المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

عبير خالد يحيي: المحرّض النفسي وأثره في إذكاء الصراع الإنساني والمجتمعي

دراسة نقدية في  النص الأدبي المسرحي: ضحكات هستيريا  للكاتب المصري  أحمد الدسوقي

 

مقدمة:

المسرحية جنس أدبي خيالي، يعتمد على التجسيد والتقديم المباشر (التمثيل)، بعكس الرواية والقصة القصيرة التي تعتمد على السرد، حيث يقوم الممثلون بتصوير مواقف إنسانية مختلفة على خشبة المسرح، وأمام الجمهور، معتمدين على نص مكتوب، ومساعدة مخرج.

الشخصيات الخيالية، والأحداث والصراع والحوار، بالإضافة إلى الممثلين والمخرج والديكور والأزياء والإضاءة عناصر أساسية في أي مسرحية .

نشأت المسرحية بداية في الأدب اليوناني القديم، عن الشعر الغنائي في صورتي الملهاة والمأساة .

الملهاة: هي أناشيد الفرح التي كان يرددها اليونانيون القدماءفي أعياد الآلهة .

المأساة: هي تطوّر لأشعار المديح ذات طابع ديني تتغنّى بمدح الآلهة.

عندما قام العرب بنقل كتاب أرسطو (فن الشعر) إلى العربية بالعصر العباسي، ترجموا كلمة ملهاة أو كوميديا comedia  بقصيدة المديح، وكلمة مأساة أو تراجيديا tragedian بقصيدة الهجاء.

عندما جاءت النهضة الحديثة، واتصلت الثقافة العربية بثقافة الغرب، كانت المسرحية من القوالب الأدبية التي عظُم الاهتمام بها، فأنشِئ في عهد الخديوي اسماعيل مسرح الكوميدي 1869، ودار الأوبرا المصرية القديمة، ومُثّلت فيها (أوبرا عايدة) لفرداي الإيطالي .

أول من أدخل الفن المسرحي إلى البلاد العربية كان(مارون النقاش) اللبناني الأصل بمسرحية (البخيل) للفرنسي مواسير 1847.

لما جاء أبو خليل القباني من دمشق إلى مصر 1884مع فرقته التمثيلية، دخل التأليف المسرحي في طور جديد، حيث اعتمد القباني على التأليف المسرحي مستمداً موضوعاته من التاريخ العربي الإسلامي والتراث الشعبي (حكايات ألف ليلة وليلة) .

كتب القباني كل مسرحياتهباللغة العربية الفصحى المسجونة على طريقة المقامات العربية التي شاعت في العصر العباسي، وخلط فيها النثر المسجوع بالشعر، وقلّده بهذه الطريقة عدد كبير كن الأدباء.

أجمد شوقي كتب بين 1892 -1920 عدداً لابأس به من المسرحيات الغنائية، كانت فيها المقطوعات الغنائية الطويلة غالبة على الصراع والحوار، مع عدم دقة فنية في التأليف، وضعف في الإخراج المسرحي .

حين عاد / جورج أبيض / من باريس1910 حيث درس هناك الفن المسرحي، ألف مسرحيات اجتماعية مثل مسرحية (مصر الجديدة)1913، وبعدها عُرّبت الكثير من المسرحيات العالمية بأسلوب راقٍ مثل ما فعل الشاعر / خليل مطران / الذي عرّب روايات شيكسبير (تاجر البندقية) و(عطيل) و (هاملت) وبعض أعمال موليير إلى اللغة الفصحى .

بعد الحرب العالمية الأولى، ظهرت على المسرح العربي مدرسة جديدة، عُنيَت بالتأليف المسرحي وتناولت المشكلات الاجتماعية بمعالجة واقعية، روّاد هذه المدرسة / محمد تيمور/ في (عبد الستار أفندي) (عصفور في القفص) (الهاوية) (حفلة شاي) (الصعلوك) (أبو شوشة) (الموكب) هذه المسرحيات التي تأثّر فيها بالأدب الفرنسي.

ثم ظهر أكبر كتاب المسرح العربي: توفيق الحكيم الذي اتصل اتصالاً وثيقاً بالأدب الفرنسي،قدّم المسرحية العربية المكتملة في بنائها وموضوعها وحوارها وشخصياتها، تنوّعتمسرحيلتهوكثرت وتعدّدت اتجاهاتها منها التاريخية والاجتماعية والواقعية والفكرية،

كانت مسرحيات (يا طالع الشجرة) و(طعام لكل فم) من المسرح اللامعقول، اهتم الغربيون بمسرحياته ونقلوا كثيراًمنها إلى لغاتهم.

لا يمكن إنكار الجهود الإبداعية للعديد من كتاب المسرح العربي في العصر الراهن مثل: علي أحمد باكثير، والفريد فرج، سعد الدين وهبة، يوسف أدريس، محمود دياب وغيرهم ...

 

تعريف بالكاتب:

الكاتب الأدبب/ أحمد الدسوقي / حاصل على بكالوريوس زراعة جامعة الاسكندرية، حاصل على ليسانس آداب          لغة عربية جامعة الاسكندرية، حاصل على معهد عالي دعوة ودراسات إسلامية.

الكتابات والجوائز:

حاصل على جائزة إحسان عبد القدوس مرتبة ثالثة عام ٢٠١٣ عن رواية شرائح

الوصول للقائمة القصيرة بجائزة صالون نجيب الثقافي في القصة القصيرة عن قصة  حمقاء القمر

مطبوعاته: رواية شرائح،

مسرحية ضحكات هستيرية نشر الكتروني

مسرحية بائع البالونات للأطفال  نشر الكتروني .

العنوان:

ضحكات هستيرية: بوابة أو عنوان جاذب بدأ به الكاتب مسرحيته، ضحكات:  الضّحك:

انفعال إرادي يتحكم به الجهاز العصبي المركزي الإرادي الذي يرتبط به الحواس والجهاز الحركي.

الهستيريا:مرض عصابي نفسي،  تظهر فيه اضطرابات انفعالية مع خلل في أعصاب الحس والحركة، وهي عصاب تتحول فيه الانفعالات المزمنة إلى أعراض جسمية ليس لها أساس عضوي، يصاب فيها الفرد كرد فعل هروباً من صراع نفسي أو من قلق أو من موقف مؤلم بدون أن يدرك الدافع لذلك .

فإن جمعنا معنى الكلمتين معاً نجد أننا أمام عنوان يشير إلى انفعال إرادي وهو الضّحك وقد بلغ حالة مرضية وصلت حد الهستيريا، أحدثه موقف، أجبر فرداً أو أفراداً على الهروب منه نفسياً كمحاولة للخلاص من الصراع النفسي الذي فاق حد الاحتمال.

وهذا الحدث أو الموقف هو المحور الذي ستدور حوله المسرحية، نتوقع أن يكون موضوع المسرحية اجتماعياً و نفسياً.

 

الموضوع:

الفكرة العامة للمسرحية: ملك ظالم يعيش في قصره العاجي، يجني كنوزه بخطف اللقم من أفواه الرعية، عن طريق فرض الضرائب الكثيرة والكبيرة عليهم،  وقد أصابه الملل، وغادرته السعادة وفقد لذة المتع، وأراد أن يخرج من الحالة بأي وسيلة، لم تنجح اقتراحات ومحاولات الوزير الاعتيادية لإخراجه من الحالة، فحاول أن يبتكر خطة جديدة لتسلية الملك، فاقترح إجراء مسابقة يشترك بها من شاء من الرعية، راقت الفكرة للملك، واقترح أن تدور في فلك معاناة الرعية، ما يشجعهم على الاشتراك فيها، مستغلاً معاناتهم من الجوع الذي فرضه عليهم جشعه وحكمه الظالم، كبش سمين مغلف بالشحم يأكله المتسابق ليفوز بالجائزة التي مقدارها مئة كبش، وإن عجز عن أكله كاملاً، ينتظره الموت بحد سيف السيّاف، الجائع يظن أنه قادر على التهام كل طعام الكون، وبناءً عليه يتقدّم للمسابقة ثلاثة أفراد من فئات عمرية مختلفة، فتى وكهل وعجوز، وكلّهم فقراء جائعون، يستنكر حكيم البلاد (وهو هنا رمز العقل والحكمة) أمر المسابقة ويقرر المقاطعة، كارهاً أن يرى الملك يتسلى بشقاء وعذابات البؤساء، لكن الشّاب بائع الكتب (المتنوّر الذي يمثل العلم والشباب) يقنع الحكيم أن يحضر و يرشد الناس ويبصّرهم بظلم الملك وتفاهته، يحين وقت المسابقة وطبعاً يموت فيها المتسابقين الثلاث، فمن غير المعقول ان يأكل الإنسان كبشاً مغلفاً بالشحم، يتسلّى الملك بمنظر موتهم ويقهقه، عندها يقوم الحكيم ويصرخ صرخته التي توقد جذوة ثورة لا تخمد إلا بموت الملك وزبانيته، وانتصار الشعب البائس التي نصّب بائع الكتب الشّاب المتنوّر زعيماً، بإرشاد من الحكيم، هذه المسرحية هي حلم كل الشعوب المحكومة من قبل الأنظمة الاستبدادية، حلم تسيّد فيه العلم والحكمة والشباب والتقدّم، على الجهل والظلم والرعونة والعجز والتخلُّف.

 

البناء الهيكلي للنص:

النص نص مسرحي، يتبع المدرسة الواقعية بمسحة رمزية فلسفية برزت فيها الناحية النفسية والثورية، تنضوي تحت نظرية الفن للمجتمع .

الزمكانية:

الزمان: قبل ألف من الأعوام، هذا ما جاء بالمسرحية للتورية لكن ما حدث يتكرر في كل الأزمان.

وقد سارت أحداث المسرحية ضمن خط زمني متصاعد متجه نحو الأمام بدون تقطع أو رجوع للخلف .

هناك لحظة زمنية أعتبرها لحظة نفسية اعتبارية استوقفتني في المسرحية، وهي مشهد الذبابة التي قررت أن تزعج الملك الذي يعيش نزقاً في ترف وبذخ، دخلت عليه حيث كان وأزعجته بتواجدها في مجلسه، الذبابة على ضآلتها استطاعت أن تثير الملك وأن تخرجه عن طوره، استطاعت أن تزلزل اتزانه بإلحاحها، وجعلته -على حقارتها- يستشعر خطرها، فيفكر بالقضاء عليها باصطيادها  عبر عبد  يدهن جسده بالعسل وهو الجاذب المفضّل عندها، ومع ذلك تعفّ عنه، ماضية في تحقيق هدفها بعيداً عن شهوتها، وقد حققت غايتها، لكنها خرجت مشمئزة من خنوع العبد، ومن نفاق الوزير ومن تفاهة الملك.

هذا المشهد أعتبره لحظة نفسية فارقة.

اللحظة الواقعية الفارقة والموازية للحظة النفسية التي ذكرتها آنفاً كانت لحظة ثار الحكيم وصرخ غير آبه بتحذيرات فارس بائع الكتب عندما حذّره من بطش الملك والوزير فصاح:

المملكة:

لو كان للملك عيون لشاهد حال الرعية

لشاهد البؤس والشقاء الذى جلبته الضرائب التى يفرضها للرعية

ما خضعت أمة لجبار خوفاً إلا وذاقت الذل والهوان.

المكان:

مملكة يحكمها ملك أرعن، كانت هي الفضاء المكاني الذي جرت به أحداث المسرحية، بين القصر وحديقته، الأدغال مكان الصيد، والسوق الشعبي و ساحة الميدان.

المعنى الدلالي للمكان هو البلدان المحكومة بأنظمة استبدادية مالكة .

الصراع الدرامي:

بدأ الصراع الدرامي في بداية المسرحية بحالة ملل شديد أصابت الملك المترف الذي يعيش حياة باذخة على حساب جوع شعبه، بدأ المرض (الملل) بهجمة حادة حرمته من الإحساس بكل النعم والمتع التي كان يتلذّذ بها من طعام وشراب ونساء وجواهر وكنوز، ولم يجد بدّاً من الشكوى لوزيره حتى يجد له حلاً أو علاجاً، ارتأى الوزير أن التسلية هي من ستخرج الملك من حالة الملل تلك، اقترح أن يأتي ب (بهلول) المهرج الذي طالما أضحك الملك، لكن الملك استثقل دمه،  ولم يزده تهريجه إلا مللاً، وفِي خضم ذلك لم ينس الملك أن يستفسر من الوزير إن كان قد زاد نسبة الضريبة على الشعب إلى نصف دخل الفرد، وهنا نلمح مقدار الظلم والاستغلال والاستعباد المفروض على الرعية، ثم يعرض عليه الوزير بلؤم أن يرفع النسبة إلى ثلاثة أرباع دخل الفرد، لكن الملك الرؤوم (أتهكم) يكتفي بالنصف، ويعود إلى شكواه.. الملل القاتل، ليعرض عليه الوزير جواري جدد هدايا من ملوك الأصقاع، يدخلن عليه واحدة واحدة، لكن لا يجد الرغبة بأي واحدة منهن، ويزداد هياجه من الحال الذي هو فيه، ليقترح الوزير عليه رحلة صيد لعله إن غادر القصر يتبدل مزاجه، لكن الوضع كان أكثر سوءاً، ضاق ذرعاً بكل شيء وعاد أكثر انزعاجاً ومللاً، هاجمته الكوابيس لتقضي على ما تبقى من أنسه، رأى فارساً يحمل سيفاً ويركب على كبش أقرن  وقال له: أنا الملل وسأظل معك حتى النهاية.(تناص مع حلم الملك في قصة سيدنا يوسف)

إلى الآن يسير الصراع الدرامي بتواتر واحد، صراع شخصي مع الملل، ومن وحي الكابوس يقترح الوزير فكرة المسابقة، ويخيّر الملك في اختيار موضوعها، فيطلب الملك أن تكون مسابقة الأكل، في التهام كبش كامل مغلف بالدهن  حتى لا يجد الملل ما يمتطيه، ومن لا يستطيع أكل الكبش يعاقب بالموت.  وينادي المنادي في  المملكة  معلناً عن المسابقة التي حُدِّد موعدها ليلة اكتمال القمر بدراً،(تناص مع قصة سيدنا موسى في لقائه مع السحرة)،  مشهد المواطن البائس وبائع الزيتون، وحوارهما وقت سماع المنادي يبرز ظهور صراع درامي آخر، وهو صراع الإنسان مع الجوع والفقر والحرمان، تتجلَّى ذروة هذا الصراع عندما يعلن المواطن العجوز البائس قبول التحدي ودخول المسابقة، بل ويعتبر أن الجائزة الحقيقية هي في مشاركة الملك ما يأكل منه (الكبش)لحظة المسابقة، وبذلك سيهزم الجوع، عندما يحاوره بائع الزيتون عن مدى ضعفه وعدم قدرته على تناول حبة زيتون واحدة حتى سفاًً، يضحك ضحكة هستيرية تعيدنا إلى العنوان، فإذاً هنا موضع إحدى الضحكات الهستيرية، عندما يستهين قائد الحراس بقدرة العجوز السبعيني الذي فقد معظم أسنانه على أكل الكبش الذي يفوقه وزناً، ليقول العجوز بتحدٍ كبير أنه سيفتت عظام الكبش ويسفها سفاً، فهذا فعل اعتاده البؤساء مثله فهم يسفون ماء المطر فهل بعجز عن سف العظم، بل وسينهش حتى الجلد، الصراع الآخر الذي يبرز هو صراع أعمق، صراع معنوي وجداني مثير للجدل ، العجوز لا يذكر اسمه، يذكر أنه كانت له أسماء عديدة، اسم أطلقه عليه أبوه يوم ولد حراً، واسم أطلقته عليه أمه يوم كان ينعم بحنانها، ثم أطلقت عليه الدنيا باقي الأسماء بتسلسل مراحل حياته، أما الآن فلا يذكر إلا اسماً واحداً كرّره ليؤكدّه أكثر من مرة: إنسان  إنسان.

المواطن البائس هو دلالة عن الشعب الجائع، الذي يحاول جاهداً أن يبقى محتفظاً بهويته الإنسانية رغم أنه نسي اسمه، يتكرر نفس الصراع مع رموز أخرى، (شديد) بائع الحصير الشّاب ذو التسعة عشر عاماً وهو هنا يرمز للطموح، أشار إليه الكاتب بصفة اسمه (شديد) كما أشار إليه بحداثة سنّه (١٩عام)، المتسابق الثالث كان صابر البنّاء الذي له من الأولاد عشرة لا يكاد يسد رمقهم، بدلالة رمزية إلى (الصّبر) ودلالة زمنية إلى عمره الزمني الطويل (١٠ أبناء هو والدهم).

ليتشكل عندنا علاقة صراع بين ثلاث دلالات: إنسان - طموح - صبر،في مواجهة عدو واحد تمثّل ظاهرياً بالجوع، وعملياً بالاستبداد الذي نتج عنه الفقر والمرض والجهل وووو...

هذا الصراع أيضاً سار على وتيرة واحدة، مع كل الدلالات .

الصراع الثالث كان بين الحكيم العجوز (الذي ناب عن الحكمة) وبين فارس بائع الكتب (الذي ناب عن العلم)،

الحكيم عزف عن حضور المسابقة مستنكراً عبث الملك وتسلّيه ببؤس الناس، وهو موقف في عرف معظم رجالات الدين في أيامنا ضمناً، ويعتبر إيجابياً إذا ما قسناه على حالهم الآن، للأسف معظمهم يحابي السلطات في غيَها وينافقها، لكن الكاتب أشار إلى أنه موقف سلبي بتلميح ذكي جدّاً، عندما جعله بمواجهة مع (فارس) الشّاب المتعلّم الذي لم يتوانى عن تذكيره بأن الواجب يقتضي منه ألّا ينعزل معتكفاً في صومعته، بل عليه أن يشهر سلاحه ويبارز في معركة تخصّه قبل غيره، أن يقول قولة حق في حضرة سلطان جائر....

الله ! صراع بين الحكمة والعلم، تنتهي بإذعان الحكمة أمام حجة العلم وإقناعه، صراع فكري راقٍ جدّاً، أجاد الكاتب حبّك خيوطه ليكون الصراع الثالث في مسرحية صغيرة نوعاًما، وهذا تكثيف رائع .

تجتمع كل تلك الصراعات لتلتقي في حديقة القصر (مكان) وقت اكتمال القمر بدراً(زمان)  بحدث محبوك (مسابقة).

العقدة:

بدأت المسابقة، كل متسابق أمام  كبشه، الملك على شرفة القصر وأمامه ما لذ وطاب وبين يديه الجواري يغنين ويرقصن ممجّدات بعظمته، يُطلَب من كل متسابق أن يعرّف عن نفسه ويباشر بأكل كبشه، الملك يضحك ضحكات هستيرية كلما عرّف واحدهم عن نفسه، قصص الشقاء خاصّتهم وجد فيها الملك تسليته، انكفأ كل واحد على كبشه يأكل منه، ويسقط فوقه ميتاً، وازدادت ضحكات الملك الهستيرية،

يقف الحكيم صارخاً: أوقفوا هذه المهزلة، بئس المسابقة التي يتسلى بها بأحزان الناس وبؤسهم، احملوا جثث  آبائكم وأبنائكم، وأخرجوهم من القصر الملعون.

الانفراج:

الملك انفرجت أزمته النفسية و غادره الملل، بضحكه الهستيري  على موت الإنسان والطموح والصبر ...

يتنبه الصعاليك (الرعية) ويثورون على الملك الذي لاتتوقف ضحكاته الهستيرية، يتدافعون لإخراج موتاهم وقد استفاقوا إلى حجم جرائم القتل والظلم والطغيان المرتكبة بحقهم، والتي وقف فارس بائع الكتب يبصّرهم بها،(قتلوا فيكم الكرامة والإنسان).

الحكيم ينادي: هيا أيها الناس استعيدوا كرامتكم التي أهدرها الظلم والطغيان، استعيدوا ثرواتكم المسلوبة .

الشعب: القتل أواسقاط هذا النظام الفاسد .

الشعب قال كلمته .

النهاية:

يهجم الشعب على القصر، تهرب الحاشية كالفئران، يصاب الملك بالذهول، يستجديهم، ويقول حكمة: من مأمنه يُأتى الحذر

يقتله الشعب، يقترح الحكيم على الشعب أن ينصّبوا فارس بائع الكتب زعيماً عليهم، متمنياً على الشباب أن يسعوا للعلم فهو نبراس الحق المضيء، وأن يُحترم المشيب ويُجل، ويقر أن المستقبل للشباب فهو بهم ولهم.

يوافق الشعب على ذلك،ويباركون الاختيار ويتفاءلون بأنه سيعيد لهم الكرامة والثروة ويبني المستقبل،

يقول الحكيم العبرة الأخيرة:

هذة نهاية كل حاكم يتسلى على شعبه ويستخف به

لابد لدولة الظلم من زوال.

العبرة من المسرحية: نهاية كل مستبد أن يموت أن ينتهي على يد من استبد بهم، لابد لدولة الظلم من الزوال.

وقد نجح الكاتب في إبراز العبرة

 

البناء الجمالي للنص:

الأسلوب:

اتبع الكاتب بصياغة العبارات اللغوية التكنيك الرمزي العميق. معتمداً الانزياح الرمزي والعمق الأدبي بنسبة مئوية عالية .

حيث أسقط الرمز حتى في أسماء الشخصيات.

 

السرد:

على لسان الراوي .

الحوار:

عكس الحوار الكثير من الجوانب النفسية والاجتماعية والفكرية والوجدانية  والثقافية للشخصيات التي أجرى الكاتب الحوارات على ألسنتها، حوارات عميقة بدلالات رمزية خدمت المسرحية بطريقة موظّفة توظيفاً احترافياً.

حتى الأغاني التي غنتها الجواري، وحتى أهازيج البهلول، بل وحتى الحوار الخيالي للذبابة، كل ذلك أظهر إتقان  الكاتب في استعماله لأدواته .

الشخصيات:

الشخصيات الأساسية:

١- الملك: أظهر الكاتب صفاته الجسدية والنفسية بإنسان مترف تافه، نزق ظالم، متسلط وسخيف وجاهل.

٢- الوزير: إنسان وصولي منافق، انبطاحي معدوم الكرامة أمام الملك، يتمتع بالدهاء والشر، بل قد يفوق الملك شرّاً .

٣- الحكيم: إنسان كبير بالسن، متنوّر لكن يفضل الاعتزال، يقبل الرأي الآخر عندما يقتنع منه، ثائر على الظلم والظالم .

٤- فارس بائع الكتب: شاب قوي متنوّر يملك الحجة والرأي السديد، يملك أفكاراً وصفات قيادية جيدة .

٥- المواطن البائس: إنسان تقدّم به العمر، هزيل الجسم جائع، فقير رث الثياب، أنساه الظلم والجوع اسمه(سعيد)، لكنه ما زال يذكر ويذكّر أنه إنسان .

٥- شديد بائع الحصير: طموح ويافع، قوي البنية.

٦- صابر البنا: كهل ضعيف، صابر على واقعه المزري

الشخصيات الثانوية:

العبد الحبشي: شاب قوي، يتصف بالذل والخنوع .

بهلول: مهرج تافه

النادل، الطباخ، الخباز، بائع البصل: شخصيات انتفاعية .

زبيدة والجواري: شخصيات للمتعة المبتذلة .

المنادي وقائد الحرس: شخصيات مأمورة .

الصعاليك، الشعب: شخصيات منفعلة .

الصور الجمالية:

تظهر بعض الصور الجمالية في السرد الإخباري للكاتب، وقليلاً بالحوار

شعب تجرع الظلم والفقر # استعارة وكناية

عيشة بخلع الأضراس# كناية

صنع الناس للملك خدودهم مداس # استعارة وكناية

فضة وذهب # نحاس وحديد طباق

يسحق ماء المطر # كناية

أصبحت من قلة الطعام كجذع نخلة يابس # تشبيه.

التمركز التفكيكي:

ثورات الشعوب ضرورة حتمية تفرضها متغيرات اجتماعية وسياسية وإنسانية وفكرية واقتصادية،  الخلل في إحدى هذه الجوانب يكون مدعاة حتمية للتصحيح وإعادة المسار إلى الطريق الصحيح، بصراع عنيف ينتهي حتماً بدحر الطغاة وانتصار الشعوب  مهما طال الزمن، إن توفّر لها الإعداد الكافي من استراتيجية فكرية وعلمية، واستعداد وجداني، مع القوة والأسلحة المناسبة في كل الميادين.

المتغيرات  أو المتحولات: رأيتها بطبيعة الصراعات التي ذكرتها آنفاًً.

التكميم التكثيفي:

ويعتبر التكميم، أحد عناصر تحليل المضمون الهامة، في تفكيك النصوص، ويقصد به تحويل المعاني من مفردات أو تعابير أخرى إلى أرقام، ومن ثم اكتشاف دلالة الرقم، ويتم هذا التكميم أو التحليل الرقمي بمنهجية، وفق خطوات معروفة، ولغايات محددة، وتتوخى درجة الموضوعية و الحيادية فيه، وتجنب الأحكام الذاتية في هذا التحليل، و وحدات التحليل الأساسية هي:  الحرف، والكلمة، و العبارة، والفقرة، والفكرة، والشخصية، والزمان، والمكان ...ومن ذلك يكتسب هذا المنهج العلمي التفكيكي منهجيته العلمية، بأنه يمكِّن الباحث من التعمق والاندماج في صلب الموضوع، و يساعده  أيضاً على الوصول إلى إجابات مقنعة عن الأسئلة التي تثار حول النص، وذلك بفضل قدرة التفكيك على التفسير الذي يزيل الغموض، ويظهر الغايات المقصودة من النص بوضوح، وكذلك يساعد على إظهار المعاني الدفينة  والمخبوءة في النص، وإجلاء مضامينه على نحو دقيق، ويفيد هذا المنهج العلمي، المجتمع والباحثين في الأدب والعلوم الأخرى بأنه يصف الظروف والممارسات في المجتمع، ويبرز الاتجاهات المختلفة، ويساعد على الكشف عن نقاط الضعف والقوة والتناقضات، ويساعد على تطوير الأداء، و إظهار الفروق في الممارسات، وتقويم العلاقات بين الأهداف المرسومة وما يتم تطبيقه على الكشف عن اتجاهات الناس وميولهم.

وقد استخدم الكاتب نوعين من المفردات:

1-المفردات والمعاني الثابتة: وهي المفردات التي أخذت بنوعي المفردات النحوية الأساسية الاثنتين (مفردات المحتوى content words ومفردات التركيب function word)

2- المفردات الدلالية المتكررة، وتلك المفردات حركها الكاتب بشكل فني  مدروس لإعطاء جمالية في النص، فأعطى لكل مفردة وظيفة معينة، وعمل على تكرارها بشكل واعٍ، لتعطي دلالات تضيف عمقاً  لمتن النص .

الدلالات  السلبية:(دلالات دونية)

ذل وخنوع: ١٢

ظلم:١٥

تهكّم:١٥

ترف وَلَهْو: ١٧

بؤس وشقاء: ١٨

فقر:١٥

فساد:١٧

المجموع: ٩٤ دلالة حسية سلبية

الدلالات الإيجابية: (دلالات قيّمة راقية)

حكمة:١١

نصح:١٤

طموح وتحدي وثقة: ١٤

ثورة: ٥٥

انتماء إنساني: ٤

المجموع: ٩٨  وحدة إيجابية .

الدلالات الفلسفية:

ملل: ٣١

هستيريا: ٢٨

غرور: ١٣

كآبة:١٨

نفاق:١٧

المجموع: ١١٦ وحدة نفسية

عليه نجد أن هناك غلبة للدلالات الفلسفية  تليها الدلالات الإيجابية (القيّمة)   تليها الدلالات الدونية، فالمسرحية على هذا التكميم التفكيكي مسرحية تطغى عليها الناحية الفلسفية والنفسية  بالدرجة الأولى، مرض نفسي أصيب به ملك ظالم كشف عن أمراض نفسية أخرى مرافقة،  وثورية الطابع، تعالج واقعاً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وفكرياً وصحياً فاسداً فضحه تأزم المرض النفسي للملك.

النهاية: لفت نظري بالمسرحية أن الكاتب تعمّد أن يوصل فكرة مخبوءة، أن الله عزّ وجل سلَّط على الظالم جنداً من جنوده (الملل) كمرض استفحل، بدأ ينهش به نهشاً، وهو مرض مصاحب للمترفين، الرعية رغم كل الظلم والفقر والجوع الذي فتك بهم، ورغم وجود الحكيم والمتنوّر فيهم لم يثوروا، رحمة الله  وهدايته هي التي شاء الله أن يوقظهم بها، ولو شاء الله لخلّصهم من الملك بقدرته  وقوته جد وعلا، لكنه عز وجل أراد أن يمدّهم بالأسباب، ربما بحسنة صبرهم أو صلاحهم، لحكمة أرادها جلّ وعلا، السؤال الذي يطرح نفسه، إذا كان الملك ممن أراد الله بهم قوله: (يمدّهم في طغيانهم يعمهون) فما هو الحل ؟

سؤال جاء جوابه في عرف التاريخ: مهما طال الزمن بالاستبداد فهو إلى زوال، وقد أكّد الكتب ذلك في المسرحية كعبرة واضحة  نطقها لسان الحكيم والعالم .

أتمنى أن أكون قد أحطت بمعظم الجوانب بهذه المسرحية المترامية الجوانب دونما إفراط أو تفريط، متمنية للكاتب دوام التألق منتظرة منه الأفضل دائماً.

تحياتي .

 

د عبير خالد يحيي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3777 المصادف: 2017-01-07 08:24:57