المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

رواية: السيد الرئيس لأستورياس.. ذلك الحاكم الظالم الحاضر في غيابه

إستورياس فهو كاتب ولد في غواتيمالا عام 1899، وعمل كصحفي ثم تفرغ للأدب والشعر حتى أصبح دبلوماسيًّا غواتيماليًّا في وقت متأخر من حياته، وبسبب معارضته للحكم الديكتاتوري في بلاده وتناوله لموضوع الاستبداد في عددٍ من كتاباته نفي خارج وطنه وعاش في أمريكا الجنوبية وأوروبا فترات من حياته. استحق إستورياس جائزة نوبل للآداب عام 1967 عن روايته السيد الرئيس التي ألفها عام 1946، وله رواية أخرى لا تقل أهمية تسمى “الريح القوية”. توفي إستورياس في مدريد عام 1974

تدور أحداث هذه الرواية حول أحوال الناس وظروفهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في غواتيمالا في أمريكا الوسطى، وذلك في ظل حكم ديكتاتوري، وفيها يصور أستورياس كيف يمكن لديكتاتور أن يحكم بالإعدام على شعبه بسهولة، وكيف يمكن أن تمتلئ السجون في عهده بالمثقفين والعلماء ورجال الدين. كتبت الرواية لأول مرة باللغة الإسبانية ونفي الكاتب بسببها إلى خارج وطنه غواتيمالا، ولم تترجم الرواية إلى العربية سوى في عام 1985

رواية السيد الرئيس

السيد الرئيس اشهر رواية كتبها ميغل أنخل أستورياس عام 1946 وحصل بفضلها على جائزة نوبل في الأدب عام 1967. تعد هذه الرواية علامة بارزة في أدب أمريكا اللاتينية، ومع ذلك فقد بقيت محجوبة عن الوطن العربي حتى عام 1985 ربما لتشابه ظروف الرواية مع أحوال معظم الدول العربية.

استمد أستورياس مادة روايته من سنوات حكم"كابريرا"الذي حكم بلده غواتيمالا لعشرين سنة حكما دكتاتوريا غاشما. بيد أن المؤلف يعمد إلى الصور البلاغية الجديدة في تصوير شخصياته ويغلف روايته بستار شفاف من السخرية والواقعية السحرية وفولكلور السكان الأصليين للقارة ما جعل من هذه الرواية درة أعماله التي توجت بفوزه بجائزة نوبل للآداب عام 1967

كتبها باللغة الإسبانية لغة موطنه غواتيمالا عن حال البلد في ظل رئيس ديكتاتوري. هو مجنون مستبد طاغ شهواني، يقتل بالسهولة التي يتناول بها طعام فطوره ويصدر قراراته الدموية بالرقة والهمس الذين يخاطب بهما النساء ويستمع إلى الموسيقى. حول وطنه إلى جحيم ومرتع للصوص والقتلة المأجورين. معاونوه مسخ آدمية مشوهة، خربة، مرتشية. مواطنوه مقهورون مُهانون مُذلون يحلمون بالجمال والحق والخير والأرض والطير.

سجونه مليئة بشعراء ومثقفين ورجال دين رفضوا أن يصلوا له بدلا من الله. وفي محاكمه الصورية تغيب شعارات العدالة وترتفع شعارات أكثر قسوة وظلاماً من ظلم الدنيا، ففي هذه المحاكم من الأفضل أن تكون مذنباً على أن تكون بريئاً ولا ترضى عنك الحكومة.

تعتبر هذه الرواية من أفضل الروايات، وحروفها تنبض صدقاً وقسوةً وعنفاً، وخلف القسوة تختبئ حقول الحنطة وصياح الديك، وقطرات ندى في صباح جميل يشرق على الوطن وأكثر ما يميز هذا الأدب هو الصدق الفني العالي الذي يجعل من العمل الفني عملاً أقرب ما يكون إلى متلقيه، حيث يستطيع نقلنا من عالمنا إلى عالمه نعيش معه رطوبة السجن وعفن الخبز والموت الحي الأبدي والانتظار في زنازين مغلقة لا ترى فيها إلا وجه الموت القادم وتحلق معه في عالمه وتجري لتحتضن الشمس وتعانق طين الأرض.

يقدم استورياس قصته في قالب سريالي قوامه الأفكار والذكريات وغالبا ما يعتمد على المونولوج الداخلي ذلك الكلام الذي لا يسمع ولا يقال، و به تعبر الشخصية عن أفكارها المكنونة، وما هو أقرب للهذيان بلا تقيد بالتنظيم المنطقي، كما نجد الكلام على لسان شخصياته متقطعا مضطربا أشبه بشريط السينما معتمدا على التتابع العاطفي وليس المنطقي .

استورياس لا يقدم تلك التفاصيل التي يمكن أن تقرأها في جريدة أو مذكرات شاهد على أحداث عصر بل هو يقدم الحياة الداخلية لأفراد روايته الخوف واللهاث والقلق و ما لا تصرح به لأقرب الناس إليك وترسم الملامح النفسية والاجتماعية للديكتاتور .

عالم الرئيس

يشرح استورياس في الرواية عالمين : عالم السيد الرئيس حيث كل شئ واضح محدد وصارم كخطوات القدر فهو يأمر بالقتل ويعود ليلتهم إفطاره في وداعة ويصدر قراراته الدموية بنفس الفم الذي يقبل به النساء ويشرب به الخمر ومن حوله يرتع اللصوص والممسوخين لآلات للقتل والفناء والرشوة والقهر والذل .

ويستعرض استورياس في روايته حفنة من المهمشين تجمعهم رابطة البؤس إنهم ذلك الرمز الحسابي للاشئ للعدم إنهم تلك الجرذان التي ينبئ انتشارها بتفشي الطاعون إنهم يحملون أوجاع المجتمع و أ وباءه والمجتمع يلفظهم ويركلهم بالأحذية ويعبر استورياس عن واقعهم هذا من خلال أسمائهم الناموسة, الدمية, الصماء البكماء وغيرها.

وعلى الجهة الأخرى هناك عالم السيد الرئيس والمساواة في هذا العالم تكون في مرآه الموت وقيمتك تتحدد بمقدار اختلاف مزاجك اليومي عندما تشرق الشمس ما موقعك من الحياة؟ هل تعمل لتكسب خبزك؟ أم أنك من المنتفعين بفوائض صناعة الحظوة من أصدقاء السيد الرئيس وخاصته؟

وفي عالم السيد الرئيس يحمل القديسين إلى الكنيسة ويدفنون بينما يعيش الأوغاد ليعبثوا بمصائر البلاد في عالم السيد الرئيس المقبرة أسعد من المدينة المقبرة أكثر نظافة من المدينة رغم أنها المدينة قبر أخر!

وفي عالم السيد الرئيس لا قيمة للعلم أو العلماء "فالعلم والمعرفة لا يمكنهما أن يوفرا لك زوجا حقيرا من الجوارب..! هذه هي الحقيقة" وأي شخص هو مجرد أبله آخر في مواجهة الرئيس الذي يدور كل العالم في فلكه .

وفي عالم السيد الرئيس احذر فأنت لست في مأمن أبدا من خنجر في الظهر قد ينهي كل شئ أو يد غادرة قد تمتد لخنقك .

جريمة قتل

الرواية تقوم حبكتها على جريمة قتل، ولعل القتيل هو الأهم بأن نقترب منه فهو العقيد باراليس سوريانتى الذي قتل في حادث عرضي على يد معتوه، لكن هذا الحادث هز عالم السيد الرئيس فمن يجرؤ على قتل ذراع الرئيس الذي يبطش ويذل العباد؟

يقول الديكتاتور، الذي يعلم مدى كراهة الناس له، وأصيب بهزة قوية لمقتل رجله أنه لا يمكن لرجل معتوه أن يقتل هذا العقيد الذي يمكنه إصابة ذبابة على بعد مائة متر بطلقة من مسدسه، لا يمكن أن يموت كدجاجة كسر عنقها، لابد وأن يموت نتاج مؤامرة وتخطيط وإن لم تتم هذه المؤامرة قبل موته فلتتم وترسم خيوطها بعد موته ولتستغل كذلك في الإطاحة برجلين لا يرضى عنهم الرئيس .

ويقدم الرئيس أشخاص للمحاكمة ليسوا بالضرورة هم الجناة، وهم الذين لا تستمع المحكمة لأقوالهم، إذ المهم ليس ما يقوله المتهمون وإنما ما يود الرئيس قوله، والحادث العادي أراده الرئيس أن يتضخم ليصبح تمرد وعصيان وخيانة عظمى وتكون المحاكمة نصف طقوس ونصف تهريج لان الحكم قد صدر بالفعل، وحينما تحاول أن تدافع عن نفسك فلن يسمعك أحد، هنا فقط "الكلمات تتحلل في فمك كالخبز المبلل" .

ويجعل استورياس من الرئيس صورة أقرب لصورة الإله النيتشاوي الذي ينبغي السجود له امتنانا لأنه موجود، وعبارات الحرية، العدالة، المساواة، الديمقراطية، تفسر في عالمه وفقا لقاموسه الخاص فالحكومة رشيدة لأنه يراها كذلك والمواطنين أحرار لأنه يراهم كذلك لذا فعلى الشعب إعادة انتخابه فهو عظيم العظماء وليبرالي وديموقراطى ولن يجرؤ احد أن يقف أمامه إلا الخائن والعميل .

وأخيرا في عالم السيد الرئيس أنت لا تملك القدرة على الحلم فحتى لو امتلكت جناحين فلن تستطيع استعمالهما للتحليق ممنوع أن تعطي أمل وأنت لا تحافظ على وضعك أو وظيفتك إلا بالتنفيذ الحرفي للأوامر أيا كانت وبرغم الألم يخضع الشعب لان الخوف اقوي من الألم.

وتنتهي الرواية إلى أن الثورة على هكذا ديكتاتور مستحيلة وان كان الواقع الذي نعيشه الآن يؤكد عكس ذلك.

 

ا.م. هديل عادل كمال

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

قراءة ممتعة ومثمرة ومحفزة على قراءة هذه الروايـــة .. شكرا جزيلاً .

طارق ..
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4174 المصادف: 2018-02-08 01:12:57