المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

السينما الممسرحة والمسرح المؤفلم بريخت نموذجاً

مراجعات في ما بعد الحداثة السينمائية من المفاهيم النظرية الي التجارب الاخراجية السينمائية المعاصرة وتأثرها بجماليات بريخت.

في بداية سبعينات القرن الماضي رحلت لمقابلة جان ميتري الذي سبق لي أن أرسلت له نصاً عن فيلمه التجريبي باسفيك 231 ونصاً تحليلياً لفيلم هيروشيما حبيبتي بالانجليزية بالطبع لأني لم أكن أعرف الفرنسية بعد. وكان معلمي وأبي الروحي الذي قادني ووجهني وأشرف على أطروحتي جان ميتري المؤرخ والمنظر والأستاذ الجامعي ومؤسس المعهد العالي للدراسات السينمائية الإيديك للدراسات التقنية والمهنية في مختلف الاختصاصات السينمائية، ومؤسس قسم السينما في جامعة باريس للدراسات النظرية العليا في جماليات السينما ولغتها، وعلاقتها بالفنون الأخرى، لا سيما بالمسرح والفن التشكيلي والموسيقى والتصوير الفوتوغرافي وعلم النفس، وتبيان أوجه التداخل والتفاعل المشترك بينهم، كان هذا المعلم هو الذي احتضنني ورعاني ووجهني. وأتذكر مقولته المؤثرة المحفورة في ذاكرتي :" يابني لاتقتحم السينما ولا المسرح قبل أن تكتشف شكسبير وتقرأه بإمعان وتعمق فهو الجسر الواصل بين العالمين، فهو ليس فقط مصدر نصوص للإعداد السينمائي لمسرحياته فحسب، بل هو مصدر إلهام جمالي لازم وحتمي لبنية الحلم البشري، وما عليك سوى التعرف على بريخت وجان كوكتو ومارسيل بانيول وساشا غيتري وروجيه بلانشون وآريان موشكين وأنطونين آرتو وأرسون ويلز وغيرهم فهم فرسان هذين الفنين. فهناك المسرح المصور سينمائياً والمسرح المؤفلم أي المعد فيلمياً وهناك الأفلام التي حولت إلى مسرحيات وهناك السينما الممسرحة أو الأفلام التي تتبع الصيغ المسرحية في العرض والتمثيل، وسوف تكتشف كل ذلك وتتعرف عليه من خلالهم وأفلامهم ومسرحياتهم وعروضهم الفنية أي سوف تكتشف السحر المصور أي سعيهم للشعر السينمائي".

أصابني الذهول وأنا اسمع كلام أستاذي ولم أكن قد إتقنت اللغة الفرنسية بعد فكان يحدثني ويعيد ترجمة ما يقوله بانتظام إلى الإنجليزية. فالسينما ترسم الناس كما هم في حين يصيغهم المسرح كما يجب أن يكونوا عليه. تعلمت كذلك أن لافائدة تجنى من مقارنة السينما بالمسرح أو المفاضلة بينهما فالنتيجة دائماً زائفة ومفتعلة فقبل أن نقوم بذلك علينا أن نعرف عن أي سينما نتحدث وأي مسرح نقصد. فأغلب منظري السينما يمتلكون نظرة أحادية مسبقة وصنمية جامدة عندما يتحدثون عن المسرحة دون أن يعيشوا المسرح على حقيقته ومتعته المتجددة في كل مساء حيث يأخذ العرض حلة أخرى جديدة، فهو حي ومتحرك ومتعدد كما هي السينما. فالمسرح أثر على السينما وأثراها ورفدها بمبدعين خلدهم التاريخ، والسينما لم تنافس المسرح أو تنهيه فكل واحد منهما قلد الآخر وانتهل منه مفرداته ومكوناته خاصة بعد ظهور السينما الناطقة. كان العظيم آيزنشتين قد أدرك هذه العلاقة الديالكتيكية بين الفنين سيما اللقاء بين مسرح الكابوكي الياباني والمحاولات المتجددة الجريئة للمسرح الحديث عندما يتوقف في لحظة ما عن أن يكون مسرحاً محضاً ويغدو سينما من نوع آخر، قطعاً ليست السينما التقليدية الشعبوية التي نعرفها. هي نوع يمكننا تسميته بالــ - سين – م – سرح cinéthéatre أو السينما المسرحية أو المسرح السينمائي، مثلما دمج العظيم الآخر آينشتين المكان والزمان في وحدة عضوية واحدة أسماها – الزمكان – وإيقاعاته ومدته وجريانه ونقلاته، وكلاهما يتوسل الملهاة والمأساة، الكوميديا والتراجيديا، الدراما والميلودراما وكلاهما يخضعان لسلطان الميزانسين ــ

أي منذ تطور الوسائل السمعية البصرية تكنولوجيا وظهور التصوير الرقمي والواقع الافتراضي وتطور واتقان المؤثرات الخاصة السمعية البصرية والحيل والخدع السينمائية بواسطة الكومبيوتر حيث قلبت صفحة السينما الكلاسيكية والفنية وتراجعت جمالياتها منذ ما يقارب العقدين من الزمن. فلم يعد صناع السينما الحديثة الجدد يولون اهتماماً للنظريات الجمالية السابقة وللغة السينمائية في مجال الإخراج والتصوير والمونتاج أو التركيب والتمثيل كما كان الحال في عشرينات القرن الماضي ولغاية نهاية نهاية القرن العشرين خاصة فيما يتعلق بتمثل وتسجيل الواقع وطرق عرضه من خلال ما يعرف بمشهدية العرض .

بدأت عملية العصرنة والتحديث الأسلوبي في السينما المعاصرة منذ أربعة عقود تقريبا وبلغت الذروة في العقدين الماضيين من القرن والواحد والعشرين . لم يعد أحد من المخرجين الشباب من يتذكر قامة فنية كبيرة ومبدعاً من طراز ومكانة برتولد بريخت ومكانته ودوره الجالي والنظري أو التنظيري في السينما.

عندما ولدت السينما قبل أكثر من قرن ونيف من الزمن كانت بدائية بدائية في تقنيتها ومعاصرة في تطلعاتها وطوحاتها . كان عليها أن تبتكر وتختلق كل شيء. منها لكنها سرعات ما تبؤأت الومن ثم اقترضت واستعارت الكثير من مفرداتها الجمالية والفنية من فنون أخرى أقدم منها لكنها سرعات ما تبؤأت القمة وعدت جامعة الفنون وسابعتها . لقد استعارت أشكال تعبيرية مباشرة وغير مباشرة،، بسيطة ومركب، القصص والروايات والمسرحيات والأساطير والملاحم والقصص الخرافية والحكايات الشعبية والحوادث اليومية، القديمة والحديثة، التاريخية والمعاصرة، منها ما قام بوظيفة تدميرية للمعنى المباشرة وحلت محله المعنى المجازي. حطمت، على الصعيد التاريخي والفلسفي والفني، أشكال الإنتاج المألوفة، وآلت إلى إنتاج أشكال جديدة مبتكرة وخلاقة كالحركات والمدارس الفنية مثل المستقبلية والتكعيبية والدادائية والسوريالية، الخ.. وأسهمت بالارتقاء بالتقنيات والأساليب في مجالات التصوير والمونتاج وارتقت بها إلى مصاف وسائل التعبير القائمة بذاتها.

فالسينما بدأت كمجموع لممارسات مختلفة ومتنوعة حتى لو نظرنا إليها من زاوية التنظير البريختي، فمن الضروري النظر للسينما كأنها كل مفتوح من الممارسات والتطبيقات العملية والنظرية المختلفة والتمعن في عالمها ولغتها من خلال آثار سينمائية متميزة وخاصة جداً تتمتع بخيال ومخيلة خلاقة ومتحررة من التابوات، على حد تعبير الروائي والمخرج السينمائي الطليعي ومنظر الرواية الجديدة، آلان روب غرييه الذي كتب سيناريو التحفة السينمائية الخالدة " العام الماضي في مارينباد"، فهو يرفض تقديم صورة الواقع كما هو بل كما يريد له هو أن يكون، لذا نراه يلجأ دوماً إلى تأثير التغريب البريختي حيث لم يعد المشاهد يتخيل نفسه شاهداً غير مرئي متخيل في سياق حالة التماهي والتقمص والاندماج في الوهم المعروض أمامه. فلقد مسلمة السينما التقليدية التي كانت بمثابة تلاقي دائم بين هذا الشاهد، اي المشاهد، والحدث، باختياره صور للواقع. فبريخت ينظر للصورة السينمائية باعتبارها وجود علمي مادي وثائقي موضوعي بوسع أي كان تجريبها وهذا هو ما سحره فيها فدقة الصورة السينمائية بنظره هو مصدر سحرها لكنها دقة ظاهرية . فالجانب الفوتوغرافي للصورة بات سلاحاً رهيباً ضد الحقيقة فبوسع الالة التصويرية أن تكذب تماماً كالآلة الكاتبة وهذا يعتمد على من يقف وراءها أو خلفها.

بعض الفنانين المبدعين كانوا يشكلون حلقة الوصل بين الفنين المسرحي والسينمائي فإما أن يكونوا مسرحيين مهتمين بالسينما أو العكس سينمائيين يهتمون بالمسرح ويتابعون تطوره ونشاطاته ويتعاطون معه بطريقة أو بأخرى كالمخرج السينمائي الراحل المبدع الكبير آلان رينيه الذي كان يرتاد صالات العرض المسرحي بانتظام ويعد بعض المسرحيات للشاشة ويختار ممثليه في أفلامه من مثلي المسرح ويدربهم على العمل أمام الكاميرا السينمائية وهو أسلوب يختلف تماماً عن التمثيل على خشبة المسرح كما هو معلوم. بعض رجال المسرح المشهورين في فرنسا وفي أوروبا وأمريكا تحولوا إلى السينما وأصبحوا من السينمائيين الذين يشار لهم بالبنان مثل مارسيل بانيول وجان كوكتو وساشا غيتري وجان آنوي وأنطونين آرتو ومارسيل آشار وباتريس شيرو وبيتر بروك وبرتولد بريخيت وآنغمار برغمان.

فجان آنوي على سبيل المثال كاتب مسرحي معروف تقدم مسرحياته باستمرار على مدار العام في الكثير من المسارح الفرنسية وقد قام بنفسه بإعداد مسرحيته الشهيرة " مسافر بلا متاع" للشاشة الفضية سنة 1952 وكتب السيناريو لكن الفيلم لقي نكسة تجارية رغم مستواه الفني الرفيع وفشل فشلاً ذريعاً جماهيرياً، كما كتب حوار فيلم كريستيان جاك " Dégourdis de la onzième سنة 1936، وحوار فيلم ريشار بوتييه " كارولين العزيزة" سنة 1950، وكان حاضراً بقوة في فيلم المخرج جان غرميون الأقدام البيضاء" سنة 1948 وكان قد كتب سيناريو وحوار فيلم مارسيل دوفيفييه " آنا كارنين، كما أعد مسرحيته الشهيرة " بيكيت" للشاشة ومثل البطولة في الفيلم النجمان الشهير ريتشارد بيرتون وبيتر أوتول وإخراج بيتر غلينفيل . يقول الفنان العبقري الغريب الأطوار أنطونان آرتو عن السينما، التي مثل فيها دور البطولة في فيلم " آلام جان دارك" إخراج كارل دراير، " أنها تغتال فينا الانعكاسات والتأملات"، وكان يعشق أفلام ماكس براذر، كما عبر صاحب مسرح القسوة بالقول أن شعر وفعالية وكفاءة المسرح لا تنفذ و لا تستهلك بسرعة و لا تستنفذ لأنها تتقبل الفعل المتحرك المنفعل والفارض لنفسه ولا يعيد تكرار نفسه مطلقاً، المسرح بمثابة آلة علاج الوخز بالأبر الصينية للروح البشرية فهو، أي المسرح، لايستسلم للسرد لكي يتدخل في صميم اللحظة المسرحية لكي يفجرها ويبعثرها كما هي الرمانة الناضجة، في حين أن السينما لا تتدخل على هذه الشاكلة بل تتكشف فحسب ". لا يوجد من وجهة نظر صاحب كتاب المسرح وقرينه، فيلم يكون مصدراً للنار أو الطاعون الذي يحلم به آرتو كما عبر عنه في نظريته عن مسرح القسوة . وكلنا يتذكر الجدل الذي أثاره في أوساط اليسار الأثر الفني الملتزم الذي قدمه فيرناردو سولاناس تحت عنوان" ساعة الأفران" والاستخدام العنيد للاقتباس الأحادي لــ " المتفرج الجبان" و لا يمكنه مس المعنيين المتماهين مع الممثلين ويوجهون انتقامهم لشخص ثالث كأن يكون جاراً أو أحد المارة، ويقيمون للشهداء نصباً متخيلاً أو خيالياً كما هو الحال مع تجشؤات غودار الذي يتمتع بتمسح أو تملق متفرجين زبائن متواطئين مسبقاً أو مشاركة عملاء مكسوبين لصفه سلفاً . ومهما كانت صيغ آرتو خصبة في إطار مقاربات جديدة لتقنيات الإخراج فإن صيغ آرتو كالتداخلات غير المبرهنة التي تحمل شكوى مماثلة من عدم القدرة على الهروب من دائرة ضيقة من الهواة فلا يمكن للأبوكاليبس ـ أو نهاية العالم ـ أن ينقسم على نفسه أو ينشطر لأنه ذو مصير واحد مشترك للجميع.

صموئيل بيكيت كان فنان وكاتب مسرح بامتياز لكنه مع ذلك لم يفلت من مصيدة السينما فلقد تمت أفلمة مسرحيته في إنتظار غودو الشهيرة ومسرحية " كوميديا" حيث حولها المنتج والموزع والمخرج التجريبي ماران كارميتز إلى فيلم روائي متوسط الطول مكتفياً بنصب كاميرا سينمائية أمام الممثلين المدفونين في جرار حجرية ولا نرى سوى رؤوسهم . وبيكيت هو مخرج الأثر السينمائي الوحيد في حياته تحت عنوان " فيلم" والذي كان بمثابة آخر ظهور للمثل الشهير باستر كيتون. وهو فيلم سينمائي قصير وصامت. حيث صور بيكيت وجه باستر كيتون الشاحب الخرب والمثير للشفقة في فضاء أو مكان فارغ مقفر ومهجور في نيويورك، قبل أن يتوفى الممثل بفترة قصيرة . كما صورت مسرحيات بيكيت مثل " آه ايتها الأيام الجميلة " . أما المخرج السينمائي الفرنسي مارسيل بلووال فقد حقق عملاً سينمائياً أصيلاً عن نص لبيكيت بعنوان " كل هؤلاء الذين يسقطون" سنة 1957.

وبعكس ذلك كان المخرج السينمائي والمسرحي السويدي آنغمار بيرغمان، فهو سينمائي محض لكنه يعشق المسرح وقام بإخراج عدة مسرحيات وأخرج أوبرا موزارت " الناي السحري" سينمائياً وفي داخل الفيلم هناك إخراج لمسرحية أو استعمالات لمشاهد مسرحية . وهناك فضاءات مصغرة أو نماذج مصغرة لماكيتات مسرحية في فيلم " ساعة الذئب" أستخدمت كمكان لاستعادة الطفولة، مسرح الظل والضوء وهو عبارة عن تداخل للتواصل الشمولي ورحلات الذات المنطوية . وغالباً ما يشير آنغمار برغمان في أفلامه لممثل المسرح المأخوذ على انفراد أو كعضو في فرقة . وكان فيلم " الختم السابع" بمثابة إشارة مهووسة تقريباً للإمساك بهذا العالم على حافة الكون للحد من قساوته بما هو مليء بالمرض والجنون والوحدة والموت يعرض خلاله الشفافية في صورة القطع المكافيء واستعادة الصفاء في فضاء اللعب. وهي الصورة المثالية التي تخيم على هذه المحاكاة التي ينزلق فيها الممثلون في فيلم " ٌالشعيرة Rite" في سجن التبعية المتبادلة وفضاعة الشعور بالذنب التي لا يمكن طردها كما يطرد الشيطان في التعويذة، إلا من خلال ممارسته وتطبيقاته الإخراجية ومنهجيته الملموسة في أفلام " المرآة" و " برسونا" وإحكام الارتباط الصريح والجلي بين الكوميديا والمرض وانفصام الشخصية "الشكيزوفرينيا" وهي ممارسة صعبة ومعقدة تقع على عاتق الممثل البيرغماني وفي كل الأحوال المقصود من ذلك هو الممثل المسرحي تحديداً أو ممثلي المسرح كما لو أن التمثيل على الشاشة ليس سوى انحراف أو اشتقاق أو مشهد ثانوي، أو الزمن اللاحق حيث تسجل الكاميرا التمزق الحاد أو المسيل الدقيق للدموع .

هناك اختلاف بين الدراما المسرحية والدراما السينمائية ويكمن الاختلاف في وجهة النظر والمقاربة وزواية التناول، فلدى السينما قدرة بصرية متحركة بينما هي ثابتة في المسرح، وبالتالي لديها إمكانية أوسع على السرد. المتلقي يشاهد المسرح بالطريقة التي يريدها بينما يرى الفيلم بالطريقة التي يرغب السينمائي أن نرى فيلمه عبرها. الممثل المسرحي يعبر عن نفسه بصوته بينما في السينما نراه يعبر عن خوالجه بوجهه، فعلى الوه أن يكون معبراً ومقنعاً في تعبيراته خاصة في اللقطات الكبيرة والمقربة جداً. وحدة السرد الدرامي في المسرح هي المشهد في حين تكون اللقطة عموماً هي وحدة السرد الدرامي في السينما. ولقد استوعب منظرو المسرح ومنظرو السينما طبيعة الاختلاف ونقاط الالتقاء والاشتراك.وعلى رأسهم أنطونان آرتو الفرنسي الغريب الأطوار الذي كان له تأثير قوي في المجال التنظيري وطرح مفاهيم مسرحية خاصة بشأن التفاعل بين الجمهور والممثلين على خشبة المسرح حيث ثبت نظريته في كتاب المسرح وقرينه وعرف مسرحه بمسرح القسوة، الذي يحتم وجود علاقة حميمية وحيوية تفاعلية بين الممثل والمتفرج إلى درجة تحويل المتفرج إلى ممثل ومشارك في الفعل المسرحي، وهو الأمر المستحيل في السينما.

لقد ذكر آرتو بضرورة إلغاء المسافة الفاصلة بين خشبة المسرح وقاعة الجمهور وجعلها وكأنها فضاء واحد بدون أي حاجز أو فاصل يدور فوقه الحدث الدرامي . يدعو آرتو إى هز المتفرج ومهاجمته أو مواجهته من خلال وسائل التعبير المسرحي. وتوظيف كل ما يحتل خشبة العرض وكل ما يتم التعبير عنه مادياً ويكون موجهاً لحواس المتلقي وليس فقط ذهنه، أي عدم الاكتفاء بالكلمات والحوار بل اللجوء الى الموسيقى والرقص والسينوغرافيا والفنون الحركية الجمالية والبانتوميم والمحاكاة والإيماءات والإلقاء والديكور والعمارة والإضاءة والأوان والأصوات. نلاحظ في هذا الطرح هو الدعوة من منظر مسرحي للغة جديدة متأثرة بلغة السينما سيما بخصوص الحركة الجمالية واقحام الفنون الأخرى في العرض المسرحي .

المبدع والمنظر برتولد بريخت

اشتهر بيرتولد بريخيت بأنه من أعظم منظري المسرح البديل والمسرح الملتزم وبنظريته في التغريب المسرحي في ألمانيا والعالم برمته، ومعروف أن نظريته عن المسرح الملحمي أكثر تعقيداً وأكثر عمقاً وثقافة من نظرية أنطونان آرتو في نظرية مسرح القسوة. بريخت من مواليد القرن التاسع عشر 1898 وتوفي في منتصف القرن العشرين 1956، أي إنه عاصر إكتشاف السينما منذ أيامها الأولى وبالتالي من غير المنطقي ألا يهتم بهذا الفن الذي يمس ويصل إلى أوسع عدد ممكن من المشاهدين وله تأثير كبير جداً على حشود هائلة من المتفرجين، أوسع بكثير من حدود صالات العرض المسرحي الصغيرة والمحدودة في برلين التي تعرض فيها مسرحياته وهناك قصص متداولة عن ارتباطاته بصناعة السينما وعلاقته بأساطينها وسيناريوهاته غير المنفذة وما واجهته من احتقار وإهمال بسبب طروحاتها السياسية الملتزمة. في عام 1928 كان نجاح نصه " أوبرا القروش الأربعة قد لفت أنظار منتجي شركة نيرو فيلم. وسبق لبرتولد بريخت أن كتب أو ساهم في كتابة عشرات السيناريوهات التي لم تخرج للسينما ولم يفلح هو بإخراج أي منها مثل "صاقل الجوهرة"، و" والدة بحارة العالم" و " الأم " وغيرها. إلا أن أوبرا القروش الأربعة قد وفرت له أول فرصة حقيقية للولوج إلى عالم السينما وقد أعرب عن ذلك أصحاب شركة الإنتاج نيرو فيلم بالقول" وجدنا في هذا المشروع فرصة لكسب المال وصنع فيلم جيد في نفس الوقت". ولقد أعطي لبريخت في العقد الموقع معه حق التدخل وإلقاء نظرة على عملية الإعداد السينمائي لنصه لكن النتيجة التي قدمها بريخت لإعداد نصه سينمائياً لم تعجب الجهة المنتجة فرفضت عمله وأقصته عنه فأقام بريخت دعوى قضائية ضد الشركة خسر بريخت وربح المنتج الدعوة لكن القضية أحدثت ضجة كبيرة في الأوساط الفنية وحاول بريخت نقل الموضوع للنقاش العام وإشراك الجماهير وتوسيع النقد ليطال طبيعة الإنتاج الرأسمالي الضخم ونظام النجوم ونقد المؤسسة الصناعية السينمائية برمتها والتركيز على حقوق المؤلف . تلقى فيلم المخرج بابست الانتقادات والهجمات السياسية وامتصها باسم الحنين إلى أساليب الماضي في معالجة المواضيع وتقديم المجرمين على نحو مثالي، مع الاحتفاظ بالقيمة الفنية العالية للمعالجة السينمائية والنوعية الراقية في لغته الإخراجية وهو إعداد حر عن نص بريختي . في عام 1931 صور المخرج سلاتان دوداو فيلم " بطون مثلجة " عن سيناريو لبرتولد بريخت حيث تدفع مأساة البطالة عاملاً شاباً للانتحار وعائلته المطرودة من مسكنها بالقرب من برلين لتعيش في مخيم بائس من القماش ومن خلاله يعرض بريخت دعاية الحزب الشيوعي الألماني ودحضه وإدانته للفقر ودعوته للعدالة الاجتماعية والتضامن المجتمعي والمدعوم بالأغنية السياسية النضالية التحريضية التي أداها هانس آيسلر للمزيد من التأثير النفسي على المتلقي، ولقد منعت الرقابة عرض الفيلم خوفاً من محتواه السياسي . وهذا هو الفيلم الوحيد الذي نال رضا وموافقة بريخت خلال منفاه السياسي في أمريكا لكنه لم يتوج بالنجاح الجماهيري المأمول منه . ولم يفلح بريخت في إنجاز عشرات السيناريوهات والنصوص و والقصص التي قدمها لصناعة السينما بسبب رؤيته المسرحية الضيقة للغة السينمائية التي توسلها . لقد تعاون برتولد بريخت مع المخرج الألماني العظيم المنفي هو الآخر في أمريكا فريتز لانغ في فيلم " الجلادون يموتون أيضاً" سنة 1942 لكن التعاون توقف في مرحلة السيناريو وطلب بريخت أن يسحب أسمه من عناوين الفيلم . ولم تنجح حتى ألمانيا الديموقراطية الاشتراكية أن توفر لبريخت السبل والإمكانات اللازمة لتحويل آثاره المسرحية إلى أعمال سينمائية ناجحة ومقبولة، أي لم تساهم في خلق سينما يريختية على غرار المسرح البريختي الشهير، فالسينما عصية على التلائم والتوائم والتوافق والتأقلم مع الرؤية الجمالية البريشتية، ومفهوم التغريب المسرحي يصعب تطبيقه سينمائياً في ذلك الوقت قبل ظهور المدارس السينمائية الحديثة الجريئة التي كسرت حاجز التقمص والتماهي بين الجهور والعرض وطبقت مفهوم التغريب البريخيتي سينمائياً كما شاهدنا ذلك في أفلام غودار أحد أشهر أعمدة مدرسة الموجة الجديدة الفرنسية، وتجاوز وهم الواقع الملتصق بالسينما التقليدية. فلكي تكون بريخيتاً في السينما ينبغي أن تفهم فكره وتفكيره ومفاهيمه ورؤيته المسرحية أكثر مما هو التعرف على تجربته السينمائية الفاشلة.

يلتقي بريخت بآرتو في مجال خلق علاقة بين الممثل والمتفرج ولكن باعتبارها علاقة جدلية إذ لم يعد مطلوباً من المتفرج أن يصدق الإيهام في أن مايراه على الخشبة هو حدث حقيقي، ومن هنا يتحول المتفرج الى مراقب ومشارك مما يحث ويحرض ويوقظ قدرة التلقي عنده ويدفعه الى الفعل والمشاركة واتخاذ القرارات. وهذا هو ما عرف بتأثير الاغتراب أو التغريب والهدف كما يقول بريخت" جعل البعد الاجتماعي لكل حدث بعداً غريباً عن الحدث ذاته. وهذا البعد الاجتماعي هو التعبير بمختلف الوسائل لمحاكاة العلاقات الاجتماعية السائدة بين الناس ". ويعتقد بريخت أن ما طرحه يتجاوز كونه مجرد نظرية في الدراما فبالإمكان تطبيق مبدأ التغريب في عدة فنون ومن بينها السينما من هنا نستطيع القول أن لبريخت تأثير كبير ومهم على تطور نظرية السينما والأساليب الإخراجي السينمائية الحديثة.

المبدع المسرحي بيتر بروك نموذج آخر لهذه العلاقة المعقدة بين المسرح والسينما، وهو من مواليد 1925 وما يزال على قيد الحياة ومستمر في عطائه المسرحي المذهل خاصة ملحمة رامايانا" المهابهاراتا".قدم بروك في سن السابعة عشر فاوست لمارلو وفي سن العشرين قدم نص" الآلة الجهنمية" لكوكتو، لكنه اشتهر بمعالجاته المسرحية المتميزة لمسرحيات شكسبير "روميو وجوليت" سنة 1947 و "حساب مقابل حساب" سنة 1978 وهو من المعجبين المتيمين بأنطونان آرتو الذي سعى للكشف عن مكامن العنف الخفية مقابل العطف والرقة الإنسانية الشكسبيرية وعبر كافة تجاربه السينمائية القليلة نعثر على نفس التوتر والحدة والضغط حيث هي السمة الطاغية في عالم آرتو.

في عام 1952 كرس أول أفلامه لأوبرا المتسولين وهو نص أليزابيثي استلهم منه بريخت مسرحيته "أوبرا القروش الأربعة" ولكن بعيداً عن إشكالية المسرح المؤفلم و أفلت من سجن نفسه داخل مفرداته الجمالية، فلقد نوع بيتر بروك مقارباته الإخراجية. وفي عام 1960 تجرأ بيتر بروك في تقديم معالجة سينمائية لنص الروائية الفرنسية مارغريت دوراس التي تحولت هي الأخرى إلى الإخراج السينمائي فيما بعد، وهو نص رواية "موديراتو كانتابيل" الجميل والصعب جداً والذي يتحدث عن لقاء عابر مع سيدة برجوازية مدمنة على الخمر مع شخص مجهول في إحدى البارات الفرنسية، وقدم فيه تجربة إخراجية سينمائية متميزة وفريدة من نوعها حتى في طريقة أداء الممثلين النجمين الفرنسيين جان مورو وجان بول بلموندو . وفي عام 1963 نقل إلى الشاشة الفضية نصاً روائياً آخر لوليام غولدين تحت عنوان" سيد الذباب" ويتحدث عن مجموعة من المراهقين الذين وجدوا أنفسهم سجناء في جزيرة معزولة ومحاولتهم خلق مجتمع بدائي ينظمون حياتهم داخله. وهو المعادل السينمائي لمسرح القسوة الذي بوسعنا تسميته سينما القسوة.

وفي سنة 1966 أخرج بروك فيلم "مارات سادو" وفي السنة التالية كرس فيلماً لحرب فيتنام تحت عنوان " اروي لي الأكاذيب"، وفي سنة 1969 تطرق بيتر بروك لمسرح شكسبير سينمائياً مع إخراجه لفيلم " الملك لير" . ولقد غادر بيتر بروك إنجلترا نهائياً واستقر في باريس وواصل عمله المسرحي حتى يوم الناس هذا، لكنه أخرج أروع فيلم فكري في حياته وهو " لقاء مع أناس متميزين" عن نص لمعلم روحاني فرنسي متصوف هو غورجييف Gurdjieff وهو عن لقاءاته مع أقطاب الفكر الصوفي وعرض حياتهم الخارجة عن المألوف.

جان كوكتو الفنان الأسطوري الذي أبدع في كافة الميادين نموذج آخر، فهو شاعر مجدد وروائي وكاتب مسرحي ومخرج سينمائي متذوق لأساليب الإبداع السري تحت الأرض وأساليب الطليعة وطرف في الصراع والتنافس مع أقطاب السوريالية، حتى إنه ترك بصماته على جيل كامل من المخرجين الشباب في فرنسا وأوروبا، من أمثال آدولف آرييتا وبنوا جاكو وكلود ميللر وغيرهم. أثناء عرض مسرحيته " الآباء الرهيبين" اتخذ ركناً قصيا وصار يراقب كل شيء وكأنه ينظر لها من خلال عدسة كاميرا، لذلك وافق متحمساً لإعدادها للشاشة محافظاً على نصه بالكامل دون تعديل أو حذف أو إضافة ما جعل النقاد يتهجمون عليه فرد عليهم " ماتشاهدونه لا يتعدى كونه مسرح مؤفلم وليس سينما خالصة حيث سجلت الكاميرا الثابتة تظافر المكان والزمان المسرحيين كعين شاهدة متلصصة على مشهد مغلق في دائرة مغلقة ولم تقم سوى بتضخيم الحدث سيكولوجياً من خلال التركيز على سايكولوجية الشخصيات حيث دور البطولة الأول هو للديكور". ولقد قام كوكتو بمحاولات سينمائية جريئة غدت من كلاسيكيات السينما الشعرية مثل " دم الشاعر" و" أورفيه" و "الحسناء والوحش".

مارغريت دوراس ـ وتلفظ دوار بالنطق الفرنسي ـ والتي كرست لها أطروحة دكتوراه دولة تحت عنوان " البنيات السردية في آثار مارغريت دورا السينمائية والأدبية والمسرحية"، هي مبدعة متعدد المواهب وهي شخصية فذة ومتميزة وقوية جداً في سلوكها وعلاقاتها وثقافتها الواسعة وامتلاكها لموهبة الكتابة والسيطرة على التعبير الأدبي وهي من رواد الرواية الجديدة في فرنسا ولها سينما خاصة بها معروفة بسينما دوارس التي تمزج النص بالصورة والحركة بالسكون والصمت بالضوضاء والنور بالظلام والموسيقى بالمؤثرات الصوتية. كان أول عهدها بالسينما هو كتابتها لسيناريو التحفة الفنية السينمائية " هيروشيما حبيبتي" الذي أعدته عن رواية لها بنفس العنوان للمخرج الفرنسي الكبير الراحل آلان رينيه وفيه الكثير من التجريب في أساليب الإخراج والتصوير كتحفة سينمائية من تحف مدرسة الموجة الجديدة .وهناك تجربة نص " أيام بأكملها فوق الأشجار" الذي كان في البداية قصة قصيرة ثم حولته دوراس إلى مسرحية، ومن ثم إلى فيلم سينمائي. أعدت رواية " سد ضد الباسفيك" للمسرح دون أن تغفل جمالية الإخراج السينمائي داخل المسرح، وهي تكرر في كافة أعمالها ثيمات من حياتها الشخصية عن الحب والمنفى والألم والجنس والماضي الاستعماري الفرنسي في الهند الصينية. تمكن آلان رينيه من اقتحام موهبة وعالم دوراس الأدبي ونقل المعادل السينمائي لروايتها " هيروشيما حبيبتي مما أدهشها وهي التي من الصعب أن يعجبها أو يرضيها شيء. فقد نجح في أن يسرب نصاً كاملاً وحواراً برمته في مشاهده محافظاً على نص دوراس كما هو دون أن يخلق حالة من الملل في سياق بحثه عن السينما الجديدة في نهاية خمسينات القرن الماضي. وفي فيلم " الشاحنة" كرست دوارس أسطورتها من خلال مونولغ ــ حوار مع الذات ــ أداه النجم الفرنسي جيرار ديبارديو ببراعة منقطعة النظير حيث ارتقى بقوة اللغة والكلمات والجمل الشعرية إلى حد التسامي، ولكن هل يمكننا أن نقول أن " الشاحنة" ليس سوى مسرح مؤفلم؟. سينما دوراس تحتاج لكتاب تنظيري بأكمله لفهم واحتواء وتأطير لغتها الإخراجية الفريدة والخاصة بها فمن لقطة واحد يمكننا أن نكتشف أن ما نراه هو سينما مارغريت دوراس، وسوف نكتب عن ذلك لاحقاً.

آريان موشكين رئيسة فرقة مسرح الشمس هي إبنة منتج سينمائي مهم لكنها أمضت عشر سنوات في المسرح قبل أن تلج إلى عالم السينما في فيلمها الأول " موليير" متأثرة بالمخرج الإيطالي روسيلليني .

لورنس أوليفييه ممثل ومخرج سينمائي بريطاني اشتهر في هوليود أيضاً ومارس الإخراج والتمثيل السينمائي بكفاءة عالية واتقان مذهل. عرف عنه أنه أفضل من تعامل مع نصوص شكسبير فأخرج ومثل في "عطيل" و "الملك لير " و " هاملت" و" هنري الرابع " و " ريشار الثالث " وكذلك مثل في العشرات من الأفلام السينمائية أشهرها " سبارتاكوس" لستانلي كوبريك و " بوني ليك المفقود" و" ماراتون مان" وعشرات غيرها. لكنه يبقى من أقطاب عالم المسرح الشكسبيري وتحويله إلى السينما ومقولته الشهيرة تتردد في رؤوس متابعيه وتلامذته" عندما نحول شكسبير للسينما فلن يبق شكسبير كما هو، أي شكسبير الذي نعرفه، ولا الفيلم المأخوذ عن مسرحيته فيلما بمعنى الكلمة كغيره من الأفلام" فهناك سحر شكسبيري يحوم دوماً فوق المسرح والسينما كلما اقتربنا من النص الشكسبيري.

يقول المثل أن المسرح يبتكر الزمن والسينما توظفه. وبين صالات المسرح وصالات العرض السينمائي هناك مجانسة ولكن بدون تشابه أو تماثل بل بعض التشابه الجزئي الذي بالكاد يطفو للعيان بين الفنين فهما من حيث جوهرهما وطبيعيتهما وطريقة أو نظام الإدراك فيهما والذي يميزهما عن بعض ويوسم كلاً منهما بطابعه، يجعلهما مختلفان ومكملان بعضهما للبعض الآخر. أفضل من استوعب هذه المعادلة الصعبة بين الفنين هو المبدع الأسطوري أرسون ويلز. فهو رجل مسرح بامتياز وعملاق سينمائي لا يدانيه أحد ومجدد في كلا العالمين. فهو مدرسة بذاته. أرسون ويلز أكبر من أن يسجنه النص الشكسبيري سواء في المسرح أو السينما فهو يصمم بنية خاصة به كالحلم في أي فيلم يعده عن مسرحية لشكسبير مع احترام لكلمات وجمل شكسبير كما لمسنا في " التعطش للشر " و " ماكبث" و " عطيل" و " هنري الرابع" و " فالستاف"، فالنص الشكسبيري يتكيف داخل تلافيف النسيج الحلمي الفيلمي لويلز ويتخذ قالبه وهيكيليته وتصميمه دون أن يتقولب كلياً بحدوده، وأرسون ويلز خبير بشكسبير وعالمه، فهو قادر على أن يحول نصاً بوليسياً مبتذلاً إلى إبداع ذو جاذبية شكسبيرية.

عودة لبريخت

أهم مايميز جماليات بريخت ونظريته الملحمية في المسرح والسينما هو مفهوم التغريبdistanciation، وهو أسلوب تجريبي طبق بنجاح في مسرح بريخت وجرت محاولات لتطبيقه على أفلام مستوحاة من نصوص لبريخت أو تجارب سينمائية قام بها بريخت نفسه في هوليود وفي ألمانيا بعد عودته من منفاه، بعد أن حاول التعاون مع مخرجين ألمان مثل فريتز لانغ وغيره وباءت بالفشل.

لقد كان اقتباس مصطلح (التجريبي) في مجال نظرية الفيلم بالمعني الجمالي المستخدم في الفن والعلوم الإنسانية اقتباساً موفقاً وصحيحاً. ونعود الي القول ان هذه الطريقة (المغامرة) في البحث والتجديد كانت الأساس والأصل لبعض الآثار الفنية في السينما التي تعد من أفضل ما أنتج في تاريخ السينما، كالمواطن كين، الذي قال عنه مخرجه ارسون ويلز (لم اعمل متعمداً او قاصداً الابتكار والاختلاق والارتجال لأية إضافة او أي شيء آخر،بل كنت أقول لنفسي، ولماذا لا اجرب ولنري فيما بعد كيف تكون النتيجة. فالجهل بقواعد وأصول المهنة التقليدية كان له الأثر الكبير في عملية التجديد النهائية التي طرأت علي الفيلم وأكسبته حلته الإبداعية النهائية فهذا ما جلبته لفيلم المواطن كين،أي الجهل الذي صار إبداعاً عن طريق التجريب.

وبعد هذا المدخل يطرح السؤال ما هي السينما التجريبية   وما علاقتها بسينما برخت؟.

وبعد مرور خمسين عاماً علي هذا الكلام سوف نجد نفس هذا الطرح تقريباً في النصوص النظرية للفنان السينمائي السوفيتي دزيغا فيرتوف حيث يقول (طريقة السينما – عين،هي طريقة الدراسة العلمية التجريبية للعالم المرئي) كتب ذلك في عام 1929،وبهذا أصبحت كلمة تجريبي مرادفة للجديد وا لطليعي.

وبذلك يكون الروائي قد لبس بلوزة الجراح البيضاء وبزة عالم الاحياء وتحول قلمه الي مبضع للتشريح ولكن ليس بهدف الدخول للمختبر وتشريح (الرواية) بل لخلق معركة وإثارة الجدل والنقاش في الأوساط الأدبية والفنية، وكانت سابقة اولي وجريئة حين قال (ينبغي لكم جميعاً ان تتقبلوا أدبنا الطبيعي جيداً، وهو بالضبط الإدارة الحية للحل العلمي الجديد الذي اوجده العصر، فكل واحد يقف مع العلم والي جانبه يجب ان يكون معنا فالرواية الشابة، رواية المستقبل،وهي الرواية التجريبية. واذا كنا مرغمين علي ترديد هذه النغمة، أي الرومانتيكية، فان أولادنا سيتخلصون منها ويهجرونها وآمل ان ينجحوا في ذلك).

هناك معياران أساسيان، الأول يرجع الي ظروف وشروط وطرق هذا النوع من السينما والثاني للمكانة والأهمية التي تحتلها المشاغل والاهتمامات الشكلية والأسلوبية بما فيها المضامين الفيلمية التي تعد بحد ذاتها جزءاً من الشكل الجمالي لهذه السينما.

انها سينما البحث، سينما متقدمة، سابقة لعصرها، وسابقة لأوانها، وهي سينما الاستكشاف. والسؤال الثاني هو: ماهي المعايير (ان وجدت) التي تعرفها وتحددها وتميزها عن غيرها؟

ان الشخص الذي كان له فضل الريادة في نقل مصطلح (التجريبي) من قوقعته المختبرية في مجال العلوم الطبيعية الي مجال علم الجمال في العلوم الإنسانية وهو اميل زولا فهو الذي جمع عام 1880 عدة نصوص نظرية بشأن الرواية في المستقبل وطبق أول طريقة في التجريب واستخدم الكلمة -المفتاح- التي سبق لكلود بيرنارد ان استخدمها ولكنها مطبقة هذه المرة علي ظواهر ليست طبيعية بل فنية وذلك في كتابة (الرواية التجريبية).

اذا كانت كلمة التجريب تعني البحث وفتح طرق جديدة للإبداع والتعبير الفني فان المجرب محكوم ببعض العزلة والانسحاب عن الأنظمة والمؤسسات الموجودة والمهيمنة علي عجلة الإنتاج التجاري الشائع. أي لا يعنيه مبدأ الربح والمردودية، كما انه لا يشكل حافزاً له، وليس له أية قيمة بنظر المجرب السينمائي بشكل خاص فهو لا يقيد عملية الإبداع لديه بالمردودية المادية ولا الربح بأي شكل من الأشكال. لذا فان الفنان السينمائي التجريبي مرغم علي العمل ضمن ظروف بالغة الخصوصية والصعوبة فعليه ان يعمل ويبدع بالاعتماد علي منحة من احد المحسنين كما حصل مع فيلم مان راي وعنوانه (سر القصر) او مع فيلم (دم الشاعر) لجان كوكتو. او ان يعمل عن طريق جمعية سينمائية او ثقافية تهتم بهذا النوع من السينما كما في الولايات المتحدة الامريكية اذ تتكفل هي بتمويل هذا النوع من السينما عن طريق جمع اشتراكات الأعضاء والتبرعات او الحصول علي مساعدات من مجلس الفنون في كندا علي سبيل المثال. كما يعتمد السينمائي التجريبي علي مصادره الخاصة وقواه الذاتية، فهو لا يصنع افلاماً بهدف البيع والاتجار بل لأجل الابداع نفسه. وتحقيق متعة الخلق للذات المبدعة إشباعاً لرغبة فنية. و لا يقدم الفيلم للجمهور الواسع –تلك الخرافة التي تربض على أنفاس السينما التجارية وتقيدها- بل لجمهور خاص،نخبة مثقفة ومطلعة.

لو استعرنا الوظائف الست الشهيرة للغة كما عرضها عالم اللغويات الشهير رومان جاكبسون و امكننا تطبيقها علي السينما ستكون ثمينة جداً للمنهج المقترح في هذه المقدمة النظرية للسينما التجريبية التي تعتبر سينما بريخت إحدى تجسيداتها.

انطلق جاكوبسون من الاتصال اللفظي في ابسط انواعه لوضع هذه الوظائف الست للغة. اولاً المرسل –بكسر السين- او الموجه –بكسر الجيم- او الموجه إليه –بفتح الجيم- والذي يوجه إليه (الرسالة) عبر نظام يشير إلي ظرف او مرجع يتناسب كل واحد من هذه العناصر الستة للاتصال مع وظيفة لغوية – ألسنية خاصة.

فوظيفة (الاتصال) توصل علي سبيل المثال الي وظيفة نطقية (Phone tique) لفظية، أي بمعني اصح الكلام،والذي هوليس سوي الجهد او السعي الي إنشاء او خلق الاتصال والحفاظ عليه مع (الظرف) ووظيفة المرجع او المستند تعني إظهار او تعيين شيء ما خارج (الرسالة) و للرسالة وظيفة (شعرية) أي ان غاية (الرسالة) هي تحقيق بعد نرجسي في جذب الأنظار للذات،للظاهر والبنية.

ولو طبقنا هذا المنهج وهذه التصنيفات علي اللغة السينمائية نفسها لأمكننا تعريف الفيلم التجريبي بأنه: (الفيلم الذي تسيطر عليه او تغلب عليه بشكل واسع الوظيفة الكلامية او اللفظية ذات النظام المرجعي).

ان اهمية الوظيفة الكلامية – اللفظية او ارجاعها الي موقع خلفي، يعني في الوقت نفسه، عدم الاهتمام بالقيم والقواعد الطبيعية الموضوعة والمتعارف عليها في عمل (الاتصال) الجيد دون نفي هذا الاتصال،حيث يبقي قائماً. أي القبول بما قدمه جان لوك غودار مثلاً في أفلامه الأولي بفيلم ذي شريط صوتي غير مسموع بصورة جيدة غير مصنوع ضمن القواعد الحرفية المتقنة. وان أسباب هذا (النقص) وعدم جودة الصوت راجع الي دوافع مختلفة – غير فقر التقنية وقلة الإمكانيات، كالتعمد في خلق حالة من الاستفزاز للمتفرج، او منع المتفرج من الولوج في عملية التقمص والاندماج بخلق حالة من التبعيد او التغريب البريختي، اوالرغبة في خلق نوع من البلبلة واللغط اليومي السائد في مدن العالم الصناعي الصاخبة التي تمنع الانسان من الاستماع الجيد والمفهوم، حيث يمكن ان يخرق صمت الريف الكسول بضوضاء محرك طائرة تمر من هناك اومحرك سيارة منطلقة بسرعة جنونية اواطلاق مدفع –و هذا ماحدث فعلا في بعض افلام غودار- او ان يكون ذلك ناتجاً عن الرغبة في اسماع ضوضاء طاولة المونتاج غيرالمحتملة. نجد هذه الظاهرة نفسها في افلام تقليدية سياسية كفيلم (اليز اوالحياة الحلوة) لميشيل دراش المعد عن رواية كليرابتشيرلي.

فالسوء المتعمد هنا في تسجيل الصوت كان لغاية سياسية وليس المقصود سماع الضوضاء بل الاستماع الي صرخة.

اذاً،الفعل السينمائي التجريبي ليس مقيدا ًبعامل الاتقان الحرفي. فالاثر السينمائي المعاصر يهتم اولاً وقبل كل شيء ببعده الشكلي الخاص به وفق رؤية ورغبة مبدعة وليس بانتاج واعادة انتاج المعني وتدوين الواقع. هناك افلام تجريبية تساعد علي طرح المشكلات والتساؤلات ومعالجة المعضلات النظرية في اللغة السينمائية كفيلم (الليلة الصافية) لمارسيل حنون، الذي تثير مشاهدته سؤالاً بشأن موضع ومكانة الكاميرا بالنسبة للمرئي او المعبر عنه او الممثل بالصورة داخلها وخارجها، وفيما وراء الواقع الحي المسجل في الصورة المعروضة أي ان الفيلم يجد حقيقته في الخيال الذي يبتكره.

فالنص عبارة عن تساؤل،والاتصال او (التواصل) المضموني ليس فعلاً ثانوياً ونسبياً كما يجب ان يكون عليه مبدئياً،بالنسبة للمشاهد السينمائي، الذي جاء في الظلام يبحث عن (رسالة) او (هدف) واضح ومريح لتفكيره وبسيط علي استيعابه دون بذل أي جهد،بينما يجد هذا المشاهد نفسه ازاء سينما تجريبية غريبة عليه، وفي مواجهة نص فيلمي صعب وغير واضح، حيث اللامعني واللامضمون يشكلان مفاهيم عسيرة علي الفهم،علي فهمه هو كمتفرج تقليدي. وهذه المفاهيم الصعبة ليست سوي تساؤلاته هو عن معني وجوده في هذا التيه. ثم تأتي بعد ذلك تأثيرات و مدرب مسبقاً قبل فعل المشاهدة والتفاعل،مشاهد مقاتل متحد، لا ينتظر تسلم (رسالة) جاهزة من (آخر) وبصورة سلبية استسلامية، وبدون ان يتوقع تسلم (رسالة مضمونية).

علاقة المشهد الخاص بالفيلم التجريبي – وهذا شرط لخلق التفاعل- علاقة عشق ورغبة وتعلق وهيام.

التغريب نمط جمالي ذو بعد فكري وفلسفي وعلاقة معقدة مع الواقع و وهم الواقع . وبما أن السينما في تعريفها المباشر والبسيط هي فن عرض الواقع وإعادة صياغته، لذا احتل التغريب موقعا مهماً متميزاً في جماليات المسرح الملحمي وفي السينما المعاصرة. فبريخت والسينما مرتبطان بالرغم من تفاصيل وتعقيدا علاقتهما، فلقد اهتم بريخت الشاب مبكرا بهذا الفن وأولاه عناية معرفية وتقنية وفكرية وجمالية وتنظيرية فريدة وكان حريصاً على الاطلاع والتدخل في عمليات الإعداد السينمائي لنصوصه ومسرحياته وسيناريوهاته التي كتبها مباشرة للسينما وتعامل مع المخرج آرتورو يوي Arturo Ui و كوهل فامب KuhleWampe و بابست Pabst ولانغ Lang.

لقد قادته تجاربه السينمائية الى صياغة تأملات نظرية وتنظيرات جمالية واجتماعية في غاية الأهمية للسينما صارت تدرس في المعاهد والكليات السينمائية العالمية.فالسينما كانت مهمة لبريخت بقدر أهمية بريخت للسينما إن لم يكن أكثر. يكفينا إلقاء نظرة على السينما الروسية ودخول السينما كعنصر تعبير مسرحي وجمالي في مسرح بيسكاتور وعند تلميذ مايرهولد ألا وهو آيزنشتين عبقري السينما الروسية. فسينما آيزنشتين لم تنسخ من المسرح لغتها الجمالية والتعبيرات الدراماتيكية، ولقد تأثر بريخت بسينما آيزنشتين وانعكس ذلك بوضوح على عروض المسرح الملحمي. حيث أدخل بريخت عناصر ومفردات تعبير حركية ملحمية وتغريبية على منصة المسرح بما في ذلك الوثيقة المصورة. لقد منع بريخت حصول حالة التماهي والتقمص والتشخص identification والاستعراض والتمشهد representation أو المعروف بالعرض التقليدي المبهر. تجدر الإشارة الى أن التغريب كان موجوداً قبل بريخت في المسرح الآسيوي بقرون عديدة ولم يكن يهدف لكسر الإيهام والسحر والإفتان، فهو متواجد في آثار سيزان وفي الدادائية والحركة السوريالية، بل كان موجوداً حتى لدى جيمس جويس، وفي وسائل تعبير ليست بالضرورة بريختية في سياق التوجه النقدي الحاد للرأسمالية وللمجتمع البرجوازي ونزعة الإنتاج من أجل الانتاج وبيع المتعة والترفيه .

المسرح في رؤية بريخت فعل اجتماعي وحدث مجتمعي وبالتالي فالجمهور بالنسبة له في غاية الأهمية وأساسي،والعلاقة بين المسرح والجمهور لا يمكن أن تختزل بتجاهل الأول للثاني أو استفزازه، بل يجب مد أسس جديدة لتلك العلاقة تأخذ بالحسبان القطيعة مع النزعة الاحتفالية والتمشهد التقليدي .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4253 المصادف: 2018-04-28 13:19:07


Share on Myspace