المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

وحدة الرّؤية الفكرية والصياغة الفنية في تجربة محمد زفزاف القصصية: قصّة: أطفال بلد الخير أنموذجا

يكثف عنوان القصة الأولى "أطفال بلد الخير" لمحمد زفزاف الواردة ضمن المجموعة القصصية الموسومة ب "العربة" مضمون القصّة نفسها، وقد تختزل دلالته الرؤية الفكرية للكاتب المتحكمة في المجموعة ككل.

جاء عنوان القصة تركيبا اسميا ف"أطفال " مبتدأ، وهو مضاف، و"بلد" مضاف إليه و"الخير " مضاف إليه كذلك .في حين أنّ الخبر يمكن تقديره انطلاقا من القصة ذاتها ب "جائعون ".

نلاحظ أن كلمة (أطفال) معرّفة بالإضافة، وليس بأل، وهناك فرق دلالي ينتج عن  حالتي التعريف هاتين .فالتعريف بأل يضفي على المعرّف سمة التّحدد والتعيّن من تلقاء ذاته .أمّا التعريف بالإضافة، فينزع عنه هذه السّمة ؛إذ يجعله مفتقرا إلى غيره، كافتقار (الأطفال) إلى خير (البلد).

إنّ العنوان يصوّر البلد كرقعة جغرافية مفتقدة، لأي بعد إنساني، فالبلد مجرّد وعاء لا غير بالنّسبة للأطفال الذين لا حق لهم في خير بلدهم .

وتتضح دلالة تعريف البلد بالإضافة عند مقابلتها بدلالة تعريف كلمة الخير.، فتعريفها بأل يدل على التّحدّد والتّعين، فخير البلد إذن، حقيقة ثابتة.وإذا كان الأطفال لا يستفيدون من ثرواته، ويتضح ذلك من قول السارد :"وهناك ثلاثة أطفال بعيدون عنه بعدّة أمتار يتحرّشون به، وهم يأكلون قشور البرتقال ". ويعانون من الجوع "لكن مع ذلك فالخير موجود، وبالرّغم من أنه موجود، فقد كان الأطفال خلف الضاوية جياعا  ".

إن هناك من يحرم الأطفال الثلاثة من إشباع جوعهم، ويستفيد من إبقائهم على الطوى، وهو ليس فردا، بل طبقة اجتماعية، مستغلة ترمز إليها القصة ب "الفيلات "

نقف بدءا من العنوان إذن ؛على موضوع القصة .بما هو تصوير لواقع الصراع الطبقي بالمغرب.

في المتن:

تصوّر القصة صراع الضاوية من أجل العيش، وذلك من خلال بيعها للبرتقال، و تحملها مسؤولية تربية ابنها تربية صالحة بمقاييسها الخاصة، هكذا تجهد نفسها لثنيه عن مرافقة أطفال الشارع، هؤلاء الذين يتضورون جوعا ؛مما يدفع بهم إلى التخطيط لسرقة بضع ليمونات من ليمون الضاوية .وحين يغير القمع على الباعة، وتفرّ الضاوية تاركة وراءها ما تبقى من سلعتها البرتقالية، يتعاورها أطفال الشارع، ويشرعون في التهامها غير عابئين بما يدور حولهم.

في المبنى :

الشخصيات:

إن الأحداث لا تقع من تلقاء ذاتها، فلابد لها من صانع يصنعها، وقصة "أطفال بلد الخير "حافلة بالشّخصيات التي تجد نفسها في حاجة إلى الاتصال بغيرها ولانفصال عنه في الآن تلبية لحاجتها، وتحقيقا لمصلحتها .وهكذا تقف شخصية "الضاوية " شاهدة على آلاف من مثيلاتها في المجتمع المغربي اللاتي تمتهن كرامتهن من أجل لقمة العيش .وهي شخصية رئيسية تمثل البؤرة المركزية لهذه القصّة، فقد اختارها القاص لتكون رمزا لطبقة اجتماعية بأسرها، وهي طبقة اجتماعية تخوض صراعا ضاريا من أجل البقاء في معركة، وإن وصفها السارد بمعركة ربع الساعة إلا أنّها في الحقيقة ترمز إلى معركة مصيرية لا مهرب للإنسانية منها ؛معركة سيتقرّر فيها مصير الإنسان ضدّ الاستلاب بكل أنواعه وأشكاله .

إن الضاوية نموذج اجتماعي يحوي أعم صفات المرأة الكادحة، المستلبة بالانعكاس الدّيني، وبسيكولوجتها إفراز لشروط وضعها الاجتماعي، فهي حادّة الانفعال، سريعة الغضب "تلتفت دائما إلى الوراء، وهي تصرخ في وجه طفلها الصغير" .أما على المستوى الجسدي، فالسارد لم يقدم إلينا أي وصف للهيئة الفيزيولوجية الجسدية لها، لكنه بالمقابل، وظف بعض الإشارات المعبّرة عن هذه الهيئة، وهي إشارات تنطق بتشييء الإنسان، كقوله "قالت الضاوية، وهي مكومة أمام ربوة من البرتقال ".إلى جانب الضاوية تحضر شخصيات أخرى، مثل الأطفال الثلاثة، وقد برز من بينهم الطفل الأسود بكل ما يحمل هذا الوصف من دلالة قدحية مرتبطة بشكل من الأشكال االعرقية للصراع بين الإنسان وأخيه الإنسان.

ويرمز هذا الطفل إلى فئة عريضة جدّا تعبّر عن حركة المجتمع المغربي،  وقد ساهمت طبيعة  النظام الاقتصادي والسياسي في ظهورها، وهي فئة  المتشردين الذين ألقت بهم روافد القهر الكثيرة إلى بحر الصراع.

لقد ركّز السارد على وصف الحالة الجسدية للطفل الأسود ؛إذ قدمه إلينا بقوله:"يصرخ فيه الطفل الأسود ذو العينين الحمراوين  "فضلا عن وصفه لحالته النفسية "إلا أن قدرته على المكر لا تبدو واضحة  " .إلى جانب الشخصيتين السابقتين نجد (ابن الضاوية )الذي قدمه لنا السارد من خلال وصف هيئته الفيزيولوجية بقوله" ضعيف، نحيف .." .علاوة عن تصوير حالته النفسية "لكن الطفل نسي تلك الركلة، تمنى أن يكون بين الأطفال " .

من خلال ما سبق يبدو أن القاسم المشترك بين هذه الشخصيات هو اشتراكها في البؤس المادي والروحي.

المكان:

أطر السارد مكانيا أحداث القصة منذ البداية، فالأحداث تجري في الساحة المتواجدة خلف الحي الشعبي وأمام الحي الآخر وسط الفيلات التي تنتشر عن اليمين واليسار.وهذه الساحة الطويلة متربة محفرة.إن الساحة هنا رمز للمجتمع المغربي المنقسم على نفسه إلى طبقتين رئيسيتين:هما الطبقة المستغلّة والطبقة المستغلَّة، ويتصل هذا المكان بالرؤية الفكرية للكاتب، فالمكان شاهد في القصة  على صراع الوفرة والجوع .

تحضر الساحة في القصة إذاً ؛مقترنة بالبؤس، فالوصف الوحيد الذي أضفاه عليها السارد هو وصف "المتربة "و، هذ يعمق الصورة القاتمة اللاطبيعية لهذه الساحة التي من المفروض أن تتخللها ألوان أخرى غير لون التراب .وإذا كانت الساحة هي المكان الرئيسي إلا أن السارد يشير إلى مكانين آخرين هما :الدار، وذلك في قوله" ولبقيت في عقر داري ". وهذه الدّار تنتمي إلى العمران الشعبي إن صح التعبير، وتتقابل مع العمران البرجوازي المتمثل في  الفيلات التي تحاصر الساحة من اليمين ومن اليسار حصارا طبقيا .

الزمان:

لا يمكن تصور حدث بدون زمان ولا مكان .وإذا كنا قد لاحظنا أن المكان يتسم بطابع الازدواج في هذه القصة ؛فإننا نلاحظ بالمقابل هيمنة مطلقة للزمن الأفقي الرتيب "المادي "على الزمن العمودي الحلمي "النفسي "، وهذا ما تدعمه المؤشرات التالية:"أما عرض الفواكه فيقتصر على البرتقال لرخص ثمنه في هذا الموسم " وأيضا "وبالفعل كان هناك خير كثير هذا العام ".إن هذه الهيمنة من شأنها أن تشي بدلالات كثيرة، من بينها عمق البؤس الروحي لدى الطبقة الكادحة المغربية .وحتى عندما نعثر على بعض الإشارت الحلمية في القصة نجدها موغلة في الفقر، وهو ما يؤكد ما ذهبنا إليه.

أشكال الصراع:

يتخذ الصراع في قصة" أطفال بلد الخير " شكلين رئيسيين هما:الصراع العمودي بين الدولة والطبقة الكادحة (الضاوية =البروليتاريا الرّثة ) والصراع الأفقي بين الأطفال الثلاثة وابن الضاوية .ويشكل الطعام موضوع الصراع ؛فالضاوية تصارع النظام من أجل كسب لقمة العيش .والأطفال الثبلاثة يصارعون ابن الضاوية، ولو من أجل ليمونة متعفنة .وتجدر الإشارة إلى أن الصراع العمودي يحدد الصراع الأفقي ويوجهه، ويتحكم في نتائجه فقد استطاع الأطفال الحصول على موضوعهم تحت نير هجوم القمع على البروليتاريا الرثة .

وإذا كان القاص قد صور الطبقة الكادحة تفر من المواجهة،  فهو لم ينطق بالكفر، فقد عكس بشكل إيجابي واقع الصراع بدون رومانسية أو فوضوية .عكس بشكل إيجابي طبيعة وعي هذه الطبقة وآلية الصراع التي تعتمدها، وهي آلية دفاعية حتما في غياب الموجه الحقيقي، إلا أن النهاية لم تخل من إشارات إيجابية تتمثل في صمود الأطفال الثلاثة، وهو ما يؤكد صحة الموضوعة الماركسية القائلة بأن الطبقة العاملة ليس لديها ما تخسره في سبيل تحررها إلا أغلالها.

 

عاتق نحلي /المغرب.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4069 المصادف: 2017-10-26 03:16:53