المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

الإيقاع في التراث النقدي.. الفروق الجوهرية بين الوزن والإيقاع

adil baderإن الإيقاع ليس مجرد "الوزن الخليلي" أو غيره من الأوزان، بل هو لغة ثانية لا تدركها الأذن وحدها، بل الحواس أو هو: "الوعي الغائب / الحاضر" ولهذه اللغة لغة الإيقاع علاقة ثنائية بالأجواء الشعرية فهي تستحضرها وتبثها.

وورود الإيقاع غي التراث النقد القديم يحتاج بحثا ودربة، فنجد السجلماسي يرى" أنَّ للشعر الموزون إيقاعًا يطرب الفهم لصوابه ويرد عليه من حسن تركيبه واعتدال أجزائه "وابن طباطبا يورد تعريفاً للشعر أشمل من تعريف السجلماسي " وللشعر الموزون إيقاع يطرب الفهم لصوابه ويرد عليه من حسن تركيبه واعتدل أجزائه، فإذا اجتمع للفهم مع صحة وزن الشعر صحة المعنى وعذوبة اللفظ وصفا مسموعه ومعقوله من الكدر تم قبوله له واشتماله عليه، وإن نقص جزء من أجزائه التي يعمل بها، وهي اعتدال الوزن وصواب المعنى وحسن الألفاظ كان إنكار الفهم إياه على قدر نقصان أجزائه.

فتعريف ابن طباطبا يربط الإيقاع بحسن التركيب واعتدال الأجزاء، ومع ذلك فإن التعريفين معاً يعودان بالإيقاع إلى الوزن ومنه إلى الشعر ويعتمد الإيقاع على مجموعة أصوات متشابهة تنشأ في الشعر خاصة من المقاطع الصوتية للكلمات بما فيها من حروف متحركة وساكنة؛ فأساس الإيقاع في الشكل التقليدي هو مجموعة من المقاطع الصوتية المتشابهة في كل بيت؛ أي أن القصيدة تتآلف من أبيات يحتوي كل بيت منها على مجموعة من المقاطع هي نفس مقاطع الأبيات الأخرى عدداً وترتيباً أما الشكل الحديث فإن أساس الإيقاع فيه المجموعة الصوتية لكل (تفعيلة)، أي أن القصيدة تتألف من أشطر مختلفة الطول تتكرر فيها تفعيلة واحدة متشابهة من أول القصيدة إلى آخرها.

فالملاحظ أن بعض النقاد القدامى يستخدم الإيقاع بمعنى المصطلح العروضي فهو يستخدم المصطلح من حيث مدلوله العروضي، لا من حيث شموليته ومن هنا فقد عرف الشعر العربي القديم الأوزان، ولم يحفل بالإيقاع – ذلك أن طبيعة اللغة العربية ذاتها ساعدت على ذلك فالأساس في البناء الموسيقي للكلمة على المقاطع دون الالتفات إلى الصفات الخاصة التي تميز الحركات بعضها عن بعض .

لقد ظل الإيقاع في النقد العربي القديم غير واضح؛ فهو غائم، رغم أنهم استطاعوا أن يتداولوا الإيقاع بطرق عدة:فقد ورد في كتاب(الشفاء)لابن سينا" الإيقاع من حيث هو إيقاع تقدير ما لزمان النقرات"

ذلك أن النقاد العرب اهتموا منذ البداية بالمادة التي تجسد الحركة الإيقاعية، ولم يهتموا بالحركة ذاتها؛ فكان المصطلح عندهم ألصق بمفهوم الإيقاع الموسيقي؛ لأن التوالي الزمني هو جوهر الموسيقى؛ ومن هنا ركّزت أغلب هذه الدراسات على ارتباطه بالزمن وأهملت الحركة، فلم يلحظه الدارسون إلا من خلال الموسيقى والوزن الشعري.

يُلاحظ شيء من التميز والإبداع فيما قدمه القرطاجني عن مفهوم الإيقاع؛ حين فرّق بين التناسب الزمني في الموسيقى والتناسب الزمني في الشعر، فرأى أن الشعر يتكون من" التخاييل الضرورية وهي تخاييل المعاني من جهة الألفاظ، وتخاييل اللفظ في نفسه، وتخاييل الأسلوب وتخاييل الأوزان والنظم" فهو في هذا الكلام يميز بين الوزن والنظم الذي يقيمه على مجموعة من الخصائص الصوتية والإيقاعية المنتظمة، كما يستأنس بفاعلية الإيقاع البلاغي الذي يقوم على التناسب بين الدوال والمدلولات القائمة على التخييل، ويظهر هذا في تآلف الكلمات وانسجامها وتلازمها في علاقات صوتية مرتبطة بالعلاقات الدلالية والنحوية، وبذلك استطاع القرطاجني أن يفرق بين الوزن العروضي والنظم؛ ففي حين يقتضي الأول مقدار النقل والخفة، يقتضي الثاني التنظيم والترتيب والتناسب.

أما الجرجاني فقد أدرك مفهوم الإيقاع وربطه بمفهوم الشعرية فيما أسماه النظم، ورأى أن الإيقاع معنى وليس مجردا، مؤكدا على أن الألفاظ خدم للمعاني، ولايرى أن الإيقاع يرتبط بالوزن والقافية-وإن حالة من حالات تجلياته- وهوبذلك يكون سابقا للبنيوية التي ناقشت فيما بعد علاقة الدال بالمدلول، وهو يصرح: بأن" الوزن ليس من الفصاحة والبلاغة في شيء إذ لو كان له مدخل فيها لكان يجب في كل قصيدتين اتفقتا في الوزن أن تتفقا في الفصاحة والبلاغة، فليس بالوزن ما كان الكلام كلاما، ولا به كان كل كلام خيرا من كلام"

والحقيقة أن ثمة فوارق جوهرية ينبغي أن نلاحظها عندما نفرق بين الوزن والإيقاع، ولا تتأتى لهذه الدراسة أن تدعي لنفسها صحة الفروض، أو أنها استطاعت أن تحدد الفروق ومع ذلك فإن تميز الإيقاع عن الوزن يأتي من ناحيتين: الأولى: أن الظاهرة الصوتية لا يشترط فيها أن تكون مقاطع كما في الوزن والأخرى أن طبيعة التوالي في الإيقاع تنطوي على قدر من حرية الحركة لا يتوافر في الوزن .

فالإيقاع عام والوزن جزء منه؛ فنجد الخصائص الموضوعية للإيقاع الشعري هي الوحدة والتتابع في متوالية متناغمة سواء من الناحية اللفظية أو المعنوية .

إنه النظام الذي يتناوب بموجبه مؤثر ما (صوتي أو شكلي) أو جو ما (فكري أو روحي)، (حسي أو سحري) وهو كذلك صيغة لعلاقات (التناغم، التعارض، التوازي، التداخل) فهو – إذن – نظام أمواج صوتية ومعنوية وشكلية، ذلك أن للصورة إيقاعها كما أن للقصيدة – بصفة عامة إيقاعها؛ فإن القيمة الجوهرية لمفهوم الإيقاع أنه ليس ملزماً على دائم وثابت، بل هو عنصر دلالي بالغ الاتساع؛ بحيث يمنح الشاعر أكبر مساحة ممكنة من الحركة والفعل الشعريين غير متقيد بكيان شكلي معد سلفاً

 

د. عادل بدر - شاعر وناقد مصري مقيم في قطر

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

المقال يحتاج الی التوثيق بذكر المصادر .

عبد المنعم القريشي
This comment was minimized by the moderator on the site

يحتاج المقال الی التوثيق بالمصادر

عبد المنعم القريشي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4189 المصادف: 2018-02-23 02:59:49