تبحث المقالة هذه في توظيف تقنية الصورة البصرية وتنقلاتها من الذهنية إلى التصويرية إلى التلقي الجمالي عبر رسم المشهد بكل مكوناته: الإطار، والشخصيات، والزمن، والحادثة الفنية، والدور، ووحدة المعنى التي تشكل في مجموعها "وسائل التعبير والتأثير لإيصال مضمون الخطاب البصري". (مقاربات نقدية في الخطاب الدراما السينماتوغرافي: ص 43).

يقفز النص عند مريد في ديوان " منطق الكائنات/1996" قفزة نوعية في تشكيل الصورة، ومن المعلوم أن الفنون الجميلة تشترك بتركيبها (المادة، التعبير، الشكل) وتختلف في وسطها" (مقاربات نقدية في الخطاب الدراما السينماتوغرافي، ص8). وقد أشار صلاح فضل في كتابه  "أساليب الشعرية المعاصرة " إلى الشعر الحسي (ص 34) وعدَّه من الشعر المترقي في سلّم الدرجات الشعري .

وبالتأكيد، فإنّ من أدوات الصورة البصرية الكاميرا التي "لا تتوقف عن الرصد والتسجيل والتصوير والالتقاط والتمثيل" (التجربة الشعرية التشكيل والرؤيا، ص 99).

في ديوان "منطق الكائنات" تتجول كاميرا مريد الشعرية لتقول ما تشاهد، وتصور ما ترى وما لا ترى عبر المخيلة الشعرية. وفي هذه المقالة نختبر نصوصا شعرية لمريد الرغوثي تتحقق فيها تقنية الصورة الفيلمية.

-النص الأول: "قالت الكاميرا " الوحيد"، الأعمال الشعرية، ص 199.

سور متآكل

وقلعة باذخة

بداخلها إنسان وحيد

أشباح غامقة اللون

تدنو بتدبر وبطء

متستِّرة بعتمة الليل

وفي الحجرات المائة

وبين الممرات الطويلة

يتجوّل الذعر

وترتجف الأبراج

تلتقط العدسة الشعريَّة لكاميرا مريد الحيز المكانيّ للمشهد الشعريّ ابتداء من التصوير الديكوري (سور، قلعة) هذا الديكور الوصفي يؤدي وظيفة الإطار العام للمشهد؛ فثمة (سور متآكل). ويشتغل الوصف النحوي (متآكل) على تكوين مدخل يدلف من خلاله الشاعر نحو القلعة، وبتعبير آخر ؛يدفع المشهد إلى الأمام. ومن البدهيّ أن تكون القلعة مُحصّنة، وهو من المعلوم بالضرورة، غير أن السور بتآكله يوحي بالقدم الزمكاني، وهذه هي المفاجأة الأولى .

يتقدم المشهد خطوة أخرى نحو الأمام ليتفاجأ المتلقي بأنها قلعة (باذخة) مفرطة في الترف والرفاهية.

يقتضي أفق التوقع أن تكون القلعة مهجورة منطقيا بدلالة السور المتآكل الذي يدل على الترك وعدم الاهتمام، غير أنّ الوصف المتحقق لسانيا للقلعة (باذخة) يكسر هذا الأفق ويدمره .

يقتحم الشاعر عبر هذا الحيز المكاني بنعوته تلك القلعة عبر تضييق عين الكاميرا الشعرية فيوظف جملة " بداخلها إنسان وحيد". يصدم الشاعر توقعاتنا مرة أخرى بوصف الإنسان بأنه وحيد داخل قلعة باذخة. وبالاستتباع، فالقلعة ليست مكانا أليفا البتة وفق التعبير اللساني ؛ إذ لم يقل إنسان واحد بل وحيد .

تتجول الكاميرا الشعرية داخل القلعة، فيتعثر القارىء بدال (الأشباح) بدلالته التداولية المرعبة. ثم ينتقل المشهد الشعري من الساكن إلى الحركي عبر الفعل (تدنو) لتضيق عدسة الكاميرا عبر تقنية (الزوم) ليسلط النص اللقطةَ على تلك الأشباح المتسترة بالعتمة، وبطبيعة الحال فالعتمة من مكوِّنات الصورة الفيلمية، إنها قلعة باذخة ومعتمة أيضا! مشهد يوحي بالغرابة حقا.

وحين تقتحم كاميرا الشاعر –عميقا- المكانيّ /القلعة تتراءى الحجرات المئة، والممرات الطويلة، ويتغيا الشاعر من خلال هذه الأوصاف المكانية الساكنة استشراف دواخل تلك الحجرات، ليترك لخيال المتلقي السوح داخلها، لتهب أسئلة لا نهائية تتمتع بالبعد الأسطوري والشعبي المرعب والمخيف.

يقفل الشاعر نصه باستحضار دوال استعارية (يتجول الذعر، وترتجف الأبراج) حيث يصور الشاعر الذعر بآفاقه الكابوسية التجريدية بكلمة واحدة عبر توظيف الدال الزمني الحركي (يتجوّل) في حركة دائبة ومستمرة، وهذه الصورة التشخيصية ممكنة عقلا، ولكن لماذا ترتجف الأبراج الساكنة بطبيعتها، وليس فيها إلا إنسان وحيد، ومجموعة من الأشباح؟

يبدو أن الصورة ستكتمل وتتكامل بهذه القفلة الشعرية المركزة والمُرمّزة، لتؤكد عمق الحادثة الفنية، وترتبط عضويا ونصيا بالإنسان الوحيد داخل القلعة الذي ترتجف منه الأبراج.

يدرك المستقبل العليم بعد هذا التصوير أن (الوحيد) وهو عنوان النص الفرعي هو السجين السياسي، وبذا تؤدي الصورة الفيلمية (الدور) المنوط بها في تصوير الواقعيّ والأيديولوجي، ويتحقق ما يمكن أن نسميه وحدة المعنى، وتشكيل المشهد الكلي.

- النص الثاني " قالت الكاميرا / الغزالة" .الأعمال الشعرية ص 201 -

غزالة تحت صفصافة

صياد خلف السياج

عمّا قليل

يحين وقت الانتباه

أو وقت المراثي

نص قصير يحمل سمة التكثيف من جهة وسمة الترميز من ناحية أخرى، حين يصور الشاعر بعدسته الشعرية الحركيّ والساكن، ومستحضرا الطبيعة (السياج والصفصافة)، كما ويجمع بين الضدين (الغزالة والصياد) ويراوح بين زمنين: (زمن الانتباه وزمن المراثي).

تشكل الجملتين في مطلع النص المعطى الثابتَ في المشهد بوصفهما جملتين اسميتين، ومن خلالهما يرسم مديات الصورة الفوتوغرافية التي تفصل الغزالة عن الصياد والتي هي بالضبط المسافة ذاتها بين الصفصافة والسياج،  ومسوغ هذا الإطار المكاني هو إعطاء قوة تصويرية نحو الدفع بالمشهد للتقدم لينتقل من حالة إلى أخرى.

يعتمد الشاعر تقنية تجميد المشهد (scene freezing)عبر شبه الجملة (عما قليل) وتفريز المشهد له دلالته في التشكيل والإيحاء، إنها تحمل لغة الانتظار، والحكي المخفي، وتطوي في خفاياها مديات تفكير الصياد وترصدَّه لفريسته، كما ترصد أيضا احتمالية الوقوع أو النجاة، وهنا تتحول الصورة الفيلمية من المكاني إلى الزمني عبر تحيين اللحظة لتشكل لحظة التنوير النهائية للمشهد الشعري (يحين وقت الإنتباه أو وقت المراثي).

هكذا رسم مريد المشهد بالكلمات، وهكذا قالت الكاميرا، ولكن ما الشيء الذي لم تقله الكاميرا، وهو المتخيل الذي يريد أن يوصله الشاعر عبر تلك المشهدية.

لا يفعل الشاعر شيئا ذا بال، ولا يقدم للشعر إضافة نوعية جديّة وجديدة إن اقتصر على تلك الصورة الفوتوغرافية. فماذا أراد الشاعر أن يقول ما لم تقله الكاميرا ؟

إنّ الانتقال من حالة (١) إلى حالة (٢) عبر الترميز في النص يقدمهما الشاعر عبر معطى الصراع بين الغزالة والصياد، وهما طرفان استعاريان أو كنايتان: الغزالة/ فلسطين . والصياد الذي يمثل الآخر/ العدو

يقدم الشاعر احتمالين لا ثالث لهما إما أن يتحقق زمن الانتباه الذي يشير إلى زمن الصحو/ الثورة، أو يتجسد زمن الانهزام والوقوع الذي يتمحور حول شعر الرثاء للميت سواء أكان موتا حقيقيا أم مجازيا، ما يتيح من خلالهما التحول الدرامي للصورة البصرية عبر بنية لسانية مكثفة.

ومهما يكن، فالنص موضوع التحليل يحمل مشهدا تصويريا عبر كاميرا الشاعر، إطارا ومكانا وزمانا، وواقعة فنية، ووحدة معنى عالي القيمة الشاعرية.

ويمكن الدارس اختبار نصوص أخرى من مثل نص (الملاحقة/٢٠٢) ونص (المسافة/ ٢٠٨) لمنح التحليل أفقا وسيعا، ولندلل على ما ابتدانا به حديثنا حول تطور شعر مريد على نحو ما أشرنا إليه من أساليب الشعرية المعاصرة عبر تقنية الكاميرا في رسم الصورة البصرية، وعبر التشكيل اللساني المرئي، وقراءة الموقف بصريا وشعريا.

انتهى

 

د. خليل قطناني

كلية العلوم والدراسات الإسلامية/ فلسطين

 

 

 

ماهر حميدبين الريادة وخصوصية التجييل

توطئة: إنَّ المتتبع لحركة الحداثة الشعرية العربية الحديثة، ولاسيما في العراق سيجد بأنها تمثل ديمومة متصلة بين الأجيال السابقة واللاحقة، وهذا لا يعني بأن العقود التي سبقت حركة الحداثة لم تشهد حراكاً شعرياً يدعو إلى التحديث من خلال علاقات التأثر والتأثير؛ لأن هذه العقود لم تكن عقود " صمت لم يرتفع فيها صوت يدعو الى التجديد، بل حفلت بكثير من هذه الأصوات في العراق والشام ومصر"(1).

وقد جاءت بعض هذه التجارب على يد شعراء آمنوا بالحداثة بعد أن وجدوا التجديد هو المعبر الوحيد أمامهم لتكوين جيل شعري والوصول إلى الريادة، فكان لهذه الحركات الشعرية الحداثية أثرها الفاعل في زحزحة الكلاسيكية من موقعها وتقويضها(2)، فقد كانت السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية سنوات حاسمة في حياة تاريخ الشعر العربي، إذ شهدت هذه السنوات أولى بوادر التمرد على الأسلوبية التقليدية للقصيدة العربية، وأولى بوادر التحول الى أشكال تعبيرية جديدة(3).

فأخذت  التيارات الشعرية بالظهور مشكلة تجمعات شعرية تحاول التأسيس لمشروعها الحداثي منطلقاً للتجديد في الشعر، فكان من أهم نتائجها في أواخر الأربعينيات  أنها شكلت ثورة في تاريخ الشعر العربي(4) استمرت حتى يومنا هذا، فوجدت الأجيال في هذه الثورة فرصتها المناسبة، فبدأ الصراع بين الأجيال من أجل اكتساب خصوصية التجييل(*) ونيل الريادة، الأمر الذي شكل ما يمكن تسميته بالديمومة المتصلة بين الأجيال الشعرية في العراق.

الجيل بين الخصوصية والريادة وديمومة الاتصال:

أخذ مفهوم الجيل يثير جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية، ولاسيما بين الأدباء والشعراء والنقاد، فمنهم من يعد الجيل ما هو إلا أحد المحاولات اليائسة، أو أحد البدع الشعرية التي تكرس كسلا نقديا، وتؤدي إلى ضياع القضية الحقيقة للشعر(5)، ومنهم من يرى بأن قضية الجيل قد أسهمت بشكل فعال في مسألة التجديد في الأدب ولاسيما الشعر، من خلال دفع عجلة الأدب إلى الأمام، بل يعد محطة فاعلة في تحريك عجلة الشعر وعدم اللجوء الى محطة الجمود والتبعية(6).

بعد هذا أخذ مصطلح الجيل أبعاداً أخرى من خلال وصفه بأنه يمثل وثيقة تأريخيه إحصائية يمكن عن طريقها تقييم تجربة محددة من الشعراء في عقد معين من الزمن، فضلاً عن محاولة تمثيلها داخل الحقبة التاريخية المحددة(7).

ولهذا نجد أن مفهوم الجيل يصدق عند شعراء الستينيات بشروط معينة، فالشاعر الستيني يرفض تسمية الأجيال إذا كانت في دائرة جيل من كل عقد بل يصدق مصطلح الجيل عند فاضل العزاوي مثلاً بوصفه أحد شعراء هذا الجيل متى ما كان يمتلك الشاعر روح الجيل واصفاً من يتعامل خارج هذا المعنى في فضاء الفكر الصبياني(8)، وهذا ما أكده سامي مهدي الذي أشار إلى أن فكرة الجيل لا تتجسد بصورتها الحقيقية مالم يتم تحقيق روح الحساسية التي يمتاز بها الجيل عن غيره، سواء أكان على مستوى مفاهيم الحداثية أم على مستوى المنجز الأدبي والإبداعي لشعراء الجيل نفسه(9)، وما يقدمونه من رؤى وأفكار تمثل تطلعاتهم، ولكن بروح شعرية تقوم على التجديد الحداثي المستمد من الثقافة الغربية.

بعد هذا نجد أن شعراء العقد الستيني قد وضعوا شروطاً لإطلاق تسمية الجيل على التجمع الشعري الذي يشكل حركة شعرية في عقد معين من الزمن، وبهذا فهم حددوا طبيعة هذه الحركات وعملوا على توجيه مسارها نحو الخصوصية والريادة.

وأما شعراء السبعينيات لم تكن  نظرتهم لمصطلح الجيل بعيدة كل البعد، على الرغم من رغبتهم في اكتساب الخصوصية والسعي إليها ونيل الريادة، وهذا ما أكده خزعل الماجدي بوصفه أحد أهم الشعراء في هذا الجيل مؤكداً على أن قضية الجيل بأنها قضية فنية، وأن أولائك الشعراء الذين ظهورا في السبعينيات قاصدين تأسيس رؤية فنية جديده ومغايرة لجيل الستينيات الذي سبقهم(10)، نستنتج من هذا أن أطلاق تسمية جيل تتوقف على مدى امكانية الشعراء وقدرتهم على تقديم المنجزات الإبداعية التي تتوافر على تسميات وملامح وقيم تجعل منه مشروعا مفارقا لسواه أو متميزاً عن غيره من المشاريع التي قدمها الشعراء في العقود الأخرى(11).

بعد هذا يمكن أن نلحظ على الرغم من الصراع بين الأجيال تلك الصلة المتمثلة في وحدة الرؤية والأهداف التي شكلت عند الجيلين وما سيأتي بعدهما أسس وقواعد لإطلاق تسمية الجيل على مجموعة من الشعراء في أي عقد معين. وهذا الأمر في حقيقته شكل ما أطلقنا عليه سابقاً "ديمومة الاتصال بين الأجيال"، ولكن هذه الديمومة لا يمكن لنا أن نحددها بوحدة الرؤى والأهداف بين الجيلين، وإنما تشمل كل مظاهر التجديد المتوارثة عبر الأجيال.

ولكن من يتتبع حركة الحداثة الشعرية في العراق سيجد تطوراً ملحوظاً في تياراتها الشعرية منذ بداية القرن العشرين، بعد أن تجاوز هذا التطور مرحلة الجمود والخروج من حالة السبات التي اصابته حتى أواخر القرن عشر، فقد اختلفت نبرات الأصوات الشعرية المتصاعدة عن ذلك الصخب التقليدي المضجر الذي كان يتميز بالمدح والتهاني والتكسب بهما إلى درجة التذلّل واللجوء إلى الصناعة الزخرفية وغيرها(12)، ويمكن أن نرجع إلى الدور الكبير الذي قامت به المجلات والصحف الصادرة أثناء تلك العقود الزمنية، فكان لها أثرها الواضح على الشعراء الشباب آنذاك وكيف أسهمت في نقل الثقافة الغربية إلى المجتمعات العربية وترسيخها، إذ كانت هذه المجلات تتابع أخبار الحركة الوجودية وتنقل ما يصل منها في محاولة لتعريف قرائها بهذه الأفكار الحداثية، فكانت تعبّر هذه المجلات عن تطلعات الأجيال الجديدة من الأدباء والفنانين وعن نزعاتهم وطموحاتهم، ورفضهم لجمود الحياة وركودها من حولهم، وتمردهم على هذا الجمود، وتطلعهم إلى حياة جديدة، وأدب جديد، وفن جديد، وإحساسهم بأن عملية التجديد هذه لا يمكن أن تتم إلا بالانفتاح الواسع على الحياة الجديدة في العالم المعاصر، بل على الحضارة الغربية بشكل عام  وعلى آدابها المتعددة وفنونها المتنوعة وفلسفاتها المختلفة، فأخذت هذه المجلات في صفحاتها الأولى عبر كتاباتها بالتعريف بالواقعية والسوريالية والوجودية وبالتيارات الحديثة في الفنون التشكيلية(13)، فكان لهذه المجلات أثرها الفعّال في الاتصال بالآخر الغربي والتعرف على منجزه الأدبي، ولاسيما الشعري والتأثر به ومحاولة محاكاته، فكان هذا الاتصال سبباً في ولادة شعر التفعيلة، وقصيدة النثر.

ولكن السؤال الذي يلوح بالأفق هو هل أن الاتصال بالآخر والتعرف على منجزه الأدبي والشعري، قادر على إيجاد تجربة شعرية تجديدية يمكن لها أن تشكل ظاهرة حداثية في الشعر العربي بشكل عام، والعراقي بشكل خاص؟.

بالتأكيد لا ؛ لأن الاتصال مع الآخر لا يمكن أن يكون قادراً على تحقيق ذلك، ما لم يتوافر للشعراء الحرية الكافية للتعبير عن تطلعاتهم بعيداً عن إيديولوجيا السلطة وإجراءاتها التعسفية المقيدة للحريات، ولاسيما أن هذه حركات التجديد قد ظهرت في عقود سياسية متقلبة تحاول فيها السلطات المتوالية فرض سيطرتها، وهذا بطبيعة الحال سيؤدي إلى قمع بعض التطلعات ومن ضمنها الثقافية التي تشكل أساس الحرية والعدالة الاجتماعية.

وإذا بحثنا عن مميزات الأجيال الشعرية في العراق سنجد أن لكل جيل خصوصيته التي يسعى من خلالها إلى الريادة، فمن أهم ما ينماز به الجيل الستيني على سبيل المثال على من سبقه من الأجيال هو انفتاح هذا الجيل على المضامين الحداثية ؛ نتيجة لاطلاعه على تجربة الرواد، الأمر الذي مكنه من  التمهيد لمرحلة جديدة من الريادة الشعرية كان لها حضورها المميز في العقد الستيني.

وأما شعراء الجيل السبعيني يؤكدون على  ملازمة القصيدة العربية الحديثة والتمسك بها وعيش همومها ومشكلاتها التي لم يستطع أي شاعر أو ناقد أدبي أن يضع حلولا للخروج منها،  فضلاً عن اعتمادهم  لروح التجريب في المقدمة  بناءً على أن القصيدة العربية الحديثة لم تستكمل شكلها بعد ولم تستنفذ طاقاتها وقواها ولم تستهلك أدواتها(14)، ولكن هناك من النقاد من أشار إلى ما يميز شعراء الجيل السبعيني وما يتمتعون به من خصوصية بعد أن احتضنتهم الصحافة وكرّست مفاهيمهم مختلفة لكي يؤسس لجيلهم السبعيني وضع شعري خاص تحت راية الشعر العراقي الحديث، وخاصة أن شعرهم قد أنقسم في بداية نشأته إلى اتجاهين: الأول بقي محافظاً على جزء من المناخ الشعري الستيني مع اجتهادات تتصارع مع أصوات الرواد أحياناً، والثاني: مثّلته محاولات تطوير قصيدة التفعيلة والسعي إلى بعث حياة جديدة لها من خلال سلسلة من التنظيرات والبيانات النقدية والحوارات الخاصة بهم، هذا فضلاً عن  إعادة الجيل السبعيني علاقته بشكل تدريجي بالمؤسسة الاجتماعية وأن يعمق حسه الاجتماعي ويحقق نوعاً من التوازن بين الذاتي والموضوعي على مستوى التجربة الشعرية الواحدة الخاصة به(15).

ولهذا نجد أن فكرة الأجيال وتسميات الحقب تكاد تسير باتجاه واحد لا تختلف عن بعضها، وكأن فكرة التجييل أصبحت راسخة في نفوس الشعراء والنقاد على حد سواء، الأمر الذي شكل ما يمكن تسميته بالديمومة متصلة بين الأجيال السابقة واللاحقة من الشعراء والأدباء والنقاد.

 

ماهر حميد

1441هـ . 2021م

***

الهوامش:

1- المعارك والخصومات الأدبية في العراق في القرون الثلاثة الأخيرة (1700 ـــ 2000م) وأثرها في الحركة الأدبية: 222.

2- ظ: الاتجاهات والحركات في الشعر العربي الحديث: 603.

3- ظ: شجر الغبة الحجري:: 1/ 56.

4- ظ: الاتجاهات والحركات في الشعر العربي الحديث: 234.

(*) يعني مفهوم التجييل عند أرسطو وافلاطون في حديثهما عن الصراع مصطلحاً أساسياً في الفلسفة اليونانية في حين أخذ بعداً زمنياً عند هيرودت بوصفه مدة زمنية تشمل ثلاثة أجيال بشرية، ظ: الجيل الادبي مقاربة مفاهيمية، محمد حافظ،  مجلة نزوى ع59:30.

5- ظ: مواجهات الاجيال الشعرية، أمل الجبوري، تحاور يوسف الصائغ، مجلة الأنصار، ع3:84

6- ظ: ايقاعات الظل المتحول، مدخل أخر لفكرة شعراء الثمانينيات، حاتم صكر مجلة الأسفار، ع3:66-67.

7- ظ: الاجيال الشعرية ما بعد الرواد، حتى عام 1990، في الدراسات النقدية العراقية: 63.

8- ظ: الروح الحية - الجيل الستينات في العراق: 9.

9- ظ: الموجة الصاخبة، شعر الستينات في العراق: 30.

10- ظ: اتجاهات نقد الشعر العربي في العراق: 88.

11- ظ: اشكالية مصطلح الجيل المشهد الثقافي العربي، صالح هويدي، جريدة الاديب ، ع13: 7.

12- ظ: تطور الشعر العربي الحديث في العراق: 92.

13- ظ:المجلات العراقية الريادية ودورها في تحديث الأدب والفن 1945 ــ 1958: 86 ــ 88، 113، 150.

14- ظ:  تداخل الفنون:13

15- ظ: الشعر العراقي الحديث: 28-29.

 

 

من الصور الجميلة التي رسمها الشاعر ليبين مراقبة الفلسطيني من قبل الخونة، يصف الأم الفلسطينية كيف يرصدها الأعداء، يقول مريد البرغوثي:

تمشينَ بينَ مسالكٍ فيها المهالكُ

دانياتٌ والنَّجاةُ بعيدةٌ

والخوفُ كالذِّئبِ الأليفِ بباب بيتكِ صامتٌ مٌتَّنعِّمٌ

بالشمس يُغلقُ عينَه، ويطلُّ بالأُخرى عليكَ

على خطاكِ على

نواياكِ الصّغيرة

وتصوير الخوف بالذئب صورة جديدة، وتكمن جديتها في الصفات التي أضفاها الشاعر على الذئب، فهو ذئب أليف، وهنا يصدم الشاعر توقعاتنا. كيف يكون الذئب أليفاً؟، ولعل مقصد الشاعر أن هذا الذئب يبدو كالأليف أمام البيت يتمتع بالشمس حتى لا يلتفت إليه أحد، أو يشك في فعله،كما أن الشاعر قد صوّر الخوف وهو شيءمعنوي مجرد بالمحسوس "الذئب"، وكأنه صورة ماثلة أمام القارئ.

وفي قصيدة مريد البرغوثي "رنة الإبرة" يصور الأم الفلسطينية في شتى مواقفها ؛ في بيتها، ومع أطفالها وجيرانها، راصداً تحولاتها النفسية فهي تحاول رغم اليأس والفقر والغربة أن تكابر على الجرح، وتحلم بالأمل مهما شدها القنوط:(1)

أنتِ الكنائسُ والكمائنُ

والمساجدُ والمساجينُ الذين يُراكضون زمانَهم

بالقيْد أو بالقُرفصاء

وأنتِ من ماتوا على خطِّ النِّهايةِ

والمتاريسُ المقامةُ حولهم

والفلُّ والفولاذُ أنتِ

وأنتِ ما في الشَّوقِ من غضب

وأنتِ اليأسُ مكتملاً يحاولُ

أن يَشدَّ غزالةَ الأملِ الكبير

إنه الأمل ذلك المجرد الذهني الذي يحمله كل إنسان منا في ذاته ولولاه لانفطر الفؤاد. ذلك الأمل السارب السائح كالغزالة في البراري "فالأمل غزالة" تجسيد للمجرد بالمحسوس أما اليأس فهو الفخ الذي يريد أن يوقف الامل عند اندياح رؤاه.

وفي قصيدة مشهدية للشاعر مريد البرغوثي، يصف ثوب المرأة الفلسطينية بألوانه المزركشة غير أن الوصف ليس مقصوداً بذاته، يقول: (2)

تطريزُ ثوبِكِ صامتٌ، ويقول

الأخضرُ المبحوحُ نايٌ ناعمٌ

مسّته كفُّ الرِّيحِ والرَّاعي

وأزرَقُهُ دفوفٌ حولَها شُعَلٌ

وأحمرُه طبولُ

لقد ترك الشاعر للثوب الصامت التحدث عن نفسه دون أن يتكلم

فاللون الأخضر - ناي ناعم

واللون الأزرق - دف مشتعل

واللون الأحمر  - طبول

فكيف يمكن تفسير ذلك؟

إن اللون الأخضر يرى بحاسة العين، والناي "المزمار" يسمع بالأذن، والنعومة صفة محسوسة باللمس، فقد راسل الشاعر بين ثلاث حواس.

والحق أن اللون الأخضر يوحي بالنعومة والحيوية والارتياح ؛ فقد وصف القرآن لباس أهل الجنة باللون الأخضر.قال تعالى:{أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا}(3) .

أما اللون الأزرق فهو من المرئيات الصارخة، وعادةً ما يرى طرف الشعلة أزرق لذا قال: "حوله شعل". ولكنه وصف هذا اللون بالدفّ، والدف يسمع بالأذن فقد راسل بين الحاستين البصر والسمع تأكيدا على وضوح هذا اللون في ثوب المرأة الفلسطينية.

وقد وصف الشاعر اللون الأحمر بالطبول. والغريب المتخيل أننا لا نستطيع أن نقول صوت اللون الأحمر كصوت الطبل، غير أن الشاعر يؤالف بينهما، فاللون الأحمر عادة ما يكون نذير حرب، تستخدم فيها الطبول، وهو من الألوان الصارخة الأساسية .كل هذا في ثوب المرأة الفلسطينية بألوانه الدالة، فليتخيل القارئ أفعال تلك المرأة العظيمة.

ومن القصيدة السابقة مقاطع تبدو فيها هذه البديعة اللطيفة،ولكن بطريقة مختلفة التأويل والسبك كقوله:

صهيلُ حَبِّ الهال(4)

وقوله: وسواد ثوبك صامت(5)

ففي الجملة الشعرية الأولى يصف حالة استقبال الضيوف، وذلك بتقديم القهوة لهم، والعربي مشهور بهذه المكرمة حتى الآن.

ولقد شبه الشاعر صوت حب الهال في المقلاة بصوت الصهيل، وبذا يتجاوب صوتان لا حاستان، والصهيل ليس بعيداً عن خيمة العربي، فحصانه وسيفه حاضران في الخيمة لا يراوحانها.

أما قوله "وسواد ثوبك صامت"، فالتراسل بينهما واضح.

قصيدة مريد البرغوثي بعنوان "مشهد يومي" (6).

ومن الصور الجميلة التي رسمها الشاعر ليبين مراقبة الفلسطيني من قبل الخونة، يصف الأم الفلسطينية كيف يرصدها الأعداء، يقول مريد البرغوثي:(7)

تمشينَ بينَ مسالكٍ فيها المهالكُ

دانياتٌ والنَّجاةُ بعيدةٌ

والخوفُ كالذِّئبِ الأليفِ بباب بيتكِ صامتٌ مٌتَّنعِّمٌ

بالشمس يُغلقُ عينَه، ويطلُّ بالأُخرى عليكَ

على خطاكِ على

نواياكِ الصّغيرة

وتصوير الخوف بالذئب صورة جديدة، وتكمن جديتها في الصفات التي أضفاها الشاعر على الذئب، فهو ذئب أليف، وهنا يصدم الشاعر توقعاتنا. كيف يكون الذئب أليفاً؟، ولعل مقصد الشاعر أن هذا الذئب يبدو كالأليف أمام البيت يتمتع بالشمس حتى لا يلتفت إليه أحد، أو يشك في فعله،كما أن الشاعر قد صوّر الخوف وهو شيءمعنوي مجرد بالمحسوس "الذئب"، وكأنه صورة ماثلة أمام القارئ.

 

د. خليل القطناني

......................

(1) مريد البرغوثي: "رنة الابرة"، ص 111 .

(2) مريد البرغوثي: "رنة الابرة"، ص 105 .

(3) الكهف، 31 .

(4) مريد البرغوثي: "رنة الابرة"، ص 108 .

(5) البرغوثي، المرجع السابق نفسه، ص 109 .

(6) مريد البرغوثي: "قصائد مختارة"، ص 7 .

(7) مريد البرغوثي: " قصائد مختارة": وزارة الثقافة الفلسطينية، ص 112.

 

 

تشتغل هذه النصوص على فضح صورة الصنم / الدكتاتور عن طريق رسم صورة قاتمة تقوم على التفرد والتسلط والتعسف والعنف.

وقصائد الصنم هو العنوان الجامع وسيميائها الرابط لها، واللافت أن الشاعر لم يختر عنوان الدكتاتور مثلا، وفضل دال الصنم؛ لدلالات منها:

. الدلالة التداولية للصنم في الموروث الديني والشعبي والتاريخي.

. الصنم يُصنّع ويُكوّن، ويُصنّم كما أشار إلى ذلك مريد في مقابلاته .

. الهالة المقدسة التي كانت تحيط بالصنم، العبادة والاجلال، والتقديس.

. القابلية للكسر والتحطيم، " فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم".

ويبدو أن صورة الصنم في النصوص المدروسة تنحو نحو الصنم العربي لا غيره، ومن جهة أخرى، فليس الصنم في القصائد هو الدكتاتور أو الرئيس وحسب، بل نعثر على صور متعددة له منها: الصنم الجنرال،  والصنم المفتي، والصنم قائد الحزب، والصنم الوصولي، والصنم المرأة/ الجلاد.والصنم في النصوص يرث ويورِث،، وثمة صنم كبير، وصنيومات صغار .

في القراءة الداخلية للصنم يتغيا الشاعرنقد العقل العربي، وجلد (نحن)، ونقد الثقافة المتكلسة والدين المزيف لدى بعض رجال الدين، أو ما يمكن أن نسميه السلفية الثقافية .

في الحديث عن العنونة لم يقدم الشاعر الصنم كما تعهده العامة بل اختار الصفات، والقيم السلبية، ومتعلقات الصنم .

صحيح أن السخرية تتبدى في النصوص لصورة الصنم، غير انها تسخر من الذات الجمعية نحن، ويحاول الشاعر أن يتخفف من مبدأ السخرية كيلا تبدو صورة الصنم فقط صورة أرشيفية، وكاريكاتورية مضحكة كما هو المعروف في المسلسلات العربيه والمسرحيات.

وعند البحث عن صورة الدكتاتور في الأدب العربي الحديث، يرى بعض النقاد أن الكتاب قد عزفوا . بقصد . عن الكتابة عن صورة الدكتاتور العربي بعامة، ولم يلتفت إلى هذه الموضوعة الا مؤخرا فيما يمكن تسميته أدب المعارضة السياسية، وبخاصة عند الكتاب العرب في الغرب، أوفي اثناء ثورات الربيع العربي، ويعود ذلك بطبيعة الحال إلى حالة القمع والعنف الممارس وتسلط أجهزة الأمن العربية على الحكم، وربما هو العقل العربي المتقبل لذلك، ويبدو أن التبرير الديني عبر مصطلح السمع والطاعة، ولا أستثني هنا كثيرا من الأحزاب التي تحمل فكر المعارضة ثم توالي الحاكم/ الدكتاتور؛ لمصلحة أو نكاية في حزب آخر .

هذه الأسباب وغيرها جعلت الكاتب العربي ينأى عن خوض معارك ضارية مع أنظمة الحكم العربي، اللهم ما كان نقدا خفيا أو رمزيا.وبالطبع، لا يعني ذلك خلو الساحة تماما فنجد مثلا أحمد مطر في لافتاته، ومحمود درويش في خطب الدكتاتور، وحديثا عند الكاتب أيمن العتوم في رواية " حديث الجنود" و " ويوم مشهود" ... .

 إلا أن الدارس يرى العكس تماما عند كتاب أمريكا اللاتينيه كما يظهر في كتابات جابرييل جارسيا ماركيز (رحلة موفقة سيدي الرئيس) ورواية (الجنرال في متاهته) و(خريف البطريك)

ترد في مدونة ليلة مجنونة (١٩٩٦) مجموعة من النصوص تحمل عنوان (قصائد الصنم)

وسيعالجها الدارس موضوعيا تحت هذا الباب ولسانيا كمرجعية دلالية ومحمولات لغوية، ومن ثم تدخل المقالة في الحفر في الأبعاد والمرجعيات الثقافية .

. النص الأول (المشورة، ص٥٥)

صنم رخاميُ

أصيب بحيرة من أمره يوماً

دعانا..فامتثلنا تحت شرفته الرخام

وبدا حزينا... راعش الكفين

مذ قالت له عرافة أعجميةٌ: ستموت

إن لم تستشر أحداً!

تنحنح ثم نقل بيننا نظراتِه...

كدنا نصدق أن فينا من سيمنح فرصة

للنطق بين يديه أول مرة من ألف عام...

فإذا بسيدنا الصنم

يستل مرآة ويرفعها

وينظر ... ثم يسألها فتنطق بالمشورة

ثم يشكرها

ويكسرها

مخافة أن يُعوّدها على حق الكلام

ينبعث النص عبر تفكيك قيمة/ ثيمة "الشورى" والديمقراطية، الحق في إبداء الرأي وحرية التعبير . غير أن الصنم الملهم لا يستشير أحدا، فيصادر حقّ الناس في إشاعة مبدأ الديمقراطية، والحزب المعارض، البرلمان، الفقراء...

توزع تلك القيمة عبر حقلين أو بنيتين متضادتين بين الصنم الرخامي (هو الأعلى) وشخصية (نحن الأدنى).

ففي حين ترسم البنية الأولى صورة للصنم ترتكز على الحيرة والحزن، ورعشة الكفين، سمات جسدية ونفسية، يبرر النص مسوغات تلك الصفات أن عرافة أجنبية هددته بالموت والاندثار إذا لم يمارس مبدأ الاستشارة بوصفها بؤرة النص وقيم الدول الأجنبية، وهذا ما يؤكد لنا جنس الصنم العربي، ومرجعية العرافة الأجنبية.

في حين تقوم بنية نحن على الامتثال لدعوة الصنم (دعانا، فامتثلنا)، وهنا تبدو المفارقة في أن لدى الصنم بطانة تحيط به، وثلة من المقربين، غير أنهم لا يجرؤون على مخالفته .

تنصرف دلالة الزمن (ألف عام) إلى طول المدة وسيرورتها ؛ فهي ليست دلالة زمنية محددة وبالتأكيد فإن الشاعر يدرك الفرق الدلالي بين لفظي سنة وعام، في دلالة الأول على الشدة والأخير على الرخاء.وقد اختار لفظ عام مع أن السياق يدل على الشدة، وذلك لسببين في تقديري الشخصي:

. إن استمراء هذه الثلة (نحن) واقع الحال جعلهم لا يفرقون بين الدلالتين، فكأن الوضع أصبح معتادا. ولكن هذا السبب تنخفض وجاهته حين نقرأ (كدنا نصدق أن فيما من سيمنح فرصة ..).

والسبب الآخر هو أن الشاعر غير معني أصلا بالتوجيه الدلالي للمفردتين بقدر اعتنائه بالوصف العام لليومي والواقعي، فالتداولية التي تعني استعمال اللغة عند أهلها تعنى بمبدأ الاستبدالية اللغوية بين سنة وعام، فنحن نقول في عيد الميلاد (سنة حلوة)، ولا يعترض أحد ويمكن أن يدلي قائل بأن القافية المتجاوبة بين ( الرخام/ الكلام/عام) جعلت الشاعر يحافظ على الخيط النغمي.

على أية حال تبرز إشكالية في النص وهي أن الصنم اجترح حيلة (المرآة) ليتخلص من نبوءة العرافة، ويحقق مبدأ الاستشارة، ولكن أليست المرآة تمثل (وجه الصنم) وظله وصورته العاكسة لرؤيته ؟ فكيف سمح الشاعر الصنم أن يكسر ظله وصورته .فهل كان الشاعر واعيا لفعل الكسر؟ هذا إن سلمنا بأن صورة الصنم هي ذات ثانية له، وأن للصنم ذواتا متعددة تتخلق؟ ... ربما.

النص الثاني: (الرحيم/ ص57)

الصنم

زيه العسكري

فصلته المعارك طبعا

وفي يوم عطلته يرتديه

فيزداد طولا مع القبعة

لا سوفوكليس يرقى لإلهامه

لا ولا يجرؤ الغيم أن يشتهي موقعه

ذات مغضبة أعمل السيف فيمن عليه

وحين استفاضت حماسته

أعمل السيف فيمن معه

ولكنه وهو يلقي خطابا له في الصباح

بكى صادقا

حيث لم يبق من قومه

أي حي لكي يسمعه !

تتبأر المفارقة الضدية منذ العتبة النصية ( الرحيم) ليتخلق سؤال مرجعي ؛ كيف يكون الصنم رحيما؟ هذا الصنم الذي لا يعرف سوى لغة القتل االدموي للمعارضين إذا غضب، والموالين إذا تحمس . ويشير مريد بالطبع في البعد الثقافي إلى الحكم العسكري لا السياسي، فضلا عن الحكم الديمقراطي بطبيعة الحال .

يرسم النص للصنم صورة تتمتع بالمبالغة والغلو ابتداء من الشكل العسكري فيما يتعلق بالزيّ والقبعة، وهو على المستوى المعرفي أكثر إلهاما من سوفوكليس الكاتب الإنساني اليوناني

وتبدو متعة القتل لديه كما يوضح النص في حال الغضب،  وتوظيف المصدر الميمي (مغضبة) أشد دلالة في التعبير اللساني وآكد ؛ فكل زيادة في المبنى تدل على زيادة في المعنى، حيث "يجيء المصدر الميمي مختومًا بالتاء من الثلاثي المجرد على وزن (مَفْعَلَة)؛ لبيان سبب كثرة الحدث، والحامل عليه، والداعي إليه" .

يعتمد الشاعر على تقنية المفاجأة الدرامية حين يقول:" بكى صادقا" والحال " صادقا" ينفي صفة التباكي التي يمكن أن تنطلي على الحضور، والبكاء هنا يستدعي قيمة الرحمة ليتسق ظاهريا مع العنوان " الرحيم".

يهدم الشاعر ما بناه سابقا من حيثية البكاء بصدق ليعود إلى فضاء المفارقة الضدية الساخرة، حينما يسوغ منطقيا سبب البكاء أنه لم يجد أحدا يسمعه بعد ممارسة القتل.

وفي رأيي أن القفلة غير ذات وهج شعري، تسقط في النثرية، وتقع في المبالغة غير المبررة، وتخلو من الصورة الشعرية.

.النص الثالث: "الصنم الحزبي"/ ص65.

يتناول أدوية الشيخوخة

ويبدل سماعات الأذنيين

ليلقط أي دبيب يدنو من منصبه

ويساعده فحلان من الحراس

على حمل الكرسي مساء للبيت

يغمره الاطمئنان إلى زوجته النائمة يساره

ويحط أصابعه اليمنى فوق الكرسي

ويمسكه مغتبطا وينام

 صور جديدة وطازجة وجريئة جدا تقفز عن المعنى المعهود للدكتاتور الرئيس أو الجنرال العسكري لتتناول بالأسئلة الشائكة عن أصنام الأحزاب العربية ذات اليمين وذات اليسار.

ويمكن إجمالها فيما يأتي:

. الصنم الحزبي العجوز المتهالك المتشبث بالمنصب، وهو بهذا لا يختلف عن الصنم الرئيس الدكتاتور.

.الهلع والخوف من زوال الكرسي رغم تقدمه في السن –حتى إنه ينقله معه إلى البيت .

. الحراسة المشددة على الصنم الحزبي، وهو من سمات الصنم الجنرال .

. صورة الزوجة النائمة يساره " وكلمة اليسار هنا تحمل دلالة مرجعية كما أن أصابعه "اليمنى" ذات دلالة ثقافية أيضا .

 إن حضور الزوجة النائمة ليلا تحمل دلالات اجتماعية واسعة في قلة الاهتمام بشؤون الأسرة، وأنها تأتي ثانيا وثالثا في دائرة الاهتمام، وهو نقد مبطن للأحزاب السياسية الفاعلة على الساحة.

.انتشار الفعل الحاضر الحامل لمعاني الاستمرارية ( يتناول/ يبدل/ يغمره/ يحط/ يمسكه/ ينام) ما يوحي بالديمومة الفعلية والزمنية لحدث الكرسي الحزبي .

.اللغة النثر/شعرية التي ترافق الحدث النصي .

.النص الرابع: المفسّر:68

صنم مسبحة من اليسر المتوج بالذهب

متربع في فرو خاروف

ويشرح ما يريد من الكتاب

في عينه ورع

ولكن عينه الأخرى

تهيؤنا ولائم " للذئاب"

لطالما شاهدنا صورة الشيخ والمفتي في النص الأدبي بلباسه الخاص، وهيئته الدينية المجردة، التي تدين العقل الديني الأعور في الأمصار العربية .

يقدم الشاعر صورة تقليدية مهولة لهذا المفسر من خلال (سبحة اليسر) الطويلة والسوداء، وهو متلفع بفرو الخاروف، ويفتح كتابا يفسر ما يريد وكيف يريد، وتبدو علامات الورع لمن يشاهده، وعلامات التقوى الظاهرة على محياه وفي عيونه

 والمقصود هنا بالعين الوجه الظاهري له، أما الوجه الثاوي والمخفي وهو المهم والذي يتناسب وصورة الصنم، فهو الوجه الأسود والصورة الظل للصنم الحاكم، حين يلوي عنق النصوص، ويفتي للصنم الأكبر ما يعضد حكمه عبر أساليب وفتاوى وأحكام تجتمع في السمع والطاعة .

والصنم المفسر بدلالة "المفسر" يعلم التأويل المضمر للرؤية والرؤيا / الواقع والمستقبل

وهو بهذا يستمد قوته الغيبية لإقناع الحضور الجهلة . ولكن لماذا يفعل المفسر كل هذه الأفاعيل؟

يكثفها الشاعر بخاتمته الشعرية " يهيؤنا ولائم للذئاب"وفي هذا الجملة التعبيرية دلالتان:

. دلالة "ولائم" ومفردها وليمة، وهي تدل على الاجتماع، وميثولوجيا ترتد إلى موروث جاهلي حيث كان بعض العرب يقدم ولده للصنم قربانا ويذبح الذبائح لنيل البركة، وهو تماما ما تفعله شخصية المفسر في تقديم الناس ولائم للصنم الأكبر .

. دلالة " الذئاب" وقد وضعها الشاعر بين علامتي تنصيص؛ لتدمر معناها الحقيقي وتنزاح نحو معنى آخر يحمل سمة الذبح والدم والافتراس، والمعنى واضح في إشارته إلى الحكام الذئاب، أو من ينوب عنهم .

. النص الخامس: صوينمات/ 69

صنم يربي كالدجاج صوينمات

ثم يطلقها علينا كي نقدس ريشها

ونقدم الصلوات كي ترضى علينا

ثم يعلفها بألقاب لها وقع الهراوات التي تهوي

وعندئذ

تظن دجاجة صنم بأن لها مخالب كالأسود

ولبدة ومهابة

وتروح تزأر كي نخاف وننزوي

وسلالة الأصنان تولد هكذا

صنم يحن على صنم

ليسوقنا الإثنان

في زهو

إلى قفص المخافة كالدجاج

تنفلت الصورة المرسومة للصنم من إطاراتها المركزية في تصوير الأصنام الكبار " الرئيس /المفتي، الجنرال، الحزبي..." لتقدم صورة للصنم / الهامش، الصنم الصغير، عن طريق توظيف التصغير في الصرف العربي الذي ينصرف في النص إلى معنى التحقير .

وصوينمات مختوم بألف وتاء وهو ما ينصرف في العادة إلى المؤنث ليتواءم مع لفظ " الدجاج" التي تظهر وتتظاهر على شكل الأسود في ألقابها، وأصواتها، وريشها، ومخالبها، كي تبث الرعب في الناس العاديين، وبهذا يتم مشهد التحول إلى:

الصنم ...... الدجاجة ... الأسد

يؤكد الشاعر أن الأصنام ينحدرون من سلالة "الصنمية" منذ الولادة إلى الممات وحتى التوريث.

وكما تتناسل الأصنام في سلالتها، للأسف يتناسل الشعب كالدجاج المسجون في قفص وبذا تتحول المعادلة إلى:

. الأصنام الصغار ..... دجاج بهيئة أسود وهراوات وزئير.

. الشعب ........ دجاج بهيئة الخوف وقابلية الانقياد عبر تقديم العلف .

. القفص ......... الخوف .......... الدولة

في الديوان صور أخرى للأصنام: (القائد الصنم، والولد المراهق المهيأ للصنمية، والصنم الوصولي، والمرأة التي تنحدر إلى الصنمية عبر وصفها ب" الجلاد").

ومهما يكن من أمر القصائد، فقد رمى الشاعر من خلالها إلى نقد الواقع العربي، السياسي والديني، والثقافي... غير أن ألنصوص بعامة كانت تروى بضمير الجمع "نحن" لإدانتها

في عدم الفعل والتمرد والانعتاق .

 انتهى

 

د. خليل قطناني

أستاذ البلاغة والنقد

كلية العلوم والدراسات الإسلاميّة/ فلسطين

 

 

صالح الرزوقولكن يجب علينا أن ننتبه لحقيقة أساسية تحكم منطق ومنهجية الخطيب وكاظم، أن نقطة البداية تنطبق على النهاية، ومركز هذه الدائرة هو محيطها أيضا، وبلغة مباشرة يعتبر المنهجان أن بعض الظواهر هي أكسيومات (أو بديهات) أو أقله هي تحصيل حاصل. ومن ذلك علاقة الرواية الستينية بكافكا. ويوجد في كتاب الدكتور حسام الخطيب فصل كامل يعقد به مقارنة بين رواية يتيمة لجورج سالم هي (في المنفى) ورواية كافكا (القضية). بينما يتابع الدكتور نجم كاظم مجمل أعمال كافكا ليحدد أسباب التطابق بين مصير أبطال الرواية الستينية ومعراج أو متاهة أبطال كافكا. ومثل هذه النظرة المخصصة عند الخطيب لم تكن بعيدة عن النظرة البانورامية لكاظم. فقد اتفقا أن أوضاع العرب والتمزقات الاجتماعية والسياسية وأساليب القمع التي عانى منها الكاتب العربي وجدت صداها في أعمال كافكا ولا سيما في الستينات (ص149). ولم تكن معاناة أبطال كافكا في أعماله الميتافيزيقية التي تعالج مشكلة الجفاف الروحي في مجتمعات إصلاحية معادية لأي نزوع ثوري غريبة عن رواية الستينات والتي مهدت لهزيمة قاسية عام 1967 وخرجت من رماد خسارة مهينة عام 1948. ومن نافلة القول أن شخصية الرواية العربية وجدت مفاتيح شخصيتها في هذه الفترة. وانتقلت من تقشير الطبيعة من أجل وصفها ومحاكاتها إلى تقشير النفس البشرية من أجل إعادة اكتشافها وثم إعادة تركيبها. أو ما يقول عنه الدكتور الخطيب (حرفيا): لمتابعة مشكلة الغربة الروحية للإنسان في إطار مفهوم البراءة والخطيئة الأصلية (ص141).

وبودي أن أضيف نقطتين عن كافكا:

الأولى أنه كاتب متكتم، لا يعطيك نفسه بسهولة. فهو يخدع القارئ ويترك له علامات تضلل وتشوش تفكيره. ومن العسير على أي قارئ أن يفهم ماذا يريد كافكا من تضخيم أوهامه. ولماذا يتبع الصدفة دون أن يؤمن أنها جزء من أقداره؟؟. وهذا يناسب رؤية الكاتب العربي في منعطف الستينات، فقد تخلى عن نفسه دون أن يكتشف أي طريق مضمون للبديل.

النقطة الثانية أن أعمال كافكا مفصلة، ولا تخلو من الحوار الصامت أو المناجاة مع الذات والآخر مثل أي ذهاني فقد معنى نفسه أو أنه يتوهم أن الأمنيات هي الواقع ذاته. لقد كانت الرغبات في أعمال كافكا بمرتبة المنطق أو العقل المفكر. وهو ما حول أفعالها لمجرد ردود فعل. وأعتقد أن هذا كان يخدم الكاتب العربي لتمرير سخطه على السلطة والمجتمع (أو التاريخ والحضارة) دون أن يخاف من المحاسبة.

وهذا لا يمنعنا من الإقرار أن تأثير كافكا شيء والمؤثرات الكافكاوية شيء آخر. وقد ألمح الدكتور كاظم لذلك بمعرض مناقشته كافكا. فهو مجرد علامة وجودية بالغت بغموض وميتافيزيقية واقع أبطالها. وما تسرب إلينا من هذه الأجواء يدين لكامو وسارتر بقدر ما يدين لكافكا إن لم يكن لبوهوميل هاربال، وهو تشيكي آخر يعكس كل أعراض كافكا باللامسؤولية عن الذنب والسقوط تحت أعباء الخطيئة الأصلية. ولا يغيب عن الذهن حالة قسطنطين جورجيو الذي كان سفيرا في الحكومة الرومانية الموالية للنازيين في فترة صعودهم. إنه لا يمكنك أن تقفز من فوق هذا الكاتب، فقد كان مناوئا لسياسة سايكس بيكو، وهرب بعد سقوط النازية إلى السعودية، وكتب فيها كتابه المعروف “محمد نبي الإسلام”. ولكن ما يهمنا في هذا السياق روايته “الساعة الخامسة والعشرون”. وهي حكاية مواطن روماني يعتقل بالصدفة وهو في الطريق لحفل زفافه، ويسجن مع اليهود في معسكرات الإبادة بشبهة أنه يهودي كما جرى مع بطل رواية “القلعة الخامسة” لفاضل العزاوي.

ومشكلة الصدفة المستحيلة أو القدر الأعمى هي واحدة من أهم اللحظات العصيبة التي بنت عليها الرواية العربية كل فلسفتها في الستينات. فقد كانت تعبر عن الدوافع المجهولة التي عقّدت مصير الأمة بعد سقوط دولة العثمانيين. وكانت غصة في قلب كل عربي أن يرى تركيا واليابان وقبل ذلك ألمانيا وهي تخرج من الهزيمة وتعيد تركيب ذاتها، بينما يدفن العربي نفسه في ركام الحضارات الميتة، ويغرق في الظلام والبرد مثل جميع أبطال كافكا وجورجيو. ولعل فشل مشروع الدولة الوطنية هو الذي قاد الباحثين للقفز من فوق المؤثرات التي تعبر عن رؤية وأجندا الدول الغربية. لقد انصب الاهتمام على أدباء المقاهي والخلايا النائمة. مثلا حلقة سارتر ودوبوفوار. حتى أن إدوارد سعيد في دراساته اعترف بفضل سارتر على تشكيل وعيه المبكر بالمعنى الوجودي لمشكلة الحرية. لكن لم يكن أحد يولي الوجودية الديغولية أي اعتبار. وغاب اسم أهم أقطابها مثل موروا ومالرو تماما. وتكررت المشكلة مع صوت التوري الإنكليزي جيفري آرشر. ولم نسمع به في بحث الدكتور كاظم مع أنه اهتم بمصير رواية الثمانينات.

2277 نقد ادبي

ولتفسير هذه الظاهرة يوجد عندي اقتراحان:

الأول أن هذه المؤثرات فرضت نفسها بشكل ميتافيزيقي. مثل آلية عمل صورة المدينة اليوتوبية أو مدينة الأمنيات (ما يسميه الإيطالي كالفينو: مدن الخيال). فقد كنا نخترع أسماء رومنسية لعواصم الميتروبول (مدينة الضباب/ لندن. عاصمة النور/ باريس). بينما فشلنا في إضفاء أي معنى جماهيري على المدن النموذجية (ومنها برلين وموسكو وهافانا).

الثاني طبيعة عمل الذاكرة المأساوية. فهي تبحث عن ما هو غير موجود، وبالسر تكيل اللوم والتقريع على على ضعف الواقع. وهو ما يسميه حمزة عليوي بـ “الجغرافيا التخيلية”، ويعمل بنظام التمثيل وآلياته (7) وليس بأسلوب الراصد والملاحظ.  ولا شيء ينفع استعادة أو تنشيط الذاكرة مثل التمثيل، فهو تحويلي وله عدة عتبات. بينما الملاحظة تكون موضوعية ولا مجال للتمني أو إسقاط الرغبة فيها.

ولا شيء يوضح مثل هذا التحويل كالرواية. فقد دخل النوع في ما أود أن اسميه “أدب الدرجة الثالثة”. وهو كل ما يجد نفسه خارج ذاكرته وضمن ذاكرة هجينة وغير واضحة، وتتعرض لدورات غسيل وتبييض، وذلك بهدف التأسيس للسان يعبر عن المرحلة وليس عن الذهن، أو عن شروط المستقبل الموضوعي وليس شروط افتراضات الحضارة. وبعيدا عن الجدل البيزنطي لسان الرواية العربية لا يحمل جينات الثقافة العربية. وهو بامتياز ابن شرعي للسان أدب العالم الثالث، أو بأحسن الحالات لنمور آسيا. حيث أن الطبيعة تتآخى مع البشر وتشكل امتدادا لنشاطهم الليلي. بينما العقل يتآخى مع النهار ويشكل امتدادا لنشاط البصر فقط. ويمكن أن تقول إن الطبيعة في الرواية العربية تقدم للشخصيات والأحداث نقطة توازن. بينما النهار يحد من قدرة البشر على التحمل، ويضعهم مباشرة أمام مسؤوليات ظروفهم الاجتماعية. ومن هذه النقطة دخلت إلينا المؤثرات الوجودية والحداثة. فقد كان الترميز والإبهام أفضل دواء مسكن لآلامنا وجروحنا.

لا يمكن أن تجد أي أثر في الرواية للعقل العربي. حتى أن محاولات التأصيل تبدو لي اغترابية تماما مثل عباءة مستعارة. وفي مقدمتها الأسلوب الهمايوني للغيطاني. ويكفي في هذا المجال التذكير بمصير الثورة العربية.  لقد غادرت المركز وانتشرت في الأطراف. وسرعان ما أصبحت حاملة لمعايير المعرفة الغربية. ولم يعد للمشروع العربي الأصلي أي وجود. وحل محله أجندا وطنية بعدة أسماء ومصطلحات. لكنها بشكل أساسي تعبر عن خلق مجال حيوي للأفكار المهاجرة. وما حمل اسم الدولة الوطنية في الغرب أصبح لدينا يعرف باسم الدولة القومية. لقد ضاعت أهداف الثورة بين عدة احتمالات: الأمة من طرف والدولة من طرف آخر. وتشكلت بالمقابل عدة مشروعات نصفها رومنسيات وطنية. ونصفها الآخر رومنسيات فنية. وهذا أقرب تعريف عندي لمشروع “الحداثة”. فهي مشروع دون أدوات.

لقد وجدت الرواية العربية نفسها دون واقع ملموس تتكلم عنه مثلما وجدت الثورة البلشفية نفسها في روسيا دون بورجوازية وطنية تساعد على إذكاء المواجهة بين الطبقات. وأعتقد أن حرق الثورة العربية لمشروعها الأساسي فرض على الرواية أن تدخل في نفس الفرن، أن تحترق لتعيش. والرواية الناطقة باللغة العربية في الوقت الحالي ربما هي ترجمة رديئة لكتاب “أعمدة الحكمة السبعة” للورنس. لا يمكنك أن تجد أي فرق بين بناء الشخصيات والحبكة في هذا العمل وبين مشروع عبد الرحمن منيف مثلا. كلاهما يستعمل علبة الأدوات نفسها. وكأن لورنس يترجم منيف أو العكس، منيف يترجم لورنس. ويكفي بهذا الخصوص أن نعلم أن قائد الجيوش العربية عام 1948 كان الجنرال غلوب. وأن مرشد حكومة الثورة العربية عام 1918 هو لورنس، الجاسوس الإنكليزي المدرج في المخابرات الجوية الإنكليزية باسم روس، والممنوع من نشر مذكراته بسبب سرية وحساسية المعلومات حتى عام 1955. لقد كان موضوع الرواية العربية مثل أسلوبها موحى به. وكلما حان الوقت للكلام عن الذات والهوية نجد أنفسنا أمام فراغ أو فجوة. وهذا وحده يضع ذاكرتنا في فضاء الذواكر المنهوبة أو المزيفة. ولعل مشكلة إنكار الدور الريادي لجرجي زيدان في اكتشاف شخصية حديثة ومعاصرة للرواية من خلال ذاكرتنا التاريخية، ومنح هذا الشرف لمحمد حسين هيكل مؤلف “زينب” دليل على رهان المثقف العربي على الغرب. لقد كان أسلوب “زينب” إصلاحيا لكن موضوعها هو الراديكالي. بعكس جرجي زيدان الذي اختار الأسلوب الراديكالي والموضوعات الإصلاحية.

وأغرب ما في هذا الموضوع أن البدايات التي تدين بوجودها للنثر العربي (الموروث - بلغة الدكتور كاظم في مشروعه النقدي) كانت بمعاييرنا ساقطة فنيا. وقاده ذلك ليقول عن “الرواية الإيقاظية” لسليمان فيضي أنها لم تمتلك الوعي الفني الكافي. ثم يتابع قائلا “إنها لم تتجاوز الموروث إلا بحدود”. ويقطع بصوت أعلى في كلامه عن محمود أحمد السيد حين يرى أن روايته “في سبيل الزواج” عمل فني متكامل لأنها انفصلت كليا عن الأشكال القصصية العربية الموروثة (كما يقول بالحرف الواحد). ولهذا الكلام معنى واحد أننا لا نكتب روايات. وأن الغرب يعيد إنتاج نفسه بعدة ألسن ومن بينها اللسان العربي.

وهنا أجد نفسي مضطرا للإشارة لعدة ملاحظات أو قرائن:

1- المشروع العربي سبق الرواية بالظهور.

2- كان المشروع العربي جزءا من بنية السرد العربية. كلاهما خرج من قاعدة ثقافية متأثرة بالغرب ومعادية عرقيا وثقافيا للشرق الذي حمل لواءه العثمانيون.

3- استيقظت الرواية العربية من سباتها مع مناداة أدباء العالم الثالث بالتحرر من تأثيرات الحلم الأمريكي وليس الأوروبي. ومشكلة البحث عن هوية بعد الاستقلال كانت موجهة بالأساس ضد توسع الأمريكين لا الأوروبيين. وكل برامج الزنوجة كانت تدور في إطار فرانكوفوني تحرري هدفه الأول هو إطلاق سراح العقل الأسود المهاجر من قيود العقل الأبيض المهاجر. كان الصراع بين موجتي هجرة. وليس بين طبقة السادة وطبقة العبيد كما كنا نعتقد. وأعتقد أن الفرانكوفونية كانت تؤازر هذه السياسة من تحت الطاولة لأنها أول ضحية للنفوذ الأمريكي. وقد اكتسبت الرواية العربية شخصيتها بعد أن اشتد ساعد رواية أمريكا اللاتينية. ولا ضرورة للتذكير أن الأدب الروسي لم يلعب دورا هاما. وقل نفس الشيء عن الأدب الصيني. ودون أي جدال كانت حضارات المشرق غائبة تماما عن المشروع العربي الذي تطور بدوره داخل جدران الكنيسة الأرثوذوكسية. ويمكن أن أنظر لهذه الحقيقة على أنها جزء لا يتجزأ من سخرية القدر. فالنظرية الإصلاحية مقبولة حتى عند السياسيين المحافظين.  بتعبير أوضح حتى أحزاب حكومات الاستقلال تميل للكاثوليك والبروتستانت (بغض النظر عن الخلاف الروحي معهما).

4- ظهرت أول بوادر الرواية العربية بين الحربين. وهذا يعني أنها ولدت في ظل أعمق انكسار روحي يشهده العالم الحديث. وإذا كانت زينب رواية المرأة المكافحة في سبيل تحقيق ذاتها، فإن “أعمدة الحكمة السبعة” تكلمت بالنيابة عن المشروع العربي.  وكان كلامها بلغة السلاح وليس بلغة العاطفة ولا القلب. وأضيف إن “زينب” هي إسقاط للذهن على الواقع، ولا يمكن أن تتعرف من خلالها على أحوال الريف ولا الفلاح المصري. بالعكس من “أعمدة الحكمة” التي عايشت تشكيل الضمير العربي الحديث، وواكبت علاقة الإنسان العربي مع بيئته. بتعبير آخر “زينب” رواية مكتوبة عن الواقع العربي من خارجه كأنها تتأمله من فوق لتحت. بينما “أعمدة الحكمة” هي متابعة دؤوبة لدرب الآلام الذي سارت عليه القبائل العربية في منعطف القرن الماضي. وفيما أ رى لم يكن لدى العرب سيرة فنية، بل مجرد محاكاة لطبيعة البيئة التي فرضت نفسها عليهم. أما الشطط (الخوارق والمعجزات) فهي البضاعة المستوردة من دول الجوار (الممالك التي تمتلك قدرة على تنشيط مخيلتها العلمية - أو الخرافية إن صحت العبارة). وكل السير التي تناقلها الرواة لعدة عقود هي موضوعة حتما في أوقات متأخرة وتحمل علامات وآثار أول صدمة حداثة (الرحلة من الصحراء والبادية الفقيرة بوسائل الاستجمام إلى المدن - الأكروبول- حيث يعبر الإعجاز عن نفسه بالثقافة والهندسة والخلاعة. وهي أول علامة لحداثة الاستجمام أو الاتجار برأسمال طبيعي). لقد كان عقل المرويات العربية في عينيه، فهو يفكر بما يدركه ببصره وليس بما يهتدي إليه بحكمته. حتى أنه لا يحتاج لأن يتخيل، فهو يشاهد بعينيه رابع المستحيلات كالغول والعنقاء والشيطان. وبلغة فرويدية مبسطة هو كائن خصائي. بمعنى أنه يسعى لخصاء المجهول بما يمتلكه من قدرات مادية ومحسوسة. ولذلك كانت الحبكة موزعة بكل الاتجاهات وتنمو دون ضوابط ولا معايير، وتتراكم وبشكل فوضوي يذكرنا بمشكلة ما بعد الحداثة (8). فهي فلسفة لها هدف مزدودج: اغتيال الموضوع وتصعيد الذات مثل لغة “زينب” الموشاة بالزخارف على طريقة الروكوكو. أما لغة “أعمدة الحكمة” فهي مثال نموذجي عن محاكاة الواقع النفسي لعلاقة البيئة بالأشخاص. لقد كانت لغتها تحترق بأتون الأحداث، ولا ترفع صوت أفكار الكاتب فوق صوت الشخصيات (وهذه هي إشكالية “زينب” وكل جيل الرواد، ما عدا جرجي زيدان). وأعتقد أن خطة زيدان هي مثل خطة لورنس. فقد بدأ الاثنان من داخل البنية (ما يسميه زيدان “فذلكة”، بمعنى استعادة أو ثرثرة)، قبل الانتقال لتجريد الواقع (بواسطة الانتقاء والتحديد) ثم شخصنته (بواسطة الحوار وبناء الشخصيات). ومن الواضح أن لورنس هو من كتب عن “المناظر والأخلاق العربية” وليس هيكل كما ورد في عنوان روايته، حتى لو أنها سبقت لورنس بما يقل عن عشرة سنوات بقليل.  وبالمختصر المفيد يمكن أن تقول عن “زينب” أي شيء إلا أن أنها رواية عربية. وبنظرة واحدة من قائمة مؤلفات هيكل تعلم أنه كاتب متأسلم. ربما أضاف لعلبة أدوات الرواية لوحة مفاتيح عربية، لكن هذا المشروع كان غائبا عن ذهنه. وللأسف توجب علينا انتظار جاسوس إنكليزي لنتعرف على أنفسنا وعلى جرحنا الحضاري وغرفة الإنعاش التي نمر بها. ومنذ المقدمة يحدد لورنس الغاية من كتابه بقوله صراحة: هو عن اعتداء الحكم التركي الجائر على الشخصية العربية، وعن الذكريات العنصرية والسياسية والتاريخية للعرب (ص 16). ليضيف بعد أقل من سطر: إنه كان يبحث مع العرب في متاهات من الرمال عن شكل من أشكال الوطن. وإنه بذل جهده معهم لتحويل الواقع اللغوي المشترك لواقع جغرافي ملموس (ص 16). أو كما ورد بعد عدة صفحات: لتجسيد الوجود القومي العربي (ص 9) (59).

لقد حمل لورنس أعراض مخاض الرواية الغربية التي تكفلت ببناء وعيها الخاص عن عالمها. وبتعبير رامي أبو شهاب(10): كانت “أعمدة الحكمة” وعيا للذات ضمن شروط الواقع الحاضن. ويمكن تفسير ذلك بشبكة العلاقات بين الوعي المجرد وأساليب الإدراك. فالوجود يحتاج لمن يعقله فنيا، والظواهر الفنية بحاجة لمن يدرك أساليب نشأتها وظهورها أو خروجها من الوعي الباطن وتشكيلها للتمثيلات والمفاهيم.  وبهذا المعنى يوجد لنظام المعرفة عند لورنس جانب ذاتي (أو فني ومعرفي) بالتوازي مع جانب موضوعي (أو واقعي). وهو ما لا يتوفر في الرواية العربية التي تدين بالجانب الأول من المعادلة لمرجعياتها المعرفية وليس لوضعها في الوجود أو لنزوع يتطور من تجاربها. ولذلك لا تخلو سيرة لورنس من عدة نقاط تشابه عجيب مع ذاكرتنا الشعبية، وبالأخص المشكلة الدرامية لأبي الفوارس عنترة، ومن ناحيتين: بسالته أولا، ثم تفكيره الدائم بحريته. ويمكن القول بسهولة إن لورنس هو إعادة كتابة معاصرة لشخصية عنترة. فهو مثله دائم التجوال بين المضارب في الصحراء، مهموم دائما بالبحث عن مصادر الكلأ والمياه العذبة، ويخرج من معركة ليدخل بمعركة. ويتخلل ذلك استعمال الدهاء والكيد للإيقاع بالعدو مع مواقف تدل على شهامة ومروءة عربية أصيلة. كان كلاهما بصورة نصف إله. والفرق بينهما أن لورنس يبحث عن حرية الجماعة بينما عنترة يبحث عن حريته الشخصية. وإن لم يكن لورنس ينظم الشعر ليفتخر ببسالته في الحروب فهذا لا يعني أنه لم يكن نرجسيا، ولكنه وظف الحساسية الشعرية باستعمال أشكال من التقابل والطباق بين جبروت الطبيعة الخلابة وضعف بني البشر. أيضا استبدل لورنس قصة هيام عنترة وعبلة بفكرة هيام العربي بأمجاده. وجهود عنترة للقيا عبلة توازيها عند لورنس مشاق البدوي للوصول إلى مستقبله. ومع أن الاثنين لهما مشروع وجودي، غير أن لورنس أقرب بمشروعه لما يعرف باسم روايات الطريق (بعد أن تضيف لها هدفا ساميا ونبيلا. وتجردها من القشور الميتة التي تخفي وراءها الهم النضالي). لقد بذل لورنس جهده لاختزال معنى العرق بمضمون سياسي معاصر هو المواطنة أو الهوية. لكنه لم يتمكن من إسكات اللاهوت الشرقي الذي تدخل بشكل حاسم في توجيه بنية روايته، ولا سيما باختيار فلسفة النهاية المفتوحة. وأدى ذلك بالضرورة لإلقاء جميع الشخصيات (من ناحية المعنى وليس الصور) في التيار الجارف الذي يدعوه أهل المشرق: القدر، وأحيانا الإرادة الإلهية (وتعود هذه الفكرة للظهور في جميع بواكير نجيب محفوظ تحت اسم مختصر وغامض هو: المشيئة).

إنه مهما اختلفت الآراء لا نستطيع أن نستبعد الأصول الاستشراقية للمشروع العربي، والرواية جزء منه. غير أن عمليات التحديث هي التي دفعت حكومات الاستقلال للنظر إلى المشرق بعيون غربية. ومثلها المشروع القومي، فهو أجندا تلفيقية مستعارة، نصفها من الرومنسيات الأوروبية الوطنية، ونصفها الآخر حزمة من الأفكار التي اشتركت عدة تجارب في انتاجها ومن بينها الواقع المحلي. أما بكم تدين الحداثة للواقع؟؟!!. ربما أقل من 10 بالمائة. وهذا ينسحب أيضا على موجة التنوير الأخيرة. فهي موزعة بين ليبرالية غربية (ماركسية رأسمالية إن صحت العبارة) وديمقراطية (دستورية). وبين هذين القوسين لا تزال الرواية العربية تعيد إنتاج ماضيها. مع تبديل طريقة استجابة العقل للعاطفة، من أسلوب المناظرة مع الآخر (كما في زينب وروايات المنفلوطي التي جاءت بعدها) إلى أسلوب المناظرة مع الذات (كما في مشروع جرجي زيدان) وهو من المشاريع المظلومة. والعدل يقتضي تصحيح الصورة. أن نعترف بدور جرجي زيدان في الريادة الفنية، وتحرير ذاكرتنا الفنية من الأفكار القديمة الجاهزة. وبالمقابل أن نضع المنفلوطي بسياقه التاريخي ونقر بخدماته الجليلة من ناحيتين.. كشف عيوب أخلاق التخلف. وكشف مصادر مؤلف “زينب”. فقد كان جريئا بما فيه الكفاية ليعترف بصوت مسموع أن سرديات التنوير هي تمصير وتعريب. وأن دورنا ينحصر بالدوبلاج أو نقل الأفكار والأدوات من بلد المنشأ لبلادنا. لقد كانت الرواية هي العلامة المكتسبة التي دلت على تعميق خط تحرير مجتمعنا العربي من نفسه، والإيذان بدخول المجتمع العالمي (أو عصر الحداثة).  روايات المنفلوطي ليست إلا حلقة إضافية من اختراق أوروبا لقوانين عالمنا. بعد البارود والمطبعة كان لا بد من استبدال القوالب العربية للخيال بقوالب وصور فرنسية. وبالنظر لتاريخ نشاط المنفلوطي (توفي عام 1924) نستنتج أن مشروعه التلفيقي وئد يوم ولد مشروع لورنس التأسيسي.

5- مرت الرواية العربية بعدة محطات فشل. وعلى رأسها ما يعرف بالرواية الريفية. وأعتقد أن كل رواياتنا هي نتاج حضري وتكهنات مثقفين. ولا يوجد عمل واحد يصل لمرتبة “تورتيلا فلات” لشتاينبك في رهانها على الطبيعة الصخرية والرعوية. أو مرتبة “بيدرو بارامو” لخوان رولفو الذي وضع ثورة الفلاحين في سياقها الطبيعي. وما تبقى لدينا من أعمال نموذجية عن الريف هي إعادة تصور لريف متمدين، أو لمدن ذات أخلاق ريفية. وعمليا ليس لدينا رواية نقية. ومثلما كانت ثوراتنا مدجنة، وتعبر عن قلق دولي من واقع الشرق الأوسط، كذلك كانت الرواية. تحمل كل فوضى ولا يقين الوعي الباطن. ولكن بدواعي الحقيقة يمكن الكلام عن رواية بيئية هي نتاج عقل كوارث أو دايستوبيا واقعية. ويمكن ببساطة أن تجد في كل روايات المخاض الاجتماعي والسياسي صورة مباشرة لدايستوبيا لا تستطيع أن تحلم برعب أكبر وأوسع ما صورته. ويكفي هنا أن تتذكر المحنة التي لاقاها بطل “حارس التبغ” لعلي بدر، على سبيل الذكر، وهو يكافح ضد قانون الأرض المجهولة والواقع المعلوم. وما ترتب على ذلك من نزوحات متتالية، كل منها تعبر عن موجة تهجير إجباري طال المجتمع كله. وهذه هي نفس النغمة التي عزف عليها لورنس في “أعمدة الحكمة”. فقد كان مشغولا بالبحث عن موضوع غريب لشكل فني جاهز. وبلغة أخرى: وضع لورنس القضية العربية على سرير بروكست فني. وهذا هو جوهر التمثيل الاستشراقي بالضبط.

6- العلاقة بين الرواية العربية ومصادرها علاقة جدل تاريخي. وهي جزء من ظاهرة صراع الأجيال، وليس نفي المصادر. وبرأيي إن ما نسميه البحث عن هوية عروبية هو مجرد تعبير مهذب عن عقدة أوديب. إنها تعمل على نحر الأب (أو الشكل الأبوي) ولكن دون أي رغبة بامتلاك الأم. وربما تبدو لنا الرواية المعاصرة مثل ولد يتيم، كائن غير مسمى يبحث لنفسه عن مكان أو حدود لتجربته الوجودية. ومثل هذه البنية مختلفة عن تجربة العقل اللاتيني الذي يقوم على فكرة المغالبة. ويمكن أن تفهم من ذلك أن المضمون في الرواية العربية تحرري، لكن الأساليب كلها قمعية وبطريركية، وبعيدة كل البعد عن ظواهر التكوين (جينيتيكوس) التي يميل لها العقل اللاتيني بطبيعته (وبالمعنى الذي تكلم عنه لوسيان غولدمان / التكوينات الاجتماعية وليس الطبقات - صراع الأضداد وليس النزاع على مصادر الثروة). وبودي أن أضيف إن المشروع العربي الحديث ولد مع سردياته. ومثلما كان يدين بأدواته للمؤثرات الخارجية، دخلت هذه السرديات أيضا بمركبة عسكرية أجنبية. وهذا لا يلغي عروبة المشروع وشخصيته بقدر ما يؤكد حقيقة لا يمكن التغاضي عنها. أما كل ما سبق ذلك من محاولات فقد جاءت للتعبير عن مصير هجرة الكفاءات والعقول وتبرمها مما يفرض عليها من جيوب جامدة ومحرومة من الحس التاريخي ومنطق التطور.

***

وفي النهاية يطيب لي التنويه بحقيقة لم يكلف أحد نفسه أن يقف عندها وهي المعنى أو الحكمة المرجوة من هذه المؤثرات وطريقة عملها. هل جاءت عفو الخاطر أم أنها عملياتيا جزء من نظرية داروين في “أصل الأنواع” و“التنافس على مصادر الإضاءة”؟..

إذا كانت أول موجة نهضة عثمانية هي التي سهلت على العرب انطلاق أول موجة من موجات “التنوير”. وبالتالي دشنت ما يعرف بأدب الرحلات وما نجم عنه من روايات مبكرة ثم روايات “طلب المعرفة” و“صراع الحضارات”. وأمثلتها أشهر من نار على علم، ومنها “عصفور من الشرق” و”الحي اللاتيني” و”الظمأ والينبوع” (والأخيرة للسوري ابن حلب فاضل السباعي)، وهي من الأعمال المنسية أو المركونة في صندوقنا الأسود، وهو صندوق مفاجآت معرفية ودالة، فإن الحرب الباردة وصراع الإرادات، واتساع رقعة الحلم الأمريكي، هو الذي فتح لنا باب موجات التنوير الثانية. ومنها تدفقت هذه المؤثرات على الصعيد الفني والمعرفي أو على صعيد جماليات الموضوع. ولدي أكثر من سبب لأنتقل من تفسير هذه المؤثرات إلى تسميتها وتقنينها. وأجزم أنها شكل من أشكال تحديث المثاقفة. وهي الوجه الآخر للحداثة الأوروبية الميتافيزيقية. فقد بدأ مشروع تحديث أوروبا مع احتلال القدس، وكان مشروعا روحيا، ولكنه أصبح بعد قيام دولة إسرائيل مشروعا ماديا يدعو للتبرئة، ويضع الشرق في سياق فوق تاريخي وفوق واقعي، أو سياق فانتازي تخيم عليه أزمات الغرب وسقطاته وذنوبه. وهو بالضبط المعنى المعرفي لظاهرة الاستشراق. وبتعبير شيلبي باسيك shilpi Basak إن ما يجري هو مراوحة بين الشعور بالغربة المعنوية والانتماء لبقعة جغرافية غريبة تعزز على نحو كبير (ومن طرفي المعادلة) هوية الإنسان. وهو ما يعرض هذه الهوية لمجموعة من التناقضات: كالجذب والإبعاد والاغتراب والطمأنينة (ص11)(21). بمعنى أنها تمهد لتجسيد أوهامنا بشكل حقائق، و تحويل التجربة الحقيقية إلى ذاكرة. وهذا يساعد على استكمال مشكلة “وعينا الشقي” باليوتوبيا.   

وإذا كانت رحلتنا للغرب بهدف التنوير والبحث عن القيم الروحية بين ركام المادة والمعرفة، فإن رحلة الغرب باتجاه الشرق كانت لترميم الجزء الميت من الروح، وللتستر على الذنوب والنوايا الحقيقية بستار من الغموض واللاتناهي. وهو ما تجده بأوضح أشكاله في مشروع هرمان هيسة ولا سيما: سدهارتا، ورحلة إلى الشرق، وذئب البراري.  والعمل الأخير رواية نيتشوية تركت بصماتها على “الغرف الأخرى” لجبرا، كل غرفة تفتحها تقدم لك تفسيرا يخل بنظام المنطق ويضع الكائن أمام احتمالات مفتوحة على الرعب والشك.

 

د. صالح الرزوق

حلب / 2020

..........................

هوامش:

7- الجغرافيا التخيلية. جريدة تاتو.عدد 81. 2017. ص10.

8- أعتقد أن ما بعد الحداثة تعيد عقارب الساعة للوراء. فهي توطين لدكتاتورية الكاتب مقابل اغتيال عالمه. وأهم مثال تطبيقي معاصر تجده في روايات أولغا توكارشوك. وسبقها في الشعر مواطنها جيسلاف ميوش. لقد  عمدت توكارشوك في النثر وميوش في الشعر لبناء عالم غير هرمي ينمو بشكل مريض ويعاكس مبدأ تقييد الصورة المعروف الذي وضعته جمعية فاراداي لأغراض اقتصادية منذ فترة ما بين الحربين. وأشهر من نظر لهذا الخطاب المعاكس هما فوكو ودريدا. فالنزوع الموسوعي الذي يغطي مراحل هامة من تطور البشرية في كل الاختصاصات يعبر عن رغبة مبيتة للشركات متعددة الجنسيات في تجاوز خطوط العزل المعروفة وبناء إمبريالية تقضم العالم. ويمكن القول إن نزوع قتل العالم ودكتاتورية الكاتب من الاتجاهات الميتافيزيقية التي لا تحتكم لمنطق العمل الجماعي وتؤمن بشمولية الأفراد أو مبدأ الإنسان الكلي.  وبكل سهولة يمكننا مقارنة رواية “الطيران” لتوكارشوك مع الأغاني للأصفهاني أو رسالة الغفران للمعري. فهي تعمل وفق مبدأ من كل بستان زهرة، وتؤاخي بين أشكال الكتابة ابتداء من الخبر حتى القصة القصيرة، ودون تردد أجد أن حدود النوع لديها تدخل في عداد الحداثة السائلة أو الحداثة المستمرة التي بدأت مع شعراء بني أمية وتحولت لتجريب بين الأساليب والثقافات في العصر الذهبي للدولة العباسية.

9- أعمدة الحكمة السبعة. الطبعة العربية. المكتب التجاري. بيروت. 1963.

10- الأدب: الوعي والفينومينولوجيا. القدس العربي. عدد 8 أكتوبر 2020.

11-

Postcolonial English Literature: Theory and Practice. Edited by: Dipak Giri. Authors Press. 2018. India. pp223.

 

 

صالح الرزوقإنما أهم اختلاف في منهجية الدكتور الخطيب وكاظم هو في متابعة جماليات المكان. مع أن الاثنين يربطانه بتحول الواقع والمجتمع فهما ينظران له بشكل متعارض. ففي سوريا ومصر تحتل العاصمة مكانة مركزية وترمز لعموم البلاد. نقول عن دمشق الشام، وعن القاهرة مصر (وغالبا يتبع ذلك أم الدنيا). ولكن لم نسمع مثل ذلك عن بغداد. وربما لهذا السبب نظر كاظم للرواية على أنه فن المدينة. والحق يقال احتلت بغداد معظم مساحة الرواية العراقية، وحتى الروايات المهاجرة، ومنها أعمال غالب هلسا ونعمات البحيري (مصرية) كانت لا ترى من العراق غير عاصمته. وفي الذهن “وجوه بغداد الثلاثة” لهلسا وبعدها “أشجار قليلة عند المنحنى” للبحيري. ولكن أجواء الرعب التي رسمها الكاتبان يمكن تعميمها على عموم أرجاء العراق. بمعنى أن بغداد كانت عينا سحرية أو عدسة مقربة تنظر منها لكل ما يجري في العراق، وهو يمر بلحظة تحول حاسم من تاريخه. ويرتبط بالفعل جو الرواية العراقية بمدينة بغداد ونهر دجلة (أكثر من نهر الفرات)، مع أنه معروف باسم بلاد ما بين النهرين. لماذا هذه العين العوراء، وأين ذهبت العين الثانية؟؟.

لا شك أنها مغيبة، وتحجبها إرادة النقد الأدبي. فالبصرة وكركوك من المدن المنافسة لبغداد في مساحة التجربة الروائية، لكن كان نجم كاظم يركز على الثنائي المعروف التكرلي وفرمان، وهما من أبطال حواري ومتاهات بغداد. وهذا يعني أنه قفز من فوق تجارب قصي الشيخ عسكر ومحمد خضير وجمعة اللامي، وهؤلاء من أبطال الجنوب، وتحديدا البصرة وما لف لفها. وحتى لا يخيب ذهن أحد، لا بد من الدخول في الحيثيات. كانت دراسة الخطيب مهتمة بالفضاء المعرفي وفضاء رموز السلطة أو المدينة الجامعية وحياة الطلبة، ثم القرية وبيت المختار والمخفر وحياة الفلاحين ومعلم المدرسة الأفندي المغترب. بالمقابل لم يغادر نجم كاظم أزقة بغداد مع أن للرواية العراقية رصيد هام خارجها، وأذكر على وجه التحديد الصحراء والبادية (في مشروع عبدالرحمن منيف) والمعتقلات والسجون (في بقية المشروعات وعلى رأسها فاضل العزاوي حميد العقابي ومحي الدين زنكنة). وتخترق هذه الجبهات أمكنة مجهولة أو أمكنة غير مسماة. وتدور الأحداث في مدن ليس لها وجود على الخريطة كما في “ويبقى الحب علامة” لزنكنة و”شرق المتوسط” لمنيف. فالمكان هنا لا يعبر عن قيمة فيزيائية متبدلة، ولكن عن قيمة فانتازية متغيرة. وبها يقيس بقية الثوابت التي لا يخلو منها الشرق لا القديم ولا المعاصر. والمقصود بذلك الجور والدكتاتورية والسادية. حتى أن المكان ينقلب من مهد أم حنون لمكان جارح وأداة تعذيب لتكسير الرؤوس. أو أنه يعبر عن حالة حصار سياسي وطبيعي، وتتجلى في النهاية بحالة حصار حضاري. وينتبه نجم كاظم لذلك في واحدة من لمحاته الذكية حين يقول: إن التحولات لحقت بالنماذج والأحوال وغلبت عليها السلبية. أو أن موقف الرواية منها كان سلبيا. ويسأل نفسه لماذا كل هذا الضعف وخيبة الأمل؟. ثم يجيب نفسه أيضا بقوله: لأن الروائي جزء من مجتمعه والمجتمع العراقي لم يعاصر غير النكبات والمآسي.. (ص 72). ويترتب على ذلك مشكلة لها علاقة بالنضج الفني. وهي أن يفصل الروائي ذاته عن ذوات شخصياته (ص79). ويقدم الدكتور كاظم مثالا هاما على ذلك من خلال دستويفسكي الذي لم يكن يفرض نفسه على لغة مواقف شخصياته. وبلغة باختين (والكلام للدكتور كاظم) يعقله على أساس أنه أنا غيري (ص80)، أو أنت وليس أنا ولا هو. ويوجد فرق واضح بين استعمال ضمير الغائب وأسلوب المخاطبة. فهذا يضمن للشخصيات التورط بحوار إدراك ماهية مع ذات المؤلف (المنتج الثانوي لوحدات السرد والمنتج الأول للبنية).

ويبدو لي أن العقل السلوفيني قد ترك بصمته بشكل واضح على الشخصيات الروائية في العراق. فهما نتاج نفس الشجرة التي تعتمد أسلوب الإدارة المركزية في الحكم وليس أسلوب التحاور مع الذات الوطنية (وهي مرآة عاكسة لحقيقة المعنى الملحمي الذي يدفع عربة أو قطار المجتمع على القضبان). ولكن دستويفسكي هو ماكينة إنتاج على نطاق فائق الحجم، ولا يوجد لديه أية مصالحة بين الأفكار والعالم، وتغلب عليه صفات الإنكار والعدمية أو إلغاء الحقيقة والتهرب من آثارها. في حين أن الرواية العراقية تدين لماكينة إنتاج أصغر بالحجم. فهي أقل شمولية وأقرب للتخصيص. بمعنى أنها تحاصر ذاتها المستلبة بسقوط موضوعها. وهكذا تجد أن بغداد مدينة مغلقة على نفسها وعلى المحتويات الموجودة فيها من جماد وعاقل. ويمكن أن تؤكد على هذه الحقيقة من خلال رموز فرمان. إنه يوظف عناصر بصرية بسياق إفرادي كالنخلة والسفينة وشارع ضيق وليل طويل والنافذة ويسلط عليها تجريدات إنسانوية بصيغة الجمع مثل صيادون والجيران.  وإذا وضع العاقل بصيغة المفرد فإنه يضطر لتعريفه باستعمال أسماء وألقاب تامة مثل السيد معروف وسراب عفان ووليد مسعود وسوى ذلك. فهل كان ينظر للطبيعة على أنها شيء يكتفي بذاته، وللمجتمع على أنه تراكم مجموعة أشياء ذاهلة عن نفسها وتمر بحالة غيبوبة أو خلع حضاري؟..

2275 القصة القصيرة

أعتقد أن هذا هو المرجو بالضبط من الرواية العراقية الجريحة التي من المفترض أنها تنقل إلينا تفاصيل وأسباب جرح عميق يخترق طبقات الذات النفسية عموديا ووفق تناقضين هامين: عالم الذاكرة البعيدة التي تعتاش على أمجاد بغداد مدينة السلام أو المدينة التي ابتلعت حضارة بكاملها وتحولت لصورة ذهبية عن مرحلة لا يدانيها شيء اليوم إلا واشنطن وبقية الميتروبولات الاستعمارية في أوروبا الناهضة. وعالم الذاكرة القريبة المعذبة والتي تحفر قبورها وهي تحتضر.

وأعتقد أن هذا الإحساس الجمالي بالمدينة ووعي الشخصيات لها هو مجرد حامل لوجهة نظر مسقطة عليها بالقوة. فالذاكرة صنيعة الآخر وليست صنيعة الذات. وهي أيضا حصيلة تراكمات وعي لا سلطة له على ذاته. فالوعي ثقافة، والثقافة حضارة، مفسرة والحضارة في نهاية المطاف فارغة من أي محتوى إلا مضمون القوة، سواء القوة الناعمة أو التقليدية. وقد أدرك باختين ذلك حينما عزا لدستويفسكي هبة الخلاص الذاتي بتصعيد الروح أو قوة التطهير المسيحي بحيث يكون الفادي هو المخلص والمنظف، أو يكون الواحد بخدمة الجماعة. وكم هناك من فرق كبير بين هذه الحالة التضحوية وفلسفة الفرسان الثلاثة (نتاج العقل الرومنسي اللاتيني) والتي تنادي بالواحد للكل والكل للواحد. فهذا الديالكتيك غائب بالإكراه عن فلسفة المشرق كله حيث يكون المجتمع بخدمة الطاغية الذي يتحول إلى إله كلي القدرة. ومن معطف هذه الفكرة أو من تحت عباءتها خرجت كل روايات حرب الخليج الأولى (بشعارات عروبية) وحرب الخليج الثانية (بشعارات وطنية تحررية) لتصب وتنتهي عند حرب الخليج الثالثة (بدعوى تحرير البلاد من نفسها وتحرير الإنسان من دولته). وكان الدكتور كاظم محقا حين انتبه لحقيقة أن الرواية الروسية والعراقية لا تقع أحداثها في الماضي بل في الوقت الحاضر(ص80) لأنه لحظة متطاولة مثل نبضات قلب ميت، كل شيء حوله يتبدل وهو على ما هو عليه. 

ويلاحظ الدكتور كاظم مشكورا قفزة نوعية في أسلوب تقديم الشخصيات، بينما يكتفي الدكتور الخطيب بمتابعة موقف الرواية السورية من تاريخ منطقتها أو من مرحلة ذات أهمية تاريخية. وهذا يعفي الدكتور الخطيب من متابعة وعي كل شخصية بالواقع. في حين لا يتأخر الدكتور كاظم عن تصنيف أسلوب ظهور الشخصيات على مسرح الأحداث بواحدة من طريقتين: مباشرة إخبارية، وغير مباشرة استبطانية يتقمص بها الروائي شخصياته (ص 95). بمعنى أنه يلبس لكل حالة عباءة خاصة بها، أو أنه يضع لكل مقام مقال. وطبعا يوجد تفسير بسيط لهذا الفرق النوعي، وهو الغاية الأساسية من الرواية. فإذا كانت في بواكيرها في أوروبا مكتوبة لتسلية العجائز والسيدات (كل من يعجز عن المشاركة بالحروب الاستعمارية والتوسع)، فقد تحولت للتعبير عن هموم الأفراد أو أبناء الطبقة المتوسطة. بمعنى أنها كانت مكتوبة لفئة تتعايش مع مخيلتها قبل أن تتحول لنوع من التطهير أو السباحة بتيار الأحداث الجارف. وهذا يعني أيضا أنه طرأ انتقال من حالة التخدير الحضاري (التبرير) لحالة المعاناة والعذاب (الاحتجاج). ويمكن أن تجد ما يشبه ذلك في بواكير الرواية العربية. فقد كانت مكتوبة للمتعلمين فقط قبل أن تتحول لمعايشة يومية عن طريق الرواية التلفزيونية وتحويل الروايات لأفلام. بالإضافة لبرامج تطوير صناعة النشر المدعومة من الدولة أو من اليونسكو. وربما يفيد هنا أن نذكر أن معدلات الأمية انخفضت من 98% في عموم البلدان الناطقة بالعربية عام 1860 لأقل من94% بقليل عام 1920. وبلغت 80% بالضبط عام 1960 لتهبط لما دون 35% ببداية عام ( 2010)  (6) . ولكن أيضا هذه الأرقام قد لا تدل على شيء له معنى حدي. فالتعليم لا يدل بالضرورة على المتابعة. وتوجد أمية مقنعة كما تشير الإحصائيات. وأهم ما يشجع على الانتقال من المتابعة إلى التقمص في تقديم الشخصيات عند العرب هو توسع الاقتصاد المنزلي على حساب اقتصاد العائلة أو العشيرة. وساعد على ذلك لحد كبير سياسة الإسكان في الدول (الفقيرة والغنية على حد سواء). فهي تسجن كل أسرة في مساحة ترسم المعاناة حدودها، وهذا ما يحول الإنسان من مشارك ببيئة مفتوحة إلى شخص معتزل ومتنسك ومتحصن بأسراره الشخصية. وبالتدريج احتلت المكتبة في المنزل مكان التنور (لإعداد الخبز) أو مكان السيلو (لتخزين المؤونة - الدقيق لإعداد العجين - والحطب لإضرام نار الطهي)، أو حتى مكان الماشية والدواجن التي كانت عمودا أساسيا في الاقتصاد العائلي.

***

أما آخر نقطة اختلاف بين منهج الخطيب وكاظم تجدها في طريقة شرح وتفسير الحوار.

ينظر الخطيب لكلام الشخصيات على أنه آلية مشروعة لنقل المعنى ولمنح الشخصيات مساحة ديمقراطية يعبرون بها عن أفكارهم دون إملاءات من شخصيتين: افتراضية وهي الراوي، وفعلية وهي المؤلف. ويفكك الخطيب الحوار مثلما يفكك بقية الرواية: الحبكة والمشاهد والمونولوجات.

لكن يعزل كاظم الحوار في أنابيب اختبار خاصة ويحاول أن يقرأه من ناحيتين: المعنى والمستوى، أو علاقته بشريحة المتكلم بغض النظر عن الروائي. ولذلك هو يقسم الحوارات لنوعين: بالفصحى وبالعامية. ويتابع ظهور كل شكل على حدة، ويؤكد أن الحوار منوط بالشخصية المتكلمة (ص114)، وأنه أداة تساعد على رسم الشخصية ومعناها (ص126). ولا ينسى الإشارة لتنويع الحوار في الرواية الواحدة وأحيانا بين الروايات. فهو تارة بالعامية وتارة بالفصحى. بتعبير آخر كان الخلاف بين الشخصيات وبين اللحظات السردية وأيضا بين الروايات. بمعنى أن الظاهرة الألسنية كانت عابرة للشرائح الاجتماعية وللنصوص. وهي تعبر ولا شك عن قلق فني لا تخلو منه رواية عربية. فالحوار أساسا شيء والكلام شيء آخر (ص124). وببساطة إن الحوار قانون فني لكن الكلام نشاط ألسني. ولمزيد من التوضيح يمكن أن ينعقد الحوار بين متحاورين دون أن يعمد أي واحد فيهم لإطلاق لسانه (دون أن يتكلم). وبالاستطراد الحوار هو جزء من العقد الاجتماعي بين الإنسان وذاته، وهو الضامن للتعبير عن هوية المفرد ضمن الجماعة، ويمكن أن يقدم لنا تفسيرا لحالة الحضارات (عند عبد الخالق الركابي في “سابع أيام الخلق”) وحالة الأعراق والتكوينات الاجتماعية (عند برهان الخطيب في “شقة في شارع أبو نواس”). أما الكلام فهو تعبير عن موجود متعين للكائن، وهو تقويم لما لا يمكن ضمان تقويمه. وبلغة باختين: إنه أي خطاب دون هدف. وربما هذا يضع وجودنا كله بين قوسين. فالكلام هو تحقيق لوجود الكائن والحوار هو تحقيق لمشروعيته في وجوده. وعليه أعتقد أن كل رواياتنا العربية صامتة مثل معظم الروايات الأوروبية باستثناء مشروع جيمس كيلمان (في اسكوتلاندا) فرواياته كلامية، وتعتاش على جراحها، وتقترح للرواية وظيفة أن تكون مقاومة أو أداة للنضال ضد الإلغاء وخير وسيلة لتعويم الذات. وهذا لا يعطينا الحق لتصنيف أي من الأسلوبين بالطريقة التي صنفتهما به حلقة براغ وقبلها الشكلانيون الروس، وبالأخص باختين. فالحوار يمكنه أن يكون مونولوجيا وديالوجيا. لكن الكلام هو ديالوجي دائما. وأعتقد أن تجاور كل هذه القطاعات في أي عمل (بنفس توزيع البلورات في بنية عضوية ملموسة ومنظورة - لو استعرنا من هيرل مصطلحاته في دراسة المتعضيات والمواد الصنعية) هو جزء من المعنى الكرنفالي لإيقاع السرد. لكن مشكلتنا أن الرواية العربية مترددة دائما، لا تقطع برأي، وتنتقل عشوائيا بين هذه المستويات، وتحول نشاط التعبير والتواصل لما يشبه لوحات متقابلة أو متجاورة.

وللتوضيح. توجد منهجية تتطور من بنية واحدة عند همنغواي على سبيل المثال (وهي اللغة المبسطة) وعند جيمس كيلمان (من اللغة المحكية بكل ما تنطوي عليه من أخطاء واعتداء على القواعد وخروقات للنحو). بينما يوجد غموض وقلق وحيرة تصل لدرجة الخوف من التعبير عن خلجات النفس واللسان في الرواية العربية. وهذا جزء لا يتجزأ من أحوالنا بشكل عام. الخوف مما نجهل، حتى أنفسنا، باعتبار أننا أرقاء للمجتمع الدولي وللنظام ولمافيا النشر، وأخيرا لمافيا الشارع أو حركة الكتلة الشعبية المحرومة من الحس التاريخي والمستسلمة ببلادة ليد القدر الجائر. كل هذه الإشكالات لا بد أنها ستضغط على ذات الكاتب ليتكلم بعدة أصوات من أجل الوصول لخلاصة ضعيفة عن هشاشة حياته وعن انكشافه للمفترسات والضواري في السياسة والمجتمع. وهو ما يسميه الدكتور كاظم في واحدة من عباراته المضيئة والحكيمة: التعبير الجمالي عن تأزم الإنسان الفرد (بمعنى المواطن الطيب) ص 105.

 

صالح الرزوق

.......................

هوامش:

6- انظر:

Literacy.  Max Roser and Esteban Ortiz-Ospina, world literacy organization. An-nual report. 2018.

جدير بالتنويه أنني لا أعول على هذه الأرقام. من يعلم كيف تم تجميعها وتبويبها. وإذا دخلت بالتفاصيل ستشعر بالدهشة ولن تصدق عينيك وأنت تقرأ. فقد ورد أن نسبة الأمية في العراق تصل لـ 49.9 عام 2018. بينما تبلغ في سوريا 10.5 عام 2016. والبلدان متجاوران ويتبعان سياسة واحدة في مجانية التعليم وإلزامية الدراسة. بينما هي 3.8 في تركيا عام 2017. وكلنا نعلم أن جنوب البلاد يمر باضطرابات وهو موزع بين عدة ألسن قومية أهمها اثنان: العربي والكردي. أين المنطق؟؟؟!!!.(هذه الأرقام مذكورة في إحصائيات: كتاب الحقائق الدولية CIA). نسخة عام 2020 الصادر بتاريخ 14 - 5 -2020.

 

 

حميد الحريزي(أقذر الفساد ما كان يحتمي خلف أسم الله) ص73

(ياتي زمان على أمتي القابض على دينه كالقابض على جمرة) النبي محمد(ص)

العنوان

ثلاث وستون عنوان الرواية دلالة على عمر التقاعد الالزامي للموظف في الحكومة العراقية ومايسمى بسن التقاعد والذي اصبح الان وحسب القانون الجديد 60 عاما، حيث يقدم موظف الخدمة العامة عصارة عمره وشبابه وخبرته العلمية والمهنية من اجل الصالح العام، ونحن نتحدث هنا عما يفترض ان يكون عليه موظف الخدمة العامة وما عشناه خلال كل فترات الحكومات السابقة، حيث التفاني والامانة والنزاهة والابداع الا ماندر من المرتشين والفاسدين محل نبذ واحتقار من المجتمع ومحل المحاسبة والعقاب من قبل الحكومات على الرغم من قلة الرواتب وهزالة المعاشات ولكن مع وفرة في القيم الانسانية والوطنية والاخلاقية النبيلة .

ولكن للاسف الشديد انقلب الحال في زمن الديمقراطية واصبح الفاسد والمرتشي هو السائد والنزيه والشريف والمضحي عملة نادرة ومحل تندر السفهاء لانه لم يلتحق بركب الفاسدين ويبقى يعيش حياة الفاقة والضنك والتهميش.

وبدلا من تكريمه وتثمين جهده وماقدمه من خدمات لبلده ولشعبه خلال فترة خدمته الطويلة كما يجري في اغلب بلدان العالم التي تحتلرم مواطنيها وتكرم من يستحق التكريم وتوفر له كل اسباب الراحة من سكن وسفر وخدمات صحية وحتى زيادة في راتبه على ماكان يتقاضاه اثناء الخدمة لتوفر له حياة كريمة، للاسف في بلدنا يترك يعاني الكثير من المشقة والعناء والروتين القاتل اثناء انجاز معاملته التقاعدية التي قد تستمر لاشهر حتى تكتمل، كما ان راتبه يقلص الى مايقارب النصف مما كان يتقاضاه اثناء الخدمة وليس ههناك اية ميزات صحية او ترفيهية خاصة بالمتقاعد .

(وليد عبد العظيم) معلم مخضرم عاش زمن الحكم الديكتاتوري واحيل على التقاعد في زمن الديمقراطية وحينما ذهب الىمديرية التربية لانجاز معاملة التقاعد تبلغه (حمدية) الموظفة في المديرية بان عليه ان يجلب كتاب مباشرته وخدمته في مدرسة الزهور المدرسة التي كان يدرس فيها سابقا دون ان تداري كبر سنه وصعوبة سفره في ظل ظروف تصاعد عمليات الارهاب ومخاطر السفر،ولم ينتصر له السيد المدير المختم بخاتم ازرق آامرا اياه بتنفيذ امر (حمديه) وجلب كتاب تاييد لاكمال المعاملة، يعرض عليه احدهم خارج الدائرة بان يقدم له خدمة في سبيل الله وان ينجز له معاملته ويجنبه متاعب السفر والخطر مقابل دفع مبلغ مليونين دينار، يرفض وليد عبد الحليم ان يكون مرتشيا في اخر عمره ويتجاوز الكلام المهين للمتبرع بالمساعدة عند اعلانه الرفض(درب الكلب على القصاب) منوها بانه سيظطر العودة اليه لاكمال معاملته، كما يعود الكلب للقصاب نتيجة جوعه رغم طرده واهانته .

يتالم كثيرا كما يرفض مقترح ولده رياض بالموافقة على تقديم الرشوة واراحة نفسه ويقرر السفر الى مدينة مدرسة الزهور لجلب الكتاب، والذهاب لوحده ويرفض مرافقة ولده له

تتدعى الذكريات والصور في مخيلة وليدوتبدل الاحوال من حال الى حال وكيف اصبح الانسان الشريف النزيه الذي لم يهادن الديكتاتورية وتحمل التعذيب والاذى ثمنا لصموده وعدم افشائه اسرار الناس والمصلين في المسجد، فقد تفاجأ وليد في احد الايام بمداهمة منزله واقتياده من قبل امن السلطة الديكتاتورية الى دائرة الامن من دون ان يعرف السبب، فهو ليس سياسيا ولايتكلم في السياسة ولم ينتمي لاي حزب سياسي، ولم يسبب الاذى لاحد ولم يقصر في واجبه التعليمي .

يتعرض للاهانة والضرب والتعذيب ومطالبته بالاعتراف على جماعته؟؟

لاينفع معهم الانكار كونه انسان مستقل لاعلاقة له بالسياسة ولا ينتمي الى اية جماعة سياسية، يضرب بقساوة ينزف دما من انفه وشفته، يهدد بالاغتصاب ان لم يعترف !!!

بماذا يعترف (وليد عبد العظيم)، لا اعتراف لديه الا كونه انسنا نزيها شريفا يحب الناس والناس يحبونه، يكره الظلم والظالمين. يتعاطف معه احد افراد الشرطة وهي دلالة الى كون ليس كل من انتمى الى قوات الامن هو شرير وقذر وجلاد فقد يكون هناك من اضطره رغيف الخبر للانتماء الى هذه المؤسسة الامنية .

كان معه عدد من السجناء منهم الشاب الصلب العنيد زهير ابن الخبازه، وعلوان وغيرهم،ولكل منهم سلوكه وردود فعله امام الجلاد، فقد كان علوان خنوعا ذليلا متملقا للجلاد وقد ادلى بكل اسماء الناس الذين يدخلون المسجد لاداء الصلاة، وقد كان محل احتقار من قبل زهير ابن الخبازة ورفاقه .

بعد ان يأس المحقق من حصوله على معلومة من استاذ وليد اطلق سراحه مع اعتذار ثعلبي مخزي من قبل الجلاد .

الهروب من البطولة:

بعد خروجه من السجن يحتفي به اهله واصدقائه المقربين ويأخذ الناس ينسجون االحكاية حول بطولة الاستاذ وليد ومقاومته البطولية للجلادين في السجن وعدم افشائه باسرار المقاومين، مع اضافة المزيد من التزويق والتفخيم للرفع من شأن وليد وجعله اسطورة من اساطير البطولة والصمود، انها عادة الكثير من الناس ورغبتها في تصنيع الابطال ومن ثم تقديسهم وعبادتهم فهكذ يصنع الناس اصنامهم ووليد يتسائل (كم نحن ماهرون في صناعة البطل؟نسقيه دماءنا، نرضعه أو جاعنا ليزداد غطرسة وعنفوانا، نقدم له الصبايا ليتمتع بأجسادهن، نضع على صدره اوسمة خيباتنا وهزائمنا ليجلدنا بسوط جبروته كل صباح ... حتى اصبح البطل المقدس الخارج من قاع طقوسنا الغارقة في الوهم الراعي والمنقذ والقدوة لكل حلقات حياتنا البائسة) ص60-61.

ممايجعل وليد عبد العظيم يتذمر كثيرا مما يشيعه الناس عنه ليصنعوا منه بطلا ومعبودا للجماهير، وهو الانسان المسالم الكاره للشهرة والزعامة ويكره عقلية وسلوكية العبيد، فهو لم يكن اكثر من انسان مناضل من اجل الحرية والكرامة الانسانية، مدافع عن قيم الجمال والحب والعدل، كارها للقبح والظلم ومثل هذا الانسان لايفتش عن الشهرة ولا يريد ان يمتلك العبيد ويكره التقديس للفرد.. وهنا يصف سارتر الفرق بين المناضل ومشروع البطل حيث يقول سارتر واصفا مستجدي البطولة (كان موظفا مطمئنا محدود المباد هات ومعتادا على اكتشاف وجهه الأليف في عين رفاقه واثقا من ذاته واثقا من انه يجد في أعماق ذاته إرادة الحزب الحازمة كصخرة. وهاهو يجد نفسه مهجورا في عزلة الهزيمة التي لاكفارة عنها والحزب قد غلب على أمره والأمل قد سحق ويكشف في عيون العدو المنتصر وجها وحشيا ومجهولا هو وجهه وتنهار أناه التي كان يدعمها بالكثير من الأوامر والخطابات والرسائل وتظهر أنا أخرى.تفرد بائس يذكره على نحو غريب بالوحدات البرجوازية وموته الذي موهه طوال حياته بتظاهره انه سيموت من اجل القضية يرتد نحوه على حين غرة لان القضية قد تمزقت ولأنه يموت من اجل لاشيء. فهل خسر حياته وهل ربحها الأخر؟؟)

وكم يبدو هنا الفرق واضحا بين فهد المناضل وبين مالك سيف الفرق بين المناضل وطالب البطولة والأمثلة والشواهد كثيرة.

ان المناضلين الحقيقيين ليسو إبطالا بالمرة وهم(لايفكرون إلا بواسطة العقل الكفاحي الذي منحهم إياه الحزب ,لكن لما كان فكرهم يرفض كل قيد فأنهم يدفعون بهذا العقل المكون (بتشديد وفتح الواو) الى أقصى مداه ويحلونه الى عقل مكون (بتشديد وكسر الواو)

وعند ذلك سيكونون مناضلين منتجين ومجددين مبدعين وليس مجرد تابعين ومنفذين طيعين

وهذا هو الفرق بين وليد عبد العظيم وزهير ابن الخبازة وغيرهم من المناضلين وبين علوان ومن شاكله من أدعياء البطولة والشجاعة بين الناس ومنكسر ذليل جبان في الزنزانة حينما يكون بعيدا عن الانظار ...(كل بطل يقتحم القدسية من اوسع ابوابها حتى لو كان سافلا...) ص61

لذلك قر ان ينتقل من مدرسته ومدينته الى مدرسة ومدينة اخرى ليبتعد عن مظاهر ووههم التبجيل ويعيش حياته على بساطتها.

وهو مستغرق في ذكرياته الاليمة يصل الى مدينة مدرسته القديمة (الزهور) وقد كان الناس كل مشغول بحاله في واقع الخوف من وباء الكورونا ووباء الفساد والزيف والخرافة والدجل (لو كان الامر بيدي لقطعت كل الالسن الملتوية التي تمتهن المواعظ الخيصة وارحت البلاد والعباد من شرها) ص72هكذا كان يفكر استاذ وليد وهو يشهد ظاهرة النفاق والزيف للكثير من ادعياء الدين والتدين وممن يعتلون المنابر لموعظة الناس وهم الاكثر فسادا وخرقا لتعاليم الدين (اقذر الفساد ماكان يحتمي خلف اسم الله) ص73.

يتوجه الى فندق في المدينة كان على معرفة بمالكه فيشهد بابه قطعة مكتبوب عليها بدلا من فندق الامل (جمعية احباب الله الخيرية) ص80.

ثم يشهد ان مدرسته (الزهور) تحول اسمها الى مدرسة (جند الله)! فيصاب بالدهشة بسبب تغير كل شيء ليكون منسجما مع فكر اسلامومي مزيف يهيمن على ثقلفة القطيع، وأدعياء الدين من المزيفيين والمنتفعين والوصوليين والانتهازيين (الناس في هذا اللد امامهم الظاهر، ولهذا اهتمت بالظاهر مثلما اهتمت بالمستور، طالما ان الظاهر يحقق مايريده المستور) 101.لذلك اجتهد هؤلاء الادعياء الى الحفر في الماضي القريب والبعيد لكي يلبسوا كل مظاهر الحياة بلباس الدين والتدين كالمظاهر الشخصية للافراد مثل اطلاق اللحى وحلق الشارب (اكرموا اللحية واهينو الشارب)، وتتالختم بالخواتم مختلفة الالوان والاصول والاشكال ولمختلف الاغراض كما يدعون، وتغيير الاسماء فمثلا الانتقال من مدرسة الزهور الى العروبة ومن ثم الى جند الله ...الخ، من غازي الى قاسم الى جمال الى صدام الى محمد باقر ...الخ . فلكل زمان جلد ومظهر وسلوك طبعا دون تفكر او تدبر وانما هي موجات تأتي ثم تضمحل ... وبذلك يحل الدجل والنفاق وازدواج الشخصية في مثل هذه الظروف يتكاثر اهل الفساد وممارسيه وينحسر دور النزيه والصريح والصادق في زمن (النهضة الشاملة) كما يسمونها فتكون (النزاهة في مجتمع غارق في الجهل انتحار) ص102.

يتوجه الى المدرسة (جند الله) حيث تخبره الست ربيعه بان السجلات اتلفت ولايمكنها تزويده بمثل هذا الكتاب لعدم وجود اوليات، فيعود ادراجه وهو في حيرة من امره في مجتمع (الحقائق لا وجود لها، حلت محلها الشعارات والكذب المطعم بذكر الله) ص117 يعود الى حنش ابن حواس الخياط الذي اصبح من وجهاء المدينة هو واخوانه حيث ركب الجميع الموجة الطاغية فأصبحوا من اصحاب الشأن والنفوذ، حنش الذي كان استاذ وليد معلمه واستاذه مازال يذكر له افضاله عليه وعلى والده واخوانه فاراد ان يساعده ويرد له معروفه ايام زمان وباعتباره احد ابطال مقاومة النظام الديكتاتوري فهو يمثل تنقية وتزكية لكل من يرافقه ويصاحبه ويدعي قربه اليه، يعده حنش ان لا يبتئس ابدا فالكتاب سيتدبر امره هو، مكث في المدينة بضيافة حنش وكرمه مايقارب الاسبوع، زار خلالها (منتدى الصفوة الاسلامي) ص114، ليلتقي كذلك بالشخصية الهامة حيث وعده حنش انهم يترقبون قدومها للمدينة والقاء خطبة لوعظ الناس هناك، وقد حصل ذلك، والمفارقة الكبرى ان هذه الشخصية الكبيرة هو علوان المتخاذل الجبان الذي اعترف على كل جماعته زمن الديكتاتورية وقد كان الشرطي (قاسم ابن الحاج عبد الامير) اشرف وانظف منه، ناهيك عن المقاوم الجريء زهير بن الخبازه ووليد يقول (وصلني صوت يأمر الناس الجالسين بالوقوف احتراما للقادم الجليل، دخل شيخ يتكيء على عصاه، اراد أن يمد لي يده لتقبيلها، فاضعت الفرصة عليه، عندما مددت يدي لمصافحته، اردت ان اقول له أن الابطال لايقبلون الايادي حيث وقد اصبح (الناس صنفان، صنف يذهب الى حبل المشنقة وعلى شفتيه عصفور يغني للنصر، وصنف يختبيء بين فخذي زوجته وهو يرتجف خوفا، وعندما تتبدل الاحوال والادوار، يطوي النسيان الصنف الاول ويخرج الصنف الثاني حاملا تاريخ البطولة والشجاعة والاقدام) ص139 ولاشك ان وليد عبد العظيم من الصنف الاول وعلوان كان الصنف الثاني وهاهو اليوم يحتل ارفع المناصب ويحصد اعظم المكاسب، يتعرفه وليد عن طريق حنش ويزوده بورقة لانجاز معاملته وقضاء حاجته .

يكشف له حنش عن حقيقته فهو ينافق الوضع القائم في العلن حيث الزهد والورع والسعي لمنفعة الناس في العلن بينما هو يمارس كل ملذاه الدنيوية في السر من شراب ونساء ومالذ وطاب من الطعام وافخر الملابس والسكن الباذخ من حيث السعة والتاثيث وهذا ماشهده وليد بالفعل، عاش وليد وتذوق كل هذه الملذات م فيض كرم حنش، ليكون من(اصحاب الرؤوس المزدوجة والالسن المتعددة الاشد فتكا من جميع الفيروسات التي ارعبت العالم) ص157.

يجهز له حنش كتاب التاييد من المدرسة وبامر مدير التربية خوفا من الشيخ علوان، يرافقه الى مدينته محملا بالهدايا الثمينة في حقيبة كبيرة، تكمل الست مديحة ومديرها المختم معاملته وهو جالس في غرفة المدير وبسرعة قياسية بفضل نفوذ الشيخ البطل (علوان).

يعود حنش الى مدينته بعد وداع استاذ وليد مع مزيدا من الود والاعتذار عن اي تقصير .يعيش وليد حالة من الازدواجية المؤلمة حيث يقول (شعرت بأني محجوز بين رأسين متنافرين، رأس مستنسخ من رأس الشيخ علوان، ورأسي الاخر الذي يلقنني أن الانتصار الحقيقي هو البحث عن القيم العليا داخل نفوسنا والارتقاء بها الى عالم السلوك) ص143.

وقد (كان الالم يتزايد ومع وصوله ذروته رأيت الرأس المغشوش يسقط دفعة واحدة وهو يقطر بالنجاسة والعفونة ومعه سقط شعار (جئنا لنبقى)، ورايت الشيخ علوان يتدحرج وسط الدماء المتعفنة التي خلقتها الشعارات الكاذبة) ص150 .

يصحو استذ وليد على نفسه يعود الى ذاته النقية القوية المقاومة لكل اشكال الفساد والقمع والزيف بكل انواعه ومسمياته .

يترك وليد متابعة معاملة التقاعد ويستشعر ان لامكان له في مثل هذه الحياة المزيفة الفاسدة، يشعر انه يقترب من منيته، فيهيء كل جسده وروحه للرحيل وبالفعل تغادر روحها الى ربها راضية مرضية، نقية زكية لم تخضع لاغراءات البطولات ولا المناصب ولا المكاسب كان الروائي ااحمد الجنديل موفقا جدا في سرد واقع معاش ويرافق تحولاته وتبدلاته واساليبه في عراق الامس واليوم وان كان يقول في مستهل الرواية بانني (دونت ما بقي من ذيول حكايته – يعني حكاية استاذ وليد عبد العظيم – لمن يعشق الخيال، اما المغرمون بالواقع فلا املك لهم غير النصيحة بالابتعاد عن قراءة هذ الرواية التي كتبتها للمتعة فقط، ولاشيء غير المتعة في هذه الرواية) ص5 .

لكن من يبحث في الواقع يراه اكثر مرارة وتوصيفا مما وصفه وقدمه لنا الروائي في روايته الجميلة والمكتملة من حيث المبنى والمعنى، وباسلوب سردي بليغ يحمل بين طياته الكثير من الحس الشعري والبلاغي والفلسفي.

 

بقلم: حميد الحريزي

 

 

صالح الرزوقنعود للمقارنة بين الدكتورين الخطيب وكاظم. مع أن كليهما مختص بالأدب المقارن الحديث، وكليهما يخرج من عباءة المدرسة الأنغلوساكسونية في تعريف معاني مطلقة كالهوية والعقل والضمير والمنطق، يبدو لي الخطيب أوضح من كاظم. فالأول يضع محددات ومعرفات لمجال بحوثه، بينما يبدأ كاظم من نقطة النهاية، ويترك مهمة استنتاج التعريفات على عاتق القارئ. حتى أنه يقفز من فوق أهم مشكلة في بحثه، وهي الرواية العراقية: ما هو المقصود بها، ماذا ينطوي تحت لوائها، هل المقصود بالعراق الكيان السياسي المعروف بحدوده الحالية أم سنجق العراق الذي كان يحكمه العثمانيون. ويمكن تمديد هذه الإشكالية لتشمل اللغة والجنسية  والهوية (بمعنى الانتماء). ما هي شروط الرواية التي نسميها عراقية؟.

فالعراق ليس بلد التناقضات فقط، ولكنه أيضا بلد المتحولات السياسية. ونطاقه أو مداه المجدي مر بعدة أطوار. وهناك عدة نقاط انفصال وارتباط منها مشكلة اليهود العراقيين، ومثلهم العراقي الإيراني المهجر بعد وصول صدام للدولة، هذا غير جدلية شمال - جنوب. والمقصود بها تداخل الماهيات بين الكويت والعراق وكردستان. ويضاف لكل ذلك الرواية المهجرية المكتوبة بلغة غير عربية ثم الرواية الفلسطينية المكتوبة داخل العراق. ولتوضيح المسألة أضرب مثال عبد الرحمن منيف (المتنازع عليه بين السعودية والعراق)، وجبرا إبراهيم جبرا (المتنازع عليه بين العراق وفلسطين). وكذلك لا يوجد أي توضيح لمشكلة حدود النوع (معنى رواية). وأعتقد أن هذه المشكلة تمثل واحدا من أهم التحديات في الأدب العراقي، فهو بلد معروف بالانقلاب على المفاهيم. ومثلما بدأ القلق على معنى الشعر العربي من العراق وانتقل تعريفه من البنية الفنية إلى الحساسية الفنية، تعاني الرواية من نفس الأعراض. فالقصة الجديدة ظهرت أول ما ظهرت في العراق (ومثالها يوسف الصائغ مؤلف المسافة. وهي تحت نوع فني جديد يتراوح بين المسرح والقصة الطويلة والرواية القصيرة). وأعقبتها النوفيلا التي كتبها قصي الشيخ عسكر وقدم لنا منها ما لا يقل عن 12 عملا (كل نوفيلا تتراوح بين قصة طويلة بحجم قصص فلوبير وبلزاك) ورواية قصيرة (بحجم روايات مارغريت دوراس). لكن ما يفاقم من هذه القضية أن الشيخ عسكر يتعمد إدراج نصوصه تحت عنوان (رواية).

لقد تركنا الدكتور نجم عبد الله كاظم في ظلام دامس. لم يحدد ماذا يستحق الانتماء للعراق، وماذا يجب أن ينضوي داخل إطار فن الرواية. وإن لم تكن هذه المسائل ذات أهمية تذكر بالتقويم الأخير، غير أنها لا تساعدنا على تأكيد ماذا يعنيه بدفاعه المستميت عن عدد الروايات العراقية. فلقد بنى على الكم عدة نتائج ومنها بدأ في مناقشة تحويل المجتمع من أبوي بطريركي عشائري لمجتمع مدني متجانس يتبنى مفهوم القوة العاملة ووحدات الإنتاج بغض النظر عن الجنس والطبقة (ص24).

وغني عن الذكر أن مشكلة النوع هي واحدة من أكثر العقد البنيوية التي تواجه نظريات التفكير المعاصر، ابتداء من محاورة فوكو للمعرفة بواسطة حفرياته وانتهاء بتوجه أمبرتو إيكو في التفكيك والتأويل. لقد بدأت السردية تتحول لخاصرة طرية كلما أمعنت الطبيعة والمجتمع بالتبلور نحو مزيد من الاختصاص. ومع أننا في مرحلة الصناعات الصغرية (أو ما نقول عنه عصر النانو - وهو عصر يسعى لمزيد من الضغط باتجاه الانتقائية والتحديد) فإن الفنون تفقد أشكالها واختصاصاتها وتنحدر نحو مساحة مبهمة نسميها مساحة الكتابة. وقد بدأ هذا النوع الميتافيزيقي الوهمي بالظهور في بواكير الثمانينات مع نصوص وليد إخلاصي السوري (ولا سيما في كتابيه: الدهشة في العيون القاسية، ويا شجرة.. يا) حتى روايته المستديرة (رواية المائدة المتنقلة التي تتكون من حلقات منفصلة ولكن متقاطعة)، والإشارة هنا لكتابه (ملحمة القتل الصغرى) الصادرة في التسعينات. وربما لم يستقر هذا الشكل الأدبي إلا مع برهان الخطيب الذي انفجرت جعبته في السنوات الأخيرة عن ثلاثة أعمال مختلف عليها، تارة يسميها “رواية قصص” وتارة يقول عنها “رواية حوارية”. وأخص بالذكر “أخبار آخر الهجرات”، وهي مجموعة قصص قديمة عمل على إعادة تدويرها بشكل عدة مربعات حوارية، كل منها تمهد لما بعدها، وبنفس طريقة فوكنر في معجزته الخالدة (اهبط يا موسى). وبعدها “ذلك الصيف في اسكندرية” التي استحقت من الدكتور كاظم وقفة متأنية (مع أنه عزا الرواية لإبراهيم الخطيب سهوا) ، وقد عمد خلال ذلك لتقليل الفرق الفعلي بين قصة طويلة ورواية قصيرة (انظر الصفحات 189-196). ثم إنه حدد بشيء من التأني وكثير من الدقة أهم ملامح تحت النوع ورأى أنها 4: وحدة الموضوع، ووحدة المكان، ووجود علاقة عضوية بين الشخصيات، وأخيرا التجارب المشتركة والمتشابهة والتي تجري في فترة واحدة (ص193).

2272 جماليات الرواية العراقية

باختصار لم يقدم لنا الدكتور كاظم أية مقترحات حول إطار بحثه. حتى أنه لم يحدد خريطة العراق. هل هي المتعارف عليها خلال ثورة العشرين، أم هي التي انبثقت بعد الاستقلال وتأسيس الجمهورية عام 1958، أم ما يعرف اليوم باسم الجمهورية العراقية التي ظهرت مؤخرا بعد الغزو الأمريكي في 2003؟؟. مثل هذه التعريفات لا تساعدنا على فهم بدايات ونهايات فن الرواية العراقية بل العربية أيضا. وإذا أمكن دائما التهوين من المسألة لو وضعنا في الذهن أن الرواية العراقية تأسست في وقت متأخر، لكن هذا فقط إن كنا نهتم بالرواية الناضجة والمستقرة، وإذا لم نكن معنيين بتطورها ومتابعة معنى الذكورة والأنوثة والدين والطائفة. مثل هذه البنود تحتاج لحفر عمودي ومسح أفقي. وهو ما كان الدكتور كاظم يخطط له حسب ما ورد في الهوامش. وفي هذه الحالة يكون المذنب هو القدر الذي وضعه في إضبارة المشروعات الناقصة والتي لم يكتب لها أن تكتمل (مثل مشروع صدقي إسماعيل في سوريا، ومشروع سعد محمد رحيم في العراق المعاصر والحديث أيضا). ولكن هذا لا يعفينا من مشكلة تالية في التعريفات، وهي ماذا يقصد الدكتور كاظم بكلمة واقع محلي؟؟. وتوجد أكثر من إشارة يدافع بها عن محلية سياق الرواية العراقية. بمعنى أنه يجد في إضفاء الطابع المحلي جزءا من مكون أساسي له علاقة بحامل الرواية (وهو أبطالها أو الشخصيات) والفضاء الموضوعي الذي ينتمون له وهو (الهوية). وإذا شئنا أن نختصر نقول: إن الدكتور كاظم يولي أهمية فائقة لمشكلة الماهية في الرواية، ويعتقد أنها تمثيل للواقع (ص29). غير أن هذه الاصطلاحات أيضا تتحلى بقدر كبير من المطاطية والإبهام. هل الواقع المحلي هو ما نراه بأعيننا فقط (الواقع الطبيعي - المنظور) أم أنه كل شيء له علاقة بموضع الشخصيات من واقعها الاجتماعي؟. وهذا يدفعنا للتفكير بكافكا. هل كان كاتبا فضائيا (مثل الموظف الفضائي - الوهمي الذي ضرب اقتصاد العراق وألحق به أضرارا فادحة)، أم أنه نموذج لعصر بكل شروطه المشحونة والمحتقنة. وفيما أرى إن التصوير غير الواقعي للواقع المحلي مسألة معروفة في الرواية العراقية وغيرها. ولكن بالمقابل التصوير الرمزي لواقع افتراضي يكون أحيانا وسيلة ناجعة لتشخيص أزمات أي بيئة محلية. وفي الذهن رواية: “الترحال في نهيلون” لألان سيليتو، ويقابلها في الأدب العراقي المعاصر رواية “ليلى والحاج” لمحمد الأحمد. وفي الأدب السعودي رواية “وترمي بشرر” لعبده الخال. هذه النماذج لا تشخصن التجريدات المحلية فقط بل إنها تسعى لدمج الصور بالأفكار لتكون أفكارا مجسدة، منظورة ومسموعة. وعلى ما أفترض إنه كان من المفيد لو تناول الدكتور كاظم هذه المعضلة الفنية بمقدمته مثلما تناول بشكل خفيف، ولكن معلم وضروري، عدة إشكالات منها المعنى الاجتماعي للتقاليد(ص11) وظاهرة تعاقب الأجيال (ص55) ودور الواقع الداخلي في بناء فضاء الرواية (ص12)، إلخ...

وبظني إن هذه المشكلة تشكل خطرا داهما على فهمنا أو تقبلنا لمعاني الواقع في أي رواية إذا وضعنا في الذهن الحالة البائسة للفن الملتزم، أو فن النهاية الإيجابية. فهو في معظم حالاته كتابة حسب مقاييس ومواصفات موضوعة سلفا من أعلى وفي مكاتب متخصصة منفصلة عن الواقع الحقيقي للبشر والمجتمع. وهي حالة مزمنة في العراق وسوريا وليبيا وقبلئذ مصر أيام الزعيم الوطني المرحوم عبد الناصر. لقد كان الواقع يعني بالضرورة الأعمال التي تكتب عن موضوعات عسكرية أو ريفية، وكأن المدينة خارج حسابات الواقع. وحتى الآن توجد شراذم لهذه النظرة الضيقة التي تعطي للقرية والفلاح ثم الجبهة والجندي الأولوية مع أنهما واقعيا مجرد صدفة تاريخية. وقد كان من نتيجة هذه الضغوط (التي احتلت مرتبة تابو رابع) أن تخصصت روايات المدينة بالكلام عن العشوائيات ومجتمع الأحياء المخالفة الفقيرة بالخدمات والبشعة والدميمة والتي تخنق أية رغبة بالفهم والأمل وهي في مهدها. وهو ما نجح في الالتفاف من حوله حنا مينة في سوريا (بالأخص في الحلقة الثانية من ثلاثيته بقايا صور - أقصد “المستنقع”)، وقبله غائب طعمة فرمان الذي هرب من الأحياء الشعبية وإشكالياتها بأسلوبين: النظر لهذه الأحياء بوجدانه، وبالمنافي  والمنولوجات الذاتية (وبالأخص في روايته “المرتجى والمؤمل”). ففيها نوع من التبادل بين طور محلي داخلي وطور واقع خارجي. بتعبير آخر كان يتنقل في أرجاء ذاكرته بين بغداد التي لا يمكنه أن ينفصل عنها وموسكو التي انتقل ليعيش فيها. وما بين الطورين قدم شهادة عن عذاب ابن الله، أو مسيح المجتمعات المتخلفة الذي اختار التعالي على واقعه. ويمكن أن تقول الذي اختار أن يهضم واقعه بسياسة الإلحاق والتبرئة. فهو يغادر بغداد لعلاج ابنته، ويقيم في موسكو بمصحة. ومثل هذه التقابلات تضعه بمواجهة أمراض وعلل صحته وأمراض وسقطات مجتمعه (أو بيئته المحلية).

وتبقى مشكلة الظروف التاريخية لأي واقع محلي. فهما من بين العوامل المتبدلة، كلما تبدلت الظروف انعكست على شكل الواقع ومضمونه أو وجهه الألسني والذهني (بتعبير دريدا - لأن اللغة هي وجه المشاعر التاريخية - وهذا واضح في كتابه “تطبيقات أدبية” - بتحرير ديريك أتريدج) (4).

والقضية ليست في العلاقة بين النص والواقع وإنما في هجرة النصوص وتأجيل النشر. فرواية “بصقة في وجه الحياة” للتكرلي مكتوبة عام 1948 ولم تنشر إلا عام 1995. و”شقة في شارع أبو نواس” لبرهان الخطيب (ورد اسمه بالخطأ برهان الصايغ - ص58) مكتوبة في الستينات ومنشورة في السبعينات على أعتاب أهم تحول تاريخي في سياسة مصر من المعسكر الاشتراكي والقضية الفلسطينية. هذا غير حالة جبرا في (صيادون في شارع ضيق) المكتوبة عام 1955 بالإنكليزية والمنشورة في لندن عام 1960 ولكن المعربة عام 1974. وآخر مثال عربي هو رواية 67 لصنع الله إبراهيم المكتوبة عن النكسة عام 1968 والتي لم تنشر إلا عام 2017. إن تأجيل النشر قد لا يضر بالنص ولكنه يبدل من علاقته بواقعه وظروف مرحلته. والعاطفة المؤجلة ليست مثل البديهة الحاضرة. ويمكن أن تسمع دقات ساعة الزمن العربي وهي تضيع في أروقة الرقابة والعقل البيوريتاني وغيرها من الظروف. وهذا يخلق مشكلة من نوع آخر كان على الدراسة أن تتلافاها بإضافة معيار لحدود أي جيل (ص55). مثلا أن نحتكم لحساسية الجيل وليس لتوقيته كمل فعل فاضل العزاوي حينما وضع أدباء من الألفية الثالثة في جعبة أدباء الستينات وأطلق عليهم عنوانا عريضا هو “الروح الحية”. وربما أوعز إلينا الدكتور كاظم بشيء بهذا الاتجاه حينما استعمل عبارة “أنفاس الجيل” عوضا عن كلمة “جيل” بمفردها، ويبرر هذا الاختيار بقوله: إن بعض الأجيال تمتد خارج حدودها التاريخية وتحمل أنفاسها لوراء حواجز المرحلة كما هو حال معظم نتاجات الجيل السيتيني (ص55).

لكن يبدو الدكتور كاظم أكثر تدقيقا بما يخص مطلح الرواية النسائية. فهو يحددها بكل رواية طويلة أو قصيرة كتبتها امرأة داخل العراق أو خارجه. ويعتبر أن نقطة البداية كانت مع (ليلة الحياة) لحورية هاشم نوري الصادرة عام 1950 باسم مستعار هو (فتاة بغداد) كما ورد في (ص33). وهذا يعني أنه ينظر لجنس المنتج وليس لموضوع العمل. فالكتابة النسائية لم تتطور وتأخذ معناها النضالي (باعتبار أن المرأة في الشرق متورطة بحرب شاقة ضد تقاليد تعسفية لها حراس اجتماعيون بالإضافة لحراس الدين) إلا مع بثينة الناصري وبعدها عالية ممدوح.  وهما نموذجان يحملان لواء الكتابة من أجل تحرير المؤنث وليس المرأة فقط. وأذكر هنا مثال (موت إله البحر / قصص قصيرة) للناصري و(محبوبات) لممدوح.

والشيء بالشيء يذكر. يبدو أن سوريا كانت سباقة بهذا المضمار. فمن بواكير نماذج أدبيات المرأة المناضلة لا يغيب عن الذهن نص منشور في مجلة الحديث عام 1936 لفلك طرزي بعنوان (ضلال ثم هدى أو بين عاملين)(5). وهو أفضل مدخل معتدل لانتشار ظاهرة “أدب الأظافر الطويلة” الذي بشر به الثنائي غادة السمان وكوليت خوري. وإذا كانت الأولى ذات ثقافة أنغلو ساكسونية (حاملة لقيم فرجينيا وولف)، فالثانية ذات ثقافة فرانكوفونية تعبر عن روح وجودية متمردة على طريقة ذكور كامو. وهذا يعني أن المرأة كانت جرحا في جسد اللغة مثلما هي جرح في أسلوب الكتابة. وهو ما تعكسه شروط إنتاج بنية السرد عند عالية ممدوح بشكل أساسي. واعتداء ممدوح على شكل الرواية المعروف استند على أدب دعوي عالم ثالثي يعي نفسه بشروط غيره. فقد دمجت في شكل المتوالية السردية (لأدب الواقع السحري) مع منطق ذهاني باطني يغلب عليه التفجع والمشاهدة وليس منطق الجسد المفقود أو القرين ولا أطراف الشبح كما هو حال الثنائي غادة السمان وكوليت خوري. فالثنائي السوري يميل للانتحارية وتطهير الدنس بالموت كباب من أبواب الخلاص، بينما تنحو ممدوح لشكل من أشكال المعاتبة والتحريض فقط. بمعنى أن كتابتها احتفالية وليست عدمية.

وعودا على بدء كان تعريف الدكتور كاظم جازما بتوسيع الرواية النسوية لتشمل كل نتاجات المرأة وليس حصرا النصوص المكتوبة لأجل المرأة. وهذا يعاقب الرواية النسائية بكتابات متدينة ومطيعة لدرجة أنها تغالب نفسها مغالبة ولمصلحة مجتمع القهر البطريركي. ويمكن أن ندعوها الكتابات المصابة بعقدة الغواية الذكورية أو عقدة جوكستا. ثم يعتبر سميرة المانع رائدة في الكتابة النسائية، ويستعير من نازك الملائكة شروط الريادة وهي: أن لا تكتفي بالسبق التاريخي، وأن تكون مؤثرة، وفتحت الباب لنصوص تالية تحذو حذوها. (ص 36). ولكن هذا لا يمنعه من اعتبار “زهرة الأنبياء” لسالمة صالح، الصادرة عام 1994، على أنها منعطف واضح في الكتابة النسائية. وهي في الواقع عمل قوامه المشاهدة والانطباعات العابرة، وبلغة خيال واقعي ذاتاني مجنح على طريقة سليم بركات في سيره الريفية مثل (الجندب الحديدي) وما أتى بعدها. ولذلك يمكن أن تضع هذا النموذج في عداد ما يسميه الدكتور كاظم باسم “المحاولات والحضور الخجول / ص38” بمعنى أنها عمل تسعيني لكن روحه خمسينية.

 

صالح الرزوق

........................

هوامش:

4- انظر:

Jaques Derrida. Acts of Literature. Routledge.  1991.

5- انظر كتابي: الحركة الرومنسية في القصة السورية - رؤية في مرحلة. منشورات النور.  ألمانيا. 2017. 

 

جمال العتابيوضوح الرؤية والموقف في فيض من المستويات السردية

تتمثل عقدة رواية (الذئاب على الأبواب) للروائي والقاص العراقي أحمد خلف، التي صدرت في عام 2019،  ببطلها يوسف النجار، لقد وضع أحمد شخصيته الرئيسة في أتون الأزمة، في قلب المحنة، في اللحظة الحاسمة من تاريخ المأساة، إن مجتمعاً يقوم على القمع بأشكاله المختلفة، المجتمع المقهور من الداخل والخارج، يدرك فيه الإنسان مقدار الإستلاب والإحباط الذي يحيق به، إذ يحيله إلى كائن عاجز غير قادر على كسر قيوده المكبلة لحريته، هذا الواقع يسرق أحلام المرء حتى لوكانت وسيلة للمقاومة، إن درجة الحس المأساوي التي تعصف بأحمد خلف، جعلت منه صوتاً خاصاً، يختلط فيه الألم بالأمل، الشعور الحاد بالمسؤولية، والعجز عن القيام بها، الإلتصاق بالأرض والكفر بها، الإيمان بالمجتمع والإغتراب عنه، من هنا يتابع أحمد خلف خطه الذي إنتهجه بصلابة وقوة ودون مهادنة.

الروائي أحمد خلف لا يعتمد تسلسلاً تاريخياً في الكتابة، فتلك ليست مهمته، لكنه يعتمد الأحداث في عهدين مختلفين لكن متصلين، مادة لبناء معماره الفني الروائي، وهذا ما يقتضي أن يكون قد عاش حرارة أحداث العهدين، وبأسى عميق، هذا ما آل اليه حال العراق من ألم وحزن معمق، وفجيعة أشاعت الخراب وراكمته في زمن الديكتاتورية والقمع والإستبداد، وما تركه الإحتلال وحكم الطوائف من فساد وخراب أبشع.

إن شخصية يوسف النجار بطل الرواية، تمثل نتاجاً طبيعياً لهذا الواقع، في مراحل القهر والفقر والظلم، وبعد أن فقد زوجته وابنته في حادث تفجير إرهابي لمنزله، وفي واقع الحال، فأن يوسف يستسلم للواقع والقبول به، وهو يعاني من وجع لا يمكن البوح به أو الإعلان عن رفضه إلا سراً، لكنه سيطر على سلوكه ونمط تفكيره، وقاده إلى مزيد من الأوهام والخيالات، ليتحول هذا السلوك إلى حالة مرضية نفسية، يمكن وصفها بالبارانويا، وهي إضطراب عقلي، يعرف بجنون الإرتياب، أو هي نمط تفكير ينجم عنه الشعور غير المنطقي بفقد الثقة بالناس، والريبة منهم، والإعتقاد بوجود تهديد ما، والإحساس بوجود عيون ترصد وتراقب، تحاول الحاق الأذى فيك، سواء كان ذلك بوجود دليل، من عدمه.

تشارك رواية الذئاب على الأبواب روايات الكاتب فرانس كافكا، في التعبير عن إنسحاق الإنسان، وعدم تمكنه من التمرد، أو التخلص من الكواببس التي تحوله كائن مسخ، على الرغم من ان الروائي حاول ان يعطي بطله شحنة ثورية تسترد توازنه وتخفف من قلقه، في لحظة إختيار للمواجهة، مع خصم مبهم يكون على مرمى من فوهة مسدسه الذي إشتراه لتحقيق تلك الغايات.

إستطاع أحمد خلف أن يكشف لنا معنى أعمق من خلال فيض المستويات السردية للواقع، ورؤية الواقع هذه هي بممضمونها رؤية في أسباب الخراب ودوافعه، فالبناء قائم على ضمير المتكلم، مع ساردين آخرين متداخلين، بلغة يختلط فيها المحسوس بالمرئي، الداخلي بالخارجي، في تآلف وإنسجام، لغة أتقنها الكاتب، وتألق في إستخدامها وتوظيفها فنياً بما تواكب حركة الأحداث، ويعمق أثرها لدى المتلقي. هكذا ينقل لنا أحمد نمطاً جديداً من شخصياته، تنوء بثقلها في حياة المجتمع العراقي، وباتت واحدة من أبرز صفاته السلوكية العامة، وإذ يتحرك السرد في عدة إتجاهات فانه ينسج الشاشة التي ترتسم عليه الدلالات والرموز، وعلاقاتها بالزمن والوجود، والحياة، فكأنه بذلك يرسم درب الخلاص من أزمات الوطن الكارثية.

يفسح الروائي مجالاً بإتجاه الماضي، لا من أجل الماضي نفسه، بل ليكون رؤية للحاضر، إذ يلتقي يوسف النجار بمصادفة عابرة، بزميلة الدراسة الجامعية (الأربعينية عبير)، وتتجدد العلاقة، بنمط عاطفي، يحاول النجار من خلالها ان يعوض خساراته، إلا انه بمثابة هروب إلى اللاشيء، وما كانت عبير قادرة ان ترمم حياة النجار، وهي الأولى بالحاجة إلى هذا الترميم العاطفي والنفسي، الإثنان عاجزان عن التعامل مع الأشياء، فيتراجعان كل منهما الى دواخله هرباً من العنف، والفوضى، ومن اللامعقول الذي يحيط بهما، حائران ومتناقضان غاية ومعنى، إنه العبث والضياع، وسؤال يرتسم عن معنى المأزق القابع في قاع هذه الرواية، وربما يعود ذلك الى الطبيعة التي درجت عليه الكتابة الروائية عند أحمد خلف، ولاسيما في تناوله الواقع العراقي في أحداثه المتشابكة والمعقدة. وحين يجد شرط ومعنى الكتابة متيسرين لديه. وأهم ما يستوقف المتابع لكتابات أحمد خلف هو الصلابة والوضوح في الرؤية والموقف، والنظرة المنحازة بثبات وإستقامة، لعالم يشتد فيه الصراع من أجل الإنتماء والهوية، أو موقف البطل في التعبير عنها.

في الرواية جمالية إستثنائية غير الشكل، وان كان شرطاً مهماً في الكتابة كأسلوب، أو كتقنيات أسلوبية سردية، بل هي جمالية دلالة تحاولها الكتابة، وتتوخى توظيفها في محاربة اللاجمالي في الواقع والتاريخ، انها مواجهة الكتابة ضد العنف واللاعدالة.

 

جمال العتّابي

 

 

طالب عمران المعمورياقتراب نصي لـ(متاحف الطفولة) للشاعر ناصر ابو الورد

في البدء أحاول أن أقترب سياقياً محاولا فهم النص ونسقيا من خلال تحليل بنية النص وتشريحه ومعرفة دلالاته وابعاده الجمالية1

اختيار الشاعر تلك العنونة (متاحف الطفولة) محاولا تحديد البؤرة النصية2 ملمحا ومكثفا لبراءة الطفولة والدعوة في رؤية نور الطفل البريء الذي بدواخلنا، البراءة التي لا تعرف الحقد ولا الحسد وهي رمز الصدق والعفوية.

يحاول الشاعر أن يروي لنا قصة حلم وقصيدة أمل بأسلوب شعري، نثري، سردي وبحكائيه وبألفاظ شفيفة يجعلنا نعيش في أنفاس عذبة وأريج عبق، استشف من حلو كلماته وعذوبتها تعبيرا عن روحه النبيلة الصافية الشاعر ابو الورد شاعرا صافي القلب طفولي الفطرة، عبر عن احساسه الرائع واقترابه من عالم الطفولة، احسن الشاعر في اختيار هذه العنونة التي تمتعت بلغتها الانزياحية الشاعرية بثنائية ومفارقة لفظية (متاحف / الطفولة)

استهل قصيدته بجملة شعرية (أطروا نوافذهم بالسنديان) ترجم لنا معنى البراءة، صور لنا بمخيلة عالم مخملي باذخ يذيب القلب أطره بأكاليل وياسمين .

استطاع الشاعر بلغته الشعرية انزياحا عن المعيار الذي منح النص بنية الجاذبية في تشكيل منظور ورؤيا جديدة كما في نصه: 

على بعد حكايةٍ يزرعون لهم جدةً

كي يقطفوا(كان يا ما كان) طازجة

على بعد شرفةٍ تنتظرُهم معشوقةٌ بعمرِ فراشةٍ

على أبواب أعمارِهم تتكسرُ الفواجعُ

احتمل النص في بنيته جذب يرغمنا على ملء الفراغ والفجوة الناتجة عن القراءة بأسلوب انزياحي يحمل قيمة جمالية :

على بعد حكاية/ يزرعون / جدة

يقطفوا/ (كان يا ماكان) / طازجة

على بعد شرفة/ تنتظرهم معشوقة/ بعمر فراشة

على أبواب أعمارهم / تتكسر الفواجع

يحاول الشاعر اثبات وجوده وذاته الشعرية الفذة بأن يخلق لنا عالما من العدم من خلال مفرداته الساحرة المتعددة الدلالات باستعارة والكناية التي هي بحد ذاتها لغة خرق(شعرية)، عكس اللغة النثرية العادية ومخالفة لها ابدع الشاعر في الجوانب الفنية والجمالية التي تكمن في خلق الصور والأخيلة والفكرة وما شابه ذلك من الرؤى من خلالا التشكيل اللغوي، ارى انه قد اضفى لنصه بعدا تجديدياً التي تخللت نصه طاقة تعبيرية مارسها الشاعر لشد انتباه القارئ ويجعله على انسجام وتوافق مع النص الشعري ويبعده عن الرتابة والملل تجلى في:

أيامُهم سربُ أوزٍ مهاجر

غايتُهم أن يبصروا الأقفاصَ فارغةً

غايتُهم أن يبصروا بنادقَ الصيدِ تحتضر

أظهر الشاعر امكاناته الشعرية من خلال شعرية الرؤيا وشعرية اللغة والتي تضمنت شعرية الرمز وبعض التناص والتنويع الداخلي من حيث الايقاع الشعري التي شكلت نسيجا دلاليا لقصيدته والذي ضمن وحدتها وتماسكها

ففي نصه:

بسطاءٌ كسائرِ النمل

حمّلَهم الشتاءُ ما لا طاقةً لهم عليه

بسطاءٌ منذ الصغر

يصلحون الأحذيةَ المعطوبة

تدين ُ لهم الشوارعُ بالهذيان

لهم في كل بقعةٍ مظلمةٍ سفارةٌ مضيئةٌ

لهم طقوسٌ تجعلُ من الجنرالاتِ ربّاتِ منازل

اختصروا العالمَ بطوقٍ من الياسمين

اختصروا أنفسَهم بمرآةٍ تجلسُ أمامَها الحمائم

اختصروا الصديقَ ..بمدينةِ الالعاب

فراشاتُ نبوءةٍ بيضاء

كم سعلوا من البرد

كم ادخروا من السلام

وقفوا على بابِ القابلة

ليقطعوا رأسَ الحرب… قبل الولادة

من خلال توظيف ثنائية التضاد بين عالم الطفولة المضيء والبريء و عالم الظلمانية بتعبير رمزي مبتعدا عن الاشارات المباشرة او اسلوب الشعارات الخطابية اضفى على نصوصه ايقاعا داخليا ضمن الآليات التي اشتغل عليها في توليد ذلك الايقاع هو اسلوب التكرار3 في الكلمة يكاد يكون في معظم قصيدته كما في، على بعد حكاية/ على بعد شرفة، غايتهم أن يبصروا الأقفاصَ فارغةً/ غايتهم ان يبصروا بنادقَ الصيدِ تحتضر، بسطاءٌ كسائرِ النمل/ بسطاءٌ منذ الصغر، لهم في كل بقعةٍ/ لهم طقوسٌ، اختصروا العالمَ/ اختصروا أنفسَهم/ اختصروا الصديقَ، كم سعلوا/ كم ادخروا، لهم في كل بقعةٍ / لهم طقوسٌ، اختصروا العالمَ / اختصروا أنفسَهم /اختصروا الصديقَ، رائحتُهم الطيبة تجاوزت السماءَ السابعة/ رائحتُهم الطيبة فتحت أبوابَ رياضِ الاطفال .

وهكذا أظهر الشاعر براعته في توظيف طاقاته اللغوية وامكانات التعبير ذات صلة بفكر الشاعر ووجدانه و رويته الشعرية .

متاحف الطفولة

أطروا نوافذهم بالسنديان

ركلوا البحر

ولد السندبادُ بفمِه جوازٌ دولي

على بعد حكايةٍ يزرعون لهم جدةً

كي يقطفوا(كان يا ما كان) طازجة

على بعد شرفةٍ تنتظرُهم معشوقةٌ بعمرِ فراشةٍ

على أبواب أعمارِهم تتكسرُ الفواجعُ

أيامُهم سربُ أوزٍ مهاجر

غايتُهم أن يبصروا الأقفاصَ فارغةً

غايتُهم أن يبصروا بنادقَ الصيدِ تحتضر

بسطاءٌ كسائرِ النمل

حمّلَهم الشتاءُ ما لا طاقةً لهم عليه

بسطاءٌ منذ الصغر

يصلحون الأحذيةَ المعطوبة

تدين ُ لهم الشوارعُ بالهذيان

لهم في كل بقعةٍ مظلمةٍ سفارةٌ مضيئةٌ

لهم طقوسٌ تجعلُ من الجنرالاتِ ربّاتِ منازل

اختصروا العالمَ بطوقٍ من الياسمين

اختصروا أنفسَهم بمرآةٍ تجلسُ أمامَها الحمائم

اختصروا الصديقَ ..بمدينةِ الالعاب

فراشاتُ نبوءةٍ بيضاء

كم سعلوا من البرد

كم ادخروا من السلام

وقفوا على بابِ القابلة

ليقطعوا رأسَ الحرب… قبل الولادة

الكلُ ينتظرُ منهم بشارةً لا يزفُّها إلا نبي

على أوتارِ عودهم

أخضرَّ النعناع

مكتوبٌ على سيماهم

لابدَّ للغدِ أن يكونَ سعيدًا

عند نافذتِهم

تسترخي كلُّ النوافذُ

على سواحلَ شطآنهم

تعقدُ النوارسُ اتفاقيةَ العودة

اشتروا أطنانًا من السكر.. ليغيروا طعمَ الرحيل

رائحتُهم الطيبة

تجاوزت السماءَ السابعة

رائحتُهم الطيبة

فتحت أبوابَ رياضِ الاطفال

أبدلت أقلامَ الرصاصِ

بقضبانٍ من الحلوى

كم يعشق ُ الاطفالُ ..أصابع العروس

عندهم كرةٌ أرضيةٌ بحجمِ كرةِ الطاولة

يغسلونَها بماءِ الورد

زرعوا قلوبَهم عند مفترقِ الطرق

عالمُهم تحسدُه العوالمُ الاخرى

أحمرُ الخدود

ناعمُ الملمس …حريريُّ الكلام

منه تستوردُ بضائعُ السعادة

مقابرُهم تحفةٌ نادرة

تذكرُ من زارها ..بأزليةِ الضفاف

هنا يرقدُ قيسُ بن الملوح

هناك قبرُ روميو

سعداءٌ ينسون الغرامَ تحت الأرض

تنمو قبلُهم أقحوانا

زهورٌ بريةٌ على مدِّ البصر

عالمٌ أعنفُه أن تقولَ لمن تحبُ

خذها مني قبلةً حارةً

عالمٌ يكرم (رعد عبد القادر) بلبلاً ذهبياً

عالمٌ يقدسُ الوقوفَ على قبرِ رامبو

عالمٌ لا نجدُه ألا في متاحفَ الطفولة

***

بقلم طالب عمران المعموري

.......................

المصادر

1- الشعرية عند أدونيس بين المفهوم والتجريب/ سعد بكير، رسالة دكتوراه، الجزائر، جامعة السانيا، كلية الآداب، اللغة العربية، 2013 .

2- التجديد في الشعر العراقي، سعد الساعدي، ط1، دار المتن، بغداد، 20202.

3- الخصائص الاسلوبية (رسالة ماجستير)، فوزية بنت محمد بت ابراهيم، كلية اللغة العربية والدراسات الاجتماعية / المملكة العربية السعودية.

 

 

الكبير الداديسيأو عندما ينبعث الفن من دمار الحروب

رواية قيامة البتول الأخيرة (الأناشيد السرية)1 آخر أعمال الروائي والقاص السوري زياد كمال حمامي وهي ليست من الأعمال المغلق والمنغلقة على ذاتها التي يصعب على الدارس إيجاد منفذ لولوجها، ذلك أنها مشرعة الأبواب ويسهل على أي ناقد مقاربتها، فمداخلها وعتباتها من العنوان، إلى المقطع المقتطف من رسالة الإله بعل في الصفحة الأولى، مرورا بلوحة الغلاف وبداية النص إلى آخر جملة بنهاية الرواية.. تغري بالدراسة. إضافة إلى تعدد محاور محتوى الرواية وتنوع التيمات والإحالات إذ تتنوع القضايا التي لامستها الرواية بين القضايا المحلية، الوطنية، القومية والإنسانية.. مع تداخل السياسي والاجتماعي بالاقتصادي والثقافي، لتسبح بالقارئ بين عوالم متعددة ومواضيع متنوعة منها: الحب، التسامح، الصراعات العائلية، علاقات الجيران، مشاكل الشباب والمراهقين، وضع الأقليات في الوطن العربي، الصراعات الطائفية، القتل، اغتصاب الأحياء والموتى، الفساد، التطرف، وضع اليهود في سوريا، النزوح، شظف الحياة، المكر والخديعة في العلاقات الإنسانية، الصراع العربي الإسرائيلي... لتبقى الحرب وتأثيرها على المجتمع السوري وما نتج عنها من تغير في طباع وعلاقات السوريين أهم تيمة في الرواية. وكل تيمة من هذه التيمات وغيرها تستحق قراءة نقدية خاصة، لكننا في هذه المحاولة سنحاول الوقوف على نقطة قد تبدو هامشية وأقل قيمة مقارنة مع باقي القضايا الأخرى، وهي دور الفن (النحت) في الرواية؟ وما قيمة الفن وسط الحرب والقتل؟..

لابد من الإشارة في البداية إلى أن ما جعلنا نختار هذا الموضوع دون غيره، بالإضافة إلى حضور النحت اللافت بين ثنايا الأحداث واشتغالنا على التعالق بين التشكيل والرواية العربية، هو افتتاح الرواية وانتهاؤها على إيقاع النحت:

- فهي تبتدئ وضربات البطل عبد السلام النحات على الصخر ينتحت تمثالا فكانت أولى الجمل بالرواية: (ضربات إزميل ناعمة تتنَّزل على الرأس تفتح حدودا ضيقة، ومتاهات متشابكة، تتشّكل على جسد الكتلة الصخرية الصماء، تلك القطعة التي تشبه في أخاديدها وجه زهرة اللوتس التي تعيد تشكيل نفسها، بنفسها، وتنبض بكل هو مدهش ومختلف ومذهل. تتوالى الضربات المتتالية من يد: عبدالسلام، الرشيقة، تظهر ملامح الخصب، والانبعاث من الرماد لجسد تمثال "الحريـة" الصفحة11.  لتقدم لنا البطل وهو يتفرّس في أركان القبو "الكهف"، المُكتَظّ بمنحوتاته وأيقوناته، وعدّة تماثيل نصفيّة لشخصيّات تاريخية وفنّيّة، وبعض رسوماته السورياليّة الصفحة11.

- وتنتهي الرواية والبطل يضحي بنفسه متحملا طلقات الرصاص من أجل صون تمثال الحرية الأثري وإنقاذه من المهربين وإيصاله إلى المتحف مفضلا فداء التمثال بروحه على أن يتم تهريبه خارج حلب: (وسقط على الأرض، مضرّجا بوطنه، نازفا، مشيرا بإصبعه إلى النعش، لحظتها، اقتربوا منه، نظر بعضهم إليه، وكأنّه يقرأ كتابا، أو يشاهد لوحة غريبة، وقبل أن يغمض عينيه، سمع صرخة مدوّية من أحد الحرَّاس:

- سيّدي! سيّدي! في الصندوق تمثال!)

وبين هذين المشهدين (البداية والنهاية) المشكلين لدقتي الرواية، ينسج السارد خيوط حكايته كما ينحت النحات معاناته في الصخر الأصم (الصفحة 11.) وهو ما يفرض على أي قارئ أسئلة من قبيل: لماذا اختار السارد نحاتاً بطلاً لروايةٍ موضوعها الحرب والاغتصاب؟ وماذا القيمة المضافة التي يمكن أن يضيفها فن النحت لرواية حرب؟ وهل يمكن أن يكون للفن(النحت) أي دور في إيقاف الحرب أو على الأقل التخفيف من حدة المأساة التي يعيشها الشعب السوري روائيا؟

قبل الخوص في هذا الموضوع نلفت عناية القارئ إلى تعدد الفنون التي وظفها السارد في بناء روايته سواء منها الفنون الأدبية (كالشعر)ـ أو الفنون الإيقاعية (الرقص والموسيقي) أو الفنون البصرية (السينما والتلفزيون)، أو الفنون التشخيصية (المسرح)، أو الفنون التشكيلية بمختلف تلويناتها من عمارة، تشكيل المجوهرات الرسم، والنقش.. ليبقى النحت هو ذلك الخيط الرابط بين مختلف هذه الفنون ومن بين أهم القوى الفاعلة التي ساهمت في بناء وتطور الأحداث، فمن حين لآخر يتردد مشهد البطل عبد السلام وهو يضرب بالإزميل على منحوتات، سواء في لحظات الانكسار أو لحظات النشوة والفرح، وحتى لحظات النوستالجيا والحنين للحظات مشرقة من الماضي.. فهل توظيف كل هذه الفنون في الرواية أمر عفوي واعتباطي؟

رواية قيامة البتول الأخيرة (الأناشيد السرية) رواية صدرت في طبعتها الأولى سنة 2018 في 318 صفحة من الحجم المتوسط، وهي موزعة على أربعة فصول متساوية المشاهد تقريبا ولذلك دلالته لأن لا شيء بريء في الكتابة الروائية ولا وجود لكتابة بيضاء:

- الفصل الأول يمتد من الصفحة 9 إلى الصفحة رقم 89 صفحة ويشمل عشرين مشهداً

- الفصل الثاني من الصفحة رقم 91 إلى الصفحة ويشمل 159 بثمانية عشر مشهداً

- الفصل الثالث يمتد من الصفحة 161 إلى الصفحة 233 ويشتمل على واحد وعشرين مشهد مشهدا

- الفصل الرابع ينطلق من الصفحة 235 إلى الصفحة 313 ويحتوي واحدا وعشرين مشهداً

تدور أحداث الرواية بحي البندرة الذي ظل عبر التاريخ مسرحا للتعايش وملتقى للمسلمين، المسيحيين اليهود، الأرمن، العرب، على طوائفهم ومذاهبهم كافّة: سنّة وشيعة، علويّين ودروز، بروتستانت أو كاثوليك، مؤمنون وملحدين، من أبناء الحي أو القادمين إليه من لبنان وإيران والعراق... مما جعل حارة البندرة (تُعَدُّ حيّا شعبيّا تعدّديّا، متآلفاً) ص 214 لكن الحرب غيرت ملامح البندرة العمرانية بالتخريب والتفجير، والسكانية بالقتل والاغتصاب، والعلائقية بتسميم العلاقات ونشر الكراهية بدل التعايش، فكان طبيعيا أن تبتدئ أغلب فقرات الرواية بفعل مضارع (يفعل أو تفعل) دلالة على التوتر الذي يقع هنا والآن...

إن اختيار فنانٍ بطلا لرواية حرب واغتصاب يجد تفسيره في كون الفنان يعد أكثر الناس رقة وإحساس بالمآسي، له رؤية ثاقبة ترى مالا تراه العيون العادية، ليغدو الفن علاجا وبلسما للجروح الاجتماعية والنفسية العميقة، لمَا يتميز به الفن من تسامٍ وتعالٍ في رؤيته للأمور، فلا غروّ إن وجدنا النحات لما ينخرط في عمله يترفع عن الحضيض الذي تعيشه العامة، (وعندما يحاول أن يبدأ النحت في الكتلة الصَّماء، من جديد، يرتجُّ كلُّ شيء في هذا المكان الصغير تمة انفجار جديد أشبه ما يكون بزلزال عنيف هز أركان المدينة العتيقة، وسراديبها السرّيّة (..) طرف يقول إنّها ثورة ، والطرف الآخر يصفها بالأزمة والفتنة، وطرف ثالث يعتنقها جهادا، وآخر يعدها احتلالا، وأطراف أخرى تؤّكد أنها: فوضى) 12 وعبد السلام وسط كل هذه الفوضى يبتعد عن الخطاب المباشر، وعن مختلف الفنون ويختار فناً تعبيريا تلقائيا يخاطب اللاشعور و(عبد السلام نفسه اشتُهر بتقديمه عدّة أدوار مهمّة مع فرقة المسرح الجامعي، ولكنّه اختصّ بعد تخرّجه بالنحت على الحجر والرسم السورياليّ فوق الواقعيّ، لاعتماد ذلك على التلقائية الانفعالية، والتعبير عن الأفكار اللاشعوريّة بالقفز فوق الواقع، واستنهاض العقل الباطنيّ، وهذا ما يناسب شخصيّته، وحالاته النفسيّة، غير المستقرّة، على نمط "سلفادور دالي"، "فلاديمير كوش" الصفحة 13.

إن الأعمال العظيمة تكون وراءها مآسي عظيمة، فلا شيء يسمو بنا إلى العظمة مثل الألم على حد تعبير دي موسيه فما عاشه عبد السلام من مآسي بقتل والده قهرا، وقتل البتول بعد اغتصابها والتنكيل بجثتها ورفض توظيفه في الوظيفة العمومية وخيانة محبوبته... كل ذلك وغيره كان له كبير الأثر على نفسيته فهو يتذكّرُ بألم شديد ليلة سقوط البتول المريع، )صورة بنت الحارة الصبيّة "البتول"، وهي تتقلّص على مرافئ العار ككتلة بشريّة متحرّكة، تتكور في زاوية الغرفة نفسها التي شهدت حالات اغتصابها اللعين، تتنفس بصعوبة، تبكي، تنتحب، تحاول أن تخفي عُريها المدنَّس، ودماءها المتخثّرة تحت ثرى ساقَيها، وثيابها الداخليّة البيضاء، وتلك الكدمات الموشومة على وجهها المصدوم، وآثار الشذوذ الجنسيّ الوحشيّ الذي تعرّضت له، بعد أن تمّ اغتصابها مرارا وتكرارا، بوحشيّة همجيّة) الصفحة12. يحاول أن يفجر ما يختلجه صدره في فنه لإخراج التمثال في مشحونا بالعواطف (تتوالى الضربات المتتالية من يد عبدالسلام الرشيقة، تُظهر ملامح الخصب، والانبعاث من الرماد لجسد تمثال "الحرية"، يتفرّس في جناحَي النسر وأطرافه المُجنَّحة، يتلمّس وجهه الذي بُعِثَ من الرخام البازلتيّ، ويماثل وجه البتول الملائكيّ، أجل، هو نسر ضخم وله وجه امرأة تخرج من الرماد، تحضن أولادها بخوف ممزوج بالحنان، تظل لهم بجناحيها الضخمين، تُرضعهم من حليب ثدييها اللذين يشبهان قلعة المدينة) الصفحة.11

لكن مشكلة الفنان في العالم العربي هو غياب الدعم، وتنكر القريب، وعدم تقدير موهبته فعلى الرغم من اعتراف الأم بموهبة ابنها لكن الفن يبقى في نظرها لا يُطعم خبزا: (تعرف أن الرسم والنحت فنّ جميل يتمتّع فيه ابنها، ويعدّه فضيلة عمره كلّه، وقد ضحّى من أجل ذلك كثيراً، ولكن: ما هذا الفنّ الذي لا يُطْعِمُ خبزا؟" سألت نفسها، ولعلّها أجابت: "إيييه.. هم أفقر خلق الله"، بل إنّها أردفت: يا لحظّك التعس يا عبد السلام..! الصفحة 265

ويبقى وحده الفنان يحمل مأساته، يفجر طاقاته في الفن، قد يتفنن ويثقن عدة فنون لكن يجد نفسه في الأخير عاطلا، فرغم كون عبد السلام فنانا عصاميا يمتح من الماضي ويجمع بين الرسم والتمثيل والنحت فكل ذلك لم يشفع له وظل متسكعا عاطلا ، لما فكر في كتابة مذكراته لم يجد لها عنوانا أنسب من (مذكرات فنان متسكع) مقتنعا بأن " اختيارات الماضي، وتشعّبها، من التمثيل إلى الرسم، ومن ثمّ إلى النحت، هي التي جعلته عاطلا عن العمل) الصفحة 135 ، على الرغم من أن الكل يعترف بموهبته والناس يعجبون بأعماله، فتلك الأعمال لا تحقق له عيشا كريما، ( كانت منحوتاته دائما تتشبّع بصور الانعتاق من العبوديّة، وكان يصوِّر بخطوطه حجم الألم، الذي يشعر به الناس، من جراء الفساد المتفاقم، وبما أنّه فنّان من النوع المغامر، فقد اقتنيت بعض منحوتاته، وعرض بعضها في"الحديقة العامّة"، وفي"المتحف الوطني"، ما وهبه نظرات الاحترام المجتمعيّة، وأتاح له بعض التقدير من الأصدقاء المقرَّبين، لكن ذلك، لم يحقّق له ريعا مادّيا مناسبا، فظلَّ في ركن المفلسين الدائمين، الباحثين عن ليلة مجنونة تنسيهم هموم الحياة، ومعاناتهم القاتلة.) الصفحة. 134، ولعل ما يزيد الفنان معاناةً رؤيتُه التافهين يتسلقون أعلى المراتب، والمسؤولون يفضلون من هو أقل كفاءة على الفنان المتعدد المواهب لذلك لن ينسى عبد السلام أبدا يوم ( تخرّجه في معهد الفنون الجميلة، وأسعفه الحظّ أن يعمل بعقد مؤقت "مُخرجا"، مساعدا فنّيا للصحيفة الوحيدة الصادرة في المدينة، وقد نشر عدة كاريكَاتورات .. ورغم أنّه أثبت جدارته في بعض التحقيقات المصوَّرة، وفي القليل من المقالات والدراسات الاجتماعيّة والأثريّة غير السياسيّة، خاصّة عن الثورة الفكريّة، والزراعيّة، إلّا أنّه لم يستطع أن يحصل على موافقة الدولة في وطنه، لا في التثبيت ولا التعيين بوظيفة دائمة، ولا حتّى في شرف الحصول على عضويّة اتّحاد الصحفيين، أو الفنّانين التشكيليّين، ولهذا، ظلَّ متسكّعا في دائرته، واستمرّ عضوا بارزا في شلّة الصعاليك الشرقيين! تقدّم عدّة مرّات للقبول في وظائف متعدّدة، مختلفة، مقبولة، وغير مُرضية، ولكن من المؤلم أنّ كثيرا من الطلبة الذين تقلّ درجاتهم عنه قُبِلوا، وحصلوا على الوظائف المهمّة، ومن المفارقات أنّه نفسه، كان يساعد زميلا له في دراسته، وفي رسوماته، التي كان يمزّقها له كثيراً ويطلب منه إعادة المحاولة، ويرسم له خطوطها البيانيّة، هو نفسه، هذا الطالب الكسول، الوصوليّ ، الطفيليّ ، قبِل فورا، وأصبح مديرا للقسم الذي درسا فيه، وتخرّجا منه معاً ولكن الفارق أنّ الأوّل مدعوم من أحد رجالات النخبة، والثاني لا دعم غير موهبته وإبداعه، لكنهما لا يكفيان للحصول على ما يستحقّ المواطن الشريف! والمؤلم أكثر، أنّ هذا المدير المدعوم قد رفض الطلب الأخير، ويقولون بسخرية لاذعة إنّه مزق الطلب بيديه، ورماه في سلّة المهملات..) الصفحة 133

في مقابل هذا الجحود من أبناء جلدته يحظى الفنان العربي بالاعتراف من الأجنبي فقد نحت عبد السلام تمثالا صغيرا (من الحجر الأسود الناريّ، لجسد نسر سوري له وجه امرأة جميلة، وجناحان واسعان، وفي كلّ جناح يتعلَّق طفل رضيع، وتظهر حفّاضات الأطفال كأنّها سلال من عنب، وأوراق الكرمة، وتزيِّن رؤوسهم أكاليل الغار، وأزهار الياسمين، هو لا ينسى، وكيف له أن ينسى؟ أنّ هذا التمثال قد نال إعجاب السائحة "سوزانا"، الكندية، حين رأته معروضا في سوق "خان الشونة"، الأثريّ، في معرض الفنان "سهيل"، الخاصّ ببيع اللوحات الفنّيّة، والقطع الأثريّة غير الممنوعة، والألبسة الفلكلوريّة الشعبيّة، والهدايا التي تجسِّد تاريخ المدينة، ماضيها وحاضرها، خاصّة قلعتها الشامخة) الصفحة 175 فأخذ التمثال لبها وقالت:(إنّه تمثال تعبيريّ رائع، يستحقّ أن يُعْرَض في أرقى المتاحف في العالم). وسلكت كل السبل الممكنة لاقتنائه دون أن تتمكن من الحصول عليه رغم استعدادها لدفع أي مبلغ، ولما فشلت في الحصول عليه ، ألحت على صاحب المعرض ليعرفها على الفنان الذي نحتت أنامله هذه التحفة النادرة.. ورحلت دون أن تحصل على المنحوتة رغم كل ما قدمته لعبد السلام من هدايا (عطرا من شذى الياسمين الحلبي الطبيعي) وتقديم جسدها له في ليلة حمراء (هي الليلة الحميميّة الأولى، والأخيرة، إذْ إنّه عندما استيقظ صباحا، وجد رسالة خطّيّة مكتوبة باللغة العربيّة، تخبره فيها أنّها امرأة ولدت في حلب1446 م، لأبوين يهوديّين) الصفحة 176. وقد ظلت ذكرى ذلك التمثال في ذاكرتها حتى لما علمت ما حل بحلب من فوضى الحرب "بكت دما وذرفت دموعا، لِما رأته من مجازر رهيبة تحدث في البلد، ووصفت الخراب بيوم القيامة،) وراسلت عبد السلام (واستسمحته عذرا أن يقبل الهجرة إلى كندا، أو أيّ بلد أو روبي آخر، وأنّها على استعداد تامّ للمساهمة، والوقوف بكلّ ما تملك من أجله،) الصفحة. 177

وإذا كانت الحيوانات من القطط والكلاب قد تفاعلت مع بشاعة وشراسة الحرب التي اندلعت في حي البندرة فألفينا (الكلب المرقَّط "ميمون"، أو كما يناديه أهل الحيّ "ميمو"، يلهث، وهو يقفز من هنا، إلى هناك، ويساعد بعض المصابين، ولكن المفاجأة الصادمة، المثيرة للانتباه، حين ركض بأقدامه الأربع، بسرعة مذهلة، واخترق دار "البتول"، راح يعوي بصوت قويّ، مشيرا إلى أمر ما قد حدث هنا..! الصفحة.16. فالفنان الذي كان يزهد في الحياة ويكفيه أن يجلس في مجلس فني ليشعر أن الحياة حيزت له بكاملها (يحسُّ أنّ العالم كلّه يجلس معه، تجوب عيناه حول ركن مُحاط بلوحتين مؤطّرتين، اللوحة الأولى بإطارها المذهَّب، وبداخلها مفتاح دار حديديّ صدئ، ذو حجم كبير، معلّقة في وسط الغرفة، واللوحة الثانية، مماثلة في إطارها، ولكنّها تحتفي بمجسّم عتيق للمسجد الأقصى ) الصفحة200 أكيد أن ذلك الفنان برِقّة أحاسيسه ودقة رؤيته سيكون له تصور مختلف عن العامة، وهو يرى الخراب يحل في كل مكان بالمدينة لا يميز بين المرافق المدنية ( أكبر سوق مسقوف في العالم يحترق وَيُهَدَّم! المساجد والكُنُس والمقامات والأوابد تُدَمَّر! أبوابها وحماماتها وخاناتها ومزاراتها صارت حُطاما! أبيحت بيوتها، وذلّت نسائها..) الصفحة.18 (حتّى المستشفيات، والصيدليّات، ومدارس الأطفال، ودور العجزة، والمقابر، لم تسلم كلّها من أنياب هذه الحرب الظالمة.) الصفحة .22 لدرجة أضحى التفجير والتخريب صورة يومية اعتيادية وهو ما يتطلب رزانة وهدوءً أكبر.. هكذا كان عبد السلام" يسمع (عدّةَ انفجارات مُدَوّية، مرّة أخرى، وعاشرة بعد الألف، تهزُّ المدينة، كأنّها بداية يوم القيامة، لكنّه لا يهتزّ، ولا يشعر بالخوف، ولا يستطيع أن يميز صوت الانفجارات، من تثاؤبات السور، وزفراته الزلزاليّة، فقد صارت هذه الأصوات عادة يوميّة، اعتياديّة..) الصفحة18، فيكون لذلك أكبر الأثر في دواخله و( يحسّ بدوار في رأسه.. الدنيا حوله تدور.. يدور التمثال.. يدور الكرسي الخيزرانيّ العتيق به.. الكهف يدور.. كلّ شيء يتناسل دوائر حمراء بلون الدم.. كلّ دائرة في ناظريه تتحوّل إلى ألف زوبعة، وألف دمعة، وألف دائرة، وألف عَلَم يرفع، وألف نشيد يصدح، وألف شعار ينبح، والدائرة ما زالت تدور.. تدو..ر" الصفحة ص 21 ولا يخرجه من هذا الدوران اللامنتهي سوى الحلم بعودة السلم والتجوال في المعارض الفنية، يرى نفسه في الحلم يتجوًّل في قاعة المعرض المقام في متحف حلب الوطني، قرب شارع "بارون"، يتفرّس في تلك المنحوتات المختلفة، واللوحات التشكيليّة المتنوّعة، والجناح الخاصّ لبيع الكتب التراثيّة والدينيّة، الأدبيّة والعلميّة، يشعر بسعادة لا توصَف، وبفخر مدهش. المعرض يعجّ بالزائرين، والسائحين الأجانب، الفنّانين والصحفيّين والنقّاد، يتوقّف أمام كتلة نحتيّة رائعة، يتأمّلها، يعقد حاجبيه، تزيغ عيناه قليلا ا، يتفرّس فيها بحدّة، يدور حولها، يدور جمع من المعجبين بها، يشيرون أمامه إلى معانيها، يتقدّمون إليه بتقدير، يشدّون على يديه، يطلبون منه التوقيع على دفاتر مذكّراتهم الملوّنة بجماليّة مدهش) الصفحة 117..

لكنه يصحو من حلمه المؤجَّل على واقع مرير يعمه الخراب واغتصاب الجثث لا يملك إلا أن (يمسح عينيه بيده، يمتصُّ لسانه الجافّ ، يتأوّه بحسرة وأسى، يدركُ أن الحلم المؤجّل قد اختفى. وقد تغير كل شيء، (إلا الكتلة الحجريّة التي رآها في حلمه، يجدها ساكنة في مكانها، لم تتحرّك من موطنها الأصلي، وما زالت على صدر الطاولة الصامدة). الصفحة 117. وكأن الهدف والحلم المنشود هو نحت الصخرة وبث الحياة فيها من خلال تمثال يحيل الصخرة الصماء عملا فنيا تشع منه الحياة وبعث الأمل في مستقبل أحسن، مقتنع حتى الثمالة أن رسالة الفنان تحرير العقول، إنارة الطريق وأن الفنان لا يمكن أن يكون قاتلا ولو عاش وسط الحروب، لذلك لما قدَّم يحيى مسدسا لعبد السلام وطلب منه الانتقام من مغتصبي البتول وقاتلي والده يقول السارد (كان هناك شيء خفيّ في عقله يحدّثه: إنّك خُلِقْتَ فناناً، وليست مهمّتك القتل) الصفحة 54

وسط الحرب والدمار لم يكن لعبد السلام إلا الفن وسيلة تخفف عنه بعض ما أصابه من توالي الخيبات والرزايا، وكأن المحن كانت تزيده جَلَداً، صبرا وقوة تحمل يقول السارد (ولعلّ ما حدث، كان دافعا له دائما لكي يثبت أحقّيّته فيما يصبو إليه، ويحلم به، وقد وفَّر له التحدّي، المزيد من المغامرات، والاشتراك في عدّة معارض فنّيّة متنوّعة، إذْ وجد نفسه أخيرا، وأدرك أنّ النحت في الحجر يشبه حياته تماما..) الصفحة.134.

إن الصخر على صلابته - في نظر الفنان- أرحم من قلوب البشر، فإذا كانت القلوب قد تحجرت، فالصخر بين أنامل الفنان مطواع قادر على التجاوب يتسع كل الأحاسيس.. (كانت منحوتاته دائما تتشبّع بصور الانعتاق من العبوديّة، وكان يصوِّر بخطوطه حجم الألم، الذي يشعر به الناس، من جراء الفساد المتفاقم، وبما أنّه فنّان من النوع المغامر، فقد اقتنيت بعض منحوتاته، وعرض بعضها في"الحديقة العامّة" والمتحف الوطني ) وكان الفن مفرج كربه، لا يقلقه شيء أكثر من عدم اكتراث الآخرين بالفن، فلكما كان (يحسّ باكتئاب شديد، وبتوتّر أشدّ حين كان، قبل أن تبدأ الحرب، يهمّ بالذهاب يوميا إلى مقهى "الثقافة" ليجلس مع أصدقائه الأدباء والكتَّاب والنقّاد، كان يحمل بعض رسوماته، أو لوحاته ذوات الحجم الصغير، أملا أن تنال إعجاب أحد ما..) الصفحة 136.

أن تكون فنانا قدرٌ وليس اختياراً، لذلك لما كانت تلومه والدته على المسار الذي اختاره في حياته وتقوله له (عليكَ ألّا تيأس.. ابحث عن وظيفة ما، أنا تعبت، ولم أعد أستطيع الاستمرار هكذا) كان يرد عليها بقوله:

- سامحيني يا أمّي، صرتُ متسكّعا، ولكن، ليس باختياري.. الصفحة 136.

لذلك أضحى الفن زاده، وهواءه الذي يتنفّسه، صحيح أنه أكسبه بعض الاحترام والتقدير في أعين العامة و(وهبه نظرات الاحترام المجتمعيّة، وأتاح له بعض التقدير من الأصدقاء المقرَّبين، لكن ذلك، لم يحقّق له ريعا مادّيا مناسبا، فظلَّ في ركن المفلسين الدائمين، الباحثين عن ليلة مجنونة تنسيهم هموم الحياة، ومعاناتهم القاتلة.) الصفحة 134، فعاش حياة ضنكى، يجترّ مرارتها في واقع يعيش أزمة قيم، اختلت مقاييسه لا قيمة فيه للفن والفنانين ما دامت (الحياة اليوم صارت، وللأسف، لا تُقاس بما يملكه المرء من العلم والثقافة، بل بما يملكه من رصيد في البنوك، وأين يعيش؟! وما هو نوع سيّا رته الجديدة؟!..) فيجلس يُسائِل نفسه:(ماذا تفيده تلك اللوحات والمنحوتات التي أمضى معها أيّاما طوالا من الأرق والتعب؟ وماذا ستقدّم له؟ لا شيء. هكذا يجيب نفسه، بل إنّ اختيارات الماضي، وتشعّبها، من التمثيل إلى الرسم، ومن ثمّ إلى النحت، هي التي جعلته عاطلا عن العمل..) الصفحة 135.. لكن رغم ذلك فقد ظل مقتنعا أن الإزميل الحديدي والصخر يفهمانه أكثر من البشر: (يُمسك عبد السلام بالإزميل مرّة أخرى، يحسّ أنّ هذه الأداة الفولاذيّة تفهم مشاعره أكثر من أيّ روح أخرى، وراح يلاطف تمثال الحرّيّة بلمساته قبل الأخيرة، فجأة) الصفحة.299،

أمام عشقه للتشكيل كان عبد السلام يمارس فنه في هالة من الطقوس تسمو به فوق الواقع، وتجعله لا يحس بما يقع حوله فالانفجارات حوله تهز البيت وهو لا يهتم ويواصل نحث تمثاله (لم يتوقف عبد السلام عن إكمال مشروعه، بل يستمرّ بنحت الكتلة الصّمّاء، يريدها أن تنطق، أن تصيح، أن تهتف، تغنّي، يحسُّ أنّ أذنيه قد أصيبتا بالصمم، يطرق بإزميله على جناح التمثال، يطرق، يطرق، يهتف: "عليك أن تطير وترفرف عاليا"، يحفر بسرعة، بسرعة، تتسارع أصوات الانفجارات والرصاص اللئيم) الصفحة 299. وهو منهمك في إتمام تحفته أمه تخبره بتفجير البيت وهو أمام الفن مسلوب الإرادة، تعلقه بالنحت يربو على تعلقه بوالدته، كل الطرق إلا الفن غير سالكة، وكل الأبواب سوى النحت والرسم مواربة فنراه وقد: (استمرّ في النحت فوق الحجر، بل أراد أن يقول لها:

- سامحيني يا أمّي، ما يحدث معي، كان أقوى منّي، ومن حبّي لكِ، لم يكن أمامي غير أن أرسم، أنحت، ولم أستطع فعل أيّ شيء آخر، لقد انتهيت.) الصفحة 299

قد تنتابه لحظات يأس ويعلن ندمه على الوقت الذي أضاعه في فن لا يشبع معدة جائع، ولا يطفئ عطش ضامئ (إنّه يعترف، الآن، وللمرّة الأولى في عمره، أنّه قد أضاع تلك السنوات في الهراء، وأيقن أن المثاليّة والرومانسيّة، والهرطقة الفارغة، والانتظارات الحالمة، لا نفع لها في هذا العالم المجنون. لم يشعر بالمزيد من الإلهام، والحماسة في إتمام نحت تمثال المرأة "الحرّيّة"، الكاملة، التي تعني له الخِصب، والتضحية، والعطاء، ولا في النوم باكرا، ولهذا، استرخى يفكّر في نفسه، وفي مستقبله، وفيما يحدث في المدينة، وفي البلد كلّها، يفكّر بوالده) الصفحة.138

ومن تم كان اختيار النحت اختيارا رمزيا لهوية بلد، أهله فنانون بالفطرة، وكل شيء فيه له قيمة نادرة، حتى الصخر قابل لأن يصير تحفاً نادرةً، تلك هي سمة أقدم مدينة عامرة إلى اليوم ويكفي التأمل في ما يمثله التمثال (حدد) ( الإله الآموري الآرامي: "بعل" عشتار إله المطر والحرّيّة، وما ترمز إليه الأشياء التي حملها: (حيث يُمسك بيده اليسرى سنابل القمح، يتوّج رأسه بها، ويرفع باليد اليمنى شعلة الحرّيّة الساطعة) إنه مصدر الخير ورمز التحر ، ومصدر إلهام ، منه تم استلهام تمثال الحرية الذي أهدتها فرنسا للولايات المتحدة كواحد من أهم المنحوتات المعاصرة، ما أن نظر إليه عبد السلام حتى ابتسم بثقة و(هزَّ رأسه، أراد أن يقول لأبراهام أن فكرة تمثال الحرّيّة في أمريكا مأخوذة ومقتبسة من فكرة تمثال إله حلب القديم، وقبل خمسة آلاف عام، بل أراد أن يشرح له أنّ زوجة "حدد"، هي عشتار Ishtar، سيدة النجوم، والحبّ ، والخصب، ولكنّه غبَّ تفسيراته، وهو يعلم أنّ هذا التمثال يمثّل تاريخ المدينة القديم، ويحكي عن حضارتها، ونزوعها إلى الحياة الزراعيّة، والعمل، والسلام، وتذكّر مقولة: "حدد"، المشهورة عالميّا، التي تعرفها، وتوثّقها، كتب التاريخ كلها: "سورية بلدكم، أينما كنتم، وهذا حقكم، فحطِّم سيفكَ، وتناول معولك، واتبعني لنزرع السلام والمحبّة: أنتَ مركز الأرض) الصفحة.281

هي حلب المتحف المفتوح، الضارب في العراقة والقدم، ووسط كل ذلك الكم الهائل من المنحوتات و القطع الأثرية والأختام والتيجان الحجريّة والمخطوطات، يبقى تمثال الإلٰه: "حدد"، إلٰه الحرب والمطر والعواصف والبروق، الذي يعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد، رمز العطاء والخير (تذكر الأساطير القديمة أنّه كان يتجوّل على عربته في السماء، ويجلد الغمام بالسوط، لتتساقط الأمطار، وفي لحظة الغضب، يزمجر ثوره مسبّبا صوت الرعد الذي يهزُّ الدنيا، ويزلزلها) الصفحة 187.. كسب تلك المرزية مما نسجته الأسطورة حوله ولجماليته ودقة نحته وما يختزله من معاني متناقضة تجمع بين القوة واللين، الرحمة البأس كل من يشاهده يقف مشدوها (يتفرّس قرون الإلٰه الآراميّ التي هي على شكل قمر وسيف، وقد رفع في يده اليمنى فأسا، وفي اليسرى قبضة سنابل مثمرة، وتلك السيوف القديمة المصنوعة من الفولاذ ونترات الحديد التي يتركها البرق الشديد في تراب المدينة، ويمكن لها أن تشقّ الهواء، وقد نقشت عليها كلمات تمجد الإلٰه: "إلٰهي، أعِنّا ليفتك سيفكَ بالأعداء) الصفحة 187

أن رمزية التمثال تتجاوز صورته كمنحوتة صخرية إلى أيقونة مشحونة بدلالات ومعاني التسامح والحرّيّة لذلك تعد سرقته وتهريبه ونسبته لأي بلد آخر أو تاريخ آخر جريمة لا تغتفر، تزييفاً للحقائق والتاريخ، وعندما تنشغل العامة بالحرب يكون الفنان صرخة مدوية في الأعماق تصيح: (إنّهم يزيّفون كلّ شيء يا عبد السلام، يسرقون تاريخنا القديم، ويعبثون فيه، لا مشكلة عندهم في تزوير الحقائق، بل المهمّ هو صناعة تاريخ لهم، حتّى لو كان مزيّفا.) الصفحة281،

لكل ذلك وغيره، ما أن شعر النحات عبد السلام بالخطر يهدد الفن والبلد حتى انبرى له بكل ما أوتي من قوة وكان على أتم الاستعداد لتقديم نفسه فداء للفن والوطن والتاريخ، هكذا لما اكتشف تورطه مع اليهود وقد أحكموا الربقة على رقبته، وصوروه في وضعيات مخلة وتأكد من ضياع المرأة التي أحبها وكان يفكر في الزواج منها ولو تطلب الأمر (الزواج بالطريقة الوحيدة الممكنة، ألا وهي الاختطاف، أو كما تقول لنفسها: "الزواج خطفا) وورطوه في تهريب تمثال أثري خارج حلب وأعدو تفاصيل الخطة ووعدوه بحياة أفضل، حتى وقف بالمرصاد ضد تهريب الآثار لما لها من آثار سلبية على تاريخ الفن بالبلد وتشويه للتاريخ، كانت اللحظة عصيبة تتطلب ربطة جأش أمام إتقان أبراهام حياكة تفاصيل وخيوط العملية، وتأكد من أن عبد السلام سينفد التعليمات كما هي.. تظاهر السلام بالهدوء وقد وجد نفسه وسط (صورٍ متنوّعة لقطع أثريّة نادرة، ومدفن حجري منقوش بكتابات قديمة. يرى صورة: "روليف"، جدارية تمثّل رامي سهام يمتطي عربته، وهو من القرن التاسع قبل الميلاد، وصورة أخرى لتمثال رجل يحمل نعجة، يتأكّد أنّها منحوتة من الحجر الجيريّ، ذلك أنّها مكتوبة باللغة الحثّيّة، يتوقّف مليّا أمام صورة مسلّة حجريّة تمثّل المشهد النموذجيّ لإلٰه الطقس في الفنّ السوريّ، وتتألّف المسلّة من مشهد واحد يضم الإلٰه "حدد"، إلٰه البرق والعواصف والأمطار، والذي كان ملك العالم، في مشهد جانبيّ، حيث يُمسك بيده اليسرى شوكة ثلاثيّة، ويرفع بيده اليمنى الفأس، وهو واقف في حالة حركة على أحد أشهر رموزه وهو حيوان الثور، وتعلو الشمس المجنَّحة رأسه) الصفحة 81 .. عبد السلام وسط كنز ثمين وتماثيل يأسر جمالها من يشاهدها (يحسُّ أن "المشرَّط"، قد فقد شيئا من توازنه، أمام روعة التمثال، وها هو ذا يتلمّسه مثارا مندهشا، يقول بذهول: - تحفة..واللهِ تحفة..) الصفحة 157

وابرهام يشرح له (بخباثة وذكاء، العمليّة السرّيّة الأخيرة، وكيف سينقلون بعض القطع الأثريّة المهمّة، إلى خارج البلد، ويبيّن له أهمّيّتها ص 82، عملية تهريب الآثار تشتغل فيها عصابات متمرسة تتقن عملها ويصعب على عبد السلام الخروج من المأزق الذي وضعه فيه السارد، وقد سبق لهم قتل الحارس العجوز أبي بكري بدم بارد وهربوا تماثيل نادرة وأحكموا (ربط التمثال، بأجهزة خاصّة معدّة للنقل المريح، يحملون عديدا من القطع الأثريّة، والأختام، والتيجان، والمخطوطات.) الصفحة 159

في الليلة الموعودة يكشف السارد عن سبب اختيار نحّاتا بطلا للرواية فنجد أبراهام يطلب من عبد السلام تهريب التمثال ويقول له:

- أنتَ نحّات عظيم يا عبد السلام، ولم يُقدِّر أحد فنَّك الرائع، ولهذا، يكمن نجاحك في نقل هذا التمثال، وإخراجه من هنا.

ثمّ أردف مفسِّرا:

- لا بأس أن تدّعي أنّكَ أنتَ مَن نحته، أي أنّه ليس أثرا قديما، هذا إنْ شكَّ أحد فيه أثناء عملية النقل، أو ظهر حاجزٌ مفاجئ، أو جماعة ليست ممَّن نعتمدُ عليهم، وبعد ذلك، ستكون حياتكَ هي الأرقى بيننا.) الصفحة 283

يصطنع عبد السلام الهدوء بعفوية واضحة (اطمئنّ، سيكون كلّ شيء كما تريد، لا مشكلة في ذلك بعد الآن.) الصفحة 283 وازداد عبد السلام تباثا (حين وقفا معا أمام كتلة التمثال الثقيلة، وبدءا بحمله، ونقله، لم يفقدا توازنهما، بل كان الظلام سيّد الحركة، والصوت، والانطلاق نحو الممرّات المعتمة، بكلّ خفّة، وعناية، وسكون مخيف.) الصفحة 285. وبمجرد ما أطمأن عبد السلام على سلامة التمثال، وحسن تثبيته، نقض العهد، ونكث بالاتفاق وانطلق (بخفّة متسابق محترِف، انطلق خارج النصّ، عفوا، خارج الأجندة المحدّدة، وتوجّه بسرعة جنونية نحو مخرج الحارة الشرقي. في تلك اللحظة بالذات، وقبل أن يطلق القنَّاص رصاصته نحو رأس عبد السلام، وقد أدرك أنّه قد حنث بالعهد والحليب والولاء. أطلق يحيى رصاصاته نحو مخبأ القنَّاص، تعالى الاشتباك المتبادَل بينهما، فيما تابع عبد السلام القيادة،) وبدل أن يسلك الطريق المتفق عليه نحو الهدف المحدد (عبر مدخل الحارة، ومن ثمّ اجتاز شارع "الخندق"، الطويل، بجانب سور المدينة العظيم، وحين عكف نحو ساعة: "باب الفرج"، حاول بعض حرّاس الحواجز أن يوقفوه، ولكنّه لم يمتثل للأمر، فما كان منهم إلّا أنْ وجّهوا رشاشاتهم الأوتوماتيكيّة نحوه، و راحوا يطلقون رصاصاتهم بغزارة، أصابوه في البداية بكتفه الأيمن، ثمّ الأيسر، ولكنّه لم يبالِ لإصاباته، ولم يشعر بألم، بل أحسّ أن شيئا ساخنا يسيل من صدره نحو قدميه، وبالمثل، من ساقيه نحو أخمصَي قدميه، وبشيء من الدوار، استمرّ في القيادة حتّى نهاية الشارع، حينذاك انعطف يساراً، مخالفا إشارات المرور، توجّه بالشاحنة نحو مدخل "المتحف الوطنيّ"، العريض، ولم يأبَهْ لصراخ حرّاس المتحف، وأزيز رشّاشاتهم، بل اجتاز المدخل بصعوبة قصوى، وأمام درج المتحف توقّف، توقّف، تو.. قّاااا ف. في البداية، اختبأ حرَّاس المتحف ظنّا منهم أنّ الشاحنة مفخّخة، وأنّ الذي يقودها ما هو غير إرهابيّ متطرّف، وأنّها لا بدّ أن تنفجر، وتحوِّل متحف المدينة، وما يحتويه، إلى خراب، ودمار شامل، إلّا أنّهم، حين رأوا بأمّ أعينهم، كيف فتح هذا الإرهابيّ الطيِّب باب الشاحنة الأماميّ، وسقط على الأرض، مضرّجا بوطنه، نازفا، مشيرا بإصبعه إلى النعش، لحظتها، اقتربوا منه، نظر بعضهم إليه، وكأنّه يقرأ كتابا، أو يشاهد لوحة غريبة، وقبل أن يغمض عينيه، سمع صرخة مدوّية من أحد الحرَّاس:

- سيّدي! سيّدي! في الصندوق تمثال!) الصفحة 313. لتنتهي الرواية نهاية مأساوية تقطر رومانسية وتقدم درسا في الوطنية والتضحية والإحساس بالمسؤولية الملقاة على الأكتاف، ولا يمكن أن يقدمها إلا فنان يقدّر الفن ويعرف قيمة الآثار وخطورة تهريبها هكذا يسدل السارد ستار روايته والبطل عبد السلام يترنح (فوق دمه الساخن، ونزيفه، وقد انهار جسده، وتوقّف الزمن في خفقات فؤاده، ولومضة خاطفة، تهيأت له البتول. ها هي ذي تقفز أمامه بفرح، تطير كفراشة، ترتدي ثوب زفافها الأبيض، تنظر إليه بمحبّة، وشوق، يمدُّ يده إليها، تشير له أن يطير مثلها، فوق حقول القمح، وبساتين الورد، فوق قلعة المدينة، أسواقها، ودخان مصانعها، يبتسم، يتدفّق الدم من فمه ساخنا، نديّا.) الصفحة 313.

يستنتج إذن من خلال مقاربة حضور فن النحت في رواية قيامة (البتول الأناشيد السرية) أنها رواية واقعية حاولت تصوير الواقع السوري وما يعيشه السوريون غداة تفجير "الربيع العربي" وتبعاته من الحروب وما يرفقها من هتك للحقوق وانتشار الجريمة والاغتصاب الذي لم يسلم منه الأطفال الأحياء بل وحتى الأموات فألفينا الجقجوف ابن زيزفونة الداعرة، لا يميز في الاغتصاب بين (طفلة صغيرة لم تتعدَّ العاشرة من العمر) الصفحة 33 وبين جثة امرأة ثلاثينية: " يستلقي عاريا تماما، فوق جثّة المتوفاة، يجد متعة لا توصف في ذلك، يتهيّأ له أنّ الجثة تستسلم له، لا ترفضه، ولا تكرهه مثل الأخريات، يحسُّ أنّه يعيش معها وجها لوجه، وأنّها لا تخاف منه، أو لعلّها تعشقه، ولهذا، لا تمانعه في أيّ شيء يشتهيه، وها هي ذي تلبي رغباته الدفينة التي ليس لها حدود) الصفحة 33 ، لا أحد يكترث لعشرات الجثث من الصبايا المرميّة على ضفة نهر المدينة، بعد أن اغتصبنَّ وقتلن، ورمين كالحيوانات الميتة، تحت أو فوق تلال القمامة، والدُّور المهدَّمة، الصفحة 24، فكان الفن والفنان وحدهما القادرين على التعبير عن حجم المعاناة ، دون أن تكتف الرواية بالانفتاح نحت الصخر بل استغلت النحت عامة للتعريف بهوية بلد بكامله فنقلت القارئ إلى منحوتات الجواهر ومنحوتات الحديد وصقل المعادن التي اشتهرت بها سوريا فطافت بالقارئ في معارض خاصة يقول السارد في وصف أحد المعارض: (كان المعرض يحتوي على سيوف فضّيّة ونحاسيّة ومذهبّة متنوّعة، منها ما هو معقوف، ومنها ما هو مسنّن، مرصّعة بأحجار كريمة، رماح وسهام، أقواس وحِراب، حدوات وأربطة خيل. تفرّس فيها عبد السلام مليّا، إنّها من الصناعات اليدويّة الجديدة التي تتوفّر في سوق "النحّاسين"، وتتكاثر أهمّيّتها في احتفالات الأثرياء، ناهيك عن الصواني الملكيّة، والأواني، والكؤوس، والحلقات) الصفحة 184 كما كشفت الرواية بعض كنوز حلب المتجلية في العمارة ، أو المختبئة في الأقبية والكهوف يصف السارد يعض محتويات عرفة في كهف (في غرفة الكهف، تدقّق في موجوداتها: "العجيبة، الغريبة"، كلّ ما فيها لم يكن متوقَّعا، تماثيل حجريّة صغيرة، تمثال لامرأة عارية تحاول أن تطير بجناحيها، وتمثال آخر يبدو أنّه لإمبراطور رومانيّ، أيقونات مختلفة، مخطوطات تلموديّة، فينيقيّة، إغريقيّة) الصفحة. 223 وحتى تؤدي تلك المنحوتات وظيفتها الروائية فقد تم اخيارها بعناية وتقديمها للمتلقي بطريقة تحيل في معظمها على الحرية والانعتاق (تمثال لامرأة عارية تحاول أن تطير بجناحيها) ويكف يتأمل الوصف الذي تم به تقديم تمثال الإله حدد (قرون الإلٰه الآراميّ التي هي على شكل قمر وسيف، وقد رفع في يده اليمنى فأسا، وفي اليسرى قبضة سنابل مثمرة)...فكانت التماثيل لآلهة الحرب والمطر والعواصف والبروق، رمزا للحبّ ، والخصب وهذه القيم وحدها المفتاح السحري القادر على مساعدة السوريين لتجاوز الأزمة التي يمر منها سوريا ، والتي للأسف ضاعت من البشر، وظلت تلك التماثيل ترمز إليها....

 

الكبير الداديسي

..................

1- سنعتمد في هذه الدراسة الطبعة الأولى لرواية قيامة البتول الأخيرة (الأناشيد السرية) الصادرة عن دار نون4 للنشر والطباعة والتوزيع حلب سوريا2018

 

 

صالح الرزوققراءة في المنهج والمعاني

ربما كان الهم الأول لمشروع الدكتور نجم عبد الله كاظم هو تتبع مسارات وطرق المؤثرات الأجنبية وتجلياتها في الرواية الحديثة المكتوبة في العراق (1). وهذا يذكرني بمشروع مماثل للدكتور حسام الخطيب والذي تتبع به أشكال المؤثرات الفنية في الرواية المكتوبة بسوريا(2). وما يلاحظ على إطار مشروع الدكتور الخطيب هو نفسه ما يمكن ملاحظته على مشروع الدكتور كاظم.

الاثنان يحددان مساحة جغرافية للنص مع أن الجغرافيا تتداخل لحد بعيد مع الذهنية العربية المنتجة. ولا شك أن موضوعات الرواية السورية والعراقية واحدة ولذلك عدة أسباب.

أولا بحكم الجوار. وثانيا بحكم اللغة المشتركة. وثالثا، وهو الأهم، العلاقة المتشابهة بين هم التحرير وبناء الشخصية المستقلة الحديثة. وإذا كانت سايكس بيكو 1 قد وضعت العراق تحت مظلة إنكليزية وسوريا تحت مظلة فرنسية، تبقى الخطة هي هي، وغايتها تفكيك أي ارتباط بالماضي الإمبراطوري العثماني، وعزل المكونات في علب جيوبوليتيكية لا تختلف في حقيقتها أو جوهرها. وقد سقطت سياسة هذه العلب، ولا سيما بعد دخول سايكس بيكو 2 على الخط بزعامة أمريكا، وعودة الحرب الباردة بين الحضارات.

وإذا وضعنا بالذهن حقيقة أن الوعي في الرواية العربية هو وعي تعريبي وليس إدراكا عروبيا لجوهر القضية، لا يمكن بأية حال من الأحول عزل ظاهرة الرواية العربية عن مرجعياتها. وهذا ما يبرر تداخل العناصر التقليدية في المقاربة مع عناصر التحديث في الأساليب والموضوعات (كما تفضل الدكتور نجم في مقدمة كتابه: جماليات الرواية العراقية - ص10). إن هذه الخيارات التي يغلب عليها الغموض والحيرة والتردد، مع شيء غير قليل من الندم والتذمر، يعكس أيضا واقع الرواية في بلد المنشأ، ولا سيما التي ولدت بعد معاهدة سايكس بيكو. فهي أيضا رواية يخيم عليها القلق التراجيدي والخوف من الذات والعالم. وأعتقد أنها كانت مشغولة بفهم الأثر المدمر للحربين العالميتين وظاهرة نشوء الدكتاتوريات الاشتراكية ذات المضمون العسكري. لقد كانت الرواية الأوروبية (ومثلها الأمريكية) متورطة بحرب ذات حدين: ذاتي وهو موجه ضد واقع مضطرب ورأسمالي وقهري. وحد موضوعي الغاية منه تحرير ذاتية المبدع من رقابة الواجب المفروض لأسباب وطنية. وهكذا تكالب الاتجار بالوطنيات مع الاتجار بالتحرر من أعباء الحاضر المذنب والمخطئ لتبديل أخلاق العقل السردي وإغراقه في بحر من الرماد والإظلام. ولم يكن هناك ما هو أفضل من هذه الحالة الزجاجية والسائلة لتنبيه الرواية العربية من عدة عناصر ساكنة: اللعب باللغة (خطابها البلاغي)، واللعب بالوجدان (خطابها العربي المتأسلم)، وذلك لمصلحة رؤية تجريبية نظرت بها الرواية لنفسها ولواقعها المعاش من وراء جدار زجاجي شفاف كما فعل غالب طعمة فرمان وفؤاد التكرلي وفي مرحلة لاحقة عراب الرواية الفلسطينية في المنفى جبرا إبراهيم جبرا.

2268 حسام الخطيب ونجم عبد الله كاظم

وعليه إذا كان رأي الدكتور كاظم أن الرواية العربية تنحو لتصحيح مسارها بالانطلاق من إعادة النظر بالتقاليد (أو ببناء خبرات الحاضر على وعي مخيلة الماضي - بلغة مقننة حقن التقليد بالحداثة / ص 11)، فهذا أيضا مؤشر على مشكلتين.

الأولى هو ضرورة متابعة بوصلة الرواية التي لم تعد حكرا على الغرب (الغربي - أو نطاق حضارات الشمال).

الثانية هو وعي الحضارة الجريحة بذاتها. وتعبر عنه ما يسميه الدكتور كاظم رفض موجات الكتابة عديمة الهوية (ص12) والتي كانت عبءا على مسيرة الرواية في العراق (وبالضرورة في بقية بلدان الشرق الأوسط وآسيا).

وهذا يقودنا لنقطة ثانية لوح بها الدكتور كاظم في مستهل كتابه وهي زيادة مساحة الأعمال الواقعية (الاهتمام بأصول كتابة الرواية ورفد جذورها المستوردة بهم محلي كما هو حال “النخلة والجيران” لفرمان و"الرجع البعيد” للتكرلي على سبيل الذكر لا الحصر/ص13). طبعا دون إغفال هموم التجديد كما تعكسها طموحات رواية الأصوات (“خمسة أصوات” لفرمان/ ص 13). 

وبرأيي أن هذه الحالة السريرية هي جزء من الذات الشاملة للخيال الروائي. فهي تعبر عن استنفار الرواية ضد نفسها، ولا سيما على طول خطوط المواجهة بين غرب خشن وآخر ناعم. وإذا كانت لدينا استثناءات (يحددها الدكتور كاظم بعبد الرحمن الربيعي وإسماعيل فهد إسماعيل / ص 12 - بالمناسبة هو نصف عراقي - وموضعيا من أهم رموز الأدب الحديث في الكويت) هناك في الشمال استثناءات كذلك (بدأت مع بوتور في فرنسا وجون بارت في أمريكا وانتهت مع جوليان بارنز وويل سيلف في بريطانيا).

بتعبير آخر إن حالة التأهب (والثقوب البيض القليلة التي تخترقها) تدل على صيرورة المخيلة، أو تشابه حالة الوضع البشري، وبالتالي على التأزيم الموضوعي الذي يقودنا لتأزيم ذاتاني. ويمكن ملاحظة هذه الحقيقة بأجلى صورها إن قارنت عملا لإميل حبيبي مع آخر ليائيل دايان أو عاموس عوز.

لدى الطرفين قانون إبادة أو قانون اتهام وتنظيف. وهذا يعني أن عقدة الرواية الأساسية أو حبكتها هي الصراع الوجودي بين مشاعر الخوف والندم (بلغة برديائيف في سياق كلامه عن شعرية دستويفسكي).

وقد عبر الشاعر الفلسطيني المرحوم محمود درويش عن هذه المعضلة بقصيدة (الظل) من مجموعته “لا تعتذر عما فعلت”(3)، وفيها يقول:

كنت أمشي، كان يمشي

كنت أجلس، كان يجلس

كنت أركض، كان يركض (ص83).

ثم يضيف بلغة ملحمية وقيامية قل مثيلها:

استدرت إلى الطريق الجانبية

فاستدار إلى الطريق الجانبية

قلت: أخدعه وأخرج من غروب مدينتي

فرأيته يمشي أمامي

في غروب مدينة أخرى (ص84).

إنه مثلما ينادي حبيبي في كل أعماله بضرورة تحرير طاقات الأرض وبالتالي الإنسان، أشتهي أن أجد عملا واحدا لدايان لا تنادي فيه بتحرير الطاقة البشرية وإسقاطها على مشكلة تحرير الأرض من نفسها.  وأوضح مثال على ذلك في (غبار). إنها رواية عن إطلاق الأرض من ضريحها أو عن يوم قيامة الأرض. وهو نفسه يوم تحرير المكبوت من وعيه الباطن. وإذا عدت بالذاكرة إلى الخلف قليلا ستجد نفس المشاهد القيامية لمشكلة النزوح (الخروج والتيه في فضاء المكان) عند إيثيل مانين في (الطريق إلى بئر سبع) ثم عند أهداف سويف في (خارطة الحب). وكلا العملين مكتوب بلغة إنكليزية. وهذا يضع التقاليد والحداثة على صفيح ساخن. إنه لا يساوي بين النقائض فقط ولكن أيضا يساوي بين أجزاء المخيلة.  وبودي أن أقول إن الفكرة الصهيونية دخلت في عدة دورات كالتالي: دين - أمة - دين الأمة. ويمكن أن تعتبر أن هذه الدورات المغلقة والضيقة هي مجرد انعكاس لما يجري في الجهة المقابلة بين العرب. فقد بدأت الصحوة القومية من تحت مظلة الدين، ثم تحولت لخطاب قومجي أو تحرري، ولكن سرعان ما انكفأت على نفسها وراء شعارات الدين مجددا. وهكذا تجد عند العرب أربع دوائر وليس ثلاثة فقط كالتالي: أمة الدين - الأمة - دولة الأمة - دين الأمة.  

وإذا كانت الرواية العربية مهمومة بالواقع العربي وتحدياته، فإن الرواية الأورو - أمريكية تمر بهذه المحنة. فهي مهمومة بتحديات آفاق المستقبل، ومشكلة استعمار الإنسان لنفسه، أو مشكلة تدويل النماذج. ويمكن دائما أن تضع (عرس الزين) للطيب صالح في كفة مقابلة لرواية (تورتيلا فلات - أو خميس عذب) لشتاينبك. كلا العقليتين مشغولتان بتوسيع نفوذ الطبيعة والغريزة على حساب العقل والمنطق، وبتحرير الجماد من سكونيته واستعمار الطبيعة غير العاقلة للطبيعة العاقلة (الإنسان). وكأن هذه الروايات هي ترجمة لمقولة عالم الاجتماع هابرماز في تداول الأدوار بين البنية التحتية والفوقية وبشكل موجات مرتدة.

لا يفوتني هنا التنويه إلى مشكلة الروايات الأوروبية المفتوحة. لقد كانت المخيلة الأوروبية مدينة لحملة توعية بالذات (الاستفادة من تكنيك الخيال القروسطي وما قبله مع كثير من عناصر الأسطورة والحكاية الشعبية - وتجد ذلك بقوة في كتابات البريطانية أنجيلا كارتر ومعظم أدباء اليابان من جيل الحداثة). وهو نفس ما تفعله الرواية العربية المتأوربة (حينما تعكس واقعها الفني وتجتهد لتسويقه بأشكال تراثية). وربما من أحدث الأمثلة على ذلك مشروع برهان الخطيب الذي يراهن على ظاهرة المقامة والإيقاع، أو مخيلة الصوت، أو لنقل الذاكرة الإحيائية. لقد حقن حساسياته الوجودية الدافئة، والتي انطلق على هدي زخمها في نهاية الستينيات (من خلال “ضباب في الظهيرة” ثم “شقة في شارع أبو نواس”) بوعي نهضة مضادة (تكون القيمة فيها للصوت وليس الفكرة) كما فعل في روايته (ليالي الأنس) ثم روايته (عابر قارات). وبالتأكيد سبقه إلى ذلك الرائد والمعلم جمال الغيطاني في أعماله المملوكية التي وازنت بين هدم الأشكال وبنائها، أو ربطها بالماضي وانفصالها عنه. وإذا احتفظ الغيطاني من اللغة المملوكية بأساليب الإنشاء والترسل، فقد تخلى بذكاء ولباقة عن أسلوب تقديم الشخصيات، واستعاض عن التفكير بالأحاسيس، أو وضع الرغبة مكان الإرادة. بمعنى آخر لقد استسلم لإيقاع الشخصية من داخلها، ولم يجرفه إيقاع الواقع المجرد والمشخصن. وهذا يفسر كلام الدكتور كاظم عن اشتراك الموضوعات في الإلغاء والاحتفاظ (ص 15).

 

صالح الرزوق

....................

هوامش:

1- جماليات الرواية العراقية. منشورات دار شهريار.224ص. البصرة. 2018. وكل أرقام الصفحات المذكورة تشير لهذا المصدر ما لم يتم ذكر غير ذلك..

2- سبل المؤثرات الأجنبية وأشكالها في القصة السورية الحديثة. منشورات رام الله. 194 ص. ط6. 2018.

3- لا تعتذر عما فعلت. منشورات رياض الريس. لندن. 169 ص. 2008.

 

 

توفيق الشيخ حسينالهايكو شكل شعري ياباني أصبح له تأثير عالمي خلال القرن العشرين ببساطته وإيجازه، ويعتبر الشاعر الياباني (ماتسو باشو) 1694 – 1644 / صانع قصيدة الهايكو، قبل زمن شاعر الهايكو كانت القصيدة المسماة (هايكاي) لعبة متمدنة لتزجية الوقت أكثر مما كانت شعرا ً جادا ً، وكان مطلعها المسمى آنذاك (هوكو) والذي سينفصل فيما بعد ويستقل تحت أسم (الهايكو)، وأن أشهر شعرائها رهبان بوذيون ويعتمدون على فلسفة بوذية الزن (التأمل).

هناك قواعد شكلية كان لابد للهايكو الياباني أن يلتزم بها وتتمثل في نظام المقاطع الذي يتكون من ثلاث جمل تحوي الأولى خمسة مقاطع والثانية سبعة والثالثة خمسة هي التعبير المركز عن تلك الصورة الشاعرية المختصرة التي توحي ولا تصرح، تشير الى الفراغ ولا تملؤه، تركز عنايتها على بدايات الأشياء، ونهاياتها، لا تهتم بلحظات التمزق والصراع بل بلحظات الصفو والاستنارة، والملاحظ أن الخصائص الفونولوجية في شعر الهايكو تذكر في خطاطتها الإيقاعية بإيقاع الموسيقى الشعبية التقليدية اليابانية، هذه الأبوة بين شعر الهايكو والأغاني الشعبية تتعدّىالى مستوى الصّور الأسلوبية والموضوعات مثل العلاقات العائلية والحيوانات الصغيرة والتي يعزى الأهتمام بها الى الفلسفة أو الذيانة الكونفوشيوسية المؤسسة على إرث الآباء والأجداد، عندما أستعار الغرب هذه التجربة في مطلع العشرينيات في القرن الماضي، لم تمنع الشعراء من أن يحدثوا بعض التعديلات .

ويعتبر كتاب (واحدة بعد أخرى تتفتح أزهار البرقوق) ذو العنوان الناضج بالصور الشعرية، والصادر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في سلسلته الجديدة (إبداعات عالمية / فبراير 1999) والذي سهرعلى ترجمته وتعريب محتواه النقدي والدراسي والشعري بأسلوب شائق وجذاب الشاعر والروائي والناقد(محمدالأسعد) نقطة ضوء للقارىء العربي تمكنه من رؤية وتلمس بعض من تلك العوالم الأدبية والفكرية الساحرة للحضارة اليابانية الأصيلة، وبعد ما يقارب نصف قرن على ظهور نبأ قصيدة الهايكو في اللغة العربية بين سطور مقالة مترجمة للأستاذ (دونالد كين) عن الشعر الياباني نشرتها فصلية (عالم الفكر) الكويتية عام 1973 (المجلد الرابع العدد الثاني) وما توالى بعدها من ترجمات أو محاولات كتابة هايكو(عربية) ثم تشكيل تجمعات وعقد ملتقيات وصولا ً الى الوقت الراهن .

أنقسم المهتمون بالهايكو الى تيارين: الأول يرى أن الهايكو يجب أن يبقى داخل الإطار الذي أطره به أصحابه اليابانيون، إذ يرفضون خروج النص عن خصائصه الكلاسيكية، والثاني: ذو نزعة تجديديه، يرى أنه من الضروري إضافة أشياء تتميز بها اللغة العربية مع الاحتفاظ بالمشهدية التي هي أساس الهايكو وروحه، نقل الشاعر السوري المقيم في اليابان ويعمل أستاذا ً لغويا ً ومدرسا ً للغة العربية (محمد عضيمة) ألف قصيدة وقصيدة من الهايكو مباشرة الى العربية، ولعل المبدع (محمود الرجبي) واحد من الطلائع التي أهتمت بهذا الجانب التواصلي عبر أكثر من صفحة وتجمع على الفيس .

2267 شفة الاوركيدديوان الشاعر (علي محمد القيسي) المعنون (شفة الاوركيد) ** يتميز بقصائده التي تتبع نمط شعر الهايكو بأسلوب متميز، جاءت تسمية مجموعته الشعرية من زهرة (الأوركيد) التي تحمل من المعاني العميقة والتي جاءت من رمزية هذه الزهرة الجميلة، تحمل رسائل الحب والحكمة والتفكير، أطلق عليها الفيلسوف الصيني (كونفوشيوس) أسم (زهرة عطر الملوك)، وتتمتع بالجمال والغرابة وفي الشرق عموما ترمو (الاوركيد) الى الرفاهية والخصب .

(علي محمد القيسي) شاعر من العراق، مواليد 1971 / بكالوريوس إعلام من جامعة بغداد، كتب النثر والشعر ووجد نفسه في النثر أكثر، تعرف على شعر الهايكو بالصدفة حيث يقول : (قبلها كنا نكتب التوقيعة للشاعر عز الدين المناصرة عام 2004، كنا مجموعة من الشعراء اسسنا موقع على النت أسمه " الأقلام " فيه عدة أبواب لمختلف الأجناس الأدبية، وكان معنا شعراء من جميع بلداننا العربية، وزدت حبا ً بالتكثيق الذي ممكن أن يفتح على آفاق التأويل، وبدأت القراءة للشاعر المناصرة وأمين الذيب وأسماء عدة ومن ثم أتجهنا الى الفيس بوك وعالمه الشاسع لتكون المحطات وآفاق جديدة) .

أسس نادي (نبض الهايكو) عام 2015 واصدار مجلتها المعروفة(نبض الهايكو) وتأسيسه (مختبر الهايكو) عام 2018 ليكون مدرسة شعرية ونقدية في مجال شعر الهايكو، الشاعر (علي القيسي) في مجموعته الشعرية (شفة الاوركيد) تضم عددا ً من قصائد الهايكو، وكل قصيدة تعكس تجربته في تأمل واستكشاف جمال الطبيعة، وتمثل له بمثابة غصن إنساني يشكل شمعة في ظلام القصيدة .

حتى تأتي

أقارن بين فتنتها

والاوركيد

 

ليلة مطيرة

على شفة الاوركيد

قطرة عالقة

 

حقل الاوركيد

كل الأفكار اترجمها

بعناق

 

من خصلات شعرك

استدل وجهة الريح

التي تحمل عبق الاوركيد

الصفة الحقيقية للهايكو هي الحيوية وحس الحياة، وقصائد الهايكو لا تهدف الى أن تسحر بفنيتها، بل تسعى إلى أن تكشف من خلال التأمل أعاجيب الخلق الطبيعي .

الشاعر (علي القيسي) مسكون باللعب الشعري الموغل في المجازات والاستعارات والتي تمنح الجمالية للقصيدة الهايكوية، وقصائده تعتمد البساطة والعفوية .

على الشاطىء

كما لو تتراقص الصواري

من تنهيدة عاشقة !

 

صخب العالم

كم هو صغير أمام

ابتسامتك !

 

بالطباشير

الطفل يرسم أمه

بعيون لا لون لها

 

شتاء

أكسر حدة البرد

حين أتذكرك

 

قهوة مرّة

يخبرني انكماش عينها

عن المذاق

 

تقول الدكتورة (آمنه بلعلي):

(قصيدة الهايكو في الوطن العربي تكتب بطرق شتى استنادا الى دعاوى شتى، حتى أصبحت قصيدة بلا ضفاف، لقد وصلت إلى العالم العربي بشخصية اخرى، لأنها أكتسبت هويات اخرى لا تسمح لنا بمعرفة بنيتها ولا منطق كتابتها سوى أنها تجربة تقنية، فهل نحتاج الى قارىء سيأتي يقرأ الهايكو بطريقة اخرى أم يمكن أن تتجرد البلاغة من هويتها فيكون الهايكو هو بلاغة المستقبل وقصيدة المستقبل التي تنهي هيمنة أشكال مؤثرة في الذائقة العربية ؟) .

 

توفيق الشيخ حسين

 

 

عدنان حسين احمدمستر نوركَه.. عراقي يؤمن بوهم الانتماء إلى الأرومة النرويجية

تشتبك رواية "مستر نوركَه" الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت لنوزت شمدين مع السيرة الذاتية للكاتب والمخرج المسرحي النرويجي هنريك إبسن، وتجعل من حياته الشخصية، والإبداعية، وتنقلاته في أكثر من بلدٍ أوروبي أشبة بنص موازٍ للنص الروائي الذي كتبه مُوثقًا فيه أوجه التشابه، وإدعّاء صلة الرحم التي تحاول أن تُثبت بأن نافع غانم القصّاب المُلقّب بـ "نوركَة" هو حفيد هنريك إبسن.

يعتمد نوزت شمدين في هذه الرواية على تقنية التعالق Correlation بعدد من الأفكار المتوهجة التي اجترحتها قريحة هنريك إبسن في عدد من مسرحياته مثل "عدوّ الشعب"، "هيدا جابلر"، "عندما نستيقظ نحن الموتى" وما سواها من مسرحياته المعروفة التي تعمّقت في دراسة الإنسان والمجتمع الذي يعيش فيه. لم يكتفِ شمدين بهذه التعالقات المُقتَبسة من مسرحياته مباشرة وإنما لجأ إلى ترصيع نصه السردي ببعض أقوال وحكم إبسن مثل "إذا شكّكتَ بنفسكَ تكون واقفًا على أرضٍ مُهتزّة".

تتداخل الأزمنة في رواية "مستر نوركَه" لكنها تتضح شيئًا فشيئًا حينما نبدأ بزواج غانم أحمد القصّاب من محاسن ذات الخمسة عشر ربيعًا التي انتقلت من حيّ الفيصلية في البصرة إلى الكاظمية في بغداد وتحوّلت حياتها إلى سجن دائم وجحيم لا يُطاق لكنها تحمّلت كل شيء . . . الضرب، والتعنيف، والعزلة الاجتماعية، والأبشع من ذلك كله أنهُ كان يكبرها بـ 33 سنة الأمر الذي وسّع الهوّة بينهما لكنها تحمّلته لمدة 22 عامًا من أجل الحفاظ على ولدها نافع وابنتها واجدة.

لمسات فنتازية

2265 مسترنوركهعلى الرغم من أهمية الشخصيات في هذه الرواية المتشعِّبة إلاّ أن سطوة شخصية نافع لا يمكن إنكارها أبدًا، وسوف تطغى على المسار السردي وتهيمن عليه في الأعمّ الأغلب. لابد من الأخذ بنظر الاعتبار أن شمدين قد بنى هذه الشخصية الإشكالية بطريقة أسطورية لا تخلو من اللمسات الفنتازية التي تقنع القارئ بالقوة الخارقة التي يمتلكها هذا الشاب اليافع الذي يحفظ كل ما تقع عليه عيناه، وتسمعه أذناه، فذاكرته أشبه بجهاز تسجيل يحفظ كل ما يراه بالفوارز والنقاط من دون أن يفلت منه حرف واحد أو تفوته حركة إعرابية. وسوف يقدّم لاحقًا في المكتبة العامة وصالات بعض المسارح عروضًا مُدهشة لاختبار ذاكرته العجيبة الخارجة عن المألوف.

يتعرّض نافع منذ طفولته إلى عقاب الوالد المتجبِّر كلّما ضبطه يلعب مع أبناء المحلة لكن شقيقته واجدة، الأكبر سنًا منه كانت تكسر هذا الحظر الذي فرضه الوالد، وتسمح له باللعب لمدة نصف ساعة على أن يعود بعدها إلى المنزل، لكنه كان يتمادى في بعض الأحيان ويتأخر فيُوسعه الوالد ضربًا بعصا الخيزان أمام أقرانه غير أنه لم يكن يتألم، ولم يذرف دمعة واحدة قط طوال عشرين دقيقة من العقاب. يتطاول الأب غانم على زوجته محاسن ويصفها بأقذع الألفاظ حين يقول:"ابنُكِ، ابنُ حرام وليس من صُلبي، وجبَ عليّ دفنكما معًا منذ وقت طويل أيتها الـ. . . ." يتضمن النسق السردي للرواية حادثتان لابد من الوقوف عندهما؛ الأولى وهي سفرته إلى البصرة وعمله مع خالة بشير سمبوسة في مطعم يحضّر وجبات طعام يوميًا لطاقم أجنبي متعدد الجنسيات الأمر الذي يدفعهم للانتقال إلى مدينة "القرنة" حيث عمل نوركَه بصفته مساعدًا يتقاضى أجرًا مقابل ذاكرته العجيبة التي تختزن كل شيء تقرأه أو تسمعه. تثير موهبة نوركَه في الحفظ، وقدرته على التذكّر إعجاب الرحّالة النرويجي ثور هايردال الذي يرأس مجموعة تصنع قاربًا من القصب والبردي على غرار قوارب السومريين وينهمك في العمل معهم طوال عطلته الصيفية ويعود إلى بغداد قبل أن يشرع القارب في رحلته لكننا نخرج من هذه القصة بالذات بثيمة معززة لثيمة الرواية الرئيسة التي تحاول أن تثبت صلة الرحم بين نوركّه وجده هنريك يوهان إبسن حيث يخبره هايردال بحكمة هي أقرب إلى النبوءة مفادها أنك "لن تستطيع شراء تذكرة لدخول الجنة؛ لأنّ عليك أن تفتش عنها وتعثر عليها بنفسك، وستفعل هذا بلا شك في يوم من الأيام".

أكلة لحوم البشر

 والحادثة الثانية هي رحلة العائلة إلى قرية "البشائر" التابعة لمحافظة الموصل لزيارة الحاج منذر، وهو شيخ في الثمانينات من عمره سرد لهم عدة قصص عن اضطرار الناس بسبب الفقر والمجاعة إلى أكل لحوم البشر من مختلف الأعمار من دون أن يعرفوا ذلك، فقد قام عبّود وخجّاوة بذبح امرأة أرمنية وعدد من الأطفال الصغار في السن، وطبخوا لحمهم وباعوه على عربة متنقلة في السوق حتى أن أبًا أكل لحم ابنه من دون أن يعرف ذلك. وحينما يتم إبلاغ الشرطة تقبض عليه وعلى زوجته، وتكتشف بقايا بشرية في حفرة بسرداب المنزل، كما يتم العثور على ابنه حازم مكوّرًا مذعورًا في زاوية من زوايا المنزل خشية من أن يطاله غضب ذوي الضحايا ويقطّعوه مثلما قُطعت لحوم أبنائهم. حينما ينتهي الحاج منذر من قصته الفظيعة المؤلمة يخبرهم بأن الطفل المذعور حازم هو غانم القصاب بشحمه ولحمه. فما هو السلوك الذي تنتظره محاسن من طفل شهد جرائم مروّعة تقشعر لها الأبدان؟

وفي أثناء حظر التجوال تدور الشكوك حول متهم بتفجير السفارات يتكلّم اللغة العربية ولغة أخرى يمكن أن تكون النرويجية نخلص منها بأن اسم المتهم هو نافع غانم أحمد القصّاب الذي يُطلق عليه اسم "نوركَه"، وأنّ اسم أمه هو محاسن وحيد، ويسكن العطيفية قرب الجسر، ويدّعي بأنّ جدّه هو الكاتب المسرحي النرويجي هنريك يوهان إبسن، ويسعى بكل الطرق للعودة إلى وطنه بعد غربته الطويلة في العراق. وبَغية إخلاء سبيله جلبت شقيقته واجدة إلى القاضي ملفًا يحتوي على جواز سفرة ورزمة من التقارير الطبية التي تُثبت إعفاءه من الخدمة العسرية لأنه مصاب بالشيزوفرينيا أو الفصام وأنّ ضحايا هذا المرض يتوهمون بأنهم أشخاص آخرون ينتمون عرقيًا إلى شعوب أخرى كما هو الحال مع نوركَه.

شخصيات وهمية

كان نوركَه يُعفى في الدروس المُقرّرة كلها، وفي الصف الخامس الأدبي تحوّل إلى أسطورة في حفظ المواد التي يقرأها عن ظهر قلب، وقد أدهش مُدرّسي التاريخ، والجغرافية، واللغة العربية، والتربية الدينية حينما استظهر لهم موضوعات وقصائد وآيات من الذِكر الحكيم من دون أن يقترف خطأً واحدا حتى بدا للجميع أشبه بالمعجزة في هذه السن المبكرة من حياته. وقد تضاعف هذا الإعجاب به حينما قدّم عروضًا لاختبار ذاكرته في المكتبة العامة وبعض مسارح المدينة لكنهم سرعان ما أوقفوا هذه العروض، ومنعوا مكتبات شارع المتنبي وغيرها من تأمين كتب إبسن ومسرحياته التي أثارت لغطًا كبيرًا في الأوساط الثقافية والفنية في العراق.

على الرغم من أنّ ثيمة الرواية قائمة على وَهَم مرَضي فإن هناك شخصيات "وهمية" أخرى تعرّف إليها نوركَه مثل فاضل الذي يعمل في المكتبة العامة، وهشام الكهل الذي تعرّف إليه في شارع المتنبي وأهداه عددًا من كتب إبسن ومسرحياته، كما تحدث له عن حياته الزوجية مع السيدة النرويجية هايدي وابنهما رؤوف وحفيدهما سيف، وانتقالهما من باريس إلى أوسلو، وعودته إلى العراق بعد وفاة هايدي بسكتة قلبية، وإصابته هو بحادث سيارة حينما عبر الشارع مخمورًا، وأصبح مُعاقًا يتنقل على كرسيّ متحرّك يدفعه حفيده سيف. صار يتردد على هشام يوميًا إلى منزله بالحارثية ويحكي له هذا الأخير عن الحياة في النرويج وتاريخها السياسي والاجتماعي ولكن الأهمّ من ذلك كله أنه كان يروي له حياة هنريك إبسن بالتفصيل الممل ويعزز أوهامه بالعديد من المفاهيم والتصورات من بينها الأزمة المالية التي تعرض لها والد إبسن واضطرته إلى بيع البيت والانتقال إلى منزل آخر، تمامًا كما حصل لوالد نوركَه الذي خسر في صفقة تجارية واضطر لبيع البيت في الكاظمية وشراء بيت متواضع في العطيفية. كما أنّ إبسن قد ارتبط بالسيدة إلسه صوفي وأنجبت منه ولدًا اسمه هانس ياكوب لم يعترف بأبوته لكنه ظل ينفق عليه حتى بلغ سن الرابعة عشرة. كما أن الأب غانم أحمد يعتقد بأنّ زوجته محاسن قد أنجبت نوركَه من علاقة غير شرعية مع عشيقها في البصرة. وهكذا يتقارب الشبه بين نوركَه وجده إبسن في الملابس، والنظارات الدائرية الصغيرة، والعكازة التي يتوكأ عليها.

تقنية الرسائل

لا تخلو تقنية الرسائل في هذه الرواية من إثارة فلقد أرسل نوركَة 227 رسالة إلى أناس متعددين أبرزهم ابن عمّه تانكَريد إبسن يشرح فيها أشياء كثيرة من بينها أسباب تأخره، وموعد وصوله، كما بعث رسائل أخرى لمسؤولين في المملكة النرويجية من بينهم الملك أولاف الخامس، ورئيسة الوزراء آرنا سولبيرغ، وسيتعرّف القارئ من خلال هذه الرسائل إلى البلدين معًا، فالعراق والنرويج متقاربان في المساحة، وكلاهما تعرّض للاحتلال، إذ وقع العراق تحت الاحتلال البريطاني، فيما رضخت النرويج للاحتلال الألماني النازي. كما شهد البَلَدان نموًا اقتصاديًا سريعًا بعد اكتشاف النفط فيهما في سبعينات القرن الماضي، وقد واصلت النرويج تطورها فيما تراجع العراق كثيرًا.

تنطوي الخطة التي رسمها نوركَه للهجرة إلى النرويج على أربع مراحل تنتهي الأولى عند المنفذ الحدودي بين العراق وتركيا، وتبدأ الثانية من هذا المنفذ لتنتهي عند الساحل البحري في أزمير، فيما تنطلق الثالثة عبر البحر إلى اليونان، وتمرّ الرابعة في سبع دول قبل أن تصل إلى أوسلو. غير أن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن أحيانًا، فلقد غيّر المهرّب مهنّد رأيه وسلك طريق الخالص، كركوك، السليمانية، أربيل، ودهوك، وهناك سوف يسلّمه مهند إلى قوة مسلحة لأنه نرويجي، وقد اصطحب معه لوحة "شلال فورنيك" كدليل دامغ يثبت به نرويجيته، ونظرًا لإخلاصه للشعب النرويجي فهو يريد إعادة هذه اللوحة التي أضحت مُلكًا وطنيًا للشعب النرويجي ولابد من تسليمها إلى موظّف أمين يحافظ عليها من العبث ويمنع سرقتها مُجددًا. يقتاده المسلحون إلى نفق سينهار عليه إثر قصف جوي استهدف رتل سيارات معادية ثم يتم نقلة في أحد الهمرات الثلاثة إلى وحدة طبية، عندها فقط تتقلص ملامح وجهه أول مرة عن ابتسامة مفرحة في حياته وهو يستجيب للصوت الرقيق الذي سأله عن اسمه فيرد:"اسمي نور. . نور . . نوركَه، ثم مال رأسه وغاب كل شيء".

وفي الختام لابد من الإشارة إلى أن شمدين يتمتع بقدرة ممتازة في رصد المجتمع النرويجي الذي يعيش بين ظهرانيه فهو يصف النرويجيين، تمثيلاً لا حصرًا، بأنهم يشبهون "ترمس الشاي أو القهوة باردون من الخارج ودافئون من الداخل"، وثمة مواضع كثيرة في الرواية تكشف عن طبيعة هذا المجتمع، وتُميط اللثام عن عاداته وتقاليده الاجتماعية التي حققت في خاتمة المطاف المساواة والعدالة الاجتماعية لكل الذين يعيشون في بلاد الثلوج. بقي أن نقول بأن نوزت شمدين قد أنجز حتى الآن خمس روايات وهي "نصف قمر"، "سقوط سرداب"، "شظايا فيروز"، "ديسفيرال" و "مستر نوركَه" التي أحدثَ فيها نقلة نوعية في اللغة المتوهجة، والسرد المنساب، والبنية المعمارية الرصينة التي لا تغادر ذاكرة القارئ بسهولة.

 

عدنان حسين أحمد

 

 

خيرة مباركينص للأديب مديح صادق

نص مثقل بالعواطف والتضرع، هو إيقاع الذات حين تنبض بالحنين والشوق .لم يعد الشاعر يناجي جمال حبيبته الخلقي، ولم يعد يخاطب مفاتنها، ولم يستحضرها خلقا جديدا بما يضفيه الوجد فيه، من روح تنبعث من صميم روحه. ولم يرسم الشاعر صورة للجسد البرّاني حتى يعلن عن أنثاه النموذجية التي يبعثها خلقا متكاملا ليس كالخلق. هو خطاب مغاير يكتسب شعريته من صمتها ونأيها. شعرية تنبعث من صميم زمن معتم،وفضاء فسيح للوحدة وخطاب أصمّ لا تدركه غير ذات الشاعر وهو يُنطقها بغير لسانها، بقلبه المكلوم من إيماء الأحاجي ..انصهار بين ذاتين فشلت اللغة الإنسانية المحودة عن إدراكه نسقا لامحدودا يحوم حول القصائد وحروفها التي تكشف سرها .. قد نكون أمام أنثى واقعية وعاشق مشحون بأفق انتظار لموقف جاهز ولكن الفضاء الذي يهيئه المخاطب يوحي بأنها ليست أنثى عادية ولا تحمل من ملامح الإنسانية إلا ما تنطق به وتتجاوز عبره حدود الصمت. وكأن البطل الرئيسي في هذه الدراما الشعرية صمتها الذي حدد الزمان وانتشله من كرونولوجيته نحو أفق ذاتي مغلق ليرتبط بالمكان ويضفى عليه من الوحدة والسكون ما يشكّل صورة المعاناة والألم، ويوحي بكل معاني الموت:

في وحشة الليلِ

وهذا السكونُ حولي

أنا، واليراعُ، وقلبي المكلومُ، ووحدتي

أعاقرُ ما تبعثين من طلاسمَ

وتلكَ الأحاجي التي بها

في خطابكِ لوّحتِ

وأنتِ في داركِ في أقصى البقاعِ عنّي

ذات مشتتة ، يضنيها الشوق ووطأة الحنين والوحدة جعله يستعيض عن الموقف بأن يشكل من ذاته ذواتا تزيل عنه الوحشة (أنا، اليراع، قلبي، ووحدتي) وكأنه بهذا التكثيف والتنشيط لأقطاب الذات يعاند الفراغ والصمت، وكذلك يخاطب النأي فيها باستحضار سجل لغوي دال على غموضها ووطأة صمتها ووحدته (الطلاسم، الأحاجي) قد يكون حضورها وليد غموض في ذات الأنثى وما تفصح به من مواقف. وقد تكون ذات العاشق المخمورة بالفراغ والعشق ترى الوجود مجرد طلاسم لا توحي إلا بالوهم . هنا تكمن الدهشة والرغبة في الاكتشاف، تجعل من الشاعر يعدّد الاحتمالات والمعطيات التي يمكن أن توصله إلى اليقين. لعلنا أمام أنثى مفترضة ليس لها وجود فعلي إلا باحتملات الناطق وأحاجيه. أنثى يجتثها من أعماق غربته لتكون بديلا عن عبثية واقع يحتله الليل الطويل،  تبدي شوقها في جوف أحلامه البعيدة تماما كتشتت الأوطان، حائرة ،مسحورة مجنونة،  لكنها صامتة حسيرة كالحياة تحجب سرّها:

أعلمُ علم اليقين أنكِ حيرى

وبسحرِ ساحرٍ مسحورةً، مثلي

جنونُكِ ذا صعبٌ شفاؤهُ

والأصعبُ لو أنّكِ اخترتِ

بعادَكِ عنّي

قد يكون ذلك من ضروب الوقوف على أطلال الذات وأوجاع الحنين ندركها عبر جملة من التقاطعات شكلها ضمن هندسة أقامها على التقابل منذ بداية النص إلى نهايته، خلقت جملة من الثنائيات التي يتناسل بعضها من بعض (أنا/أنتِ - صمتكِ/ تسمعين صوتي - ساحر / مسحور) وهذا ما يبطن ثنائيات أخرى (الاتصال / الانفصال -النعيم /الشقاء -الحاضر الآني/ المستقبل الآتي). كل ذلك في إطار رؤية استشرافية تقوم على المناجاة والاعتراف في ذات الحين، وهو ما يجعل الفضاء العام للخطاب قائما على ثنائية الموجود والمنشود وكأنه المجال الوجودي الذي يتحقق فيه وجود الشاعر وهو يترقب الحياة عبر منافذ الشعر الشاسعة التي تحوّل واقع المنفى والغربة والتشرّد إلى جنّة خلد وفعل إخصاب، وكأنّه فعل عشتاريّ في الجود والحياة، يقترن فيه الوصل بالنماء والولادة عبر صورة يقيمها الشاعر على التورية والاقتباس من خلال صورة الأرض والبلاد تحت أقدامها، تذكرّنا بصورة الأم التي تجري من تحت أقدامها الأنهار، وصورة عشتار تتداخل في صميمها الفصول، ولكنّها تنطوي أيضا على صورة النار والحرائق تشبّ في الجوف، فهل هي صورة النار المطهّرة للعشق والروح أم صورة النار المعرفة التي سرقها بروميثيوس حتى تنجلي غمّة الجهل وانبلاج اليقين في نفس تواقة إلى الحقيقة، يكاد يقتلها القلق. ولكنّه مع كلّ ذلك  ينتظر فرج الصباح بعد هدنة الليل ...

النص:

اعتراف...

في وَحشةِ الليلِ

وهذا السكونُ حَولي

أنا، واليراعُ، وقلبيَ المكلومُ، ووحدتي

أُعاقرُ ما تبعثينَ من طلاسمَ

وتلكَ الأحاجي التي بِها

في خطابِكِ لوَّحتِ

وأنتِ في دارِكِ، في أقصى البقاعِ عنّي

لعلّي أفقهُ حرفاً ممّا عنَيتِ

أو أُدرِكُ ما خلفَ سطورِكِ أخفيتِ

أُترجمُ ما تعنيهِ (هل أنتَ بخيرٍ؟) التي

كتبتِ

هلْ لي بقاموسٍ يُفسرُ لي صمتكِ؟

أو حينَ يلتقي خافقانا

تُغادرُ كلُّ اللغاتِ، ولا ينطقُ إلّا

صمتُكِ؛ إذ يُخاطبُ صمتِي

يا مُنيةَ الروحِ، ويا بلسمَ جُرحي

أعلمُ أنَّ ما تُخفينَ سِرّاً لم يعُدْ

يُفشيهِ كلُّ حرفٍ بهِ نطقتِ

قصائدُكِ التي بها سماءُ منفايَ

جادتْ، وأمطرتْ

وَجيفُ ما بينَ ضلعَيكِ ساعةَ

تسمعينَ صوتِي

والأرضُ في بلادِكِ، تحتَ أقدامِكِ

حينَ تهتزّ

تدّاخلُ الفصولُ ببعضٍ

ويَصدِقُ ظنِّي

ساعةَ تنطقُ ابنةُ أُنثى غيرُكِ؛ باسمِي

تشبُّ حرائِقُ في جوفِكِ

لا تنفعُ أعذاري، ولا

ما بعلمِ النساءِ خبِرتُ، ولا فنِّي

أعلمُ علمَ اليقينِ أنَّكِ حَيرى

وبسحرِ ساحرٍ مسحورةٌ، مِثلي

جنونُكِ ذا صعبٌ شفاؤُهُ

والأصعبُ لو أنَّكِ اخترتِ

بعادَكِ عنِّي

فاكسري ما قيَّدَ كفَّيكِ قَسراً؛ واتبعي

دليلَ قلبِكِ، جَهراً أعلِنِي

بعالي الصوتِ قوليها:

(إنِّي أُحبُّكَ، يا هذا ال...)

وإنْ خانتكِ الشجاعةُ، يا مُدلَّلتيي

إليَّ تعالي، وهمْساً انطقِيها

قولي: (عشقتُكَ...)

في أُذني...

***

الناقدة والباحثة: خيرة مباركي – تونس

..................

مديح الصادق... كندا الخميس 25 - 2 - 2021

 

 

عبد الله الفيفيقال صاحبي اللَّدود (ابن أبي الآفاق التراثي)، وهو يناقرني في شأن النَّحو العَرَبي:

- كثيرًا ما كان ينشغل (ابن هشام، عبدالله بن جمال الدِّين الأنصاري، -761هـ= 1360م)، على سبيل النموذج، في "شذور الذهب"، عن شرح مسائل النَّحو لتسهيلها على المتلقِّي، ليشرح لنا مسائل من تأليفه هو؛ بمنهاج "قلتُ"، يعني في "شذور الذهب"، و"أقول"، يعني في "شرح شذور الذهب"!

- جزاه الله خيرًا! يُبهِم في المتن لكي يُعجِم في الشرح! واحدة بواحدة!

- ومن قال لك، يا ابن الهواشم، أن تقول لتشرح لنا ما قلت؟ إنَّما كان المطلوب شرح كلام العَرَب، لا كلامك المصنوع. وهذا يعني أن الوسيلة، وهي قواعد اللُّغَة، قد صارت لدَى هؤلاء غاية؛ حتى إنَّه لا يصحُّ القول هنا إنَّه قدَّم العَرَبة على الحصان؛ بل إنَّه قد نسي العَرَبة والعَرَبيَّة، وجعل يتغزَّل في جمال الحصان الخشبي الذي ابتدعه، ويصف شِياته!

- أ لذلك قد يبدو الشرح لديه، في "شرح الشذور"، أعوص في بعض المسائل من المتن، الذي ألَّفه بنفسه، تحت عنوان "شذور الذهب".

- أحسبه كذلك. ولو اكتفى بالمتن لكفى وشفى وأبان.

- هيهات؛ وإلَّا ما بقيت للنحويِّ حِرفة!

- صدقت. لقد قَعَدَ القوم منشغلين بالقواعد أكثر من اللُّغَة، وقدَّموا القاعدة على النص؛ حتى أصبحت القاعدة مدار الاهتمام لديهم والتأمُّل، لا النص.

- أيُّ نصٍّ، وشواهدهم مجتزأة، وشِعريَّة غالبًا؟

- بل إنَّهم متَّهمون في هذا أحيانًا بصناعة الشاهد من أجل القاعدة. وما خرج من هذه العمليَّة المقلوبة إلَّا قِلَّة منهم، إنْ وُجِدوا.

- تُعَيِّرُنا أَنَّا قَليلٌ عَديدُنا ... فَقُلتُ لَها إِنَّ الكِرامَ قَليلُ!

مثل مَن؟

- مثل الأخ (عبد القاهر الجرجاني، -471هـ= 1009م)! وهو نحويٌّ، ولكن بفهمٍ راقٍ للنحو والنَّحويَّة؛ حتى إنَّه ليُحدِّثك عن "النَّظْم" على "المعاني النَّحويَّة" على غرار ما يمكن أن يحدِّثك به التفكيكي (جاك دريدا Jacques Derrida، -2004) عن مفهوم "النَّحويَّة"، De la grammatologie، المتعلِّق لديه بما يسمِّيه "عِلم الكتابة"، لا على غرار ابن هشام وأضرابه.

- وشتَّان بين المذهبين!

- والسبب أن القوم أصرُّوا على صناعة "عِلْمٍ" قاعديٍّ صُلب، لا قِبَل لهم به؛ من حيث إنَّ اللُّغات أوسع من القواعد المتحجِّرة، وأكثر تأبِّيًا، وما كلُّ ما فيها قابلٌ للتعليل المنطقي، قبولَ القضايا العِلْميَّة البحتة.

- على افتراض أن هذه قابلةٌ لذلك بصورةٍ مطلقة.

- ولذا لعلَّه ليس للُغةٍ في العالم عِلْمٌ واسعٌ جِدًّا يكلَّف به طلبة المدارس والجامعات اسمه (عِلْم النَّحو)، كما اصطُنِع للعَرَبيَّة، وإنَّما ثمَّة قواعد مدرسيَّة يتعلَّمها الطالب، ويفرغ منها مبكِّرًا، ليسعى في مناكبها. ولا أقسام، قائمة بذاتها، كما لدينا في بعض الجامعات (فقط للنحو والصرف). ولا متخصِّصٌ يُنفِق حياته فقط في هذا الحقل. غير أنَّ هناك دراساتٍ لُغويَّة مختلفة، صوتيَّة، ولسانيَّة عامَّة، أنتجتْ وأثمرتْ؛ لأنها خرجتْ من حِرفة (جَمَل المعصارة النَّحوي)، الذي ما زال- وما بَرِح وما انفكَّ- يدور مذ ألف عام. حتى إنَّ جهود عبد القاهر الخارجة على قواعد (المعصارة) لم يلتفت إليها العَرَب حقَّ الالتفات إلَّا حديثًا؛ إذ لفتَهم إليها بعض المستشرقين. ليكتشفوا أخيرًا أنَّه كان يمكن أن تخدم الفِكرَ اللُّغويَّ العَرَبيَّ على نحوٍ أكثر جدوى وأكبر إعمارًا وإضافة، بل وسهولةً وجمالًا، من مدرسة النَّحو التقليديَّة، لو أُخِذ بمنهج عبد القاهر، وبُنِيَ عليه وطُوِّر.

- وهكذا ظلُّوا مغرمين بصناعة المتون، ثمَّ شرحها، والتحشيَّة عليها.

- نعم. واستمر ذلك إلى العصر الحديث، وفي النَّحو وفي الصرف معًا، وصولًا في الأخير إلى كتابٍ "شذا العَرْف في فَنِّ الصرف"، لـ(أحمد الحامولي).

- "فَن"؟ جميل هذا المصطلح.

- هم تارةً يسمُّونه (عِلمًا)، وتارةً (فنًّا)، في أريحيَّة اصطلاحيَّة. متفنِّنين في هذه المصطلحات: "فَن" و"عِلم".

- وا أسفا عليه! ظننته قد صار فَنًّا حقًّا. لكن لماذا يفعلون ذلك؟

- لأسباب دعائيَّة، كتفنُّنهم في ألقاب المؤلِّفين، ولا سيما استعمال لقب "إمام"؛ لإضفاء هالة دِينيَّة، لا في مجال الدِّين، ولا لدَى الإماميَّة فحسب، بل لدَى الجميع كذلك، تجد هذه الإماميَّة في علوم اللُّغَة، والتفسير، والتاريخ.. إلخ.

- وربما كانت لذاك، إلى الجانب الدعائي، غاية تقديسيَّة- لا عِلْميَّة- تحوط صاحبها بحراسةٍ من العَين، ومن اللَّمس أو الاقتراب! فضلًا عن النقد، أو حتى التفكير في ما يقول، والعياذ بالله!

- ربما، وربَّتما.. وما جُعِل الإمام إلَّا ليُؤتَمَّ به في صمت! حتى وصلنا إلى ما يُدعَى: الإمام الأعظم، أو الإمام الأكبر.

- وهذا إمام الأئمة، طبعًا!

- طبعًا. ولم تكن تلك بمراتب عِلميَّة، وإنْ عُلِّقتْ من ذاك بسبب، لكنها مستمدَّة من منبعها ذي الطابع العاطفي التبجيلي المبالغ فيه. ومعلومٌ أن هذا لم يكن لدَى الصدر الأوَّل، وإنَّما هو مولَّدٌ في العصور المتأخِّرة، وعن تقليدٍ لأصحاب الثقافات والدِّيانات الأخرى. وتلك قضيَّةٌ أخرى. أمَّا القضيَّة الأولى والأخيرة، فصعوبة المتون، لأنها تأتي مُجمَلة، متداخِلة، وبلُغةٍ عتيقة، واصطلاحيَّة خاصَّة، على الطريقة القديمة. فليلطف الله بطلبة العَرَبيَّة، الذين كثيرًا ما يكرَّهون فيها ويُصرَفون عنها، بصناعة النُّحاة المتوارثة تلك!

- كيف؟

- كيف هذه تحتاج قَعدةً أخرى. ففيها تفصيل، محلُّه مساقنا الآتي، بحول الله.

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

 

لا يرتبط الإبداع السينمائي بواقع ملموس يمكن تحديده بواسطة وصفة جاهزة، ولكن يرتبط بمجموعة من القراءات المحتملة التي تتميز بتعدد مصادرها الفنية وبتباين مرجعياتها الفكرية والمعرفية والإيديولوجية، وعلى الرغم من ذلك يظل الإبداع السينمائي فعلا فنيا وملمحا جماليا ورؤية فكرية، تتولد عن عملية انفتاح دينامي واستراتيجي بين المبدع السينمائي والفيلم الجيد والمشاهد المتذوق، لذلك يمكن القول انه إذا كانت السينما عبارة عن صناعة متعددة الجوانب فإنها في جوهرها عبارة عن فكر وإبداع على أساس أن الفكرهومسالة تأملية والفيلم السينمائي هو إنتاج إبداعي مادي يتوسل بوسيط تعبيري هو الصورة السينمائية، ويعني أن هذا الخطاب الفيلمي هو الخطاب الذي يجمع بين الفكر الأدبي السردي والفكر المرئي المسموع، حيث يتم عرض هدا المزيج الفكري المركب من خلال الصورة المتحركة  والأداء التمثيلي  وما يصاحبهما من أشكال وألوان وإيقاع موسيقي ومؤثرات صوتية.

إن إبداعية السينما وشعريتها الخاصة تتمثل في وسمها للعصر بطابع متميز له خصوصيته التي تتجلى في كونه عصرا يتعامل مع الصورة ويتواصل بواسطتها وبفضلها عن غيرها من وسائل التعبير لذلك أصبح الإنسان المعاصر يتعامل مع السينما باعتبارها رؤية للعالم، تعبر عن آماله وطموحاته وانتظاراته وتصوراته الثقافية[1]، هذا فضلا عن اعتبارها تسويقا وترويجا لوقائع فيلمية تحيل على مستويات حياتية يومية وتاريخية وتراثية، من خلال أبعاد جمالية ورمزية وأسلوبية وفكرية وجودية.[2]

إن السينما تعد من الفنون السمعية البصرية التي تتميز بمهارات فنية وإبداعية خاصة، الشيء الذي يتطلب من المبدع السينمائي استعدادا وتفهما كاملين لأساليب العمل السينمائي ولمقومات اللغة السينمائية، لأن الفيلم السينمائي يعد عملا فنيا معقدا ومتشابكا، ولعل دلك  هو ما جعل الفن السينمائي متميزا بخاصية مهمة وهي “التخطيط”، أي وضع مخططات إنتاجية للفيلم بشكل تفصيلي، ودلك لضمان الشكل الذي ستظهر بموجبه الفكرة أو الحكاية أوالقصة في صورتها المرئية المعبرة والنابضة بالحياة، التي تتضمن كل العناصر الفنية التي يتطلبها إبداع صورة سينمائية مثيرة للفيلم أوالشريط السينمائي[3].

على الرغم  من وجود خصائص وضوابط مقيدة للإبداع الفني السينمائي، فإن الدراسات تشير إلى إن الإبداع السينمائي غلبا ما يرتبط في أجزاء كبيرة منه بالقدرة على تجاوز القيود الإنتاجية، وذلك على أساس أن التخلص من هذه القيود هو الذي يوفر حافز الإبداع، خصوصا وأن الإنتاج الإبداعي السينمائي هو عبارة عن نشاط مشترك يضم عددا كبيرا من الناس المبدعين الذين يبدعون كل منهم في مجال اختصاصه .[4] ويفهم من هذا أن السينما فن صناعي وتجاري يرتبط بمجموعة من الموارد البشرية والمالية والمادية المعقدة، ويتطلب مهارات  وتقنيات عالية الجودة على المستوى الإبداعي، وبناءا عليه فان تحقيق الفيلم السينمائي الجيد لا يشترط السيطرة فقط على الجوانب لإبداعية، ولكن يجب أن تأخذ عملية الإنتاج السينمائي بعين الاعتبار في هذا التحقيق، وهذا ما أكده جورج لوكاس (George Lucas)- بقوله”:إنني واع باعتباري شخصا مبدعا أن أولائك الذين يتحكمون في وسائل الإنتاج يتحكمون أيضا في الرؤية الإبداعية”[5]، ويعني هدا أن المنتج السينمائي الذي يمتلك مواهب فنية لا يختلف عن كاتب السيناريو أو المخرج أو الممثل،  وفي السياق ذاته يعتبر دافيد دريغ(David Draig) -  أن المنتج المبدع هو الذي يشارك بفاعلية في الإشراف على الكاستينغ والكتابة والتصميم والمونتاج، ويؤثر بشكل كبير على محتويات وأسلوب الإنتاج السينمائي النهائي، هذا في الوقت الذي يركز فيه المنتج غير المبدع فقط على المسئوليات الإدارية والمالية.[6]

إن مفهوم الإنتاج السينمائي لا يمكن تحديده إلا إذا تمت موضعته  في إطار المنظومة التي يتشكل منها القطاع السينمائي، وهي المنظومة التي  تشتمل على ثلاث مكونات أساسية هي:  الإنتاج والتوزيع والاستغلال، وفي هدا السياق يمكننا تعريف الإنتاج السينمائي بكون تلك العملية التي تقوم بجمع ودمج العناصر الضرورية لإنتاج الفيلم وضمان استمراريته، أي أنها العملية التي تضطلع بجمع الوسائل البشرية والمالية والتجارية والفنية والتقنية الكافية، والعمل على تدبيرها بشكل فردي أو جماعي لضمان نوع من الانسجام  والتنسيق القادر على إنجاز مشروع الفيلم السينمائي وذلك على ساس نوع من التكامل والتواصل بين مجموعة من المتدخلين كالمنتج والسيناريست والمخرج والممولين ،  ليمر مشروع الفيلم إلى اللحظة الواقعية بعد رصد كل الوسائل المالية والتقنية والفنية والبشرية الأساسية،[7] ويعني هذا أن عملية إنتاج الفيلم السينمائي تنطوي على ثلاث أنواع من الممارسة يمكن إجمالها في ما يلي:

الممارسة الاقتصادية التي تشمل جميع المعاملات المالية اللازمة لصناعة الفيلم كالاستثمار والقروض والاعتمادات المختلفة التي قد توفرها الدولة أو القطاع الخاص.

الممارسة التقنية التي تشمل كل العمليات البصرية والميكانيكية والفيزيائية  والكيميائية التي يتطلبها إنتاج الفيلم.

الممارسة الفنية التي تستهدف تحقيق مضامين إبداعية فنية ودلالات جمالية راقية على مستوى التلقي والمشاهدة.

إن المشروع الفيلمي يخضع لما يسمى بخط الإنتاج السينمائي الذي يتمثل في الترتيب الدقيق الذي تخضع  له عملية  صناعة وإنتاج الفيلم السينمائي، انطلاقا من الفكرة والسيناريو تم  التصوير والمونطاج والميكساج والطباعة النهائية لنسخة الفيلم، إلى الوصول  في النهاية  إلى منتج فني كامل، وهذه المراحل تقتضي وضع برمجة إنتاجية خاصة بها ليتم تنفيذها بناءا على مخططات وجدولة عملية، تستوجب الإشراف الإداري بهدف جعلها تحترم الخطوات المرسومة لعملية الإنتاج السينمائي، وهي العملية التي تشتمل على العديد من العمليات الفرعية المتلاحقة  والمتسلسلة، بشكل يتطابق مع المفهوم الحديث لخط الإنتاج، الذي تتفرع فيه العملية الإنتاجية إلى عمليات  متنوعة، تتميز كل واحدة منها بقدراتها الإنتاجية سواء على مستوى الأجهزة والمعدات، أو على مستوى نوعية الخبراء والعاملين الدين يقومون بانجازها[8] .إن المتأمل لخط الإنتاج السينمائي يدرك أن عملية إدارة الإنتاج السينمائي هي في الوقت ذاته علم وفن، وهي سمة تنفرد بها هذه الإدارة التي تعرف نماذج وتطبيقات متعددة ومتنوعة، فالمنتج السينمائي قد يكون فردا أو مؤسسة عامة أو شركة خاصة، على أساس أن لكل منهم أساليبه التنظيمية التي يشتغل بموجبها، هذا فضلا على أن كلا منهم يعمل من خلال مجموعة من الأنشطة التي تتكامل مع بعضها البعض من أجل تحقيق منتج سينمائي جيد وناجح على مستوى التسويق من جهة وعلى مستوى تحقيق الاعتبارات الإبداعية فنيا وجماليا من جهة أخرى.

إن تصميم الفيلم السينمائي باعتباره منتجا فنيا وصناعيا، يتطلب درجات من المعرفة والحرفية، لدلك فإن شركات الإنتاج تأخذ بعين الاعتبار انتقاء كتاب السيناريو والمخرجين والمنتجين المبدعين الذين لهم إلهام واسع  في مجال تخصصهم، والمسألة ذاتها تنسحب على باقي أعضاء الطاقم الذين يشتغلون في المشروع السينمائي،  لذلك فان نجاح أي فلم سينمائي يرتبط بطبيعة القدرات المتوفرة والمهارات المتخصصة في مجالات محددة من الإبداع الفني والتقني والإداري، والتي يجب أن تعمل في وقت واحد وبتنسيق مشترك، يعزز المناخ الفني للفيلم السينمائي، ويضمن نجاحه ويحقق المقومات الإبداعية المنشودة من لدن كل من المؤلفين والمنتجين الإبداعيين.[9]

و في هذا السياق تشير بعض الدراسات السينمائية إلى مجموعة من الخصائص التي تؤثر في الإنتاج السينمائي يمكن إجمالها في ما يلي:

المادية: وترتبط بكيفية صنع الفيلم، باعتباره عملا إبداعيا وذلك لأن المعدات المادية تؤثر على طريقة العمل وعلى الشكل النهائي لهذا العمل.[10]

الزمنية: ويتعلق الأمر بالوقت الذي له أهمية كبرى في الصناعة الإبداعية السينمائية، حيت يكون للسوق تأثير كبيرعلى التخطيط للمنتج السينمائي وعلى عملية تنفيذه، هذا فضلا عن تأثيره على تحديد المواعيد النهائية لهذا المنتج والوفاء بها، وبناءا عليه يمكن القول أن لكل منتج فيلمي ضوابط الزمنية، انطلاقا من تصوره وتوزيعه ثم تلقيه في سياقه التاريخي، ومن تمة فإن أي استبعاد لقواعد الهيكل الزمني للإنتاج قد يعطي معاني جديدة وقيما مختلفة للفيلم السينمائي.[11]

المكانية: وتعني أن للفضاء ثأتيرا على الإنتاج السينمائي، حيت يكون هذا الثأتير ماديا وتقنيا في الآن ذاته لذلك فإن تحرك شركات إنتاج الأفلام من الأماكن المغلقة إلى الهواء الطلق يقتضي استعمال تقنيات تصوير جديدة ومبتكرة.

الإجتماعية :التي يمكن تحديدها في ثلاث عناصر هي:  علاقات الاتصال والتواصل بين العاملين في المشروع السينمائي،  وتكاليف هذا المشروع، ومحتوى المخرجات الإبداعية للفيلم السينمائي، هذا فضلا عن عامل الثقة التي تفرضها الطبيعة السوسيولوجية للعمل السينمائي بين العاملين في هذا المشروع وبين شركة الإنتاج وغيرها من الجهات أو المؤسسات الداعمة للفيلم.[12]

الإقتصادية  : حيت يكون للميزانية تأثير كبير على المنتج السينمائي وعلى شكله النهائي،  ويدخل في هذا الإطار التعاقد مع ممثلين عالميين أو مع تقنيين أجانب محترفين لأن ذلك يكون له وقع كبير على الجمهور المتلقي، مع العلم أن هذه الخاصية الاقتصادية تخضع دائما لاعتبارات أخلاقية وقانونية.[13]

لقد ارتبط الإبداع لدى المنتجين السينمائيين، بشكل دائم، بمواهبهم وبقدراتهم الشخصٌية على المشاركة الفعالة فًي جمٌيع المراحل الإبداعٌية للفٌيلم السينمائي، ومع ظهور التطورات التكنولوجية فًي مجال الصناعة السينمائية ستتبلور أفكار ورؤى المنتجٌين على المستوى الإبداعٌي، إلى درجات ٌيمكن معها مقارنتهم بمؤلفًي الأفلام وبغيرهم من أعضاء الفرٌيق الإبداعٌي فًي أي فٌيلم سٌينمائي، وفًي هذا السياق ٌيرى جل المنتجين والدارسين للحقل السينمائي أن التكنولوجيا الرقمٌية قد أحدثت تغييرا كبٌيرا فًي مفهوم الإنتاج السٌينمائي، حٌيث مكنت السٌينما من الوصول إلى عصرها الذهبًي وخصوصا السٌينما المستقلة التًي مكنتها التكنولوجيا الرقمٌية من إحداث ثورة على مستوى طرٌيقة إيصال أفلامها إلى الجماهير العريضة والواسعة[14]. إن التكنولوجيا الرقمٌية قد ساهمت فًي حدود الإبداع لدى كل من المخرجٌين ومدٌيري التصوٌير ومصممًي الإنتاج ومصممًي الصوت والمؤثرات البصرٌية، لذلك ٌيمكن القول إن هذه التكنولوجيا قد مكنت المنتجٌين، على وجه الخصوص، من العمل بشكل أكثر فعالٌية على المستوى الإبداع، وعلى الرغم من ذلك فإن تأثيٌر التكنولوجيا الرقمٌية لا ٌينبغي أن ٌيقتصر على معالجة الجوانب الإبداعٌية، لأنها ٌيجب أن تنصب أٌيضا على معالجة متغيرات الإنتاج كالتكلفة والوقت والجودة، وعلى معالجة المراحل القياسٌية للإنتاج أي ما قبل الإنتاج والإنتاج وما بعد الإنتاج[15]، لذلك فإن هذه الثورة الرقمٌية فًي صناعة السٌينما أصبحت تفرض على المنتجٌين التزود بمعرفة كافٌية حول العملٌية التكنولوجية لفرٌيق الإبداع السٌينمائي حتى ٌيتمكن المنتجون من السٌيطرة الكاملة على هذا العالم الجدٌيد من الاحتمالات، وذلك على أساس أن أولائك الذٌين ٌيسٌيطرون على وسابل الإنتاج هم الذٌين ٌيسٌيطرون على الرؤٌية الإبداعٌية للفٌيلم السينمائي وٌيعملون على تعزٌيزها.

وإذا كانت هناك علاقة وثيقة بين الجماليات الإبداعيات وعملية الإنتاج، فانه يمكن القول إن الإنتاج يعد استثمارا للوقت  وللطاقة البشرية وللرأسمال في المنتج النهائي، مما يؤثر بأشكال متعددة ومتنوعة على جماليات الفيلم السينمائي ومستوياته الفنية والإبداعية، وفي هدا الصدد يرى باردو أليخاندرو(Pardo ALIJINDRO) -  أن الإنتاج السينمائي هو نوع من الخلق، لأن إنتاج الأفلام السينمائية في نظره يسمح بالعمل الإبداعي، ليس باعتباره إضافة مصطنعة أو متعالية، ولكن باعتباره جزءا لا يتجزأ من طبيعة هدا الإنتاج[16]، ويعني هذا أن مسؤولية المنتج السينمائي لا تنحصر فقط في التنظيم والتخطيط والرقابة المالية، ولكنها تشمل أيضا الجوانب الإبداعية التي تؤثر على النتيجة النهائية للفيلم السينمائي، وبناءا عليه فانه إذا كان بعض النقاد والدارسين السينمائيين يتفقون على أن هناك دوما أفلاما لمخرجين معينين، فان الكثيرين منهم يعترضون على هذه الوضعية الإبداعية باعتبارها نظرية عامة للأفلام السينمائية، وذلك على أساس أن التكوين الإبداعي للفيلم يكون أحيانا عديدة أكثر تعقيدا من أن ينسب لشخص واحد هو المخرج السينمائي، لان العديد من الأفلام الجيدة تحمل طابع الاستديو الذي أنتجها أكثر من طابع أي شخص آخر، وبناءا عليه فإننا نجد أن مجموعة من الأفلام السينمائية هي في حقيقتا ناتجة عن تصورا لمنتج  وليس المخرج، فالمخرج مثلا الذي يعزى إليه فيلم “ذهب مع الريح  ” Gone with the wind  هو “فيكتور فليمنغ “Vector Fleming، لكن النقاد السينمائيين يذهبون إلى أن هذا الفيلم هوالمولود الفكري والفني للمنتج “دافيد سلزنيك         “David O. SELZNICKوإذا كان المخرج السينمائي “مايكل باي “Michael BAY- يعتبر هو الذي أخرج فيلم “بيرل هاربور-  “Pearl Harborفان النقاد يرون أن المنتج جيري “بروكهايمر- “Jerry Bruckheimer هو الذي يرجع له الفضل في إخراجه إلى النور، ويفهم من هدا أن عملية الإنتاج حينما تتسم بالإبداع الفني، تكتسب أهمية اكبر من عملية الإخراج السينمائي.[17]

إن المنتج السينمائي لا يمارس عمله الإبداعي بطريقة مباشرة من خلال القرارات التي تؤثر على الإنتاج الفعلي للفيلم كما هو الشأن بالنسبة للمخرج السينمائي  ولكنه يمارس هذا الإبداع بطريقة غير، مباشرة أي من خلال الاختيار والإشراف على الموظفين المبدعين الذين يشاركون في الفيلم، الشيء الذي يقتضي منه قدرا كبيرا من التدخل في بداية العملية السينمائية ونهايتها، وأثناء مرحلة ما قبل الإنتاج، وعلى الرغم من ذلك فإن مهمة الإبداع لا تكون إلزامية بالنسبة لجميع منتجي الأفلام السينمائية، وهذا ما أكدته “ أديلينا فون فيرشتنبورغ – von Fürstenberg, Adelina -  “ حينما ذهبت إلى أن مدى الإبداع الذي يمارسه المنتج للمشروع السينمائي غالبا ما يعتمد على قدراته الإبداعية التي يكشف عنها في كل مرحلة من مراحل إنتاج الفيلم السينمائي، لذلك فانه يجب الحكم على إبداع المنتج  بقدر أهمية مساهماته وقراراته التي يتخذها في كل مرحلة من مراحل الإنتاج السينمائي[18]، وفي هذا السياق كثيرا ما نطرح الأسئلة حول طبيعة العلاقة بين الإبداع الفني والإنتاج السينمائي، وحول مدى قدرة المنتج السينمائي في المحافظة على مستوى لغة المتخصصين والمبدعين السينمائيين، وحول مدى تنازله عن هذه اللغة بشكل كلي أو جزئي، استجابة لمتطلبات إنتاج العمل السينمائي، ونزولا عند رغبات فئات وشرائح من الجمهور، وللحسم في هذه المسألة، ذهبت بعض الدراسات السينمائية إلى أن الإبداع الفني السينمائي يجب أن يأخذ طابعا مخصوصا، وأن يتسم بسمات مميزة وفارقة، دون أن يتخلى عن شروط إبداعية، وبناءا عليه فإنه يجب على الإنتاج السينمائي أن لا يقع في فخ التعميم والسطحية، بدعوى الاستجابة للجماهير العريضة، وان يتقيد بلغة المتخصصين والنقاد السينمائيين بدعوى الأمانة والمصداقية، لذلك يفترض في الإنتاج السينمائي المبدع أن يتسم بالملائمة على مستوى المفاهيم الفنية وعلى مستوى تيسير المراحل الإنتاجية المحققة للإبداع السينمائي[19]، كما يفترض في المنتجين السينمائيين امتلاك قدرات ومهارات تمكنهم من العمل بشكل جيد مع جميع أعضاء الطاقم الفني للفيلم، من خلال تقديم كل المساعدات في تفسير وتحقيق الرؤية الفنية الإبداعية للمشروع الفيلمي من جهة، وتوفير كل الضمانات المادية والبشرية لنجاحه على المستويين الفني والتسويقي من جهة ثانية[20].

إن الإبداع في الإنتاج السينمائي لا يقتصر على تغطية الجوانب المادية والجوانب الإبداعية، من خلال البحث على التجديد في المجالات التقنية والفنية، لأن المطلوب أيضا هو أن يمثل المنتج الإبداعي السينمائي همزة وصل بين عملية الإنتاج وما ينتظره ويترقبه الجمهور المتلقي، ويعني هذا أن شروط الإنتاج السينمائي لا تتحقق إلا من خلال تدبير الكيفيات والسبل التي يمكن بواسطتها تأهيل الأعمال السينمائية، مهما كانت متفردة وخصوصية وعميقة الأثر، ومن هنا تظهر أهمية المنتج المبدع في تقريب الجمهور وتمكينه من إدراك مكامن الإبداع في الفيلم السينمائي وذلك من خلال توظيف الأساليب الفنية الجديدة والتقنيات السينمائية المبتكرة، ولكي يتمكن المنتج من القيام بذلك، يجب عليه أن يفهم أسرار الإبداع الفني السينمائي وأن يدرك عمقه وأصالته.

إن النجاح والاستمرارية التي حققتها الصناعة السينمائية ترجع بالأساس إلى الأداء المتميز لمجموعة من المنتجين السينمائيين المبدعين الذين اتسموا بخبراتهم وقدراتهم الفائقة على التوظيف الاقتصادي الأمثل لجميع عناصر ومكونات الإنفاق، دون الإخلال بمستويات الجودة الفنية والفكرية للفيلم السينمائي، وبعوامل إثارة المشاهد/المتلقي، التي تقوم بدور أساس على مستوى تحقيق الربحية تستهدفها الصناعة السينمائية بالدرجة الأولى، ويفهم من هذا أن المنتج السينمائي المبدع هو ذلك الشخص الذي يهتم بتدبير كل الموارد المادية والخدماتية والبشرية المتخصصة، بشكل يضمن إنتاج أفلام سينمائية تتميز بجودتها الفنية والفكرية بأقل تكلفة ممكنة، وذلك دون التأثير السلبي على العناصر والمكونات الإبداعية للفيلم السينمائي، وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أنه يفترض في المنتج السينمائي المبدع أن يمتلك خبرات مهنية وقدرات فنية إبداعية، تمكنه من إيجاد الحلول العملية المناسبة لكل المشاكل أو العوائق التي تحول دون إنتاج أفلام سينمائية ناجحة، وذلك من خلال مراعاة الأبعاد الاقتصادية والفنية، وتعميق التكامل بين المؤلف والمخرج والممثلين وفريق العمل الفني/التقني، وكذلك التركيز على إبداعية العمل السينمائي، يعد هو المؤشر الحقيقي على نجاح العملية الإنتاجية في الصناعة السينمائية.

 

الباحث إدريس موعنى

.............................

لائحة المراجع

المراجع العربية

فواد الكنجي:أهمية السينما في المجتمع-الحوار المتمدن-العدد: 5102 - 2016 / 3 / 13 - محور: الادب والفن- http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=508986&r=0

زهرة المنصوري: سيميوطيقا التواصل في الخطاب السينمائي: ميكانيزمات تمفصل المعنى بين الإنتاج والإدراك ـ منشورات جامعة ابن زهر ـ أكاديرـ (2001(

محمد علي الفرجاني: تعريف بالمصطلحات الفنية المستخدمة في فن وصناعة السينما ـ الحلقة الدراسية في مجال كتابة السيناريوـ المنشأة العامة للنشروالتوزيع والإعلام ـ طرابلس ـ ليبيا ـ (1986(

عبد المعين الموحد - إدارة الإنتاج السينمائي - منشورات وزارة الثقافة –(2006)

اليزا هانسل: جماليات سينمائية جديدة . تأثير الثورة الرقمية فى بناء الحقيقة -دراسة - ترجمة: ممدوح شلبى - 10‏/07‏/2012 -

http://mamdoughshalaby2.blogspot.com/2012/07/blog-post.html

المراجع الأجنبية

Wolf Janet - the Social Production of Art- communication & culture-Palgarve-London-(1993)

Kevin Brownlow: Critiques de David Lean: une vie de cinéma - Éditeur: CINÉMATHÈQUE FRANÇAISE (1996)-

Claude Forest: L'argent du cinéma: Introduction à l'économie du septième art- Editeur: Belin-France –(2002)-

Hospers John: Artistic creativity journal of aesthetics and arts- Phenomenological research- University of Illinois Press – (1979)

Beker Howard: Art worlds  – University of California press- California USA- (1982)

Hauser Arnold: The Sociology of Art – Routledg and kegan Paul-Chicago USA- (1982)

Alen Casty: The Dramatic Art of The Film - harpen , Row - Publisher S. London , (1975)

ALEJANDRO PARDO: THE FILM PRODUCER AS A CREATIVE FORCE-Wide Screen 2- (2010)- www.widescreenjournal.com (18 Janvier 2018)

David Thomson: The Alien Quartet: A Bloomsbury Movie Guide: The Missing Author Film Comment-  (Bloomsbury Publishing)- 1999

SHEKHAR DESHPANDE: ANTHOLOGY FILM. THE FUTURE IS NOW: FILM PRODUCER AS CREATIVE DIRECTOR –Wide Screen2-  http://widescreenjournal.org/- (von Fürstenberg, Adelina. (2009), Producer, Stories on Human Rights (2008). Correspondence.)

[1] فواد الكنجي: أهمية السينما في المجتمع-الحوار المتمدن-العدد: 5102 - 2016 / 3 / 13 - محور: الادب والفن- http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=508986&r=0

[2] زهرة المنصوري: سيميوطيقا التواصل في الخطاب السينمائي: ميكانيزمات تمفصل المعنى بين الإنتاج والإدراك ـ منشورات جامعة ابن زهر ـ أكاديرـ (2001) ـ ص26

[3]  محمد علي الفرجاني: تعريف بالمصطلحات الفنية المستخدمة في فن وصناعة السينما ـ الحلقة الدراسية في مجال كتابة السيناريوـ المنشأة العامة للنشروالتوزيع والإعلام ـ طرابلس ـ ليبيا ـ (1986) ـ ص.55

[4]   Wolf Janet - the Social Production of Art- communication & culture-Palgarve-London-(1993)-p.24

[5]  Kevin Brownlow: Critiques de David Lean: une vie de cinéma - Éditeur: CINÉMATHÈQUE FRANÇAISE (1996)- p.125

[6] Ibid-p.81

[7] Claude Forest: L'argent du cinéma: Introduction à l'économie du septième art- Editeur: Belin-France –(2002)-p.68

[8]  عبد المعين الموحد - إدارة الإنتاج السينمائي - منشورات وزارة الثقافة -(2006)- ص.31

[9] Hospers John: Artistic creativity journal of aesthetics and arts- Phenomenological research- University of Illinois Press – (1979)- pp.237/249

[10] Beker Howard: Art worlds  – University of California press- California USA- (1982)- p.29

[11] Hauser Arnold: The Sociology of Art – Routledg and kegan Paul-Chicago USA- (1982)- p.400

[12] Beker Howard-op.cit-.p.77

[13] Wolf Janet- op.cit.p24

[14] اليزا هانسل: جماليات سينمائية جديدة. تأثير الثورة الرقمية فى بناء الحقيقة -دراسة - ترجمة: ممدوح شلبى - 10‏/07‏/2012 -

http://mamdoughshalaby2.blogspot.com/2012/07/blog-post.html

[15] Alen Casty: The Dramatic Art of The Film - harpen , Row - Publisher S. London , (1975).-p.55/58

[16] ALEJANDRO PARDO: THE FILM PRODUCER AS A CREATIVE FORCE-Wide Screen 2- (2010)- www.widescreenjournal.com (18 Janvier 2018)

[17] David Thomson: The Alien Quartet: A Bloomsbury Movie Guide: The Missing Author Film Comment-  (Bloomsbury Publishing)- 1999-, p.78,

[18] SHEKHAR DESHPANDE: ANTHOLOGY FILM. THE FUTURE IS NOW: FILM PRODUCER AS CREATIVE DIRECTOR –Wide Screen2-  http://widescreenjournal.org/- (von Fürstenberg, Adelina. (2009), Producer, Stories on Human Rights (2008). Correspondence.)

[19] Beker Howard-op.cit-.p.50

[20] Hospers John- Op.Cit- pp.237/249

 

 

قاسم ماضيصدر حديثا ً للشاعر والقاص المصري "عادل بسيوني" المجموعة القصصية المعنونة "مارلين" عن دار نشر "أطلس للنشر والإنتاج الإعلامي " الجيزة -مصر،والكتاب من القطع المتوسط ويقع في 130 صفحة .وتضم المجموعة أكثر من 14 قصة مع دراسة نقدية بقلم الناقد " محمد دحروج " .

والمجموعة التي كتبها " البسيوني " هي أرشفة ومواجهة  للواقع تحمل صدق الإحساس بما يحيط به،وكذلك  معاينة للواقع المتردي الذي يعيشه الإنسان العربي،مستخدما حوادث وأسماء مرت بحياته .معبراً عنها بصدق الإحساس بالأشياء المحيطة به، وهو يعمّق رؤآه الأدبية المعروضة في قالب إبداعي مدروس يحمل صفات فكر صاحبها . وهو يحمل سوداوية الواقع و برزخية الحلم . وفي كلمة الإهداء

" إلى الأرواح العزيزة التي كانت هنا، ذات يوم، وما زالت تحلّق حولنا لتتجلى مظاهر النور ص7

جاء السرد الحكائي لهذه المجموعة القصصية  مفعما برائحة المعاناة والتنقل بين زوايا هذه الحياة التي أعطته هذا الكم المعرفي من الرصد والبحث، وهي محاولة  جريئة لأنها تعبر بقوة عن قلقه المأساوي الذي يتحرك في دواخله المشتعلة والمسيطرة على نفسه  يقول " البسيوني " في مقدمة المجموعة .

" حتى أيقظني بعضهم، وكانوا من المقربين، حينما وجدوا ما أنا عليه من دقة حين سردي وقوفا عند التفاصيل، لماذا لا تخوض هذا المجال وأنت أهل له ؟ ص9

وهو يلمس جانبا  مهما ًمن معاناة شخوصه التي إنطلق منها، من خلال ضيق الواقع بمختلف تجلياته، مما أعطته معاناة أبطاله الدافع الأساسي للوصول إلى ما يربو إليه من هامش أدبي للتعبير عنهم ، مضافاً إلى معاناة كاتب هذه القصص وكتابة موضوعاته  المستلهمة من  الواقع الإنساني بمختلف تنوعات أحداثه   ضمن أرضية لا بديل لها في مخيلته .

" كم هي غريبة تلك الحياة، وكم تتشابه الروايات ولكن أبطالها رغم هذا التشابه أبطالاً حقيقيين على مسرحها " ص22

وهنا يقول عنه الناقد المصري " محمد دحروج " مهمة القاص تنحصر في نقل القارئ إلى حياة القصة،بحيث يتيح له الاندماج التام في حوادثها، ويحمله على الاعتراف بصدق التفاعل الذي يحدث بين الشخصيات والحوادث .

" عند رجل كهذا بدا عليه الفقر عنوانا " ص100

2256 عادل بسيونيالاشتغال القصصي يحتاج من أي كاتب، أن يكون واعيا لما يكتبه  ليعبر به عن دواخله وهو يرسم  تسلسل قصصه وخطوطها الأساسية حتى يصل إلى مبتغاه،وهنا تتجلى رغبة القاص في تمكنه من حرفيته، ومهارته المهنية، وكذلك الوصول السريع والتلقائي في كتابة القصص التي يريد الانطلاق منها .

يقول الكاتب " بسيوني " في مقدمة هذه المجموعة " لم يكن ببالي يوما أني سأكتب هذه المجموعة القصصية التي هي الأن بين أيديكم، أو أقف على منبرها، أو أربت على كتفها وأن سأدللها على الرغم من أن ذلك كان يراودني، لكنها الصدفة التي أتت بي إلى هنا وما كنت لأفعل .ص9

يقول " ترومان كابوت " أني دائما امتلك اللعبة الخادعة، إن اللعبة الكاملة للقصة، ببدايتها ووسطها ونهايتها، تحدث في فكري في وقت واحد أي أراها في ومضة واحدة "

حتى يؤكد القاص المصري " بسيوني " فلسفته الخاصة به، واستحضار مواجع  أبطاله، بعد أن غاص في عوالم الأدب، واستهل عوالمه وهيأ لنفسه، لعبته التي انطلق منها ورسم لها بكل ما حمله  من أفكار في هذا السرد الحكائي، الذي أعطاه قوة وعزم على الخوض في هذا المضمار

" وهو يحمل في داخله مكنونات خاصة تسكن في وجدانه "ص22

وهنا يكون للقاص والشاعر " بسيوني " عدد من الممارسات الإبداعية في عالم الأدب تمتد على مساحة تشكيلية تستحق النظر والتأمل . وهو يؤكد للقارئ أن قصصه التي كتبها هي مختلفة عن كتابة القصة التقليدية المعروفة عند الكثير من الذين يكتبون، فأراد  " البسيوني "  في معظم قصصه التي شكلت وعاءا تجريبا مدروساً، وبأسلوب جديد ومكثف بالرغم من انطلاق هذه القصص من الواقع .

" ما أجمل الواقع الذي تخلقه رؤى الخيال، وما أجمل أن يرفرف القلب في خيلاء الذات " ص90

ويبدو ومن خلال هذه المجموعة أراد الأديب المصري " بسيوني " أن يقول قصصي مرتبطة بفكرة الزمن وقدرتي على هذا العطاء، وهذا ما تؤكده قصصه المليئة بالحكمة  والمعرفة لشؤون الناس الذين يقابلهم، وشكلت في ذهنه  حلقة مهمة من  سمفونيات واقعية تعتمد على لغة حياتية مكثفة وفيها من الإيحاء الكثير وخاصة " قطة شحاته " وتبقى الذكرى " الزيارة الاخيرة " التميمة " وغيرها من القصص .وهنا يؤكد الناقد " محمد دحروج " ثمة أشياء كثيرة يحتاج إليها الكاتب، ليقدم لقرائه عملا قصصيا ناجحا، فاللغة والأسلوب، والتصوير وبالجملة الشكل،ومن ثم الموضوع والمضمون،جميعها شروط أساسية لنمو العمل القصصي .ص 117

وفي اعتقادي أن القصة تبقى وليدة اللحظة، وان كتبتها لا يتطلب حيزا زمنيا كبيرا حتى تولد الفكرة ولهذا جاء الكاتب " بسيوني " ليسابق الزمن وتقديم مشروعه القصصي للقارئ العربي الذي انطلق منه وكما أطلقوا عليه شبيه ببعض اتجاهات " أنيس منصور " في تواليفه ك " عاشوا في حياتي " و" يسقط الحائط "

وبقي أن نذكر أن الشاعر والقاص له العديد من المطبوعات الأدبية نذكر منها المجموعة الشعرية " أعلنت حبك " الصادرة عن دار نشر أطلس للنشر والإنتاج الإعلامي لعام 2019 بالاضافة الى مجموعته " مارلين "

 

قاسم ماضي - ديترويت

 

 

نادرا ما أكتب عن غواية الشعر، لا لأنَّ المخيَّلة مقيَّدة بتفاصيل الحياة الصغيرة، بل لأنَّ هناك من يمارس هذه الكتابة بمنهجية أكاديمية بحثية لا تتاح لقلق الشاعر، ولروحه المشوبةِ بالأسئلة، خصوصا عندما يتحدَّث عن تجربته أو تجارب مجايليه. حتى أن الفكرة التي تراودني حول الموضوع لا تخرج عن كونها نوستالجيا شعرية تحن إلى الماضي الجميل، وتصبو إلى المستقبل من خلال قولبة القصيدة الفلسطينية ضمن رؤية محددة، واضحة المعالم. على الصعيد الشخصي ما زلت أبحثُ عن قصيدتي كمن يبحث في امرأةٍ عن حبق سري أو أنوثة غامضة. رغم أنَّ الشغف الشعري أحيانا ما ينكسر بعد جيل الفتوة فينحو الشاعر إلى كتابة نثرية تعبِّر أكثر عن تموجات أحلامه المنكسرة. فالكثير من الشعراء بعد سن الأربعين يصيبهم ضجرٌ ما من النفخ في ناي الغنائية أو يفتر شوقهم الشعري فيسلكون خيارين اثنين لا ثالث لهما، إما الانقطاع عن الكتابة الشعرية واللجوء إلى الصمت الأبدي، أو الوقوع في فتنة السرد والطواف في بحر الرواية أو الكتابة عبر النوعية. وهو ما حدث مع الكثيرين من الشعراء الذين تحوَّلوا الى كتابة الرواية وتركوا الشعر في مهب ريح التساؤلات. لا أستطيع أن أحكم على تجارب غيري من الشعراء الفلسطينيين الشباب ولست وصيَّا على قصيدة أو على أحد، ليس لأنني أعيش عزلة شعرية بطريقة أو بأخرى، ولكن لعدم إطلاعي بشكل كاف على تجاربهم الجديدة التي أعتبرها مبشرة بالخير بالرغم من فجاجتها أحيانا في مواضع كثيرة، فهي تحتاج للممارسة.. للوقت.. وللنار الهادئة كي تنضج، وهذا رأي شخصي لكوني لا أمارس النقد ولا تسعفني قراءاتي في أدبنا المحلي الجديد بالمستوى الذي يتيح لي أن أبدي رأيا أو أكتب متابعة، ولأن اهتمامي ينصبُّ على ما كتبه شعراء الستينيات والسبعينيات والثمانينيات. أو لأكون دقيقا أكثر، شعراء ما قبل الألفية الثانية. ما قرأته لا يعدو أن يكون أبياتا متناثرة أو قصائد قصيرة قليلة مبثوثة هنا وهناك سواء على الفيسبوك أو على بعض المواقع الالكترونية المهتمة بالشعر. ولكن ما أوقن به أن تجارب الشعر الفلسطيني الجديدة لم تبلغ ذلك الأفق العربي وظلَّت بعيدة عن دائرة الاهتمام النقدي، ومحبوسة ضمن  إطار ضيِّق من المحليَّة. تشغلني حاليا تجارب حسين البرغوثي وغسان زقطان، وليد الشيخ، زكريا محمد، وزياد خداش وسهيل كيوان وغيرهم من المبدعين الراسخين في التجربة الإبداعية الفلسطينية، في السنة الماضية قرأت سيرة الناقد اللامع والكاتب الموسوعي الفلسطيني الكبير الدكتور إحسان عباس "غربة الراعي" قرأتها بتمعن وتأمل كبيرين، لأن أعمال هذا الناقد الفذ تهمني وتفتح لي نوافذ كثيرة على ثقافات وأبعاد واشارات وأساطير، بعدها قرأت شعرا للشاعر الفلسطيني الجميل حسين مهنا، الذي أعتبره صوتا استثنائيا وصاحب عبارة منحوتة بدقة وإتقان في ساحتنا الأدبية المحلية. وأيضا أعجبني كتاب نصوص قرأته مؤخرا بعنوان "خطأ النادل" للقاص الفلسطيني الجميل والمبدع زياد خداش.

مشكلة الأدب تكمن في آلية التلقي في زمن الصورة والتكنولوجيا، ولأعترف أننا نعيش حالة استسهال كتابي سواء بالشعر أو بالنثر، ولو نلوم الفيسبوك أو تويتر أو غيره من مواقع التواصل الاجتماعي على امتلاء الفضاءات الافتراضية بالكتاب وبالشعراء والمنظِّرين الجدد، هي ثورة معلومات ونظام عولمي يخضع البشر لقوانينه، بعد الشاعرين محمود درويش وسميح القاسم نلمس فراغا شعريا كبيرا، لا أجد ذلك النص الشعري الفني المغاير، أو المختلف. لدينا أسماء كثيرة، ولكن من يكرِّس نفسه للحياة الابداعية ويخلص لمشروعه ويعيش تجربته بكل عمق ورهبنة؟ هناك تجارب فردية وذاتية لأصوات شعرية جميلة في الداخل الفلسطيني وفي الضفة الغربية والشتات ولكنها أصوات خافتة النبرة لشعراء شباب يتلمَّسون طريقهم، منهم من يمتلكون صوتهم المرهف الخاص وبصمتهم الجمالية، وآخرون ما يزالون يبحثون عن ضالتهم. لكنهم جميعا يبقون كمن يغرِّد خارج سربه أو كنخلة وحيدة في صحراء ممتدَّة.

لم تتخلص تلك التجارب الجديدة بعد من صراع الأشكال الشعرية، وتأثيراتها. هناك شاعر فلسطيني مهم بنظري أسمه أحمد حسين، هو شقيق الشاعر راشد حسين، كتب دواوين مهمة برأيي على مستوى اللغة الشعرية المتجددة، النابضة والمضيئة، أعجبتني صوره ومجازاته وطريقة كتابته للقصيدة، ولكن لم يهتم النقاد بتجربة الشاعر الفلسطيني أحمد حسين لأنه لم يكن  يُحسب على حزب معيَّن ولم ينضوِ تحت أي راية أو جهة، قبل سنوات راسلتني طالبة من مدينة غزَّة طالبة مني أن أمدها بكتابات للشاعر أو دراسات عنه.. لم يكن هناك من مصدر سوى موقع الشاعر على الشبكة العنكبوتية.

خفوت الوجودي والسياسي في شعرنا الفلسطيني أصبح ملموسا وجليا لدى البعض من المبدعين الشباب، مقابل الهم الذاتي والنبرة الوجدانية والعاطفية، ولكنه اكتسب طفرة وازدهارا  وتنوُّعا لدى شعراء الجيل الثاني، أقصد شعراء ما بعد مرحلة محمود درويش وسميح القاسم وعز الدين المناصرة وتوفيق زياد وراشد حسين وشقيقه أحمد حسين وغيرهم، الشعراء الشباب لديهم أحلام طموحة ولكن شعريَّا ينقصهم الكثير لتكتمل تجاربهم، على سبيل المثال نحتاج لقصائد لا نشعر ونحن نقرأها بوطأة الصراع الثقافي الايديولوجي بين الأشكال الشعرية فيها، يتوجب نسيان هيمنة قصيدة النثر أو رفرفة التفعيلة أو صخب الشعر العمودي، نريد شعرا فحسب، شعرا مغايرا منطلقا، يتجلى عبر الأبعاد الفنية هاضما للثقافات العميقة، القراءات المتعددة، متمثلا للشعريات العالية المتوهجة، ومخترقا سطح النمطي والمتداول، ذلك أن القصيدة الفلسطينية بشكل خاص والعربية بشكل عام أصبحت فاقدة لخصوصيتها ولبصمتها الشخصية، ولحساسيتها الفنية، فالنصوص الشعرية تقريبا كلها متشابهة ويحكمها جو معيَّن وتجمعها لغة واحدة، في ظل غياب نقدي، يواكب رؤيا الشعر الفلسطيني التائهة بين استيهامات الواقع والخيال.

خلاصة القول أننا كشعراء فلسطينيين جدد أو غير جدد يتوجب علينا مواصلة السير في طريق الإبداع الصعبة المحفوفة بالشوك، والتحليق عموديا بالقصيدة خارج الفضاءات المسقوفة على يد شعراء وحالمين عظام، والالتحاق بركب الشعر العربي أو العالمي.. لا الوقوف عند نقطة الصفر والالتفات لأمجاد السابقين الأدبية، والاكتفاء بالتغنِّي بها. أو الانخراط في جدل عقيم حولَ الأشكال الشعريَّة، أن تصير شاعراً ليس مجرد حلم صيف، أو خربشة مجَّانية عابرة على جدار الفيسبوك أو تويتر.. المعادلة تغيَّرت.. وتلزم الشاعر حيوات كاملة صاخبة وجهد ثقافي جبَّار ليترك نقطة ضوء في فلاة الظلام.

 

نمر سعدي/ فلسطين

 

توفيق الشيخ حسينحسرة الظل (تجارب في الشعرية النادرة والبساطة الجميلة) للشاعر والروائي والناقد " محمد الأسعد " الصادرة من دار خطوط وظلال للنشر والتوزيع، جمعت في هذا الكتاب بين ثلاث قراءات تتقاطع أضواؤها أو تسقط منفردة، على تجارب شعرية تحمل صفتين (الشعرية النادرة والبساطة الجميلة)، تقرأ الأولى تجربة الشاعر العراقي محمود البريكان، صاحب أسطورة الشاعر الساعي الى تحرير نفسه من كل ً قوة خارجية، سواء كانت سلطة حكومية أو رأيا ً عاما ً والباحث عن سلامه في ظل سلطة ضميره الخاص، وعنايته بكمال الإنسان والكون كله، محدقا ً بالأزمنة، ومعانقا ً الحياة بلا خوف ولا رياء، ممتلكا ً شجاعة الوقوف وحيدا ً في هذه المواجهة، وتقرأ في الثانية تجربة الشاعر الياباني " ماتسوباشو " مكتشف الجمال في الطبيعة والحياة، وصانع قصيدة الهايكو كما عرفتها الأزمنة الحديثة، تلك القصيدة التي اجتذبت أفضل المواهب الشعرية في مختلف اللغات، بما فيها العربية، تقرأ في الثالثة تجارب ثلاثة شعراء من فلسطين وسورية ولبنان (توفيق صايغ، ومحمد الماغوط، وأنسي الحاج) جمعتهم دائرة شعرية واحدة في منتصف القرن العشرين، امتازوا بمنح اللغة وظيفة غير معتادة، خارج كونها مجرد لغة تواصل يومي، لغة لا تختفي منها وظيفة التواصل، ولكن تتبدل الرسالة المرسلة بتبدل محتوى الرسالة وأداتها .

يؤكد " الأسعد " أن محمود البريكان (2002 – 1931) بعزلته وأبتعاده عن الوسط الأدبي، وانشغاله بقضايا ومصائر يؤمن أنه لا يستطيع مواجهتها إلا وحيدا ً ولم يترك لنقاده سوى القصيدة، وذاكرة أغنى مما يمكن أن نجد في ثقافة الاستعراضات والغناء المربح، لإنها ذاكرة الغريب والمغترب في وسط لم يتعرف على نفسه بعد، بل ويأبى أن يتعرف على نفسه وفق شروط تمليها حياة الشاعر البعيدة عن الاضواء، وقناعاته التي حولته الى نص مجهول، كان شاعرا ً ومثقفا ً من طراز رفيع، كان مثل طائر لا يألف القفص، وراهبا ً من رهبان الحرية، كتب لها أجمل قصائده وظل ممجدا ً لها حتى أيامه الأخيرة .

يتساءل " الأسعد ": هل كان البريكان نصا ً مجهولا ً؟ بهذه النزعة الى الإنعزال والتوحد والإبتعاد عن الأضواء، وهي أكثر الوقائع وضوحا ً في شهادات مجايليه واصدقائه القليلين، فلماذا كان على الشاعر أن يؤمن أنه لابد من الوحدة لمواجهة العالم؟ ولماذا هذا الإيمان بأن على الشاعر أن يكون متفردا ً في هذه المواجهة؟ ولماذا المواجهة أصلا ً؟

ينتمي الشاعر البريكان عائليا ً الى أسرة نجدية تسكن بلدة  الزبير (تبعد عن البصرة حوالي 20  كيلو متر جنوبا ً)، ونتيجة للنمط السكاني المتميز لبلدة الزبير خلق تركيبة نفسية (فكرا ً ووجدانا ً) تميزت بالإنعزال عن المحيط العراقي الذي عاش في خضمه وعن الوضعية الثقافية وتجربته وردود فعله في سياق الإتصال بالآخرين والمستويات الفكرية التي تطلع عليها ولم تكن مما يتوفر حوله، وان هذه العزلة الروحية تهيأت أسبابها وكوامنها قبل إطلالة الشاعر على أفق الثقافة العالمية  التي ستزوده بالوسائل والمبررات لتوطيد تجربته ووجوده في فضاء آخر .

في بغداد الأربعينات كانت تتدافع موجات التجديد وتمتزج الموجات بما كانت تحمله الى الوسط الثقافي المجلات والكتب القاهرية والبيروتية حاملة النبأ الجديد: ثورة الشعر الحديث، فكيف يمكن أن ينعزل أفراد أو فرد من بلدة نائية مثل الزبير في وقت غلبت فيه هذه الموجات مجتمعا ً وشاركت في نسج علاقاته وأفكاره وتطلعاته ونمطت توجهاته الثقافية والإجتماعية .

من هنا يسأل " الأسعد ": أين سنجد صورة البريكان؟ .

هل نجدها في ذاكرة من تحدثوا عنه بوصفه أهم شاعر عراقي (السياب) أو بوصفه الأكثر تطرفا ً في التجديد (طهمازي) أو بوصفه معلما ً (سعدي يوسف) أم في تعليقاته المنقولة عنه على لسان غيره مما أقترب منه فجاءت تعابير منقوصة أختلط فيها قصد الشاعر بمستوى فهم الناقل وقدرته على الاستيعاب؟، إننا لن نجده في شيء من هذا، بل في ما اختاره أن يكون صورته، في مقالاته القليلة التي ظهرت في فترات متباعدة وفي قصائده القليلة المنشورة، وهذا هو الأساس الذي أراد لنا الشاعر أن نبني عليه صورته، وهو ما راهن عليه بقوة مبعثها إيمانه الفريد بقيم عزيزة المنال في محيطه الذي عاش فيه .

كانت قضية الحرية أهم القضايا التي أنشغل بها الشاعر محمود البريكان ونالت الجزء الأكبر من اهتمامه، لكن الشعور بالحرية عند " الأسعد " عبء يثقل على الإنسان ويصاحبه الشعور بالألم والعذاب والعزلة، ومصدر هذا الشعور الفاجع هو محاولة الإنسان تنمية شخصيته بصرف النظر عن حياة النوع الإنساني، إنه في موقف طابعه الثنائية، فحريته تستوجب شعورا ً بالعزلة والتجرد من ضغط الوجود المتشيء، وهي تفسير التاريخ من جانب آخر بوصفه جزءا ً من مصيرها الشخصي، ولا يدرك الإنسان شخصيته واصالته وتفرده وتميزه عن كل شخص وعن كل شيء الا حين يكون وحيدا ً .

وحيدا ً أنتمي، حرا ً، الى فكرة

أرادت نحتها الموتى (ولم تنحت على صخرة)

إلى صوت النبؤات البدائي

إلى الثورات قبل تجمد الرؤيا

إلى الحب السماوي الذي ترفضه الدنيا

إلى البرق الذي يكشف وجه الدهر في لحظة

ولكن أي نوع من الفن؟ إنه المأساوي، لانه وحده يمتلك هذه البصيرة الثاقبة، منحوتات الأيطالي (جيلكومتي) التي كانت تسترعي اهتمام البريكان أو تجريدات (هنري مور)، والأساطير والشعائر والتناغمات الموسيقية، ليست مجرد أدوات تقنية، بل هي رؤى للكون منبعها حرية روحية تعلو بالإنسان فوق العرضي والمتعاقب والمحدود والموضوعي، وتصله بمنبع أصيل أشد خفاءا ً، بشيء هو أقرب الى اللغز منه الى المقولة المنطقية أو المعادلة الرياضية .

واذا نظرنا الى التلميحات القليلة التي تحدث فيها البريكان عن طريق بناء القصيدة لديه، يكتشف " الأسعد " أن تعددية الأصوات والمشاهد والأزمنة ومحاولة تكوين تناغم ضمن شكل دال، سمات أساسية في وعيه الشعري، انه مؤمن بداية بأن الصيغ لا يمكن عزلها عن طوابع التجربة، وتشمل هذه الصيغ الظواهر التعبيرية التي هي ليست مجرد مهارات، لأن عزلها عن سائر العناصر يفقدها خواصها الدالة .يقول البريكان انه مال منذ أواخر الأربعينات وفي قصائد كثيرة الى استعمال صيغ الأزمنة بأشكال خاصة في السياقات المتغيرة، ويضرب مثلا ً على ذلك باستخدام صيغة الماضي على نحو يضفي صفة أسطورية على الحدث (قصيدة خرافة روح /1948  وغيرها)، والميل باطنيا ً " لا شعوريا ً " الى السياق المتغير مداخلة الأزمنة أو المراوحة بينها (كما في مطولة أعماق المدينة / 1953) بل وجرب أيضا ً بصورة استثنائية الجمل الساكنة، أي الخالية من الفعل لتجسيم لحظة روحية (كما في قصيدة ساكنة / 1969) .

يكشف " الأسعد " بإنه اذا أضفنا الى هذه المراوحة بين الأمكنة، أو المجاورة المقصودة بين أحداث متباعدة زمنيا ً ومكانيا ً وتسريدها سردا ً يوحي بتزامنها وتحاورها أو يحققه بالآحرى، وأن كل هذه الخصائص الفنية إنما هي ترجمة لخصائص موسيقية (السمفونية منها بخاصة) حيث تتزامن الأصوات وتتحاور عدة الآت مختلفة مثلما تتحاور المشاهد الطبيعية والأحداث الإنسانية، وينبعث تيار متدفق واحد هو في الأصل نتاج وصول دقائق صوتية (أو بصرية في حالة الشعر) الى أقصى حالات التناغم، فتتحول الى تيار واحد، أو الى إيقاع لا نهائي يشبه أن يكون حلما ً أبديا ً حسب تعبيره، ولئن كانت قاعدة هذه الخبرات والإدراكات في الموسيقى هي تعددية الالات، فأن قاعدتها العملية في الشعر هي تعددية اللقطات وتجاورها عن وعي مسبق بهدف إيجاد تصميم للقصيدة ذي دلالة معينة يحتوي مستويات من الأزمنة والأمكنة في قبضة واحدة .

يتابع " الأسعد " بإن مصادر الشاعر البريكان تبدو غامضة للوهلة الأولى، وغريبة من نوعها، لأنها تظهر في قصائده ضمن تصميم خاص عماده أن الشاعر فنان يتصرف في زوايا الالتقاط ويتحرك على مختلف المستويات، ويخترق الأزمنة كما يقول (.. وحيث تبني النمل من تراب / مملكة التوازن الأعمى) الواردة في قصيدة (قصة التمثال من آشور / 1969)، الا حين قرأ " الأسعد " لمحة (جلبرت هايت) عن النمال الدوؤبة التي تمضي في نهجها الرتيب من حفظ النوع وتخليده كما كانت تفعل يوم كانت الديناصورات  العملاقة تسيطرعلى الأرض

يقول " الأسعد " ربما كانت قصيدة (القوة والأغلال) آخر أغنية أنتصار يكتبها البريكان، وآخر قصيدة يشعر القارىء معها بنشوة الشاعر أمام رؤيا فجر جديد، ونشرت القصيدة في صحيفة دمشقية في العام 1958، ويلاحظ " الأسعد " تماثلا ً بين هذه القصيدة الطويلة نسبيا ً وبين مطولات السياب الشهيرة مثل (حفار القبور، والمومس العمياء، والأسلحة والأطفال) في أسلوب تدوير التدفق الإيقاعي وفواصل المعنى، فكلا الشاعرين لا ينهي تدفق المعنى بشكل يتوافق مع نهاية الوقفة الوزنية، بل يتخطاها الى السطر الثاني، ويتوقف في أوله أو منتصفه، ثم يبدأ دورة تدفق جديدة، وقد فسر " الأسعد " هذا التماثل وأخذ بالأقرب الى الذهن، وهو أن البريكان أستمد هذه التقانة من السياب، لكن شقيق الشاعر محمود البريكان  (عبدالله البريكان) فاجأ " الأسعد " حين قال أن الأمر عكس ما ظن، فهذا النسق الأسلوبي في التدوير الذي تميزت به قصائد السياب ومطولاته بخاصة، هو في الأساس من مبتكرات الشاعر محمود البريكان في أواخر الأربعينات، وكان قد ظهر في مطولته (أعماق المدينة) ثم (المجاعة الصامتة) قبل أن يظهر في قصائد السياب بسنوات وذكر (عبدالله البريكان) شقيق الشاعر محمود البريكان بأن أخيه محمود حدثه عن واقعة أعتراف السياب بأنه حين كتب (حفار القبور) كان يحتذي في الحقيقة بالقصيدة (البريكانية) .

يؤكد " الأسعد " أن مطولات البريكان وقصيدة (القوة والأغلال) قد تكون آخرها إن لم يظهر دليل معاكس، حملت الى مناخ الحداثة الشعرية العربية هذا النسق العروضي الذي احتفظ بتنويع القوافي وتفاوت أطوال السطور، كما جرت عليه القصيدة الحرة، إلا أنه أدخل ميزة التدوير التي تحررت فيها موسيقى صور الأفكار من موسيقى الوقفة العروضية، الى أن يجىء الزمن الذي تعتمد فيه القصيدة على موسيقى صور الأفكار وحدها، ولا تطرح عنها القوافي فحسب، بل والإيقاع العروضي التفعيلي وتبتكر إيقاعات حرة تماما ً من أي قيد سوى ما تتطلبه القصيدة من داخلها، أي قصيدة النثر أو القصيدة الإيقاعية  .

أصغوا الى أصدقائي ! وهو قد يكون

أي امرىء يسير في الطريق

في وسط الزحام

وقد يكون بيننا الآن، وقد يكون

في الغرفة الآخرى يمط حلمه العتيق ْ

 

أن قصيدة (أسطورة السائر في نومه) المنشورة عام 1959، أي في ذروة إحساس جمهرة من الشعراء والمثقفين واسعة بأن حلمهم الثوري قد تجسد على الأرض، فهذا النموذج الإنساني الخاضع الذي يمارس حياته ممارسة آلية، مفتقرا ً للإرادة الحرة والذاكرة والروح سيكون أكثر واقعية من النماذج الوهمية التي اختلقتها عقول لم تر من الواقع إلا سطحه الظاهر وشعاراته وأبواقه ومهرجاناته وتبريراته المألوفة، وسيرى البريكان في هذا السائر في نومه ملامحنا جميعا ً، قدّم البريكان بهذا المنحى لأول مرة في شعر الحداثة العربية امثولة الشاعر الذي يخترق ادعاءات العصر وإعلاناته ومزاعمه إلى حقيقة أعمق تتجاوز شباكه ومساوماته .

يكاد المتلقي لقصيدة (قصة التمثال من آشور) أن يقبض على معنى منذ السطور الأولى، إلا أنه سرعان ما يضطر الى تأجيل المعنى أمام مشاهد تتوالى، ليس أمام عين بشرية بل أمام عين لا بشرية (قصة يرويها تمثال) وكأن الطبيعة والأزمان والأحداث التي يتحدث عنها التمثال تتوالى من كون ٍ خال ٍ من وجود البشر، وحتى حين تظهر ملامح أفعال بشرية أو مواقف، نجدها تندمج في تيار أحداث أشمل منها تحتويها وتأخذها في تيارها، فلا شيء يمتاز على شيء أمام عين خالدة خلود الحجر ذاته .

يخرج لنا " الأسعد " من هذا بحكمة ما، أو فكرة، ولكن ما يستولي على المتلقي هو شعور شامل بغياب (الإنسان) في عالم لا زال يعتقد أنه مصنوع من أمله، أو هو من صنعه، إن التساؤلات الإنسانية المضمرة التي ربما تتردد حين يحاول المتلقي تكييف عالمه الشخصي مع عالم هذه القصيدة، لا يجيب عليها سوى الخواء  خواء (محاجر بيضاء مفتوحة لعالم النجوم)، هل نحن أمام الغامض الملتبس سر الوجود؟

هذا التصميم المتفرد الذي تقوم عليه هذه القصيدة النموذجية (العالم بتاريخه الإنساني والطبيعي منظورا ً اليه بعين تمثال حجري) يكشف عن أن هناك هذا الغموض أو هذا السر، أي ما يبقي بعد كل هذا التوالي العابث للأحداث الطبيعية والإنسانية التي لم تتميز عن أحداث الطبيعة، وهذه العناصر كلها تقريبا ً تواصل حركتها العمياء لا فرق في ذلك بين رياح وصقور وأمواج وبشر ونمال، وها هي الأفعال تسيطر ولكن الهدف غامض:

ينحسر البحر ولا تبقى سوى الاصداف ْ

في باطن الأرض، تهب الريح بعد الريح

تعيد توزيع الرمال الحمر، والغربان

حطت هنا، واندمجت في دورة الأفق ْ

قوادم الصقور

رفت على العنق

واحترقت على ذرى الكثبان

عجائز الذئاب

توسدت جسمي

هاربة الى مكان ما

قوافل ُ اللصوص

تفيأت جنبي، حيث تترك الفصوص

اثارها، وحيث تبني النمل ُ من تراب

مملكة التوازن الاعمى

هذه القصيدة النموذجية (قصة التمثال من آشور) تكاد تختصر فن البريكان وجوهره، تصميم القصيدة وفق منحى خاص يستهدف كشف الغرابة أو تحويل المألوف الى لا مألوف، ويتم ذلك بالتحول: تحويل الحاضر الى ماضي (عالمنا حكاية)، أو تحويل الشاهد الى موجود خالد (التمثال)، أو الى كائن خيالي يحضر في كل العصور (حارس الفنار) يحيط بالأزمان كلها دفعة واحدة ويصغي الى حوارها، أو تحويل الشاعر الى عين لا زمنية تنظر من موقع يعلو على الزمان والمكان، ويمكننا أن نطلق على هذا المنحى الخاص تسمية منحى التحولات، بكل ما تحمله هذه التحولات من نزعة الى تحويل حكاية الإنساني الى ما يشبه الأسطورة  أي الى إدراك التاريخ وتجاوزه الى ماهو أبدي .

يرى " الأسعد " أن قصائد البريكان تبدو أنضج وكأنها تتخطى الزمن، أو كأنها تجيء من الزمن دائما ً ولا تتقدم الينا من الماضي أبدا ً، إنها تحفل بعنصر أبدي لا يستنفذ بمرور الزمن، إنها متحررة من الآراء العامة والقوالب، سواء كانت دينية أو علمية، وحيدة في عزلة تشبه عزلة ضوء نجم بعيد أحيانا ً، أو تشبه ضوءا ً داخليا ً يتعرف فيه المتلقي على شيء في داخله منسي ومهمل طمرته العادة والتكرار والانشغالات الزائلة، نجد الشاعر يستخدم أكثر الأمور حيوية في القصيدة، يعني التدوير في أبسط معانيه انتظام الكلمات في مجموعات تتسق مع إيقاع وتدفق قوة الرؤيا العضوية التي تشد عناصر القصيدة، وبالتدوير تتوالى القصيدة على شكل سطور كما تتوالى السطور اللحنية في القطعة الموسيقية، هنا تنبني السطور، ولكن لا يتقرر هذا البناء عشوائيا ً، كأن يقرر الشاعر إنهاء سطر هنا أو هناك  ثم ينتقل الى السطر التالي، ما يحدد مكان التدوير (التوقف أو التدفق) هو إلادراك الجمالي وهو يشكل مجموعات الكلمات، أي ضرورات التعبير انطلاقا من كينونته وعبر الضرورة الداخلية لتعبيره عن ذاته، إدراك الشاعر هو الذي يسيطر على كيفية تشكيل السطور، أحيانا ً يتدفق الإيقاع متشكلا في سطر واحد بوصفه عنصرا ً واحدا ً كاملا ً لا يمتد الى السطر الثاني، فيفرض على القصيدة توازنا ً، وقد يحدث تغيير في تدفق الإيقاع خللا ً في القصيدة أحيانا ً، يخل ّ بتناغمها النفسي حين لا تتوافق مواضع التشديد والتأكيد مع تموج نغمة الشعور، ومعنى هذا أن التدوير لا يقع لأسباب آلية مثل الحفاظ على عدد التفاعيل، فيفرض هذا نهاية الإيقاع، أو لإيراد قافية تنسجم مع القوافي السابقة مما يستدعي إنهاء التدفق مع نهايات القوافي، بل يقع لأسباب أعنق تظهر من مادة القصيدة نفسها .

هنا يتبدى طابع التجربة البريكانية خارجا ً على التظاهر اللفظي وقريبا ً من تجسيد حي لما يسميه نزوع الإنسان، أقصى حالات الوحدة بين عناصر اللغة والرؤيا، قوتها العضوية تنبع من داخلها لا من شيء خارجي، كأن يكون ضرورات إيقاعية أو البرهان على قضية، أو تمثيل مناسبة أو حدث، ولا يمكن وصف هذه الحالة إلا بصفة الحدس والإدراك الشامل، حالة تكتمل فيها القصيدة من داخلها وفي داخلها.

الأستنتاج:

في شعرالبريكان ظواهر مضمونية، ظاهرة الإغتراب وظاهرة الغموض، وتنحصر ظاهرة الإغتراب في تجربة الشاعر بثلاثة أركان هي:

1- البعد الحسي: وفيها يكون الصراع مع القوى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية

2- البعد القيمي: وينتج الصراع من بحث الإنسان عن المثال المفقود .

3- البعد الميتافيزيقي: ويتجلى الصراع في هذا البعد حين يدير الإنسان ظهره للواقع ويتجه الى عالم ألما وراء في محاولة منه لإدراك حقيقة وجوده وموقعه الكوني منه .

ويمكننا تقسيم ظاهرة الإغتراب في شعر البريكان الى ثلاثة أقسام هي:

أولا ً- الإغتراب الروحي: وهو قمة من قمم هذا النوع من الإغتراب، لأن تركيز الشاعر على فكرة الإنتظار إذ يتطلع نصه دائما ً الى ما هو منشود، أو سيأتي، لذا فإن لحظة الحاضر فيه تبحث عن المستقبل، وكأن الحاضر مرهون بحلول المنتظر.

ثانيا ً- الإغتراب الفكري: وهو الحالة التي تكشف لنا عن وجود نوع من الحساسية عند الشخص المبدع، تجعله يفترق عن المجتمع، ولا يسير في تياره، وكلما زاد حجم أصالته، زاد افتراقه .

ثالثا ً- الإغتراب النفسي: وهو ما يعني افتقاد الشعور بالذات وبالعفوية الفردية والتباعد عن وضع المرء الفعلي، وطبيعته الجوهرية .

الشاعر محمود البريكان هو أبن الزبير، هو أبن العراق والبصرة، هو سر ّ البصرة الغامض وطلسمها الأكبر، وفاة الشاعر جاء في حدث عرضي عجيب  (الموت على يد لص سارق طعنه بالسكين حتى لفظ أنفاسه الأخيرة في داره) بتاريخ 28 / 2 / 2002  ودفن في مقبرة الحسن البصري في مسقط رأسه مدينة الزبير بالقرب من قبر بدر شاكر السياب التي دفن فيها أيضا ً .

 

توفيق الشيخ حسين