عبد الله الفيفي(وللقائلين بتوقيفيَّة اللُّغة مآرب أخرى)

قال (ابن أبي الآفاق الترثي)، عفا الله عنه: تطرَّقنا في مساق سابق إلى ما أدلَى به أحد القمامصة المشلوحين من زعمٍ بأنَّ لغة "القرآن" هي لغة (محمَّدٍ)، لا "لغة ربُّنا!"، على حدِّ تعبيره! والخطأ في النحو- الذي زعمَه في "القرآن"- هو دليله على أن الكلام ليس بكلام "ربُّنا"، بل كلام عربيٍّ قرشيٍّ، لا يعرف لغته ولا لغة "ربُّنا"!

قلتُ: وبذا، فمن ذهبوا في تراثنا الإسلاميِّ إلى أنَّ اللغة توقيفيَّة، وأنها لغة (آدم)، بل لغة أهل الجنَّة، مصيبون، بحسب رأي القُمُّص الهُمام!

- هو لا يقصد ذلك، لكنها المغالطات. على أنَّ تلك من طوامِّ التراث، التي تفتح أبوابًا لا تُوصَد؛ بما تهرف به من الغيب تارةً، وتستند فيه تارةً إلى بعض مرجعيَّات القمامصة، الأموات منهم والأحياء! والواقع أنَّ "القرآن الكريم" نزل بلسانٍ عَرَبيٍّ مبين، وما "اللسان العربيُّ" هنا غير لغة العَرَب، من قبائل (قحطان) و(عدنان)، لا لغة السماء، ولا لغة غيرهم من خلق الله. وهي- من حيث هي- نتاجٌ اجتماعيٌّ بَشَري. ومَن قالوا بتوقيفيَّة اللُّغة يورِّطون أنفسهم، من حيث لا يشعرون، في مزالق شتَّى؛ لو فكَّروا فيها، أو لو علموها، بالأصح، لما قالوا بالتوقيفيَّة قط، ولا بأنَّ العَرَبيَّة لغة آدم، فضلًا عن القول: إنها لغة أهل الجنَّة، "وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّـهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، ولَا هُدًى، ولَا كِتَابٍ مُنِيرٍ."

- كيف؟

- أتعلم، مثلًا، لِمَ كان اسم (الشمس) مؤنَّثًا في العَرَبيَّة واسم (القمر) مذكَّرًا، على حين هما مذكَّران معًا في لغاتٍ أخرى؟

- لا أعلم.

- وهنا المشكِل. وهذا المثال البسيط يكشف لك طبيعة اللغة، وأنها وليدة تجربةٍ ثقافيَّة، وحصيلة ظروفٍ تاريخيَّة لجماعةٍ بشريَّة، ولا يصحُّ هنا الزعم أنها لغةٌ أزليَّة، ولا أبديَّة. بل هي لغة قومٍ بائسين، عاشوا في حقبةٍ تاريخيَّةٍ محدَّدة، فجاءت لغتهم ملوَّثةً بعقائدهم وأساطيرهم، سواء تكلَّمنا عن العَرَبيَّة أو عن غيرها من ألسنة البَشَر المتعدِّدة.

- ماذا عن الشمس والقمر؟

- كان العَرَب يعتقدون أنَّ الشمسَ امرأةٌ، والقمرَ رجُلٌ، وأنهما زوجان، وقد أنجبا بنتًا، سمَّياها: (الزُّهرة). وانطلقت آلهتهم المختلفة، من اللَّات، والعُزى، ومناة، وود، وشهر، والمقة، وغيرها، من هذا المعتقد الشمسي والقمري والزُّهري. إنَّ العَرَبيَّة، إذن، صنيعة تلك الثقافة الأُسطوريَّة الوثنيَّة، التي كانت لدَى العَرَب في جزيرتهم، منها جاءت المفردات، ومنها تشكَّلت علاقاتها، من حيث التذكير والتأنيث، إلى غير ذلك، ممَّا يمثِّل ملامح الشخصيَّة العَرَبيَّة الثقافيَّة. تلك الشخصيَّة ذات التجربة الإنسانيَّة الخاصة، التي مرَّت في ثنايا التاريخ كما مرَّ سِواها. وليست العَرَبيَّة الفصحى بِدْعًا من اللغات في العالم، فهي حفيدة مخاضٍ طويل، لم يَصِل إلى استوائه الذي نعرفه اليوم إلَّا بعد ميلاد المسيح بقرون طوال. فأنَّى يزعم جاهلٌ أن هذه اللغة- المليئة بغبار الجزيرة وشموسها، وأساطيرها ومعتقداتها- هي لغة آدم؟ بل كيف يزعم آخَر أنها سوف تكون لغة أهل الجنَّة، وهي كما ألمحنا ما انفكَّت ملوَّثة، كغيرها من اللغات، بتاريخ البشر على الأرض، وبعقائدهم الباطلة، وأساطيرهم الوثنيَّة، وخرافاتهم الشَّعبيَّة؟ بل إنَّ بعض مفردات اللغة التي نستعملها تنطوي على جذورٍ ميثولوجيةٍ قديمة، وإنْ لم تَعُد مدرَكةً في ذاكرة العَرَبيَّة الممتدَّة والمغرِقة في القِدَم السحيق؟ أم كيف يُجاوز بعضٌ إلى القول إن لغة العَرَب هي (لغة الله سبحانه وتعالى)، التي خاطب بها آدم وغير آدم! إنْ هؤلاء إلَّا يظنون، من حيث لا يفقهون من اللغة أكثر من أنها أصواتٌ وكلمات، لا يعلمون تاريخ ولادتها، ولا طريق نشأتها، ولا مدارج تطوُّرها، ولا علاقاتها البيئيَّة والتاريخيَّة، ولا صِلاتها بغيرها من اللغات، بما اقترضت منها وما أقرضتها، فإذا هم يتوهَّمون أنها خُلِقت هكذا ابتداءً، خَلْقًا من عدم!

- لكنها لغة "القرآن".

- أجل، ولا تعارض بين هذا وذاك. أم كيف كان سيخاطب العَرَبَ بغير لسانهم؟! "ومَا أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ؛ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ، فَيُضِلُّ اللَّـهُ مَن يَشَاءُ ويَهْدِي مَن يَشَاءُ، وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ." لاحظ هنا: بـ"لسان قومه". ولو توقَّف القائلون بالتوقيف عن أباطيلهم لدَى هذه الآية، لما تقحَّموا القول الطفوليَّ بغيره، من الزعم أنَّ ما أُرسل به (محمَّد، عليه الصلاة والسلام)، هو بلسان آدم، لدَى بدء الخليقة، ثمَّ سوف يكون لغة أهل الجنَّة، بعد القيامة! منتهين في دعواهم الغيبيَّة العجيبيَّة إلى أنَّ لُغة بعض قبائل الجزيرة العربيَّة- التي إنَّما تبلورت لغةً أدبيَّةً، متداولةً بين العَرَب في أسواقها ومحافلها، بين عامَي 500م و600م- هي لغة بني آدم، منذ خُلِق أبوهم إلى البعث والنشور، وما بعد البعث والنشور، ويا له من غُرور!

- حلوة سجعتك السُّطَيحيَّة! لكن ماذا عن قول القُمُّص حول اختلاف نحو "القرآن" عن نحو (قحطان) و(عدنان)؟

- هو أهون من هذا! والحق أنْ ليس باختلاف نحو "القرآن" عن نحو (قحطان) و(عدنان)، بل اختلافه عن (نحو النحاة). وارجع إلى مناقشاتنا في مساقاتنا السابقة. وما كان "القرآن" ليأتي بنحوٍ جديد، ولا بلغةٍ جديدة، ولا بتصحيح للسان العَرَب، مهما كان، ذكَّر أو أنَّث، رفعَ أو نصبَ أو جر. ولسنا في حاجة هنا أيضًا إلى مثل رأي المعتزلة في خلق "القرآن"، ولا إلى أن نعالج هذا بمثل ما يراه (محمَّد أركون)، أو (جاكلين شابّي Jaqcueline Chabbi)، حول الفارق بين "قرآن اللوح المحفوظ" وتجلِّيه "التاريخويِّ" المصحَفي(1)؛ بل الخَطب أيسر من ذلك كلِّه. لأنَّ ما يثيره (القمُّص)- الذي أشغلتَنا بترَّهاته!- لا يعدو مسائل أثيرت قديمًا جدًّا، وأجيب عنها قديمًا جدًّا، في طروحٍ عِلميَّة حِواريَّة، تَذكُر الإشكال وتجيب عنه. ومن الواضح أن صاحبك يعود إلى كتابٍ محدَّد، لعلَّه "مشكل تأويل القرآن"، لـ(ابن قتيبة، 276هـ= 889م)، على وجه الخصوص، الذي عرضَ مطاعن القمُّص- التي هي نفسها مطاعن أجداده من معاصري ابن قتيبة- وبالتفصيل، تحت عنوان "مطاعن..."، وأجاب عنها قبل أكثر من ألف سنةٍ ومئة. ومَن شاء فليرجع إلى ذلك الكتاب ليُلِمَّ بمرجع حلقات "قُدس أبونا"- كما ينعتونه- في ما يتعلَّق بالنصِّ القرآني. ذلك أن قُدسه- لا حرمنا الله فكاهاته!- إنَّما يَظهر على الناس ليستعرض لهم تقميشاتٍ بالية، وكأنها من عبقريَّات اكتشافاته المعاصرة التي لا تنفد. يفعل هذا بلا أمانةٍ عِلميَّة، غير أنَّ عوامَّ المتلقِّين لا يُدرِكون هذا الاجترار الحديث للسَّلف الطاعن، فيروج عليهم على أنه إشكالاتٌ عويصةٌ وجديدة، من بنات أفكار المعاصرين، وسعة عِلمهم باللغة، وتبحُّرهم في البلاغة، والدرس الدقيق، ممَّا هو مفحِمٌ، ولا جواب عنه.(2) أمَّا تأليه الإنسان، فمعلومٌ أنَّه قد عُرِف بدَوره "قديمًا جدًّا جدًّا"، لدَى الإغريق، ولدَى البوذيِّين، ولدَى البراهمة، ولدَى الفراعنة، ولدَى البابليِّين، والآشوريِّين، والأكديِّين، وغيرهم. وقد فلسفه الفيلسوف الألماني (لودفيغ فيورباخ Ludwig Feuerbach، -1872) في طرحه المتعلِّق بمفهوم "الدِّين الإنساني"، ويعني الدِّين الذي يُؤلِّه الإنسان، ذاهبًا إلى أنَّ (الإله الإنسان) ليس بسِوَى صورةٍ مثاليَّة، أسقطها بعض البدائيِّين على نماذج منهم؛ ليُريحوا مطامح الغيب البعيدة بمراتع المشاهدة القريبة؛ "فيجعلوا سمنهم في دقيقهم"، كما يقال، وكفَى الله المؤمنين الخيال الموغِل بعيدًا في ما وراء الطبيعة! (3)

 

بقلم: أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

....................................

(1) انظر مثلًا: أركون، محمّد، القرآن: من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الدِّيني.

(2) وهناك من ينسب تلك الظواهر إلى أخطاء في الكتابة، ناسبين إلى بعض الصحابة التنبيهَ إليها، وأنها لحنٌ كتابيٌّ ستقيمه العرب بألسنتها، أيَّام كان يُحفَظ "القرآن" في الصدور، ولا يُعتمد فيه على السطور، إلَّا على سبيل التذكير. (انظر: ابن الخطيب، محمَّد محمَّد عبد اللطيف، (د.ت)، الفرقان، (بيروت: دار الكتب العلمية)، 90- 91). وتلك، على كل حال، دعوَى تحتاج إلى تحقيق، ليس هذا بمقامه.

(3) يُنظَر في هذا مثلًا كتاب: (فيورباخ، (1991)، أصل الدِّين، دراسة وترجمة: أحمد عبد الحليم عطية، (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر). وإنْ جاءت ترجمةً حافلةً بالأخطاء العجيبة في اللغة العربيَّة، ما يثير التساؤل- في المقابل- عن مدَى دقَّتها في النقل عن اللغة الألمانيَّة؟!

 

 

اسامة غانمالحلم الشفاف يتداخل بالـواقع المرعب فـي المجموعة القصصية لــ أحمد محمد اميــن "طائر الليل" بشكل مذهـل ورائع، حيث لا يعطي للمتلقي اية فرصة أو مجال للتوقف من اجــل التفكير بفصلهما، او العثور علـى نقاط الالتحام بينهما، لأن التداخـل القصـــدي الغـــى جميــع الحدود فيما بينهما، وليصبـح قطعـة فنيـة متكاملة، يتسم بجمالية فائقـة، لا يســتطيع المتلقي اختراقها، لكنه يسـتطيع تأسيس جدليـة تأويلية عليها، وليشكل القاعدة السردية الاساسية لها، لأن السـرد يتألف من دلالات، والكلمات فيه ليست أشياء، بل دلالات أشياء، مـع دفـع المتلقي الـى العيـش فـي الداخل، ليندمج بالنـص، مما يجعـل مـن الحـلم والواقـع هما المـادة التي يبنى عليها الســرد ولا يمكن " أدراك خصوصية مـؤلف مـا، مـن خلال الملامح الأســلوبية النصـية، وانما مـن خلال تنظيم المادة الســردية "1، بمعنى اسـتيعاب المعنـى والقصـد المتواجدين فــي النص، واختراق الكلمات التي تربط المعنى بالشــفرات .

وتحدث في الســرد عمليتين متداخلتين فـي آن واحـد، هـي تفكيك النــص، وهــو فـــي طريـق التشـكيل والتـكامـل التام، رغم بقاء البنية التفكيكية محايدة فيه، مع الانتقال من سـيطرة البنية القديمة الى سـيطرة البنية الجديدة التي هـي " تحديداً ما يدعوه الفكـر الجدلـي الانتقال من الكم الى الكيف "2 .

ويعمل الوعي الطبقي - أي وعي المـؤلف الطبقي – علـى التقاء الـذات، وفهمـه لـــهذه الذات، وفهم العامـل المحـيط به فهماً شـاملاً، لا سـقاط الوعي المزيف، والابتعاد عـن ظــاهرة التـشـيؤ، وفضح الممارسات اللاعقـلانية فـي المجتمـع، التي تتســم بالوحـشـية والعنــف اثنـاء الصراع الحتمـي بين الاضـداد، والتركيـز علـى العلاقـــات المختلفــة داخــل كليـــة اقتصـاديــة موضـوعيـة التي هـي الوعي الطبقـي، والخروج مـن دائرة الخرافـة، وعدم رســم شــخصيات خـارقـة لأن " الانسـان الفردي المأخوذ كقياس لكـل الأشـياء يقود بالضرورة الـى تيـه الخرافـة هـذا " 3، وترسـيخ المفارقـة وتعميقها فـي بنيـة النص، لتعمل على تأسيس بنية جمالية، ومعه ينشــأ وعي مواز عنـد المتلقي بأن النص الذي يقرأه انما هـو ملك لفاعـل آخر، ولكنــه يشـــعر كأنه ملك له، هنـا يتحقق التواصـل عبر طريق الحرية، والمشــاركـة .

وتعتبر نصوص هذه المجموعة مغامرة رحلـة الـى حـافة الممكــن، مغــامـرة محـاولــة تجاوز النص ذاته، لخلق صلات حميمية مـع المجتمـع، وهذه المغامـرة ينتهي المطاف بها الى البحث عـن الانسـان الممكن، لخـلق توازن بين الحلم والواقع، اللذين يكونــا اســـاس الرؤيــة الطبقية في النص، وادانة صـامتة جذرية للوضع اللانسـاني، لأن هكــــذا نصــوص تمتلـك وظيفة نقدية حأدة .

ومعظم نصوص المجموعــة تشترك في وحدات معينة متسقة مع بعضها من خلال :

* وحدة المسـار الغرائبي .

* وحدة البيئة الاجتماعية للشـخصية .

* وحدة بنية الوعي الطبقي وتجذره .

* وحدة الحس الانساني تجاه العالم .

* وحدة النهايات المفتوحة .

أن وحدات هذة المجموعـة " طائر الليل " تجعل النصوص متمـاثلـة ومتقاطعـة ومتداخلـة، تنبثق مـن سيناريو الحلم وسيناريو الواقع .

وأن شـخصية الراوي هـي المهيمنة والمسـيطرة، بمواقفها وسلوكها وتفكيرها وافعالـها ورؤيتها للعـالـم، ويقـص الراوي عـن نفسـه بضمـير المتكلم فـي ســـتة عشـــر نـص، وبضمـير الغائب فـي نصين " خارج الدائرة – المعطف " .

وفـي نصـين يبرز فيهما التأثير الفوكنري (نسـبة الى وليم فوكنر) بـصـورة واضحـة " رجـل من اقصى المدينـة " و" مملكة السـراب " .

يبلغ احمد محمد اميـن فـي قصة " الموت الجميل " الذروة في تحقيـق وظيفـة الوعــي الفريدة الا وهـي الوحدة بين النظريـة والممارسـة، بين الحلم والواقع، ويكـون الموت والحياة، الفناء والخلود، ويبقى الـوهم والحقيقة هـو المعادل الموضوعي لها ويكون " الموت فـي نظـر القتلة هو النهاية ..وفي نظـر صاحـب القضية هو البدء – ص 102 "، في البدء كانت الكلمة، كـان الانسان . أن البدء هـو الحياة بالنسـبة للأنسـان المؤمن بقضية، وما بين الكلمة والانسان، الفعل الذي يرتعـب منـه القتلـة، ويعتقدون بان موت الأنسـان هو موت القضية، هكــذا ينســـج لــهم وعيهم الكاذب، فان الحقيقة مـع ذرات الشمـس الذهبية خالدة، والصور التي تتشـكل منها هــذه القصة تعبيرية، فهي تنتقل من المألوف الى اللأ مألوف، ولتجمع فـي آن بين النور والظلام .

يختلـف بطـل احمد محمد اميـن فـي (الموت الجميل) عــن بطــل كـافـكـــا فــي روايــة " القضيـة "، فــ جوزيف ك لا يعرف لماذا يعتقل ويحاكم ويعدم ؟! يفيق مـن نومـه ليواجــه اتــهامـاً لايعرفه مـن محكمـة مجهولـة تطالبه بالمثول بين يديـها والدفاع عـن نفسـه – امــــا بطـل امـــين فيعرف لماذا يعتقل ويحـاكـم ويعـدم ! ويســاق الى سـاحة الاعدام بمحض ارادته – لأنه اختار أن يكــون – ولـم " احفل بالموت ابداً، فعنـدمـا ما قررت تحمل المسـؤولية اعتبرته قدراً لابـد منـه، يأتي ايما لحظـة – ص 99 "، فهو يعرف ويرفض، وقضيته ادانــة قــوى الظــلام وهــد " بنيان الظلم- ص 103 " و "قلاع القتلـة – ص 103 "، وما موتـه الا " محـاولـة لا ضفـاء معنى للحياة " 4، معنـى يرتبط جـذرياً بالحريـة، وتحمـل مسـؤولية ذاتـه ومــسؤولية الأخريــن، انـه الاختيــار الانساني الصعب فـي الزمـن الصعب .

امــا جوزيف ك، فيسـاق قـسراً الى الاعدام، ولا يعرف ولا يرفض ولا يضيف شيئاً لأن الحياة والعالم عنـده " سـاحة انقاض لامعنى لها " 5، وعدم الثقة والريبة و " اليأس القاسـي من الانـسان " 6، فالعالم التاريخي عنده يبصـر مـن نقطة خارج التاريخ، لأن لديه شعور بانه ملقـى في العالم تحت سـيطرة قوة غيبية وتحت سـلطتها، انها قوة شـمولية مجهولة.

لكـن الاثنين يلتقيان فـي نقد " الحياة البرجوازية اولاً مـن حيث كونـها مطبوعـة بالتجريـد والانقسـام والتمزق " 7، مـع فضـح اسـتلاب الانسـان، وتصعيد التحدي والادانة - بطـل كـافكــا يتخذ الموقف السبي في المواجهة - .

والقصة شـفافة عميقة تمتلك مقـومـات البنية الجماليـة، الممتدة علـى سـاحة النص كلــه، وتتدفق جمالاً عندمـا يسـوقوه للموت، وهـو ينوء تحت ثقل اغلاله، وهـذا المشـهد سـيتكرر كل لحظة فـي العالم، وخاصـة في الدول النامية، مـادام يوجد ثمة قـوى ظلامية مســتبدة ومســيطرة باليأتهـا و " ومادام العالم المقلوب لايزال هو العالم الفعلي " 8، وتزدحم بالصور الشــعرية فــي الســرد، وتصل ذروتهـا قبل الاعـدام وبعده، وهـو متوحـد بالطبيعة، وجزء منها ومــن العــالم عـن طريق خمـسة ثقوب فـي جـسده، وساقتطف المقطع الذي يصور هذا، لكـي ابين مـدى عمق ايمانه " بانه " يجب أن نمتلك هـدف نموت من اجله اذا كان ذلك ضرورياً، واننا علـى اســتعداد دائم لســرقة النار الازلية مثل بروميثيوس ....لمنحها.. :

(كنت لحظئذ انظـر الـى الـشمـس التي ولدت تواً .. ودوي فـي الفضاء انفجار .. اخترم صفــاء الصباح . هـز اركـانه . انطلقت خمـس رصـاصـات من خمـس بنادق، فتحت في صدري خمــس زهرات حمرا، خمـسة ثقوب ارجوانية .. وأحسست بعدة وخزات تخترق صدري ... انـدفعــت بقوة الـى الوراء وســقطت ... لم أشـــعر بالآلم .. ربما جـــرح بســـيط أكــثر إيلامـاً مــن هـــذه الرصـاصـات القاتلة ... كنت لم أزل أرى كـل شـيء بوضوح .. وجوه القتلة، نظراتهم، فوهـات البنادق التي انهمرت منهـا الرصـاصـات . الأصـابع التي ضـغطــت علــى الزنــاد ... والســــماء الزرقـاء، قرص الشمـس الذي أصـبح اكثر سـطوعاَ .. الشـجرة الباســقة ..السور البعيد الوقـور. البوابة العالية .. والجبال النائية المرمية علـى حافـة الأفـق .. عندما هويــت اختلطــت الازهــار الخمــس ببعضهـا ..صـارت زهــرة واحـدة كبـيرة غطـت صـدري كلـه- ص 101/ 102) .

هـذا المقتطف يلزمني أن اتاملـه مجتمعة فـي مجالـه التعبيري، وتواتر التناغم الطاغي بين الانــا – المتحولة – والطبيعة، بين الذات والعالــم قبل الموت وبعـده، والقصـة وأن كانـت تعبـر عـــن رؤية خاصة تجاه العالــم، فأنهـا تصـوغ حدود هذه الرؤية والقيم الانسـانية التي ينبغي التضحيـة بها لأجل الدفاع عنها، للوصول من خلالها الى الحريـة، الى الحقيقة .

فـي قصـة مملكة السـراب يأخذ التجسيد الغريماسي مـــداه الــى الحــد الاســـطوري :

(فاسـترعى انتباهي مرأى بيكاسـو .. فتح عينيه، امطراني بوابل مـن نظراته الوادعة .. لم يكن مجرد صورة – ص 62)، مـع اضفاء لمـسات سـحرية (الا انني رأيت ثقباً فـي الســقف يسـقط فوق المكتبة خيـط مــن الضـوء يبدو كــسيف رفيع .. وترامـى الـــى صــوت ... صــوت اختـــها الافعواني حادا شـرسـا متعالياً:

-لقد خرجنا مـن الثقب ...حاول أن تتبعنا . ألم تكن تكن تتحداني باستمرار – ص 64) . كـل ذلـك لتشكيل صـور غرائبية هي في الحقيقة مـن صميـم الحيـاة الاجتماعيـة – السياسـية – التاريخية: (انت قــروي جيئتنا مـن عالـم بعيد أســــن – ص 68)، نظـرة طبقية كثيفـــة لا تحتــاج الـى التفســير والتحليـل، أنه مجتمـع طبقي، والاختلاف والتباين بين الطبقتين ظاهــر.

يقول جورج لوكاش " فان الصـراع الاجتماعـي ينعكـس فـي صراع ايديولوجي بالنسـبة للوعي لكــشف القناع أو لأخفاء طـابع المجتمـع الطبقي " 9، وامكانية هذا الصـراع تــبرز مــن خلال تناقضاته المحتدمة، مع عدم ظهور الصراع ظاهرياً احياناً .

انها قصة شـاب يطـارد حبيبته فـي ذهنـه عبر الحلم . وخارج حــدود الواقـع، ولكن الاخت تغلـق عليـه كـل المنافذ والمسـارب التي تـؤدي اليها، وتمنعه من الانتماء الى عالم غير عالمه، فأنهما فـي " عالمين متناقضين لا يلتقيان ابداً – ص 69 "، وتحرق سـفنه، وتسـرق بوصلته، ويتيـه بيــن امواج الوهم الواقع .

لا تموت مرسيدس فــي رواية " مائة عام من العزلة "، بل تطير الى السماء من بين الملاءات البيضــاء، اما فـي مملكة الســراب، فتقفز الاختان من اعالي البرج الـى الاسـفل بعباءتهما السوداوين، وتخلف الحبيبة الهاربة زهرة قرنفل حمراء مع الشيخ ليعطيها له للذكرى، فالتقاطع الاجتماعي عميق وتناقضاته مختفية، ولكنـه يشـكل صورة حقيقية وراء الصورة السـحرية .

لو درسـنا بناء قصة عالم مملكة السراب، فسنجد انفسنا ازاء عالم قصصي حديث، لن نجـد حدثاً قصصياً متطوراً، وانما نجد مجموعة كبيرة من المراحل المتوازية المتقابلــة، دون أن نبين النهايـة، اذ اننا لانعرف في النهايـة الـى اين ينتهي المطاف بالشـاب القروي، فكـل شــيء خاضع للاحتمال والتأويل ومسـتمد من الذاكرة المتداخلة مع حلم اليقظة .

وتشكل قصة " خارج الدائرة "، انعطافة كبيرة في المجموعة، في توظيف الحلم والخرافة، فـي مسـار السـرد القصصي لا سـتخلاص بنية دلالية، عاكسـة الصراع الاقتصادي- الاجتماعي – النفسـي فيها لكشـف القناع .

وعـند قراءتنا للاسـتهلال، قراءة تأويلية، تمنحنا دلالة مبطنة عــن عـالم محمــد الحمــال - الشـخصية الوحيدة والمحورية والمرـز الدلالي في القصة – " ليل اشبه بالكابوس، ظلمات فوق ظلمات . وسـماء تتكدس بالغيم .. وبرد يقطع العظام – ص 42 " . فوق الظلام المكثف، تضيف الســماء ظلامـاً مضافـاً، لأن الغيم يتكـدس فيها، فعالـم محمـد الحمـال ندخلـه مـــن خــلال هــذه الظلمات المتعددة لتكشف لنا بأنه " كان وحده في هذا الكون الفسيح – ص 44 "، وانه موشوم بالظــلام والوحــدة والفقـر، ثالوثه الذي يحمله كل يوم علـى جسـده المتعب، ليمارس طقوســه فـي عالمـه المتوحد معه، وزمنــه الذي صار " هامشاً سـخيفاً بلا معنــى – ص 47 "، من هذه الاشــياء يتكون عالـم محمـد الحمـال، بمعنى دائرته وخارجها بالنسـبة لــه تابـو، لا يســـتطيع الوصول اليه الا عـن طريق الحلـــــــــــــــم .

ولقد اعتاد محمـد الحـمال أن ينام قليلاً قبـل " القيام بتنظيف الارضيـة والاحواض وازالة الاوساخ والممرات الصغيرة – ص 43 "، وما بين النوم / الغفوة، والتنظيف، لحظات انزيـاح عن الواقع، واقعه الحقيقي، لحظــات تأسـيس نـص مـواز للنص الاصلي متداخـل معه فـي فضـاء واحــد، كفضاءات ألـف ليلـة وليلـة وعلى ضوء ذلك تكون الدائرة هـي النص الاصلي وخارجها النـص الموازي ومركزهما محمـد الحمـال .

ونعثر على دلالة رمـزية عميقة فـي النص، ترسخ الرؤية الطبقية لدي الراوي، ولدي البطـل، عند عثوره عند التنظيف على قشور الفواكة : " أن ارضية الحمام والممرات المائية كانت مليئة بالوغف وقشور البرتقال والموز – ص48 "، وياتي مشهد تبذير الماء من (قبلهم)، ويرمز المـاء الى الحياة، وقد ورد في الاساطير البابلية قصة التكوين، وكيفية ولادة الالهــة من امتزاج المياة (10)، وهذة اشـارة واضحـة الـى عـدم اهتمامهم بحيـاة الاخرين " يبذرونه كيفما يشاؤون – ص 46 "، وحتى وهو في خارج الدائرة (= التابو) لا يحق له أن يشاركهم في أي فعل، فقط الرؤية، رؤية الغرباء " انه ليس منا، ليس من عشيرتنا – 47 "، فالمقصود هنــا بالعشيرة، الطبقة .

وفـي الليلة الثانية، تخرج كائنات محمد الحمال الليلية، هـذه المرة نسـاء فقـط ويحـترق بنار الرؤية، وتقعي فحولته جانب الباب بالقرب منهن، وهي لا تثير انتبأهن والملفت للنظـر أن محمد الحمال لا يمتلك وعياً طبقياً، كما الذي يمتلكه الراوي، فلقد مسـخته الحياة الروتينية الى بومـة ليلية لا ترى الا الصـور الحلمية في الظلام رغم انه ينتمي الـى عالمه انتماءاً تامـا، وانه عامل اصيل. يكون السـرد فـي قصة " طائر الليل "، متواطيء مع الذاكرة الموغلة فـي عمــق الطفولـة ليتخذ طابع الحوارية الصامتة مع الطائر، ولبناء علاقة حميمية امتدت زهـاء اربعيــن عامــا معه، والقص كله عـن طائر " من انواع الغربان يسمونه : ططوة – ص 16 "، وتسـتـل القصـة تفاصيلها من جعبة الذاكرة المغمسة بالحلم .

لم تتغير صورته ابدا، وبقى نشيده لاجمل من احزان وتداعيات مالك بن الريب، معـه يخترق الازمنـة، يخترق جوهر الاشياء، معـه يــهاجر نحــو الاحــلام القصية، الاحــلام المســتحيلة، ومـعه يسـتوطن مدن بعيدة لم يسـمع عنها الا فـي الكتب، ثم يعود مـن المغــامرة – الحلـــم ليحط في واقعه ـ ليعيش مع هموم ومشاكل ناسه .

وعندما يقول " بدون الحـرية لا يبقى منه شيء – ص 15 "، هـذه اشــارة جلية انه عندمـا تســلب الحرية من الانسان يتحول الى اشلاء مقهورة، مقموعة، مستلبة، وتكون جميلة حين " تتمتع بالحرية – ص 15 "، وتملأ الوجود بوجودها، فـــ طـائر الليل رمـز تعبيري عن حريــة الانسان وعدم رميه " داخل قفص، سجيناً حتى الموت – ص 14 "، وهذه المقتطفات تبين مدى تعلق الرمـز بالحرية او قل هو الحرية .

وعند اعادة بناء صورة تمني الشخصية الرئيســة فـي القصـة، أن يشـــتركا هـو والطائر/ الحرية بفعل الحلـم " نحلـم حلما واحـداً- ص 7 "، يتحقق المعنـى فـي التكــامل لانبثـاق الصورة الحقيقية في النص الا وهي : انسان – حـرية – حلـم .

وعند قيامنا بترتيب هذه المفردات تتعمق الصورة اكـثر ونعثر على دلالة النـص الرمـزية : حلـــم الانسـان الحـريـة.

والمرأة عند القاص كائــن رائع، لا يصورها بأي سـوء، رومانـسية الى حـد الصـوفيـة انثى بالمعنـى الكـامـل، فهي : الشفافة، الرقيقة، الحبيبة الناعمة، النقية، فليســت فيــها صفـة ذميمة " خائنة – مومــس – شــريرة – شــبقة " واحيانا تجمع الصفتين انثــى ورمــز فــي آن لمنحها دلالة انسانية عميقة، انها المرأة – الحلم " امرأة تخطر في الحلم ولا تخرج من دائرته – ص 75 " .

والمرأة تعطـي قذارة العالـم وطبيعته، جمالية اسطورية : " من نهر تزدحم جوانبه بالبردي والعوسـج .. او مـن مسـتنقع ذي مياه ثقيـلة محـاطة بالاحراش خرجت عاريــة تمامــا .. امرأة ناضجة ذات بشرة نحاسية .. وشـعر فاحم – 74 "، العـري هنا متكون مـن موج النهـر، وضوء القمر، واريج الزنابق، وعلى انها غير مدنــسة، بلا خطيئة، لولاها لغرق العالــم بـــالقذارة، لكنها هي النقاء المولد منها، هي تعطي للأشياء وميضــها، هي تمنح العالــم نكهة خاصة، انها زنبقـة لا تمــوت .

وتثير فيه المشاعر المتوهجة المتدفقة لحافات الجنون " وقد اشعل هــذا الحيـوان فيـه حرائق الدنيــا – ص 20 "، وهـي تدخل في الية القهر الاجتماعي : " مطلقـة منـذ ثلاث ســنوات ... لم استطيع أن اجب له اولادا – ص 19 " .

وانها مخلوقة من " الارج وزبد البحر – ص 183 "، ويصل الحد بابطاله مواجهة الموت لملاقاة الحبيبة، من اجل رؤيتها فقط، علاقة حب عذري او رومانسية – جنسية " اقـسم بــالله اني لم امسها بسوء، ولا لوثت شـرف علاقتنا الطاهرة – ص 183 "، صورة من صور فرسان القرون الوسـطى .

وفي نافذة بعيدة تختزل نساء احمـد محمـد اميـن في وجه وجسد واحد، لامــرأة واحــدة في ناهدة : " امرأة ممتلئة ذات جســد بلون النحاس، ووجه مدور يحمـل عينين تومضــان بـالألق والسحر – ص 199 " .. تاتين في الغبش .. في رائحة السماء . مضمخة بلون النحاس .. بهيئة مثل عرائس البحر .. تعودين في الحلم او الحقيقة .. ايتها المقدسة .. المجبـولــة مـن عطــر طفولتي الفقيرة – ص 207 " .

وأن عالـم المرأة بما يحويه من دلالات لدي القاص، يشارك فـــي تكويـن النــص، وتفجير فضاءاته فــي اللامحدود واختراق البنية النصية الشــاملة لاسـتخراج معــاني مشــفرة ذات دلالة متضمنة للحالات الاجتماعية- الاقتصادية – السياسية – التاريخية، التـي يشـكل " اختلاطها وتداخلها الواقع التجريبي " 11 .

هنالك محورين اســاسيين في المجموعة يلخصان اســتراتيجية النصوص بدقة وتلقي الضوء على المنحى الفكري العام لها :

1 – حلمية الحلم .

2 – اغلبية ابطاله مثقفون .

المجموعة بشــكل عام تتسـم برؤى حلمية ضاجة، وبالرغم من وظيفة الحلـم فــــي تكوين بنية الصورة الحلمية الممتزجة في بنية الصورة الواقعية، فأن له وظيفة مستقلة ثانية أهم وأخطــر هـي تحقيق حلـم الحلـم " احلام داخل احلام – ص 29 "، وهي منتشرة في المجموعة ومبعثرة ولا تشـكل بنية متكاملة الا بعد تحليل النـص القرائي بتعمق ودقة لكي نكتشــف هـذه الوظيفة المستترة، أي أن نقوم باختراق الحلـم – الواقـع للوصول الى حلــم الحلــم الذي يكون في دور التشــكيل في ذات اللحظـة، وســأورد بعض الامثلة حتى نتبين عمقـها واتســاعها والتي يسميها القاص الاختراق عندما يقول : " استطيع اختراق الاشياء الى ما وراءها – ص 167 "، ليـأخذ طابع الاسطـورة ووظيفتها، وعندمـا يتمنى أن يحلم مع الطائر " حلما واحـداً- ص 7 "، رغم اســتحالة ذلك " واتبع طائري نحو الاحلام القصية والمستحيلة – ص 9 "، وفي بعض الاحيان يكون البديل عن الوهم : " كل الذي عشناه كان حلما .. اضغاثا من الوهم – ص 27 "، ولكنـه باقي مـع الانسـان ولا يفنى : " الاحلام لا تموت، انها تعود دائما تخطفنا من الواقع .. من الحقيقة، تأخذنا الى مرابعها السـرية وتضيئنا بآلاتها السـحرية – ص 63 "، وانه عالــم مـن الاسـرار والسـحر، وفـي قصة المشاكس تختلط الامور، تضيع، تتيه ما بين الحلم الواقع وبيـن حلـم الحلـم : " ظننت أن ما يجري داخل الشقة ليس سوى حلم – 89 " مع وجود اشارة واضحة صريحة انه يتشكل عبر الحلم – الواقع فـي قصة (رجل من اقصى المدينة) : " لقد حلمت ليلـة امس حلما غريبا .. بوســعك أن تحوله الى قصة .. كم اتمنى لو اخلده .. فــالاحـلام جميلـة .. اشبه بفقاعات الصابون – ص 33 "، فالفقاعة تتكون من الماء والصابون، هكــذا يتكون حلـم الحلـم من حلم وواقع، ليتلاشى في اللحظـة التي يتكون فيها، تشبيه فيه دلالة، فأن الفقاعة تتلاشى فعلياً، اما حلم الحلم فينجرف الى تخوم الاسـطورة .

امـا المحور الثاني، فيكون اغـلب ابطال قصصـه من فئة المثقـف / الموظـف كما فــي (طائر الليل – رجـل مـن اقصى المدينة – المعطف – مملكة الـسراب – المشاكس – بيــان للطــهر - السـوق) او المثقـف الثوري (الموت الجميل) او مثقف متجسد فــي صـورة دب، ليبين عدم اسـتطاعة المثقف التفاهم مع الاخرين، مـع ادانه المجتمع والمؤسسات، قصة (المشاكس) او مثقف يعود مـن الهنـد بشهادة الفلسـفة (الانتظار) ليتحد بالمطلق، تاركا العالم والحيــاة وراءه انهم من صميم الواقع، فمنهم من : يثور، يتمرد، يغيب في المطلق، يستسلم، ينهار، يبحـث عن الآمل، لكنهــم يشـتركون في انهم يتوسـدون الحلم .

أن احمد محمد اميـن من القصاصين العراقيين القلائل الذين يتميزون بفرادة خاصة، ولديه الجرأة والشجاعة ان يتبنى اليوتوبيا الحقيقية، من خلال قصص منـسوجة من الحلـم، يرتديــها الجـسد- الواقع، وهو من الذين تركوا – او حققوا – اثرا كبيرا بقصص قليلة .

 

أسامة غانم - ناقد

..............................

الهوامـش والاحالات:

1 – توماس ج بافل – القواعد السردية – ت . د ناصـر حلاوي، ص59 مجلة الثقافـة الاجنبية العدد 2 / 1992 .

2 – لوسيان غولدمان – المنهجية في علم الاجتماع الادبي – ت . مصطفى المـسناوي، ص 31 دار الحداثة بيروت 1981 .

3 – جورج لوكاش – التاريخ والوعي الطبقي – ت . د. حنا الشاعر، ص 169، دار الاندلــس ط2، بيروت 1982 .

4 – لوسيان غولدمان – المصدر السابق ص 36 .

5 - فيلهيلهم امريش – الفن القصصي في القرن العشرين – ت . ناجي نجيب، ص 38 مجلـة فكروفن العدد 23 / 1974 .

6 – المصدر السابق ص 43 .

7 – هنري لوفيفر – مـاالحداثة – ت . كاظم جهاد – ص 117، دار ابن رشد، بيروت 1983 . 8 – المصدر السابق ص 111 .

مقتطف من رسالة كان قد بعثها ماركس الى روج في مايس 1883 .

9 – جورج لوكاش – التاريخ والوعي الطبقي – ص 259 .

10 – د. فاضل عبد الواحد علي – عشتار وماساة تموز – ص 133، دار الشؤون الثقافية بغداد 1986 .

11 – لوسيان غولدمان – المصدر السابق ص 31 .

* احمد محمد اميـن – طائر الليل (قصص) – دار الشؤون الثقافية، بغداد، 1996 .

* نشرت في مجلة عمان الثقافية – العدد 77 / تشرين الثاني / 2001 .

 

جمعة عبد اللهرسمت الاديبة بكل براعة لوحتها الاديبة في (السرد والشعر) ألوان اللوحة العراقية بسماتها الخاصة في التناول الوجع العراقي المسكون في الروح، اصبحت سيدة القهر وسيدة حكايا الحب. تكشف ببراعة في منتهى البساطة والعمق والدلالة، الحزن العراقي الذي يولد مع ولادة العراقي ويشرب حليبه، ويمشي معه ويتوغل في عروقه ودمه، حتى اصبح الحزن حالة أزلية ترافق المولود من المهد الى اللحد. تعجن لغتها الشفافة (سرداً او شعراً) بكل براءة ونقاء وصدق في المشاعر والاحساس الشفاف. وحتى اصبح الحزن من نبضات حياة العراقي، والمجموعة الشعرية بقصائدها 22 قصيدة، تركز على هذا المنطق البديهي، في القاموس العراقي الذي يحمل هوية عراقية خالصة، في افرازات الحزن، اينما رحل وتغرب يحمل في ضلوعه قارورة الحزن، في تراجيدية الزمان والمكان. والاديبة (ذكرى لعيبي) تميزت بهذه الاسلوبية، تصوغها بكل مكاشفة صريحة وبشفافة تثير العواطف والمشاعر، بما تحمل في بخوالجها وهمومها ومعاناتها في سلم درجات الحب الصعب، الذي اصبح صعب التسلق، وكذلك تزغرد لفرح الحب والعشق حين يبزغ قمره، بان يكون نقياً وحياً ينبض بالحياة والامل في زهرة الياسمين. ان المجموعة الشعرية تمثل قصائد الحزن العراقي وكذلك تمثل روح الصبورة، في الحب بالمواصلة والثبات بعدم فقدان الامل، انها تجسد حالة السايكولوجية في تعاطي مفردات الحياة العراقية الشعبية. تظل ترنو بكل جوانحها تهفو وتغفو للحب الياسمين، الحب الذي يستيقظ على الحلم والامل تورق ازهاره، لا تلتفت الى طعنات الغدر واللؤم، بل تهفو الى حب نقي يشرب ماء النقاوة والصفاء، يزرع بعطر الرياحين، لا يزرع الأشواك، تريده حب دائم النبض والبقاء والنقاء، لا حب غائب عن الحياة، لا حب مرمي على قارعة الانتظار. أن يكون قلبه روضة شاسعة بالخضرة والازهار والثمار، لا حب فيه جفاف وفراق وحزن، حب روحه معجونة بالتسامح والاعتذار. لا ان يكون الحب معاناة ومكابدة حياتية في القهر، ويجهض الاحلام والامنيات.، بهذا السفر في دروب الحب تسلط عليه المجموعة الشعرية (يمامة تتهجى النهار) هي سفرة سياحية في بطون التاريخ والاسطورة والحضارات القديمة، الحضارات العراقية والاغريقية، وكما تستشهد من الاسطورة الاغريقية (بينلوب) في انتظارها الطويل الى حبيبها (أوديسيوس) وكذلك توظف من الموروثات الشعبية، لكي تصوغ قلائدها الشعرية. انها تحيك خيوط الحب على ارض سومر وعشب الجنوب، ونرجس اهل الشمال، نجد ان الحب هو أملها في الحياة، لهذا تسعى بكل جوانحها ان تمسك خيوط هذا الحب، قبل أن يتيه في الضياع. وعربون هذا الحب هو الوفاء والمحبة.  لانها كالزهرة الياسمين في الحب وهو قدرها الابدي. حب بلا اقنعة وزيف ودراويش منافقين. تريد ان يكون للحب نسائم دائمة طرية تنعش الروح، لا فقاعات تتبخر في الريح وتذهب الى السراب. حب بلا غمامة ونكد. أنها يمامة تتجول في نهارات الحب وتتهجى أبجديته، تتجول في ربوع سومر من الجنوب الى الشمال. انها عشتار الحب السومرية تنتظر تموزها الغائب. هذا الطموح في الحب الصافي والنقي. والمجموعة الشعرية هي رحلة سياحية ممتعة بكل تشويق ومتعة، لنطوف في بعض محطات هذه السياحة في ياسمين الحب.

× الحب النقي يكون مسكوناً بالغد وما يحمل في جعبته، لذلك تتضور بالظمأ بالشوق ان يزف اليها الغد بما يصبو اليه القلب، لكي تقدم القرابين والنذور الى المعابد وأوصياء الله الصالحين، ان يبزغ النور من كرب النخيل ويطفئ الحزن والاسى، وان تغتسل روحها في الارتواء في الحب، ان يرفرف على الابواب. وتبهج عشتار بقدومه لتدخل في عرس سومري.

نحلق غب المغيب

ونفتح بوابة العشق

 لعشتار

ترعى سنين

وتموز ينهض من نومه

والصبايا ببابل يرقصن في عرسه

وندخل بوابة الغد

من حول أسوار سومر

ندعو النوارس

ونرجس أهل الشمال

 وبرحيَّ أهل الجنوب

وفي عنق الحب

طوقاً نعلق

من الياسمين

× لا ضياء للحرف إلا اذا ركب المركب الحب في صباحاته مشرقة بالشمس. في هالة ضياءه الشفاف في نور الحب، ليؤكد بأنه اقوى من الظلام، لا ابهى لوحة إلا لوحة الحب، ان يكون الحب ان يغسل الجراح، لتضيء القناديل نهارات الحكايات التي خرجت سليمة رغم عمق الجراح والالم. لا يمكن لليمامة ان تحلق للفرح إلا بغمرة نور الحب، والنواعير تداعب الفراتين. فباب العشق ينثر في عتبته الرياحين والازهار، ما اعذب هذا الهوى في الصفاء والنقاء، وما اطيب ثماره. وما اروع تغريدة البلابل له، وكل أملها ان ينتهي الغياب.

لا الضياء الاخير من الحرف مرَ على عجل

لا الصباح امتطى مركب الشمس

لا الاقنعة

أستوقفت أفق اللوحة النابض...

لا الجرح من دهشة الجرح كان التبس

مثلما صار هذا الفناء الفسيح

يطل على

عتبات اضاءت قناديلها

ورتاج أزاح قواقعه الواهنات

------------

ها أنا صرت استذكر العمر

نهارات سعد

حكايا رضا أو غياب !

ورياحين...

في لحظة الالق الصافية

جنان

وماء زلال عذب

ثمرها طيب

زيتونها

تين أناملها خمرة

ان سقتها البلابل لحظة شوق

بماء الرضاب

تدعى الغياب

× تريد حباً ينبض بالحياة، يضيء بماء الامنيات، مغسولاً بطعم الوفاء والصفاء، تريد حباً يعيش في الضياء ينعش الحياة بالوان العشق. تريد حباً حياً ينبض بالحياة،، حباً الياسمين مغسولاً بعرق الروح. تريد حبا يثمل بسكرة العشق حتى يلامس نبض الحياة. تريد حباً شاسعاً بلا سقف، حبا بين قلبين منه واليه واليها.

أريد حباً،،

يفقهه معنى الصمت

وامير الصوت الذاهب

في لجة ما قبل القول

القادم من غابات

نخيل النفس

المغسول بعرق

الروح..

-

أريد حباً،،

كتلاوة خوف القديس

اذ حط فوق

جدار الصفح

مرتجفًاً،

أريد حباً،،

متفرعاً كالزيزفون

في أنين الوقت

يتسلق أوردتي

نبض تختزله

سنوات ألالف

تيه

-

أريد حباً،،

لا يلمسه سقف

اللحظة

ولا سنابل فضول

الليل

-

أريد حباً لخطواتي،

 حباً

يأخذني مني إلي

ومنه إلي

ومني إليه

 × هذا الحزن الدفين في وشائج الحب، لكنها لا تستسلم بل ستظل تقاوم في المحافظة على رابطة الحب، وتستلهم من الاسطورة الاغريقية بالرمز الدال في عرى قوى الحب الذي جعل (بينلوب) تخيط سجادة الانتظار بخيوط الامل لحبيبها الغائب (أوديسيوس) رغم السنين، كانت كالغمامة.

كأنني،،

لم أنتظر سنين

أحيك في سجادة الامل،

لم أقطع الخيوط

ولست (بينلوب) ولا اليمامة

كنت كما الغمامة

ومثلما الاماني

أراك لا تراني

 صرت كما العلامة

× حكايات الحب زاخرة بالانتهاك ومعاناة الاغلال، فكانت سيدة القهر تقام بمعصميها الدامية من شدة الاغلال، لكن رغم هذا الشقاء تظل اميرة سومرية فوق النجم بحكايات ألفي عام.

لكن،،

مَدت بحكايا فرقدها ألفي ليله

وألفي عام

مذ بزغت كأميرة سومر فوق النجم

حتى أدمت معصمها الاغلال

صارت سيدة القهر

وسيدة الحكي

وعرابة هذي الاجيال

كشفت عورة جلاد الليل

وأنَّ (بنيه)

ليسوا من صلب هواه !

***

 جمعة عبدالله

 

استبرق العزاوييتأرجح بين المقاوم والوطني ويحلّق في فضاءت الغزل

صدر عن دار الامير للثقافة والعلوم ببيروت ديوان جديد للشاعر اللبناني ياسر سعد  المغترب في الولايات المتحدة – ميشيغن، ويحمل العنوان (خوابي الحنين) وتنوعت قصائد الديوان بين القصيدة العمودية وقصيدة الشعر الحر وعبّر الشاعر من خلال هذين النمطين الشعريين عن حالات وجدانية مختلفة، ولكنه فضل تبني كتابة القصيدة العمودية  في معظم قصائد الديوان التي تمظهرت على شكل منبر لخطاب حماسي ووطني يتغنى ببطولات المقاومة تارة وبحبه للوطن تارة أخرى  وبهذا قد تكون القصيدة العمودية بالنسبة  للشاعر ياسر سعد هو الوعاء المناسب لتلك الموضوعات المتعلقة بالقضايا الوطنية فالمعروف أن القصيدة العمودية التي تمتاز بتوفر عناصر كتوزين الشعر وإلتزامها بالقافية الموحدة والبحر الذي يمنح الابيات الشعرية اللحن والأثر الموسيقي أو ما يسمى القصائد المغناة وبالفعل إكتسبت الكثير من قصائد الشاعر الطابع الغنائي وهو يخاطب الوطن والام والاب والحبيبة . كما في قصيدة عصارة الروح ص 53.

ولَكم تثور ُ بمهجتي أحزانها       ما شع َ في أحشائها لُبنانها

والشمس من قلل الجبال كأنها       نارٌ تأججُ والغيوم دخانها

والأرض ُ ترفلُ بالطيوب تألقا      وتتيه ُ تيها ً ناطقا ألوانها.

ويبدو أن الشاعر سعد فضل كتابة معظم قصائد هذا الديوان وفق نمط القصيدة العمودية لإعتزازه بهذا اللون الشعري الاصيل الذي يعد أقدم الالوان الشعرية في تاريخ الشعر العربي والذي بدأ الكثير من الشعراء العرب يهجرونه حيث يفضلون كتابة قصيدة  الشعر الحر بنثرها وتفعيلتها، ومن المعلوم أننا بتنا  نشهد الكثير من التجارب الشعرية التي يتداخل فيها النسيج الشعري مستعيرا حلته الجديدة  من النثر الشعري والشعر العمودي وتفعيلاته بل أن تلك التمازجات الادبية باتت تقتحم مجال القصة والرواية في تراكيبها السردية ذات الشعرية العالية   ولكن شاعرنا ياسر سعد حاول التمسك بخياره بالميل لكتابة الشعر العمودي الذي يراه فضاءه الادبي الذي يعكس عنفوان روحه الجذلى المتأصلة بروح التراث العربي الشعري وفنونه على الرغم من كتابته لقصيدة الشعر الحر وهو الذي عرفتُه المنابر الشعرية هنا في مهجره الامريكي حيث شارك في العديد من الانشطة الشعرية التي ألقى خلالها عشرات القصائد كانت في معظمها قصائد عمودية.

ففي قصيدة (كتابات الدموع) يعبر عن شغفه وهو يخوض غمار الكتابة الشعرية حيث يقول : -

كتابات ٌ تحررها الدموع ُ    --- بها يتألق ُ الأدبُ الرفيع ُ

هي الوجدانُ ينساب ُ إنسيابا ً ---- على الأوراق ياقوتا ً يموع ُ

عذابات ُ أعالجُها بشعري ---- وأسكبها، بها سحر ٌ بديعُ

إذا ما لامست فكراً نظيفا  --- لظل َّ لمثلها أبداً يجوعُ.

2348 ياسر سعدوفي خضم الحديث عن القصيدة العمودية المعاصرة لابد من الإشارة الى أن ثمة من يطالب بتحديثها من حيث الوزن والتكثيف الايجاز وتطويع اللغة بقوالب أكثر سهولة من تلك المعقدة ولعل شاعرنا ياسر سعد الذي يعد من المخلصين للقصيدة العمودية يمضي في مسيرة التجريب الحداثي بوصفه ضرورة معاصرة لكل ما يتعلق بحياتنا على مستوى العلوم المحضة والعلوم الانسانية والفنون  والآداب والشعر أحد أبرز واحات الادب الغنّاء التي تمتثل لتلك الدعوات لذا نشهد زخما ً من التجارب الشعرية التي تحاول المزاوجة بين الاصالة والحداثة وبالتأكيد تلك المهمة تعتمد على كفاءة الشاعر وإستيعابه لمفهومي التراث والحداثة وقدرته على إجتراح آليات تحديث تعزز شكل القصيدة ومضمونها الذي يكمل بعضهما  البعض والمعروف أن القصيدة العمودية تجمع بين أساليب البديع وفنون اللغة من تشبيهات فنية وإستعارات بلاغية.

وفي قصيدة المنفي يوظف الشاعر ياسر سعد تلك الاستعارات القرآنية بطريقة معينة ليعبر عن تجربته في المنفى في سنواتها السبع من خلال تناص مع قصيدة النبي يوسف عليه السلام حيث يقول :

وسبع عجاف ٍ مررن َ بهجري ---- وما قبلهن عرفتُ هنا

فهل ثم َ عام ٌ يغاث ُ الفؤاد ُ ---- به أو يحقق ُ بعض المنى

وخلف َ المحيط ِ أب ٌ كاد َ يعمى ---- من الحُزنِ وهو شديد ُ الونى.

وفي معرض الحديث عن قصائد ديوان خوابي الحنين لابد من الاشارة بأن الديوان يحتوي على 67 قصيدة ومقدمتين إحداها جاءت بقلم الناشر محمد حسين بزي الذي قال عن الشاعر:

ياسر سعد أهداني أجمل الهدايا (أهداني الوله في كأس محبة، سكرتُ منه ساعة، وانتشيتُ معه ساعات).

كما تضمن الديوان مقدمة بقلم د. يحيى شامي أستاذ الدراسات العليا في الجامعة اللبنانية. الذي أثنى على تجربة الشاعر حيث جاء في مقدمته (ياسر سعد صاحب ديوان خوابي الحنين يامن ترنحتَ في شعرك ذات الشمال وذات اليمين مزاوجا بين عمودي الشعر وحره محاكيا السياب زعيم اللون الاخير من الشعر، في الحديث طورا  كما في قصيدة حبيبتي والليل، أو محاكيا ً عمر بن أبي ربيعة رعيم الغزل في القديم قصصا ً وحوارا. كما في قصيدة ليل وغرام وصقيع طورا ً آخر).

وعن قصيدة الشعر الحر في هذا الديوان فقد كتب الشاعر عدة قصائد تنتمي لقصيدة الشعر الحر وتميزت بجزالة معانيها وجمال بنائها وكانت فضاءا ً خضبا ً للحديث عن موضوعات متنوعة فما يلفت بهذ الديوان أن القصائد التي وردت فيه كتبها الشاعر في فترات زمنية متقطعة حيث كتب عددا ً منها حينما كان في وطنه الام لبنان في تسعينيات القرن المنصرم كما هو موثق في أسفل القصائد وكتب الجزء َ الآخر هنا في ميشيغن وما بين هنا وهناك تجلى إختلاف الموضوعات التي تناولها الشاعر حيث وثق هناك حياة الضيعة والطبيعة والعلاقات الانسانية والاحداث التي واجهها لبنان ومنها إنتزاعه لأرضه بنت جبيل  من الكيان الاسرائيلي المحتل الى جانب نصوصه الشعرية الغزلية وقصائد مهجرية عنونها هو ب (النيويوريكات) نسبة الى مدينة نيويورك التي أقامها فيها فترة من الزمن ويمكن القول أن الشاعر ياسر سعد صوت شعري مهجري عربي يحاول تجديد تجربته الشعرية عبر تنويع الموضوعات  وتحسين الشكل  الشعري وتفعيل عناصر  مزاوجة الانماط الكلاسيكية بالحديثة لكنه ينحاز في أغلب الاحيان للقصيدة العمودية التي قد يرى نفسه أحد فرسانها المعاصرين بعدما أصبحت لدى الكثير من الشعراء العرب نسياً منسيا.

يعبر الشاعر في نصه الشعري الذي ينتمي لقصيدة الشعر عن استيائه لما وصل اليه حال الشرق ويقصد بذلك الشرق الاوسط الذي يشكل العالم العربي منه الجزء الاكبر  حيث يقول:

ما عاد َ شرقيا بشرقي غير رقص الراقصات

فتراقصي آمال شعبي بين أقدام الغزاة

وتبادلي معهم نخوب الخمر أن الوعي عات

قد صار قصرُ الحكم ملهى بين نيلك والفرات.

بقي أن نذكر أن ديوان خوابي الحنين الذي يعد متوالية شعرية قاسمها المشترك مفهوم الحنين بمستويات تعبيرية مختلفة يقع في 150 صفحة من القطع المتوسط.

 

إستبرق عزاوي – ديترويت

 

 

إيناس العباديبعد أن تلقيتُ "لم تنكر خطيئتها" للدكتورة اسراء العكراوي ببالغ الفرح والسرور عكفت عليه أقرأ بإحساسٍ عالٍ وكأن كلَّ ما كُتِبَ فيه كُتِبَ لي؛ يبوح بما في صدري، ولا أعلم ما سرِّ هذا التوافق الفكري بيني وبين الشاعرة، وهو توافق قديم ألمسه كلَّما قرأتُ لها، وفي يوم ما سمعتُ زميلة عزيزة على قلبي تقول: كان الأجدى بالشاعرة أن تعنون ديوانها بـ"حواء لم تنكر خطيئتها"، فدار بيني وبين زميلتي حوارٌ أدبيٌ لذيذ حول عنوان الديوان؛ إذ بادرتُها بالقول: وأين الشعرية في العنوان الذي اقترحتِ عزيزتي؟! فضحكت من قولي وضحكت من قولها، وبعد سؤالٍ وجواب، وشدٍّ وجذب انتهى الحوار بيننا إلى ما تُحمَدُ عقباه لأنني أدركتُ أنها لن تقنعني برأيها وأنا بدوري لن أقنعها، فأنا أرى أن منشئ النص يعدُّ أباً شرعياً لنصّه ومن حقه أن يسميه بما يشاء من الأسماء، ولكن الحوار دوماً يأتي بأكُلِه ويثمرُ ثمراً جنيّاً، فقد أثار في ذهني قدحة هذه المقالة.

فالغموض من أبرز سمات الشعرية في النص إذا كان محسوباً، وهذا ما دفع أدونيس إلى شرعنته بقوله: (إني ضد الوضوح الذي يجعل من القصيدة سطحاً لا عمقاً)، وهذا الأمر أظهر وأهم في العنوان الذي يتوخى فيه صاحبُه الاقتضاب اللغوي والإغراء ؛ ليُشجع القارئ على قراءة الأثر الأدبي ويثير فضوله لافتراض التأويلات فيما بعد، فهو وسيلة المُرسِل لاقتناص لحظة من وقت القارئ والاستحواذ على مساحة من تفكيره، ولاريب أن يُعدُّ الغموض ظاهرة إيجابية في متن القصيدة، فضلاً عن عنوانها الذي يكون أول أعمال القارئ وآخر أعمال المؤلف، ونلاحظ هذا الغموض بأشكالٍ مختلفة في الديوان؛ فمرةً يكون العنوان نكرة، كما هو الحال في عنوان قصيدة (تَوق) فلا ندري إلى من أو إلى ماذا هذا التوق، وقد ألقى هذا العنوان بظلاله على عموم القصيدة ؛ فمعناه ينسجم مع دلالات القصيدة؛ توافقاً أو تضادّاً كـ(الصمت، الدمع، البوح بلا كلام، مضي السنين بهدوء، الصحراء = التِّيه ....)، فيبدو لي أن الشاعرة صمتت بعد أن ملّت الكلام وأدركت عدم جدواه وتمضي السنون دون أن يشعر بها أحد، وكأن هذا الصمت يأكل زهرة السنين، وهي تتوق إلى الخروج من تيه صحراء الصمت إلى شجاعة تكسّر القيود، تشبه شجاعة الأطفال الذين لا يخفون شيئاً لأنهم لا يخشَون شيئاً، تتوق إلى الغرام الذي يبوح فيه المُحب بكل شيء لمحبوبه، فهو سحرٌ خلّاب بدأ من العنوان وسرى إلى أوصال القصيدة.

أما التناص وهو سمة ثانية من سمات الشعرية، فقد أفادت من الشاعرة أيما إفادة ، فقد لاحَ للقارئ منذ أول وهلة في عنوان الديوان "لم تنكر خطيئتها"، فهي قصة قارة في الذهنية الإسلامية والعربية يتلقاها الكثيرون من وجهها السلبي، وهي أن حواء (ع) أغوت آدم (ع) وأنزلته من جنات الخلد إلى عذابات هذه الأرض، ولكن الشاعرة أرادت الوجه الإيجابي، لأن حواء التي أُلصقت بها هذه التهمة قد كانت على قدر المسؤولية عندما اقتسمت العذابات مناصفةً معه نتيجة خطئها العظيم كما يزعم الناس! فآزرت آدم بكل ما أوتيت من قوة، وهذا ينطبق تمام الانطباق على المرأة العراقية والعربية على حدٍّ سواء، فهي تفني زهرة شبابها من أجل تربية أبنائها لتقدمهم إلى محرقة الخلود! وتهجّرت من أرضها التي تهفو إليها القلوب؛ هذه الأرض التي تستقرُّ فيها اللعنة والرحمة، النقمة والنعمة، الترح والفرح في آنٍ واحد؛ إنها أرض العراق العجيبة!

وقد تعمد الشاعرة إلى المزاوجة بين تناصين في عنوان واحد، كما في قصيدة "آدم منا أهل العراق" التي وظّفت فيها قصة ابني آدم توظيفاً موفقاً، وكيف قتل أحدهما الآخر من دون سبب يُذكر، وقد كانت موفقة أيضا في وصف الأم العراقية إذ بقيت قوية صامدة في خضمِّ هذه الأحداث المتسارعة والمآسي المتلاحقة: تتقن العــــزف، وفنَّ الطهـــــو، والصــبرَ الجميل، وهي فوق كل هذا:

ترتقُ المعنى إذا ضاق ابتساماً

وصلاةً

وسمر

تبعثُ البهجةَ في قلب الحجر !

2381 غلاف كتاب اسراء

وهذه المزاوجة بين تناصّين قرآنيين في العنوان قابلتها مزاوجة بين قصتين قرآنيتين؛ قصة ابني آدم (ع) وقصة طوفان نوح (ع) في قولها: كيف فارت فكرة الموت بتنور دماك ؟!!، تومئُ إلى أن التناحر والتباغض والاقتتال بين الاخوة يُنذر بطوفانٍ عظيم يأتي على كلِّ شيء ولات حين مندم!.

أما الاستعارة فقد كان لها حضور لافت في عنوانات القصائد، زاوجت فيها الشاعرة بين المادي والمعنوي، بين الحسِّي المُشاهَد والمُدرَك  كـ (وشوشة الريح، أحلام النرجس الغافي، ما دارَ في خلَد المفازة، شوك الأسئلة، حروف التيه، عطشٌ لمطر القصيدة ...)، وقد ألقت هذه الاستعارات بظلالها على القصائد، كما في قصيدة (وشوشة الريح)، إذ نلاحظ أن القصيدة قد بُنِيَت على مجموعة من التناقضات التي تصف ما تحسُّه الشاعرة، فقد أفصحت عما تريد منذ أول وهلة بقولها: (رأسي ميدانٌ من عتمة) للدلالة على الحيرة النابعة من كثرة التساؤلات والتوق إلى الإجابات، ثم عززت هذا المعنى بقولها: (وسباقٌ لا وقع حوافر تقطعه)، فهذا الميدان المعتم يمتدُّ طويلاً بحيث لا تقطعه حوافر الخيول العدّاءة، ما يقطعُهُ الريح فقط وفقط، وفي ذلك دلالة على الفراغ، الصمت، الرتابة، الركود، تعاقب الليل والنهار على لاشيء!، فالعامل المسيطر هو الزمن الذي يمرًّ بنا ويًذيب أعمارنا بصمت مُطبِق وهدوءٍ مرير، وهذا ما تؤكده جميع أجزاء القصيدة عندما تعطيكَ الأمل ثم تسلبه منك فجأةً، كما في قولها:

تتحدث عن مجدٍ آتٍ

أو قد مات ...

أو هو محض سراب

لهثت هاجرُ أنفاسي أشواطاً نحوه

وكأنها من شدة شوقها وانتظارها جعلت أنفاسها تلهثُ أشواطاً نحو ما تريد، وفي ذلك استعارة مكنية أفادت المبالغة، ودلّت على عدم تحقق ما تريد لا الآن ولا غداً ربما سيتحقق بعد الغد!.

ثم تعود لتمنحَ القارئ الأمل بقولها: كانت أوراقي تحلم بالشمس، ثم تنسفُه بقولها: حتى أكلتها ! ، وتمضي الأبيات بين شدٍّ وجذب، وأخذٍ ورد، ضوء وظلام، وعيٍ ولا وعي، شكٍّ ويقين، بقاءٍ وفناء ... لتعود وتؤكّد في النهاية: على أن أوراقها قد أكلتها الشمس فما الجدوى من التفكير والضجيج الذي يُثقلُ الرأس دون طائل ؟! فعامل الزمن القاتل قد قال كلمته وانتهى الأمر.

ويلوح لنا التضاد في بعض عنوانات الديوان كـ(جمرٌ وسوسن، أصغر الجرح أكبره)، أو المناسبة البعيدة بين شيئين لا رابط يربطهما كما في (رغيف وكرة)، فما علاقة الرغيف بالكرة ؟ ، وخلاصة ما يتوصل إليه القارئ أن الساسة في كلِّ زمانٍ ومكان بلا رحمة، والفقراء في كل زمان ومكان هم المتضررون والمضطهدون، فهم كالكرة التي يركلها اللاعب لإحراز الهدف، يُراد لهم ومنهم أن يكونوا بلا أرواح بلا أحلام بلا أفواه!

 

بقلم د. إيناس محمد مهدي العبادي

معهد العلمين للدراسات العليا.

 

الجزء الثاني من ثلاثية قراءة "نسيان ما لم يحدث"

"وعوى الذئب فاستأنست بالذئب الذي عوى ..." الأحيمر السعدي


كنت قد كتبت في مفدمة مقالتي التي حملت عنوان "البحث عن الذئب الذي لم يأكل يوسف في متاهات نسيان ما لم يحدث" أنه من بين أصدق وأبلغ الأحكام النقدية في الأدب العربي ما صدر عن جرير حول الأخطل: "أدركت الأخطل وله ناب واحد ولو أدركت له نابين لأكلني." وأقرب أكثر في الزمان والمكان أجد من أجمل وأصدق الأحكام النقدية في الأدب السوداني ما سمعته من الأستاذ محمد علي عمارة، صادراً من زعيم وشاعر المرغوماب  الشيخ عبد الله ود حمد ود شوراني وهو يستدعي صولاته وجولاته مع أنداده من فحول شعراء البطانة الذين كانت له معهم مجادعات ومساجلات. فقد عرف أنه من حين إلى آخر يلتقي فرسان الفعل وسادة الكلم فيتباطنوا بسياط الفصاحة، إذ يبدأ أحدهم شاديا برباعية من الدوبيت ويصبح لزاماً على الآخرين مجاراته دون تمهل على ذات الوزن وكامل القافية وتمام الروي. وتعتبر النفس الرعوية المرهفة، التي تسمع قبل أن ترى، الذي يعجز عن المجاراة خاسراً، ولكنها لن تصرخ بذلك، بل ولن تصرح، وغاية ما تفعله هو التلميح لأنها تعي تماماً قواعد اللعبة التي من شأنها أن تجعل من مغلوب اليوم غالباً في الغد. ويحكي عمارة أنه سأل ود شوراني، وفي باله الصادق ود آمنة وأحمد عوض الكريم أبو سن: "أشعركم منو؟" ويضيف عمارة: أطرق ود شوراني قليلاً، ثم قال: "أنا، إن بديت!" ورغم مرور السنين لا زلت مأخوذاً ببلاغة الاختزال وهو يجزل، وبروعة الادعاء وهو يجمع في رسن واحد كلمات تعير عن قيم الفخر والصدق، والزهو والزهد، والمباهاة والتواضع. فمن جهة يمتلئ الرد بثقة الشيخ الشاعرفي نفسه، ومن جهة أخرى يعكس وعي الشاعر الشيخ بالمعطيات الموضوعية التي تمنح الأفضلية للذي يبتدر المجادعة، لأنه يكون بالضرورة قد أعد عدته لها، وتهيأ لها بتوخي القافية الحرون أو سهلة القياد، والفكرة المستعصية أوالطيعة، وما يحيط بكل ذلك من مفردات ومعان وقواف وجميع ما يعينه على أن يقول شيئاً يلامس ذرى المساديرالتي كان الحردلو يتغنى بها جاعلا النجوم تخر من شاهق وهي تطارد شياطين الشعر في مشارق البطانة ومغاربها.

(2)

من جهتي لم أستطع أن أسأل عيس الحلو يوماً ما سأله عمارة لود شوراني لعلمي أنه لن يكون بمقدوره أن يرد بما قاله ود شوراني، ليس لأنه أكثر تواضعاً أو اي شيئ آخر مقارنة بالشيخ الشاعر، ولكن لأن المجال الذي أصدر فيه ود شوراني حكمه لا يتيح نفسه في ساحات القصة والرواية والنقد. ومع هذا كلما استحضرت مسهامات عيسى الحلو الفذة أجدني استعيد كلمات ود شوراني في وصف جمله العنافي وقد حاز قصب السبق في أحد مضامير البطانة. كنت استرجع تلك الأبيات وكأني اقولها لعيسى الحلو:

يـا اللَّخَـدَرْ عَنانيِف الجَـري النُــــدَّارْ

وجَـنْ وراك دايــــــرات خلاس التارْ

وكتين جَرنْ مَيسْ العِـنـــــــادْ الحَـارْ

جِيتْ وشك خلا وضهرك وراهُ كُـتَّارْ

نعم في ساحة الأدب السوداني التي تزدحم بعنانيف القصة والرواية والنقد يأتي عيسى الحلو كل مرة "ووشه خلا وضهره وراه كتار."

(3)

كما كنت قد ذكرت في الجزء الأول من هذه الثلاثية التي أحاولها ساعياً لاستجلاء كنه بعض العلاقات المتداخلة بين السرد والخطاب في "نسيان ما لم يحدث" عدة أشياء مررت عليها مروراً عابراً، وأعود إليها هنا معتقداً أنني قد تجاوزت مرحلة "البحث عن الذئب الذي لم يأكل يوسف" ووصلت إلى مرحلة "العثور" عليه، والذي قلت أنه قد يكون أمراً ممكناً إذا أحكم المرء التأمل وأجاد الكتابة وأحسن الإصغاء. وأظنني قد حاولت، ولا أدعي أكثر من ذلك. كما كنت قد حاولت تبرئة ساحة عيسى الحلو مما أرى أنه آفة النقد السوداني وهو الابتسار الذي له أعراضه وظواهره وخباياه التي تتخفى مرات في سره وتتبدى مرات أخرى في علانيته. وعيسى الحلو ينسل كما تنسل السبيبة من بين عجين الابتسار المكون من طحين اللغو ممزوجاً بمرق الملق.

(4)

وعيسى الحلو يستخدم في مساهماته النقدية لغة على مستوى عالٍ من الجاذبية والتعاطف والبصيرة والحساسية. هذا على مستوى الإفصاح والتعبير. أما على مستوى التقنيات والأهداف والغايات فهو لا يلوك الاجترار، ولا يحرص على إعادة التدوير، ويتجنب تهنئة الذات. ولا يرتاح متكئاً على العمومية Generic التي تصطنع الخصوصية تمويهاً باعتماد حيلة اختيار مقتبسات نقدية يمكن أن تلصق بأي نص دون مسوغٍ أو مبرر لتطبق عليه "البروكرستية"، والتي هي القولبة الجبرية، وإيجاد التطابق المتعسف، وفرض الأحكام المبيتة التي قد تنطبق على نص بعينه كما يمكن أن تنطبق على سواه. ومدلول هذه الممارسة مأخوذ من اسم بروكرست الذي هو شخصية من الميثولوجيا الإغريقية حيث كان حداداً وقاطع طريق من أثيكا يهاجم الناس ويقوم بمط أجسادهم أو قطع أرجلهم لتتناسب أطوال أجسامهم مع سريره الحديدي. وكما يفر عيسى الحلو من االبروكسرتية كما يفر من الأسد، فإنه يفر أيضاً  من  الكرونولجية والتي هي ممارسة يستعيد فيها كامل تاريخ الرواية السودانية كلما تحدث عن عمل روائي، فيتحدث عن ملكة الدار محمد عبد الله، ويشير إلى عثمان محمد هاشم ويتوقف عند خليل عبد الله الحاج وغيره قبل أن يصل أخيراً ومتأخراً إلى النص الذي هو بصدد الحديث عنه.

(5)

هذا ما ظل يفعله عيسى الحلو مع الآخرين، ولكن هل هذا هو ما يفعله الآخرون معه؟  ودون طويل تفكير يمكن القول إن ما يفعله معه الآخرون لا يوازي ما يفعله هو مع الآخرين، ولكن ليست هنالك جدوى في الشكوى من ذلك. فالذي يأتي منهم خيول مُهداة. وكما تقول النصيحة الإنجليزية القديمة Don’t look a gift horse in the mouth أي لا تنظر إلى فم الحصان المُهدى إليك. ذلك أنها كانت عادة قديمة لهم فتح فم الحصان لمعاينة طول أسنانه لتقدير سنوات عمره قبل شرائه. فحسبما كانوا يرون تزداد أسنان الحصان طولاً مع تقدمه في السن. هذا مع أن أسنان الحصان لا تطول، ولكن لثته هي التي تتقلص مع مرور السنين لتبدو الأسنان وكأنها صارت أكثر طولاً. ومع وجود قليل النقد الذي يشفي الغليل يمكن الزعم أن كثيراً مما يأتي المبدع من النقاد إما بضاعة مُزجاة لا يليق ردها، وإما خيول مُهداة لا فائدة تُرجى من النظر إلى أسنانها. ولا أدل على ذلك أكثر من أن معظم الذين تناولوا الرواية قدموها على أنها "نسيان مالم يحدث"، دون أن يعبأوا بالفصل بين ما ولم. ومن بين الذين فعلوا ذلك من المنافذ الإعلامية وهم لا يخشون في الفتك باللغة لومة لائم: "الراكوبة" و"كليك برس" و"آفاق نيوز" و"الشاهد" و"البيان" و"إذاعة جمهورية السودان"، وسلمت من ذلك "السياسي و"وكالة سونا للأنباء"، وإن لم تسلما من تقديم الحلو على أنه "القاص والروائي المعروف". وفي هذا الإطارلا أتخيل للحظة أن الصحافة الإنجليزية ستتحدث عن صدور رواية "للروائي المعروف" سلمان رشدي، أو أن تتحدث الصحافة المصرية عن صدور رواية "أولاد حارتنا" "للقاص والروائي المعروف نجيب محفوظ". والتحية هنا لنشرة "مداميك" التي حاولت شيئاً مختلفاً عندما أضافت:

" يقول ناشر الرواية على غلافها الأخير: “هذه الرواية تشتغل في فضاء التجريب. في محاولة لتجاوز تقنيات وأشكال الكتابة الروائية التقليدية الراسخة، واكتشاف طرائق سردية جديدة عن طريق الاختراع والمغامرة في المجهول. وذلك لاكتشاف نص لديه قدرة أكبر في التعرف على الراهن والكشف عن الأزمنة القديمة والجديدة. كتابة تتجاوز تسجيل الواقع وتفض غلاف الممكن والمحتمل لتكشف الطريق السردي الذي يعبر عن عصرنا الراهن."

(6)

وفي الحديث عن عيسى الحلو الناقد اعترف أنني أجده يقول أحياناً أشياء لا أدرى تماماً ماذا أصنع بها. وأنا لا استنكر عليه ذلك، ولكني أنتظر أن أتحدث معه مرة عنها. ولكن إن استوعبت أو لم أستوعب، وإن قبلت أو رفضت، فالرأي عندي أنه يأخذ الأدب مذهب  الجد، والأدب ينبغي أن يؤخذ كذلك. فهو يدرك أن في قلب ذلك الكيان الهائل، وبين وجيب خافقه ووسط خلجات أنفاسه تكمن الرواية التي ولدت مع الإنسان  "في صبيحة يوم الخليقة" وفقاً لتعبير شينوا أشيبي، وإن لم تولد معه في تلك الصبيحة فقد ولدت، كما يقول غابرائيل غارسيا ماركيز "...  في ذلك اليوم الذي عاد فيه يونس إلى البيت وأخبر زوجته أنه تأخر لثلاثة أيام لأنه كان في بطن الحوت." وعلى صعيد مواز ليس هنالك دليل أكبر على أهمية كتابة الرواية وقراءتها من أن  جورج لوكاش نشر "نظرية الرواية" في 1915، أي في ذات الفترة التي شهدت صدور عدد من الكتابات الكبرى مثل "رسائل سبارتاكوس" لروزا لوكسمبورغ، و"الإمبريالية كأعلى مراحل الرأسمالية" للينين، و"سقوط الغرب" لإشبنغلر، و"روح الطوباوية" لإرنست بلوخ. وقد تفاعل لوكاش وهو يبحث "نظرية الرواية" مع المساهمات الرائعة لكبار المفكرين من أمثال كانط وهيغل ونوفاليس وماركس وكيركيغارد وشيمل وويبر وهوسرل. وخرج من ذلك التفاعل بمفهوم "الواقعية النقدية" كمساهمة فذة يرى الكثيرون أنها تضاهي في عمقها وتوازي في تأثيرها ما أحدثته تلك الأطروحات الكبرى من تأثير في ساحة الفكر والوعي والإدراك.

(7)

وعلى خُطى لوكاش وباختين ولورنس، وحتى إليوت، يمضى عيسى الحلو متابعاً مشواره النقدي في مثابرة وأناة وجلد. ومع كامل الإدراك والانتباه للإنجازات الروائية العالمية المتعددة التي تمثل إلهاماً وتجسد هاجساً يتقدم في مشروعه الإبداعي ليضع الرواية - وبخاصة في "نسيان ما لم يحدث" - على مرتبة تقف فيها جنباً إلى جنب مع الأنظمة الفكرية الأخرى بما في ذلك التاريخ، والأسطورة، والدين، والقانون، والعلوم. ذلك مع احتفاظه لها بما تتمتع به من خصائص كشكل رمزي متفرد له حساسيته وله جماله وجمالياته وانعتاقه وانفلاته. وكما يقول دي إتش لورنس "إذا حاولت تثبيت كل شيى في الرواية على الأرض بالمسامير، فإما أنك ستقتل الرواية، وإما أن تنهض الرواية وتمضي مبتعدة بما علق بها من مسامير." وأنت تقرأ "نسيان ما لم يحدث" لن تشعر للحظة واحدة أن عيسى الحلو دق عليها مسماراً واحداً لتثبيتها على أرض المألوف أو المتوقع.

(8)

وقد أقول أنا، وربما يقول غيري ما نستطيع قوله عن "نسيان ما لم يحدث"، وفي هذا قد نصيب وقد نخطئ. ولكن حتى إن أصبنا فلا أظن أن أحدنا سيصيب في وصفها كما أصاب في وصفها صاحبها. فالسرد يقول عنها أنها "تتأرجح بين الخيال والواقع وتتأرجح بين التجريد والتجسيد" (ص13). لذلك عندما يقول عيسى الحلو في الرواية ":

"هي جيوب الهزائم في التأريخ والذاكرة العربية التي كانت هي الخطوط الصادة لهجمات محاولات الفكر الكلونيالي في أوئل القرن. وهو مشروع إحتجاجي .. لكنه وحشي .. شابه التزييف والحقد والاستبداد والظلامية !! واندلعت هذه الحرب التي لم تستطع التمييز بين العدو والصليح! .. حرب غبية بلا وعي .. اشتعلت في كل مكان .. بدأت في أزمنة قديمة.. صليبية ذات وجه سافر .. استعمارية في شكل وثوب متجدد.." (ص 14).

يكون عندها الحلو في حوار جاد مع "التجريد" الذي يُعلي من شأن الرواية كخطاب فكري وجهد عقلي، والحلو يفعل ذلك كثيراً.

ولكنه عندما يعود ليقول:

"وهكذا بدأت روجينا مشوارها الشاق. والذي يعتمد على طاقة الروح وقدرتها على التحمل، وطاقة الجسد في الاضطراب بين الفوضى والتماسك. والتوازن الضروري بين التذكر والنسيان. فلم يتبق شيئاً لروجينا ليذكرها بذاتها أو بهويتها .. فأصبحت لحماً وعظماً من نبض العروق والنسيان. وكان النسيان يشمل البنت كلها من الرأس إلى القدم. وكانت تسأل نفسها .. روجينا من؟ من تكو ن؟ وكانت ترد على السؤال هامسة .. روجينا.. لا شيئ .. روجينا لا أحد!  وكان النسيان يسوف كل شيئ .. ما حدث .. وما لم يحدث." (ص 39).

فإنه يستنشق هنا رَوح "التجسيد". ويراود الحكاية عن نفسها، يغريها ويغري بها، ويستدرجها ليوقع بها، ثم يشبعها شماً وضماً ولثماً، فتنقاد له مسلمة له قيادها. وهذه الحيوية المضمخة بعبق الغواية لا   تترك لك كبير خيار عندما تحاول المفاضلة واختيار أي المنهجين قد آثر، وأي الجانبين قد آزر. فنظرة سريعة، حتى قبل بلوغك نهاية أطروحته الروائية، تريك أنه يضع ثقله إلى جانب "التجسيد"، إلى جانب ما يدعو إليه دي إتش لورنس واصفاً إياه بأنه "ديني العظيم (والذي) هو الإيمان بالدم، اللحم، لأنه أكثر حكمة من الفكر. يمكننا أن نخطئ في عقولنا ولكن ما نشعر به في دمنا وما نؤمن به ونقوله، هو الصحيح دائماً. فالعقل ليس أكثر من شكيمة ولجام."

(9)

ومع هذا، وربما بسببه، كلما جلست ورأيت أمامي "نسيان ما لم يحدث" ومددت يدي أتصفحها أتأرجح بين شعورين متناقضين. أولهما الفرح بأن الرواية قد خرجت في 132 صفحة وما يترواح بين 22 ألف كلمة و24 ألف كلمة. والثاني هو الأسى لأن الرواية خرجت في 132 صفحة وما يترواح بين 22 ألف كلمة و24 ألف كلمة. وذلك أولاً لأن كل عمل روائي يخرج في زمن الكورونا والتضخم هو إنجاز في حد ذاته. وثانياً أن الذي يتضمنه السرد من مكونات لم يبلغ بها المؤلف غاياتها القصوى والممكنة يورث النفس ذلك الأسى الذي أشرت إليه. ففي ظني واعتقادي كان من الممكن "لنسيان ما لم يحدث" أن تكون "البحث عن الزمن الضائع" الرواية العربية أو السودانية على الأقل. ذلك لو كان هنالك شخص واحد قادر على فعل ذلك فهو عيسى الحلو بما يملكه من خيال جامح وبراعة لغوية لا حدود لها. ولكن بدلاً عن ذلك اختار عيسى الحلو لروايته أن لا تكون كذلك. إن "البحث عن الزمن الضائع" هي الثامنة من حيث الطول بين روايات الأدب العالمي، ولكنها بصفحاتها التي تتجاوز الثلاثة آلاف صفحة تعتبر أشهر "المطولات" على ألإطلاق. كما أنها من أشهر النماذج "كلاسيكية" وفق تعريف مارك توين الساخر للكلاسيكي على أنه "العمل الذي يتمنى كل شخص لو أنه قد قرأه، ولكن لا أحد يريد قراءته." ولكن غايتي هنا ليست التركيز على التباين الواضح بين العملين من ناحية الحجم، وإنما التنويه إلى ما يكمن في لب العملين، وهو التذكر والنسيان. ولكن التذكر والنسيان في رائعة مارسيل بروست يأتيان وهما يسترجعان ما حدث. أما في "نسيان ما لم يحدث" فإنهما يراودان ويريدان الإيقاع بما لم يحدث. وليس هنالك ضرر في أن نذكر هنا أن أكثر ما يتذكره القراء ويسترجعونه من "البحث عن الزمن الضائع" هو حادثة تذوق قطعة الكيك مغموسة في الشاي وكيف تسبب ذلك الفعل البسيط في تدفق ذكريات الطفولة والتي نتج عنها واحداً من أعظم الأعمال الروائية في تاريخ الأدب.

(10)

وقد آن الأوان لكي أقف قليلاً هنا عن مغزى رجحون الذي يوجد ولا يوجد. إن رجحون الذي يعوي في متاهات "نسيان ما لم يحدث" هو الذاكرة، والتي تؤكد الرواية أنها هي ما نحن عليه. فنحن،وفقا لمنطق الرواية، تشكلنا ذاكراتنا التي تحدد كيف نتصرف وكيف نتفاعل وكيف نفكر. ولمصلحة الذين لم يقرأوا الجزء الأول من هذا التعاطي مع الرواية، أعيد ما أورده عمرو بن بحر الجاحظ في كتاب "الحيوان" سارداً: "ًقال أبو علقمة كان اسم الذَّئب الذي أكل يوسف رجحون! فقيل له: فإنّ يوسف لم يأكُلْه الذّئب، وإنما كذبوا على الذِّئب، ولذلك قال اللّه عزَّ وجلّ: (وَجاؤُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كذبٍ)، فقال أبو علقمة: فهذا اسمٌ للذئب الذي لم يأكلْ يوسف." وفي متاهات "نسيان ما لم يحدث" يعوي رجحون مذكراً أن الذاكرات:

"تهب كما الهواء وتهبط فتسري كما يهبط الليل ويسرس. فعمل الذاكرة عفوي يتأتى فجأة وبلا تدبير.. وكلما حاول القصد أن يتحكم فيه كلما تكاد الذاكرة أن تتوقف عن العمل.. إن ديناميكية الذاكرة كامنة في طبيعتها التلقائية.. فكأنك تريد النسيان إن حاولت استدعاء تذكر الذاكرة.. هي تعمل وفق ميكانيكية الترابط أو التفكيك.." (ص 57)

(11)

ورجحون، الذي يذكر بالذاكرات، ليس هو فقط الذاكرة، وإنما أيضاً معها، ومع ما يستثيرها، وكذلك ما يترتب عنها. وفي متاهات الرواية لا يكف رجحون عن العواء مُتيحاً للسرد أن يستأنس به حاكياً ضمن ما يحكي: "تخربت الذاكرة! .. تتقدم إلى الأمام في بطء .. تنراجع للوراء .. وهي تسرع في تفكيك صلات الوصل .. لا شيئ يربط بين هذا وذاك! .. وأحاول أن أتذكر كلما كان قد حدث فلا أجد إلّا الفراغ .. هذه المساحة البيضاء .. هذا الورق الأبيض والذي يخلو من أي حرف مكتوب ..!!" (6 – 7). ونستأنس أيضاً بالذئب وهو يعوي :

"هذا التعارض قد يلهب الذاكرة ويدفعها لحماسة أكبر وأكثر دفعة للذات لأن تختار المعلومات الضرورية التي تشكل البناء الإدراكي التصوري والذي يكون الهيكل العام للخيال الذي يقوم برسم الصور للأفعال التي تصنع الموضوع المراد تحقيقه. أن الذات عبر هذا الإدراك الذي يقوم به الوعي تسعى لأن تتحقق كإرادة نابعة من الحرية التي تستشعرها هذه الذات لكي تكون هي هي متحققة بتمامها في الخارج (خارج قضبان الجسد).. وهي بالطبع تريد أن تتحقق بالكامل ولكنها هيهات .. إذ لا تستطيع أن تحصل إلا على البعض من ذاتها. الذات تنشد الكمال فلا تجد سوى النقصان .. وهكذا تحاول المرة تلو المرة! وما الحياة إلا هذا التكرار للأفعال في لعبة الحياة .. الكمال والنقصان!!" (ص 53)

(12)

ونستأنس بعواء رجحون مرة أخرى: "وتجيء كرري بكل ثقلها! وتضطرب الذاكرات .. من يستطيع أن بقول أن الذاكرة تعمل بسلاسة ودقة باستمرار، دون أن تتوقف. هل تستطيع الذاكرة أن تتوقف ولو للحظات قصار .. تتوقف وسط الفراغ!" (ص 40). ومرة أخرى نستأنس به: "أمواج سوداء .. ضخام تتقدم وتتراجع واحداث تجئ وتتراجع لتسكن في الذاكرة الجماعية بعد أن حذفتها الأحزان والشكوك والمخاوف ودفنتها الذاكرات الشفاهية شأنها شأن كل الثقافة الوطنية التي لم يشملها التدوين فسجلتها الذاكرة الجمعية بناء على طبيعة المشافهة تلك التي تحذف شيئاً أو تضيف شيئا..." (ص 41).

(13)

وتشتمل الرواية أيضاً، من منظور"صناعة الذاكرة" الفردية والجمعية والثقافية، بل والحضارية، الكثيرمما قد يُحظى بالقبول، ومما قد يثير حوله الجدل. وعيسى الحلو كروائي وكمفكر يدرك ذلك تماماً ولا يتهيبه:

"ما الذي يدور داخل هذه الفيلا .. داخل قصر المريا الذي يقع في الريف الجنوبي لمدينة أمدرمان,,, أحقائق هي أم أوهام وخيال؟ أهو زمان عام؟ أم زمان تاريخي خاص؟ .. وما هي الذاكرة التي تروي هذا التاريخ .. أهي ذاكرة فردية؟ أم هي ذاكرة جماعية .. لا تعبر عن خيال خاص .. بل هو خيال جماعي .. يتحول في وقائعه وفي معانيه عبر التاريخ والأزمنة .. الأفكار هي مخلوقات طبيعية تتحول وتتبدل ويعتريها التطور..." (ص 32)

(14)

من الممكن لقارئ "نسيان ما لم يحدث" أن يستخلص منها الكثير. ولا أريد هنا أن يُسقط استشهادي بشطر من بيتي الأحيمر السعدي (عوى الذئبُ فاستأنستُ بالذئبِ إذ عوى وصوَتَ إنسانٌ فكدتُ أطيرُ- يرى اللهُ إنـّي للأنيـسِ ِلكاره وتبغضهم لي مقلة ٌ وضميـرُ) ظلالاً غير مقصودة أو منشودة، وذلك لأن في الرواية ما يكفي من تبعات الفجيعة وأوجاع الهزيمة. إضافة إلى هذا يبدو أن الروايات التي تعنى بأمر الذاكرة، على عكس ما قد يتوقعه القارئ، روايات ترزح تحت وطأة سوداوية مُضنية. ومن الروايات التي عنيت بالذاكرة "1984" التي كتبها جورج أورويل في 1948عن الذاكرة الجماعية وفقدانها. فنجد فيها ونستون اسميث الموظف في وزارة الحقيقة، يفحص الصحف وغيرها من الوثائق وفقا لتوجيهات "الأخ الأكبر" والحزب، ويدمر النسخ القديمة بإسقاطها في "ثقب الذاكرة". وتقدم رؤية أورويل في شكل مرعب ولكنه مألوف بالنسبة لنا نحن الذين تذوقنا "رعب وحمى" الرقابات المتعسفة وأجهزة الأمن المتسلطة التي تُمارس السيطرة السياسية والفكرية من خلال التحكم في المعلومات، بما في ذلك التحكم في الذاكرة. وقد جاء أورويل فيها بالمقولة التي اكتسبت شهرة وذيوعا والتي تزعم أن "من يتحكم في الماضي، يتحكم في المستقبل. ومن يتحكم في الحاضر، يتحكم في الماضي."

(15)

ومن الأعمال التي تاثرت برواية أورويل عن الغلاقة بين القهر والذاكرة والذكريات، رائعة يوكو أوقاوا "شرطة الذاكرة" (1994) التي تنشغل فيها الشرطة بتدميرالذكريات عن الأشياء التي لا تروق النظام ويريد لها أن تختفي. ولو كتب أحدهم، وربما قد يكون من الأفضل إحداهن يوماً، عملا روائيا عن تجليات قانون النظام العام الذي طبقه الرجال الطواويس في سودان الإنقاذ لخرج بصورة سريالية سيقرأها الناس لسنين في شتى أنحاء العالم بمزيج من الرعب والدهشة.

(16)

وعندما يقول عيسى الحلو في المقابلة التي أجراها معه محمد نجيب محمد علي تحت عنوان "في الثمانين من عمره يكتب "نسيان ما لم يحدث": "هذه قد تكون آخر رواياتي السردية، سأشتغل على قضايا فكرية أخرت النظر فيها." يتوجب علينا أن ننر في جدية كاملة إلى احتمالات وإمكانات هذا المشروع المؤجل، وبخاصة عندما نقرأ له في الرواية:

"وفي أغلب الأحيان.. أو ربما هو دائماً يكون التذكر هو إحضار قسري للغياب ..فأنت تعيد إحضار الماضي من بئر النسيان .. تحضر الفعل المنسي أخضر .. طازجاً ونضراً .. كما لو كان قد صنع في التو! .. وهذا ما يفعله الأدب الروائي الجبد .. الرواية الأدبية تحضر بزهو فائق هذا الماضي كما لو انه يحدث في الحاضر والآن! .. هذه هي معجزة الأدب الروائي .. صناعة الماضي الضي ينهض بشكل باهر من موته الخاص ويدخل في دورلا الحياة من جديد ..الرواية بعث لهذا لهذا الجمال الخالد والذي لا يموت أبداً!! وتلك هي خدعة فن الرواية ومعجزتها الجمالية الفائقة .. وهذا ما يفعله الشعر العظيم .. إذ أصدق الشعر أكذبه. هذا ما قاله (أرسطو) في كتابه الشعر..." (ص

ومع اعتقادي أن "أصدق الشعر أكذبه" هذه قد وصلت عيسى الحلو من "مصدر غير موثوق به" لأن أرسطو يكاد أن يقدس الصدق، وأن أقرب ما قاله عن العلاقة بين الشعر والصدق والكذب، في حدود ما أعرف، هو"أن هوميروس، أكثر من غيره، هو الذي علم الشعراء الكذب بمهارة"، فأنا على يقين من أن عيسى الحلو، مع اهتمامه الواضح بالذاكرة والنسيان، لو كرّس وقتاً وجهداً في النظر إلى ذلك من منظور فلسفي لجاءنا بشيئ يشبه ما جاءنا به إرنست كاسيرار في بحثه عن الذاكرة الثقافية والأشكال الرمزية، ونيلسون قودمان في بحثه عن الذاكرة وصناعة العالم. وكاسيرار وقودمان فيلسوفان كبيران، وكذلك عيسى الحلو. وذلك ليس فقط على المستوى الذي يقصده البير كامو عندما يقول "الرواية  ليست شيئاً آخر غير فلسفة يتم التعبير عنها من خلال الصور"، وإنما على المستوى الأكثر عمقا واتساعا الذي يبحث في أساسيات المعرفة والواقع والحقيقة والوجود. وإذا حاولت المزواجة بين نوعي الفلسفة الذين أشرت إليهما، يمكنني القول إن الرواية، بشكل عام، كثيراً ما تفصح عن مكنوناتها من منظورصناعة الذاكرة الفردية والجمعية والثقافية، بل والحضارية. وعيسى الحلو كروائي وكمفكر لا يدرك ذلك فحسب، وإنما يتفاعل معه أخذاً ورداً في "نسيان ما لم يحدث."

(17)

أخيراً، "نسيان ما لم يحدث" عمل يلقي بأضواء كشاف متحرك على قضايا الذاكرة فيضيئ حيناً عتمة المسالك التي تمتد لتصل بين ما يتم تذكره وما يتم إدراكه والروابط بينهما، ويلقي أحيانا أخرى بالمزيد من الظلال على تلك المسالك فيزيدها تعتيماً. وفي الحالين يظل عملاً فذاً يصعب المرور عليه مروراً عابراً. ولهذا سأعود مرة أخرى "لمطاردة الذئب الذي لم يأكل يوسف في متاهات "نسيان ما لم يحدث." 

 

أحمد حسب الله الحاج

 

 

جواد وادييشي عنوان العمل الجديد للروائي والمخرج السينمائي كاظم الصبر الموسوم "السيف والشراع"، بسطوة العنوان وايحاءاته العديدة هذا أولا، وثانيا أن العنوان دون أدنى عناء يستحضر في ذاكرتك تناولا سرديا لأحداث تقع في البحر أو قريبة منه تحيلك لحقبة القراصنة وما تعج بها من احداث.

تقع الرواية في 250 صفحة من الحجم المتوسط، وتتوزع على 20 فصلا، إذا تسنى لنا تسمية ترقيم العناوين بالفصول، تحمل عناوين مختلفة تبدأ من العنوان الأول: "وكر اللصوص" وتنتهي بعنوان "الباشا الصغير". صدرت الرواية عن دار القلم للنشر والتوزيع في القنيطرة، المملكة المغربية، عام 2020.

تحتاج الرواية الى تفكير عميق ودربة واسعة من لدن المتلقي للدخول الى عوالمها المتشابكة من حيث تناولها لأحداث تاريخية تعج بالأمكنة والشخوص والتحولات ومحطات مهمة من تاريخ المنطقة التي تستهدفها الرواية بلغة سردية وحبكة ذكية في التناول تنم عن قدرة الكاتب كاظم الصبر في تمكنه من اللغة الروائية ودرايته الواسعة ببواطن المفردة التي اختارها من خلال عمقه الواضح باللغة العربية، دون أن تترك لغة السرد مللا يدب لدى القارئ، وهذا الأمر كثيرا ما تتسم به اعمال روائية عربية مشهود لكتّابها بالتمكن والقدرة الكبيرة في العمل الروائي، ولكنهم يغالون في السرد الذي يثير العياء لدى القارئ لمتابعة الأحداث، بخلاف الروائي كاظم الصبر الذي كان فاطنا لهذا النوع من الحكي الممل، فتحاشى الكثير من الاسفاف بالسرد الذي نجده لا موجب له في اعمال روائية عديدة، سيما في الرواية العربية.

إن العامل الأساسي في متعة القراءة لهذه الرواية، كون الكاتب أصلا هو مخرج سينمائي، فكان من التمكن أن يواشج بشكل ذكي وممتع بين الحكي في التناول بتكنيك سينمائي من خلال توظيفه للصورة التي أسقط عليها الكثير من الحركة بكثافة لغوية وسرد جمالي، ليحول الأحداث الى سلسلة من الصور السينمائية، تبعث على رغبة القراءة لدى المتلقي، وأنا منهم، ومواصلة القراءة حتى نهاية الحدث، تذكّرنا برواية الكاتبة مارغريت ميتشل الشهيرة "ذهب مع الريح". وهنا يمكننا كتأكيد لما ذهبنا اليه، ذكر شهادة السينمائي العراقي المعروف قاسم حول من خلال شهادته لهذا العمل الروائي، فيقول:

2346 كاظم الصبر"أهداني الكاتب والسينمائي كاظم الصبر روايته السيف والشراع، كي أقرأها بعين سينمائية، فوجدت فيها سيناريو سينمائي أدبي متكامل. وهذا هو الشكل من الرواية

السينمائية غير المعروفة في الأدب العربي"، وهذه شهادة موضوعية من مخرج سينمائي له رصيد كبير من الاعمال السينمائية والروائية.

من هنا تأتي أهمية رواية المبدع كاظم الصبر كونها عملا متفردا يندر وجود اعمال مماثلة لها، اذا ما قارنّا، تحرك الصورة السينمائية بانتقالات ذكية تعكس قدرة الكاتب من شد القارئ لتفاصيل الحدث بعين سينمائية دقيقة الاقتناص لما يدور من انتقالات، تشي بمتعة تثير الاعجاب، هنا ينبغي أن اذكر عملا قد يقترب من هذه الرواية الشيقة، تلك هي رواية النبطي للكاتب المبدع والمفكر يوسف زيدان، بعوالمها ولغتها وتناولها للأحداث التاريخية لمراحل مهمة من تاريخنا العربي، وللتأكيد على متعة القراءة التي تحققها هذه الرواية، نقتبس منها هذا المقطع:

"كانا يحلمان معا بعالمٍ أقل عسفا من العالم الذي رفعا فيه السيوف، أملا في كتابة صفحة جديدة ناصعة من صحائف التاريخ. لكن ذلك لم يكن بالأمر المستطاع حين أدركا أن تلك السيوف الصارمة التي رفعوها، والحمم التي تنفثها فوهات المدافع الملتهبة، التي كانت تقض مضاجع العدو. وتلك المغانم التي كانت تمدهم بسبل المواجهة وتعزز قوتهم وجبروت سيطرتهم على اعدائهم قد انتزعت من ايديهم نزعا ليتلقفها اللصوص.." - ص 15

تحكي الرواية عن حالة الحصار الذي فرضته قوى معادية من جيوش (النصارى) ببواخرهم الحربية، على مدينة بحرية أسماها الكاتب " وادي الرمان"، هو بلا شك، اسم غير معروف عند عامة الناس لمدينة سلا التي اكتسبت شهرة تاريخية كبيرة واعتبرت مدينة قراصنة بامتياز فيما الوقائع المؤكدة تشير الى ان القرصنة اتخذت من الرباط، العدوة المقابلة لمدينة سلا، مقرا لها، الكاتب يشير الى انه لم يلتزم بمكان وتاريخ محددين لكن شواطئ المحيط الاطلسي وبدايات القرن السابع عشر هما المكان والزمان المقدرين للرواية تزامنا مع الطرد المتعسف للموريسكيين من الاندلس وردّة الفعل التي اعقبت هذا الطرد بما اشتملت عليه من عمليات انتقامية شكّلت مدخلاً لما سُمي بالعمليات الجهادية التي تحولت مع الوقت الى قرصنة نشرت الرعب في الاساطيل التجارية للدول الاوربية دون تمييز وعلى امتداد السواحل الاطلسية.

حين نحت الكاتب كاظم الصبر في زوايا ومحطات تاريخية، قد تكون منسية لدى العديد من المتابعين، ليستثمرها ويبث فيها راهن الحدث، ليخرج لنا بتوليفة تجمع بين التاريخ، الواقع والمتخيل هذا، ليتثبت من احداث مضت وينزع الى قراءتها بمتعة فائقة.

تعجّ الرواية بالأسماء من كل المشارب والأطياف من ساكنة المدينة، بمواقف مختلفة ومغايرة بعضها للبعض الآخر، وتكون مواقف الشباب في مقدمة اتخاذ القرار للدفاع عن مدينتهم. إنها مجموعة دروس وعِبَرْ حدثت فيما مضى، لتحيينها على واقعنا الراهن، لتكون دروسا يسقطها الكاتب بطريقة تدعو الى التفكّر مليا في وقت يعاني منه الناس اليوم من أحداث قد تكون امضى من طبيعة احداث الرواية، وهكذا هي وظيفة المبدع السارد، بتحويل سلاحه الوحيد، الى وصايا من خلال إزاحة الغبار لماضٍ حريٍ بالدراسة والتأمل، سلاح معبأ بمدادٍ من التوظيف الفاطن، ليكون بديلا أو محايثا لأسلحة أخرى للعمل جنبا الى جنب، للخروج من المحن المعاشة، وهنا يأتي دور المثقف العضوي، كما تحدث عنه المفكر الإيطالي غرامشي، الدور الإيجابي في تحريك ماكنة التاريخ لصالح الراهن، ويزيح عن كاهله، الوظيفة الأساسية للمثقف الحامل لهموم الواقع المعاش.

أن من أصعب أنواع السرد، التناول التاريخي للأحداث، لأنها تتطلب أمانة تاريخية، ودربة وتمكّن، ليخرج لنا بثيمة تزاوج بين الابداع والسرد التاريخي، وهنا ينبغي أن نتذكّر الروائي الراحل، عبد الرحمن منيف من خلال منجزه الروائي الضخم، خماسيته "مدن الملح"، كتجربة متفردة في العمل الروائي العربي. هكذا اعمال روائية تتطلب توفر بوصلة بتحكم دقيق ومسؤول بمساربها، بحيث أن المبدع ينزع الى الابتعاد عن الاسفاف والسرد الممل من خلال تسلسل الأحداث بشخوصها المتعددة، كهذا العمل، وأمكنتها، ومفاجأتها، للامساك بتلابيب الحدث، واقعا كان أو متخيلاً، لتتحول الرواية الى مجموعة من المنمنمات والزخارف المنحوتة بدقة، وأحيانا الأحجيات، لتجعل من الحكي توليفة شديدة الاتقان من الإبداع الذي يستحوذ على اهتمام القاريْ الفطن والمتابع الجيد للأعمال الروائية الرصينة.

هنا يمكنني القول المؤكد، أنني أمام مؤرخ وراصد للأحداث التاريخية، بعين السينمائي اللاقط للحدث، لتحويلها الى فضاءٍ من الطراوة والبلل الفكري المنعش، وهذا التوصيف ينطبق تماما على المبدع كاظم الصبر، كونه بالدرجة الأولى سينمائي، يحتكم على تجارب متميزة، سيما في الأعمال الوثائقية، وهنا ينبغي أن نتذكّر جهده المشترك بإخراج أفلام وثائقية، قام هو بإخراجها وبالاشتراك مع الشاعر، طيب الذكر، الراحل مصطفى عبد الله، الذي وضع سيناريوهات تلك الأفلام. دون أن نغفل العمل المشترك مع المخرج المتميز قاسم حول في اعمال مشتركة أنجزاها في بغداد.

تقصّدنا ذكر هذه المحطات في مسيرة المبدع كاظم الصبر، ليتبين القاريْ، أننا أمام قامة إبداعية، لم تأت من فراغ، بل صديق حميم للسينما والإخراج، ولصيق أمين للكتابة الروائية.

بظني أن الكاتب، حين شرع بكتابة هذه الرواية، لم تغب عن وعيه ووجدانه، حالات الانكسار والاحساس الممض، لما يجري في بلده العراق، من أحداث تدمي القلب، وهذا ما لاحظناه جليا في متون هذا العمل، من خلال جمعه بين التاريخي والاجتماعي، بحضور الأمكنة والأزمنة واستحضار الأحداث في ماضي الأزمان، واسقاطها على الواقع الراهن، كإنعاش للذاكرة الجمعية التي تستهويها العودة لما جرى في الماضي، برؤية سردية وبكثافة توظيف معجمي متمكن، يمزج بين الحدث المجرد والعين السينمائية، وهذا الجهد لا يأتي من فراغ، بل من دربة وتمكّن ووعي في ارفع حالاته، من حيث اقتناص الحدث، بحزنه ومسراته،

ليكون شاخصا أمام قارئ، قد يغيّبه البحث في أحيان كثيرة، ويجعل من دوره ثانويا، ولكن الأمر يختلف تماما هنا، حين يجهد نفسه بمزج الواقع بالمتخيل، بحبكة سردية، لتحقيق المتعة والمعرفة، وتشخيص الأحداث بعين المتابع الذكي.

أن الأمانة التاريخية وسعي الكاتب للاقتراب من القارئ، وخلق حالة من المصالحة بينه وبين قارئه، لاحظناها بقوة في هذا العمل، من حيث استحكامات اللغة المعجمية، وسلاسة السرد، وجماليات المتخيل، كلها مميزات ممتعة رافقت القارئ.

إن مدينة مهددة بالغزو والاحتلال تتطلب توحيد الجهود، لإيجاد الحلول للأزمة المحدقة، لا التركيز على اسقاط التهم والمماحكات بين ساكنة المدينة ومتزعميها، لننقل هذا الحوار، لنتبين الأنانية وتغليب المصالح الشخصية على حساب خروج المدينة من محنتها:

ـ"يا قيرواني، أتريد أن أصدقك، وأنا أعرفك لصا وقرصانا عتيقا.

ـ أنا...! معاذ الله يا سيدي، لست سوى رجل طحنته الحياة، ولم أعد ذلك القرصان الذي شاركك المغامرات، واقتسم معك الغنائم لينفقها على ملذاته، ثم انتهى به المطاف في آخر أيامه، أجيرا يزرع شتلات البصل، لم أعد قادرا على حبك الدسائس، كما عهدتني، أنا في منتهى العجز يا سيدي الباشا... (ص39).

ما لاحظناه في هذه الرواية، حضور المرأة بشكل قوي وتحديها للرجال، إنها السيدة ليانة التي اقتحمت مجلس الباشا وهو يجتمع بالرجال لإيجاد مخرج للتخلص من محنة الحصار وتهديد المدينة من لدن الغزاة، وسعيها الحثيث لاستنهاض همم الرجال.

“ خيّم على الرؤوس صمت ثقيل، حتى بعد اندفاع تلك المرأة الفارعة الطول صوب الكرسي الذي تربع عليه الباشا ، وقد أزاحت خمارها عن وجهٍ ابيض جميل القسمات

همس بعضهم:

ـ "سيدة القلعة الشامخة". لقد هالهم غضبها، وتلك الملاحة التي أظهرها الغضب فوق قسمات وجهها الممتلئ ترفا ونضارة... " - ص28.

نلاحظ هنا وبشكل يبعث على المتعة، استحكامات اللغة الروائية وسلاسة التناول ومتعة السرد غير الممل، كما في اعمال عديدة، سيما التاريخية منها، ومما نلاحظه، لجوء المحاصرين الى الأدعية وطلب الرحمة من الله لتخليصهم من هذه المحنة، بأسلوب ينم عن السخرية كواقع حال في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، حين تحاصرها المحن، وبدلا من تكريس الحلول العقلانية والتركيز عليها، يلجؤون الى الغيبيات، دون تشخيص الخلل الحقيقي في واقع الحدث ومسبباته وإيجاد الحلول له.

إن سعي الروائي كاظم الصبر الغور في مجريات الأحداث والتفاعل معها، بخلق شخوص كثر وحوارات تتوزع بين العقلاني والساذج، وتعدد الأمكنة، واللجوء أحيانا الى الإرتجاعات، الفلاش باك، واسقاطه على واقع الأحداث، اضفى على السرد متعة كبيرة، وخلق رغبة متعاظمة لدى القارئ، لمتابعة الأحداث، بطريقة لا لبس فيها.

أن الكاتب الصبر وهو يبدع العمل، لا يغفل دربته في الإخراج السينمائي إنتاج صور متحركة، بتمكن يستحق التنويه.

ودون مغالاة يمكننا القول، أن الكاتب، فكّر مليا بتوظيف مفاهيم فلسفية، بتركيزه على أنساق فكرية في هذا العمل، مما جعل السرد يتصف بالتنوع من خلال النبش في الذاكرة الجمعية، لاستحضار ما مر من أحداث لإحياء فكرة الهوية، بأدوات إبداعية ومعرفية تطغى على امتداد مراحل القراءة، بتفكيك قصير الأمد وطويل النفَس.

يمكننا أن نقتطع هذا المقطع المعبر والذي يتوائم الى حد ما مع ما جرى في العراق، وكأن الأحداث تعيد نفسها شاخصة أما المتلقي.

“ ـ لكي تدعم سلطتك يا باشا، دون الاعتماد على سيفك ورجالك كثيرا، حاول أن تفتعل الكثير من الخلافات والمشاكل، وسينشغل الناس، ويختلفوا في كيفية حلها، ولن يتمكنوا. عندها ستقترح، أنت، حلولا لتلك الخلافات والمشاكل، وسيتنازل الجميع عن حقوقهم، وتتبخر اعتراضاتهم "ص199.

والسؤال هنا، اليست تلك المرحلة بتفاصيلها، هي ذات الأحداث التي جرت في العراق، إبان الاحتلال، ليستحوذ اللصوص على السلطة وإشاعة الفرقة، ليتحكموا بمصائر الناس، وما تلى ذلك من خراب أحرق الأخضر واليابس؟، فهل تقصّد الكاتب كاظم الصبر، ذات الحقبة المريرة التي ما زال العراقيون يعانونها حتى يومنا الراهن، أم أنها أتت من خلال سياق الأحداث في زمن أحداث الرواية؟

"عليه أن يستعد ليحبط كل الطموحات التي أخذت تحملها نفوس الحساد والمتأهبين الى قيادة المجلس، والاستحواذ على كل شيء... " ص243...

هل من شك في أن هذا التوصيف، ينطبق تماما على المعارك المحمومة للاستحواذ على الامتيازات في العراق، وإشاعة الفساد في كل مفاصل الدولة المفككة؟

بقصد أو دونه، وقع هذا التناص لما يجري في العراق، كون الكاتب يحمل بدواخله تفاصيل هموم وطنه الجريح.

أخيرا لا يسعنا إلا أن نحيي الروائي والفنان كاظم الصبر على هذا الجهد الإبداعي، والسعي الجاد لخلق إضافات للمنجز الروائي العراقي، بعد أن بهرنا حقا بتمكنه في اقتناص احداث، نادرا ما تناولها مبدعون آخرون، في المكان والزمن المحددين.

 

جواد وادي

 

 

عبد الستار نورعليلعنوان المُؤلَّفِ ـ كتاباً كانَ أم نصّاً ابداعياً ـ أهمية خاصة، فهو مدخلُ العمل، والنافذةُ المشرعةُ على دواخلِه، والمصباحُ الأولُ في إضاءةِ طريق المتلقي، والبوابةُ لولوجهِ واستكشافِه، وما تختزنُ النصوصُ من مضمونٍ ومعنىً أو حسٍّ وخيالٍ. فهو العتبة التي تمهّد الطريقَ أمامه، واليدُ التي تُقدّمُ مفاتيحَ المنتج الإبداعي. لذا حظيَ باهتمام الدارسين والباحثين والنقاد، ليستقلّ بمنهجه الخاصّ (السيمياء)؛ لأنّه  "النصّ مقابل النصّ"، كما يرى الباحثون والمتخصصون، إذ يشاركُ في إجلاء ظواهر وخبايا  النصّ الأساس، فبينهما علاقاتٌ إنعكاسية مثل الصورةِ في المرآة.

النظرةُ الأولى الى عنوان المجموعة الشعرية للشاعر العراقي يقظان الحسيني "شاهداً أردْتُ أنْ أكون" تُظهرُ لنا بجلاء هذه العلاقة الجدلية الإنعكاسية بين العنوان ومضمون المجموعة بما تحتويه من قصائد (50 قصيدة).

يهدفُ الشاعرُ باختيارهِ هذا العنوانَ الى أنْ يكشفَ لنا مع عتبةِ المجموعةِ ومدخلها: (أنّه شاهدٌ)، وليسَ بمفسّرٍ ومحلّلٍ وحاكمٍ ـ في قصائده ـ على ما رأى وشاهدَ، وعايشَ فعانى في حياته من أحداثٍ وقصصٍ وأحاسيسَ ومشاعرَ. فما هو إلا كاميرا مُلتقِطة ناقلة، تقدّمُ لنا مشاهداتِ المُصوِّر (الشاعر)، ويتركُ النظرَ الدقيقَ والمعايشة والحكمَ لنا نحن القرّاء، حتى نخرجَ بحصيلة ما رأى. وهو أيضاً بذلك يروم أنْ نعيشَ ونتفاعلَ معها. إنّه بالعتبةِ هذه (شاهداً...) يذكّرنا بمدخل ملحمة (جلجامش):

"هو الذي رأى كلَّ شيءٍ

فغنّي بذكره، يابلادي"

فهل سنغني بذكر (يقظان الحسيني) حين يُرينا ما (رأى)؟

اختار الشاعر عنوان مجموعته من إحدى قصائدها "شاهداً.." (ص 62):

لم أكنْ أريدُ

أنْ اكونَ شاعراً

شاهداً

أردْتُ أنْ أكون

هادئاً

أواكبُ النهرَ

أمشّطُ عشبَ الضفاف

لم يردْ الحسينيّ أنْ يكونَ شاعراً بل "شاهداَ"؛ فالشاعرُ هو الباحث عن الجمال فيما يرى، أو القبح النازف قيحاً، وينقلها بباذخات الألفاظ، وجزالة الأسلوب، وجمال التعبر والتصوير، والسباحة في موج الخيال، أو يكون ملتزماً فكرياً واجتماعياً ليعبّر عن الأحداث مُصوّراً وحاكماً ومُديناً وفق موقفه الأيديولوجي والاجتماعي المُسبَق. بينما الحسينيُّ يكتبُ ليكونَ الشاهدَ الناظرَ المُبصِرَ على ما رأى ويرى، وينقلها الينا على بساط الشعر السحريّ المؤثر، وبإحساسه المرهف، ومعايشته الشعورية للأحداث والوقائع التاريخية الوطنية، أو الذاتية، ليجد الطريق الى نفوس وعقول متلقيه من الجمهور. هو لا يريد أنْ يكونَ واعظاً ومرشداً وقاضياً، بل شاهداً بصيرا.

إنّ قصائدَ الشاعر تقول لنا بالفم الشعريّ المليان: هو شاعرٌ (شاهدٌ)، لم يخرجْ في شهادته عن أصول وقوانين وخصائص الشعر في أعلى مراتبها الفنية الجمالية والبلاغية، فقد زاوجَ بإتقان فنيّ وجماليّ بين المشاهدة والشعريةِ بعناصرها واشتراطاتها الفنيّة عاليةِ الأداء، مع اختياره قصيدةَ النثر شكلاً شعرياً في دربه الإبداعي بقدرةِ ومهارة وحذاقةِ الشاعر المقتدر.

خصيصة التقديم في جملة العنوان:

استخدم الشاعر في جملة العنوان خصيصةً من خصائص الجملة العربية، وهي "تقديم ما حقُّه التأخير"، عندما لجأ الى تقديم خبر الفعل الناقص (شاهداً) على فعله العامل فيه نصباً (أكونَ)، بينما حقُّه التأخير نحوياً بحسب ترتيب الجملة العربية، إذ يقع الخبرُ بعد اسم الفعل الناقص، الضمير المستتر (أنا) في الفعل (أكونَ)، لتكونَ الجملةُ لغوياً (أردْتُ أنْ أكونَ شاهداً.)، فتحوّلتْ عنده (شاهداً أردْتُ أنْ أكونَ.)  وهو بتقديمه هذا جعل (شاهداً) في صدارة الجملة، حتى قبل الفعل التام الأساس في الجملة (أردْتُ)، ليبيّن للقارئ مَطلعاً، ومن خلال عتبة العنوان، أهميةَ ودافعَ إرادته في كتابة القصائد وهي (الشهادة)، دون التدخل مفسّراً ومديناً وحاكماً لما تتضمنه من مشاهد مرّت به في حياته بحوادثها العظيمة ومعاناتهِ القاسية، ومشاعره وأحاسيسه المُرهفة، تاركاً الحُكمَ للمتلقي. فالتقديمُ هذا إشارةٌ الى عنايته واهتمامه وتخصصيه لهدف ابداعه لنصوص المجموعة، وهي من أسباب التقديم بلاغياً: "العناية والاهتمام"، إضافة الى "التخصيص والقصر".

تتجلّى أبرزُ شهاداته على الأحداث والوقائع التي مرّت به في حياته الحافلة بالمشاهدات والمعايشات، تتجلّى في قصيدة "مدارات" (ص 41)، التي يسردُ فيها شعرياً قصةَ زميلين له (زاهر وسلام) وقصته معهما أيامَ الدراسة في متوسطة الحلة في سبعينات القرن العشرين وما جرت من حوادثَ إبانها، مُعتمِداً على السرد الحِكائيّ في القصيدة:

زاهر من يسار القلب

لا تسكتُ ضحكتُه أبداً

ربما أحببْتُ فنونَ الكهرباء

منْ رزانة أبيه رزوقي الكهربائي

..........

نجلس في زاوية الشُعبة

سلام فاضل بجانبي

وزاهر أمامنا لا أتذكرُ من كان بجانبه

آخر مرة رأيت سلام  في طابور الباص حلة ـ بغداد

.......

تودعهُ أمُهُ العلوية خارجةً توّاً من نور

آخر ما قالت وهي تودعُهُ:

يستر عليك وعلى أمة محمد

يااااه...

الوجدانُ خلايا لا تنضب

ذهب مع الريح أخذه "الأمن" لا رجعة

......

وهكذا يستمر في الحكاية شعرياً ليمرّ على ما عاناه وهو التلميذ على مقاعد الدراسة المتوسطة من ضرب وكدمات بقبضات "عادل الأسود"؟ ثم يمرُّ بأسماء مدرسين وطنيين: مدرس العربية الشاعر "شريف الزميلي"، ومدرس الجغرافية "مجيد بيعي". هو لم يصدر حكمه على تلك الحقبة وما حملت من تجاوزات وظلم، لكنه بسرده الشعريّ قدّم لنا شهادته، وترك الحكمَ والإدانة للقارئ، رغم أنّ الشهادة بحدّ ذاتها إدانة، لكنّها غير مباشرة، حتى لا تفقد عنصرَ مشاركة المتلقي في النظر والحكم.

لقد ضمّن قصيدته هذه عنوان رواية "ذهبَ مع الريح" للكاتبة الأمريكية مارغريت ميتشل (1900 – 1949). ربما في إشارة الى الأحداث الكبيرة في الرواية (الحرب الأهلية الأمريكية) والأحداث المثيرة التي مرّت بالشخصيات الواردة أسماؤها في القصيدة:

(ذهب مع الريح أخذه "الأمن" لا رجعة)

هذه الشهادات تردُ في عددٍ من قصائد الديوان: "شُرُفات"، "سيراميك"، "مدارات"، "نبض"، بالأحداث وشخصياتها.

كما نحسُّ بها أيضاً في القصائد الوجدانية الذاتية التي يصوّرُ فيها معبّراً عن تأثيرات التجارب النابعة أيضاً من معاناة الحياة في الوطن، وما مرّ به من ظروف قاهرة دامية مثل قصيدة "يأس" التي يقول فيها (ص 14):

القشةُ التي تقعُ هنا

تصوّتُ

أستميحكَ لوناً أريدهُ

فوسادةُ البوحِ تتلوّنُ

على قارعةٍ وانعطافات

المياهُ الآسنةُ تُبقي القواربَ

بلا رعشةٍ للبدءِ

بأسىً

تتلوّى عصفورةُ الروحِ

ذبيحةُ الوجوهِ العابرة

لا مجاذيفَ لها

.........

التجربةُ الذاتيةُ والأسى والألم والحسّ الجريح واضحة في القصيدة، تقول: ها أنا (يقظان الحسيني) حاملُ تباريح جرحٍ غائرٍ في الروح، يُلقي مراسيهِ (الجرح) في مينائها المزدحم بالمشاهد الصاخبة العاصفة على سواحل بحر مائج لا قرارَ له؛ من عمق ما تحملُ النفسُ، مثلَ عصفورةٍ ذبيحةٍ تبحث عن زورق نجاة بلا مجاذيف، فاسم القصيدة "يأس" يختزل هذه الشواهد الحسّية لشاعرنا في مجموعته.

المنفى:

لتجربة (المنفى) عند الحسينيّ شواخصُها الحسّية، وشواهدُها على ما عاشه الشاعر خلال حياته من ضغوط نفسية عبر ما مرّ به شخصياً، وما عاناه غيرُهُ من الشباب، وما عاشه وطنُه خلال سبعينات وثمانينات القرن المنصرم ـ فترة عنفوان صباه وشبابه ـ نتيجة قناعاتهِ الفكرية ومواقفه، وعلى وقع ناقوس الخطر المُحدِق بهم حملوا أثقالهم على أكتافهم وطناً مثقلاً بالجراح والنزيف راحلين (اختياراً إجباريّاً) مُنهَكين بهمٍّ قاسٍ، وجرحٍ غائر، مشتتين في المنفى وفي (الوطن)، لنقرأُ ما يقولُ في قصيدة "شُرُفات" ص 38:

في المنافي البعيدةِ

والقريبةِ

المُختارَةِ بعناية

والمُجبَرون عليها عنوةً

وهل دون عينيكِ من منفىً قريبْ

المُترفّهون بها

والضائعون

والذين حملوا أوجاعهم

يظنون أنها ستهدأ

يجترّون عَدَّ أصابعهم

يستحضرون ما مضى

تماثيلَ مُنهَكةً

.......

وفي المنفى ظلّوا مع أوجاعهم بلا نهايةٍ، وهم الذين حملوها من بلادهم ليستقرّوا في المنافي البعيدة أملاً بأنْ تهدأ آلامُهم وهمومُهم، لكنَهم صُدموا بأنّها قدرٌ منحوتٌ بعمقٍ لا فكاكَ منها. هي إرثهم التاريخيُّ الوطنيّ غيرُ القابلِ للمسح والإندثار. فما هي إلا حسابُ أيامٍ تمضي بنصالها المنغرزة في القلب، وذكرىً مُجترَّةٌ وعضُّ أصابعَ، ليُمسوا كالتماثيل المُنهكة من الجمود في مكانها.

فهل من شهادةٍ واخزةٍ أكثرُ من تباريح شاعرٍ منفيٍّ رغمَ إرادته وحُلُمهِ أن يكونَ آمناً مطمئناً في بلادٍ تسيّدَها منْ هو غيرُ قادرٍ على أنْ يكونَ الحاديَ القائدَ العادلَ الحكيم!

هذه الشهاداتُ القاسيةُ قساوةَ المناظر التي شهدها الشاعرُ الشاهدُ بمِنظارهِ البَصَريّ الحادِّ والبَصيريّ النافذِ الدقيق، وعينهِ الشعرية، وأنامله الصائغة الماهرةِ، وصُوَرِه اللغويةِ البلاغيةِ الحاذقة، هذه الشهادات تنقل الينا ما رأى شاعرُنا لنغنيَ ألماً ذبيحاً على وقع موسيقاها الصادمةِ. هي إرادتهُ أن تكونَ شهادةَ مَنْ رأى وعايشَ، لنرى معه نحن أيضاً بأحاسيسنا ومعايشتنا، ثمّ أحكامنا.

هذه المشاهد بسنانِ رماح حوادثها ووقائعها الدراماتيكية الفاجعة أوقعت شاعرنا في مهاوي وجعٍ لا ينضب، وألمٍ لا يسكنُ، ويأسٍ يطردُ أحلامَ الأمل لشدّةِ ما رأى ونرى، وعظمةِ الصخرةِ على صدر الوطن، وكثرةِ السيوف الطاعنةِ. قصيدةُ "يأس" المذكورة شاهدة صريحة. وكذا قصيدة "جوّالون" ص 19 :

جوّالون من ألفِ عامٍ وعام

نزاولُ لعبةً خرسى

جوّالون فجّرنا الحياة

على وسائدِ الهمِّ والنطع

وأضغاثِ الكلام

سِيّانَ إنْ بدَتْ تجري

وتحملُنا الرياح

وإنْ قذفَتْ بنا على رملٍ

نسي أهلَهُ في لُجّةِ السأم

عامٌ يتبعُه عام

جوّالون لا نرقى إلى حُلمِنا

و لا يرنو إلينا

نِمنا ونام

في صحوةِ الألمِ النديم

......

الجوَالون في المهاجرِ والمنافي البعيدة نديمُهم الألم، وأعوامُهم تمضي وتمضي في هائجاتِ السأمِ، بلا حلمٍ رفيق. إنها شهادة وصرخة المنفى، ونازلةُ القهر والظلم، وشتاتُ وطنِ ضاعَ بين هذا وذاك.

أمّا قصيدة "سُبُل" (ص 15) فنجدُ فيها إشارة الى علّةٍ من عِلَلِ اليأس الماسك بخناقِ النفس، والزاحفِ في ثنايا شِعره شاهداً:

بالجنون

غمسْنا كلَّ شيءٍ

فآثرتْنا السُبُلُ باختياراتها

أفردتْنا في زنازينها

دون إيماءةٍ منّا

أو قرارٍ خجول

شرعَتْ تبتني صروحَ أوثانها

على سفوحِ أعمارٍ

أوثقَها العتاةُ بالرهن

تسيرُ القوافلُ

وترمي بفتاتِ أيامنا

خلف متاهةٍ ليسَ لها

رأسُ نملةٍ منْ نمالِ البلاد

وهو يأكلُ منْ أحيائنا

.........

الألم الجوّال في قلب شاعرنا هو البوابة المشرَعةُ على اليأس الذي تسرّبَ في نفسهِ عميقاً منْ هولِ الوقائع. يقول في قصيدة "طَرْقٌ أول" ص 17:

أسمِعْنا، أيُّها القَدَرُ، حفيفَ خُطاك

كي نعودَ الى بدايةٍ أخيرةٍ

الى وجهةٍ أُولى

نلبسُ جلوداً خشِنةً

لنرتعَ في ذاتِ الصراخِ

وذات الطَرْقِ

يا لهونِ الكلام

بين منْ فَقدوا حاسّتَهم له

منذ الولادةِ المُبكرةِ للجري

تأرَّقَ صوتُهُ

على حافات الألمِ المُتماسكة

الأمل:

بقول الشاعر مؤيد الدين الطُغُرائيّ:

أعلـِّـلُ الـنـفسَ بالآمـالِ أرقـبُـها

ما أضيقَ العيشَ لولا فسحةُ الأملِ

صدقَ الطغُرائيُّ: الأملُ قاربُ النجاةِ للنفس البشريةِ في خضمِ الموجِ المتلاطمِ للصعابِ والمشاقِّ والمعاناةِ والآلامِ المُسببةِ للقنوط والاكتئاب واليأس. لولاه لبقيَت النفسُ تتلوّى في كهوفِ الألم، بلا أفقٍ مشرقٍ. إنّه إكسيرُ الحياة، ونافذةُ القلبِ المُطلةُ على فضاءاتٍ عامرةٍ بالتفاؤل، ومُلهِمُ الشعراءِ والفنانين والمفكّرين، وعليه بُنيَتْ أعمدةُ النجاح والجمالِ والبهجةِ والحبِّ، والتقدّمِ والارتقاءِ للأمم والجماعاتِ والأفرادِ. إنّه خلّاقُ النصوصِ الفنية الراقية، والأسماء الكبيرة، وقادةِ الثوراتِ العظيمةِ على مدى التاريخ الإنسانيّ.

فهل يمخرُ شاعرُنا (يقظان الحسيني) عُبابَ الصعابِ والعواصفِ بزورقِ الأملِ الشعريّ بعد تلك القواصفِ والنوازلِ منَ الحزنِ واليأسِ وغياب الحُلُمِ خلف ضبابِ المشاهداتِ والمعايشاتِ؟

سؤالٌ تُجيبُ عنه بعضٌ من قصائدِ المجموعةِ، مثل "أشرعة" ص 11:

هي اسلحتي الساكنةُ

ورثـتُها على مهلٍ

لا فوهات لها

وخضْتُ حروبي

..........

أيصدأُ الخوف؟

أم يتمكنُ من اللحاقِ

بطيّاتِ الأجل

أنا الأبيُّ

نسجَتْ دودةُ القزِّ

حريرَ أشرعتي

يقولُ في قصيدته الذاتيّة أعلاه شاهداً لمعاناته الخاصة: أنّه هو الأبيُّ العصيُّ على الخضوعِ لنازلاتِ الألمِ الناشباتِ سنانَ رماحها في وجدانِهِ المرهفِ (حرير أشرعتي). إنّها أشرعةُ أحاسيسِهِ ومكامن نفسهِ التي خاضتْ غمارَ الهائجاتِ منَ الوقائعِ والأيام المليئةِ بما يُثقلُ كاهلَ النفسِ الحسّاسةِ في هذا العالمِ المضطربِ بالفوضى غيرِ الخلّاقةِ. هو ينتظرُ الفجرَ الجديد الحاني بأملهِ وإشراقه، وهو الذي يلتقط أوراقَه المتساقطةَ واحدةً..واحدةً.. لتلتحمَ في نفسه صَلابةً تصدُّ الرياحَ الهائجةَ. إنّه (الأملُ) مُطلّاً برأسهِ وسط الضبابِ المخيِّمِ في عالمٍ مُضطربٍ بلا أفُقٍ مرئيٍّ مضيء:

عصافيرُ مُكتظّةٌ تبوح

تنتظرُ مطلعَ فجرٍ يحنو

وأحنو ويحنو

الياسمينُ

(قصيدة "الياسمين") ص 37

ويقولُ أيضاً في قصيدة "أبنوس" ص 45 :

لا تنحني

تلتقطُ أوراقيَ المتساقطةَ

أنا أناولُكَ إيّاها

واحدةً واحدةً

لنصُدَّ رياحاً هائجةً

لقد عثرَ شاعرُنا على (الأمل) في ثوّار انتفاضة تشرين الأول 2019 في العراق، وثورتهم الكبرى في وجهِ الفسادِ، وضياع الوطن، ومعاناة شعبٍ عريقٍ، وحضارةٍ تمتدُّ في عمق التاريخ، فكانت أبرزُ قصائدهِ فيها وفي تخليدِ شهدائها: "هتاف"، "في عيد تشرينهم"، "نبض". لقد فجّر المنتفضون في نفسِه جمراتِ الحلم ليُشرقَ الأملُ الغافي في أعماقِه، فيرى النورَ في آخر النفق.

الرمـزيّة:

يتجهُ الشاعر (يقظان الحسيني) في فنّه الشعريّ إلى عنصر الرمز في الأسلوب والتعبير والتصوير. فالرمز من عناصر الشعر المُحدَث المتأثر بالمدارس الشعرية الغربية، وهو  يطغي على الكثير من النصوص الشعرية في هذه الأيام، وكأنّه مقياسُ الشاعرية عند البعض. بعضٌ من الشعراءِ يلجأ الى الرمزية حين يريدُ النأيَ عن التعبير بلغةٍ خطابية مباشرة أو سهلة في نصّه. وهذا اللونُ من الكتابة يستوجبُ قراءةً فاحصةً (مُماطِلة)، ونظراً دقيقاً، وحسّاً قادراً على التقاط المضمونِ الكامن خلفَ الشكل. فالشاعرُ الحاذقُ الماهرُ المتمكّنُ منْ أدواتهِ الشعرية يستخدمُ هذه التقنيةَ الفنيةَ بشكلٍ لا يُسقِطُ النصَّ في التعقيدِ والغموض المُستعصيّ، وكأنّ في هذا دليلاً على الشاعرية. كلُّ القصائد قديماً وحديثاً ـ التي تُصاغُ بشاعرية كبيرةٍ ـ فيها من الرمزِ الكثير. أليسَ المجازُ والكنايةُ والاستعارةُ والتوريةُ ـ مثلما تردُ في النقد العربي القديم (البلاغة) ـ طرُقاً في القول رمزاً؟ 

يقولُ القاضي الجرجاني:

"ليسَ في الأرض بيتٌ من أبياتِ المعاني لقديمٍ أو مُحْدَثٍ إلا ومعناه غامض".

ويقولُ ابنُ الأثير:

"أفخرُ الشعر ما غمُضَ فلم يُعطِكَ غرضَه إلا بعدَ مماطلةٍ منه".

الغموضُ (الرمزية) في قولِ القدماءِ لا يعني الانغلاقَ والاستعصاءَ على مداركِ القرّاءِ، وفهمِهم، بل الجهدَ (المُماطَلة) في فهم المعنى وإدراكِهِ من خلال معايشةِ النصّ، وحذاقةِ ودقّةِ النظر فيه، واستكشافِ ظواهرهِ ودواخلِه، وبلاغة أسلوبه وصورهِ المُتخيَّلة، بالاعتماد على الثقافة الأدبية والعامة العميقةِ، والعقلِ الواعي، والإحساسِ العالي، والإلمامِ باللغة نحوِها وصَرْفِها وبلاغتِها، والعلاقةِ بينَ اللفظِ والمعنى والصُوَر. بمعنى أنَّ على القارئ أنْ يُماطلَ (يتأنّى ويُطيلَ النظرَ) ويُصارعَ النصّ حتى يحوزَ على الغرض الكامن خلفَ إبداعهِ.

 

عبد الستار نورعلي

آذار/مارس 2021

 

 

علي المرهج"أنا ريشة، لا يحملني سواي"

"كل سبورة للمحو إلَا سبورة حُبك.

لهذا هي بيضاء وهي مُضيئة،

ولهذا الذي أكتبه فوقها يلتصق بها كريش يمامة".

يُدون وسام هاشم في مجموعته الشعرية "نصوص السبورات" نصوصاً شعرية تكشف عن حجم الألم والمعاناة التي عاشها هو وأبناء جيله، بل يكشف عن حجم الحُب الذي تحمله قلوبهم للحياة، حتى وهم يحملون البندقية ويموت صديق لهم في أرض المعركة.

"شطبتني المعركة وأعادتني جريدة

خذلني النفط وقبلتني السهول"

النفط ذلك الذي وجد في بلادي، فكانت نقمته أكبر من نعمته، فهو سلاح المعركة الذي كتب نهايات أعمار شباب العراق ولا زال.

النفط أو الذهب الأسود سود وجوه العراقيين والعراقيات، لذا نجد وسام هاشم يوظفه في نصوصه الشعرية.

أجد أن افظ "السبورة" إنما هي عود من الشاعر للحظات الطفولة والصبا في الكتابة ببراءة، والمحو بعد العتب الحبيبة.

بياض ونقاء يرسم وجه القصيدة رغم كل المرارات التي عاشها الشاعر، فطبشور أبيض:

2343 وسام هاشم"كان الحُب مُعلقاً على سبورة العائلة أبيض"

 يكتب سجل الحب والحرب:

"الحرب أتت يا أخي ونامت فوق السرير الذي تركته..

لم تخرج لكنها أخذت منا شمعتنا تذكاراً لليلها الطويل"

أما الحُب عنده فهو قرين الحرب، أو العيش في إوارها حالماً بحياة تشبه الحرب:

"شظية في العُنق ويلتفت

شظية في القلب ويُحبها

الحرب في دُرج الملابس،

فوق جدار الحديقة"

...

"الحرب في مترو تنتهي بعد ساعة وخارجها لا تنتهي أبداً".

أول حضارة تشكلت من الطين، هي حضارة سومر التي خرج منها وسام هاشم يعشق الطين، ويخافه، فهو تشكيل صورة البشر، وهو تشكيل لمساكن الحضارة الأولى في "أرض سومر"، فكل الحياة نشأت من الطين وعنصر الوجود الأول، الماء، ولك الأديان السماوية تؤكد أن أصل الخليقة تكون من طين "فاستفهم أهم أشد خلقاً أم خلقناهم من طين" (الصافات/ 11)، و"خلق الإنسان من صلصال كالفخار" (الرحمن/ 14)، "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين" (المؤمنون/ 12)...إلخ.

"من يستطيع أن يززعني بلا طين"

الطين هو "الهيولى الأولى التي تشكل منها الوجود الأصيل، أو قُلّ الوجود البريء، ولا رسم لمعالم التشكيل لذواتنا من دون هذا الطين الذي كتب على ألواحه العراقي القديم قصة الخليقة، والبحث عن سرّ الخلود، والطين والماء علَة ومعلول:

"ومن قلب نهر اغتسلت.

وإلى قلب النهر أعود"

وكأنه يُعيد انتاج شذرات "هيرقليطس" في قوله "أنك لا تنزل النهر مرتين"، وفي كل نزول لك إنما هو رسم لحياة جديدة، فالعود للنهر يشبه فكرة "العود الأبدي" الذي يشي لنا بأن "التعميد" في الماء أو النهر تجديد للحياة مرة أخرى.

لم يتجاوز وسام هاشم الاستعارة من الموروث العراقي القديم الذي لا زال حاضراً، فقد كان الرافدي القديم يعتقد أن العين الحاسدة تبعث إشعاعاً يفقد قدرته على "الحسد" حينما يتشتت في منافذ التعويذة ذات السبع منافذ، أو "أم سبع يون":

"علقوا سبع عيون على راياتكم.

علقوا راياتكم ولا تُرفروا"

الحُب قصيدة الشاعر التي لا تنتهي، ولن يوقف نزيف المحبة في نصوصه سوى جفاف قلمه الذي لا زال يكتب "غلطته" كلما أبدع في انتاج نص للحب يتحدى فيه كل شرور المعرك التي خاضها وهو لا ناقة فيها ولاجمل..

لم يرغب وسام هاشم في استخدام" خطيئة العراقي" واستبدلها ب" غلطة العراقي" لأنه يظن أننا قادرون على تجاوزها، وهي ليست قدراً كما الخطيئة كتبها الله لعقاب آدم..

 

ا. د. علي المرهج

 

 

جمعة عبد اللهتتوسم هذه الرواية في اسلوبيتها المتميزة في براعة الاسلوب اللغوي، وصياغته بشكل فخم وببراعة مشوقة، بأساليب تقنيات متنوعة من اشكال التعبير الادبي. وتسهم اللغة السردية بشكل مهم في البناء الرؤائي ومنظوره الفكري ، في تناول الأحداث النص،  في وسائل لغوية وفنية متعددة في السرد وحبكته. في ابراز معالم الرؤيا والرؤى الفكرية بالطرح الصريح بالجرأة الثاقبة، في التناص بين الماضي والحاضر الواقع، في تناص الارث الحضاري في الطين السومري. براعة في الاستنطاق والاستنباط الموروثات الاسطورية والدينية، في محاججة بافعال الحاضرالقائمة ، بعمق الرؤية البليغة الدالة في الايحاء والرمز في شفراته، التي تملك عمق وقوة المحاججة والمناظرة بثيمات أو موضوعات الواقع التي انحرفت عن اصلها وهويتها واصبحت هجينة عن واقعال طين السومري، براعة في محاججة الذات للذات والى الذات في الصوت والصدى،، الحوار الداخلي والخارجي (ديالوج) براعة في استلهام الدراما بفعلها الصاعد، ليكشف عقدة الحوار، وعقدة الفعل في الايحاء الدال بالمعنى والرمز. بدون شك لقد وظف الروائي (واثق الجلبي) براعته في لبس قناع بطل الرواية او شخصيتها الاساسية لينطق بأسمه ويحركه بأفعاله، والتخفي وراء هذا القناع بكل اوجاع الصوت والصدى وهواجسه القلقة ، ومايخفي داخل الذات من ركام فكري هو انعكاس لعدسة الواقع المزرية والمخيبة. بداءً من عنوان الرواية (فقيه الطين) يدخلنا في دهاليز البحث في المعرفة اللغوية والفكرية وكذلك في رمزية العنوان الدال، الذي يفتح باب التأويل والتفكير والمحاججة في التحليل والتشخيص. هو يملك عمق  أو خلفية معرفية بالحضارة الطين السومرية ، وفقها القائم على التشريع، فمفردة (فقيه). يعني الجهة المخولة التي شرعت ناموس الحياة والحضارة، وقامت بالتنظيم المتناسق والمرتب، ليكون الوجه الحضاري المشع بالحكمة والتبصير. والشق الثاني (الطين) هو يرمز الى البلد أو بالاحرى (العراق) هو بلد الطين الذي كان بحضارته الشامخة كانت مصدر التشريع والناموس والقانون. والارث الحضاري لبلد الطين يؤكد على ذلك، في الخلفية الحضارية التي كانت مصدر النور والاشعاع الرقي للانسانية المتطورة والمتحضرة. من هذا المنطلق يحاجج الارث التاريخي في مدلولات بالمقارنة بأفعال الحاضر أو اليوم. هذه براعة المتن السردي، الذي جمع الارث الحضاري قاعدة للمحاججة، تنطلق من الذات والى الجمع، ثم يعود مردوداتها وانعكاساتها على الذات، في المحاكاة الجدلية بين الذات ومفردات الواقع، التي تعتمد على الجدل السقراطي (نسبة الى الفيلسوف سقراط في فلسفة الجدل) على ربوع بلد الطين وما يحمله من معنى، وما أنتهى اليه من الخراب والفوضى في عواصف الجهل (الطين الجامع لكل فضائل المعرفة، لا ينبغي له أن يستسلم أمام الجهل، حتى في ظلمة الطين، كانت بمسحة المعرفة، فالظلال ليست من الظلام في شيء.... فتح بوابة الطين على مصراعيها لتغمره نور المعرفة حتى تمدد الطين فأن ذلك لا يستغرق اكثر من مساحة ألم محدق بفكرة مرتوبة من النور الجاثم على فكره..... النور لا يستطيع حمل الماء لكن بأستطاعة الطين أن يحمل النور والماء والهواء ولهذا المخلوق تمت الكلمة وصار كائناً أبدياً) ويشعر شخصية الرواية المحورية (وخلفيته الروائي العليم المقنع وراء هذه الشخصية)، بأنه محاصر بالاختناق، ومحبط بالخيبة واليأس والانكسار من كل جانب في هذا الزمن الخائب بالاحباط ، الذي اطلق زوابع القلق والتوجس. يشعربثقل ثقوب الزمن المتصدع في شرخ التأزم والصراع. يخشى ويتجنب الوقوع في فخ لوثة الوشاية الطائشة من ان يصل كلامه الى وزير مخمور، أو زعيم ديني طائش،  وبالتالي سيهدرون دمه بكل بساطة وسهولة كشربة الماء، في هذا الزمن الرديء، يشعر في ثقل ظلمة الزمن، كأنه تحت وطئة الاعتقال الرسمي، وهو وسط مجموعة من الموظفين المنافقين الذين يعرفون كيف يتسلقون على اكتاف الآخرين. وهو موظف بسيط لم يتعلم فنون الوشاية والنفاق  (تم اعتقاله هنا في هذا الزمن وهو معتقل.... والاهم من ذلك هو المعتقل الرسمي في هذه الاضطرابات الزنزانية) ويشعر بأن افكاره ستجف في هذا الاعتقال الحياتي اذا لم ينطقها ويحاكيها ويكتبها، وانه إن لم يفعل ذلك سيصاب بالجفاف العقلي في الحيرة والفوضى والانفلات. في هذا الزمن الذي يدفع الانسان الى المهانة والنذالة والانتهاك. هذا الواقع الذي شطب وحذف حكمة الطين من قاموسه اليومي. وكانوا قديماً حكماء العالم يسترشدون بحكمة الطين (الحكمة الطينية العراقية التي أخذها العالم القديم والحديث وعزوها لأنفسهم، أحس بالضجر لأن العالم اليوم ليس كالامس، فهو ليس حكيماً وبطانته من الخونة والانتهازيين، ولا يوجد مشتار يحمل أمانة الامة.... حكمة العراق تسري في دمه فقد انقذ العراق العالم من الجهل) لماذا اصبح العراق مصاب بلوثة الجهل بهذا الشكل المريب، وهو يحمل حكمة فقيه الطين؟. لماذا وصل الطين الى هذا الحضيض والى المستنقع العفن. كأن هناك من نصب فخاً له للدمار والخراب ، وهذا ماحدث فعلاً بعد الاحتلال. والرواية تتحدث عن الفترة المظلمة ما بعد الاحتلال عام 2003.. وصار في اسفل حضيض الدول الفاسدة والمتخلفة، بينما كان ارثه الحضاري نبراساً للعالم (حكماء العراق سبقوا حكماء الصين والهند ومصر وفلاسفة اليونان) كان يملك الكبرياء والشموخ بما يملك من حكمة التسامح، بالعقل الناضج بالناموس والقانون والشريعة. اصبح العراقي جائعا الى الحرية لكي يتنفس من خلالها. يبحث عن متنفس للحرية، حتى لو رحل الى المريخ أو الى زحل، والى أي بقعة آخرى في العالم، فيها يتنفس قبس من نور الحرية. حكام اليوم دنسوا ارض الطين، مرغوها في الوحل، وأطفأوا الانوار، ليعيش العراق في الظلمة (أينك يا نور الطين وطين النور... خذهُ بلا رحمة الى ذلك العالم.. أغسله من جديد على شاطئ الفرات ليعود بأعين جديدة... أظمأه كثيراً ذلك الحرف فلقد طمح بالمزيد لتحترق روحه بالضياء غير المدنس بالخدع) لذلك يصبح الكلام لناطقه جريمة، والحرف ممنوع شرعاً عاقبته كاتم الصوت بلا جدال، بهذا الشكل يشعر شخصية الرواية أنه مطارد في جريمة قول الكلام والحرف، في ظل التأزم والصراع الحياتي في هذا الزمن المغلف بالانهزام والاحباط. أنهم لا يعرفون عن العراق سوى مغانمه من الذهب والدولار والسحت الحرام، كل شيء مستباح لهم، لانهم يتصورون أنفسهم أنهم ابناء الله، وابناء الشعب هم ابناء الشياطين، فالقصاص بحقهم عادل بالحرمان من حق العيش والحياة. ومن يخرق شريعتهم تصيبه زوابع الموت والاختطاف الى المجهول. أنه عهد الخوف، جمهورية الخوف بأسم الله والدين والطائفة، عراق القلق والفقر والجوع (في عراق كلاب السياسة، تناسلت الاحزاب البغية وعهرها السياسي، ليحكم العراق قوادون وحمير) ولهذا ينهش الخراب في كل مكان. وسدت الابواب والمنافذ في وجه العراقي. والى اين يرحل هل هناك حيلة تنقذه من هذا المأزق، فقد اصبح العراق عبارة عن زنزانة أو سجن كبير. وبهذا الشكل تصرخ الاسئلة في داخله بالغضب المدوي. بين الصوت والصدى.

(الصوت: لماذا بكيت عندما اتيت الى هذا العالم؟

هو: لم أكن أريده

الصوت: وهكذا ستبقى؟

هو: هل ستأتيني السكينة يوماً؟

الصوت: ربما

هو: سأظل أكتب كل شيء

الصوت: لا أعبأ بما ستكتب حتى وان كتبت حلمي

هو: هل تحلم؟

الصوت: أحلم بما تفكر فيه أنت...)

هذه عقدة الصراع المتازم داخل شخصية الرواية، بالمعاناة الجاثمة على صدره. ويشعر بالاختناق، وهو يعيش في واقع يرفس أنفاسه الاخيرة.

(الصوت: ألا تكف عن الاسئلة؟

هو: أنا أدونها الآن ربما أجد جواباً وحداً يغنيني.

الصوت: هل يوجد جواب لأسئلتك كلها؟

هو: يوجد يا صديق

الصوت: كيف؟

هو: أذا أرجعنا كل شيء الى شيء

الصوت: هذا كلام الحالمين

هو: لا يا صديقي... لابد من الاسئلة حتى شفير النهاية

الصوت: ستكون نهايتك قريبة.

بلد الطين فرش سجادة الحزن والمعاناة بغياب الحكمة والعقل. واصبح تابع لحكمة معابد الاوثان، التي جعلت العراقي يركض وراء فقاقيع الامل المتبخرة بالوهم والسراب، وهو متأرجخ بين الجحيم الموت. والمفاضلة تعوده له بأي شكل يتجرع السم القاتل، كما اصبحت الكلمة الشريفة مطاردة بالسم القاتل. لكن روح التحدي تبقى حية، برفع شعار الكلمة حتى النفس الاخير.

 

جمعة عبدالله

 

 

عبد العزيز قريشسيرا معا نحو المستقبل، استشرافا لقصة رحلة العمر نحو المجهول: (طريق إلى الجحيم)*، لكاتبها اليافع هشام فتحي

ما أجمل أن يقرأ المرء ليافع عن معاناة الآخرين في مسيرة حياتهم، لعله يتخذ منها صوى طريق مستفيدا من أحداثها وتفاصيلها في درب سنينهم الدنيوية، تلك التي قد تأخذ فيها الأحداث طابعا قهريا اجتماعيا، يخلقه الآخر للآخر، ويبدعه للسيطرة عليه والتسلط عليه وقهره تحت عناوين عدة ومسميات متنوعة التعابير والتراكيب ومفاهيم ركبت باسم المؤسسة، والمؤسسة هنا متعددة المضمون والأشكال، تنضبط مظهريا لقانون التشريع والتنظيم والهيكلة؛ بدء من الأسرة وانتهاء بالدولة ومجموع مؤسساتها الرسمية والمدنية. واستثمار العقائد والإيديولوجيات والثقافات والتقاليد والعادات والموروثات الإنسية في إضفاء المشروعية على قهر الأحداث، فتارة باسم بالسخرة، وأخرى باسم الصراع الاجتماعي، وثالثة باسم التدافع الحضاري، ورابعة باسم القناعة، وخامسة باسم القدر، وسادسة باسم التدبير السياسي، وسابعة باسم طبيعة المجتمع الإنساني وتركيبته الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وعاداته وتقاليده وضرورياته ... فتتعدد الأسماء؛ وتظل النتيجة واحدة، المعاناة والقهر والإحباط واليأس والذل والهوان والخنوع والاستسلام لمشيئة الآخر المستبد في عالم الضعفاء والمقهورين والفقراء والبؤساء والمحبطين واليائسين. فأغلب المتاعب والمصائب والعذابات هي من صنع الاستبداد والقهر، الذي يعلو الإنسانية كلها في العالم. فلا يترك للأمل فسحة حضور أو وجود، فهو يرهب ويخيف كل ضعيف بائس يائس، ويدفعه إلى الهروب من حياته، بل من وجوده! مأساة إنسانية يعيشها القارئ مع أحداث الطريق إلى الجحيم، التي تشكل مجموعة من الأسئلة الحارقة والمحرجة مخترقة وعي الإنسان لمساءلته عما فعل ويفعل بنفسه أولا قبل الآخر. فهل هناك أشد وطء على الإنسان مما ينزع عنه إنسانيته ويحيله إلى كتلة لحمية وجودية تقتات على المعاناة لتعيش رغد الحياة أو ضنكها؟ كل فيها يتسابق على تملك الأشياء حتى التخمة والترهل وتبلد الإحساس! فيغدو طفلا يتمحور العالم حول ذاته لكثرة أنانيته؛ فكل شيء له دون منازع وإلا فالبكاء والحرب سبيلا لتحقيقه نوازع ذاته وأحلامه ومتطلباته؟! هو الفراغ الروحي والتكلس العقلي والتخلف النفسي، ومحدودية الرؤية وانحسار فضائها وضيق أفقها تقتل الوعي والعقل والقيم، وتحيي حنين الهجرة والهجر في نفوس المظلومين والمقهورين والبائسين فاقدي الأمل في العيش والتغيير، وتسافر بهم إلى المجهول مقامرة ربحا أو خسارة ... فتطوى أوراق وصفحات من التاريخ الإنساني، وتفتح أخرى في دفاتر الذكريات، وتدون سجلات الميلاد الجديد لأرواح تولد من جديد بعد عودتها من رحلة الموت، فتحكي ما جرى لها من محن وتجارب في سبيل الالتحاق بالآخر والعيش في كنفه منعما أو معدما؟ وهو لا يدري كيف يجيب عن علامة الاستفهام التي قطع المسافات الطوال من أجل رسمها على كل خطوة يخطوها إلى المجهول، فتحفرها في أسمال رحلته نحو الأمل المولود من رحم خيوط الفجر في بلاد المهجر. ذلك الذي طلع أخيرا في أحد صباحات أوروبا المشرقة على أسماء دونتها رحلة من دول الموز إلى دول الحرية والفرص وتحقيق الذات ...

هي المأساة التي عاشها ويعيشها المهاجرون السريون غير الشرعيين طلبا لحياة أفضل، تبني رؤية سيميولوجية تحمل نقدا للمجتمع ومؤسساته وأفراده، وتسائله عن جدوى وجوده على وجه البسيطة، وهو بائس يستجدي الآخر الكرامة والرفاهية، ويستقي منه وجوده الإنساني حتى صار مضرب كل مثال في حياتها! وقد كان من الممكن أن يكون له ذلك في موطنه الأصلي لو كان الوعي الإنساني يستوطن سماءه وأرضه ومياهه، وتستولي عليه القيم الإنسانية الواردة إليه من عالم السماء والأرض! لكن تصمت اللغة على شفاه نهاية الحكي؛ حين تحقق حلم المهاجر غير الشرعي بالالتحاق بعالم الآخر، العالم الذي سيظل يجذب إليه البؤساء واليائسين من الضفة الأخرى حتى يتحطم على فقر الوعي المحمول على قوارب الموت. فحينها سيعلم ما جنت يداه حين لم يمدها إلى الجنوب تنمية وتطويرا، وحصرها في النهب والاستغلال والقتل. فها هي تعود إليه ملفوفة بورق السلوفان وعلى الفطرة والبراءة، تحمل في جيبها عشبا وورقا وعود ثقاب، وفي عقلها عقما، وفي قلبها حقدا وغلا لما فعلته تلك اليد الأثيمة بالأسلاف ومازالت تفعله بالخلف!؟ فها هي دول من الشمال تنحدر إلى الجنوب، ويستوطنها ما يستوطن جمهوريات الموز؛ حيث الانحدار يعلو سلوكها مع المهاجرين، ولغتها متخلفة تخلف خطابها، وسياستها أخرق من سياسات تلك الجمهوريات التي تسمها هي بالتخلف. فقد تعرت في زمن " كورونا " من فساتينها الزاهية؛ لتبدو سوءتها المنحطة في أسوء مشهد إنسي! فهي في الواقع ليست أرقى منا، ولا أفضل منا، ولا أحسن سلوكا منها ... فمشاهد القتل والإجرام بحق مواطنيها قبل إجرامها بحق الشعوب الأخرى دليل على الانحطاط الإنساني والقيمي والخلقي والمسلكي. فهي تمتاز عنا فقط في فرص المعيش اليومي الذي لا يساوي جناح بعوضة عند الوعي والعقل العاقل ...

هي معاناة في الرحلة ما كان الحكي يقف عندها؛ وإنما كان عليه الاستمرار في السرد عن المعاناة الكبرى التي يواجهها المهاجر السري في تسوية وضعيته بالمهجر، واندماجه في مجتمعه، وما يتعرض إليه من الاستغلال الاقتصادي والنفسي والجسدي! بل؛ ما يتعرض له من عبودية جديدة في بلاد الحرية والفرص، وكيف يرمى به على قارعة الطريق مسكنا وملبسا ومأكلا ومشربا؟ وكيف تنظر إليه تلك الدول وهو يتوسل مساعدة؟ وكيف تتعامل ثقافيا معه ومعطياته الاجتماعية والثقافية والعقائدية والإيديولوجية؟ ... كيفيات تطرح مجموعة من علامات الاستفهام على المهاجر؛ كفيل واقعه المعيش المستور بورق التعالي منه أو التورع عن ملامة النفس أو النأي بالنفس عن فتح الجراحات والملفات المدفونة في اللاوعي تفاديا للألم والحسرة على زمن مضى ويمضي إلى كتابة تاريخ المعاناة في بلاد المهجر، الأمل المفقود لمهاجر سري قلما يفلح في تسوية وضعية إقامته بربوع مهجره! فالأمل المفقود يظل مطاردا من المهاجر الذي هو الآخر يظل مطاردا من الشرطة وأعين المجتمع ونظراته المشؤومة ... فالجوع عند الوعي العاقل في وطن الأصل والمولد ألذ من كسرة خبز ملوثة بالحقد والاحتقار والسخرية والعنف الرمزي إن لم يكن عنفا ماديا بألف درجة. لكن في ظل تغير القيم وتبدل الرؤية وفلسفة العيش أضحت الرفاهية الاقتصادية هدفا لذاته ولا وسيلة!؟ فترى من صنع كل ذلك بنا؟ أهي الحياة جحيم بطبيعتها أم هي بشريتها صانعة ذلك؟ ...

ففعلا؛ الحياة جحيم صنعته البشرية الغائبة عن فهم معنى الحياة، ووعي حقيقتها، حين سقطت في أتون الصراع عن ألوان طيفها، لتحصيل لوحاتها الفاتنة، الآخذة بلب عقولها، وبناصية رؤوسها إلى حتفها الأبدي، الذي تتكسر على صخوره البازلتية أحلام مفردات جمعها الكتلي، الذي يحلم بأساسيات الحياة متوفرة توفر الأوكسجين في غلاف كرتها الترابية؛ يمد كل كائن حي فيها بنبضات قلب تدخ في جسده الاستمرار في الأمل المحمول على شرفات المستقبل، المطل من إشراقة شمس كل يوم جديد. يتأمل منه الخلود لمخاطبة العقل والقلب، كي يفكر ويحب؛ يفكر في بعث كل يوم فكرا حرا مستقلا يغدق على الإنسانية عطاء ورفاهية، ووعيا وحضورا بكل تجلياته الإنسانية واختراعاته التكنولوجية. ويحب كل الإنسانية بكل العواطف والقيم النبيلة، التي تجسر القلوب والعقول، وتمحو كل الذنوب والخطايا، وتمسح عن الإنسانية عذابات وآلام الدروب والصروف، وما ارتكب الإنسان من حمق وزلل. لكن؛ ومع الأسف الشديد، مازال الإنسان في عالمنا العربي والعالم المتخلف، يحلم حتى الثمالة بغد مشرق من صباحات العالم المتقدم، أساسيات الحياة متوفرة، ومساحات التفكير واسعة وشاسعة وكبيرة، وفضاءات الحب جميلة فاتنة. وفرص الحياة الكريمة مضمونة؛ قليلة هي الاستثناءات والشوارد في شوارع حياة المجتمع، ونادرة هي الأحداث المؤلمة ... فالتقدم الإنساني يحصل عندما يرتفع العقل إلى العقلانية، ويرتفع الإنسان إلى الإنسانية. وعندما ترتفع الإنسانية إلى مقامات السمو النفسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي والفكري والسياسي ... ترتفع قوارب الموت من على شواطئ الحياة القاسية، فيحيا الإنسان ويرتاح ضميره من عبثية الوجود، وما الوجود في عالم الأناسم إلا وجود إنسان الإنسانية، وما العدم في دبيب الحياة سوى انعدام إنسان الإنسانية ووجود حوافر وظلوف، وزد أذيال على قرون وقوائم. من تصنع قوارب الموت، وتعبد طريق القبور بإسفلت الجهل وموبقات الوجود، وبأمواج البحر وأحلام اليقظة، وبسجن اليأس وموت الضمير ... هكذا؛ يصنع الإنسان فاقد الإحساس، المتجلد والمتبلد، في عالم المتخلفين عربا وعجما حلما وأملا، ويضرب بعصاه البحر فينفلق بقوارب المجهول نصفين، فيكون كل فرق كالطود العظيم؛ فيغرق الحلم الأمل إلى الأبد أو تبدأ العذابات من حيث ينتهي الحلم، ويشرق الأمل، ويبقى البليد المتجلد متخلفا يصنع القهر واليأس، ويقتل الحياة في مهدها مبتسما فرحا بما فعل! ساديا مريضا لا يدري ما صنع أو يدري ذلك ويتصنع الجهل به؛ فيكون به جاهلا جهلا مركبا. بل؛ هو أحمق أكثر مما نتصور! يبدع أسباب الهجرة السرية والمعلنة معا، الأولى لليائسين والثانية للطامحين، يفرغ الوطن منهما معا؛ لكي يتربع هو فقط على كرسي مهترئ يظنه عرشا دائما مدى الدهر!؟

فالهجرة غير الشرعية في كنف فكر الحمقى والمعتوهين وأعمالهم سيميولوجيا استسلام لواقع جثم عليهم قبل أن يجثم على الإنسان المقهور، ونسف فيهم قوة إرادة مواجهة التاريخ، وقتل في مقهوريهم روح رفع الصوت في وجه الطغيان بكل أنواعه وأصنافه وضروبه. فالهجرة غير الشرعية هي انهزام في معركة التغيير الذاتي والمجتمعي، وزيادة معاناة وآلام وعذابات للمهزوم ورفع لأنانية القاهر والطاغي، وتشجيع له على التمادي في سحق الآخر ... !  فسيميولوجية هذا النص الروائي تفيد أننا أمام رحلة من الذات إلى الذات حيث التفكير في الهجرة يجب أن يراجع لما فيه من تفريغ الوطن من طاقاته، وحشد كل أعدائه الداخليين والخارجيين ضده باسم الواقع المر، الذي يتطلب رؤية مختلفة لما نعتبره سلبيات باتخاذها فرصا نحو التغيير. وهو ما يطرحه النص حين ينصح بعدم المغامرة والمخاطرة لما في ذلك من تأليم الذات والآخر؛ فتصوروا معي وقع خبر ارتقاء الروح إلى السماء على الوالدين والأهل والأولاد والأحباب والأصحاب! ولا تحصروا تصوركم في نجاح العبور والوصول إلى الضفة الأخرى؛ فهي ليست جنة بالطبيعة ولا بالضرورة، وإنما هي احتمال يحمل كل الوجوه المتناقضة. فهل من متعظ محمول على لوح وماء يقرأ جيدا واقع الحلم المأمول والأمل المنشود المفقود؟ فمن كان البارحة من المترفين أصبح اليوم من المفقرين؛ فأين المسير؟ وأي مصير؟ ... نداء قارئ لقارئ يشي بأن الرفاهية صنع بكد وجد وليست عطاء ومنحة! فالرفاهية في الإنسان لا في المظاهر والأشياء والحجر ...

 

عبد العزيز قريش

.......................

* قد تبدو هذه القراءة مبتورة من سياقها الواردة فيه؛ لكنها مقدمة لكل حكاية من حكايات الهجرة السرية والتخلف الإنساني والحضاري ...

تحمل في طياتها جان ومتجنى، لكل قارئ رؤيته الخاصة لكل منهما، وتبقى المأساة والمعاناة جارية بيننا مادام التخلف العقلي والإنساني وتوابعه يخطو إلينا وعبرنا في صمت منا ...

وهكذا يصنع الموت على ألواح طافية على الأمواج ...

 

 

مفيد خنسةأعبرُ سَمّ التوجس

حسن الزهراني

أنا الآن

بيني وبينك

أنضم حيناً إليَ وانضم حيناً إليك..

**

أنا الآن خيطٌ من النار

خيطٌ من النور

يقسمني (التوت) في شفتيك..

**

أنا الآن برقٌ

أرتقَ شعري بـ(شعرك)

ترسم عيناي عينيك في سقف قلبي

تضيئان للنبض درب الخلود

الذي شق رمل الصبابات صبحاً

على مشرقيك ..

**

أنا الآن أعبر (سمَ) التوجّس

بين جنوني وصبرك

غنيت حتى تشربت صوتك

واللحن

أضحى نخيلاَ من الشوق في راحتيك ..

**

أنا الآن

بابٌ يواربه المشتهى

وسط التّيه منتصباً

تشتريه العناكب من مارد الريب

تنسج من حوله سور وهمٍ سميك..

**

أيا امرأةً صنعت عرشها

من مرايا جنوني

وخطت على ماء روحي قصائد

لم تسبر الجن أغور إلهامها

ثم غنت فماست غصون الجوى في حبورٍ

على ضفتي نهرها ألعسجديّ المفاتن..

والغيم صفّ على فُرش الزيزفون الممرد

من تمتمات الضحى

في خشوع يصلي عليك ...)

........................

يعبر - سم – التوجس إلى فضاء اليقين

لأنه الشاعر، يأبى إلا أن يعلن مسؤوليته عما يجري من حوله، لأنه حين يعبر لا يمر عبر الأمكنة كما يعبر الآخرون، إنما يمر على قلبه بطيئا يتأمل كل شيء، يقرأ وجوه الأطفال الحالمين بالأمان والفرح، ويتألم حين لا يستطيع أن يرسم البسمة عليها، يشعر بأنين الورود العطشى، ويسمع نداءات الجداول البعيدة، ويعرف كيف تحمل النسائم عطور الجدائل الحالمة إلى السفوح التي يقصدها العشاق، ولأنه الشاعر! يأبى إلا أن يعلن مسؤوليته عن الألم والحرمان الذي يعاني منه المستضعف أينما كان، ولأنه الشاعر يبقى يحلم بالحرية والأمل، ولأنه الشاعر يأبى إلا أن يكون مدافعاً عن الحق، صادقاً حتى الشجاعة، خائفاً حتى التوجس، مستمراً حتى اليقين، ولأنه حسن الزهراني فقد قرر أن يعبر سم التوجس! من خلال قصيدته التي حملت مجموعته الشعرية التي عنوانها (أعبر – سم - التوجس) ولكن كيف؟! وإلى أين؟ سأحاول أن أجيب من خلال هذا التطبيق لمنهج النقد الاحتمالي .

 الفرع الأول:

يقول الشاعر:

(أنا الآن

بيني وبينك

أنضم حيناً إليَ وانضم حيناً إليك..

***

أنا الآن خيطٌ من النار

خيطٌ من النور

يقسمني (التوت) في شفتيك..)

هذا الفرع يبين صورة التوجس، وعقدته (أنا الآن) وشعابه الرئيسة هي: (بيني وبينك) و(أنضم حيناَ إلي) و(وانضم حيناً إليك..) أما شعابه الثانوية فهي: (أنا الآن خيطٌ من النار) و(خيط من النور) و(يقسمني (التوت) في شفتيك) .

في المعنى:

يفتتح الشاعر بالقول: (أنا الآن / بيني وبينك) فأي (أنا) يعني الشاعر؟ هل يعني أنا الشاعر؟ أم يعني أنا العاشق؟ أم يعني أناه العليا؟ أم يعني أناه الدنيا؟ وهنا سنجد أيا كان يعني بها فإن الشاعر يعلن بهذا الافتتاح أن الأنا لديه متعددة من حيث معناها وحضورها، وحين يقول: (بيني وبينك) يعني أن تقابلاً بينه وبينها وهذه الأنا هي الأنا التي تتوسط بينهما، أو هذه الأنا تقع في وجوده الآني بين طرفين أحدهما - هو أي الشاعر بذاته - وهي أي المحبوبة بذاتها، أما أناه (الأنا) فيه بين الطرفين، ويفيد التركيب بأن الطرفين قد يكونان متناقضين، أو قد يكونان متوافقين، أو يكونان معتدلين وما من شك أن (الآن هنا) تعني حالة الاعتدال، وحالة الاعتدال هذه هي ذلك (الآن) الذي يكونان فيه، هي وهو معتدلين، كما يفيد التركيب أن هذا الاعتدال آني ولحظي وليس اعتدالاً دائماً، وهذا ما يؤكده قول الشاعر: (أنضم حيناً اليّ) والحين هنا أكبر مدة من (الآن) وهو ينسجم مع حالة التناقض بينهما، ولذلك فهو ينكفئ وينضم إلى ذاته بعيداً عنها، وهذا أمر طبيعي أن يبتعد المحبّ عن المحبوبةِ عندما يكونان مختلفين ومتناقضين، وقوله: (وأنضم حينا إليك ..) وهذا الحين ينسجم مع حالة التوافق بينهما عندها تتغلب أنا الشاعر الدنيا على أناه العليا لينضم بعواطفه وأحاسيسه إلى المحبوبة في حالة العطاء والانسجام والحب، وهذا أمر طبيعي أيضاً أن ينضم المحبوب إلى من يحب في مثل هذه الحالة، وتبقى نقطة الارتكاز الأساسية في المعنى هي (الآن) التي تعني اللحظة الفاصلة، أو البرهة الحاسمة، وهي لحظة تجلي ذات الشاعر في (الأنا) القابلة للانضمام أو الانكفاء، إنها لحظة الشعور التي تتغلب فيها العاطفة في حالة انضمامه إليها، وهي لحظة الاحساس التي يتغلب فيها الكبرياء في حالة انضمامه إليه، وفي قوله: (أنا الآن خيط من النور) أي في لحظة الحب المقدس تتقد جذوة النور في أعماقه فيبدو متوحدا منكفئا إلى ذاته لا يقبل الانضمام إلى غيره ليبقى نور الحب فاصلا بينهما، وقوله:(خيط من النور) أي ثم يتحول إلى خيط من النار، حين يتحول هذا الحب المقدس إلى نداء للجسد، ويتحول إلى حب دنيوي، يتحول خيط النور إلى خيط من النار القابل إلى الانشطار والانضمام إلى غيره وهذا ينسجم مع لحظة التوافق والانسجام بينهما، وقوله: (يقسمني (التوت) في شفتيك) أي ينشطر في حبها إلى خيط نور علوي وخيط نار سفلي، حب مقدس وحب دنيوي، كانشطار ثغرها مع حبة التوت الواحدة إلى شفتين .

الصورة والبيان:

الأسلوب في هذا الفرع خبري، وقوله: (أنضم حينا إلي) استعارة، وقوله: (وأنضم حيناً إليك) استعارة، وقوله: (أنا الآن خيطٌ من النار) تمثيل، وقوله: (خيط من النار) تمثيل، وقوله: (يقسمني (التوت) في شفتيك..) استعارة .

الفرع الثاني:

يقول الشاعر:

(أنا الآن برقٌ

أرتقَ شعري ب(شعرك)

ترسم عيناي عينيك في سقف قلبي

تضيئان للنبض درب الخلود

الذي شق رمل الصبابات صبحاً

على مشرقيك ..

***

أنا الآن أعبر (سمَ) التوجّس

بين جنوني وصبرك

غنيت حتى تشربت صوتك

واللحن

أضحى نخيلاَ من الشوق في راحتيك ..)

يبين هذا الفرع صورة التحول للشاعر وعقدته (أنا الآن برق) وشعابه الرئيسة هي: (أرتق شعري ب-شعرك-) و(أنا الآن أعبر (سم) التوجس) و(غنيت حتى تشربت صوتك) أما شعابه الثانوية فهي: (ترسم عيناي عينيك في سقف قلبي) و(تضيئان للنبض درب الخلود) و(الذي شق رمل الصبابات صبحاً / على مشرقيك ..) و(بين جنوني وصبرك) و(واللحن /أضحى نخيلاَ من الشوق في راحتيك ..)

في المعنى:

الأسلوب في الفرع خبري كما هو واضح، وتفسير مثل هذا المقطع من الشعر قد يقتله ويظلم الشعر والشاعر معاً قبل أن يظلم المفسر نفسه، ومهما يكن من أمر فلا بد من مقاربة المعنى في الحدود الممكنة، فقوله: (أنا الآن برق) يعني أنه في هذه اللحظة الفاصلة يتحول إلى برق! ومن المعلوم أن البرق نور يلمع في السماء إلى أثر انفجار كهربائي في السحاب، وهنا قد تبدو الصورة متكاملة مع ما تقدم في الفرع الأول، فلمع البرق يحصل بفعل التيارات الهوائية المحملة بشحنات موجبة مع التيارات الهوائية المحملة بشحنات سالبة ونتيجة سرعة الهواء واحتكاك الشحنات بعضها ببعض يضيئ البرق ويصدر اللمعان في السماء، لعل ذات الشاعر تمثل الإيجابية في الانضمام إليها، وهي المستقبلة في حالة التوافق والانسجام فيكون لمعان الحب وضياء المسافة بينهما، وقوله: (أرتقَ شعري ب(شعرك)) أي يشبكهما معاً بترتيب وانتظام، وليس بعفوية أو بطريقة اعتباطية، وقوله: (ترسم عيناي عينيك في سقف قلبي) وفي تلك اللحظة الآنية من الانضمام إليها يتحول البصر لديه إلى بصيرة نافذة يمكنه من خلالها أن يثبت صورتها في أعلى بنيان القلب، في سقفه نظراً للمكانة المرموقة التي تتبوؤها فيه، عيناه ترسمان عينيها على سقف لوحة القلب لتبقيان شاهدتين ومبصرتين حبه الكبير لها، وقوله: (تضيئان للنبض درب الخلود)، أي ترسم عيناه عينيها على سقف القلب لتضيء إلى نبضه بالحب المقدس كي يسمو بهذا الحب ويرتقي على درجات البقاء والخلود، وقوله: (الذي شق رمل الصبابات / صبحاً على مشرقيك ..) أي على الطريق الطاهر العفيف الذي رسمه الشوق واللهفة والحنين فأضاء كالصبح على مشرقيها، لسانها وقلبها، وقوله: (أنا الآن أعبر (سم) التوجس) يعني التكرار هنا (أنا الآن) أنه في آن آخر جديد وهو آن العبور من الخوف، وهو في حالة الانضمام إليها وقوله: (بين جنوني وصبرك) يوضح ما تقدم، أي هو في حالة قصوى من الغضب والانفعال، وهي في حالة قصوى من الهدوء والتعقل، هو في حالة قصوى من الانجذاب والإقبال والتوق وهي على النقيض في حالة من الصبر والتمنع، وقوله: (غنيت حتى تشربت صوتك) أي كان في حالة من الفرح فغنى حتى بلغ صوتُه صوتَها فكادا أن يصبحا صوتاً واحداً، وقوله: (واللحن أضحى نخيلاَ من الشوق في راحتيك ..) أي وأصبحت الموسيقا تتسامى وتعلو كشجر النخيل المزدهر بالشوق بين يديها الحنونتين، لعله يعبر بين يديها سم الخوف إلى فضاء اليقين بالحب المقدس .

الصورة والبيان:

الفرع غني بالصور الشعرية، والشاعر يحاول أن يقدم صوراً مبتكرة جديدة، فقوله: (أنا الآن برقٌ) تشبيه وفيه كناية عن الحضور والوضوح والسرعة، وقوله: (أرتقَ شعري ب(شعرك)) استعارة، وقوله: (ترسم عيناي) استعارة، وقوله: (عينيك في سقف قلبي) استعارة، ويصبح التركيب (ترسم عيناي عينيك في سقف قلبي) صورة ثنائية البعد لأنها تتضمن استعارتين معاً، وقوله: (تضيئان للنبض درب الخلود) استعارة، وقوله: (الذي شق رمل الصبابات) استعارة، وقوله: (صبحاً / على مشرقيك ..) استعارة، ويصبح التركيب (تضيئان للنبض درب الخلود

الذي شق رمل الصبابات صبحاً / على مشرقيك ..) صورة حرة لأنها تتضمن أكثر من ثلاث استعارات في آن واحد، وهذا النوع من الصور الشعرية هي صور نادرة في الشعر العربي خصوصاً وفي الشعر عموماً، وقوله: (أنا الآن أعبر (سمَ) التوجّس) استعارة، وقوله: (غنيت حتى تشربت صوتك) استعارة، وقوله: (واللحن / أضحى نخيلاَ) تشبيه، وقوله (نخيلاً من الشوق) استعارة، وقوله: (من الشوق في راحتيك ..) استعارة، ويصبح التركيب (غنيت حتى تشربت صوتك / واللحن / أضحى نخيلاَ من الشوق في راحتيك ..) صورة ثلاثية الأبعاد، وهذا النمط من الصورة يدعى الصورة العميقة وفق المنهج والقصيدة التي تتسم صورها بهذا النمط تدعى قصيدة عميقة، أما القصيدة التي تغلب عليها الصورة الحرة فتدعى القصيدة الحرة، لأنها تمتلك أكثر من ثلاث درجات من الحرية.

الفرع الثالث:

يقول الشاعر:

(أنا الآن

بابٌ يواربه المشتهى

وسط التّيه منتصباً

تشتريه العناكب من مارد الريب

تنسج من حوله سور وهمٍ سميك..

***

أيا امرأةً صنعت عرشها

من مرايا جنوني

وخطت على ماء روحي قصائد

لم تسبر الجن أغوار إلهامها

ثم غنّت فماست غصونُ الجوى في حبورٍ

على ضفتي نهرها ألعسجديّ المفاتن..

والغيم صفّ على فُرش الزيزفون الممرد

من تمتمات الضحى

في خشوع يصلي عليك ...)

يبين هذا الفرع صورة الشاعر باباً للعبور وعقدته (أنا الآن بابٌ) وشعابه الرئيسة هي: (يواربه المشتهى) و(تشتريه العناكب من مارد الريب) و(تنسج من حوله سور وهمٍ سميك..) و(وخطت على ماء روحي قصائد) أما شعابه الثانوية فهي: (وسط التّيه منتصباً) و(أيا امرأةً صنعت عرشها) و(لم تسبر الجن أغوار إلهامها) و(ثم غنّت فماست غصونُ الجوى في حبورٍ) و(على ضفتي نهرها ألعسجديّ المفاتن..) و(والغيم صفّ على فُرش الزيزفون الممرد / من تمتمات الضحى) و(في خشوع يصلي عليك ...) .

في المعنى:

الأسلوب في هذا الفرع يجمع بين الخبري والإنشائي، حيث يتجلى المعنى من خلال البناء والرصف الشعري المتقن، فالشاعر الذي بدأ بإحداث المعاني في القصيدة بتقديم الأحوال الآنية المتعددة لأناه، ففي الفرع الأول بدا التعدد في تلك الأحوال بينه وبينها، حينا ينضم إليه وحينا ينضم إليها، ثم تتحول الأحوال لديه ليبدو كالبرق سريعاً واضحاً وهو يعبر سم التوجس، وفي هذا الفرع يتحول الشاعر إلى مكان للعبور، ولكن لعبور من؟ وكيف؟، في قوله: (أنا الآن) يعني حالاً جديداً، في برهة جديدة، وهذا التكرار الذي يقصده الشاعر ليبين لنا أنه معها في أطوار متعددة من الحالات المتبدلة تبدلاً سريعاً كالبرق قبل العبور ومعه، ولكن هنا بعد العبور واجتياز الحد الفاصل للخوف فقد وصل إلى غايته التي تمكنه من أن يكون بابا للعبور، وقوله: (بابٌ يواربه المشتهى) أي إنه كالباب فاتحا ذراعيه إليها للمجيء والدخول، غير أنها لا تصارحه بأنه هو الغاية والمشتهى، إنما تبقى مواربة في إيحائها، متمنعة عن كشف حقيقة مشاعرها، مخاتلة في أسلوب انجذابها والتعبير عن اشتهائها له، وقوله: (وسط التّيه منتصباً) أي وحيداً بعيدا في مكان يتيه الشخص فيه ولا يهتدي إلى مخرج، أو يعني وسط متاهة أي وسط سلسلة من الممرات بعضها مغلق وبعضها مفتوح تستخدم لقياس قدرة الخاضع للاختبار على الاستفادة منه، وهذا المعنى أضعف من دون شك، ويصبح معنى القول: (وسط التيه منتصباً) أي كأنه الباب المشرع لها مخرجاً أنى تشاء وكيف تشاء حين يصعب عليها أن تهدي إلى الممرات التي تقودها إلى مخرج آمن، ولا نغفل هنا أن (التيه) يعني فيما يعنيه (التكبر والصلف) والسياق في التركيب الشعري يستبعد هذا المعنى إذا لا يشير السياق إلى تكبر الشاعر بل على العكس فهو يبدو منضماً إليها وإن كانت الحالة اللحظية تشير إلى المسافة فيما بينهما هنا، كما يعني (التيه) أيضاً التيه العقلي، الاضطراب الذهني الذي يعوق عن بلوغ الهدف، وهو ضعيف في سياق التركيب الشعري في النص، وقوله: (تشتريه العناكب) يشير إلى أنه الباب الذي ترغب به العناكب ويروق لها أن يكون كي تبني شبكتها عليه، وقوله: (من مارد الريب) أي من الجبار العملاق الذي يستحضر الظن والشك والتهمه، وهذا المعنى التفسيري القريب، لكن المعنى المراد من التركيب الشعري (أنا الآن / بابٌ يواربه المشتهى / وسط التّيه منتصباً / تشتريه العناكب من مارد الريب)،إن الشاعر يبقى باب هدايتها إلى المخرج الآمن وإن كان الشك الذي يحلم به العذال والحاسدون ويدفعون من أجله ثمناً كبيراً قد راودها، وقوله: (تنسج من حوله سور وهمٍ سميك..) أي كما تنسج العناكب بيوتها وشبكاتها السميكة على مثل هذا الباب المنتصب في التيه، فإن الحاسدين له ولها، ينسجون لها بقصصهم ووشاياتهم سوراً من الوهم المتراكم الذي يجعلها أكثر شكاً به وبحبه فتزداد الفجوة بينهما . وقوله: (أيا امرأةً صنعت عرشها

/ من مرايا جنوني) أي مجدها بنته من حقيقة حبه ومشاعره التي عبرت عن حالة من الخروج عن المعقول في انجذابه إليها، وقوله: (وخطت على ماء روحي قصائد / لم تسبر الجن أغوار إلهامها) أي إنها كانت الملهمة التي استطاعت أن توقظ مخيلته وتحفز طاقاته الإبداعية المختزنة في الأعماق لكتابة القصائد التي لم تستطع شياطين الشعر من الجن أن تستحضر له ما استطاعت أن تستحضره هي له، وقوله: (ثم غنّت فماست غصونُ الجوى في حبورٍ/ على ضفتي نهرها ألعسجديّ المفاتن..) أي عندما غنت وأخذت غصون الشوق تتمايل اختيالاً وتبختراً بفرح وبهجة عارمة على سرير الجسد المتموج كالنهر وهي ترقص وتبدي خفايا مفاتن ضفافها الملهمات، وقوله: (والغيم صفّ على فُرش الزيزفون الممرد / من تمتمات الضحى / في خشوع يصلي عليك ...) أي كأن الجسد الأبيض الناعم المثير قد تغطى بغيم كثيف وأخذ يبدده الضحى عن تفاصيل جسدها الراقص فينكشف جماله، وفي حضرة البياض كأن الغيم قد أدهشته مفاتنها فبدا خاشعاً وكأنه يصلي عليها. أما (....) أي بهاء الصورة وروعة الحضور تستوجب الصمت لأن الكلام يصبح عاجزاً عن التعبير لاستحضار المعاني الدالة على موضوعها . وهنا يمكن أن نستدل أن الشاعر يكون بذلك قد عبر سم التوجس ووصل إلى فضاء اليقين.

تقاطع الأزمنة:

زمن القصيدة كما يقدمه الشاعر آني لحظي ويدل على ذلك أنه يفتتح معظم فروع القصيدة بقوله: (أنا الآن) ونلاحظ أن زمن الفعل تناغما وانسجاماً مع هذا الزمن الآني جاء في الفرع الأول مضارعاً (أنضم) و(يسمني)، وفي الفرع الثاني يفتتح الشاعر بقوله: (أنا الآن) ليشير إلى استمرار الزمن الآني على الرغم من الزمن في نهاية التركيب الشعري يشير إلى التحول لقوله: (أنا الآن خيط من النار) .. (خيط من النور) وقد استمر الفعل المضارع في الفرع الثاني انسجاما مع استمرارية الزمن الآني الذي يريده الشاعر بقوله: (أرتق) و(ترسم) و(تضيئان) أما استخدام الزمن الماضي في سياق الزمن الحاضر بقوله: (شق) و(غنيت) و(تشربت) و(أضحى) فذلك يشير إلى أن الزمن الماضي أصلاً مستمر في الحاضر، وإن محور الزمن يبقى أحادي الاتجاه، وهو اتجاه الموجب ولا يمكن للزمن أن يعود إلى الوراء، ويكرر الشاعر الافتتاح في الفرع الثالث بقوله: (أنا الآن) في إشارة منه إلى استمرار الزمن الآني، ففي التركيب الأول من الفرع الثالث تبقى الأفعال مضارعة لقوله: (يواربه) و(تشتريه) و(تنسج)، وإن كان قد استخدم الفعل الماضي في التركيب الثاني من الفرع الثالث لقوله: (صنعت) و(خطت) و(غنت) و(ماست) و(صف) فإن استخدامه للفعل المضارع في نهاية الفرع الثالث بقوله: (يصلي) فهذا يشير إلى أن زمن القصيدة هو تقاطع الأزمنة في الوقت الراهن الذي يعيشه الشاعر، والآن لدى الشاعر تمتد من الماضي إلى الحاضر نحو المستقبل، يضاف إلى هذا الزمن الغائب وهو زمن المرأة التي يعنيها الشاعر، إنها الشاعرة الغائبة كما غاب زمنها، إضافة إلى الزمن الذي استغرقه الشاعر في كتابة القصيدة، إضافة إلى أزمنة موسيقا الشعر على تفعيلات المتدارك (فعولن فعولن فعولن فعول) وزمن الكتابة وكل ما يتعلق بزمن القصيدة قبل إعلانها للعامة، ويبقى زمن القصيدة هو تقاطع أزمنة أفعالها وأزمنة مكوناتها الحاضرة منها والمستترة.

التوازن وتمثيل القصيدة:

إن مركز توازن القصيدة هو (أنا الآن أعبر سم التوجس) الذي يمثل نواتها المركزية ونقطة انبثاق أشعتها، وبالإضافة إلى عقد الفروع نجد أن الفروع الثلاثة تشترك ب(أنا الآن) فهي تشكل نقطة توازن في القصيدة، وإذا لاحظنا أن الفرع الأول والفرع الثالث يتقاطعان ب(جنوني)، فإن الجنون بالمعنى المجازي يشكل نقطة توازن أيضاً، وكذلك الفرع الثاني والثالث يتقاطعان ب(الغناء) فهو يمثل نقطة توازن في القصيدة. فإذا مثلنا مركز توازن القصيدة بدائرة مركزية ثم مثلنا العقد ونقاط التوازن على محيط دائرة واحدة، ومن ثم مثلنا فروع القصيدة بأشعة منطلقة من المركز، ثم مثلنا الشعاب الرئيسة والثانوية لكل فرع على محيط دائرة أيضاً نحصل على تمثيل دائري للقصيدة ومنه نتبين كيف أن القصيدة تميل في تكوينها إلى تحقيق التوازن .

التركيب الشعري والتركيب الاحتمالي:

هل هناك كلمة شعرية وكلمة ليست شعرية؟ وهل صفة الشعرية تكون للكلمة بحد ذاتها أم تكون للكلمة في سياق التركيب الشعري؟ لا أعتقد أن أحداً من العاملين في حقل النقد الشعري يقر بتصنيف الكلام بالشعري وغير الشعري، ولكن لا بد من أن يكون الكلام مرصوفاً في التركيب الواحد بحيث يحافظ على النسقية المناسبة تماما كحجارة الرصيف، وإن الشاعر هنا برصف المفردات في سياق الجملة الشعرية والتركيب الشعري كالبنّاء الذي يختار الحجارة المناسبة لتكون متناسقة في صف واحد من دون اختلاف في الارتفاع، وتراه يستخدم الخيط والبلبل والمسطرة الزئبقية كي يحافظ على التناسق والدقة، فإذا كان الأمر كذلك لدى البناء فكيف يكون الأمر لدى الشاعر؟!.

لست أدعي أنني أستطيع أن أنفذ بتطبيق هذا المنهج في النقد إلى آلية إحداث المعنى لدى الشاعر في لحظة الإبداع الشعرية، ولا ينبغي لي أن أدعي أيضاً أنني في منهج النقد الاحتمالي قادرُ على الوصول إلى الحدوس لدى الشاعر في توليد المعنى الشعري، ولكن المنهج يوفر إمكانية منطقية لفهم تلك الآلية في إحداث المعاني الشعرية وكيف تشكل حواس الشاعر الأسس الفعلية لها، وسأجري للمرة الأولى تطبيقاً في هذا الإطار على التركيب الشعري: (أنا الآن

بابٌ يواربه المشتهى

وسط التّيه منتصباً

تشتريه العناكب من مارد الريب

تنسج من حوله سور وهمٍ سميك..)

أما قوله: (أنا الآن) فقد سبق أن تحدثت عنه وقوله (باب) هو اسم نكرة ويعني كل باب حقيقي مهما كان نوعه أوصفته، وقد وضعت هذه الكلمة في القاموس لتعني معنى ما وضعت له الكلمة (باب) وبذلك تكون الكلمة قد فتحت شبكة من الأذرع التي لا تحصى لإحداث معنى من خلال اشتباك هذه الكلمة مع كلمة مجاورة في الجملة الشعرية، بالإضافة إلى أن الباب يمكن أن يأخذ معنى مجازياً وبذلك يكون احتمال إحداث المعاني أكبر، وهنا سنتحقق بالتطبيق العملي ماذا تعني الكلمة الشعرية، إن معيار الشعرية لهذه الكلمة مثلاً يرتبط بمقدار مؤالفتها مع قرينتها بالتجاور المكاني الذي ينسجم مع المعنى المراد في سياق التركيب الشعري، وهذا ما سيتوضح شيئاً فشيئا من خلال هذا التطبيق، فإذا لاحظنا أن الكلمة التالية المجاورة لها هي (يواربه) والأصل فيها (وارب، يوارب، مواربة، فهو موارِبٌ، والمفعول موارَبٌ) لوجدنا أنها تعني ((1) لجأ إلى طرق ملتوية فيها مخاتلة .. خادع .. راوغ.. داور كالقول: "وارب لبلوغ مآربه " (2) فتح نصف فتحة .. فتح قليلاً كالقول: " وارب باباً " (3) عدم الوضوح والمصارحة (4) وارب منافسه: أي تكلم بكلام يحتمل معنيين، كالقول: "تكلم من دون مواربة " أي بصراحة ووضوح، ثم تجاورها الكلمة (المشتهى) وهي اسم مفعول، أي ما يشتهيه الشاعر منها وهو متعدد ومتنوع، ويكون الأصل في الجملة (المشتهى يوارب الباب) وهنا يتوضح الرصف والتجانس في التجاور ليستقر المعنى الذي يحدثه الشاعر بالجملة الشعرية، أي المشتهى من المرأة التي يعنيها وهو إعلان حبها له ويقينها بذلك الحب يفتح الباب قليلاً ليسترق النظر عما في الداخل، وهو المعنى القريب للجملة التي توحي بالمعنى وهو الذي ذكر سابقاَ، والشاعر لم يأتِ بالتركيب على صيغة الأصل إنما قال: (باب يواربه المشتهى) والصدارة في هذه الجملة للباب الذي يستخدمه الشاعر معادلاً له لجهة المشتهى من المرأة، والمواربة تأتي في الدرجة الثانية من الأهمية ومن ثم المشهى، وهذه الجملة نفسها: (بابٌ يواربه المشتهى) يمكن أن تصاغ بأحد الأشكال، التي تشكل جملاً احتمالية، (1) بابٌ يواربه المشتهى، (2) باب المشتهى يواربه، (3) يوارب الباب المشتهى، (4) يوارب المشتهى الباب

(5) المشتهى يوارب الباب (6) المشتهى البابَ يوارب . وكل جملة لها معنى يختلف عن الآخر إنما الشاعر أراد الجملة التي تعني ما يريد، والمؤدى أنه إذا كانت كلمة (باب) يمكن أن تأخذ مثلا عشرة معان – وفي الحقيقة يمكن أن تأخذ معاني مضاعفة ولكن فقط للتوضيح- وكلمة (يواربه) كما تبين لها أربعة معانٍ وبافتراض أن كلمة (المشتهى) لها عشرة معان أيضاً - وكذلك لها معانٍ مضاعفة - فيمكن في هذه الحالة أن تولد الجملة (بابٌ يواربه المشتهى) أربعمئة معنى، وهو نتيجة جداء عشرة بأربعة بعشرة وفق المبدأ الأساسي في العد،ولنا أن نتخيل التعدد الاحتمالي للمعاني التي يمكن أن يولدها النص، لكن النقد يتوقف عند المعاني التي يمكن أن يولدها النص الفعلي في القصيدة وإن كانت المعاني الاحتمالية تبقى افتراضية من دون شك، وفي الجملة التالية من التركيب (وسط التيه منتصباً)، فكلمة (وسط) تعني: (1) متوسط بين طرفين، كالقول: "مركز وسط"،(2) معتدل، مقبول، بين بين، كالقول: "حل وسط " (3) ما هو متوسط بين اثنين، كالقول: "لون وسط بين لونين"، (4) عادي، متوسط، كالقول: " صنف عادي " (5) واقع في وسط المدينة، كالقول: " حي وسط "، (6) نقطة على مسافة متساوية من طرفي شيء، كالقول: " وسط الشارع " (7) حالة قائمة بين طرفين، كالقول: "بقي في الوسط أثناء مناقشة " (8) طور بين البداية والنهاية، كالقول: " وسط الحياة" (9) مركز، كالقول: "وسط صناعي" (10) مجموع أعضاء مجلس سياسي يجلسون في الوسط، كالقول: "نواب الوسط" (11) موضع الزنار من جسم الإنسان، كالقول: غمره الماء حتى وسطه، (12) محيط، دائرة إقامة الإنسان، مجال نشاطه الحياتي، كالقول: "وسط عائلي" (13) مجتمع يعيش فيه الإنسان ويتأثر به، محيط، بيئه، كالقول: "لم يشعر أنه في وسطه"(14) وفي الهندسة تعني: مركز الدائرة .

ونلاحظ في المعاني كلها أن الوسط لا يعني المنتصف إلا في المسافة بمعناها الحقيقي، وكلمة (وسط) على تعدد معانيها فإنها مؤهلة للتجاور عبر هذا الطيف من المعاني مع المجاورات التي تحدث معاني شتى، أما كلمة (التيه) المجاورة فتعني: (1) كِبر وصلف، كالقول: "يختال تيهاً " (2) ضلال وعدول عن الصواب، اضراب ذهني يعوق عن بلوغ الغاية، كالقول: تيه العقل (3) الأذن الباطنة، (4) مكان يتيه الشخص فيه ويضل ولا يهتدي إلى مخرج منه، مَضَلْ، كالقول: " تيه أزقة حيّ قديم " (5) سلسلة من الممرات بعضها مغلق وبعضها مفتوح تستخدم لقياس قدرة الإنسان أو الحيوان على الاستفادة من الاختبار. وبإضافة (وسط) إلى (التيه) تصبح الجملة (وسط التيه) حاملة لمعاني متعددة أما السياق فيشر إلى أن الشاعر يعني بها: مركز المتاهة، منتصباً أي: (واقفاً) أو (مهيّأً) أو (قائماً) ويصبح عدد المعاني الاحتمالية للجملة للجملة (وسط التيه منتصباً) في سياق التركيب هو ناتج جداء أربعة عشر بخمسة بثلاثة ويساوي مئتين وعشرة معاني، اما المعنى المرجح للجملة هو(واقفاً في مركز المتاهة). فإذا أضيف هذا الناتج إلى سابقه يصبح الناتج ستمئة وعشرة معاني، أي الجملتان معاً تنتجان هذا الرقم من المعاني الاحتمالية، وكلها ممكنة وكلها واقعية بالمعنى النظري، فهي إذن افتراضية، وفي النقد الكلاسيكي يتوقف عند حدود المعاني القريبة الضيقة أما المنهج الاحتمالي فإنه يحاكي بنية النص الاحتمالية ويمكننا من البحث عميقاً في المعاني الافتراضية، والهدف هنا ليس البحث في المعنى الافتراضي للنص بقدر ما نهتم بالبحث عن المحمول الدلالي للنص الفعلي وإن كانت المنهجية غدت واضحة إلى حد كبير، وسيكون ضربا من الترف المجاني أن نذكر بالتفصيل المعاني الافتراضية كلها، وهذا لا يمنع من فعل ذلك عندما يكون التركيب الشعري قصيراً كفاية لكي تتوضح الصورة أكثر فأكثر، وهكذا يمكن أن نتابع في تقصي عدد المعاني الاحتمالية الممكنة في تتمة التركيب الشعري، (تشتريه العناكب من مارد الريب / تنسج من حوله سور وهمٍ سميك..).وسنجد أن الرقم كبير جداً، فإذا كان الأمر هكذا في هذا التركيب المختار! لنا أن نتخيل كم يمكن أن يكون عدد المعاني الاحتمالية في القصيدة الواحدة، إنه رقم كبير جداً جداً .

النص الاحتمالي (الممكن) 

القصيدة تتألف من ثلاثة فروع كما رأينا، ويمكن إعادة ترتيب هذه الفروع بست طرق، أي هناك ست قصائد ناتجة عن إعادة ترتيب الفروع فقط، وإذا وجدنا أن الفرع الأول يتألف من ثلاث شعاب رئيسة وأربع شعاب ثانوية فإن عدد إمكانات ترتيبها هو(5020)، وكذلك الفرع الثاني يتألف من ثلاث شعاب رئيسة وخمس شعاب ثانوية فيكون عدد إمكانات إعادة ترتيبها هو(40320) أما الفرع الثالث يتألف من أربع شعاب رئيسة وثماني شعاب ثانوية فيكون عدد إمكانات إعادة ترتيبها في هذا الفرع هو (479001600) وتصبح عدد إمكانات إعادة الترتيب للشعاب في الفروع يزيد عن الخمسمئة مليون ونصف أي هناك ما يزيد عن هذا العدد من النصوص الاحتمالية الممكنة،ولا يمكن لعقل أن يحصي عدد المعاني الممكنة في القصيدة الشعرية الواحدة، وإنني إذ أقد هذا العدد الممكن للقصائد المتولدة عن النص الواحد فلكي أبين المبدأ من جهة، ولكي أبين أن كل نص ممكن هو نص احتمالي، فهو نص افتراضي وإن كان واقعياً، والشاعر لا يعترف إلاّ على نصه الشعري الذي أعلنه للناس. 

 

مفيد خنسه - شاعر وصحافي وناقد من سورية

(مؤسس منهج النقد الاحتمالي)

رئيس تحرير صحيفة الثورة السورية سابقاً

  

سونيا عبداللطيفسافرت عبر عدّة مواقع على الإنترنت في رحلة أبحث عن منشإ قصيدة الهايكو أو ما يسمّى هائيكو فعثرت على عدة دراسات .. بعض الأراء تتفق فيه جاعلة له شروطا مدروسة.. أخرى تتضارب وترفض رفضا قاطعا هذا الجنس الأدبي ولا تصنّفه شعرا، فئة ثالثة تتنازع إذا كان النص في حد ذاته تصحّ فيه تسمية هايكو أم لا... وذلك شأن  كلّ جنس أدبيّ جديد يظهر في السٍاحة الثّقافيّة فإنّه يلاقي الويل ويتعرّض للهجمات والانتقاد من كلّ الألوان كما حدث مع قصيدة النّثر التي مازالت تعاني إلى اليوم ..

إلاّ أنّ جلّ المنظّرين والنّقاد والدّارسين اتّفقوا على أنّ قصيدة الهايكو جنس من الشّعر منبعه اليابان وقد انحدر من قصيدة الرّنغا في القرن الثّامن والتّانكا التي كانت في بدايتها تتكون من 31 مقطعا تتوزّع على خمسة أسطر ( 5-7-5 7-7) وكانت تنظّم في شكل مقطوعات شعريّة تسمّى تانكات أصولها تعود إلى مباراة شعريّة تقام في الأوساط المثقّفة ومجالس النّبلاء وهي لعبة ارستقراطية شاعت في دوائر الإمبراطوريّة حينها، يقوم فيها شاعر ما بإلقاء بيت شعريّ يدعى "هوكو" ويتولّى الباقون بتكملته ببيت ثان وثالث.. وهكذا..

وفي أواخر القرن السّابع عشر شهد قصيد الهايكو تطوّرا وتجديدا وأصبح فنّا حقيقيّا متميّزا يُضفي جوّا من الطّرافة على مجالس أهل الأدب (هائيكائي نو "رنغا") أي شعر التّرفيه.. ولمّا انتشر بين أوساط طبقات المجتمع وصار عامّا فقد شيئا من قيمته الشعريّة فأسقطت منه الأبيات الثّانوية واختصر في بيت واحد أساسي هائيكائي نو هوكو وهايكو أو هائيكو اختصارا لتلك التسمية.. و"هاي" تعني التّرفيه والضّحك و "كو" تعني كلمة او مفردة... فهي كلمة المتعة والدّهشة...

معلّم ومؤسّس قصيدة الهايكو الأوّل هو الشّاعر الياباني مانسو باتشو (1644- 1694) ومعاصريه مثل الشّاعر والرّسّام  بوسا بوسون (1716- 1783)

والشّاعر ماسا أوكا شيكي (1867- 1902) وغيرهم.. فهم الذين وضعوا لها شروطها وخصائصها وحتى مضامينها فضبطوها في 17 مقطع باللّغة اليابانيّة توزّع على أسطر ثلاثة (5-7-5) ومفرداتها كونيّة تعبّر في المطلق لا تحتمل الانزياحات ولا الوصف ولا التّدبير منطلقها عقيدة وفلسفة الزّنّ التّأمليّة التي درسها باتشو على يد الكاهن البوذي بوتشو (1642- 1715) فهذا المذهب هو رحم وروح الهايكو بما تعنيه من استغراق في التأمل إلى حد بلوغ الاستنارة واليقظة.. ومفردات قصيدة الهايكو مختزلة مكثّفة تعتمد على الدقّة والإيجاز والاختصار والبلاغة بكلمات بسيطة وقليلة تعبر عن مشاعر جيّاشة وأحاسيس عميقةٍ غالبا تكون فيها الأسماء نكرة وأفعالها تكتب في المضارع لتشدّ المتلقّي فيعيش الهايكو كما لو أنّ الصّورة تحدث أمامه لحظة قراءته لها... بالتّالي كلّ حرف أو كلمة أو تعريف زائد يفقد قصيدة الهايكو وزنها وقيمتها ويثقلها فالأسطر يجب أن تنساب بنسق مميّز  والمفردات ترد في سلاسة..

ثم انتشر هذا الجنس من الشّعر في أواخر القرن التّاسع عشر والقرن العشرين وتخطّى حدود اليابان الجغرافيةِ بعد أن صار متداولا ومستهلكا بين كلّ شرائحِ مجتمعه وعامّة النّاس كما فقد شيئا من هيبته إذ كان يختصُّ به أهله ومقيمو البلاط ومجالسُ الأدب.. ومن ثمّ عمل الكثيرون على تطويره وتجديده حتى داخل اليابان نفسه.. فأصبح قصيد الهايكو لا يقتصر على مواضيع الطّبيعة والفصول والحبّ والشّوق والهجر والرّوح والإنسان كما وقع الاستغناء عن عدد مقاطعه 17 التي يمكن أن لا تتجانسَ الكتابة اليابانية ولا تتواءمَ مع اللغات والصّوتيات الأخرى في العالم... وتناولوا في قصيدة الهايكو كلٍ المواضيع وطرحوا فيها القضايا بشتّى أنواعها ( الوطنية والاجتماعية والسياسية والإنسانية..) لتعبّر عن حياة الشّاعر ومعاناته...

يقول النّاقد العراقي عذاب الركابي:

" لكل بيئة، الهايكو الذي يمثّلها مادامت الطّبيعة هي مادّته.."

ونجد مثلا الشاعر علي دبدوب في هايكو يقول معبّرا عن قلقه إزاء الحرب:

يحرس الأرض

يقلّم الزيتون

وأفكاري

أبي

وكتب الشاعر قاسم حبابة معبٍرا عن الفقر في المجتمع في هايكو له:

من رائحة الشّواء

يتناول الخبز

فقير

(هذه الهايكو الأخيرةَ يوجد ما يشبهها في قصص البخلاء الطّريفة التي تروي قصّة رجل فقير جعل قطعة خبز وجدها أو تسوّلها قبالة بخار الشواء في مطعم فطالبه صاحب المطعم بثمن الرائحة..)

بعد دخول قصيدة الهايكو أمريكا وبلدان الغرب وترجمتها ومحاكاتها قراءة وكتابة دخلت أيضا بلدان الدول العربيّة بترجمة نصوص الهايكو من اللغة الإنجليزية أو اليابانية... و غيرها إلى اللّغة العربيّة.

ويعتبر الشّاعر والأديب الفلسطيني عز الدين مناصرة أوّل من كتب قصيدة الهايكو وله ديوان من هذا الجنس كتبه سنة 1964 وقد عانى ما عانى من الانتقاد والسخرية من أدباء عصره وهو يعتبر أشهر من كتب هايكو " تانكا" إذ خرج عن إطار التّصوير الشّعري إلى توسيع الهايكو العربي إلى مستوى التّوقيعة الشّعرية التي تتنافى وقواعد الهايكو التّقليدي ويعرّف مناصرة الهايكو فيقول :

" الهايكو قصيدة قصيرة مكثّفة تتضمّن حالةَ مفارقةٍ شعريّة إدهاشيّة ولها ختام مدهش مفتوح أو قاطع أو حاسم وقد يكون قصيدة طويلة إلى حدّ معيّن وقد تكون قصيدة توقيعيّة إذا التزمت الكثافة والمفارقة والومضة والقفلة المتقنة المدهشة...

بمعنى أنها قصيدة تنزع إلى التّضاد والتّقابل"

ويقول عن مهاجمته له عند تجربته في كتابة قصيدة الهايكو وتطويرها :

" رجعت من المنفى في كفّي (خُفّي حُنين) حين وصلت إلى المنفى الثٍاني سرقوا منّي الخُفّين.. "

يقول مناصرة ان الهايكو هو فرع من فروع التّوقيع الشعريّ.. وبذلك صار للهايكو عدّة مسارات وجعلوا له مهرجانات ومجلاٍت وتقام له النّدوات...

ومن هايكاته:

* سلاما آه يا أبتاه إن تعبوا فلن أتعب

وإن ركضوا إلى أعدائهم طمعا

فلن أذهب

 

*انا امير

أنت أمير

فمن يا ترى يقود هذا

الفيلقَ الكبيرْ

 

* الأفعى لا تُخلي حَجَرا إلاّ بالفأس

الأفعى لا ترْحل بالموسيقا

الأفعى لا ترحل إلاّ إن قطع الرّأس

 

كما يعتبر  الأديب الدكتور عبد الكبير الخطيبي المغربي ( وهو مدرس في السّوربون وله عدّة دراسات أدبيّة كما يتقن عدّة لغات وهو مطّلع على ثقافات العالم ) أنّه من أوّل المؤسّسين لقصيدة الهايكو الذي شهد تألّقا على يده عند العرب

يقول في إحدى  هايكاته الشّهيرة :

مثل سيف ينغرز

في أحشاء طفل

إنّه الحزن

فقصيدة الهايكو تكون عفويٍة ومقتضبة تشبه الطّفل الصّغير حين يقول جملته التي تأتي على لسانه عفويّة وفي مقاطع متفرّدة..

يقول الشاعر سامح درويش يعرف الهايكو بهايكو له :

أن تكتب كطفل

بخبرة شيْخ

هو الهايكو

وفي المشرق لم تلقَ قصيدة الهايكو إقبالا وقبولا ولا صدى كبيرا إلاّ من فئة قليلة تناولوها وكتبوها ومن هؤلاء تضلّعت الشاعرة السورية إيناس أصفري في كتابته فتقول في هايكو إنساني نبيل:

أصابعه

ترى وجه حبيبته

الكفيف

قصيدة الهايكو عُرفت عند العرب  بعدّة تسميات مثل التّوقيع، الومضة المدهشة، الشذرة، إضاءة، ومية، تكثيف، برقة، لغة الحاسٍة السّادسة، قصيدة ناعمة، ايبغرام...

وهي قصيدة صنّفوها كونها لا تقبل التّأنق أو التّدبر أو التّفكير..فهي عفويّة وبسيطة تأتي في جمل متضادة كإشارات أو تلميحات.. كصورة خاطفة.. أو لقطة بارقة..

مثال لذلك كتب تشيكي في هايكو يقول:

وبل في الصّيف

المطر يهطل

على رؤوس أسماك السّيوط

 

ويقول ليوسون:

أصبع البنّاء

المجروح

وزهور الآزاليا الحمراء

 

إن كاتب قصيدة الهايكو انسان مُرهَف الأحاسيس، دقيق المشاعر، فطن منتبه للأشياء البسيطة والتّفاصيل الدّقيقة التي من حوله والتي لا يتفطّن لها الآخرون..

يعبّر أونيتسورا عن عمق إحساسه بما يخطف بصره يقول:

تغوص روحي في الماء

ثم تطفو

مع طائر الغاق

ويقول أستاذ الهايكو باشو:

صفصاف أخضر

تتقاطر أغصانه على الطّمي

أثناء الجزر

اختلطت المفاهيم حول كتابة الهايكو فمنهم المدافعين عن خصائصها التقليدية الرّافضين للتّجديد باعتباره جنس أدبي مرتبط بتاريخ معيّن... فئة ترى أنّه يمكن الانطلاق بالهايكو إلى كتابة نصّ شبيه متطوّر مستوحى منه في سياق جديد...

ولكن كيف سيتم الفصل بينهما وماذا ستصبح التّسمية للنّصّ المبتكر عن القديم؟

فئة ثالثة حسب قول الشّاعر عبده فايز الزبيدي وهو الآخر يُعتبر رائد شعر الهايكو في العربيّة وقد وضع لها قوانينها كما جاءت في أصلها التٍقليدي ويرى أنها نصّ شعريّ موزون سطريّ لا يلتزم بقافية.. وتمارس  في نص قصير تكون تسميته هايكو.. ويصرّ على شروط كتابته في 17 مقطع توزّع على ثلاثة أسطر (5-7-5) وقال أنّها قصائدُ إصغاء إلى الطّبيعة والكائنات، إصغاء إلى لغة الأشياء وما تقوله الحياة من كلمات على لسان الرّيح، المطر، البرق، الثّلوج،.. فهي لغة العناصر الموجودات السّاكنة والمتحرّكة، لغة الوردة، لغة النّبع، لغة الطّير. وعبّر عنها باتشو كونها لغةَ الزّاهدين وبالتالي فاللغة فيها تكون متقشّفة تنطوي على جمال سرّ الوجود وعلى فتنة الإدهاش في صورة شفافة رقيقة تعكس طبيعة حياة باطن قائلها وعمق إحساسه...

إنّ قصيدة الهايكو انتشرت واشتهرت عند العرب، خصوصا في المغرب فجعلوا لها مهرجانات خاصّة، قراءة ونقدا وتنظيرا.. ومن أهمّ روّادها المهتمّين بهذه التّجربة نور الدين ضرار الذي له انطولوجيا للهايكو وله إنتاج إبداعي في ذلك الجنس كما له كتاب جمع فيه أعمال عشرة شعراء لكل منهم تناول عشرة هايكوات، وله أيضا كتاب جمع فيه مختارات من الهايكو المغربي.

وفي هذا الصدد يقول ضرار :

" إذا كتبنا الهايكو كما ظهر في القرن 17 فهو استنساخ له ومن باب التّقليد الأعمى فالهايكو بدأ مع باشو بثباتِ بنيته الهندسيّة لكنّه يخضع للتطوّر عبر حساسيّات شعريّة متباينة وتصوّرات إبداعيّة متنوّعة وهو مثل كلّ الفنون قابل للتّهجير والتّصدير انطلاقا من أرخبيله الأصلي لجغرافيات أخرى متاخمة أو متباعدة بلغات مرادفة وجماليّات مغايرة.. "

ويقول الشاعر سامح درويش وهو اليوم علاّمة معروف في تجربة الهايكو كتابة وتنظيرا وتنظيما :

" كتابة الهايكو اليوم لا تعني الرّجوع إلى عهد باشو وإيسا وشيكي وغيرهم من الشّعراء اليابانيّين الذين أسّسوا لهذا النّوع الشعريّ كلّ حسب مرحلته.. الهايكو إذن شهد تطوّرا مستمرّا داخل اليابان نفسه.  إذ لم يعد شَرطا مرتبطا بالطّبيعة بل أصبح يعبّر عن مختلف المواقف الإنسانيّة والمجتمعيّة.. كما أنّ هناك نقاش مستمرّ حول حدود المجاز والكلمة الفصليّة والقواعد الصّوتية في الهايكو ممّا يعني أنّنا اليوم نكتب هايكو مناسبا للّحظة ويعبر عن قضاياها واختلاجاتها الإنسانية.. "

هذا ما عبّر عنه درويش بسبب اختلاف الأدباء في فكرة قبول الهايكو كشعر بين رفض وقبول وسخريّة وتنقيص من قيمته ولجهلهم بفنيّاته وعدم إدراكه واستيعابه خاصّة من قبل دعاة الحفاظ على جنس الشّعر العربي..

أمّا عن الهايكو في تونس.. كيف بدأ ومع من بدأ ومتى بدأ... فلا توجد دراسات كافية وشافية... فلقد تصفّحت عدّة مواقع إلكترونيةٍ فلم أعثر على دراسة حول جنس كتابة الهايكو سوى مقالة للشّاعر التونسي سوف عبيد بعنوان " مدخل إلى قصيد الومضة" فقد أتى على مفهوم كلمة الومضة لغة واصطلاحا عند العرب وتسمياتها المختلفة، مشيرا أن  قصيدة الومضة بدأت في أواخر القرن العشرين مع:

صالح القرمادي

محمد الحبيب الزناد

الطاهر الهمامي

عزوز الجملي

هؤلاء ساهموا في إظهار هذا الجنس الجديد من الكتابة في الشّعر التّونسي.. ويضيف في مقاله أنّ الدّائرة في كتابة الهايكو توسّعت من بعدهم فلحقهم الكثيرين، بعضهم يكتبونها للتّنويع في أعمالهم الأدبية.. وبعضهم تجربة يريدون خوضها..

آخرون اختاروها جنسا تخصّصوا وتعمّقوا في كتابته وعملوا على تطويره... مثل الشاعر سالم اللبان الملقب في تونس بالهكواتي والذي كان ومازال مخلصا لنمط كتابة الهيكات أو الهكوات اليابانية ووفيّا لمبدعها ومعلّمها الأول باشو..

ثم واصل العديد من الشّعراء كتابة الهايكو في القرن 21 فتعاملوا معه كلّ بطريقته معتمدين الإيجاز والتّكثيف والبلاغة والمباغتة والدّهشة في السّطر الأخير منه.. فكلّ شاعر تناولها من زاويته بحسب ارتباطه بمحيطه وعالمه وتأثيره عليه سواء فيما يتعلّق بالإنسان وقضاياه والبيئة التي ينتمي إليها أو المتعلّق بهموم الإنسان وحياته اليوم أو بالتعبير عن ذاته وأحزانه..

كما يمكن القول أن الهايكو أصبح موضة استحسنها البعض، كما نقدها البعض الآخر خاصّة شعراء العمودي.. قالوا أنها جنس أدبي يعود لتراث ليس تراثنا وأن ذلك يسيء إلى مدوّنة الشّعر العربي القديم .. كما يوجد من الشعراء من يقول ويدعي أن العرب قد ابتعدوا هذا الصّنف من الكتابة منذ العصر الجاهلي.. فكتب وقرئ في المجالس الأدبية في حضرة الملوك والسّلاطين في شكل بيت واحد وسميّ ب"البيت اليتيم".. ولهم في كتابته مقاصد وغايات وحكم وعبر...

كما أشار الشاعر سوف عبيد أن الشاعر التونسي الحبيب مرموش قد جرب كتابة الهايكو في مجموعة له أطلق عليها اسم "القصائد المهرّبة" ثم مجموعة أخرى أعطاها عنوان "قصائد البرقيات" .. وجعل لهذه البرقيات أو الومضات عناوين متنوعة معبّرة عن قضايا مختلفة جاءت في صيغة المفردة الواحدة وغير معرّفة.. مثل : حيرة، حلم، قبلة، حنين... وجاءت عناصرها في صيغة المصادر أي عمد إلى الأسماء المشقة وتفيد المطلق والتّجريد... ووزعها كما توزع مقاطع قصيدة الهايكو في أسطر ثلاثة بطريقته وأشار الشاعر سوف عبيد أن الحبيب مرموش حافظ على صفة أو خصوصية الثّلاثة فبعد أن كتب كلّ ومضة في ثلاثة أسطر جعل كلّ ثلاث ومضات مجمّعة في صفحة واحدة تشترك في الفكرة أو في العناصر وكأنه يريد أن يشكّل بها وحدة أو قصيدة طويلة تتكوّن من فقرات..

وقد أطلق بعض الشّعراء في تونس على هذه الومضات اسم نبضات وشذارات و برقيات.. في حين حافظ البعض على التّسمية الأولى لها وهي الهايكو... معتمدين دوما نفس الخصائص في توزيع السطور من ثلاثة إلى  خمسة... وتركوا عناصر الطبيعة فيها محور القصيد..

وفي سياق حديث للشاعر التونسي ناجي الحجلاوي قال للصحفي الذي حاوره أنّ محمد البدوي له عمل تحت عنوان "شعر الثورة" قد ضمّنه جزئين أعطى للجزء الأول اسم "وميض" وللجزء الثاني اسم "بريق"  وهي نصوص قصيرة تحاكي قصائد أحمد مطر إذ يقول أنّ العصر تغيّر وأوجب السّرعة لذلك لابدّ أن تختزل القصيدة في الومضة واللحظة الكاشفة... وأشار الناجي الحجلاوي ان تونس عرفت في العشرينات تجربة في الشّعر شبيهة بالومضة التي تكتب اليوم على يد الشاعر السّعيد أبي بكر (1899 - 1948) الذي أصدر مقطوعاته القصار سنة 1930 بعنوان "الزهرات" وله مجموعة أخرى عنوانها "السّعيديّات" ..

ويضيف الشاعر الحجلاوي أنّه يجوز للشعر ما لا يجوز لغيره فهو وحده مخوّل للهدم من أجل البناء (بناء الذات)، فكل شاعر حالم وحاكم منذ جمهورية أفلاطون والشّعر ملح الأرض والعالم صار غرفة ضيّقة بالتالي فالشّعر هو الذي يحدّد ماهيته وكذلك الأدب، فإذا تحقّق المحتوى الفنّي الإبداعي تحقّق فيه الخطاب وذلك دليل كاف على أن ماهية الأدب قائمة،  وأنّ رسالة الشّعر حركة نابعة من النّفس فهي لا تهدأ أبدا...

في الختام ..

- هل يمكن القول أن كلَّ من كتب هايكو مقلّدا له ومحافظا على خصائصه كما ظهر مع مؤسّسيه يعتبر مبدعا... ؟

- هل يقف المبدع عند إنجازات الآخرين؟

- هل يقتصر المنجز الشّعري على تقديم أعمال مماثلة للسّابقين والوقوف عندهم.. أم أنّ المنجز الحقيقيّ هو الذي يبحث عن التّطوير والتّجديد المبتكر والتّحليق بالنّص بعيدا من أجل الأفضل والأجمل والأسمى...

- وأن يسمّي الشاعر كاتبُ قصيدة الهايكو نفسه "هايكست" أليس دليل على أنّه يبحث عن المغاير والمخالفات، ودليل على التّطوير والتّوسّع والتّنويع وعدم الوقوف عند نقطة رسمها السّابقون..

- وبالتّالي هل سيعمل بيت الهايكو الذي وقع تأسيسه سنة 2020 في تونس العاصمة وجعلوا له نادي في فضاء ابن رشيق الثّقافي على تقديم إضافة للهايكو وتطويره في تونس أم أنّه سيختصر على التّقليد لهايكو باشو القديم والدّفاع عن تراث ياباني ليس لنا... ؟

- أخيرا، هل يمكن اعتبار تلك الحكم والأمثلة والألغاز والتّشنشينات.. المتواجدة في تراثنا وبلغتنا أنها هايكو تونسيّ يمثلنا ويشبهنا فيجب البحث والتّنقيب فيه بتوثيقه أولا ثم الانطلاق منه قصد العمل على إحيائه وتجديده، فالإبداع يجب أن ينطلق من أصولنا وجذورنا... مع الانفتاح بطبيعة الحال على إبداعات الدّول والحضارات والثقافات الأخرى لخلق نوع من الأدب التونسي الجديد اللاّفت للنظر... ويمكن اعتماده وتسجيله في مدوّنة الشعر التونسي..

 

سونيا عبد اللطيف

تونس 27 /03 /2021

 

 

علي القاسميالـكـومـة*

بقلم: علي القاسمي

كانت العَتَمة تلفُّ أشجار الحديقة العامَّة ونباتاتها، فـتُخـيَّل إليه كأشباحٍ سودٍ طويلةٍ وقصيرةٍ ذواتِ أذرعٍ متعدَّدة متحرِّكة مثل إخطبوط هائل داكن. وكانت أمطار الليلة الماضية على الأرض قد تجمّدت، هنا وهناك، صقيعًا يتكسَّر تحت وقع قدميْه. وعصفتْ رياحٌ ثلجيَّةٌ تخترق القلنسوة التي يعتمرها، وتلسع أُذنيْه وأنفه وشفتيه فتحيلها حمراءَ قانيةً كعرف الديك. وأخذتْ أنفاسه اللاهثة المتلاحقة تتناغم مع اصطكاك أسنانه وارتجاف أوصاله. وفيما هو يجري مسرعًا مكدودًا، لاحتْ له كومةٌ قاتمةٌ على جانب الممرّ. ولم يكُن لديه متَّسع من الوقت، ليمعن النظرَ أو يطيله في تلك الكومة؛ فاكتفى بأنْ حسبها مجرَّد كومةِ أحجارٍ جُلِبتْ لترميمِ سياج الحديقة العامَّة، أو ركام أغصان تجمَّع من جراء تشذيب الأشجار. لا يهمّ.

في فجر اليوم الثاني، انطلق كعادته كلَّ يوم يمارس رياضة العدو في الحديقة العامَّة المجاورة لمنزله. وفي الغَلَس، لمحَ الكومةَ ما تزال في مكانها على جانب الممرّ. وعندما اقترب منها هذه المرَّة ندَّت منها حركةٌ مريبةٌ. ولم يكُن لديه من الوقت الكافي ليدقّق النظر أو يطيل التأمُّل، إذ كان عليه أن يعود إلى المنزل مباشرة للاستحمام، وتناول طعام الفطور، والتوجُّه إلى مقرِّ عمله في المصنع قبل الساعة السابعة صباحًا؛ ولهذا اكتفى بافتراضِ أنَّ الحركة صادرةٌ من واحدٍ من الكلاب أو القطط السائبة التي تتّخذ من الحديقة ملجأً. لا يهمّ.

في اليوم الثالث، وفيما هو يركض مقتربًا من الكومة ذاتها في المكان نفسه على جانب الممرِّ، تراءى له ما يُشبه اليد ممدودةً منها. وبعد بضعِ خطواتٍ، توقَّف عن الجري ليعود القهقرى إليها، ويحدّق فيها؛ فإذا بها امرأةٌ عجوزٌ متلفِّعةٌ بعباءةٍ سوداءَ، تسند ظهرها إلى شجرةٍ كبيرةٍ من أشجار الحديقة. ظلَّ مطرقًا هنيهة، ثمَّ دسَّ يده في جيبه وأخرج بعض النقود، ووضعها في اليد الممدودة في العراء. ولكنَّها لم تقبض النقود، فسقطتْ على الأرض. التقط النقود، وحطّها مرَّة أُخرى في يدها، ونبهها بالمناداة، ولكنَّها ظلّت صامتةً، ولم تقبض النقود. لمسَ كفها وحرّكها بلطف لعلَّها كانت غافية وهي جالسة. ولكنَّ برودةً مريعةً سرتْ من يدها إلى أصابعه، وأشاعت في جسده قشعريرة وتوجّسًا. وقبل أن يتاح له القليل من التفكير، مال جسم المرأة بأكمله مع تلك الحركة الخفيفة، لتسقط على الأرض جثةً هامدة.

***

........................

* من مجموعة علي القاسمي القصصية، أوان الرحيل، الطبعة الخامسة. الدار البيضاء: دار الثقافة، 2019.

.........................

المقالة الأولى:

احتضار المرفق العام.. قراءة تأويلية للقصة القصيرة "الكومة" لعلي القاسمي

الحسين بوخرطة*

ولد علي بن الحاج محمد بن الحاج عيسى بن الحاج حسين القاسمي (المعروف بالدكتور علي القاسمي)، أشهر النقاد والقصاصين العرب، في بلدة الحمزة الشرقي في محافظة القادسية في العراق في 31/5/1942. اختار في ريعان شبابه، أي منذ سنة 1972، أن يقيم ويعيش في المملكة المغربية.

تعد قصته "الكومة" من روائعه الإبداعية نظرا لغناها اللغوي وما تحتمله من تأويلات جد إيجابية وبناءة. إنها قصة معبرة عن قدرة اللغة على الإيحاء، بدون نفي مفهوم القصدية وارتباط اللغة ذاتها بغرض قائلها. بطلها يتحدث بضمير الغائب، بتعبيرات لفظية تتفاعل معها الروح بنفسية متوترة، لا تتيح أي هامش للحياد. البطل رجل متعود على ممارسة رياضة الركض فجر كل يوم بطقوس قارة دالة على تنشئته على الانضباط وتدبير الوقت، والتركيز على الذات. إن عمله في القطاع الخاص، عكس السائد في القطاع العام، حوله إلى فاعل يتصارع مع الزمن، بمهام لا تسمح له بالتركيز على تفاصيل الأحداث من حوله، خاصة تلك الخارجة على نطاق ما رسمه له مدبري المعمل.

وهو متعود على هذا النمط في العيش، الذي ترسخ لديه بفعل الضوابط الاعتيادية، تعرض لحدث عارض، لاحقه لمدة ثلاثة أيام. إن التساكن الاضطراري لتعوداته النفسية التي تبعده عن التركيز على تفاصيل الأحداث الخارجة عن نطاق فضاء أنشطة ساعات يومه المهنية من السابعة صباحا إلى غروب الشمس مع خاصيات الحديقة العمومية التي يركض بها يوميا (المرفق العام بأوصاف المتشابهة نسبيا عربيا ومغاربيا)، خلق منه كائنا بشريا نمطيا ومبرمجا. لقد زج به مبكرا في عالم اللامبالاة وعدم استحضار أي فائدة أو حاجة للتركيز على التفاصيل، حتى لو كانت معاناة إنسانية. حرصه على التركيز على الماديات (جسم سليم ومتنافس مهنيا تحت إكراه الخوف من نقصان أو فقدان الطاقة الاستهلاكية) جعله لا يأبه بأي انشغال خارج عن نطاق مسارات تحقيق أهدافه المسطرة مسبقا. وهنا، في اعتقادي، يكون القاسمي قد أغنى رسائل وعبر القاص يوسف إدريس في موضوع التنشئة على الصمت أمام الخطأ والخطيئة، بإبراز سلوك جديد، سلوك الأنانية واللامبالاة اتجاه القضايا والأحداث الخارجة عن اهتمام ذات الفاعل. فالقطاع الخاص في القصة (المعمل)، كمقابل للقطاع العام (الحديقة العمومية)، يجسد منطق الليبرالية كنمط إنتاج وسلوك بشري جديد، تغلب عليه النمطية والحركات المكانيكية، التي تتحول مع فعل التكرار إلى روتين مبرمج. أما أوضاع القطاع العام بلوبياته المتحكمة والمستفيدة، فقد نالت قسطا كبيرا من تأويل عبارات النص القصصي. لقد جسدها الكاتب بتشبيهها بحالة الطقس السلبية السائدة في تلك الأيام حيث العَتَمة التي تلف الأشجار التي يُسقط عليها مشاعر الرجل القلقة فتتراءى له أشباحا أخطبوطية (كانت العَتمة تلفّ أشجار الحديقة العامّة ونباتاتها، فتُخيّل إليه كأشباح طويلة وقصيرة ذوات أذرع متعدّدة متحرّكة مثل أخطبوط هائل داكن). ولإبراز موقف أو تمثلات البطل في شأن طبيعة أوضاع المرفق العام، المشوب بالفوضى واللامبالاة وانعدام الضمير المهني والجمود والصراع من أجل الاغتنام،.... تطرق القاص للوصف المتساوق لحالة الرجل الجسديّة المكدودة (اصطكاكُ أسنانٍ وارتجافُ أوصال) وهو يؤدّي مرغما طقساً روتينيا محاولا التكيف مع مظاهر البيئة من صقيع وعصف ريح في الحديقة العامة (النص: كانت أمطار الليلة الماضية على الأرض قد تجمّدت، هنا وهناك، صقيعاً يتكسّر تحت وقع قدميه. وعصفتْ رياحٌ ثلجيّة تخترق القلنسوة التي يعتمرها، وتلسع أذنيه وشفتيه فتحيلها حمراء قانية كعُرف الديك. وأخذتْ أنفاسه اللاهثة المتلاحقة تتناغم مع اصطكاك أسنانه وارتجاف أوصاله).

إنه يحيلنا على واقع مفروض يتطلب تحمل مشاق التكيف باعتناق سلوكين لا ثالث لهما، الأول أساسه التشبث بموقف اللامبالاة والتركيز على الذات وقبول قانون اللعبة على رقعة الشطرنج المغشوشة (خيار سهل يدمج صاحبه بيسر وبدون معاناة أو جهد كبير في عالم المصالح)، والثاني، بطبيعته الصعبة، يرتكز على المروءة والنضال والتدافع باستحضار مصلحة الذات المشروعة في إطار سياق الرفع من مستوى المصلحة المجتمعية. فالمواطن في إطار دولة مؤسساتية يكون دائما مرغما للتوجه إلى المرفق العام كيف ما كانت جودة أوضاعه (مكان موحش). إنها أوضاع منظومة تعيش معاناة سكرات الموت بسبب الإهمال. الدلالة في النص واضحة. لمح الكاتب "كومة" قاتمة بسرعة أثناء جريه ولم يعرها أي اهتمام، وكأنه يعتبر ما رآه أمرا أو حدثا طبيعيا، مستحضرا في مخيلته في الآن نفسه أن الوضع سيكون متغيرا لو كان الأمر يتعلق بحديقة خاصة مثل المعمل (النص: وفيما هو يجري مُسرعاً مكدوداً، لاحت له كومةٌ قاتمة على جانب الممرّ. ولم يكن لديه متّسع من الوقت (سرعة إيقاع حياة نمط العيش الليبرالي)، ليُمعن النظر أو يطيله في تلك الكومة، فاكتفى بأن حسبها مجرّد كومة أحجار جُلِبَتْ لترميم سياج الحديقة العامّة، أو، ركام أغصان تجمّع من جرّاء تشذيب الأشجار . لا يهمّ.)

لقد أبرز الكاتب من خلال عبارات إبداعية حدة القلق التي تنتاب المثقف كلما استحضر فرضية موت المرفق العام بفعل الإهمال والتسيب. لقد وصف انعدام الوضوح والشفافية بالغلس (ظلمة آخر الليل إِذا اختلطت بضوء الصباح)، وهو وقت مُبكّر جدا (توقيت مرتبك) لممارسة رياضة الجري، وهو في نفس الوقت "العادةُ" المختومة بأحوال عاصفة غمرت فضاء الأحداث المتتالية بلحظات معاناة شبيهة بشدة سكرات الموت، كنهاية محتومة لحياة كائن بشري يترك مكانه لجيل جديد.

العام كفضاء يستوعب الجميع لا يمكن أن يترك أحدا محايدا. وبذلك أحدث الكاتب نقلة في "التأويل" بين اليومين. تغيرت تمثلاته من اليوم الأول الذي اعتبر فيه الكومة مجرد أحجار أو ركام أغصان، إلى اليوم الثاني الذي ندّت فيه حركة مُريبة مع افتراض كونها مجددا حركة صادرة من واحد من الكلاب أو القطط السائبة التي تتخذ من الحديقة ملجأً (وهنا طرح فرضية التنقيص من قيمة الفضاء العام بإثارة عبارات "التسيب" "السائب" "ضالة" وإبراز عدم حاجته للكفاءة). موقف البطل المعبر عن اللامبالاة رغم تكرار الإشارات المنبعثة من الكومة مرده (عدم تقرّبه من الكومة ليطلع على حالها) هو انعكاس لتوجسه من العام. لم يعط لنفسه أي فرصة لاحتمال شيء آخر، كأن تكون هذه الكومة المُهملة "إنساناً" مثلاً. هو الراكض الهارب من أي تفكير يقلق راحته. ما يهمه هو ذاته. غض الطرف جعله يضع أولوياته الترفيهية الشخصيّة فوق كلّ اعتبار، متناسياً كل ما يحيط به أو يصادفه من متغيرات تستحق الالتفات. الأنا بالنسبة له هو التركيز على الرياضة من أجل الصحة وسلامة جسده وكماله والتمتع بملذات الحياة. إنها أنانية مادية لا يمكن أن يتولد عنها إلا الفزع من الموت. فإثارة توقيت اللحاق بالعمل هو تعبير عن ارتباط البطل بالأجر والمردودية في القطاع الخاص، ارتباط جفّت من خلاله المشاعر الإنسانية، وتفاقمت حدة استعباد متطلّبات الحياة للأفراد والجماعات.

إن موت المرأة العجوز هو تنبيه مقلق ودق لناقوس الخطر زمن ما بعد الحداثة في مجتمعاتنا العربية والمغاربية. هو كذلك تحذير قبل فوات الأوان من وقوع خراب الحياة في مجتمعاتنا. ففي اليوم الثالث تراءى له ما يُشبه يد ممدودة من الكومة. ومع ذلك، بسبب حرصه على تجاهل التفاصيل، حتى ولو كانت مرتبطة بمركز كينونة الفرد ومجتمعه، سمح لنفسه بتجاوز ما رآه بخطوات، ثمّ تدارك الأمر وعاد أدراجه، فإذا بها امرأة عجوز متلفّعة بعباءة سوداء. فقرار العودة إلى الكومة هو إشارة لإمكانية حدوث علو للهمم (وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا)، وأمل في استيقاظ الضمير الذي يحمل مقومات ارتقاء القطاعين العام والخاص بمنطق حضاري جديد.

فبالرغم من انقشاع هويّة "الكومة"، استمرت النزعة المادية في السيطرة على البطل، بحيث لم يفكر إلا في ارتباط مد اليد بالعوز والحاجة للمال. أخرج بعض النقود، ووضعها في اليد الممدودة في العراء، ولكنّها لم تقبض عليها، فسقطت على الأرض. لم يستوعب في حينه أنها كانت تحتاج للعطف والعناية قبل فوات الأوان، وأن ينظر لوجهها قبل يدها (النص: التقط النقود، وحطّها مرّة أخرى في يدها، ونبّهها بالمناداة، ولكنّها ظلّت صامتة، ولم تقبض النقود. لمسَ كفّها وحرّكها بلطف لعلّها كانت غافية وهي جالسة. ولكنّ برودة مريعة سرتْ من يدها إلى أصابعه. وأشاعت في جسده قشعريرة وتوجّساً. وقبل أن يُتاح له القليل من التفكير، مال جسم المرأة بأكمله مع تلك الحركة الخفيفة، لتسقط على الأرض جثّة هامدة). ماتت العجوز، وبرز مجددا في الضمائر أن الموت هو صاحب الفضل الأول والأكبر على الحياة وليس العكس.

لقد أبرز القاسمي انطلاقا من واقعنا وتراثنا مفهوم الموت وتطوره سواء تعلق الأمر بالإنسان أو الأشياء أو المنظمات، مستحضرا تفاعل مقوماتنا الوجودية مع التطورات الكونية بدقة علمية بعيدة عن أي تأثر إيديولوجي.

إن الجو الرصاصي البارد الذي حول كل شيء في الحديقة العمومية إلى جمود، وأشجارها تعيش كذلك فصل خريف، شكل صورة قاتمة جسد عبث الزمان بطبيعتها الزاهية الساحرة. لقد اقتحم الموت كل شيء بها جراء شدة الإهمال الذي يحول الكفاءات إلى مجرد أشباح مخنوقة. لغة المكان، الذي تكومت فيه العجوز (الزمان) بحلتها البالية الداكنة، شاع فيه الغموض والتيه والعشوائية واختلاط الأمور إلى درجة أصبح صدى صيحات معاناة الرعايا لا تنفذ إلى ضمير المسؤولين. إن حدة القشعريرة والتوجس اللذان أصابا جسم البطل هو بمثابة نداء بعد فوات الأوان للتلاحم الحميمي ودعوة لنفاذ معاناة الآخر إلى القلوب، وتقوية التواصل بين الإنسان وأخيه.

 

الحسين بوخرطة كاتب سياسي، ناقد أدبي، مغربي.

..........................

المقالة الثانية:

تجليات الموت في "الكومة" للدكتور علي القاسمي

بقلم: البشير النظيفي*

عندما أقف مشدوها أمام الأعمال الفكرية، واللغوية، والنقدية، والإبداعية التي أغنى بها الدكتور علي القاسمي المكتبة العربية ..إضافة إلى ترجماته الفنية، التي شهد له بالجودة فيها بعض فطاحل المترجمين العرب من المشرق والمغرب ..فإني لا أرى مناصا من الإشادة بعبقرية صاحبها باعتباره " جزءا حياً نابضا " في تاريخنا الفكري والإبداعي المعاصر .

لذا فإن البحث الذي ضمه كتابه " مفاهيم العقل العربي "عن الموت، يُعدُّ بحثا قيما استطاع أن يبرز من خلاله مفهوم الموت، انطلاقا من تراثنا ومقومات وجودنا، بدقة علمية بعيدة عن أي تأثر بأحكام سابقة،استشراقية كانت أو إ يد يولوجية ...

ومما جعل البحث يستكمل جدته وقيمته، تمثُّل الدكتور القاسمي للتراث العربي الإسلامي، ودراساته اللغوية الوثيقة الاتصال بأصول اللغة العربية، وكذلك اطلاعه الواسع على البحوث اللغوية الحد يثة .

كل ذلك وغيره د فعه إلى أن يفرد معجما قيما في بابه اختار له اسم " معجم الاستشهادات الموسع " الذي يقول عنه، إنه "..ليس معجما لغويا، فمداخله ليست ألفاظ اللغة عامة، وإنما تمثل موضوعات معينة محدودة لاتتجاوز 1500 موضوع " ص 13 . ثم بعد ذلك يوضح العلاقة المتواجدة بين موضوعات المعجم فيقول: " والعلاقات بين الموضوعات إما علاقة لسانية كالترادف والتضاد وغيرهما، مثلا تحت موضوع [الموت] نجد الإحالة أنظر كذلك: الأجل، الردى، المنون، المنية، الهلا ك ..الخ. ص 15 .

إن العبارات السابقة ـ في نظري ـ لتدل دلالة واضحة، على الوضوح والفهم اللذان تتسم بهما مؤلفات الدكتور علي القاسمي الفكرية، واللغوية، والنقدية التي منها كتاب " من روائع الأ دب المغربي ..قراءات" الذي يحوي مقالة نقدية تحمل عنوان (مفهوم الموت في الثقافة العربية ..ورواية " وعاد الزوق إلى النبع) للأ ستاذ عبد الكريم غلاب .. ولعل المتابع لأعماله النقدية يلاحظ أن الأستاذ القاسمي يبدي فيها نظرات نقدية هادئة، لاتضر أصحابها، ولاتدمي عيونهم ..فهي رقيقة ناعمة، وود يعة في تناولها لمو ضوعا ت إبد اعا تهم ..

تلك كانت كلمة تمهيدية مختزلة عن علاقة المفكر واللغوي المبدع بالروح التي تغادر الجسد كتيمة آثر الدكتور القاسمي أن تحتويها هذه المجموعة، قصد الحفاظ على وحدتها الموضوعة، الشيء الذي يؤهلني إلى القول: بأ ن إحساسه بالموت، وتصوره لأوضاعه وحالاته ..ينطلق من ظروفه، ودوافعه الخاصة، لا من أفكار الآخرين عنه ..

ف"أوان الرحيل " هذه الجملة التي تطفح بالهزيمة، والعجز، والخضوع أمام ذلك المجهول المنتظر الذي تنقضي أمامه أحلامنا، ويدل قدومه إلينا، على انتهاء مرحلة الدار الأولى، وبداية الأخرى ..سبق وأن صدرت طبعتها الأولى عن دار " ميريت" بالقاهرة سنة 2007 فيما يقارب تسعة وعشرين وما ئة [129] صفحة من الحجم الصغير كانت تضم أربعة عشر قصة، إضافة إلى ما جاء في صدرها وعجزها ..وعبر هذا المنحى تجدر الإشارة، إلى أن هيكل المجموعة البنائي الحالي ارتأى المبدع تضمينه نصين قصصيين نشرهما بمجموعته الأولى، الحاملة لعنوان " رسالة إلى حبيبتي " الصادرة سنة 2003 بمقدمة للأستاذ عبد الكريم غلاب .

وعن أسباب ذلك كانت إجابته حول التركيز على تيمة معينة كـ [الطفولة ـ الحب ـ الحزن ـ الموت ..الخ] في لقاء أجراه معه الناقد الأخ ابراهيم أولحيان قائلا: " لم أشتغل على هذه الموضوعات وفق تخطيط مسبق، فقد ذكرت لك أنني لست كاتبا محترفا، وإنما أكتب في أوقات الفراغ، وأثناء استراحتي،عند ما أحس بالحاجة إلى الكتابة وأن لدي ما أقول . ولكن تجمَّع عندي عدد من القصص القصيرة حوالي خمسين قصة، قبل أن أقرر نشرها في كتاب، وعند ما قدمتها إلى الحاج القادري صاحب دار الثقافة للنشر والتوزيع في الدار البيضاء، اقترح علي أن أقسمها إلى مجموعات قصصية صغيرة، لكي يسهل تسويقها وبيعها، لأن قدرة القارئ العربي الشرائية محدودة، فهو لايشتري الكتاب إذ ا تجاوز ثمنه عشرين درهما [حوالي دولارين] . وعند ما واجهتني مشكلة تقسيم هذه القصص القصيرة رأيت أن اصنفها طبقا للموضوعة [التيمة] التي تتناولها القصة . نُشرت بعض المجموعات في الدار البيضاء، وبعضها الآخر في القاهرة، وكانت موضوعات المجموعات القصصية على الشكل التالي [1] " رسالة إلى حبيبتي " تتناول موضوعة الطفولة [2] " صمت البحر" تتناول موضوعات الحب [3] " دوائر الأحزان " موضوعة الحزن [4] أوان الرحيل " موضوعة الاحتضار والموت [5] " حياة سابقة " موضوعة علم النفس الموازي، أما مجموعتي القصصية السادسة، فمعظم قصصها تدور حول الوطن الجريح " ا نتهى [مجلة " عمان " ع 158 ص 30 ـ 31] .

والقصتان اللتان أعيد نشرهما في أوان الحيل، هما:

1 ـ " أصا بع جدي " التي أخذت عنوانا آخر في المجموعة هو: " ليلة وفاة جدي "

2 ـ " البندقية " التي أصبحت تحمل عنوان " الوصية "

والمتأمل لمضمون النصيْن المضافيْن إلى جانب إخوان لهما في المجموعة، يلاحظ أن هد فهما يتمثل في نسج خيوط تيمتهما بمجموعة " أوان الرحيل "، الذي يقودنا أسلوبها الفني بتلويناته الإبداعية، إلى معادلة تكاد تكون سليمة بين الموضوعة ومعناها، ليصل بنا إلى ما يريد ـ والله أعلم ـ المبدع بثه من أفكار تكون زادا لنا في المعرفة والشعور بما لنا وما علينا ..وإذا كان ما ظننته سليما، فخطاب المجموعة القصصية يحذرنا قائلا: " لملموا أنفسكم وخذوا العدة لغدكم " ..خاصة وأن تقنية قصص المجموعة في معالجتها لفكرة تطغى بأشكال مختلفة على مخيلة، تقوى تارة، وتضعف أخرى، لعجزها عن الإجابة " على أدق أسئلة الوجود وأحرجها " وأعني بذلك الموت طبعا، الذي حاول " خيتو مادو " الشاعر الياباني أن يتمرد عليه، لأنه " يفترس المخلوقات دونما اعتبار لتكوينها الرائع، أو شبابها المفتون "

عنصر الخيال في القصة: وبما أننا نعلم، أن الخيال عنصر هام في العمل الإ بداعي، يستطيع المبدع من خلاله، أن يكسب لعمله قيمة فنية، يبهر القارئ بسحره، ويمتعه بجماله ..كما يجعله قادرا على أن يوحي إليه بآ رائه وأفكاره المخلفة والمتباينة ضمنه ..يقول مثلا في وصف حالة الحديقة صباح ذاك اليوم الأول، ما يلي: " كانت العتمة تلف أشجار الحديقة العامة ونباتاتها، فتخيل إليه كأشباح سود طويلة وقصيرة ذوات أذرع متعددة متحركة، مثل أخطبوط هائل داكن " ص 37 .

إذا، كل شيء في الحديقة يعاني من برودة الجو الغائم، الذي سبق وأن سقط برذاذه من قبل على " الكومة " . فهذا الجو الرصاصي البارد الذي حول كل شيء في الحديقة إلى جمود ..يشير أيضا إلى أن أشجارها تعيش ـ كذلك ـ فصل خريف، بعد ما عبث الزمان بطبيعتها الزاهية الساحرة ..ولكون اللغة طيعة بين أصابع هذا اللغوي الذي تعددت مشاربه المعرفية ..باعتبارها وعاء يتلبس معان وأ فكارا، تساهم في تعميق رؤية المكان الذي قدم معالمه في بناء شعري ساحر تدل جمله على قفره وفقره، بعد ما اقتحم الموت كل شيء في الحديقة فتركها " كأ شباح سود طويلة وقصيرة، ذوات أذرع متعددة متحركة مثل أخطبوط هائل داكن . وكانت أمطار الليلة الماضية على الأرض قد تجمدت، هنا وهناك، صقيعا يتكسر تحت وقع قدميه ".

ولعل تشبيه الدكتور علي القاسمي أعواد الأشجار بالأ شباح، قد يقرر ـ في نظري ـ دلالة خارجية تتمثل في القمع أو الإهمال الذي يجعل من بعض الناس أشباحا، يبزغ الموت من ملامحهم . والعجوز كقيمة وصفية ذات حضور زمني دال على الماضي القديم، فإن لفظتها أيضا تلقي بصفة الحياة على الشيء الجامد، الذي هو " الكومة "، وبذلك فهي حاضرة " وبمقدار حضورها الحي، بمقدار ما توحي بالقدم والفناء .

كما أن وجه الشبه القائم بين الصفات التعبيرية للأ شجار التي فقدت أوراقها، والعجوز هو الموت ..وباستبعاد الحياة في علاقتهما يحل الموت ..هذا الموت الذي قال فيه المتنبي:

وما الموت إلا سارق دق جسمه ... يصول بلا كف، ويسعى بلا نعل

والدكتور علي القاسمي يفزع إلى الخيال في قصته هذه، ليوسع به تجربته، ويجملها ..ونلاحظ ذلك لديه عند ما يحل [بضم أوله وكسر ثانيه] الإنسان في الأشياء حتى تكاد الحدود تنطمس بينه وبينها ..ولعل هذا ما عناه الشاعر تميم بن مقبل، عند ما قال:

ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر ... تنبو الحوادث عنه وهو ملموم

فالتحسر الواضح في البيت، يسعى الشاعر من خلاله إلى مقاومة الزمن ..إذ أن رغبته في التحول إلى حجر ملتم على بعضه ـ شبيه بالكومة ـ تحد منه للزمن، وجعله غير قادر على اختراقه ..وبذلك تنبو حوادثه إذا ما أصابته ..

فالمكان إذا، الذي تكومت فيه المرأة الهرمة [الزمان] على نفسها، متلفعة بأسمالها البالية، الداكنة ..جعل رؤ يتها تتعذر على هذا الساري في الغلس، وهو يسرع في جريه، نتيجة اتساع المكان ورحابته، وفعله هذا إن دل على شئ، فإنما على تعلقه بالحياة، التي يرغب أن تسري في عروقه، انطلاقا من كون المكان، لايعدو أن يكون في نظره ـ والله أعلم ـ جسرا يمر عبره إلى آخر مغلق [المعمل] لتأدية مهامه الوظيفية ..

فسرعته وارتباطه بوقت عمله، لم يسعفاه على التحديق، والتأمل في الكومة، خاصة في اليوم التاني من عمله الرياضي، عند ما لمح حركة ندت عن الكومة، ولاختلاط الأمر عليه اعتبرها " صادرة من واحد من الكلاب، أو القطط السائبة، التي تتخذ من الحديقة ملجأ .." على حد قوله في ص 38 .

وبما أن الغيوم التي أرخت سدولها على فضاء الحديقة قد يكون لها دور في عدم الاهتمام بالكومة، ولا بإصاخة السمع لرنينها الواهن أمام صوت الموت الذي يدعوها إليه، بعد ما حرمها المجتمع من العيش في حياة عادلة كريمة، شأن شبيهة لها تمكنت من أن يصيخ الساهرون على مسؤولية رعاياهم السمع لندائها، والحدث ورد في سيرة الفاروق عمر بن الخطاب، مفاده أنه كان " يتعهد عجوزا كبيرة عمياء في بعض حواشي المدينة من الليل، فيسقي لها، ويقوم بأمرها، فكان إذا جاء وجد غيره قد سبقه إليها، فقام بما تحتاج إليه، فرصده فإذا بأبي بكر الصد يق الذي يأتيها، وهو يومئذ خليفة .." والحدث ـ في نظري ـ لا يحتاج إلى تعليق .

وبعد هذا الإستطراد أعود إلى الحركة التي بدت منها وهي تحتضر، فأقول: بأنها إن دلت على شيء، فإنما على أنها كانت تحاول النهوض إلى سماء المحبة ..لكن حدَّ من قوتها الوهن، فارتخت عجزا، ثم تكومت على نفسها .

وهي في حركة احتضارها تلك أيضا، تترجم، وتردد بشجاعة وصمت: هلموا وانتبهوا " سأموت بعد لحظات " ..إنه الموت، القوة الجبارة التي لن تستطيع أية قوة أخرى الوقوف أمامها ..فبصولتها ـ كما قال المتنبي ـ تنفذ ما اعتزمت عليه، وبأساليب مختلفة ..ألم يقل الشاعر: "..تعددت الأسباب والموت واحد؟" .

فالكومة إذا، بلُغتها الصامتة أفصحت ببيان نافذ، وتعبير عميق عن حالتها المزرية، المتمثلة في غربتها، ووحدتها، وتهميشها ..هكذا بقيت الجثة على وضعها ذاك، إلى أن لمست يد البطل كفها لتوقظها بلطف، لكن " برودة مريعة سرت من يدها إلى أصابعه، وأشاعت في جسده قشعريرة وتوجسا " ص 38 . فهذا التلاحم الحميمي النافذ إلى جسد البطل من برودة جسدها .. أراه أكثر نفاذا إلى القلوب، وإثارة للشفقة والرحمة فيها ..إضافة إلى تجسيده للوحدة بين الجسدين ـ بعد فوات الأوان طبعا ـ التي تثبت عدم الانفصال بين الإنسان وأخيه.

وإذا كانت يد العجوز الممدودة تدل على فقرها وبؤسها، وحاجتها للإعانة ممن تطلب نوالهم ..لد فع بعض الجوع، والمرض اللذان تعاني منهما في صمت، دون أن تشكو لأحد همها، بعد أن سمحت لنفسها بالنوح والأنين .. فهذه الصورة التي خاطبت بها اليد ـ ساخرة ـ نوال المارين بها، دفعني إلى القول: بأنها أكثر أصالة وجمالا من أي تأويل آخر .

أما سقوط الجثة، وحلولها بالأرض ـ بعد ما تكون الصحف قد جفت، والأقلام قد رفعت ـ فيعكس ـ في نظري ـ إلى جانب الإغتراب ـ توحدها بالأم وعودتها إلى الأصل ..وهو ما عناه أبوالعلاء في بيته المشهور:

خفف الوطء ما أظن أديم الأ ...  رض إلامن هذه الأجساد

فاليد التي د لتنا على هلاك الجثة، تذكِّر بموت نبينا سليمان عليه السلام، والتي أوردها الله سبحانه وتعالى في قوله: ( فلما قضينا عليه الموت ما د لهم على موته إلا دابة تأكل منساته، فلما خرَّ تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ) سورة سبأ آية 14 .

والمنساة كما قيل:هي العصا بلغة الحبشة، التي أكلتها الأرضة، وليحددوا الفترة الزمنية التي قبضت فيها روح سيدنا سليمان، لجأوا إلى " وضع الأرضة على العصا، وبعد ما أكلت منها يوما وليلة، حسبوا على ذلك النحو، فوجدوه قد مات منذ سنة، وكانوا يعملون بين يديه، وينظرون إليه، ويحسون أنه حي، ولا ينكرون احتباسه على الخروج إلى الناس لطول صلاته قبل ذلك " .

فالمبدع من خلال قصته تلك، يتحدث معنا ـ لا إلينا ـ كي نحس ونشعر معه نفس شعور انفرادية الإنسان ووحدته، وانعزاله ..رغم انشغاله بمهام الحياة ..

كما أن الصورة الفنية التي وضعنا هذا المبدع الساحر بلغته الرومانسية المنسابة، وتشبيهاته البديعية الخلابة أمامها، لتطفح بالإنسانية التي تثير العطف على كل مشرد، قصم الإهمال ظهره ...

وانطلاقا مما سبق يحلو لي القول، بأن الإحالات التي أتيت على بعضها، قد تكمن في نسيج السرد القصصي للدكتور علي القاسمي، نظرا لثقافته الواسعة، التي تبرزها بشكل جلي مؤلفاته: الفكرية، واللغوية، والنقدية ...الخ

وما توخيته في قراءتي المتواضعة هذه، ليس تحليل القصة،أونقدها ..بل القيام برحلة عبر بعض أفكار هذا العمل الإبداعي، الغنية زواياه بخبا ياها.

 

البشير النظيفي، باحث صوفي مغربي.

...........................

المقالة الثالثة:

رمزية الواقع في قصص علي القاسمي.. قصة "الكومة" أنموذجا

بقلم: عبد السميع بنصابر*

على سبيل التقديم:

عندما تجالس مبدعا ما، فإنك لا بد أن تتلمس هوسه بالمجال الذي يبدع فيه. تستشف هذا من خلال حديثه أو حركاته.. وربما بِصمته أحيانا، أليس للصمت بلاغة أيضا؟! فالفنان التشكيلي قد لا يكبح جماح ذائقته عندما يصرح بها مبديا رأيه في لون هذا الشيء أو ذاك، والملحن يزن الأنغام بأذنه وينوه بجمال مقطع ويشير إلى نشاز آخر إن وجد، والقاص تحكي له القصة أو النكتة، وقبل أن تستجلي أثرها على ملامحه، فقد يفاجئك بتصويب أسلوبي منه، بل قد يدفع به الهوس الحكائي الذي يعشش داخله، إلى اقتراح تغييرات في أحداث حكايتك.. لأنه يرى في القصة قبل كل شيء هدفا أسمى هو الإمتاع...

ولكن، كيف إن كان جليسك متعدد المواهب والتخصصات؟ وأي لذة ستعادل لذة محادثته ومجالسته؟

عندما اطلعت على بعض مؤلفات الكاتب العراقي الدكتور علي القاسمي القصصية، أعجبت بها غاية الإعجاب، وذهلت بطرائقه في السرد الذي يحمل في سيله مضامين ومعان عميقة، محتفيا في ذلك بلغة أنيقة جذابة وسلسة. بذلك صرت أترصد أعماله في المكتبات، فإذا بي أجدني أمام قامة أدبية رفيعة تتسم بموسوعية الاطلاع وغزارة العطاء في الآن ذاته، فالاسم الذي كلل المجاميع القصصية، كلل أيضا روايات ودراسات في اللسانيات والتاريخ والترجمة... آنذاك وقفت على الأركان المتينة التي تقوم عليها أعمال الدكتور علي القاسمي القصصية، من لغة ومعارف ورموز ثقافية واجتماعية وحضارية، استوت وتقوت بكثرة أسفاره وتنقلاته أيضا.

في الورقة التالية نحاول رصد رمزية الواقع في قصص الدكتور علي القاسمي من خلال قصته الموسومة ب" الكومة" ضمن أضمومته القصصية " أوان الرحيل" الصادرة في طبعة ثانية ضمن منشورات دار الثقافة – 2010. (الطبعة الأولى: دار ميريت، القاهرة، 2007)

البعد السير- ذاتي في قصص علي القاسمي:

لا أذكر كيف تشعب بنا الحديث ذات يوم، حتى أخذ الدكتور علي القاسمي يحكي لي عن قصة فريدة حدثت له بمنزل الأديبة والفنانة التشكيلية زهرة زيراوي... وعندما أنهى الحكي بابتسامته الصافية، رأيته يسارع إلى سحب قلمه وتدوين شيء ما على ورقة ثم يعيدها إلى جيب قميصه بملامح سرور، توحي لك أن الرجل قبض على جوهرة نادرة كادت أن تضيع. ولأنه قرأ - بسهولة- علامات الدهشة على وجهي فقد بادر إلى شرح ذلك قائلا:

- أحيانا تفر مثل هذه الأحداث من ذاكرتي.. وأنسى الكتابة عنها!

وعجبت لهذا الالتزام الذي يتحلى به القاص علي القاسمي في حياته كما في نصوصه. ونحن نصافح أعماله فإننا نستشف هذه الخاصية من خلال مؤشرات عديدة، بين نصوص تفصح عن نفسها كقصص سيرية(1)، من نفس المجموعة مثلا: [الحمامة- الساعة- الظمأ- القارب...] وقصص أخرى تحتاج أكثر للتدليل عليها كالمكان والدقة في تحديده (العقاب-المجابهة...(2))، أو إحالته أحيانا إلى عناوين بعض أعماله: (رسالة إلى حبيبتي(3)) في قصة الآنسة راجية(4)، وهناك أيضا معالم أخرى محيلة إلى السمة السير- ذاتية في قصص علي القاسمي، قد تكون ذات طابع سوسيو- ثقافي (قصة: لقد سقاني القهوة (5))، أو فكري ( الغزالة(6))...

دلالة الواقع وعمق الترميز في قصة الكومة:

تبدأ الواقعية في قصة الكومة من خلال الوصف الدقيق الذي خص به الكاتب فضاءات القصة:

1- الفضاء الزمني: [العتمة- في فجر اليوم الثاني- قبل السابعة صباحا...]

2- الفضاء المكاني: [كانت العتمة تلف أشجار الحديقة...- سياج الحديقة العامة- على جانب الممر-...]

بعد الوصف الواقعي والدقيق للفضاء الزمكاني، يأتي وصف شخصيات القصة، ونرصد ذلك من خلال جانبين أساسيين:

1- الجانب العرَضي/الخارجي: [القلنسوة التي يعتمرها- عجوز متلفعة بعباءة سوداء- تحيلها (شفتيه) حمراء قانية كعرف الديك]

3- الجانب السيكولوجي/الداخلي: [حسبها مجرد كومة- اكتفى بافتراض أن...- أشاعت في جسده توجسا]

2- الجانب الحركي: [أنفاسه اللاهثة المتلاحقة- اصطكاك أسنانه- ارتجاف أوصاله- يجري مسرعا مكدودا- انطلق ... يمارس رياضة العدو- لمح - اقترب- ندت منها حركة مريبة- يركض مقتربا- توقف عن الجري- يعود القهقرى- يحدق فيها- دس يده في جيبه- أخرج بعض النقود- وضعها في اليد الممدودة- التقط النقود- حطها مرة أخرى- نبهها- لمس كفها- حركها- مال جسم المرأة- تسقط على الأرض جثة هامدة]

بفحصنا للمؤشرات التي ذكرناها فإننا نسجل ملاحظات هامة:

1 - الطابع الدرامي للفضائين الزماني: ( الظلام الذي يحجب الرؤية الصحيحة للأشياء)، والفضاء المكاني أيضا ( العتمة تلف أشجار الحديقة العامة ونباتاتها، فتخيل إليه كأشباح سود.. ذوات أذرع متعددة.. مثل أخطبوط هائل¬> الارتعاب وقلة الأمن النفسي أو انعدامه أحيانا- سياج الحديقة¬> إحالة على السجن بأنواعه والحواجز التي تطوق الأشجار/الطبيعة/ الإنسان/ الحرية... )

2 - غلبة ألفاظ وعبارات معجم الجانب الحركي في الشخصيات (البطل تحديدا) على ألفاظ معجم الجانبين الآخرين ونقصد هنا الجانب السيكولوجي تحديدا باعتبار التقابل العلمي والفلسفي للمفهومين: السلوكات أو ردود الأفعال / الوعي واللاشعور (علم النفس).

انطلاقا من ملاحظتنا الأخيرة، سنكون قد اقتربنا من امتلاك مفاتيح قصة الكومة، من خلال وضع اليد على أبعاد ودلالات الحدث أو الأحداث الواردة فالقصة، والتي تحكي عن شخص اعتاد أن يقوم قبل كل فجر بممارسة رياضة العدو في الحديقة العامة المجاورة لمنزله، فإذا بكومة قاتمة تلوح له على جانب الممر. ونظرا لقلة الوقت وتراكم المشاغل فقد كان البطل يكفتي بافتراض ماهيتها، تارة (كومة أحجار جلبت لترميم سياج الحديقة العامة أو ركام أغصان تجمع من جراء تشذيب الأشجار) وتارة يحسبها (عندما... ندت منها حركة مريبة) كلبا أو قطا سائبا اتخذ من الحديقة ملجأ. ولكنه عندما أبصر (في اليوم الثالث) يدا ممدودة من الكومة، (توقف عن الجري ليعود القهقرى إليها ويحدق فيها)، فيكتشف أخيرا أن الكومة ما هي إلا عجوز تلفعت بعباءة سوداء، وحينما دس في يدها الباردة بعض القطع النقدية؛ ظلت - هي – صامتة جامدة الحركة، ثم ما لبثت - بحركة طفيفة - أن.. سقطت على الأرض جثة هامدة.

وفيما يلي، يمكن أن نعطي لبعض الرموز دلالتها:

1- البطل: الإنسان في زمننا الحاضر وفي كل مكان، لأن قصص علي القاسمي تتناول الظاهر غالبا بشكل إنساني كوني، لا تضيقه أية حدود جغرافية أو ثقافية.

2- الحركة / رياضة العدو: غالبا ما يعمد ممارس هذه الرياضة إلى الركض في اتجاه دائري، ومن هنا نستخلص أن الأمر يتعلق بدورة الحياة، التي تبتلع الإنسان، دون أن يجد (متسعا من الوقت) لـ ( يدقق النظر أو يطيل التأمل)، ولأنه يجد نفسه تحت ضغط عدة مشاغل شخصية ( تناول طعام الفطور- التوجه إلى مقر العمل) ولأنه أيضا مطارد بهاجس الوقت ( قبل السابعة صباحا)، و هذا ما يجعلنا نفسر قلة ألفاظ المعجم النفسي/الداخلي، فلا تظهر سوى في عبارات التردد والافتراض [حسبها مجرد كومة- اكتفى بافتراض أن..] وأحيانا تعلن عن حالة الارتباك وعدم الاستقرار [أشاعت في جسده توجسا].

3- الكومة/العجوز: تختفي وراء ( عباءة السواد) مشاعر وأحاسيس لا نراها بوضوح، وسط عتمة الواقع وكثرة انشغالاتنا، لذلك فإننا لا نسعى إلى تفسير المظاهر وفق منظور إنساني، بل نكتفي بالافتراض [كومة أحجار- ركام أغصان]، وأحيانا نفسرها بشكل نمطي قاس وفج، فنقول إن الحركة [صادرة من واحد من الكلاب أو القطط السائبة التي تتخذ من الحديقة ملجأ]. وهكذا فيمكن أن نعطي للكومة دلالة ( الآخر)، الذي تنظر إليه الأنا بنظرة أنطولوجية سارترية صرفة، مفادها تشييء ذوات الآخرين، ويمكن أن تكون أيضا ديكارتية، حيث إن الأنا/الذات لا تعترف سوى بوجود نفسها، لأنها حققته بواسطة الشك [حَسِبَها...- بافتراض أن...] و التفكير ¬> "أنا أفكر، إذن أنا موجود"، ومن تم لا يمكنها أن تؤكد وجود الآخر، لأن الوجود يتحدد بعملية فردية وذاتية هي التفكير.

4- البرودة/ الموت: ويشار إلى أن تيمة الموت/الفناء/ الرحيل... هي القاسم المشترك بين قصص المجموعة التي أخذت منها قصة "الكومة" [موت الإنسان / موت المشاعر / موت الطبيعة / موت الحضارة..]، وفي هذه القصة، نرصد برودة الأحاسيس وموتها من خلال توالي كلمة [لا يهم]، فالذات - كما أسلفنا- لا تعترف سوى بنفسها، ولا يهمها ما يحيط بها، فالكل منغمس في عالمه في صمت وجفاف، لتموت الأفعال الإنسانية مثل (التوقف - التأمل- التحديق...)

على سبيل الختم:

كثيرة هي القصص التي تتكئ على الواقع إما في طرائق سردها أو في مضامينها، لتبث رسائلها الإنسانية إلى القارئ، لكننا قلما نجد نصوصا برع أصحابها في ملاءمة الشكل للمضمون، وموازاة الأسلوب للفكرة، وهنا نقرأ نصا قصصيا التزم صاحبه - بشكل ينم عن تمرس وحرفية عاليين – برسم لوحة قصصية واقعية، بريشة اللغة المعبرة والجذابة، دون غبش أو نشاز في الألوان السردية التي استعملها. فقد سعى القاص الدكتور علي القاسمي إلى تبيان جفاف المشاعر الإنسانية، من خلال أسلوب لم تطغ عليه اللغة الشعرية الحالمة، بل كانت مقتضبة وسلسة وموحية.. وصادمة في الأخير. وقصة "الكومة"، تستحق أكثر من (وقفة، وتأمل) أيضا لأن "كومة" علي القاسمي تخفي أيضا مشاعر إنسانية لا حدود لها، والقارئ طبعا هو البطل، وما عليه إلا الاقتراب منها وتحسس ما تحمله من رسائل عميقة، بتنا لا نحفل بها في عصر السرعة والدوران الذي لا ننتهي منه حتى (نسقط) في يوم من الأيام (جثة هامدة).

 

* عبد السميع بنصابر، قاص روائي ناقد مغربي

....................

* هوامش:

1- إدريس الكريوي. جماليات القصة القصيرة- دار الثقافة- الدار البيضاء- الطبعة الأولى – 2010

2- علي القاسمي.حياة سابقة- دار الثقافة- الدار البيضاء- الطبعة الأولى

3- المرجع السابق

4-المرجع السابق

5-المرجع السابق

6- علي القاسمي. أوان الرحيل- قصص قصيرة- دار الثقافة- الطبعة الثالثة- 2010

 

 

عبير خالد يحيىفي رواية (وكر السلمان) للأديب العراقي شلال عنوز.. دراسة ذرائعية باستراتيجية الاسترجاع


مقدمة إغنائية:

أدب الجريمة[1]: هو نوع أدبي من الروايات التي تركز على الأفعال الإجرامية، وخاصة على التحقيق، سواء من قبل أحد المحققين الهواة أو المحترفين في جريمة خطيرة، وبشكل عام جريمة قتل.

وهذا ما لا ينطبق على رواية (وكر السلمان) للشاعر والأديب شلال عنوز، فالرواية ليست بوليسية، محور الأحداث الرئيسي لا تدور حوله مجريات تحقيق جنائي للكشف عن الجريمة وهوية المجرم، الكاتب استهل العمل بالتعريف ببطل العمل، قدّمه منذ البداية بما يدّل على أنه قاتل متسلسل[2]، ارتكب جرائمه المتكررة في ذات المكان، وخلال فترة زمنية معينة، معتمدًا آلية واحدة في القتل، وبقيت الجرائم لا يعلم بها إلا منفّذها، واعتُبر الضحايا في قيد المختفين جنائيًّا وليس في قيد المقتولين، فالتحقيقات الجنائية لم تأخذ مجراها إلا في الثلث الأخير من الرواية، شاغلة مثلث الانحسار الذي انقلب من بعد العقدة باتجاه النهاية.

الغريب أيضًا أن الكاتب لم يقدّم لنا البطل (نعمان) بصورة القاتل المتسلسل الذي تنطبق عليه الصفات الأساسية في شخصية القاتل المتسلسل، المستنتجة من الكثير من الدراسات السيكولوجية التي درست شخصية القاتل المتسلسل وخلفيته، والتي ترى أن الأغلبية الساحقة منهم اكثر من 90% من الذكور، يأتون من خلفيات عائلية مضطربة أو مفككة أو مستبدة، وغالبًا ما يكونون ضحايا الاعتداءات الجنسية أو الذهنية أو الجنسية، ومع أنهم أذكياء إلا أنهم عمومًا لاينجحون في الدراسة، ويظهرون تصرفات عنيفة في سن مبكرة مثل تعذيب الحيوانات أو تشويه الذات أو محاولات الانتحار، يكبرون بميول جنسية منحرفة، يترافق أداءهم الجنسي بطقوس سادية مازوشية أو فتشية. وهم لا يشعرون بالندم مطلقًا، فالقتل عندهم يتم بصورة عفوية، أما القاتل المتسلسل الذي قدّمه الكاتب فكان على النقيض تمامًا، فنعمان ينحدر من أسرة مثالية، هو الابن الوحيد لأبوين متحابين، مثقفين، الأب على الرغم من أصوله البدوية إلا أنه كان تاجرًا يشهد له الجميع بالاستقامة، كما يشهد سلوكه على نبل المبادئ والأخلاق التي يتبناها، والتي نجح في غرسها في وحيده، فنشأ نشأة صالحة، وتفوّق على أقرانه في الدراسة ودخل كلية الحقوق التي أرادها له والداه، وعندما توفي والده أورثه تركة من الأملاك والأموال تجعله يعيش في بحبوحة تغنيه عن أي احتياج مادي، كما أنه لم يتعرض لأي عنف أسري أو جسدي، وعندما أحبته سناء الشابة المنحدرة من أسرة برجوازية إنما أحبته لكياسته وكرمه ومروءته ونبل أخلاقه، ورهافة إحساسه ومشاعره، فهو شاعر  ينطق لسانه شعرًا وأدبًا.. أما عن الندم، فقد كان عند نعمان طقسًا دائم الحضور،لا يقطعه إلا لحظات تنفيذ الجريمة:

بعد كل عملية قتل ينفذها نعمان في وكره الشيطاني، يرمي السكين جانبًا، ويجلس قرب المجني عليه ويجهش بالبكاء، ثم يعانق الجثة الهامدة ويمسح ببقايا دم الضحية على وجهه، وحينما يشم رائحة الدم يهدأ كأنما نسيم من طمأنينة طاف روحه، ثم يبدأ عمله الشاق والمضني بدفن الجثة في ذلك النفق.

إن أكبر وصف سيكولوجي قدّم به الكاتب بطله هو (نرجسي)، إلّا أن الأعراض من (ذهان وعدم القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ وسماع أصوات ومشاهدة رؤى على شكل هلوسات) التي تعتري بطله قبل ارتكاب الجرائم، تحيل إلى قاتل (سيكوباتي (psychopathy[3]، ولكن القاتل السيكوباتي تختفي وراء شخصيته سمتان لا يمكن السيطرة عليهما وهما:

الانحراف الجنسي (الشذوذ)، والحاجة المفرطة للسلطة والهيمنة، ولم يُشر إليهما الكاتب لا من قريب ولا من بعيد، وهذا خلل في بناء الشخصية الروائية، يجب أخذه في نظر الاعتبار.

2232 وكر السلمان

السيرة الذاتية والأدبية للأديب:

شلال عباس عنوز – مواليد 1950

بكالوريوس قانون، محامي، شاعر وروائي عراقي، ترجمت بعض أعماله إلى اللغة الانكليزية والكردية والفرنسية والإيطالية .

عضو اتحاد الأدباء والكتاب في العراق من العام 1985، عضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب منذ 1992

عضو اتحاد الصحفيين العراقيين، عضو نقابة المحامين بالعراق، عضو اتحاد الحقوقيين العراقيين.

يكتب الشعر بأنواعه: العمود والتفعيلة وقصيدة النثر.

أعماله المطبوعة:

مرايا الزهور.. ديوان شعر صدر عام 1999

الشاعر وسفر الغريب.. ديوان شعر صدر عام 2013

وبكى الماء.. ديوان شعر صدر عام 2017

السماء لم تزل زرقاء.. ديوان شعر صدر عام 2017

امنحيني مطر الدفء.. ديوان شعر صدر عام 2018

حديث الياسمين.. ديوان شعر مشترك صدر عام 2018

صدى الفصول.. ديوان شعر مشترك

المستويات الذرائعية في تحليل هذا العمل

أولًا- المستوى الأخلاقي:

التبئير الفكري:

إن ما تقدّم، يجعلني أميل إلى افتراض أن الكاتب ما أراد أن يوجه ثيمة عمله باتجاه أدب الجريمة المتعارف عليه، وأنه ما قصد أن يكون بطل روايته قاتلًا متسلسلًا كشخص أو كفرد، فالكاتب أذكى بكثير من أن يقع في هفوة كهذه، فهو محام، درس المحاماة وامتهنها ويعرف كل ما قدّمتُ له في هذا الإغناء السابق، لكنه قصد أن يكون بطلُه –كقاتل- كاسرًا لأفق الواقع، مندخلًا في فضاء المحتَمَل، ليس فقط البطل كشخصية، وإنما أيضًا الأحداث ككل، وأراه يوجّه القارئ ليكون أكثر تشكّكًا، فلم يلاعبه على حبل التشويق، وإنما قطعه عليه ذاك الطريق حينما كشف حقيقة البطل من بعد الاستهلال بقليل، وكأنه يقول: إن بطلي من طينة طيبة لكنّه طغى!

وهنا سنعود إلى الدراسات التي أشرت إليها، والتي تتمحور حول فكرة أنه تمّ تشكيل القتلة المتسلسلين على ما هم عليه، ولم يولدوا على هذه الهيئة، وأنهم نتاج التجارب الوحشية المبكرة في حياتهم، لكن الكاتب أخرج كلمة(المبكرة) واستبدلها بكلمة (الطارئة)، وعلى هذه (التجارب الطارئة) بنى المحور الرئيسي أو الثيمة الرئيسية في الرواية، ألا وهي تجربة الحرب بالعموم، والحرب العراقية الإيرانية بالخصوص، التي حصدت من الأرواح والحيوات ما أتخمها لسنوات زادت عن الثمان، مات الأنس وتكاثرت الشياطين في العقول التي عجزت عن احتمال وقع الصدمة، وفي النفوس التي كمن فيها الشذوذ فقوّى فيها نزعة العنف، فغيّب عنها الضمير، وجعلها ذكاءها وتحكّمها الواقعي في أفعالها بعيدة عن سطوة القانون لفترة طويلة، قابل ذلك افتقارها إلى الشعور بالذنب الذي إن راوَدَها يكون آنيًا يزول بسرعة، وهذا ما يبررقدرتها على تعذيب الآخرين دون وازع من ضمير، أليس هذا هو واقع كل الطغاة من القادة الذين ارتكبوا الويلات بحق شعوبهم، وكل يقينهم أنهم يستحقون (أن تموت الرعية ليحيا الملك) ؟ !.

سنرى أن الكاتب قد أحاط بكل المؤهبات الخارجية التي أسست لتشكيل البطل القاتل، بإسقاطاتٍ عامة على أرضية الطغيان، لكنه حام حول الحقيقة البيولوجية دون أن يدخل في تفصيلها، الحقيقة التي تفسّر لنا بشكل تشريحي قد يكون قاطعًا كيف يختلف سلوك الناس اتجاه نفس التجربة، فمن غير المعقول مثلًا أن يتحوّل جميع الناس إلى قتَلَة إن أصابتهم شظية أكلت عضوًا من أعضائهم! حتى ولو كان العضو الذكري كما حصل مع بطل الرواية ! هنا نسأل هل الاختلاف بين الأسوياء والسفاحين المحتملين مردّه إلى خلل دماغي أم نفسي؟ بيّنت الدراسات أن هناك اختلاف بالمبنى الدماغي بين الأسوياء والسفاحين، "فوجدت عدّة دراسات أن هناك خللًا في الجزء الأمامي من الدماغ وفي منطقة الحصين وسط الدماغ وفي الجهاز الحوفي limbic system  والذي يتسبّب بسلوكيات عدوانية متطرّفة، كفقدان السيطرة واتخاذ قرارات خاطئة"[4] . بمعنى أن هناك شذوذ بيولوجي عند السفاحين، تذكّر بالإنسان البدائي أو غير المتطور، وهذا ما لا يمكن الجزم به في حال بطل روايتنا إلا لو تمّ الكشف على دماغه فعليًّا، لذلك وجّه الكاتب فكره منطقيًّا باتجاه الخلل النفسي، مركّزًا على العناصر التي تكوّن الشخصية، بمستوياتها الثلاث من الأسفل إلى الأعلى: الهوَ (الغرائز)، وال (أنا) الشخص نفسه، وال (أنا العليا) الضمير .

فإذا صعدت الغرائز (الهو) إلى (الأنا) يتم إشباعها دون النظر إلى أي اعتبارات (أخلاقية أو دينية)، لذلك يقف الأنا الأعلى (الضمير) رقيبًا بين الفرد وغرائزه، فيضبط سوية الفرد، فإن لم يفعل، يكون هناك خلل نفسي يُخرِج الفرد من خاصية الإنسان السوي، باتجاه النمط المتوحّش البدائي أو الإنسان غير المتطوّر، وعلى هذا الخلل النفسي بنى الكاتب شخصية البطل نعمان.

السؤال الذي يراودني هنا، هل لو كانت إصابة البطل ناتجة عن حادث عرَضي لا دخل للحرب فيها، هل كان سيسلك ذات السلوك الإجرامي؟ لو قصد الكاتب أن يكون الجواب (نعم)، هنا ستقوِّض (نعم) قصدية الكاتب بزجّ الحرب كديباجة للعمل ككل، والكاتب أذكى من أن يزج بأرضية عرَضية غير مقصودة ليقيم عليها البناء الفنيّ لمشروعه السردي هذا. إضافة إلى أن القاتل المتسلسل يقوم بقتل الأشخاص البعيدين عنه، بينما يصرّ نعمان على قتل الأقرباء والأصدقاء والأحباء، وكلّ من وثَق بنعمان. وهذا أيضًا خلل في بناء الشخصية الروائية، إذ ينبغي أن تكون الشخصيات الروائية مقنعة، مقبولة منطقيًّا بما هو معروف في نطاق الشخصية الواقعية، فلو كانت شخصية فانتازية لقبلناها بعيدة عن معايير المنطق. لكن الكاتب يصرّ على تقديم شخصيته البطلة بالخلل الذي ذكرناه، ويقدّم مبرّرًا قد نقبله أو لا، وأعتقد أن الكاتب يمارس سطوة على المتلقي ليسلّم بما يقدّمه له، وعلى هذا التسليم المفترض من قبله سلفًا يكمل بناء عمله السردي فنيًّا، يقول في الصفحة 12:

كل تلك الصفات والسمات الجسدية التي حدّدها لامبروزو لا تنطبق على نعمان، ربما تنطبق عليه بعض السمات النفسية، فهو نتاج حالة تزاوجت فيها مستجدّات رهيبة، وظروف عصفت بحياته مع ضياع الصبر والإيمان، فنظرية لامبروزو نصّت: على أن المجرمين معروفون بأشكالهم وصفاتهم، وحدّد تلك الصفات التكوينية، فكان في ذلك الوقت كل من تنطبق عليه هذه المواصفات يؤخذ بوصفه مجرمًا ويودع في السجن، وهي نظرية تخلو من العدل ويعتريها تعسّف قاس، عارضها وأضاف لها علماء الإجرام الفرنسيون بنظرية خاصة بهم.

إذًا، نحن أمام عمل روائي قصد فيه الكاتب أن يسرد فيه ويلات الحرب الإيرانية العراقية، عبر شخصية مختلّة إنسانيًّا، هي بالإسقاط المنطقي شخصية (الطاغية)، بغضّ النظر عن الخلل الفني في بناء تلك الشخصية، فإن كان سرد أحداث تلك الحرب بكل الأهوال والويلات قد جاء سردها على لسان شخص طاغية مختل إنسانيًّا، فكيف لنا أن نتخيّل الحجم الحقيقي لإرهاب وويلات تلك الحرب؟! وكيف لنا أن نتخيّل فداحة نتائجها؟! حول هذه الثيمة ألّف الكاتب روايته هذه، هي رواية أدب حرب، وجرائم القتل إحدى نتائجها الفادحة.

يؤكد ذلك ما أورده الكاتب في الصفحة 35:

... الحرب هي التي كبّلته بقيود الوجع، فعطّلت الحياة وشيطنت الفطرة،حوّلت الإنسان من كائن وديع إلى قاتل مفترس، جرّدته من ثوب إنسانيته، الحرب تغرس شجر العداء وتوقد نار البغضاء، فتبثّ صراخ الفناء في نفوس البشر وتقتلع فسائل الحب من الجذور...

فالتجنيس: رواية واقعية من نوع أدب الحرب.

الخلفية الأخلاقية:

حمل العمل الكثير من الرسائل الوجدانية الإنسانية، بعضها كانت مباشرة، والبعض الآخر إيحائي عبر سوق قصص فيها العبر والمواعظ، وكلها تدعو إلى فكرة السلام المجتمعي، الذي لن يتحقق إلا بتحقق السلام الإنساني، وهذا لن يكون إلا بتحقق السلام العالمي، وهذه العلاقات هي علاقات عكسية تقبل اتجاهات سهمية متوازية ومتعاكسة،

وبدأ بتحديد مشكلات الأمة من النواة، الفرد، الإنسان، الذي خاض حربه الخاسرة ضد الإنسانية، فانتهى قاتلًا أو مقتولًا، وكان لزامًا على الكاتب أن ينظر في العمق السيكلوجي والأيديولوجي للإنسان الطاغية، والضحية على حدّ سواء، وأن ينظر أيضًا بشمولية تاريخية وثقافية من الخارج، فأشار إلى ابتلاءات الأمة:

هذه الأمة ابتليت بالفتن والجهل والخرافات، ونكبت بالطغاة الذين الذين كانوا أشد فتكًا بها من الأعداء.

واستعرض ويلات الحروب، التربة الخصبة التي ترعرعت ونمت وشاعت فيها الجريمة بشرعية العنف والإرهاب لضمان ديمومة الشر، وشيطنة النرجسية في عقول شذّت عن الإنسانية لتدخل في حيّز الوحشنة الحيوانية، يقول:

إن الحرب لاتورث سوى الويلات والدمار والقتلى والأيتام والمعاقين والنفوس المريضة، ومن قال إن الحرب فيها منتصر؟! وهي تسرطن النفوس..

لم يتطرق الكاتب لموضوع الطائفية أبدًا، بل نظر إلى الحرب العراقية الإيرانية على أنها حرب بين جارين، بالدرجة الأولى، انتهكا حقوق الجيرة إنسانيًّا، ثم مسلمَين بالدرجة الثانية، دون أن يذكر الانتمائي الطائفي لأي من البلدين، إذ يكفي أنهما انغمسا في مستنقع الحرب الآسن، لينزع عنهما رداء الإنسانية أولًا، والإسلام ثانيًا، ليرتديا ثوب الحمق والغباء والمرض والطغيان.

يؤكد الكاتب على أن المرأة هي معادل موضوعي هام في الحروب، تطرحها الحرب ضحية، مقتولة بجرم الجسد وجرم الحاجة، المومس التي التقاها نعمان في حانة، كانت زوجة وأم، سرقت الحرب منها عائلَها، واضطرت لبيع جسدها، وكان تجارة رائجة أفرزتها الحرب بكثافة، لتعولَ الأفواه الصغيرة الجائعة. حتى هذه المومس جعلها الكاتب تبوح بالندم والاعترف بالخطيئة، وتنوي التوبة.

أدان الكاتب الجريمة، ونصر العدل، وهاهو جاسم ابن عم نعمان يتبرّأ من مشاعر الحميّة اتجاه نعمان، ويلبي نداء الواجب الإنساني والأخلاقي والقانوني، ويترأس قوة للقبض على ابن عمّه دون أي تردّد، فالكاتب لم يدع منفذًا لمجرم، وربما كانت النهاية التي جعلها مفتوحة أكثر تشدّدًا من حكم القانون، فالموت البيولوجي محكوم به كل البشر، يختلف الناس بدروب العبور إلى الموت، ودرب العبور الذي اختاره الكاتب للمجرم نعمان هو درب الشقاء بكل ألوانه، فهل أصعب من حياة فأر هارب في الصحراء؟!

بعد تثبيت البؤرة الفكرية، سأنتقل إلى المستويات الذرائعية الديناميكية:

ثانيًا- المستوى البصري:

بمدخليه:

المدخل البصري:

الإهداء: عتبة بصرية داخلية بعد العنوان الذي سأتناوله مفصّلًا في المستوى المتحرك، إهداء يؤكد ما ذهبتُ إليه من اعتبار ثيمة الرواية هي ثيمة الحرب، يقول بلغة بليغة ملخّصًا نتائج الحرب الفادحة:

الإهداء

إلى ضحايا الحرب، رجالًا، نساءً وأطفالًا.

إلى الذين تناثرت أشلاؤهم وأحلامهم معًا.

إلى المفقودين والأسرى.

إلى الذين خسروا أمانيهم وأكلوا أعمارهم.

إلى كل الذين اكتووا بنارها.

إلى الإنسانية المعذبة بسبب حماقات

مشعليها

أهديهم روايتي هذه لتكون شاهدة على

دموية الحرب وآثارها ودورها الخطير في

تعاسة البشرية وشيوع الجريمة في الأرض..

يقع العمل على بياض حوالي 213 صفحة، مقسم على 7 فصول، مرقّمة ترقيمًا فقط بدون عناوين، هناك التزام بترتيب الصفحة والهوامش والفقرات، وأدوات الترقيم، مضبوطة إملائيًّا ونحويًّا.

المدخل اللساني:

لن أبالغ إن قلت أن أكثر من نصف الرواية يقوم على توظيف الكاتب لثقافته المتشعبة في القانون وفي التحليل السايكولوجي والنظريات الإجرامية، والتحليلات الظواهر الاقتصادية والسياسية والحضارية والجغرافية والتاريخية، عبر الحوارات الخارجية المدروسة بين الشخصيات، والتي كشفت عن السويات الثقافية للشخصيات إلى جانب الكشف عن انفعالاتها الداخلية وانطباعاتها النفسية، ولأن الكاتب وظّف هذا الحجم الكبير من المعلوماتية جاءت الحوارات طويلة نوعًا ما، تميل إلى النبرة الاستظهارية، لأن المقصدية والأولوية كان سوق المعلومات، نختار أمثلة:

معلوماتية قانونية في النظريات الإجرامية:

وهي مما اكتسبه الكاتب من دراسته للقانون وممارسته المهنية كمحام:

قالت رحمة مضيفة: ومن أقدم هذه النظريات هي نظرية سقراط وتلميذه أفلاطون، لكن نظرية الدكتور لامبروزو أستاذ الطب الشرعي والعقلي في الجامعات الإيطالية هي أولى النظريات في الفقه الجنائي التي تستند على أساس علمي.

قالت سناء وهي تضع يدها على كتف رحمة: نعم لقد وضع ذلك في كتابه (الإنسان المجرم)، ثم تبعتها نظريات أخرى أضافت لها ولعل النظرية الفرنسية في مقدمتها.

معلوماتية اقتصادية:

" يا بني هذه المنطقة (الشورجة) هي روح العراق ورئته التي يتنفس منها، هنا المركز التجاري الذي يحرك اقتصاد البلد بمجمل نشاطاته المختلفة ويلقي بظلاله على الواقع السياسي فيه"

... هنا في هذه المنطقة يوجد كبار التجار المستوردين والمسيطرين على غذاء الناس وحركة السوق... هم قادرون على احتكار السلع، وبهذا هم من يشل أو يحرّك الاقتصاد...

معلوماتية سياسية دولية:

... أضاف همام قائلًا: " وعلينا القول إن العراق هو الذي ألغى اتفاقية دولية تنظم حالات الجوار والحدود وتشاطر المياه، وهي اتفاقية الجزائر التي وقعت بين البلدين عام 1975 فقد ألغاها العراق من طرف واحد، ونحن نعرف كما درسناه في القانون الدولي.... ص 81

معلوماتية تاريخية:

قالت رحمة: العراق أول بلد ظهرت فيه القوانين؛ لقد رأيناها في شريعة حمورابي وقانونه الشهير، وفي قانون أورنمو وقانون أشونة وقانون لبث عشتار والقانون الآشوري .

... قال محمود مشاركًا: وفي مملكة أوروك بنى الملك كلكامش أول سور للمدينة.. وفي عهده اخترعت الكتابة التصويرية ثم المسمارية....ص 181

معلوماتية اجتماعية:

تداخل أحد الطلبة في المحاورة قائلًا: هل نقدر أن نقول أن الفرد العراقي مزدوج الشخصية ؟ أجابه الأستاذ قائلًا: هذا السؤال أجاب عنه عالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي في كتابه (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي) وحلّل شخصية الفرد العراقي باعتبارها شخصية ازدواجية بين البداوة والتحضّر.... ص 187

معلوماتية جغرافية:

أردف قائلًا: وللطبيعة الجغرافية لهذا البلد أثرها في خلق هذه الشخصية، فخصوبة أرضه ووجود النهرين فيه سمح له بإقامة حضارة عريقة، ولكن قربه من الصحراء جعله عرضة لغزو القبائل البدوية العربية والهجرة إليه والاستيطان فيه والاندماج مع السكان الأصليين...ص 187

معلوماتية سيكولوجية:

.. كان أستاذ مادة علم النفس يتحدّث عن حالات التطرف وتأثيرها على نفسية الفرد العراقي، حيث بدأ حديثه قائلًا: ثنائية التطرّف صفة مرافقة للفرد العراقي، فلا غرو أن يكون متطرفًا في كل شيء.... وحتى نجده في أحيان كثيرة متطرفًا في أشعاره وثقافته... ص186

استخدم ثقافته الفنية:

فذكر عناوين بعض الأفلام التي كانت رائجة في فترة أحداث الرواية مثل فيلم (نحن لا نزرع الشوك)، أيضًا أغاني مثل أغنية (ساكن قصادي وبحبه) لنجاة الصغيرة.. والأغنية العراقية التي كانت رائجة (على شواطئ دجلة مُر يا منيتي وقت الفجر). (هاي من الله قسمتي، دوم أتسلّه بدمعتي)

كذلك ذكر ألفاظًا عن (موضة) الأزياء التي كانت دارجة في فترة السبعينات والثمانينات: بنطال (جارلستون) ويُحسَب له أنه وضعها ضمن قوسين للتدليل على غرابتها.

ذكر بعض البرامج الإذاعية المحلية التي كانت رائجة: اسم البرنامج (من حياتي) ويقدم على شكل مشاهد تمثيلية..

كذلك ذكر أسماء بعض المطاعم التي كانت مشهورة في ذلك الوقت بشارع الكرادة، مطعم (دنانير) ووصفه وصفًا دقيقًا . ووصف شارع الرشيد كما كان في ذلك الزمن وصفًا دقيقًا أيضًا.

استخدم أمثالًا تراثية:

"العبد حر إذا قنع والحر عبد إذا طمع"

" عندما يفلس التاجر يفتش في دفاتره القديمة "

وأقوال لمشاهير:

قول أودولف هتلر في الحرب: " الحرب هي كفتح باب غرفة مظلمة لن تعرف أبدًا ما الذي سيحصل عند فتح هذا الباب".

قال أحد المفكرين: " ومشكلة الحرب بالذات أنها لا تترك وراءها أحدًا غالبًا أو أحدًا مغلوبًا، بل تترك جثثًا أو أصدقاء"

وقد صدق شكسبير حيث قال: " ليس في العالم وسادة أنعم من حضن الأم".

يقول باولو كويلو: "إن الكثبان تتغيّر بفعل الرياح ولكن الصحراء تبقى دائمًا نفسها"

باولو كويلو: " تذكروا أن المفتاح الخير في حاملة المفاتيح هو الذي يفتح الباب دومًا" .

أما عن ثقافته الأدبية ومعرفته الأكاديمية بالأجناس الأدبية:

ندركها بسهولة من خلال العديد من التراكيب والجمل التي استطعت جمع بعضها مثل:

كانت سناء تكتب الشعر بسلاسة وروعة، بسهله الممتنع، وكلماتها زاخرة بعمق المعنى ورشاقة الصورة .

يتكلّم عن أسلوب السهل الممتنع بالشعر .

قال نديم معقبًا: يا نعمان، أنا مع الرأي الذي يقول ليس هنالك شاعر كبير، بل هناك نص كبير وقصيدة كبيرة"

يتكلم عن موت الكاتب وسيادة النص .

أجابه نعمان: "نعم كما تفضّلت، ولكن على رأي أحد النقاد الأكاديميين الكبار، الشعر موهبة وصنعة لا تغني إحداهما عن الأخرى، وأنت لا تنقصك الموهبة ومجيد في الصنعة وغني في تجربتك".

كماعمد إلى إحلال القصائد النثرية ضمن مبنى العمل، فجاءت تخفّف من وطأة السرد الحدثي وقسوته، لجوء الكاتب إلى السرد عبر السارد العليم ساعد في تقبّل المتلقي نوعًا ما لهذا الإحلال التجريبي.

كان هناك تكرار لبعض الفقرات، مثل الفقرة التي تتحدّث عن الشورجة كسوق تجاري، وقصى سجن (نقرة السلمان) وقصة (أم ناصر)

البنية اللغوية:

انتقى المفردات والألفاظ البليغة من غير تقعّر، وقدّمها ضمن تراكيب وجمل سليمة النظم، محققًا الوقع السحري للجملة العربية الفصيحة بترتيبها المتسلسل (فعل – فاعل – مفعول به)، (مبتدأ وخبر)، ولم نشهد اختلال في الترتيب.

أما عن البنية البلاغية والجمالية:

لقد كتب الأديب روايته دون أن يتحرّر من شاعريته، وهذا فعل سلوكي ذرائعي طبيعي، فالكاتب ينطلق من ذاته، ولاسيما في اول عمل روائي له، والذات عند أديبنا هي ذات شاعرة بالدرجة الأولى، لذلك سنجد الكثير من الصور الشعرية التي خفّفت من جفاف وجلافة السرد الحدثي، وهي مقدرة تُحسب للكاتب الشاعر، إذ كيف نجح بالجمع بين شاعرية الصور ورعب السرد؟! لننظر في المشهد الذي يسبق قتل سناء، كيف تتودّد سناء لنعمان ردًّا على بروز نرجسيته،

قال لها وهو مازال ممسكًا بذراعها بعنف:.. لكنني أريدك لي وحدي؛ فكيف يكون ذلك وأنا فاقد لذكوريتي؟

قالت له متوددة: يا نعمان، ليكن حبنا روحيًّا خالدًا، وكما يقول قلبك: قلبي لم يحب غيرك، لماذا تجبره على كرهك وتجبرني على الندم؟..... الحب يحرر الرحمة من أسر أسوار القسوة وينقذ الأمل من صلافة الفقد، فالقلوب الرحيمة هي التي تنثر على هذه الأرض عبق الحياة، وتأتلق فراشات من ضوء في سماء الإنسانية....

كانت صوره البلاغية بالمجمل استعارات وتشابيه:

نهض مفجوعًا من مكانه عندما تذكر ذلك كأرنبة مستفزة داهمتها الأفاعي.

عندما تتصحّر القلوب، لا يجدي معها السقي بالتنقيط، فهذه الطريقة من السقي مكلفة الجدوى؛ لأنها تستهلك كل الثوابت

لا أمل في شفاء القلوب الآثمة بجرعات يائسة من فضيلة.

كلّ ما في الدار يبعثر صحوَه بضجيج يدكّ في عمق بلواه، فيؤجّج نيران ندمه، ويستل ما به من هيبة.

يشمّ بعضًا من عطرها الذي بقي في جوف الليل يتداوله الزمن بين أفيائه، يذكّره ببشاعة فعلته، ويضربه بسوط الحسرة فيتنقّل بين حويصلات ذكرى حزينة باكيًا مستباحًا ومزكوم الأنّة.

ومع نفث دخانه المتواصل كان ينفث أجزاءً من روحه، ويتأبّط حسرته المكلومة بدقّات مطارق اللوم وأهات معاول الوجعوحشرجات أنين الفقد.

تزخر روحه بصفصاف الأمل، وتتراقص أغصان الأحلام الوردية على ضفافه، فتزدهر أغاريد الطيور في دنياه.

يقاتله بؤس نحسه، وتعيث فيه المشاوير البلهاء التي اصطافت بصحراء روحه وأعاقت صفاء تفكيره.

كان يرمق أركان بيته يحسّه، بهزأ به ويصرخ في ارتحالاته المقزّزة التي أنهكها عتيّ الإجرام فشاخ فيها سواد المشاعر وأنهكتها ندّاهات الندم.

براكين الندم الحارقة التهمت صحوَه بعنف، واجتاحت أفق طمأنينته، فدقّت معاولها عمق هزيمته وأنهكته.

ثالثًا– المستوى المتحرك:

ندرس فيه فنيًّا التشابك السردي، وجماليًّا الأسلوب والسرد وتقنياته.

ويكون العنوان أول عنصر من عناصر التشابك السردي:

وكر السلمان: الوكر: له الكثير من المعاني القاموسية، لكن ما يعنينا منها هو: مغارة أو كهف أو مسكن أو مقر مشبوه يلجأ إليه ويختبئ به المجرمون وطريدو العدالة. السلمان منطقة صحراوية حدودية، يعمل أهلها بالرعي وتهريب البضائع من وإلى العراق، وتهريب البشر للعمل في السعودية الدولة الجارة، وخصوصًا الفارين من الخدمة الإلزامية والمطلوبين للدولة في جرائم شتى. فهو عنوان مكاني، بالمضاف والمضاف إليه.

إن العنوان بالمجمل يُفترض أن يكون مكوّن نصّي مكثَّف، ملخِّص لمتن أو مبنى الرواية، وعندما يختار الكاتب عنوان مكاني ينبغي أن يكون للمكان أهميّة تنافس أهميّة البطل والحدث معًا، وقد تنبّه كاتبنا إلى هذه الحيثية، فوصفه لنا في الصفحات الأولى من الرواية، وبالتحديد في الصفحة 17 وكأنه يقدّم لنا أبعادًا جسدية ونفسية واجتماعية لشخصية رئيسية، يقول:

في كثير من الأحيان يتبادر إلى ذهنه أن هذا النفق الشيطاني المهجور قد يكون مسحورًا ويحرّك فيه شهوة القتل، وربما هو مقتنع في قرارة نفسه أن هناك مناطق من هذه الأرض تستمرئ طعم الدم ورائحة الفناء، ففي هذه المنطقة يوجد سجن (نقرة السلمان) الذي حفر اسمه السيء والممقوت في ذاكرة العراقيين، فهو لم يكن سجنًا فحسب وإنما منفى، وأريدَ له أن يكون مكانًا لسجن الوطنيين والأحرار  في حقبة زمنية مضت.

الاستهلال: استهلال زمكاني بامتياز .

الوقت ضحى؛ الساعة تشير إلى العاشرة صباحًا، ودرجات الحرارة تكون على أشدّها في شهر آب ولاسيما وقت الظهيرة؛ جلس قرب الناقذة في مؤخرة الحافلة ذات الثمانية عشر راكبًا المتجهة نحو مركز محافظة المثنى من قضاء السلمان حيث مقر سكناه.

الزمكانية:

زمن الأحداث السنة السادسة من الحرب الإيرانية العراقية، أي في العام 1986

المكان: المكان الرئيس هو (وكر السلمان)، الأمكنة الثانوية متعددة ومختلفة بين مدن وشوارع ومطاعم وكافيهات وحدائق وأسواق وبيوت في بغداد والسماوة، وحافلات نقل وسيارات أجرة، ومخفر شرطة.

أما الحبكة:

فعبارة عن أحداث جرت في فترة حرب الجارتين المسلمتين العراق وإيران، بطلها المحمول على محور التكوين هو الشخصية المجرمة، نعمان الشاعر وطالب كلية الحقوق في جامعة بغداد، وحيد التاجر الخلوق القادم من قضاء السلمان الذي حرص على تنشئة ابنه نعمان تنشئة سليمة وسوية، نعمان وقع في حب زميلته في الكلية (سناء) والتي سيحملها محور المعارضة، الشاعرة الحسناء التي تنحدر من أسرة برجوازية، عاندت أهلها وأجبرتهم على قبول خطوبتها لنعمان، استدعيَ نعمان للخدمة العسكرية في الخطوط الأمامية، رغم أنه وحيد أبويه، تأخّر صدور قرار نقله إلى وحدات في الداخل أقل اشتباكًا، جعله عرضة لاشتباكات كثيرة، أصيب بقذيفة سببت له كسورًا في فخذه الأيسر، وأكلت عضوه الذكري، أصيب بالهلع الشديد، ونقم على الإنسانية جمعاء، لم يخبر سناء بإصابته، وصار يتملّص من دعوتها للزواج بحجج واهية، سينشأ بينهما الصراع ممثّلًا بمحور التوليد الذي ستتولد عليه الأحداث التالية:

استطاع نعمان أن يستدرج سناء للذهاب معه إلى بيته في قضاء السلمان، وهناك عرض عليها أن يريها (لُقى) موجودة في وكر أو كهف هو في الحقيقة مدفن أثري قديم، وهناك أخبرها بما أصابه، وأراها مكان سوأته، لاشيء إلا فتحة صغيرة لخروج البول، ذهلت سناء لكنها تماسكت، صارت تلومه لأنه أخفى الأمر عنها، انتابته حالة عدوانية استغربتها سناء، حديثه معها كشف عن نرجسيته الكبيرة ما أثار ارتياب سناء، وكان المكان مخيفًا جدًا ونتنًا، القسوة التي أمسك فيها يد سناء أكّدت لها أنه يضمر لها شرًا، فصارت تتودّد إليه حتى تلين قلبه، تخبره أنها ترضى بأن يكون حبهما روحانيًا خالدًا، لكنه كان يزداد قساوة وعدوانية، تستجير به، فيزيد من تخويفها، ضربته لاعنة أصله البدوي الذي أورثه الغلظة، فضربها، يتوالى العراك ليصل إلى ذروته (العقدة) غرس سكينًا في نحرها، وذبحها! ومرّغ وجهه بدمها ندمًا، قام بدفنها في الوكر، ثم عاهد شياطينه أن يقتل في ذاك الوكر كل من وثَقَ به من الأقرباء والأصدقاء، فكلّهم بنظره يستحقون الموت، يدفعه إلى هذا الاعتبار الغل والحسد لأنه ناقص عنهم، وأنه وحده يستحق ما يرفلون به من سلام نفسي ومكانة اجتماعية، كل ما تلى ذلك من أحداث يقع في مثلث الانفراج، بعد أن انقلب الصراع من بعد العقدة التي انتهى فيها دور محور المعارضة بموت سناء، لكن لذلك سنشهد ركودًا على محور التوليد، فالضحايا في الجرائم المرتكبة لا حقًا لم يدخلوا في صراع مع نعمان، وإنما شكّلوا طقسًا عاديًّا من أسلوب حياته الإجرامية...

بقي اختفاء سناء أمرًا محيّرًا لأهلها ولزميلاتها في السلك القضائي سيما رحمة التي استلمت منصب قاضية، الذين استغربوا انقطاع نعمان عن التواصل مع أهل سناء، وعن كل من له صلة بها من أصدقائهم المشتركين، غادر بغداد وأقام بالسلمان،

ارتكب نعمان العديد من الجرائم، وقتل العديد من أصدقائه باستجرارهم إلى الوكر ودفنهم فيه، ترافقه قطّة سوداء ظهرت بعد دفن أمه ولازمته في بيته، القطة هي الكائن الوحيد الذي شهد كل جرائمه، وكانت تصاب بحالة غريبة من الهيجان كلمّا اتجه بضحية من ضحاياه باتجاه الوكر، القطة بطبعها الحيواني هالها شناعة وفداحة الجرائم التي كان يرتكبها، كان يشبّهها بعباءة أمه، والحقيقة أن القطة السوداء أشار من خلالها الكاتب بالتلميح والإيحاء إلى موضوع أو ظاهرة التقمّص التي يؤمن معتنقوها بحلول روح المتوفى بجسد حيوان أو إنسان، وكأن القطة السوداء هي روح أم نعمان.

زيارة إلى بغداد، التقى فيها نعمان في أحد المطاعم صدفة بالقاضية رحمة، وهذا حدث سيكوّن محور معارضة جديد، يحمل رحمة وكل من ساندها لكشف حقيقة اختفاء سناء، حين تسأله رحمة عن مدى إصابته في الحرب وهل فقد أي عضو من أعضائه، يكتفي بذكر إصابته بكسور في فخذه الأيسر، وينفي أنه فقد شيء،  لكنه ارتاب في سؤالها، والحقيقة أن رحمة باشرت بالبحث عن سر اختفاء سناء، وحصلت على تقرير طبي من المشفى العسكري الذي تلقى فيه نعمان العلاج، وفيه كشف لما كذب بشأنه نعمان، وحامت شكوكها حوله، وطلبت من أهل سناء استئناف الدعوة واتهام نعمان بضلوعه باختفاء سناء، وعممت صور سناء على كل مدن العراق، أحداث وتحقيقات متسارعة أكدت توّرط نعمان في اختفاء سناء، عرف نعمان أنهم سيعتقلونه، حاول أن ينتحر لكنه جبن عن فعل ذلك، عند مداهمة منزله بقوة يرأسها ابن عمه جاسم رئيس قسم الشرطة في المدينة لم يجدوه، وجدوا فقط رسالتين معنونتين لجاسم، ووجدوا القطة السوداء التي سارعت بالركض باتجه الوكر، بينما جاسم يقرأ في الرسائل واحدة منهم يعترف فيها نعمان بكل جرائمه بالتفاصيل، وموضع قبر ومقتنيات كل ضحية باسمها، مبرزًا ندمه على قتلهم، وواعدًا بمعاقبة نفسه عقابًا شديدًا ! الرسالة الثانية مرفقة مع كل أوراق الطابو الخاصة بأملاكه الكثيرة في السلمان وبغداد مع دفتر حساب بنكي بمبلغ كبير، أن يكون جزء من تلك العقارات من نصيب أقربائه المخلصين، منهم محسن ابن عمه، وأن تكون بعض مدخولات المحل ببغداد صدقة ثوابًا لروحي والديه، كما طلب من جاسم بناء جامع في السلمان صدقة جارية أيضًا عن والديه، وخصص أن يكون بيته الكبير في حي المنصور من حصة أهل سناء ليكون مدرسة للأيتام، وتوزيع الباقي من العقارات والأموال على أهل المغدورين بعد بيعها من قبل المحكمة!.

النهاية:

طبّق عليها الكاتب المثل القائل (يموت الحاوي وأصابعه بتلعب).

عند مداهمة قوة البوليس للوكر الذي دلّتهم عليه القطة السوداء، صعق الجميع بدوي انفجار مهول داخل النفق ! لقد فخّخ نعمان النفق، وراح ضحية الانفجار اثنان من قوة الشرطة ! كانت آخر جريمة تُرتكب في وكر الشيطان ذاك، وتناثرت كل بقاياه في المكان، ولمح الرعاة شبحًا على أطراف المدينة، يركض صوب الصحراء، والغريب أنهم لم يفقهوا سره، تلاشى بين الكثبان.

نهاية لم تكن حاسمة، وكسرت أفق التوقع، تبريرها أن القاتل المتسلسل مراوغ جدًّا، ويخاف على نفسه، لذلك هو أجبن من أن يقتل نفسه، وأشقى من أن يسلم نفسه لحكم العدالة، هانت عليه كرامته، فقضى عمره فأرًا في الصحراء.

البناء الجمالي:

السرد:

السرد على لسان الراوي العليم، ضمير الغائب الذي ما حضر فيه إلا الكاتب! اعتدنا في الأعمال السردية أن يتخفّى الكاتب في شخصية من شخصياته أو يتنقّل عبر الشخصيات، لكننا في هذا العمل نرى الكاتب مجسّدًا في الراوي العليم، مهيمنًا على كل الشخصيات، عمل كباحث اجتماعي ومحلل سياسي واقتصادي وسيكولوجي، الوحيد الذي حدّ من هيمنته المطلقة هو البطل نعمان، لأنه الوحيد الذي أتاح له الكاتب حرية التعبير، عن طريق تقنية المونولوج، وتقنية تيار الوعي، والخطف خلفًا flashback، وهذه، إلى جانب الحوارات الخارجية، كانت أبرز التقنيات السردية المستخدمة.

الكاتب أيضًا مارس التجريب، من خلال مزج الأجناس الأدبية، حينما أدخل قصائد النثر في مبنى العمل الروائي، ولعب بعنصر الزمن، بالانتقالات المتعددة بين الماضي والحاضر، ما جعل خط الزمن The Time Line متكسرًا، ليس على استقامة واحدة.

اتبع الطريقة الاسترجاع في عرض الأحداث، فبدأ من انفراج ما بعد العقدة، بطريق راجع إلى العقدة ثم إلى البداية، ثم قفز مستأنفًا الانفراج إلى النهاية. وهي الطريقة المتبعة في الأفلام السينمائية.

الأسلوب: ناوب الكاتب بين الأسلوب الخبري التقريري والأسلوب الإنشائي، والأسلوب البلاغي المنزاح للجمال، ولمسنا أيضًا الأسلوب الواقعي المباشر، استخدامه لأدوات الربط بكثرة، ولا سيما فاء الاستئناف، طوّفت المباشرة على أسلوبه في الوصف، وهذا ما لا يمكن أن نجده في قصائده، فهو من أكثر الشعراء حرصًا على التخفّف من أدوات الربط، لأنه يدرك جيدًّا أن الأسلوب المباشر ممجوج جدًّا في الشعر، كما أنه غير مستحب في السرد، أمّا حين استخدم الأسلوب الأدبي الشعري وهو من نوع السهل الممتنع فأبدع حقيقة،

الحوار: حوارات خارجية طويلة بالمجمل، عندما تحمل المعلوماتية، تميل إلى الاستظهار والإلقاء الخطابي، وقصيرة عندما تكون بكلام عادي سؤال وجواب، كلها باللغة العربية الفصحى، وهذا يُحسب للكاتب.

الشخصيات: كثيرة العدد، متنوعة، عمل الكاتب على وصف أبعادها الجسدية والنفسية والاجتماعية، وأجاد الربط بينها وبين الأحداث بحيث لا نجد شخصية زائدة على الأحداث، فلكل شخصية دور مهما صغر.

الصور الجمالية: كثيرة، رصدنا بعضها في المدخل اللساني.

رابعًا- المستوى النفسي:

المدخل السلوكي:

كثيرة هي التساؤلات المطروحة في هذا العمل، ومنها ما يصّعد إلى مرتبة الإشكاليات، حاول الكاتب أن يستفزنا بها وأن يشركنا بطريقة التحفيز في البحث عن أجوبتها، لقد استطاع الكاتب عبرها أن يدخلنا في عمق الذات الطاغية، كيف تفكّر، وما هي مستوى العلائق بين الأنا والهو والأنا العليا عنده، يقول في الصفحة 31:

.. لم يكن هناك مكان حتى للغيبة في ذلك البيت الطاهر، فكل ما فيه شفّاف ومنتظم ونقي، ولكن كيف انحرف هو عن هذا النقاء؟ تلك هي الطامة الكبرى ! وكيف سلك درب الغدر والقتل والإيقاع بمن هم أقرب الناس إليه؟ كيف دبّ هذا السرطان القاتل في نفسه ؟ ومن نفخ هذه الريح الصفراء المسمومة في رؤاه وعقله ؟ وما هي الفائدة ؟ وما هو الناتج الذي سيحصده؟ من يقدم على مشروع ما يحسب له مردودًا يعود بالنفع عليه، ما هي المنفعة المادية والمعنوية من فعله الشائن ؟

فعلًا هي تساؤلات إشكالية ! لم نجد لها عبر تاريخ البشرية حلولًا وإجابات مجدية ! لماذا ينحرف الإنسان باتجاه الجريمة أو الرذيلة إن كانت نشأته صالحة؟! ولماذا يقتل الطاغية؟! ما جدوى وما هي المكاسب المادية والمعنوية المرجوة من جرائم الدم؟! تساؤلات جعلتني أستقصي عن إجاباتها عبر محركات البحث، وكان النتائج كما يلي:

إن كان فرويد قد استخدم الرموز الأسطورية في تفسير نشأة الأخلاق والدين والحضارة، باعتماده على رمزين أسطوريين الأول (الوليمة الطوطمية) بطابعه الأنثروبولوجي الاجتماعي (مقتل الأب والتهامه في الجريمة والعقاب لديستويفسكي)، والثاني (العقدة الأوديبية) بتجلياتها السيكولوجية التربوية، وفي كلتا الأسطورتين تتجلى جريمة قتل الأب وغشيان المحارم [5]، من الأسطورة الأولى فسّر فرويد نشأة الحضارة الإنسانية بمضامينها الأخلاقية، ومن الثانية فسّر نشأة الأنا الأعلى (الضمير) والتكوين الخلقي في المستويين السيكولوجي والتربوي،

إذا أسقطنا ما استنتجه فرويد من خلال رمزيه الأسطوريَّين على (نعمان) سنجد أن نشأة نعمان ستشكل مفترضًا مربكًا لما استنتجه فرويد فيما يختص بشهوة القتل تحديدًا بغض النظر عن الضحية، إن كانت في نظرية فرويد أقارب وأرحامًا، فهي عند نعمان حبيبة وأصدقاء، وهذا ما يحوّل التساؤلات السابقة إلى مرتبة الإشكالية. لا أجوبة لها !.

يعيد الكاتب طرح التساؤلات بطريقة أخرى، لأنه مصرّ على الإتيان بجواب، يستعين بتفسير علمي مقتضب، ليس حاسمًا بل يحتمل عدة احتمالات، يقول:

يقرر بعد كل عملية قتل يرتكبها أن لا يعود لعادته القديمة متناسيًا ندمه السابق، فهل هو السلوك الشائن الذي اعتاد عليه وأصبح عادة له، أو هو انحراف أخلاقي اكتسحه في لحظات الضعف ؟ ثم هل هو حدث طارئ أو هو امتداد جيني؟ أو بالأحرى هل هي صفة أزلية دائمة أو هي صفة مكتسبة ؟!

... انقسم علماء النفس.. بعضهم قال أنها عامل جيني وراثي، والبعض الآخر قال هو خلل عقلي، وآخرون أجمعوا على أنها مران لسلوك منحرف أنتج عادة لا يمكن تخطيها.

أسئلة فلسفية عن ظواهر:

عن جدوى الحروب والطغيان، وعن الصراع بين الشر والخير، أيضًا إشكالية ما زالت تبحث عن إجابات:

لماذا تبتلع الحربُ السلام ولماذا يتسيّد الطغاة عرى المصائر، لماذا تذبح الحقيقة على مقصلة النفاق؟ فهل أن الشر أقوى نفاذًا من الخير أو أن أصحاب الخير هم القلة، ولماذا نحن أنهارٌ من عطش ومدن من جفاف، لماذا يفوز الباطل في دروب الافتراء؟ ولماذا يتكئ الجمال ويتعالى نباح القبح ؟

شهوة القتل وفلسفة وجودية عبثية وخطيرة عن القدر: حديث بين نعمان وناصر قبل أن يجهز الأول على الثاني:

لماذا تصر على قتلي؟ أي ذنب جنيته بحقك ؟

إنها شهوة القتل التي تملكتني...هي لعنة الحرب يا ناصر، صدقني أنا أحبك، لكنه حب يسكنه الموت..

كيف يحقّ لك قتلي لمجرد شهوة مريضة تلبّستك؟... وخلقتُ بشرًا مصون الكرامة والنفس؟

لماذا وضعك القدر في طريقي وقد اغتالني قبلك ؟ هي لعبة الحياة المخيفة التي تعلمناها منذ الأزل، التي جعلت منا سيّدًا ومسودًا وحاكمًا ومحكومًا وقاتلًا ومقتولًا، أرادنا القدر أن نكون بين بين، فهذه فلسفة القدر الرهيبة يا صديقي.

المدخل الاستنباطي:

موعظة عن حب الوطن والتمسك بالأصالة والجذور والمكرمات وحسن الخلق، قالها يومًا والد نعمان:

يا بني هنا جذرك، فداوم على سقيه بالمكرمات كي يبقى المنبت كريمًا ومخضوضرًا بنقاء المحبة وصلة الرحم وحب الوطن، فمن هذا المكان جئت أنت كما جاء أبوك وجدّك، فاحفظ وفاءك للمكان ولا تدعه يتلوّث بعهر الغباء وموت الأحلام وتغلغل الحقد وسقطات الجريمة

تعقب أمه مؤكدة كلام الأب:

يا بني اسمع كل كلمة قالها لك والدك... يا بني هذا المكان تاريخك فحافظ على نقائه،إياك أن تفرّط بما ضحى من أجله والدك وأجدادك، فلا تهدم ما بنوه، فأنت الوحيد الذي يحمل سرّهم وجذوتهم وامتدادهم.

المدخل العقلاني:

تناص بلاغي مع القرآن الكريم: (صار قاعًا صفصفًا لا أمل في إذكاء روح الرجولة فيه) .

الرواية تناص ومحاكاة بالاسم (نعمان بطل الرواية) والقصة مع النعمان بن المنذر ملك الحيرة،

لقد خرج النعمان من الحرب معتلًّا، لا يشفيه ولا يريحه غير سفك دماء أحبابه، فأصبح بديلًا عن ملك الموت في قبض أرواحهم.

تناص أيديولوجي مع الحجاج بن يوسف الثقفي:

أنت الآن تعتدي على حق وهبه الله لي وحماه القانون، فمن لأباح لك قتلي؟

فيما أعتقد، لقد أباحت لي ذلك الشريعة نفسها التي أباحت للحجاج وسواه من الحكام الطغاة في أن يتسيّدو ا ويحكموا باسمها...

ولماذا تقتدي بالحجاج وغيره من الطغاة الظالمين، وتجعله المثل السيء للشريعة والدين؟ لماذا لا تقتدي بعدالة الخلفاء الراشدين وسواهم من المصلحين الذين تركوا لنا أثرًا طيبًا وقدوة حسنة.

خاتمة:

أتمنى أن أكون قد وُفّقت بتسليط إضاءات على هذا العمل السردي الأدبي الهام، الذي حفل بالكثير من الظواهر المجتمعية والإنسانية الشاذة التي قذفتنا بها الحروب، إن نجحت أدين بالفضل إلى المنهج الذرائعي الذي مكّنني من ترتيب المستويات التي أدرس العمل عبر مداخلها العلمية والفلسفية والنقدية الشاملة التي لا تدع لناقد مجالًا لإنشاء أو انطباعٍ متحيّز، محابٍ أو مجابه، وأتوجّه بالشكر للمنظر العراقي عبد الرزاق عودة الغالبي، منظّر وواضع الآلية التطبيقية للنظرية الذرائعية، كما أوجّه التحية للشاعر والأديب شلال عنوز، وأهنّئه على دخول باب السرد الروائي من بوابة واسعة، وأرجو له استمرار المضي بذات تألّقه الشعري في هذا الدرب السردي المضيء .

 

بقلم الناقدة السورية د. عبير خالد يحيي

الإسكندرية

..................

المصادر والمراجع

1- وكيبيديا- أدب الجريمة

2- القاتل المتسلسل هو الفرد الذي يقترف عدة جرائم قتل على امتداد فترة زمنية، على عكس الفرد الذي يقتل أشخاصًا عدة دفعة واحدة- موقع القتلة المتسلسلون – نورة حسن.

3- السيكوباتي: يعرّف الشخص المصاب بالاعتلال النفسي بأنه شخص يعاني من اضطراب عقلي مزمن مع سلوك اجتماعي غير طبيعي أو عنيف – ويكيبيديا – اعتلال نفسي

4- القاتل المتسلسل – مقالات – شبكة النايل الأخبارية – ابتسام سليمان – 14/ 3 / 2018

5- الوليمة الطوطمية في سيكولوجية فرويد- على أسعد وطفة – صحيفة المثقف

6- المراجع: الموسوعة الذرائعية بمجلداتها الثلاث تأليف عبد الرزاق عوده الغالبي – تطبيق د. عبير خالد يحيي

 

 

حيدر عبدالرضاللكاتبة الهندية أرونداتي روي.. أسلبة محاور الأشياء وشعرية المجمل الزمني.. المبحث (1)

توطئة:

ينتمي الواقع المتخيل في محاور ومداليل رواية (إله الأشياء الصغيرة) للكاتبة الهندية أرونداتي روي / ترجمة جيهان الجندي، إلى ذلك الفضاء المحبوك بجملات وثنائيات خاصة من مساحة الشخصية المتعاقدة وتقابلات خصوصيتها الإقصائية في فرضية الزمن والمكان والموقع والهوية النابعة من أشكال ومعاودات الخطاب الاجتماعي والسياسي، فيما تبقى مكونات الأداة الروائية في النص ـ اختيارا مجهولا في شعرية المجمل الزمني، الذي من شأنه عدم توفير مساحة مدلولية واضحة من حكاية الرواية، التي راحت تتوزع موضوعتها قساوة الواقع وقيود العاطفة واستلاب مشاعر الحب، فيما تظهر عدة تمظهرات خاصة وأفق قلق الشخصية والشخوص في مدار تقانة الوسائل المونتاجية السينمائية في الوعي السردي المركب في نص الرواية .

تقانة الصورة السردية ومشهدية اللقطة السينمائية

أن فعل القراءة إلى رواية (إله الأشياء الصغيرة) تضعنا حيال تقانات سينمائية مصحوبة بأجواء وعلاقات ودلالات (السيناريو / المونتاج / التقطيع الزمني / الفلاش باك) وصولا إلى العناية الفائقة والفاعلة في توظيف المحاور الشخوصية ضمن فواصل من الفضاء الاستعادي والحاضري من صور المشهد السردي:(كان الجو مطيرا عندما عادت راهيل إلى أيمينيم .. أحبال فضية مائلة تضرب بعنف في أرض مهلهلة مفككة، تقتلعها كأنها اطلاق المدافع .. كان المنزل القديم على التل يرتدي بلله، ينحدر على أذنيه سطح جمالون يشبه القبعة الخفيضة . / ص7 الرواية) وعندما نعلم أن الخطاب في النص يقوم على أساس من جملة من المقاطع في وحدات السرد المتماثل وحيوات الزمن المتداخل (التقطيع ـ التضمين ـ الإزاحة) إذ نجد أن جميع كيفيات السرد الروائي ذات تأطيرات مغالبة أحيانا بظهور ذلك النوع من الحدث المنقطع عن سابقه من العلاقة العضوية والبنائية، ولا نعلم أهذا الأمر هو ما يتعلق بوسائل الترجمة، أم أنها قابلية ورسومية وأنشائية السرد الروائي بهذا الشكل من الحدوث المنقطع . كل هذا يقدم لنا من خلال مشاهد متقطعة ومنعزلة عن وحداتها السردية الناجزة في علاقة وحدات أخرى يتم ظهورها من زمن النص، ناهيك عن مستوى الاسترجاعات التي يتم العثور عليها تداخلا مع صوت وأحوال الحدث الحاضر واقعا، كما رأينا أن قابلية وصف الأشياء في الرواية، جاءتنا عبارة عن لواحق بلا سوابق وأسبابا بلا مسببات أحيانا . يظهر لنا وعي الشخوص واضحا أحيانا وغائما في مواقع متفرقة من وحدات السرد في الحقيقة أن القارىء إلى أحداث الرواية، قد توافيه شعرية الواصف البليغة في عوالم بناء الشخوص والأمكنة وبصورة كيفية تقارب الاقصائية الدقيقة في نقل محاور مخفيات الأشياء من الدلالات الظاهرة ن وما يلفت نظرنا في حكاية التوأمان وظروف حياتهما في زمن ملتبس بالمزيد من ضغوطات الواقع الاجتماعي والسياسي، وضمن تمفصلات زمن السرد الروائي، نعاين الشخصية التوأم (راهيل) والتوأم الآخر (إيستا) يعيشان ضمن حياة يرهنها الزمن العاطفي وذلك الشعور الموحش والقلق بحب الأشياء التي تأتي متداخلة أحيانا ومتجاوزة ومرهنة بعدم قابلية فاعلية الحب في مساحة هذا الواقع الأليم من أحداث النص: (كان يشعر بالغيظ لأنه لم يكن يعرف ما تعنيه تلك النظرة . فوضعها في مكان ما بين اللامبالاة واليأس .. لم يكن يعرف أنه في بعض الأمكنة مثل البلد التي أتت منها راهيل، هناك أنواع عديدة من اليأس تتنافس لتحتل موقع الصدارة . / ص25) .

الفضاء المغلق والمفتوح في جسد النص الروائي

1ـ الفضاء المغلق بين التمكين الدلالي وتواتر مونتاج التبئير:

2333 آلهة الاشياء الصغيرةمن خلال هذا المستوى يتعلق الفضاء المغلق في محاور الشخوص ضمن علاقة حافزية نفسية خاصة، تتم فيها معاينة أدق جزئيات عوالم الشخصية التي تأخذ وضع المقرر الذي يبنى وجهة نظر داخلية، لأن السارد هنا لا يركز إلا على سمات الشخصية من ناحية المنظور الخارجي، لذا وجدنا الشخصية التوأم راهيل وأخرى إيستا يخوضان في خطورة الخلط ما بين (الواقع / الحلم) ومن يأتي المنظر الداخلي للشخصية الواحدة منهما على هيئة نمذجة إيحائية في مستوى مجردا من وحدة المنظور الذاتي المتفرق خارجيا وداخليا: (كانت تشعر بإيقاع أهتزازات إيستا، ورذاذ على جلده، كانت تسمع صوت العالم المضطرب الأجش في رأسه .. رفعت ـ بيبي ـ كوتشاما عينيها لتظهر إلى راهيل بقلق .. لقد ندمت على أبلاغها بنبأ عودة إيستا .. لكن ماذا كان بإمكانها أن تفعل إذن؟ . / ص 72) وعلى هذا النحو يأخذ الفضاء المغلق بعدا متعددا، إذ يبدأ بصيغة الراوي في محاولة منه للكشف عن المحاور الشخوصية من الداخل ـ المغلق، فيقدم عنها صورة تستوعب بنيات زمنها الراهن، في محاولة منه إلى الإمساك بنمو أحداثها الداخلية، وعلى أساس أيضا من الحكي من زاوية التداخل والتركيز في إعادة ترتيبها بالاعتماد على مؤشراتها الاستقرائية والدلالية في النص .

2 ـ الفضاء المفتوح بين الواقع الخارجي ومرجعية المتخيل:

تعتبر رواية (إله الأشياء الصغيرة) نموذجا للرواية المتحكمة في خيوطها الخارجية، رسما لذلك الواقع المتخيل في مسرح الذوات والأمكنة المعروضة في الرواية على أقصى درجات من مرحلة العلاقة مع الفضاء الخارجي المفتوح ـ واقعا متشكلا ـ في مواقع الشخوص، وهذا الأمر ما جعل جملة حياة الذات الساردة تصبو في بؤرة متباينة ومجردة في الآن نفسه: (مر القطار مدويا بصخبه تحت عمود كثيف من الدخان الأسود، أثنان وثلاثون عربة مرت، كانت مداخل الأبواب مزدحمة بشباب لهم قصات شعر تشبه الخوذات، كانوا في طريقهم إلى حافة العالم ليروا ماذا حدث للذين سقطوا / مضي القطار سريعا حتى أنه كان من الصعب أن نتخيل أن الجميع أنتظروا وقتا طويلا من أجل لحظات قصيرة . / ص92 . ص93 الرواية) أن الروائية روي تخلق في روايتها علاقة منفتحة وساحرة بين مكون البنية الشخوصية وعلاقتها العسيرة على الضبط بين الداخل والخارج الزمني، فالقطار في حدود هذه الواحدات، علاقة زمنية ممتدة ما بين منظور الدلالة الشخوصية وعوالم المعنى الزمني المتحرك في معنى كينونة ايديولوجية خاصة من فكرة الشخوص، بل أنها تعالقات تقتضيها الرؤية المتحركة من المؤلف إلى السارد بين اللحظة الآنية أو الآتية، رحيل يعقبه إياب، وفراق يعقبه زمن موحش بالعناق والقبلات السوداء وفقاعات أحلام الحب المفقود .

الأبعاد السيكلوجية ـ المنظور الذاتي الداخلي

لقد أصبحت منظورات الأبعاد الشخصية لدى قارىء رواية (إله الأشياء الصغيرة) وكأنها مراعاة لمعطيات الخطاب السيكلوجي لدى الفرد الشخصية، فنحن عندما نعاين شكل الموضوعة في الرواية وشخوصها نجدها عبارة عن منظوريات ذاتية داخلية، وقد استفادت المؤلفة روي من مدرسة وتيارات اللاشعور والتداعيات في أسلوب (التبئير الداخلي المتحول) وفي هذا النمط يقوم السارد بتقديم السرد والأحداث بالاعتماد على وعي شخصيتين كحال شخصية المحور التوأمان (راهيل وإيستا) ولكن ليس دائما ما يعتمد السارد ذات المحاور الرئيسة في النص كوحدة تبئيرية ما، وفي ذلك ما يذكرنا بفصل إله الأشياء الصغيرة حيث الشخصية الأم ـ آموـ عبر حلما بذلك الرجل البشوش: (كان بإمكانها أن تلمس جسده بخفة أصابعها، وتشعر بجلده الناعم حين تعتريه القعشريرة / شعرت بوجهي طفليها يتدليان فوق حلمها، مثل قمرين قلقين معتمين، ينتظران الإذن بالدخول: هل تعتقد أنها تحتضر؟ سمعت راهيل تهمس لإيستا: أنه أحد كوابيس الظهيرة، أجاب إيستا: أنها تحلم كثيرا . / ص224لا. ص225 . ص226 فصل: إله الأشياء الصغيرة) يبقى مفهوم المنظور الداخلي من ناحية الشخصية ـ آمو ـ ساعيا إلى إمكانية ذلك الرجل ذا الذراع الواحدة كمسعى حلميا مبئرا عبر أداة الحلم ذاتها، فذلك الإله الصغير لا يقدم لنا أي تعريف في نوعية الصوت والصيغة الروائية سوى من ناحية أنه دلالة حلمية مفترضة إلى أقصى جهة ما من دواخل وسرائر السيدة آمو: (طفأ الرجل ذا الذراع الواحدة لمبته ومضى على الشاطىء المسنن بشظايا الزجاج بعيدا موغلا في الظلال التي لا يرى سواها .. لم يترك آثار أقدام على الشاطىء . / ص226 . ص227 الرواية) .

تعليق القراءة:

في الحقيقة أن وقائع رواية (إله الأشياء الصغيرة) هي من أكثر الروايات الحائزة على جائزة البوكر استحقاقا لهذه القيمة الابداعية والتي حاولنا من خلالها تأسيس معاينة أولية في نمط (أسلبة محاور الأشياء) ضمن حدود فاعلة من السرد الروائي المأزوم بحكاية المجمل الزمني، تباعا لأحداث الرواية في شكلها المدروس في مقالنا المتواضع هذا .

 

حيدر عبد الرضا

.....................

إحالات:

إله الأشياء الصغيرة ـ رواية للكاتبة الهندية آرونداتي روي الفائزة بجائزة البوكر لعام 1997 .

 

 

محمد تقي جونقاعدة البحث: بدأ الشعر في الشرق في أقل تقدير قبل (150) سنة قبل الهجرة المباركة، بينما الشعر الأندلسي بدأ بعد عام (92هـ) وهو عام فتح الأندلس. ولا نعتقد ان شعراء مهمين رافقوا الجيش؛ فالشعراء المهمون يأخذون مواقعهم قرب الخلفاء لنيل صلاتهم. وكان الخلفاء الأمويون أحرص من شعرائهم في ذلك، فالخلود الذي ينيله الشعراء إياهم أكبر وأرغب من المال الذي ينيلونه الشعراء.

يقفز اسم الشاعر أبي الخطار حسام بن ضرار في عام 125هـ حين يُعيَّن أميراً على الأندلس من قبل حنظلة بن صفوان بن نوفل الكلبي والي إفريقية لهشام بن عبد الملك ثم للوليد بن يزيد بن عبد الملك،  بعد ان افترقت الأندلس على أربعة أمراء، فحسم أبو الخطار الفتنة وجمعهم على الطاعة . ولم يكن أبو الخطار شاعراً بل ناظما يخلو شعره من الفن والجمال والذوق، وألفاظه صعبة وأفكاره جاهلية، كقوله:

فليتَ ابنَ جَوّاسٍ يُخبَّرُ أنني    سَعيْتُ بهِ سعْيَ امرىءٍ غيرِ غافل

قتلتُ به تسعينَ تحسَبُ أنَّهم    جُذوعُ نخيلٍ صُرِّعَتْ بالمسايلِ

فلو كانت الموتى تباعُ اشتريتُه   بكفيِّ وما استثنيْتُ منها أنامِلي

فالبيت الثاني تقليد لقول عنترة:

بَطَلٍ كَأَنَّ ثِيابَهُ في سَرحَةٍ  يُحذى نِعالَ السِبتِ لَيسَ بِتَوأَمِ

بتشبيهه الخصوم بالأشجار الطويلة الضخمة. والبيت الثالث تقليد لقول كعب بن سعد الغنوي (ت 5 ق.هـ): (ولو كانَتِ الدُنيا تُباعُ اِشتَرَيتُهُ). وممكن أن نخلص إلى أنه لا يوجد شعر حقيقي في عصر الولاة في الأندلس. كما ان شعر هؤلاء الشعراء ليس له من الأندلسية إلا انه قيل في الأندلس .

وفرضاً ان بداية الشعر الاندلسي كان عام (125هـ)؛ فبين الشعر المشرقي والاندلسي (275) سنة. وقد يعدّ عبد الرحمن الداخل أول شاعر اندلسي، وله تروى مقطوعات فضلا عن رجز، الا ان شعره شعر أمراء لا شعر شعراء. ومهما حاول النقد المجامل رفع شأن هذا الشعر  فأهمية الداخل سياسية أكثر منها فنية؛ اذ جعل الجزيرة آمنة، وحاضنة للعلم والثقافة والشعر. فمهَّد لظهور شعر وشعراء الأندلس. ونتأكد من استخدامه فن التوقيعات – وهو فن عباسي – بأنه كان على اتصال مع المشرق لمتابعة ما يطرأ ويبتكر هناك في السياسة والأدب. واذا جعلنا بداية الشعر الاندلسي بانتصاره في وقعة المصارة عام (138هـ) يكون بين الشعر المشرقي وبين شعر الاندلس (288) سنة.

وهذا يعني أن الشعر الاندلسي ليس له قبل ذلك تراث شعري، وان الشعر العباسي المعاصر له الذي مثله المولدون كبشار وأبي نواس والعباس بن الاحنف  هو التراث للشعر الاندلسي والقاعدة له. ومن ثمَّ ليس غريباً أن يكون الشعر الاندلسي تابعاً ومتابعا ومقلدا للشعر العباسي لأنه وليده وربيبه و(من يشابه أبَه فما ظلم) وتكون مقولة الشعر الاندلسي مقلد للشعر المشرقي تافهة القيمة بل هي مسلمة.

وهذه المقدمة قاعدة صحيحة لبناء أحكام صحيحة عليها في القراءة الاجمالية للشعر الاندلسي في تعيين الخاص والمشترك بينه وبين الشعر العباسي.

أولا- الخاص

سلاسل الشعراء

كوّن الشعراء الجاهليون سلاسل من أساتذة وطلاب، يشكلون حلقات متصلة غير منقطعة؛ فزهير بن أبي سلمى تلميذ أوس بن حجر، وكعب بن زهير والحطيئة تلميذا زهير  وهكذا. وهذه السلاسل تمثل مدارس شعرية لها سمات مشتركة مع تميز كل شاعر بتجربته الشعرية الاصيلة وطابعه الشعري الخاص.

وفي العصر الاسلامي يمثل حسان بن ثابت في ليونة شعره بتخليه عن الجزالة واللفظية الجاهلية وتبني المعاني الاسلامية مدرسة شعرية كبير أثرت في شعراء صدر الاسلام المتدينين، فجاءت اشعارهم اسلامية في الفاظها ومعانيها وتبنيها القضية الاسلامية والمنهج الحق الذي أرادته آية الشعراء. كما نجد مدارس شعرية ذات طوابع متميزة أخرى في صدر الاسلام والعصر الاموي مثل شعراء الخوارج والشعراء العذريين .

وحين جاء العصر العباسي لم تنقطع سلاسل الشعراء وسلاسل تأثرهم وتأثيرهم ببعضهم، مع حرصهم على أن تكون لهم أساليبهم وتجاربهم الشعرية الخاصة بهم؛ فقد كان هذا العصر عصر اكتشاف تجارب جديدة في كل مناحي الشعر الفنية، وهو ما حققه الشعراء العباسيون بالفعل. وعد بشار أبا الشعراء المحدثين  لأنه وضع أسسا شعرية مشى عليها من تلاه فيما عرف بـ(مدرسة المولدين) . فسلسلة البديع مثلا تبدأ به فهو "أول من فتقه من المحدثين"، وتوسع فيه مسلم بن الوليد، ثم بلغ الغاية فيه أبو تمام. ولكل منهما أسلوبه وطابعه الخاص، فبديع أبي تمام يختلف عن بديع مسلم بن الوليد (صريع الغواني)، فبديع مسلم يلائم بين المعاني والألفاظ ويجعل بينهما علاقة موسيقية جميلة. بينما بديع أبي تمام يتجاوز هذه العناية إلى عناية أخرى بالمعنى . ويعد المتنبي مدرسة ومؤثرا بالفاظه ومعانيه وطريقته في أغلب من جاء بعده. وحين كتب المعري اللزوميات وجدنا له مقلدين في الشرق والغرب.

من ناحية سلاسل الشعراء، لا نجد في شعراء الاندلسيين سلاسل شعراء أو مدارس كالتي في المشرق، بل شكلوا حلقات متناثرة. فلم يروَ قبل عام 125هـ غير أبيات نسبت إلى طارق بن زياد، وهي مصنوعة صنعاً سمجاً. وفي هذا العام يقفز اسم الشاعر أبي الخطار حسام بن ضرار. وبعده يقفز اسم جَعْوَنَة بن الصمة شاعراً اختص بمدح الصميل بن حاتم الكلابي وزير آخر الولاة يوسف الفهري، وقد توفي قبل وقعة المصارة عام (138هـ). ويذكر ابن الأبار أسماء أمراء أمويين قالوا الشعر في وقت عبد الرحمن الداخل وهم: عبد الملك بن عمر بن مروان بن الحكم، وعبد الملك بن بشر بن عبد الملك بن بشر بن مروان بن الحكم، وحبيب بن عبد الملك بن عمر بن الوليد بن عبد الملك بن مروان. وإذ كان أبو الحسام أميراً، وشعر الأمراء لا يعول عليه فنياً إلا ما ندر، وما روي لمن عددناهم من الأمراء شعر لا أهمية فنية له، فيبقى من الشعراء جعونة بن الصمة الذي يشبه بجرير والفرزدق وهو معاصر لهما زمناً . ولا نقول كالباحثين إن شعره ضاع من يد الزمن، بل نقول لعدم قيمته تخلص منه الزمن بأول فرصة أمكنت،

واذا عددنا عبد الرحمن الداخل (138- 172هـ) أول شاعر اندلسي (وليس بشاعر مهم) فبعده يظهر يحيى الغزال بعد فراغ شعري. ويتوفى الغزال عام 250هـ، ليظهر بعده ابن عبد ربه (328هـ) المولود قبل وفاته بأربع سنوات. وتلمذ الشاعر الرمادي (305- 403هـ) ليحيى بن هذيل القرطبي (305- 389هـ) الا انه لم يأخذ طريقته أو يكمل سلسلته، بل أراد أن يستنسخ المتنبي " فقد دعا أدباء الاندلس لينيلوه شرف التلقيب  بـ(متنبي الغرب) لكن وعلى مكانته للأسف لم يجيبوه لمطلبه" . ثم ظهر ابن شهيد (323- 393هـ) وابن دراج القسطلي (347- 456هـ) في قرطبة، وابن هانئ الأندلسي (325- 362هـ) في اشبيلية. وابن خفاجة (450- 533هـ) والرصافي البلنسي (572هـ). إلا أنهم لم يكوّنوا سلاسل بأي حال. وتأتي حقب التداعي وسقوط المدن الاندلسية الواحدة تلو الاخرى وتشرذم الشعراء وتشتتهم في البقاع طلبا للسلامة والحياة، ثم انحسار العرب في غرناطة. وآخر شعراء الاندلس المهمين لسان الدين بن الخطيب (713- 776هـ) لم تذكر المصادر له تلاميذ متأثرين، وتلميذه ابن زمرك الذي لم يتأثر به وبأسلوبه بل سعى به وقتله أخيراً.

التجارب الشعرية

تميز الشعراء المشارقة ولاسيما الكبار بأن لهم اساليبهم وتجاربهم الشعرية المميزة، وأنفتهم أن يكونوا نسخا مكررة من غيرهم. وما سمعنا أن شاعرا لقب نفسه باسم شاعر غيره، فلم يقل البحتري أنا زهير زمني، ولا قال المتنبي أنا عنترة عصري على الرغم من تأثرهما بهؤلاء. وشكل بعضهم مدارس؛ فبشار مثّل مدرسة المولدين، وأبو تمام مدرسة البديع، والبحتري مدرسة عمود الشعر، والمتنبي مدرسة القوة والحماسة وتصوير الحروب وهكذا.

أما الشعراء الاندلسيون فلا يكمل أحدهم الآخر ولا يمتلكون طابعا أسلوبيا خاصاً، ويحلمون احلام يقظة بأنَّ يبلغوا منازل شعراء المشارقة أو يتفوقوا عليهم، فابن شُهيد في (التوابع والزوابع) ترك واقع بلاده الشعري وراح إلى عام فنتازي هو عالم الجن يقارع الشعراء المشارقة جاعلا إياهم مقياساً للتفوق، وهو اذا تفوق عليهم في الرسالة لم يستطع أن يتفوق عليهم في الواقع فبقوا مقياساً وبوصلة له ولأصحابه الاندلسيين. ومثلها سفر الغزال المزعوم للاتصال بأبي نواس وتفوقه عليه، ولقاء المتنبي بابن عبد ربه واعترافه بالتفوق قائلا له "يا ابن عبد ربه لقد يأتيك العراق حبواً" . وهذه الرحلات أساطير كتبها الأندلسيون لتسجيل شهادة اعتراف من شعراء المشرق بعظمة شعرائهم.  فعموم الشعراء في الاندلس تلامذة جمعيين للمشارقة، يقلدونهم ويتشبهون بهم ويتسمَّون بهم؛ فهذا عنترة الأندلس، وهذا بحتري الأندلس وهذا متنبي الأندلس. والحقيقة إن الأندلس كانت تعاني (عقدة تفوق المشرق) التي ولدت شعورين: الدونية والتحدي معا، وقد استمر الشعوران إلى زمن انتهاء العرب وانطفاء الأندلس.

في بداية القرن الرابع بدأ يتكون الشعر الأندلسي ويستقل طابعه المستمد من جمال البيئة الاندلسية، ورقة طباع المجتمع الأندلسي. ويمثل ابن عبد ربه جوهر الشاعر الاندلسي في عصور الاندلس كلها، وهو التميز بالرشاقة والرقة في التعبير وعدا ذلك ليس هناك تميز في الألفاظ والمعاني مثل المشارقة. ففي ابياته الشهيرة:

يا لؤلؤاً يسبي العقول أنيقا         ورشاً بتقطيع القلوب رفيقا

ما إن رأيت ولا سمعت بمثله         ورداً يعود من الحياء عقيقا

وإذا نظرت إلى محاسن وجهه         أبصرت وجهك في سناه غريقا

يا من تقطع خصره من رقةٍ         ما بال قلبك لا يكون رقيقا

لا يوجد جديد في الخيال واللفظ والمعنى، فكله استهلكه الشعراء المشارقة قبله، فتشبيه المرأة باللؤلؤ نجده عند كثير من شعراء المشارقة، قال أبو نواس:

يا لُؤلُؤً يَتَلالا       في حُمرَةِ العِقيانِ

وتشبيه المرأة بالرشأ قتله الشعراء استخداماً. وصدر البيت الثالث (ما إن رأيت ولا سمعت بمثله) استخدام عربي معروف، قال دريد بن الصمة:

ما إن رأيتُ ولا سمعتُ بمثله حامي الحقيقة فارساً لم يقتلِ

وذكر ان الحياء يصبغ لون الوجه مذكور مشهور، قال أبو نواس:

نَضَت عَنها القَميصَ لِصَبِّ ماءِ       فَوَرَّدَ وَجهَها فُرطُ الحَياءِ

ونقل البيت الثالث من العين الى الوجه، وانطباع صورة الشخص في وجه الاخر ذكره الشعراء ومنه قول المتنبي وذكر انطباع صورة المحبوب في عين المحب العاشق عن تقاربهما:

شامية طالما خلوتُ بها       تبصر في ناظري محياها

الاصالة والتقليد

الاصالة للمشارقة والتقليد للأندلسيين، وهذا واضح من قول ابن بسام يذكر أن الأندلسيين يقلدون المشارقة بشكل أعمى: " إلا أن أهل هذا الأفق أبوا إلا متابعة أهل الشرق، يرجعون إلى أخبارهم المعتادة، رجوع الحديث إلى قتادة، حتى لو نعق بتلك الآفاق غراب، أو طنّ بأقصى الشام والعراق ذباب، لجثوا على هذا صنماً، وتلوا ذلك كتاباً محكماً" .

ومع هذا الصوت المستسلم نجد صوتاً قوياً ينافس ويتحدى بشكل واضح. وهو في قول ابن بسام أيضاً: " ومازال في أفقنا هذا الأندلسي القصيّ إلى وقتنا هذا من فرسان الفنّين، وأئمة النوعين، قوم هم ما هم طيب مكاسر، وصفاء جواهر، وعذوبة موارد ومصادر، لعبوا بأطراف الكلام المشقّق، لعب الدّجى بجفون المؤرقّ، وحدوا بفنون السحر المنمّق، حداء الأعشى ببنات المحلّق، فصبّوا على قوالب النجوم، غرائب المنثور والمنظوم، وباهوا غرر الضحى والأصائل، بعجائب الأشعار والرسائل، نثر لو رآه البديع لنسي اسمه، أو اجتلاه ابن هلال لولاّه حكمه، ونظم لو سمعه كثير ما نسب ولا مدح، أو تتبعه جرول ما عوى ولا نبح" .

وثمة صوت آخر لا يخفى هو (ندب الحظ) والقول بأن الأندلس مغبونة لبعدها، واهل الشرق يتعمدون تجاهلها. وهو ما يوضحه قول ابن دحية الذي قطع حديثه عن تبجيل الغزال (الشاعر المتهافت) ليقول:  " وهذا الشعر لو روي لعمر بن أبي ربيعة، أو لبشار بن برد، أو لعباس بن الأحنف، ومن سلك هذا المسلك من الشعراء المحسنين لاستغرب له. وإنما أوجب أن يكون ذكره منسياً، أن كان أندلسياً؛ وإلا فما له أخمل، وما حق مثله أن يهمل. وهل رأيت أحسن من قوله: (تأبى لشمس الحسن أن تغربا)، أو كالبيت الأول من هذه القطعة، أو كصفته لما جرى من الدعابة؟ هل وصفته إلا الدر لمنتظم، وهل إلا نظلم في حقنا ونهتضم! يالله لأهل المشرق! قولة غاصٌّ بها شَرِق. ألا نظروا إلى الإحسان بعين الاستحسان، وأقصروا عن استهجان الكريم الهجان عن استهجان الكريم الهجان؛ ولم يخرجهم الإزراء بالمكان عن حد الإمكان؛ لئن أرهفت بصائرهم البصرة وأرقتها الرقتان؛ فقد درجنا نحن بحيث مرج البحرين يلتقيان، فإن منهما مخرج اللؤلؤ والمرجان. وينشد ما قاله بعض شعرائنا:

نَراحُ لفضل أن يكون لَديكُم         فما لكُم تأبَون أن كان عندناَ

فلا تَحسدونا أن تَلُوح بأفقكم         لنا طالعاتٌ مِن هناكَ ومن هنا

وإن كنتُم في العدّ أكثَر مفخراً         فلا تَظلموناَ في القليل الذي لنا

ويقول ابن بسام في هذا المعنى: " وأخبارهم الباهرة، وأشعارهم السائرة، مرمى القصيّة، ومناخ الرّذيّة، لا يعمر بها جنان ولا خلد، ولا يصرف فيها لسان ولا يد. فغاظني منهم ذلك، وأنفت ممّا هنالك، وأخذت نفسي بجمع ما وجدت من حسنات دهري، وتتبّع محاسن أهل بلدي وعصري، غيرة لهذا الأفق الغريب أن تعود بدوره أهلة، وتصبح بحوره ثماداً مضمحلة، مع كثرة أدبائه، ووفور علمائه، وقديماً ضيّعوا العلم وأهله، وربّ محسن مات إحسانه قبله، وليت شعري من قصر العلم على بعض الزمان، وخص أهل المشرق بالإحسان" . ومع ذلك فهو يعترف صراحة بأنه في كتابه متأثر بكتاب اليتيمة للثعالبي . ويفهم من كلام ابن بسام في تقييم حالة الشعر الأندلسي أنه عاش عزلة كبيرة لم يجد معها سوقاً له في المشرق فعانى الكساد.

ويذكر الدكتور منجد مصطفى افكارا وامثلة كثيرة تقنع المتلقي بأن الاندلسيين يحتذون المشارقة بشكل كبير. فابن عبد ربه في أمثلته العروضية يذيل اشعاره بأبيات مشرقية مشهورة . ويقول د. سعد اسماعيل شلبي "ان نزعة التقليد التي اشار اليها ابن بسام وصلت بهم الى حد الشعور بالحرج من تقليدهم المشارقة" . وشعر الطبيعة تميز به الاندلسيون وان لم يكونوا مبتدعيه فمبتدعه الصنوبري. وعلى الرغم من تقدمهم واكثارهم من شعر الطبيعة بسبب بيئتهم الجميلة " لكن الشعر المشرقي بقي يرفد الاندلسيين حتى في مثل هذه الموضوعات" . بل يذهب الصفدي الى أن نونية ابن زيدون تقليد لقصيدة للبحتري . ونخلص الى أن العباسيين كانوا يصنّعون الموضوعات الشعرية والافكار والاخيلة والالفاظ والمعاني، والاندلسيون يقلدونهم في الغالب، مع الاعتراف بأن الاندلسيين جاروا المشارقة في ذلك وكان لهم ابداع معين، الا ان نزعة التقليد للعباسيين كانت الاشهر والاوفر. فكان العباسيون في مخاضات تجاريب شعرية مستمرة ومتنوعة، وهو ما لا نجده لدى الاندلسيين.

ونتيجة لذلك لم ينشأ نقد في الاندلس. ولوجود النقد علتان: بروز ظاهرة شعرية. وظهور شاعر كبير، لذا لم يظهر نقد جاهلي لانَّ الشعراء تسابقوا بحلبة واحدة. ولا في العصر الأموي بسبب تقليد الشعراء للجاهليين. وللسببين السابقين لم يظهر نقد في الأندلس، فالأندلسيون قلدوا المشارقة تقليدا صنمياً فلم ينتجوا ظاهرة جديدة، ولا برز منهم شاعر كبير بمستوى ابي تمام أو المتنبي. وما ظهر من نقود فبسيط الأهمية وغير أصيل؛ فـ(العِقد الفريد) لابن عبد ربه نقل البضاعة الشعرية والنقدية المشرقية بل أساء اليها. ومثله (العمدة في محاسن الشعر ونقده) اذ ضمَّنه ابن رشيق القيرواني كل شاردة وواردة تخص الشعر ويحتاجها الشاعر، وكله عن المشارقة ومنهم، فهو جامع لما ألفه المشرقيون في الشعر والنقد متفرقاً، هذا اذا عددنا ابن رشيق أندلسياً وهو مغربي. وحازم القرطاجني لم يجعل كتابه (منهاج البلغاء وسراج الأدباء) في شعراء الأندلس، بل كتاباً يتناول قضايا الشعر بشكل عام مثل: أهمية الشعر، بواعثه، أقسامه، المحاكاة في الشعر، الصدق والكذب، اللفظ والمعنى، بناء القصيدة، المطالع، المخلصات في القصيدة، الأسلوب . ولم يتناول المنهاج كالموازنة والوساطة شاعراً أو ظاهرة .

الضفاف الثلاث

للشعر ثلاث ضفاف: الالفاظ والمعاني والموسيقى. تفرد الشعر الجاهلي بضفة الالفاظ؛ فالألفاظ تتحكم بالنص وتديره مهيمنة على المعنى وعلى الموسيقى. أي ان الشاعر يقتدر على اختيار وتركيب الفاظه التي تعبر بشكل كامل وتحقق العملية الفنية والشعرية باستيفاء وتفرد. كقول زهير بن أبي سلمى:

فشدَّ فلم يفزع بيوتاً كثيرة      لدى حيث ألقت رحلها أمُّ قشعمِ

فالالفاظ (شدّ) (يفزع) (ألقت رحلها) (أمّ قشعم) تدير دفة التعبير وحدها، وهي بترتيبها تحقق الايقاع المؤثر في تسويق النص. وهذه الهيمنة للألفاظ جعلتها غير قابلة لتبديلها بغيرها، لان النص قائم عليها وتحريكها يعني سقوط النص وتكسره.

وتفرد الشعر العباسي بضفة المعنى، فترى الالفاظ ثانية في الاهمية لصالح المعاني التي ادار من خلالها الشاعر عملية التعبير الشعري. وبنتيجة ذلك أمكن ابدال الالفاظ بغيرها دون سقوط النص وتكسره. ولكن استدعى ذلك الغموض والعمق الذي على المتلقي الغوص فيه لاصطياد قصد الشاعر. ومن ذلك قول الشاعر.

أَآلِفَةَ النَحيبِ كَمِ اِفتِراقٍ       أَظَلَّ فَكانَ داعِيَةَ اِجتِماعِ

فقد فسره المبرد بـ" إن المتحابين العاشقين قد يتصارمان ويتهاجران إذلالا، لا عزما على القطيعة، فإذا حان الرحيل وأحسا بالفراق، تراجعا إلى الود، وتلاقيا خوف الفراق، وأن يطول العهد بالالتقاء بعده، فيكون الفراق حينئذ سبباً للاجتماع". وفسره ثعلب بـ" أن الإنسانقد يفارق محبوبه، رجاء أن يغنم في سفره، فيعود الى محبوبه مستغنيا عن التصرف، فيطول اجتماعه معه" . وهما من أكابر العلماء فلم يوفقا لمعنى البيت الذي أراده الشاعر.

أما الضفة الثالثة (الموسيقى) فقد تفرد بها بامتياز الشعر الاندلسي، وتفوق بها على شعر المشارقة تفوقا ساحقاً. وهذه الضفة ليس قوامها الثقافة أو التفكير الشعري، بل الطبع والذوق والاحساس الموسيقي المرهف، وهو أمر ساعد عليه طبيعة الاندلس وتراثها الموسيقي والنغمي. وهذه الموسيقى الطاغية نلمسها في الاشكال الشعرية الاندلسية كافة.

وممكن تلمسها من خلال تقطيع البيت عروضيا بتحديد موسيقى الالفاظ موزعة في البيت. وسنجد ان الشاعر يوزع الفاظه ويقطعها موسيقيا بشكل متناظر يضيف على البيت ايقاعات جديدة مضافة على ايقاع البحر الشعري، أشبه ما تكون بموسيقى داخلية، فضلا عن الطقس الموسيقي الداخلي الذي تصنعه آليات نغمية داخلية كجرس الالفاظ والبيان والبديع، فاذا بالقصيدة او القطعة سبيكة موسيقية رائعة.

فمثلا قول ابن زيدونً:

ودَّع الصبرَ محبّ ودَّعكْ      ذائعٌ من سرِّه ما استودعكْ

ودّع الـ/ ـصبر/ محبٌّ / ودّعكْ

فاعلن  /  فاعِ/ فعولن / فاعلن

ذائعٌ/  من/ سرّه / ما سـْ/ ـتودعكْ

فاعلن/ فا / فاعلن/ فا / فاعلن

فايقاع الصدر تهيمن عليه (فاعلن = تم تتم)، والعجز تهيمن عليه (فاعلن) (فا) وهذا ايقاع يضاف الى ايقاع بحر الرمل (فاعلاتن فاعلاتن فاعلن). ولهذا السبب نحن نحس بالأبيات شديدة التطريب راقصة. ومثله في الموشح، كقول لسان الدين بن الخطيب:

جادك الغيثُ اذا الغيثُ همى يا زمان الوصل بالأندلس

لم يكن وصلك الا حلما                  في الكرى أو خلسة المختلس

جادكَ الـ/ غيثُ / اذا الـ / غيثُ / همى

فاعلن / فاع  /  فعو / فاع / فعو

يا/ زمان الـ/ وصل/ بالـ/ أندلس

فع/ فعولن/ فاع/ فع/ مستعلن

لم / يكن / وصلك / الا / حلما

فع/ فعو/ فاعل/ فعلن/ فعِلن

في الـ/ كرى/ أو/ خلسة الـ/ مختلس

فع/ فعو/ فع/ فاعلن/ مستعلن

فايقاع الصدر ارتكز على (فاع) (فعو) (فاع) (فعو). والصدر ارتكز على (فع) (فع)، ووضع (مستعلن = أندلس) المطوية لتضرب على وتر القافية نفسها في البيت الثاني (مستعلن = مختلس). وصدر البيت الثاني ضرب على (فعْل/ فعِلن) كما اشترك مع العجز بـ(فع = لم) (فعو = يكن) (فع = في الـ) (فعو = كرى).

وهذه الموسيقى المصنوعة بدقة ايقاعية متناهية نجدها عند أغلب الشعراء الأندلسيين. ولكننا لا نجدها في شعر العباسيين، أو في مستوى أقل

وهذه الحالة تقترب من الغنائية كثيراً، فيها عذوبة خاصة مفعمة بالطبيعة الأندلسية، ومعبرة عن الشخصية الأندلسية التي بدأت تعلن عن استقلالها. وهذه الموسيقى واضحة في شعر ابن عبد ربه (الشاعر الرقيق) الذي لم يقدم للشعر الأندلسي غير هذه الموسيقى العذبة. وقد تطورت هذه الموسيقى من التميز الى التفرد فأنتجت الموشح والزجل، وهما نمطان خالصان للموسيقى.

فالموشحات التي أصبحت اليوم خرساء تتلقاها العيون قراءة دون الآذان سماعاً، جاء عليها حين من الدهر لا تقرأ بل تسمع فقط من الجوقات الموسيقية والآلات الكثيرة والمتعددة، والمغنون الحذاق بما يضعه لهم الملحنون عباقرة الموسيقى الاندلسية. وقد نظر الباحثون المتأخرون بعد أن انقطعت الاسباب بين عصرنا وذلك العصر المتميز بحذق هذه الموشحات، فدرسوها على أنها (شكل شعري) جديد حاله حال القصائد العربية، وراحوا يقيسون التفاوت والتميز بينها وبين القصيدة. ولهذا خرجوا بنتائج متضاربة وخاطئة. وسمي الزجل زجلا لانه "يغنَّى به ويصوَّت" . وسنقف عندهما في الكلام على فقرة الشعر العاميّ.

والى جنب هذه الموسيقى العذبة تخصصوا بالشعر الرقيق الذي يعتمد على الحس والذوق  ومن ذلك قول ابن بقي:

بتنا ونحن من الدّجى في لجّة       ومن النجوم الزّهر تحت سرادق

عاطيته والليل يسحب ذيله       صهباء كالمسك الفتيق لناشق

وضممته ضمّ الكميّ لسيفه       وذؤابتاه حمائل في عاتقي

حتى إذا أخذت به سِنة الكرى      زحزحته عني وكان معانقي

أبعدته عن أضلع تشتاقه       كيلا ينام على وساد خافق

وان تأثر الاندلسيين بأجواء الحب والموسيقى والطبيعة ألهمت الشعراء  النغمية المبهرة ورقة الشعر وهما ما تخصص به الشعر الاندلس فضلا عن (العامية) وهي أهم وأوضح ما اختص به الشعر الاندلسي الذي اصبح طابعه الباقي في الاذهان، وانتقل عدواه الى المشرق والى زماننا هذا فالشعر العامي صار يتغلب وليس ينافس الشعر الفصح.

الشعر العامي

أدخل الشعراء العباسيون في أشعارهم كلمات وأقيسة عامية وأجنبية حتى الكبار منهم؛ فاستعمل المتنبي (المخشلب) وهو تسمية عامية لنوع من الخرز، وقال (أسود من) على قول العامة، والصحيح (أشد سواداً من). الا انهم لم يتعدوا الكلمات القليلة.

وأختص الاندلسيون بنمط الشعر العامي، فكانوا أول من كتبه وأذاعه ليصل مكاناً الشرق العربي، وزماناً الى يومنا هذا. ولم يكتفِ الاندلسيون بكلمات عامية يدسونها في أشعارهم. ويكفي النظر في فهرس الكتب التي اعتمدها (دوزي) في معجمه للغة العربية غير الفصحى للتأكد من أن الأندلسيين روجوا العامية ورسخوها. وقد كان (بعض مشهوري النحاة في الأندلس يعلّمون اللغة الفصحى بعامية البلد) . بل اخترعوا شكلين شعريين عاميين هما: الموشح والزجل، وروجوا بحرا ايقاعه عامي هو الخبب من خلال قصيدة الحصري القيرواني (يا ليل الصبّ) ويعود الفضل في اشتهار هذا البحر قرب ايقاعه من يقاع الحيث العامي اليومي الرتيب. وما كانت هذه القصيدة تشتهر ولا يروج بحر الخبب لو تراجع الفصحى وسيادة العامية. وكان الخليل قد حار فيه ثم تركه. ولم يشتهر على الرغم من تكراره في كتب العروض باسم المتدارك؛ على اساس تدارك الاخفش عليه، وأنكر مهدي المخزومي ذلك . ويفرق أستاذي العروضي الكبير صاحب منظومة (العروض الرقمي) بين المتدارك والخبب.

الموشح طفرة وراثية شعرية منذ امرئ القيس. وهي ثاني طفرة وراثية كبيرة، وكانت الثالثة (قصيدة البند) في العصر الوسيط، والطفرة الرابعة قصيدة الحر أو التفعيلة على يد السياب ونازك. وقد أكد ذلك الشاعر محمد مهدي الجواهري بقوله " الموشحات أكبر مدرسة ظهرت للتطور في الشعر العربي" . وتطور الشعر العربي بالموشحات تطور نغمي له استقلاليته الواضحة عن اللفظ والمعنى، وهذا لم تستطع القصيدة موحدة القافية الإشعار به. ومن رحم الغناء والعاميات نشأ الموشح وصنوه الزجل. وأكثر اوزان الموشح خارج العروض، وأكثر الاكثر غير موزون وانما يتحقق وزنه في تلحينه، يقول ابن سناء الملك "ليس لها عروض إلا التلحين، ولا ضرب إلا الضرب، ولا أوتاد إلا الملاوي، ولا أسباب إلا الأوتار" .

والموشحات الاولى لم تكتب للفن الشعري بل كان الملحن يصنع اللحن ويخامره خوف من ضياعه فيكلف شاعرا ينظم له بعض الأبيات ليفرغ فيها لحنه حتى لا يضيع، على نقيض ما يصنعه شعراء المشرق الأمويون ينظمون قصيدة ثم يطلبون من مغن أن يصوغها في قالب لحني. ويؤكد هذا طبيعة نظم الموشح التي قصد من ابتكارها كسر القيود الشعرية العروضية المتداولة، وإخضاع الشعر للنغم بعد أن كان البحر يتحكم في صوغ اللحن . وهذا يحسم أن الموشحات الأولى كانت (شكلا غنائياً) صرفاً، وكل موشحة سليمة العروض هي (شكل شعري).

ودليل تخصص الاندلسيون بهذا النمط أن الموشح حين انتقل من الأندلس إلى المشرق ابتعد عن أسلوبه اللحني والإيقاعي . ومن الموشحات التي تؤشر المنحى النغمي العامي قول لابن نزار، وتروى لابن حزمون:

اشْرَبْ عَلَى نَغْمَةِ المَثَانِي                ثَانِ

وَلا تَكُنْ في هَوَى الغَوَانِي               وَانِ

وَقُلْ لِمَنْ لامَ في مَعَانِ                    عَانِ

مَاذَا مِنَ الحُسْنِ في بُرُودِ                يرُودِ

يَهِيجُ وَجْدِي إذَا الأَنَامُ                     نَامُوا

قَوْمٌ إذَا عَسْعَسَ الظَّلامُ                   لامُوا

وَمَا بِهِ هَامَ مُسْتَهَامُ                         هَامُوا

فَقُلْ لِعَيْنٍ بِلا هُجُودِ                       جُودِي

 

والزجل كالموشح عرف في القرن الخامس الهجري. ورجح (Reverea) في سبب نشوئه أن الشعراء الأندلسيين كانوا يتكلمون الى جانب اللغة العربية اللغة الرومانية كذلك. ولهذا فانه مما لا يكاد يتطرق إليه الشك أن يكونوا قد قالوا الشعر بهذه اللهجات العامية كذلك. وورد انهم كانوا يتكلمون العامية الرومانية (الرومانثي) ووارد جداً أنهم كتبوا شعراً عامياً بهذه اللغة تظرفاً أو نظماً ثانوياً. ولكنهم لم يذيعوه في المرحلة الأولى، فلما جاء الجيل الثاني او الثالث جاهروا بمثل هذا النظم وهو ما سمي (الزجل)  .

والموشح والزجل كلاهما عامي النزعة، لذا لم يكتبه كبار شعرائهم. والفرق بينهما ان الموشح معرب والزجل بلا اعراب. وسموا صنفا ثالثا يجمع بينهما (المزنَّم) وهو يجمع بين الاعراب وعدم الاعراب .

ومن أمثلة الزجل:

ثلاثْ اشيا في البساتينْ                   لَس تُجد في كل موضع

النسيمْ والخضرهْ والطيرْ                شمْ واتنزه واسمعْ

وملاحْ بحال حورْ العينْ                 في رياضْ تشبه الجنَّا

وعسيوهْ قصيره                           تّنظروا الخلاَّع تجِنَّا

لَس نطيقْ نفارقوها                       وهْيَ تحملْ طاقْ عنَّا

ثانيا – المشترك بين الادبين

ولد الشعر العربي في المشرق، فكانت البيئة العربية حاضنته التي طبّعته بطابعها، ومثلها كما مثل الجبلّة العربية خير تمثيل. ومن ثم فالشعر العباسي وريث شعر العصور السابقة عليه اعتمد على هذه الارضية ومثلها خير تمثيل، وقد أضاف اليها الكثير الا انه لم يخرج منها. ومنها انطلق الشعر الاندلسي ومثلها ايضاً، فهو لا يختلف غي تلك الجذور المشتركة عن الشعر العباسي.

والاندلسيون عاشوا في عزلة ثقافية فوق الجزيرة محتفظين بثقافتهم العربية، فلم يتعاطوا مع الاسبان أعدائهم ثقافياُ، ولا مع أصدقائهم البربر. وقد بقي الاسبان مصدر قلق وحرب للعرب الى حين اخرجهم الاسبان من الجزيرة، كما انهم لم يتعاطوا من الافرنج وكان آخر العهد بهم معركة (بلاط الشهداء). ولا يحملنا بعض الألفاظ المحلية (الرومانثية) والعبارات الأجنبية المنقولة مثل (العالم العلوي) و(العالم السفلي) على تأثر شعراء الأندلس بثقافة أجنبية او أنهم اطلعوا أو وظفوا الميثولوجيا الغربية؛ والعالم العلوي والسفلي نقلوه من كتب الفلاسفة المشرقيين، واستخدمه شعراؤهم أيضاً كابن سينا، ودلالته تختلف عن الميثولوجيا الغربية؛ فالعالم العلوي: عالم السماء، والعالم السفلي: العالم الأرض.

وقد وجدنا أن الشعر الاندلسي والشعر العباسي يشتركان بأمور جوهرية أهمها:

1- الثقافة العربية:

قام الشعر المشرقي والاندلسي معا على الثقافة والتراث العربي من لغة وتاريخ وميثولوجيا ومعتقدات وعادات وتقاليد وأخبار وكل ما يدور في فلك الثقافة والحضارة العربية. فقد استقى الشعراء الاندلسيون والشعراء العباسيون من هذا المعين في انتاجهم الشعري، ورسموا صورهم وتعابيرهم الشعرية، وهذا يجعل الشعرين ممثلين بالقدر نفسه هذا التراث العربي الكبير.

2- الثقافة الشعرية:

كما يشترك الشعر الاندلسي والشعر العربي في قوانين الشعر ومادته، فكانت دواوين الشعر وكتب الادب والنقد في الاندلس والمشرق العباسي لا فرق بينها في عرضها هذا الشعر، وفي الاحكام التي تطلقها عليه. وقد اعتمد الاندلسيون تلك القوانين والاحكام الشعرية لانهم اخذوها عن اخوانهم المشارقة. وكان الاندلسيون أكثر حرية من المشارقة في التحرر والتصرف بتلك القوانين؛ بسبب تزمت العلماء المشارقة، فكان الشعراء يحاولون التجديد وقلما تمكنوا من ذلك، ولاسيما في عهود الخلفاء الاقوياء. وحرية الاندلسيين مكَّنتهم من التجديد أكثر، والخروج عن تلك القوانين حسب رغبتهم. وبفعل هذا وفضله كتبوا الموشح والزجل وهما خروج كبير عن التأليف الشعري العربي..

النتائج

توصل البحث الى وجود خاص ومشترك بين الشعرين المتعاصرين: الشعر الاندلسي والشعر العباسي. الخاص، تميز الشعر العباسي باتصال سلاسل شعرائه وتأثرهم وتأثيرهم الشعري المتبادل. ودوام وجود شعراء كبار ملهمين، وحرص شعرائهم قاطبة على أن تكون لهم طرائقهم وتجاربهم الشعرية الخاصة بهم. بينما لم يكن شعراء الاندلس في اتصال شعرائه وتأثرهم وتأثيرهم في سلاسل متواصلة مستحكمة بالقوة نفسها، بل كثيرا ما كانوا حلقات غير متصلة ببعضها. كما لم تنتج الاندلس ظاهرة شعرية جديدة أو شعراء كبار بما يكفي ليظهر من اجلهم علم نقد وكتب نقدية عامة أو خاصة كما ظهر لدى العباسيين.

كما أن ولادة الشعر الاندلسي في حجر الشعر العباسي جعله ابنا شرعيا له، يتأثر به ويشبهه بقدر كبير، وان ضاقوا احيانا بهذا فانهم لم ينفلتوا منه وظلوا يسيرون على جادته، يتلقفون كل جديد لينسجوا على منواله أو يحاكونه مضيفين اليه طابعهم الخاص الرقيق العذب.

واذا حقق الشعر العباسي التفرد في الضفة الشعرية الثانية (المعاني) محاولين محاكاة الجاهليين والامويين في امتلاك ضفة الالفاظ، فان الشعر الاندلسي لم يحقق الخصوصية اللفظية والمعنوية؛ فاغلب اشعارهم الفاظها اعتيادية لا تتحكم بالنص، ومعانيهم بسيطة أو عباسية معادة مصبوبة في قوالبهم وممهورة بختمهم المميز. وقد تفردوا بامتياز بضفة الشعر الثالثة وهي (الموسيقى). فأشهروا بحر المتدارك أو الخبب ذا الايقاع العامي. وابتدعوا شكلين شعريين عاميين هما: الموشح ويكتب بالاعراب، والزجل ويكتب بدون عراب. وكلاهما في الفاظه ومعانيه وخياله وصوره عامي. وقد حققوا موسيقى ساحرة خلابة كانت تقود النص وتعطيه امتيازه الاندلسي الذي لم تستطع النصوص العباسية مجاراته، وجاءت نصوصهم التي قلدته شاحبة كأنها بلا روح.

أما المشترك بين الشعرين: الاندلسي والعباسي فهو: (الثقافة العربية الشاملة) بما تضم من تاريخ وميثولوجيا وعادات وتقاليد وفكر وغيرها، و(الثقافة الشعرية) بما تضم من لغة وعروض وموضوعات وبلاغة وقوانين وغيرها.

 

الأستاذ الدكتور

محمد تقي جون

................

المصادر والمراجع

* الأدب الأندلسي من الفتح وحتى سقوط غرناطة، د. منجد مصطفى بهجت (الموصل، مطبعة جامعة الموصل، 1988).

* أعلام في النحو، مهدي المخزومي (بغداد، دار الشؤون الثقافية، 1990).

* الأغاني، أبو الفرج الأصفهاني (ت 356هـ)، تحقيق: إحسان عباس وآخران، ط2 (بيروت، دار صادر، 2004).

* تاريخ الأدب العربي، بروكلمان، نقله الى العربية د. عبد الحليم النجار وآخرون (دار الكتاب الاسلامي، 2005).

* تكملة المعاجم العربية، رينهارت دوزي، ترجمة: د. محمد سليم النعيمي (بغداد، دار الشؤون الثقافية، 1978).

* جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس، الحميدي (ت 488هـ) (القاهرة،الدار المصرية للتأليف والترجمة، 1966).

* الجهود النقدية لحازم القرطاجني في كتابه منهاج البلغاء وسراج الأدباء، د. نجم مجيد علي مهدي، مجلة كلية التربية الأساسية – الجامعة المستنصرية (العدد:70، 2011).

* الحلة السيراء، ابن الأبار (ت 658هـ)، تحقيق: علي إبراهيم محمود (بيروت، دار الكتب العلمية، 2008).

* حوارات مع الجواهري، محمد صالح عبد الرضا، ضمن (الموسوعة الثقافية)، (دار الشؤون الثقافية، بغداد، 2011).

* الحيوان، عمر بن بحر الجاحظ (ت 255هـ)، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، ط2 (القاهرة، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، 1965).

* خلاصة الادب العباسي أدب الحضارة والحداثة، أ.د محمد تقي جون (بابل، دار الصادق الثقافية، 2017).

* دار الطراز في عمل الموشحات، ابن سناء الملك (ت )، تحقيق د. جودت الركابي،(دمشق،1949).

* ديوان ابن عبد ربه (328هـ)، تحقيق: محمد رضوان الداية (بيروت، مؤسسة الرسالة، 1979): 120

* ديوان عنترة بن شداد، (بيروت، المركز الثقافي اللبناني).

* ديوان أبي نواس، تحقيق: د. عمر فاروق الطباع (بيروت، شركة دار الارقم بن أبي الارقم، 1998): 574.

* الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، ابن بسام الشنتريني (ت 542هـ)، تحقيق: د. إحسان عباس (بيروت، دار الثقافة، 1997).

* العمدة في محاسن الشعر وآدابه، الحسن بن رشيق القيرواني (456هـ)، تحقيق: محمد عبد القادر أحمد عطا (بيروت، دار الكتب العلمية، 2001).

*  معجم الادباء، ياقوت الحموي، ط6 المستشرق د.ت).

* دراسات ادبية، د. سعد اسماعيل شلبي (القاهرة، دار نهضة مصر، 1993): 68-.

* شرح المعلقات السبع، الحسين بن أحمد الزوزني (486هـ)، تحقيق: عبد الرحمن المصطاوي، ط2 (بيروت، دار المعرفة، 2004).

* سلافة العصر في محاسن شعراء كل مصر، ابن معصوم (قم، المكتبة المرتضوية لا حياء الاثار الجعفرية).

* السماع عند العرب، مجدي العقيلي (دمشق، 1970).

* شرح ديوان المتنبي، شرح البرقوقي  (بيروت، دار الكتاب العربي، 1980).

* شعراء العصر الأندلسي، محمد العريس (بيروت، دار اليوسف، 2005).

* العاطل الحالي والمُرخَص الغالي، صفي الدين الحلي (750هـ)، تحقيق: د. حسين نصار، ط2 (بغداد، دار الشؤون الثقافية، 1990).

* معجم الأدباء، ياقوت الحموي (ت 626هـ)، تحقيق د. س مرجليوث، ط2 (القاهرة، مطبعة هندية بالموسكي، 1923).

* المغرب في حلي المغرب، ابن سعيد المغربي (685هـ)، تحقيق: د. شوقي ضيف، ط3 (القاهرة، دار المعارف، 1955).

* الموسيقا الأندلسية المغربية (فنون الاداء)، عبد العزيز بن عبد الجليل، (الكويت، سلسلة عالم المعرفة، 1988).

* نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، أحمد بن محمد المقري، تحقيق: د. إحسان عباس (بيروت، دار صادر، 1988): 2/ 500- 501.

* وفيات الاعيان وأنباء أهل الزمان، ابن خلكان (681هـ)، تحقيق احسان عباس (دار صادر، بيروت، د.ت).

الرسائل والمقالات

* مدرسة المولدين الشعرية وأثرها في الشعر العباسي، أحمد عبد الحسين عبد الله. رسالة ماجستير، كلية الآداب جامعة بغداد 2019.

* أندلسيات في زمن الكورونيات، مقال منشور لمؤسسة ابن تاشفين في 5/ 4/ 2020.

 

 

حيدر عبدالرضاالنص المتمرد بين الاحتمالات الممكنة وتوقعات المحتمل الدلالي

الفصل الثاني ـ المبحث (4)

عند حيلولة قراءتنا في النموذج الشعري لدى تجربة عوالم الشاعر (علي الأمارة) تساورنا جملة مستويات مؤثرة من مشروعية وعاملية (الاحتمالات الممكنة) والأخرى المتعلقة بواصلات (توقعات المحتمل الدلالي) وهذه الاجرائيات العاملة في مسار أفق قصيدة الأمارة، تقترب أحيانا من حدود قصوى من اللحظة التصويرية ذات الهوية الممكنة في علاقة المواجهة الصارمة ما بين خاصية المحتمل القرائي التذوقي وسيرورة كيانية المؤولات المتعلقة في وظيفة احتمالات المعنى التلفظي الموظف في صورة وتحصيلات واقع النص الشعري . وعلى هذا النحو تبقى آفاق انتظارنا إلى ذلك المحتمل الدلالي في قصيدة الشاعر منطوقا في مدركات المعنى المقروء، مما يجعل أثر هذا المعنى مترتبا في خلفية استجاباتنا على بوادر مخصوصة وخاصة في هوية الدال الشعري، وما تشغله مساحة الأفعال الدوالية من مؤشرات قضوية في مرحلة علاقة المعنى بالدليل المعطى في القصيدة .

ـ جدلية الدال وحافزية المدلول في الخطاب .

قد تحتفظ مؤشرات وعلامات ثنائية (دال ـ مدلول) بمكانة محققات الرؤية الشعرية بذلك الاتفاق الضمني ما بين (أطروحة المعطى = إمكانية المعنى) تعددا علائقيا موظفا بخاصية الإيحاء والمطرد في الحدوث القصدي المواكب لتعريفات العلاقة المصاغة في موجهات الدليل الشعري، وتبعا لهذا الأمر واجهتنا قصيدة (العظم)التي هي ضمن مختارات مجموعة (الركض وراء شيء واقف):

ضاعَ العظمُ !

كا أجوعَنا يا ابن زياره

نبحثُ عن عظمٍ في ليلٍ جائعْ

نبحثُ عن ليلٍ في عظمٍ ضائعْ . / ص24 . قصيدة : العظم

يخبرنا الهامش في أسفل فضاء القصيدة الطباعي، بأن دال العظم، هو لعبة كان يمارسها الشاعر منذ صغر سنه مع صحبته، إذن العلاقة هنا محفوفة بروح سياقية ـ مرجعية، ولكن عند معاينة موجهاتها من جهة هامة، نجدها إرسالية إلى جهة مؤولة من المعنى الأحوالي، أي بمعنى ما، ما هو المحفز في استحضار هذه اللعبة كمساءلة ضمنية في حال جملة (ما أجوعنا يا أبن زياره) أليس لهذه الجملة مساقية خاصة تتعلق بمستوى من المحتملات الممكنة، أي في أن يكون المقصود من وراء هذه القصيدة، الدلالة على موضوعة الحرب والجوع وبطش الحاكم العسكرتاري حينذاك، وما تترتب عليه المقصدية الشعرية من محتملات أن يكون الشاعر ذاته مؤشرا إلى مرحلة زمنية متقدمة من صراعه مع مترسبات حكايا الماضي (نبحث عن عظم في ليل جائع) وتتوزع برقيات المرسل الدوالية (العظم) نحو تجسيد رمزية مستوى هلاك الفرد ـ المصير ـ الوطن، في دائرة علاقة جدلية تمتد ما بين مرجعية حكاية العظم وأرهاصات الجوع العضوي والنفسي امتدادا لها نحو القابلية الظرفية المتغيرة في حقيقة تكوين الصورة الوضعية من الشكل الظرفي في النص:

نتناسلُ في ذاكرةِ الليلِ

صغاراً مسكونينَ بمنفى الكلماتِ

تُرى

مَن أورثنا هذا الوجعَ الرائعْ . / ص34

من هنا يسعى الشاعر إلى استيعاب جملة ممكنات سياقية الملفوظ : وما دليل محكومية هذا القصد (من أورثنا هذا الوجع الرائع) قد تكون إمكانية العلة يراد بها من قبل الشاعر هو ضياع موهبة الشاعر (عقيل سيد زياره : شاعرا منسيا) كونه منسيا، وهذا الأمر ما بات يولد ألما مقابلا بمعادل لعبة العظم وقواعدها في الحضور والغياب والأمل والخيبة والانكسار في ذروة ليل ضياع المصير . ولكننا وحتى هذه الجمل الواردة :

متْ قبلَ أوانكَ

حتى لا يُصبحَ موتُكَ خطأً شائعْ

متْ قبلَ ضياع العظمِ

فما مِن شاهدةٍ

فوقَ قبورِ الشعراءِ

سوى العظمِ الضائعْ . / ص34

من حدود تحولات هذه الجمل، تتضح لنا رؤية النص الثيماتية، وقد تكون وثوقية إلى حد ما في تحصيل مدلولها الاعتباري الحسي، بممارسة رثائية تعويضا لوهن حظوظية ذلك الشاعر المغمور، إلا أننا مع وضوح دلالة النص، يبقى لدينا ما هو مضمر في دلالات الحال الشعري من الموضوعة : فهل كان الشاعر الأمارة يوظف دواله في النص بمحمل من الانتقاد إلى الطبقة السياسية تحديدا وإن لم يكن الأمر كذلك، فما فحوى العلاقة بين الموت والجوع وضياع المصير الانساني في حكاية السياق ؟ طبعا الأمر لم يكن واضحا في الزمن الذي كتبت فيه هذه القصيدة خصوصا عند صدورها في أشد عنفوان زمن المطرقة الحكومية البعثية حينذاك . أقول أن قصيدة (العظم) تشكل في ذاتها قيمة شعرية مضمرة في الأداء والرؤية والمسكوت عنه وفاعلية المحتمل القصدي فيها .

1ـ التصويرية المتعددة وغائية الصورة الشعرية المكثفة:

أن مستوى المكانة المتألقة في بنية قصيدة الشاعر الإمارة، ما هي إلا كينونة موجهات أفعالية وذاتية وموضوعية محبوكة إلى جانب تقانة الأداة التصويرية ذات الأبعاد المكونة من الالتحام والائتلاف والاستبدال والتقابل والاختلاف في هوية الدال القصدي، مما يجعل حالات التكثيف الحسي في محمول الدال الشعري، يحتل لذاته واصلية موحية في سلم علاقات إجرائية وتكرارية وتوازية، ارتباطا كيفيا مع طبيعة الفكرة وأدوات ربطها الإنشائي:

تنهضُ الأرضُ مثلَ جوادٍ أصيل

وينهضُ قلبي المخبّأُ في طعنة الورد

وجهي المعلقُ في وحشةِ الماء

والشجرِ المستقيم

وتأتين في الزمنِ المرّ

عالقةَ بالندى

والردى . / ص 35 . قصيدة : الخيول

إن المعادلة التصويرية التي تحكم إحالات هذه التورية من مرسلات الدوال، تجعلنا نعاين هوية التقابل ما بين (الإبدال ـ الاستبدال = أداة الربط) إي ما بين علاقة تشاكل واختلاف، فعلى سبيل المثال، نتنبه إلى معطى جملة (تنهض الأرض مثل جواد أصيل) إذ أن مسافة علاقة المشبه بالمشبه به، تمنحنا الكيفية الإيحائية المنصوص عليها في عنونة عتبة المركز المؤنسن (الخيول) إذ تتضح من خلالها علاقة دال (الأرض) ودال (جواد) بوصفهما إمكانية خاصة في تقاربية نقطة مماثلة الوقائع،وصولا منهما إلى مجال ذواتي منفرد (وينهض قلبي المخبأ)و يطرح الشاعر أداة ذاته إسهاما مفعلا على نمو إحالة الدال نحو استدلالية الملازمة ما بين (الأرض + الذات) ولنضع اليد على مكامن جملة (وجهي المعلق في وحشة الماء) فنوعية هذه الجملة غدا وجودها ضرورة ما لإعطاء ذلك الانطباع بأن الذات في تورية ما، إي بمعنى ما، أنها كسياقية داخلية صار توجهها وحركيتها لازمة أكيدة نحو العلاقة ما بين الذات ومدى انعكاسها في خفايا المعنى . فيما تبقى العلاقة الدلالية في مشغل الدوال، ما يشكل بذاتها ملازمة أخرى وتلويحة نحو وظيفة مخاطبة ضمير الخيول الغائبة: (وتأتينا في الزمن المر.. عالقة بالندى والردى) قلنا في مباحث سابقة من دراسة كتابنا هذا، بأن علاقات عناصر دوال (علي الأمارة) وفي كافة أعماله الشعرية، هي تخليقات تصويرية تتشاكل عبر ملفوظاتها بوسائط ومستويات لغوية جمالية انتقائية ترتبط جوهريا بأفعالها وذواتها ومداليلها عبر صياغة تماثلية محفوفة بتحولات الصورة الأحوالية الناطقة وغير الناطقة، لذا فأننا وجدنا أغلب معادلات قصيدة (الخيول) بوصفها الطاقة الرمزية والإيحائية الموغلة نحو استيعاب منطقة المحتملات الممكنة وتوقعات المحتمل الدلالي . وفي كل هذا تقودنا دلالات مظاهر الخيول نحو أتون الأبعاد الاستعارية  بحدوثها الاحوالي وبنيتها الدلالية المعتمدة في صور المسافة المكتنزة في القول الشعري:

ومحاصرة برمادِ السنين

و تأتين ... نهراً من الضوء

ينبعُ من قلبِ هذي البلاد

التي علمتّنا التمرّسَ بالموتِ

والعشقِ حدَّ البكاء . / ص 35

وقد يصح أسلوب الموصوف لدى الشاعر بـ (الخيول) على أنها العلامة القادرة على تصوير الحركة الزمنية في بعديها (الماقبل ـ المابعد) وقدرتها الفائقة في تجسيد اللامحدود من إضاءة عمق وأعمق وأدق فيوضات الطابع الانتقادي للبلاد وحكوماتها الباطشة : (علمتنا التمرس بالموت .. والعشق حد البكاء) كما أن الحال في قصيدة (الشاهد) إذ تواجهنا فيها القيمة الجمالية الاستعارية في أقصى تحولات لغات علائق الشاهد والشهود عبر غواية منظورية وصياغية مؤثرة:

بحثوا عنهُ

في أماكن يرتادُها في القُرى

و أماكن يرتادُها في المدينة

فما وجدوهُ

قالَ وجهٌ من الماء :

كان يمدّ مع البحر قامتهُ

و يستنطقُ الماء سرّاً . / ص3 قصيدة: الشاهد

أن فاعلية الجدل الشواهدي في أقسام ألسنة الشهود في القصيدة، ذات شيفرات تحمل حافزية (النص التمرد) أو ذلك الخطاب الشعري المركب في تحولاته الاحوالية قصدا تقريعيا لمظهر الحكومات السياسية تحديدا، إلا أن النص لم يدقق من قبل الرقيب الأمني في ذلك العهد الحكومي، لأنه ببساطة مدغم بمحمولات استعارية قد لا يملكها ذلك الرقيب الأمني إطلاقا . أقول تتابعا أن مقولات على الأمارة الشعرية في هذه النماذج المدروسة من قبلنا، هي من الضد والتقريع إلى زمن الحكومات إجمالا .

تعليق القراءة:

حاولنا من خلال مباحث دراستنا في هذه النماذج الشعرية توضيح مدى فاعلية النص المتمرد لدى الشاعر، خصوصا وأنها منشورة كانت في زمن الصولجان والمطرقة البعثية، غير أن الشاعر الأمارة من الذكاء والحنكة ما جعلها تصبو في حدود من الاحتمالات الممكنة وتوقعات المحتمل الدلالي، إذ إننا من خلال النماذج الشعرية المستعرضة والمدروسة، حاولنا توضيح عمق استقصائية شعرية قصائد الشاعر الأمارة عبر أغراضها (سيمانطيقا) المرسلة عبر فاعلية نوعية خاصة ومحكمة من بنيات التحول والمتحول في مستوى توقعاتها الدلالية المترشحة عن قابلية الأدوات والروابط الدلالية والعلائقية في مجال شعرية متينة وموثقة بعين المداليل التصويرية المحكمة، وبهذا تكاد تكون أبنية الشاعر متبلورة في أبعاد حسية تشكيلية تباغتنا حينا بلذة الدهشة والمفارقة والمفاجأة وحينا بجمالية الاكتشاف ونوعية التذوق لأعلى مكونات ومقولات شعرية النص المتمرد .

 

حيدر عبد الرضا

 

 

عدنان البلداوياللحن كما قال الفراهيدي (ترك الصواب في القراءة ..) وقال أبو علي القالي في كتابه الأمالي (لحَنَ الرجل يلحن لحنا فهو لاحن اذا اخطأ ..)

حظيت اللغة العربية بالرفعة والتكريم، فهي لغة القران الكريم، إضافة إلى ما تضمنته كتب الحديث والسنة وكتب التاريخ والأدب من روايات وأحاديث في تمجيدها والكشف عن ذخائرها البيانية والبديعية وقدراتها على المعاصرة وما حققته في ذلك رغم كل الحملات التي اتهمتها بالعجز عن مسايرة التطور الحضاري والتكنولوجي. 

فكيف دخل داء اللحن الى ربوعها ومتى ..؟ ثم ما الذي فعله المسؤولون من السلف تجاه ذلك الحدث الطارئ ..؟

لاشك في أن وراء ذلك عوامل مختلفة، نذكر منها على سبيل المثال مايأتي:

1 - لما جاء الإسلام ونزل القران الكريم عربيا، هيمنت هذه اللغة الشريفة على أجواء المسلمين من غير العرب، فتعلموها رغبة في العلم، وتبركا في تلاوة كتاب الله العزيز، حتى أصبحت الحال أن ليس في مقدور هؤلاء بطبيعة الخلق أن ينطقوا بها كأهلها، فارتضخوا أنواعا من اللكنة .

2 - إن حياة المدنية وما فيها من المظاهر الإجتماعية  والإقتصادية في الأسواق والمكاسب، وخروج القبائل من منازلها الى أجواء المدن التي كانت تحفل بالأجناس الأجنبية المختلفة، من أبرز المساهمات المتواصلة في تفشي داء اللحن ..

3 - إن مخالطة كثير من الأسر العربية لكثير من العبيد الخدم والجواري الإماء وغيرهم من الأجناس الأجنبية كان عاملا فاعلا في تفشي اللحن، ولا يخفى أثر هذه المخالطة في الحياة الداخلية لهذه الأسرة العربية ..

وعلى الرغم من توسع مصادر اللحن، فإن هناك عوامل مضادة ساهمت في صد ذلك الطغيان أو التقليل من شأنه، كهجرة القبائل العربية وتنقلاتها المتواصلة من الجزيرة، الحصن اللغوي المكين، الى الأمصار والمدن المفتوحة، ونخص المدن المفتوحة، لأن الفتوح قادت الى اختلاط الأجناس وقاد الإختلاط الى اللحن، ولايخفى ما لتلك الهجرة من أثر لغوي، لأنها كانت تمد العربية دائما بدفقات من دمها الأصيل وتغذيها مع كل هجرة بما فقدته بسبب الإختلاطات المضادة..

هذآ بالإضافة الى الجهود الفردية التي كان يقوم بها بعض الآباء بعدما أحسوا بخطر وباء اللحن، فبادروا الى إخراج أبنائهم من نطاق القصور والبيوت، وإلحاقهم بالبوادي او القبائل حينا من الزمن، ولولا تلك المحاولات ومآ شابهها لكان الفساد الذي لحق العربية أشد وأدهى فى الأوقات المبكرة الأولى.

ولا شك في ان هذه الدوافع الفردية لا يقوم بها الا من تعلق بالفصاحة تعلقا روحيا ، لأنها في مفهومهم جزء من الإيمان والعقيدة .. حتى أنهم كانوا يعتقدون ان اللحن يقطع الرزق، ويستعجبون ان يلحن التاجر ويربح، فمما يروى ان أعرابيا دخل السوق فوجد الباعة يلحنون، فضرب كفا بكف وصاح: سبحان الله يلحنون ويربحون

ولما كان عرب البادية يتكلمون بسلامة تامة، وبطلاقة لسان عربي مبين، يمثل الإنتماء الصريح الى الأصالة والنقاء، أصبح اللحن عارا على من يقع فيه من أشراف العرب ،لذلك لم يغفل القوم متابعة سلامة النطق ومحاسبة من يتهاون، وتحذير من يتعثر ..

وكان من شعاراتهم المتداوله (اللحن في الكلام أقبح من التفتيق في الثوب) و(اللحن هجنة على الشريف) و(تعلموا النحو كما تتعلمون السنن والفرائض) و(اللحن في الكلام أقبح من آثار الجدري في الوجه).

وسار اللحن في الكلام الفصيح يدب هنا وهناك لأسباب ذكرنا بعضها، ولكن رغم شيوعه كان يجد أمامه مقاومة عنيفة، تهذب وتقطع وتحسم وتستأصل، ولاشك في انها كانت مقاومة ذات وجهتين:

- وجهة نحو القضاء على اللحن كظاهرة تتعلق باللغة وسلامة النطق،

- ووجهة نحو مقاومة أنصار اللحن ومروجيه.

وفي ضوء هذه السطور الموجزة لابد من الإشارة الى بعض جوانب واقع الحال الذي نحن فيه الآن:

1 - آن المتكلم في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، اذا لم يجد سبيلا لنطق الصواب (في الأقل حسن استخدام علامات الرفع والنصب والجر وهي من أوليات الدراسة المتوسطة) فعليه تسكين أواخر الكلمات أهون من ان يطرق الخطأ سمع من ليس له إلمام بالقواعد فيحسبه صوابا .

2 - لاشك في ان الوقوع في اللحن لايتناسب ولاينسجم ولايتوافق على الإطلاق مع الخطيب، لأنه في الأقل درس (الأجرومية في النحو أو قطر الندى وألفية ابن مالك وغيرها كثير من قواعد العربية)

3- من شعراء العصر الحديث الذين دافعوا عن اللغة العربية الشاعر حافظ ابراهيم بقصيدته (اللغة العربية تنعى حظها )وهي القصيدة التي تحدث فيها على لسان اللغة وهي تشكو ماحصل لها:

رَجَعتُ   لِنَفسي   فَاتَّهَمتُ   حَصاتي

وَنادَيتُ   قَومي   فَاحتَسَبتُ   حَياتي

 

رَمَوني   بِعُقمٍ   في الشَبابِ  وَلَيتَني

عَقِمتُ   فَلَم   أَجزَع   لِقَولِ  عُداتي

 

وَلَدتُ   وَلَمّا   لَم   أَجِد   لِعَرائِسي

رِجالاً     وَأَكفاءً  وَأَدْتُ     بَناتي

 

وَسِعْتُ   كِتابَ   اللَهِ   لَفظاً  وَغايَةً

وَما   ضِقْتُ عَن  آيٍ  بِهِ  وَعِظاتِ

 

فَكَيفَ  أَضيقُ  اليَومَ  عَن وَصفِ آلَةٍ

وَتَنسيقِ     أَسْماءٍ       لِمُختَرَعاتِ

 

أَنا   البَحرُ  في  أَحشائِهِ  الدُرُّ  كامِنٌ

فَهَل   سَأَلوا الغَوّاصَ  عَن  صَدَفاتي

 

فَيا   وَيحَكُم   أَبلى  وَتَبلى  مَحاسِني

وَمِنكُم   وَإِن   عَزَّ   الدَواءُ   أَساتي

 

أَرى    كُلَّ    يَومٍ   بِالجَرائِدِ   مَزلَقاً

مِنَ   القَبرِ     يُدنيني    بِغَيرِ    أَناةِ

 

وَأَسْمَعُ   لِلكُتّابِ   في   مِصْرَ   ضَجَّةً

فَأَعلَمُ      أَنَّ     الصائِحينَ     نُعاتي

 

أَيَهجُرُني    قَومي   عَفا   اللَهُ   عَنهُمُ

إِلى     لُغَةٍ     لَم     تَتَّصِلِ     بِرُواةِ

 

سَرَت  لوثَةُ  الإِفرِنجِ فيها كَما سَرى

لُعَابُ   الأَفاعي   في   مَسيلِ  فُراتِ

أنشد الشاعر القصيدة عام 1903، وكانت مصر ومعظم الدول العربية في تلك الفترة تحت الإحتلال الأجنبي. ونشأ نتيجة للإحتلال ثقافة فكر يحارب الثقافة العربية والإسلامية، ويقلل من شأن اللغة العربية، وينظر إليها على أساس أنها لغة متخلفة لا تصلح للعلم، ويجب إحلال اللغة الإنكليزية محلها، وسايرهم في هذا الإتجاه بعض المثقفين العرب الذين نادوا بأن تكون اللغة الإنكليزية هي لغة التعليم، وكادت تطبق تلك الفكرة لولا الجهود التي بذلها علماء الأزهر وقيادات الأحزاب الوطنية المصرية وكثير من رجال الفكر، وكان الشاعر حافظ إبراهيم في هذه القصيدة المعبرة من الذين ساهموا في محاربة تلك الفكرة.

وفي الختام نصلي على نبينا الأكرم الذي كان أول من بادر الى متابعة سلامة اللغة العربية بطبعه وأصالته، وقد سأله احدهم عن عظيم فصاحته فقال:

(أنا من قريش ونشأت في بني سعد فأنـّى لي اللحن) وكان من متابعاته عليه الصلاة والسلام أن لحن رجل أمامه فقال: (ارشدوا أخاكم فقد ضل) ثم تبعه الخلفاء من بعده ما بين مرشد وموجّه ومقـوّم.

 

عدنان عبد النبي البلداوي

 

الكبير الداديسيوقفة مع "زينة" آخر رواياتها

شاءت الأقدار أن تفل شمس نوال السعداوي الكاتبة والناشطة المهتمة بشؤون المرأة العربية مع إشراقة شمس ربيع 2021 بعد 90 سنة من العطاء أسست خلالها عدة جمعيات للدفاع عن قضايا المرأة منها (جمعية تضامن المرأة العربية والمؤسسة العربية لحقوق الإنسان). لتترجل عن صهوة النضال مثقلة بالجوائز والدرجات الفخرية أهمها (جائزة الشمال والجنوب من مجلس أوربا وجائزة إينانا الدولية من بلجيكا وجائزة شون مأكبرايد للسلام من من المكتب الدولي للسلام بسويسرا.....)

والأكيد أن ما سبقى خالدا هو ما فاض من أناملها وفكرها والذي جمعته في أزيد من أربعين مؤلفا ومئات الدراسات والمقالات والحوارات ستبقى مراجع لكل من يقترب من موضوع المرأة، وضمن هذا الكم الهائل تتلألأ إحدى عشرة نجمة (رواية) لا تبتعد كثيرا عن القضية التي ظلت تشغل نوال طيلة حياتها وهذه الروايات هي:

رواية موت الرجل الوحيد على الأرض.

رواية كانت هي الأضعف.

رواية جنات وإبليس.

رواية الصورة الممزقة.

رواية امرأة عند نقطة الصفر

رواية الأغنية الدائرية.

رواية سقوط الإمام 1987ترجمت إلى 14 لغة

رواية الرواية

رواية امرأتان في امرأة

راوية الحب في زمن النفط.

رواية زينة 2009

ولعل خير ما ننعي به الراحلة نوال السعداوي وقفة قصيرة مع آخر رواياتها: رواية زينة وهي رواية صدرت في طبعتها الأولى سنة 2009 عن دار الساقي في ما يزيد عن 300 صفحة من الحجم المتوسط....

تحكي الرواية قصة امرأة (بدور) تنحدر من أسرة معروفة فأبوها اللواء أحمد الدامهري(كان ضابطا في الجيش حين قامت الثورة ... حصل على منصب مدير عام أو أمين عام مؤسسة الثقافة الجديدة)[1] . تعرفت في مظاهرة تطالب بإسقاط الملكية على شاب (نسيم ) أعجبت به ودخلت معه في علاقة نتج عنها حمل خارج مؤسسة الزواج، بعد اعتقاله ووفاته تحت التعذيب وضعت فتاة (زينة) ، اضطرت للتخلص منها بتركها في الشارع بعد عجزها عن مواجهة المجتمع وتقاليده ، التقطتها وربتها امرأة فقيرة (زينات) ... تمكنت بدور من تجاوز محنتها وواصلت حياتها وتزوجت من الصحفي زكريا الخرتيتي وأنجبا ابنتهما (مجيدة) ؛ تبتدئ أحداث الرواية بالفتاتين (زينة ومجيدة ) في المدرسة، والمعلم يطلب من تلامذته كتابة أسماءهم الثلاثية على السبورة، وفي الوقت الذي يفتخر كل تلميذ بمن فيهم مجيدة باسمه واسم أبيه وجده، لا تجني زينة سوى وسخرية التلاميذ من اسمها (زينة بنت زينات)، لأن المجتمع يعتبرها ابنة زنى لا أب لها، من هذه البداية تشرع نوال السعداوي في تشريح الواقع المصري، ومنه الواقع العربي، موجهة سهام نقدها للتقاليد، وفساد السياسة ورجعية الفكر الديني الذكوري، و تحالف الجماعات السلفية مع السلطة في مصر وتسخيرهما للإعلام من أجل توجيه الرأي العام والتأثير فيه وفق ما يخدم أجندتهما، وبالتالي فالرواية تندرج ضمن مشروع نوال السعداوي والذي تحملت من أجله الكثير.

رغم كثرة بطلات الرواية (مجيدة، بدور، بدرية، صافي، زينة،زينات..) فالكاتبة اختارت اسم زينة دون غيره من الأسماء عنوانا للرواية لأسباب كثيرة حددت الساردة بعضها بقولها: ( لأنها جاءت من قاع المدينة وصعدت إلى قبة السماء، لأنها حولت أصعب مأساة إلى انتصار مفعم بالبهجة والثراء، لأنها تعزف النغمة الصحيحة في اللحظة الصحيحة في هذا الزمن الرديء، لأنها تخلع الأقنعة عن الوجوه المحجبة،تفضح الكذب والزيف )[2]، وفي ذلك الاختيار قصدٌ من نوال السعداوي لإظهار أن المرأة بموهبتها وحريتها وليست بمكانتها الاجتماعية واسم عائلتها، فزينة فرضت نفسها على المجتمع دونما حاجة لسلطة الأب والنسب، ودون الحصول على شهادة جامعية، أو الانتماء لطبقة اجتماعية أوغيرها من الوسائط التي تتوهم بعض النساء أنها ضرورية لترقي سلم الشهرة والمجد ، باختيار (زينة) عنوانا دون باقي النساء الأخريات وفيهن المثقفة، والكاتبة الصحفية، والمنحدرة من أسرة عريقة، والتي يسندها اسم الزوج أو الأب ... تعلن نوال السعداوي من خلال الرواية رفضها لنموذج المرأة الخانعة المستسلمة ومن تم رفض اختزال المرأة في الجسد واعتبارها مجرد أداة لمتعة الرجل أو بضاعة للمتاجرة والمضاجعة وإشباع غرائزه ونزواته في مقابل ذلك تعلن تأييدها للمرأة المعتمدة على طاقتها ومجهودها الشخصي وهو النموذج الذي طالما دعت إليه نوال السعداوي ودافعت عنه .

من الناحية الفنية القصة تحكيها الساردة " مجيدة الخرتيتي " ابنة "زكريا الخرتيتي" و"بدور الدامهيري" يتراوح السرد بين زمن الحاضر؛ اللحظة الآنية التي تعيشها الساردة اليوم و بين الماضي إذ يرتد السرد إلى أحداث سلفت فيذكِّـر بما عاشه الأبطال في طفولتهم، وما أنتج حاضرهم المرير المحبط والمشبع بالتناقض، هكذا يغوص السرد في طفولة بدور الدامهيري منذ كانت طفلة تلعب مع ابن عمها أحمد وحبه لنفسه ورغبته في امتلاك ما ليس له كما تجلى في اغتصابه وتدميره لدميتها[3]، وصدمتها عند اكتشاف أبيها يغتصب طفلا أعرج من أطفال الشارع؛ ليكون لهذين الرجلين أكبر الأثر في حياتها، تقول الساردة عن بدور وهي تكتشف فعل أبيها: (تصورت لأول نظرة أنهما جسد واحد ثم انتبهت إلى أنهما جسدان، جسد أبيها وجسد الطفل الولد الأعرج من أولاد الشوارع، عمره ثمانية أعوام مثل عمرها )[4]

مرورا بمرحلة المراهقة،وحماس الشباب، وخروجها في مظاهرات ضد الملكية، وتعرفها على نسيم وتعلقها به وإنجابها لزينة سفاحا، وقبولها الزواج عقب ثورة 1952 من زكريا الخرتيتي مدير صحيفة،الصحفي الانتهازي الوصولي رغم عدم حبها له،ليكون الرجل الثالث المؤثر في حياتها لأنه (يحبها ويكرهها في آن واحد،وهي أيضا تعاني الازدواجية تريده ولا تريده،تحبه وتكرهه)[5].. هكذا عاشت تعيسة وهي أستاذة للنقد الأدبي المرموقة في الجامعة، وكذلك عاشت ابنتها مجيدة تعاني في صمت من كثرة مشاجرات أبويها، ومع ذلك واصلت مجيدة مثل أمها دراستها بنجاح، وغدت صحفية لها عمود خاص دون أن تكون لها رغبة أو موهبة في الصحافة، مما جعلها تحلم طيلة حياتها أن تكون لها موهبة زينة ابنة زينات وشخصيتها القوية المتحررة.. بتتبع أحداث الرواية يتضح أن نوال السعداوي أغرقت أبطالها في واقع فاسد واختارت أن تخلص الشخصيات الإيجابية "النموذجية" التي تمثل وجهة نظر الكاتبة (زينة، والصحفي أحمد محمود) تعبيرا منها عن تفضيل الموت على العيش في الفساد والسكوت عليه... واستمرت في تعذيب باقي الشخصيات الخانعة والفاسدة بإغراقها في المعاناة و الأمراض النفسية الحادة ( مجيدة، بدور، أحمد الدامهيري زكريا الخرتيتي..)، كل منهم يحمل همومه، وتبقى بدور المتواطئة بصمتها وخنوعها خير من يمثل ملامح من هذه الأمراض النفسية في الرواية، وعبرت عن ذلك من خلال كتابة رواية بطلاها نعيم وبدرية، وهي الرواية التي حكت فيها ما لم تستطع قوله في علاقتها بزوجها، تلك الرواية التي سيسرقها منها زوجها زكريا الخرتيتي وينسبها لنفسه لتنتهي رواية( زينة) بوفاة بدور عند اكتشافها لهذه السرقة تقول الساردة في آخر سطور الرواية (تمددت بدور الدامهيري على الرصيف .. جفونها نصف مغلقة، نصف مفتوحة، صدرها لا يعلو، لا يهبط لا شيء فيها يتحرك، إلا ثوبها القطني الأبيض الخفيف، يحركه الهواء، ترفعه الريح، عن جسدها الراقد فوق الرصيف..)[6] وبذلك تكون نوال السعداوي قد اختارت نهاية مأساوية لبطلتي روايتها، كاعتراف منها بالفشل في تغيير الواقع، فقتلت زينة بطلقات نارية من المتعصبين بعد إدراج اسمها ضمن لائحة الموت، وقتلت بدور عقب فشلها في تغيير سلوك زوجها، واكتشافها سرقته لروايتها ، ومن تم وقفت الرواية في حدود الواقعية الانتقادية التي تكشف تناقضات المجتمع دون الرقي إلى مستوى الواقعية الاشتراكية التي يثور فيها الأبطال على واقعهم ويغيرونه

تميزت رواية زينة بعدة خصائص سردية تكاد تفردها عن غيرها من الروايات فقد كتبت الرواية بتدفق سرد طبعه التكرار دون أن تعمد الكاتبة إلى تقسيم المحكي إلى فصول ومشاهد فلم تتضمن الرواية أية عناوين أو أرقام... ليجد القارئ نفسه ينتقل من حدث إلى آخر، ومن مكان إلى آخر، ومن شخصية إلى أخرى ومن الحاضر إلى الماضي ... دون مؤشرات تساعده على ذلك الانتقال، وكأننا بالساردة، من خلال تداخل الأحداث، تتعمد ذلك في إحالة على مجتمع انعدمت فيه القيم واستشرى فيه الفساد، وتداخلت فيه أدوار المؤسسات الإعلامية، بالسياسية، بالدينية، بالأكاديمية، فلم تجد الساردة أمامها سوى تقديم مادة حَكيِها مادة هلامية لا يفصل بين مكوناتها حدود، عصية على التصنيف والتبويب يسهل فيها على الأبطال الانتقال من اليسار إلى اليمين، أهم ما يربط بين الشخوص هو النفاق والخيانة والتلوين والظهور بخلاف ما في الباطن ... صور تكرر نفسها في واقع ممسوخ، لذلك تجاوزت المؤلفة طرق التكرار المألوفة ؛ كتكرار الجمل والمعاني إلى تكرار نفس الأحداث والأوصاف والقضايا بل وتكرار مقاطع وفقرات بنفس الكلمات حتى ليشعر القارئ وهو يتقدم في القراءة، وكأنه يعود لقراءة مقاطع وصفحات سابقة أو أن هناك أخطاء في الطبع نتج عنها طبع تلك المقاطع أكثر من مرة، والأكيد أن لذلك مبرره عند المؤلفة، فقد تكون تتغيى محاكاة النصوص الدينية التي ما انفكت تسخر منها، وتوجه انتقادات لاذعة للنصوص المقدسة الثلاثة ( القرآن، الإنجيل والتوراة) التي تقلل من شأن المرأة في نظرها.. كما قد يكون في الكاتبة باعتمادها على التكرار توجيه سهام نقدها لثقافة تقوم على اجترار قيم وأحكام جاهزة متوارثة "منبوذة" خاصة في التعامل مع المرأة فتكررت في الرواية مرارا أحكام تعتبر المرأة ناقصة عقل ودين، المرأة مدنسة، النظافة من الإيمان والنجاسة من النسوان (النسوة أسوأ المخلوقات، النسوة حليفات الشيطان )[7]...

الرواية نقد لاذع للواقع العربي، وللفكر الذكوري في هذا المجتمع، حتى ليمكن أن نطق عليها (رواية رأي)، ذلك أن الكاتبة تكاد تمرر مواقفها عبر مختلف شخصيات الرواية، فلم تكن مجيدة سوى صوت نوال السعداوي في الرواية وكذلك كانت زينة، وتقمصت بدور نفس الدور فغدت تنطق بأفكار في السياسة والدين طالما كررتها نوال في حياتها، فنجد الساردة تتخلى عن دورها في سرد أحداث الحكاية إلى الانفعال والاحتجاج بل تجنح أحيانا إلى مقارعة القارئ المفترض وتحاول إقناعه بصواب رأيها، تتصيد أي موقف أو كلام من الشخصيات لتمرر رسائلها، ومهاجمة الرجل الذي ترى فيه نموذجا لكل أنواع الشر يغتصب الأطفال لا يحركه إلا الجنس ولا يتورع في اغتصاب كل ما يحمل نسمة أنثوية أو جنسية حتى الدمى، لا تفرق في ذلك بين الطفل الصغير و الرجل الكبير هكذا قدمت رجل الدين والأمير أحمد الدامهيري وهو ابن ثماني سنوات يغتصب دمية بدور وكأنه مدمن جنس (أخذها معه تحت السرير خلع عنها الثوب الرقيق من الدانتيلا تمزق الكيلوط الوردي الشفاف بين يديه وهو يشده أسفل ساقيها بحثت عيناه وأصابعه عن الشق بين الفخذين دون جدوى .. كان الطريق أمامه لا يقوى على اختراقه ...)[8] . مما يجعل أي قارئ يتساءل هل يوجد فعلا نموذج لهذا المستوى من البشر، وهل تتملك الرغبة الجنسية الجامحة طفلا ابن ثماني سنوات إلى هكذا سلوك ... وإذا كانت الرواية قد قدمت الطفل بهذه الصورة،فلا غرابة إن جعلت الرجل الكاتب المتزوج يغتصب طفلا أعرج من أبناء الشوارع، ويتكلم بعكس ما يبطن، يسرق مجهود النساء المادي والمعنوي، ورمزا للخيانة، (عقله فارغ ليس فيه إلا الحيض والنفاس والرضاع)[9] بل أن الكاتبة تدفع شخوص الرواية الذكور إلى تكرار نفس الأحكام فتجعل الطبيب النفسي يقول لصديقتها صافي ( إنتي يا صافي أستاذة عظيمة عندها عقل ) ويضع كل الرجال في كفة واحدة فيقول لها : (كل الرجالة ورق، كلهم مرضى، كذابين منافقين مزدوجين)[10] وحتى الشخصية التي نزلت عليه كل سياط نقدها (زكريا الخرتيتي) جعلته يعترف في آخر الرواية بعد ابتعاد بدور عنه فيقول (نحن الرجال لا نتراجع عن الخطأ حتى تجبرنا المرأة على ذلك... نحن لا نعرف قيمة المرأة حتى نفقدها هناك شيء معطوب في الرجال .. إنه تاريخ مكتوب قبل أن نولد، كتبته الآلهة والرسل والملوك والفراعنة نحفظه عن ظهر قلب مند الولادة حتى الموت ..) [11] وهو كلام نوال السعداوي، ولا يمكن أن يصدر عن رجل تقدمه على أنه أناني سلطوي لا يرى في المرأة إلا مصدر متعة يجري وراء الفتيات يغتصب الأطفال لا يهتم لزوجته أبدا ..

يتضح إذن أن رواية زينة تكاد تقتصر على انتقاد الواقع فترصده نوال السعداوي من خلال نظارتها السوداء، فلا ترى فيه ذرة خير، انعدمت فيه القيم، وتساوت فيه كل المتناقضات، المرأة فيه محتقرة مضطهدة، والرجال أشرار قساة لا يرحمون، والعلاقة بينها مبنية على الصراع وغاية كل طرف تدمير الطرف الآخر، وإن كانا يعيشان تحت سقف واحد، وكل ما يحمله أو يلمسه بطل قادر على أن يتحول إلى أداة جريمة، فأصابع الرجال قضبان حديدية تغتصب النساء، والسكين في يد بدور تقطع به الخبز تتصور يخترق صدر زوجها زكريا ..

وبقدر هجومها على الرجال تقسو الرواية بعنف أيضا على النساء المستسلمات المتخاذلات الفاشلات في انتزاع حقوقهن من الرجل زوجاً كان أم أباً، أخاً أم قريبا . بل إن الرواية لم تختر من الأبطال إلا الذين يعانون انفصاما وازدواجية في الشخصية، فجعلت معظمهم (بدور وزوجها وأبوها وابنتها مجيدة وصديقتها صافي وابن عمها ) يترددون على طبيب نفسي و يتناوبون على نفس الأريكة يبوح كل منهم بما يـجثم على صدره: (فوق الأريكة ذاتها كان زوجها زكريا الخرتيتي ممدودا يشكو للطبيب آثامه وأحزانه، وابنتها مجيدة تمددت أيضا فوق الأريكة، تفتح قلبها للطبيب النفسي، .. وصافي صديقة بدور والأمير أحمد الدامهيري تمدد فوق الأريكة ..)[12] والأغرب أن الطبيب، الذي يقصدونه، مريض في حاجة لمن يعالجه (يستخدم الأريكة لعلاج نفسه من الحرمان الجنسي ينكح من النساء ما يشاء أحل الله له النكاح بعد حصوله على درجة الدكتوراه في الطب النفسي)[13] وأكثر من ذلك ترى فيه ازدواجية منذ طفولته تقول فيه الساردة (أدرك الطبيب النفسي أنه مريض، يحتاج إلى طبيب يعالجه، الانفصام بين عقله ووجدانه، عقله غير مؤمن، لكنّ وجدانه مؤمن، لا أمل له في الشفاء، محكوم عليه بالازدواجية منذ الطفولة) .

ما قدمته نوال في روايتها عالم فوضوي، عالم سرَى فيه الفساد، واندحرت في المبادئ والقوانين، وغدا الشاذ مصدر القياس بعدما مسخ المجتمع طبقة واحدة تشابهت فيها مختلف طبقات المجتمع وشرائحه فالأغنياء كما الفقراء، والسياسيون والصحفيون ورجال الدين والأساتذة الجامعيون وغيرهم شخصيات شاذة تعاني انحرافات خطيرة في السلوك دون أن تراعي نوال السعداوي في ذلك خصوصية المسجد، الكنيسة، البيت، الجامعة فتساوى في نظرها الماركسي برجل الدين، تقول في أحد المقاطع على لسان صافي (كانوا شبه بعض في كل حاجة،في الشغل السري، في النشاط السياسي، في النشاط الجنسي، شبه بعض في كل حاجة، حتى الخيانة والكذب والمراوغة وعشق السرية والتخفي، وإخفاء الفساد والتشدق بكلمات كبيرة أوي، تحت اسم ربنا الله، أو ربنا كارل ماركس ...)[14] ... وكأن هدفها كشف عورة المجتمع المصري على امتداد تاريخه الحديث ابتداء من الملكية، مرورا بثورة الضباط الأحرار وشعاراتها الاشتراكية، فمرحلة الانفتاح وانتهاء إلى مرحلة تحالفت فيها مصالح الخطاب الديني المتطرف مع خطاب رجال السياسية والعسكر ضد تطلعات الفئات الفقيرة...

تبدو اللغة في رواية (زينة) مكتوبة بطريقة مسترسلة متناثرة وكأن الكاتبة لم توليها عناية المراجعة الأخيرة قبل الطبع، صحيح أن الرواية خالية من الأخطاء المطبعية الفجة، ولكن طريقة كتابتها في حاجة إلى إعادة تنظيم الأفكار، وحذف المقاطع المكررة، كما أن الرواية تحمل بين طياتها أحكاما قاسية على المجتمع المصري برجاله، أطفاله ونسائه، وقد يجد القارئ صعوبة في تسويغ كيف تمكنت زينة المولودة سفاحا والتي عاشت على حواف المجتمع ورغم قساوة حياتها .. وأن تنشأ بتلك الشخصية القوية والجمال الأخاذ، فلم تتوان نوال السعداوي لحظة في أن تـُـلبس زينة من أوصاف الجمال والثقة في النفس وقوة الشخصية ... حتى كادت في بعض اللحظات أن تجعل منها ملاكا يمشي على الأرض، ففي زينة التقت كل تناقضات الجمال (العينان سوداوان زرقاوان مشتعلتان بالضوء، متوهجتان مثل قطعة من الشمس، نظرتها خارقة للحُجب والأقنعة، نظرة تعرّي السطح وتنفذ إلى القاع، نظرة تنظر وترى، ترى ما لا تراه العيون) [15] واستطاعت بعزيمتها أن تفرض نفسها على الجميع، فجعلت منها الرواية شمسا تنمحي أمامها كل الكواكب والنجوم، وإذا غنت اهتزت القلوب وما تحت الجوانج ودار حولها المعجبون (كما تدور الأرض حول الشمس) وكأن الكاتبة تريد تمرير فكرة أعداء الأسرة (أندري جيد، سارتر، نيتشه) الذين لا يرون في الأسرة إلا تكبيلا للفرد، وقيودا تمنعه من تحقيق رغباته، وتحد من حريته... فما دام أبناء الشوارع قادرين على كسب كل هذه الثقة والكاريزم في الشخصية فلا داعي إذن حسب نوال السعداوي للأسرة التي لا تنبني ـ حسب الرواية ـ إلا على الخيانة، والفساد والكراهية: الزوجة غير متفاهمة مع الزوج تعرف أنه يخونها مع الخادمات والسكريتيرات (في الليل يتسلل من فراشها إلى الخادمة في المطبخ،أو السكريتيرة في المكتب، لا يشتهي إلا الفتيات الصغيرات من الطبقة الدنيا)[16]. و( إن قال لها أنه خارج لحضور اجتماع أو مؤتمر تدرك أنه ذاهب لليلة حمراء مع إحدى النساء أو البنات)[17]. وإن سئل يحاول أن يبرر أفعاله .. وخيانته لزوجته بقوله (زوجتي لم تمنحني إلا التعاسة، أنا زوج تعيس لم يذق طعم اللذة في سرير الزوجين)[18] ... والبنت تقف شاهدة على أبيها يمارس الجنس على معاق قاصر من أبناء الشوارع. والمرأة المثقفة (صافي) جربت الزواج بكل أصناف الرجال الماركسي، رجل الدين، والكاتب المثقف..) ولم يكونا سوى صورة واحدة للنفاق والخيانة... لتحكم الكاتبة على الأسرة بغياب التفاهم بين الزوجين ومن تم الفشل في تربية الأبناء (العائلة الواحدة تضم التيارات المتضاربة يخرج من ضلع الأب المؤمن ابن ملحد، ومن رحم الأم المسلمة ابنة ماركسية، ينضم الزوج إلى حزب اليمين، وتدخل زوجته حزب اليسار، يصبح الأخ مع الحكومة، وأخته في المعارضة،... تتجمع العائلة في المآتم والأفراح يتبادلون العناق والقبلات، ثم يخرجون إلى ساحة الصراع يوجهون بعضهم إلى بعض الضربات من تحت الحزام ومن فوقه)[19]

عكس كل ذلك تطلع زينة طاهرة عفيفة ذات موهبة عالية في الموسيقى غناء وعزفا، أخلاقا وسلوكا، رمزا للعفوية والطبيعة، ونموذجا للحب الصافي والحرية لم يتمكن أكثر الرجال ممارسة للاغتصاب من النيل منها وهي بعد صبية غرة تقدم نفسها بقولها: أنا... لست ابنة الآلهة أو الشياطين، أنا زينة وأمي زينات أمي أعز عني من السماء .. أنا ابنة الخطأ والخطيئة، أنا ابنة الشرف والفضيلة ..) [20] .

هكذا تجعل الرواية من عالم الشوارع وعالم حواف المجتمع، مدينة فاضلة يسودها العدل والإخلاص والتضامن عالم (يحظى فيه اسم الأم بالشرف الكامل.. لا تفرق فرقة مريم بين دين ودين) [21]خلاف المجتمع بقوانينه الوضعية والشرعية والذي يفسد السليقة والفطرة، الأطفال على براءتهم (يتلقون الضربات والصفعات والركلات بكعب الحذاء، يملأون آذانهم الصغيرة بأبشع أنواع السباب من أول يا أولاد الزنى، إلى يا أولاد القحبة والشرموطة) فمن الطبيعي أن تنتقد الكاتبة عالما (يرقد فيه الأطفال على الأرض في غرفة واحدة مع كبار القتلة، وتجار المخدرات والقوادين والحشاشين، يعتدي الذكور الكبار على الأطفال، يتم الاغتصاب في الليل داخل الصمت تذوب صرخات الطفلة أو الطفل في الشخير الذكوري)[22]

وفي كل ذلك طرح ونظرة رومانسية ترفض واقعا مريرا تجسدت فيه كل مظاهر الفساد والشذوذ... وتنشد عالما مثاليا للمرأة فيه وضع اعتباري.... لكن رغم رومانسية الفكرة فإن الكاتبة تناولتها بانتقاد شديد للواقع، ولم تهرب إلى الطبيعة لتبكيها أحزانها بل سلطت معول انتقادها على كل من تعتبره مسؤولا عن هذا الوضع .. وكأننا بنوال تعود في أواخر عمرها لمعالجة قضايا أطفال الشوارع التي سبق أن تبنتها وقدمت بشأنها مشروعا للسلطات المصرية تطالبها بحق أبناء الشوارع في اسم يليق بهم ويصون كرامتهم، والدعوة إلى اقتران اسم الولد أو البنت باسم أمها وهو ما سعت الرواية إلى تكريسه من خلال ربط زينة بزينات حتى وإن لم تكن أمها الحقيقية وجعل زينة ترى في ذلك مصدر قوتها ولم تتوان لحظة في الافتخار بأمها التي ربتها، في مقابل ذلك تخشى وتخجل مجيدة من ذكر اسم أمها رغم مكانتها في المجتمع.. فألفينا الكاتبة تدفع زينة إلى كتابة اسم أمها (فوق السبورة أمام أعيننا دون حياء، تفتخر بأمها زينات، كنا نحن نخجل من ذكر أسماء أمهاتنا بصوت مسموع، ولا يمكن أن نكتبه فوق الكراسة فما بال السبورة، لم تكن أمي خادمة بيوت مثل كانت أمها، كانت أمي الأستاذة الكبيرة ...)[23] وبذلك تنجح نوال في الرواية فيما لم تنجح فيه بالواقع، بنجاح زينة التي تعتبر النسب إلى الأم مصدر افتخار واعتزاز..

الرواية إذن رواية انتقادية بامتياز فأينما وليت وجهك تجد انتقادا لاذعا فالرواية تنتقد الرجل كما تنتقد المرأة الخانعة، تنتقد المجتمع، تنتقد الأعراف والتقاليد، تنتقد القوانين الوضعية والشرائع السماوية، تنتقد الحاكمين والمحكومين، تنتقد الفقراء والأغنياء،، تهاجم اليساريين واليمينيين، ولم يسلم من نقدها اللاذع أهل الصحافة والأدب والثقافة والفكر فهي تكرر في الرواية أكثر من مرة أن النقاد ليسوا سوى ماسحي أحذية، وأن مهنتهم مهنة طفيلية تقتات على دم الآخرين (مهنة النقد الأدبي متطفلة على الأدب الحقيقي والفن، مثل الديدان الشريطية، نحن نقاد الأدب لسنا إلا مبدعين فاشلين نغوص في فشلنا بنقد أعمال الآخرين .. نحاول الوصول إلى الأضواء عن طريق تلميع إبداع الآخرين نحن مثل ماسحي الأحذية) [24] في الرواية إذن لم يسلم أحد عدا (زينة) من نقد نوال السعداوي ويطال نقدها الشيطان والله أيضا فتضعهما في كفة واحدة، الله والشيطان اللذين يحتقران المرأة ، يتسللان لعقول الرجال لترسيخ النظرة الدونية للمرأة فالمسؤول عن نظرة زكريا للمرأة في نظر الكاتبة هما الله والشيطان تقول ( الله وإبليس كانا قد تسلل إليه مع لبن الأم، أصبحا راسخين في أعماقه كالإسمنت المسلح، هما معا، لا يوجد كونٌ دون إله وشيطان، ولا يشغلهما شيء إلا النساء، مثل الذكور)[25]، وأحيانا كثيرة تضع أبطالها في وضعيات يصعب عليهم التمييز بين صوت الله وصوت إبليس تقول على لسان بدور وهي تخاطب نفسها (هذا صوت الشيطان يا بدور ليس صوت الله، وإن كان صوت الله فما الفرق بيه وبين صوت إبليس.... إن منعك الله من لذة الحياة الحية، فهو ليس الله، إنه إبليس يا بدور ...)[26] .. فكانت الرواية بذلك ثورية على كل ما في المجتمع لكن ثورتها كانت فوضوية انتقادية لم تقدم حلولا وكأنها رفض من أجل الرفض فقط، ولكن الكثير من هذه التناقضات والمفارقات التي لا يقبلها عقل سواء ما تعلق منها بالفوارق الطبقية الاجتماعية خاصة إذا ما قارن القارئ بين مجيدة وزينة، أو بالفوارق السردية إذ لم تترك الكاتبة الحرية للشخصيات ليتطوروا مع الأحداث وإنما كانت مواقفها هي الطاغية على كل خطوة يخطوها أبطال الرواية مما جعل من الرواية تتجاوز بعض الخطوط الحمر وتكشف عيوباً وأقنعة: إدارات حكوميّة ينخرها سوس الفساد، وشيوخ يستغلّون الدين بغية الوصول إلى المآرب الدنيوية، وصحافة مرتهنة لأهل السلطة تستر ارتكابات المتنفّذين وتدّعي زوراً الدفاع عن الحريّات العامّة وحقوق المواطن والمظلومين، وصحافيّات طارئات على المهنة يتسلّقن أكتاف الموهوبين المتواضعين طمعاً بالجاه والضوء، وأقلام تُباع وتُشترى في وضح النهار.

 

ذ. الكبير الداديسي

............................

[1] - ص - 16

 

[2] زينة، نوال السعداوي دار الساقي الطبعة الثانية 2010 ص 271

[3] - ص – 219 - 220

[4] - ص - 128

[5] - ص - 130

[6] - ص- 318

[7] - ص - 223

[8] - ص – 219

[9] - ص – 140

[10] - ص – 157

[11] - ص - 296

[12] - ص - 179

[13] - ص - 122

[14] - ص - 155

[15] - ص - 212

[16] - ص - 100

[17] - ص - 172

[18] - ص - 188

[19] - ص - 142

[20] - ص – 210 – 211

[21] - ص – 225

[22] - ص - 225

[23] - ص - 112

[24] - ص - 39

[25] - ص – 297

[26] - ص – 184 - 185