المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

الشعر والإيقاع والتنوع الصوتي في النص الشعري.. مدخل لدراسة الظاهرة الصوتية

adil baderإذا كان الإيقاع هو ذلك الانتظام والتناغم الزمني الذي يشكل أي عمل منتظم، كما يرى يوري لوتمان؛ فإنه بهذا يتولد من خلال توظيف عنصر مهم هو التكرار الدوري، ويفرق لوتمان بين مصطلح التكرار أو التردد في الطبيعة ومصطلح التكرار في الشعر، ومن ثم نجد نوعين من الإيقاع : الإيقاع المتعلق بالطبيعة، والإيقاع الشعري، الأول في تكرار أوضاع معينة من خلال فوارق زمنية معينة كتوالي فصول السنة، أما الإيقاع في الشعر فهو ظاهرة مختلفة فـ"إيقاعية الشعر قد تعني التكرار الدوري لعناصر مختلفة في ذاتها متشابهة في مواقعها ومواضعها من العمل بغية التسوية بين ما ليس بمتساوٍ، وبهدف الكشف عن الوحدة من خلال التنوع، وقد تعني تكرار المتشابه بغية الكشف عن الحد الأدنى لهذا التشابه، أو حتى إبراز التنوع من خلال الوحدة"

فالبينة الإيقاعية مجموعة من العلاقات المعقدة بين ما يثور على النظام وما يحافظ عليه، بل إن تحطيم النظام في حد ذاته نظام ولكن من نوع آخر .

والشعر العربي يجمع بين النسق والخروج على النسق، ولعلها سمة مشتركة بين الشعر على مختلف أنواعه، بل لعل لها نظائر في غير الشعر من الفنون، فالفنون التعبيرية تحاكي الحياة الإنسانية وهي ليست انتظاماً خالصاً، بل تجمع بين الانتظام والاضطراب، فالخروج على النسق له وظائف في الشعر وفي غيره من الفنون، فهو يقاوم ذلك الخدر الناشئ من التكرار المنتظم ؛فيثير الانتباه واليقظة، ويدعم الجانب الفكري والمعنوي في مواجهة الجانب المادي؛ ممّا يجعل العمل الفني أقدر على التعبير .

فالشعر يجمع بوضوح بين النسق والخروج على النسق يقول "هو جارت " أن القاعدة في الفن هو تحاشي الانتظام .

والإيقاع في الفنون هو تأليف بين مجموعة من العناصر يجمع بين النظام واللا نظام ويقيم بين هذه العناصر علاقة، فإذا خلت العناصر من هذا الصراع فهي كذلك خالية من الإيقاع .

يقول د. أحمد حافظ رشدان، د. فتح الباب عبد الحليم : "إن الوحدة في العمل الفني لا تعني التشابه بين كل أجزاء التصميم، بل أن يكون هناك كثير من الاختلاف "

فمعظم الفنون تتألف من ثابت ومتغير، فالملاحظ أن الإيقاع يتوقف على التكرار وتوقع التكرار، وهذا أمر أجمع عليه النقاد وكما يقول "ريتشاردز " النسيج الذي يتألف من التوقعات والإشباعات وخيبة الظن أو المفاجآت التي يولدها سياق المقاطع هو الإيقاع، ولا يبلغ تأثير صوت الكلمات أقصى قوته إلا من خلال الإيقاع، ومن الواضح أنه لا توجد مفاجآت أو خيبة ظن لو لم يوجد التوقع، وربما كانت معظم ضروب الإيقاع تتألف من عدد من المفاجآت ومشاعر التسويف وخيبة الظن، لا يقل عن عدد الإشباعات البسيطة المباشرة

والنظام الذي لا نجد فيه غير ما نتوقعه بالضبط دائماً، بدلاً من أن نجد فيه ما يطور استجابتنا هو نظام رتيب، يبعث على الضيق فهو يقوم على المفاجأة وإخلاف الظن .

وريتشاردز يورد تعريفين للإيقاع أحدهما يتفق مع النظرة النفسية، وهو أن الإيقاع " اعتماد جزء على جزء داخل كل يستمد من التوقع والتنبؤ " والتعريف الآخر أنه " التشكيل المتكرر أي مجموعة من المجموعات ؛بحيث أن المجموعات المتعددة الداخلة في تكوينه تكون شبيهة الواحدة بالأخرى، وإن لم يكن هذا التشابه تاماً بالضرورة وريتشاردز يعتبر هذا المعنى واسعاً جداً، ولكننا يجب أن نلاحظ " أنه هو المعنى الذي يبحث العروضيون عن مدلوله الخاص في التشكيلات المكونة من مقاطع لغوية

ويجب على دارس الإيقاع أن يكشف عن هذه الصراعات بين عناصر الثبات وعناصر الانتهاك. فالإيقاع هو حركة المعنى، وليس بينهما انفصال، ولإدراك أحدهما ينبغي اكتشاف الآخر معه .

بل ويستطيع الدارس أن يكشف الجوانب النفسية والشعورية والاجتماعية، التي أنتجت هذا النص. وذلك من خلال المستوى الدلالي الذي يشكله التنوع الصوتي في النص الشعري "فإن النظام الإيقاعي للبنية اللفظية في العربية يتميز إلى جانب التناظر أو التناسب الصوتي بين الصوامت والحركات وطول المقاطع بالعلاقة التبادلية بين الصيغة أو البنية الإيقاعية والدلالة "

ولا يقف التناسب الصوتي عند المقاطع لكنه يمتد إلى الجناس أو الجرس الصوتي وإلى الأوزان الشعرية والاتباع والازدواج، وكلها في تشكيل المعنى وتوسيعه وتوسيع دلالة النص الأدبي ويظهر بوضوح عندما يعمد الشعراء إلى استغلال إمكانيات الأصوات وقدرتها على الإيحاء بالمعنى ومحاكاته، والإيقاع ليس إشارة بسيطة، بل هو نظام إشاري مركب ومعقد من مفردات عديدة .

ويبدو الإيقاع أمام القارىء شيئاً مادياً محسوساً يعلن له أن الذي أمامه قصيدة من الشعر، وأن – الإيقاع – هو الذي نظم هذا الفيض من الأصوات والمعاني، وأنه يستطيع أن يعطيه معنى مختلفاً عن المعنى الذي يلقاه في النثر معنى أكثر كثافة وأكثر عمقاً وأكثر إمتاعاً وأكثر كشفاً عن الأعماق البعيدة للإنسان

وقد اتسع مفهوم الإيقاع عند الشكلانيين الروس ليشمل سلسلة من العناصر اللسانية التي تسهم في بناء البيت الشعري: فإلى "جانب الإيقاع الذي ينتج عن المد في الكلمات، يظهر الإيقاع الذي يأتي من نبرات الجمل بالإضافة إلى الإيقاع الهارموني (الجناسات) إلخ .

وهكذا يغدو مفهوم الشعر ذاته مفهوم خطاب نوعي تسهم كل عناصره في خاصيته الشعرية .

 

د. عادل بدر - شاعر وناقد مصري مقيم في قطر

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4232 المصادف: 2018-04-07 14:02:02