحه وأحلامه بما تسببته له من إعاقة أفقدته ذكورته إثر سقوط قذيفة على ملجئه أثناء خدمته، وكان من المفترض أن يصل كتاب نقله إلى مكتب وحدته العسكرية باعتباره الابن الوحيد لوالديه إلا أن القدر الأسود أخَّره لينال منه وممن حوله، فكانت العقدة التي سلبته إنسانيته وضميره وحولته من إنسان متزن متوازن إلى مريض ووحش همجي مفترس ينصب شراك مصيدته الأولى في وكر في قضاء السلمان لأقرب إنسانة عشقها قلبه، حبيبته وخطيبته، فلا ينفك، وإنما يأخذه جلد ضميره ومرار عذاب فعلته إلى معاهدة نفسه على بدء سلسلة جرائم يكون فيها أصدقاؤه ضحاياه ... تنتهي بمحاصرة القضاء مما يدفعه إلى انتحارٍ وموتٍ لا يترجم النهاية وإنما ينبئ بتكاثر الجريمة وولادة شرور جديدة عبر قفلة مفتوحة على الزمن ..."

2067 وكر السلمان

البدء باستجماع حيثيات هذه الرواية محفوف بفوضى التزاحم بين ما ورد فيها من نقاط وما ولدته من فكر تحليلية جديدة، تترك انطباعاً وبصمة في تفكير ووجدان القارئ أثناء وبعد القراءة، وتحفزه على فك شيفرات وثغرات لبلوغ نتائج لم يضعها الكاتب بين يديه لمزيد من الجذب والحفز على الحركية الذهنية لتكن البداية بـ: العنوان: إذا كان العنوان يمثل عتبة القصة فإنه في الرواية فإنه يمثل شرفة مفتوحة التأمل على آفاقها الشاسعة البعيدة، والسيناريو الوليد في لحظة التأمل الأولى والمنظومة الفكرية المحملة بدلالات وإيحاءات تشكل صورة مبدئية تخييلية إدراكية تحمل بعض ملامح المضمون.

إذا اشتمل العنوان على مبتدأ ومضاف إليه فإن المحتوى المُتَضَمَّن في الرواية سيحمل الخبر، وإسناد الجملة الختامية إليه" وكر السلمان تلاشى بين الكثبان" سيحمل خبراً ويختزل العصارة المعنوية للرواية .. لفظة " الوكر" هي الدال والصورة السمعية للعلامة اللسانية والمدلول هو المفهوم والفكرة المنطبعة في الذهن لمدرك، هو "عش الطير" الذي يحمل معنى الأمن والهدوء والطمأنينة، لكن حين نسبت الكلمة إلى السلمان اسم رجل أحدثت انزياحاً فاختلفت الدلالة، من هنا كان إسناد اسم " السلمان" إلى وكر مَثارَ غرابةٍ وتساؤلٍ.

وإذا نظرنا سيميائياً وتأملنا البعد الصوتي لحروف كلمة "وكر" بغض النظر عن المعنى المعجمي المتعارف عليه، نجد حرف الواو يأتي أولاً وفي صوته مد وامتداد والكاف حرف انفجاري ويحمل معنى القطع والضغط ولزوم الحركة في المكان والاحتكاك انطلاقاً من مخرجه وصوته، ومجيء الراء أخيراً في الكلمة مكنه من إطلاق فعالية صوته الذي يحمل معنى الكرور والتكرار، وإذا ما طابقنا ذلك مع مضمون ذلك النفق نجد أن الكاتب موفق في اختيار لفظة "وكر" دون "عش" بما حمله ترتيب الحروف من دلالة صوتية، فالجريمة طرف حبل له امتداد إلى التاريخ، والضحية في ذلك المكان كانت محفوفة محاصرة بين جدرانه المظلمة مهما حاولت التخلص كانت محاولاتها عقيمة بلا جدوى، والجريمة لم تنفك تتكرر وتتسلسل ....فلو أن استخدم الكاتب كلمة "عش" بديلاً عن "وكر" لما حملت تلك الطاقة الباعثة للإيحاء والمثيرة لفضول القارئ، ولسلبت النص عنصراً هاماً ليس على صعيد العنوان كتقدمة مشوقة فحسب، وإنما على صعيد سير انفعال القارئ المجاري للسرد، فإيحاءات العنوان الدلالية والنفسية لن تنفك عن تلبس القارئ على مدار القراءة والمتابعة بالتساؤل عما سيصدر عن ذلك الوكر الغامض، الأمر الذي أسهم في دفع سير الحدث وتصعيد الانفعال وبث مشاعر الخوف والقلق والتوجس ولا سيما حين ضمَّن المتن فيما بعد بالنفق كتجلٍ مكاني للصورة الاستعارية ودلالة رمزية لامتداد جذور الجريمة إلى التاريخ البشري على اختلاف صورة القاتل على مر الأزمان، أيانَ كانت تُحاك خيوطها في الظلام، لعبت فيه شخصية نعمان الدور الهام لكون المكان يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالشخصية يؤثر بها وتتأثر به يحمل أفكارها ويعبر عن نفسيتها، إذ يجسد بعداً نفسياً فيها بما يثيره فيها وما يجري بينهما من تفاعل دائم الاستمرار. فهو لم يقف عند حد كونه مكاناً وعنصراً هاماً في سير الأحداث فحسب، بل إنه يتجاوز ذلك إلى إمكانية اعتباره الهدف الأول القائم خلف كتابة هذه الرواية. حمل على ضيقه وظلامه بنى فكرية مشعة الإيحاءات والدلالات الغائرة في تلافيف اللفظ،، اتسع ليتحول إلى فضاء زمكاني واسع ممتد يشتمل على العلاقات بين الشخصيات والصراع القائم بين القيم والأفكار ليختزل في دهاليزه ثنائية الصراع بين"الخير والشر" فاتخذ بعداُ وجودياً تاريخياً. حتى أن طاقة العنوان " وكر السلمان" لم تقف عند حد الجذب فحسب، وإنما جعلت القارئ يحتمل ودون ملل بطء سير الحدث لرحلة في المتن، فدلالته تعِدُه بالممتع المشوق مما سيضعه فيه من هزات انفعالية وقبض على أنفاسه في تجربة كتابة تحمل له التشويق، وفرص انتظار المثير على شاكلة ما يحدث في أفلام الرعب أو الأفلام البوليسية التي فقط آخر ذيول هذه الرواية قد استرق شيئاً من ملامحها. وهذا ما استلزم من الكاتب براعة في انتقاء العنوان وحسن توظيف المكان فيه بلغة انزياحية كانت قادرة على تقديم لوحة مكثفة الإيحاء، مفادها أن الجريمة أزلية باقية ممتدة تجري وراء الكواليس يتخفى شخوصها خلف أقنعة شتى تغتال الخير والحياة ولا تترك خلفها سوى الروائح النتنة وحرقة المقهورين، فلو أراد حصر الجريمة في زمن محدد أو خصوصية ما لارتأى منزلاً أو شارعاً أو غرفة محاطة بأربعة جدران تجري فيها، فما حمله العنوان من طاقة أثار شغف القراءة وحفز القارئ على المتابعة لاستجلاء خفايا النص.

يُتبع ...

 

بقلم: رحاب عوض

 

حسني التهاميHaiku Structure (Toriawaise)

الملخص: يعد تجاور الصور الحسية ذا أهمية كبيرة في تشكيل بنية الهايكو، فمن خلاله تتولد المفارقة التي تؤدي إلى فجوة التوتر الشعري.  يستخدم الشاعر أحيانا كلمة القطع "الكيرجي" في الهايكو الكلاسيكي، وما يعادلها من علامات ترقيم في الآداب الأخرى لتسهم في تشكيل عملية التجاور، عن طريق المزج بين صورتين متناقضتين وإحداث تناغم بينهما. اختلف الشعراء في استخدام علامة القطع في أوروبا والعالم العربي، فمنهم من رأي أهمية وجودها في القصيدة، حيث أنها تكسب النص لمحات جمالية وتمنح القارئ مساحة للتأمل الذهني والعمل على تفكيك بنية النص وإعادة تشكيلها من جديد، وهناك فريق آخر يرى أن تلك العلامات تمثل عبئا يعيق انسيابية النص. تنقسم بنية الهايكو إلى ثلاثة أنواع: البنية التناغمية، والمتباينة وأحادية المشهد، يمكن لشاعر الهايكو التعبير عن مشاعره وأحاسيسه بشكل غير مباشر عبر تجاور الصور الحسية في النص الشعري.

يُقصد ببنية الهايكو، "التوريوازة" امتزاجُ صورتين أو مشهدين في النص الشعري، بهدف إنشاء جماليات معينة، حتى لو كانت هاتان الصورتان تحملان خصائص متناقضة. ينتج عن هذه العملية ولادةُ لحظةٍ جمالية تؤدي إلى مستوى جديد من الوعي، لكنها تحتاج إلى براعة في الصياغة كي لا يقع النص في إشكالية اللبس والغموض

يؤكد مايكل ديلان ويلش أن تجاور مشهدي النص يخلق نوعا من الشرارة الناتجة عن المقارنة الداخلية أو ما نسميه بالمفارقة حال إدراك أي من الهايكست أو القارئ لهذا التجاور، تلك الشرارة هي ما تجعل النص عالقا بالذهن عصيا على النسيان، وتكون مهمة الهايكست إحداث تلك الشرارة، فهي التي تحقق أعلى درجات التوتر، وبها يصبح النص غاية في الإمتاع والدهشة والجمال. (1) يتطلب هذا النوع من المفارقة حنكة عقلية وعمقاً في البحث والتحليل والاستنباط وقدرة على تفكيك  النص وإعادة تشكيل بنيته من جديد.

نادراً ما يصف شاعر الهايكو شعوره الخاص، لكن التجاور بين مشهدي نصه ينقل لنا أحاسيسه، فهو لا يقول كل شيء؛ لذا تحتاج سطوره الثلاثة الموجزة إلى قراءات متعددة وتعمق في الصور الحسية كي تنبثق الأفكار وتتفجر المعاني بشكل أكثر عمقا وثراء. أحيانًا يكون اكتشاف القارئ للمعاني العميقة وترابط مشهديات النص لحظة قراءته فوريًا وعميقًا، وأحيانا أخرى يستغرق ذلك بعضا من الوقت؛ وهذا يتوقف على مدى قدرة القارئ على استنباط ما بين السطور وبراعته في القبض على "لحظة الهايكو."

تنقسم بنية الهايكو إلى ثلاثة أقسام:

1-البنية المتناغمة:

في النصوص التي تتسم ببنية متناغمة يكون هناك نسيج متشابك بين مشاهد النص على أرض الواقع، وحتى على المستوى النفسي والوجداني؛ وعلى الرغم أحيانا من وجود تنافر ظاهري بين الصور الحسية، إلا أن للقارئ دورا مهما في إيجاد العلاقة القائمة بالفعل بين المتنافرات بالنص، لكن ربما بشكل ضمني.

يلحظ المتأمل في النص التالي لـ"يوركان" مقدار الفجوة بين الصورتين بفعل علامة القطع:

تركه اللص وراءه:

عند نافذتي

قمر(2)

تمثل النقطتان الرأسيتان وقفة تأملية في نهاية السطر الأول، قد يتساءل القارئ: يا ترى ماذا ترك اللص وراءه؟ وأين؟ من الطبيعي أن يكون الشيء الذي سقط من مسروقات اللص ليس إلا مقتنيات حسية، لكن تأتي المفارقة عندما نجد أن هذا الشيء هو "صورة القمر"! تقوم "النافذة" كمادة حسية بالربط بين مشهدي النص، ذلك لأنها المكان الأمثل الذي يتسلل منه كل من اللص والقمر، لكن شتان...شتان بين اللصين!

ولنتأمل أيضا قصيدة يوسا بوسون 1716 –1784 Yusa Buson التي تحتوي مشاهدها على تفاصيل من الطبيعة، دون تدخل من الذات الإنسانية في تركيبة النص:

أعشاب ضبابية،

مياه هادئة:

إنه المساء (3)

هناك تقارب بين صورتي "الأعشاب الضبابية" و"المياه الهادئة"؛ تقوم عملية التجاور بخلق مشهد الأمسية الهادئة والممتعة. كما أن هاتين الصورتين مأخوذتان من عنصر واحد وهو الطبيعة التي لا تعني للشاعر الياباني فقط الجمال الحسي بل تمثل له عالما مثاليا ومصدرا أساسيا للإلهام الروحي. وهذا الإحساس الروحي نابع من الجمال الطبيعي والوعي بالفراغ الذي "يبعث قلب الشفقة"؛ ففي حالة التأمل والسكون يتحقق الكمال عبر التفاصيل الكونية الدقيقة.

في ديوانها "نتقاسم المدى" لا تكترث الشاعرة المغربية مريم الحلو  كثيرا بعلامات القطع لتحقيق المجاورة بين مشهدي الصورة:

هبة ريح

إلى فراشات حمراء

تتحول شقائق النعمان(ص4) (4)

يتكون النص من مشهدين متناغمين، الأول: (هبة ريح)، والآخر تحول زهرة شقائق النعمان مع هفهفات الريح لتصبح على شكل فراشات حمراء، هنا ينقل النص حديث الطبيعة للطبيعة عبر لحظة جمالية غاية في البساطة والجمال. تترك الهايكست تفاصيل الكون والطبيعة تتحدث عن نفسها منتهجة بذلك مقولة باشو"إذا أردت أن تتعرف على الصنوبر، فاذهب إليه"، يبدو المشهدان طبيعيين، حتى عند التعبير عن المشاعر تجاه الزهرة والإحساس بجمالها الطبيعي، ذلك التوحد مع التفاصيل الكونية والتجاوب مع نداء الطبيعة يعكس حالة الكشف والصفاء الروحي.

2- التوريوازة ذات البنية  المتنافرة ("صدام بين شيئين"):

في هذه النوع من التجاور يضع الهايجن صورتين متنافرتين تماما جنبًا إلى جنب بقصد إحداث نوع من المفارقة التي تتولد من فجوة التوتر الشعري، كشرط أساسي للتجربة الفنية أو الرؤيا الشعرية. يأتي الهايكست بأشياء غير متجانسة أو بألفاظ بينها تضاد، ويطرحها في سياق متناغم ليقدم رؤىً جديدة للعالم تتشكل ليس فقط من البناء اللغوي، لكن أيضا من تصوراتنا للأشياء. يكون للقارئ دور مهم في ملء الفجوات بالنص الشعري، وبالتالي تحدث فجوة التوتر الشعري من المفارقة الناتجة عن الانزياحات اللفظية، أو من تجاور مشهدين متنافرين بغية تناغمهما، وإحداث نوع من الدهشة. وليس أدل على هذا النوع من التوريوازة من نص باشو الشهير "البركة":

بركة قديمة

ضفدعة تقفز ...

صوت الماء (5)

أحدثت تلك القصيدة ثورة في بنية الهايكو كفن رفيع لا يأبه بالتنمق اللغوي والأساليب البلاغية الصريحة. تخلق علامة الحذف (...) في السطر الثاني انسجاما بين صورتين متنافرتين. ربما يسأل القارئ: ما علاقة "البركة القديمة" بـ"قفزة الضفدع  ... صوت الماء"؟ من الواضح أنه ليس ثمة صلة بين الصورتين، على هذا الأساس تبدو بنية النص مفككة، لذا يتعين على القارئ تشكيلها من جديد وتحقيق نوع من التماسك بين الأجزاء غير المترابطة. لكن كيف يتم ذلك؟ هنا يأتي دور الصورة الذهنية التي تنشأ في مخيلة المتلقي عند تأمل النص وعند سماع صوت الضفدع وهو يقفز في الماء، حتما ستظهر بركة قديمة في الذهن. ومن هذا المنطلق يمكننا الإشارة إلى ما يسمى "فينومينولوجيا" القارئ؛ بمعنى أن الهايكو نص غير مكتمل يعتمد على مخيلة المتلقي وثقافته بشكل أساسي للمشاركة في تأسيس جماليات النص. هناك نوع من التلاقي بين مقصد المبدع من كتابة النص وخبرة القارئ ومعرفته لصنع عالم الهايكو.

في نص آخر للشاعر ياماغوتشي سيشيYamaguchi Seishi , (1901 –1994):

عشب الصيف:

عجلات القاطرة

تتوقف (6)

هنا نرى التباين القوي بين عنصرين أحدهما طبيعي (العشب) والآخر بشري (القاطرة). وعلى الرغم من أن القصيدة تتبع النمط الكلاسيكي الذي  يمجد الطبيعة، فإن الشاعر يسلط بؤرة الضوء على الآلة وهي منتج بشري، مما ينتقص من جمال العشب، ومن هنا تأتي المفارقة.

نص آخر للشاعر الأمريكي وليام كولين جونيور

اكتمال القمر

ضباب همساتي

على قرطها الفضي (7)

~ وليام كولين جونيور، Frogpond، XXIX: 1

تنجحُ القصيدةُ في استدعاء مشهدٍ رومانسي شفيفٍ؛ في ليلةٍ مُقمرة يلتقي العاشقان، فيبدو ضباب أنفاسِ المُحب على قرطٍ فضي لامع في أذن الحبيبة. تحدثُ المفارقة في التجاورِ بين غريمين، أحدهما عالٍ في السماء، والآخر على الأرض . ينعكس ضوء القمر على القرط الفضي للحبيبة، فيما تشكلُ أنفاس العاشق هالةً ضبابيةً على القرط اللامع. وقد وُفق الهايكيست في استخدام عنصر الفضة الناصعِ بطبيعته؛ وبذلك تزداد درجةُ البريق مع اكتمال القمر وبهاء الوجه النوراني للحبيبة. يحدثُ التجاورُ بين صورتين تعكس تفاصيلُهما إحساسا بالألُفة وتخلق توافقا دقيقا ومزيجا من الحواس، عندما تنبعثُ شفافيةُ الهمس من نسيج الضبابِ الرقيق.

يفتقد النص تماما لعنصر التنحي، حيث أن الهايجن لم يتركِ الأشياءَ تتحدثُ عن ذاتِها، ولم تكن الطبيعةُ هي العنصرَ الأساسي، على عكس ذلك، نجدُ الشاعر في قلب الحدث؛ فهمساته الرقيقة أحدثتْ هالةً ضبابية على قرط الحبيبة، وكان دور القمر - الذي يمثل العنصر الطبيعي – ثانوياً، متمثلاً في إضفاءِ الملمحِ العاطفي على الحدث الرئيس، وبهذا يمكننا أن ننسب هذا النص إلى نوع الهايكو الهجين الذي يمتزج فيه عنصرا الطبيعة بتفاصيلها اللامتناهية والعنصر البشري بما يختلج في نفسه من مشاعر وأحاسيس غير مباشرة.

خلال زيارته الأولى لمنزله بعد موت أُمه، تأثر باشو كثيرا عندما أظهر له شقيقه خصلة من شعرها الأبيض فكتب هذا النص:

إذا خبأتها في يدي،

هل ستخفيها الدموع الساخنة؟

صقيع الخريف (8)

ينتمي هذا النص إلى الهايكو الهجين، حيث يختلط العنصر الطبيعي مع البشري وتثير المادة الحسية دفقات متباينة من المشاعر والأحاسيس لدى المتلقي؛ واضح أن الموقف مثخن بالجراح، وقد أشعلت رؤية خصلة الشعر فورة الحزن في قلب الشاعر، لكن ما أحدث المفارقة هنا هو ذلك التجاور بين الدموع الساخنة والصقيع.

في الهايكو الحداثي يلفت انتباهنا نص للشاعرة  الأمريكية كارولين هول Carolen Hall:

"شيء ما"

في صورة "المامجرام"

ليلة بلا نجوم (14) (9)

~ كارولين هول، عش مالك الحزين، المجلد. 14،2012

يشكل النص بنية حداثية، حيث لا يعتمد على علامة القطع لإظهار تجاور المشهدين الذين يحملان نوعا من التناقض بين الطبيعة والكينونة البشرية وما يرتبط بها من تفاصيل؛ فيؤدي ذلك إلى تولّد المشاعر الإنسانية. ينتج عن بنية النصوص القائمة على التجاور الذي يعكس اغتراب الذات عن الطبيعة معاني جديدة ومبتكرة؛ فعلى الرغم من أن عبارة" ليلة بلا نجوم" مستقاة من الطبيعة، وتوحي بالموضوعية والتنحي في تناول المشهد، إلا أنها تعكس حالة القلق وعدم اليقين أو الإحساس باقتراب الموت إثر مرض الشاعرة بسرطان الثدي، وزاد من حالة عدم اليقين ذكر عبارة "شيء ما" التي تفتح مجال التأويل لأشياء مجهولة أمام الهايكست والقارئ معا، فثمة علاقة بين حالة الشاعرة الصحية والليلة الخالية من النجوم،  فمع  كل آلامها لم تعتمد الهايكست على الغنائية بتأجيج  المشاعر وإهمال عنصر الطبيعة.

فيما يعتمد الشاعر العراقي عبدالكريم كاصد في ديوان "شجرة عند الباب" تقنية التجاور في كثير من نصوصه، أحيانا باستخدام علامة القطع، وأحيانا أخرى بدونها مع الإبقاء على عملية القطع ذاتها:

ينقطع المطر

صرخةٌ-

يا للطائر السفيه!  (10)

يصف المشهد الأول توقف المطر وسكون حركته، ثم تتبع هذه الهدأة صرخة في المشهد التالي، وكان من المفترض أن ينتهي النص في السطر الثاني، لكن وضع علامة القطع (-) جعلت القارئ يتساءل في دهشة: يا ترى صرخة من؟! ويأتي الجواب في السطر الأخير لنتيقّن أنها للطائر السفيه. يُظهر الهايجن وجهين متقابلين للطبيعة تارة في هدوئها وفتنتها من خلال مشهد المطر الرومنسي الحالم، وتارة أخرى في عبوسها وتجهمها عبر صوت هذا الطائر الأحمق المفزع المريع.

3- إيچيبوتسوجيتاته، ichibutsu jitate : البنية أحادية المشهد

يُكتب الهايكو الياباني على شكل سطر واحد، بينما يكون في اللغات الأخرى-ومنها العربية- على ثلاثة أسطر، وتتكون معظم النصوص من صورتين أو صورة وحدث، والاستثناء في هذه الحالة هو "هايكو الصورة الواحدة" الذي يتضمن فكرة أو يصور حدثا أو لحظة من الحياة اليومية. في هذه الحالة ليس من الضرورة استخدام علامة قطع، كي تكون القصيدة جملة بسيطة تنساب جزئياتها وتتناغم لتكوين المشهد الأحادي. وطبيعي أن يستخدم الهايكست المبتدئ هذا النمط لسهولته وبُعده عن تركيب الصور حتى إذا ما ثقلت تجربته كان بإمكانه تجريب التوريوازة ثنائية البنية التي تحتاج إلى براعة في التركيب والصياغة، وهذا لا يعني أن الـ"إيجيبوتسوجيتاته"  أقل في القيمة الجمالية عن القصائد التي تحتوي على صورتين متجاورتين.

أول ما يسقط من الثلج

يكفي أن يحني

أوراق النرجس

ماتسو باشو

(مجلة الفيصل صوت الماء)

...

شجرة البرقوق الأبيض

كانت منذ زمن طويل

خارج السياج

كوبياشي إيسا (16) (11)

يتكون كلا النصين من مشهد أحادي؛ في قصيدة باشو نرى أثر أُولى ندفِ الثلج المتساقطة وهي تتسبب في انحناءة أوراق النرجس في مشهد يعكس جمال الطبيعة الفاتن، دون تدخل من الشاعر بانفعالات مباشرة تطغى على المشهد الحسي. كذلك يتناول نص إيسا فقط شجرة البرقوق الأبيض خارج الأسوار؛ يرمز الشاعر إلى جمال الطبيعة البِكر وهي في منأىً عن العالم البشري البائس، قبل أن يمتد إليها فيبدد روح هذا الجمال الساحر!

علامات القطع (الكيرجيKireji):

الكيرجي هي كلمة قطع نحوية مكتوبة ومنطوقة في آن واحد في الهايكو الياباني، وليس لها معادل لفظي في أي من اللغات الأخرى، حيث تستخدم -عوضا عن ذلك- علامات الترقيم. تقسّم  الكيرجي النص إلى جزأين إيقاعيين، أحدهما يتكون من اثني عشر والآخر من خمسة مقاطع، وتشير إلى اكتمال الجملة وأيضا إلى وقفة إيقاعية، وتضفي مسحة عاطفية خاصة على الخمسة مقاطع الأولى أو الاثنتي عشر الأخيرة، وغالبا ما تقوم بالربط بين مشهدي النص وإيجاد علاقة بينهما. ومع ذلك يرى باشو أن عملية القطع ذاتها أهم من كلمات القطع، حيث تلعب دورا أساسيا في تركيبة النص، وترتقي بالجملة النثرية العادية إلى مرتبة الشعر؛ ويزداد المعنى جمالا وعمقا وتناغما.

الهايكو الأوروبي:

يُعدّ استخدام علامات القطع في الهايكو أمرا مختلفا عليه في أوروبا وفي العالم العربي؛ فبعض المترجمين المختصين الذين نقلوا تجربة الهايكو الياباني عن لغته الأم إلى الإنجليزية مثل هارولد جي هندرسون Harold Gould Henderson (1889–1974) وآر إتش بليث Reginald Horace Blyth (1898 –1964)، قد وضعوا تلك العلامات في ترجماتهم، بينما لم يكترث بها شعراء الحركة التصويرية في أميركا؛ فقد احتوت معظم نصوصهم على عدد قليل من علامات القطع أو كادت تخلو منها، لننظر مثلا إلى قصيدة "في محطة المترو" لإزرا باوندIzra Bound 1885-1972  التي تعد محاولة أولى أقرب إلى الهايكو:

"طيفُ هذه الوجوهِ في الزحام:

بَتَلاتُ زهرِ على غُصنٍ أسود مبتل."(21)

استخدم باوند نقطتين رأسيتين في نهاية السطر الأول لتحقيق تقنية التجاور بين صورتين متباينتين في هذا النص المختزل. يُشبِّه الشاعر وجوه الناس وهي تمشي على رصيف محطة المترو في ليلة مطيرة ببتلات الزهرة المبتلة الأغصان. من خلال الجمع بين الصورتين، تنشأ العلاقة بين حياة المدينة المليئة بالزحام والضجيج والعالم الطبيعي الهادئ والساحر.

بعد باوند تزعمت الحركة التصويرية الشاعرة آمي لويل Amy Lowell 1874 –1925، وقدمت  نصوصا لم تلتزم فيها كثيرا بالشكل الكلاسيكي للهايكو:

طاووس ذهبي

تحت أشجار الكرز المزهرة

لكن ليس ثمة قارب

في البحر الممتد (2) (13)

كذلك  مضت الشاعرة ه.دويليتل Hilda "H.D." Doolittle 1886-1961 على نهج إزرا باوند وآمي لويل وغيرهما من شعراء الحركة التصويرية:

لامعة

أيتها الوردة، وحيدة في الصخر،

صلدة مثل حبات البرد(3) (14)

يذهب بعض النقاد وعلى رأسهم كور فان دن هوفالCor van den Heuval  إلى أن شعراء الحركة التصويرية- على مدى مراحلها الثلاث- لم يكن لديهم وعي حقيقي بالهايكو، ذلك لأنه لم تُتح لهم ترجمات كافية أو تحليلات نقدية عميقة تمكنهم من الوصول إلى جوهر الهايكو، ولم يكن لديهم القدرة على النفاذ إلى روح هذا الفن.(4). وعلى الأرجح أن عدم التزام هؤلاء الشعراء بخصائص الهايكو أو بالبيان الذي أصدره إزرا باوند في بداية مشوار الحركة والذي يدعو إلى التركيز على الصورة الشعرية والموسيقى الداخلية المتولدة من عمق المعنى والبعد عن التنمق اللغوي، يعكس رغبة الشعراء التصويريين في التحرر وكتابة شكل إبداعي خاص ومتميز يتسم بالاختزال والتكثيف، ويسمح لهم بالتعبير عن تجاربهم الخاصة ومشاعرهم الذاتية التي يرفض الهايكو التعبير عنها عبر الكلمات المباشرة، ومن هنا كان تميزهم وتأثيرهم على معظم شعراء القرن العشرين في أوربا.

بدأ ر.ه.بليث RH Blyth بنشر مجموعته المكونة من أربعة مجلدات، حيث استخدم في ترجمته علامات القطع، نورد من تلك النصوص نصا للشاعر الياباني سورا Sora:

النجوم في البركة:

مرة أخرى زخات الشتاء

تعكر صفو الماء.

(ترجمة بليث، هايكو 1187) (15)

إلى جانب الكتابة بالأحرف الكبيرة، كان بليث يميل إلى استخدام النقطتين الرأسيتين وإلى الفاصلة أو الفاصلة المنقوطة للفصل بين مشهدي الهايكو.

وفي هذا الشأن لم يختلف الشاعر الأمريكي ربيتشارد رايت Richard Wright - الذي كتب الكثير من النصوص أثناء إقامته في فرنسا في الفترة ما بين 1958- -1960 في استخدامه لعلامات القطع عن بليث:

تاركاً عشه،

يغطسُ العصفور لثانية،

ثم يفرد جناحيه.

ينجح هذا النص البسيط الموجز في اقتناص لحظة جمالية من الطبيعة في مشهد أحادي يقوم فيه الطائر بثلاث حركات: الإقلاع عن العش ثم النزول إلى الماء، وأخيرا فتح جناحيه للتحليق. استخدم الهايكست علامة قطع في السطر الأول والثاني ليترك لنا المجال لتتبع حركات الطائر وتأمل بهاء عالمه الطليق. (16)

تتناول المحررة ريجينا وينريتش Regina Weinreich في مقدمتها لكتاب "الهايكوات" تجربة جاك كيرواك مؤكدة اختلاف هذا الشاعر عن سابقيه من الشعراء الأمريكيين في فهمه لروح الهايكو: "كان كيرواك على دراية جيدة بالهايكو... لكنه تحرر ومارس نوعًا من الرخصة الشعرية من أجل التجريب"؛ تجمع تجربة جاك كيرواك بين الأصالة من حيث الالتزام بالبساطة والابتعاد عن الخدع الشعرية، والميل إلى التحرر في تناول موضوعات الهايكو وأيضا في تشكيل بنية النص:

(17)

تحت الشمس

أجنحة الفراشة

مثل نافذة الكنيسة (نص آخر)

جاك كيرواك (كتاب هايكوس 62) (18)

Jack Kerouac (Book of Haikus 62)

الهايكو العربي:

لا يختلف الهايكو العربي عن مثيله في أوروبا وأمريكا، حيث لا يمكن تطبيق علامة القطع المتعلقة بالنموذج الياباني الكلاسيكي على نصوص الهايكو العربية؛ فالـ ""ya و والـ kana"" علامتا قطع لفظيتان في المقام الأول، وليس في العربية ما يعادلهما، "غالبًا ما تشبه الـYa النقطتين الرأسييتين (:) إلى حد كبير، ولكن ليس دائمًا؛ بينما تعادل الـ kana، التي تُستخدم عادةً في نهاية النص، علامة الحذف (...) أو استفهام أو تعجب. في تجربة الهايكو العربي.

يكاد يخلو ديوان "جنازات الدُمى" للشاعر اللبناني ربيع الأتات من علامات القطع، على الرغم من أن الهايكست اتّبع التوريوازة ثنائية المشهد في معظم النصوص:

تحطم الاكواريوم

الأسماك تقتات

زجاجا مهشما

(جنازة الدمي 24)  (19)

يحتوى السطر الأول على المشهد الأمامي وهو المكان: الأكواروم المحطم، ثم ينتقل النص تلقائيا إلى السطرين التاليين دون قطع مطلقا. هنا يؤمن الشاعر بمقولة باشو أن الأهمية تكمن في عملية القطع وليس في العلامة ذاتها، فالقارئ يمكنه تركيب بنية النص وفك شفراته. وبما أن الهايكو يتسم بخاصية الاختزال التي تزيد من تكثيف المعنى، نرى أنه لا ضرورة لذكر كلمة "مهشم" في السطر الأخير، حيث تشير إلي دلالة هذا المعنى كلمة "تحطم" في بداية السطر الأول. في ذات الديوان تمضي بنية معظم النصوص على وتيرة واحدة ولا تختلف كثيرا عن النص أعلاه:

يوم الصيد

بحذر يحط الدوري

على ظله (20)

بدأ الشاعر نصه بـ"كيغو ضمني"، تلك الإشارة الموسمية تعني مدى أهمية الطبيعة ومدى ارتباط الإنسان بها، في الواقع تمثل الطبيعة لشاعر الهايكو مصدرا للطمأنينة والهدوء والسمو الروحي. يسلط ربيع الأتات بؤرة عدسته على الحدث حين يحط الدوري على ظله بشيء من الحذر، ولا نكاد نسمع صوت الذات في مشهدي النص المأخوذين من تفاصيل الطبيعة وحركة كائناتها، (جنازات الدمى ص.25)

أنواع الكيرجي Kirji

يوجد حوالي ثمانية عشر نوعا للكيرجي، لكن الأكثر شيوعا نوعان، هما الـ  "Ya" والـKana  :

أولا Ya ():

توضع  كلمة القطع "Ya" غالبا في نهاية السطر الأول، كوقفة نحوية وإيقاعية تعطي مساحة لالتقاط الأنفاس والتأمل، وتهيئ القارئ للانتقال من المشهد الأمامي إلى "الحدث" الأساسي بشكل سلس، ولهذه الكلمة أشكالٌ كالفاصلة (,) والفاصلة المنقوطة (؛) والنقطتان الرأسيتان(:) والشرطة (-) وعلامات الحذف (...)، والمتأمل في نصوص الشعراء اليابانيين الأوائل يلحظ وفرة علامات القطع، فكل واحدة منها تسهم في وضع جمالية فنية معينة داخل القصيدة:

عظام مكسوة بريش،

أفكر في الريح التي

ستخترق جسدي

باشو

مجلة الفيصل (32) (21)

...

تمثل تجربة الشاعر المغربي سامح درويش في ديوانه "خنافس مضيئة" منطلقا نحو الكتابة الحداثية شكلا ومضمونا. فمع الوعي بخصائص الهايكو الكلاسيكي يتخذ الهايكست مسارا مغايرا، وينعكس ذلك على أسلوبه في تشكيل بنية قصائده المختزلة والتي غالبا ما تجمع بين الخاص والكوني، في أحيان كثيرة يمزج الهايجن هذين العنصرين عن طريق اشتراكهما في فعل الحدث، ولا يلتزم بالطريقة الكلاسيكية التي تقضي بأن الهايكو شعور إنساني تجاه الطبيعة، على عكس ذلك تتأثر الطبيعة أحيانا بالإنسان وتتجاوب مع مشاعره وعالمه الداخلي، فينتج عن هذه التقنية أحداث مفاجئة تحدث المفارقة، وهي عنصر أساسي للدهشة:

بدغْدغَاتِ ظِلّ يدِي،

تطِيرُ بهْجةً

سمَكاتُ الوَادي. (22)

نلاحظ مدى التماهي بين عنصري الطبيعة والإنسان حد تأثر الطبيعة ذاتها بالتفاصيل البشرية، فسمكة الوادي بشكل مجازي تبتهج عندما تستشعر دغدغات ظل اليد، وتلك الصورة غير مألوفة في الأنماط التقليدية. وكعادة الشاعر في معظم نصوص الديوان ينهي السطر الأول بعلامة قطع، وهي غالبا ما تكون فاصلة تمنح القارئ مساحة للتأمل والتأويل قبل أن يعرج على الحدث في السطرين التاليين.

حجَرة الوادِي الملْساءْ،

ما صقَلَها

غيْرُ حنَان الماءْ. (23)

-2-الكانا  Kana

عادة ما تكون الكانا في نهاية السطر الأخير، وهي بمثابة تنهيدة أو إحساس مفاجئ بالدهشة نتيجة حدوث اللا متوقع. وغالبا ما تأتي في صورة علامة تعجب أو استفهام نهاية السطر الثالث، وتشير إلى مشاعر الفرح، الحزن، الذهول، التعجب، الفزع ... أو إلى أي نوع من المشاعر الإنسانية.

في ديوان "تهمس البوكنفيليا مثقلة بأزهارها الحمراء" الذي صدر ضمن الأعمال الشعرية الجزء الأول للشاعر محمد الأسعد تحتوي بعض من النصوص على علامة القطع "الكانا"، علامة تعجب أو استفهام في عدد قليل من النصوص، وهذا يعني أن بنية معظم النصوص تأملية أحادية المشهد، تتسم بالنفس الهادئ وتنتهي بقفلة انسيابية توقظ القارئ كالنور المفاجئ وتجعله قادرا على اكتشاف المعاني الخبيئة بالنص وتؤدي في النهاية إلى الإمتاع والدهشة:

أتساءل

في أي حدائق مهجورة

تتساقط أزهار الجاردينيا؟(152) (24)

في هذا النص الموجز  يمضي الهايكست مهموما بأشجار الجاردينيا التي ترمز ربما للنفوس المعذبة في غربتها، ومتسائلا في ذات الآن عن الحدائق المهجورة التي تشير إلى عالم الغربة، حيث تكمن العذابات والآلام. يختتم الهايكست نصه بعلامة استفهام تدعو إلى التأمل والتساؤل والحيرة.

تستخدم الشاعرة التونسية عفراء قمير طالبي "الكانا" في نص بديوانها " لا أثر للرمل" الذي يكاد يخلو من علامات القطع:

في لمعة السكين،

دودة التفاح

تتأهب للخروج! (25)

تصور الشاعرة مشهدا متكاملا غير مبني على تقنية التجاور، وتنجح في جعل خيوط نصوصها تنسرب في انسيابية دون توقف كالماء السيال من النهر في قصائد أحادية المشهد، مثال ذلك:

رعشة أخيرة

السمكة في قعر الدلو

مغطاة بالطحالب

(لا أثر للرمل ص123) (26)

مختتم:

يعد تجاور الصور شيئا أساسيا في تركيبة الهايكو الكلاسيكي، وعلى الرغم من وجود تنافر بينها، ينشا نوع من التناغم بين هذه الصور نتيجة التأمل الذي ينتج عنه حالة من الوعي داخل ذهن المتلقي، كما يؤدي هذا التجاور إلى المفارقة التي هي بمثابة الشرارة الإبداعية المؤدية إلى الدهشة. تُسهم كلمة القطع  في الهايكو الياباني – وما يعادلها في الآداب واللغات الأخرى من علامات ترقيم- في تحقيق عملية التجاور، لكنها ليست أساسية كعملية القطع ذاتها التي ترتقي بالجملة النثرية إلى جماليات الشعر. ولكي يتمكن القارئ من القيام بربط أجزاء النص وسبر أغواره، عليه أن يقرأ ما بين السطور وينفذ إلى أعماق المعنى.  كما تسهم عملية التجاور في إبراز أحاسيس الشاعر؛ فمن خلال  الصور الحسية التي تلتقطها عدسة الشاعر يمكنه وصف شعوره الخاص وما يعتلج بداخله من مشاعر عميقة ومتدفقة.

 

حسني التهامي

 شاعر ومترجم وباحث في مجال الهايكو - جامعة المنوفية - مصر

.........................

المراجع:

1- https://poetrysociety.org.nz/affiliates/haiku-nz/haiku-poems-articles/archived-    articles/becoming-a-haiku-poet

2-Ira B. Nadel, The Cambridge Introduction to Ezra Pound Cambridge University Press,2007

2- Clive Bloom,1900 – 1929 Literature and Culture in Modern Britain: Volume 1, Routledge,2014:P.46

3- Clive Bloom,1900 – 1929 Literature and Culture in Modern Britain: Volume 1, Routledge,2014:P.47

(4) (Cor van den Heuval,Haiku Anthology, W. W. Norton Company ,third edition, 2000,P.24)

4-Alan Watts,the way of Zen, Knopf Doubleday Publishing Group,2016

(5)Judy Halebsky, Haiku in West Coast Poetics: What Kigo? Faculty Authored Books and Book Contributions. 132,2014

(6)Cor van den Heuvel, Nanae Tamura ,Baseball Haiku: American and Japanese Haiku and Senyru on Baseball,W.W.Norton& company New York. London, 2007,P.156

 

(6)Bill Ryan, The Influence of Buddha's Teachings on the Haiku of Jack Kerouac,Global Haiku(6)Millikin University, Spring 2009

(7) Carmen Sterba, Thoughts on Juxtaposition, Simply Haiku: A Quarterly Journal of Japanese Short Form Poetry, Autumn 2007, vol 5 no 3

(8) Jane Hirshfield, Ten Windows: How Great Poems Transform the World, Knopf Doubleday Publishing Group,2015.

(9)Heron’s Nest, Volume XIV, Number 3: September, 2012.

10-عبدالكريم كاصد، دار أروقة، شجرة عند الباب، مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر- القاهرة 2021 ص 23.

(11)ترجمة حسن الصهلبي، صوت الماء- مختارات لأبرز شعراء الهايكو الياباني، الرياض، 1437ه،

12-Ira B. Nadel, The Cambridge Introduction to Ezra Pound Cambridge University Press,2007

13- Clive Bloom,1900 – 1929 Literature and Culture in Modern Britain: Volume 1, Routledge,2014:P.46

14- Clive Bloom,1900 – 1929 Literature and Culture in Modern Britain: Volume 1, Routledge,2014:P.47

(15)-Alan Watts,the way of Zen, Knopf Doubleday Publishing Group,2016

16- Richard Right, (Haiku: The Last Poems of an American Icon) Simon and Schuster,, 2001

Jack Kerouac (Book of Haikus 62)

(17)Bill Ryan, The Influence of Buddha's Teachings on the Haiku of Jack Kerouac,Global Haiku,Millikin University, Spring 2009

18- Kerouac, Jack. Book of Haikus, Weinreich, Regina (ed.), N.Y.: Penguin, 2003.

+2019-ربيع الأتات، جنازات الدمى، دار النهضة العربية، بيروت،2016، ص 12/24

(19-20)Bill Ryan, The Influence of Buddha's Teachings on the Haiku of Jack Kerouac,Global Haiku(18)Millikin University, Spring 2009

(19-20)- ربيع الأتات، جنازات الدمى،منشورات دار النهضة العربية، 2016، ص 24 (21)حسن الصلهبي، كتاب الفيصل- صوت الماء –مختارات لأبرز شعراء الهايكو الياباني، دار الفيصل الثقافية-الرياض، رقم 11 هدية مع   العددين 477/ 478 ص36

(24) محمد الأسعد، الأعمال الشعرية-الجزء الأول، كتاب مرايا الشعري، دار الإسلام للطباعة والنشر، 2009، ص 152.

(25)عفراء قمير،لا أثر على الرمل لأعود، دار فضاءات، عمان،2016،ص19

(26)عفراء قمير، لا أثر على الرمل لأعود، دار فضاءات، عمان،2016،ص123

 

 

فيصل سليم التلاويليس الشاعر نحويا ولا ينبغي له أن يكون كذلك، وإلا فارقه إلهام الشعر الذي لا يرتضي (ضرة)، ولا يقبل منافسة مع سائر الفنون الأدبية. وإلا فإنه يستبدل بدفقاته الغزيرة الصافية الصادقة نتاج صانع محترف، كأنما ينحت كلماته بإزميل نحات ماهر، فتأتي بديعة الشكل والقوام، لكنها جسد خالٍ من الروح، ومن النفس المتوهجة الوثابة.

وقد اختلف الشعراء منذ القدم في طريقة معاودتهم النظر في قصائدهم بعد فراغهم منها، وذلك منذ البدايات الأولى للشعر، فقد وجدت فئة قليلة من شعراء العصر الجاهلي تعاود النظر مدققة فاحصة لقصائدها، مطيلة التأمل والمراجعة حتى سُمّوا (عبيد الشعر)، ومنهم من كان يمضي حولا كاملا في مراجعة قصيدته، حتى سميت قصائدهم بالحوليات، ومن أبرز هؤلاء زهير بن أبي سلمى.

ومن الشعراء من كان يعاود النظر بعد الفراغ من البيت الواحد أو من القصيدة كلها، مدققا في سلامة كلماتها، وفي مطابقتها للقواعد النحوية خاصة رويّها، ويكتفي بهذه المراجعة السريعة. ومنهم من لا يلقي بالا لذلك، ويترك الأمر على عواهنه، وعلى الصورة التي تفتقت عنها قريحته، وتدفقت على لسانه للوهلة الأولى.

وتبعا لذلك ولأن الغيث لا يخلو من العيث، فإن المتتبع المدقق لا بد وأنه ملتقط لدى كبار الشعراء قبل صغارهم هفوات نحوية ولغوية أحيانا، مَرَدُّ بعضها للغفلة والتسرع وعدم الانتباه، وذلك وارد حتى عند شعراء المعلقات في العصر الجاهلي. فقد روي في كتب تاريخ الأدب أن النابغة الذبياني لما أنشد قصيدته (المتجردة)، التي وصف فيها زوجة الملك النعمان بن المنذر، والتي مطلعها:

من آل ميةَ رائحٌ أو مغتدي         عجلان ذا زادٍ وغير مُزوَّدِ

مضى فيها إلى قوله:

زعم البوارحُ أن موعدنا غدا      وبذاك خبرنا الغرابُ الأسودُ

ولم ينتبه إلى ما في ذلك من إقواءٍ برفع الدال في كلمة الأسودُ على عكس سائر القصيدة، التي رويها دال مكسورة (مُزودِ)، ولاحظ سامعوه ذلك وتهيبوا أن يُخَطِئوه مباشرة، فأوعزوا إلى جارية أن تتغنى بالقصيدة على مسامعه، وتطيل المد في كلمة (الأسودُ) حتى انتبه لخطئه، واستدرك هفوته فقال:

زعم البوارح أن موعدنا غدا    وبذاك تنعابُ الغرابِ الأسودِ

و مثله في ذلك مثل بشر بن أبي خازم الذي نبهه أخوه سوادة: إنك تقوي. قال: وما الإقواء؟ قال: قولك:

ألم ترَ أن طول الدهر يُسلي       ويُنسي مثلما نسيت جذامُ

ثم قلت:

و كانوا قومنا فبغوا علينا         فسقناهم إلى البلد الشـــآمِ

فلم يعد بعدها للإقواء.

وذكر أن بعض شعراء العصر الأموي كان يلحن، ومنهم الفرزدق الذي هجا عبد الله بن يزيد الحضرمي البصري، الذي كان ينتقده ويتعقب لحنه، فقال:

فلو كان عبد الله مولى هجوته     ولكن عبد الله مولى مواليا

فقال له الحضرمي: لحنت أيضا. ينبغي أن تقول مولى موالٍ. (وذلك بحذف ياء الاسم المنقوص عند تنوينه رفعا أو جرا).

وبعض قمم الشعراء يخطئون في استخدام بعض المفردات، لا تدري أكان الباعث على ذلك سهوا وزلة، أم أن قيد القافية يرغمهم على اختيار الكلمة ولو كانت غير مناسبة، فتأمل قول المتنبي في مطلع إحدى مدائحه لسيف الدولة وهو مطلع ذائع الصيت، حيث يقول:

لكل امرئٍ من دهره ما تعودا

و في ذلك حكمة جرت مجرى الأمثال، لأنها مطابقة لطبائع البشر، حيث أن كل إنسان يسير على ما اعتاد عليه، ومن الصعب تغيير عادات المرء التي ألفها وتعايش معها، لكنه في شطره الثاني الذي أراد فيه أن يخص سيف الدولة بعادة مُشرِّفة، تتسم بدوام الشجاعة والبطولة، ومواصلة مقارعة الأعداء، اختار أن يكمل قائلا:

وعادة سيف الدولة الطعن في العدا

فإذا عدنا إلى معنى طعن في (معجم المعاني الجامع) فإننا نجد:

طعن بالرمح ونحوه: وخز به بغرض القتل

طعنه بلسانه: عابه، شتمه، أساء إليه بالكلام

و في التنزيل الحكيم (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر) - الآية 12 من سورة التوبة -. وطعنوا في دينكم: أي عابوه وانتقصوه.

طعن فيه أو في حكمه أو نسبه: عابه وذمه، ويقال : طعن في الانتخابات بالتزوير. طعن في الشاهد: اعترض على شهادته

طعن في الأمر: اعترض عليه، وأثار حوله الشبهات. طعن في السن: هرم وشاخ.

فهل كان سيف الدولة يطعن في الروم بمثل هذه المعاني التي تقدمت لكلمة طعن في؟

الصواب أن يقال طعن سيف الدولة العدا دون حرف الجر في، أما قولنا طعن في، فلا تستخدم إلا للسان، بمعنى ذمه وذكره بسوء، ونحو ذلك طعن في عرضه، وطعن في شرفه، وطعن في صدق حديثه.

فهل هذا ما أراده المتنبي؟ وهل كان سيف الدولة يطعن في أعراض الروم وأحاديثهم بلسانه، أم كان يطعنهم برمحه وسيفه؟

كيف كان صدر البيت يمثل افتتاحية مدوية، وكيف انتهى عجزه ركيكا هزيلا حتى عند شاعر كل العصور، الذي ملأ الدنيا وشغل الناس؟ إنها الزلات التي لا يفلت منها حتى الكبار.

فإذا انتقلنا إلى أمير شعراء العصر الحديث، وهو المبدع الفرد في تدفق قوافيه، وجمال صوره وسلاسة أسلوبه، وكلماته المنتقاة جزالة أو رقة تبعا للمقام، وانسياب موسيقاه، مع كل ذلك لا نستبعد أن نجد هفوة، كالتي وردت في بيته الذي يحث فيه الشباب على صحبة الكتاب، وتفضيله على غيره من الصحاب في قوله:

أنا من بدَّل بالكتب الصحابا         لم أجد لي وافيًا إلا الكتابا

و قد أراد أن يقول: إنني اخترت الكتب أصدقاء، وتخليت عن صحابي وأنني لم أجد صاحبا وفيا إلا الكتاب.

لكن المعروف أن حرف الجر الباء يدخل على الشيء المتروك، وليس على المأخوذ، وإن أجاز بعض أهل اللغة دخول الباء على المأخوذ، لكن الأبلغ دخول الباء على المتروك لأنه أسلوب القرآن الكريم. ومثال ذلك قوله تعالى: (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير) - الآية 61 سورة البقرة- وقوله تعالى (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار) - الآية 175 سورة البقرة -. فهو يوبخهم في الأية الأولى لتركهم الذي هو خير، واستبداله بما هو أدنى منه، وفي الآية الثانية يتوعد الذين تركوا الهدى وأخذوا الضلالة، وتركوا المغفرة وأخذوا العذاب، يتوعدهم بالنار.

وبالعودة إلى صدر بيت شوقي فإن معناه يصبح تبعا لذلك،(أنا من تخلى عن الكتب، واتخذ الصحاب بدلا عنها) وهو عكس المراد. وكان الأنسب أن يقول لو أنه تروى وأعاد النظر في قصيدته:

أنا من بدَّل بالصَحب الكتابا      لم أجد لي وافيا إلا الكتابا

ما سقناه من أمثلة ليس سوى غيض من فيض، وإذا كانت هذه الهنات قد صدرت عن عمالقة الشعراء في مختلف العصور، فما بالك بغيرهم من سائر الشعراء؟

ومن يتتبع شعراء المهجر مثلا، يجد عندهم ما لا يحصى عده من الأخطاء النحوية والعروضية. وشفيعهم أنهم شعراء فقط وليسوا نحويين، وأنهم قدموا لنا شعرا يتدفق عاطفة بفعل التشوق والحنين إلى الوطن، الذي أكسبتهم إياه غربتهم الطويلة في الأمريكتين، وتلك الروح الإنسانية والنظرات المتفائلة التي تحملها قصائدهم، بفضل اطلاعهم على الآداب الأجنبية وتأثرهم بها، وشفيعهم أنهم لم يحرزوا قسطا وافرا من الدرس والتحصيل، بل اغتربوا مكافحين وراء لقمة العيش، فرققت الغربة والمهاجر أحاسيسهم، فأنطقتهم بالشعر العذب، وقد عبر عن ذلك أحدهم، وهو الشاعر إلياس فرحات، في قصيدته التي سنثبت معظم أبياتها لجمالها وصدقها:

يقولون عمن أخذت القريضَ       وممن تعلمت نظـــم الدُررْ

وأين درست العروض وكيـــــــــــف  تلقفت هذا البيان الأغرْ

وما كنت يـومًـا بطالب علمٍ        فإنا عــرفناك منذ الصغـــر

فقلت أخذت القريض صبيا       عن الطير وهي تغني السحر

وعن خطرات عليل النسيم       يَمُرُّ فيشفي عليل البشـــــــــر

وعـــــــــن ضحكات مياه الجداولِ فوق الجلامد تحت الشجر

وعن زفرات المحب الأديب    يزاحمه الموســـــــــر المقتدر

وعن نظرات الحسان التي      يكدن يغلغلنها فـــــــي الحجر

وعن عبرات الحزانـى الضعافِ ففي عبرات الحزانى عِبَـــر

كذاك تعلمت نظم اللآلي       لفرط الغرام وطول الســــــهر

لئن كنت لـــــم أدخل المدرساتِ صغيرا ولا بعدها في الكبر

فذا الكون جامعة الجامعات   وذا الدهــــــر أستاذها المعتبر

فمن يحيَ يوما ولا يسـتفيدُ   فأعمى البصيرة أعمى البصـر

فما انتقص شيئا من جمال قصيدته أنه لم يتقن النحو، فلم يجزم الفعل المعطوف على فعل الشرط في صدر البيت الأخير (ولا يستفيدُ) فيجعله (ولا يستفدْ) مع أن الوزن يبقى سليما على البحر المتقارب (فعولن فعولن فعولن فعو) بدلا من (فعولُ) في التفعيلة الأخيرة.

لكننا نختم حديثنا بمثل ما ابتدأنا به، فليس من لوازم الشاعر أن يكون نحويا، وإلا قدم لنا تماثيل صماء بكماء باردة لا حياة فيها، وإن كانت بديعة الصنعة.

 

فيصل سليم التلاوي

 

قاسم ماضيبإنشغالات موضوعية في المجموعة القصصية حاسة الرقص للقاص العراقي عزيز الشعباني

يدخُلك في مشروعه السردي الجميل والغير مترهل، قاصدا في قصصه الدلالية التكثيف من خلال شخوص مروا بحياته،فأراد ان تكون شاهدة على عصره، بحيث يشعرك بأنك لا تريد ترك مجموعته القصصية التي وقعت بين يدي في هذه الغربة القاسية وأشعلت هذه الحكايات في قلبي الحنين والتوق إلى الوطن .

هكذا انتابني شعور صارخ بكل ما في الشعور من معنى ص18

 لطاما كنت حريصا أن أعيش مع لحظات هذ ه القصص الرائعة والجميلة والتي كتبها السارد بروحه وعقله، وهو يخلق الوجع الحقيقي مع المتخيل الذي تراكم ومن خلال التدفق القرائي الذي تبناه السارد، وهذا المخيال جاء مدروسا ً من أوسع الأبواب،ومعظم قصصه تحتوي على أفكار ملتهبة وناضجة وفيها من الحِكم الكثير،واحساس بمرارة الحياة، لكنه ظل متمسكا بالحب والحياة، ويا لهذا القلب الذي يحمله كاتب هذه المجموعة .

 هل تظن يا أبي أن الفرح سيزيل البغضاء عن القلوب ص56

 وكأنه يكتب عني وبلسان حال الجميع، وهو يرسم بلغته المعبرة كل هذه الفوضى والصراخ لما مر به بلده، فالصدق هو عربته الوحيدة التي إرتكز عليها عبر خارطة عمل واضحة ومقصودة أراد ايصالها بلغته الشيقة والغنية بالوصف والتعبير عن مكنوناته الداخلية،حتى هذه الأزمات والانكسارات التي يعاني منها ظلت ترافقه وكأنها شريط سينمائي مسجل في ذاكرته .

حتى اللحظة أحاول أن أتشبث لإلتقاط صورة واحدة على الأقل للتعرف على معالم المكان، لأخرج من هذا العدم الذي انزلقت فيه روحي ص24

2784 عزيز الشعباني هذا العالم الثري الذي تختزنه ذاكرة المبدع هي التي تشتغل على عدة آليات كي تنتج شيئا مثمرا لهذ ا القارئ،وذلك لأنه الأداة التعبيرية التي تسهم في البناء الفني لعناصر القصة ضمن المتصور المحكي حتى يوصلنا الى أهدافه، فأخذ مقياس القص التي إنطلق منها وهو يشبه الباحث والمتخصص في مجاله مما أسس لنا الرؤى والثوابت، وظل السارد الشعباني مهرولا بعوالمه الداخلية المتمثلة بالبعد النفسي والاجتماعي،التي أنتجتها هذه العقلية التي تحتكم إلى الحكمة والمعرفة . .

 لكن ما الذي حدث؟ لماذا أحسست فجاءة بالغربة؟ ليس عما حولي أو أحد معين، بل عن نفسي !ص19

حتى قيل عنه في نهاية المجموعة من قبل الناقد المخضرم بشير حاجم مما تقدم عن حاسة الرقص هنا، يكمن الخلوص بثقة، إلى أن المشروع السردي ل عزيزي الشعباني، حصرا ً الآن، قد بدأ بمجوعة قصصية ناجحة .

وهنا أجد في هذه السرديات وعوالمها البعيدة والقريبة المتخيلة، وغير المتخيلة تأخذك إلى طرق عديدة ومنها الموت، الحزن، الفرح، المآسي، الحسرة، الألم، الوطن، الغربة، الطائفية، الإحتلال كل هذه الآلام والفواجع، تجدها في هذه المجموعة المعنونة حاسة الرقص للكاتب والروائي عزيز الشعباني وهي من القطع الصغير وتقع في 89 صفحة وعن دار نشر دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر والتوزيع .

ويبدو السارد الشعباني يجيد تقنيات السرد بعد هذا المخاض الطويل في الكتابة السردية معتمدا على أهمية تغذية العقل، وقد إستعان السارد الشعباني بوسائله المعروفة والهامة في تشكيل البناء السردي و كيفية إيجاد تنظيم وتجانس بين مكونات القص . .

 تكاثفَ ضجيج الخوف في رأسه، تشوش الألوان، قرقعة السلاح ص68

 وكما يقال من قبل البعض بالصور الإيجابية والسلبية، لاشك بأن على الإنسان تغذية عقله بالأفكار والصور الإيجابية، والتي تحمل في مجملها رسائل الحب أو الخير والنجاح والفلاح، فتغذي عقل الإنسان بمثل هذه الصور تساعده على عيش حياة مليئة بالسعادة والنجاح وتجعله أيضا يحقق من النجاحات والانجازات والمراتب العليا ما لا يستطيعه الإنسان الذي يملأ رأسه بالأفكار السلبية والصور المدمرة ومعاني الشر والإحباط والقلق ويركز عليها 1

 كنا نبحث عن السعادة بعيدأ عن الإكتواء بألمنا اليومي، لهذا إستدعينا الفرح فجعلناه مهرجاناً من أضواء وموسيقى والغناء الحنون . ص 19

وبهذا يحاول أن يعرف السارد الشعباني ومن خلال مجريات هذه القصص ومنها الحرب والفرح، تنهدات ساعة سحر، ارحلوا والا، المدفع 106، الألفين وستة، عنة النواعير وغيرها من قصص المجموعة .هذا الواقع الذي عاشه ورسم مداخله بكل تفاصيله التي أنطلق منه .

 بعد الحرب وجدت أمي تنظف النوافذ بلا زجاج، وأبي يخبز جوعنا بلا طحين ص44

 وبالتالي عبّر عن هذا الصدق المدفون في أحاسيسه، حتى تجد عنوان هذه المجموعة التي كتبها المؤلف الشعباني ومن خلال نسيج محبوك لا يتيح للقارئ ان ُيضيّع كلمة واحدة في هذه القصص التي اعتبرها تفاعلية وجدلية، حيث تجد منذ لحظة القراءة الأولى هي لحظة بروز مستويات هذه النصوص التركيبية والدلالية .

 تركني أروّضُ المحنةَ بالصبر، وأحكي للصغار قصة وطن مضفور من قصب، وأجرح دموعي في هدهدات أغنية علقتّهَا على ثيابي نافذة جدتي ص72

وحتى لا يفوتني كما نوه في مقدمة المجموعة القصصية الناقد بشير الماجد تناص العنوان اجترار، تحويلا، امتصاص، أيضا تقنية المفارقة، ثالثا، وذلك بكسر الانتهاء لتوقع الابتداء، فجاءت مقدمة الكتاب جميلة جدا وهي ترسم معالم الحداثة النقدية عبر الإشتغالات التي أراد لها الحاجم وهي واضحة لمفاهيم النقد الحديث وكان الحاجم يشخص الأشياء بمسمياتها في هذه المجموعة .

 في أفقنا الذاتي وما علينا سوى إضفاء النور عليها لتشع ص40

وهنا نقول التناص هو كتابة نص على نص، جملة على أخرى، بيت شعر على بيت آخر، أو بأنه لوحة فيسفسائية أو قطعة موزائيك من زخارف وبالتالي هي ايصال المعلومة للقارئ بمعنى جديد، والتناص هو التفاعل في نص بعينه فكان القاص موفقاً في إيصال هذه المعاناة إلى الآخر، عبر اليات عديدة كما وصفها إبن منظور في معجمه لسان العرب الكشف والإظهار والإبانة .

وبهذا سجل القاص الشعباني ومن خلال عشرين قصة في هذه المجموعة أهمية بالغة في نقل وتسجيل الأحداث والمواقف حتى بلورت الصورة عن هيكلية لمنظومة حكاياته التي لا يمل منها أحد، فبناءه السردي قائم على بنية خطاب سردي منتج ومقصود ومن خلاله تحركت جميع شخصياته، عبر لغة مكثفة وفيها من الوصف الكثير .

 

قاسم ماضي – ديترويت

 

ايمن عيسىمنذ ظهور فيروس كورونا وتفشيه فى أنحاء العالم، كان لهذا التفشى الأثر البالغ فى ميادين عديدة، وأسرع الباحثون والدارسون يتتبعون آثاره فى عدة مجالات، كان أبرزها الجانب الاقتصادى . بينما لم يتطرق إلا قلة معدودة إلى الجانب اللغوى محاولين البحث فى اصطلاحات تعلقت بانتشار المرض وراجت فى وسائل الإعلام المختلفة . من هنا فإنا نمتد فى هذه الدراسة إلى الكشف عن تداعيات كورونا فى الحقل اللغوى والتداولية الألسنية. وفى إطار ذلك نسهم فى مناقشة بعض الآراء التى كادت أن تفتعل أزمة اصطلاحية دون روية، كما نسهم فى تعرف بعض الفروق اللغوية الدقيقة بين مصطلحات مستخدمة متعلقة بهذه الجائحة .

وتتمثل تداعيات كورونا فى الحقل اللغوى فى هذه المحاور:

1- إلماع كلمات موجودةك

القاموس اللسانى لأى أمة يحوى الكثير من الألفاظ والمفردات، ومن هذه الألفاظ ما ينشط تداوله بحدوث شىء معين يوهج استخدامها على الألسن، ومن ذلك تلك الألفاظ التى نشطت بعد كورونا أو تقيدت بالإضافة إليها، ونشاطها لا يعنى أنها كانت خاملة ثم نشطت، بل يعنى أنها أصبحت متداولة على الألسن أكثر مما كانت عليه، لذلك آثرنا استخدام عبارة " إلماع كلمات موجودة " . وهذه الكلمات هى:

- وباء: الوباء مرض سريع الانتشار ولكن داخل منطقة جغرافية واحدة أو حدود دولة لا يتخطاها، ومهما كان عدد ضحاياه فلا يوصف إلا بأنه وباء، ذلك لأن له حدا جغرافيا وقف عنده ولم يتجاوزه . لذلك نلاحظ حين كان الفيروس لا يزال قيد مدينة واهان بؤرة المرض وحتى فى مرحلة انتشاره فى الصين فقط، كان الوصف المستخدم لهذا المرض فى وسائل الإعلام يقال "وباء كورونا" .

- جائحة: الجائحة مرض سريع الانتشار يتخطى الحدود الجغرافية ويمتد لأكثر من دولة، من هنا حين خرج المرض من حدود الصين وبدأ يعرف ضحاياه فى دول عديدة، اكتسب اصطلاحا جديدا وهو " جائحة "، عندئذ كان استخدام هذا الاصطلاح الذى يعبر عن مدى الفاجعة التى أصابت العالم .

والجائحة فى أصل اللغة هى البلوى تحل بالرجل فى ماله فتجتاحه كله، ويقال سنة جائحة أى جدبة لا ثمر فيها، من هنا كانت جائحة لأنها تجوح بالشىء الكثير فتهلكه . وبناء على هذا الأصل اللغوى ذهب أحد المتحدثين عن اصطلاح جائحة كورونا إلى تخطئة هذا المصطلح، وتقييد كلمة جائحة بما ورد فى الأصل اللغوى فقط وهو هلاك المال أو الثمر، مطالبا باستخدام لفظة " مرض " لأن جائحة إنما هو خطأ لغوى على حد قوله .

ووافر الاحترام والتقدير لكل مجتهد فى الرأى، ولكن تقييد اللفظة بما جاء فى الأصل اللغوى بل وتخطئة استعمالها الجديد، فإنه بذلك يلغى تماما علم الدلالة وينكره، وينكر الاتساع اللغوى ونقل اللفظة من أصل الاستعمال اللغوى إلى معنى جديد . وهذا مبحث أصيل دأب على تناوله القدماء والمحدثون بداية من " مجاز القرآن " لأبى عبيدة، كما أن معاجم عديدة تعرض للكلمة فى الأصل اللغوى وما أصبحت عليه من دلالة جديدة، وأبرزها " أساس البلاغة " للزمخشرى .

والذى يقطع القول فى ذلك وينهى أى خلاف ناشىء، هو القرآن الكريم، فالقرآن الكريم نقل العديد من الألفاظ من المعنى الأصلى إلى معنى آخر جديد . ومن ذلك مادة " وسوس " فالوسوسة فى أصل اللغة هى صوت الحُلى أى صوت تضارب الذهب مع بعضه، فأكسب القرآن الكريم دلالة جديدة للفظة وأصبحت ما يلقيه الشيطان فى النفس، لأن ما يلقيه الشيطان فى النفس له طرب وهوى فى النفس الضعيفة تنجذب له مثلما ينجذب السامع لصوت تضارب الذهب فيلقى أريحية فى نفسه . وغير ذلك كثير من الألفاظ التى انتقلت من أصل المواضعة اللغوية إلى معان أخرى عديدة .

وفضلا عن ذلك وإزاء كل هذا الفتك، أيهما أكثر طاقة دلالية وتعبيرا حقيقيا عن الموقف، " مرض كورونا " أم " جائحة كورونا " . كلمة مرض هى كلمة عامة، الفرد الواحد إن أصابته جرثومة فى المعدة فهذا مرض، والجمع إن أصيبوا فهذا مرض لكن أثره يسمى جائحة، لأنها جاحت بالكثيرين من البشر مرضا وموتا . فلفظة مرض مع أنها عامة إلا أنها متعلقة بالمرض فقط، أما جائحة فهى تشمل المرض وآثاره .

- نازلة: يتضح من المعاجم اللغوية أن النازلة أعلى من الجائحة، فالجائحة إن كانت بلوى، فالنازلة فى المعاجم هى البلوى الشديدة . وقد ذهب واحد من المتحدثين إلى أن الجائحة للفرد والنازلة للجمع، وهذا قول مردود لا نجد له أصلا علميا، فمر بنا القول " سنة جائحة " أى عام مجدب، إذن الجائحة تقع على الجميع مثلما تقع على فرد . الأمر كما توصلنا النازلة أعلى من الجائحة . وهذا هو اللفظ المستخدم فى الشريعة، فيقال " فقه النوازل " ولا يقال " فقه الجائحات " .

ولكن برغم كل هذا الفتك الذى أحدثته كورونا، لماذا يقال جائحة كورونا ولا يقال نازلة كورونا؟

المسألة لا تعدو إطار أثر الإعلام فى توجيه التداولية الألسنية، الإعلام استخدم لفظة جائحة وسارت خلفه الألسن . وعموما فإن لفظة جائحة و لفظة نازلة، يتبادلان الاستخدام من باب المجاز اللغوى، حيث علاقة البدلية والمبدلية .

- أزمة: لمعت كلمة أزمة مضافة إلى كورونا حين بدأت الأخطار الاقتصادية والخسائر الفادحة، فانتشر القول "أزمة كورونا"، ونلاحظ أنه بسماع عبارة أزمة كورونا فإننا نعرف أن المتحدث سيتكلم عن جانب الخسائر الاقتصادية بسبب كورونا .

2- اشتقاق صيغ صرفية جديدة:

وهى صيغ صرفية جديدة اشتقتها التداولية الألسنية من لفظة " كورونا "، وهى:

- نكـُورَن: وهى صيغة كثر تداولها على ألسنة الذين لا يعبأون بهذا الفيروس، فيتصافحون ويتعانقون، فإذا لام عليهم واحد، يقول أحدهم ضاحكا: نكورن مع بعض، أى عادى أن ينقل أحدنا الفيروس إلى الآخر أو نتبادله سويا .

- متكورن: أى مصاب بالكورونا .

- وهناك صيغة صرفية قائمة الاستخدام، وهى صيغة " متفيرس "، إلا أن الجديد فيها هو النقلة الدالية، حيث انتقلت من استعمالها مع الأجهزة الحوسبية إلى البشر أنفسهم، فيوصف بها الشخص المصاب بفيروس كورونا .

ونلاحظ أن هذه الصيغ الصرفية جرت على ألسنة العامة، ومن ذلك فإن تداعيات كورونا فى الحقل اللغوى قد امتدت إليه فى جانبيه الفصيح والعامى .

 

د. أيمن عيسى - مصر

 

 

الكبير الداديسيمن خلال رواية عزوزة للزهرة رميج

تعد الزهرة رميج رقم هام في الأدب المغربي المعاصر بحكم ما راكمته من مؤلفات أغنت بها الخزانة المغربية والغربية ب من الأعمال السردية والمسرحية الإبداعية والمترجمة، فالإضافة إلى ست مجموعات قصصية، للكاتبة عدد من الروايات منها

أخاديد الأسوار: ط1 المركز الثقافي العربي/ الدار العربية للعلوم، بيروت، 2007.

عزوزة: ط1 مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء2010.

الناجون: دار فضاءات للنشر والتوزيع، الأردن، 2012

الغول الذي يلتهم نفسه. دار النايا ودار محاكاة، سوريا، 2013

الذاكرة المنسية (سيرة ذاتية) دار فضاءات للنشر والتوزيع، الأردن، 2017

وتبقى رواية (عزوزة) - الصادرة في طبعتها الأولى عن مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء سنة2010 في 373 صفحة موزعة على 46 فصلا مرقمين ترقيما تراتبيا - من أهم ما أبدعت أنامل رميج بحسب كل النقاد الذين قرأوا مؤلفاتها:

تحكي رواية عزوزة حياة البطلة - التي اختير اسمها عنوانا للرواية - منذ ولادتها إلى ما بعد وفاتها لكن الكاتبة اختارت لروايتها بناء حكائيا غير تسلسلى فتبدأ الرواية وعزوزة في غرفة العمليات بعد وفاة زوجها تحدث ابنتها الكبرى حليمة تخبرها أن زوجها المتوفى يزورها في المنام ويستعجل قدومها وأنها تشتاق إليه، ليرتد السرد إلى طفولة عزوزة وهي ترتع في البادية المغربية بين أفياء الشجر و التردد بين البئر وشجرة التين المقدسة، تعيش مدللة الأسرة تربطها بأبيها علاقة لم يظفر بها أحد من أبنائه الذكور والإناث، محبوبة أمها وزوجة أبيها (الفقيهة ) التي لم تحظ بالإنجاب. في مراهقتها يتولد لديتها تعلق بأحمد صديق أخيها عبد الرحيم، وغدا حلمها لن تقبل بغيره بعلا لها، لذلك لما تقدم لخطبتها أبن أحد الأعيان (الحلوف/ الخنزير) - الذي وصل به تباهيه بأموال أسرته حد تحضير الشاي على نار الأوراق النقدية بدل الجمر (أغلى كؤوس الشاي في التاريخ) - ثارت ثائرة عزوزة وفكرت في إذلال الخطيب بتمريغ نفسها في الرماد واعتراض موكب الخطوبة مما اعتبرته أسرة الخطيب رفضا وإذلالا فرجعت على أعقابها، وبما أن إرجاع متاع العروس والخطوبة إلى بيت العريس يعد نذير شؤم فقد عرجت أسرة الحلوف على بيت فيه بنات في سن الزواج فتخلصت عزوزة من عريس كان سيفرض عليها، ولم تكن هذه الحادثة لتمر بهدوء على والدها الذي شعر بالإهانة أمام أعيان القبيلة فأقسم على الانتقام لشرفه بجلدها، لكن أخاها عبد الرحيم و أبناء عموته خالوا دون تطبيق الأب لوعده مقدمين له ذبيحة، ومذكرينه بأن سماها على اسم أبيه (عزوز) مؤنثا الاسم الذي لم يسبق تأنيثه، وخوفا من فضائح أخرى لم يتردد الأب في قبول طلب أحمد صديق ابنه يد عزوزة، ويتحقق حلمها بالزواج من أحمد رغم رفض أمه، التي لم تتوان لحظة في الانتقام من عزوزة بكيدها وتوغيل قلب ابنها ضد عروسه، وتتوالى النائبات على عزوزة وتقلب لها الحياة ظهر المجن، بوفاة أبيها برصاصة غادرة من المستوطنين الفرنسيين، ويتبعه أخوها وسندها، وتجد نفسها وحيده بين قسوة الزمان وتربية ابتين (حليمة ونورة) وحماة لا ترحم تدعو ابنها كل حين للزواج بامرأة أخرى تنجب له الذكور، وهروبا من المشاكل اليومية بين الأم والزوجة ارتمى أحمد إلى في أحضان العاهرات والتردد على المواخير، وفي مجتمع يسمح للرجل - دون المرأة- بالخيانة يتعرف القارئ على معشوقات أحمد من العاهرات بدءا بفاطمة التي "يدلعها" بفاتي بعد زواج عشيقته الأولى مريم بأحد النصارى وغدا اسمها ماري، وفي الماخور تتوطد علاقة أحمد مع بنحمادي الذي أضحى يخطط له مسارات حياته. فعرفه على النصراني مسيو فرانسوا مما اضطر معه أحمد للانتقال من القبيلة التي عاش فيها مع أمه ليستقر في قبيلة العين الزرقاء حيث سيشتغل بدكان النصراني وتزداد نيران العداوة اشتعالا بين عزوزة والحماة يكثر الاعتداء على عزوزة، فمرة وجدت الحماة ابنتها هنية تساعد عزوزة في أشغال البيت وعزوزة على وشك وضع حملها، هاجمتها الحماة أخذت معها ابنتها لتجد عزوزة نفسها وحيدة وقد فاجأها الطمث تجهد نفسها في وضع مولودها... تغيب عن الوعي ولما عادت إلى وعيها علمت أنها ولدت ابنا ذكرا وأنه مات وتم دفنه.... أمام تضييق الخناق على عزوزة لم تجد من متنفس سوى بيت مرجانة زوجة بلخير حارس بيت النصراني فرانسوا التي ساعدتها على استرجاع عافيتها وطالبتها بالاهتمام بجمالها وجسدها... وتستمر حياتها مع أحمد على كف عفريت يعطف عليها حينا ويعنفها ويخونها أحيانا كثيرة، وتتخلص نسبيا من حقد حماتها بعدما أضحت تنوب عن ابنها في الدكان عند غيابه، و اعتقادها بأن مسيو فرانسوا يحبها بعد أن أسمعها كلمات جميلة أحيت أنوثتها، لكن سرعان ما ثارت ثائرتها وهي تراه يلاطف ابنة ابنها، لتختلق على ابنها وجود علاقة بين زوجته عزوزة والنصراني فلم يكن إلا الانتقام من عزوزة بالضرب والإهانة وتتأزم وضعية عزوزة أكثر بعد وصول نعي ما تبقى من أفراد عائلتها في فيضان النهر المحادي للقبيلة بعد أمطار طوفانية.... ويأتي ازدياد الابن الذكر (حسن) مختونا والانتقال إلى بيت جديد وتحقيق أحمد لرواج تجاري ليخفف على عزوزة بعض أزماتها مع زوجها دون أن يلين ذلك علاقة حماتها بها، ودون أن يمنع أحمد من التردد على المواخير، ليأتي خبر زواج أحمد من عاهرة (الحمرية) بعدما هجر فاتيلأنها خانت العهد بممارسة الجنس مع زبون آخر... تزوج الحمرية تأكد من عقمها ليحقق حلم أمه التي ما انفكت تطالبه بالزواج على عزوزة بعد أن أنجبت فتاتين توأما، وليلة الدخلة يختلق فكرة الرغبة في ذبح عزوزة والتخلص منها مما حتم عليها الهروب مع ابنها، وفي طريقها إلى المدينة يعترض سبيلها بنحمادي صديق زوجها الذي طالما تحرش بها، ليتقرب منها أكثر أخبرها بزواج زوجها، ووهدف أن يوغل قلبها عليه ويطالبها بطلب الطلاق واستعداده للزواج بها بعد أن يطلق إحدى زوجاته الأربع، لكنها أوقفته عند حده مقدمة له درسا في أخلاص المرأة، وحفاظا على كرامة أبنائها تقبل بالعودة إلى بيت زوجها لتنضاف لمآسيها مأساة الصراع مع ضرة عاهرة، و حرب انحازت فيها الحماة للزوجة الثانية، ولم تجد عزوزة في حربها سوى الاعتماد جمالها وحسن طبخها (الحل الوحيد الذي تملكه في صراعها مع ضرتها هو جسدهــا، ستتخذ منه سلاحـا فعـالا في معركتها معها، ومع أحمـد نفســه. ستحرمه من هذا الجسد الذي تعرف مـدى عشقه لـــه... ستترك لعابه يسيل دون أن تطفئ نار رغبته المتأججة...)[1]

تتوطد العلاقة بين أحمد وبنحمادي الذي سيعمل على تجديد علاقة أحمد بعشيقة ماري التي تزوجت نصرانيا عجوزا أصيب بشلل نصفي... لم تقتصر العلاقة على تردد أحمد على بيتها بل وصلت جرأة بنحمادي درجة ترتيب زيارة لها لبيت أحمد الذي يحتم على زوجتيه تحضير عشاء فاخر وجلسة شاي كانت سببا في اكتشافهما لهوية ماري ومصارحته بالحقيقة لتنتهي الحفلة باعتداء أحمد على زوجتيه ومواصلة علاقته بماري في السر. وبعد استحالة تطبيق طلب ماري بتبني إحدى بنات أحمد، لم يجد بدا من قبوله طلبها بشراء محصول ضيعات زوحها للسنة المقبلة، ومساعدتها على تجاوز أزمتها المالية، لكن اشتداد هجمات المقاومين على ضيعات المعمرين وإتلاف محاصيلهم واضطرار ماري للسفر مع زوجها إلى بلاده، سيصيب أحمد بإفلاس تتعقد وضعيته بعد اكتشاف أن بن حمادي كان من المتعاونين مع الاستعمار، هكذا يضيع ثروته ليجد نفسه مجبرا على الانتقال بأسرته للمدينة والتخلي عن جذوره البدوية، وفراق الأدهم فرسه ورفيق دربه الذي أعياه البحث عن مشتر يستحقه، ويصاب بحالة هستيرية لما علم أن من اشتراه سيذبحه ليأكل النصارى لحمه ... يخيم الحداد على البيت أياما، وتوثر علاقة أحمد بزوجته الثانية التي اضطرت لطلب الطلاق، كما عادت أمه لإدارة ممتلكاتها بالقرية، دون أن يعيد ذلك علاقة أحمد بعزوزة إلى طبيعتها العادية رغم محاولة كل منهما التقرب من الآخر ...

في نهاية الرواية يعود السرد لغرفة العمليات وعزوزة تتمنى الالتحاق بزوجها، وابنتها حليمة تستغرب من تعلق أمها بأحمد رغم كل ما سبب لها من مآسي في حياتها بالضرب والخيانة لتفاجأها عمتها هنية بوصية أبيها أحمد الأخيرة والسر الذي ظل يكتمه وطلب من أخته هنية عدم البوح به لابنته حليمة إلا في حالة شعورها بقرب أجلها أو أجل عزوزة، ويتعلق هذا السر بأن زواج أحمد بالزوجة الثانية العقيم كان تعبيرا عن حبه لعزوزة وإرضاء لأمه وأن طلاقه للحمرية ونفوره من عزوزة كان بسبب العجز الجنسي الذي أصابه غداة بيع الأدهم وبعد إفلاسه التجاري.

لتنتهي الرواية و حليمة تعاني حالة اكتئاب حاد نزيلة مصحة نفسية في عزلة ممنوعة من الزيارة تطالب بأوراق وقلم وما أن تحقق طلبها (حتى أمسكت حليمة بالقلم أزالت غطاءه بأصابع مرتعشة كتبت بحروف بارزة وسط الورقة العذراء: عزوزة)[2] ليتكون الرواية من تأليف الابنة حليمة.

هذه بتركيز شديد أهم أحداث رواية عززوة وهي رواية كبيرة الحجم مليئة بالأحداث لكن أهم ما يطبعها هو توثر علاقة عزوزة بزوجها رغم الحب الشديد الذي يجمعهما، وتقديم عزوزة لنموذج المرأة القروية الصبورة والمكافحة من أجل الحفاظ على تماسك الأسرة وتربية الأبناء مهما كان نوع العذاب الذي يعترض سبيلها، ونموذج المرأة المهتمة بجمالها وجسدها حتى في أحلك ظروف حياتها بل وهي على فراش الموت ولقد أخذ منها المرض والتعب ما أخذ، لازال جسدها يشع جمال محافظا على رشاقته فالرواية تفتتح باندهاش الابنة حليمة من جمال جسد أمها (اندهشت كعادتها كلما رأتها عارية من صمود هذا الجسد، كأن النيران التي اكتوى بها ... كأن البطن لم يحمل نصف دزينة من الأطفال ولا ذينك الثديين أرضعا حتى التخمة، تلك الأفواه النهمة)[3] وعلى الرغم من اهتمام الرواية بالجسد لم تكن رواية خليعة كما وجدنا لكثير من الروائيا ت لكن ذلك لا يجعلها رواية عفيفة مطلقا ... ذلك أن الرواية تحتفل بالجسد : أنوثة المرأة/ فحولة الرجل، وجعل جسد المرأة رمزا للجمال والخصوبة . فمنذ ظهور بوادر البلوغ على جسد عزوزة كانت (أنوثة متفجرة قبل الأوان... استدارة نهديها وتصلبهما... امتلاء جسدها استدارة مؤخرتها. نظرات الرجال الملتهبة التي تكاد تلتهما..)[4] كما أنها تفننت في إبراز مفاتنها ولم تعمل مثل الكثيرات على إخفاء زينتها: (أطلقت العنان لنهديها ينموان ويرتفعان في حرية مطلقة، مخالفة بذلك أعراف القبيلة، نهدان يستفزان النساء والرجــال على حد سواء...)[5] وحتى عندما كبرت ظلت مقتنعة بأن الجسد هو ما يشد الرجل للمرأة تتساءل مستنكرة (ما الذي يدفع الرجل إلى التعلق بالمرأة، إن لم يكن جمالها؟ ما الذي ينقص المرأة وإن كانت جميلة وأنيقة وحاذقة وولودا...؟..)[6]  وقد كانت عزوزة حريصة كل الحرص علىى توظيف هذا الجسد في الأوقات المناسبة لذلك كانت تخرج ناجحة في كل معركة فرضت عليها، وتكون الخسائر أقل مما كان الكائدون يتوقعون (لقد خلصت إلى أنها حبها لجسدها هو سبيلها للتغلب على أعدائها لذلك لن تفرط في العناية به أبدا حتى لو أدى بها إلى الضرب )[7]، لقد كان جسد عزوزة فاتنا، وهذا من أسباب تعلق أحمد بها ارتباطه بها، لكن رغم جمال زوجته وحبه الشديد لها كان الجنس بينهما مأزوما، تخلله العنف منذ ارتباطه بها حتى وفاته، ففي ليلة الدخلة و جد صعوبة كبيرة في فض بكارتها وجاهد بكل ما أوتي من قوة (يحاول اختراق الجدار الإسمنتي، لكن صيحات الألم المكتومة تجعله يرفق بحبيبته)[8] وانضاف إلى عنف الزوج عنف أقوى من خلال تدخل الحماة التي لم تكن تقبل عزوزة عروسا لابنها، فغدت تطعن في شرفها وتروج أنها ليست بكرا تقول محاولة استفزاز ابنها (كيف تقبل بها بعدما عبث الرعاة ببكرتها )[9]، ولما بدأت تظهر عليها أعراض الحمل لم تجد الحماة (غنو) سوى اتهام عروستها بالتمارض، ( إنها تتمارض تريدني أن أعمل خادمة لديها لكن ذلك لن يحدث أبدا )[10] ومزيدا في تعذيب عزويزة كانت (حماتها تنغص عليها حياتها ... تغرقها بأبشع الشتائم )[11]، ولما حاولت الرد عليها يوما شكتها لولدها واتهمتها بالتهجم عليها فلم يكن من أحمد إلا أن يفرغ كل عضبه في زوجته (لم ينبس أحمد بكلمة واحدة وإنما رفع يده إلى الأعلى وصفع عزوزة صفعة رأت إثرها النجوم تتطاير أمامها)[12] لتكون تلك الصفعة فاتحة مسلسل من الرعب والعنف، توالت حلقاته تباعا، بدأ من منع عزوزة من الفرح بمولدتها فعندما حاولت الفقيهة إطلاق زغرودة تعبيرا عن الفرح منعتها غنو (علام تزغردين ؟ هل تريدين فضحنا أمام الناس؟ )[13] وكانت تخطط باستمرار لتوقع بين ابنها وعروسه تتساءل وهي في خظم التفكير لبث الكراهية بينهما ( كيف أقتع ولدي العاق بعدم صلاحية هذه الزوجة؟ لا بد لي من إثارة شكه وغيرته فهي نقطة ضعفه ..)[14] هكذا غدت تختلق الأكاديب وتبتدع أحداثا لم تقع، بهدف أثارة شكوك ولدها قالت له يوما (زوجتك شابة وتثير أنظار المارة ... لم يرق لها جمع القمح الطري إلا في الوقت الذي كان فيه المتسوقون يمون عبر الطريق لقد كدت أجن وأنا أرى شعرها عاريا . أنا متأكدة أنها تعمدت إسقاط المنديل)[15] فكان رد فعله سريعا، قويا وعنيفا (فما أن اقتربت منه حتى انقض عليها بعنف انتزع المنذيل من فوق رأسها فتساقطت ضفيرتاها أمسك بإحداهما من الجذر ورفع المنجل... حصد الظفيرة في رمشة عين... سقطت الضفيرة أمام قدميها كثعبان قطع رأسه)، لكن رغم فضاعة الحدث فإنه لم يشف غليل الحماة فكانت سببا في حلقة تعذيب جديدة (غيظها ازداد عندما لم تر آثار العنف على جسد عزوزة . لا جرحا غائرا ولا عينا منتفخة زرقاء ولا كمدات تغطي الوجه ولا عظما مكسورا انهالت الحماة عليها بالشتائم... ردت عليها عزوزة بالمثل .. أخذ سوطا .. شدها من ظفيرتها المتبقية التي لفها حول يده اليسرى وبدأ يضربها بجنون )[16]، ولم تكتف الحماة بدفع ابنها لتعذيب عزوزة، فكثيرا ما اعتدت عليها بنفسها، وأحيانا كان التعذيب في لحظات حرجة جدا، كما حدث يوم انتزعت القرطين من أذني عزوزة بعنف وتركتها وحيدها تواجه معاناة المخاض والدم يسيل من أذنيها (أحست عزوزة بألم شديد في أذنيها . تحسسته فأدركت من لزوجة الدم وغياب القرطين حقيقة ما حدث ازداد ألم المخاض )[17]، وتسبب لهذا ذلك في فقد أول مولود ذكر طال انتظاره لتعيش معاناة الثكلى النفسية والجسدية، وتصل السادية بالحماة إلى اختلاق وجود علاقة بين عزوزة والفرنسي مسيو فرانسوا وما أن أوغلت صدر ابنها على زوجته حتى ( راح يكيل لها الركلات وقد انتابته حالة هيستيريا شديدة طار المقص من يدها، فالتقطه في الحين ورمى به في وجهها محدثا جرحا غائرا في جبهتها)[18]، هكذا تكون عزوزة قد ذاقت كا أنواع العذاب الجسدي والنفسي، وتجازت الأهانة العذاب الجسدي إلى التعذيب النفسي من خلال خيانات زوجها لها مع العاهرات، والزواج عليها بعاهرة ( الحمرية) واستقدام العاهرة / المتزوجة بنصراني إلى البيت، والجمع في الضرب والعنف بين الضرتين بطريقة جنونية دون سبب واضح فقط لأنهما كشفا أمر خيانته: (ثارت ثائرته ... وجد نفسه يمسك بخناقها و يضغط بشدة على عنقها وكأنه يريد أن يزهق روحها . أسقطها أرضا وهو يكيل لها الركلات في كل مكان من جسدها أمسكت به الحمرية محاولة إبعاده عنها فإذا به يوجه لها أيضا لكمة أطلقت على أثرها صيحة. أحست كأن أنفها تهشم وتطايرت شظاياه في الفضاء، واصل ضربه غير مبال بصياحها قبل أن يرمي بها فوق ضرتها... ما أن لمح بعض أغصان الأشجار اليابسة ... حتى أخذ أكبرها وأكثرها صلابة ورا يجلدهما بكل شراسة. وعندما تكسر الغصن أخذ الحبل الذي كان يربط به الكبش وطواه مرتين، قبل أن يواصل جلدهما إلى أن كلت ذراعه غير أبه بصياح الأطفال وعويلهم...)[19]

في هذه الأجواء المشحونة كان من الطبيعي أن تستنجد عزوزة بكل الوسائل التي قد تخفف من معاناتها، حتى لو اضطرت للشعوذة، فقد حضرت التفوسيخة ليلة الدخلة لما عجز أحمد عن فظ بكرتها[20]... وعندما اشتد بها ألم ثديها بعد فقد ابنها، قدمت لها مرجانة وصفة غريبة (عليك بالذهاب إلى قبر ابنك ومعك حلزون ميت وجرة ماء بارد وهناك تحلبين ثديك فوق القبر وتضعين الحلزون المملوء بحليبك حيث رأس ابنك ثم ترشين القبر بالماء البارد ...)[21] ولما وقفت على معاناة عزوزة حاولت مرجانة ربط تلك المعاناة بالعين والسحر والحسد ونصحتها بوضع حرز يحميها من العين ووضع وشم على جسدها (الوشم الممتلئ ذو اللون الأزرق الصارخ يصد العين ولكل واحد منه دور محدد...)[22]

وبما أن العلاقة كانت متوترة بين الزوجة والحماة فقد كانت كل واحدة ترى في الأخرى مصدر تعاستها، وأن وراء ذلك عملا أو سحرا ما. فكانت الحماة تعتقد أن عزوزة سحرت ابنها وتتهم مرجانة بمساعدتها (لا شك أنها تأخذ منها الشرويطة وتحرقها لتحرق قلب ابني .. وتعمي بصره عن تصرفاتها)[23] كما كانت عزوزة تتعلق بأية قشة قد تبعد عنها أذى حماتها، و تلين قلب زوجها وتعيده أحمد الذي تزوجته عن حب، وتجعله لا يسمع كلام أمه وتحريضها له، هكذا ما أن اقترحت عليها مرجانة طالبة (أن تجعلي زوجك يأكل خراء أمه )[24] ليكرهها حتى وجدت نفسها تطبق الوصفة، وتتحين فرصة خروج الحماة غنو لقضاء حاجتها، وتأخذ من برازها القليل بعود يابس، لكن انكشف أمرها لما حاولت دسه في الشاي لتحل اللعنة وينقلب حفل الشاي رأسا على عقب (غلا الدم في عروق أحمد، أحس بالطنين في أذنيه ... لم يشعر إلا وهو بقذف مدقة المهراس النحاسي ... في اتجاه عزوزة ... ارتطم بالجدار محدثا ثقبا غائر ... قلب الصينية بحركة عنيفة من يده حتى تكسرت جميع الكؤوس...)[25]

وكان طبيعيا ان تنتصر الرواية في النهاية للحب ضد العنف والتسلط، فأنهت حال أحمد مصابا بالعجز الجنسي، وطعنه في فحولته التي طالما افتخر بها في جولاته بين المواخير، لكن أنفته وعزة نفسه منعته من أن يصرح لزوجته بعجزه فتركها على ذمته متظاهرا بأنه لا يرغب في معاشرتها، محاولا أقناع نفسه بأن ما أصابه كان عقابا له عما اقترفت يداه يقول أحمد بعد اكتشافه لعجزه الجنسي: ( لقد فقدت رجولتي، وفقدت معها عزوزة إلى الأبد ... الله انتقم مني .. لست أدري هل بسبب الذنوب التي ارتكبتها باتخادي الحمرية – المرأة الطيبة – مجرد أداة لحل مشاكلي أم لكوني لم أحافظ على عزوزة ولم أصن كرامتها حسب العهد التي قطعته على نفسي أمام أخيها وصديقي عبد الرحيم)[26]

وبقي يعيش ما تبقى من معمرة معاناة داخلية مفتصرا في كشف سره على أخته هنية وحدها التي قدمت له كل ما تعرف وما سمعت من وصفات لاستعادة فحولته دون جدوى، وأوصاها قبل وفاته ألا تكشف سره لأحد سوى زوجته عزوزة وابنته حليمة متى شعرت بقرب أجل إحداهن تقول العمة هنية لحليمة: لقد أصيب أبوك بعد إفلاسه بالعحز الجنسي [27] وحكت لها تفاصيل معاناته وحبه لزوجته عزوزة وندمه على كل ما سببه لها من ألم ...

يستنتج من خلال رواية عزوزة أنها جعلت من أزمة الجنس في البادية موضوعا لها، وأنها ظلت مثل عدد من الروايات التقليدية التي تقدم الرجل رمزا للتسلط، والمرأة روز للطاعة والصبر... والعلاقة بينهما معادلة طرفاها غير متكافئين، فهي ترى في الرجال (ناقصو عقل تتحكم فيهم غرائزهم فقط حتى الحيوانات أحسن حالا منهم)[28] وأن الرجل لا يمكن الوثوق به أبدا فكل (من يملك ذكرا لا ثقة فيه حتى ولو كان فأرا)[29]  فهو يعنف المرأة يحتقرها يعتبرها كائنا بدون غرائز جنسية؛ فعندما صرحت عزوزة يوما برغباتها الجنسية لزوجها قائلة: (أنا أيضا أحس بالرغبة) أجابها مستنكرا (وهل لديك قضيب ينتصب ويتشنج كلما أحسست بها فيجعلك تتلوين من شدة الألم)[30]، وكذلك يبيح الفكر الذكوري للرجل فعل ما يريد دون حسيب أو رقيب، يخون زوجته،، يعنفها، يتزوج عليها، يستقدم عشيقاته لبيتها ويجبرها على إعداد الطعام لهن ... يحجمها ويجعلها مجبرة على الاقتناع بأن (الرجل يكون ملكا للمرأة داخل بيتها فقط لكنه بمجرد ما يتجاوز عتبة البيت يصبح ملكا لغيرها ضعي هذا الكلام نصب عينيك لتعيشي بسلام)[31] على حد قول مرجانة لعزوزة...

وقد كانت الرواية مناسبة ليعرج السرد على الكثير من القضايا الجنسية الحساسة مثل ما الذي يعجب الرجل في المرأة؟ وما ذا يعجب المرأة في الرجل؟ وأين يكمن سحر المرأة الذي يأسر الرجل في مظهرها الخارجي، أم في معاشرتها؛ فإذا كان البعض يرى أن المظهر الخارجي هو الأهم (العري سيد مطلق.. الشعر حـر، لا تقيده الضفائر، وإنما ينسدل فوق الأكتاف العارية، أو الخصور النحيفة، الملابس شفافة، تكشف مفاتن النساء بوضوح تام)[32]، فإن للخبيرات رأي مخالف تقول طامو لأحمد : ( الكثير من النساء يفتن جمالهن الخارجي الرجل، لكن ما أن يتوغل داخلهن حتى يغرق في الوحل لا يسمع إلا باق! باق ! باق... عندما يصل الأمر حد الاختيار بين الحلاوة الداخلية والحلاوة الخارجية . فالغلبة للأولى بالتأكيد)[33]

في الختام لا بد من الإشارة إلى أنه على الرغم كل ما فعله أحمد بعزوزة فقد ظلت تكن له الحب والتقدير لم تخنه يوما ... وحتى بعد موته (ظلت تحتفظ بعطره وبعض ملابسه كانت ... تغلق عليها غرفتها وتخرج جلابيبه ورزته الملفوفة بعناية وترشها بعطره تختلي بها وكأنها تختلي به تتحدث إليه تعاتبه برقة ...)[34] بل لقد اكتشفت أن كل ما كان يفعل بها إنما يفعله بدافع الحب، فلم يفكر يوما في الانفصال عنها، وحتى عندما فكر في الزواج تلبية لضغط أمه اختار امرأة عاقرا، حتى تظل عزوزة في عينيه أم أولاده الوحيدة

 

الكبير الداديسي

...............................

* فيديو حول رواية عزوزة (هدية لمن يفضل الصورة على الكتابة)

https://www.youtube.com/watch?v=tXF02VJD8oo

[1] - رواية عزوزة. الزهرة رميج . مطبعة النجاح الجديد .البيضاء ط1 2010 ص 266

[2] المرجع نفسه . ص 373

[3]  المرجع نفسه. ص 5

[4] المرجع نفسه . ص 9

[5] المرجع نفسه . ص 9

[6] المرجع نفسه . ص 241

[7] المرجع نفسه . ص 280

[8] المرجع نفسه . ص 51

[9] نفس المرجع والصفحة

[10] المرجع نفسه . ص 65

[11] المرجع نفسه ص 56

[12] المرجع نفسه . ص 57

[13] المرجع نفسه . ص 73

[14] المرجع نفسه . ص 86

[15] المرجع نفسه . ص 87

[16] المرجع نفسه . ص 89

[17] المرجع نفسه . ص 116

[18] المرجع نفسه . ص 117

[19] المرجع نفسه . ص 320

[20] المرجع نفسع ص 52

[21] المرجع نفسه . ص 117

[22] الصفحة نفسها

[23] المرجع نفسه ص 220

[24] المرجع نفسه . ص 225

[25] المرجع نفسه ص 227

[26] المرجع نفسه . ص 365

[27] المرجع نفسه . ص 363

[28] المرجع نفسه . ص 242

[29] المرجع نفسه . ص 235

[30] المرجع نفسه . ص 141

[31] المرجع نفسه . ص 164

[32] المرجع نفسه ص 80

[33] المرجع نفسه . ص 136

[34] المرجع نفسه . ص 366

 

 

احمد الكنانيالقصة الشعرية عريقة بعراقة الشعر ذاته، وما الملاحم الا نوع من أنواع الشعر القصصي، يوظف الشاعر فيها خياله الشعري لنسج قصصاً واساطير تمجيداً ببطولات قومه متناسياً شخصه كشاعر له حالاته الإنسانية والعاطفية الذاتية .

الشاعر العربي كغيره من شعراء الأمم الأخرى تغنّى ببطولات قومه، وكما اسمع هوميروس التاريخ بملحمته الالياذة والفردوسي بشاهنامته كذلك عمرو بن كلثوم والحارث وعنترة بمعلقاتهم

نعم هي قليلة  لخصوصيات الامة العربية وثقافتها القائمة على الرواية الشفاهية وعدم اعتمادهم التدوين كما حضيت به الأمم الأخرى . هذا في فترة ما قبل ظهور الإسلام.

واستمر الحال في الفترات المتعاقبة الأموية والعباسية، اذ كان يحكي الشعر حالاتهم الخاصة  وتجاربهم في العشق، والقصص جاءت على هذا النحو . نعم ضاقت الدائرة عند الفرزدق و جرير لكنها ظلت عذبة اغنت الأصناف الأخرى من الشعر واثرت المديح والهجاء

هناك من انكر القصة الشعرية اصلاً، و فرّق بين القصص الشعري والشعر القصصي، والمنكرون للقصة الشعرية أرادوها منحصرة في النثر خاصة؛ لقدرته على استيعاب مقوّمات القصة ومطاوعته لها بخلاف القيود الشعرية من الوزن والقافية ومقاومتها للغة القصة المتقوّمة بالوصف والتحليل .

ولهذا تعتبر القصة الشعرية فناً راقياً يجمع بين حلاوة القصة وجزالة النظم الشعري .

لكنها في الشعر الصوفي تعني شيئا اخر يتصل بالمعاني الصوفية المتسامية التي يريد الصوفي ايصالها لإهلها، فالقصة الشعرية في المثنوي مثلاً تحمل رسالة معبّرة عن التجربة الثرية التي أهدانا إياها جلال الدين الرومي في بعدها المعنوي والأخلاقي، وكذلك الحال مع السيمرغ لفريد الدين العطار المشهورة بمنطق الطير .

الا ان القصص الشعرية في المثنوي لا يمكن استنتاج قاعدة جامعة لها لاِختلافها بالمضامين والرسائل المراد ايصالها، فهي بحاجة الى دراسة مستقلة والى تفكيك رموزها والتركيز على الرسالة المتضمنة لها، لكن الرومي وظف القصة افضل توظيف في كل القصص التي أوردها في المثنوي وحاول من خلالها إيصال معان صوفية خالصة لولا القصة لما كان لوقعها من اثر، كما في قصة موسى و فرعون وكيف وظف الحوارية بينهما لابراز عقيدته الصوفية في الحب بدلاً من الاعجاز والخشية، وبها انقلبت موازين الربح والخسارة على ما سياتي بيانه .

الملك والجارية

اول سرد قصصي يواجهنا في المثنوي هو قصة الملك والجارية، ويصفها مولانا بأنها تنتقد وضعنا:

بشنوید ای دوستان این داستان

خود حقیقت نقد حال ماست آن

 

استمعوا أيها الأحباب لهذه القصة

فهي بحق تنتقد حالنا …

هذه القصة في غاياتها

تصقل الأفكار في آياتها

لو كشفنا ذاتنا في الحالتين

لسعدنا أبداً في النشأتين

يتحدث عن قصة الملك الذي اجتمعت لديه نعمة الدنيا والدين معا، وفي رحلة صيد الظباء في الصحراء مع صحبه والمقرّبين اليه انقلبت الآية فأمسى هو الفريسة والضبي هو الصياد .

في رحلة الصيد هذه اعجب بجارية ايّ إعجاب، لتبدا قصة البحث عن مالكها ليدفع لها بمبلغ طائل وليحظى بعشرتها:

شد غلام آن کنیزک پادشاه

اصبح عبدا والجارية هي الملكة

 

ملك في سالف العصار كان

أمل الأمة في ذاك الزمان

راح والأحباب يصطاد الظبا

يقطع البيدَ سهولاً وربى

فرماه الحب سهما فهوى

خائراً يشكو تباريح الهوى

اذ رأت عيناه في ذاك المجال

ظبية تصطاد آساد الرجال

أمة تستعبد الحّر الكريم

فغدا السلطان في هّم عظيم

لكن الأقدار سارت على خلاف ما يشتهي الملك، اذ مرضت الجارية وساءت حالها .

لعبةُ الأقدار فـــــــي دنيا البشر

لم تزل تجري عليهم في صور

ربّ حاف لم يجد ما بنعله

وحمار لم يجد مـــا يحمله

ربّ كوز لم يجد ماء ومــــــــا

لم يجد كوزاً لكي يروي الظمأ

استدعى تردي حالتها قدوم الأطباء لعلاجها، وبعد ان يأسوا من حالتها التجأ الملك الى العبادة والتضرع حتى ابتلّ موضوع سجوده من كثرة بكاءه، فغشيه النعاس، فسمع في منامه هاتفاً يخبره بقدوم طبيباً حاذقاً سينقذه فيما هو فيه من همّ .

فالتقى بطبيب قدم له النصح بما يجب فعله لشفاء الجارية، وبسؤاله للجارية ومن اي البلاد هي قادمة يعرف الطبيب بحنكته انها تعشق شابا سمرقندياً .

يجُلب الشاب السمرقندي ويعطيه دواءاً ليمرض هو الآخر وتشتد حالته ليخرج حبه من قلبها لتعود خالية الفؤاد للملك .

القصة طويلة وفيها من الحِكم الشئ الوفير، والرسالة التي أراد مولانا ايصالها لقارئيه ليست قصة حب الملك للجارية وما رافقها من احداث، وإنما هو اللقاء الذي صوره مولانا بأجمل تصوير بين الملك والطبيب الحاذق .

لاعتبارات عديدة يمكن جعل لقاء الملك بالطبيب هي الرسالة المتوخاة من هذه القصة، اذ جعل مولانا القصة تعبر عن نقد لحالته الخاصة، ولا وجود لشئ فيها شبيه بحالته سوى اللقاء الذي غير مجرى حياته …اعني لقاءه بشمس التبريزي

انتصار فرعون على موسى …

قصة أخرى يسردها الرومي في المثنوي هي قصة موسى حيث استلهم من خلالها الصراع بين موسى وفرعون في النص التوراتي القرآني وأجاد في طرح معتقداته الصوفية في إطار تلك القصة .

حوارية موسى وفرعون تبتدء عند إلقاء موسى لعصاه فأذا هي حية تسعى، وتختتم بهزيمة فرعون ورهطه وإقرارهم بالهزيمة والإيمان برب موسى .

كل المعطيات تشير الى غلبة موسى بالمعجزة التي منحها إياه الرب اذ جعل من عصاه التي يتوكأ عليها ثعبان تلقف ما يأفكون، والمنازلة الكبرى بين السحرة وموسى انتهت بأذعان السحرة وإيمانهم برب موسى وأتت على ما خطط له الفرعون من الوقيعة بموسى وأخيه وبني إسرائيل قاطبة:

فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ .

لكن الرومي له رائ آخر …

الانتصار كان لفرعون !!

كيف ؟

الحوار يبدأه فرعون كقبول بالهزيمة وإذعان بأنتصار موسى فيصوره الرومي في بيتين جميلين يخاطب فرعون موسى في هذين البيتين: بأن اثبات النبوة والقدرة بمعجزة الافعى هي في الواقع إلقاء للرعب في قلوب الخلق:

” در دل خلقان هراس انداختی ” .

تخويف المصريين في الحقيقة ليس نصراً، إنما النصر هو ما فعله الفراعنة وما أثبتوه في مصر:

” عاقبت در مصر ما رسوا شدند ”

ما فعله الفراعنة في مصر يعتبر اشد وطأة من فعل المعجزات .

والسؤال المهم في هذا الموضوع هو:

ما الذي فعله الفراعنة في مصر واعتبره الفرعون نصرا على موسى ؟

والجواب هو ما ذكره جلال الدين الرومي في القسم السادس من المثنوي:

موجب ايمان نباشد معجزات

بوي جنسيت کند جذب صفات

 

معجزات از بهر قهر دشمنست

بوي جنسيت پي دل بردنست

و المعنى: ان موجبات الإيمان ليس الإتيان بالمعجزات وإثبات القدرة على فعل خوارق الطبيعة، وإنما إثبات النبوءات يتأتى عن طريق جذب الصفات وكاريزما الشخصية الجذابة واختطاف القلوب كما يسميها الرومي، ويعتقد فرعون بحسب حوارية الرومي انه مَلَكَ قلوب المصريين وموسى أرعبهم، وهي المعادلة الرابحة في إثبات الذات في مثل هكذا صراعات.

سر هذه الحوارية يكمن في فهم جدوى معجزات الأنبياء، ولعل الرائد في تسليط الضوء عليها هو ابن خلدون في المقدمة اذ يعتقد ان المعجزات هي حاصل قوة نفوس الأنبياء بالمستوى الذي يجعلهم يتصرفون بمجريات الطبيعة بقدرات خارقة، وتنسب هذه المقولة الى الحكماء أيضاً.

ثم ان معجزة النبي هي في جعل افئدة الناس تهوي اليه بقوة شخصيته وقدرته على توحيد القبائل والمحيطين به على ما يفهم من كلام ابن خلدون، تلك ميزة هي قمة الإعجاز، وأكثر وقعاً مما يروى من خوارق ومعجزات منسوبة الى النبي .

وللحقيقة أقول ان خوارق الطبيعة والإعجاز البلاغي لم تجذب بلالا ولا عمار ولا سلمان الى الإيمان اذ لا تعنيهم خوارق البلاغة كثيراً، وإنما هي القيم السامية من المساواة والعدل وقوة شخصية النبي هنّ من اجتذبن كبار الصحابة، وزعت فيهم المثُل العليا .

جلال الدين الرومي ابدع في ترسيخ هذا المعنى في حواريته الفرعونية الموسوية وأسس لمعنى المعجزة بمعناها العرفاني القائم على الحب الذي هو اصل الإيمان لا الخوف والرهبة الآتية من خوارق الطبيعة .

العطار النيسابوري و منطق الطير

يقول جلال الدين الرومي:

هفت شهر عشق را عطار گشت

ما هنوز اندر خم يك كوچه ايم

وتعني: لقد اجتاز العطار مدن الحب أو العشق السبع.. بينما لا أزال أنا في الزاوية من زوايا الزقاق

حقاً هو الحال كما وصفه مولانا ام هو التواضع الذي يعلو صفات جلال الدين ؟!

لم ار اعظم من هذا الرجل تواضعاً وتقديراً للكبار ممن سبقوه

تبتدأ قصة " منطق الطير" بالترحيب بثلاثة عشر طائرا ينعقد بهم مجلساً للتشاور وانتخاب الهدهد قائدا و مرشداً ؛ لخصوصية هذا الطائر و مكانته في الكتاب و دوره الرمزي بين سليمان وبلقيس كرسول وهاد للبحث عن " السيمرغ ":

مرحبا اي به سرحد سبأ سير تو خوش

با سليمان منطق الطير تو خوش

 

ديوار در بند و زندان باز دار

تا سليمان وار باشي راز دار

 

مرحبا يا من سيرك الى سبأ حسن يسير

ومنطق الطير مع سليمان سلس جميل

 

احبس الشيطان في القيد والسجن

لتصبح كسليمان صاحب ســــــر

في نهاية هجرة الطيور والبحث عن طائر العنقاء لم يجدوا سوى انفسهم و ذواتهم، وهو الهدف من رحلة الصوفي والبحث عن الذات.

 

احمد الكناني

 

حيدر عبدالرضاالفصل الثاني ـ المبحث (3)

الواقع الروائي بين السيرذاتي وفضاءات المؤلف الشاهد


توطئة:

عالجت أحداث رواية (البلد الجميل) جملة مواقع و أشكال مزدوجة تتراوح ما بين محاور (المؤلف الجاد = المؤلف الشخصية = السارد العليم) وصولا إلى هوية الواقعة السردية المنتخبة والمتحولة بين (فضاء الداخل ـ فضاء الخارج) كما رأينا الحال في مرويات المؤلف الشخصية المفترضة في شبكة وقائع روايته، كقيمة وقائعية تشكيلية من شأنها وصف دليل سرد حكايته وأحداثها ضمن مخصوصية متشظية ومنشطرة ومنسحبة غالبا على هيئة وقائع فضاء المؤلف الجاد ـ انعكاسا ومحكومية حياة المؤلف الشخصانية الذي راح يوافر وظيفة مكونات نصه المخطوطة في مساحة خاصة من المعايشة الموزعة ما بين موقع السارد وحضورية الفضاء الشخوصي المتصل والمنفصل في أغلب الأحيان عن حقيقة خلفية المؤلف الشهودية في مجال الشاهد والمجسد والمبأر .

ـ الفضاء الخارجي والأبعاد السياقية في هوية النص .

إذا ما تأملنا في الواقع مستوى الاتساق في مجلى الفضاء الخارجي للنص، لوجدنا بأن أغلب أحداث البنية السردية، تكمن في رقعة حدوثاتها ضمن مفاصل حراك الشخصية بمفهوم العلاقة الخارجية المكرسة في خواص مقارباتها المعنوية والمادية تقريبا، ولهذا الأمر نجد بأن الشخصية الكاتبة أو المدونة للمخطوطة في رواية المؤلف الجاد، ذات مجالات واسعة في تنضيد وتخصيص أسباب العملية السردية في منحى مستواها الاتساقي ـ الخارجي، الناتج من قبيل متواليات جملة الأفعال والصفات الدلالية للشخوص في النص: (في أوثق الأخبار، أنهم أستقلوا القطار الصاعد من الجنوب باتجاه بغداد بمتاعهم القليل، مصحوبين بفكرة غائمة عما سينتظرهم هناك..انحشروا مع بعض كالحيوانات، مخلوطين مع صرر ملابسهم وأشيائهم، وحين صفر القطار معلنا بداية انطلاقه، تنفس الجميع الصعداء وحمدوا الله وشكروه، فكأنما هذا الصوت الذي أصدره الوحش الحديدي الهادر، قد حجبهم نهائيا عن الرعب الذي يلاحقهم من خدم الشيخ و عبيده . / ص61 الرواية) السارد هنا يعاين مستوى أحداث سياقية، لخصتها وحدات خارجية وداخلية من مواقع حكاية الشخصية حلمي إزاء مواطن أسلافه، وهذا الأمر ما جعل من الشخصية حلمي تستهلك واقعها المعنوي في حد من الإسراف والمبالغة في غور أوصاف عادات الجدة قسمة وكيفية حيواتهم الطقوسية في مجلى السرد الخارجي والخارجي.أقول أن أغلب مستويات وحدات الرواية جاءتنا غاطسة في قص حكايات هي من الأطوار الشعبية والمحلية المبتذلة إلى حد التخمة في محمول الفكرة الروائية، فلا حاجة بنا إلى كل ما ذكره أحمد سعداوي عن تفاصيل جغرافيا مواقعه الشخوصية التي كان الغالب منها من الشواغر واللاأهمية في بناء مستوى الرواية السردي، حتى أن هذه التقانة الخاصة في خلق ثنائية المؤلف المفترض في كتابة الرواية داخل الرواية، أصبحت من النمطية والشرود الفني والجمالي، فما معنى أن يكون الشخصية مؤلفا في مساحة عاملية من دوره كشخصية مسندة في تأليف النص الروائي داخل السياق الروائي العام؟ ما قيمة كل هذه الخواطر والهواجس من استحضار كل حكايا الأجداد في مسار خطة بؤروية سردية تسعى جاهدة إلى التفنن في وصف إلتباسات حاصلة ما بين المؤلف الحقيقي والشخصية الموظفة في النص كمؤلف آخر للرواية ؟أنا شخصيا كقارىء إلى مستوى تعاملات هذا الأداء من قبل الروائي السعداوي، لا أجد ثمة طاقة تقانية حاذقة في تأسيس مثل هذا المشروع إطلاقا وعبر شكله وبنيته المزدوجة حينا والملتبسة حينا إن صح العرض في الوصف؟لذا بقيت حالات الشخصية حلمي في مخطوطته، كمحاولة في تجريد فكرة و طريقة إنشاء النص داخل النص، وعلى هذا النحو بقيت الأحداث في الرواية تشحذ لذاتها الهمة من هنا وهناك، فمرة بالحديث عن الكلب، ومرة عن علاقته بنادية وأحساسه الأخوي إزائها، إلى جانب إصرار أهله بالزواج منها، ومرة حول مشاكله مع فقدان فرصة العمل المناسب، وشعوره العدمي بالملل من جراء تلك الأعمال الاستهلاكية اليومية، ذلك لأنها تشكل له تلك المرحلة اللامجدية ب (الآن) هذه الأداة الزمنية الملازمة لكل مرحلة بدئية من أضطرابات أحواله الشخوصية .

1 ـ الأفق التواصلي بين الذاكرة والفضاء الحلمي:

أن ما يميز هذا الفضاء المستحضر من خلال رؤية وعي الذات الساردة، كونه أصبح مصدرا لجميع حالات فضاء الألفة وفقدانها من قبل الشخصية في الرواية، وعلى هذا النحو وجدنا تمظهرات (الذاكرة = الحلم) يستعيدان للشخصية جملة أواصر ديمومتها من داخل فضاء خياراتها الشخصانية في الرفض و العدول عن المستقر في المزاج الواقعي المستعاد حلما أو انفتاحا حول مساحة ملائمة من التعالق الانطباعي مع المكان من ناحية والآخر والزمن المتداخل من نواح مسرودة بوسائل السرد العليم: (سأبدأ إذن من جديد، فهذا كل ما لدي أنا أيضا، أضع رقما جديدا، وأشرع بالحياة نفسها، أعرف الصباح والظهيرة، وأمحو أسماء الليل كلها..أنظر إلى الشباك بجواري، وأرى من خلاله الصباح بشمسه الغائبة وراء غيوم شفيفة / أرتجف من البرد، بينما حلمي يتقلب في فراشه الدافىء..يدعك وجهه ثم يرخي يده على الجانب الخالي من الوسادة./ص 70 الرواية) يوهمنا السارد ومن خلفه المؤلف، بأن شخصية حلمي ملازمة في تحولاتها الحلمية، وفي ذلك سببا يقنعنا بأنتشار بقع أحمر الشفاه التابعة لأنثى ما على وجهه ورقبة الشخصية، فيما كان حلمي مجردا في فراشه إلا من جسده وأحلامه المكررة بشخصية الفتاة نود الممرضة الأمريكية التي قامت بالعناية على حالته يوم سقوطه جريحا في الحرب..الأمر الذي رافق كل مواقع الشخصية، لدرجة كاد يتصور أن كل من يشاهدها تتمثل بشخصية نود الممرضة الأمريكية في ذلك المشفى العسكري في السعودية: (أن صورة امرأته أقرب من أن تكون متخيلة، لقد كانت هنا قبل قليل، وتمرغت بجسده الملفوف بالعتمة، جعلته يلمس لمس اليد أنه أكثر من شخص، و أنها واحد على الدوام /ولكي يتذكر ما ألم به، ينظر /أنظر إلى الأجزاء الماضية من حصته الزمنية في الحياة، أو فصول حكايته في سجلات ذاكرة تتخيل نفسها ذاكرتي، أو مخيلتي، أو بالعكس./ص17 الرواية) أن حالة التحول الشخوصية هنا جرت ما بين (المؤلف =السارد =الشخصية) إذ الأمر يبدو على غير موقعية ثابتة، فقد يكون حلمي المؤلف الحقيق للرواية، أو أن المؤلف الحقيقي هو ذاته السيرذاتية في مشخصات السرد مستعيرا موقع الشخصية لنقل ملفوظه في زمن الحكاية تخاطرا، وقد لا ينحو فعل المؤلف هنا بأتجاه الموقع الشخوصي من رؤية الأشياء، ولكنه يشتغل لذاته في أحياز هوية (الشاهد) من مؤشرات فعل نمو الوعي التكويني بالشيء المحسوس تماهيا، ومن يقرأ مستهل الفصل الأول من الرواية، لعله يلاحظ وجود ذلك الحيز من الإيهام المتتابع ما بين المؤلف والراوي والشخصية، امتدادا نحو مواجهة موقع (المؤلف الشاهد) بحكم الإيهام بهوية الواقع، وقد تبدو من ناحية مواجهة الشخصية من خلال موقع المؤلف الضمني أو الراوي، وعلى هذا النحو نقول ونسأل: هل أن مرجعية الشخصية حلمي أداة محكومة بموقع الراوي أو أنها مرتبطة بخلاصة مراوية من هوية المؤلف الحقيقي ؟وأن كان حلمي مرآة المؤلف كيف يتاح له أن يكون لعبة إيهامية ما من أوجه أخفاء حقيقة قول المؤلف في هويته الثانية من الكتابة للنص الروائي ؟ .

2 ـ اللاموقع بين المؤلف المفترض والراوي كلي العلم:

يتساوى التبئير السردي في مستوى متواليات الرواية في العلاقة اللاموقعية ما بين المؤلف المفترض والسارد العليم في مستوى الإدراك و النمو، لذا فإننا وجدنا في بعض وحدات السرد ثمة علاقة دمجية فاعلة تتعلق في حدود مفتوحة ما بين المؤلف المفترض والسارد كلي المعرفة، ما جعل مستوى التبئير معتمدا على جهة التبئير الداخلي تحديدا كمصدر ما من جهة السارد والشخصية معا: (أما أنا فقد توهمت أشياء كثيرة يصعب حصرها، منها أن الكتابة ستساعدني، ستبطىء الزمن الذي يلاحق نفسه، ستؤخر خروجي من هذا المكان./ص75 الرواية) فإذا اقتربنا بشكل أدق لأستكشاف بنية السرد، لوجدناها ذات قطبين (مركزـ هامش) القطب الأول يدور في مركزية الشخصية حلمي وما يواجه من فواصل تجربته مع شخصية نود المتخيلة في ذاته إلى جانب شخصية الجدة قسمة أيضا، أما ما يتعلق بالقطب الثاني، فهو ما يتمثل بسلوك حلمي إزاء طبيعة الأماكن و الأزمنة في مسرح الرواية إجمالا.

ـ تعليق القراءة:

أن من محاسن هذه الوظيفة اللاموقعية بين المركز والهامش، هي ما جعل تجربة الرواية في ذاتها عبارة عن نسق متواصل في حدود المشاهد وثنائية (المؤلف الضمني = المؤلف المفترض =الراوي) إذ أن ما جعل الفضاء الروائي يتحول نحو ساحة ميلودرامية متصلة يظلم جزء منها لينير الجزء الآخر بمحمولات بؤروية راصدة في الوعي و التحول السردي في ذاته ما جعل القارىء لها يشعر بأن الرواية تكمن عبر لقطات ومشاهد ومتواليات يحكمها المركز والهامش وذلك السياق المرجعي إقترابا لها نحو مشروعية الدلالات الأخيرة من إيحاءات الخواص الداخلية المهيمنة على علاقات الأجزاء من مستويات الرواية الخاصة والعامة ـ اقترانا لها بمسلمات ذلك الواقع المتصل بين بؤرة السيرذاتي وفضاءات المؤلف الشاهد والمفترض على مظاهر المنظور الروائي المجمل: (نظرت الجدة العجوز إلى الحائط الذي علته الصور المغبرة، ثم رنت إلى العنكبوت الحارس في شبكته، وودعته صامتة..اقتربت من ثوب يعود لسناء /أرتدت الثوب الرطب، ونعلها البلاستيكي الأسود، ودنت من الباب، الذي ترك مفتوحا /تمسك بطرف العباءة المدلاة على رأسها، ثم نظرت إلى السماء، كأنها أحست بلسعة ما من عين الإله./ص216) هكذا يتمظهر عنف النذر والنذور في حكاية ومحكي طقوس الجدة مقترنة بوظيفة المؤول المندمغة في منظومتها الزمنية الكلية بخبايا الكون الروائي، ليتجسد في اسطورة (الحضور ـ الغياب) لذلك الغائب مجددا بزمام المحكي المضمر بمقصدية متراكبة الرؤية وشمولية المعنى المرمز في رفات الزمن المتخيل بالواقع وبقاياه المرسومة في المضمر من السيرذاتية النصية الروائية المركزة في دليلها ودالها .

 

حيدر عبد الرضا

 

جمعة عبد اللهيحمل الشّاعرسعد ياسين يوسف لقب (شاعر الأشجار) بكل اقتدار وهوغني عن التعريف في اسلوبيته الشّعريّة وخصوصيتة في كتابة قصيدة النَّثر التي يحلق بها عالياً وعميقاً برمزيّة الأشجار، والشَّجرة، بالمفردة العميقة الواسعة بلا حدود، في أسلوبه الفكريّ والفلسفيّ الذي ينطلق منه متمثلاً الشجرة كأصل للكون والوجود وحياة الإنسان، ورمزيتها العميقة للأرض والوطن.

عند شاعرنا كلّ شيءٍ ينطلق من جذور الشَّجرة وأغصانها وأوراقها،ويسلتهم منها ما يخص الوجع الإنساني والحياة بكلّ تبعياتها وعتباتها، بما فيها الفرح والحزن، وبسمات النُّور و بسمات الظّلام، حتى الدّموع والحزن والقلق الإنساني من المعاناة والشّقاء والمأساة والملهاة، أي أنها تحمل كلّ شيء، ومنها ينطلق كلّ شيء برؤية انزياحية ثرّة على خلفية العمق الفلسفيّ والفكريّ والجماليّ الذي يكتنزه الشّاعر.

أنَّ الشَّجرة التي خلقها الله واختار لها أرض سومر وطين أور مستقراً، هي حامية الحياة والوجود والاتجاهات الأربعة، وهي مكسوة بجلد العراق وثوبه، ولا يمكن للجسد العراقي أن يكون بدونها، كما هي الحياة والوجود، ومن هذا المنطلق ينطلق شاعرالاشجار (سعد ياسين يوسف) من عمق رؤيتة لرمزيّة جذور الشَّجرة ومدى رسوخها وعمقها، وتحليقها عميقاً في الارض ، لأن الشجرة لاتعلو وتحلق عاليا ً إلا بعد أنْ تترسخ جذورها عميقاً في الأرض وكذلك الإنسان لا يعلو ولا يحلّق لو أنقطعت جذورهُ عن أرضه ووطنه .

فشجرة الوطن  راسخة الجذور رغم الأهوال والمحن والشّدائد، وفصول الخريف الجاثمة على شجرة سومر وأور ورغم العواصف والرّعود والزّوابع السّوداء، فهي صامدة ولا تنحني ابداً، تنهض من دمها ورمادها، ومن السّحب الدّخانية التي تخنقها، والتي تطارد نوارس الحرية في ساحة التّحرير وتحت نصب جواد سليم !!. ورغم الغزوات الوحشية من الإرهاب والإرهابيين. ولم تخيفها الغيوم السَّوداء ولم ترعبها رصاصات القناص الملثم و جرذان داعش بكلّ ما في عقولهم الظلاميّة.

ورغم كلّ الأحزان فالشَّجرة منتصبة القامة راسخة تحلّق عميقاً في تربة أرضها وطينها وسمائها. فهي تتحمل العناء والقسوة في ملحمة الحزن ونزيف الدِّماء، التي تتوالى عليها بدون انقطاع، هذه هي الملحمة العراقية في شجرة الله التي اختارها في العراق، وهذه مضامين قصائد المجموعة الشّعرية (الأشجار تحلّق عميقاً) في فلسفتها الفكريّة العميقة.

إنَّ قصائد المجموعة الشّعريّة تتناول الشّجرة الكبيرة (العراق) وكذلك الشّجرة الصَّغيرة (العائلة) وبعض من السّيرة الحياتيّة للّشاعر وأصل شجرة الشّاعرمن طينة الفراتين، من قلب قارورة أور لذلك فأنها تكتسب تاريخاً حضاريّاً واسطوريّاً شامخاً، لهذا ترفع رأسها بشموخ إلى السَّماء. رغم ملحمة الحزن والدِّماء التي تتوالى عليها، منذ أكثر من ألف عام وعام، فهي تتجلّد على المصائب والشّدائد، على السّحب الدخانيّة ونزيف الدِّماء والغزاة المتوحشين الذين يغتالون العصافير المسالمة، الباحثة عن أعشاشها وعن وطنها في أرض سومر وأور ليكون خيمة لهم تحت الشّمس. رغم الذّبح وفصول الخريف الثّقيلة.

2719 الاشجار تحلق عميقا سعيد ياسين

لذلك يتوجه الشّاعر إلى الله تعالى بالسؤال، إلى متى يستمر الذّبح والدِّماء؟. إلى متى تستمر غيوم الحزن تخنق أوراق شجرة الوطن؟ إلى متى يظلّ صوت الرَّصاص يلعلع ويتجول القناص بحرية ليصطاد الباحثين عن الوطن؟.

".... أنَّى التفتتْ...

وأنَّى رأسُها ارتفع

تشيرُ للذَّبيحِ

للحجرِ الّذي لم يستقمْ

إلَّا بذبحِ العصافيرِ الّتي

جرَّدَها الخريفُ

من دفءِ نسْغِها الصَّاعدِ

فهوتْ ناشرةً أجنحةَ اللَّهفةِ...

يُسحرُها النَّبضُ؟!!

ربّاه!!!

كم من الدَّمِ يلزمُ هذهِ الأرضَ

لتَغسِلَ عَتَمةَ الحزن ِ

عن وجهِها،

ظلامَ ألفِ عامٍ

وعام...؟؟؟!!!

ألا تكفي ابتساماتُ الدَّمِ

في صدورِهم

حين تعروا للرَّصاصِ

الباحثِ عن وطنٍ فيهِم

في رحلتِهم الأزليّة ِ

للبحث ِعن وطن....؟؟!!!! "

(من قصيدة / عطر أور)

ينبعث الدّخان حول الشّجرة وتنهال الهروات والرّصاص يلاحق نوارس الحرية. لانهم كشفوا عن غنائم وسرقات اللّصوص، الذين أغتصبوا الوطن ليكون طابو لهم ، الجنّة لهم والجحيم لغيرهم، اكتنزوا الذّهب والدّولار على حساب معاناة الأغلبية السّاحقة، لنوارس الحرية أشاروا بأصابع الاتهام لأنهم كشفوا وكر اللّصوص ، وتجار الدَّم والزّيف والغدر وخيانة الشَّعب، فكان نصيب النّوارس العنف الدَّموي، ورصاص القناص في ساحة التَّحرير، وتحت (نصب جواد سليم)، وليمتلئ المكان بسحب الدّخان والقنابل الدّخانيّة التي أخترقت الجماجم، لكي يسكتوا صوت الحقّ والحرية والمطالبة بالخبز والأمان. المطالبة بوطن تتسع خيمته للجميع.

" حفيفُ الأشجارِ الّذي

أخفاهُ الدُّخانُ في ساحةِ التَّحريرِ

صارَ صرخةً

حينما أدركَ أنَّ الهراواتِ

الّتي انهالتْ على رأسهِ  كانتْ

مِنْ خشبِها

***

لكلٍّ جنَّتُهُ

قالها ذلكَ اللّصُّ "المسلفن"

وهو يضعُ حباتِ العنبِ

بفمِ خليلتهِ العاريةِ في حديقةِ بيتهِ

في "المنطقةِ الخضراءِ"

بينما اخترقتْ قنبلةُ الدُّخانِ

رأسَ صديقي الواقفِ منتظراً

رغيفَ الخبزِ تحتَ ظِلالِ نُصبِ

جوادِ سليم...!!! "

(من قصيدة / أوراق من شجرة التحرير)

وفي قصيدة ( مِقصُ أبي) تنبثق حياة العائلة، عيشها ،ومسيرتها، من مِقص الأب الحنون، الذي يملأ حياة العائلة بالدفء والحبّ والحنان ، يعرج مع طلوع الشَّمس ويعود في أطراف المساء. محملاً بعشرة من أرغفة الخبز لعائلته، ينسى نفسه ولا ينساهم من حصة الأرغفة، لا ينام إلا بعد تفقدهم واحداً واحدا. يزرع الأمل والنّور في مسار حياتهم تحت الشّمس وتحت خيمة الوطن ليكونوا فسائل خير للّشجرة الكبيرة المباركة.

" مُذْ أمسكَ بمِقَصِّ حياتهِ

الّذي كادَ أنْ يُطبقَ على غُصنه ِ

وهو يقصُّ لنا قَصَصَ التَّكوينِ

لنغفوَ قبلَ الموقدِ

نَحلُم بالبحرِ المنشقِّ،

بالرُّطبِ المتساقطِ.

يتفقدُ عَنَّا الجمرَ، الأغطية َ

سقفَ الغرفةِ لو أثقلهُ مزاحُ المطرِ....

يقايضُ بردَنا بسِترتهِ...

حينَ يشحُّ غطاءُ الدفءِ

وعندَ الفجرِ...

يَعرُجُ صوبَ الشَّمسِ

ليقصَّ لنا...

من ثوبِها الذهبي أرغفةً

ويَعدَّ الأقراصَ العشرةَ

كَي لا ينسى أحداً مِنّا،

وكثيراً ما كانَ...

ينسى نفسَه.!!!

بمِقَصِّ اللَّهفةِ...

قصَّ خيوطَ  ظِلالِ الحزنِ،

وشذَّبَ كفلاحٍ ماهر

أغصانَ السَّنواتِ لتعلو

هالةُ ضوءٍ تتبعهُ.... "

(من قصيدة / مقص أبي)

وتتجلى المرأة العراقيّة الشّهمة والشّجاعة،التي ضربت مثلاً رائعاً في الجسارة والبطولة في مجموعته بقصيدة (طوعة ) التي تغنت بعراقيّة وأصالة  (عليه خلف الجبوري) (أم قصي) وهي امرأة عراقيّة من ناحية العلم بتكريت، أنقذت حياة عشرين شاباً عراقياً من مذبحة سبايكر، التي نفذتها عصابات داعش الإرهابية، وآوتهم سبعة عشر يوماً وأوصلتهم الى مكان آمن ليعودوا سالمين الى أهلهم وذويهم. لذلك لقبت ب (طوعة العصر) نسبة إلى طوعة بطلة الكوفة التي آوت سفير الإمام الحسين مسلم بن عقيل، لحمايته من بطش عبيدالله بن زياد في اطار واقعة كربلاء.

" طَوعة..

الغصنُ، شجرة ُالله

سقاها نهرهُ

قبلَ أنْ يمرَّ براياتٍ

......  .....

تحزُّ حبلَ وريدٍ

شُدَّ بعرشِ اللهِ..

وتزفُّ المغدورينَ

على دكَّة ِموت.

طَوعة...

كسرتْ كلَّ نصال ِ

سكاكينِ الحزِّ بخضرتِها.

وظلَّلتِ العشرين َ نبيّاً

تحتَ ضفائرِها

سبعَ عشرة قيامة ً

وهيَ تُنصتُ لحفيفِ ملائكةٍ،

رفيفِ قلوبٍ،

حَدَقاتِ عيونٍ،

نسماتِ دعاءٍ،

تحطُّ على جدرانِ البيتِ...

قالَ النَّخلُ :

إنَّ النُّورَ العابقَ ليلاً

من باحةِ ذاك البيتِ

يطرقُ بابَ سماواتِ المحنةِ

أنِ انفَرِجي..

طوعة....

رحمُ العذراء ِ

غارُ حراء

"العلمُ" الصَّاعدُ صوبَ اللهِ

بالبشرى يومَ اسْوَدَّتْ

كلُّ وجوهِ الأبوابِ

فكانتْ جنحَ اللهِ وخيمتَهُ "

(من قصيدة / طوعة)

كما تتجلى المرأة في هذه المجموعة بشجرة الأم الطّيبة، فمع أول صرخة للوليد، يضيء وجهها بالحبور والبهجة، لتحتضنه على صدرها الرَّحيم، فتنتشر أنوار الفرح، لهذا النَّورس الجديد للعائلة، والذي جاء ببركة الله والأمّ الحنون، وهو بشارة خير وأمل للشّجرة الصّغيرة (العائلة) والشَّجرة الكبيرة الوطن.

" معَ أوّلِ صرخةٍ

وأوّلِ إبصارٍ للنورِ

كانتْ خضرتُك تُربّت على صدري

- أنْ لا تخفْ....

وكلَّما أدلهمَّ ليلٌ

أضاءتْ أغصانُ شجرتِكِ قناديلَ

البهجةِ

فتنطلق الكركراتُ....

ناعمةً بيضاءَ

مثل رفيفِ نوارسِ شطِّ العمارةِ

حتى علتْ وجهي سَحابَة ُ

الحريق*... في غفلةٍ منكِ

وحينَ رفعتِ يديكِ إلى السَّماء

زمجرَ الأفقُ بالبريقِ

وبصوتٍ راعدٍ

قالَ للشَّمسِ: أنْ أشرقي على مُحياهُ

وكمثلِ معجزةٍ نَضَى الغيمُ ثوبَهُ

فانتشرَ الضِّياءُ....."

(من قصيدة / شجرتها... إلى أمي)

لقد استطاع شاعرنا هنا أن يرسم ملحمة التجذّر برؤية جمالية وفكرية وفلسفية مدهشة ليحلق بنا عميقاً إلى عوالم الدَّهشة والجمال والفكر والارتقاء بالصّورة الشّعريّة إلى آفاقها الرحبة .

 

* أسم الكتاب: الأشجار تحلق عميقاً

* المؤلف: د. سعد ياسين يوسف

* الطبعة الاولى: عام 2021

* الاخراج الفني والطباعة: دار أمل الجديدة. سورية / دمشق.

***

جمعة عبدالله

 

 

الكبير الداديسيعندما تزور مآثر بعض المدن اليونانية والرومانية تقف على آثار بعض المسارح القديمة، في حين تجد في المدينة العربية القديمة مآثر لبعض المؤسسات الاجتماعية أو الدنية كامسجد، الحمام، الفرن ... لكن لا اثر مرتبط بالمسرح، ولما تنبش في الثقافة العربية تجد أجناسا أدبية متنوعة، وعباقرة خلفوا تراثا فكريا متنوعا. بل لقد سبق العرب غيرهم إلى ابتكارات واكتشافات يشهد لهم بها التاريخ. كما تعرفت الحضارة العربية على تقاليد الثقافات الأخرى المجاورة لها وترجمت كتبها ونهلت من ثقافاتها خاصة من الثقافة اليونانية التي يربط الكثيرون ظهور المسرح بها. ليجد الباحث العربي نفسه، في شبه حيرة، أمام أسئلة من قبيل لماذا لم يعرف الأدب العربي فنا مسرحيا؟ ولماذا لم يجد الإنسان العربي أية ضرورة لترجمة أي بيت من المسرح اليوناني، وهو الذي عــّرف بالإرث اليوناني ونشره في كل أرجاء الدنيا وخاصة في العالم الغربي؟

اختلفت المسوغات وتعددت الأجوبة والمبررات، ووضعت الثقافة العربية بين مؤيد مدافع ومنكر مهاجم

 فأرجع البعض غياب المسرح في الثقافة العربية إلى خصوصية الجنس السامي واستغل الفرصة لينعت العنصر العربي بالقصور عن الإبداع والخلق. وهو طرح يبدو لنا تحركه خلفيات عنصرية أكثر منها فكرية أكاديمية

 وربطه آخرون بالبيئة العربية وفقرها في المناظر الطبيعية وأن بساطة وانبساط الصحارى نتج عنه بساطة الخيال وسطحية القصص مما لم يسمح للفكر بالعمق والتشخيص وخلق مسرحيات .  وهو طرح مردود ما دامت البيئة العربية ليست واحدة، فليست كلها صحراء بل فيها من التنوع ما قد لا يوجد في بلاد أخرى  

وجعل بعضهم السبب في الروح القبلية التي عاش في ظلها العرب والتي لا تهتم إلا بالحقائق المأثورة. وذهب زكي طليمات إلى الاعتقاد أن بداوة الحياة العربية قبل الإسلام وعيش العرب على التنقل والرحيل وعدم استقرارهم قد منعهم من معرفة المسرح .لكن تاريخ العرب ليس كله تاريخ ترحال فسرعان ما أسست مند وحواضر كادت في بعض المراحل أن تكون عواصم للثقافة العالمية  في عصرها   

 لكن أكثرية الباحثين  ممن تناولوا هذا الموضوع ركزوا على الأسباب الدينية، واجتهدوا في البحث عن مظاهر التعارض بين المسرح والإسلام ، كما فعل أحمد أمين عندما ذهب إلى القول أن الدين الإسلامي يمنع التصوير وبالتالي يمنع التمثيل ومنهم من غدا ينقب في الأحاديث عساه يجد ما يدعم به طرحه، معتمدا على  تأويل بعض الأحاديث التي تنهى على عبادة الأصنام، واعتبار الممثل منافق، وقصر الخلق على الله وحده، واعتبار مهمة صانعي الصور والتماثيل مهمة مستحيلة، إذ سيطلب منهم يوم القيامة بعث الحياة فيما صنعوا، أو الاعتماد على بعض الأحاديث كتلك التي تمنع استعمال الأقمشة والوسائد التي تحمل صورا وهي أحاديث ضعيفة و مطعون فيها بدليل أن الرسول  (ص) كان يستعمل وسائد من هذا النوع.... والحق يقال أن كل ذلك مجرد تأويلات – لا أساس لها من الصحة فلا وجود لأية آية  أو حديث يمنع و يحرم المسرح بشكل صريح أو ضمني  (1)  

ويمكن إجمال معظم الآراء التي صاغها الباحثون، وهم يناقشون الأسباب الكامنة وراء غياب المسرح في الثقافة العربية  في الأسباب التالية  (2) وهي آراء لا تعبر إلا عن مواقف أصحابها

1 ـ   تخلف العقلية العربية المرتبطة بالبداوة والجزئيات والفكر البسيط والفكر المحسوس وانعدام الإبداع والتخييل المجرد

2-عدم صلاحية  اللغة العربية الكلاسيكية بجزالتها وفخامتها للحوار الدرامي ولا تنسجم مع مستويات التواصل في الخطاب المسرحي (جاك بيرك)

3- لم ير العرب في المآسي اليونانية إلا نصوصا بسيطة موزونة وأشعارا حوارية غريبة. (محمد عزيزة)

4- عدم فهم المصطلحات الدرامية اليونانية من قبل شراح أرسطو مما وقعوا في الترجمة الخاطئة لألفاظ" فن الشعر" من قبل المترجمين والفلاسفة العرب  (متى بن يونس، ابن رشد...)، حيث ترجموا التراجيديا بالمديح والرثاء والكوميديا بالهجاء والدراما بالشعر (شكري عياد وعبد الرحمن بدوي...)؛

5- بداوة الحياة قبل الإسلام وارتحال الإنسان من مكان إلى آخر وعدم استقراره منعه ذلك من معرفة المسرح الذي يتطلب الاستقرار والاستيطان والتمدن الحضاري  (زكي طليمات)؛

6- منع الدين الإسلامي للتصوير والتشخيص والتمثيل، وتوعد النص الديني الإسلامي كل من قام بذلك بالعقاب الشديد  (أحمد أمين)

7- انعدام الصراع في المسرح العربي على غرار المسرح اليوناني الذي كان يعرف أنماطا من الصراعات الدرامية كالصراع العمودي (صراع البشر مع الآلهة)، والصراع الأفقي" صراع الأفراد والجماعات فيما بينها"، والصراع الديناميكي" انهزام القدر" كما في مسرحية الفرس عند أسخيلوس، والصراع الداخلي كما في مسرحية أوديب  (محمد عزيزة)

8- صعوبة تنظيم العروض المسرحية في مجتمع يحارب فيه رجال الأخلاق والمحافظين تمثيل الأدوار النسوية ويعود أكثر من ذلك إلى المعنى الأليم للقدر الإنساني (لويس غارديه)؛

9- منع الإسلام قوع أي صراع درامي (فون جرونبوم)

10- إن الحضارة العربية لم تكن في حاجة إلى التعبير المسرحي (أحمد شمس الدين حجازي)؛

11- إن العرب لم يترجموا أدب اليونان وشعرهم، في الوقت الذي نقلت فلسفتهم، لإحساسهم بأن إبداعهم في الشعر والأدب يفوق كل إبداع

12- انعدام الحرية والديمقراطية في الدولة العربية القديمة القائمة على الاستبداد والقهر وإسكات الأصوات المنتقدة لسياسة الدولة، وهذا لا ينسجم مع الإبداع المسرحي القائم على النقد والتوجيه؛

13- انعدام الفكر الموضوعي وذلك بافتقاد الشاعر العربي لعنصر الإدراك المأساوي للحياة. فالشاعر وإن عبر عن عواطفه وأحاسيسه، فإنه لم يتطور من الموقف الفردي الذاتي إلى الموقف الجماعي العام الذي ينشأ عنه المسرح  (عز الدين إسماعيل)؛

14- غياب الفكر الأسطوري لدى العرب هو الذي يمنع من إبداع مسرحيات تراجيدية على غرار المسرح اليوناني.

وفي مقابل كل هذا، نجد دارسين آخرين  يثبتون أن العرب قد عرفوا المسرح منذ مدة طويلة . ويستثني الباحث التونسي محمد عزيزة ــ في كتابه  (الإسلام والمسرح ) ــ  من أطروحة نفي المسرح عند العرب التعازي الشيعية، إذ قال:" الاستثناء الوحيد لقاعدة الغياب المسرحي هذا هو التعازي الشيعية [ التي تجسد مقتل الحسين،] والتي  أعطت الإسلام اعتبارا من القرن السابع الشكل الدرامي الوحيد الذي يعرفه". (3) وكانت  التعازي الشيعية تتكون من ثلاث فصول أساسية، وهي:

1- المشاهد التي تسبق معركة كربلاء.

2- مأساة كربلاء وآلام السيد الحسين.

3- ما عقب كربلاء.

ويذهب عبد الكريم برشيد إلى أن (المسرح العربي قد ولد يوم ولد المجتمع العربي... غير أن هذا الوليد لايشبه إلا ذاته، لأنه في تركيبه مخالف للمسرح اليوناني الغربي، وهذا شيء طبيعي، مادام أنه مرتبط بشروط جغرافية وتاريخية واجتماعية وذهنية ونفسية مختلفة..). و ينحو هذا المنحى الدكتور عمر محمد الطالب في كتابه" ملامح المسرحية العربية الإسلامية" حينما قال:" إن المسرح فن أدبي وبصري يستمد أصوله من مقومات الأمة وثقافتها وأصولها ولا يشترط فيه أن يكون منسوخا عن المسرح اليوناني القديم أو المسرح الأوربي الحديث، إنما يجب أن تكون له مقوماته الخاصة المستمدة من ثقافة الأمة وحضارتها ومعتقداتها مادام الأصل في المسرح وجود المشاهدين بالدرجة الأولى، أما المكان فلا فرق أن يقدم العرض في مجلس أو خيمة أو ساحة أو فضاء، في شارع أو مقهى أو في قاعة يطلق عليها اسم مسرح.

هكذا يتضح أن عددا من الباحثين حاولوا الدافاع عن أصالة المسرح العربي والبحث عن جذور لهذا الفن في بعض الظواهر الشعبية والاحتفالية  التي كانت تعرفها الأمة الإسلامية  كظاهرة التعازي الشيعية  التي تمسرح مقتل الحسين،والطقوس الصوفية والأعياد الدينية وأدب المقامات وخيال الظل والكراكيز ومسرح العرائس والمسرح الشعري في المعلقات وغزل عمر بن أبي ربيعة...والقصص الدرامية والمسرح الشعبي وسلطان الطلبة وسيدي الكتفي وفن البساط ومقالب جحا ونقائض جرير والفرزدق والأخطل، ناهيك عن الطقوس الدينية والطرقية والرقص وفن اللعب والغناء الدرامي و (الحلقة) ....وغيها من الممارسات الشعبية أو الدينية التي اعتبرها بعض الباحثين جذورا للمسرح العربي .

لكن مهما تعددت الآراء، والآراء المعاكسة  فالمسرحية، كما نعرفها اليوم، جنس أدبي حديث لم يكن له وجود في  الثقافة العربية.                                                                                                                           و لم تبدأ العناية به إلا في عصر الخديوي إسماعيل، الذي كان مغرماً بتقليد الحياة الأوربية، و ذلك طبيعي لأنه تربى في فرنسا صغيراً فكان كل همه أن يحاكي الحياة الأوربية، ويود لنفسه ورجال حاشيته والطبقة الحاكمة وسائل اللهو والمتعة، ومن أهم ما عنى به المسرح، فافتتح مسرح الكوميدي، لأول عهده بالحكم حين احتفل بافتتاح قناة السويس، ثم أنشأ مسرح  (الأوبرا) في العام نفسه ومثل فيهما جماعة من الممثلين والممثلات الذي أحضرهم من أوربا. لكن أول من أدخل الفن المسرحي في البلاد العربية هو مارون نقاش اللبناني الذي اقتبسه من إيطاليا حين سافر إليها في سنة 1846، وابتدأ تمثيله باللغة العربية الدارجة، وكانت أولى المسرحيات التي قدمها لجمهوره العربي في بيروت هي رواية "البخيل" المعربة عن موليير وذلك في أواخر سنة 1847 ثم قدم روايته الثانية  (أبو الحسن المغفل أو هارون الرشيد) في سنة 1849 .

أما في مصر فأول مسرح عربي أنشئ بها هو ذلك الذي قام به يعقوب بن صنوع. بالقاهرة في يوليو سنة 1876 وقد اقتبسه كذلك من إيطاليا التي درس بها ثلاث سنوات وقد مثل في خلال سنتين عاشهما مسرحه اثنتين وثلاثين مسرحية ما بين مقتبس من الأدب الغربي صبغه صبغة محلية، وما بين موضوع يعالج مشكلات اجتماعية.

وقد شجعه الخديوي إسماعيل وأثابه على جده في وضع المسرحيات وإخراجها وتمثيلها، وحضر بعض مسرحياته ولقبه بموليير مصر.

ثم وفد إلى مصر من لبنان سليم النقاش في أواخر سنة 1876، تصحبه فرقة تمثيل، ومسرحيات عمه مارون نقاش: "البخيل" و "ابو الحسن المغفل" و "السليط الحسود" وترجم "أوبرا عايدة" إلى اللغة العربية محافظا على طابعها الغنائي، واقتبس من الفرنسية مسرحيات لكورني  ولراسين.

ومن  الأوائل الذين عنوا بالمسرح والترجمة له محمد عثمان جلال وكان ينقل من الفرنسية ويضفي على مسرحياته روحاً مصرية خالصة. حتى اعتبره المصريون أبا المسرحيات الوطنية في العصر الحديث.

 ولم تقتصر كتابة المسرح على النثر بل تعدتها إلى الشعر فكان ومن أوائل المسرحيات التي كتبت شعراً مسرحية  (المروءة والوفاء) لخليل اليازجي سنة 1786 وقد مثلت على مسرح بيروت عام 1888 . ثم انتقل المسرح العربي  إلى طور جديد بقدوم أحمد أبو خليل القباني وفرقته المسرحية من دمشق إلى مصر في يونية سنة 1884، لأن المسرح ظل إلى أن جاء القباني معتمداً في الغالب على المسرحيات الأجنبية المعربة، فلما جاء القباني اتجه نحو التاريخ العربي والاسلامي فوضع مسرحيات: عنترة والأمير محمود نجل شاه العجم، وناكر الجميل، وهارون الرشيد، وأنس الجليس، ونفح الربى، والشيخ وضاح، وغيرها، وعلى هذا النمط ألفت عدة مسرحيات في تلك الحقبة، وفي هذه الفترة حاول أحمد شوقي وهو بعد طالب في باريس كتابة بعض المسرحيات الشعرية.

هكذا كانت بداية المسرح العربي. ليتضح أن العرب لم يعرفوا المسرح إلا بعد أن قطع أشواطا طويلة بالغرب. على الرغم محاولة الكثير من المفكرين العرب تبيان أن المسرح متجدر في ثقافتنا العربية وأنه يجد جذوره في بعض الأشكال التعبيرية  كالحلقة و (الحكواتي)  وحلقات الذكر والجذبة... أوفي بعض أشكال التمسرح كمسرحة الشيعة لمقتل الحسين في عاشوراء أو مسرح الظل الذي ازدهر في العصر الفاطمي .والذي كان يقدم صورا وكراكيز مصحوبة بصوت المخايل  وكانت أولى العروض قد قدمت في عهد صلاح الدين الأيوبي متخذة من الحروب الصليبية موضوعا لها  وكان أول عرض هو  (بابا حرب العجم)  لمؤلف مجهول (4) لتتطور مع شمس الدين محمد بن دانيال الذي قدم عدة عروض أهمها : بابا  (غريب وعجيب) بابا المتيم والضائع اليتيم ... لكن البداية الحقيقية  للمسرح لم تبدأ إلا مع جيل مارون النقاش  

 

الكبير الداديسي

......................

هوامش

1- محمد عزيزية    (الإسلام والمسرح )

2- عن  جميل حمداوي عمرو

 http://www.arabworldbooks.com/ArabicLiterature/arabtheatre.htm 

3- محمد عزيزية  (الإسلام والمسرح) ترجمة: د. رفيق الصبان  منشورات عيون ط. 2 دار قرطبة البيضاء 1988 ص 38

4- عن محاضرات. ذ بنياسر لطلبة الأدب العربي فوج 1988  كلية الآداب جامعة القاضي عياض مراكش

 

 

لطيف عبد سالمفي تجربتِه الشِّعريَّة التي بدأها منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، يُفْصِح الشَاعِر السومري عماد المطاريحي عن ذّاتٍ هائمة بما من شأنِه المُساهمة في ضمانِ احترام الكرامة الإنسانيَّة، وما يترتَّب على ذلك من اشتراطاتٍ تتسق مع الهويةِ الإنسانيَّة، وتنسجم مع ما يمليه الضمير من المقتضياتِ التي تتجسد أبرز آلياتها في جملةِ سلوكياتٍ من بينها: زراعة الأمل، غرسِ روح التسامح، تعزيز ثقافة التكافل، رفض إيذاء الآخرين وترسيخ تعامل الناس بعضهم بعضًا بروحِ الإخاء. ويمكن القول إنَّ المتلقيَ في تمعنَه بقصائِدِ المطاريحي، وتأمل مفرداتها الشِّعريَّة، يشعر بعناقيدِ الشِّعر تتدلى حاملةً حروفًا بهية تشرح النفس، وتسعدها بإنشادِ أجمل صور الإيثار والألفة والفطرة الإنسانيَّة:

***

جاري أبو ذر الغفاري

من اجوع...  يقسم وياي الرغيف

ومن يجوع بچفي أشربه دموع عيني

وثلمه من گلبي العفيف..

والغموس شويه ماي

من نهر مد روحه غِيره..

حتى يروينه محنه

***

 ذاتَ سماوةٍ، وفي إحدى الفضاءاتِ الثقافيَّة لسليلةِ أولى المدن الحضاريَّة في التاريخِ الإنساني (أوروك)، قدم عريف الحفل الشَاعِر عماد المطاريحي القادم من شقيقتها الديوانيَّة التي يفوح منها عبق أصالة التاريخ الممزوج برائحَةِ العَنْبَر بطريقةٍ جميلة تليق بخطابِه الإنساني، كان الخجلُ باديًا على وجه المطاريحي حين رافقه أحد المسؤولين عن تنظيمِ احتفالية تأبين صاحب (نخوة عشاير) الشاعِر الراحل محسن الخياط (طيَّبَ الله ثراهُ) بسببِ اشتداد تصفيق الجمهور الذي اكتظت به القاعة، حيث لا مكان لقدمٍ فيها، حتّى اضطر عشرات منهم الاستماع إليه وقوفًا؛ تعبيرًا عن الترحيب بمقدمه الذي بعثَ السرور في قلوبهم، وأدخلَ البَهْجَة على نفوسِهم.

 بعد أنْ ارتقى المطاريحي المنصَّة، أعلن أنه سيقرأ قصيدة إلى أحدِ قادة المُجتمع. ولا أراني مُبالِغًا إنْ قلتُ: إنَّهُ بحكمِ الثقافة السائدة في مُجتمعنا، فضلًا عما آلت سنوات المحن، فإنَّ جميع من كان حاضرًا حبس أنفاسهُ متأرجحًا في تفكيره ما بين قبول محتمل، أو رفض أكثر احتمالًا؛ لمعرفةِ هوية (القائد) الذي عناه الشَاعِر، فلا عجبَ إنْ ظنَ الجميع بأنَّ وجهةَ بوصلة الشَاعِر تتجه نحو رمزًا تبوأ منصبًا مرموقًا، أو موقعًا وظيفيًا مهمًا، أو مركزًا اجتماعيًا مؤثرًا وما شابه ذلك، إلا أنَّ المطاريحيَ لم يجعل أيًا منهم مُعَلَّقًا على حبلِ انتظارٍ منشغلًا في التفكيرِ بمقصده، بعد أنْ حسمَ الأمر بقوله: 

"سأقرأ قصيدة مهداة إلى أقدمِ عاملَ نظافة في بلديةِ الديوانيَّة العم السيد محمد السيد عنبر"!.

***

بيته طين ..

وكلبه فضه

وبدلته الزركَه سما الله

***

 تلكم هي الصفات الثلاث الأساسية التي أهتدى إليها المطاريحي في مهمةِ رسم صورة بطل قصيدته وثيمتها، ولا أظن أنَّ هناك أبلغ منها سموًا وجمالًا روحيًا، فحضارة بلاد الرافدين (الطينية) ما تزال شامخة في الأفق، تحكي للأجيال قصة أقدم الحضارات الإنسانيَّة التي عرفها البشر. وفي أمسنا القريب، كانت الطيبة، فضلًا عن غيرها من الصفَاتِ النَبيلة المتأصّلة في النفوس، حبيسة بيوت الطين على الرغم من صغرِ مساحاتها، وقسوة العيش فيها، لكن اللافت للنظرِ هو اقتران طين بيوت الفقراء بالفضةِ التي ألزم الباري عزّ وجلّ المسلمين وجوبِ الزكاة فيها. ويبدو جليًا من مضمون الصّورة الشِعريَّة هُنا تصوير المطاريحي بحسٍ مرهف لمسألةٍ وجدانيَّة تنحى صوب بياض القلب، وصفاء النفس، ونقاوة السريرة من وساوسِ الضغائن والأحقاد، فضلًا عن غيرها من موجباتِ زكاة النفس التي يندر أنْ نجدها في شخصيةِ القائد أو الزعيم بالمفهوم التقليدي المتعارف عليه، والتي تُعَدّ بوصفها من أبرزِ العوامل المعول عليها في مهمةِ صلاح الذات الإنسانيَّة. ولأنَّ السماءَ سقفٌ واسع وممتد بآفاقٍ لا تحدها حدود، فقد ركن المطاريحي إلى اقتناصِ لون بدلة الشرف التي إعتادَ العم السيد محمد على ارتدائها برمزيةٍ يقصد فيها ما يدور في ثنايا الحياة اليوميَّة بالمجتمعِ المحلي من إرهاصاتٍ ظاهرة للعيان، أو مخفية لا يعلم بها الكثير من الناس.

***

غبشه ينزل يبوس كل شباج

بات براسه موعد

يبوس كل موعد

لكَه الشباج نايم !!

ينعى كحله نرسمت على الدرب خيبه

يقره سالوفة كصيبه

يقره نص من الكمر شباج

والباقي كصيبه

***

 زعيمُ أدبَ المطاريحي، لم تخصص لهُ الدولة سيارة فارهة، أو مصفحة، ولا حماية، ولا نثرية، ولا يأبه بشعاراتٍ رنانة لإغراءِ الناس، فبطل قصِيدته لا يملك شيئًا وهو بحاجةٍ إلى أشياءٍ كثر، فيما الزعيم - بالمفهوم التقليدي -  كل شيء في متناول يده، لكنه لا يفكر إلا بما يُرسّخ نفوذه، ويدعم ما تتطلب مصالحه الشخصيَّة. وعلى العكس من ذلك، فإنَّ الكبير السيد محمد لا يملك غير قطعة قماش عتيقة (صُّرَّةُ) حصل عليها من عرقِ جَبِيْنه، لكنها تبدو لعيالِ الله تعالى أكثرُ جاذبيَّةً من موكبِ الزعيم، فلا عجب إنْ تأبطَ القائد السيد محمد كُلَّ فجر أيقونة الكرامة المُشبَعة بملحِ أرض العراق الطيبة. وعلى الرغمِ مما تكتنز هذه الصُّرَّة من شحناتِ ألمٍ، وآهات معاناة، لكنها ما تزال بَيْضاء ناصِعة، وإنْ تقادمت عليها السّنين؛ لأنَّها مضمخة بالانتماءِ إلى وطنٍ حباه الله سبحانه وتعالى بما يعجز وصفه من النعمِ، وتحملها يد إنسان يملك  ضميرًا حي يخشى الباري عزّ وجلّ من فعلِ ما يغضبه، فكونه أميًا لا يُقلِّل إدراكه بالفطرةِ أنَّ الضميرَ صوت الرحمن في الإنسان.

***

بيده شايل (صره) بيضا

بيها حفنة زهدي حايل معفر بعطر

 التراب

بيها نص رغيف بايت نعجن بدموع

 وعذاب

بيها قراّن المدينة ونص اّلهي يبدأ اقرأ (للتراب)

بلحظه تتحول ولاية

أرشيف جيبه

المضيعله قصيده

المضيعله رساله

المضيع ماي وجهه

المضيعله حبيبه

المضيعله زعيم

المضيعله عريضه مهمش عليها حرامي (الله كريم)

الريح معتمدك بريد

*** 

 لعلَّ من المناسب الإشارة هُنا إلى أنَّ السيد محمد لم ينقطع عن عمله، حتّى مع انهيارِ مؤسسات الدولة في عام 2003م، حيث دأب على ممارسةِ عمله يوميًا من الصباحِ ولغاية الساعة الثالثة عصرًا من دون مراقب مثلما أسرني به بعض الزملاء في مدينةِ الديوانيَّة، فصاحب القلب الكبير - بخلاف الكثير من المسؤولين - يحرص على أنْ يكونَ رمزًا للتسامحِ والمحبة وإرضاء الضمير، فتراه لا يخاصم، ولا يقاطع، ولا يفشي سرًا، ولا يحاول أنْ يسرقَ من وقت العمل. وعلى الرغم من افتقاره إلى نعمةِ القراءة والكتابة بفعل ظروفه التي لم تمنحه فرصة التعلم، إلا أنَّه غدا مدرسة كبيرة في ترسيخِ القيم الإنسانيَّة النبيلة. وصدق المطاريحي حين نعته بـ (حرز الشوارع)، فهو تعويذة المدينة الفاضلة بامتياز.   

***   

انت اطول من اّذان .. وبالضهاري تصير معضد بيد طفله

الغبشه رسمتلك خريطه وطن باجر

النفط، والدولار، والكرسي وباء

الخيل والغارات والتاريخ والقالة جزيره

وانته والمكناسة والسكران والنخلة

 مدينه

يا صديق المطر يا حرز الشوارع

الغيم يعرب دمعتك .. فرحه متأخرة الفعل تقديره باجر

***

 السيد محمد، إنسان بسيط في حياته، كبير بسجاياه، متسامح يعشق الحياة، لا يعرف الغل والحسد، إنَّه باختصار يسمو بأخلاقه ليرتقي إلى رموزِ أدب اليوتوبيا في مُجتمع تسوده الكثير من ملامحِ أدب الدستوبيا!,

***

والله احبك

تمسح دموع النوافير ودمعتك تموت زعلانه عله خدك

تمسح جروح الشوارع بهيده وتغني عله كَدك

تخيط جروح الشوارع وانته كله جروح كلبك

تعرسّ النافور لو شمة ثيابك

تشهك الشجره اذا شمة ثيابك

الريح عيب يغثله شجره وانت واكَف

لو يفزز ورده حمره

ياما غنوك الزغار...

جدي ضمنه شهايدنه التجيك

جدي حتى احلامنه بودها تجيك

جدي خاف الشمس تنزل

نودي طيارتنه تفيي عليك

جدي هم عندك شهاده ؟

جدي لوانت شهاده ؟

جدي ابوك الشارع امك ؟

ليش تحسب جرحه جرحك

جدي هم عندك ذنوب ؟

جدي من تذرع الشارع روحه جيه جنك

 تفصله ثوب !!

جون وجه الشارع ودعوتك بيضا

شوك وجه الشارع وجفك حرير

شنو جدي انت امير

انت وحدك تدرك اسماء الاشاره

انته وحدك كاتم اسرار النثايه الجابن وحلفن عذاره !!

والله لو نفهم قضيتك جان ودعنه الهزائم

مد اديك بنفسي ابايع

اشهد انك نبي الشارع

اشهد انك تعرف اسرار الضفيرة

انزل وصلي امام بناس لسه ويه الصنم عدها اتصال

المكنسة اقرب للصليب

المكنسة اقرب للقنوت

لفكر ثائر

الوجه عامل

الشكل جايع

المكنسة ساعد عراقي بروح جامع

المكنسة اقرب للتراب وانت اقرب

 للوطن

المكنسة اول دين ناطق

وانت اّخر نبي صامت

***

 تحية لرمز النقاء، الكبير بسموه نحو الخير والفضيلة السيد محمد السيد عنبر، وكلنا نرفع له القبعات عاليًا؛ احترامًا وتقديرًا وفخرًا وعرفانًا، واعتزازًا، فهو مصدر فخر واعتزاز لكلَّ إنسانٍ شريف، وكلّ صاحب ضمير حي. وشكرًا من القلبِ شاعرنا القدير - شاعر الجمال - الأستاذ عماد المطاريحي على هذا الإنجاز الإبداعي الماتع الساعي إلى الدفاعِ عن كرامةِ الإنسان وترسيخ القيم العليا، والذي ترك مساحة مؤثرة في النفوسِ النقيَّة الباحثة عن مراتعِ الخير والصفاء والجمال الإنساني، وما من شأنه الغوص بآفاقٍ أرحب في عوالمِ الحب بمعناه السامي. ويقينًا كلنا نشارككَ محبة زعيمك السيد محمد، ونعدهُ رمزًا لإرادةٍ إنسانيَّة فاعلة، فتجربته تُعَدّ درسًا بليغًا في ميدانِ التربيَّة الجماليَّة. وختامًا: مرحى لك ما اخترت من قائدٍ يندر وجوده في هذا الزمنِ الرَدِيء.

 

لطيف عبد سالم

 

حاتم جعفرإبتداءاً، لا بأس من تسجيل ما أظنه ملفتا في نصها. فعلى الرغم من أن رواية ساعة بغداد تُعَد اﻷولى في مسيرتها اﻷدبية، الاّ انها حوت بين جنباتها ما يستدعى الإنتباه ويشد القارئ، الا و هو تمكن الكاتبة من لغتها وتطويعها وبما يتفق مع البعد والسياق الزمنيين للرواية، وهذا ﻷمر على غاية من اﻷهمية في عالم السرد. فمثلا حين كانت تتحدث عن طفولتها وأقرانها أيضا، إعتمدت من المفردات ما يتناسب وعفوية ذلك العمر. ولم تكتفِ بذلك بل راحت أ`عمق في مخيلتها، وهذا ما لمسناه في وصفها لعالم الطفولة، حيث سلطت الضوء على طبيعة إهتماماتها واﻷلعاب المفضلة لديها،  والتي كانت شائعة آنذاك.

في ذات السياق فالمتتبع لسردها ومع الإنتهاء منه، سيلمس وبوضوح تام تلك البساطة والسلاسة في أسلوبها، ليأتي متناغما ومستجيبا لمقتضى النص. وسوف يكتشف المتلقي أيضا تغيّرا وتطورا ملحوظين في مستوى اللغة وإستخداماتها ومع كل مرحلة جديدة من العمر، ولتتناسب مع ما أملته طبيعة اﻷحداث والظروف التي مرّت بها شخصياتها. انها بحق لإلتفاتة ذكية من لدنها.

ثلاثينية العمر أو أكثر بقليل، هذا ما أنبأتنا به سيرتها الذاتية، فهي وقريناتها إذن عاشوا وواكبوا أصعب المراحل السياسية في تأريخ العراق، حيث تقاذفتهم صنوفا من اﻷذى واﻷسى، فمن حرب الى أخرى ومن حصار الى نظام حكم ديكتاتوري، لم يبقِ ولم يُذر، لذا ما كان على ضحاياه الاّ أن يجوبوا بقاع الأرض بكل جهاتها، وعيونهم ما إنفكت ترنو وتحن الى وطن تركوه هناك عاريا، يتقاذفه مَنْ يشاء ويعبث به مَنْ يشاء.

هنا سنصل الى بيت القصيد، فالكاتبةشهد الراوي ورهطها ممن وُلِدوا في ثمانينات القرن الماضي، قد لاقوا ما لاقوا من حيف وظلم، يشبهون في ذلك والى حد بعيد مَنْ سبقهم، لذا راحت تبحث عن ملاذ خارج الحدود، أملا في أن يوفر لها بعض أمان. وما دام الحال كذلك، فما كان منها الاّ أن تبحر في قارب صغير، أرادت له أن يرسو على أقرب شاطئ من بلادها، ومن هناك ومن شرفة السارية، ستحاول (شهد) أن تطل على ذاكرتها، لتدون  أهم المحطات التي مرَّت بها، فكانت روايتها ساعة بغداد. أمّا نحن فسنتوقف عند أوجاعها.

بينما كان التنافس على أشده بين الطفلتين على مَنْ منهما لها من العيون أجمل، وِمنْ منهما اﻷكثر طولا من اﻷخرى، وإذا بصفارات الإنذار تُعلن عمَّن سيكون الضحية القادم. هكذا تبدأ الحكاية، انها سنة 1991، فعلى حين غفلة وتحت وابل كثيف من الحقد والكراهية، شَرَع سربٌ من الطائرات المتعددة الجنسيات بالقصف المركز على ما حلى لها وطاب من اﻷهداف، فما كان على الطفلتين الاّ أن تلجئا الى بعضهما البعض. وعن ذلك تقول الكاتبة في وصفها لتلك اللحظة (أمسكتُ بيدها وهربنا نحو المكان الذي تجلس فيه أمي وأمها)ص13. من ذلك المكان ستبدأ الخطوة اﻷولى نحو صداقة ستمتد طويلا بين صاحبة النص وإحدى شخصياتها وأسمها نادية.

ومنذ الحدث اﻵنف سيرتبط تدوين اﻷحداث بما سيحصل من كوارث. فإذا أردت مثلا أن تتذكر متى التقيت أول مرة بصديقك الفلاني، والذي أجبر على مغادرة البلد وللعديد من اﻷسباب، فستسعين او تعود بالذاكرة الى المعركة الفلانية التي وقعت بالتأريخ  الفلاني. أو ستحث الذاكرة على ما حصل من مآسي بسبب سياسة التجويع التي أتبِعَت،  أثر ذلك القرار المجحف، الذي قضى بإتباع سياسة حرمان الشعب، وبعنوان فرض الحصار على النظام الذي كان قائما آنذاك. فعن هذا الموضوع وعندما أرادت نادية الطفلة، أن تتذكر متى رأت النهر أول مرة، راحت تروي وعلى لسانها، عندما (عَبَرَت سياراتهم فوق النهر، شاهدت جسورا ميتة قتلتها الطائرات)ص24.

أسماء اﻷشخاص التي كانت شائعة آنذاك قد لا تعكس بالضرورة كل مكونات المجتمع ومناطقه، فالمستوى الإقتصادي سيحدد وبنسبة لا بأس بها طبيعة اﻷسماء التي ستختارها العوائل ﻷبنائها ومن الجنسين على حد سواء. كذلك سيلعب العامل الجغرافي دورا هاما فيها، فضلا عن مستوى الوعي ومدى إقتراب أو إبتعاد الوسط من أسباب التحضر، لذا سنجد المدن الكبيرة على سبيل المثال قد (إحتكرت) أو لنقل تميزت عن غيرها في العديد من اﻷسماء.

وإذا دار الحديث عن رواية ساعة بغداد فسيجد القارئ أن هناك من اﻷسماء ما يمكن فرزها ووضعها في خانة الطبقة الوسطى من المجتمع، والتي عادة ما يكون لها الدور البارز في اﻷخذ بأسباب التحضر، وذلك من خلال شغلها لمؤسسات الدولة وأهم مرافقها، بل وتُعَد صمام أمام لها. ومن بين أسماء الشخصيات التي ترد في الرواية، سيأتي ذكر: نادية، أحمد، بيداء، مروة، وجدان، ريتا ومناف. وبذا تكون الكاتبة قد أوصلت رسالتها والتي مفادها: إن مَنْ غادر بلاده مضطرا في تلك الحقبة من الزمن هُم في جلّهم ينتمون الى الطبقة المتعلمة.

في سياق سردها ستتحدث الكاتبة أيضاً عن الصورة النمطية للمجتمع العراقي، وعن مدى الألفة التي كانت سائدة بين مكوناته وبصرف النظر عن بعض الخصائص. بل ستذهب الى ما هو أبعد من ذلك، حيث ستبرز الجوانب الإيجابية ومدى اللحمة التي تجمعهم (أنا ونادية وكل أطفال المحلة ... أكلنا من مطبخ باجي نادره... تحكي لنا بلكنتها الكردية قصصا عن الجبال الشاهقة)ص39. وَستُسمعنا  أجمل اﻷغاني: نرجس نرجس نرجس ... نرجس زينار جوانا.... أوي نرجس نرجس نرجس... سرك ألوني إيفانا.

لم يستمر الحال على ما هو عليه، فهناك من اﻷحداث والوقائع ما سيفسد تلك اﻷلفة التي كان المجتمع محافظا عليها حتى وقت قريب. حيث ستبرز أولى المؤشرات التي ستدل على ذلك، وَسَيُفتح الباب واسعاً أمام مشاكل من نوع آخر. ففي اليوم الذي أعلنت فيه نتائج إمتحانات أبناء المحلة وإنهائهم لإحدى المراحل الدراسية، وما رافقها من أجواء فرح وبهجة، الاّ أنَّ هناك ما سيُفسِدُ ويُنغص عليهم فرحتهم. فــ(بعد أن تسلَّمَ نزار نتيجة الإمتحان، كانت تقف في بابهم سيارة سوداء ... سنتعود عليها في ما بعد، إنهم في هذه الساعة يتركون بيتهم، ويهاجرون الى خارج العراق ولن نراهم بعد هذا اليوم)ص45.

في الفترة اﻷخيرة سيتكرر تواجد السيارة السوداء وبكل ما تحمله من نُذر شؤم، فيا ترى، مَنْ من العوائل سيلقى بها خارج الحدود؟. كل ذلك سيترافق مع ظهور عامل جديد ما كان في الحسبان من قبل، سيعزز من فكرة أن المنطقة أو لنقل السفينة كما تحب أن تسميها الكاتبة، وأعتقد هي كناية عن بغدادها، وبما احتوته من جلال وحضور بهي، ومن ساعة خالدة، كانت محجا لطفولة الكاتبة وشاهد عصر لزمان قد زخر بآيات العشق والمحبة، مقبلة أي السفينة على الغرق. هذا ماسينبؤنا به مَنْ سمّى نفسه بالعرّاف. والعبارة التي أطلقها هذا الدعي، سترن في أسماع مَنْ كنَّ صاغيات له من نساء الحي، ولتنزل (مثل الصاعقة على رؤوسهن وهن يتسائلن عن أية سفينة يتحدث هذا المشعوذ)ص72.

وتيرة مغادرة المنطقة أخذت بالتصاعد، وها هو بيت أبو سالي، تُركََ بعهدة الرجل الطيب وأحد أعيان المحلة، أبو شوكت، فهو الذي سيشرف ويقوم بعملية سقي ما بقي من حديقة، كانت وحتى وقت قريب زاهية بشجرة الرارنج وعبق ساكنيها. وها هو يدفع عن جدران البيت ما تراكم من غبار وحزن. وها هو أيضا يطمئن أصحاب البيت بخطوة قد تُرضيهم بعد أن فقدوا أمل العودة. فما إن إتصل بمالك الدار حتى قال له(سأبيع هذا البيت وأرسل لك ثمنه)ص85. بالعبارة اﻷخيرة، تكون شهد قد أشَّرت الى بداية التغيير الديمغرافي الحقيقي. خاصة وان عملية المغادرة أخذت تطال بعض من العوائل التي لم تبرح المنطقة، وعلى مدى ثلاثة أجيال متعاقبة.

أوجاع العراقيين لم تتوقف، فمنذ مطلع الثمانيات وما قبلها وهم يعانون من أشد أنواع التعذيب والفتك والإنتهاك لحرياته، لذا بات من نافلة القول: ان العراقي يولد كي يلقى حتفه بعد حين، ولم يك بعد قد شمَّ عطر الياسمين أو إستظل بشجرة النخيل الخالدة. وعن هذا الموضوع مرة أخرى فالكاتبة لم يفتها التذكير بحملات التضامن اﻷممية التي قادتها العديد من المنظمات الدولية المدافعة عن حقوق الإنسان وحق الشعوب المشروعة في الحصول على قوتها اليومي. ومن بين أبرز الوجوه التي قامت بهذه الحملة، عضو البرلمان البريطاني والمدافع الثابت عن حقوق شعوب العالم في نيل حريته، وبشكل خاص الشعب الفلسطيني، حيث دعا ومن عاصمة الرشيد، الى رفع الظلم وكل أشكال الحيف، بما فيها سياسة التجويع الممنهجة، فها هو (جورج غالاوي في شوارع بغداد، تضامنا مع أطفال العراق ضد الحصار)ص92.

وبالعودة الى ذاك الشخص الذي أطلق على نفسه صفة العرّاف، فها هو مرة أخرى وبحلة جديدة، حيث بدا حليق الذقن وبنظارات معتمة، مستعينا بعصا، تظهره كما الأعمى الذي يتلمس الطريق بعد أن فقده أو حاول أن يتظاهر بذلك.  يجوب أحياء المنطقة، لِيُبَشر أهلها بالمزيد من المصائب والمصاعب. وبأنَّ الخراب سيعم أركان البلاد، وستعصف الريح بأرض الرافدين وسيتقاسم تأريخه ومجده كل مَنْ تربَّصِ به شرا. وسيتنازع عليه أهله قبل اﻷعاجم. وسيرحل مَنْ يرحل، و(سيظهر الغرباء فجأة من البيوت المهجورة وهم يتحدثون بلغة غريبة عنكم، يطلقون النار بدم بارد ومن دون أن تطرف لهم عين)ص108.

أمّا مَنْ تبقى من أهل الحي وربما أحياءا أخرى، فقد بدأت تصل مسامعهم من المفردات غريبها. وباتت تُشكل وجعا آخر أو لنقل هماً آخر لهم. فهي وعلى قلتها  وصعوبة إختراقها وخاصة للفئات الإجتماعية لنقل المثقفة نسبياً، الاّ انها أخذت تتسلل لتجد لها مكانا بين اللهجات المحكية الشائعة، والتي كان يتقاسمها ويفخر بها المجتمع العراقي. من أين جاءت وكيف دخلت واستقرت!. ومن بين تلك المفردات على سبيل المثال، التي إنتبهت لها الكاتبة وأشارت اليها وعلى عجالة، والتي دخلت حيز التعامل حتى بين بعض اﻷوساط الجامعية (قفّاص، نگري، حاتة تملخ، باي، أصيلة، طگطوگ)ص153.

توظيف الحلم في العمل الروائي لهو أمر شائع ومتعارف عليه، أمّا تأريخيا فقد وُلِدَ مع ولادة النص نفسه أو لنقل المدونة. فهما صديقان حميمان، ظلا يسيران سوية. واللجوء اليه (الحلم) فهو مرتبط بعديد الإعتبارات ولسنا هنا بصددها، ولا أظن اﻷمر بخافٍ عليك عزيزي القارئ. وفي إستعانتها بالحلم، فقد أرادت الكاتبة أن تُحلّق على بغدادها بعد أن صَعُبَ عليهما التلاقي. وما دام الحال كذلك، فستستحضر شهد مدينتها المفضلة والحبية. سترسم خطوط العرض والطول لتلك المدينة المدورة والمنورة. ستطوف على أهم وأبرز معالمها، بأحيائها، بشخصياتها، بحسونها اﻷمريكي، هل من أحد منكم يعرف هذه الشخصية البغدادية الطريفة؟ والذي طالما تحدث عنه جدها، يوم كانت طفلة. وبمناسبة الحديث عن جدها فهو سيرافقها في منامها أيضا، حيثسي أخذ بيدها، لتستعيد ذاكرتها، ولتروي لنا ما شاهدته في حلمها (هنا تعرفت على مدرستي ثم رأيت الملجأ، بعد ذلك شاهدت ساعة بغداد وبرج المأمون والجسر المعلق ثم عثرت على بيتنا)ص169.

ستعودين يا شهد الى ساعة بغداد، والى حيّك ذات يوم ولعله قريباً.

 

حاتم جعفر

السويد ــ مالمو

  

2755 ديلوزبقلم: جيل دولوز وفيليكس غوتاري

ترجمة: صالح الرزوق


كيف يمكننا الدخول لأعمال كافكا؟.

أعماله رايزوم، حفرة. لـ“القلعة” عدة مداخل لا نعرف طريقة استعمالها ولا موضعها. أما الفندق في “أمريكا” فله عدد غير محدود من الأبواب الرئيسية والجانبية، ويراقبها عدد غير معلوم من الحراس، ولها أيضا مداخل ومخارج بلا أبواب. ومع ذلك يبدو أن الحفرة في الحكاية التي حملت ذلك العنوان لها مدخل واحد. وكل ما يمكن لحيوان أن يقوم به أن يحلم بمدخل ثان لا يفيد إلا بالرقابة. ولكن هذا فخ هيأ له الحيوان وكافكا نفسه، وتعمل صفات الحفرة على خداع العدو فقط. وعليه سوف ندخل، من أي نقطة لا على التعيين، وهي نقاط لا يوجد أي فرق بينها، وليس هناك مدخل مفضل حتى لو أنه يبدو معبرا، ممرا ضيقا، منفذا. وسنحاول أن نكتشف ما هي النقاط الإضافية التي يرتبط بها مدخلنا، وأي تقاطع طرق وأي صالة يمكن للمرء أن يعبر منها ليربط بين نقطتين، وما هي خريطة الرايزوم وكيف لهذه الخريطة أن تتحور إن دخل شخص ما من خلال نقطة أخرى. فقط مبدأ المداخل المتعددة يمنع دخول العدو والدال وتلك المحاولات الرامية لتأويل عمل مفتوح على التجريب فقط. سوف نباشر من نقطة متواضعة: من رواق فندق القصر والذي اكتشف فيه "كاف" لوحة الحاجب برأسه المحني، وذقنه تغوص في صدره.

العنصران الاثنان - اللوحة أو الصورة، والرأس المضروب والمحني - أمران ثابتان في أعمال كافكا، رغم تفاوت درجات السيادة بين شخص وآخر. صورة الوالدين في “أمريكا”. لوحة المرأة التي ترتدي الفرو في “المسخ” (هناك امرأة حقيقية برأس محني، وأب حقيقي يرتدي بذة حاجب). زيادة عدد الصور واللوحات في “المحاكمة” ابتداء من غرفة السيدة بورستنير وحتى استوديو تيتوريلي. الرأس المحني الذي لا يمكن لصاحبه أن يرفعه مجددا يظهر في كل الأوقات في الرسائل، وفي دفتر اليوميات، وفي المذكرات، في القصص، وأيضا في “المحاكمة” حيث يبدو القضاة بظهور محنية تحت السقف، وقبالة بعض معاونيهم، والجلاد، والقس وهكذا. وعليه المدخل الذي اخترناه لا يقدم وعدا بالارتباط مع أشياء نأمل أنها في النهاية ستظهر في العمل، ولكنها بحد ذاتها تتشكل من خلال الترابط بين شكلين مستقلين نسبيا، شكل المضمون (الرأس المحني) وشكل التعبير (اللوحة - الصورة)، وهما شيئان يندمجان في بداية “القلعة”.

نحن لا نعمل على تأويلها. وببساطة نقول إن هذا الاندماج (التوحيدي) يسبب انسدادا وظيفيا، تحييدا للرغبة التجريبية - الصورة المؤطرة التي لا تمس، ولا يمكن تقبيلها، والمحرمة، والتي يمكنها أن تأخذ المتعة من مشهديتها فقط، مثل رغبة ممنوعة يحدها السطح أو السقف، رغبة مستسلمة يمكن أن تأخذ المتعة من استسلامها فقط. والرغبة أيضا تفرض الاستسلام وتكاثره. رغبة تحكم وتدين (مثل الأب في “المحاكمة” الذي يحني رأسه كثيرا ويتوجب على ابنه أن يركع أمامه).

هل هي ذاكرة أوديبية من أيام الطفولة؟. الذاكرة هي لوحة عائلية أو صورة في عطلة تصور رجالا لا يحنون رؤوسهم، ونساء تحطن رقابهن بأشرطة ملونة (1). الذاكرة تمنع الرغبة، وتصنع مجرد نسخ بالكربون منها، وتثبتها ضمن طبقة، وتبترها من كل ارتباطاتها.

ولكن ماذا علينا أن نأمل؟. بمعبر. ومع ذلك يمكننا أن نفهم أن المعبر يكون صالحا إن شكل جزءا من الجيب الرايزومي. الرأس المنتصب، الرأس المندلع عبر السقف أو السطح، يبدو نقيضا للرأس المحني. مع أننا نجده في كل مكان في أعمال كافكا (2).

في “القلعة” لوحة الحاجب تعادل برج كنيسة البلدة التي “لها خطوط مستوية، تحملها للأعلى حتى نهايتها المدببة” (وبرج القلعة، مثل آلة الرغبة، تزيد من حركة جنونية وسوداوية للساكن الذي سيحلّق بعد أن يكسر السطح) - أضف لذلك ألا تستمر في الذاكرة صورة برج البلدة الصغيرة؟.

في الحقيقة لم يعد له هذا الدور. وإنما هو يأخذ دور حاجز من أيام الطفولة، وهذا لا يتساوى مع الذاكرة الطفلية، فهو يقوي الرغبة عوضا عن التهامها، وإزاحتها مع مرور الوقت، وإفسادها، وزيادة ارتباطاتها، ووصلها بمراكز شدة أخرى (وعليه كحاجز برج - حامل جرس الكنيسة يترابط مع مشهدين إضافيين، وهما الأول - المعلم والتلاميذ الذين تكون كلماتهم غير مفهومة. الثاني - العائلة التي تمت إزاحتها وأعيد كساؤها وانعكست. وفي هذا المشهد يلعب البالغون حول الحوض). ولكن هذا ليس مهما. المهم هو الموسيقا الخفيفة، أو بشكل أدق، الصوت النقي والكثيف الذي ينبع من حامل الجرس وبرج القلعة:”بدأ جرس يقرع بصوت رخيم هناك، جرس جعل قلبه، للحظة على الأقل، يضطرب لأن نغمته تنذر بالخطر. وأيضا كأنها كانت تهدده بإشباع الرغبة الساذجة. وسرعان ما خفت هذا الجرس المرنان. وحلت محله نغمة خافتة ورتيبة وبطيئة”.

يتطفل الصوت غالبا بطريقة غريبة في أعمال كافكا ويظهر مرتبطا مع حركة تدل على رفع أو انتصاب الرأس - الفأرة جوزفين، كلاب موسيقية فتية (“كل شيء كان مموسقا، رفع أو خفض الأقدام... الأساليب المتناسقة الناجمة عن كلب واحد يضع قدمه الأمامية على الأخرى. والبقية يلتزمون بهذه الترتيبات.. فقد كانت تسير على قوائمها الخلفية”) -

ويمكن التمييز بين حالتي الرغبة ولاسيما في “المسخ”. من جهة حينما يلصق جورج بلوحة المرأة ذات الفراء. ويحني رأسه باتجاه الباب بمحاولة يائسة للتواصل مع شيء ما في الغرفة (التي كانت فارغة. ومن جهة مقابلة عندما يغادر جورج هذه الغرفة، يقوده صوت الكمان الطنان، ويحاول أن يتمسك برقبة أخته المكشوفة (فقد امتنعت عن ارتداء واقية الرقبة أو الشريط منذ أن فقدت موضعها الاجتماعي). هل هذا هو الفرق بين زنا المحارم الأوديبي والبلاستيكي في الصورة الأمومية، وزنا المحارم الشيزوفريني في حالة الأخت والموسيقا الخفيفة التي تأتي منها؟. الموسيقا دائما تسقط في شيء لا يقبل عكسه فتكون طفلا أو تكون حيوانا، وهو حاجز كتيم يعارض الذاكرة البصرية. “من فضلك أطفئ النور. لا يمكنني أن أعزف إلا بالظلام./ لقد وقفت وجهزت نفسي”(3). بمقدورنا تماما أن نعتقد أنه لدينا شكلين جديدين: الرأس المنصوب وهو شكل يدل على المضمون، والصوت الموسيقي وهو شكل يدل على التعبير. هل يمقدورنا الآن تمثيل كل ما سلف بالمعادلين الآتيتين؟:

الرأس المحني / لوحة - صورة = رغبة محايدة مسدودة أو مكبوتة أو كابتة، بحد أدنى من الارتباطات، والذاكرة الطفلية، ومساحة أو إعادة تشكيل للمساحة.

الرأس المنصوب/ الصوت الموسيقي= رغبة ناهضة أو تتقدم للأمام، أو تفتح من أجل ارتباطات جديدة، وحاجز طفولي أو حاجز حيواني، وإلغاء تشكيل المساحة. 

ولكن هذا ليس صحيحا. إنها بالتأكيد ليست الموسيقا المنتظمة، ولا الشكل الموسيقي، الذي يلفت اهتمام كافكا (في رسائله ومفكرته، لا يجد المرء شيئا أكثر من مضاد له معنى عن بضع موسيقيين). ما يهم كافكا ليست موسيقا مؤلفة أو مشكلة سيميائيا، إنما مادة مسموعة وصافية. ولو أحصى المرء الدخلاء المتكلمين يمكن له تقريبا أن يصل للقائمة التالية: كونشرتو تشبه موسيقا جون كيج في “وصف صراع” حيث أن الدخيل (يفكر بالعزف على البيانو لأنه يشعر بالسعادة. (2) لا يعرف كيف يعزف. (3) لا يعرف أبدا (“في تلك اللحظة أمسك سيدان بالمقعد وبدآ بعزف أغنية وهما يؤرجحانني للأمام والخلف، ثم حملاني بعيدا عن البيانو إلى طاولة للطعام”)(4). وهو يتلقى التهنئة لأنه يعزف بشكل جيد. وفي “تحقيق مع كلب” الكلاب الموسيقية تطلق صخبا ضارا، ولكن لا أحد يمكنه أن يعرف كيف يفعلون ذلك، فهم لا يتكلمون ولا يغنون ولا ينبحون وإنما تندلع الموسيقا قادمة من العدم. وفي “جوزفين المغنية، أو شعب الفأرة”، ليس من المحتمل أن جوزفين فعلا تغني، بل تصفر فقط وبطريقة لا تختلف عن أي فأر آخر. وربما أسوأ، وبأسلوب يزيد فيها حجم لغز الفن الغائب. في “أمريكا” يعزف كارل كروسمان بسرعة أو ببطء، على نحو يبعث على السخرية. وتشعر “بصعود أغنية في داخله، والتي تتجاوز نهاية هذه الأغنية”. ويكون الصوت في “المسخ” في البداية أنينا خافتا يغطي على صوت جورج ويصخب بكلمات طنانة. ولاحقا مع أن الأخت موسيقية تتدبر أمرها وتضرب على أوتار الكمان، وهي تشعر بالاضطراب من ظل الخطوط.

هذه الأمثلة تبين لنا بما فيه الكفاية أن الصوت في مجالات التعبير لا يعاكس اللوحة، مثلما عاكس الرأس المرفوع الرأس المحني في مجال المضمون. 

إن نظرنا بطريقة تجريدية للشكلين الذين يتخذهما المضمون نلاحظ دون شك تعارضا مبسطا ورسميا بينهما. علاقة تقابل، خاصية بنيوية أو دلالية نادرا ما تسمح لنا بالخروج من مجال الدال وهذا يحولها من رايزوم لتكون أقرب لثنائيات. ولكن حيثما اللوحة، من جهتها، هي شكل حتمي من أشكال التعبير الذي يوافق شكل المضمون “الرأس المحني”، هذا ليس صحيحا بالنسبة للصوت. ما يهم كافكا هو المادة المسموعة وعالية الشدة والنقية المرتبطة دائما بإلغائها - صوت موسيقي ينحدر، صرخة تهرب من الدلالة، عبارة، أغنية، كلمات - شيء يقطع لينفصل من سلسلة لها دلالة. في الصوت الشدة وحدها تكفي، ومثل هذا الصوت عموما يكون أحاديا ودائما له دلالة. وعليه في “المحاكمة” الصرخة المنفردة والمترنمة لشخص في العنبر ويتلقى عقوبته “لا تبدو أنها نابعة من إنسان وإنما من آلة للشهادة”(4). وما دام هناك شكل، لا يزال هناك إعادة تشكيل للمساحة، حتى في الموسيقا. بالمقابل، كل فن جوزفين يتكون من حقيقة أنها لا تعرف أكثر من أي فأرة أخرى كيف تغني. وربما هي تعمل على إلغاء تشكيل مساحة “المزمار العادي”، وتحرره من “هموم الحياة اليومية”. بوجيز العبارة الصوت لا يبرز هنا بصورة شكل للتعبير، وإنما كمادة تعبر دون شكل لها، وهو ما ينطبق على بقية الشروط.   

من جهة: هذا يفيد في التعبير عن المضامين التي سوف تكشف عن نفسها وتأخذ شكلا أقل فأقل. وعليه لا يهمنا الرأس المرفوع بعد ذلك بذاته، لأنه يصبح، رسميا، شيئا لا يزيد على مادة بلا شكل تخلص منها وألغاها تدفق التعبير المسموع. في قصة “تقرير للأكاديمية” يضع كافكا على لسان القرد قوله: إنها ليست قضية عن حركة عمودية حسنة التشكل باتجاه السماء أو أمام المرء نفسه، وهي ليست قضية عن اختراق السطح، ولكن عن “الاندفاع بعيدا” بقوة، وحتى دون أي حركة، ودون أي اهتمام بالمكان المقصود. إنه ليس مسألة عن التحرر قبالة الاستسلام، ولكنها مسألة عن خط نتبعه للهروب، أو عن منفذ بسيط للخروج، “سواء لليمن أو لليسار أو أي اتجاه”، ما دام بأدنى درجات الدلالة والمعنى.

من جهة أخرى: التشكل المقاوم والصارم - على سبيل المثال، الموجود في  اللوحة أو الرأس المحني - سيفقد ذاته تماسكه من أجل النفاذ أو لتجهيز فوضى سوف تقود للسقوط في خطوط شدة جديدة (حتى انحناء ظهور القضاة يشكل صدوعات قوية تدفع موضوع العدالة خارج الصورة، وتتطور الصور والرسومات في “المحاكمة” لتتخذ وظيفة جديدة لها). رسومات كافكا، الرجال المسنون والظلال التي يحب تصويرها، تكرر صور شخصيات برؤوس محنية، ورؤوس مرفوعة، وبحركة سريعة وللخارج. خذ نظرة من إعادة انتاج الخطوط عند كافكا. لا يمكننا أن نشاهد نماذج بدائية تمثل مخيلة كافكا، ديناميكيته أو مجازياته (النمط يعمل بالتركيب والتجانس والموضوع، بينما طريقتنا تعمل فقط حيثما برز خط يقطع ويخالف). علاوة على ذلك نحن لا نبحث عن ما يسمى الترابطات الحرة (نحن جميعا نعلم بالقدر المحزن لهذه الترابطات التي تحملنا دائما للخلف، لأيام الطفولة وذكرياتها، وحتى الأسوأ، للتوهم، ليس لأنها تفشل بالعمل ولكن لأن هذا القدر هو جزء من المبدأ الحقيقي الذي يبطنها). حتى نحن لا نحاول أن نفسر، أو أن نقول إن هذا يعني ذاك (5). وعلى الأقل نحن نبحث عن بنية ذات تعارضات رسمية ودال مكتمل البناء. ويمكن للمرء دائما أن ينتهي إلى تعارضات متقابلة مثل “رأس محني - رأس مرفوع” أو “لوحة - كلام مسموع” وعلاقة تقابلات أحادية مثل “رأس محني - لوحة” أو “رأس مرفوع - نبرة”. ولكن هذا غباء ما دام المرء لا يمكنه رؤية من أين يأتي النظام وأين يذهب، وكيف يتشكل، وأي عنصر سوف يلعب دورا في الاختلاف، الجسم المكتمل الذي يدفع الكل للتدفق بعيدا ويكسر البنية الرمزية، كما يكسر التأويل الهرمونطيقي، الترابط العادي للأفكار والنمط الخيالي. ولأننا لا نلمس فرقا كبيرا بين هذه الأشياء (من يمكنه أن يخبرنا ما هو الفرق بين تعارض بنيوي، اختلافي وبين نمط خيالي دوره أن يميز نفسه؟). نحن نؤمن أن كافكا ليس خياليا ولا رمزيا. ونحن نؤمن بواحد أو أكثر من آليات كافكا والتي هي ليست بنية ولا توهم. ونؤمن فقط في تجريب كافكا الذي هو دون تأويل أو معنى ويتبلور فقط في اختبار تجربته:” أنا لا أنتظر حكما من أي إنسان، أنا فقط أصنع المعرفة، أنا قط أكتب تقريرا. وأنتم، يا أعضاء الأكاديمية الموقرين، أقدم لكم تقريري"(6). الكاتب ليس كاتبا - إنسانا. هو إنسان - آلة، ورجل تجريبي (وعليه يتوقف أن يكون رجلا أو قردا أو خنفساء، أو كلبا، أو فأرة، أو حيوانا بمرحلة تحول، مسخا غير إنساني، ما دام عمليا من خلال الصوت والصخب ومن خلال الأسلوب يمكن للإنسان أن يكون حيوانا، وبالتأكيد من خلال قوة التحمل). كافكا - الآلة مركب من المضامين والتعابير التي تتشكل لدرجات متفرقة بواسطة مواد غير متشكلة تدخل في هذه الآلة، وتغادر بالمرور من كل الحالات الممكنة. أن تدخل أو تغادر الآلة، أن تكون في الآلة، أن تدور حولها، أن تقترب منها - هذه لا تزال عناصر من الآلة نفسها: وهذه هي حالات الرغبة المتحررة من كل التفسيرات.

 خط الهروب جزء لا يتجزأ من الآلة. في الداخل أو الخارج الحيوان جزء من الحفرة - الآلة. والمشكلة ليس في أنك حر ولكن في العثور على مخرج، أو على منفذ للدخول، جانب آخر، قاعة، تقارب. ربما هناك عدة عوامل يجب أن نأخذها بعين اعتبارنا: وحدة سطحية ونقية للآلة، الطريقة التي يكون فيها الرجال أنفسهم قطعا من الآلة، موضع الرغبة (إنسان أو حيوان) بالعلاقة مع الآلة. في “مستعمرة العقوبات” تبدو الآلة على درجة عالية من الوحدة ويدخل فيها الإنسان بكامله. وربما هذا ما يقود للانفجار الأخير وتداعي أو سقوط الآلة. في “أمريكا” بالمقابل يستمر "كاف" شيئا خارجيا لسلسلة كاملة من الآلات، وينتقل من واحدة لما بعدها، ثم ينفجر ما أن يحاول أن يدخل: الآلة - القارب، الآلة الرأسمالية للعم، وآلة - الفندق وهكذا.

ونواجه نفس المشكلة مجددا في “المحاكمة”. فالآلة مصرة على شاكلة آلة العدالة المفردة. ولكن وحدتها متحركة، هي آلة مؤثرة، تلوث، ولا يوجد بعد ذلك أي اختلاف بين الوجود في الخارج والداخل.

في “القلعة” الوحدة الظاهرة تفسح الطريق بدورها للتجزؤ الأساسي (“كانت القلعة كومة متداعية تتكون من مبان صغيرة لا تعد ولا تحصى ومتجاورة.. أنا لا أناسب الفلاحين، وعلى ما أخمن ولا أناسب القلعة. قال المعلم: لا يوجد فرق بين حياة الفلاحين والقلعة).

ولكن في هذه المرة عدم التمييز بين الداخل والخارج يقود لاكتشاف بعد آخر، نوع من التجاور الذي تتخلله وقفات، توقفات مفاجئة حيث تتجمع الأجزاء والتروس والمكونات:” الشارع الذي كان فيه، لا يقود إلى هضبة القلعة. فقط يحدد الاتجاه، وكما لو أنه شيء متعمد، ينعطف جانبا، ولكنه لا يقودك بعيدا عن القلعة كذلك. ولا يقربك منها أيضا”.

الرغبة بشكل ملحوظ تمر من هذه المواضع والحالات، أو من خلال كل هذه الخطوط. الرغبة ليست شكلا، ولكنها سيرورة، آلية.

 

.......................

هوامش:

1- لرقبة المؤنث المغطاة أو العارية أهمية مثل رأس المذكر المرفوع أو المحني:"الرقبة تحيطها ياقة سوداء". والياقة من حرير مزركش. الياقة من حرير أبيض رقيق وهكذا.

2- نجدها في رسالة مؤرخة بـ 20 كانون الأول 1902 موجهة لصديق من أيام الطفولة هو أوسكار بولاك: حينما نهض لاكي بوجهه المغطى بالخجل من مقعده كان رأسه الكبير المثلثي يخرج من السقف رغما عنه. وتوجب عليه أن ينظر للأسفل نحو السطح المثبت" (فرانز كافكا، رسائل إلى الأصدقاء، والعائلة  والمحررين. ترجمة: ريشارد وكلارا ونستون (نيويورك: شوكين بوكس، 1977) 6. وفي ورقة من المفكرة بتاريخ 1913: " كي تدخل من نافذة بيت في الطابق الأرضي بواسطة حبل مربوط حول رقبتك" (مفكرة فرانز كافكا: ترجمة جوزيف كريش. نيويورك. شوكين بوكس. 1948. 1:191.

3- وصف صراع. في فرانز كافكا. القصص الكاملة. نيويورك. شوكين بوكس. 1971. 39. (أول جزء من وصف صراع يطور باستمرار هذه الحركة المزدوجة للرأس المحني - المرفوع وارتباط الأخيرة بالأصوات).

4-  توجد ظهورات متعددة للصرخة في أعمال كافكا: الصراخ لتكون مسموعا. بكاء الموت. بكاء رجل في غرفة. "صرخت عاليا، لأسمع صرختي فقط والتي لم تحظ بأي رد أو أي شيء يمكنه أن يخفف من قوتها، ولذلك ارتفعت رغما عني ولم يمكن إيقافها حتى حينما توقفت عن أن تكون مسموعة". الشقاء. في كافكا. القصص الكاملة. 390-391.

5- على سبيل المثال: لم تفترض مارتي روبرت ببساطة تفسيرا أوديبيا نفسيا لكافكا: كانت تريد اللوحة والصور لتكون خيالات أوهام فنية trompe-l'oeil، معنى يمكن حل شفرته بمعاناة مؤلمة. ورأت في الرأس المحني بحثا عن شيء مستحيل.

euvres completes,ercle du livre precieux, 3:380

6- تقرير إلأى الأكاديمية. في كافكا. 259.

 

.......................

المصدر:

Gilles Deleuze and Felix Guattari (Translation by Dana Polan): Kafka: Toward a Minor Literature. University of Minnesota Press. 1986.

 

 

احمد الشيخاوييُقال أن الكتب من عناوينها، ويصدق هذا عند الكتاب الذين هم من طينة الكبار، كون العتبات تمثل روح المجموعة وتختزل نبضها، وإن كانت  في الكثير من الأحيان، العناوين خادعة وطنّانة ومغررة بالمتلقي والعملية التواصلية،ولا تعكس جوهر المنجز، بل نجدها تجدّف في جهات بعيدة كل البعد عن الغرض العام من العمل.

السؤال ونحن نقارب تجربة الشاعر العراقي المبدع حمدان طاهر المالكي،هو لم اتسام عناوين مجاميعه بالبساطة التامة، وكأنها لحمة من معيش العربي اليومي، ونسخة عن همومه وهواجسه وانشغالات عصره...؟

المحتوى في منجز حمدان شأنه شأن العتبات، تبصمه البساطة مع العمق بالطبع.

إن من يُطالع له مجموعته الصادرة حديثا عن منشورات اتحاد الأدباء 2021، العراق، والمعنونة " تمسك بجناح الفراشة، ليستشف حرص هذا الشاعر على إشراك الآخر، في لعبته الكلامية، وإذا اعتبرنا المكون الطبيعي، الفراشة هنا، تحقق غرضا سيميائيا،بالإضافة إلى أخذ الفعل التعبيري منحى أفقيا يخدم عملية التلقي، وتتواتر له الغايات الجمالية والعرفانية على حد سواء، لجزمنا ومن غير تردد، بفرادة وقوة هذا الديوان الجاذب إلى عوالمه بكريستالية المعجم وأفقية الخطاب وبياض وبساطة المفردة.

إنها كتابة تذود عن الهوية العربية،وتنبثق من خلفيات تتهم واقع التفريط في الانتماء العربي، وتدين مثل هذا الترهل والتقاعس الذي أملاه الانفتاح الأعمى والتبعية المرتجلة.

كتابة تنعت بما يِهلها لاختراق القلوب وملامسة الصميم.

تترعها توليدات المعنى من خلال اختزالات لغوية تطوّع الكلمة الجديدة والتي وجدت حيّزها حديثا في قاموس لغة الضاد الموسوعي والممتد واللامحدود.

إذ ليس فقط كلمات الشاعر طاهر حمدان هي الجديدة، بل إن معانيها هي الأخرى جديدة وانسيابية ومبتكرة.

في إحدى همسات شاعرنا،نقرأ القول الوامض التالي:

{ كل صوت سمعتَه

أغنية لطريقكَ الطويل ـ

كل وجه رأيتَه أو ستراه

هو باب.'

لا تطرقه أو تنتظر منه شيئا.

كل دمعة تسيل هي لك.

إنك لا تستطيع أن تعيد الأشياء إلى سيرتها الأولى

في النهاية أنت لست إلها أو بهلوانا

أنت مجرد طفل

يتخيل أن الليل حضن أم}[1].

من هنا تقتنص ملامح البلاغة في القول البسيط جدا، مع العمق الرّسالي الوارف والدال.

فهذا الواهم،والذي يُسقط على عوالمه من عوالم المبدع الليلي،هو يعرف أن تألهه زائف،وماذا عليه لو ألبس كل محطات عمره،بصور الطفولة والبراءة، وتجليات الطفل البعيد الذي ما ينفكّ يسكنه، لكان العالم أجمل وأنبل، ولتفادينا الكثير من الجنائزية والدموية والدمار، ففي النهاية هو عالم متنوع وفسيح يسع الجميع، غير عابئ بالحدود أو الجغرافيات أو الألسن أو العقائد والأعراق.

وفي مناسبة ثانية نطالع لشاعرنا قوله:

{كل ما يقوله الغريق للقشة

كل ما يقوله الرأس للرصاصة

كل ما يقوله السجين للجدار

كل ما يقوله الضرير للنهار

كل ما يقوله الغريب للبلاد البعيدة

كل ما تقوله الجثة للتابوت

أردت أن أحدثكم به.

أردت أن أشرح لكم الصمت في عيون النساء

وكيف يخبّئن حزنهن

بين الجدران مثل كنز نفيس،

أردت أن أحدّثكم بطريقة

الصغار حين يتعبهم البكاء

ويشيرون بعيونهم الحزينة

حاولت أن يصل صوتي إليكم

لكني لم أجد يومها فمي.}[2].

إنه سيل من المفارقات وهي تحاول أن تستغرق شتى مناحي حياة الكائن المنكسر.

كل هذا ويبدي شاعرنا تواضع العقلاء، ممن يجدون خلاص الذات والعالم في العودة إلى طفولتنا البعيدة.

واستحضار الأمومة لا يتم على نحو اعتباطي أو عفوي، بقد ما هو مخطط له بدقة ومصمم بعناية بالغة.

فوحدهن النساء / الأمهات يختبرن الثكالة ويتجرعن مرارتها ضمن حدود عالم فوضوي دموي مضطرب، راح يتجاوزنا بسائر ما نتحسس ونرى ونسمع.

مثلما يقول:

{سمعتها تقول:

انتبه يا ولد أنت فراشة

أنظر إلى جناحيك

كم هي زاهية ألوانك،

وهكذا مضيت

خائفا على طفولتي

رغم أني كنت قد وصلت الخمسين.

قلت لطفل يعبر الشارع

أريد العودة إلي

لكنه أشار إلى طائر في الشباك،

أوه ما هذه المعضلة،

الطائر في الشباك

والبنت تغني وراء الجدار

ورجل يتخيل طفولته

إذن لأعد مرة أخرى

فراشة وحيدة

لا تفكر في القيامة

أو الحروب

لا تعرف البلاد

مجرد فراشة

تمحو بجناحيها

أثر الذكريات}[3].

هو اتكاء على الغرائبية، يفيد مثل هذا الحنين إلى الطفولة البعيدة جدا، وهو عود فيه خلاص للذات والغيرية والعالم كما أسلفنا.

نحن نعرف العلاقة بين الفراشة والطفولة فهي صلة تطبعها طوباوية الثقافي وفلسفة الهشاشة ومنطق البراءة والألوان.

يقابل الموت الحياة . الفراشة رمز للحياة حين ترعاها أو تثريها الطفولة.

ونحن جناة اخترنا لعالمنا الجنائزية ولغة الموت والدمار.

يطفح شعر حمدان طاهر المالكي بهذه التلوينات والتنويعات التي تفتح بؤرا مطلة على الحياة،محتفية بها، رافضة لكافة أشكال مسخ الهوية والكائن وإبادة النوع.

يوق كذلك:

{دخلت عليهم

أجسادهم من رخام

وأصواتهم ملتصقة بالظلال

لم أعرف المكان

 لكني هناك

عرفت باطن الأشياء المضيء

وتركت عادة الكلام

تمسكت بجناح فراشة وطرت .}[4].

خلاصة القول أنه مهما حاولنا، فلن يصل الصوت، كون المغزى في ما يختبئ في الثنايا والبياض، والكمون في ما نصمت عنه .

هكذا استطاع أن يكتب الشاعر العراقي المبدع حمدان طاهر المالكي طفولته، والتي هي جزء من طفولتنا، وبعثها على النحو الصحي السليم، لاشك يقترح خلاص الإنسان والعالم، ويشغله بكل ما هو جميل ونضر وشفاف وهش ونبيل عن واقع الخسارات والحروب والخراب.

 

أحمد الشيخاوي

شاعر وناقد مغربي

...........................

هامش:

[1] مقتطف من نص" احتراق "، صفحة 7.

[2] نص" رغبة "، صفحة 45/46.

[3] مقتطف من نص " مجرد فراشة "، صفحة 102/103.

[4]  نص " بجناح فراشة "، صفحة106.

 

محمد الكرافسأجدني محتارا وحائرا بين ثنايا الحروف الوارفة، وأنا أقرأ هذا الديوان الشعري الأنيق باكورة الصديقة الشاعرة عواطف رامي، التي أبت إلا أن تخط أحاسيسها شعرا لم تختره ولكنه اختارها رفيقة له بنفحاته التي تنثر خيوطها الفواحة عبر أريج الكلمات، بترانيمها العذبة التي تغري المبهورين بشهد القصيدة و أطيافها، كأن خبايا الشعر  تأبى إلا أن تنكسر على ضفافها الراقدة بين أنامل حالمة.

و هذه من ميزات هذه المجموعة المصقولة بعناية رائقة، إذ ترتحل بنا الشاعرة منذ الوهلة الأولى في سفر مضمخ بقصائد  تجمع بين رغبة أنطلوجية في الاحتفاء بهذا الكائن الإنساني الذي يتلذذ بعذب الكلام ولا يهدأ له بال إلا وهو منغمس بين براثن الشعر، وبين الرسم بالكلمات وتخليد الأنا والسعي لفك عزلة حارقة عن الذات في عوالمها الساحرة، حيث المسافات السحيقة تطوى بين أسطر خطتها الشاعرة على تفاصيل تلملم شذراتها  بين لذة القول و حكمة المعنى.

و من خلال السفر عبر نصوص هذه المجموعة الشعرية، تتنطع كلمات الشاعرة إلى العلن برغبتها الصوفية الدافقة في تعرية بواطن الإنسان لترسم عواطف رامي الشاعرة والإنسانة قصائدها بريشة الحروف المخضبة بانزياحات وتوازيات وتعابير تنفذ إلى بواطن الروح، كأنك وأنت تقرأها تجد نفسك مضطرا لإعادة  رسم الصور الشعرية قراءة وكتابة بمقاربة ستورط القارئ لا محالة في هذه الحضرة الطقوسية الفتية، من أجل فك شفرة نسج لذيذ من غنج الكلمات وحظوة الملفوظات، ككتابة ثانية لنصوصها بعد الإغراء الجلي الذي تبديه  وتجعلك منجذبا ومتورطا في الافتتان بقراءتها.

ولا تقتصر هذه الشاعرة على حصر البؤر الدلالية الثاوية في بطون نصوصها في تنميط معين، بقدر ما تنوع اشتهاءاتها للغة من خلال توظيف معجم مراوغ يتلاعب بك رغم سلاسته، وهذا من نقط قوة الكتابة ''البويطيقية'' عند عواطف رامي. كما نلفي أنها وقد فاضت سريرتها من حلو الكلام و بلاغة المعنى لا تستعجل إنهاء قصائدها بأفق يرزح تحت عصارة ''ميكانيكا''  اللغة التقليدية.

 وفي مقابل ذلك تستنير بأقبية دلالية فسيحة/منفتحة تطوّع  لغة الضاد وتركب صهوتها في تناغم بين التصوير الفني واللغة الشعرية المارقة، مما يجعل هذه  الانزياحات والمراوغات (كما لمسناها تترد في مجموعة من نصوص الديوان) تفتح للقارئ عوالم دهشة وتأويلات منسابة عبر إيقاع منسكب على مشبك الحروف و توازياتها وتجاوراتها.

كل ذلك يجعل الشعر ها هنا يصير بلسما شافيا وعالما متنطعا يخاطب في القارئ عقله بمنطق فلسفي خاص، ويخاطب فيه جوانبه الوجدانية والعاطفية في بعدها الاستطيقي من خلال الصور الشعرية والجمالية السامقة في عنان التخييل، والتي تبدأ من العنوان (قطاف العمر) وكأني بالشاعرة امرأة زاهدة قد خبرت و شبعت ''حياة''، فخلدتها شعرا  بنفحة صوفية ناضجة.

ليس الأمر إذن مجرد قراءة عابرة لديوان شعري بقدر ما هو تورط حقيقي في شرنقة الإبداع الذي تغلفه المبدعة المتميزة عواطف رامي فينبعث من نصوصها عبير نهلها من الانفتاح الباذخ على  التراث الشعري الإسباني والنفحة الشعرية اللاتينية، حيث الصور تندلق عبقة متراصة ومصقولة، تراوح أمداء القصائد ''اللوركية'' و ''النيرودية'' عبر أريج يتدفق بين أناملها عذبا وسلسا بلغة الضاد، فتحضر هذه الروح الخاصة في البنية العميقة لقصائدها، وهي الشاعرة الحالمة بكوكب الشعر لترسو فيه سفينتها بسلام، وكأني بها ترسم لوحة ناضجة لرحلة ساحرة لا تريدها أن تنتهي، فتكتبها شعرا تقارب عبره فلسفة الحياة من زاوية مغايرة هي زاوية المرآة الراصدة لتفاصيل  الحياة برؤية رقيقة وحالمة.

إن هذا الديوان الشعري عبارة عن عصارة صوفية تخلدها المبدعة المتميزة عواطف رامي في نصوصها كتذكار جميل تنثني بين إحداثياته الشاسعة أميال من الجراح المندملة والأحاسيس الفاترة، حيث القصائد تندلق سلسة عذبة فتخلق في نفسك تفاعلا مغريا وتدعوك للإقبال باشتهاء خاص على قراءتها وإعادة ذلك.

هو ذا إذن ديوان  "قطاف العمر" يأتي بهذه الحلة الراقية، كطبق شعري خالص  لإثراء المدونة الشعرية المغربية من قلم نسائي يعد بالتميو ويعتنق مذهب الشعر ويلوذ بأنوائه الحالمة، وهو كذلك حضور رمزي منها ضمن الرأسمال الثقافي القومي، ستوشح به الشاعرة عواطف رامي صدور قرائها وقلوبهم بنياشين الكلمة الحارقة وعبقها، بعدما أطلت عليهم من كوة ناصعة البياض، هي كوة الشعر، ترتسم في شهد الأفق، وتخلق بذلك ألقا جميلا في سماء الشعر  المغربي. إنها تضمخ قصائدها بإكليل الحب الأبدي للكائن الإنساني، في سفر ارتأته  أن يكون عابقا بمحبة الآخر وببوح يلثم بلسم الروح ويطهر الذات من دنس العذابات النفسية الباطنية.

إنها دعوة صريحة لا لبس فيها لسبر أغوار هذه التجربة الشعرية الجميلة للشاعرة  الرقيقة عواطف رامي، باعتبارها شاعرة أتقنت البوح بأسرارها بلغة عذراء ودلالة صوفية وإيحاء رمزي يغلف تجاويف الكلمات بجمالية آسرة. لذلك فقراءة هذا الديوان الأنيق ليست مجرد إطلالة عابرة على عوالم الشاعرة الإبداعية، بل تتعداه إلى النهل من الدهشة المتفردة التي تخلقها بين ثنايا النصوص في رتق جميل وفوران عذب يومض فيه وهج الشعر بشكل ساحر.

 

د. محمد الكرافس

 

غسان عباس الساعديمدخلٌ إلى الذاتِ الشَّاعرية

الشّاعرُ ستار جبار الزهيري، علمٌ من أعلامِ الشِّعرِ العربي العمودي الحديثِ في العراق، ولد عام 1961م في مدينةِ الديوانية، الواقعةِ في منطقةٍ تُعرفُ عراقيًا بالفراتِ الأوسط، بَدأ محُاولاتهُ الشِّعريةَ وهو في مرحلةِ المتوسطة، وعمره (14) عامًا، كتبَ في أغراضِ الشّعرِ العربي المتنوعة: (الغزل، والمديح، والرثاء، ...)، ولهُ في الغزلِ ديوانانِ (نبي العاشقين، وما رواه العندليب )، أما المديحُ فقد صدرت لهُ في أهلِ البيتِ (ع) مجموعةٌ شعريةٌ كاملةٌ. وللعراقِ – الذي استوطنَ قلبهُ ومهجته- نصيبٌ من قوافيهِ التي تناثرتْ على رباه، ومن دواوينهِ الأخرى) قمصان الريح، وضجيج في رحاب الصمت). ولم يختصرْ نتاجهُ على الشّعر فحسب، بل صدرَ له كتابٌ بجزءينِ، بعنوان (جهادُ الرّسولِ المصطفى ص والسلامُ العالميُ ) في عام ٢٠٠٢م، وتمت إعادة طبعه خمس مرات.

ومن زاويةٍ أخرى فإنَّ الزهيري قد انضمَ في مرحلةِ الفتوةِ والشّباب ِإلى  الحركاتِ الجهادية، بعدما رأى بلدهُ تقطعه عسلانُ الظّلم والجور، سُجن على إثرها وحُكم عليه بالمؤبد، وقضى (١١) سنة وأكثر- من ربيع عمر- مغيباً في طوامير السجون، هاجرَ بعدها العراق قاضيًا دهراً من عمره في المنافي الموحشة. وكان للغربةِ وفراقِ الأحبةِ الأثرانِ البالغانِ في نضج ِجداولِ مُخيلتهِ وصقلِ موهبته، ما دعاه لكتابة ِالأشعارِ الكثيرةِ في المهجر.

ولدراستهِ الحوزويةِ والأكاديمية ِونيلهِ شهادةِ الماجستير يعدُّ المنعطف الأكثر وفرة في شحن منجزه الشعري، وتطوير أنساق قصيدته من الناحية الفنية واللّغوية والجمالية، عضدتهُ في ذلك الموهبةُ المتوقدةُ وحبهُ لمحيطهِ الساحر، خاصةً الطبيعة - التي كان مهووسًا بها- كالخمائل الأثيلة، وكان كثير السفر مستأنسًا بالبحار والخلجان والغابات والفيافي، ما أنعكس ذلك على قسمات شعره وروافد نتاجه ومخياله الشعري.

مثَّل الشّاعر الشيخ ستار الزهيري إيقُونةً أدبيةً مائزةً بكلِّ ما تأثرَ به ِوأثرَ فيه، حيثُ أثَّر نتاجهُ الأدبي بالقرَّاء – على اختلاف مشاربهم- متناولين نتاجه الثر، ما بين شرح مفصل، وناقدين في أحايين أخرى، واقفين عند البنيتين السطحية والعميقة في شعره. فالحديث عن الزهيري هو حديث عن مكتنزٍ شعريٍ وارف، فمن يقفُ ويتأملُ منجزَهُ الشّعري، يستشعرُ بوتقةَ الإبداع وصومعة العطاء.

* تمثلاتُ الصّورة.

يرى الدكتور أحمد مطلوب أن جمالَ النّصِ بصورهِ الشّعرية؛ لأنَّها طريقةُ التّعبيرِ عن المرئيات والوجدانيات، لإثارة المشاعر، وجعل المتلقي يشارك المبدع أفكاره وانفعالاته.

ولا شكَّ في أنَّ الزّهيريَ انمازَ بخيالٍ شعريٍ مُتقد، يجعلُ من قرّائهِ يهيمونَ بذلك التّصوير الفريد ويبحرونَ في عبابِ قوافيه، فَروْعةُ نظمهِ وتجليات ُنسقهِ تُصّيرهُ آية ًفي دولة الشعر، فشعرهُ يكتسبُ أهميتهُ ودورهُ ومعناه من الصّورة الشّعرية، المستقاة من ثراءِ تجربته، لأنَّها تمنحُ النّصَ قدرتهُ الإيحائية والدّلالية، فضلاً عن جماليات التعبير بوساطة الصورة، يجعل الشّعر أكثرَ تجاوزاً للظواهر الواقعية ومواجهة للحقيقةِ الذاتية، لأنّها تقومُ بدورٍ فعَّالٍ في انتقالِ تجاربِ الشّاعرِ ومشاعرهِ إلی الآخرين، والأساليب المختلفة من التصوير تجعل عمل الشاعر الفني أشدَّ وضوحاً وأكثر دقة. وانطلاقًا من ذلك وجدنا من المناسب أن نقفَ عندَ تمثلاتِ الشِّعريةِ لديه، سبيلاً لتبيان الكثير من إبداعه الشّعري.

ولم يترك الشّاعرُ غرضًا شعريًا إلَّا ورسمَ جداولَه ُالمخملية فيه، موظفًا ما يمتلكه من موهبة فريدة. نقفُ ابتداءً عند مديحه ِلأميرِ البلاغةِ والبيان الإمام علي ٍ(ع) وعيده الأغرّ، ومن ذلك قصيدته (عبير الغدير)، حيث يقول:

النّاسُ تكبرُ  في  المَديحِ  وحيدَرُ        بمديحهِ    كُلُّ    الخَليقَةِ    تَكبرُ

دَعْ  عنكَ حادثَةَ  الغَديرِ وحسبُنا         أنَّ    امتثالَكَ      للنّبوَّةِ    أَكبَرُ

فيكَ   النُّبؤاتُ    اجتَمَعنَ  تلَطُفاً         وحَكاكَ   من  دُنيا  البَيادِرِ  عَنْبَرُ

مَنْ ذا  يُنازِعُكَ  الإِمامةَ .. مُفلِسٌ        أَردى    الأُلى    مُتَقَدِّمٌ   مُتَأخِّرُ

ونجيعُكَ  المَهدورُ   عَينُ   دمائِنا         وبكلِّ  قلبٍ  من   نَجيعِكَ  أَبهرُ

دنياكَ    زاهِدَةٌ    يَرُدُّ   ضَجيجَها        ما  كانَ  يَحكيهِ  بصَمتِكَ  جَوهَرُ

اشتمل شعرُ الزهيري على عناصر الصّورة الشّعرية القصصية، إذ عبر من خلالها عمّا يدور في نفسه من مشاعر وتوجهات، فجاءت هذه الصورة عنده متكاملة ناضجة، تتسم بتسلسلها وتوسعها، ويستطردُ الشّاعرُ كثيراً محاولاً بذلك رسمَ جميع الجوانب المحيطة بالصّورةِ الشّعرية، ومن ذلك قوله حينما يسرد حادثة الغدير وهيامه بها. ومن ثراء عيد الغدير الأغرّ أنَّه يُعَدُّ لوحة فنية بالغة الروعة، تشكلُ إلهاماً عظيماً للشعراء، لاسيما للشاعر الشيخ ستار الزهيري، الذي يمثل امتداداً واضحاً لهذا العشق الأزلي.

ويحرصُ شاعرنُا على اختزالِ المشاهدِ المختلفة ِواجترارهِا عندَ الحاجة، مُزيّناً بتصوراته واحاسيسه وقدرته اللغوية، وممهداً لها بوصفٍ يصفها به، فنلمس الانزياح المقصود الذي يخرج عن المألوف، بأنَّ الناسَ تعيشُ البهجةَ والفخرَ والغبطةَ حالَ مديحهِم، ولكن بمديحِ عليٍ(ع) كلُّ الأنام تعيش الزهو والفخر والابتهاج، لِما يمتلكه هذا الممدوح من شجاعة وزهد ووفاء، لذا شملت مكارمه الخلائق كُلَّها، فطوبى لهُ من ممدوح !.

لم ينتهِ المشهدُ الزهيري من بث شذاه الغديري الوارف، بل ظلَّ مُسترسلاً من خلال هذه الألفاظ وسابقاتها، فجاءت متناسقةً ودالةً على الغرض ِالمنشود ( بيان أهمية يوم الغدير الأغر)، محققًا بذلك معيار المناسبة، بما تحمله من تجليات الصورة القصصية للحادثة نفسها، فقد استعملَ ألفاظاً متوافقة ًمع الغرضِ الرّئيسِ للقصيدة، مترجمة حسن وبهاء المطلع، بعيداً عن اللغة المعيارية النمطية.

لقد خصصَ الشّاعرُ في أبياتهِ الافتتاحيةِ مقدمة، يتساءلُ في كنههاِ عن أسرارِ هذا المديحِ المتيم المتبتل، الذي يشدهُ لقلبٍ عُرفَ بالنقاء، ولم يردْ بذلك المتيم في حب النّساء اللواتي كما جرت العادةُ عندَ شعراءِ جيله. مثيراً بهذا الأسلوبِ استفهامَ المتلقي عن معرفة الغرض المراد من هذا المديح، الذي باشراقاته كلُّ الخلائق تبزغ وتزهو رافلةً بممدوحه، مما يثير الرغبة والإثارة في قلب القارئ، باحثًا عن معرفة هذا الثناء وأسراره، وهنا انبرت قصديةُ الشّاعر في إثارة الانتباه وتمهيد الاتصال الدائم مع القرّاء في مطلع قصيدته، وبذلك يتلهف المتلقي ويشتد لمعرفة هذا الوجد ولمن!، ثم يلوح ويصرح جهارًا نهارًا بأنَّهُ عشقٌ علويٌ سرمديٌ.

وشاعرنُا المتألقُ مُرتبط ٌبفلسفةٍ خاصة، هي فلسفة ُالحبِ والانتماء، وكلاهما يؤججُ في الرّوح لظى الأشواق والحنين لمن يحب ويهوى، وهذا ما ترجمه في وصفِ أميرِ البلاغة والبيان عليٍ (ع) بقوله: (فيك النبؤات، نجيعك، سمير، كوثر، نسمة، سيد، ....)، فلم يخرجْ الشّاعرُ من خلال هذه التمفصلات والحيثيات عن السياق الذي خطه لقصيدته، فقد جاءت معلنة عن الغرض الرئيس، وهو ترجمانه لحب أمير المؤمنين (ع).

* تمثلاتُ التَّصريع.

يُعَدُّ التصريعُ من أبرزِ الظَّواهر ِالموسيقيةِ في شعرِ الزهيري، وأكثرها وقعًا على مهجته، حيثُ يزدادُ من خلالهِ منسوبُ الرِّقةِ والجمال، إذ يرادُ بهِ أن يتفقَ آخرُ شطري البيت، البيت الأول من القصيدة في أصوات ٍموحدةٍ يُختتمُ بها كل شطر، وتبدو فائدتهُ واضحةً في إغناءِ موسيقى القصيدة وإثرائها، كما يقومُ بتكثيفِ الدّلالة، ويفاجئ المتلقي بشكلِ القافيةِ مُبكراً.

هذا ولم تخلُ قصائدهُ من حب ِالوطنِ والتّغني به وبث شكواه وأنينه، لأنَّه يراه جرحًا غائرًا في أعماقِ قلبه ومهجته، فهو يبحث ُعن الإنسانيةِ المتصدعةِ في قلوب ِالأنام، والضّائعةِ في تيهِ البلادِ والعباد، وعدم الاكتراث الذي يحول ُدونَ النّظر ِإلى معاناةِ الآخرين، وفي معرضِ حديثنِا عن ذلك يقول:

(بــلـدي)

أردى بِكَ الوجدُ أمْ أَسرى بكَ الوَجَعُ                  فأنتَ  لي في  كلا  الحالَينِ  مُنْتَجَعُ

بكَ   الرَّواءُ  . . بغيرِ   الحُبِّ   مَيّتَةٌ               روحي وفيكَ من الأََشواقِ  ما  يَسَعُ

وأنتَ   يا   مَجمَعَ   النَّهرينِ    ذائِقةٌ              تَعلو على  الشِّعرِ  لمّا يَبتَدي السَّجعُ

خُطَّتْ  حُدودُكَ  شرياناً  على رِئَتي                 فأنتَ   والنَّبضُ  وَالأنفاسُ   مُجتَمعُ

يطوفُ ظلُّكَ  في  البلدانِ  يَحملُني                 نقومُ في شَغَفٍ  أو في الجَوى  نَقَعُ

تعالَ    عندكَ   مَرثيٌ   على   جَدَثٍ               يحيى على  هَمسةِ  اللُّقيا  ويَرتَجعُ

يشتاقُني   سفَرُ  الأحلامِ  في  نَسَغٍ                يلقاكَ  في   يَقظَةِ   الأزهارِ   تفتَرِعُ

لو   مَسَني  من  غبارِ  الظُّلمِ  لافحَةٌ              لانتابَهُ    هَلَعٌ    ما     بَعدَهُ  هَلَعُ

فأتقي   هاجساً  لو  مرَّ  في  خَلَدي                سَيُعلَنُ  الغَضبُ  المَحموم  والجَزعُ

وسَدَّ   كُلُّ    شَهيدٍ    بابَ   رِحلَتِهِ               حتى   يعودَ  إلى   صفّينَ   يرتَضعُ

عيني  على  بَلدي  سَبعونَ  ساهرَة                 أما   الفؤادُ   فخَوفٌ   دونَهُ   الوَلَعُ

قلْ  للزعانف   إن   الدّينَ   يمنَعُني                لقلتُ   ما  قلتُ   لولا  ذلكَ   الوَرَعُ

وتكمنُ أهميةُ التّصريعِ في قدرتهِ على وصلِ المصراع الثاني بالمصراع الأول، عن طريقِ السلسلةِ الصّوتيةِ المُبرمجةِ والمتماثلةِ لقافيةِ الصّدر والعجز، ويترتبُ على ذلك انتظامٌ موسيقيٌ عالٍ يؤثر في السّمع، ويشرئبُ إليهِ القارئُ ويتقبلهُ في استمتاعٍ بهذه الوقفةِ مع شطرِ البيتِ الأول، التي تنسجمُ مع نفسِ الوقفةِ في عجزِ البيت ِالأول. وبناءً على ذلك فأنَّ الشّاعرَ وظّفَ التّصريعَ في شعره، لكونه يرتبطُ بالجانبِ الموسيقي أو الإيقاعِ التّنغيمي في جسدِ القصيدة. وبرزت هذه الظّاهرةُ في شعره ِبشكلٍّ واضح، وكان لها أثرٌ مزدوجٌ بينَ المستوى الدّلالي والموسيقي، فيقول في مطلع قصيدته( بلدي ):

أردى بِكَ الوجدُ أمْ أَسرى بكَ الوَجَعُ          فأنتَ  لي في  كلا  الحالَينِ  مُنْتَجَعُ

فتصريعُ هذا المطلعِ بصوت ِ(الجيم) الموصولِ بصوت ِ(العين)، كان مُؤثراً على عاطفةِ الشّاعرِ والمتلقي معًا، فهو يخاطبُ وطنًا يراهُ مُغيبًا، مُتخذاً منهُ شخصية رمزية يبث له شكواه ويخاطبه ويعاتبه بكلِّ وجعٍ وألم. ومن هنا فإنَّ تكرارَ صوت ِالجيمِ الموصولِ بالعين، يتناسبُ مع النّداءِ الدّاخلي في الأبيات، فصوتُ الجيمِ من أنسبِ الأصوات ِللدلالةِ على الحسرة ِوالألم، كما أن التّصريعَ أعطى– مبدئياً- للمتلقي إحساساً برغبةِ الشّاعرِ في سرعةِ التّلبيةِ التي يتمناها.

وهكذا انبرى التّصريعُ مُتماهيًا بامتداده ِواتساعهِ مع الجمالِ الموسيقي، من خلال التّناسقِ الصّوتي الذي يهيئ ذهن َالمتلقي مُوسيقياً منذُ البداية، ويسبغُ عليهِ أثراً دلالياً مهماً لتفسيرِ عاطفةً الشّاعر.

ووفقًا لتلك الرّؤية فأنَّ الشّاعرَ ستار الزهيري قد تشبثَ بتوظَّيفِ التّصريعِ في قصيدته، وإنَّ كنا نراهُ مُتفشيًا في الشّعر المعاصر، إلّا أنَّهُ حافظَ عليه، وهذا يرجعُ إلى تعلقهِ بأصول ِالقصيدةِ القديمة ِفي شكلهِا الأثيري، مع إضافةِ إشراقاتٍ من الحداثةِ والتّجديد، ليصبغ نتاجَهُ الشّعريَ بأسلوبهِ الخاص، وتجربته الشّعرية الصّادقة، مُستنطقًا الجمالات الناضجة برشاقةٍ أسلوبيةٍ عبرَ خيالهِ القارِ في موهبتهِ الشعرية.

* تمثلاتُ الأساليبِ الإنشائيةِ (أسلوب الاستفهام).

ومن روائعِ الزّهيري المضمرةِ استفهامهُ الخفي (المحذوف)، الذي وظفهُ في تساؤلهِ بطريقةٍ أسلوبيةٍ جمالية عبرَ لوحتهِ المشهدية ِالواعدة، إذ جاءَ في دالةٍ من دوال ِالاستفهام وهي:" أردى بِكَ الوجدُ  ....." وردتْ همزةُ الاستفهامِ محذوفةً في هذا الموضعِ والتي أصلهُا( أأردى)، فقد حذفت للتخفيف مع وجود أم المعادلة، وأفادت دلالتهُا اللّغويةُ معنى الانتماء روحيًا وجسديًا إلى ذلك المكان، بكلِّ ما فيه من وجعٍ وصدع، وقد يأتي الاستفهامُ المضمرُ ليؤكد هيامَهُ ببلدهِ الموجوع، لأنَّهُ يصدر ويبوح في حبه عمَّا استقر في قلبهِ من وقعِ ما يرى من سياط الجور على بلده المنكوب وحقه المسلوب. فقد ارتمى الاستفهامُ في مكنونهِ المضمر، معلنًا عن دلالاتهِ الأسلوبيةِ الحافة، من أجلِ أن يخرجَ نبضُه ُالذاتي إلى مستوى الموضوعية، محاولًا إعادةَ تجميلِ بلدهِ وترميمه. إذ دأبَ الشّاعرُ في هذا البيتِ على تقويض ِالمألوف، ورسمِ مزيّةٍ أسلوبيةٍ مُستأثرةٍ على حصنِ قصيدته. وما ذكرهُ الشّاعرُ من إخلاصٍ لا ينتظرُ مُكافأة، وهذه مرتبةٌ عاليةٌ من مراتب ِالحب ِالرّوحي والانتماءِ العقائدي يرددهُا في شعره.

* تمثلاتُ حروفِ الجر.

ومن الرّؤى الدّاعمةِ لمهارةِ الزّهيري هي كثرةُ تمثلاتِ حروفِ الجر، فجاءتْ مُتجسدةً بسعةِ ورودهاِ في قصيدتهِ (بلدي)، وهي: ( بك، بك، لي، في كلا، بك، بغير، فيك، من الأشواق، على الشعر، على رِئتي، في البلدان، في شغف، في الجوى، على جدث، على همسة، في نسغ، في يقظة، من غبار، في خلدي، إلى صفين، على بلدي)، والتي تكررت (21) مرةً في هذه القصيدة، وهذا يدلُ على وجودِ متعلقاتٍ شعوريةٍ وانتمائيةٍ ولفظيةٍ للشاعرِ مع بلده. وبهذا التّوظيفِ التّركيبي والدّلالي أجادَ الزّهيري في إحكامِ صياغتهِ اللّغويةِ والتّعبيريةِ في خطابهِ إجادةً مُوفّقة.

* تمثلاتُ الأفعالِ المُضارعةِ وحروف العطف.

ومن النّماذج ِالشّعريةِ التي تُجلجلُ القلبَ وتجذبُ الانتباهَ وتثيرُ التأمّلَ في شعرِ الزهيري، قصيدتهُ (يا مُرقِلا)، لسفيرِ التّضحيةِ والجهادِ مسلم بن عقيل (ع)، إذ يقول:

أَنفاسُهُ   العُظمى   تُرَدُّدُ    كربَلا                      وقد  ابتدا  كربٌ   بكوفان  البَلا

وكأَنَّهُ    استَبَقَ    النِّداءَ    مُلَبّياً                    من قبلِ ما نَطَقَ  إبنُ فاطمَةٍ ب لا

ودَعَتهُ   شيمَةُ   أَحمَدٍ   لشَهادَةٍ                      فأبَتْ   لهُ   أنْ  لا  يَكونَ   الأَوَلا

يا  مُرقِلاً   رَكبَ  المَنيَةَ   فارِساً                      تُــزجـــيــــهِ  أَمراسُ  المَسافَةِ  بالفَلا

أَلوى  على  تَلكَ  الكريهةِ  هاتِفا                     -لمّا أَتَـــتْ  تــلكَ  المَنيَّةُ -  حَيْهَلا

أوَ  ما   رأَيتَ   ضِياءَهُ   مُتَلألِئاً                     ويَــدورُ حــولَ  ثَـبــاتِهِ  نَجمُ   العُلا

ويَمُرُّ   تاريخُ   الحَقيقَةِ    بَلدَةً                      هــوَ  مُــدبرٌ  فــأَتى  بوَجهِــكَ مُقبلا

وأَراكَ  في  تِلكَ  الأَزقَّةِ  عابِساً                       وعـلى  وجـوهِ   الـثّـائـرينَ   مُهَلِّلا

اتكأَ الزّهيري في قصيدتهِ أسلوبيًا على صيغ ِالأفعالِ المُضارعةِ بطريقةٍ لافتة للنظر، وذلك بتكرارهِ الأفعال: (تردد، يكون، يدور، يمر، يرفع، يرى)، إذ وردت بشكلٍ متوالٍ ينطلقُ منها في بناءِ معانٍ ذات دلالاتٍ ومضامين أسلوبية مهيمنة على متنهِ الشّعري، وتنتشرُ بمواءمةٍ وانتظام، أضفى عليها طابعاً صوتياً. ونلاحظ أنَّ هذه الأفعالَ جاءت أغلبها مبدوءةً بحرفٍ من حروفِ المضارعةِ والتي يجمعها قولنا (أنيت)، مما أضافَ إليها تجدّدًا ودفقةً معنويًا في تجسيدِ الأحداثِ  داخلَ حراكهِ النَّصي.

وفي ذاتِ السّياقِ وظّف الشّاعرَ تقنيةَ حرف ِالعطف ِ(الواو)، الذي ربطَ بينَ الأبياتِ تباعًا، وزادها تماسكاً ومعماريةً في بنيةِ النّص، مُعتمداً في الوقتِ نفسه ِعلى تجددِ المعاني التي يُحييها الحرفُ وينشرهُا في القصيدة، لترسيخها في نفسِ مستمعيهِ بهذه الصّياغةِ الإبداعية، التي تشدُّ النّفسَ بهذا الحشدِ والتّكثيفِ البنائي.

* تمثلاتُ القافية.

للقافيةِ تجلياتٌ يمشقها الإبداعُ الزهيري على نسيجِ قوافيه، إذ تكمن أهميتهُا في كونهِا تتدفقُ على شحنةٍ فنيةٍ وحسيّةٍ، تتوافق بانسجام صوتي مع وحدة القافية وجِرْسها الموسيقي الأخّاذ، الذي يتخللُ جسدَ القصيدةِ ويكسيها إيقاعاً منغماً، يواري خلفها أحزانَهُ وأشجانَهُ وهواجسَهُ، لِما آلَ إليه حالُ مسلم ابن عقيل، مُبتدئاً إيَّاها بمُقدّمةٍ تبث زفراته وأنينه، حاملةً تكثيفها الدّلالي وجمالهِا.

وفي ظلِّ هذه العاطفةِ الولائيةِ المتأججة، يقولُ شعرَهُ مستخدمًا التقنية الأسلوبية، مُمثلةً بالكلماتِ ذات ِالنّفس ِالطّويلِ للتعبيرِ عن الحسرةِ والألم، يقول:

من قالَ ذكراكَ  العَظيمَةُ أُطفأَتْ                       وأَراكَ في كُلِّ  المَواطنِ  مِشعَلا

بالأمسِ والمِحَنُ الجِسامُ تَوافَدَتْ                       لِتُريكَ  أَنَّكَ  في  مَساركَ  أمْثَلا

وعَبَرتَ   كُلَّ   حَواجزٍ    وَهميَةٍ                      وصَنَعتَ  منها   للحَقيقَةِ   مَنزِلا

قُلِ  للسفيرِ   وقد  تَعاظَمَ  رِزئُهُ                      وعَلَيهِ أورى  للمَصيبَةِ   مِرجَلا

يا  مُسلِمُ  التّاريخُ   يَرفَعُ   رايَةً                      مُستَسلِماً  بيدِ   الأَسيرِ   مُكَبْلا

هوَ  لا  يَرى غَيرَ الضَّلالَةِ  مَنْهجا                   فأَعَدتَهُ   دَربَ  الحَقيقَةِ    مَوْئِلا

وفي ظلِ تلك المؤشراتِ فأنَّ الموسيقى بدت واضحةً جليةً بامتدادهاِ واتساعهاِ أسلوبيًا في القصيدة، حيث بزغت قافيةُ القصيدة (ل، ا)، وقد أعطتنا بذلك لحنًا خفيفًا رقيقًا يطربُ له السّمع، فالموسيقى متجليةً بوضوحٍ في القافية، فاللاّم صوت أسنانيّ لثوي مجهور جانبي، ينطقُ كعادتهِ باعتمادِ طرفِ اللّسانِ على أصول ِالأسنانِ العليا مع اللثة، بحيث توجد عقبة في وسطِ الفمِ تمنعُ مرورَ الهواءِ منه، ولكن مع تركِ منفذٍ لهذا الهواءِ من جانبي الفم أو من أحدهماِ، وهذا هو معنى الجانبية في نطقه.

ومن زاويةٍ أخرى، نلحظ توأمةَ صوتِ المدِّ مع اللامِ الذي رافقه وجاوره ولازمه، وصوت مد الألف (ألف الاطلاق) عادةً يخرجُ النّفس من الصّدر، لإخراجِ حزنهِ وتجديدِ حياته، متوافقًا مع سهولة نطق هذا الحرف، وهو مناسبٌ للحالةِ التي كان عليها الشّاعر، فأحرفُ المدِّ دائماً تناسبُ حالةَ الحزنِ والتّبرمِ والشّجن، و(الألف) أعطاهُ مساحةً صوتيةً أوسع، حتى كأنَّك ترى البيتَ بيتين، فهذه البنيةُ الإيقاعية ُوظَّفها الشّاعرُ للتعبيرِ عن حزنهِ إزاءَ استشهادِ مسلم ابن عقيل، وبهذا تتأَتى دلالتُها بشكلٍ واضح ٍمن خلال جِرْسها الموسيقي السّاحر المؤثر.

ومن الجديرِ بالذكر فإنَّ اللّوحةَ الشِّعريةَ عندَ الزهيري فيها من الإبداعِ ما تفضحهُ الموهبةُ الفذة، ووشى بها مخيالهُ الشِّعري، وهذا ما شدني إليهِ والرّكوز إلى تحليلِ قصائدهِ والوصولِ إلى سبرِ أغوارهِا، لذا بتُ مُسْتمْتِعَاً وأنا أبُحرُ في خمائلهِا الغرَاءِ وجداولهِا الشَّماءِ، فهي ممتعةٌ لِما تمتلكهُ من رصانةِ اللّغة ورشاقتهِا، ورقةِ الإحساسِ وعذوبته، وبذاخةِ المعجمِ ورصانتِه، وجمالِ التّصوير وسحره، وكلُ ذلك جاءَ مُتماهيًا مع جمالِ الموسيقى ورونقها. ومن دراستنِا النّقديةِ هذه نستخلصُ:

* يُعدُّ الشَّاعرُ الحصيفُ ستار الزهيري واحداً من الشِّعراء المعاصرين المبرزين، إذ شكلَ آيقونةً مائزةً في دولةِ الشّعرِ ومفاصلهِا، فقد نضجت أدواتُهُ الشّعريةُ مُبكرًا، خاطًا لنفسه منهجًا أحاديًا يتكئ عليه.

* كان لحياة الزهيري محاكاةٌ واضحةٌ مع شعره، فقد أباحت قوافيه بكلِّ آلامهِ ومواجعهِ ومنفاه، سواءً السياسية أو الاجتماعية منها، حيثُ فخرتهُ الدّهورُ مرارًا وتكرارا، فمن رحمِ الأصفادِ والحنين، ومن قضبانِ الوجعِ والأنين، ولد إبداعُه، ناثرًا قوافيه على قلوب متلقيه.

* كان للبيئة الأثرُ الواضحُ في شحذِ متخيلاتهِ الشّعريةِ ونمو مقوماتِ شاعريته، حتى استطاعَ التّحليقَ في عالمهِ الهادر، وهذا ما أثّرى منسوبَ جمالياتِ قصائده.

* جاءت عناوينُ قصائدِ الزّهيري منسجمةً ومتوافقةً مع الغرضِ الرّئيسِ لها، فقد وضعت بطريقةٍ قصدية، محاولاً جذبَ المتلقي والتأثيرَ به، من خلالِ الوظيفةِ النّسقيةِ للمنهجِ الأسلوبي، هادفًا إلى استنطاقِ الدّلالاتِ الكامنةِ بداخلهِا، سواءً طالت أم قصرت، وبدورها احتوت في تشكيلهاِ على دوالٍ متنوعة، ساهمت في تحقيقِ مآربِ الشَّاعرِ وأمانيهِ داخلَ النص.

* أتْقنَ الشّاعرُ تأثيثَ الأساليبِ الإنشائيةِ البارزة ِفي شعره، مُسهبًا في توظيفهِا واستخدامهِا، بالمقارنةِ مع مثيلاتهِا من الجمل ِالخبرية، كما كان يُؤْثرُ اعتمادَ أسلوبِ الاستفهامِ تبيانًا وتجملا.

* انمازتْ الصّورةٌ الزّهيريةٌ بالحداثةِ والتّجديد، مُستمدةً جمالهَا من أنماطهِا المُتعددة، فهي تمثلُ عالمَهُ الذي ركزَ إليه، مُمثلةً بذلك مرحلةَ التّطورِ والإبداعِ التي شهدها عصرُه، إذ كان له تميزهُ الخاص ُواستئثارهُ الوضّاحُ في كثيرٍ من الصّورٍ الشّعرية، مُستلهمًا محاكاته للطبيعةِ التي تأثرَ بها.

* تألقَ شاعرنُا في مجالِ الموسيقى الشِّعرية، مُستحدثًا أنظمتَهُ المُنبثقة من مُهجتهِ الهائمة، وتوظيفه الأوزان بطرائق حداثوية، مما دفعني - بإلحاح - إلى دراسةِ أسلوبيةِ الإيقاعِ لديه، مُعتمدًا المنهجَ النّصيَ النّسقيَ الأسلوبي.

وفي رحاب الحروف السالفة قراءةٌ نقديةٌ في صومعة (تمثلاثُ الشِّعريةِ عندَ الشَّاعرِ ستارِ الزّهيري (دراسةٌ نقديةٌ في تجلياتهِ الأُسلوبيةِ)، حيث اصطحبت قلائدَ أشعارهِ المشرقة، وإضاءات أَسْبَارهِ المتعددةِ، فوجدتها تتمتع بهندسةٍ صوريةٍ وتصريعيةٍ وإيقاعيةٍ مائزة، بعدَ الاشتغالِ على نصوصهِا ودلالاتهِا التي فجرت شعريةَ الصّور والمعنى، فقصائدهُ خجلى، يتوارى خلفَ مُزنهِا الكثيرُ من الإبداع.

 

غسان عباس الساعدي

 

الحسين بوخرطةالدكتور علي القاسمي، العلامة الموسوعي الملم بعمق بخبايا المعارف المختلفة والمتنوعة، يعتبر اليوم مرجعا ثريا زاخرا بمقومات بناء مشروع عربي وإسلامي بأمجاد تاريخية وحضارية. بصفوة تفكير وتأمل، تعمق في أصالة الماضي ومعاصرة الحاضر، ورمم ما تم ردمه من قيم حضارية لامعة، وما تم الزج به عمدا خارج الأعراف والممارسة. كل من أتيحت له الفرصة لقراءة إحدى قصص مجموعاته الخمس، يجد نفسه مشدودا لفكرة البحث عن نبذة تعريفية لهذا الأديب وإبداعاته الحكائية.

اهتماماته المتعددة مكنته من ثقافة واسعة وعميقة، جعلت نصوصه الفكرية والأدبية تحمل المتعة والمعرفة في آن واحد. أدرك بعمق كنه الحضارة الغربية والعربية وسر التطورات الكونية، وامتد مسار دراسته من بغداد ولبنان إلى فرنسا وبريطانيا ثم إلى الولايات المتحدة الأمريكية. إنه مسار ثري بمعارفه وشخوص محيطه، مسار توج من خلاله متخصصا في علم المصطلح وصناعة المعجم، واكتسب بذلك الريادة في اللسانيات والنقد والقصة والرواية والترجمة والتنمية البشرية.

من أجل ضمان الديمومة في إغناء الشكل الزلال لكتابات القاسمي ومضمونها الثري، لم يتقاعس يوما في عجﱢ تراكمات إبداعاته بركائز تراثية عريقة ونافعة، وانتقاء تيمات إنتاجاته الأدبية بعناية فائقة، مخصبا إياها بالأبعاد السياسية الوطنية والاجتماعية والثقافية والفنية والفكرية والتربوية واللغوية والنفسية والفلسفية والعلمية.

تشجيع الأجيال على القراءة، بالنسبة للقاسمي، يتطلب الابتعاد عن التعقيد والأسلوب السجع لعدم تلاؤمه مع روح العصر، والاحتكام للأسلوب الحداثي الصرف. تناول بحبكاته السردية الراقية مشمول القضايا الجوهرية للأمة العربية كالتربية والتعليم، والقيم الوطنية والمدينة والقرية، والأسرة والطفولة والشباب والمرأة، والتكافل الاجتماعي،... أعطى لتفاصيل دروس وعبر رسائله الهادفة والمستفيضة أهمية كبيرة، إلى درجة أصبحت تعبيراته الشيقة والسلسة والمثيرة للانتباه مصدر تأويلات عديدة ومتعددة، ليساهم وضوح لغته في تيسير مقروئية نصوصه واستيعابها... في نفس الوقت، لم يتقاعس في كتاباته إلى التنبيه من مخاطر العاهات المجتمعية كالفساد والشعوذة والخرافة والانحراف والتحرش الجنسي،... مركزا على ما يتطلبه الصراع الحضاري ما بين الشرق والغرب من نباهة وحذر وحكمة، مقدما تصورا متكاملا لمعالم موضوعية جديدة للتعاون شمال/جنوب.

إنها الدوافع التي جعلت الكاتب يولي عناية خاصة للعلاقات الاجتماعية، منبها إلى الحاجة إلى تدارك الهدر الزمني في مجال الوعي بأهمية الوقت أسريا، وعلى مستويات الفرد والجماعة والمجتمع والمؤسسات. الرهان بالنسبة له يتجلى في إيماءاته الحكائية القوية التي تجعل من التعبير الرسمي الدائم للحكومات القطرية عن إرادتها الراسخة لتأصيل ثقافة تقدير الوقت وتدبيره، كقيمة ثمينة لا تحتمل بطبيعتها إلا من يتشبث بضمان استغلالها الناجع، بطموح الرفع من مردودية السياسات العمومية والخاصة إلى أعلى المستويات.

فإلى جانب كل ما تطرقنا إليه من أفكار وأهداف ومرامي نبيلة في قراءتنا السابقة للقصة القصيرة "الساعة"، معتبرين الوقت موردا ثمينا وناذرا وغير قابل للتعويض، تبقى ترجمة هذا المبتغى على أرض الواقع، بمستويات عالية وبيسر، مرهونة إلى حد بعيد بتوفر الشروط الموضوعية لإحياء وتعميم مفهوم الصداقة، وتقوية التآخي والتعاون والتضامن بين شعوب المنطقة من الخليج إلى المحيط.

إنه الرهان الصعب الذي جعل القاسمي يخصص له قصة واقعية كاملة عنونها "النداء". إنها حكاية موضوع هذه القراءة النقدية، والتي أطمح من خلالها إبراز السمو الحضاري لمفهوم الصداقة كركن أساسي وحيوي لبناء مشروع نهضة عربية وإسلامية. لقد برهنت صفحات التاريخ كيف يكون التواصل والتفاوض بين الأصدقاء مفيدا للغاية. التآخي يضمن ديمومة التفاعل البناء ويحمي تواصل المتفاوضين والمتفاعلين من الضب والطائلة والغليان.

إن ما عاشه ويعيشه العالم العربي من استهداف منذ عقود، وما يتوالى على المغرب الأقصى بخصوصيته السياسية والثقافية من هجومات غير مبررة في السنوات الأخيرة، دفعت القاسمي، غير ما مرة، إلى دق ناقوس الخطر. إن يقظة الدولة المغربية وتقدمها الواضح في تنفيذ مشروع نماء ترابها الوطني بخطى حثيثة في إطار الاستقرار، تحول اليوم بالواضح إلى مصدر إزعاج للدول المتقدمة الغربية.

إن الدعوات المغربية لاستنهاض الهمم، وما ترتب عنها من تراكمات في مجال الوطنية والتنمية، ومن تطور للشخصية المغربية المعتزة بجذورها وأصولها التاريخية، ومن استعداد جماعي لمواجهة مخاطر العولمة وحبالها المتشابكة وتهديداتها المستقبلية، ومن ارتقاء للأدوار الجديدة للبلاد إقليميا وقاريا، جعلت الغربيون يمتعضون من هذا النماء المتصاعد. لقد أحسوا بالملموس، وعبروا عن ذلك بشكل غير مباشر في عدة مناسبات، أن السياسة بالمغرب أصبحت تتغذى بتفاعل لافت من المشاريع الفكرية لرواد الحركة الثقافية والفلسفية والأدبية والعلمية (مشاريع علي القاسمي، محمد عابد الجابري، عبد الله العروي، محمد سبيلا، محمد أركون، وعبد الكبير الخطيبي، وحسن حنفي ....).

كل المؤشرات تنم بتقدم المغرب في بحثه المتواصل عن السبل لتقوية الثقة وترسيخ قيم التعاون والتضامن والإخاء والحب والكرم ونجاعة الفعل التنموي داخل الوطن وفي علاقاته مع دول الجوار. في نفس الوقت، لم يعد خافيا على أحد، ما تبذله مؤسساته من جهد لتنويع وإثراء تقاطعاته البناءة مع الدول العربية والإفريقية، وما تتحمله من أعباء مادية ومعنوية لترسيخ ثقافة تدبير الوقت، وتمتين الصداقات الجهوية بين الأفراد والجماعات والمؤسسات على أسس قومية وتاريخية.

على هذا الأساس، ارتقت القصتان "الساعة" و"النداء"، المعبرتان عن قدرة إبداعية هائلة للكاتب للتعبير عن أحداث سيرته الشخصية، إلى فضاء فكري رحب تنبعث منه رسائل تربط مستقبل المنطقة بضرورة ترصيص الصفوف لمواجهة التحديات والرهانات والطوارئ المرتبطة بها. فعلاقة سيدي محمد بالكاتب في القصتين ارتقت بحمولتها الإنسانية إلى مستوى نموذج راق (انصهار العراق في المغرب) لإبراز حقيقة التقارب الطبيعي ما بين شعوب الدول العربية بأبعاده الثقافية والعقائدية والتاريخية والحضارية.

لقد جعل الكاتب من تعبيرات نص قصة "النداء"، التي أمزج فيها بمنطق التلازم سمو صداقة نبوغ عربية بامتياز، فضاء للوفاء والمحبة الصافية. شكلت معاشرة السارد لسيدي محمد فضاء حياة دافئة، وألفة دائمة، ودعم وحماية. لقد جعل القاسمي من هذه القصة منبرا معرفيا لتبليغ رسائل بعبر في غاية الأهمية. لقد استعمل أسلوبا أدبيا يتسم برقي سام، وجاذبية مسترسلة من أول كلمة فيها إلى آخرها.

مضمون القصة، بأحداثها الشيقة، ينم عن قوة ارتباط الكلمات والعبارات بأحداث حياة السارد. أمام دقة الوصف، ورقة الأحاسيس وعلو جلالها، وشرف المواقف ونبلها، لا يمكن للقارئ أن يتملص مما يتوالى على مخياله من كلمات رنانة مؤثرة وجدانيا، وهو يتقدم في قراءته المتأنية لمحتواها. سمت الصداقة إلى التحام روحي قوي ودائم. إنه الالتحام الذي لا يمكن أن يتبدى من خلاله إلا كون مجمل الأحداث المشوقة للقصة الواقعية قد بصمت بقوة حياة الكاتب/السارد كأكاديمي مغترب، أعجب ببلد إقامته واندمج في دفئ كرمه وصداقاته. فبالرغم من دوام حنينه وشغفه لمعانقة تراب بلاده العراق، لا يكل ولا يمل في التعبير بصدق تام كونه لا يعتبر نفسه مغتربا بالمغرب. فهو وطنه الثاني الزاخر بثقافة عربية إسلامية عريقة، عاش في دفئها لأكثر من خمسين سنة، مندمجا بقوة مع شعب كريم أصيل نبيل.

معلوم أن للدكتور علي القاسمي أصدقاء كثر، وتجمعه معهم وفرة العواطف والمحبة والاعتزاز. كما أن تعلقه بقداسة الصداقة، وارتباطه كعالم بضرورة تقاسم المعارف ومناقشتها، دفعه إلى فتح موقع إلكتروني على الشابكة سماه "أصدقاء الدكتور علي القاسمي". وهو يعتبر الصداقة الصادقة تغذية للروح والعقل، نجد في محيطه، المتفاعل بقوة وباستمرار مع الأحداث القطرية والجهوية والعالمية، عدد كبير من الأصدقاء بانتماء ترابي يشمل المستويات العربي والمغاربي والدولي، أصدقاء من طينة الأدباء والشعراء والفلاسفة والمفكرين والنقاد وخبراء العلوم الدقيقة والفلاسفة والفنانين.

شمخت وارتقت دارة سيدي محمد بأفضالها إلى مرتبة عظيمة بروعتها المبهرة، وتعاليها الطبيعي، ونبلها الزاخر بالقيم الإنسانية الصافية، ومجدها المهيب، وفخامتها الممتعة، وغبطة لحظات المكوث فيها. إنها الملاذ الآمن للسارد. فيها تسمو ألفته، وتتحقق شروط راحته النفسية والروحية.

وسيدي محمد قيد الحياة يناضل من أجل ترسيخ قيم العيش المشتركة، لم ينكر صديقه الحميم (الراوي) انقضاض الغربة والنكد عليه كغيمة سوداء من حين لآخر. فعندما يغتم ويتضايق، لا يجد سبيلا يسلكه داخل الشبكة الكثيفة للطرقات المؤدية إلى معارفه إلا ذاك المتجه إلى منزل سيدي محمد. إنه الصديق الأقرب إلى روحه، والمداوي لأحزانه وكربه، والملطف لمزاجه: "فقد كنتُ، قبل وفاته، كلّما ضاقت نفسي وشعرت بالغربة تهبط على روحي مثل غيمة سوداء، أسرعتُ إلى شقَّته دون موعدٍ سابق، فكان يفتح لي الباب مرحِّبًا باسمًا مسرورًا، ويُكثِر من الترحاب بي، ويسألني عن أحوالي. ثُمَّ يتّجه إلى المطبخ، فيضع إبريق الماء على الموقد لإعداد الشاي، ويملأ صحنًا بقطع الحلوى المغربية: كعب الغزال، المحنّشة، القطايف، ثمُّ ننقل كلَّ شيءٍ من المطبخ إلى غرفةِ الجلوس، ونشرع بالحديث وتناول كؤوس الشاي بالنعناع مع الحلوى. وبعد ساعةٍ من حديثه الحلو المليء بالنوادر والطرائف، أشعر بالارتياح، كما لو كان ذلك الإحباط الذي أثقل روحي قد انزاح شيئًا فشيئًا، حتّى غدا قلبي خفيفًا يستطيع مسابقة الريح".

تحولت معاشرة سيدي محمد للسارد، بقيمته الأكاديمية والعلمية، إلى فضاء لجوءه المفضل، فضاء بمستويات دفء إنساني. لا يتخلص من وحشية غربته وقساوة أحزانه إلا عندما يتجاوز عتبة دارته. إنها مقومات صداقة نبوغ خاصة، ترعرعت بفعل إلمام السارد بقواعد المعاشرة بقيم عربية حضارية، وخبرته الكبيرة وتنوع تمثلاثه لمعاني القرابة والصداقة في مختلف ثقافات المجتمعات شمالا وجنوبا.

الكاتب، وهو يحكي على لسان السارد أحداث القصة، عبر بمفاهيم وازنة متتالية أنه لا يطيق إلا الصداقات الطاهرة والمفيدة ثقافيا وفكريا وإنسانيا وأدبيا وفنيا وعلميا. بالنسبة له، الحداثة الإنسانية، والإيمان بالمستقبل، والتأثير إيجابا على مجريات التاريخ، لا ترتقي وتتحول إلى أهداف دائمة التفعيل والمردودية إلا عندما تتلاقى وتتقارع وتتناقح أفكار روادها المنتمين لمشارب الشعب العلمية والفكرية والأدبية والفنية.

لقد أثبتت هذه التجربة النموذجية أن بالصداقة والإخاء تتوسع فضاءات الإبداع والجمال والإمتاع والمؤانسة والمذاكرة المعرفية وقوة الاحتماء المشتركة. فما أحوج شعوب دول الجوار لهذا النوع من الفضاءات الإنسانية للتعمق في إبداعات السلف، واستنهاض التقاليد الحميدة المنعشة لعقل الحضارة العربية الإسلامية، وترسيخ ثقافة الحوار والتسامح والسلم والنقاش الهادئ والإيمان بالاختلاف والجدل اللطيف.

إن الالتزام بقيم الصداقة والتآخي أصبح شرطا أساسيا للنهوض بالأوضاع العربية والمغاربية. كما أن تحويل أم اللغات، اللغة العربية، إلى قاطرة تستجيب للمتطلبات والحاجيات المصطلحية المسهلة لاختراق التراث بعقلانية، والتمكن من الآليات المنهجية لغربلته وفصل الرداءة عنه، أصبح من أولوية الأولويات. فتشجيع الأجيال على عادة القراءة، والغوض بهم بوعي شديد في بحر الأقوال والأمثال والحكم الأدبية والفكرية والأخلاقية التاريخية، وتنمية قدراتهم على التكيف مع التطورات العلمية والثقافية الكونية، لا يمكن تحقيقه إلا برقي اللغة الأم وازدهار الترجمة.

إن حدث وفاة سيدي محمد بالنسبة للحاكي هو إغلاق تعسفي لملاذ أكاديمي في بلاد الغربة والأنس المداوي. لقد لجأ الكاتب إلى اعتماد التكرار لتأكيد ما أحدثته منية صديق العمر في روحه من مآسي وحسرة وضيق للأفق. لقد تم تكرار كلمتي "الوحدة والغربة" أكثر من مرة مصحوبة بكلمتي "مهرب وملاذ"، ومضيفا عبارة قوية المدلول "لا أعرف بمن أحتمي" للتعبير عن قوة الصداقة والتآخي في حياة الإنسان. هذه الكلمات بعباراتها الوازنة لم تدرج في النص من أجل تأثيثه، بل هي تعبير نفسي صادق عن مكانة الصديق الذي يفي بكل شروط الصداقة الصافية (أخوة، إفادة، تنوير، حوار هادئ، ثقة، عشرة، تضامن، تعاون، حماية، تبادل النصح، الدفاع على المصلحة المشروعة المتبادلة، ...). سيدي محمد، بمكانته المؤسساتية والأكاديمية والعلمية، كان الملاذ المفضل والوحيد بالنسبة للسارد.

قد أجرؤ وأعتبر أن الاختيارات والخيارات ومساحات الحرية المتاحة للكاتب، وهو السارد المغترب في نفس الوقت، أملت عليه الاحتكام إلى الروية والحكمة والحذر واليقظة في الحديث مع الناس وفي اختيار الأصدقاء بالمغرب، معتبرا أن "لا شيء أسوء من مرارة الخيبة بعد ثقة عمياء". لقد أكد أن حقه في الكلام والتعبير لا تستوفي شروط الحرية بالكامل إلا في الحالة التي يكون في حضرة سيدي محمد وأمثاله، الرجل الطيب، الملتزم بقيم المروءة كما تربى على ذلك منذ الصبا: فبعد تطور علاقتهما بشكل سريع وملفت، أصبح سيدي محمد توأم روح صديقه وأعز إنسان لديه بالمدينة " لم أكُن أستطيع أن أُفضي بمكنون قلبي للآخرين، أو أكاشفهم بآلامي وآمالي وما يثقل روحي. أمّا سيدي محمد فقد كنتُ أحسبه واحدًا من أهلي، أطمئن إليه ويطمئن إليّ، وأرتاح إليه كما يرتاح إليّ. وكان التفاهم بيننا تامًّا. لعل ظروفنا المتشابهة وأحوالنا المتماثلة هي التي يسّرت ذلك التواصل بيننا. فقد تربَّينا في عائلتيْن محافظتيْن، وتعلّمنا في مدارس متشابهة، وتخصَّصنا في موضوعاتٍ متقاربة، وزاولنا مهنةً واحدة". تحول بيته إلى منفذ دائم له للترويح على النفس والاحتماء من براثن الضيق والغربة والوحدة "فقد كنتُ، قبل وفاته، كلّما ضاقت نفسي وشعرت بالغربة تهبط على روحي مثل غيمة سوداء، أسرعتُ إلى شقَّته دون موعدٍ سابق".

إن تعبيرات السارد الجذابة في هذه القصة تقر أن وضعه لم يكن مريحا للغاية نتيجة ثقل انشغالاته بمشروع نماء الأقطار العربية. في كتاباته تكررت مرارا عبارات المعاناة والتأوهات المشوبة بحنينه لبلاده. ربما لولا صداقته مع سيدي محمد ما استطاع استئناف حياته وأشغاله ما بين محنة وأخرى: "فأنهض مستئذِنًا بالانصراف لأعود إلى أشغالي. وهنا تثور ثائرته، لأنّني لم أبقَ معه ما فيه الكفاية، أو كما كان يقول محتجًّا: ما سلّم حتّى ودّعا".

عاش الراوي استبداد الخوف على مصيره خلال فترة مرض سيدي محمد، وكذا خلال السنة التي عقبت فقدانه. لم يجد أمامه من منفذ آخر سوى تسليم أمره لله وتعزية نفسه. عاش فترة ألم وعذاب ووحدة  حتى وهو محاط بعشرات الأشخاص.

ببراعة العباقرة والرواد والخبراء في الحياة، عاد السارد إلى مجرى أحداث يومياته متسلحا بقوة شخصيته. إنها القوة التي دعا ويدعوا من خلالها الناس إلى التزود بالقدر الكافي منها لتستحق الحياة أن تستمر وتعاش.

مرت سنة كاملة وهو يكابد المصاعب، متشبثا بحق العودة إلى الحياة العادية. استحضر الكآبة المزمنة التي فتكت بكبار الكتاب والمفكرين، وغاص في تجارب ومحن عمالقة الفكر والآداب والثقافة، ليختلي بنفسه على شاطئ البحر عازما على تدريبها على تجاوز محنته. لقد نجح في صرف ذهنه عن مأساة الفقيد. كرر التمارين والتداريب بوتيرة متواصلة إلى أن وطأت قدماه بر الأمان. عاد إلى المدينة، عاد لمشاغله ومشاريعه. عاد مركزا على الحاضر والمستقبل ومتطلباتهما. لقد نجح في تجسيد الحكمة القائلة: "التفكير الزائد في خيبات الماضي يجعل حياتك كئيبة جدًا، لذلك لا تقتل لحظاتك بالتحسّر، وعِش حياتك سعيدًا لأن الأيام لا تعود".

استحق السارد، عن جدارة واستحقاق، أن يخرج منتصرا من مأساته النفسية. تشجى على سريره، وأغفته عبارات رواية "جارات أبي موسى" للكاتب المغربي أحمد التوفيق. نام نوما هادئا، فداهمه حلما جميلا. حبه العارم لصديقه، الذي غادره إلى دار البقاء، أدخله فترة جديدة ومحيرة في نفس الآن. وجد نفسه في المنام بين واجب الاستجابة لطلب الفقيد بجمع مقالاته في كتاب واحد، والخوف من العودة إلى دارته في مدينة شفشاون، وتعريض نفسه لخطر انقضاض براثن الحزن والمآسي عليه مجددا. لقد برهنت القصة أن الحياة بأفراحها وأحزانها كلها تجارب مفيدة، تجعل الإنسان أكثر خبرة وصلابة، وتعلّمه من هُم الطيبون ومن هم السيئون.

لقد أبرز الكاتب بفنية كبرى القيمة الإنسانية والحضارية لقوة الصداقة الحقيقية بين الناس. فوفاة سيدي محمد بالنسبة له أحدثت ارتباكا بليغا في أحداث يوميات حياته. لقد أبرزت الحبكة السردية القيمة السامية للصداقة الصافية، صداقة معرفية وعقلانية ووجدانية. ارتقت بشكل طبيعي إلى أعلى المستويات الحميمية والكرم والجود. إن فقدان نعمة هذه الصداقة الفريدة من نوعها والمتميزة، حولت حدث الوفاة إلى خسارة وتيه بليغين "أحسستُ بالوحدة تحاصرني من جميع الجهات، ولم يَعُد لي مهربٌ منها ... صحيحٌ أنّ لي كثيرًا من المعارف الطيِّبين فيها، ولكنَّني لم أشعر تجاه أيٍّ منهم بما أشعر به من رفع الكلفة مع سيدي محمد". فسيدي محمد كان جميلا وماهرا وعبقريا، يعرف كيف يصنع الابتسامة على محيى السارد كلما علم أنه في حاجة لذلك. يضحك في وجهه بطريقة تشعره أن أوجاع الحياة انتهت.

إنها علاقة أخوية تربط مثقفا وأستاذا جامعيا مع أكاديمي عراقي بارز. مقوماتها المشتركة نابعة من طبيعة الشخصيتين، ولها صلة وثقى بظروف تاريخهما الشخصي ومقومات تنشئتهما الاجتماعية. وهو يتابع المرض يفتك بصديقه الحميم، وتعبيرا على اعتزازه بقوة هذه الصداقة الاستثنائية، لم يكن يفكر أثناء تلك اللحظات العسيرة إلا في مآل حياته بعد أن يسلم الصديق روحه لبارئها "أُخفي دموعي عنه لئلا أزيده حزنًا على حزن. ولعلَّ حزني ذاك كان من قبيل الأنانيّة، فقد كنتُ أتوقع ما سيحلّ بي من وَحدةٍ وغربةٍ بعد رحيله ... عزيّت نفسي قائلاً لا مفرَّ من الموت وكلُّ النّاس وارده. ولكنّني بقيت أشعر بالوحدة، حتّى عندما أكون محاطًا بعشرات الأشخاص".

تعمد الكاتب كذلك في حبكته السردية أن يبرز قيمة إنسانية أخرى ميزت معاشرته للفقيد. فبالتسلح بالحكمة والصبر نضمن سلامة المحيط والراحة النفسية. لقد أوضح مفارقات ومتناقضات تكتنف السلوك البشري، مبرزا بتعبيرات غير مباشرة أهمية الإنصات وتقبل الاختلاف. الصداقة والمعاشرة لهما أسرار أخرى عديدة ومتنوعة تنبعث منها وتتفاعل من خلالها علاقات سلط جدابة بقوى متباينة شدة ووقعا. لم يحب السارد سيدي محمد كشخص فقط بل أحبه كوطن يفتخر بالعيش في أحضانه ولا يرضى بالإقامة في غيره.

تنبعث من القصة كذلك دروس أخرى. صداقة عالم بعالم، صداقة قوية بطبيعتها وخاصياتها. الرجلان لا ينظران إلى العالم نظرة عادية، بل يتأملون داخله كفنانين، وخارجه كعلماء، وباطنه كشعراء، وظاهره كرواد تجربة وعلم، ويعتبرونه وجودا واحدا حيا كعباقرة الخيال البديع المرصن للأخلاق.

بهذه الرؤية المتزنة، تضمنت فقرات القصة دعوة إلى عدم الاستسلام للتذمر والأحزان والمآسي، والسعي الدائم لابتكار كل السبل الممكنة الميسرة للتكيف النفسي مع المحن ومعضلات الحياة ومتطلباتها بدون الاستسلام لحدتها وشدتها ونوعها (وتستمر الحياة). إنها دعوة للحيلولة دون تحويل آثارها إلى كآبة دائمة وضياع قاتل. لقد برر الكاتب عبر تجربته أن مجال الثقافة والمعرفة، الذي يتطلب استمرار التفكير والتأمل لساعات في القضايا والإشكالات المختلفة والمتنوعة التي تهم الإنسانية، يعد ملاذا آمنا ووصفة شافية لتجاوز الإختلالات النفسية التي تحدثها مثل هذه المحن المباغتة "هناك درّبتُ نفسي على أن أصرف ذهني عن مأساة صديقي سيدي محمد. كنتُ أُغرِق نفسي في التفكير بأشياءَ أُخرى، بمشاريعَ ثقافيةٍ يحتاج الإعداد الذهني لها ساعاتٍ طويلة. وبعد التمرين المتواصل على صرف التفكير إلى المستقبل بدلاً من الماضي، هنّأتُ نفسي على نجاحي في ذلك وعدتُ إلى المدينة".

كما أن المتأمل في مجريات هذه القصة، بعد استيعابه لرسائل قصة "الساعة" لنفس الكاتب، سيهتدي باقتناع تام أن الانطباع أو الشك لا علاقة له باليقين، ولا يرقى ليكون مبررا لخندقة الأشخاص وتفييئهم بين خير وشرير بدون إدراك لما يخالجهم من مشاعر ومواقف وقيم. فسيدي محمد، الذي كان زملاؤه يتهامسون عنه، ويوصف بالغرابة في الأطوار والذوق والسلوك والهوايات، ويصعب على طلابه أن يفهموه بسهولة، لم تكن مكانته الحقيقية عند طلبته وزملائه بتلك الأوصاف القدحية. لقد استطاع بتأثيره وحبه الفياض أن يجعل السارد ينسى الآخرين جميعهم. في نفس الآن، فشل الآخرون أن يفرقوه أو ينسوه وجود الفقيد قيد حياته وبعد مماته. لقد أبانت الأحداث بعدما غادر سيدي محمد رحاب الدنيا أنه كان من أعز وأكفئ الأكاديميين عند طلبته ومحيطه الجامعي.

حلم السارد حلما بهيجا. التحق بصديق عمره في قصر واسع ومثير بمروجه الخضراء، وسواقيه المترقرقة، وأشجاره الباسقة، ووروده وأزهاره الزاهية، وطيوره الخلابة المزقزقة والمغردة. وجده جالسا في حديقة تشبه "جنة العريف". رحب به كالعادة، وتعانقا عناقا حارا، وطلب منه جمع كتاباته عن المغرب ونشرها في كتاب واحد. استيقظ الحاكي، متوجسا من لسعات الذكريات الجميلة، ففطن صعوبة تنفيذ وعده له، ومعاودة الدخول إلى بيته في مدينة شفشاون. استفاق من نومه، وكانت المفاجأة غريبة "رن الهاتف وتحققت الرؤية. لقد جمع قدامى طلبته مقالاته التي كتبها بالإنكليزية عن المغرب، وترجموها إلى العربية بقصد نشرها في كتابٍ واحدٍ إكرامًا لذكراه، وطلبوا منه مساعدتهم في مراجعة الترجمة". لقد عبرت مواقف السارد، كمغترب ولد في العواصف وتربى على قوة هبوب الرياح، أن المحن التي لا تقتل تقوي. فإذا كان العصفور يحتاج إلى عش، فإن الأسد يحتاج إلى غابة، والمرء إلى صديق. فما بعد سيدي محمد، من المؤكد أن القيمة السامية للسارد ستمكنه من إيجاد صديق مماثل. للقدر عدالة، وكل شيء مقدر لليوم المناسب.

كانت علاقتهما علاقة مودة صادقة، وثقة ومحبة وإخلاص وعطف، ومنفعة متبادلة وفضيلة واستئمان وأمان. قربهما من بعضهما أضاف لحياتهما نكهة جميلة. تفاعلا بصدق بأفكارهما وأذواقهما ومزاجهما واهتماماتهما. لقد تشاركا الأفراح وصدق النية والإخاء والنصح والمودة والأحزان والألم والمشاكل والضيق والشدة.

لقد عبر النص ببلاغة ناذرة وبأسلوب سلس كيف تبادلا الدعم في الضراء قبل السراء، والحماية أثناء الحضور والغياب، والتستر على الهفوات والأخطاء المصحوب بالنصح والمعاتبة اللطيفة. تبادلا الرضا بدون مجاملة. سيدي محمد كان لا يدل إلا على الخير، كريم في عطفه وحبه، ودائم المساعدة والدعم لصديقه بدون مصلحة مادية أو معنوية. لم يتقاعس يوما في منحه الوقت والجهد الكافيين متى احتاج إليهما. كان مؤنسا ولطيفا، يهزم الوحدة والغم، وينشط التمتع بالهوايات والاهتمامات المشتركة. لا يتردد في تخفيف أو إزالة الشدة والمحنة والضيق عن صديقه. عفيف في كلامه، ولا ينبعث من محياه إلا القبول والاحترام المتبادل. يمقت الغيبة والنميمة والعجرفة والتعالي والكلام الساقط.

إن تمتين الصداقة والتعاون والتضامن بين الكتاب والمؤلفين والعلماء في مختلف الشعب العلمية والأدبية والفنية والتقنية يبقى الرهان المطلوب في عالمنا العربي الإسلامي، الرهان الصعب واليسير في نفس الوقت. لقد شهد التاريخ الدور الريادي للصداقة في تسريع تنوير الثقافات الشعبية، وفي ارتقاء الفعل السياسي والثقافي الديمقراطي.

إن الوضعية الحساسة التي تعيشها المنطقة العربية والمغاربية تستدعي الاقتداء بصفاء صداقة السارد بسيدي محمد. فما أحوجنا إلى علاقات صداقة قوية بين الأفراد والجماعات والمجتمعات والدول، والعمل سويا لإحياء القيم الحضارية بإرادة وإصرار وحكمة (المروءة، العشرة، المؤاخاة، الألفة، الرعاية، الوفاء، المساعدة، التضحية، المواساة، الجود، الكرم،...).

وفي الختام لن نجد أحسن مما انتقيته من مقولات وأشعار من كتاب "الصداقة والصديق" لأديب الفلاسفة أبو حيان التوحيدي للتعبير عن أمل تمتين علاقات الصداقة والجوار بين الأفراد والجماعات والشعوب في عالمنا العربي:

- قيل لأعرابي: من أكرم الناس عشرة؟ قال: من إن قرب منح، وإن بعد مدح، وإن ظلم صفح، وإن ضويق فسح، فمن ظفر به فقد أفلح ونجح.

- كتب آخر إلى صديق له: مثلي هفا، ومثلك عفا، فأجابه: مثلك اعتذر، ومثلي اغتفر.

- قال العتابي لصاحب له: ما أحوجك إلى أخ كريم الأخوة، كامل المروءة، وإذا غبت خلفك، وإذا حضرت كنفك، وإذا نكرت عرفك، وإذا جفوت لاطفك، وإذا بررت كافأك، وإذا لقي صديقك استزاده لك، وإن لقي عدوك كف عنك غرب العادية، وإذا رأيته ابتهجت، وإذا باثثته استرحت.

- وقال الخليل بن أحمد: الرجل بلا صديق كاليمين بلا شمال.

- قال فيلسوف: من عاشر الإخوان بالمكر كافأوه بالغدر.

- قال جعفر بن محمد رضي الله عنهما: حافظ على الصديق ولو في الحريق.

- قال المأمون:

إن أخا الهيجاء من يسعى معك *** ومن يضر نفسه لينفعك

ومن إذا صرف زمان صدعك ***بدد شمل نفسه ليجمعك.

القصة الكاملة للدكتور علي القاسمي : النداء

عندما توفِّيَ صديقي سيدي محمَّد، أحسستُ بالوحدة تحاصرني من جميع الجهات، ولم يَعُد لي مهربٌ منها. فقد كنتُ، قبل وفاته، كلّما ضاقت نفسي وشعرت  بالغربة تهبط على روحي مثل غيمة سوداء، أسرعتُ إلى شقَّته دون موعدٍ سابق، فكان يفتح لي الباب مرحِّبًا باسمًا مسرورًا، ويُكثِر من الترحاب بي، ويسألني عن أحوالي. ثُمَّ يتّجه إلى المطبخ، فيضع إبريق الماء على الموقد لإعداد الشاي، ويملأ صحنًا بقطع الحلوى المغربية: كعب الغزال، المحنّشة، القطايف، ثمَُّ ننقل كلَّ شيءٍ من المطبخ إلى غرفةِ الجلوس، ونشرع بالحديث وتناول كؤوس الشاي بالنعناع مع الحلوى. وبعد ساعةٍ من حديثه الحلو المليء بالنوادر والطرائف، أشعر بالارتياح، كما لو كان ذلك الإحباط الذي أثقل روحي قد انزاح شيئًا فشيئًا، حتّى غدا قلبي خفيفًا يستطيع مسابقة الريح. فأنهض مستئذِنًا بالانصراف لأعود إلى أشغالي. وهنا تثور ثائرته، لأنّني لم أبقَ معه ما فيه الكفاية، أو كما كان يقول محتجًّا: " ما سلّم حتّى ودّعا."

أمّا اليوم، وبعد أنْ غيّبه الموت، فلا أدري أين اتَّجه، إذا ما داهمني الشعور بالغربة والوحدة، ولا أعرف بِمَن أحتمي. فقد كان سيدي محمد صديقي الوحيد، وملاذي في هذه المدينة. صحيحٌ أنّ لي كثيرًا من المعارف الطيِّبين فيها، ولكنَّني لم أشعر تجاه أيٍّ منهم بما أشعر به من رفع الكلفة مع سيدي محمد. لم أكُن أستطيع أن أُفضي بمكنون قلبي للآخرين، أو أكاشفهم بآلامي وآمالي وما يثقل روحي. أمّا سيدي محمد فقد كنتُ أحسبه واحدًا من أهلي، أطمئن إليه ويطمئن إليّ، وأرتاح إليه كما يرتاح إليّ. وكان التفاهم بيننا تامًّا. لعل ظروفنا المتشابهة وأحوالنا المتماثلة هي التي يسّرت ذلك التواصل بيننا. فقد تربَّينا في عائلتيْن محافظتيْن، وتعلّمنا في مدارس متشابهة، وتخصَّصنا في موضوعاتٍ متقاربة، وزاولنا مهنةً واحدة.

وعندما كنتُ أزوره في المستشفى في الأيام الأخيرة من حياته وهو يصارع ذلك المرض الوبيل بشجاعةٍ نادرة، لم أكُن أدري ما أقوله له، فقد استنفدتُ جميع كلمات الأمل وجميع الأخبار السارّة. وحينما أجده وحده في غرفته، نأخذ في النظر أحدنا إلى الآخر، وتهرب الكلمات من شفتَيّ، وأحسُّ بالدموع تنزُّ من أعماقي إلى جفوني، فأُسرع خارجًا من الغرفة وأنا أنادي: " أين الممرِّضة؟"، لأُخفي دموعي عنه لئلا أزيده حزنًا على حزن. ولعلَّ حزني ذاك كان من قبيل الأنانيّة، فقد كنتُ أتوقع ما سيحلّ بي من وَحدةٍ وغربةٍ بعد رحيله.

ووجدتني ذات مساء أقف عند سريره وشفتاي تتمتمان بآيات من القرآن وتمجّان ملوحة دموعي. وأسلمتُ أمري إلى الله. وعزيّت نفسي قائلاً لا مفرَّ من الموت وكلُّ النّاس وارده. ولكنّني بقيت أشعر بالوحدة، حتّى عندما أكون محاطًا بعشرات الأشخاص.

وبذلت جهدي كي أنساه، فقد مرّ عامٌ كاملٌ على وفاته وصورته ماثلةٌ في عيني، وهيئته شاخصةٌ في قلبي، وصوته ملء أذنيّ. وخشيت أن أُصاب بالاكتئاب، فقد قرأت آنذاك أنَّ الكاتبة اللبنانيَّة مي زيادة قد أُصيبت بالاكتئاب بعد أن توفّي والداها وتوفّي الأديب جبران خليل جبران الذي أحبَّته بالمراسلة. ولهذا ابتعدتُ عن المدينة في عطلة لبضعة أسابيع أمضيتها على شاطئ البحر، لعلّ محيطُه الشاسع يتّسع للأسى الجاثم على روحي، أو لعلّ أمواجه تغسل الحزن الرازح على قلبي. وهناك درّبتُ نفسي على أن أصرف ذهني عن مأساة صديقي سيدي محمد. كنتُ أُغرِق نفسي في التفكير بأشياءَ أُخرى، بمشاريعَ ثقافيةٍ يحتاج الإعداد الذهني لها ساعاتٍ طويلة. وبعد التمرين المتواصل على صرف التفكير إلى المستقبل بدلاً من الماضي، هنّأتُ نفسي على نجاحي في ذلك وعدتُ إلى المدينة.

في تلك الليلة، استطعتُ أن أغمض عينَيّ دون عناء، ودون أن أكابد عذاب السهد الذي كان ينتابني في ذلك الفراش. كنتُ أقرأ في رواية " جارات أبي موسى " للكاتب المغربيّ أحمد التوفيق، وراح النعاس يثقل أجفاني وسقط الكتاب من يدي جانبًا وغفوتُ.

في تلك الليلة ألمّ بي حُلم بهيج. رأيتُ نفسي أسيرُ في مرجٍ أخضرَ واسعٍ، تجري فيه سواقٍٍ عديدة يترقرق فيها الماء جَذِلاً صافيًا، وتنتشر فيه أشجار الحور والزيزفون والصفصاف والسنديان، وفي ظلالها ازدهرت أزهار الورد والقرنفل والقدّاح والياسمين. وراحت العصافير والعنادل وطيورٌ أُخرى تحلّق من شجرة إلى أُخرى، وهي تزقزق وتغرّد. ولاح لي في آخر المرج قصرٌ منيفٌ له قبابٌ خضر، وسورٌ أبيض منخفض، تسلَّقتْ عليه شجيراتُ اللبلاب، وتوسَّطه بابٌ خشبيٌّ أزرقُ موارب.

قصدتُ القصر. اقتربتُ من بابه. ودخلتُ. أذهلني منظر حديقته وطرازها المغربيّ الأندلسيّ، والينابيع المتدفِّقة من صخورها، والنافورات التي تتوسَّطها. ذكّرتني بحديقة "جنة العريف" في قصر الحمراء بغرناطة. واصلتُ السير حتّى بلغتُ بركةً غاية في الحُسن والبهاء، وإلى طاولةٍ أُقيمت على حافتها، كان يجلس ـ لشدَّ دهشتي وفرحتي في آن ـ صديقي سيدي محمد.

ما إن رآني حتّى نهض هاشًا باشًا كعادته. تعانقنا فرحيْن باللقاء. راح يسألني عن أحوالي. طمأنته. ثُمَّ سألته ببلاهة ما إذا كان يحتاج لأمرٍ أقضيه له هناك. تردّد لحظة، ثمَّ قال: نعم أرجوكَ أن تجمع مقالاتي المُتفرِّقة التي كتبتُها عن المغرب، وتنشرها في كتابٍ واحد. وعدتُه بحماسة أنّني سأفعل، قائلاً: اطمئنْ، أعِدكَ بذلك. وكان من حماستي أنّني ضربتُ بقبضة يدي على الطاولة التي أمامه مؤكِّدًا وعدي، فأخذ فنجان الشاي الذي أمامه يرتجف على الطاولة مُحدثًا جلجلةً مثل جرس.

كان جرس الهاتف يرّن في غرفة الجلوس. استيقظتُ. اتجهتُ إلى مكان الهاتف والحُلم واضح أمام عيني. وأخذتُ ألوم نفسي قائلاً: كيف أعِدُ صديقي سيدي محمد بِجمع مقالاته وهي متفرِّقة في مكتبته الشخصيّة في دارته في شفشاون، وأنا أتحاشى دخول تلك الدارة منذ وفاته، ولا أظنّني أطيق رؤيتها مرَّةً ثانية. سيقتلني الحزن فيها.

رفعت سماعة الهاتف قائلاً :

ـ نعم؟

ـ أنتَ لا تعرفني، يا سيدي، ولكنّني أعرفك. اسمي الخرشاف. قمتُ وبعض زملائي من قدامى طلاب الأستاذ سيدي محمد بجمع مقالاته التي كتبها بالإنكليزية عن المغرب، وترجمناها إلى العربية بقصد نشرها في كتابٍ واحدٍ إكرامًا لذكراه. ونحن نرجوك مساعدتنا في مراجعة الترجمة.

ـ سأفعل بكلِّ سرور. شكرًا، شكرًا لكم.

 

الحسين بوخرطة

 

 

خالد جودة احمدفي مفتتح مقاربة المجموعة المسرحية (القرية والحاوي) للأديب/ خال الطبلاوي، نقدم بداية للأديب، حيث نرى أنه أديب شامل، يعتنق فكرة التوصيل باعتبار الأدب رسالة، ووسيلة لغاية التثقيف والتعليم والإمتاع، لذلك هو في بحثه لرداء يكسوه موضوعه الأدبي تتعدد قوالبه وأشكاله الفنية، محققا ما يسمي "التفسير الإعلامي للنص الأدبي"، وبدرجة لافتة ومثيرة، فهو شاعر صاحب تنوع في أدائه الشعري بين المقطوعة الوامضة الحكيمة، والشعر الساخر والسياسي والاجتماعي في آن، وهو قاص يكتب القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً، ويستعين بالموروث الثقافي الحي لهذه الأمة ليؤدي سبل المفارقات الكاشفة في هذه القصص، وهو كاتب للدراسات البحثية والرؤية التذوقية لمنتجات إبداعية، وهو كاتب في الشأن العام، ويحتفي بمناسبات مؤثرة في الحياة مثال مقطوعاته المعنونة (مسحراتي الثورة)، وهو صاحب غاية وفي إطارها هدف يسعي إليه بجعل الأدب وسيلة للتثقيف والتغيير (أدب البناء) فيعتني عناية خاصة بالطفولة وآدابها، فيكتب شعر الأطفال التعليمي، ويؤسس الألغاز الشعرية للصغار والكبار حول مقاصد سور القرآن الكريم، وهو ناشط ثقافي رفيع المستوي، يكتب للصحف الورقية، وينشر الكتب المنوعة، وفاعل في كثير من تطبيقات الإنترنت أمثلة: منتديات أدبية (رواء نموذجاً) ومدونات فيسبوك، بل ويؤسس الصفحات ذات المذاق الخاص مثال صفحته الساخرة علي شبكة التواصل الاجتماعي (قراميش الطبلاوي)، كل هذا وأكثر الأديب خالد الطبلاوي.

أما الكتاب بين أيدينا فيأتي لاستكمال هذه المسيرة، فيمنح في تنويعاته وأطيافه فكرة مؤكدة أن هدف الأديب هو التوصيل أصلاً، والإعلام للقارئ بفكره نابهة، ومفارقة بديعة، وقيمة شيقة في الحياة، منافحاً عن أصالة وهوية أمته، مع احترام الآخر والثقة بقيمة الخير والعدل والجمال، كل هذا متسربلاً بمذاق الفن الشهي.

والكتاب الأدبي بين أيدينا يختار له الأديب ثوبه الفني (المسرح)، بل تتصل إرادة التوصيل ومنهجية الأديب في تحقيق المتعة والجمال والمنفعة للنص الأدبي بالتنويع بين المسرح النثري والمسرح الشعري وبين الطول والقصر في النصوص المسرحية بين التمثيلية القصيرة، والمسرحية متعددة الفصول والمشاهد، وبين الرؤية الاجتماعية والسياسية.

والأديب واع تماماً في أدائه ومنجزه الإبداعي، حيث يوقن (كما تحدث بلسان حال أدبه) أن الكتابة السهلة الشيقة لا يستطيعها سوى صاحب الموهبة الكبيرة، لذلك كان واضحاً في الإشارة بأسماء مطابقة لسمات الشخوص المسرحية، راسمه لدورها الدرامي والمكانة التي تشغلها في القيمة التي يهدف الأديب لترسيخها، بل إن التقديم للشخصيات والتعريف بها في مفتتح مسرحية "القرية والحاوي" كاشف لهوية هذه الشخصيات ودورها في "أحدوثة" المسرحية، فالقارئ علي دراية مسبقة بمساراتها في الأحداث المسرحية، بل واستعمال تلك الأسماء بها لماحية السخرية، ومن هذه النماذج (شهوان: كبير عائلة أبو شهوة وهو من أنصار الحاوي. أكول: كبير عائلة أبو تخمة من أنصار الحاوي)، والرمز السهل مشهود أيضاً في الدالة الكلية للحاوي باعتباره معادلاً موضوعياً مرنا للدخيل المفسد المغير للطبيعة الخيرة إلي أخرى شريرة، ويفتح هذا باب التأويل الميسر المقبول، فقد يكون وسيط إعلامي ينشر إباحية مهلكة بألوانه الساحرة ويسر الوصول إليه بضغطة زر، وقد يكون الفكر المضلل العقيم هادم هوية الأمة وأصالتها ...، فالرمز متاح وصالح لتطبيقات عديدة تستجيب لتأويل القارئ ووعيه بحجم الخطورة في الوافد الذي يضمر نية السوء والتدمير، وإن كان التناول القريب يشير للطاغية ناصر الظلم وناشر الكراهية.

وشاعرنا حين صاغ مسرحه الشعري كان واعياً بالفواصل الشفافة بين الأنواع الأدبية، وأن المسرح الشعري يستعين بالشعر أداة بنائية في لغة درامية صاعدة، إن تعدد الأصوات ووجهات نظرها والصراع الدائر بين الذوات المسرحية تقدم لنا عالم احتراب الشر والخير علي مدي الدهر، لتفي قيمتها الإنسانية الباقية في لغة ممتعة، ذات طراز رفيع.

إن المسرح لدي الأديب خالد الطبلاوى يقدم الإدانة لتشيؤ الإنسان، وتحويله إلي سلعة تباع وتشتري. وفي مسرحية "محاكمة عابد" نجد سلاسة التعبير الشعري في تلك المسرحية وبساطتها الجميلة الآسرة، بهدف توصيل قيمة "الثبات طريق النصر"، كما يقدم بها كشأن النصوص المسرحية في جلاء لا يحتاج التفسير أن جوهر الحياة التدافع بين الحق والباطل، فأهل القسوة والظلم يرون صاحب الفكرة "مزعجا للحياة"، وهى مفردة ترددت أكثر من مرة علي أفواه الشخوص المسرحية الظالمة، حين يستفسر "عابد" عن جريمة محبي الإصلاح، فيرد عليه القاضي الأول: (غيروا وجه الحياة)، وهو  تناص مع النص الشريف (ويذهبوا بطريقتكم المثلي) وهذا من ذكاء الشاعر حيث أشار لقضية خطيرة تعتبر مؤشر رئيس في قضية التدافع والصراع المرير، وهي قضية الأسماء والمسميات حيث يتم التلبيس والتدليس علي الأفهام بنشر الضباب الفكري والصخب الإعلامي، فيغدو الحق باطلا، والباطل حقا أصيلا، لذلك يرد عابد علي القاضي: (المتهم : غيروا حقاً ولكن بعدما أصبحت موتاً وذلاً للجباه)، فاستعمال هؤلاء لكلمة الحياة فيه تدليس فهو موتا بالذل، وتحرير المفاهيم مكون رئيس في راغب الإعلام لأنه هكذا يعمد للتوصيل والتوضيح لحقائق الأمور ومواردها ومصادرها، وهذا المثال له أمثلة كثيرة في النصوص، فالأمر وعكسه (الظالم: انقلاب / المصلح: طوفان سيأتي بالنجاة)، (القاضي الأول: لا نبالي عدلنا في منتهاه / المتهم : يسقط القانون في طغيانكم) ... وهكذا

أما مسرحيته النثرية (جنة العربية) فتمد الجسر بين الورقي والرقمي، وتقدم شخوص من العالم الرقمي لتكون حاضرة متحدثه بثراء تجاربها في نص درامي، ويقدم دليلا عن أثر الحاسوب وشبكة الشبكات في الأدب العربي خاصة في خدمة اللغة العربية، والتناص في أولي مراتبه تحقق بالتضمين المباشر لأبيات شعر طبقت شهرتها الآفاق حول (أنا البحر في أحشائه الدر كامن ...)، فجاء التضمين موفقا، ومقدما ناحية معرفية بهدف التوصيل، وكأنه باحث مبدع يجيب علي فروض بحثية متوقعه، ويطرح عنوان متميز (دور مواقع خدمة الفصحى على شبكة النت وأثرها على نمو معدل استخدام اللغة العربية في الشارع العربي)، بل وفي بساطة متناهية وبرؤية ثاقبة يفض هذا الصراع الوهمي بين الورقي والرقمي فيرى في الإنترنت وسيلة مساعدة ومكملة للنشاط الأدبي وتوصيل الرسالة الأدبية، وأديبنا هو في الأساس ناشط ورقي ورقمي علي السواء كما أوجزنا سابقا، وسواء بالتضمين أو من الإحاطة البحثية في إطار إبداعي نجد ثراءً معرفياً بدليل تغذية النص بمعلومات حول الموضوع، لأن النص المسرح هنا تعليمي هادف، وهذا الوعي الحاسوبي لا يمكن أن يتحقق سوي لأحد ناشطي الأدب علي الإنترنت، فيشير للتحول أيضا بين الواقعي والافتراضي، باعتبار الروابط بين الموضوعات الأدبية والأدباء علي صفحات الفضاء، جماعات أدبية افتراضية تنتقل إلي جماعات فكرية واقعية، وهو أمر مشهود في الدراسات التي بحثت هذا الشأن، وتعتمد في صلبها خاصية الترابط التشعبي بين روابط الأصدقاء الأدباء وصفحاتهم ومدوناتهم ومنتدياتهم جميعا، ليؤكد هذا النص المسرحي المعاصرة أيضا بجانب الأصالة تنويعا جديدا لأديبنا الشامل، أما الدلالة الكلية في نص (جنة العربية) فتنصرف بحلية فنية تنطلق من التجسيد والتمثيل للمعني ليكون طريفا وشهيا للقارئ.

وبعد هذه الإشارات المكتنزة من عالم النصوص المسرحية ... قد يبدو للبعض أن الأدب إذا لم يضم صوراً بالغة الغرابة والتعقيد، وإذا لم يشمل معميات وأحاجى - يقف العقل منها حائراً والوجدان سقيماً - ليس حرياً أن يسمى أدباً، وأطلقوا حناجرهم بالاتهام للأدب السهل خادم القيمة والفكرة، بأنه أدب مباشر يفتقد الأدبية، وتناسوا أن مستهدف الكتابة هو القارئ، وان الأدب بمتعته ومنفعته، مقولة قديمة جديدة ما زالت صالحة، وأن ذائقة القارئ هي سيدة الموقف، وأرى أن القارئ يحب  أدب الطبلاوي لكل ما سبق وأكثر.

 

خالد جوده أحمد