المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

صورة السجين الفلسطيني في ديوان "وردة علی جبين القدس" لهارون هاشم رشيد

rasol balawi2الملخص: إنّ إحتلال أرض فلسطين، وما تبعها من قتل، وظلم، وبطش، وتشريد، دفع المواطن الفلسطيني إلی مواجهة المحتلّين بکل وسائل المقاومة، والتصدّي لهم بروح الوطنيّة والبسالة، والصمود والتحدّي في سبيل الحرية؛ فضاق الإحتلال ذرعاً بهؤلاء المناضلين الذين دأبوا علی تحرير وطنهم من مخالب اسرائيل، فزج بهم في غياهب السجون والمعتقلات، وأخذ يمارس ضدّهم أنواع الظلم، والتعذيب، والمهانة اللاإنسانيّة بغية إطفاء هذا المشعل الوهّاج، لکنّ هؤلاء السجناء حملوا رسالة نضاليّة وتوعويّة لأبناء الشعب الفلسطيني المقاوم، وکان لتجربة السجن التي عاشها هؤلاء المناضليّن دورٌ بارزٌ في نمو القيم الإسلاميّة والوطنيّة وترسيخ ثقافة المقاومة. وقد اهتمّ الکثير من شعراء المقاومة بتجسيد مواقفهم وبطولاتهم، ومن هؤلاء الشعراء الذين أفردوا ديواناً کاملاً للسجناء ورسموا صورة السجين هو الشاعر الفلسطيني "هارون هاشم رشيد". هذه الدراسة ستسلّط الضوء علی صورة السجين في شعر "هارون هاشم" بکلّ أبعادها، ووفقاً للمنهج الوصفي-التحليلي، تهدف إلی استظهار ملامح السجناء ومواقفهم البطوليّة في ديوان "وردة علی جبين القدس" من أجل التعاطف الجماهيري مع هذه الشريحة المضطهدة. وقد توصّل البحث إلی نتائج أهمّها: أنّ الشاعر ابتعد عن الندب والبکاء علی السجناء، واتّخذ الشعر للمطالبة بحقوقهم وحريّتهم والتعاطف معهم. وحاول هارون إظهار بطولات السجناء لکي يزرع الأمل في النفوس ويدعم المقاومة، کما سعی إلی فضح سياسات المحتلين إزاء السجناء وتعذيبهم، لاستنهاض همم البلدان العربيّة في التصدّي إلی هذه القضيّة.

الکلمات الدليليّة: المقاومة الفلسطينيّة؛ صورة السجين، هارون هاشم، ديوان "وردة علی جبين القدس".

المقدمة:

لقد استخدمت اسرائیل منذ الإحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينيّة، سیاسات الاعتقال والاضطهاد ضد أبناء الشعب الفلسطيني الذين رفضوا الخنوع والذل، وتصدّوا إلی سياساتهم التعسفيّة. فالکيان الصهيوني أخذ يزجّ المناضلين الأحرار في السجون لمعاقبتهم علی المقاومة والتحدّي، وقد مارس أنواع التعذيب النفسي والجسدي ضد هؤلاء السجناء، کي يصدّهم عن نضالهم، ويزرع الرعب والخوف في صفوف المقاومة. ولعل تجربة السجن التي يعيشها الفلسطينيون تُعدّ من أقسی التجارب البشريّة المعاصرة، لما ترکته من أبعاد نفسيّة وإنسانيّة. وإنّنا لاستظهار صورة السجين وماتعرّض له في سجون الاحتلال لجأنا إلی عالم الشعر باعتباره المتنفّس الأسمی لخلجات النفس المأزومة والمفجوعة، فالشعر الفلسطيني المقاوم يحمل بين دفتيه معاناة شعب مضطهد بأکمله، شعب عانی أنواع المآسي في سبيل کرامته وتحرير أرضه من مخالب الإحتلال الغاشم. وشعراء المقاومة استخدموا سلاح الشعر في سبيل نضالهم ودفاعهم عن کرامة أبناء الشعب وما تعرّض لهم في سجون الاحتلال.

الشعر الفلسطيني الحديث، يعکس قيمة فنيّة وثروة فکريّة جليلة، لأنّه يعبّر عن تجربة نفسيّة وشعوريّة صادقة، فهو وليد المعاناة، ونتاج الألم الدفين الذي لحق الشعراء جراء النکبة. ومن شعراء المقاومة الفلسطينيّة الذين أجادوا في التعبير عن مأساة شعبهم ومعاناته، هو الشاعر "هارون هاشم رشيد"؛ فقد کرّس شعره علی القضيّة الفلسطينيّة والذود عنها، ودعی للکفاح والصمود، والمطالبة بحقوق السجناء. لقد ترسّخت صورة السجين في شعر المقاومة الفلسطينيّة عامّة، وفي شعر "هارون هاشم" خاصّة، فأصبح السجين نموذجاً حيّاً للمقاومة والکفاح، وصرخة مدويّة تعبّر عن معاناة الشعب المضطهد؛ والحديث عن السجين يُعتبَر حديثاً عن جهاد الشعب وتضحياته. وأبدع هارون في تصويره الشعري للسجين، فجاءت الصور مشحونة بطاقات دلاليّة ودفقات شعوريّة صادقة ومعبّرة، تنبع من صميم حياته النضاليّة ومسيرته الأدبيّة. وهذه الدراسة جاءت لتسلّط الضوء علی صورة السجين الفلسطيني في ديوان "ورده علی جبين القدس"، وتبيّن مواقف السجناء البطوليّة، وصمودهم وإنتماءهم الوطني، وتبشّر بالنصر والتحرير، کما تجسّد معاناة السجناء وتندّد بجرائم المحتل.

أهداف الدراسة:

تهدف هذه الدراسة إلی استظهار صورة السجناء الفلسطينيين في شعر هارون هاشم وبالتحديد في ديوان "وردة علی جبيّن القدس"، کما تهدف إلی استکشاف مآثرهم وأهدافهم النبليّة، والوقوف علی ملامحهم، ومواقفهم البطوليّة، وروح التضحيّة والإنتماء الوطني، وفضح انتهاکات إسرائيل لحقوق الأسری والمعتقلين، وذلک من أجل تعاطف الجماهير مع هذه الشريحة المضطهدة في السجون.

أهميّة الدراسة:

تتجلّی أهميّة الدراسة في کونها تناولت موضوعاً حسّاساً له مکانة جليلة في ثقافة المقاومة والنضال الوطني. ومن الواضح أنّ صور السجين لم تأخذ حقّها بعد في الدراسات الأدبيّة والنقديّة، فهذه الدراسة أخذت علی عاتقها قسماً من هذه المسؤوليّة.

منهج البحث:

اعتمد هذا البحث علی المنهج الوصفي - التحليلي، الذي يعني بدراسة صورة السجين في ديوان "وردة علی جبين القدس"، للوقوف علی تجليّاتها، وأبعادها الشعوريّة، وطاقاتها الدلاليّة، وآفاقها الجماليّة، ومواقفها البطوليّة المشرّفة.

أسئلة البحث:

في هذه الدراسة سوف نحاول الإجابة عن الأسئلة التالية:

کيف تجلّت صورة السجين الفلسطيني في ديوان "وردة علی جبين القدس" للشاعر هارون هاشم رشيد؟ ما هي الأسباب التي دفعت الشاعر أن يرکّز في هذا الديوان علی صورة السجين؟

خلفية البحث:

لقد اهتمّت الکثير من الدراسات النقديّة الحديثة بالأدب الفلسطيني المقاوم، ومعظمها رکّزت علی تجليات المقاومة ومظاهرها، وتصوير الشهيد والشهادة في نتاج الشعراء، وأهملت صورة السجين التي تُعتبَر مادة خصبة للبحث والدراسة. فالدراسات التي أُفرِدت لموضوع السجين الفلسطيني قليلة جدّاً، ومن أهمّها، مقالٌ موسوم بـ "البواعث الموضوعيّة في شعر الأسری الفلسطينيين" للباحثينِ عبدالخالق العف ومعاذ حفني (2008م)؛ هذا المقال منشور في مجلة الجامعة الإسلاميّة (سلسلة الدراسات الإنسانيّة) وقد رکّز علی شعراء المقاومة في السجون والمعتقلات، ومعاناتهم وإبداعاتهم، ووصفهم للسجن. وکتاب "السجن في الشعر الفلسطيني1967 – 2001"؛ للشاعر فايز أبو شمالة عن السجناء الشعراء الفلسطينيين في الـمعتقلات والسجون الإسرائيلية منذ حرب حزيران 1967 وحتى عام 2001. وقد صدر هذا الكتاب عن الـمؤسسة الفلسطينية للإرشاد القومي عام 2003م. ويتميز هذا الكتاب بكونه موسوعة شعرية تعرّفنا بجيل من شعراء السجون الذين كتبوا شعراً جميلاً وقوياً ورقراقاً وعاطفياً، وصبوراً وغاضباً. ولا يخفي أنّ هاتينِ الدراستين تسلطان الضوء علی الشعراء المسجونين دون سواهم من السجناء الفلسطينيين.

والدراسات التي عالجت شعر هارون هاشم هي رسالة الماجستير الموسومة بـ "الأبعاد الموضوعيّة والفنيّة في شعر هارون هاشم رشيد" للطالبة سناء بياري (2006م) في جامعة "بيرزيت الفلسطينيّة". وقد قامت الباحثة بدراسة أهمّ الأبعاد الموضوعية التي ظهرت بقوّة في نتاج الشاعر کالأبعاد الذاتية، والوطنية، والقوميّة والإنسانية، ثمّ قامت بدراسة أسلوب الشاعر وقد رکّزت فيه علی بناء القصيدة، واللغة الشعرية، والصورة والموسيقا. وهناک مقال موسم بـ "صورة اللاجئ الفلسطيني في شعر هارون رشيد (ديوان مع الغراباء نموذجاً) للباحثة نجية فايز الحمود منشور في مجلة "جامعة القدس المفتوحة للأبحاث والدراسات"، العدد التاسع والعشرين، سنة 2013م. فقد عالجت الباحثة صورة اللاجئين الفلسطينيين في ديوان "مع الغرباء"، وقد توصّلت في دراستها أنّ هذا الديوان نظّمه الشاعر بعد النکبة مباشرةً، فلذلک يُعتبَر ديوان النکبة في رصده لأحداثها، وقد صوّر فيه الشاعر معاناة اللاجئين وعذابهم النفسي، ومأساتهم في المخيمات والشتات. وهناک مقال آخر باللغة الفارسيّة "بررسی تطبيقی بيداری زنان در شعر حافظ ابراهيم، هارون هاشم رشيد، قيصر امين پور، ويوسفعلی ميرشکاک" للباحثينِ صمت الله حسنوند، واحمد محمدی نژاد پاشاکی، منشور في مجلة "نقد و ادبيات تطبيقی" التابعة لجامعة رازی کرمانشاه، السنة2، العدد 6، سنة 2012م. فهذه الدراسة المقارنة تعالج موضوع يقظة النساء ودورها في نتاج هولاء الشعراء وتهتم بالأسلوب أيضا لمعرفة فحوی النص. علماً أنّ هذا الشاعر الفلسطيني لم يحظِ بنصيب وافر من الدراسات النقديّة رغم کثرة الموضوعات التي يمکن تناولها في شعره؛ فإنّنا – عدا الدراسات المشار إليها - لم نعثر علی دراسة أخری عنه، کما لا تُوجَد دراسة مخصصّة لصورة السجين في شعره.

نبذة عن حياة الشاعر:

وُلد هارون هاشم عام 1927م في مدينة غزّة. وأنهی المرحلة الابتدائية والثانوية فيها، و«بعد حصوله علی الدبلوم العالي لتدريب المعلمين من کليّة غزّة، عمل في سلک التعليم حتی عام 1954م» (الخليلي، 2002م: 84). ثم «عمل مديراً لمکتب إذاعة صوت العرب بغزّة سنة 1954م، ثم مندوباً لمنظمة التحرير الفلسينيّة في قطاع غزة سنة 1967م» (شاهين، 2000م: 26). ورحل الشاعر من غزة قسراً بعد حرب 1967م، حين أجبرته السلطات الإسرائيليّة علی الخروج منها إلی القاهرة، ليعمل ممثلاً لفلسطين في جامعة الدول العربيّة (الخليلي، 2002م: 84).

عاش الشاعر مأساة اللاجئين الفلسطينيين، فقد عمل مدرساً في مخيمات اللاجئين (صدوق، 2000م: 262)، وعايش الأحداث وألم المشردين، وذاق مرارة الاغتراب ووحشته، وسکنته هموم وطنه. وهو أحد الشعراء الذين أُطلق عليهم "شعراء النکبة" أو "شعراء المخيم"، کما سمّاه العديد من النقاد شاعر "الثورة واللاجئين، "وشاعر الغرباء" (الحمود، 2013م: 15). أصدر هارون عشرين ديواناً شعرياً، منذ عام 1954م حتی الآن، هذا فضلاً عن المسرحيات الشعرية والروايات التي تدور في مجملها حول القضيّة الفلسطينيّة، وعودة الفلسطينيين إلی أوطانهم، وعودة فلسطين إلی شعبها.

ديوان "وردة علی جبين القدس":

صدر هذا الديوان عن "دار الشروق" في مصر عام 1998م وهو کما جاء في غلافه مجموعة قصائد للسجناء والمبعدين، أودعها الشاعر أصدق المشاعر وأنبلها تجاه أبناء شعبه المضطهدين في سجون الاحتلال أو المشردين عن ديارهم ظلماً وجوراً. ويضمّ الديوان بين دفّتيه 20 قصيدة تتراوح بين الشکلين: العمودي والتفعيلي؛ وقد قلب الشکل العمودي من الناحيّة الکمّيّة حيث بلغ عددها 12 قصيدة. وقد ضمّن الشاعر ديوانه صوراً لبعض السجناء الفلسطينيين لتفاعل القارئ مع الحدث. وجاءت في خاتمة الديوان قصيدتين حول الانتفاضة، و3 قصائد لغزّة. والديوان ورقة فنيّة تمثّل معاناة الشعب الفلسطيني وما تعرّض له من غصب ونهب، وسجن وتشريد إثر الاحتلال الصهيوني الغاشم. وإنّنا حاولنا في هذه الدراسة أن نبيّن للقارئ بقدر المستطاع بعض مظاهر السجين وصوره التي دأب الشاعر علی رسمها.

المواقف البطوليّة:

أوّل ما يتبادر إلی الذهن في مفهوم البطولة من جانب مدلولها اللغوي أنّ البطولة هي الشجاعة: شجاعة القلب والجسد في القتال. فالبطل شخصيّة عرفت منذ القدم بقوّتها، وشجاعتها، وإقدامها، وقدرتها علی التحلّي بالثقة النفسيّة، والثبات علی المبدأ، والالتزام بالصدق والإخلاص، والتضحيّة والفداء، والتمتّع بالثراء الفکري والعمق الروحي، وبالقدرة علی العمل الفردي والجماعي الدؤوب المنظّم بمثاليّة تسترعي الإعجاب والإطراء، وتدعو إلی التقدير والإقتداء (کلاب، 2012م:6). فصورة البطل«هي الصورة النموذجيّة في کل أمّة، تجتمع فيها کلّ الفضائل المجتمعة في هذه الأمة التي تتوق النفوس لاکتسابها؛ والشعراء حين يخلعون الفضائل علی البطل، فإنّهم يستوحون قيم المجتمع ومُثلها العليا» (الرقب، 1984م: 14).

البطولة سمة عظيمة لا يتّسم بها سوی العظماء الذين يتمتّعون بمقوماتها، ومن هؤلاء العظماء هم السجناء الذين ضحّوا بأنفسهم من أجل الوطن. والشاعر هارون هاشم صوّر في ديوانه "وردة علی جبين القدس" بعض الملامح البطوليّة للسجناء، وعلی رأسهم "عبدالهادي سليمان غنيم ابن معسکر النضيّرات" الذي حُکِم عليه 16 عاماً في سجون الاحتلال الإسرائيلي؛ فيعتبر الشاعر، هذا البطل فخراً للأمّة، ورمزاً لخلودها (رشيد، 1998م: 45):

يا فخر أمتنا، ورمز خلودها

يا أيّها البطلُ العظيم السيّدُ

إنّ أسلوب النداء الذي استخدمه الشاعر في هذا البيت، يضفي علی الخطاب نوعاً من التقريب والتحبيب لهذا البطل الثائر الذي ضحّی بنفسه في سبيل تحرير بلاده؛ فأصبح بذلک مستحقّاً لهذه الصفات التي ذکرها الشاعر. وفي الأبيات التاليّة يصوّر مواقف الشيخ أحمد ياسين البطوليّة وهو في السجن (رشيد، 1998م: 51):

مُقعَدٌ صوتُه، يُجلجلُ في السّجن

فتهتزّ من صَداه السجونُ

هو أقوی من السّلاسل والسّجان

أقوی فؤاده، والجبينُ

آيةُ النّصر في محياه تعلو

وهي فجرٌ، من الجهاد مبينُ

فبالرغم من مرض الشيخ في سجون الاحتلال إلّا أنّه يهزّ السجون بصوته الثائر، فقوّته وهو مکبّل بالقيود، تعلو علی کلّ قوّة، وتبشّر بالنصر القريب والفجر المبين. وفي هذه الأبيات حرکة المکان المقاوم/ السجن تمثّل في وجدان الشاعر وخياله شرارة الثورة والانطلاق.

وفي قصيدة "اعتذار.. وانکسار" يخاطب الشاعر "سهيلة أندرواس" في سجنها البعيد، ويتغنّی ببطولاتها وقوّتها الراسخة (رشيد، 1998م: 65و66):

أعتذر إليکِ/ وأشهدُ أنّک أقوی منا/ أقوی من کلّ وسائل العظماء/ وکلّ الکبراء،/ أقوی من کلّ الکذّابين،/ والدجالين، وکلّ الفصحاء/ من يقدر أن يغضب/ أو يصرخ أو يستاء

يعتذر الشاعر من هذه السجينة التي قهرت العدو بقوّتها وصلابتها، ويفضّلها علی کلّ العظماء، وکلّ الکبراء، والکذّابين، والدجالين، والفصحاء الذين تقاعسوا عن نصرتها ومساعدتها؛ فهي شأنها شأن الکثير من السجناء تُعذّب وتُهان في سجون الاحتلال، ولم ينهض أحدٌ لنصرتها، فانبری هارون هاشم لتکريم مواقفها وتعظيم شخصيتها.

وقام السجين الفلسطيني بمواقف بطوليّة في سبيل الوطن، فضحّی بنفسه وحياته للذود عن کرامة الشعب، ومصير المقاومة وإذکاء مشعلها الوهّاج؛ وبذلک استحقّ تکريم الشعب وعلی رأسهم الشعراء فذکروا السجين بإجلال وتعظيم، وأنشدوا له أشعاراً تبيّن مکانته في القلوب. وقد حاول الشاعر هارون هاشم إظهار بطولات السجناء لکي يزرع روح الأمل والتحدّي في نفوس الشعب، ويدعم المقاومة وسط هذه الأجواء القاتمة.

الدعوة إلی الجهاد:

للجهاد في حياة الثوّار مکانة ساميّة تنبثق من الشريعة الإسلاميّة التي أعلت شأن الجهاد والمجاهدين في سبيل الله. وإيمان السجناء بأهميّة الجهاد في التصدّي للعدو، وتحرير الأرض واستعادتها، دفعه إلی أن يقطع عهداً علی نفسه کي يرفع علم الجهاد والمقاومة في وجه الاحتلال حتی تعاد الحقوق المسلوبة إلی أصحابها؛ وفي هذا السبيل دعی الشيخ السجين أحمد ياسين أبناء شعبه الأحرار إلی المقاومة والتحدّي، والجهاد في سبيل الوطن (رشيد، 1998م: 51):

الجهاد الذي رفعنا لواه

هو من أجلها عزيزٌ مکينُ

لا انثناءٌ، ولا ارتداد ولکن

ثورةٌ غيثها سکوبٌ هتُونُ

بالدماء، الدماء نروي ثراها

لا جبانٌ في صفّنا لا خثونُ

فرآية الجهاد تبقی خفّاقة من أجل تحرير الوطن المسلوب، والشعب في ثورته العارمة لا يعرف الانثناء ولا الارتداد، فکلّهم أبطال وشجعان، لا يُوجد في صفوفهم جبان. وصيغة الجمع في (رفعناه؛ نروي؛ صفّنا) تدلّ علی التوحّد في صفوف المقاتلين؛ فالشاعر يری أنّ التوحّد هو الطريق الأمثل للحفاظ علی القضيّة مؤکّداً ذلک بقوله: «أقولها بملء فمي، يجب التوحّد، التوحّد من أجل الحفاظ علی وحدة قضيتنا وعدالتها» (الحمود، 2013م: 36). وفي قصيدة تحمل عنوان الديون أي "وردة علی جبين القدس" في مقام الحديث عن السجين هادي سليمان، يقول هارون (رشيد، 1998م: 34):

إنّا علی ميعادنا، فترقبوا

في کلّ فجرٍ ثورةً تتوعّدُ

هي ثورة الفقراء يمضي خطوها

لا خائفٍ فيها ولا متردّدُ

إنّ الجهاد عقيدة في شرعنا

وهو اللواءُ الواحدُ المتوحّدُ

فالسجن لا يستطيع أن يثني عزيمة الثوار وارادتهم، فالثورة قادمة لا محالة؛ هي ثورة الفقراء والمعدمين الذين لا يعرفون الخوف والترّدد، والجهاد عقيدة مترسّخة في شرعهم، وهو اللواء الوحيد الذي يجتمع حوله کل شرائح الشعب. فالشعب تجرّع أنواع الظلم والمهانات ولا يری سبيلاً أمامه إلّا الجهاد لاستعادة حقوقه وحثيته (رشيد، 1998م: 50):

الجهادُ.. الجهادُ، ما من سبيلٍ         غير هذا، نکون .. أو لا نکون

وهذا التکرار (الجهاد.. الجهاد) في مستهل البيت، يعکس بُعداً فنيّاً، ويؤدّي وظيفة مهمّة في ربط النص وتماسکه من الناحيتين الإيقاعيّة والفکريّة، فضلاً عن الفائدة المعنويّة التي تُوحي باستمراريّة المقاومة والجهاد.

الصمود والتحدّي:

يعمد الشاعر إلی خلق روح المقاومة والمثابرة في نفوس المناضلين، وذلک بدعوته إلی الصمود والتحدّي، ومجابهة العدو وصدّه، ممّا يضع المتلقي أمام شخصيّة السجين بأبعادها الوطنيّة والقوميّة. فالسجين أبرز من يمثّل هذا الصمود والتحدّي وهو قابعٌ في السجون، فيهدّد العدو ويتوعّد، ويحثّ الشعب علی المقاومة والنضال. فتظهر مهمّة السجين بعث روح المقاومة وتأصيل أرکانها في النفوس (رشيد، 1998م: 39):

حجرٌ إلی حجرٍ، ويهدرُ عارمٌ

من موجنا، يعلو الدّروبَ ويُزبِدُ

حجرٌ إلی حجرٍ، وتمضي ثورةٌ

شعواء عارمة تضجُّ وتُرعِدُ

فسوف تشتعل نيران ثورة عارمة باستمراريّة هذا النضال والکفاح الجمعي. ولا يخفی أنّ التکرار الاستهلالي (حجرٌ إلی حجرٍ) فيه عمارة هندسية مثيرة للدهشة؛ تتابع الحجر في العبارتينِ يدلّ علی کثرة التراشق والاستمرار في حرکة النضال الفلسطيني، حتی أصبحت الثورة کالسيل العارم والموج الهائج. ولفظة "حجر" في هذا السياق هي المرکز الذي يدور حوله الحديث، فکأنّه مفتاح المعنی والشعور معاً. وفي هذا التعبير لا يعبّر الشاعر عن تجربة فردية خاصة، بل عن تجربة جماعية، تشي برؤية الشاعر وتحمّسه في استمرار الحرکة الجماعيّة والنهوض ضد العدو. فالحرکة مستمرّة ومتواصلة دون أيّ تقاعس وتخاذل أو نسيان، إلی أن يأخذ الشعب ثأره من هؤلاء الطغاة (رشيد، 1998م: 18):

من قال أنّا قد نسينا ثأرنا

أو أنّنا عن ثأرنا نتردّدُ

عينٌ بعينٍ، لن نغيّر نهجنا

سِنٌ بسنٍّ، شرعةٌ تتجدّدُ

فهذا هو قانون الثأر والانتقام في الفکر الديني المقتبس من القرآن الکريم ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ (المائدة/45)؛ لقد تناصَ الشاعر في البيت الثاني مع هذه الآية الشريفة للحثّ علی الثأر؛ لأنّ السجين الفلسطيني يرفض الذل والهوان، ويتسابق علی العزّة، والشهادة والإباء، ويحمل قيمة تربويّة، ورسالة إنسانيّة شريفة، يسعی جاهداً إلی ترسيخها في الأجيال القادمة.

وفي النص التالي يخاطب الشاعر السجينة "سمر سامي العلمي" في سجنها البريطاني البعيد (رشيد، 1998م: 78):

شامخة کما جبال القدس/ والخليل، مثلما نابلس يا سمر/ ثابتة کما صمودنا الأغر/ تعلمين القادمين من أجيالنا،/ والنابتين في مسالک الشّرر/ بأنّ لا شيء يساوي/ لحظة افتداء الأرض،/ لحظة الظفر

فهذه السجينة البطلة، شامخة في قوّتها وعزّتها کالجبال، وتمثّل قمة الصمود والتحدّي في سجون العدو، وبذلک تنقل رسالة ساميّة وشريفة للأجيال القادمة فلا شيء يساوي افتداء الوطن الغالي. الشوق والتطلّع إلی لحظة الانتصار غرس في مخيلة سمر روح التحدّي والصمود والمقاومة أمام العنف والبطش.

الانتماء الوطنيّ والتمسّک بالأرض:

حبّ الوطن والانتماء إليه غريزة فطرية جُبِل عليها الإنسان؛ فالإنسان يعشق وطنه ويعتز بانتماءه إليه، فکيف إذا کان هذا الوطن محتلّاً تُمارَس ضده أنواع الظلم والعدوان؛ فلا شک في مثل هذه الأجواء، تظهر الوطنيّة بقوّة لدی هذا الإنسان، لأنّ «الوطنيّة عاطفة نبيلة يستشعرها المواطن تجاه وطنه من خلال مجموعة من الروابط الروحيّة التي تتنامی في داخله وتنعکس في سلوکه» (الدروع، 1999م: 25). والانتماء الوطني يظهر بکثافة في سلوکيات السجين الذي بذل نفسه دون الوطن، وأحبّ البلاد وأرضه بکلّ إخلاص؛ فيتحدّث الشاعر عن وطنيّة السجينة "سمر" وإخلاصها قائلاً (رشيد، 1998م: 92):

جعلت فلسطين الحبيبة همّها

والغايّة القُصوی التي تترقّبُ

حَلِمَت بها وطناً، کريماً آمناً

لا ظالمٌ فيه، ولا متعصّبُ

قالت: لأجلکِ يا بلادي همّتي

ولأجل من قد شُرّدوا وتغربّوا

يؤکّد الشاعر مدی تمسّک السجينة بوطنها وشوقها إليه رغم الظلم الذي تعرّضت له في سبيل هذا الوطن وتحريره. وفي هذه الأبيات يخاطب الشاعر، السجين المضطهد «عبدالهادي سليمان غنيم» (رشيد، 1998م: 42):

هم يسألونک: ما انتماؤک؟ ويحهم

جهلوا فهل هذا سؤالٌ يُوردُ

الإنتماء لکلّ حبّة رملةٍ

بالدّم خضّبها الشّباب الأمجدُ

"شعبي هو التنظيم" قلتَ مجلّلاً

فيه نُجَمّعُ للجهاد، ونُحشد

ويوظّف الشاعر أسلوب الاستفهام للدلالة علی التعجّب والتحسّر والألم، ومدی حماقة المحتل الذي يريد نکران الحقائق وطمسها، فالاستفهام جاء بلغة ملتهبة فيها تأنيب وتوبيخ. کيف يستطيع المحتل أن ينکر وطنيّة هذا الرجل المناضل وانتماءه، وهو ينتمي إلی أرضٍ مخضّبة بدماء الشباب الذين جاهدوا واستشهدوا في سبيل الوطن وتحرير أرضه. وفي هذا السياق يتجاوز الشاعر أطر الوطنيّة إلی أبعاد إنسانيّة رحبة، تجذّر الانتماء للأرض (رشيد، 1998م: 42):

قد أحبّ البلاد – أرضاً سماءً

فهو بالأرض مُغرمٌ مفتون

فالسجين أحبّ البلاد وأخلص الودّ إلی أرضها للحفاظ علی کرامة شعبه ومشروعيته. فالأرض ليست مجرد مساحة جغرافيّة محدّدة، بل هي مسرح الطفولة، وتمثّل العزة والکرامة والانتماء؛ وبما أنّ الفلسطيني ابن هذه الأرض فقد تجرّع المآسي واکتوی بنيرانها، وعشق هذه التربة المبارکة بإيمان وإخلاص.

التضحيّة والفداء:

عندما يؤمن الإنسان بقضيّة إيماناً حقيقيّاً راسخاً، يصل إلی مرحلة التماهي معها والفداء في سبيلها، فيضحّي بکلّ شيء نفيس في سبيلها، ولا يبخل بنفسه التي هي أغلی ما يملکه في سبيل قضيته. وإذا کانت هذه التضحية في سبيل الوطن وکرامته، فبالتأکيد سيصبح لها معنی آخر أکثر قيمة وانتداباً في النفوس. وفي هذا الصدد لقد ضحّی السجناء الأشراف بأنفسهم وحياتهم، وعوائلهم من أجل الوطن وتحريره من قيود المحتلين. والشاعر هارون هاشم جعل من السجن مصدر عزّة وکرامة وفخر بوصفه رمزاً للتضحيّة والفداء؛ وراح يستعرض في ديوانه مظاهر من التضحيّة والفداء لدی السجناء الفلسطينيين، ففي قصيدةٍ له يقول (رشيد، 1998م: 21):

حمل الأذی زمناً، وما من مرّةٍ

خان الأمانة شعبُه المتجلدُ

يری أنّ السجين تحمّل أنواع الأذی والمعاناة في سبيل وطنه، ولم يتوان طرفة عين ولم يخن أمانة شعبه الملقاة علی عاتقه؛ وفي حديثه عن "سمر العلمي" يقول (رشيد، 1998م: 91 و 92):

سمر العزيزة، آثرت في بذلها

وطناً، يهدّدُ بالضياع ويُنهَبُ

ضربت لنا مثلاً، وکانت قدوة

في البذل، لا تخشی ولا تتهيّبُ

ما همّها ترف الحياة ولهوها

أو أيّ ما يُغري البنات ويجذبُ

فهذه المناضلة المسجونة في غياهب السجون البريطانيّة آثرت أن تفدي نفسها في سبيل وطنها المهدّد بالضياع، حتی أصبحت أسوة للثوّار يُقتدَی بها وبنهجها القويم؛ فهي سلکت هذا النهج بقلبٍ ثابت وعقيدة راسخة لا تخشی ولا تهاب شيئاً، ولم تغريها مغريات الحياة وملاهي الترف والراحة التي شغلت بنات العصر.

التفاؤل بالنصر والتحرير:

لقد شکّلت شعريّة الحلم والتفاؤل بالنصر والتحرير في الشعر الفلسطيني رافداً ثرّاً من روافد المقاومة، لتخطّي الواقع المزري، والتطلّع نحو مستقبل مشرق؛ فشعر المقاومة الفلسطينيّة يمتاز بـ «نشاط فکري مؤثّر، يقاوم أسباب الضعف التي تواجه الأمّة، إذ ينبّه إلی الخطر المحاط بها، ويتخطّی انکسارات الواقع إلی أبعاد تحريريّة خصبة تندرج في إطار ازدياد الوعي الوطني، في ضرورة تحقيق النصر» (الضمور، 2012م: 208). وهذا يعود إلی إصرار الشاعر وأمله بالثورة والشعب والنصر القريب. ومن يتمعّن في شعر هارون هاشم يجد أنّه کان طوال هذه السنين العجاف، شاعر الأمل والثورة، عندما يحلّ اليأس وتدلهم الظلمات، فهو يرکّز في تعبيره وألفاظه علی الحريّة بکل أبعادها، والحريّة التي کانت تهمّ الشاعر هي حريّة الکلمة، وحريّة الحياة علی أرض البلد، وحريّة أن يکون إنساناً کما هو يريد لا کما يريده الآخرون (بياري، 2006م: 101). يقدّم هارون هاشم ديوانه للسجناء، فکتب في صفحة الإهداء: «إلی من أحبوا الحرية/ وشقّوا الطريق إليها/ إلی کلّ السجناء والأسری/ في سجون الاحتلال الظالم/ بشراهم بالفجر/ بشراهم بالنصر». فمنذ الصفحة الأولی من هذا الديوان والشاعر يزفّ لهم بشری النصر؛ وفي البيت التالي يقول (رشيد، 1998م: 15):

فَهمو البشارة بالصّباح الحُرّ بالفجر المنير

ولهم وليس لغيرهم جُدِلَت أکاليلُ الزّهور

فهولاء السجناء هم بشارة النصر والحريّة إلی الشعب؛ وـ "الصباح" و"الفجر" يرمزان إلی بداية حياة جديدة بعيدة عن قيود الاحتلال، تعمّها الکرامة والحريّة. وفي البيت التالي يخاطب "سمر" قائلاً (رشيد، 1998م: 95):

فتجمّلي بالصّبر، آتٍ فجرُنا

ما اسودّ ليلٌ أو تطاول غيهبُ

هذا الخطاب لا يخلو من التحريض علی المقاومة، وهو مضمون راسخ في الشعر المقاوم الذي يعکس التزام الشعراء وإيمانهم بقضاياهم الوطنيّة؛ فهذا النداء کأنّه نشيداً جماعيّاً للمقاومين، يشحذ همّتهم، ويدفعهم إلی الأمام، وتسکيناً للسجينة القابعة في السجن. وفعل الأمر (تجمّلي) يوحي بالقوّة والتکثيف الشعوري، و فعل (آتٍ) المضارع يشکّل المکوّن الرئيس للنصر الذي يشحن همّة المناضلين في صفوف المقاومة؛ وإذا أنعمنا النظر في المستوی الدلالي للأفعال نری أنّها تدور في فلک دلالي واحد وهو التفاؤل بالنصر والتحرير. وفي النص التالي يخاطب الفتي المسجون "منذر الدهشان" (رشيد، 1998م: 59و60):

مهما دجی ليلُ الأسی،/ واسودّ،/ مهما اشتدت الأحزان/ مهما القيودُ أحکمتُ وثاقها/ واسودّت الجدران / فقادمٌ زمانُنا الآخر،/ قادمٌ من رحم الأزمان/ يُبشّرُ الثّقاة، والمرابطين/ في خنادق الصّمود / بالسّلام والأمان/ بساعة آتية يُهَدُّ فيها السّجنُ،/ مهما صَلُبَت جُدرانه،/ ويُسحَقُ السّجان ..

فمهما طال ليل الظلم والأحزان، فلا محالة سيأتي النصر والأمان، وستأتي الساعة التي سيُدحَر فيها الاحتلال في مزابل التاريخ. وقد شاع في هذا النص حرفُ السين الذي يوحي بمستقبلٍ قريب بإذن الله، والذي يُعتبَر حرفاً عالي الصفير، حادّ الجَرْس، أضفی على هذا النص جمالاً موسيقياً وصوتياً. وقد ورد هذا الحرف بکثافة في کلمات لها طابع سلبي في قاموس النضال کـ "الأسی، اسودّ، اسودّت، السّجن، يُسحَق، والسّجان"، لکن تبدو للقارئ الغلبة لمفردة "السلام" فهي الکلمة المفتاحيّة في هذا النص، وقدجاءت مدعومة بلفظة "الساعة" التي يعتبرها الشاعر آتية لامحالة.

تجسيد المعاناة وتعذيب السجناء:

يرسم هارون هاشم في ديوان "وردة علی جبين القدس" بُعداً مؤلماً من صور المعاناة التي تعرّض لها السجناء في سجون إسرائيل. فهذه المعاناة القائمة ولّدت لدی الشاعر «شعوراً غائراً بالظلم، وإحساساً عنيفاً بالقهر، ولکن روح الوطن ظلّت تسکن روحه، وترتحل معه أنّی رحل، کما ظل متمسّکاً صابراً، ينسج خيوط الأمل، ويحلم بغدٍ أفضل» (موسی، 2009م: 29). وفي حقيقة الأمر إنّ تصوير المعاناة عامل محفّز عند کثير من الشعراء الفلسطينيين لابتکار الصور، والألفاظ الموحيّة، بغية تصوير أثر الاحتلال وبيان آثاره النفسيّة (الضمور، 2012م: 204). ويقوم الشاعر هارون هاشم في النص التالي بمطالبات مشروعة تکشف مخطّطات العدو، وما يحيکه من مؤامرات ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، وما يمارسه من تعذيب وتنکيل في حق السجناء؛ ففي قصيدة عنوانها "دعوة إلی الکتابة" يوجّه نداءاً إلی جميع الأحرار أن يکتبوا عن السجينة "سمر" (رشيد، 1998م: 91):

يا إخوتي.. أدعوکم أن تکتبوا

لعزيزة، جوراً وظلماً تُغلَبُ

في السجنِ أختکم، تعاني قهرها

وبليلها القاسي الطويل تُعذّبُ

وقد صدّر القصيدة ببيان صادر للدکتور «أنيس صايغ السفير» ننقل نصّه کما هو: «.. لعلّ أقل ما نعبّر به عن إعجابنا بسمر سامي العلمي، وإکبارنا لمشاعرها الوطنيّة، والإنسانيّة هو أن نکتب لها وهي في زنزانتها البريطانيّة الباردة، لنبلغها کم هي غالية علينا وکم نحن فخورون بها..». فمن هذا النداء والبيتين السابقين نستشفّ أنّ أقلّ ما يمکن أن تقدّمه الإنسانيّة إلی هذه المظلومة المضطهدة هو الکتابة عنها والتفاعل معها وإدانة العمل الشنيع الذي قام به الاحتلال. وفي النص التالي يصوّر هارون مدی معاناة السجين "عبدالهادي سليمان" قائلاً (رشيد، 1998م: 19):

إنّ "النُّصيرات" الحبيب مُکبّلٌ

بسلاسل الغزو الرهيب، مقيّدُ

وجراحُه، لمّا تزل مفتوحةً

ما من يدٍ تأسو الجراحَ تُضمّدُ

فيصف الشاعر حالة هذا السجين المکبّل بالسلاسل والقيود، وجراحه تنزف دماً إثر الضرب والتعذيب، فلا يشفق لحاله أحدٌ ولا يبادر لتضميد جراحه. وقد وصف حالة الشيخ العجوز أحمد ياسين في سجون الاحتلال قائلاً (رشيد، 1998م: 49):

في دجی السّجن في شقاء لياليه

مريض معذّبٌ، مطعون

شيخها المقعدُ العظيم يقاسي

لا طبيب، لا زائرٌ، لا مُعينُ

فهذا الشيخ المشلول في سجون الاحتلال والمقعد کسائر السجناء في شقاوة وتعذيب، يقاسی أنواع المحن والشدائد في السجن، فلا طبيب، ولا زائر ولا معين يتفقّده؛ لکن کلّ هذا العذاب والأذی لم يثني عزيمته وصموده، فبقی کالجبل الشامخ يناضل ويکافح في سبيل بلده (رشيد، 1998م: 50):

عذّبوه، فما تراخی ارتداداً

لا، ولاهزّه العذاب المهينُ

لقد سعی الشاعر أن يکشف عن سياسات اسرائيل إزاء السجناء وتعذيبهم وإذلالهم، ليستنهض همم البلدان العربيّة للتصدّي لهذه القضيّة، ويشارک السجناء في معاناتهم المستمرّة في سجون الاحتلال ما بين تعذيب جسدي ونفسي، ولهفة للقاء الأهل والأحباب، وعاطفة متلهّفة.

صورة المرأة (أمّ السجين وزوجته):

ولما کانت المرأة وسيلة هامّة للتحريض علی العدو، واستنهاض همم الثائرين، فالشاعر لم يغفل استدعاء هذا التراث الفکري الخصب في نتاجه، إذ بدأت المرأة تتسلّل إلی ثيمات نصوصه تدريجيّاً، بما يتّفق مع الظروف الراهنة، وتعاظم حالة الانکسار. ومن علامات الأسی العميق التي رافقت القصائد الهارونيّة عن السجناء هي الحديث عن المرأة (الأم والزوجة)، وما تعرّضت له من شدائد ومحن جراء اعتقال عزيزها؛ فالمشاعر الإنسانيّة النبيلة تتحرّک لمثل هذه المواقف.

أ) أم السجين:

المرأة تُعتبَر رکناً هامّاً من أرکان المجتمع علی شتّی الأصعدة السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة؛ وهي محور تحريض الرجل، ومصدر انطلاقاته الأولی، فالأمّ ربّت في حضنها الأجيال، ولها تأثير فاعل في مصير المجتمع. والأم تحرّک أبنها للمساهمة في ساحات المقاومة وبإمکانها أن تحرّر شعباً من براثن الأسر (رستم بور، وشيرزاد، 1391ش: 85). والشاعر هارون هاشم لم يُعن بالأمّ إعتناءاً عاطفيّاً، فقد کانت الأمّ عنده هي الوطن، ومصدراً للرجولة والبطولة؛ وکثيراً ما انعکست صورتها في شعره تجسيداً لهذه النظرة (رشيد، 1998م: 24):

فهناک في حضن "النصيرات" الذي

في الإنتظار حبيبةٌ تتوجدُ

هي أمُهُ مَن أرضعته رجولةً،

وبطولةً، وبه تتيهُ وتَسعَدُ

فهذه الأمّ التي طال انتظار حبيبها المسجون، هي التي أرضعته الرجولة والبطولة، وشجّعته علی الدفاع عن کيان وطنه؛ وفي نفس القصيدة نراها تحرّض أبنها علی الجهاد والمقاومة بهذه النبرة المتصاعدة (رشيد، 1998م: 26 و 27):

قالت: علی اسم الله خطوک فانطلق

تُرعی بعين الله أنّی تُوجدُ

کبّر فللتکبير في أوطاننا

رجعٌ، کزلزالٍ، يمورُ ويُرعدُ

فهکذا أصبح للمرأة/ الأم الفلسطينيّة دور بارز في تجسيد قضايا النضال والکفاح الوطني. والمناضلون استمدّوا من قوّتها وإرادتها وعزمها طاقات نضاليّة لا تنثني أمام قدرة العدو. والأمّ يعزّ عليها أن تودّع إبنها وتفارقه، لکنّ حب الوطن أغلی لديها (رشيد، 1998م: 26):

غالٍ عليها ابنُها، ونجيُّها

يمضي علی الدّرب المخوفِ، ويُبعدُ

غالٍ عليها، أن يهدّمَ بيتُهُ

يدمَّرَ العُشُ الذي قد شَيّدوا

لکنها الأغلی عليها أرضُهُ،

وترابه، وتراثه، والمحتِدُ

إنّنا أمام مشهد شعري رسمه الشاعر بحروف ثوريّة، فالأمّ بالرغم من خوفها وقلقها علی إبنها الغالي عندها، إلّا أنّ انتماءها للوطن وحبّها له، منعها من أن تصدّ إبنها عن الجهاد والفداء، لأنّ أملها کبير في الانتصار.

ب) زوجة السجين:

أصبحت زوجة السجين مظهراً من مظاهر الحزن والأسی، ورمزاً شعرياً زاخراً بالدلالات والرؤی. وقد حظيت بحضور واسع للتعبير عن مختلف التجارب، فهي تشکّل منطلقاً فکريّاً تجاه الأوضاع السياسيّة والاجتماعيّة وتجاه القضايا الإنسانيّة عامّة. ففي ظلّ الظروف القاسية وأجواء الاحتلال، تبقی زوجة السجين في غياب زوجها وحيدة، لا أحدٌ يُلبّي نداءها أو يردّ علی انکساراتها (رشيد، 1998م: 72):

لماذا ..؟ فيمَ؟ لا أحدٌ يُلبّي

ندائي أو يردُ علی انهياري

أ أنسانيّةٌ هذي لعمري

ملطّخةٌ بعارٍ، أي عارِ

بلا حکمٍ، ومحکمةٍ وعدلٍ

يظلّ رفيق عمري في الإسارِ

هذا النداء يخاطب الإنسانيّة جمعاء، وتطالب بالإفراج عن زوجها ورفيق عمرها المسجون بلا حکمٍ، ومحکمةٍ وعدلٍ؛ کما وجّهت زوجة السجين "أحمد ياسين" نداءً للإنسانيّة لنجدة زوجها الذي مرض وهو في سجون الاحتلال، فيقول الشاعر عن لسانها (رشيد، 1998م: 50):

سجنوه، وما دروا أيُّ شيخ

هو هذا المُقيّد المسجونُ

سجنوه، وهو الطّليقُ بروحٍ

تتحدّی .. فمن تُراه السجينُ؟

سجنوه، والسجنُ يسمو شموخاً

بالبطولات يزدهي ويزينُ

فنداؤها هذا يدلّ علی الصمود والصبر الذي انتاب هذه الزوجة الصابرة علی الرغم من العذاب الذي يتعرّض له زوجها في غياهب السجن. وتکرار عبارة "سجنوه" بشکل عمودي في مستهلّ الأبيات يدلّ علی عظم الأعمال القمعيّة التي يقوم بها الاحتلال ضد هذا الشيخ المغوار الثابت أمام العدو الغاشم. وفي البيت التالي يصوّر الشاعر زوجة السجين التي تحمل بين أحشائها طفلاً (رشيد، 1998م: 27):

مازال في أحشائها من نبضه

أملٌ، من الحزن الکبير سيُولدُ

في هذا البيت رکّز الشاعر علی قضيّة مهمّة وذات أبعاد إنسانيّة تهزّ المشاعر وتفجع القلوب، فهذه الزوجة التي تجرّعت شتّی أنواع المصاعب والمحن في غياب زوجها، تحمل بين أحشائها طفلاً من ذلک السجين، وسيُولَد في حزن کبير وأسی عظيم. وقد اعتبر الشاعر هذا الطفل أملاً يبشّر بالخير والفرج. والطفل يُعتبَر شريحة مهمّة في الشعب الفلسطيني، ووثيقة إنسانيّة أکثر إيلاماً، فقد حُرم الطفل من تحقيق أحلامه، ومن أبيه السجين، فعاش بمرارة وقساوة. «لفظ الطفل يحمل الکثير من الإشعاعات والدلالات، ما يغري الشعراء لتوظيفه وما يحمل من دلالات الحب، والبراءة، والسلام، والأمل، والطهارة، وما يثيره من روح التمرّد والمقاومة والتضحية والصمود» (الشنباري، 2015م: 6).

النتائج:

إنّنا في هذه الدراسة الموسومة بـ "صورة السجين الفلسطيني في ديوان "وردة علی جبين القدس" لهارون هاشم رشيد" توصّلنا إلی نتائج نشير في ما يلي إلي أهمّها:

- استطاع هارون هاشم أن يؤرّخ بلغة شعريّة لمعاناة الشعب الفلسطيني، وعلی رأسهم السجناء، فجاء شعره صوتاً مدويّاً يطالب بحريّة السجناء، ويتعاطف معهم، فهو شاعرٌ وناقدٌ ومناضلٌ في الوقت نفسه.

- طوی الشاعر صفحة البکاء والندب والتحسّر علی السجناء، واستخدم شعراً رصيناً يمتاز بالمنطق، وروح المقاومة، والانتماء الوطني، والصمود والتحدّي أمام العدو الغاشم.

- صورة السجين تنطلق من مرجعيات روحية، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالفکر الإسلامي، ممزوجة بتجارب حديثة، ومتّصلة بحقول دلاليّة خصبة مکثّفة، شديدة الالتصاق بوجدان المتلقي ومخيلته.

- السجين في شعر هارون رشيد إنسان يتعايش مع الواقع المزري بکلّ متغيراته، ويعبّر عن آلام وآمال أمته، ويمثّل مواقفها الفکريّة، وقيمتها الثقافيّة، ويسعی جاهداً إلی تحقيقها علی أرض الواقع بموضوعيّة.

- لقد سعی هارون هاشم أن يکشف عن سياسات إسرائيل إزاء السجناء وتعذيبهم وإذلالهم، ليستنهض همم البلدان العربيّة للتصدّي إلی هذه القضيّة الإنسانيّة؛ کما حاول إظهار بطولات السجناء لکي يزرع الأمل في صفوف المقاومة وسط هذه الأجواء القاتمة.

- مهما تصاعد عنف الاحتلال وبطشه، وتوسّعت مخطّطاته البشعة، لن ينال من عزيمة الثوّار، بل إنّ ممارسات الاحتلال الخبيثة تذکي نيران المقاومة وتزيد من إلحاحها علی الصمود والتحدّي والتضحيّة في سبيل العقيدة والوطن.

- المرأة الأم والزوجة في شعر هارون لا تؤخذ ککيان مستقل، بقدر ما تؤخذ کجزء من قضيّة کبری وتجربة إنسانيّة شاملة. وکثيراً ما يتماهی الوطن بالمرأة، فهي تمثّل عند الشاعر، الوطن، والهويّة والانتماء. وقد أصبحت وسيلة مهمّة للتحريض واستنهاض الهمم علی الثأر.

 

أ.م.د. رسول بلاوي

.........................

المصادر والمراجع:

- القرآن الکريم

- بياري، سناء (2006م): الأبعاد الموضوعيّة والفنيّة في شعر هارون هاشم رشيد، رسالة ماجستير، فلسطين، جامعة بيرزيت.

- الحمود، نجيبة فايز (2013م): «صورة اللاجئ الفلسطيني في شعر هارون هاشم رشيد/ ديوان "مع الغرباء" نموذجاً"»، مجلة جامعة القدس المفتوحة للأبحاث والدراسات، العدد التاسع والعشرون (3)، صص 11- 50.

- الخليلي، علي (2002م): مختارات من الشعر العربي الفلسطيني الحديث، عمان، منشورات أمانة عمان الکبری.

- الدروع، قاسم (1999م): نحو تربيّة وطنيّة هادفة، عمان، المطابع العسکريّة.

- رستم بور، رقية، وفاطمة شيرزاده (1391ش): «صورة الشهيد في شعر أحمد دحبور ومعين بسيسو»، فصليّة لسان مبين، قزوين، جامعة الإمام الخميني (ره) الدوليّة، السنة 4، العدد 10، صص 76-96).

- رشيد، هارون هاشم (1998م): ديوان وردة علی جبين القدس، ط1، القاهرة، دار الشروق.

- الرقب، شفيق (1984م): شعر الجهاد في عصر الموحدين، عمان، مکتبة الأقصی.

- شاهين، أحمد عمر (2000م): موسوعة کتاب فلسطين في القرن العشرين، ج2، غزة، منشورات المرکز القومي للدراسات والتوثيق.

- الشنباري، ميسون أحمد (2015م): صورة الطفل وأثره في شعر أحمد دحبور، رسالة ماجستير، غزة، جامعة الأزهر.

- صدوق، راضي (2000م): شعراء فلسطين في القرن العشرين، ط1، بيروت، المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر.

- الضمور، عماد (2014م): «تجليّات المعاناة في شعر خليل زقطان»، مجلة النجاح للأبحاث، المجلّد 28، العدد 4، صص 921-940.

- کلاب، محمد (2012م): «البطولة في شعر الشهيد إبراهيم المقادمة»، مجلة الجامعة الإسلاميّة للبحوث الإنسانيّة، المجلد 20، العدد1، صص 1-39).

- موسی، إبراهيم نمر (2009م): «تجليات الوطن والثورة في شعر کمال ناصر»، مجلة دراسات العلوم الإنسانيّة والإجتماعيّة، الجامعة الأردنيّة، المجلد 36، العدد1، صص 26-43

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

انه بحث متكامل الاركان و عن موضوع اول من كتب عنه الدكتور شوقي ضيف في كتابه الصادر عن سلسلة اقرأ بعنوان البطولة في الادب العربي، و بطولات القةفلسطينيين كانن مجرد حلقة في سلسلة لامتناهية من المواقف.
و تسحرني لغة محمود درويش و شاعر المقاومة الثاني سميح القاسم الذي افتتح موسم المولاج لتحديث الشعر الفلسطيني. و مع انه من الدروز لكنه كان صوتا عربيا لا يشق له غبار.
تحية للدكتور بلاوي على هذه الدراسة التي اجاد فيها ووضع اصبعه على الجرح و النقاط الحساسة

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

الدکتور صالح العزیز
شکرا لمرورک علی هذه الدراسة المتواضعة
اعتز بک ایها الکبیر

رسول بلاوی
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4211 المصادف: 2018-03-17 08:27:41