في اليوم العالمي للشعر

"في واحدة من لحظات إحساس الإنسان بواقعه ثقيلا، وعشية رغبة الانسان في تجاوز اللحظة/ الآن، ظهر الشعر كواحد من ممكنات ذلك التجاوز، نظرا لما شكله من قوة دافعة تلغي كل تناقض أو فجوة، ونظرا لما يحمله من قدرة فائقة ورائعة على فسح المجال أمام التخيل والخيال، بما يحمله ذلك من معاني الانتقال التاريخي العظيم من الطبيعة إلى الثقافة. وليست لحظة الشعر هروبا من مواجهة الواقع، ولاينبغي لها أن تكون، وليس قولا مغاليا في الترف والبعد عن جوهر المعيش، وليس تغريدا وغناء أو هلوسة وطنينا وأنينا وحنينا ورنينا....إنما لحظة الشعر، والشعر، والقول الشعري، والقصيدة، والعالم الشعري والأفكار والرؤى الشعرية... كلها عناصر حياة توثق الصلة والعلاقةبين الشاعر والحياة، وبين الشاعر والوجود، وبين الشاعر والواقع، وبين الشاعر والعالم....

إن الشعر، كل الشعر ، ضرورة تاريخية، وصورة عميقة عن الانسان، والواقع والحياة، وتلك مهمته أبدا".

2328 قراءة في كتاب

الشّعْرُ غِذَاءُ الرُّوحْ

نَظْرَةٌ وَ قِرَاءَةٌ فِي دِيوَانِ؛ "أًنْفَاسٌ تَحْتَ كِمَامَةِ"للكاتب :محمد آيت علو

بريِشَةِ الباحث المبدع: نُورُ الدّينِ النّونِي.

من جميلِ مَا تنْعمُ بِهِ النّفْسُ البشرِيّةُ؛ آلَةُ الْبَيَانْ

فَإِن أَحْسَنَتْهُ والتَوْظِيفَ الجيد أتقنتهُ، عَاشَتِ الاِسْتِقْرَارَ العاطفي بجُلّ تَلْوِينَاتِهِ، وَإِنْ ضيّعتهُ وَعَنِ الوَعْيِ غَيّبَتْهُ لامَسَتِ النّكدَ وَأَيُّ نَكَدٍ هُو!!، وَلَمّا كَانَ الأمر كَذلكَ آثَرْتُ أَنْ أَتّكِئَ على قلمِي لاَفِتًا النّظر ومُوَجّهًا سهام الفكر لا راغبًا فِي النّقْدِ، إِلَى دِيوَانٍ النفس تشتاقُ لاسْتِنْطَاقِهْ والنّهْل مِنْ غزيرِ فنّهْ والعيش بين تلاَوين صيغهْ، فَهُوَ المَرْجِعُ الرَاجِحُ وَالمِقْيَاسُ الْوَاضِحُ، الزَّاخِرُ بِكُلّ مُقَوّمَاتِ الحَقّ التّي مرّتْ بِنَا في سنَةٍ هِي؛ الأثقلُ وَلاَ شَكْ.

إن دأبَ الكاتب؛ "محمد أيت علو" في تأَلِيفه الجمة وتصانيفه الفذة ، التي حُفت بوفير عناية وجميل رعاية، دائرة في درب إرسال النفس على سجيتها طارقة كل الأبواب التي من شأنها أن تقارب هموم الإنسان شعرا ونثرا، ويعد ديوان؛ "أَنْفَاسٌ تَحْتَ الْكِمَامَةِ" من الأعمال الأدبية التي تفجرت من نبع واحد همه الإنسانية جمعاء، والتي عانت الغموض جراء وباء كان أثره أقسى على النفس، ذاقت البشرية من ورائه مرارة الفقدان بلا سابق إنذار، وتأتي مقاربتنا هذه لتطرق عتبة من عتباته محاولة نفض الغبار عن إيحاءاته وتعالقاته ودِلالاته المفترضة والمختزلة في الذاكرةِ الأدبيةِ.

 إن القراءة الأولى للعنوان "أَنْفَاسٌ تَحْتَ الْـكِمَامَةِ" تحيل إلى مسألة بديهية، وإلى فهم يوحي بأن النص بني في فضاء زمني اتسم بالتخويف والتهويل تجاه وباء كسر العالم يمنة وشمالا، لكن القراءة الواعية المتفحصة لا ينبغي أن تنطلق من فهم سطحي عابر ينمحي أثره بمجرد الانتهاء منه، بل عليها أن تحاول تفسيره تفسيرا عميقا  إيحائيا يلج بها إلى عوالم من التعالقات النصية المرتبطة بالسياق، تمَكّن القارئ من زحزحة كيان الإبداع منذ الوهلة الأولى.

الْعُنْوَانُ إذن؛ بابٌ من أبواب الإبداع إن دقّه القارئ وأحسن الدق فيه وَلَجَ وعلاقتَه بالنصّ عرف، كيف لا؟ وهو أول ما يعترضه، وبالتالي فاختيار المبدع

 للعنوان لا يجيء بصورة عبثية، لاقترانه بالوظيفة التحفيزية، ومن هنا غذت مقاربة العناوين قبل ولوج أي إبداع شرطا أساسًا لا مناط لقارئٍ أراد استكشاف دِلالات النص المحيد عنها.

لُغَوِيّةُ الْعُنْوَانِ

"أَنْفَاسٌ تَحْتَ ْكِمَامَةِ" عنوان يوحي إلى عدة احتمالات؛ فــ "أَنْفَاسٌ" خبر لمبتدأ محذوف وهي جمع نَفْسٍ. يقول صاحب القاموس؛ "النّفْسُ الرّوحُ... نَفّسَ تَنْفِيسًا؛ فَرّجَ تَفْرِيجًا... والنّفِيسُ؛ الْمَالُ الْـكَثِيُر..."  وزاد ابن منظور في التفصيل فقال؛ "النّفْسُ: الرُّوحُ... قَالَ أَبُو إِسْحَاقٍ: النّفسُ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ يَجْرِي عَلَى ضَرْبَينِ: أَحَدَهُمَا قَوْلُكَ خَرَجَتْ نَفْسُ فلانٍ أَيْ رُوحُهُ... وَالضّرْبُ الآخَرُ مَعْنَى النّفْسِ فِيهِ مَعْنَى جُمْلَةُ الشّيء وَحَقِيقَتِهِ، تَقُولُ: قَتَلَ فُلاَنٌ نَفْسَهُ [أَهْلَكَهَا حَتّى] أَوْقَتَ الإِهْلاَكُ بِذَاتِهِ كُلِّهَا."  نكتفي مما سقناه من هذه المعاجم وتعالقاتها بالخلوص إلى مسألة مهمة يمكن النظر إليها بمنظار ذي عدستين، الأول؛ يقر بأن موقعة النفس أمر لا بد منه خصوصا وأنها عماد الجسد إن صلحت صلح سائره، وإن فسدت فسد سائره، والثاني؛ تبوؤها مرتبة الروح.

و "تَحْتَ" نَقِيضُ فَوْقَ، وَهُوَ ظَرْفٌ مُضَافٌ، وقَدْ "يَكُونُ اسْمًا، وَيُبْنَى فِي حَالِ اسْمِيّتِهِ عَلَى الضَمّ، فَيُقَالُ: مِنْ تَحْتُ، والتُّحُوتُ الأَرْذَالُ السَّفْلَةُ."

و "الْكِمَامَةِ" مَصْدَرٌ مُشْتَقٌّ مِنْ كَمَمَ وَهُوَ مْضاف إليه، يقال "تُكُمّوا بالضَمِّ أُغْمِي عَلَيْهِمْ، وَغَطُّوا... وَالكِمَامُ وَالْكِمَامَةُ بِكَسْرِهِمَا: مَا يُكَمُّ بِهِ الْفَمُ ... كَمّهُ غَطّاهُ"  

لكن ما موقع  كلمة "الكمامة" من العنوان، هل تعني شيئا بالنسبة للمؤلف؟ هل اقتران العنوان بها جاء بمحض الصدفة؟ أم أن المؤلف المبدع ضمنها في العنوان لوهجها الدلالي؟ كلها أسئلة تطرح نفسها بقوة لعل السياق هو الكفيل لإجابة عنها، ونحن نعلم علم اليقين أن الكلمة لم تكن فائقة الذيوع بهذه القوة من قبل.

من ذات التحديدات نقول إن العنوان؛ دالٌ يحيلنا إلى مدلول عميق الدِّلالة بحسب التعبير السوسيوري حيث الأنفاسُ جمع نفسٍ والنفس نفسان؛ نفس بمعنى شخص، ونفَس من الهواء، وهاته الأنفاس تتموقع تحت الكمامة التي يقي بها الناس أنفسهم من العدوى في زماننا هذا، "زمان كورونا"، لكن رغم هذه الوقاية فأنفاس الأشخاص محرومة من حرية التنفس بالطريقة المعتادة، حيث تجد نفسها مقيدة ،وهذا مما يزيد للنفسية اختناقا وخنوعا ،فأصبح يُنْظَرُ إلى الكمامة ومدى ارتداء الأنفاس لها، أكثر مما يُنظر إلى حالة الأنفاس نفسها المحرومة مما كانت تتمتع به، والذي أصبح زمان كورونا محرما في حيز مكاني، تكون فيه النفس تحت الكمامة، وهذا الحيز هو الأماكن العامة..

 فضلا عن هذا فإنه بإمكاننا أن نصور لهذا العنوان معنى آخرا لا ينأى عن الدلالة على زمن كورونا و حالة الناس النفسية زمنئذ.

"لَقَدْ أَضْحَتِ الأَشْخَاصُ تَحْتِيّةً جَمْعَاءْ، وَالْكِمَامَةُ فَوْقِيّةً بِسُلْطَةِ الْوَبَاءْ."

فِي صَمِيمِ الْعُنْوَانِ

فالعنوان وفق ما تفق حدث يقع ولكنه مثوار عن الأنظار، حدث غير باد للعيان، شخص تملكه الخوف وجعله يردتي كمامته وأصبحت أنفاسه متسارعة، كرونا تتربص وأية زلة منه ستؤدي به إلى الهاوية، البشرية مهددة، الناس أصبحت تخاف من بعضها البعض، الواحد يتهرب من الآخر، وقد حدثت التفرقة، إنها كرونا عبثت بتفاصيل حياة الناس، ولم تعد الأمور على نصابها، هناك خلل ما. وقف صاحبنا في الزاوية وبدأت الأحداث متسلسلة بشريط حياته، هنا إما البقاء أو إلقاء النفس إلى التهلكة...!!

إننا وبهذا الاعتبار وأمام هذه التحولات التي عرفها العالم وما طرحه السياق الاجتماعي لوباء كرونا لاحت بواكر الحاجة إلى مقاربات نفسية، وإلى علوم تجعل من الخاصية الإنسانية مدخلا لفهم ما هو اجتماعي محض، إن التفكير في الوباء وحيثياته ونشأته، وانتشاره، وأضراره....، جعل من الأستاذ المبدع "محمد أيت علو" تلك الذات التي تصبو إلى مقاربة هذه التكاليف النفسية الباهظة، والحقيقة أننا أحوج ما نكون لمثل هذه الالتفاتات النبيلة التي تحصر إبداعاتها في الإنسانية وشواغلها أثناء الحاجة ومن غيرها؛ فهل كان العنوان مطية ترمي بنا إلى عوالم النص الكروني؟ أم أن دافع التحفيز وزمن التأليف كانت من وراء العنونة هته؟

كُرُونَا بِعَيْنٍ إِنْسَانِيّةٍ

حَرّكتُ مَجاذيف التأويل والرغبة من معاني النص التحصيلِ، فكان ان استتب الأمر حتى أمكنتنا المقاربة هته من  الوقوف عند النظام البنيوي لتجربة المبدع "محمد أيت علو" في المجال الشعري، فهي إذ ذاك تهتم بالدرجة الأولى تحليل البينات النصية في تفاعلها مع العنوان، ولعل الإطار الذي رسمناه لمقاربة هذا النص حتّم علينا الانطلاق من هذه الزاوية تقريبا للقارئ الكريم، فكلمات الشاعر "محمد أيت علو" الرنانة تنزاح من وراء أنين يلزم منا الاتئاد في إعنان خبايا ما تحلبها من ألفاظ بدءا من "كرونا" الذي يعد لفظا يحمل ما يحمله من دلالات اضطرابية تنساق من وراء الحزن، والأسى والرثاء، نظرا لما خلفته الحرب الصحية من موتى لشدة خطورته على نفسية البرية جمعاء.  فالشاعر يبرأ في استهلال قصيدته "كمامة" كأداة وقائية من مرض حاد فيه مافيه من المعاني، علة في اتّلاه الناس بين الجلوة و الخلوة المحتمة خشية من العدوى ونشرها بين الورى، كل هذا صوره الشاعر المحترم في صور شعرية مجازية استعارية بنكهة بيانية، تطفوها ضرورة فهم البعد الابستمولوجي للمفاهيم المعتمدة المناطة بالموضوع العامي "كرونا" كلفظ إفرنجي غير عربي أصلا لا تحويه المعاجم العربية.

وإذا أردنا أن نغوص أكثر في قوقعة المعنى المراد للقصيدة الرونقية نخلص أن مبغاه كان تجسيدا لسلبيات هذه الفاجعة كما سماه من خلال الإيماء لأهم الأحداث المعنة بسببه في تلك الفترة البدئية، والتي تتجسد في فقدان وجوه أبرياء ذهبوا ضحية غياب المسؤولية الذاتية والغيرية معا، وأتعب أُناسا آخرين بين جدران المنازل وفراغ فجوات الشوارع و الحارات، انتهاءً بدقة التصوير النفسي للمصلين أمام "باب الفجر" المستعار مجازا عن المسجد من الجهش  والبِدار  في البكاء الداخلي أكثر لما عاشوه وعشناه تآلفا من رهب وإباد، أقام الأرض و لم يقعدها سُــمًّا.

*إن خلاصة الخلاصة يمكننا أن نبرأ من خلالها أن الشاعر حاول جاهدا أن يلوح للمتلقي والقارئ موضوع آن بالغ الخطورة مبينا ما أبثه في سيكولوجية المرء من خوف وتأثير سلبي.

" الْمَدَاخِلُ الأَدَبِيّةُ صَيْدٌ الشِّعْرُ قَيْدُهَا، فَالشّعْرُ عَلَى اخْتِلاَفِ أَنْوَاعِهِ وَتَعَدُّدِ مَشَارِبِهِ يُعَدُّ الرّكِيزَةَ الأَسَاسْ الذّي تُبْنَى عَلَى أَسَاسِهِ الْحَقَائِقْ، فَكَانَ العَزْمُ عَلَى حَزْمٍ أَنْ اشْتَغَلْنَا بِدِيوَانِ؛ "أَنْفَاسٌ تَحْتَ الْكِمَامَةِ" مُحَاوَلَةً فِي مُقَارَبَةِ وَتَقْرِيبِ عُنْوَانِهِ وَنَصّهِ الْكُرُونِيّ  الْمَحْضِ مِنَ الْقَارِئِ الكَرِيمِ، لِصَاحِبِهِ " الكاتب: "مُحَمّد أَيْت عَلّو" ; وَ الّذِي يَضُمُّ فِي ثَنَايَاهُ حَوَالَى مِائَةٍ وَاثْنَا عَشْرَةَ صَفْحَةً (112). نَسْتَطِيعُ أَنْ نَرُدَّ مَبَاحِثَهُ وَقَضَايَاهُ إِلَى ضُرُوبٍ مِنْهَا؛  (1) الَدّينُ، (2) الإِنْسَانُ، (3) الْوَبَاءُ."

***

نور الدين النوني

.........................

هامش توضيحي:

* بريِشَةِ الباحث المبدع: نُورُ الدّينِ النّونِي.

1 - نَذْكُرُ عَلَى سَبِيلِ المثَالِ لاَ الْحَصْرِ؛ كَأَنْ لاَ أَحَدْ/ بَابٌ لِقَلْبِ الرّيحْ مِنْ أَجْلِ كوّة لِلْفَرَحْ/ مِنَحُ بَارِدَةْ لِنُفُوسٍ شَارِدَةْ...

2 - الْقَامُوسُ المحِيطُ؛ الفَيْرُوزَبَادِي، َتَحْقِيقُ؛ مَكْتَبِ تَحْقِيقِ التّرَاثِ فِي مُؤَسّسَةِ الرّسَالَةِ، مُؤَسّسَةُ الرّسَالَةِ، دِمَشْق، ط.3، 2009م، مَادّةَ/ نَفَسَ.

3- لِسَانُ الْعَرَبِ؛ ابْنُ مَنْظُورٍ، ضَبَطَ نَصّهُ وَعَلّقَ حَوَاشِيهِ؛ خَالِدْ رَشِيدْ الْقَاضِي، دَار صُبْحْ ادِيسُوفِتُ، بَيْرُوتْ، ط.1، 2006م، مَادّةَ /نَفَسَ.  

4 - الْقَامُوسُ المحِيطُ؛ [مَادّةُ / تَحَتَ.]

5 - نَفْسُهُ: [مَادّةُ/ كَمَمَ.]

6 - الْجَهْشُ؛ السُّرْعَةُ.

7- الْبِدَارُ؛ اَلْمُسَارَعَةُ.

 

.

 

 

جمعة عبد اللهاسلوبية المتن الروائي تختلف عن المألوف في الرواية العراقية الحديثة، بتناولها مسائل حيوية في علاقة الاجرام بالحرب، وهي تدخل ضمن الاتجاه الروائي في ادب الجريمة،في منظور فكري يستند على مقومات في المسائل القانونية وقانون العقوبات الجنائية. ويستغل المؤلف مهنته في ممارسة مهنة المحاماة، في توظيفها في النص الروائي، وهو يجمع في تحليل علمي في علم الجرائم ونظرياتها في عالم الجريمة ومنطلقاتها ودوافعها،في وخلق روحية أجرمية تتنفس في أزماتها بالاجرام، ولها قابلية كاملة لفعل الجريمة طالما يرقد في دواخلها وحش مجرم. والمنظور الروائي يعتمد على نظرية الاجرام على نظرية الدكتور الايطالي المعروف على نطاق واسع في ابحاثه العلمية الدكتور (تشيزري لومبروزو) في كتابه (الرجل المجرم) في ابحاثه ومختبراته العلمية التي اجرائها على العديد من المجرمين، واستخلص منها المواصفات التي تحدد المجرم الجسدية والروحية. التي تكمن في داخلها الوحش المجرم بالسادية المازوشية، يربطها الروائي (شلال عنوز) بشكل أساسي بالحرب في دوافعها في تشويه سمات المجتمع الاخلاقية من خلال محرقة الحرب المدمرة. ويربط المتن الروائي بفهم عميق بين الجريمة والحرب، ويضعها في وعاء واحد، أو في عملة واحدة، فلابد وراء كل جريمة حرب، والعكس صحيح، وراء كل حرب جريمة. طالما روحيتهما واحدة، في العنف الدموي واراقة الدماء بالبشاعة السادية.

أن النص الروائي يعتمد على نظرية الاجرام (لومبرزو) بالمواصفات التي حددتها نظرية علم الاجرام الجنائية، وهي تنطبق على بطل الرواية (نعمان) في اقتراف جرائمه على اقرب واعز الاصدقاء المحيطين به، واستدراجهم الى وكر الشيطان (وكر السلمان) متجرداً من كل رحمة، بل في القتل متأصل في روحية مازوشية سادية. ومفردة (السلمان) تعود بالذاكرة العراقية الى السجن السيء الصيت والسمعة (نقرة السلمان) فقد كان سجناً رهيباً للمعارضين السياسيين المناوؤين للسلطات الطاغية، عبر مراحل تاريخ العراق السياسي الحديث، في زج الوطنيين الاحرار والشرفاء، بأصواتهم الحرة المدافعة عن الوطن، في زجهم هذه السجن الصحراوي الرهيب. ويتناول المتن الروائي بالتفصيل الدقيق. شهوة القتل والاجرام، المتفجرة بوحشيتها الدموية تجاه ضحاياها، عند الشخصية المحورية في المتن الروائي (نعمان). هذا ما يطرحه النص الروائي، ويسوقة بصيغة لغوية مدهشة في التشويق، التي تجمع السرد النثري بالشعر. اي ان احداث السرد الروائي يجمع كلا الطرفين، وهذا يعود بأن الاديب (شلال عنوز) هو يجمع الصفتين، الروائي والشاعر معاً، لذلك خلق براعة متشوقة، نادراً ما نجدها في الفضاء الروائي السرد / الشعر. في براعة بالغة الدهشة والابهار، بحيث تشد القارئ في متابعة دراماتيكية الاحداث المتسارعة والمتلاحقة في أحترافية في الفن الروائي الحديث، في مسلسل الاجرام الذي يدير دفته مجرم محترف في الاجرام. وهي من النتائج المدمرة التي تخلفها الحرب، في حرق الاخضر واليابس في ازهاق الارواح البريئة في مجزرة رهيبة ودامية، وهي محرقة الحرب على جبهات القتال، الحرب التي اعلنها النظام على أيران في الثمانينات القرن الماضي، والتي خلقت اجواء مرعبة في المجتمع، التي انعكست سلباً على سايكولوجية المجتمع الاخلاقية. بأن الفرد بات يعيش ضمن كوابيس الرعب اليومي من اهوال الحرب. هذا يدفعنا الى التساؤل : منْ المسؤول عن هذا الدمار البشري والاخلاقي؟ أضافة الى دمار البلاد بالخسائر الفادحة التي لا تعوض. منْ المسؤول عن هذه البشاعة التي غرقت البلاد في بشاعتها؟ بكل تأكيد تشير اصابع الاتهام الدامغة الى القيادة السياسية التي تحكم البلاد، فهي المسؤولة عن حماية وسلامة الوطن والمواطنين، وهي يجب عليها أن تتصرف بالعقل والحكمة والحلم والشجاعة. حتى تقود البلاد الى الرقي والتحضر والتقدم والتطور الى شاطئ الامان والسلامة. أما اذا كانت القيادة متهورة في اعمالها وافعالها، واذا كانت عقليتها تؤمن بمبدأ العنف والقوة الطاغية والغاشمة بالبطش، اذا كانت ثقافتها السيف والمدفع، فهي تقود البلاد الى الهلاك والدمار والعواقب الوخيمة، في اشعال الحروب التي تقود نحو الانحدار الى الهاوية السحيقة. وتدخل في تخريب المجتمع في علاقاته العامة حتى في علاقات الحب. فقد كان (نعمان) من عائلة غنية ميسورة، تملك الاموال الوفيرة والاملاك العقارية. ودخل كلية القانون. وهو الشاعر الرقيق في مشاعره ومحب للادب والشعر، اضافة الى اختصاصاته في علم القانون، ارتبط بعلاقة حب مع (سناء) وهي ايضاً من عائلة غنية ميسورة، فقد خطفها من الطلبة الذين كانوا يتبارون على خطف ودها وحبها، لكن هذه الحسناء الجميلة اختارت (نعمان) بعلاقة حب قوية وانتهت بالموافقة على عقد الخطوبة في حفل مهيب كأنه حفل ملوكي، على أمل عقد الزواج بينهما. ولكنه جند للحرب واشترك في جبهات القتال. ومن خلال الحرب الصاروخية بالقتال الضاري في جبهات القتال، جاءته قذيفة صاروخية وهو داخل الخندق، لم يسلم في الخندق إلا هو ونقل مباشرة الى المستشفى، وأجريت له عمليات جراحية في انقاذ حياته، وتكللت العمليات الجراحية بالنجاح، إلا بكسر في فخذه الايسر وبتر عضوه الذكري. هذه الخسارة الفادحة بفقدان رجولته، شكلت له ازمة نفسية خطيرة، وراح يعوض هذا النقص الفادح، في امتهان سلوك الاجرام والجريمة لاقرب واعز اصدقائه، يستدرجهم في الوكر الشيطاني، حتى ينفذ جرائم القتل البشعة بوحشية سادية. حتى لم يسلم من القتل السادي خطيبته (سناء) استدرجها الى وكر الشيطان بخطة محكمة، بعدما اخذ يماطل بموعود الزواج، وقطع رابطة التواصل معها ومع اهلها، وهم في حالة دهشة واستغراب، بأنه اخذ يتهرب من التواصل معهم. حتى بدأ هذا التصرف الغريب يثير الريبة والشك في المماطلة في عقد قران الزواج من ابنتهم. لذلك استدرجها الى الوكر ومارس تصرف غريب لم تصدقه بأن الواقف أمامها أنه (نعمان) الحبيب تحول الى وحش كاسر. وانه يخفي لها شراً مهلكاً في استدراجها الى هذا الوكر المليء برائحة العفونة وانه مهجور ومخيف. وتسألت بغرابة وهو بملامح الوحش الكاسر. بماذ يريد يفعل بها؟، فرد عليها (سناء أنا لست كما تعرفين، أنا أنسان آخر ارادته الحرب أن يكون مأزوماً، فاقد الاهلية فأغتالت رجولته، ثم نظر نحو الارض خجلاً من نظراتها وقال في انكسار شديد، أتدرين يا سناء أنني رجل لكنني لست ذكراً، لأن فرمان الحرب اللعينة صدر بقتل ذكورتي، وليتني مت ألف مرة ولم تحدث لي هذه المأساة) ص123.

ولكي تتأكد من حجم فادحة الكارثة التي أصابته (رفع ثوبه الى للاعلى ولم يكن مرتدياً لباساً داخلياً، وحينما وقعت عيناها على موضع الكارثة، أرتعبت وكادت يغشى عليها من هول الصدمة التي باغتتها، فلم يكن هناك عضوه ذكري، رأت مجرد فتحة في موضع مشوه فأصيبت بالفزع واجتاحتها موجات من الهوس مصحوبة بنوبات بكاء عارم) ص124. بهذا الشكل اراد ان ينتقم من خطيبته بالقتل بالسكين، وبعد قتلها جاء الدور على أقرب اصدقائه المقربين وهو (ناصر) استدرجه الى وكر الشيظان ليكون الضحية القادمة، وحينما ادرك (ناصر) بأن السكين تلوح فوق رقبته. حاول ان يستجدي عاطفته ورحمته لانه صاحب عائلة واطفال. وانه صديقه المقرب وعرف عنه أنه شاعر يحب الناس ويرفض الظلم. وأنه لا يختلف في هذه الهمجية الوحشية، عن افعال الطاغية المجرم الذي اشعل الحرب، ودفع الناس الابرياء الى محرقتها، كما يفعل الآن بقتل صديق بريء. لكن عرين الوحش في داخله، قرر ان ينهي حياته، ولم يجدي الاستجداء والعطف والرحمة. ذكره بأنه درس القانون، وان حبيبته تنتظر موعد الزواج. ويرد عليه بأنها لعبة الحرب، فيقول (ناصر) بصوت متشنج يتحشر في حنجرته ألما ومرارة :

(لماذا تصر على قتلي؟ أي ذنب جنيته بحقك؟

فقال نعمان وهو يشيح بوجهه عنه : أنها شهوة القتل التي تملكتني، فمنذ وطأت رجلاي هذا الوكر الخبيث، ولا شيء يطرق تفكري سواها، هي لعنة الحرب يا ناصر. صدقني أنا أحبك. ولكنه حب يسكنه الموت، فلقد فقدت الامل واصبحت الحياة لي مجرد وهم ومات ضميري، متأرجج الحقد والغدر في الاعماق) ص148. يرد عليه بأي قانون وشريعة تمارس القتل (كيف يحق لك قتلي لمجرد شهوة مريضة تلبستك كما تقول؟ ألم تعلم أن لي عائلة ولي طموحات وخلقت بشراً مصون الكرامة والنفس) ص149. يرد عليه باستهزاء وهو يداعب سكينته (لماذا وضعك القدر في طريقي وقد اغتالني قبلك) ص149. يرد عليه ناصر :

(أنت الآن تعتدي على حق وهبه الله لي وحماه القانون، فمن اباح لك قتلي؟) ص149. فيجيبه نعمان :

(لقد أباحت لي ذلك الشريعة نفسها، التي أباحت للحجاج وسواه من الحكام الطغاة في أن يتسيدوا ويحكموا بأسمها، فتمادوا في ظلمهم للناس وتفننوا في قتلهم للاخرين بأسم الشريعة والدين والقانون) ص149.

وبدأت احداث تتلاحق بسرعة دراماتيكية. فقد ارسل المستشفى الذي اجراء عمليات الجراحية لحالته الخطيرة، ارسل تقريره الى السلطات القضائية، يشرح في التقرير الطبي بالتفصيل حالته، كسر في الفخذ الايسر وبتر عضوه الذكري، حتى يعفى من الخدمة العسكرية، وارسل الى القاضية (رحمة) التي كانت زميلته في كلية القانون والصديقة المقربة الى (سناء) وكانت على اطلاع قريب في الحب الذي جمع بين (نعمان) و (سناء) وكذلك هي أيضاً شعرت بالقلق من اختفاء صديقتها (سناء) وابتعاد (نعمان) عن التواصل وانقطاع في زيارة عائلتها، والتماطل في تحديد موعد الزواج، بشكل مريب يدعو الى الظنون والشكوك، ويأتي التقرير الطبي ليوضح الغموض في تصرفات (نعمان) ويضع الامور في نصابها، بأنه متورط في اختفاء (سناء) وذهبت الى عائلة (سناء)واطلعتهم على التقرير الطبي وادركوا بأن (نعمان) متورطاً في اختفاء (سناء) وقدموا دعوة قضائية الى مركز الشرطة تدينه بالاختفاء. وبدأ الحبل يلتف حول عنق (نعمان) وتيقن بأنه اكتشف امره للجميع، بأنه المسؤول عن اختفاء خطيبته. وداهمت مفرزة الشرطة بيت (نعمان) فلم تجده لانه سبقهم في الهرب الى وكر الشيطان، وقادت مفرزة الشرطة قطته السوداء، كدليل يريشدهم الى الوكر، وبالفعل ذهبوا، وشعر (نعمان) بالخطر يطرق باب الوكر، فلم يبق له سوى وسيلة الانتحار، ففجر نفسه بعبوة ناسفة طالت بعض رجال الشرطة. وكتب في وصيته كل افعاله الاجرامية بالقتل، وانه يشعر بالندم، لذلك يأمر بتوزع امواله وعقاراته وما يملك الى عوائل الضحايا.

ولكن لابد من الاشارة المهمة في بداية الرواية هو الاهداء :

الى ضحايا الحرب، رجالاً، نساءً واطفالاً

الى الذين خسروا أمانيهم. واكلوا أعمارهم

الى كل الذين اكتووا بنارها

الى الانسانية المعذبة بسبب حماقات مشعليها.

 

× الكتاب : رواية وكر السلمان

× المؤلف : شلال عنوز

× الطبعة الاولى : عام 2020

× الناشر : منشورات أحمد المالكي

× عدد الصفحات : 220 صفحة

***

  جمعة عبدالله

 

محمد العربي حمودان إذا كان الشعر فنا من الفنون الجميلة، فإن روح الفن وحقيقته إنما هي ذاك الإحساس العميق بالجمال والتعبير عنه في صورة جميلة، موحية، تهز النفوس وتحرك الطباع.

وإن قارئ القرآن الكريم- هذا الكتاب الذي هو بدوره قمة الفن الأدبي- لايخطئ بصره ولا بصيرته ذلك الكم الهائل من الآيات البينات، التي لا تتوقف عن لفت انتباه عقل الإنسان وإثارة حسه ووجدانه، كي يتأمل الجمال بألوانه المختلفة، المبثوثة في الكون كله من عرشه إلى فرشه.

بيد أن بعض النقاد والكتاب مازالوا يبدئون ويعيدون بخصوص موقف الإسلام من الشعر وهم مصرون على "أن الإسلام وقف موقفا نافيا الشعر ودوره" وأنه" "هاجم الشعر والشعراء " وأن "الإسلام لم يستطع بكل حضوره أن يلغي الشعر" إلا أنه اضطر للقبول به "ليجعله منخرطا في خدمة العقيدة الجديدة"! .

فهل لهذا التصور والفهم من أساس يستند عليه وركن يأوي إليه؟ أم إنه لايعدو كونه كلاما صادرا عن أناس يتلقون معلوماتهم بألسنتهم دونما تحقيق أو تدقيق، فتراهم يقولون بأفواههم، ويخطون بأقلامهم، ما ليس لهم به من علم، أوربما لحاجة في أنفسهم لانعلمها، ولكنهم يعلمونها يقينا.

هذا ما سنحاول ملامسته في هذه الإلمامة السريعة من خلال النص القرآني ذي الصلة، مرورا بالسنة النبوية الشريفة، وسيرته العطرة .

سورة الشعراء

لعل أصحاب الإدعاءات المشار إليها آنفا، إنما يتكئون في دعواهم هذه على تلك الآيات الكريمة الواردة في سورة الشعراء، وهي قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَبِعُهُمُ الْغَاوون.أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهيمُون، وَأَنّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يفعلون.إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا.....﴾ سورة الشعراء الآيات:224-225-226

لكن هذه الآيات وفقا لكل تفاسير القرآن الكريم، قديمها وحديثها لاتفيد هذا المعنى، وقد ورد في تفسير القرطبي أن "الغاوون" هم الزائلون عن الحق ودل هذا أن الشعراء أيضا غاوون لأنهم لو لم يكونوا غاوين ما كان أتباعهم كذلك".وبما أن النص القرآني الذي نحن بصدده قد استثنى الشعراء المؤمنين وأخرجهم من زمرة الغاوين، فإن هذا يجعلنا نقرر بكل ثقة و يقين، أن المقصود بالذم والنكير، هو تلك التصورات والمفاهيم،  التي كان يعتنقها شعراء الجاهلية ويشيعونها بين الناس، وهي قيم متعارضة مع تلك التي جاء بها الإسلام، وبالتالي فهي قيم مرفوضة، سواءٌ أ وردت نثرا أم شعرا، ولكل أمة مرجعية تستحسن من خلالها أشياء وتستهجن أخرى.

أما الإسلام في حقيقة موقفه، فهو لايحارب الشعر والفن لذاته كما قد يبدو، وكما قد يفهم البعض من ظاهر اللفظ، إنما هو يحارب مضامين مسكوبة في هذا القالب الفني، وهذا ما ينسجم مع تلك الحقيقة الكبرى المتمثلة في توجيه القرآن الكريم القلوب، والعقول، إلى بدائع هذا الكون الرائع، وإلى خفايا نفس هذا الإنسان المتفرد، وهذه وتلك هي مادة الشعر والفن.

ولعله من الطبيعي جدا أن يختلف الناس حول تفسير آية من الآيات أو تأويلها، إلا أنهم –حتما- متفقون على أن الرسول( ص) هو الأكثر علما والأعمق فهما وإدراكا لمعاني القرآن ومراميه، الأمر الذي أعتقد- جازما- أنه سيساعدنا، ويقربنا من فهم دلالات الآيات آنفة الذكر فهما صحيحا، وسليما. وهذا ينقلنا إلى الفقرة التالية.

الرسول والشعر

إذا ما ألقينا نظرة -ولو عجلى- على السنة النبوية الشريفة فإننا ندرك بكل يسر وسهولة تلك المكانة العالية، والدرجة الرفيعة، التي كان يحظى بها الشعر عند الرسول (ص) وقد وردت أحاديث كثيرة تعلي من شأنه كما في هذا الحديث الشهير: "إن من الشعر لحكمة". كما ورد في سيرته ما يؤكد حبه الإستمتاع بالشعر، والإستماع إليه في مواقف مختلفة.

وقد روي أنه (ص) سأل أحد أصحابه يوما أن ينشده من شعر أمية بن أبي الصلت فأنشده بيتا فقال هِيهِ- أي زدني- ثم أنشده بيتا حتى أنشده مائة بيت!! وعقب القرطبي في تفسيره على هذا قائلا:" وفي هذا دليل على حفظ الأشعار والإعتناء بها إذا تضمنت الحكم والمعاني المستحسنة شرعا وطبعا".

وَ حَدَثَ أن نادى على شاعره حسان بن ثابت:" ياحسانُ أنشدني من شعر الجاهلية فإن الله قد وضع عنك آثامها في شعرها وروايته" وأنا لا أفهم من هذا الطلب إلا أنه كانت تميل نفسه اللطيفة، ووجدانه الشفيف، بين الحين والآخر، إلى الإستمتاع بما في هذا الشعر من جوانب الجمال الفني، دون المضامين التي لا تليق بهذا الفن الراقي، وهذا بالضبط ما تناوله الإسلام بالنقد والتوجيه نحو الأغراض الإنسانية النبيلة.

وكم كان سروره عظيما عندما قالت له زوجته عائشة (ض): لورآك أبوكبير الهذلي لعلم أنك أحق بقوله فسألها وما يقول؟ فأجابت:

وَمُبَرَّإٍ مِنْ كُلِّ غُبَّرِ حَيْضَةٍ............وَفَسَادِ مُرْضِعَةٍ وَدَاءٍ مُغْيِلِ

وَإِذا نَظَرْتَ إِلَى أَسِرَّةِ وَجْهِهِ......بَرَقَتْ بُروقَ الْعارِضِ الْمُتَهَلِّلِ

فقام وقبلها بين عينيها وقال": لقد سررتني يا عائشة سرك الله".!  

وما كان احتفاؤه بالشعر في حياته العامة يَقِلُّ عن احتفاله واهتمامه به في حياته الخاصة.

وخير مثال على ذلك، قصته مع قُتَيْلَةَ أُخْتِ النَّضْرِ بن الحارث التي استوقفته وهو في الطواف، فأنشدته أبياتَ شِعْرٍ يدخل مَسَامَّ القلوب، وقد بكت أخاها بكاء يَفُتُّ الفؤاد فَتّا، ويَنْحَتُ الجسم نحتا:

أَبْلِغْ بِهِ مَيْتا بِأَنَّ قَصيدَةً .......مَا إِنْ تَزالُ بِها الرَّكائِبُ تَخْفِقُ

مِنِّي إِلَيْهِ وَعَبْرَةً مَسْفوحَةً .....جَادَتْ لِمَائِحِها وَأُخْرَى تَخْنُقُ

وما أروع تصويرها لمشهد تقديم أخيها لمصيره المؤسف، تصويرا يكاد يمزق نياط القلوب:

ظَلّتْ سُيوفُ بَني أَبيهِ تَنوشُهُ ...........لِلَهِ أَرْحامٌ هُناكَ تُشَقَّقُ

قَسْرًا يُقادُ إِلَى الْمَنِيَّةِ مُتْعَباً......رَسْفَ الْمُقَيَّدِ وَهْوَ عَانٍ مُوثَقُ

ثم نادته نداء فيه عتاب رقيق، ممزوج بأسف عميق:

أَمُحَمَّدٌ هَا أَنْتَ ضِنْءُ نَجيبَةٍ ...... مِنْ قَوْمِهَا وَالْفَحْلُ فَحْلٌ مُعْرِقُ

مَا كانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنَتَ وَرُبَّمَا.....مَنَّ الْفَتَى وَهْوَ الْمَغيظُ الْمُحْنَقُ

فَالنَّضْرُ أَقْرَبُ مَنْ تَرَكْتَ قَرَابَة.ً.......وَأَحَقُّهُمْ إِنْ كانَ عِتْقٌ يُعْتَقُ

فتأثر لذلك تأثرا شديدا، فبكى حتى اخْضَلَّتْ لحيته كما جاء في بعض الروايات، ثم قال:"لوكنت سمعت شعرها هذا ما قتلته".!

وعندما نقضت قريش مقتضيات اتفاقية "صلح الحديبية" حيث نصرت بني بكر على خزاعة، جاء عمرو بن سالم الخزاعي المدينة وأنشده:

يارَبِّ إِنِّي ناشِدٌ مُحَمَّدا................حِلْفَ أَبينَا وَ أَبيهِ الْأَتْلَدا

فَانْصُرْ هَداكَ اللَهُ نَصْراً أَعْتَدا......وَادْعُ عِبادَ اللَهِ يَأْتوا مَدَدَا

وعن غدر قريش قال:

وَنَقَضُوا مِيثاقَكَ الْمُؤَكَدَا.......وَجَعَلُوا لِي فِي كَدَاءٍ رُصَّدا

هُمْ بَيَّتُونَا بِالْوَتيرِ هُجَّدا................وَقَتَلونَا رُكَّعا وَسُجَّدا

فقال (ص): "نُصِرْتَ يا عمرو بن سالم ودمعت عيناه"

ثم جاءه بعد ذ لك كعب بن زهيرخائفا يرجو الصفح والعفو، فقدم بين يديه "بانت سعاد" فكان له ما أراد، بل خلع عليه بردته تكريما وتشريفا، ثم صارت قصيدته يحفظها الناس، وجيل بعد جيل يرويها.

أما الصحابة الكرام فقد كانوا بدورهم يحفظون الشعر ويروونه ويحثون على ذلك، حتى إن الفاروق عمر الخليفة الثاني، كان لا يقطع أمرا إلا وتمثل فيه بشعر، ونقل عنه قوله :"علموا أولادكم لامية العرب فإنها تعلمهم مكارم الأخلاق"

ولما حوصر الخليفة الثالث عثمان (ض) أرسل إلى الإمام علي (ض) بيت شعر لِلْمُمَزَّقِ الْعَبْدي:

فَإِنْ كُنْتُ مَأْكولاً فَكُنْ خَيْرَ آكِلٍ..............وَإِلاّ فَأَدْرِكْنِي وَلَمّا أُمَزَّقِ

وكذا كانت أم المؤمين عائشة ( ض) كثيرة الإستشهاد بالشعر فيما تقفه من مواقف، وتشهده من أحداث وعندما دخلت على الخليفة الأول أبوبكر(ض) وهو يحتضرقالت:

لَعَمْرُكَ مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنِ الْفَتَى.......إِذاحَشْرَجَتْ يَوْمًا وَضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ

ولما بلغها خبر استشهاد الإمام علي قالت:

أَلْقَتْ عَصاها وَاسْتَقَرَّ بِها النَّوَى............كَمَا قَرَّ عَيْنًا بِالْإِيَابِ الْمُسَافِرُ

وخلاصة القول فإن الصحابة كلهم كان الشعر يتدفق من ألسنتهم، في سلمهم وحربهم، وفي جدهم وهزلهم.

ويبقى ما قدمناه غيض من فيض لكن حسبنا من القلادة ما أحاط بالعنق، وهو كاف لينهض دليلا على تهافت تلك الإدعاءات التي استهللنا بها هذه الخلجة الوامضة .

وفي الختام قيل لسعيد بن المسيب إن قوما بالعراق يكرهون الشعر فقال:" نَسَكوا نُسُكًا أَعْجَمِيا" !

كانت هذه اللمحة الدالة بمناسبة اليوم العالمي للشعر....فكل عام والشعر، والشعراء، ومتذوقو هذا الفن الخالد بألف خير وخير، ولديه مزيد....

 

محمد العربي حمودان

 

 

عبير خالد يحيىللباحث والأديب المصري د. صلاح شعير

للأدب أهمية كبيرة في حياة الأطفال، فهو المتعة والتسلية والمعرفة والثقافة والوسيلة الإدراكية لفهم الواقع المحيط بالطفل بكل أبعاده المكانية والطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية، والأداة المثلى لبناء وتطوير ملكة التخييل عند الطفل، ما يساعد على فهم الحالات الشعورية الإنسانية والعاطفية والقيم الجمالية والأخلاقية، إضافة إلى ما تدخله اللغة من مؤثرات تنمّي الحس الجمالي والموسيقي والأدبي عند الطفل، وما تؤسسه من ثروة لغوية متنامية في عقل الطفل، وما ترفدها به بشكل دائم بطريقة التغذية الراجعة، بالألفاظ والأساليب والمحاكاة، والتي تمكّن الطفل من فهم الأدب بطريقة غير شعورية نتيجة لتأثره بها.

ومن الطبيعي أن ينعكس بناء الطفل كفرد ناشئ، ونواة لمجتمع كبير، على هذا المجتمع، من خلال تنشئته تنشئة سوية وسليمة، فالمجتمع السوي أساسه نشأ سليم، لذلك كان لابدّ من أن تخضع أساليب التنشئة للعديد من الدراسات النفسية والتربوية والعلمية والتكنولوجية والتقويمية، بغاية الحصول على أفضل النتائج.

وإدراكًا لأهمية أدب الأطفال كوسيلة وأداة هامة في نهضة المجتمع تمّ الاهتمام به وتطويره على كل المستويات، بما يتلاءم مع التقدّم والتطوّر الفكري والتكنولوجي المعاصر، فلم يعد هذا الأدب مقتصرًا على الحكاية التقليدية والتلقين القيمي والتربوي والأخلاقي المباشر، بل تنوّع كثيرًا وخضع لتصنيفات عديدة مدروسة نفسيًا وأيديولوجيًا وبيولوجيًّا حسب المراحل العمرية، بدءًا من المراحل العمرية الأولى، إلى مرحلة ما قبل المدرسة الابتدائية، ثم مرحلة المدرسة الابتدائية والإعدادية وصولًا إلى مرحلة المراهقة، فلكل مرحلة أشكالها الأدبية التي تخاطب طفل المرحلة.

لذلك يعتبر أدب الطفل من أكثر أنواع الأدب شساعة وتشعبًا، فهو أدب متعدّد المجالات، ومتغيّر الأبعاد، وذريعة هذا التغير تعود إلى تنوّع المادة الأدبية فيه بين نثر وشعر ومسرح، ووسائل عرضها عبر شعر أو قصة أو حكاية مكتوبة، أو عبر تمثيليات وأفلام مصورة أو مسموعة، أو عبر مسرحيات مشخّصة، ويعود هذا التغير أيضًا إلى المادة العلمية والوسائل المقدّمة فيها إمّا عن طريق المعلوماتية أو الاستفسارات والأسئلة والمسابقات التلفزيونية أو الإذاعية أو الرقمية، يضاف إلى نوع المادة تعدّد المرحلة العمرية والسن الموجه إليها هذا الأدب.

في معرض هذا البحث تحديدًا، أقام الباحث والأديب د. عماد شعير بحثه على منهج علمي تطبيقي، بدأه بمقدمة عرض فيها ملخص البحث رابطًا بين جودة المضمون في الأعمال الأدبية المقدمة وبين قيم البناء في أدب الطفل، يقول:

تشير نماذج الأعمال الأدبية التي سوف يتم عرضها إلى أن جودة المضمون وقيمة البناء في أدب الطفل هي أهم رسالة تنويرية في هذا النوع من الأدب.. لأن الأمم التي تهتم بالصغار هي التي تستطيع صياغة المستقبل بكوادر مؤهّلة للبناء، حيث تتكامل البرامج التربوية، والتعليم، مع أدب الطفل من أجل إعداد أجيال تتمتع بسلامة الصحة النفسية، والاتزان الفكري والقدرة على التفكير العلمي....

وثم طرح السؤال الجوهري الذي سيكون محور القسم التطبيقي:

هل الإبداع العربي الموجّه للطفل يواكب حركات الإبداع على مستوى العالم من حيث المضمون، وقيم البناء التي تستهدف تشكيل الوجدان وإثراء الوعي لدى المتلقي الصغير؟

البحث فعليًّا مقسم إلى قسمين:

1- نظري تناول فيه محدّدات أدب الطفل.

2- وعملي تطبيقي قدّم فيه دراسات تطبيقية على بعض الأعمال المكتوبة في أدب الطفل عربيًّا وعالميًّا، حيث اختار نصوصًا أدبية صدرت في مصر من عام 2013- 2017 ما عدا نص واحد صدر عام 1991

أما محتويات الدراسة ككل فهو يعرضها في ثلاث فصول:

الفصل الأول: محددات أدب الطفل.

الفصل الثاني: أدب الطفل في مصر.

الفصل الثالث: أدب الطفل في روسيا- فرنسا - ألمانيا.

أتناول في هذا المقال الفصل الأول الذي:

أكد فيه الكاتب على حقيقة أن الأسرة هي الحاضنة الأولية والأساسية للطفل، تأتي بعدها المدرسة التي تمتلك الإمكانيات المادية والمعنوية، وتعتبر البنية الأساسية والمركزية في التنشئة، ومن ثم يأتي الاهتمام بأدب الطفل على مستوى العالم ليعزز في وجدان الطفل الفكر الإيجابي الذي غرسته المؤسستان السابقتان.

وقد اعتمد الباحث عدّة تعريفات لتحديد مفهوم أدب الطفل، أجملها بالتعريف التالي:

بأنّه كلّ ما يكتب للأطفال من قصص ومسرحيات وكتب مصورة ورسومات، وكل ما يسمعه أو يشاهده الطفل من برامج إذاعية أو تلفزية وأغانٍ وأناشيد وما إلى ذلك.

كما أشار الباحث إلى أن لأدب الطفل عدّة أهداف، تتناول نواحٍ عدّة، منها الناحية الثقافية والروحية والقومية والعقلية والترويحية وكلّ مامن شأنه أن يسهم في بناء شخصية الطفل، وتكوين المعايير السليمة. وأشار إلى أن للمضمون الجيد شرطان هما:

- أن يناسب مستوى الطفل، ومراحله العمرية

- وأن يصاغ بطريقة غير مباشرة تستهوي الطفل.

ثم تناول بالبحث موسعًا العلاقة بين الأدب وعلم النفس، مستعرضًا النشأة التاريخية للكتابة، مؤكدًا أنها علاقة موغلة في القدم، تثبتها الحكايات الملحمية والأسطورية، وملقيًا الضوء على الخصائص السيكولوجية لكل مرحلة من مراحل النمو لدى الإنسان منذ بدء تشكّله. مستعرضًا أهم النظريات في تقسيم مراحل النمو النفسي الاجتماعي، وهي تقسيمات عديدة تبعًا للمبادئ والمقاييس المعتمدة من قبل المنظّرين، ليخلص منها الكاتب إلى نتيجة: أن المرحلة 12- 15 سنة هي مرحلة يكتمل فيها الإدراك العقلي، وهو إدراك تنقصه الخبرة، وعليه يكون هذا السن هو الفارق العمري بين الكتابة للطفل والكتابة للراشدين.

أشار الباحث إلى أهم مقومات العمل الأدبي القصصي الناجح للأطفال، والتي لا تختلف عن مقومات أي عمل قصصي أو أدبي عام، مضافًا إليها خصائص معينة تخصّ أدب الأطفال، وعرض لها بشكل موسع. كما عرض لأهم الأشكال الأدبية المقدّمة للطفل، وتأتي القصة القصيرة في مقدمتها، وركّز على أبرز الموضوعات المتناولة فيها، قصص الأساطير والخرافات، قصص الحيوان، القصص الشعبية، القصص التاريخية، البطل الخارق، البطولات الوطنية والدينية، المغامرات، القصص البوليسية، الفكاهية، الخيال العلمي، والقصص الواقعية. مبرزًا أيضًا أهمية التقنيات الفنية والبصرية للغلاف والصور وترتيبها ضمن المتن الحكائي، وأهم النصائح الواجب اتباعها في مجال الإخراج الفني والطباعي، ما يضمن تسويقًا جيدًا للكتاب، عرض لموضوع العقيدة الدينية والقيم التربوية والأخلاقية، وأهمية الخيال في المضمون، وأسلم الطرق في الطرح، وربط البيئة المحيطة بالمحتوى القصصي، ثم ألحّ الكاتب على ضرورة تجديد الموضوعات بما يخدم القيَم التقليدية التي تنتمي للمجتمع التراحمي، وأخرى معاصرة تنتسب للمجتمع التعاقدي، تستوعب القيم الكونية الجديدة.

ختامًا:

رأيي الشخصي، والذي يمليه علي منهجي النقدي الذرائعي أن الكتابة للطفل هي أصعب أنواع الكتابة وأكثرها تعقيدًا، لأنها تلعب على وتر الطفولة، وعقلية الطفولة، وقدرة الكاتب الناضج على إقناع طفل، والعيش في عقله، وفي وجدانه، والوقوف على أهوائه وميوله، بمعنى أوضح أن يتبع الكاتب استراتيجية التفكير بعقل طفل، يعرف ما يحب وما يكره، وأن يمتلك القدرة على تقمّص سلوك الطفل، أي أن يطبٌق استرتيجية التقمّص الطفولي، وهي من أصعب أنواع التقمّص النفسي، ينظر في سلوك الطفل حيال ألعابه، يراقب تصرفاته، ويرصد بأيّيها يلعب وأيّها يقصي ويهمل، وهذا ما تقوم به شركات الألعاب الكبيرة للوقوف على رغبات الطفل واختياراته وما يروق له، لاختيار خطوط إنتاجها وضمان نفاذها في أسواق البيع دون أن تتعرض لخطر الكساد، وهذا ما ينطبق تمامًا على أدب الطفل الجيد، بذريعة أن يضمن الكاتب (كمنتِج) مقبوليّة الطفل (كمستهلك) لعمله الأدبي ( كسلعة جيّدة)، وعلى ذلك يكون الخيال (كأسلوب) والغرائبية (كموضوع، يمكن إدراج كل القيم التربوية والأخلاقية عبره)، والعفوية والبساطة والسطحية الطافية في اختيار اللغة ( ألفاظًا وتراكيب) من أهم المقومات التي يبنى عليها نجاح أدب الطفل ذرائعيّا، ودونها تأتي المقومات الأخرى.

منجز مبارك للدكتور صلاح شعير يستحق الإشادة والتقدير.

 

بقلم الناقدة السورية د. عبير خالد يحيي

الإسكندرية 20/ 3/ 2021

 

عبد الله الفيفيقال صاحبي (ابن أبي الآفاق التراثي): إنَّ صدماتي لا تنتهي من حُبِّ العَرَب لكلِّ أجنبيٍّ أو غريب، وإنْ كان أصله عَرَبيًّا صميمًا.

سألته: مثل ماذا، يا ابن أبي الآفاق؟

- لديَّ موسوعةٌ، لكن سأضرب لك مثالًا.

- اضرب، ولا تبالِ!

- يقول لك بعض المحدثين، على سبيل النموذج: إن اسم (دُومة الجَندل) القديم هو: "أدوماتو"، ويكتبون هذا وينشرونه! ولو بُعِثَ أحد أبناء دُومة الجَندل لقال لهم: "يا قوم هي: (ألدُّوْمَةُ)!"  لكن كلمة "أدوماتو" كانت قبل الرسم الإملائيِّ العَرَبيِّ الذي شهِد بعد الإسلام تطوُّرًا، وتفريقًا بين رسم همزات القطع والوصل، وضبطًا بالشكل. وسُمِّيت "دُومة" لأنها مستديرة؛ يقال: دَوَّم الشيءُ، أي استدار، ودَوَّمه أداره.

- غير أنَّ كلمة "أدوماتو" تروق لبعض المعاصرين؛ لإضفاء رائحةٍ لغويَّة غربيَّة تنتشي لها معاطس العُربان.

- وفي تلك المعاطس داؤهم العياء.  وما ذلك إلَّا لما أَلِفُوه من هيمنة اللُّغات المعتَّقة بمثل حروف المدِّ هذه، التي تقابلها في العَرَبيَّة المكتوبة الحركات القصيرة: الضمة والكسرة والفتحة. بل إنَّ العَرَب قد يحوِّلون تلك الحركات القصيرة حتى في الكلمات الأجنبيَّة إلى حركات طويلة، أي إلى حروف مدٍّ، حين ينقلونها إلى العَرَبيَّة، فيقولون، مثلًا: "كُوْرُوْنا"، وهي "كُرونا"؛ يقابلون حركة الضمِّ بواوٍ.. وهكذا.  وهذا يُدخلنا إلى إشكاليَّة الضبط بالشكل في العَرَبيَّة؛ فقد أدَّى عدم رسم الحركات القصيرة حروفًا إلى لَبسٍ واسع.

- وممَّا يزيد الطَّين بلَّة اليوم أن يُنشَر الكتاب التراثي غير مضبوطٍ بالشكل.

- صحيح. أفلا يخجل المحقِّق أو الشارح أو الناشر من نشر كتابٍ، ك"الإيضاح في علوم البلاغة"، ل(الخطيب القزويني)، غير مضبوطٍ بالشكل؟! ذلك ما نجده، مثلًا، وبصورة فاضحة في الكتاب "بشرح وتعليق وتنقيح" (محمد عبد المنعم خفاجي)، في طبعة من طبعاته المتناسلة، (١٩٩٣)، ولن أشير إلى دار النشر، فهي تعرف نفسها. 

- على حين كانت طبعاته القديمة مضبوطة بالشكل.

- نعم، لكنها التجارة الرخيصة، التي تجعل الكتاب عديمَ الفائدة، وتجني على القارئ والطالب بحرمانه الفهم لنصوص لا تُفهَم بلا ضبطٍ بالشكل!

- إنْ فُهِمت!

- ذاك إنْ...

- كأنَّها ما زالت في نفسك أشياء من كُتب التراث نفسها، لا من طبعاتها فقط!

- لا أكذِب الله، كأنَّها! وإنَّما يبعث على التورُّع عن نقد تلك الكتب ثقافة تقديس الماضي، متمثِّلًا في آبائه. فتُدار الأجيال في فَلَك الأشخاص من أعلام التراث، كأنَّهم شموس لا تغيب. وما يزال الرُّعب يُراوِد النفوس، لا من انتقاد مؤلَّفاتهم فحسب، ولكن أيضًا من الخروج عن مداراتهم ومجرَّاتهم، خشيَّة أن يتقوَّض الكون!

- ألا يتأتَّى تقدير جهود السَّلَف إلَّا بارتهان الخَلَف إليهم؟ وبالاكتفاء باجترار تلك الجهود، بلا إضافة تُذكَر، لا تجديديَّة، ولا حتى تحسينيَّة أو إخراجيَّة تتناسب مع مرور مئات السنين على تلك الإنجازات؟

- كلَّا، يا ابن الحلال، لا يتأتَّى! إنَّ مجرَّد اقتراح مثل تلك المراجعة سيعرِّض صاحبها للنظر شزرًا، في أهون ردود الأفعال. وكلَّما قَدُسَ عند أهله موضوعٌ بَطُلَ النظر إليه عِلْميًّا؛ فأَضَرُّوا به من حيث ظَنُّوا أنهم محسنون!

- وتلك شِنشنة قديمة، كما تعلم، منذ ثورة (ابن مضاء الأندلسي، -٥٩٢ه= ١١٩٦م) على النُّحاة، في كتبه: "المشرق في النحو"، و"تنزيه القرآن عمَّا لا يليق بالبيان"، و"الرَّد على النُّحاة".

- ولعلَّه لأمرٍ من ذاك فُقِد كتاباه الأوَّلان، وما زالا في علم الغيب حتى اليوم. وصولًا إلى (الدكتور خليل أحمد عمايرة) وردِّه على النُّحاة، في كتابه "في نحو اللغة وتراكيبها: منهج وتطبيق"، ١٩٨٤، أو "العامل النحوي بين مؤيِّديه ومعارضيه، ودَوره في التحليل اللغوي"، ١٩٨٨، وغيرهما.  وهو اجتهادٌ حديث. ولا احترام لدينا لاجتهادٍ إلَّا إذا كان لبعض آبائنا الأوائل، أو على منوالهم. أمَّا اجتهادات هذه "النابتة" في آخر الزمان، فلا! ولذا لا تتقدَّم أُمَّتنا خطوة؛ لأنَّ عجلة التخلُّف تأبى إلَّا الرجوع إلى الوراء.

- "بَلْ قَالُوا: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ، وإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُهْتَدُون."

- نعم، وهي سُنَّةٌ عَرَبيَّةٌ عريقة، قديمةٌ جديدة. ومن هنا كانت خطوة العمايرة مثار تنافسٍ للردِّ عليها؛ لقَمعها، ووأدها قبل ميلادها، لا لتقويمها، أو تعديلها والبناء عليها. وكذلك يفعلون! لا يتبعون الحقَّ، إنَّما يتبعون آباءهم وكبراءهم. قيل: مَرَّ (الشَّعبيُّ) بقَوْمٍ من المَوالي يَتذاكرون النَّحوَ، فقال لهم: "لئن أَصْلحتموه، فإنَّكم أوَّل من أفسده!" ومن الفساد الثقافي اللَّاحق التحريج من نقد فساده السابق. ذاك الذي كان بمصطلحاته ميدان تندُّر في التراث. كقول الشاعر الأموي (البردخت الضَّبي):

تَتَبَّعُ لَحْنًا فـــــــي كَلامٍ مُرَقَّشٍ

وخَلقُكَ مبنيٌّ على اللَّحنِ أجمَعُ

فَعَينُكَ إِقواءٌ، وأَنفُكَ مُكفَـــــــأٌ

ووجهُكَ إِيطاءٌ، فَأَنتَ مُــرَبَّعُ!

- أتُنكر فضل النُّحاة؟

- على العكس. بَيْدَ أنَّ ذلك الفضل لا يكون ولا يبقى إلَّا بالمراجعة. إنَّ اللُّغات لا تبقى- بَلْهَ ترقى- بتمجيدها، والتهليل من حولها، والتكبير حول أعلامها، وتلاوة الرُّقَى. ولا بالاحتفال السنويِّ البارد، تحت شعارٍ "عالميٍّ"، أشبه بالتأبين.

- وما سمعنا بيومٍ عالميٍّ للُّغة الإنجليزيَّة أو الفرنسيَّة، مثلًا.

- لأنَّ جميع أيام السنة أيَّامهما العالميَّة، المنتِجة. ولقد كانت اللَّاتينيَّة كذلك في قلوب أهلها، فخمدت، واندثرت. بل إنَّ ذلك التمجيد نفسه ترياق الخمود والاندثار. وليس بسِوَى محاولةٍ تعويضيَّةٍ عن الشعور بدنوِّ الأجل، أو رثاء للُّغة في حياتها المؤذِنة بالأُفول. وإنَّما تبقى اللغاتُ ببقاء أهلها على قيد الحضارة، وهي لغتهم المستعملة، ومحلُّ نقدهم، وصقلهم، وتجديدهم، لا محلُّ نقشهم إيَّاها على الجُدران، وعَقلها، وتجميدها على ما كان قعَّده أبوهم قبل مئات السنين. وأمَّا الانحدار من هذه الهُوَّة إلى الهُوَّة الأسحق، وهي التغنِّي بوفيَّات الأعيان من اللغويِّين والنحويِّين الذين خدموا اللُّغة قبل قرونٍ متطاولة، وحُسبان كلّ كلمةٍ في غير غرض مديحهم عداءً للتراث، وطعنًا في الآباء والأجداد، فرومانسيَّةٌ حديثة، تدلُّ على خواءٍ فاضح، وأنَّ جوقة المتغنِّين هؤلاء لا يملكون ما يقدِّمون حقيقةً، غير مديح شيوخ القبيلة القدماء، كيما يُعَدُّوا من جُملة أبنائها الغُيُر، ولو بالولاء! على أنَّ عمليَّة تمجيد اللُّغَة المغالَى فيه، ثمَّ تمجيد أعلامها الأشد غُلُوًّا، لا يقتصر خواؤها على ما تشكِّله من طقسٍ ملهاويٍّ، لا يُسمِن اللغة ولا يُغني من جوعها، بل يُسهِم، بدَوره، في المسارعة بالمرحومة إلى مثواها الأخير؛ من حيث يرفعها عن محاولات الإنعاش، فضلًا عن محاولة إجراء عمليَّات جراحيَّة، أو تجميليَّة، ولو بتقنيَّة "الليزر"، من خلال المراجعة والدرس والنقد الجاد؛ لإعادة النظر إلى اللغة وَفق نظريَّات اللغة الحديثة، لا الاكتفاء باجترار المنجَز البالي لعلماء الفُرس والعَرَب الغابرين، رحمهم الله، الذي إنَّما جاء بأدوات متواضعة قبل أكثر من ألف سنة. ذلك المنجَز الذي، مهما قيل في قيمته وفي ريادته، لا يصحُّ في عقلٍ طبيعيٍّ أن يراه مستثنًى من سُنن التطوُّر وضروراتها. غير أن مشكلة اللغويِّين التقليديِّين والنُّحاة والبلاغيِّين جميعًا أنهم ورثة نظرةٍ قديمةٍ إلى اللغة، على أنها ثابتة، أو جامدة، على مقاييس عصورٍ "مثاليَّةٍ" معيَّنة، هي الحقُّ المطلق وما عداها الباطل. وما هكذا طبيعة اللغات أصلًا، وإلَّا لما عادت اللُّغَةُ لُغَةً، بل صارت محض شريطٍ تسجيليٍّ يُردَّد. والإنسان الطبيعيُّ لا يُردِّد؛ لكنه يُبدِع ويُجدِّد، وأوَّل آليَّاته إلى الإبداع اللُّغة. فإذا حُرِم منها، كما هي، لم يُعُد إنسانًا، وتحوَّل إلى طائر ببغاء. وهذه النظرة العتيقة إلى اللُّغَة ليست بمعزلٍ عن النظرة العتيقة إلى القِيَم عمومًا والثقافة. وهي نظرةٌ متعصِّبةٌ جِدًّا، يصل تعصُّبها إلى درجة تقديس كلِّ قديم؛ لا لشيءٍ إلَّا لأنَّه قديم، وتجريم كلِّ جديد لأنَّه جديد، سواء أأعَرَب أصحاب هذا النزوع عن موقفهم صراحة، أم جلببوه بجلابيب تُزيِّنه في أعين الناس، وتُكسِبه لديهم القبول والاحترام والمشروعيَّة، حدَّ الحماسة القتاليَّة من أجل عينيه الدعجاوين.

 

 أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيْفي

 

وصلتني اليوم وعلى اعتاب النوروز هدية وهي المجموعة الشعرية الثالثة للشاعر الشيخ المحامي ثامر الحمداني، والتي صدرت عن دار الفرات للثقافة والاعلام - العراق - بابل كالربيع بازاهيره وطيب هواه،من خال اعتز بخؤلته لانها خؤلة ذات مجد تليد وامتداد اصيل مجيد،والهدية قطعة من ذات كريمة تحمل عواطفها واحاسيسها وتبث نجواها في اطار رومانسي صادق اللهجة فواح الشذى، فسرورت بها ايما سرور وحلقت مع اسراب صورها واخيلتها طائر محبة شغفه الشعر فاعطاه قياده فرحت معه طائرا مع سربه احط على غصون ابتكاراته وبراعم اشواقه، ارتشف الشهد كؤوسا مترعة بجزل الكلام وقوة التاثير حد الاندهاش وذلك كله من نمير معينه الذي لاينضب ان شاء الله، وان يبقى دائم العطاء ليدخل البهجة الى النفوس والسعادة الى الروح، من خلال ماتجود به تجربته الشعرية ومكابداته الحميمية التي جعلها للمثقفين والمحبين سميرا يفرش البسمة على الشفاه ويهز نبض الحنين،وهذا كله في مجموعته الشعرية الجديدة، والتي تحمل عنوان (اهزوجة عشق خريفية) لقد وقفت امام هذا العنوان مندهشا فالعنوان هو ثريا النص يضيء للمتلقي الجوانب الخفية وياخذ بيده نحو تجلى الرؤى وجمال الرؤية، وهو العتبة الاولى للولوج الى عالم المجموعة، عزيزي المتلقي اعرني من وقتك بعضه وانت تتمتع بقراءتك لنصوص المجموعة، وتعال معي لنحفر في ارضها الخصبة لنستخرج ما انطوت عليه من بديع القول شعرا، اهزوجة عشق خريفية، والاهزوجة هي جنس ادبي له حضوره المتميز في الشعر الشعبي وهي اسم لبحر من بحور الخليل الفراهيدي الشعرية

مفاعيلن مفاعيل على الاهزاج تسهيل، فالهزج هو الذي يوقظ الاحساس ويحفز العواطف ويدفعها للاصغاء والاندفاع والمشاركة الوجدانية في الحدث، فالاهزوجة هي ما يثير الحماس او هي مايطرب فهي تعكس المشاعر والاحاسيس في شتى المواقف، اما العشق هو من اعلى درجات الحب فالعاشق من يتمكن الحب من قلبه ويملك عليه مشاعره وعواطفه، اما الخريفية وهنا نصل الى مفتاح النص وهي التي تحمل دلالاته وتهدينا سبيل مكنونات وموزه، الخريفية هنا دلالة على مرحلة عمرية تشير الى مابعد الفتوة والشباب، وفي هذه الفترة تكون العواطف مشبوبة والنار في الجوانح حامية، وهذه حالة تخضع للمزاج النفسي والشعور بان العمر قد قارب النهاية مع تمنياتي للشاعر بطول العمر،واقول له:   لا يعرف الحب شيئا اسمه العمر

لاينتهي الحب الا يوقف القلب، (حمى الله قلبك خالي العزيز)

 ضمت المجموعة القصائد المحلاة بعناوبها ذات الدلالة العميقة، وقد تراوح اسلوبها بين الرمز والمباشرة، وقاسمها المشترك هو الذات فهي قصائد تنطلق من الذات على جناح من خيال مرهف شفاف، وهي تطريز وفيها الشاعر يسكب جميل عباراته معرفا باهزوجته الغنية بالدلالة، اه لوتدرين وهي قصيدة شكوى وعتاب وحرائق، وغدي قصيدة الامنيات وما يتصوره في غده وانه جاد ومؤمن بحبه وسيبقى عل ظهر جواده الى ان يتحقق اللقاء،واحببتها ولكن، مناجاة دافئة وامنيات تبحث عن طريق ولكن الاستدراك يسلب لحظة الغرام ضرامهاو تعالي قصيدة بوح ذاتية المطلع والختام،وتراتيل الهوى صلاة في محراب العشق، اما ان يضيق الوجد ويتحول الى بحبوحة وجد، يبث من خلالها خلجات الهوى والحنين،ووداعا نورسي المهاجر فهي جردة حساب عن ماض كان اللقاء عرشه وفراق وانتصار لذات لاتحب المماحكات، ونبضات حب تتوزع بين الحضور والتذكر والسرحان في الغياب وهكذاتستمر الاشواق والعواطف والشكوى والقبول واللقاء والهجران الى اخر المجموعة التي ضمت احدى وثمانين قصيدة .

 

احمد زكي الانباري:

 

حاتم جعفركظاهرة، لا يظن البعض بأنها منتشرة على نطاق واسع والى الحد الذي يدفع للقلق، لذا لا يجدون أصحاب هذا الرأي ما يستدعي التصدي لها، بل حتى ذهبوا الى أبعد من ذلك، فعلى ما يعتقدون بأنهاستأفل كما أفلَتْ من قبلها الكثير من الظواهر السلبية، والحديث هنا يدور عن سيرة اﻷدب وما رافقه من عثرات وتجاوزات طيلة مسيرته عبر التأريخ. وعلى الطرف الآخر هناك مَنْ يراها بعين مغايرة تماما وراح قائلا: لقد باتت حقا تشكل خطورة، وستستفحل إذا ما تُرك الحبل غاربا أو إذا ما تعاملنا معها بتجاهل وخفة.

بصرف النظر عن الحالتين وما يحملان من رأي، فما يمكن قوله وما يمكن الإتفاق عليه، بأنها ليست بالظاهرة الجديدة على اﻷدب العربي والعالمي بشكل عام. وإذا ما عدنا بالتأريخ الى الوراء، فسينبأنا وعلى سبيل المثال، بأن أكبر شاعرين عربيين كانا قد رميا بها، الا وهما المتنبي وأبو تمام، على الرغم من إنهما عاشا بزمنين مختلفين والفارق بينهما زاد على المائة عام، ولا أقصد هنا بأنَّ أحدهما نحل من اﻵخر، كما قد يذهب الظن بالبعض، وإنما ما أدعته فئة صغيرة، ظلَّت طريقها، وراحت تحلّقُ خارج السرب مرة ومرة تحفر في الخبايا، علَّها تعثر على مثلبة، تروّج لها لتستطيب.

في عصرنا الحديث ومع مطلع القرن الماضي وكي نعطي مثالا أقرب للقارئ، كنا قدشهدنا العديد من السجالات اﻷدبية، منها ما تعذَّرَ تدوينه وﻷسباب كثيرة لسنا بصددها وضاعت نسيا منسيا، ومنها ما تمَّ رصده. ومن بين ما توفَّر لدينا من معلومات وتستدعي التوقف عندها، هي تلك الواقعة التي دارت رحاها سنة 1916وإنتشرت في حينها على نطاق واسع، بين الشاعرين عبدالرحمن شكري من جهة وابراهيم المازني من جهة أخرى. ففي كتابه الموسوم (المذاهب اﻷدبية)، يتحدث الدكتور عبدالله خضر حمد، عما دار بين الشاعرين من سجالٍ وتدافعٍ حتى بلغا مرحلة، تقذافا فيها ما يمكن إعتباره أرخص التهم، وبما لا تتسق ومكانتهما، (وثارت إثر ذلك الخصومة، فأخذ شكرى يعيب على المازنى انتحاله لبعض الأشعار الإنجليزية بعامة، ومما دون فى "الكنز الذهبى" بخاصة).

ولمزيد من اﻷمثلة عن ظاهرة السرقات اﻷدبية التي نتحدث عنها، فسيتوقف الصحفي المصري، عاصم زكريا عند إحداها، كاشفا عنها وبقدر كبير من الصراحة والتفصيل، وبتقرير كان قد نشره في مجلة المصور القاهرية في شهر آب لسنة 1993، توقف  فيها عند مسرحية (العريس) والتي تُعَدٌ باكورة أعمال الكاتب الكبير توفيق الحكيم، فهي باﻷساس والكلام للصحفي (مسرحية فرنسية مجهولة). وقد عزز هذا الرأي ناقدا مسرحيا آخر، حيث ذهب الى ما هو أبعد حين كتب: وقفت من المسرحية موقفاً جامداً؛ لأنها نُقلتْ من الفرنسية إلى العربية، فقط مع تغيير الأسماء. اﻷنكى من ذلك، فإن أحد أهم اﻷعمال الروائية للكاتب توفيق الحكيم، والتي ستكون سببا في شهرته وشيوع إسمه على صعيد اﻷدب في ما بعد، الا وهي (حمار الحكيم)، حيث سيرمى بإنتحالها هي اﻷخرى أو لنقل بإقتباسها تخفيفا لوطئة المفردة وما تحمل من معنى، بإدعاء إنَّ كاتبها اﻷصلي هو خوان رامون خيمينيث، الإسباني الجنسية والتي حملت عنوانا أنا وحماري، علما أن هذا الكاتب سيمنح جائزة نوبل للآداب عام 1956عن روايته هذه وعن مجمل أعماله.

وعن ذات الموضوع وبمثال أقرب وأكثر معاصرة، فقد شنَّ الكاتب التونسي كمال العيادي، المقيم في العاصمة المصرية، حملة شعواء على اﻷديبين يوسف زيدان، الحاصل على جائزة البوكر لعام 2009 عن روايته عزازيل كأفضل عمل روائي عربي، وكذلك على علاء اﻷسواني صاحب رواية عمارة يعقوبيان، متهما إياهما بالإنتحال. فعن يوسف زيدان مثلا ونحن هنا لسنا بمسؤولين عن ذلك، وتعزيزا لما  ذهب اليه، فقد ادعى بأنه قام (بسرقة عزازيل من رواية إنجليزية قديمة ومهملة لروائي إنجليزي كتبها عام 1853، وترجمها إلى العربية عزت زكي بإسم هابيشيا، والتي تتكون شخصياتها الرئيسة من بطل الرواية، وهو راهب من وادي النطرون). بالمناسبة وعلى ذكر رواية عمارة يعقوبيان، فقد أثيرَ على أثر إصدارها تحفظ ولغط واسعين، وسُمعت أصوات عديدة من قبل سكان العمارة اﻷصليين أو مَنْ تبقى منهم، متهمين كاتبها بحرف الحقائق أو اللعب عليها بطريقة أساءت لساكنيها.

ربما يخال للبعض بأن ظاهرة السرقات اﻷدبية، قد أقتصرت على الناطقين بالعربية فحسب، وهذا رأي يجانب الحقيقة ويبتعد كثيرا عن كشفها. ولكي لا نغوص عميقا ونشتت ذهن القارئ، وإختصارا للأمر، فلا بد من القول بأنَّ اﻷدب العالمي وبكل لغاته الحية والمستجيبة لمتغيرات العصر، قد شهدت وربما على نطاق أوسع مثل هذه الظاهرة، أي السرقات اﻷدبية وتحت عناوين ومسميات عديدة. وإذا أردنا أن نأتي بمثال فسنكتفي بسرد إحدى الوقائع وكما وردت في الكتب التي تتحدث عن تأريخ اﻷدب.

فَتَحْتَ عنوان عجائب وغرائب السرقات اﻷدبية، كان الكاتب محمد الشبرواي قد نشر مقالا في موقع أنطولوجيا اﻷدب العربي، تحدث فيه عن هذه الظاهرة وبلغة بدت أكثر صراحة ووضوحا. وما يلفت الإنتباه في مقاله هذا ويجذب اﻷنظار، هو ذلك العنوان الفرعي الطريف الذي أسماه بالسرقة اﻷدبية تحت تأثير الكحول. كشف فيه عن تلك العلاقة التي جمعت وتحت ظروف خاصة جدا، بين الروائي الفرنسي غوستاف فلوبير (1821 ـــ 1880) وبين إحدى حسناوات باريس، وإسمها لويز كوليه، حيث إدعت علاقاتها باﻷدب عموما وبالشعر بشكل خاص. وصادف ان كان هناك ولنسميه سباقا للشعر وعلى مستويات عليا، لتصر هذه الحسناء على الإشتراك به وبأي ثمن. (ولأن قريحتها الفنية سقيمة ورديئة؛ فقد آلت على فلوبير إلا أن يكتب لها قصيدة). وكي تُكمل مشوارها وتحقق غايتها فقد (أغلقت عليه وصديقه بويليه الحجرة ورفضت خروجهما إلا بعد أن ينظما القصيدة... وتحت تأثير السُكر تناول أحدهما أحد دواوين لامارتين، وأملى على صديقه بضع أبياتٍ منه، وأنجزا المهمة وخرجا بعد يأس من هذا المأزق). ومن مهازل اﻷقدار أن فازت هذه القصيدة بالجائزة اﻷولى في ذلك السباق ونشرت في أهم الصحف وأوسعها إنتشارا وخاصة الباريسية منها. ولكن في ما بعد إفتضح أمرها وإفتضح أيضا أمر الجهة المنظمة للمسابقة، لجهل اﻷخيرة مرة لشاعر كبير بقامة الفونس دي  لامارتين، ولإنحيازها للحسناء مرة أخرى.

بجانب هذه الظاهرة، أي السرقات اﻷدبية، بدأت ترى النور وتتبلور ومع مطلع الستينات بعض المفاهيم والمصطلحات الجديدة في النقد اﻷدبي، لتشق طريقها بروية وراحة، وصولا وفي آخر المطاف الى الإفتراق وقطع الصلة مع ما أسميناه بالسرقات اﻷدبية، لتحدث لاحقا تحولا نوعيا فيما بات يُسمى بالنقد اﻷدبي، وعلى ضوءه سيجري التعامل مع النص على أسس وقواعد مختلفة، إنه ما بات يُعرف بمصطلح التناص. وعن هذا المفهوم فقد تحَّدث الكثيرون عنه وغاصوا في أعماقه وخاصة أدباء فرنسا، المولعين أصلا بفن الكلام واللسانيات. ومن بين أهم اﻷسماء التي كان لها الدور البارز في التوقف طويلا عند هذا المفهوم هي الناقدة اﻷدبية، الفرنسية الجنسية، البلغارية اﻷصل، جوليا كريستيفيا، حيث ستتحدث  بشيء من التفصيل والدقة عنه ومع بداية الستينات من القرن المنصرم، ولِتتوجهُ وبنهاية ذلك العقد بواحد من أهم إصداراتها، الا وهو كتابها الموسوم بعلم النص.

وعنها نقول (أي عن الكاتبة) انها واحدة من بين ذلك الرعيل الفرنسي الذي وضع إصبعه بثبات وثقة على هذه الظاهرة، لتفسر لنا مفهوم (التناص) كمصطلح نقدي، مضفية عليه لمسات معاصرة، ولتمنحه أيضا نوعا من الإستقلالية والتميّز عن باقي المفاهيم اﻷدبية كالسرقة والإقتباس والتضمين وأخواتها بطريقة سلسة، وبما يؤشر الى إمكانية التأثير والتأثر وما سيتبعه من تفاعل بين النصوص بعفوية وبراءة مطلقين، سواء على مستوى المعنى أو اللفظ أو الإثنين معا، ووفق حدود وثوابت معروفة وواضحة.

وبذاستكون جوليا كريستيفيا، والتي (تعدُّ واحدة من البنيويين الكبار مثل رولان بارت وتودوروف، عندما كان للبنيوية مكانة هامة بين العلوم) قدشفعت للشاعرين الكبيرين أبو تمام والمتنبي، ما ألصقِ بهما من تهمة النحل، دون دراية منها ودون أن يعترضا أو يرغبا على ما أجزم، فهما سادة القريض وكتبا أجمل ما قيل في فن القصيد، وهما مَنْ فتح الباب واسعا للقادم من اﻷجيال كي يقتفوا خطاهم، فهما وأصحاب المعلقات السبعة أو العشرة مَنْ مَسَكَ وَتَحَكَّمَ بزمام اﻷمر وأوصلنا بناصية الشعر ليضعنا في أعلى مستوياته وأبهى تجلياته، ولهم أيضا قصب السبق في فن إستحضار وتوظيف ماهو أبعد من الخيال وأجمل من الوصف، وإذا كان هناك من شكٍّ فلنسأل اﻷثر فهو الذي يدلنا على المسير.

وإزالة للبس أو الخلط أو ما يقترب منهما، فسنتوقف لبعض الوقت عند مفهوم السرقة اﻷدبية وما يميزه عن مصطلح التناص، وكيف يعرفّه ويراه أحد الكتاب العرب، واظنه كان مصيبا في ما ذهب اليه. معتمدين في صدق شهادته على غنى تجربته، وما له كذلك من مساهمات جليلة في نواح عديدة من أشكال التعبير اﻷدبي، ولقربه أيضا من بيئتنا الثقافية بل هو ابنها، والحديث هنا سيدور عن الأديب والصحفي السوري وصاحب العمود الثابت في صحيفة تشرين الدمشقية، حسن م يوسف، حيث سيلخص مفهوم السرقة اﻷدبية، بصراحة تامة ومطلقة وعلى الشكل اﻵتي:

(أخذ ما للغير خفية، والسرقة الأدبية هي قيام أحد ما بنسخ نص أبدعه شخص آخر وتقديمه على أنه له). وإستطرادا للرأي اﻵنف وفي لحظة تعاطف، أجدها قد مالت نسبيا الى جانب صاحب النص الأصلي، الذي سيتحول حسب ما أرى الى ضحية لِمنْ إلتف وصادر منجزه، فسيستكمل الكاتب وفي ذات المقال رأيه عن هذا الموضوع(من المعروف أن مبادئ حقوق المؤلف لا تحمي الأفكار، وإنما تحمي تعبير المؤلف عنها، إلا أننا نقرأ ما يشي بأن هذا المصطلح اكتسب طبيعة مطاطية؛ لأن كل مستخدم يعطيه ما يناسب وجهة نظره). ربما أراد حسن م يوسف من وراء إستخدامه لهكذا تعبير، هو تحريض المشرع وحثه على سن قواعد نشر أكثر تشددا وإنصافا، تحمي وتدافع عن صاحب النص اﻷصلي، ودونها سيتمكن أي منتحل من التسلل وسرقة أفكاره ويبني عليها ما يشاء من لفظ، ومن غير أن يُعرِّض نفسه للمسائلة .

وبعد السرد اﻵنف عن مفهوم السرقات اﻷدبية وما قاله البعض وما أدلى به من شهادة، فلا بأس من التحدث وإن على عجالة، عن إمكانية الكشف عنها وفضح مَنْ يقف ورائها. ففي عصر كالذي نعيشه وبعد أن بلغت تكنولوجيا المعلومات مرحلة متقدمة جدا،سنرى اﻷبواب والنوافذ قد فُتحت برحابة ورشاقة، لتدلنا على الكثير من الخبايا والخفايا، وستفتح معها ما توفر من وسائل وطرق، لتقودنا الى وضع اليد على الجرح وعلى مَنْ جَنَحَ. فبإشارة وحركةصغيرة من محرك البحث، الحسن السيرة والسمعة، المسمى بـ(الغوغل)،سيقودنا هذا الصديق الوفي الى أصل ومنشأصاحب العلاقة الشرعي بالنص المكتوب، ليكون بذلك قد قطع الطريق على كل منتحل، لا يمت بصلة الى عالم الكتابة وجمالياتها، كان قد إدعى وفي غفلة من الرقيب بما ليس له، دون مواربة أو خجل أو وجل، ولا أعتقد أن بعد ذلك من دليل أنزه وأصدق على كشف الحقائق. لنقل شكرا لك ايها الصديق الوفي (غوغل)، فلقد أوصلتنا مبتغانا، بعد أن قصَّرتَ علينا المسافات وأهديتنا من الوقت والجهد أثمنه.

لكن ورغم ذلك فإن هناك أشكال أخرى من أشكال السرقة اﻷدبية وأظنها ليست بالقليلة، التي لا يمكن الكشف عنها بتلك السهولة. منها مثلا أن يقوم أحدهم بالتسقط من هذا بكلمة ومن ذاك بفكرة ومن آخر بعبارة، ليمضي بها وكيفما إتفق، ظنا منه بأنه قد بلغ مرحلة تؤهله لعبور أصعب اللحظات وأعقدها. وهذا الصنف من المدعين،سيفتضح أمره بلا شك بعد قراءة نصه المنتحل بشيء من الروية والإنتباه، خاصة إذا ما كان منتجه المفترض قد دار في فلك يصعب إختراقه أو دخوله، كعالم اﻷدب، لنكتشف ودون عناء كبير، بأنَّ ما كتبه، لم يكُ الاّصدى لخليط غير متجانس، كانت قد تداخلت فيه العديد من اﻷصوات، وأجزم انها كثيرة لذلك تجدها قد تضاربت فيما بينها وتصادمت.

ملاحظة: هناك الكثير من أشكال الإنتحال والسرقات اﻷدبية، منها المرئية ومنها غير المرئية، لكننا إكتفينا بهذا القدر، آملين أن نكون قد توقفنا عند أبرزها وأشدها وضوحا.

 

حاتم جعفر

السويد ــ مالمو

 

 

 

احمد ختاويفي رواية "حارسة الموتى" للروائية المصرية عزة دياب

اندلاق اللذة من غمد الرمس وشرعنته في الرمس كمقوم منزوع من قيمه السلوكية لدى حمدية كبعاث مفصلي منخور في تأثيث معنى اللذة، أو ما قد نصطلح هاهنا - جزافا - " النبش التبريري الاستباقي " معادلة تدعو إلى تبرير المفعّل وإن كانت نتيجة العوز والترمل، في هذه اللذة الإستباقية بين ما يدعو إلى التأمل في أول بطل رئيس رائد لها  "الداهش "، لتليه حمدية، جابر الأستاذ عبده، أو إسماعيل وغيرهم انطلاقا من " أسطرة الحكي " كمدّ ومدد تسريدي في راوية " حارسة الموتى، وهؤلاء شخصوها المفصليون، وفيهم التابعون لهذه اللذة : ماهر، سعدون في شكله الأسطوري، الارتدادي، يشكلون القطب الوحيد وهو اكتناز المال وأسطرة المفاهيم – سردا - وتصنيم الميت كعبادة " شجع "

حجز حيز أو مقعد أو كرسي ريادة من قبل هؤلاء بجوف الرمس بات لديهم من " ألوهية " الريادة وسطوة وسلطة الذات والبداهة والحنكة والخبرة والمغامرة في ذات الأوان لكن بقليل من الخوف والجزع والوجل، بات " صنعة " ظافرة تجلب الأساور والذهب وغنائم الموتى الطازجة،

" أخلدة الروح الملتحقة بباريها لم تشكل لديهم عامل الرأفة، بقدر ما كانت مغنما لجلب ما تبقى من أقراط ومجوهرات خاصة عند العرائس الجديد، مثلما حدث مع عروس ماتت في أسبوعها الأول فنًهش قبرها وسلبت منها أساورها وخاتمها ..

ضمن هذه المسلمات والأنساق تغدو عجرفة وجلافة الطباع في التعاطي مع مثل هذه السلوكات امتراس هذه المهنة جيء بها من واجهة العوز، وتحتاج الى مراس بالمقابل وتدريب على قهر الروح وتجريدها من عطفها اللحد يئن وحمدية وأعوانها ينشدون الظفر والربح، لا تهمهم أواصر الروح بالجسد ..

أواصر " الذرائعية " تغدو من وجهة أخرى قيّما مثالية في منظومتهم السلوكية .

همهم الأكبر والمحوري من "يهبش" أكثر ويخزن غنائمه بالمعبد إذا كان قول الشاعر الفرنسي (باتريس دوبان، 1911-1975): (البلاد التي لا أساطير لها، محكومةٌ بالموت من البرد، فإن هؤلاء لا يهمهم أيضا منها هذا المقوّم الحضاري، الاجتماعي غرائزية رجب مع ماهر أنتجتا لذة عشيرة الطوطامية في أبشع أبعادها اللاحضارية . اللإنسلنية .، تجيء هي الأخرى بتفعيل من دواعي عوز رجب مع والدته  ومأساتها فانعكس على سلوكه المجتمعي ماهر المددل بالمدرسة والذي كان يهرب مع صديقه سعيد العائد من العراق والذي خذله أخوه في ميراث كان حجره الأساس والدة رجب  غسالة الموتى وحارسة القبور والموتى في ما بعد والتي رمت ذات اشتهاء بيولوجي من قبل الأستاذ عبده موثق كل العرائض بالبلد أطمارها الرثة ببيت الأستاذ ولبست جلبابا واستجابت لنزوعتها هي كذلك فارتمت بسريره وبين أحضانه ينهها وتنهشه كما يمهشان القبور، وهي لا تدري إن كان إنسا أو عفريتا، وهو بنهم اشتهاء يزأر جوعا جنسيا  .

استطلعت حمدية نزوتها الغرائزية طمعا ف الزواج به، علما بأن هذا الأخير لم يتزوج قط  حتى أشيع عنه في الأوساط بأنه متزوج من جنية .. بعد محاولة اجتذاب وإغراء شقيق زوجها، حديث الوفاة، رغم غيرة زوجة أخيها كلها عوامل أنتجها العوز وهو انعكاس لحالة التردي المعيشي في أعقاب "نهرات" حماتها ودفعها للزواج، حتى تنفق على ابنيها : حامد ورحب ففكرت بغواية الغريزة أن تتزوج وتستدرج شقيق زوجها وغيره وإن كان بغيا في انتظار ترسميه كما حدث لها مع زوجها الذي لم يسجل أبناءه بسجلات الحالة المدنية عقب زواج عرفي إلا بعد أن طلبها الأستاذ في وثائق كانت ضرورية إفادته بها لتحديد هويتهما وتسوية حالة معاش فاضطر أن يسجلهما على أسم جدهما وهو نسم اسم أبيهما .

في ذات مشهد من روايتها

قد لا أفصح عن موت حمدية وكيف ماتت ورجب ابنها كذلك، حتى أترك للقارئ نكهة التجلي في ماهية "رواية " حارسة الموتى" بالرغم من شيوع الخبر أن رجب تعرض لحادث سير فمات

أين "مخزونات" ماهر وعمران ودهاءه والولد المحتجز

أين الديباج واللؤلؤ والمجوهرات وخبث ودهاء حمدية ضمن مشدية من روايتها ط حارسة الموتى

ترشرش في أول مشهد لها الروائية عزة دياب جزءا من تضاريسها الحكائة  بأول ذروعها " الداهش " أمام واجهة للتماهي بأسطرة العفاريت وانبعاث .

"الداهش" كمبنى دلالي وكتوظيف محكم في جلب ذائقة المتلقي.

 الداهش خوذة الحكي والقص في تعاضدية سردية متزنة مغرية تمكنت فيها الروائية بوعي ساردة تمتلك ناصية التوظيف من القبض على مكونات وكينونة السرد بكل أبعاده وعلى هوامشه  تزرع ألفاظا ملغمة ب إدهاش ثاني بكل ما تمتلك جماليات السرد من مقومات وتقنيات التعاطي مع  قشرة السرد وبواطنها، بمعنى " تسريد الممكن في زمكانيته  وتضاريسه بوعي لافت، فكان الداهش واجهة هذه المفاصل السردية بامتياز، مشفوعة ب" بوثبات " باللغة العامية المصرية أضفت نكهة مميزة على " حارسة الموتي " كمقوم سردي دامع  على صعيد الوجهتين: استطيقيا " الشكل والمضمون والتأثير في المتلقي معا،  فكان الإدهاش من " الداهش " أحد الشخوص الرئيسيين منعطفا محوريا لافتا .

اختيار " الداهش كإستهلال ظل لفظا ملغما بحنكة ساردة تعي ما تسرد .

عبر ممرات لحظات " ماضوية " فلاش بيك " هذا الذي ألجمته الروائية عزة ديب بكل اقتدار مما ينم على أنها تمتلك ناصية " الطرز الجمالي " كغلاف لمضمون مؤثرقادم عبر فصول ومشاهد متتابعة، اختارتها ولولولبتها أي المشاهد والفصول - بعناية فائقة

الاسترجاع لديها مؤثث أيضا بحنكة وتؤدة ومراس مما أكسب الرواية " حارسة الموتى " سُمكا دلاليا عزيزا.

لم تكن الروائية عزة دياب عرافة " وهي تستنطق عالم الجن والعفاريت، ككاهنة أ و "قارئة طالع أو فنجان بل كانت مؤثثة، ومؤرخة لواقع مجتمعات عاشت على " أسطرة " سقف الإيمان بأن " الجن تسكن الموتى و تتحول الى أشباح ضمن هذه الأنساق فككت أطر بناها المعماري التسريدي على جميع الجبهات .

فكانت قارئة هذه السياقات الشعبية بوعي تنقيبي وإريكيلوجي أيضا في الحارات المصرية القديمة الشعبية وما ألت إليه الخرافة في أوساط النسوة وعند الصيادين بضفاف النيل وبمنتج "رشيد" ضمن هذا المدارات أسست الروائية عزة دياب لمفهوم روائي وازنِِ استقرأت فيه انثروبولجيا الطبقات الفقيرة والجاهلة .

لم تمارس السياسة في روايتها هذه الا قليلا بإيحاءات خاطفة وعيا منها بأن ذات الرواية تتحدث عن عالم الأموات وهي من كانت حارسة المقابر والموتى معا استجلاء الأحداث في رواية " حارسة الموتى " تتقاطع أيضا مع مبنى انثروولوجيا " الوهم " وحتى فلسفيا في تطابق تنظيري مع مقولة مقولة الشاعر الفرنسي (باتريس دوبان، 1911-1975): " البلاد التي لا أساطير لها "، محكومةٌ بالموت من البرد "، هذا الأخير الذي يقرن في مقولته في ما معناها "

يقصد من لا يمجد ثقافته يلسعه برد اللاهوية، في هذا المنظور يستدعي باتريس دوبان النخبة أن تتشبث بمقوماتها الحضارية والتثقيفية،مثلما تستدعى هذا الانشغال الروائية عزة دياب بيئتها وعالم الخرافة فيها من منظور استطلاعي اجتماعي .

فيما تذهب إلى ابعد من هذا، فتجتث الروائية المصرية هذا المنحنى البنائي الانثروبولجي في اجتلائها لخبايا الموروث الشعبي العام في سذاجته  على صعيد " مكننة " المفاهيم الحضارية - سردا - وغيرها وهوية الشعوب(الشعب المصري كنموذج للمعتقدات العربية والمشرقية، فتجنح الروائية عزة دياب إلى الوعي الباطني كقيمة ماهية وخيمة العواقب من خلال استبطان الوعي الشعبي وتداعيات وتبعات هذا الاعتقاد .

بالدفء بنار الأساطير ولو كانت وهمية أو لا تستند إلى أسانيد، فقط - ضم سياقات السردية - التثقيبية . تستظهر وعي العامة بأشكال مختلفة، هذا ما تمكنت بوعي بنائي هندسي وتنقيبي الروائية عزة دياب من قصه "علامة مسجلة" في معتقدات الشعوب المشرقية بتضاريس حكائية في غاية العجائبية السحرية، وأنت تقرأ " حارسة الموتى" كأنما أنت أمم  رواية غارسيا ماركيز في مده الاستبطاني خاصة روايته: مئة عام من العزلة، وبالتحديد قرية ما كوندو كوعاء لمجريات الرواية تعالج هذا الإرث التقاطعي بين الموت والحياة بلسان المخاطب على لسان بطلتها الرئسة حمدية متبوعة بشخوص ثانوية: العربي، ابنيها : حامد وجابر وعمران، وماهر وسعيد وجارات الحارة وغيرهن من مكونات هذا العمل الكبير " حارسة الموتى " الذي حصد جائزة راشد بن حمد عن جدارة واستحقاق :

إذا كان الشاعر الفرنسي بول فاليري (1871 ـ 1945)، في مقولته المعروفة يقول من منظور استنطاقي واستنباطي : “نحن، الحضارات، إننا نعلم أننا فانون. ” لماهية الروح بمعزل عن الجسد وطوطامية الغواية والعوامل البيولوجية،، فإن الروائية المصرية عزة دياب لم تستثني العامل البيولجي : أثنية " ماهر" وعلاقته المشبوهة مع رجب المنحدر من بيئة فقيرة أمه حمدية التي ترملت فأصابها العوز حتى العظام وحتى النخاع فاشتغلت " غسالة موتى " وحارسة مقابر، رجب لم يفلح في دراسته، التحق بمهنة أمه التي كانت تصحبه معها إلى المقابر، فكان فضوله كبيرا في معرفة ما تقوم به أمه من نبش للقبور واجتلاب رزقها من غور  الغياهب، ولو على حساب القيم الإنسانية من جوف المقابر ومن باطن الأرض، قبل أن تمتهن هذه المهنة التي ذرت عليها أموالا طائلة، علما أنها كانت تبحث عن رجل ولو بعلاقة غريزة قبل ثرائها من منتجات القبور .وغلبتها ..

في البدء، المهم أن تظفر برجل وهذا ما حدث لها مع الأستاذ عبده ماهر المخنث يربط علاقة وطيدة مع ابنها رجب الذي يتعاطى الحشيش ويلف في كل سيجارة كميته التي يتلقاها من ماهر وغير ممن يساعدهم نظير جهده وأتعابه "ماهر " المترف يسخر الجن لينقب عن الكنوز بالمنازل والأبنية المهترئة بمساعدة أعوان له، فيهدم المباني الهشة ويحولها إلى عمارات فاخرة. هذا المترف رجل أعمال له نفوذ بالأوساط الحكومية النافذة في البلد .

الرواية

على الصعيد الايركولوجي الفني المعماري التسريدي، تتقاطع الروائية عزة دياب مع النسيج السردي الكلاسيكي، النجيبي، نسبة إلى نجيب محفوظ وجزءا من تقنيات التعاطي مع الشخوص وفق مقتضيات النسيج الذي لا يمجد بطلا بعينه كما في الرواية الكلاسيكية فهي تنحت دلائلها وفق مقتضيات الحبكة  كما الروايتين الجدد وعلى رأسهم رائد الرواية الجديدة آلان روب غرييه،ناتالي ساروت،ميشيل بوتوروغيرهم .

في صلابة المعطى العام للنسيج الجمالي، الاستطيقي ووقائع الزمكانية في تسريدها وتحريكها لشخوصها الرئيسيين والثانويين معا حسب كل حالة حسية وحسب متطلبات كل مشهد وفصل بلغة تغترف من قناعتها بأن التبيئ يجب أن يكون حاضرا كحمولة معرفية وثقافية . ودلالية لتحديد المكان والزمان .

مع تحميل الوعي الترابطي بين مشهد ومشهد منفصل لكن بدوران ارتدادي للبطلة حمدية .. وهذا ما لمسناه لديها بين فصل وفصل ومشهد وآخر .

امتدادا واغترافا من ثقتها في إمداد المتلقي بمكوناتها انطلاقا دوما من حمولتها الاستنباطية في تسريب هذه المكونات إلى القاري في حلة تاريخية  لوقائع أزمنة بعينيها تدليلا للعقبات والعوائق المفصلة، وهذا ما اكسب هذا العمل عن جدارة حيازة جائزة الروائية المصرية عزة دياب فوز روايتها "حارسة الموتى" بالمركز الأول فرع الرواية كبار لجائزة راشد بن حمد

امتداد واغترافا من تبيئها للموروث العام لهذا الإرث الخرافي على وجه التحديد بخاصة الإنسان المشرقي في تسويق ضمني أيضا إلى باقي البيئة العربية الأخرى وهنا أحالتنا وهي تتعاطى مع الجنس كممول للسرد وبعدها الدلالي التغليفي برائعة الطيب صالح : موسم الهجرة إلى الشمال وبطله سعيد، غير أن الروائية عزة دياب وهي تتقاطع مع هذا المنحى تناولت هذا السلوك المشرقي لا لكونه تعطشا لهذا الغريزة البيولوجية وإنما من منظور استبطان هذا الجانب من وجهته البيولوجية ..وكغواية عند الحاجة في فلسفة واعية في تناول فلسفة الموت والحياة كمعطى دلالي بأنه أي الموت نعمة للفقراء وانتقام من المترفين والأغنياء ..

ضمن هذا السياق الرؤيوي تناولت بوعي فلسفي كبير هذا التجاذب في مأربه مع فاليري وكافكا وحتى الروائي الطاهر وطار في " الشهداء يعودون هذا الأسبوع، حيث هذا الأخير بصورة تمجيدية يؤسس لمجد ارتدادي ليفصل بين الخلود وفساد من هم على البسيطة، فيما تستدل الساردة عزة دياب في روايتها "حارسة الموتى"

من أزقة مصر الملتوية نسجا ومعمارا فنيا محليا لذات الاشتغال على مستوى المبنى العام، وهذا ما أكسبها تفرد الألفاظ الملغومة وحتى جاذبية  مغناطسية الطوطامية كاشتهاء حيواني صرف.

 

كتب: أحمد ختاوي / الجزائر

 

 

تعرّفت على كتابات الروائي السويسري كلود كيوني، الكاتب باللغة الألمانية من خلال روايته المعنونة "اللعبة الكبرى"، الصادرة بنسختها الهولندية لعام 2008.

"اللعبة الكبرى" رواية تاريخية، أنثروبولوجية ومسلية. تدور أحداثها حول اكتشاف الاسكتلندي جون لاو (1671-1729)  للأوراق النقدية وأيضا حول الوضعية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في نهاية القرن السابع عشر في أوروبا.

تتمتع الشخصية الرئيسة، جون لاو، بذكاء ومهارات في علم الرياضيات، استغلها في القمار ولعب الورق. لكن حلمه الرئيسي كان يتجلى في اعطاء دفعة لاقتصاد بلاده، اسكتلندا. وقد وضع خططا لذلك، لكن كلّ مرّة كانت أفكارُه تلقى الرفضَ بالأخص من قبل المصرفيين وجامعي الضرائب.

كان جون لاو زير النساء ومحب للعب الورق. ورث وهو في سن مبكرة من والده، الذي كان صائغا معروفا، أموالا كثيرة وقلعة لوغهستون، التي لُقب باسمها، كما كان الحال آنذاك.

مبارزات

كان سلوكه وذكاءه في لعب الورق  محطّ إعجاب النساء بالأخص، لكن أحيانا يخلق له هذا الإعجاب أعداءً. كانت البداية مع أول مبارزة له في المدرسة الداخلية، التي أرسله أبوه إليها ليكمل تعليمه، آنذاك هزم خلالها غريمه. وعندما أصبح بالغا، فمبارزته الثانية، التي انتهت بوفاة غريمه، كادت أن توصله إلى حبل المشنقة. فسلوكه المستهتِر أوقعه في مشكلة مع غريمه ادوارد بو ويلسون، الذي كان أيضا معجبا بإيزابيلا فيليي (1657-1733)، المرافقة وعشيقة وليم الثالث فان أورونيا (1650-1702) ملك بريطانيا وإيرلاندا منذ 1689. لقد كانت المبارزة ممنوعة آنذاك وعقوبتها الإعدام. رفعت عائلة ويلسون المتنفذة قضية ضد جون لاو، فحكم عليه بالإعدام. لكن جون استطاع أن يهرب من سجن لندن، بفضل أمواله واتصالاته النافذة، كما جرت العادة في ذلك الوقت. وبذلك ينجو من حبل المشنقة. فبعد مبارزات وصدامات بالأسلحة، كرّس لاو حياتَه لتحقيق نظرياته واستقر بباريس.

الأوراق النقدية وألدورادو

منذ نعومة أظافره، كان جون لاو لوغهستون مفتوناً ببنك أمستردام ونظام الأسهم الهولندي الذي استخدم في الاحتكار التجاري لشركة الهند الشرقية المتحدة. كان يتنقل بين أمستردام ولاهاي واسكتلندا وفرنسا، بين سنوات 1669 و1715. وكثيرا ما كان يتردد على بلده اسكتلندا محاولا اقناع أعضاء الحكومة بتأسيس بنك تجاري على الطراز الهولندي وانقاذ اقتصاد بلاده من الانهيار. لكن محاولاته لم تلق قبولا. كما أنه نشر خططه في كتيب عام 1705.

كانت فرنسا ملك الشمس لويس الرابع عشر، المسهب في البذخ والاسراف، ظاهريا غنية وقوية وفي الحقيقة  منهارة ومنخورة، وبعد وفاة الملك عام 1715، قدم جون لاو خططه المالية للوصي على العرش فيليب اوغليون (1674-1723).

وأخيرا، تحقق حلمه ونفذ استبدال النقود من المعادن الثمينة بالنقود الورقية في عام 1716. وفي نفس هذا العام أسس البنك العام الذي أصبح في ظرف سنتين البنك الملكي. وكان يعتمد على رمال متحركة؛ كسندات حكومية وسندات الدين. هكذا رأت الأوراق النقدية النور. وفي ظرف ثلاث سنوات، أنشأ جون لاو شركة مسيسيبي، على غرار شركة الهند الشرقية المتحدة الهولندية، باحتكار تجاري لمدة أربع وعشرين سنة وذلك لاستثمار المستعمرة الفرنسية لويزيانا بأمريكا، التي أرسل إليها أسطولا ينقل على متنه ستة آلاف فرنسي وثلاثة آلاف من (العبيد). وبذلك كان المالك الافتراضي لربع الأراضي الأمريكية.

فقاعة المسيسيبي

فمن خلال الدعاية لشركة مسيسيبي ارتفعت قيمة أسهم لويزيانا ما بين 1719 و1720. وأصبح أصحاب الأسهم أغنياءً بين ليلة وضحاها. وشرع جون في تمويل مشاريع مثل بناء الجسور والمستشفيات والطرق وكذلك جعل الدراسة الجامعية مجانية. وكانت من ضمن ممتلكاته قصر مزاران، المكتبة الوطنية الحالية بباريس. لكن نجاحه لم يدم للأسباب التالية؛ من جهة، لأن الوصي على العرش كان يطبع  أعدادا هائلة من الأوراق النقدية مما أدى إلى انهيار قيمة العملة الورقية. ومن جهة ثانية، تناقلت أخبار بأن لويزيانا الغنية بالذهب والفضة هي مجرد مستنقع. هذا أدى إلى هلع بين الناس. فهرع أصحاب الأسهم للبنك لاستبدال سنداتهم نقدا وتحويل أموالهم للخارج. وكانت بداية انهيار قيمة أسهم لويزيانا وخسارة جون لاو وأكثر من نصف مليون شريك كل ما يملكون. فثار أصحاب الأسهم والتجار وعامة الشعب على الوضع وحملوا جون لاو المسئولية. فاضطر، عام 1720، للاختفاء من جديد لكي يستمر في مشوار حياته.

لقد كان جون لاو من الأشخاص الأوائل الذين بنوا نظرياتهم بشأن مسألة النقود الورقية التي لا تكون تغطيتها مشمولة بقيمة الذهب والفضة للقطع المعدنية فقط وإنما أيضا من خلال الدولة والناتج القومي الإجمالي. حسب لاو، فإن رفاهية بلد ما تعتمد على كمية وسائل الدفع المتداولة؛ الأوراق النقدية، التي ليس لها قيمة في حد ذاتها، لكنها ستحفز التجارة. من الوهلة الأولى، كان يبدو أن الوضعية ستؤدي إلى تضخم الذي حدث فعلا، وكان نهايته الفشل الذي ساهم فيه الوصي عن العرش. فاضطر جون لاو لمغادرة باريس والتنقل بين فلاندرز، ألمانيا، الدنمارك وبريطانيا، إلى أن وافته المنية، عن عمر يناهز الثمانية والخمسين ربيعا، فقيرا مكسورا في 21 آذار\مارس عام 1729 بفيينا إثر التهاب أصاب رئته.

وختاما، فإن رواية كلود كيوني مشوقة، تجمع بين التاريخي الوثائقي وبين الخيال في وصفة جمالية ممتعة؛ جعلتنا  نتعرف على زير نساء مستهتِر وفي الوقت نفسه فهو شخص منظّم، يجابه الصعوبات لتحقيق حلمه. وشاركنا جون لاو، كقراء مع الأعيان، يوميات  ملك الشمس لويس الرابع عشر بكل تفاصيلها وأهمية حتى تغوطه وتوليد المرأة أمام العلن، أو بالأحرى أمام الشهود على ولادة جنس المولود الجديد والعلاقات الأسرية الإباحية والوضع الاقتصادي والاجتماعي البائس في أوروبا وخصوصا عند وصفه الطريق خلال رحلته بين أمستردام وباريس، في كانون الثاني عام 1712، ومنظر الجثث المرمية على الطريق وفي القنوات والقرى المحروقة والمدمّرة إبان حرب الوراثة الاسبانية. أما الأوراق النقدية التي اختفت، طيلة سبعين عاما، من النظام النقدي الفرنسي،  لم تعد للتداول إلا بعد الثورة الفرنسية (1789).

 

نجاة تميم

 

  

انعام كمونةليلى الطيب في نصيها: "فستاني وأحمر شفاه" أنموذجاً

- سبق ان قطفت من رؤى الشاعرة المفردة النسوية البحتة من كلا النصين، ومن الأجدى ان أُكمل دراسة بعض العتبات كما أشرت في الجزء الأول، ليتعرف القارئ على محور المضمون وقصدية الموضوع، لقضية اجتماعية هامة نتعايش معها يوميا، كقيم متجذرة بالمجتمع، مسببة كثير من الشروخ بين الجنسين وهوة متصدعة، الا وهو الفطرة الأنسانية للمرأة...

- نسترسل برؤى الشاعرة فنستقرأ التأثر النفسي بفلسفة الأحاسيس في كلا النصين، والتي تنضح بوجدانية الشعور لتعبر عن قضية انسانية عامة متغايرة التداول، خلف ستائر المسموع، عبرت عنه عناصر متنوعة بقصيدة نثر معاصرة للمواقف بحداثة الرؤية، وبلغة انثوية متشابهة الشعور مختلفة التعبير بنكهة عاطفية، وبناء تعبيري بتقنية تشكيل لتكوين كيان النصين، وبتوظيف الرموز والعلامات والإشارات سيميائية إيحاء ينوء ببعضهِ البعض ليتماسك ترابطه، ويتشابك مقصده أكثر، فيعم بمضمون دلالي متناسق، وبشمولية الصلة بينهما المناجاة النفسية، بعتاب روحي نابض سياق الحدث بأحاسيس متنوعة، ستكون المفارقة باختيار بعض من صور العشق الباذخ بروح انثى تغزل الإحساس بشعرية ساحرة ولغة شعورية بحتة، تجذب تذوق القارئ، لذا استنطق قطاف متبادل من كلا النصين لنُثري المقاربة بما تستحقه حروف التأمل، وأترك الباقي للهفتكم ...

ولنبدأ بعتبات استهلالية من نص فستاني لنبحث عن سيميائية العناصر ونحلل الرؤى بتمهل وتروي  ...

من نص فستاني نستقرئ استهلال زمني لعتبات النص في مجاز دلالي مكثف واضح التشكيل جميل الانزياح بمكونين حسي ومعنوي (لاح فجري من جديد)، سيميائية توحي بغريزة الأنا لسرد الحكاية منذ التفاتة الشعور لبادرة الحب، بحدث الماضي من الفعل (لاح)، ورمز استعاري من الطبيعة يثري الدلالة (فجري )وآخر معنوي الشعور( الجديد)، تجانس فني لامتداد زمني حاضر، فنستقرأ استعارة تضاد غائرة الإشارة، تتماهى بزمن الشعور بين (ماضي وحاضر.. غروب وفجر.. قديم وجديد.. يأس وأمل )... إحالة تأويلية زمنية حين ايقاظ مهج الأحاسيس ...

وبأسلوب متناسق لمجازات أنيقة بتشكيل لفظي سهل التعبير، تكتمل الإشارة لاستمرار زمني باستخدام واو العطف في (والبُرْء طابت له نفسي)، تأكيد ذروة الأنا في بنية (فجري ونفسي) لتكرار ضمير المتكلم (الياء)، توحي لتحقيق حلم في قرارة النفس، فمتى تطيب النفس ؟، إحالة دلالية لرؤى الشاعرة وهي تمهد لنا السرد الموضوعي باستذكار ذاتي لتجربة المشاعر، بتكنيك لغة رائعة لاستفزاز فضول القارئ، لنتابع بماذا نستبصر من كنه فلسفة عواطف الشاعرة ...

من العتبة التالية نستوضح عمق حسي يربط ما بين الأنساق السابقة واللاحقة، يستحث بانفعال نفسي عميق، يشي بدلالة منولوج روحي وتساؤل إنزياحي بادراك حسي، كما في (أتُراني أورثتُه وجعا)، صورة شعرية عميقة الدلالة تؤكد مراجعة الماضي بتفاصيل الذات الواعية باستغراب استفهامي، مكتظة بفعل الحواس الأكثر فاعلية وتأثر بما تبصره في أعماقها من زخم الوجع حين يمتد لكل الحواس فيصبح إرثا، مما يدعونا للتساؤل هل يتوارث الوجع ؟، ولمن ؟، يفترض له إجابات تتبعه بعتبات مترابطة المناجاة من النصين، لنتابع...

من نص أحمر شفاه نستقرأ تكرار دلالة إرث الأحاسيس كما في (تركت خلفي ارثا فقيرا)، مقاربة تأكيدية تكمن في فحوى الأستعارة بما يشي عمق دلالة التضاد بفلسفة فنية عن غصة استفسار بما يعوم في ذاكرتها من آلآم أرَّق الجوارح واستبد به الزمن فاثكل الجراح، استرسال تقني بتساؤل مضني يحفز ذهن القارئ على الاستغراق في خيال الشاعرة للخوض في تأملاته الاستقرائية، إحالة تأويلية جوهرية تفكر لمكنونات أنثى واعية للصدمة، بمسعى معتاب...

نلاحظ مقاربة الترابط بتكرار مفردة الوجع دلالة التأثر النفسي من عتبة معبرة لنص أحمر شفاه (أكْتم وَجعِي) وهذا الكتمان يُكْلِم الروح ويغتصب التصريح بعتمة مطلقة تطوي الأحاسيس بضغوط نفسية، فيتضح من رمزية الوجع أداة دفن المشاعر الإنسانية للمرأة بمحيط متغاضي أحاسيسها، فبعد فوات الأوان يزدهر الندم إحالة تأويلية عن سيكولوجية روح تواجه قناعة العقاب بجوهر ثواب التصبر ، ومن مقاربة العتبتين يبدو رهف المشاعر رغم الوجع بحذر ان تسبب الوجع للحبيب، ودلالة سمة الإيثار بوجدان المشاعر منتهى الوجد والحنين ككيان إنساني، فنرى تبادل العتبات بكلا النصين ...

فلنتابع بلهفة قارئ لفلسفة حسية صوفية التعبير من العتبة (لأتهجد بترانيم الشّدو)، تعبير فني وتشكيل بنائي مرهف البوح، بصورة شعرية جميلة مريرة النغمات بصوت حسي، مركزة الشعور ببلاغ استعاري، فالتهجد رمز دلالة لمناجاة روحية للعبادة، ودعاء حين يستطيب للنفس الاعتزال، فتتطلع لهبات سماوية لما تبتغيه، احالة تأويلية لانعتاق روحي بخلاصة الحواس فلا سبيل للشكوى الا بمناجاة الإله....

كيف ستكون هذه المناجاة ؟ لنستقرئ لغة حسية مختزلة الصورة معطوفة بتمتمة الشعور، مرادف الدلالة لصورة شعرية من نص فستاني (وأتستّر بسكون الألم)، مقاربة بتعبير تجريدي عميق الدلالة ببلاغة الوصف تشير للرغبة الجامحة للتهجد، فنلاحظ ترابطها الحسي وفنية التعبير لتكثيف لوعة المحب بصمت المعاناة خوفا من الوشاة ولوم الآخرين، وما تراكم في مشاعرها من خيبة موجعة عليها إخفاءها من تقاليد ترسخ تحت وطأة حكمها في ظروف اجتماعية قاهرة لمشاعر الأنثى...

ومن البديهي ان ننتظر ما يأتي بعد مفردة أتستر، لكن الشاعرة اختارت السكون للدلالة على مدى الكتمان بساتر الصمت، إحالة تأويلية لرمزية الانطواء القسري، يستشعره القارئ قهر سلطوي، يحيل القارئ لمقاربة تضاد حسي باطني الصراع بين (الحركة والسكون)، مرتبط بالنسق السابق للانعزال، فالانزياح الدلالي التعبير إيحاء عميق ومضمر، وسيفسر ضمن آراء القراء باختلاف وعي تذوقهم...

وننحو لمقاربة بين صورتين شعورية الأولى استهلالية العتبة من نص أحمر شفاه (على ناي الحزن أنفاس مصلوبة)، ومن نص فستاني (ﻧﺎﻱٌ ﻳﺒﻜﻲ في تخوم الآهات)، صور شعرية متوقدة الاحاسيس ببنية جمالية مكثفة المشاعر تعبر عن وخز الوجع بسيكولوجية النفس المعذبة، يوحي بمعاناة متجذرة في اللاشعور، فنستقرأ مقاربة رمزية لأداة طرب موسيقية بصوت نغمي التكرار، قولبتها بلغة ضدية لحقيقتها فما صوت الناي إلا معزوفة حزن وأنين، تحاكي نظير الدلالات باختلاف التعبير...

كما اختارت الشاعرة استعارة التشبية بفلسفة صوفية بـ (أنفاس مصلوبة)، وهو تعبير حسي بتشكيل فني بليغ لاستمرارية زمن العذاب، فرمز الأنفاس استعارة تضاد بين الشهيق والزفير لتوحي بتكيف غائر لثنائية (الحياة والموت)، وبفاصلة رؤى للقارئ توحي بانتقال مبهم عن احالة تأويلية بما يجتاح عواطفها من آلام تقطر حسرات بصدمة خذلان الحبيب ...

ثم لمفارقة بتكرار معجمية الصلب من نص فستاني (لأصلب على أغصان النسيان )، و( أنفاس مصلوبة) من نص أحمر شفاه، تشابه مقرون بنسجة المضمون لتشكيل الصور، تأكيد تناغم ملفت لتحليل وتأويل القارئ بما يوحي إيقاعا للمعاناة الحتمية بأحاسيس مفرطة، ولأن الصلب يستوجب زمن مستمر الألم، وعذاب طويل الأمد معلق على حشرجة الروح، مما يعني اختيار المفردة بفنية تأمل تعني استمرار الزمن احالة تأويلية نفسية وحسية لعدم النسيان ...

نلاحظ تأجج وجدانيات مختنقة الروح بحسرات الشاعرة متناسقة الأنساق بسابقتها من بنية الصورة الشعرية (خثار لإحساس مبهم)ومتشابهة مع مجاز من صورة شعرية سبق ان تطرقت له في الجزء الأول من نص فستاني(رائبٌ وجعي) ، لنتمعن بأبعاد معنى معجمية الخثار فهو رمز ما تبقى وفَضَل من خلاصة الشيء، لذا تأويل باطن الدلالة لذاكرة أحاسيس منقوشة على خاطر الشعور، تشي لاستمرارية زمن العشق بنقاء متجذر، فنستبصر دلالة تأويلية الاستغراق الصوفي التلذذ بفلسفة الوله وهيام غائر في الاوعي، والذي يستفز تساؤل أحاسيسها دوما!!...

مما يبدو ترابط الصور في النصين من المجازات التعبيرية المترادفة والمتشابهة، يشوقنا لنتابع المقاربة فنستقرأ الصور الحسية الآتية من نص أحمر شفاه (من مصل ترياق وضمّةَ صدرِ) ومن نص فستاني (على ترياق الفرح)، توظيف استعاري رائع باذخ التشكيل لرموز حيوية لعلامات علاجية (المصل والترياق) فالمصل مادة للإسراع بالشفاء باختراع وصناعة الإنسان، أما الترياق خلاصة السم للقضاء على التسمم، لذا يعمل بشكل مزدوج، فنرى تكثيف طاقة تشبيه تشي بتضاد المعنى وتشابه الدلالة، باختزان طاقة بيان ضدية الاستعارة، ومقاربة تضاد باختلاف وتآلف بين ( الحزن والفرح.. الوجع والراحة)، توظيف متمكن للرموز بخبرة ادوات، يوحي بعمق دلالي لطموح الذات أن تتحقق امنية تعيد حياة زمن الغرام..!، ليكون علاج يداوي الم الفراق، فها هي تعاود حلمها بصمتٍ يوقد الاشتياق من افق الذكريات كل ما تصبو الروح لضمة عناق الحبيب، إحالة تأويلية لدلالة وجع نفسي غائر في الوعي، وينبثق من اللاوعي بنفس تواقة لذكرى تتوهج شوقا ولهفة ...

ننتقل لمقاربة مع صورة شعرية حسية بجمالية الإيحاء لحركة الزمن من نص (فستاني) مرتبطة المعاناة الحسية والنفسية بسابقتها، (بظلال تَصهل الذاكرة فيها أسى..)، صياغة فنية رائعة تتجلى منها أنا الأحاسيس بحميم القهر باسترجاع ذاكرة متوقدة الأثر لذات الشعور، كذلك نستوحى منه أنسنة زمن غير محدد نستفرضه من مفردة (الظلال) والذي يرتسم حضوره في معظم الأوقات بتواليه ليل ونهار، ومنه يبدو فاعلية الشعور رهين صوت الصدمة من مفردة (تصهل) فعل حسي لاستمرارية زمن مفتوح على مصراعي التذكر الزمني، إحالة تأويلية لدلالة مدى وجع الروح بالخيبة تعزية النفس المغمورة بالشجن ...

كما يبدو لرؤانا ما يترابط مع وجعها بما يأتي بعدها افتراضيا من صورة شعرية بسؤال انزياحي حميمي لمخاطبة الحبيب من نص أحمر شفاه ( متى تمزق ثوب النبض ؟..) يمكن لهذه العتبة ان تلي العتبة السابقة، كما تعطي بعدا ذكوريا وأنثويا بما يؤكد أنثويتها الثورية فتحيا في فلسفة أنثى فما زال الأمل في دائرة الزمن والاستفهام هالة أحاسيس التمني للمحب في الصورة الشعرية الرائعة وانزياح بديع ما بين الثوب والنبض يرقى بدلالة الفكرة بما تحمل رومانسية التعبير، احالة دلالية عن طوبوغرافية أنثى غارقة في مشاعر الحب برفض الواقع ...

ثم يستدرجنا بوح الوجع لدلالات متعددة فنعرج لما يليها من أنساق مترابطة التناغم في (وأنين الورق بالحب.. وصقيع قصيده.. ؟) الأنين حد البكاء المكتوم بوجع وما يحمل من أذى صارخ بصمت وهو قمة ألم يصعب التعبير عنه، فتواسي معاناتها بتجلي التأمل بحسية مشاعرها المكبوتة، ما يشي رؤى شعرية غائرة الإيحاء، ثم يلحقه بعض البياض نقطتين لتمهل رؤى القارئ بإبحار مخيلته وتفسير رؤياه، وبدلالة رمز الصقيع شدة البرد إيماءة عميقة الإشارة تدور دلائلها بفقدان التواصل مع الحبيب بشعور الإستفهام...

وتستمر لواعج لوم النفس الباحثة عن اسباب الفراق الغير مقنع باستفسار متكرر كما في (ترى هل عصيت ؟) مناجاة أخرى بأسلوب انشائي للوم المشاعر، لتسخر الاستفهام تعزية للروح ومقام الأحاسيس، احالة تأويلية لرفض ما مفروض من قيود تقليدية، وكأنها تصرخ : ما ذنبي؟ وهو تساؤل منطقي للبحث عن حقيقة الغياب لربما هروب من مواجهة مقنعة تصدع المشاعر مما يحيلنا لمقاربة مع صورة شعرية من نص فستاني سبق ان تطرقنا لها هي (أتُراني أورثتُه وجعا) بترابط وثيق الدلالة ...

تتوالى الآهات بسيمائية الشجن ومفارقات حسية ونفسية أخرى من نص (أحمر شفاه) والتي تكاد تكون جزء لا يتجزأ من نص فستاني بل تمتزج بروح المعنى، وتكمل بمحاكات ترانيم اللوعة بلحن فلسفة الحزن، كلما تدرجنا في أنساق النصين نلاحظ أسلوب الصور الرائعة الموحية بالدلالات والقابلة التأويل في ذهن القارئ...

ومفارقة تشير الى طاقة التكثيف في رؤى الزمكانية بلغة مقتدرة الأدوات في الصورة الشعرية الآتي، (هناكَ ابقَ في سُباتك) فيتراءى من اسم الأشارة(هناكَ) تأكيد مكاني لبعد المسافة توحي بغيابه، ومن دلالة السبات فترة زمنية محددة، لذا انضوت العبارة على هيمنة كينونة الفراق بفعل الأمر (ابق) دلالة تشي بعدم التواصل، ورغبة ضدية للأثر النفسي فيما تطمح له فلسفة رؤى الشاعرة تحيل القارئ لدلالات المزاج المتغير بتقلب طبيعة الحياة وتواتر المشاعر بسلوك الآخر، فهل سيكون لفترة محددة ؟لربما...

ومن نص فستاني نغترف صورة شعرية بنوتات الألم كما في (والصدى مني كليم)، مجاز انزياحي التركيب بلغة تجريدية مخضلة بدلالات الحزن فالصدى ذبذبات صوت بتردد زمني يشي لجروحها الحسية وسيمائية رمز منحته صفة أنسية بــ (كليم) بلاغة تشبيه شعوري لدلالة رائعة، بأسلوب لغة شعرية رقيقة الاستعارات، احالة دلالية تعبرعن مكابدة ألم الافتراق...

ولهذا نربط هذه العبارة الفنية العميقة الدلالة النفسية والحسية من نص فستاني، (وأتستّر بسكون الألم)، بعبارة أخرى ممكن ترادفها النسق من بعدها في نص (أحمر شفاه )مع السابقة الذكر (والصدى مني كليم) فنرى تماوج متداخل للنصين بمحاكاة الصور في معظم الأنساق، تشي بالتبادل الرائع وتداخل الدلالات بصياغة متشابهة، فنلاحظ أسلوب موفق لدمج الموضوع ببنية التشكيل وجمال التعبير، تفسر لغة المعاناة بفلسفة رؤى الشاعرة...

ولنتابع أحاسيس أنثى بترف الشعور لبقية الآهات في الصورة الشعرية الأتية (ابتسامتي سابحةٌ في مسائي) انزياح تركيبي رائع لدلالة القهر بقتامة الحزن فالليل شراع الذكرى بغياب الأمل، إحالة تأويلية لدلالة تشي بصيغة التكتم لأنا الشاعرة بالابتعاد عن عيون المجتمع وانزواء الوحدة بمناجاة احزانها الروحية وخيباتها النفسية باللجوء الى الليل الذي يواسي وجدانها المجروح ويشاركها اللوعة بستر الحكاية...

وتبدو استمرارية الأحزان متجسدة في انزياح دلالي تركيبي في الصورة الحسية بتراكم الشجن (تحتال على ضحكة أسيرة حزن)، فنرى سيميائية تضاد استعاري بعذوبة الإيحاء لرمزية زمن شعور مستمر، مقاربات حيوية بين (الفرح والحزن ..الضحك والبكاء) .. فالاحتيال على الإحساس مراس تنكيري لا يجدي، إحالة دلالية نفسية حسية لكثافة تفاقم الوجع في الشعور وارتكاسه في اللاشعور ...

وبتأويل التناقض فيما تشي بتأكيد بعاده حين تقول (عساه ينطفئ الصمت)، باستبطان كينونة الدلالة بمجاز رائع فالإطفاء للناركما نعرف بقايا رماد، تجعل المتلقي يستشعر بصيرته بما يستدل تأويله الدلالي ليشتعل الكلام ويعم التواصل، نلاحظ كفاءة لغوية مقتدرة رائعة بتورية استعارية عميقة تجسد صوت الحواس كدال وتأثيرها النفسي بمفهومه كمدلول بانزياح تركيبي ودلالي كسر معالم لغة التداول ...

وفيما يتبعها لتكملة الدلالة من انزياح آخر وهو (ونروي القصيدة..!!) فما بين صمت وحروف القصيد رواء للروح، فيه من التضاد بتورية غائرة، وتشبيه القصيدة نهر جف منبعه وهو تجربة الحب باستعارة قريبة لقلب شاعرة ...

وبالعودة لنص فستاني تستمر وشيجة الوجع بصرخة ألم وانتفاضة عتاب للنفس (ويحِي من أنا ..؟) التقاطة رائعة بالتمرد على الأنا ولوم المشاعر، رغم الهمس الحزين (مونولوج) بضمير المتكلم (أنا) يؤكد حدة التساؤلات عن الأسباب في تجليات الوعي باستفهام مطلق عن بينة عاطفية لا تليق ألا بأنثى محتجة بإيقاع نجوى متناغمة الحوار مع العقل بنزوعها المنطقي والتي بعلامة الاستفهام تثير جدل التوقف للقارئ وتعطي بعدا دلاليا عن مصير مشاعر إنسانة لماهية حب ضائع، كأنها تراتيل متعبد صوفية التلذذ، بحب صامت يؤرق وفاء الحبيبة ويذل باكورة نبض الحواس، لما يرفضه الآخر أو لا يفهمه بتلك المشاعر الجياشة والنقية بأنا روحية...

ثم تلحقها بوصف يتمم الصورة في ذهن القارئ (خطاً أحمر) هنا الاعتراف بما يراه صميم اعتقادها مؤشر جارح للمشاعر لا يمكن تعديه، رمز فاقع وعلامة واضحة توحي بعلامة توقف وعدم الاستمرار ايحاء مكثف لطبيعة مجتمع بأفكار متزمتة يصنع الشروخ دون وعي، وبتساؤلها المتوالد يشي بدلالة الاستغراب: لما يكون التصريح بمشاعر وأحاسيس إنسانية بإشكال مهمل ومكبل تحمل أوزارها على عاتق الأنثى وكيان مرفوض التقييم اجتماعيا؟ ...

نرى سيميائية التعبير باللون الأحمر دلالة تأكيد وئد تقليدي لكبت المشاعر الأنثوية، واضح الصورة في أعراف مجتمع ذكوري، فيبدو بما يشي دلالة التعبير بتأثر انفعالي حاد متزايد الوتيرة بعمق سؤالها العاتب ويقينها الناكر لموقف الآخر (الحبيب المفارق)، إحالة تأويلية غائرة القصد عن اعراف ذكورية وتقاليد سلوك مضمور في نفسية الحبيب من هيمنة رؤى مجتمع بفرض قيوده ...

نلاحظ مقاربة لمفردة (أحمر) متكررة في النصين مما يؤكد دلالة التوجع في مضمون الأنساق وبتشابه المفردة استمرار لسياق الفكرة باختلاف التعبير، بترابط متجانس مع دلالة العنوان (أحمر شفاه) ليوحي بلونه الأحمر لرمز الصمت علامة دلالية لخطورة الاستمرار، فهل يستوجب التأني أو الانتظار..؟أو ضرورة عدم التصريح بالأحاسيس خوفا من جبروت العادات والتقاليد ...

ومن ثم تفترض بعدة أجوبة قد تشفي غليل هيامها بصورة التعجب في الصورة الشعرية الآتية (أو ضيعته على صدر الهوى !!..)، وما تؤكده مفردة( ضيعته) فالضياع لوم آخر بجريرة السبب قد تحل لغز الفراق وتأتي بالأجوبة الهائمة على عتبات الشعور، والضمير المتصل به تعود لمشاعر الحبيب أو تجربة الحب، مما يحرى بنا أن نتأمله بتروي ونتوقف عند انزياح تركيبي بأنسنة معنوية الشعور في (على صدر الهوى !!) هيمنة مادية تعطي بعدا واستظهار لدلالة حقيقية تتعالق مع مكونات النص لتكون أكثر تأثيرا على القارئ، واستخدام حرف الجر (على)يشي بانفعال دلالي قوي لوقع الصدمة بأوج المشاعر المترسبة في اللاوعي، تخالط مجرى الروح فتنبجس دموعا عريقة الحزن ومنه يلمس المتابع دوامة معاناة الذات من قسوة البعاد بحب غير متكافئ المشاعر...

وختام:

ونحن نقترب من دفقات خاتمة النصين، نلاحظ مفارقة المناجاة الحميمية في كلاهما، بعد اقتطاف عينات من وجع الحب والفراق معاناة ناطقة بمعيار فلسفي رومانسي متجذر العشق، نصل لخاتمة العتبات والتي تربط أنساق النص بمضمون الفكرة وتكمل المعنى بتسلسل إيحائي رائع برهافة الإحساس فنقطف صور رائعة لومضات شعورية بلغة شعرية هامسة الشجن نلتقط منها ...

من نص فستاني ( يا غرّيد الرّوح).. مناداة بمناجاة روحية تتسم بضمير المخاطب لتصفه بأجمل كنية هو لغة الطيور، مع كمية الوجع تهبهُ سمة غلاء الروح بهمس لغتها وهديل احساسها فما أثمن من أوتار الروح.. !!، تتنامى صلة المقاربة بتشابك ضدي مع مجاز انيوي الشعور لمناجاة النفس من نص أحمر شفاه في (أيا وحدتي !!..)، فنلاحظ فلسفة لغة انثوية التعبير للتدليل الحميمي، فلا تكون إلا أنثى تغرد اللغة بشعرية معتقة الوجد برشاقة اللفظ مكثفة الأحاسيس، كما نلاحظ سلطة الذات في الموضوع وملامح الأنا المغرمة من جمالية التعبير، احالة تأويلية باستشعار دلالي لتعاطف ذاكرة الحواس مع الأنا العاشقة...

وخاتمة أنساق بخنوع وجداني صادق أوجزتها الشاعرة بتكثيف رائع الأدوات في كلا النصين، ننحو لمفارقة إنسانية واسعة التأويل عميقة الدلالات، فمن نص فستاني (بعثرتني بفستان حب) استعارة متمكنة موحية للجسد والروح حسية ونفسية الإدراك، برمز انثوي لتراث اجتماعي بفقدان علاقة انسانية الصيغة، تشبيه رائع يتناسب مع تشبيه آخر لصورة شعرية من نص أحمر شفاه (الحب صيام..) تمثل برمز معجمية الصيام كدال صوفي التنسك وتراث ديني لتهجد نفسي خالص النقاء في كل الأديان وبما تحمله من بعد دلالي الاستعارة وبيان قصد مؤثر في النفس والشعور والأحاسيس بالامتناع عن كل الرغبات بالتحريم المطلق وصيانة الجسد والروح من غواية الملذات لغرض العبادة ومواجهة الواقع، وهكذا تلاقحت النهايات بوشائج الوجع وسيمائية الفقد بتشبيه رائع لخاتمة النصين...

خلاصة:

نلاحظ جمالية التكرار من خلال بنية النصين بتماس العنوان مما أثرى مستويات تناغم يسي بتجانس الأنساق، وخلق تعالق النهاية في كلا النصين مع البداية باستعادة مفتاح القصيد وتأكيد الفكرة بدائرة كاملة لتقنية بناء توحي للرؤى بذات الرسالة، وبجمال التشكيل الشعري بتتابع الماضي والحاضر وما يتركه في المستقبل من تداعيات سايكولوجية الاستبداد بكيان كوني ...

ما يلفت النظر للقارئ/ والمتلقي عفوية الاسترسال بمناجاة صوفية العشق رومانسية البوح بما يوحي من شجن العاشق ولهفة المشتاق بمفردات مقتبسة من وحي الطبيعة وحيوات من البيئة والتي تكون أقرب للنفس برومانسية الذات وشدو القلب كما في ( فجر، ظلال، صقيع، مناهل، أطياف، صدى، سابحة، مساء، شمس، يشرق، ضباب، يرعد، أغصان، حفيف، عقيق، الريح، أثداء، غريد)، بشحنات فاعلة في فضاء النص...

كما نلاحظ اختيار الأفعال الماضية لتوريد الخبر والبناء عليه لتوصيل الفكرة ( لاح، عانق، ثرثر، دَقت، باع، تطاير، بعثر) والتي تعني دلالة الحدث الفائت وما ترتب عليه من حدث حالي بحركية الزمن، وبما يوازيها من الأفعال المضارعة والتي تدل على الحاضر و الاستمرارية لتغير الحدث (أترى، أتدثر، أتهجد، تصهل، ترى، أحيى، تحرق، تحتال، يبكي، يشرق، يسقط، أرتضع، تعوي)، لتوحي بأصوات مستمرة التأثير باختلاف الزمن بإحساس الماضي ونتائج الشعور بالحاضر وحدس توقع للمستقبل ...

من خلال قراءة النصين بتفصيلاتهما التحليلية وتفكيك نسجتهما البنيوية والعروج لمستوياتهما الدلالية نلاحظ بما يتيح لتبادلية أفقية السطور بينهما تتناسب أسطرها العمودية بتوازي متشابك مقرون بحالات شعورية متجلية بنجوى عاطفية ملمحة للموضوع، ملفتة بسيمائية الرموز الحسية لتجسيد حالة فقدان الحبيب المنتظر بشرخ المشاعر، وبالتالي تجربة قد تكون قريبة للنفس تأملتها الشاعرة بوعي هادف لتضيء عتمة اعتقادات تظلل نظرة عامة تدثر كيان وجود نصف المجتمع، فمتى يتكامل الكون..؟.

 

بحث واستقراء إنعام كمونة

.....................................

فستاني

لاح فجري من جديد

والبُرْء طابت له نفسي

أتُراني أورثتُه وجعا

لأتهجد بترانيم الشّدو

وأتستّر بسكون الألم

بظلال تَصهل الذاكرة فيها أسى..

وأنين الورق بالحب

صقيعُ قصيدةٍ.. ؟

 

ترى هل عصيت؟..

عجول

ظمأ اشتياقي

يا لدامي الوريدِ !

لا معالم لي ...

أحياك،

روحي طفل عابث..!!

الحب معه نسيان

 

عانقهُ الهجيرُ

وعلى بابِه ثرثرت

مناهلُ الاقدار ..

كأطياف لا تسكنني

ذوارف دمعٍ

تحرق أنفاسي

والصدى مني كليم ..

ابتسامتي سابحةٌ في مسائي

تحتال على ضحكة أسيرة حزن

رائبٌ وجعي بسَمارِ ﺍﻟﺸَﻤﺲ

ﻧﺎﻱٌ ﻳﺒﻜﻲ في تخوم الآهات

ليت صوتي يشرق بلا ضباب

ليسقط نبضَةً راجفة،

يرعد قاب الصمت

بين منفاي ولقائه

ويحِي من أنا ..؟..

لأصلب على أغصان النسيان

خطاً أحمر..

دقت طبول الفراق

مع تراتيل أمي

حفيف بداخلي

باع خمري ..

غصّات بحلقي تتلصص

على ترياق الفرح

عراة بعقيق صفير

الّريحُ تعوي

أرتضع من أثداء أبجديتي ..

يا غرّيد الرّوح

تطايرتُ من بين عطرك

بعثرتني ...

بفستانِ حب ..

..........................

أحمر شفاه

على ناي الحزن

أنفاس مصلوبة

خثار لإحساس مبهم

من مصل ترياق

وضمّةَ صدرِ

هناكَ ابقَ

في سُباتك

سأقمط شفاهي

عساه ينطفئ الصمت

ونروي القصيدة..!!

لعلني الملم ماكان منك

وشموس الفرح تضيئ

على أبواب السديم

تركت خلفي ارثا فقيرا

به كدري

من كهف مظلم

أشطبُ يومًا من العمرِ..

سرق بسمتي

في هزأة الصمت

حبا معاقا ..كالوَدَقِ

عجبت لخافقي

هل بقى لي

أحمر الشفاه ؟!!..

أو ضيعته على صدر الهوى !!..

لأذرف الآهات

..........

كيف لميلاد حلم

أن ينسى لمسة حب ؟!!....

لتثاؤب ذاكرتي المثقوبة

سرائر البوح

ضجت ثرثرتي

وألف ألف سؤال

على حجر المرمر

بقايا صور.. تمتمات رثاء

أيا وحدتي !!..

آسنة أحلامي

.............

تعتكف فرحتي

تلوكني صحارى الحيرة

من ظئر صمته

شربت الجفا

يلاصقنا الفجر

هي ليلةٌ

على اوج القمر

أكْتم وَجعِي

قلبي للظى هرم

أيُّها العجول

أهديتكَ كلَّ اوقاتي

في يم الانتظار

تاهت خطاي..

متى تمزق ثوب النبض ؟..

حبلى برماد ذكراه

المخاض عقيم ....

الحب صيام..

***

ليلى الطيب / الجزائر

 

 

عاطف الدرابسةللشَّاعرِ عبدالأمير خليل مراد

إذا كان الغرضُ من المختاراتِ الشِّعريَّةِ أن تعكسَ تجسيدًا للتنوُّعِ في تجربةِ الشَّاعرِ، فإنَّ هذه النُّصوص من شعرِ عبد الأمير خليل مراد تستجيبُ - قراءةً ونقداً - لهذا الغرض، بمعنى أنَّ موضوعاتِ القصائدِ في هذه المختارات تبدو متباينةً، مع أنَّها تُشكِّل في سياقِها العامِّ وحدةً كليَّةً . وقد أردتُ بدايةً تسليطَ الضُّوءِ على العتباتِ المُحيطةِ بالنصِّ، التي ضمَّنها الكاتبُ ديوانَه المنشورَ سنة ألفٍ وتسعمئةٍ وتسعٍ وتسعين .

وتجدر الإشارةُ بأنَّ مصطلحَ العتباتِ (seuils)، هو مصطلح إشكاليٌّ في نظريةِ الأدبِ، يرتبط بالنَّاقدِ الفرنسي جيرار جينيت (Gérard Genette) .

لن أدخلَ في جدَلٍ حول إشكاليَّاتِ هذا المصطلحِ، غير أنَّ تلك الإحالاتِ التي جاءت خارجَ المتنِ، صارت جزءاً من العملِ الأدبيِّ بصورتِه النِّهائيةِ المُكتملةِ، أي العملِ الأدبيِّ بوصفه كينونةٍ، أو بوصفهِ حالةِ وجودٍ مُكتمِلةٍ، وحين أتحدَّثُ عنه كحالةِ وجودٍ، فهذا يعني هنا أنَّني إزاءَ نصوصٍ تمثَّلَت في حالةِ الكتابةِ، أو في حالةِ الطِّباعةِ، والتَّعاملِ معها بحسبِها صورةً كتابيةً، لا يُعفي النَّاقدَ من البحثِ في مراحلِ وجودِها السَّابقةِ عن تلك الحالةِ الكتابيَّةِ .

وهنا فإنَّنا نواجهُ إشكاليَّةً في التَّلقي ؛ فهل هناكَ فرقٌ في تلقِّي النَّصِّ الأدبي شِفاهيَّاً، أو تلقِّيه طِباعيَّاً؟ وهل هناك مشكلةٌ في التَّلقي من حيث قراءةِ العملِ الأدبيِّ من دون عتباتٍ أو بعتباتٍ؟

فالصَّفحةُ المطبوعةُ تحتوي على عناصرَ كثيرةٍ خارجة عن حيِّز القصيدةِ، كما يذهبُ أوستن وارين، ورينيه ويليك، فحجمُ حرفِ المطبعةِ ونوعِه، وحجمُ الصَّفحةِ، وبعضُ الإشاراتِ الأخرى، قد تُؤثِّرُ في توجيهِ بِنى العملِ الأدبيِّ ومضامينِه .

وعلى العمومِ، يمكن أن يكونَ عبدالأمير خليل مراد قد تعمَّدَ أن يُخرِجَ ديوانَه المطبوعَ بهذه الهيئة، ويضعَ إشاراتٍ أشبه بمفهومِ النَّصِّ الموازي؛ لتكونَ مفاتيحَ قراءةٍ لولوجِ بنيةِ القصائدِ أو النُّصوصِ . فجاءَ الديوانُ موسوماً بعنوانِ: صحيفةِ المُتلمِّس، ثمَّ أحالنا إلى النَّفري محمد بن عبدالجبار، وهو من أعلامِ التّصوُّفِ، فوشَّى ديوانَه بعباراتٍ من كتابِ النَّفري المعروفِ ب (المواقفِ والمخاطباتِ)، وهو كما هو معلومٌ صاحبُ عبارةِ: كلَّما اتَّسعت الرُّؤيةُ، ضاقت العبارةُ، كما أتى ببيتٍ للمتنبِّي:

أظمَتْنِيَ الدُّنيا فلمَّا جئتُها        مُسْتَسقِياً مَطَرَتْ عليَّ مصائبا .

ولعلَّ الأمرَ اللافتَ للنَّظرِ، أنَّ الشَّاعرَ قد ضمَّنَ ديوانَه المطبوعَ، إشاراتٍ تُخبرنا أين نُشرِت تلك القصائدُ مُنفردَةً، وفي أيِّ الصُّحفِ، ولا أعلمُ هنا إلى أيِّ مدى تُثيرُ هذه العلامات إشكالياتٍ في القراءةِ النَّقديَّةِ .

مشكلاتُ قراءةِ النَّصِّ الحداثيِّ:

إنَّ تلك الإشاراتِ التي تصدَّرت ديوانَ الشَّاعرِ، لا تُساعدُ النَّاقدَ أن يعزلَ النَّصَّ عن المُبدِعِ، فهو بتلك الإحالات قد قدَّمَ نفسَه بوصفِه متَّصِلاً بموروثِه الأدبيِّ، والمعرفيِّ، وهو موروثٌ انتقائيٌّ، أي أنَّه قد اختارَ الرُّؤى المُغيِّرة في التراثِ - وتحديداً إشارته إلى النَّفري - وكأنَّه يُخبرنا بأنَّه حداثيُّ النَّزعةِ والرُّؤية ؛ كما أنَّه أشارَ إلى المتنبِّي، والمُتنبِّي من أكثرِ الشُّعراءِ إثارةً للجدلِ، على مستوى الرُّؤى والأفكارِ، وكأنِّي بالشَّاعرِ يُوجِّه المُتلقِّي والنَّاقدَ أن يقرآ هذا الدِّيوان وفقَ هذه الإشارت، باعتبارها إشاراتٍ فعَّالةٍ، تُحيلُ إلى المحيطِ العامِّ الذي تتحرَّكُ من خلاله النُّصوص.

ولعلَّ إشارتَه إلى النَّفري، تكفي لكي نُدركَ أنَّنا نُواجه لغةً ذاتَ رمزٍيَّةٍ عاليةٍ، ففي نصِّه الأولِّ (احتمالات)، نلحظُ أنَّ البِنيةَ تتكئُ على الحوارِ، بين ذاتِ الشَّاعرِ والآخرِ، فهذا الآخر يتجسَّدُ في ضميرِ الخطابِ، ثمَّ نلحظُ في المقطعِ الأوَّلِ حلولَ الذَّاتِ بالآخر بقوله: أنا أنتَ .. وأنتَ أنا . ولعلَّنا لا نذهبُ بعيداً إذا ما لمحنا في هذا النَّصِّ حضورَ الخِطاب الصوفيِّ، مع ما يحمله هذا الخِطابُ من لغةٍ مُشفَّرةٍ، غير أنَّه في المقطعِ التاسعِ يُحيلُ المُتلقِّي إلى أبي حيَّان التوحيدي بقوله: "إذا تمنَّت نفسُكَ بقاءَ الأبدِ، فلا تسكُن إلى أحد"، إنَّ نقلَ هذا النَّصِّ خارج وحدةِ الأدبِ تأخذنا إلى حالةٍ من التَّعالقِ بين ذاتِ الشَّاعرِ والتوحيدي، بفقرِه، وحياتِه البائسةِ، وبؤسهِ، وتشظِّيه . فالشَّاعرُ هنا يتَّخذُ موقفاً من السُّلطةِ، والذَّاتِ، ويُحيلنا إلى إشارةٍ أخرى مرتبطةٍ بأبي الطَّيبِ المتنبِّي بقوله: وكلانا مأخوذٌ بحلمٍ لم ينتهِ بعد.

إنَّ تقنيَّةَ تفريغِ الشخصيَّاتِ التَّاريخيَّةِ من زمانِها، واستدعائِها إلى الحاضرِ، هي تقنيَّةٌ يلجأُ إليها شعراءُ قصيدةِ النَّثرِ -وهذه التِّقنيةُ لجأ إليها أدونيس في مشروعِه الشِّعري الموسومِ ب: الكتابِ - والشَّاعرُ هنا حين يستدعي تلك الشَّخصيَّاتِ، فإنَّه يُحيلنا إلى أرشيفه الثَّقافيِّ الخاصِّ، وتلبسُ لغتُه رداءَ الفلسفةِ والتَّصوُّفِ، فيظهرُ قلقُه الوجوديُّ، وإحساسُه بالعدمِ، والعبثيَّةِ، كما يبدو من قولِه:

خُذْنِي هذه المرَّةَ

‏لأُضْرمَ ‏النارَ في جَسَدي الناحِلْ

‏وَلا أهمَّ ‏بشَيءٍ لمْ ينلْه ‏أبو الطيَّبِ المتنبي

‏فليسَ عِندي إلا بَقايا جُمْجمةٍ سَوداءَ

‌‏وَعِظامٌ لا يكسوها اللْحمُ

‏وَلكنّني رَغْمَ أفولي

‏أحلمُ ‏بالقَمَرِ الذي لنْ يُضيءَ شُرْفتَنا

الليّلة

إنَّ النَّزعةَ التَّشاؤميَّةَ تتجلَّى بوضوحٍ في هذا المقطعِ، فهو لا يملكُ أسبابَ تحقيقِ الحلمِ، فجمجمتُه سوداء، وهو هيكلٌ من عظامٍ لا يكسوها اللَّحم، فالجمجمةُ السَّوداء بما تحمله من دلالةٍ، تُشيرُ إلى ما يحمله عقلُه من رؤى وأفكار، لا تتناسبُ مع الأيدولوجية السَّائدةِ، فضلاً عن فقره وإحساسه بالتَّلاشي، كلُّ هذا لا يُسعفهُ أن يُحقَّقَ أحلامَه في إحداثِ التَّغيير المطلوبِ، وتتأكَّدُ حالتا البؤسِ، واليأسِ اللتان تُلحَّانِ على الشَّاعرِ بقوله:

حينَ ‏‏يأكلُ خاصِرَتي المِلْحُ

‏وتَرميني أمّي في فَضَلاتِ الشَّارعْ

‏وَبعدَ سِنين

‏تَقْذِفُني في سلَّةِ المُهْمَلات

‏التي يَخلو منْها شارِعُنا القَديمْ

‏أعْرفُ ذلكَ يا حَبيبي

‏لأنّني طِفلٌ لا أفقهُ كلَّ الأَشياء

‏وقَد أكونُ بعدَ حينٍ رجُلاً مَعْتُوهاً

‏وفِي يَدي برتقالةٌ

‏لا أعِرفُ كيَفَ أوزِّعُها

إنَّ هذا المقطعَ لا يمكن أن نفصلَه عن الواقعِ المَعِيش: اجتماعياً، واقتصادياً، وأيدولوجياً، فالشَّاعرُ من خلالِ الخاصِّ يرسمُ صورةً للطبقةِ المُهمَّشةِ، تلك الطَّبقة التي يأكلُ خواصرَها الملحُ، وكأنَّها من فضلاتِ الشَّارعِ، أو من سلَّةِ المُهملاتِ، تلك السَّلةُ التي هي أشبهُ بوطنٍ لا يُنتجُ إلَّا جهلاً، وجيلاً معتوهاً، لا يعرفُ كيف يقتسمُ برتقالةً، أو يوزِّع برتقالةً .

وفي المقطعِ الرابع:

حِينَ ‏نُغادِرُ دائرةَ الاحْتِمالْ

‏كي نَسْكنَ في غَيْبوبَتِنا الأبديَّة

‏حيثُ لا لَيلى ‏تَنْدُبُني

‏في عِزِّ النوَم

‏وَلا شَيخُ المَعَّرةِ يُقعدُني ‏عَلى جَرِيدِ النَّخلِ السامِقْ

‏كيْ نَتَجاذَبَ بحِرَارةٍ

‌‏بعضَ أحاديثِ كآبتنِا المعْهودَةِ

‏دَعْني .....

أَيُّهَا الراكِضُ في حَدَقاتي

‏و كالسَّرابِ الأَبيضْ

‏أتملّى في الدَّوحِ المَليءِ بالأحْجارِ الكَرِيَمةِ

‏وأقيمُ أَعْراسي في بَعْضِ زَواياكَ

‏الحُبْلى بالأسرارِ العِلّية

يُشعرنا الشَّاعرُ بقسوةِ الابتعادِ والنأي، وكيف تكونُ تلك الطَّبقة في غيبوبةٍ أبديَّةٍ، ترنو إلى معتقداتٍ وأسرارٍ لا تُحيلُ إلَّا إلى التَّخلُّفِ . إنَّ الشَّاعرَ هنا يُقدِّمُ لغةً مُشفَّرةً، تحفلُ بعلاماتٍ، ووحداتٍ لغويَّةً، تُحيلُكَ إلى الوهمِ، كأنَّنا في بلادٍ أشبهُ بنخلةِ عرقوبٍ .

وعبد الأمير حين يتحرَّكُ في فضاء الرَّمزِ، لا يُجسِّدُ لنا الرُّؤى، ولا يمنحها شكلاً حيَّاً أو ملموساً وحسب، وإنَّما يحجبُ وراءها ما يحجبُ، فثمَّة لغةٌ أخرى خارجَ القصيدةِ، أو خارجَ النَّصِّ، هذه الرؤيةُ تنبعُ من تجربته حين تمرُّ تلك التَّجربةُ بوعيه، فهي مُدركَةٌ بالحواسِّ، ثمَّ يسعى إلى دمجِها في وعي النَّصِّ، في إطارٍ من العبثيَّةِ واللامعقولِ، كما يبدو من قوله في المقطع الثٌَامن من قصيدةِ احتمالات:

دَحْرجْني ما بينَ شِقُوقِ البابِ

‌‏أنا كُرةٌ ... لا

‏لا ... لا أدْري ... !

‏هلْ أهْبِطُ من تُخُومِ الأبراجِ الوَرقيَّةِ

‏وأغتسلُ منَ بَراءَتي ...

‏بماءِ الجَنّاتِ السَّبعِ

‏كيْ لاَ أتطايرَ كالصَدَفِ على حبّاتِ الرَّملِ

‏فصَدِيقي ذو العينينِ الرقيقتينِ كثيراً

‏والذي يَبدو طيِّعاً كالمِغْزَلْ

‏يُلْقي ‏في عَباءتي بَعْضَ حِجاراتٍ

‏تَقْطُرُ من ماءِ سَذاجَتهِ

‏كي ‏يُغرقَني بِلَطافتهِ " ‏الرائعةِ جِداً "

‏وَلكنّي ..... آهٍ

‏لمْ أغْرُفْ من بَحْرِ سذاجتهِ " هذه "

‏إلاّ نَخْلةَ " عُرْقوب "

‏فآهٍ مِنْ نَخْلةِ " عُرقوب " التي لَنْ تأتيني

‏وأَنا أنَتظرُ العمْرَ .....

‏وَلا أدْري

‏إنَّ هذا العُمْرَ يا صَدِيقي

‏يَتَدَحْرجُ بَطيئاً على أَعتابِ السُلَّمِ

فالشَّاعرُ يتدحرجُ من بين شقوقِ البابِ، ثم يصير وفق - مبدأ الحلولِ والاتحادِ - كرةً، ثمَّ يُدخلكَ بفلسفةِ اللاأدرية، وتبدو الأبراجُ ورقيَّة، لا تستطيع أن تواجه الريح، ثم يتطايرُ كالصُّدف، فنلحظُ أنَّ العمرَ صار هو الآخرُ كرةً يتدحرجُ على أعتابِ السُّلم .

الشَّاعرُ هنا لا يستدعي رمزاً جاهزاً، وإنَّما هو مَن يخلقُ رموزَه ليبلورَ رؤيته، فالرَّمزُ هنا صار جزءاً من بنيةِ الصُّورة، يخضع لقوانينِ التَّحولِ، وقوانينِ الحلولِ، وقوانينِ المجازِ .

إنَّ هذا التَّشكيلَ الشعريَّ على هذا النَّحوِ، يجعلُ الرَّمزَ خارج الحواسِّ الظَّاهرةِ، يخضعُ لشروطِ التَّخييلِ، لذلك تصبحُ قيمتُه الإيحائيَّةِ خارجَ الإيقاعِ، وخارج الأسلوبِ، وتخضعُ لقوانينِ الوعي، وقوانينِ التَّداعي، فيتقنَّعُ خلف رموزِه نتيجةَ عوائقَ أيدولوجيةٍ ربَّما أو سيكولوجيَّةٍ، أو سوسيولوجيَّةٍ، وكأَنِّي به يثورُ على نفسِه أولاً، وعلى المجتمعِ ثانياً .

وفي نصِّه الثاني الذي جاءَ تحت عنوانِ: سبع قصائد، سأكتفي بقراءةِ اللوحةِ الأولى التي جاءت تحت عنوانِ: مسافة، ولن أبحثَ في البعدِ الرَّمزي لهذا العنوانِ، بل سأكتفي بالإشارةِ إلى أنَّ هذه المسافةَ تجعلُ الرؤيا أوضح، وهي عندي بمثابةِ (الوقفة) عند النَّفري، فالشَّاعرُ يستدعي هذه الفلسفةَ لتتوازى مع رؤيتِه، ومع قلقِه الوجوديِّ، وضبابيَّةِ المصيرِ، فتأخذُ هذه اللَّوحةُ بُعدًا صوفيَّاً يتردَّدُ بين الاستفهامِ، والنَّفي بقوله:

ما الذي ‏يَصْطَفِيكَ ‏لهذي الطَّريقْ

‏لا المَسَافةُ لَصْقَ الخُطَى

‏لا المَعابرُ تُفْضِي إلى شاطئٍ آخَرَ

‏وَالمَدى أبدٌ

‏غَيرَ أَنِّي أُجَدِّفُ في مَوْجهِ كالغَرِيقْ

فالشَّاعرُ هنا يبتكرُ رموزَه (الطَّريق، المسافة، المعابر، المدى)، وكلُّها تدورُ حول فكرةِ الخلاصِ .

وثمَّة نوعٌ آخرَ من الرُّموزِ الموروثةِ دينيَّاً أو تاريخيَّاً، تُتيحُ للشَّاعر حريَّةً أكثر في التعبيرِ عن واقعِه، الذي يبدو كأنَّه متجذِّرٌ في التَّاريخِ، فعبدالأمير خليل في نصِّه إيماءاتٌ بعيدة، يفجؤكَ بقولِه:

مُرْتَدِياً خَوْفِي

‏أُبْحِرُ فِي يَمِّ الكَلِماتِ .......

‏وَأَمْضِي

‏ ‏أَتَفَيّأُ كالعَاشِقِ أُرْجُوحَةَ حِلْمي

‏وَأَنَا بَيْنَهُما طِفلٌ

‏يَعْصُرُ كُلَّ صَبَاحٍ جَمْرَ السَنَواتِ

فهو منذ البدءِ يحتمي بخوفِه، ليُعلنَ أنَّه سيخرجُ من جلدِه، وهذا الخروجُ هو خروجٌ من تاريخِه، وقوميَّته، ويُظهِرُ أسبابَ هذا الخروجِ بقولِه:

وَأَنَا أَخُرُجُ مِن جِلْدِي

‏مَفْتُوناً بِقَمِيصِ الأَمْسِ

‏لكنْ حِينَ تَدَلّى الرَّأْسُ

‏قَالوا:

ضَيَّعهُ النادِلُ ما بَيْنَ خُطُوطِ

الكَأْسْ

إنَّ الشَّاعرَ هنا يستخدمُ رموزاً ذات دلالاتٍ تاريخيَّةٍ قارَّةٍ، من خلالِ إسقاطاتٍ نفسيَّةٍ، ربَّما تأخذكَ إلى تاريخٍ أحدثَ تحوُّلاتٍ جذريَّةٍ، في العقلِ العربيِّ على مستوى السِّياسةِ والدِّين، فعمَدَ الشَّاعرُ إلى تجسيدِ لحظةِ الخروجِ من جلدِه بالقميصِ والكأسِ، فالرَّمزُ هنا انبثاقٌ عن تاريخٍ عالقٍ في وعي الشَّاعرِ، ووعي المُتلقِّي، كما يظهرُ في المقطعِ الرَّابعِ في قصيدتِه شوكةِ المواريث:

أَينَ أَشيَاعي .... ؟

‏وَنَجْمي غَابَ في جُبٍّ عَميقْ

‏ها هوَ الشاعِرُ يَرفو ظلَّهُ النافِرَ

‏حتّى لا يُرَى

أ أ .... ‏خَيْطاً مِنْ شُوَاظِ النارِ يُتلى وَيَلُوحْ .... !

‏ها هوَ الساكِنُ في أُرْجُوحَةِ الشَرقِ ...

تَجَلَّى

شَجَراً يَشْهَقُ مِنْ غَمْرِ الحَرِيقْ

إنَّ استثمارَ الشَّاعرِ للموروثِ، واتِّكائه عليه، يجعلُ النَّصَّ ذا طاقةٍ دلاليَّةٍ مؤثرةٍ، فالتَّعبيرُ بالموروثِ يجعلُ المُتلقِّي يدورُ في مداراتِ التَّأويلِ، فيُعيدُ قراءة التَّاريخِ، ويرسمُ صوراً جديدةً لواقعهِ المَعيشِ، خصوصاً أنَّ هذه العودةَ إلى ما هو تاريخي، تعيدُ إنتاجَ الصلةِ بين النَّصِّ والماضي، وتجعلُ الماضي حاضرًا، والتُّراثُ حيًّا، وتتجلَّى تلك الحالةُ حين استدعى الشَّاعرُ شخصيَّاتٍ مثل النَّفري، وذا النُّونِ، وجعلهما في مقطعٍ واحدٍ، ليُعاينَ من خلالِهما الحالَ المُظلمَ الذي آلَ إليه حاضرُنا، وواقعه الأليم. فالنَّفري وذا النُّون قناعانِ يتماهيانِ مع الشَّاعرِ، فكلاهما عانى ما عانى وكلاهما عجزَ عن إحداثِ التَّغييرِ المطلوبِ، فاختار الشَّاعرُ ما يناسبُ رؤيَتَه . فهذانِ الرَّمزانِ صورتانِ عن (القاعِ الغني)، والقاعُ هنا دالٌّ على الطَّبقةِ المطحونةِ، وأمَّا البحرُ فهو غنيٌّ باللؤلؤِ والمرجان .فالشَّاعر وهو يرنو للتَّحرُّرِ من واقعِه، يرتقي نحو القاعِ، الغنيِّ بأسبابِ الثورةِ، والتَّمرّدِ، والتَّغييرِ .

ولعلَّه يحاولُ أن يخرجَ من دائرةِ التَّشاؤمِ والسَّوداويةِ، ليزفَّ البيدرَ الضَّامر للشَّمسِ، ويُزحزحَ الصَّخرةَ عن بابِه، وكأنِّي به يستدعي (سيزيف)، لا ليُعبِّرَ عن المعاناةِ، والألمِ، والعبثيَّةِ، وإنَّما ليُعبِّرَ عن إصرارِه في زحزحةِ الصَّخرةِ ليفتحَ أبوابَ الألمِ، كما يظهرُ من قوله:

مَرْكبَي رَخْوٌ

‏وَهذا المَوْجُ يا رَبِّي ضَنِين

‏لَمْ يَزَلْ ذو النُّونِ في البَحْرِ سَرِيًّا

‏وَصُراخي لَنْ يَجوزَ اليمَّ ‏أو يَعُبرَ دِهليزَ الأَلمْ

‏نَحْنُ مُرْتاحونَ ....

‏فالقَاعُ غَنِيّ ... !

‏نَلقُطُ اللؤلؤَ والمَرجانَ مِنْ هذا الخِضَمّْ

‏وَنَدُقُّ الطَّبْلَ لمّا تَرتَقي

‏‏بُرجَنا المائِلَ عَنقاءُ الفَصَاحةْ

‏وَنَزُفُّ البَيْدرَ الضامِرَ للشَمسِ

‏وهذا الجوعُ لَمْ (نَبْرَحْ عَليه عاكِفين)

وفي قصيدتِه صحيفةِ المُتلمِّس، ينزاحُ الشَّاعرُ كثيراً عمَّا جاء في تلك الصَّحيفةِ، ويتصلُ بشكلٍ مباشرٍ مع موروثه الشِّعري، وموروثِه الأسطوريِّ، ويستخدمُ كلمةَ (أقفُ)، وهو على وعي تامٍّ بتجليَّاتِ مفهومِ الوقفةِ عند النَّفري، فيستدعي وعيَه الجمعيَّ، بأكد وسومر وبابل، والصَّعاليك، ليجعلَها مرايا عصرِه، ففي كلِّ وِقفةٍ تأمُّلٍ، وفي كلِّ وِقفة إلهامٌ وتحوِّلٌ.

وعلى العمومِ، فإنَّني أجدُني أحتاجُ إلى وقفةٍ كوِقفةِ النَّفري مع تجربةِ عبدالأمير خليل مراد الشِّعريَّةِ، فهي تحتاجُ إلى قارئٍ عميقٍ، بعمقِ شعرِه، ولذلك وجدتُني ما زلتُ أقفُ على شواطئِ نصوصِه، التي تميَّزت بإبهامٍ وغموضٍ شفَّافين، وجملةٍ من الانزياحاتِ والإنحرافاتِ القائمةِ بين الألفاظِ والتَّراكيبِ، تلك الانزياحاتُ تأخذُكَ نحو غيرِ معنى، وغيرِ دِلالةٍ، وكأنَّكَ أمامَ لوحاتٍ سرياليَّةِ التَّشكيلِ، وأمامَ شاعرٍ يسكنُ الحلمَ والخيالَ، ويُحيلُكَ إلى إشاراتٍ تحتاجُ إلى مرجعيَّاتٍ دينيَّةٍ، وأسطوريَّةٍ، وتاريخيَّةٍ .

فهو يُجبرُ المُتلقِّي أن يُحكِّمَ عقلَه، وأن يلجأَ إلى تفكيكِ تلك الصُّورِ الشَّبكيَّةِ، المُعقَّدةِ التَّكوينِ، والتي تنطوي على تضادٍّ بين المعنوي والحسِّي، بين الأسطوري والدِّيني، وبين التَّاريخي والمُعاصر، فهذا الدِّيوانُ مصدرُ غنى، فهو خصبٌ برموزِه وشخصيَّاتِه التي شكَّلتْ بِنيةَ القصيدةِ، وهو لم يكتفِ بتوظيفِ الرَّمزِ التَّاريخيِّ، وإنَّما نقله من حيِّزِه، ومن معناهُ الأُحادي إلى معانٍ تُحاكي واقعَه، ونظرتَه إلى السُّلطةِ من نحوٍ، والمجتمعِ من نحوٍ آخرَ .

فالقيمةُ الشِّعريَّةُ لتلك النُّصوصِ لا تكمنُ في الرُّموزِ، ولا الكلماتِ وإنَّما في تلك المسافةِ القائمةِ بين الرَّمزِ والبناءِ، أو بين الصُّورةِ والرَّمزِ فضلاً عمَّا تحملُه من إسقاطاتٍ نفسيَّةٍ، وأيدولوجيَّةٍ، واجتماعيَّةٍ، تجعلُ المُتلقِّي يبحثُ بعيداً في التَّأويلِ وربَّما تأخذكَ إلى آفاقٍ لم تكنْ في ذهنِ المتكلّم .

ولعلَّ الأمرَ الأكثرَ جدلاً هنا هو أنَّ المُتلقِّي يحتاجُ إلى تعديلٍ دائمٍ في آفاقِ التَّوقُّعِ، ويحتاجُ إلى أن يملأَ كثيراً من الفراغاتِ التي تركها المتكلّم الى لمُتلقي، وهو حين لجأَ إلى الرَّمزِ، والإيحاءِ، ورفضَ الوضوحَ والموضوعيَّةَ، حمى نفسَه من ممارسةِ النَّقدِ الثقافيِّ عليه، كما حمى نفسَه في الوقتِ عينه من حساسيَّةِ المُتلقِّي تجاهَ ما تحملُه تلك الرُّموزُ . فالرَّمزيَّةُ هنا ما هي إلَّا ردَّةُ فعلٍ عمَّا هو تاريخيٌّ، وما هو موضوعيٌّ، وما هو قارٌّ، إنَّها باختصارٍ هدمٌ لأيدولوجيَّةٍ، وبناءٌ لأيدولوجيَّةٍ أخرى، لذلك فإنَّ هذا الدِّيوانَ ما هو إلا تجسيدٌ حقيقيٌّ للصِّراعِ مع القِيمِ، والسُّلطةِ والشَّكلِ .

 

د. عاطف أحمد الدرابسة - الأردن

 

 

جمعة عبد اللهمحاولة تجريبة مبدعة في تقنيات ادوات تداعي السرد الحر. ان يعطي أهمية بتناول احداث المتن الروائي بنطق الشخوص المحورية، والكشف بما يحملون في جعبتهم من تجربة حياتية ومعاشية في سياق احداث النص الروائي، ضمن الاطار العام للأوضاع في المرحلة الزمنية والمكانية. وفي منعطفاتها الدالة وخاصة ان النص الروائي يقف على عتبات مراحل العراق السياسية في أزمنتها المتعاقبة، في غمار الصراع المحتدم على عصب الحياة العامة، التي تقف على ثلاثة أعمدة رئيسية وهي (الدين. السياسة. الحب) وتجلت هذه الاعمدة على عتبات ابواب بغداد في موروثها الشعبي، والتي رسمت صورة الاكبر للعراق بكل ميادينه الدالة. وكما تناولت رواية (منعطف الصابونجية) فأن رواية (عند باب الازج) هي مكملة لتناول الاحداث في المراحل التي مرت على العراق، واذا كان الجزء الاول تناول المرحلة العهد الملكي. فأن هذا الجزء يتناول فترة معينة من بداية الستينيات من القرن الماضي حتى انقلاب البعث عام 1963. التي أتسمت هذه الفترة السياسية بالصراع الملتهب والعاصف، ضمن الصراع العام، الذي أتسم بالتخبط والفوضى والخلافات الحادة، لجميع اطراف الصراع من الاحزاب (اليمين واليسار) والقيادة السياسية أيضاً. التي فقدت الرؤية السياسية الواضحة. فكانت تحمل ضبابية لا تفرق بين صديق وعدو، وتجاهلت قاعدتها الشعبية التي ترتكز عليها، واحتضنت من يخطط لايقاع بها وغرقها بالدماء. لقد ادارت القيادة السياسية بوصلتها أو ادارت ظهرها لقاعدتها الشعبية، وراحت تضيق عليهم الخناق والمحاصرة عليهم، حتى الاعتقال والسجن، وخاصة من زعيمها (عبدالكريم قاسم / ابو الفقراء).مما خلق التشويه الفكري والفوضى والتخبط، بأنها فقدت حاضنتها الشعبية من خلال ممارسات الخاطئة التي سلكتها (اغتيالات على قدم وساق ؟ عبدالكريم قاسم نكث عهده وانقلب على الشيوعيين، يطارد البعض ويقبض على البعض الآخر. أصبح مثل ورقة تهزها الريح حيثما تشاء في يوم عاصف، لا أعتقد هناك هناك مستقبل إلا هذه الفوضى) ص15. والمتن الروائي يغوص الى الاعماق في هذه الفترة الحرجة بالفوضى. من خلال هذه التقاسيم الثلاث (الدين. السياسة. الحب) على مسرح الاحداث. نجد انها تغوص في الزيف والفشل والاحباط والاخفاق والازمة، لم نجد اي واحد منها، لم يصل الى مرامه وحقق النجاح. فمن ناحية الدين فقد أنشغل بالمسائل الثانوية والهامشية في تخدير الناس دون ان يقدم الدعم والانقاذ في معاناتهم. في الجانب السياسي تحول الخلاف السياسي الى ارقة دماء ومجازر، الذي توج في انقلاب دموي عام 1963. في الحب الفشل والاحباط والخيبة تلاحقه، نجد في وكما عرفنا في رواية (منعطف الصابونجية) الشقيقات الثلاث (بدرية. صبيحة. مديحة) أصابتهن العنوسة بسبب الاهل، الذين وضعوا شروط لطالبي الزواج، أن يكون من طبقتهم الغنية والباشوية والاستقراطية. مما دفع (بدرية) ان تنجرف الى دور البغاء، بعد فشل حبها من الفنان وعازف الكمان (كرجي اليهودي) لتنهي حياتها بالقتل على يد ابن عمها (مرهون) من اجل شرف العائلة وغسلاً للعار. و(أحمد مسلماني / يهودي) في هذا النص الروائي (عند باب الازج) يتقمص دور رجل الدين المسلم، حتى اعتبر من اولياء الله الصالحين في جبته الدينية، واصبح خادم حرم مقام (عبدالقادر الكيلاني) احد مريدي الحلقات الصوفية، لكنه فشل في الحب في كسب أمرأة يود الزواج منها. هذا يعطي دلالة بليغة، بأن الحب اليهودي غير صالح للبقاء (كرجي وأحمد مسلماني) رغم مواقعهما المميز.

الشيء الذي يجب الاشارة اليه. بأن براعة الاديبة (نيران العبيدي) قدمت بانوراما بغدادية في تراثها الشعبي ومناطقها ومعالمها الشعبية، وهي تقدم خدمة الكبيرة الى الجيل الجديد، في التعرف على هوية بغداد القديمة. ومن أجل تسليط الضوء على أحداث المتن الروائي، لابد من استعراض ادوار شخوصها المحورية وهم:

1 - أحمد مسلماني: اليهودي الذي تقمص دور رجل الدين المسلم حتى اصبح من أولياء الصالحين في مساعدة الفقراء والمتسولين واطعامهم، ونال احترام الناس، واصبح خادم حرم مقام (عبدالقادر الكيلاني) ومن المريدين في الحلقات الصوفية. كأن شخصيته تقمصت شخصية عازف الكمان والمطرب (كراجي) الذي هام حباً ب (بدرية) التي انزلقت الى دور البغاء، وفي هذه الرواية، يقوم بدوره (أحمد مسلماني)، يعيش من عرق جبينه في بيع بضائع بسيطة (خردة فروش) ينادي على بضاعته في لهجته أو لكنته الخاصة في اللازمة، التي يكررها في المناطق والشوارع الشعبية (اصيح يا سامعين الصوت.

ابيع لكم

خردة فروش

تعالن يا حلوات

شوفن شكو عند عمو مسلماني

أحلى قلادة من البصرة

عطور دهنية من الهند

بخور عطر بيتك) وملازمته بهذا النداء:

تعالن يا حلوات، تعالن يا بنوات

التمن على عمكن الذي اضاع بدر البدور وذبها بهبية

تعالن على المسودن

مسودان الي يحب بهذا البلد

مسودن البهرزي يقصد صديقه الحميم (حسين البهرزي اليساري الذي أحب ضحى)

الناس جميعاً مسودنين

يولوا هذا العراق مسودن مسودن

رددوا معي) ص53 (مسودن / يعني مجنون)

وهي اختصار عميق للواقع السياسي المتسم بالفوضى العارمة والتخبط، وان كلمة مسودن هي كناية اطلقها الناس على (عبدالكريم قاسم / ابو الفقراء) في التناقض السياسي الصارخ بالسياسة العمياء التي لا تفرق بين الصديق والعدو. هذا التخبط ادى الى مقتله بأسوب وحشي. من الذين وضع ثقته بهم، وهم يحفرون في الايقاع به، عكس قاعدته الشعبية، الذين يكيلون الحب والاعتزاز بشخصيته المحبوبة، فقد صعد في بداية الثورة، الحزب الشيوعي، احد اركان الداعمة للزعيم عبدالكريم، وهو يملك شعبية عارمة حتى اشتهرت احد أغاني تلك المرحلة (يا أم الفستان الاحمر / فستانك حلو مشجر) وجاهر في تنظيم المظاهرة المليونية دعماً للثورة وقائدها الزعيم، ورددت الجماهير الحاشدة (الحزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيمي) ص59 ولكن حدث العكس شدد الخناق والتضييق على الحزب بالاعتقال والسجن، وفتت وشتت القاعدة الشعبية المناصرة له، وحتى في ساعة انقلاب البعث، هبت جماهير الشعبية والفقراء الى مقر قيادته للدفاع عنه وطالبته بالسلاح لقمع الانقلابيين. وهي تهتف بحماس (يا كريم انطينا سلاح باسم العامل والفلاح) ص143.

وفي صباحات احد الايام المشؤومة في تاريخ العراق، سمع (احمد مسلماني) اناشيد وعزف موسيقى عسكرية من المذياع، فهرول مرعوباً يأكله الخوف الى صيقه (حسين البهرزي) وقال بصوت مرتجف:

(- أستاذ حسين أتعرف نشيد لاحت رؤوس الحرابي

- قلت: نعم تلمع بين الحرابي

- قال: أستاذ هذا نشيد حركة مايس وانا أعرفونه جيداً

ينشدون نشيد النازية لابادة اليهود

بهذا النشيد قتل أبناء عمومتي

بفرهود اليهود) ص139.

2 - حسين البهرزي: اليساري من عائلة فلاحية، بعد ما اشتد الخناق والملاحقة البوليسية في مدينته (بهرز)، لانه من النشطاء اليساريين، اضطر الى الهرب الى بغداد، لكي يتخلص من المضايقات.التجأ الى بيت (احمد مسلماني) ورحب به، حين صرحه بالحقيقة بأنه مطارد من قبل الشرطة بسبب آرائه السياسية، وقد، واصبح صديقه الحميم. لكن وجد في بغداد اتعس حالة من مدينته، في المطاردة والملاحقة، من اشقياء السياسة في تخويف الناس والاعتداء عليهم، والمضايقة الطلبة اليساريين، فأضطر الى الانقطاع عن كليته الجامعية. أحب (ضحى) الطالبة الجامعية في كلية التجارة والاقتصاد، ومن عائلة غنية ومن سلالة الباشواتية من الاستقراطيين، ورغم الفارق الطبقي بينهما. هو ابن فلاح فقير وهي من عائلة غنية، لكن ارتبطت به بعلاقة حب قوية وتأثرت بافكاره اليسارية. وان حبهما الحقيقي أذابت الفوارق الطبقية فتقول له (احببتك لانك ابن ديرتنا وهوايات مشتركة كثيرة تجمعنا، أمامك لا أشعر بأدني من البنت البغدادية، أنا امرأة سومرية أمام فارسها

يقول: أنت لي وحدي واقول: لوحدك ياحشاشة الروح) ص41.

رغم انها تحمل ذكريات سوداوية من خالتها (بدرية) من قاتلها (مرهون) لكن تجد في هذا الحب سنابل ترقص في الحقول الذهبية. وفي عشية الانقلاب عام 1963. ضاعت اخبار(حسين) كما ضاعت آخبار الآف من المغيبين والمحتجزين عند سجون مليشيات (الحرس القومي) المنتشرة في الاماكن العامة والطرقات وهي تحمل بنادق بور سعيد، تقيم الحواجز ونقاط التفتيش للمارة، بحثاً عن المطلوبين من اليسار. وفي أحد الايام وهي تبحث عن حبيها (حسين البهرزي) مع أمه، التي جاءت الى بغداد تبحث عن ابنها، بعدما انقطعت أخباره، لتقف (ضحى) مع عدوها القديم، الطالب الجامعي (احمد ابو شامة) الذي كان باخلاق سافلة ومنحطة، وكان عدواني تجاه الطالبات والطلاب، وكان منبوذاً من الجميع، وفي أحد المرات تحرش بها، لكن صدته، لتجده أمامها مع مجموعة من الحرس القومي على أذرعهم الشرائط الخضراء، ليتطلع اليها بعدوانية كأنه وجد صيد ثمين، ويأمرها بالوقوف ويقول:

(- ست ضحى أنتِ تحت الاحتجاز، بتهمة التخريب والتآمر على الثورة) ص168.

3 - مرهون ابن نسيب: هو الذي اقترف جريمة قتل بنت عمه (بدرية) بحجة الدفاع عن الشرف وغسلاً للعار، وحكم عليه بالاحكام الثقيلة. ولكنه اختلط مع السجناء الشيوعيين وتعلم القراءة والكتابة، وتثقف بالوعي السياسي، حتى اصبح واحداً منهم، وبعد خروجه من السجن، كان أنساناً جديداً آخر، انتبه الى جريمته وشعر بالخجل العار بما تلطخت يديه، واصبح ناشطاً سياسياً وحزبياً واقتنعت به (مديحة) شقيقة (بدرية) بسلوكيته الجديدة، ووافقت على الزواج والارتباط به، وجدته مدافعاً عن المرأة التي تعاني من الظلم الاجتماعي. عانى من الملاحقات البوليسية، حتى وجد نفسه محاصراً ومطوقاً من قبل افراد من (الحرس القومي) مطلوباً لهم كمعارض يساري عشية الانقلاب. تيقن ان حياته انتهت الى هذا الحد، ونظر الى بغداد بالنظرة الوداع الأخيرة، وهو يندب حظه من الخيبات والخسارات، وقال بتحسر وقهر في لحظات حياته الاخيرة (خيبة حبي حين أحببت بدرية خاتون، وخيبة حين قتلتكِ بكلتا يدي وخيبة حين تعلمت الابجدية وعرفت واقعي بين البشرية، وخيبة آخرى حين دخلت الحزب، وخيبة حين أنجبت على كبر من أختكِ مديحة) ص152.

هكذا تحولت بغداد الى مدينة الرعب، لم تنقطع رشقات الرصاص والانفجارات، وصبيحة الانقلاب كانت الطائرات تحوم حول مقر قيادة (عبدالكريم) وتدكه بالحمم النارية، واجهضت الثورة من المتآمرين في الداخل والخارج، ولعب (جمال عبدالناصر) في تجهيز افرد الحرس القومي بالبنادق بور سعيد، ويشترك بالتآمر على الثورة والعراق، ويركب القطار الامريكي البريطاني لاغتيال الثورة (لقد فعلها عبدالناصر).

 

× الكتاب: رواية. عند باب الازج

× المؤلف: نيران العبيدي

×عام الاصدار: عام 2021

× عدد الصفحات: 172 صفحة

***

جمعة عبدالله

 

 

علي الشوابكةتأليف: فرناندو أرابال. إخراج عماد الشاعر

نافذة1

السلام عليكم ...السلام ...هي تحيتي لكم ..كما هي رسالة الفريق المسرحي (أسماء قاسم، د.الحاكم مسعود، المثنى قواسمة، أحمد الخوالدة، حسام حازم،حسام كناني، الفنيون:) بقيادة المخرج (عماد الشاعر) من خشبة المسرح إلى تلك الأيدي الخفية التي لم تزل تواصل تدمير الأرض والإنسان وتقتل الآمال والأحلام، مؤكدين دور الفعل المسرحي في خلق الوعي لدى المتلقي عبر إثارة تساؤلات صارخة تبحث عن إجابات : علام الحروب؟ فيم الحروب؟ لماذا الحروب؟

نافذة2

شكراً وزارة الثقافة ...القائمون على الفعل المسرحي.. المثابرون في الفعل المسرحي.. المخترقون جدر الغياب والخوف واللامعقول... المحلقون براية المسرح بين أعضادهم فوق قمم الرفض... هاهي ترفرف وإن كسّرت الجوائح (المجوَّحات) أجنحتهم.

نافذة 3

(ذكريات الحرب العالمية الثانية والحرب الأهلية الإسبانية سبباً في كتابة النص والحالة أكثر إنسانية وصالحة لأي مكان وزمان، وهو ما يحدث بالفعل في الوقت الراهن، وسيحدث مستقبلاً، طالما أن هناك المزيد من أكثر المخلوقات سخفاً) وهزلاً، لايروي عطشهم إلا دماء الأبرياء....

إطلالة على النص:

(نزهة في أرض المعركة) (نزهة في ميدان المعركة) عنوان صادم غير معقول لمسرحية ذات فصل واحد كتبها فرناندو أرابال أحد رواد مسرح اللامعقول 1952حمل التناقض بصراحة : فأي استرخاء ومتعة وبهجة بين دوي القنابل وأزيز الطائرات؟ أي نزهة تلك مع الموت والدمار والخراب؟

وأمّا نص المسرحية فهو أقرب لنصوص الكوميديا السوداء وهو امتداد لمفهوم مسرح اللامعقول (أدبياً) أو العبث (فلسفيا)؛ حيث سلك الكاتب منهج العبث الذي تجاوز حدود اللغة و ومجازاتها و دلالاتها، بمباشرته واقترابه أكثر من موضوع الحرب (العبثي بكينونته) وما تخلفه من دمار على الأرض والشعوب الحالمة بالحب والسلام، بينما ينعم قادتها بالأوسمة والقلائد والبطولات الزائفة غير آبهين بجبال من تلك الجماجم التي كانت مملوءة بالأحلام البسيطة.

وعلى الجانب الآخر من جوهر النص يكشف الكاتب عن سلبية ضحايا الحروب في نظرتهم إلى إليها باعتبارها تاريخا وذكريات يتوقون إليها،منطلقا من تأثرهم بمفاجأة الصدمة اللامعقولة ؛حيث تكون الحياة لديهم واقع معاش ممزوج بالذكريات القابعة في اللاوعي.

وتماهياً مع ما جاء به المسرح الوجودي من محاولة لإظهار التناقض بين القيم والمبادئ والواقع المرير من خلال تسليطه الضوء على سلوك الإنسان وتفسيره وإمكانية السيطرة عليه، يأتي هذا النص المسرحي مبنياً في إطار قواعد مسرح اللامعقول ؛حيث تخلى الكاتب عن الشكل الدرامي المعهود وعن اللغة السردية الواقعية فجاءت اللغة متعددة المعاني من خلال استخدام مامن شأنه إثارة الدهشة والتأمل والتفكير العميق لدى المتلقي، مثل الصمت والصوت والحركات ذات الدلالة والسكنات والتكرار، والغاية منها استثارة ذهن المتلقي وحفز الذاكرة، ولقد لجأ إلى المفارقات اللفظية .

ولقد سعى الكاتب إلى رسم الشخصيات مجردة من أبعادها وطباعها وقيمها الثابتة، فلا يوجد هنا أبطال،وصورهم كأشخاص يواجهون موقفاً مخالفاً، بلا إطار زمني بلا (تاريخ) أو (مستقبل) شخصيات عبثية وقلقة وتشاؤمية تدور في حلقات مفرغة وتتطور فقط من خلال المواقف الدرامية .أشخاص في نزهة أو في معركة أو يتنزهون في ميدان المعركة....وفي أي معركة ...

و أما الحوار الذي يدور بين الشخصيات فلا يعدو كونه مونولوجا داخليا، يتسم بالغموض ويؤكد حالة الصمت ويخلو من الموضوعية .للتعبير عن حالة فقدان التواصل بين الشخصيات،مما يؤكد على فشل اللغة وقصورها في تحقيق التواصل الإنساني بحسب مسرح اللامعقول.

وكذا فلقد جاء النص خاليا من الصراع والحبكة وأنّ ماتقوم به الشخصيات مجرد مواقف وليست أحداث متتابعة، انطلاقا من حقيقة أنه لا يوجد شيء يحدث ليغير وجودهم ..فلقد تحرر النص من البناء التقليدي الذي يشمل البداية والعقدة والحل، لكنه أوجد عقدا بلا حل..وصراعا لا بداية له ولا نهاية كما فقد الإحساس بالزمان والمكان.

ولقد عمد الكاتب إلى المزج بين الكوميديا والتراجيديا ؛انطلاقاَ (من أن مسرح العبث ما هو إلا دراما تمثل طبيعة مصطنعة لا تعكس الواقع وإنما تحلله من أجل كشف الزيف والوصول إلى حقيقة أن الواقع مؤلم).

وملخص الحكاية : أنّ جندياً في ريعان الشاب يتواجد في أرض المعركة على مقربة من الحدود مع الأعداء، ينتابه الشعور بالملل من طول الانتظار، يعاني الوحدة.. يتساءل عما لديه من أسلحة: لايعرف ماذا يصنع بها، تارة يغزل الصوف، وأخرى يرد على مكالمات القائد العسكري ويسخر من البيانات الحربية،يكشف لنا عن حالة تساوي الربح والخسارة بينهم وبين الأعداء...

وبينما هو غارق في وحدته يحضر والداه قاصدين زيارته في ميدان المعركة، فيستغرق والده في الحديث عن ماضيه العسكري متغنيا ببطولاته مع الخيول والسيف، فخورا بذلك الماضي العابق بالحرب.

ثم يدخل أحد جنود الأعداء بالخطأ الحدود فيقع أسير الجندي الشاب الذي برفقة والديه، جراء تدحرج كرة الصوف التي كان يتسلى بها هو أيضا في الجانب الآخر،،يصل الوالدين إلى حقيقة التشابه بينه وبين ابنهم، ذات العمر، لا يفهمان ما يجري، ولا يعرفان سبب وجودهما على أرض المعركة، هنا يكتشفون الكذبة الكبرى،والمهزلة التي تجري بما يدعونه حربا. ولحظة الوصول للحقيقة من الجميع يتعرضون للقتل والموت.فأي نزهة مؤلمة على أرض المعركة؟

العرض المسرحي

تمكّن المخرج (عماد الشاعر) وفريقه المسرحي المتنزه في أرض المعركة من إشراك بضعة عشر متفرجاً في صالة المسرح نزهتهم الصادمة طول مدة العرض، مما حقق تواصلاً سلساً معهم بدا ظاهرا في ردود أفعال المتلقين ؛ فمنهم من ضحك ومنهم من صمت متأملاً – على الأقل لم يغادر العرض أحد منهم- وبذا يكون المخرج قد حقق غرضية الفعل المسرحي المتمثلة بالإفادة والإمتاع ما ينمّ عن تواصله الحق مع النص المسرحي وتفاصيله الدقيقة ومنهجيته التي بني عليها،بل وفكرته الإنسانية والأخلاقية الرافضة للحروب والداعية –تورية- للسلام فلقد تعبت البشرية من الاقتتال و آن للبسطاء أن يستغرقوا في أحلامهم البسيطة.

يعلم المخرج (عماد الشاعر) وفريقه المسرحي - إلزاما (بروتوكول كورونا) – أنه لا حضور للركن الأهم في العرض المسرحي ألا وهو الجمهور؛ لكنه/ لكنهم تحملوا المسؤولية الأدبية والفنية والمهنية الكاملة لتقديم عرض مسرحي منسجم في كل ما شمل من عناصر، وإن غاب الجمهور – واقعاً – فلقد حضر الجمهور – فعلاً- في حرص المخرج الشديد على تجويد صنعته المسرحية وخطابه المسرحي في إطار منهج مسرح اللامعقول،محترما عقل الجمهور الفردي والجمعي وسمعه وبصره حتى في تغيبه ؛ فكأنه هاجسه الأوحد والمراقب المثابر له فيما سيقدمه على خشبة المسرح.

أصاب المخرج (عماد الشاعر) في جديته والتزامه الثقافي لاختيار النص المسرحي (نزهة في أرض المعركة) للكاتب والمخرج المسرحي فرناندود أرابال أحد أعلام مسرح اللامعقول الذي كتبه أعقاب الحرب العالمية الثانية ؛إذ يأتي هذا النص شاهدا حيّأ على أدب مسرح اللامعقول تكنيكا وخطابا،فضلاً عن صلاحيته لكل زمان ومكان ؛ لكونه يتبنى موضوعاً إنسانياً على الإطلاق ولكون الحروب لم تزل تلقي بظلالها على العالم وإن اختلفت أشكالها وألوانها. وحسن الاختيار للنص المسرحي -هنا – يأتي بمثابة الدالة على فهمه العميق للواقع وموضوعاته وما يلائمه من فعل ثقافي وهو مايثبت أهمية دورالمثقف في محيطه.

ويسجل المخرج نجاحاً آخر في اختيار فريق العمل،الذي قدم العرض باقتدار تمثيلي متمكن باعث على الدهشة والتأمل، رفع من سوية العرض مما سهل عملية التواصل مع المتلقين ليتلقفوا من جودة أدائهم التمثيلي مقولته ورسائله.

والمعقول الوحيد -هنا - هو انصهار المخرج وفريقه في لعبة اللامعقول نصأً ومنهجية (أسلوبية) لايصال مقولة العرض،فكأني بالمخرج قد نفذ النص المسرحي بحذافيره فيما عدا إلغاء بعض الجمل وأسماء الشخوص(تعميماً للحالة وللخروج بها من سياقها التاريخي) فهو لايرمي إلى بلد بعينها أو جيشاً بعينه أو حربا بعينها ويكون بذلك قدغلّب المنهج على النص وتماهى مع الخطابين الإنساني والأخلاقي المجردين.

كما برز صدق انضوائه لمسرح اللامعقول في تلك الصورة البصرية الثابتة على خشبة المسرح طيلة مدة العرض التي تحمل دلالات المكان والواقع المرير(الحرب)، لعله يرسخ في ذهن المتلقي بشاعة هذا الواقع،ومن جانب آخر فهو – أي المكان- لايعدو كونه منطلقاً لطرح الأفكار ومناقشتها بين الشخوص في المواقف المختلفة؛ إذ لا قيمة للمكان في هذا النوع من المسرح .

كشف العرض المسرحي قدرة المخرج على تقديم المواقف الدرامية بوضوح وبساطة وتكثيف، متكئا على تكنيك مسرح اللامعقول المتمثل باللغة الساخرة والصمت أحياناً والرقص والبامتومايم بمصاحبة الموسيقى. والتراجيديا الممزوجة بالكوميديا،كما أظهر براعة في ضبطها ضبطاً فنياً مؤداه المحافظة على إيقاع العرض المفضي إلى إدهاش المتلقي وحفزه على التأمل في فكرة العرض ومقولته.

كما كشف العرض براعة الأداء التمثيلي لدى الممثلين (أسماء قاسم، د.الحاكم مسعود) بدور الوالدين اللذين قدما للتنزه على أرض المعركة. (المثنى قواسمة،أحمد الخوالدة) الجنديان في ميدان القتال و(حسام كناني، حسام) الممرضان ؛حيث أنهم سعوا جميعاً للنهوض بالعرض وأبدى كل منهم قدرته الخاصة في حدود الشخصية المرسومة له، مستخدمين أدواتهم ومستندين إلى وعيهم بهذا النوع من المسرح ومحققين انسجاماً كلياً أفضى إلى إثارة الدهشة لدى المتلقين وكثيرا من التساؤلات في مضامين العرض.وكأني بالمخرج قد أطّرهم معرفيا بمسرح اللامعقول قبل تدريبات الأداء المسرحي، منطلقا من أنّ شخوص هذا المسرح عبثيون يتسمون بالروح التشاؤمية وبالقلق الروحي والانغلاق على الذات.ويدورون في دائرة مفرغة ولا يتطورون إلا من خلال تكثيف الموقف الدرامي، وأنهم شخوص مجازيون ومستعارون أكثر من كونهم كائنات حية، وأن آلية التمثيل منحازة إلى التهويل الذي يدفعه إلى الهوس الكامن فيه أصل المأساة،كما بدا جليا لدى(د.الحاكم مسعود،أسماء قاسم) .

وتشي جودة الأداء باعتماد المخرج أسلوب التراجيكوميدي لتجسيد الشخصيات على الخشبة ؛حيث تغدو شخصية الممثل امتداداً لميكانيكية جسده للوصول لافتراضات قائمة على الضحك المأساوي/الكوميديا السوداء،ولقد تميز (المثنى قواسمة) بهذا في جانب من العرض.

ولقد أثبت العرض اللامعقول أن الممثل يخلق عالما افتراضيا يتصف بالاغتراب يعيش فيه بلا ذكريات...كما ظهر في أداء (أحمد الخوالدة) و(المثنى القواسمة)، ولابد هنا من الإشادة بأداء (الممرضيين)(حسام حازم وحسام) كناني ووجودهما الموضوعي شاهدين على الدمار.

كما لايفوتنا هنا الإشادة بالموسيقى التي شكلت مزاج العرض بكليته ومدى انسجامها مع المواقف الدرامية ؛وأحسن توظيفها دونما اعتباط .إلى جانب الإضاءة المسرحية التي تم توظيفها لتأكيد دلالات العرض دونما مبالغة ؛انسجاما مع بساطة الطرح الإخراجي ؛فليست ثمة مدعاة لإلهاء المتلقي عن فكرة العرض الفلسفية. وكذلك وجب الإشادة بلغة العرض التي خلت من الأخطاء بنسبة عالية.

وأخيرأً، إن الولوج إلى منطقة اللامعقول بتجربة مسرحية محكمة إنسانية القصد وفي ظل ظروف إنسانية غير معقولة هو الإبداع ذاته، ونقطع بالقول إنه جهد مسرحي مثار التقدير والإعجاب وإضافة نوعية للحراك الثقافي المسرحي الأردني والعربي بل والإنساني.

 

د.علي الشوابكة - مادبا

28 /11/2020

 

حيدر عبدالرضاوقفة مبحثية مع نص (ليلة العنقاء) نموذجا.. الواقع الحكائي بين الوجود السردي والحضور النصي

الفصل الثالث ـ المبحث (4)


توطئة:

لقد ذهب الناظم الأوحد السردي في عوالم سرديات الأستاذة لطفية الدليمي في مسافة مقرونة بين الوجود السردي والحضور النصي، وذلك في مسافة جملة خروجات وتعالقات دلالية مبرهنة في حضورها النصي، فيما يبقى وجودها السردي كعلامة فاعلة في مدار تماثلات الفاعل الذاتي المنبثق من فضاء المحاور الشخوصية في نص (ليلة العنقاء) وهذا النص ما هو إلا خطاطة توكيدية جديدة تبرهن على وجود الأنثى الوحيدة ومضطهدة عبر مسلمات من غاية ثنائية المنقسم ما بين (الراوي / الشخصية المشاركة) امتدادا نحو ذلك الاستثمار في مظاهر حكاية النص التبئيرية في كل علاماتها السردية المنجزة .

ـ الواقع السردي وغياهب الأنموذج الأنثوي

اعتمدت معالجات (لطفية الدليمي) في واقع حكاية نصها ـ ليلة العنقاء ـ على الغوص نحو الداخل الأنثوي ومحاولة كشف ما يترتب على هذا الأنموذج الأنثوي من تابوهات ضغوطية خاصة من قبل أفراد العائلة والعادات والأعراف السائدة في ظل زعامة القرية من قبل المشايخ . لذا فأن الفعل المشخص في علاقة محاور دلالات النص بجملتها تنصب في دائرة تحقير الجانب الأنثوي من جهة سلطة الذكورية القامعة والمتشددة في طرائق نظراتها وتعاملاتها إزاء حياة الوليمة الضائعة في مركب شخصية المحور الأنثوي في النص: (تحدق بالباب وترى خيط الضوء البلوري أماما .. يعتريها احساس ما لا تعرف أسمه، تتلمس جلد ذراعها، تجدها خشنة محببة مثل وجه رغيف خبز بالسمسم .. تحب خبز السمسم . بل تكرره لأن الشيخ عبد الدايم يطلبه على مدى الأيام . أهو البرد .. أم أنها لسعات هوام الليل ؟ . / ص145) اللافت إلى النظر في مقتطفات هذه الوحدات السردية، إلى أن الذات الأنثوية خاضعة إلى عوائق وأصفاد عديدة من أحتمالات الذات الخارجة والداخلة في طقوس وطواطم السلطة الذكورية المتمثلة بدءا بالشيخ عبد الدايم، وانتهاء بهموم وإشكاليات أهل القرية مع رجالات الدعاية الانتخابية المتمثلة ب (مدحت الكهلاني) الذي فاز بصفة نائبا في المجلس(:قال الأولون: ننتخب مدحت الكهلاني: فهو الذي أقام مشروع تصفية المياه وتبرع بكل تكاليفه / وبعد أيام جاء الكهلاني يتفقد مشروع المياه وأمر بجلب مزيد من الرمل والحصى وطلب من العمال أن يزيدوا في عمق الحوض .. وكرر الزيارة بعد أسبوع ووعدهم بمشاريع جديدة أخرى . / ص150) وبعد أن تم فوز الكهلاني (و نشرت الصحف صورته وهو يصافح الوصي على العرش / ص150) تخبرنا الأحداث السردية عن أهوال ذلك الحوض العملاق وكيفية تحول هذا المشروع الانساني إلى حفرة آسنة تضم في أوصالها أطنانا من النفايات وابتلاع أطفال القرية أمواتا بين نباتات قصب البردي والطحالب اللزجة، وذلك بعد أن غادرها فريق العمل المكلف بصيانة هذا المشروع، ولكن الأمر أصبح على العكس تماما بمجرد حيلولة نيل الكهلاني حظوة ذلك المنصب: (و بعد أشهر، قال أبو بدور لزوجته، سيجتمع اليوم أهل القرية جميعا لردم الحوض، مات فيه أبن موسى الأعرج وأبتلع النزيز أبنتة عزيز الكردي، وبالأمس سقط أبو سعد الأعمى وكادت أم حليمة الضريرة أن تقضي عندما سقطت فيه وأنقذها الرجال .. من يدري قد يبتلع الحوض بشرا آخرين . / ص150) من الواضح أن رمزية الحوض تشكل بذاتها معادلا نصيا على مظهر وصورة الحكومات . فالكاتبة الدليمي كان مقصودها المدلولي واضحا، ولكن انشغال هذه النوعية من المعادل، لم تنتشل الدليمي من فحوى ثيماتها الخاصة حول مظلومية المرأة وسط أجواء واقع مجتمعي قروي، من شأنه الحط من مكانة المرأة والفتاة في دلالاته الرعوية السائدة .

1ـ من الطفلة المنعزلة إلى الفتاة المكبلة:

أن تدوين الروائية لطفية الدليمي في دفاترها الذاكراتية أعمق أعماق خصوصية مراحل الجنس الأنثوي في أجلى خصوصياته المقهورة، ما راح يرسم لنا مواقع حياة الأنثى واختلاط مشاعرها بالألم والمزيد من مفارقة ذلك الاحساس المصاحب لها بالنقص والمغلوبية دائما في أمرها . ذلك ما حاولت الروائية اظهاره لنا في مثل هذه المقتطفات من النص: (ـ أذهبي يا أبنتي، لدي عمل كثير، ولا أحد يعينني، لو كنت صبيا يا بدور لساعدتني في تسلم بطاقات التموين وتوزيع الشاي والسكر: ـ أستطيع مساعدتك يا أبي .. خذني إلى السوق:ـ كلا .. أذهبي مع أمك .. أن أخذتك سيسخر مني الرجال ويشمت بي الشامتون. / ص151) ان طبيعة سلطوية الذكر في المجتمع القروي والشرقي إجمالا، تعد فعلا لا يقابله أي فعل من أفعال الأنثى، حتى وأن كانت هذه الأنثى صاحبة مهارات ومواهب خاصة، فهذا الأمر في عالم السلطة الذكورية خاصة وفي مجتمع القرى لا يعادله أي كفاءة مقارنة بمكانة الذكر فيها حتى وأن كان هذا الذكر ناقصا وبليدا في مظهره الخلقي والسلوكي . وهذا الأمر ما جعلنا نطالع فداحة مستوى مفارقة الأحداث الشخوصية في القرية وكيفية وصول المواقف الذكورية فيها إلى المزيد من الحط والقهر بمكانة الأنثى: (حملت الأم الديكين الأسودين وزجاجة العسل الذي أحضره عزيز من الجبل لزوجها، والأرغفة العشرة بالسمسم وسلة الرمان / وسارتا نحو المقبرة إلى مرقد الولي الشبلاني بخطى مسرعة .. سألتها بدور: لماذا لم تأجلي الذهاب إلى الشيخ حتى مساء الغد فيرافقك والدي إلى هناك ؟ قالت لها: أصمتي، هيا ألا تريدين أخا ؟ .. لم تدر بدور مقدار لهفة أمها لمباركة الشيخ عبد الدايم لها علها تنجب ولدا تسعد به زوجها وتضمن عدم انصرافه لامرأة أخرى . / ص152) وتخبرنا الأحداث الأخرى في النص عن وصول بدور وأمها إلى المقبرة ومشاهدة موجة حاملي الفؤوس والأسلحة الأخرى تربصا بقدوم سيارة ذلك الرجل الذي (انتخبوه نائبا ورأوا صورته يصافح الوصي على العرش)  .

2ـ الأنثى وطقوس عبادة الأحلام بالطين:

أن عملية اماطة اللثام عن أفعال الأنثى وأحلامها البسيطة، ما راح يشكل حقيقة وهوية الممكن من انطلاقات الشخصية بدور في مرآة ذاتها . فالشخصية بدور القروية ما تنفك بالتوحد مع فؤادها داخل حفنات من الطين لتمرخ بها جسدها العاري طلبا لذلك الحبيب ـ مالك ـ بيد أن أضغاث هذه الطقوس السرية في بناء الشخصية الأنثوية، ما أخذت تركز على بلاغة العلاقة الخرافية ـ الشعبية ـ الطوطمية، في مسار مكونات جملة أسباب ودوافع الشخصية ذاتها وباقي شخوص النص، اقترانا بذلك الحجم من ضيق أفق تأدية هذه الأفعال الفطرية الواهمة، بالإضافة إلى وقوع الشخصية ذاتها ـ بدور ـ في أسر وزنزانة حجرها، ضنا من مشايخ القرية بأنها واقعة في حالة من حالات التلبس من قبل هوام الجن: (سمعت بدور خفقا مثل وجيب القلب والشهقات، ورأت القبور الكبيرة والصغيرة تئن وتزحف من حولها الأشواك وكتل العوسج / لطخت أظافر يدها اليسرى بالوحل ورسمت أشكالا مثل تلك التي تحدثها الحناء على الجلد، ثم رسمت خطا طويلا بدأته من أعلى عنقها وهبطت مارة بمنتصف صدرها حتى سرتها الصغيرة وعانتها، ثم لطخت ثدييها وجبينها وبعد قليل أحست به يتجمد على جلدها / فزعت بدور وقالت للوجه الذي أمامها: ـ خذني إلى مالك، أنه ينتظرني تحت أشجار التين، قرب عين الماء، تحت ظل الجبل البعيد .. / ص153 . ص154) .

ـ تعليق القراءة:

بأختصار شديد أن حكاية نص (ليلة العنقاء) تدشن آفاق المعتقد والأعراف والأبعاد الطوطمية العسيرة من انتاج صيغة المعنى الدلالي الموظف بالبعد الطقوسي لأحوال وقائع حياة أنثى رازحة في ظل زوايا وقواعد وأصول أرباب ومشايخ الطريقة . والحكاية السردية في هذا المدلول أخذت تسلك دربا غريبا من الواقعية السردية الموجودة واللاموجود في ظواهر حضورية أعتبارات وتمثلات حياة الأنثى في نصوصية مجال الترهين للتبئير الحكائي المنعقد بملامح الوجود والحضور الشخوصي المتميز في كشوفات ومخطوطة عالم النساء الوحيدات .

 

حيدر عبد الرضا

 

 

جمال العتابيمغامرة الحكايتين برواية واحدة

ان وضوح التجربة يضيء هذه الرواية ومغزاها، لكن ثمة أسئلة تثيرها رواية عتيق رحيمي  الصادرة عام 2008 عن دار الساقي، والفائزة بجائزة غونكور، هل تمكنت الرواية من تحقيق التوازن والتناسب بين أركان الرواية، والأدوات اللازمة لبناء روائي متماسك نابض بحياة جديدة، فثمة صوتان يتناوبان، كما لو كانا روايتين منفصلتين، إلا ان المغامرة قدمت الحكايتين بإطار ولون وإيقاع وكأنهما رواية واحدة، كلاهما يشترط الآخر لظهوره وتناميه، وتشدهما علاقة إثراء متكافيء متبادل، فلا تعود الأولى إطاراً يضم الأخرى، الرواية تركيبة من نوع آخر، يبتعد فيها الروائي عن الشكل الكلاسيكي، ملتزماً بوحدة الحدث والمسار.

لكل من النصين خطابهما الخاص، في الأول يهاجر تميم من أرضه ووطنه، الى فرنسا الى اللاشيء، يغيّر أسمه الى توم، يريد الإنسلاخ من جذره وتاريخه، الهوية لا معنى لها عند التخلي عن الذات، وعن عائلته: الزوجة رينا، والطفلة لولا، يهرب بنفسه نحو امستردام، هروباً عن حياة كلّنها في المنفى على مدى خمسة وعشرين عاماً، من دون أي ندم، أوحنين، أو أسف على طفولته، أو سماء كابول الزرقاء، ولاشموخ الجبال التي أبصر عند سفوحها النور، تميم دفن كل شيء في مقبرة أجداده حتى إسمه الأصلي. يلتقي بنوريا في الطريق، التي تكتشف كذبه، والتعتيم على أصوله الافغانية، فتهجره بعد تجربة عشق سريع وعابر، وتغيب عنه نهائياً. يتشبث بصديقتها روسبينوزا عسى ان ان يجد سبيلا للوصول الى نوريا، ويخيب في النهاية، يعود منكسراً محبطاً عاجزاً، يدركه رثاء غريب لنفسه وكراهية لكل ماضيه، لتنتهي حياته  بحادث في طريق العودة الى فرنسا.

في النص الثاني قدم لنا عتيقي شخصية يوسف السقا، وهو يعيش كابوساً جاثماً على الروح، دراما موحشة مكتظة، مركبة، بأداء متقن ذكي وبليغ، مستفيداً من خبراته في الفن الروائي، ومعرفة طيبة بالفن الروائي العالمي، وتمرسه بمشكلات البناء والشكل حتى إستقامت لديه بلاغة الفن الروائي، ان الصورة الخارجية للواقع السياسي والإجتماعي، في أفغانستان الخاضعة لسيطرة طالبان، تبدو في حقيقته المرعبة والمأساوية في الحياة الخاصة ليوسف، إذ يعيش حالة إغتراب أشد وطأة من إغتراب توم، ويعاني من حالات فشل عاطفي في محاولته الاقتراب من شيرين ابنة عمه، التي تتقاسم العيش والسكن معه بعد غياب زوجها سليمان، تدفعه رغبات ملحة تستبد به للدخول الى احلام المرأة الشابة، أحلام خرساء لدى الإستيقاظ، توم إنسان مسحوق ومرعوب، يخاف إمام المسجد، ومسلحي طالبان الذين يرمون بجثث قتلاهم تنهشها الكلاب، بتهم ملفقة، مثل الزنا، أو تعاطي الأفيون، أو تهمة خيانة الاسلام، يحاول يوسف تجنب نظرة الاتهام وإحتقار الإنسان بقدراته العقلية المتواضعة والمشوشة.

لا وظيفة لهذا الرهان الأليم، إلا أن يوظف الروائي إحتدام الإيقاع الداخلي لإنفعالات يوسف، التي تتطلبها ذاته الممزقة بين مخالب المتناقضات، وفي كلمات بصدق الإعتراف، تضيء أعماقه المخرّبة بهذا العذاب القاسي.

وهكذا كان الصدق في الرؤية، والصدق الفني في العمل، هما جناحي الإطلالة على الحياة في افغانستان طالبان، وأنفاقها المعتمة، إن الأشياء تتحدث عن نفسها في هذا النصف من الرواية، نص تتوالى فيه الخيالات والإفتراضات والإضافات الدرامية والعاطفية، ان القاريء يجد في يوسف شخصية تراجيدية، مادام مشدوداً إلى مركز زوبعة تتجاذبه فيها إتجاهات ونزعات تتناقض إتجاهاً، وتتكافأ قوة، وتسيطر عليه رغبة طاغية في خلاص لن يتحقق، انما انتهى برصاصة في الظهر، وعثر على جثته، يجرها كلب في صقيع كابول الجليدي، وفي اليوم ذاته، رجمت شيرين حتى الموت بتهمة الزنا، وشنق عشيقها وهو تاجر هندوسي في حديقة عامة.

وزع الراوي نفسه وتجربته بين يوسف وتوم، فإلتقت جوانب أساسية مختارة من التجربة، بأحلام خاصة في الحياة، فأقصت العمل أن يكون سيرة ذاتية، وأحسب ان شخصية توم  في هواجسها وأحلامها، إمتداد للشخصية الأثيرة لدى الكاتب، تلك التي إلتقت فيها عناصر الواقع والحلم والتوق إلى الإغتراب، مستخدماً إسلوب تعدد الأصوات وتمكينها من التعبير بوضوح وتلقائية، وحافظ الروائي على التوازن عندما تر ك الأحداث تتجه وجهتها الطبيعية.

هذا الإسلوب جاء لتمكين الروائي من أن يجمع أكبر قدر ممكن من حكايات الافغان، وعن اللجوء والتشرد، والحرب الأهلية، والحصار والاحتلالات، ليعيد من خلال تلك الحكايات كتابة التاريخ الأفغاني دون المساس بفنية العمل الروائي. كما. ان الإستخدام الواعي والتقني في تداخل الحكايتين، حقق نجاحاً للسارد في الإنتقال من ظروف سردية إنغمس فيها القارئ، إلى ظروف أخرى مغايرة، نتج عنها دمج عناصر سردية جديدة، الأمر الذي يجعل السرد جامعاً لفضاءات متعددة من الواقع، والخيال، ومتداخلة على مستوى الزمن، أو الحدث، أو الشخصيات.

تنبغي الإشارة إلى ان راوية تحمل العنوان نفسه للكاتب المصري بهاء طاهر، صدرت عام 1995،تدور أحداثها في بيروت قبل الاحتلال الإسرائيلي بداية الثمانينات، بطلها صحفي مصري يطلّق زوجته منار، ويهاجر الى سويسرا، يرتبط بقصة حب مع فتاة نمساوية، يعدّها بعض النقاد انها وثيقة تاريخية بإطار إبداعي، بينما يرى البعض الأخر، انها خلاف ذلك، لا تنتمي الى الروايات الفنية الناجحة.

 

جمال العتّابي

 

 

حيدر عبدالرضاشعرية التشكيل وتمظهرات ميتافيزيقيا حساسية الدال الآخر

توطئة: أن اللغة الشعرية بطبيعتها الوظائفية في عوالم شعر محمود البريكان، دائما هي ذلك الاستخدام في ظل أجواء من شعرية (الرمز المتحول) والدلالة المخصوصة في أداة وامتيازية العلاقة الاستعارية المضمرة . عندما نطالع قصيدة (بلورات) توافينا هوية وحقيقة المواقف الاستعارية الموظفة في حدود واصلة لغة ذات احيازية إمكانية محاورة ومتجاوزة عبر وظيفة أنا الشاعر أو الأنا الشعرية .

ـ أسرار تقاويم الزمن وحلمية المد التشكيلي

تبدو لنا عتبة الاستهلال الشعري في بنية قصيدة (بلورات) وكأنها تستقدم زمنا ما بطريقة مجردة امتدادا نحو ما وراء معطوفية الزمن الأحوالي الغائب والحاضر في دائرة محددات الخطاب الشعري اللامحدد .

كساعة خفية، يدق قلب

 الصمت .

على هذا النحو من عتبة النص الشعرية، تقودنا العلاقة المقاربة ما بين دال (ساعة) ودال (خفية) وصولا نحو لحظة غريبة من المشابهة والاستبدال في حركية سكونية شاخصة من إثراء الحالة الإيحائية المبذولة في أوليات المد الدلالي، إذ أن الحالة تبدو وكأنها هاجسا خاصا ينتمي إلى موجهات إشارة رسومية ـ تشكيلية من جملة اللاحق: (يدق قلب الصمت) وبهذا الأمر تغدوا العلاقة العضوية ما بين دلالة (ساعة خفية) والجملة الأخيرة التي هي بمثابة اللحظة المعمقة من فضاء اشتغال محور ودلالة ثيمة المركز العنواني (بلورات) ليس لأن الأمر بادئا في عنونة المركز تحديدا، بل أن خصوصية العلاقة الاستعارية، جاءت تنوعا لتضم مقتنيات الإطار الزمني وحيواته الشاغلة في الحال المستخدم في جمل النص .

1ـ محاور العلاقة الأحوالية ومسميات الحال القصدي:

على نحو ما نتعرف على شكل تعاقبات قصيدة البريكان، وذلك ضمن موقعية خاصة من العلاقة التشكيلية الدالة والتي تتمثل في تصديرية هذه المقتطفات:

تنتظر الصخور في

سواحل قصية موعدها .

العلاقة هنا، أشبه ما تكون عليه حال مفردات الإحالة في شواهد توصيفية متقاطعة، أي أننا نعاين في مواقع هذه الدوال، ثمة اتجاهات ضيقة من عوالم اللوحة التشكيلية أولا، وثانيا نلاحظ بأن حدود المعنى جاء مقاربا لإمكانية خروج الموصوف إلى غاية خاصة من استجابة العلامة أو الرمز المتصور في محمول الموضوعة الشعرية، نظرا إلى أن حاجة الموضوعة في القصيدة، جاءتنا تفاوتا في مرسومية دليل الأحوال، وليس أمرها تابعا إلى كيفية خطية متتابعة في أغلب الأحيان:

ساحرة الأشجار

تفرز سماً غامضاً

بين جذور الغار

يمتد جذر العدم الأسود .

و تقودنا كينونة هذه الحساسية الموضوعية في ملفوظ وتلفظ الجمل، نحو علاقة المحاكاة والتناص ما بين دلالات لوحة هنري روسو (ساحرة الأفاعي) وبين حالات شعرية المؤسطر في دوال قصيدة البريكان . ويتجلى لنا واضحا حجم التفاعل والحميمية ما بين قصة (الصرخة) لمحمد خضير وذلك الفضاء المحاكاتي في قصيدة الشاعر، وصولا إلى فرصة التلاحق بين اللغة الشعرية وتقانة درجة الممكن الدلالي في مخارج ودواخل قصيدة الشاعر . عندما نمعن في مستوى تأسيس دلالات البريكان ما علاقة خطوط وألوان وهيئة الفضاء الانشائي في لوحة روسو، قد نعاين مدى فاعلية الأرتباط الحاصل ما بين الطرفين والموضوعين . فعلى سبيل المثال حاول الشاعر عبر استخدامه للزمن الاستبدالي في أفعال الدوال، خلق علاقة مؤسطرة وهوية حالات بعيدة عن مكامن لغة النص الشعري، وتبعا لهذا وجدنا جملة (ساحرة الأشجار) أو جملة (تغرز سما غامضا) تعبر عن علاقة تداخلية قائمة في ذاتها اقترانا مع سموم الثعابين في لوحة روسو، وليس في موضوعة ساحرة البريكان أية علاقة واردة في مستوى دال الثعابين إطلاقا . غير أننا ونحن نتابع جملة اللاحق (تغرز سما غامضا) نتذكر بأن الشيفرة ما بين الوضوعين دليلها الأكبر هو مجال الأداة وليس المضمون المدلولي، وهذا الأمر ما جعل الضد الموضوعي بين ساحرة روسو وساحرة البريكان، ولكن تبقى الثيمة الموضوعية في أغلب الأحيان متقاربة ومختلفة، خصوصا وأن البريكان في نصه، بات يؤشر إلى علاقة ثانية من مادة السموم ودال الثعابين:

تنطرح الحيّات

جميلة تحت مرايا

الشمس .

هنا تنفتح اللقطة التصويرية على معالم الأبعاد التشكيلية في النص، اقترانا بذلك المسعى المحاكاتي والتداخلي مع قراءات لوحة روسو، حيث الفضاء الغابة والأغصان الثعبانية المنطلقة من بين أذرع الساحرة، غير أننا نعاين بأن ثعابين البريكان تستدعى في دلالات مختلفة (تنطرح الحيّات جميلة تحت مرايا الشمس) ولا يخفى على القارىء بأن الجانب الشعري على مستوى من الاختلاف دائما بالمقابل من الأداة في خطاب اللوحة . لكننا عندما نبحر في زمن مشاهد دوال قصيدة (بلورات) نلاحظ مدى الاستجابة الكبيرة في شكل وصفات الموضوعين، نظرا لأن الأثنان يجسدان ذات الفاعل من الأنموذج التشكيلي والحركي والعلاماتي تماما . ويصور نموذج البريكان في دلالات نصه، ذلك المعطى الاستعاري المجرد في واقعة الملفوظ مع ممارسة تشكيلية جانبية، أخذت تحكي عن قصة العلاقة المتوازية ما بين فضاء المكان وخلفية التركيز التصويري لأدق وأعمق حالات الأشياء:

اتبعْ دبيب الهمس

في غابة الأصوات .

اقرأ ظلال اللون

تلك التي ليس لها لغة .

إذ تتمكن كاميرا الشاعر هنا من التقاط المشاهد والدلالات المخبوءة في معجم لغة الأحياء، امتدادا إلى مراهنة غياهب الأصوات، في حقيقة إيجادها من قبل (أنا الشاعر = فاعل وجوب ـ الفعل أنا / الأداة: الفعل وإرادة الفعل: أتبع دبيب الهمس ـ كينونة الأشياء الغائبة) .

ـ التفاعل الآنوي بين معالم الوجود والعدم الوجودي .

و يصور الانموذج الشعري في دوال قصيدة (بلورات) ذلك الجوهر الإمكاني من شيفرة الداخل الحسي، إذ أن أداة الشاعر نجدها استنطاقا سرانيا نحو جلب تصور حالات الذات، إلتحاما لها مع تلك الروح الدوالية الفاعلة والحاوية للعديد من صور وحراك إيقاعات الظلال وأفضية كثافات الفعل الوجودي في دخيلة الحالة القصدية: (اقرأ ظلال اللون، تلك التي ليس لها لغة) لا شك أن قراءة الشاعر لذاتية العدم الوجودي، هي حالة مفقودة في اللغة الظاهرة من خصوصية اللغات المضمرة، إذ تتطلب مثل هكذا شعرية، لغة تتعلق بقابلية تشكيلية خاصة من آليات التحاور وو صف مقادير السؤال والمساءلة والبحث . لذا فإننا نجد أن موصولات العلاقة في محاور النص شبه سيميائية، تستقطب حضورها وجوهرها من خلال مساحة علامية نادرة في إنتماءها وسيرتها: (اقرأ ظلال اللون ـ غواية النص / التي ليس لها لغة ـ حالة تحول في الإمكانية الإيحائية = بدائل الملفوظ = العلاقة المضمرة) وعلى هذا النحو تقابلنا برقيات الوجود المركز من العلاقة الحسية الواصلة في تشكلات حركية الكون المؤسلبة في أدق مساحة لأشتغالية الملفوظ:

في نقطة واحدة يشف

عمق الكون

تصادف الأحلام

تفسيرها في لحظة

اليقظة

تصادف اليقظة تفسيرها

في حلم تدفنه الذاكرة .

من هنا تتآلف وتتحاور جواهر كينونة المنتج الدلالي عبر مقتطفات النص، وصولا منها إلى مستوى حساسية المجرد بالصورة الشعرية التي أخذت تشع من وراءها روح دليل المعنى المضمر . فالشاعر البريكان كان يسعى من وراء جملة (في نقطة واحدة يشف عمق الكون) الإشارة إلى تلك العلاقة الميتافيزيقية ـ الغيرية الكامنان في مصاحبات جملة إحالات واضحة من حيز منتج الذات الغيرية الأخرى في أبعادها الكيفية . وتحقيق مثل هكذا علاقة غيرية، لا تتضح سماتها، إلا من خلال الغور في المشهد الآخر من الدال المركز، اقترانا بمسار روحية ذلك الدال الغيباني من فعل القصد الشعري، وهذا الدال هو بذاته ما راح يشكل محور الفعل المنفذ في رؤية النص (تصادف الأحلام تفسيرها في لحظة اليقظة ـ الدلالة مع انطباعية الصورة الذاتية / تصادف اليقظة تفسيرها في حلم تدفنه الذاكرة ـ علاقة واصلة بالحركة الزمنية = تحول الأداة من وجهة نظر الفاعل المنفذ) .

ـ الفاعل النصي في شرنقة الدلالة المضمرة .

في القسم الأخير من قصيدة (بلورات) يلعب الفاعل المنفذ ـ الراوي الشعري ـ دورا مركبا في تصعيد بنية الملفوظ إلى أقصى درجة من الصيغة والصياغة المجردة في العين الميتافيزيقيا الغيرية . بيد أننا ونحن نقرأ هذه المقتطفات من النص، تساورنا احتمالية أن يكون الفعل الشعري بحثا أزليا في معادل أوليات الوجود الخلقي للأنسان في مسيرة حياته المترابطة بجملة مسميات ذات علاقة نواتية في الكشف والأعداد والتنقيب الوجودي:

من يخرج الإنسان منها

هذه الدائرة؟

هناك أغنية

منسية، هيهات تُستعاد

في موجة الأغاني .

ربما ان البريكان في حالة مأزومة من الصراع مع تفاصيل وجودية غارقة بالبحث عن علاقات وثيقة مع فضاء الذات الأولى . وقد يتوازى الفعل الفردي لديه بما يوفر له حصيلة حسية نادرة من التقاط لغة وجود الأشياء المنسية، إذ تتمكن الكاميرا الإستفهامية لديه من إطلاق فواعل السؤال الوجودي عبر خلفية بلاغية لغوية وثيقة (من يخرج الإنسان منها هذه الدائرة؟) الحساسية الكيفية لدى الشاعر، تبلغ لها مستوى توصيف أنساق الملفوظ عبر مضاعفات شعورية منفصلة عن حيزها المدلولي في طبيعة منطقة الجملة الشعرية ظاهرا، ولكننا عندما نمعن في محتملات القصد الشعري، قد يرد لنا معنى الذات في حضورها الزمني والمكاني على رقعة صورة الوجود إحتمالا . غير أننا عندما نطالع جملة اللاحق (هناك أغنية منسية، هيهات تستعاد في موجة الأغاني) فحالات هذه المرسلات الشعرية ربما هي تعبر عن حالة تصويرية لافتقاد الشاعر لذلك الزمن القديم له، أي بمعنى ما إشكالية أن تستعاد اللحظات العمرية الجميلة في مرحلة زمنية معادة وحاصلة لزمن الشاعر الحاضر:

يمكن أن يُصنع تمثال من

الرماد !

هل تسقط الألفاظ أستاراً

على المعاني .

لا سحر للحياة

في النسخة الثانية .

أحبها عارية .

1ـ المحتمل الدلالي ومدى قابلية دلالة المعنى:

تضيف هذه اللقطات الأخيرة من النص بعدا مجردا في مساحة من سياق معادلة متهكمة للقول المضمر (يمكن أن يُصنع تمثال من الرماد !) لنفترض أن الشاعر في هذه الجمل من النص، كان يسعى إلى التقاط أصداء تماثلات الأثر الزمني في وجوده الذاتي والأشياء من حوله، عبر وساطة المسافة المترشحة من تفاعل ومأزومية، بيد أننا لاحظنا أن الذات من جهة أخرى تتحدث حول تجليات أحوالية خاصة نابعة من مظاهر حالات وصفات مجردة، غايتها التدليل على براهين أمثولية تتعلق بحيوات وجودية خاصة من حساب البرهان الاستدلال،ولكنها من جهة غاية في الأهمية عندما توظف بطرائق الواصلة الاستعارية الشعرية، قد نجدها وكأنها حلقات أمثولية مفرطة بصلاحية الإقرار الدلالي الوصفي . أيضا فإن جملة (لا سحر للحياة .. في النسخة الثانية .. أحبها عارية) بمثابة قابلية الخلوص والتطهر إلى جوهر الأشياء الحقيقية عبر مواطنها الأزلية والسرمدية، لذا فإن رفض أستار الحياة من قبل الشاعر، هي علامة دالة على خروجه من سحق الحياة وآنيتها الزائلة .

ـ تعليق القراءة:

لعل أهم ما تلتهب به دلالات قصيدة (بلورات) هو تفجيرها لثغرات الزمن الآني الموظف في عابرية الأشياء وحالاتها المحدودة في أفق طموحاتها الرسومية الزائلة، وبهذا الإشراق التصوفي ينفلت الشاعر البريكان من نفسه نحو صياغة الفضاء والمشهد الشعري بحساسية الدلالة الميتافيزيقيا والعزلة الأداتية في لغة التصوف ونزوعاتها اللحظوية العميقة:

لا مجد عند الموت

أعمقُ حلم ساكنٌ سكينةَ

الهاوية .

تحترق الدهور في ثانية .

تنصهر الروح ولا يصدر

عنها صوتْ .

أن هذه اللغة الفريدة تتكشف لنا من خلالها مدلولية الحياة (البلورية) للأشياء والصفات والأفعال الشعرية النازحة نحو عمق الانصهار بعلاقة دليل وواقع الموت وعلاماته المشحونة بسلطة العقلي والكلي والأبدي والمجرد الخارج عن مستوعبات اللحظة الآنية من قصيدة: شعرية التشكيل وتمظهرات ميتافيزيقيا حساسية الدال الآخر .

 

حيدر عبد الرضا

 

 

احمد ختاويبين القاصة الجزائرية حياة فريدة بوشامة وفرلنز كافكا

إذا كان كافكا خاصة في روايته "المسخ" قد تعاطى مع الرعب كمنطلق، بمده السريالي، في تنامي متنه مع ظاهرة الموت والرعب ككابوس ضليع في مقارعة الذات

فإن القاصة الجزائرية حياة فريدة بوشامة في مجموعتها القصصية الموسومة ب "أهازيج الوجع"، التي ستصدر قريبا عن دار الأمير للنشر، نزعت من هذه الجدلية فكرة أو بالأحرى "زبدة" الإلحادية الخرساء مع تقاطع مع فرانز كافكا في كيفية إنماء - وريّ الموت كيقين من منظور

فإن القاصة الجزائية أعادت تشكيل مبنى الموت كيقين وحتمية حياتية ..

ومنعطف، فيما يذهب كاكفا وغيره إلى أن الموت كابوس، فيما الموت عند الكاتبة حياة فريدة بوشامة ليس عملية جنائية بقدر ما هو حتمية كينونية لا مفر منها، في شقها العَقدي ، تُمهر باليقين كموئل وليس كابوسا .. لا كوجهة بنائية في تسريد الممكن وتقاطعه مع اللاممكن كما يذهب إلى ذلك أغلب المتعاملين مع الموت في العمل السردي كأنه جناية ..

منعطف هذا التنامي التسريدي لدى القاصة حياة فريدة - تشكيلا يقينيا - سكن مجموعها القصصية " أهازيج الوجع بعمق وامتداد 13 قصة من مجموع 14 قصة في المجموعة التي تتربع على 65 ص من الحجم المتوسط، ما عدا قصتها "أبناء القهر"

القاصة الجزائرية حياة فريدة بوشامة لم تجعل في ذات المجموعة " الموت " رداء تسريديا لتعاطيها مع الحتمية الكونية، الكينونية أو عبر مسار تطاقي اعتباطي مستمد من رؤية خامدة أو تركن بين مطيات كابوس يراودها أو يراود أبطالها مثلما حدث لفرانز كافكا، وإنما جاء نتيجة توحيد رؤى اجتماعية لشخوصها كمنعطف تواتري بين ثنائية الحياة والموت كتقاطع مفصلي لا بد من إدراكه ولو بتداعيات موجعة في التعاطي مع شخوصها وأبطالها في كل قصة سكنتها الموت / انفعالات و مسارات سرد،

فكرة التشيؤ لدى القاصة حياة فريدة بوسامة مقصودة أو انفعالية " تسريدية " بقدر ما وردت حتمية الدلالة كمفصليات وماح كل بطل فيها بعفوية الأقدار، ومتعب و"إرتداديات " ونوائب ورزايا المجتمع، كمِغراف لأهازيجها ومواجعها إيمانا منها بأن هذا رابط ورباط بين الثنئية / الحياة / الموت دون التفكير منها ل" تأسيس فكرة الموت " كخوسيه ساراماغو الحاصل على جائزة نوبل للآداب سنة 1998المتشبث بفكرة الثانية أو المعطى الأول " الحياة " كموئل .. وغاية مطلقة .

2292 اهازيج الوجع

الترابط هذا أو هذا التقاطع لم يأت من القاصة ليصلب الإنسان أو يسلبه فكرة : نهاية المعطى الأول، وإنما جاء بتشكيل عفوي بريء ، وفي ذات الأوان حتمية لا مفر منها أو على صعيد تجميل - استطيقيا - المبنى الدلالي الدرامي في وجهتيه الجمالية والاستنباطية كما في رواية "يوم رائع للموت " للروائي الجزائري سمير قاسمي على سبيل المثال وليس الحصر .

ثنائية الموت والحياة كمنعطفين يسايران صيرورة وسيرورة هذه الثنائية، شكل كثيرا من التداعيات والتجليات وبمفترق طرق جمالية أو درامية سواء عند كافكا / سمير قاسمي / أو خوسيه ساراماغو كعينات أيضا

.. الارتباط بالموت في مجموعة " أهازيج الوجع " للكاتبة الجزائرية: حياة فريدة بوشامة أخذ أبعادا ترابطية بين تنامي شخوصها ونهاياتهم ضمن كل قصة من منطلق ، لا أقول تجريديا أو " تزويقا " للدلالة " وإنما من منطلق "تعيين" ووضع الأصبع على المتن والتحكم فيه وفي ناصيته : في تشكيلاته التراجيدية كمسلك .. وكرؤى، حيث نجحت القاصة في فك العزلة والغبن عن الأهازيج في تضادية تسريدية متماسكة، علما أن الأهازيج .

تعنى في مفهومها اللغوي تراتيل طرب وفرح، ولعل قائلا يقول أنها ، أي الكاتبة حياة فريدة بوشامة وقعت في تضاد وتناقض رؤيوي في مزجها بين الأهازيج كمظاهر فرح والوجع مرادفا للموت ونظيرها / قرح، كما أنهما خاصيتان متضادتان / شكلا ن أصلا ومبنى .

القاصة حياة فريدة بوشامة بوعيها الإداركي، العقدي، مزجت ب" استطيقيا وتشكيلية سردية المتناقضين وببراءة ملائكية، وبحنكة أيضا لتثبت أن الوجع تايع من " التابعين " للأهازيج ولو عمر طويلا لا بد من اليقين،

هو ذا مفهومها في ملائكيته وإيمان القاصة بحتمية الموت وإن كان مواجع، فلا ينتج ولا يتولد إلا عن لواعج، تسبقها أهازيج في جميع طروحاتها وأطاريحها كمبان حكائية،

بأسلوبها السلس البريء أيضا تمكنت الكاتبة حياة فريدة بوشامة أن توطد بين هذه الثنائية بكثير من التعاضدية و التتابعية، وليس التبعية التراجيدية

تمكنت أيضا أن تنسج مواويل الفرح مقرونة بصنوف النوائب والرزايا،

على صعيد آخر، واعتبارا من قصتها المأساوية " مينة السمينة " وما تلاها استطاعت بأسلوب أكثر جاذبية وتسريد متماسك، إلى غاية " الغولة " آخر قصة في المجموعة أن تجمع " إفك ومزاعم " الصنم الذي يدعى أنه سيظل حيا ..

صنم القاصة حياة فريدة بوشامة مرغته في وحل اللاممكن بناء على إيمانها أن الصنم وإن كان صلبا، فسيلين ويستسلم أمام ليونة الموت وإن كانت قاسية هذه الأخيرة : مواجع، لكن تظل دوما في هذه المتون : يقينا لا مفر منه،

المجموعة قيد الطبع بدار الأمير، للنشر - على مشارف صدور * إن شاء الله - نتمنى للقاصة حياة فريدة بوشامة موفور السؤدد في العمل الذي لا شك أنه سيضيف تشكيلا آخر لمفهوم التسريد في حيثيتية وفًهومه الفلسفية والرؤيوية لدى العرب والغرب في مبانيهم الروائية والقصصية .

ألف مبروك هذا الإصدار،

هذا مرور خاطف مني، في أعقاب انتهائي لتوي من قراءة هذا العمل الترابطي، ولي أوبة لاحقة عند صدور العمل، كل التوفيق أستاذة وقاصتنا حياة فريدة بوشامة، والعاقبة للمجاميع أخرى، وأدع لقارئي الكريم بقية النكهة في تشريح ثنائية الموت كمفهوم أدبي وكاستجلاب للمتعة أو جمالية التنظير أو كمتن تراجيدي توحيدي وتطابقي بين المد والجزر في هذه الجدلية القائمة لحد الآن بين الأدباء والمفكرين والفلاسفة وعلى عدة أصعدة ..

 

كتب: أحمد ختاوي / الجزائر

 

 

جبار ماجد البهادليقِراءةٌ نَقديَّةٌ فِي قَصِيدةِ: لَمْ يَبقَ لِيْ مِنِّي سِوَاكِ

ثمَّةَ فرقٌ كبيرٌ، وبونٌ شاسعٌ في الشِّعرية النصيَّة بين ماهية مفهومي الشعرالآيروتيكي الحسِّي الرغائبي ذي الدافع (الجنسي)، والآيروتيك الشِّعري الحسِّي الرغائبي (الرُّوحي الجمالي)، لذلك من الصعب قي نقدية الشعر الحديثة أنْ تُدركَ تمثُّلات فلسفة المعادل الموضوعي الجمالي النسقي في المنجز الإبداعي العشقي الحسِّي لشعرية يحيى السَّماوي الغنائية الذاتية، وتفهم المغزى الروحي البعيد في توجُّهه الفكري الأخير اللافت نظراً لتقنيَّة جماليات الحسِّيات الآيروتيكية، ولكنَّ الأجمل الممتع السائغ في هذه الاشتغالات الرؤيوية المتعاضدة أنْ تستشعر بتفرُّدٍ لذَّةَ وطعمَ ماهية عقد رابطة الألفة الحميمة في معادلة التوفيق الهرمنيوطيقي الصوري (التأويلي) لهذا المعادل الفلسفي الروحي بين ثنائية تمثُّلَات المحسوس العشقي التجريبي (القيمي)، وتمثُّلات الملموس التجريدي (البَصَرِي) الفكري الجمالي الصوفيِّ مركز الرُّوح و(نقطة الإضاءة) الجمالية. والَّذي ينتزع فيه الشَّاعر العاشق اللُّغة الشعرية المخيالية بأنساقها، وصورها المرئية (الحركية والصوتية) وأصواتها (المهموسة والمجهورة والصائتة) من نفسه انتزاعاً بلاغياً تجريدياً فنيَّاً في رسم وتوقيع ملامح صورة المعشوق الحسِّي في لوحة الخطاب العشقي الشِّعري.

والقصيدة الحسيَّة عند السَّماوي بستانُ عشقٍ سَماويٍّ مورقٍ بالمحبةٍ، وواحةُ غزلانٍ ربيعية من ظباء (العشقيات) المخضوضرة بسنابل العشق الجمالية الملأى بالمحبَّة، ولا تعدو القصيدة للمتلقِّي أو القارئ إلَّا أنْ تكون دوحةً لغويةً غنَّاء مسربلةً بقشيب أثوابٍ زاهيةٍ من نسج الكلمات الدلالية المعبِّرة، وبساط سبكي من الألفاظ والعبارات المتراصة، والتراكيب الشعرية الرصينة المؤثِّرة بسعة ورحابة مداها التأثيري. والسَّماوي يحيى في تصميم تمثُّلاته المعمارية (الحسيَّة واللَّمسيَّة) الشعرية،هو المهندس الشعري الشاخص بفقه لغته المخيالية الَّذي لا يكتفي بأنْ يُصيِّر مثيرات المحسوس الأنثوي عشقاً، وجماليات العشق الأنثوي محسوساً صورياً فنيَّاً فحسب، بل يخطو أبعد وأعمق من ذلك التصوّر الفكري، فيذهب عامداً فى تصوير جدليته (الحسية الآيروتيكية) إلى مناطق وأقانيم تأملَّية روحيَّة أكثر بعداً ورؤيةً في إرساء وتعضيد دعائم شعرية فلسفة علم الجمال الروحي العرفاني الصوفي الّذي يتقرَّبُ فيه الشَّاعر في ابتهالاته الصوفية وأناشيده الشعرية السّماويَّة إلى الله تعالى عبر أثير مجسَّاته الحسية الآيروتيكية التي يقوم فيها بإنتاج صورة روحية تخليقية يتماهي فيها المخلوق (العاشق) الحسِّي بجمال الخالق (المعشوق) الرُّوحي التألهي، لكسر واختراق صورة المألوف الشعري النمطي،وإحداث مثيرات الدهشة والإمتاع الجمالي عند المتلقِّي.

وعلى وفق ذلك التأسيس الجمالي تُشكّلُ القصيدة الآيروتيكية بِرُّمتها الكليَّة عند السَّماوي مدائنَ عشقِ شعريَّةً حسيَّةً فاضلةً، ومحطَّات مرافئ سُفْنٍ صُوفيَّةٍ متآلفةٍ عامرةٍ بالجمال، تسمو بها القصيدة الغزلية الحسية الذاتية الحديثة في منظور علاقتها الزمانية والمكانية المتواشجة. فهي مازالت في منظومتها الحضورية الكاشفة تعكس ماضياً، وما ستكون في علاقتها الاستشرافية الحالية حاضراً ومستقبلاً تمثِّل نهراً لافتاً من توليفة (عشق عراقي أخضر) لا ينضب ماؤهُ ولا يجفُّ رواؤه العشبي الأخضر.ذلك العشق الرُّوحي الَّذي تتنفسه رئة السَّماويِّ الشعريَّة روحاً وجسداً، وتحيا به هواءً نقيَّاً مُنعشاً، فلا حياة ليحيى السَّماوي من غير قصيدة عشقٍ تَنبُتُ أملاً تَخضَرُّ بهِ روحه، ولا عشق يُعمِّر ويدوم عنده من غير قصيدة حسٍّ،هي روحه الخضراء المزدانة بحبِّ الجمال الصوفيِّ لذلك الهُيام،فترى صورة المعشوقة الحسيَّة في تراتيل شعره الصوفية بضعةً روحيةً منهُ لصيقةً بمدارك محسوساته، تحيا بحنايا روحه و علائق ونياط قلبه المتقطعة يُتَرْجِمُهَا بأناقة لغته ورشاقة تعبيره، كما هو يحيا اسماً وتكويناً وشخصيةً ووجوداً متفرِّداً.

وعلى نهج هذا التأسيس فإنَّ القصيدة الآيروتيكية ذريةٌ وليدةٌ، وبذرةٌ متناسلةٌ من رحم هذه البضعة الجمالية المكمِّلة لصورتها التخليقية في عرفانيتها الروحية القريبة إلى الله، كونَ اللهُ الخالقُ جميلاً ويحبُّ الجمال. ولا يمكن لمثل هذه الرؤيا الحُلميَّة المخياليَّة أن تتحقَّق على أرض الواقع الشعري الجمالي إلّا بتجرُّد الشاعر وتحرُّره من ذاته الوجودية التكوينية في أبهى وأرفع صورة من صور تجلِّيات التَّواضع الإنساني ونكران جلد الذات المتسامية، لتحلَّ محلها بضعةُ إداةٍ استثنائيةٍ مثل، (سِوَاكِ) اللَّفظية الدالة بالإشارة على (الحصر العشقي) رمز الحسيِّة الأنثوي، وكأنَّ الشاعر في تشاعره اللَّفظي وتماهيه العشقي التوحُّدي يتنقَّل ويتنازل بدلالة موحيات حرفينِ اختارهما (الكاف)، و(النون)، (كُنْ) عن كينونة وجوده،حين يكون المعادل الآيروتيكي الحسِّي بينهما (سريرُالنَّونِ)، ملتقى العشق ونقطة التفاعل الروحي الجمالي التي جسَّد معانيها ورؤاها الدلالية العميقة بهذا المطلع الصوري الذي وشم به ثريا عتبة عنوانه الرئيسة:

لَمْ يَبْقَ لِيْ مِنِّي سِوَاكِ

فَاحْرِمِيْنِي نِعْمَةَ الكَافِ

تَمَاهَى

بِسَرِيْرِ النُّوْنِ

وَيُحَلِّقُ الشَّاعر مرَّةً أخرى تحليق عاشقٍ في فضاء محسوسات ابتهالاته العشقية الجمالية في حضرة المعشوق، ليرسم لنا بمحراب حرفه القدسي نبض المحبَّة االروحيَّة الصادقة، لا لأنَّه يُقدِّس جيشان العاطفة الحسية فحسب، بل لأنه يرى فيها فتحاً روحياً صادقاَ، ونافذةً جماليةً صوفيةً لا حدود نهائية لها تمنحه الشعور بالراحة والطمأنينة والسلام الأبدي.ويدفعهُ شُعوره القلبيُّ بعرفانيةِ العشقِ الحسِّي، التَّجَرُّدَ من شهواته النفسية، والتحرُّر بما علق بها من رغائبه الذاتية، فالسَّماوي يجد في حسياته الآيروتيكية وعشقياته الرُّوحية تطهيراً قدسيَّاً للقلب من الدَّنس الشعوري المُبتذل، وتمريناً ترويضياً،ومماهاةً روحيَّةً، وصلاةً شعريةً ابتهاليةً تقرّبُهُ رفعةً إلى الله تعالى، كما ينظرُ إلى ذلك الفتح الرُّوحي الشيخُ الأكبرُ مُحْيي الدين بن عربي حين يقول: "كيف يمكن للقلب أنْ يصل إلى الله إنْ لم يتحرَّر من رغائبه " ؟ وشهواته.

وعلى الرغم من ذلك الموقف الواضح فأنْ السَّماوي يقف موقفَ الحائر في تضاديته بين الانتصار لمحسوسات جسده أو الانتصار لروحياته الصوفية، ولكنَّه يمكن أنْ يصنع لنفسه مجداً خاصاً خالداً به،فيختّار طريقاً ما يرتقي به إلى الأعالي. وقد نوَّهَ الشاعر إلى ذلك في منشوراته المشباكية مؤكِّداً القول إنَّ: "معضلتي أنَّني أضعف من أنْ انتصر لجسدي في حربه على روحي، وفي نفس الوقت أضعف من أنْ انتصر لروحي في حربها على جسدي؛لهذا السبب عقدت العزم على إقامة الألفة بينهما من خلال العشق في أسمى تجلياته_العشق بمعنييه الحسي والعرفاني_ ولا أظنُّ الأمر مستحيلاً "، وعضد السَّماوي قولَهُ بما قاله السيِّدُ المسيحُ (عليهِ السّلامُ): "لو أنَّ لابن آدم شعيرةً من اليقين مشى على الماء"، كي يصنع منجزاته الروحية الإيمانية. ويمضي السَّماوي في الكشف عن أنساقه الروحية المضمرة في أسناد موقفه التوافقي المعتدل، فيقول مصرِّحاً: "وتأسيساً على ما تقدَّم أعلاه، أظنَّني نجحت في تدجين ذئب جسدي، ليتواءم مع غزال الروح، وسأواصل _قدر استطاعتي_ هذا المنحى، وصولا إلى الارتقاء بالعشق الحسي إلى مصاف العشق العرفاني، مستعيناً على أمسي البعيد بحاضر يومي، وعلى يومي بطماح غدي، متخذاً من التبتل هديلاً لحمامة قلبي، ومن البصيرة قنديلاً لبصري". ولنقرأ تطبيقاً غزلياً شعرياً لهذه الروح اليَحياويَّة السَّماويَّة العشقية التوافقية، وكيف يعقد صفقةً أُلفة من الابتهالات العرفانية التّحرُّرية تشير موحياتها الآيروتيكية إلى منزلة المعشوق الحسِّي وتماهي روح عشقهِ مع روحِ العاشقِ:

تَمَنَّعِي عَلَى هَوَاجِسِي ..

أزِيْحِي عَنْ خَرِيْفِي بُرْدَةَ الرَّبِيْعِ..

غُضِّي الفّهْمَ عَنْ صَمْتِي

وَعَنْ تَبَتُّلِي فِي خِدْرِكِ الأَمِيْنِ

وَابَتَعِدِي

أبْعَدَ مِنْ قَلْبِي عَنْ يَدِي

وَمِنْ سَمَاوَةِ الأَحْبَابِ فِي الغُرْبَةِ

عَنْ عُيُوْنِي

فالأفعال الأمريَّة الطلبية الأربعة: (تَمنَّعي، أزيحي، غُضِّي، ابتعدي) التي وظَّفها السَّماوي في بدايات سطور هذه الدفقة المقطعية النونية الشعورية المنسابة كانسياب ماء النهر الجاري فيها من القداسة والجلالة الروحيَّة التحرُّرية على المشاركة للمعشوقة الحسيَّة ما يدلُّ على التنحي والابتعاد عن كل ما يشينُ روحية العاشق ويُدَّنس صفتها الصوفية العرفانية،وفيها من تجليات الجمالية وصدق الوفاء المكاني والزماني في الانتماء للوطن والأرض والمنبت الأول الذي حالت ظروف التغريب والتهجير القسري في الابتعاد عنه في وطن ثانٍ مستعارٍ في لغته وثقافته،وهويته الإثنية، وعاداته وتقاليدة، وقيم شكله وروحه.

وتتلُّون قيم الآيروتيك الحسِّي عند السَّماوي بألوان العشق القدسي ومجامره الروحية الساخنة. فثيمة القصيدة العشقية عنده في فضائها النصِّي لا تقف عند حدود المألوف من صورالمعتاد العرفي للشعر، بل تتشكَّل تمظهراتها الصورية (الصوتية والحركية والمرئية) تشكُّلاً فنياً إبداعياً جديداً تتشابك فيه تمثلاتها النصية بنوعيها (المحسوسة والملموسة)، حتَّى يغدو رِتْمُ إيقاعها الأسلوبي المميز تسبيحةَ عاشقٍ صوفيٍّ ينسج الشَّاعر من خيوط محرابها الشعوري القُدسي صورةً فنيةً ابتهالية يأتلف فيها المرغوب بالممنوع، ويختلف فيها المسموح بالمقموع الفكري والدلالي، فيتراءى لكَ أنَّ الشاعر يُحرِّك الساكن، ويُسكِّن المُتحرِّك، فيستحيل الثابت متحوِّلاً، والمتحوِّل ثابتاً بلغةٍ أنيقةٍ سحريةٍ جماليةٍ ماتعةٍ تتخلَّق بنيتها النصيَّة الدلالية والتركيبية والإيقاعية الصوتية تحت أفياء خيمة العشق الصوفي المشعة بظلالها العرفانية المشرقة، والتي يرى فيها الشاعر انعكاساً حقيقياً لسيماء مرآة روحه التحرُّرية في قلبِ الصورة النسقية:

وَلْتَمْنَعِي بَحْرَكِ عَنْ

سَفِيْنِي

ومن موحيات عقشيات هذه الترنيمة التسبيحية القدسية التأملية بدلالة ألفاظها الحسية الآيروتيكية البعيدة والقريبة، يتصاعد لحن الشاعر الصوفي فيضاً روحياً عرفانياً متآلفاً من التمكُّنات الحسيَّة الموقَّعة بأوتار عناصر الطبيعة الأُمّ ومدخلاتها السكونية والمتحركة، فيعزف لنا من رحمها الجمالي الهاطل نشيداً صوفياً روحياً متساوقاً في مقطوعةٍ ابتهاليةِ آيروتيكيةِ أخرى، حرص بأهمية فنيَّةٍ بالغةِ التأثير على تدفق تمثُّلات موسيقاها الداخلية، وتناسق قافيتها الحرفية المشبعة بحركتها التماثلية الموحَّدة على هذا النسق الرباعي الاسمي التعبيري المضاف إلى الذات الشاعرية من خلال ياء المتكلِّم التي يستجدي بها قائلاً: (نَهري، جَمري، صَبري، صَخري)،والَّتي من خلالها انحرف بانزياحاته البلاغية متماهياً بتمكُّناته الحسيَّة في غلبةِ (الناعورِ على النهرِ)، و (التنوَّرِ على الجمرِ)، و (الأوهامِ على الصبرِ)، و (الأنداءِ على الصخرِ) . فكل هذه التراتيل العشقية الباذخة بتساميها، والتي وهبها إلى المعشوقة الآيروتيكية لا تساوي في معادلها اللُّغوي الموضوعي إلَّا نزراً قليلاً من التمكُّن العرفاني الذي يُعيد له توازنه الروحي الجمالي المفقود بهذا الكم الحَرْفِي من التبعيضات الموازية لدلالاتها اللَّفظية التي عقدَ أُلفتَهَا مع معشوقته الحسيَّة:

مَكَّنْتُ نَاعُورَكِ مِنْ نَهْرِي ..

وَتَنُّوْرَكِ مِنْ جَمْرِي ..

وَأَوْهَامَكِ مِنْ صَبْرِي ..

وَأَنْدَاءَكِ مِنْ صَخْرِي ..

فِمَكِّنِيْنِي

عَلَى لَظَى حَنِيْنَي

ما أسمى لغةَ الشَّاعرِ الشعوريِّة؟ وما أبينَ صوره البلاغية حين تَجُوسُ أحاسيس مشاعره الصادقة خلالَ أرض بساتين اللَّذة النفسية وموائد الشراب الروحي ؟ فَتُؤَنْسِنُ موحياتُ بلاغة لغته الاستعارية _بتآلفٍ وانسجامٍ ٍتام ٍ _ فاعلية (التَّرَجّلُّ) لديمومة حركة الواقعة الشعرية الجمالية (ترجَّلتْ كؤوسُ لَذَاتِي)، وتمنحها انحرافاته الانزياحياته (الدلاليةوالتركيبية) حياةً حركيَّةً جديدةً نابضةً بالحيوية والجمال الصوري. وفي الوقت نفسه تختلف هذه الصورة الانزياحية معها لا تَأتلِفُ، فَتُعَطِّل الموائد ذات الحركة السكونية الثابتة عن معانقة واحتضان كؤوس اللَّذة الحركية، لتمنح بقايا حثالة الأيام المنصرمة بِقِلَّةِ الانتشاء نصراً كبيراً مؤزَّراً على قارورة رافد الارتواء الرُّوحي لنشوة السنين، لقناعته في التحرُّر من رغائبه الذاتية:

تَرَجَّلَتْ كُؤُوسُ لَذَّاتِي عَنْ مَائِدَتِي

فَمَكِّنِي حُثَالَةَ الأيَامَ مِنْ قَارُورَةِ

السِّنِيْنِ

حينَ تُمعِنُ النظرَ في شاعرية السَّماوي وتَقْرَؤُهُ جيِّداً تجدهُ كتاباً معرفياً مفتوحَ النهايات في خواتيم قراءته الفلسفية وفي بيانه الشعري الحسِّي، يبدو أثره الإنساني الإبداعي كنخيل بساتين السَّماوة الباسقة، لا يألو شأواً، ولا يأبه خجلاً بصراحته الذاتية واعترافاته الثقافية المعلنة، تعبيراً عن سمت تواضعه الصوفيِّ؛ لذلك يكشف حال لسانه الشعري عن خبايا مكنوناته الذاتية، وعن أنساق مضمراته ومعلناته الروحية. فلا يخشى البوح عن مجون شبابه الماضي الذي تلاشى وانحسر مع تعاقب الدهر قبل أنْ تكون حبيبته المعشوقة السومريَّة زيتونَ زاد ماعونه الرُّوحي، وطعامَ رغيبته الحسِّي المشبع لجوعه العرفاني، وتستحيل خمراً لزيتون رحيق شرابه المُعَتَّق المُسكِر. والسَّماوي في هذه المفارقة العشقية الصوفية بين ثنائية الجوع للزيتون، والشرب لخمرالتِّينِ كَمَنْ يعقدُ مفاضلةً روحيةً صادقةً يُطبِّقُ إجراءها العرفاني بين صفتي (الشوق والاشتياق) على ذاته الشعرية المتسامية،كون الشوق إلى المعشوق يُعدُّ مثيراً روحياً نسبياً متغيِّراً لا يثبت أثره الروحي مع مرور الزمن،وينتهي زمنه بلقاء المحبوب الحسِّي، في حين أنَّ الاشتياق مثيرٌ روحيٌّ كبيرٌ يزداد زمنه ويمتدُّ أثره بلقاء الحبيب المعشوق كما ينظر أهل العرفان وفقهاء اللُّغة إلى هذه النظرة الجمالية العميقة. ويبدو أنَّ يحيى السَّماوي كان قارئاً جيَّداً لفلسقة العرفانيين ومُدركاً لمفاهيم تراثهم الروحي المضيء لقلوبهم المترعة بالعشق الروحي الكبير المطلق، فجاءت اشتغالاته الآيروتيكية الروحية العشقية حزينةُ بهذه التورية المعنوية الجمالية (خمرَ تِينِ) الدالة على مضمونها الدلالي القريب رحيق (خمر التِّيْنِ) الحقيقي المعتَّق، والمعنى الدلالي البعيد (خَمرتَيْنِ) مثنى نوعين من مُدام الخمور المسكرة، ولعلَّها كانت تعويضاً عن عشبة فرحه المفقود الذي سرقة الطواغيت والجائرون من الحكَّام:

مِنْ قَبْلَ أَنْ تَكُوْنِي

زَيْتُونَ مَاعُونِي إذَا جِعْتُ

وَإنْ عَطَشْتُ لِلرَّحِيْقِ

خَمْرَ تِينِ

هكذا يبدو المشهد الصوري الحسِّي عند السَّماوي مترعاً بقوافل الجمال الروحي لا يعرف النضوب الإبداعي طريقاً له عنه، ولا ترى للقلق أو الجفاف أو قلَّة الخيال مكاناً مطلقاً للركود في بيتِ قَصيدهِ الشعري . فالشاعر به هوسٌ كبيرٌ لممارسة المحسوس الآيروتيكي من الشعر العشقي،وطمع أثير لكتابته، يصل به حدَّ الثمالة والانتشاء الروحي. والسَّماوي ذلك الطفل النقي الذي به حبُّ جمٌّ كثير لتنفس تراتيل الشعر وتدوين كتابته روحاً يُعَمِّدُ به جسده من نهره الجاري. وكثيراً ما كان يُصرِّح في بيان سيرته الشعرية ورسائله الإخوانية لي بخصوص قَلَقِهِ الإبداعي الإيجابي من نكوص الخيال فيقول:" أشعر ببكاءٍ خفيٍ حينَ تمرُّ أيامٌ عديدةٌ أو بضعةُ أسابيعَ دونَ أنْ تَصطادُ فِخاخي غزالةَ قصيدةٍ أو ظبيةَ نصٍّ نثريٍّ":

فَإِنَّنِي شَفِيْتُ مِنْ دَاءِ تَهَيُّمِي

وَمِنْ جُنُوِني

وِمِنْ ظُنُوْنٍ كَبَّلَتْ بِقَيْدِهَا

يَقِيْنِي

لقد اقتحم السَّماوي بآيروتيكته الشعرية الصوفية المحسوسة ما ليس مألوفاً معتاداً من ميادين الشعر الحسِّي، كما يقتحم أهل التصوُّف الديني ورجالات العرفان الروحي ما ليس منظوراً معتاداً من الآراء والمواقف الفلسفية والجمالية، وما بين السّماوي شاعر (الآيروتيك الحسِّي الجمالي)، وهؤلاء العرفانيين والصوفيين خيطٌ رفيعٌ من الجمال الروحي العرفاني يريد الإمساك به وبتلابيبه القشيبة من الوسط، وتلك والله هي محنته الشعرية التي انجذب إليها في خطاب معجمه الشعري الصوفي، وهي منزلة رفيعة من الجمال الفلسفي لا يبلغ مداها الروحي التألهي الرَّباني الإنساني إلَّا الشعراء العارفون بعرفانيتها الكبيرة المقدَّسة، والمبحرون بأشرعتهم الروحية المطلقة في يم ِ سفائنها،ولنقرأ شاهداً لما تبثُّه عرفانيته الروحية:

لَا شَغَفاً

لِرُؤْيَةِ الغِلْمَانِ مِنْ حَوْلِي يَدُوْرُوْنَ

بِأَكْؤُسٍ مِنْ الفِضَّةِ وَالتِّبْرِ

وَلَا جُوْعَاً فُحُوْلِيَّاً لِحُوْرِ عِيْنِ

لَكِنَّنِي

خَشِيْتَ أَنْ يَمْنَعَنِي مِنْ وَجْهِهِ

مَعْشُوْقَيَ المُطْلَقُ

لَوْ أَتَيْتَهُ يَوْمَ اللَّقَاءِ الحَتْمِ

ضِلِّيْلَاً بِدُوْنَ دِيْنِ

وتصل ذروة المخيال العشقي الحسِّي، ونشوته الروحية عند السّماوي في تماهيه،وتدفقات تعابيره الشعورية إلى صورة (الحَياء) النفسي الرُّوحي الذي يَتَمَلَّكُ الإنسانَ ويتغشَّاهُ لحظة وقوع الواقعة الحدثية الجمالية، فيتلاعب الشاعر بألفاظه اللَّمسيَّة أعضاء الجسد (اليَد)، ويحوِّل دلالتها الحركية غير العقلية إلى مدلولات شعورية آدمية عقلية إنسانية، فيهبها من روحه القدسية صفة الاستحياء الخجلي الشعوري الذي يمنحها قوةً انزياحيةً روحيةً بلاغيةً مذهلةً،تُلقي بتأثيرها اللُّغوي الدلالي،وظلالها النفسي علامات الدهشة والمفاجأة والامتاع الروحي الجمالي عليه من تلك المعشوقة التي تُحرِّكُ فيه جماليات المسكوت اللَّفظي:

فَتَسْتَحِي مِنِّي

وَمِنْ كِتَابِهَا يَمِيْنِي

الشاعر السومريُّ يحيى غارقٌ في متاهته العشقية، ثَملٌ بخمرته الروحية إلى حدِّ التِّيهِ القلبي، لكنَّه _عقلياً_واعٍ لكهوف اللَّذة الحسيَّة السوداء في ممالك العشق ودهاليز الضياع. لم يكن إلَّا فلَّاحاً شعريَّاً مثابراً في حرث بساتين العشق الحسِّي، ولا يتراءى لك في نشوته الشعرية وتماهيه إلَّا مزارعاً شعوريَّاً روحياً مملوءاً بالحسِّ المرهف اليانع في حصد ثمار سنابل السنين الملأى، فلا تسمع له هاتفَ صوتِ رَحىً لجعجعةٍ من غير حصادٍ،ولا حصادَ سنابلَ من غير رَحىً يُفضي إلى ناتج روحي من طحين القلب،وإلى رماد خبز تنوره الجمري الذي لا تنطفئ جذوته الروحية في القلوب العامرة بتسابيح الإيمان:

كُوْنِي رَحَى سَنَابُلِي ..

مَا حَاجَةُ السُّنْبُلِ لَا يُفْضِي إِلَى

طَحِيْنِ؟

وحين تكون المحبة الروحية عنواناً وصدى لهذا العشق، تكون القصيدة الآيروتيكية اليَحياويَّة سجادةَ صلاةٍ صوفية لديمومة هذا الحبِّ الجمالي التبتلي المضيء المشرق بنصوصه وقصائده وخطاب معجمه.

 

د. جبّاَر مَاجد البَهادليُّ

........................

للاطلاع

 

لم يبقَ لي مني سواكِ / يحيى السماوي

 

 

 

 

 

جمعة عبد اللهالمتن الروائي في سباكته وصياغته ورؤيته الفكرية الواقعية والموضوعية في معيار التقييم والنقد، فقد توغلت في بطون التاريخ للعراق الحديث وحصون اعوامه الجامحة، عشية سقوط الاحتلال العثماني ومجيء احتلال جديد، اي أن احداث السرد الروائي يتمدد على فترة زمنية قرابة نصف قرن (من عام 1917 الى عام 1959) برؤية شاهد عيان عاش في خضم هذه الاحداث، فقد كان بعمر 17 عاماً حتى قارب بالعمر ستين عاماً، وهو بطل الرواية وشخصيتها المحورية الرسام (جعفر حسن درجال) عاش الاحداث الجسام في عواصفها المتقلبة، وفي تغيير البنية الاجتماعية والسياسية والدينية، التي عصف بها هذا الشرخ الكبير، الذي عزف على طمس الهوية الوطنية العراقية، أن سقوط احتلال بغيض في كل ممارساته الظالمة وهو الاحتلال العثماني، ومجيء احتلال آخر لعب على التناقضات الداخلية في الصراع السياسي والحزبي والديني، يشكل التراجيدية المأساوية وقعت على كاهل العراق في الاحداث الملتهبة بالتعاقب.

ان مسرح هذه الاحداث الزمانية والمكانية، مثلتها مدينة (السماوة) كرمزية للاحداث العراق الجارية آنذاك، في تقلباتها ومتغيراتها، في الصراع على خمط المناصب ومراكز النفوذ في الدولة العراقية في احداثها التاريخية، من خلال شاهدها العيان، ومن خلال سيرته الذاتية والحياتية، سلط الضوء على تعاقب الاحداث الجسام التي مرت على العراق. جسدها الروائي (زيد الشهيد) بالسرد الثري بالتشويق والاثارة. في سرد الاحداث وخلفيتها العميقة، والتي كشف عن معاناة الشعب في الاذلال والمهانة والخذلان والظلم، في زمن الاحتلال العثماني البغيض والثقيل والممل والظالم، الذي أعتمد على مبدأ (فرق تسد) في جذب وتدعيم واسناد طائفة (السنية) على حساب الطائفة (الشيعية)، بالتمايز والتفريق والانقسام الى حد العداوة في اللعب على الخطاب الطائفي المتشدد والمتعصب.

أن مجي احتلال جديد خلق الانقسام في بينية المجتمع، الاجتماعية والسياسية والدينية. وكل فريق يدعم حجته على طمس الهوية الوطنية، ويمثل بؤس البيان السياسي والحزبي والديني. أن مسرح الاحداث المكانية مدينة تدور في مدينة (السماوة) ولكنها انطلقت الى الاعم والاشمل هو العراق، بأنه كان الخطاب الديني والسياسي يعتمد على عقلية البداوة والعشيرة في التشدد والتعصب، الذي خلقه المحتل القديم والجديد معاً و تعتمد على نهج الفرقة والخلاف في مكونات الشعب الاساسية. في تدعيم الطائفة السنية وفتح باب لتسلق على المناصب ومراكز نفوذ الدولة بالضد من المذهب الشيعي، في الاهمال والحرمان. ووجدت نفسها في حافة هامشية في التوظيف والمناصب (- الترك، لا يعينون موظفاً ينتمي لمذهبنا الشيعي، بل من السنة فقط.

- كيف؟

- نحن شيعة العراق أبتلينا بتهمة أنتمائنا لشيعة أيران، وهذه البلوى جائتنا من العهد الصفوي. الصفويين بسطوا حكمهم على أيران، فحسبنا طرفاً ينتمي اليه، حرمنا من التعليم والوظائف والوجاهة) ص47.

هذا التمايز الطبقي والطائفي خلق تأثيراً كبيراً في البنية الاجتماعية بين الطائفتين (السنية والشيعية) لكل منهما يمشي في حال سبيله دون اختراق وتجاوز من احدهما للاخر. فعندما اراد بطل الرواية (جعفر حسن درجال) الذي هام حباً وشوقاً بالعشق العذري مع حبيبته (وهيبة) وحين فاتح أمه في طلب يدها وزواجها. طالما الحب يجمعهما، حتى رسمها في مرسمه واحتفظ بلوحة الرسم لحبيبته (وهيبة) اعترضت أمه واعتبرته فعل مجنون غير مسموح به، وقالت بتعجب واستغراب (- أمجنون ولدي هذا ؟!.. أولئك أناس ليسوا من طينتنا ولا مذهبنا... كيف لنا نحن الشيعة أن نقبل في عائلتنا سنية لا تقدس (علي) ولا تبكي على (الحسين) ؟!

- لا. يا ولدي أنت مجنون، واذا كانت هي تحبك فعلاً كما تزعم فمجنونة ايضاً) ص70.

وأجهض الحب والزواج. لكن جرحه ظل حامله في القلب، كما حمل لوحة الرسم لعشيقته (وهيبة). حتى بعد الزواج من آخرى، وحتى نهاية العمر فكانت اللوحة الرسمية لا يتخلى عنها كأنها جزء من كيانه وقلبه.

هذا التعصب الطائفي الذي زرعه المحتل التركي، بشماعة الدين الذي يلعب به على عقول الناس. كما لعب في خطابه في مسألة دعم الوجود الاحتلال العثماني، بحجة بأنه يمثل راية الاسلام وتعاليمه السمحاء، والدفاع عن وجود هذا الاحتلال بمثابة الدفاع عن الاسلام وشريعته الاسلامية. رغم مرارة العيش والمعاناة تحت وطئة هذا الاحتلال البغيض والثقيل والممل، ولكن خطابه الديني يلعب على المشاعر الناس، بحجة أن نهاية الاحتلال العثماني، يعني نهاية الاسلام وهدم المساجد، وازاحة الناس بالقوة عن دينهم الاسلامي. لان الانكليز كفرة وملحدين أكلة لحوم الخنزير. ولكن من جانب آخر هناك فريق يدعم ويناصر الاحتلال الانكليزي في العراق، بالعزف على وتر الحرية والتحرر، وتقدم وتطوير وتحديث البلاد ورفع كاهل المعاناة للحياة المعيشية العامة. وهذا ما يخلق أزمة بين المثقفين بالتشتت والمعمعة والفوضى، ولكن كلا الطرفين يطمس الهوية الوطنية، ونسيان بأن العراق كان مهد الحضارات والتقدم الحضاري. هؤلاء من الطرفين في خطابهما السياسي والحزبي، يتكلمون عن الدين والسياسة والثقافة والوطن والشرف والاخلاق، فأنهم منافقون لا يعرفون معنى الوطن إلا خين بحرقونه إلا في تحطيمه. كما يحدث في واقعنا الحالي، من مرارات السياسيين ورجال الدين، الذين يلعبون على وتر النفاق والخداع بأسم الدين والطائفة.

 تناول المتن الروائي مسألة جوهرية وحساسة في عقلية وثقافة السلب والنهب، اي في عقلية الفرهود الذي حدث في الازمنة والمراحل السياسية المتعاقبة، التي عانت الازمة والسقوط في نهج الفرهود بحجمه الكبير أو في حجمه الصغير التافه والسخيف، فحين أنهار الاحتلال العثماني في العراق، هبت جموع الناس الغفيرة في نهب مخازن الدولة، بالحبوب والمواد الغذائية كما حدث في عموم المدن العراقية ومنها مدينة (السماوة) وكان شاهد العيان بطل الرواية (جعفر حسن درجال) وكان عمره آنذاك 17 عاماً، وحدث نفس الفرهود الصغير والسخيف في مدينة السماوة (حين وصل عمره ما يقارب الستين عاماً) حين هجمت جموع الناس الغفيرة بتحريض من الفتوى الدينية، بالتحريض على الحزب الشيوعي العراقي، بأنه حزب هدام، يبشر بالكفر والالحاد، وما هذه الجموع الغازية على مقرجريدة (اتحاد الشعب) واجهة الحزب الشيوعي إلا تلبية نداء المرجعية الدينية (هاهو جعفر حسن درجال قد بلغ الستين، وما يحدث أمامه ضحى هذا اليوم الثامن من آب 1959، في هرج ومرج وفوضى لا تطاق، في محاولة الفوز بكرسي أو منضدة أو مزهرية أو شمعة تعليق الملابس أو ستارة نافذة أو مروحة سقفية أو منضدية، أو.. أو.... أو. تلك الاشياء التي أبيح نهبها من مقر (أتحاد الشعب) الواجهة الامامية للحزب الشيوعي في مدينة السماوة حيث أنتظر الكثيرون ممن يرون فيه تهديماً للدين وتفتيت للمجتمع لحظة الانقضاض عليه وسرقة محتوياته بعدما تشموا رائحة أنفضاض الحكومة عنه واصدار المرجعيات الدينية فتاوى بحله وحضر نشاطه بشعار (الشيوعية كفر وألحاد).... وما يحدث أمامه الآن أعاده الى ذلك الفجر الفضي الداكن لليوم الخامس من تموز عام 1917) ص10.

 وكما حدث من سلب ونهب وحرق بالفرهود الكبير أبان سقوط نظام صدام حسين، وبدأ مرحلة الاحتلال الامريكي. ما أشبه اليوم بالبارحة في طمس الهوية الوطنية، واظهار اخلاق وثقافة الفرهود والحواسم. وما يحدث اليوم من الاوضاع المزرية والمريرة. كأنه مسلسل يعيد نفسه مجدداً بعد كل مرحلة احتلال، في العزف على الخطاب الطائفي المتشدد والمتعصب.

 

 جمعة عبدالله

 

توفيق الشيخ حسينالقصة بين كل الأنواع الأدبية، إذ حلت لدى الشعوب الحديثة محل الملحمة القديمة أو السيَر الشعبية، ووقفت موقفا ً وسطا ً بينها وبين التاريخ، لأحداث المجتمع وحركته، فأنها تقدم وسيلة إبداعية فذة لأستحضار إجماع الثقافة الروحية لشعب معين، ونقدها بكل ما تحمله تلك الثقافة من مؤشرات التاريخ .

ظلت القصة القصيرة هي النوع الأدبي الأكثر شهرة في مجال السرديات إلى جانب الرواية، وتشترك القصة القصيرة والرواية في فن السرد عامة، ويستطيع الكاتب من خلالهما تبليغ رسالة سردية تحاكي الواقع وتعبّر عنه .

يبدو للمتأمل للمشهد الأدبي المعاصر، أن عهدا ً جديدا ً للقصة القصيرة جدا ً قادم الينا، حيث تظهر الى واجهة الأحداث الثقافية والأنشطة لتتبؤا مكانة ملحوظة بين فنون السرد الآخرى، القصة الومضة تأتي كآخر حبة في عنقود فن القص الأدبي، وآخر حدود التكثيف، متخلصة من الإسهاب ومن المتشابه والتمهيد والتدرج والمعاني الفرعية .

يقول الناقد الأدبي الدكتور حسين حمودة:

(خلال العقود الثلاثة الماضية، تصاعدت أشكال قصصية مثلت إختبارا ً لحدود النوع القصصي القصير، وذهبت في ذلك مذاهب شتى، تمثلت خلالها القصة القصيرة لغة الشعر وأدواته، أو استلهمت روح " الأمثولة " أو الخاطرة أو اللوحة القصصية، وتم ّ طرح نتاج قصصي جديد، فرض نفسه فأنتبه إليه النقاد، وبدأوا يبحثون عن تسميات مناسبة له، وعن سمات أساسية في تكوينه، وخوض هذه الأشكال القصصية الجديدة قد بدأ في الأدبين العربي والغربي في فترات شبه متقاربة، يردها أغلب الباحثين الى العقود القليلة الأخيرة الماضبة) .

القصة القصيرة جدا ً تحمل روح الرياضيات والشعر، فكل كلمة من كلماتها رمز إشاري له دلالاته المتعددة، كما أن تكثيفها الشديد هو تكثيف مجازي له ظلال والوان طيفية لا نهائية، يقول الأديب منير عتيبة:

(القصة القصيرة جدا ً هي إبداع مقطر، وذكاء في الكتابة والتلقي، وعمق في الفكر، ومجال في اللغة، وهي أصعب كثيرا ً في كتابتها من القصة القصيرة) .

من هنا دخل الكاتب عدنان عبدالواحد الربيعي في مجموعته القصصية (دفء) هذا الميدان مؤمنا ً بأهمية قصة الومضة، والتي تتطلب موهبة أصيلة، ومهارة فنية عالية، ومتمكن في الأصل من فن السرد، ومستوعبا ً لتقنيات الكتابة القصصية .

القصة الومضة هي بالفعل أدب حكمة وليست أدب حكي، وكما يقول (أ.مجدي شلبي): (هي عبارة عن حكمة ترتدي ثوب القص، ولأن أصل القصة الومضة هو أدب التوقيعات، وليس أدب القص) .

اطمئنان ..

على أخيه أسند ظهره مُطمئنا ً

فوجد نفسه على الأرض

يدرك من أعماق قلبه معنى الأخوة وينتهي المشهد على أرض الواقع، دائما ً يتردد على مسامعنا حين يتألم أحدنا أول ما يقوله كلمة (أخ) لأن الأخ هو الأقرب، وهو الملجأ في الضّراء قبل السّراء، كل منا يدرك معنى الإخوة، فأن الخلافات واردة بين الإخوة ولكن الدم أقوى من أي خلاف .

ضحك ..

ضحك بمرارة، بكوا بحرارة

الإحباط وخيبات الأمل هما جزء لا يتجزأ من طبيعة الحياة التي نعيشها، موجعة أكثر، تتعدى الروح وتبعث ألما ً غريبا ً، خلل في السيطرة على المشاعر، في الخيبات ليس هناك دموع حزن، قد تكون حوادث لم نشأ نعيشها، وإنها لا تتعدى كونها دروس تعلـّمنا منها ما يجب أن نتعلمه .

حبر ..

حين أهمل قلمه، جف ّ الحبر

لم يعد للحياة طعم ولم يعد للقلب إبتسامة جميلة، لم نعد كما كان، أصبح يستجدي الضحكة حتى لو كانت بسمة، فتأتي باهتة لا تعني سوى مزيدا ً من الحسرة على ما فات، جف ّ حبر القلم ولم يجف ّ حبر القلب .

إنعكاس ..

رمى حجرا ً، أزعجه إنعكاس القمر في الماء

دوامات دائرية تهدأ مع الوقت، هكذا .. يتزن ّ العقل بالقلب، وتستيقظ فيه بواعث الحكمة، لا تكون الحكمة الإ بما صنع الزمان، القمر يبحث في داخله الآلام الموجعة من صرخات الذكريات، توجيه الإنتباه بوعي داخل نفسه، وتركيز إنتباهه على ما يحدث داخل نفسه .

وعلى الرغم من قلة الكتابة النقدية إلا أن هناك أتجاه من النقاد الذين لا يؤمنون بالقصة القصيرة جدا ً، لندرة كتابتها عن باقي الأجناس الأدبية، ولكن مالا يعلمه الكثيرون أن هناك الكثير من الأدباء العرب استخدموها بأعتبارها جزء من كتاباتهم ومنهم: (نجيب محفوظ، رضوى عاشور، زكريا تامر، بثينة العيسى، جبران خليل جبران، فاروق مواسي ... وغيرهم) .

وقد كتب كبار الكتّاب الكلاسيكيين هذااللون القصصي منذ عقود طويلة وفي مقدمتهم (إيفان تورغينيف، إيفان بونين، فرانز كافكا، أرنست همنغواي، آرثر كلارك، فريدريك براون، ليديا ديفيز، أوغوستومونتيروسو) .

يقول الناقد والكاتب الكوبي من أصل إيطالي (إيتالوكالفينو) عن الكاتب الغواتيمالي (أوغوستومونتيروسو): (تعتبر القصص المتناهية الصغر التي أبدعها مونتيروسو من دون منازع، من أجمل القصص في العالم، لقد كان هذا الكاتب بحق ظاهرة فريدة لا تتكرر في عالم الآداب المكتوبة باللغة الإسبانية، كان بارعا ً في الإيجاز البليغ) .

من هنا نخرج بمفهوم أن ومضات الكاتب (عدنان الربيعي) هي إشارات ولمعات خفيفة، وتبسمات لأوضاع قيمية وإنسانية، أعطى لهذا العمل الأدبي نوعا ً من الجمالية والفنية الأدبية، مما جعل مضمونه يطابق الوعي الإجتماعي، ويصوغ عالما ً من العلاقات والمظاهر التي تدخل في نطاق التركيب الواقعي والخيالي .

سراب ...

رأى السراب، سكب الماء

وهم بصري يناقض الوعي، خلف دخان ضبابية الكلمة، صور وهمية تفسرها العين عبر مسارات تخترق خطوط الأفق .

عثرة ...

كعادته

منذ فترة ليست بالقصيرة تعثّـّر.

تأفف ضجرا ً

استقام فرأى رجلا بصيرا لا يضع قدمه على الأرض حتى يتأكد

بعصاه أنها آمنة

تصبب عرقا ً

صمت مطبق على المكان إلا من آهات وشهقات، الأعمى ليس من لا يبصر، ولا عمى اسوأ من ألا يلاحظ أحدهم وجودك، تعثر ووقف عندما أحس بهواء بارد يلفح وجهه المتعرق، ومعصم يده قابضة على العصا، أحس بإحساس رجل بصير أمامه.

خذلان ...

تجمّعوا حوله

ازداد حماسه

وعندما هم ّ بدخول غرفة المدير لم يجد أحدا ً خلفه

كان له طريق يسعى ويجتهد للوصول اليه، لخلق بيئة عمل وفق علاقات جيدة، لكن خذله زملائه في العمل وتركوه وحيدا ً، يقف تائها ّ، حائرا ً، أغفل قلبه وفكره ما أسهلها من كلمات، وما أصعبها من حياة، عندما يتركك زملائك في العمل وحيدا ً، وتفقد مصداقيتهم .

أما النصوص (نظرة ثاقبة، بصل، ملح، حنين مبكر، صرصر، حُزن، فلّين، تجميل، جدار آخر، تؤأم، صبغ، سِدرة، ذاكرة، مُنذ، ممنوع الوقوف، تناقض حريق، حذاء، لا مبالاة، فات الأوان، أمنيتان، إدعاع، بكاء، جوع، دفء، بغي، نسيان، غريم، جائزة، رد، وميض، غضب، شمعة، سقوط، محكمة، قاعدة، اسم، لعنة، ذكريات، اعتقال، لصق، إحتساء، شبيه)، فنجد أن الكاتب (عدنان الربيعي) لديه الأهتمام بالفكرة والموضوع، ولذيه دراية بفن القصة القصيرة جدا ً وأركانها وتقنياتها، وجاءت المجموعة القصصية (دفء) بأسلوب سردي ولغة شعرية تصويرية، فالقصص تحلق في فضاء رمزي وتدعو الى التفكير والتعمق والنظر، وأعتمد نجاح هذه القصص على عمق الفكرة ووضوح وجهة نظر الكاتب .

وفي النهاية، كما يشير الناقد شوقي بدر:

(أن القصة القصيرة جدا ً موجودة بشكل جيد جدا ً في العالم العربي، ولكن ينبغي على الحركة النقدية مواكبة تقدمها وإقامة مؤتمرات علمية لها) .

 

توفيق الشيخ حسين