المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

رواية "الخريف" لآلي سميث ومثلث الصداقة والحُب والفَناء

عدنان حسين احمدصدرت عن دار "روايات" بالشارقة رواية "الخريف" للكاتبة الأسكتلندية آلي سميث، ترجمة ميلاد فايزة، وهي أول رواية تتناول ثيمة انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، وتأثيرها على حياة المواطنين البريطانيين الذين أُصيبوا بصدمة قوية انقسموا على إثْرها بين مؤيدٍ لفكرة الانفصال، ومعارضٍ لها، فآلي سميث، كما هو معروف عنها، تلاحق بدأب واضح التحولات السياسية والاجتماعية في عموم المملكة المتحدة. ونظرًا لأهمية هذه الرواية فقد رُشحت لجائزة المان بُوكَر، ووصلت إلى القائمة القصيرة لعام 2017، وقد وصفتها صحيفة "الغارديان" بأنها "سمفونية من الذكريات والأحلام والوقائع المؤثرة. إنها عن الحزن الشفيف الأبدي الذي يكتنف الفانين...". تتمحور الرواية على مجموعة من الأفكار المتداخلة التي تبدأ بالصداقة، والحُبّ لتنتهي بالفَناء لكن آلي سميث لا تكتفي بهذا المثلث وإنما تمتدّ إلى موضوعات أخرى حسّاسة أبرزها فضائح السياسيين، والخروج من الاتحاد الأوروبي، والسفر عبر الزمن، واندماج الجاليات التي وفدت إلى المملكة المتحدة سواء بسبب الحروب أو شحّة الحريات الشخصية والعامة في بلدانهم الأصلية وما إلى ذلك من موضوعات جوهرية لا يمكن إغفالها أو غضّ الطرف عنها.

تتعالق آلي سميث مع عدد من الروايات والقصص المعروفة محليًا وعالميًا بعضها بسبب التقنية، وبعضها الآخر بسبب الثيمة والمقاربات الفنية التي تُحفِّز القارئ، وتوسِّع آفاق تطلعاته الفكرية في أقلّ تقدير. تتمثل أولى هذه التعالقات في الجملة الاستهلالية التي تقول فيها:"تلك كانت أسوأ الأوقات، أسوأ الأوقات" التي تُحيلنا مباشرة إلى جملة تشارلز ديكنز التي يبدأ بها روايته المشهورة "بين مدينتين":"كان أحسن الأزمان، وكان أسوأ الأزمان" مع الأخذ بعين الاعتبار فكرة التركيز على "الأوقات السيئة" التي تعصف بالمملكة المتحدة بسبب مغامرة الخروج من البيت الأوروبي الآمن، والذهاب صوب المجهول من دون إشارات مرورية دالة أو مثابات مُعدّة سلفًا. كما تتعالق الكاتبة مع رواية "عالَم جديد شجاع" لألدوس هكسلي التي يهيمن فيها العِلم على البشر بواسطة المخدرات، ويتم فيها السيطرة على التكاثر عبر إنجاب أطفال محددي الوظائف والرغبات. أما التعالق الثالث فيحدث مع قصة "الموتى" للكاتب الآيرلندي جيمس جويس وهي تدور حول شاب يغني لحبيبته أغنية في ليلة باردة متجمدة، فيصاب بنزلة برد حادّة تفضي به إلى الموت.

تتكئ رواية "الخريف" على ثلاث شخصيات رئيسة وهي دانييل غلُوك، كاتب أغانٍ عمره 101 سنة، يقيم في دار المسنّين، ولا يُحب البوح بجوانب محددة من حياته، وهو محتفٍ بهذا التكتّم على بعض أسراره الشخصية المخالفة لمنظومة القيم الاجتماعية السائدة آنذاك. أما الشخصية الثانية فهي إليزابِث التي تعرّفت إلى دانييل حينما كانت في الثامنة من عمرها، وهي الآن في الثانية والثلاثين، وقد تشبثت به على الرغم من فارق السنّ الكبير بينهما، فهو يكبرها بتسع وستين سنة، لكن الحُب كان كفيلاً بردم هذه الهوّة الزمنية الواسعة. أما الشخصية الثالثة فهي ﭘولين بوتي، وهي الفنانة الوحيدة في جيل البوب آرت في الستينات التي استدعها الكاتبة من الماضي القريب ربما لفرادتها، أو لمأساتها الشخصية المفجعة، وقد جعلتها الروائية حبيبة سابقة لدانييل غلُوك. وهناك عدد من الشخضيات الثانوية التي ساهمت في تأثيث النسق السردي لهذه الرواية التي لا تكتفي باسترجاع الماضي، واستشراف المستقبل فقط، وإنما تتحرك على جانبيّ الخط لاصطياد المَشاهد من زوايا نظر مختلفة وكأنها تكرر محاولة بيكاسو في رسم الموضوع من كل الجوانب المحيطة به في لقطة واحدة.

لا تقوم الرواية على البنية التتابعية للأحداث لكنها تنطلق من الزمن الاستعادي الذي يعود بنا إلى لقاء إليزابِث بدانييل وانشدادها إليه، فهو الذي عرّفها بالأدب والفن، وكان يشجعها على القراءة باستمرار، ولعل السؤال الروتيني الوحيد الذي رسخ في ذاكرة قرّاء هذه الرواية هو: ماذا تقرأين؟ ولولا غلُوك لما اختارت إليزابِث دراسة تاريخ الفن، ثم أصبحت لاحقًا تُدرِّس هذه المادة في واحدة كليات لندن كمحاضرة وكأن الروائية تريد أن توحي لنا بأن هذه الشخصية قلقة، وغير مستقرة ماديًا، وأن مستقبلها الوظيفي غير مضمون.

لم يكن استدعاء فنانة البوب آرت Pauline Boty محض تعالق نصيّ فقط وإنما حضرت كشخصية حقيقية منحت الرواية مسحة تراجيدية مضافة، فالقرّاء المتابعون يعرفون جيدًا حياتها الشخصية، فقداكتشفت على نحو غير متوقع أنها حامل، وحينما أُجري لها بعض الفحوص الطبية اكتشف الأطباء أنها مصابة بالسرطان، ومع ذلك رفضت فكرة الإجهاض، وامتنعت عن العلاج الكيمياوي خشية على الجنين الذي تحمله في رحمها. ولكي تخفف من حدة آلامها كانت تدخن الماريجوانا. وفي شهر فبراير عام 1966 أنجبت ابنتها "كيتي" ثم فارقت الحياة في الأول من يوليو في السنة ذاتها، أما ابنتها كيتي فقد ماتت نتيجة جرعة زائدة عام 1995. وفي السياق ذاته حضرت لوحاتها المهمة مثل "امرأة عبّاد الشمس"، "فضيحة" و "المرأة الشقراء الوحيدة في العالم" وغيرها من اللوحات المثيرة للجدل التي حفّزت إليزابِث لدراستها، والتخصص فيها لكن دانييل نصحها بالتخلي عن هذه الفكرة وذلك لانعدام المقالات النقدية عن هذه اللوحات الفنية التي فُقدت لاحقًا ويعتقد البعض أن دانييل هو الذي اقتناها جميعًا ودفنها في حفرة عميقة بأرض زراعية لا يعرف الطريق إليها أحد.

تمتلك آلي سميث لغة سلسة وعذبة، وفيها مزيج من الرمزية، والتهكم، والسخرية السوداء. ويكفي أن نتوقف هنا عند مشهد التقديم للحصول على جواز سفر على وفق قسيمة "تأكد وارسل" حيث يرفض موظّف البريد قبول صورتها "لأن هناك شعرة واحدة خارج محيط الوجه!" أو "لأن عينيها صغيرتان جدًا!" لذلك ينصحها بالذهاب إلى محل "سنابي سنابس" المتخصص بالتقاط الصور النظامية الملائمة للوثائق الرسمية البريطانية. هذا المشهد وسواه من المَشاهِد الأخرى الذكية تعلق في ذاكرة القارئ ولن ينساها حتى بعد مدة طويلة.

يتجسّد مشهد الشريحة البريطانية المناوئة للاجئين والمهاجرين الأجانب الذين باتوا بريطانيين لأنهم يحملون الوثائق الرسمية البريطانية ومع ذلك فإن هناك من يقول بصراحة: "سنتخلص من البولنديين، ثم نتخلص من المسلمين، ثم الغجر والمثليين". وعلى الرغم من استياء والدة إليزابِث من هذه العلاقة العاطفية التي ربطت بين ابنتها ودانييل غلُوك إلاّ أن الاثنتين طلبتا تغذيته عبر الوريد وإبقائه حيًا لأطول فترة ممكنة. وظلت إليزابث تدافع عن حقوق أغانيه التي تبثها شركات في حملات إعلامية مثل أغنية "أخي الصيف، أختي الخريفية". وعلى الرغم من أنها مهددة بفقدان وظيفتها كمحاضرة جامعية إلاّ أنها ظلت متفائلة بمستقبل أفضل ولعل الحُب هو القاسم المشترك الذي يجمع بين البنت ووالدتها، فحتى هذه الأخيرة تقول:"مَنْ كان يمكن أن يخمِّن أني سأقع في الحُب، في هذه المرحلة المتأخرة من حياتي، الحُب الذي سيساعدني على الخروج من عزلتي".

جدير ذكره أن رواية "الخريف" هي الجزء الأول من رباعية روائية يليها "الشتاء"، و"الربيع" و"الصيف". كما أصدرت سبع روايات أخرى من بينها "فندق العالَم"، "المُصادفة"، "فتى وفتاة"، "كيف تكون كليهما معًا"، إضافة إلى خمس مجموعات قصصية، وستة أعمال مسرحية. كما تكتب بشكل منتظم في أربع صحف بريطانية من بينها "الغارديان" و"الملحق الأدبي للتايمز".

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4344 المصادف: 2018-07-28 04:09:30