المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

حين يضجّ صمت الحروف بالحرائق.. قراءة لديوان الشاعرة وفاء الربيعي: حرائق لحروفي الصامتة

mohamad aljasem في لقائنا مع الشاعرة الذي إلتأم في برلين عشية افتتاح مهرجان الرافدين الثقافي في دورته السابعة، أهدتني الأخت العزيزة وفاء الربيعي مجموعتها الشعرية الجديدة (حرائق لحروفي الصامتة) التي حوت بين دفتي الغلاف الجميل ثلاثين قصيدة من الشعر المنثور،صادرة عن دار الشجرة للطباعة والنشرفي دمشق ـ آذار 2011 ولم يتسنَّ لي مطالعة هذه الباقة من الحروف الصامتة إلى أن تلظيت بســعير حـرائقها، الشاعرة التي تركت قلبها وحيداً في العراق وهي على سفردائم كانت عبارة عن أحلام مترجرجة بين صقيع (گوتنگن) في ألمانيا ولهيب بغدادها المستودعة في العراق.وهي التي لا تستطيع أن يغمض لها طرف دون أن تطارد شاردة هنا وواردة هناك من جزئيات الهمّ الوطني الذي أطاح بكل نظريات السياسة واكتفى يلوّح بيديه كلتيهما ناشدا النصرة والإنقاذ.هذه الشاعرة التي لم يغادرها مضض البحث عن أمير يليق بحرائقها.. الحرائق التي صاغت تراتيل بعض الشعراء وضجت ببعض آخرين كلماتهم الضامرة.إنها المرأة التي تحلم بشموس لا تخشى امتصاص خيوطها...

لايهم الشاعرة أن تسقط على جدائل الرصيف ورقة شجرأصفر فتذكرها بنقاء بريق سنوات العمر، أو ترنو الى (قدوم شتاء عارٍ) يثير معادلة التطامن والتطمين حين يرقى الإحساس (بالبرد) الى (دفءٍ) مثير للنشوة.أما رموزها التكوينية التي تغور مرة في ماضٍ سحيق يتدثر في رحم بابل وسورها أو في سلالم أور وزقورتها، ومرة نراه يتعمّد في مياه أهوار الجنوب المدفون تأريخها. وبين حائط الرمز وحوائط الأصوات المردِّدة لمفاهيمه تتسع المسافة ويطول الطريق الذي يحاصرالقصيدة ويفاعل قلق الشاعرة من انعدام فرصة الوصول الى نهايته.ولعل ملابسات الحياة اليومية التي تدهم مخيلة الشاعرة، والمترسبة أساساً من وجع جراح لم تضمّدها تراكمات الأسباب والمسببات فتهرب من نكْئِها الى الركون الى الحلم باعتباره مرسىً للآمال، حتى وإن صدئت،

لكن الخوف من أن تتوارى (خلف الدجى)...

أنا لست ناقداً ولست شاعراً، ولست بصدد تصنيف هذه الشاعرة وتحجيمها في قالب جيلي أو مدرسي أوغرضي... لكني وجدت نفسي كقارئ متفحص لمكنونات نصوص جميلة ومتذوق أحترم اختياراتي في قراءة أمرأة تنافح صراحتها وتجاهد قيمها المتزاحمة في الداخل المُسَوَّر، لتتجرأ وتسكبَ كل ذلك على صفحات قليلات من القَطْع ِالمتوسط يصلح أن يلاقي مهابته في المكتبة.

حفلت المجموعة الحرائقية بأشكال متناقضة من التراكيب الكتابية في الرسم والفهم، فحين تجد جملتها مثقلة بوجد المعاني وتزداد حشرجة البوح بحقائقها، تراها تندلق على الورقة بتؤدةٍ خجولة .. كلمة كلمة..وكل سطر لا يقوى على تحمل الأزيد..كما في قصيدة (آمال عليلة)، أما حين تعتمل في صدر الشاعرة الرؤى والإنفعالات المشحونة بالإستياء من ظاهرة اجتماعية فجة أو مِن كبواتِ مَن تنتظرُمنهم الثباتَ والإقدام،أو من قصور الجسد عن مطاوعة كبرياء ورغبات النفس، تراها تنسكب على الأسطر بشجاعة المغامرين وعفوية الأطفال الراعدة، مبتلعة المسامات والمساحات المتلفعة بهدوء الصفحة كما في قصيدة (الخفافيش)..

حين تتعامد على أرضية صفحة واحدة من المجموعة إرادتا الشكل والأسلوب من جهة والمعنى الجوهري من جهة اخرى، تشتمّ رائحة الحرائق وهي تتدافع مع جزيئات بعضها لتطلق لجنون الفكرة حريته وتحرر الضوء من مخابئ مجسّاته الكامنة فتندفع الشاعرة والقصيدة باتجاه النيازك

التي تألقت في الظلمات

لتلك الدروب المرسومة

على صفحات الذاكرة أبحث

عارية وجدتها

تعشق الشاعرة أجنحة السفر بمحاولة أن تكسو عريها بأحلامها .. لاتعرف حدوداً لوجودها ولاحافات لأبديتها ولا قوالب لماهيتها، تنفجر باستنكار الخوف الذي يتناسل في الرؤيا،مهدداً قبلات العشاق بالظلام.

إزدهت المجموعة برهافة حس أنثوي والدعوة الى تكريس الكينونة الحانية على نون النسوة.. وكأمرأة نُحِتَتْ من طينة الجنوب والخَلْق والإبداع، هناك حيث الظفائر من الذهب، والحناجر من أنصال السيوف، والأصابع شارات للوعي البنفسجي، وياقات التأريخ بيضاء، ومن طينة لم تستوحش ساكنيها وتحتضن أبناءها بحنو الأمهات.. هناك إشارات قوية في شعر وفاء مطرزة بالإنتماء، والبحث الدائم عن جمال هذا الإنتماء، حتى شخوصها الذين تحدوهم الى مرافئ الأمان، حين تستعصي صحبتهم عليها بسبب رائحة الموت أحياناً، ووحشة الجدران العازلة أحياناً كثيرة، فإنها ترمي إليهم بأوراق الآس ودعوات التحرر

أنا السيل

أجرف

لاأنجرف

أسير دون أقنعة

بين وجوه

أحاول اختراق أقنعتها

لا أختبئ

بين ثنايا الصفحات

بل أطلق كلماتي

تتزاوج مع بياضها

لينشطر عنهما

ضوءٌ وعطر

ضوءٌ

وقوده حمى صدقي

وعطرٌ

من أعشاب حروفي

يستهوي فراشات

تعرف طعم الأشياء

 

قراءة : محمد الجاسم

ناصرية دورتموند ـ ألمانيا

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3922 المصادف: 2017-06-01 06:37:05


Share on Myspace