المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

إشارات إلى مجموعة: عروس الياسمين للشاعر شادي أبو حلاوة

مصطفى غالب مهتديليست دراسة نقدية بل بوح يرافق بوح الشاعر بتنهداته لعروس الياسمين التي تربعت عرشها بين يديه... عروس الياسمين التي تلهو في قلب الشاعر وعلى أصابع الحب والحنين دون ضجيج .. بل تأخذ مسارها من مفردات العفوية وتتلطى خلف غيوم من الدهشة واللهفة التي لا تتكاسل حين تغرق في أمطارها الخصبة لحد الشفافية العاكسة للبراءة والحنين الطافح بالشاعرية التي غدت راكضة إلى مشتهاها المتفتح زهوراً في بساتين القصيدة المولودة من رحم العفوية

***

حين تفتح البتيلة الأولى من أوراق ياسمين القصيدة في عرسها عند شادي تتصبَّحُ بسلمية مدينة التاريخ وهي تغافل الشاعر لتخرج مفردات تعاتب القصيدة التي شكلتها عبر قرون من التألق الحضاري فهي خرجت من حقيقة سوريتها المتشكلة والمشكلة للحضارة البشرية فدرست ودَرَست الأمم والشعوب التي حاورتها أو حاربتها فانتصرت الحقيقة الإنسانية واندحر السيف في قبضة العادي لتخرج لتحبو في عصور من حجر التعددية والاعتراف بالأخر الذي أصبحُ أناها فلا هي بقيت هي ولا هو بقي هو كلاهما صار مفردة ترقص على شفاه الشاعر الورقية لتسمي الأشياء بصفاتها وكينونتها الأبدية ... هي الأم التي (تحيك الفرح وما تعبت جفونها)

***

شادي .. حاد كالصمت حين يغني بكلام نسجه من أفقه الذي يبحث عن طلةٍ شعرية تقتحم وحشتنا ووحدتنا لتكوِّنَ من صداها أفقا من ألاعيب الرجولة التي لم تخرج من طفولتها بعد ولم تتأنق لتقابل من تحب ولم تتكاذب مع نفسها كي تعرفها على حالها بل خرجت كما هي عفوية وصادقة وعارية من الألفاظ المزركشة والمزخرفة كي تسحر بمحسوساتها فكرنا ..فأرقت القصيدة لأنها عرفت حقيقة إحساساتنا فانطلقت إليها لتشرب معها ماء البوح الذي لا يغافل شاعره بل يؤاخيه ويلاقيه كي يرحبا معاً بظلِّ المتلقي الذي يدخل جنان القصيدة ويتدفأ ببردها وعبيرها ..

***

قصيدة شادي تحترم نفسها واضعة المتلقي على بساطها الريحي العذب الذي يأخذه حول المفردات لتتشكل الرؤية التي تكشف ستر دعوته لكي نسكن ونتساكن مع القصيدة في تألق لحظاتها التي لا تعود بل تتكسر مجاديفها وهي راحلة في أفقنا حتى تعانق شفق الشعر وتنام على كتفه حمامة تدفئ زغاليلها بالهديل

عروس الياسمين .. نبتة برية من شعر لا يقارب الخطيئة ولا التوبة بل هو فوقهما يسبح كسمكة من بهاء تلبي سحر أغنيات الحبِّ الواسعة لحد الضيق والضيقة لحد الفضائية في كونها تغتسل بماء البنفسج لتنام على سرير الأنوثة تداعب ضفائر العطر فتتآكل السبل ويصلها من يحمل في يديه زنبقة من بريق وقبلة من وجع .. تتسلل كنيزك يعرف أن حياته الضوء وموته الاحتراق .. هكذا هو شادي يضيء كي يأتلق ويحترق .. على صفحات من ربيع يضحك لحد البكاء ويبكي لحد الضحك

***

في نص (رحلة في الذاكرة) .. اعتذار الشاعر من ذاكرته التي بدأت تشيخ طفولة ومراهقة على صدر الحبيبة التي يوجعه الحب ويخنقه النسيان فيسافر بالحبيبة كرفٍّ من طيور مهاجرة بين البراءة والقسوة التي تفرفط عقد الريش في أجنحتها بطلقة النسيان والتشظي انتحارا وأمنيات..رحلة بين أن تكون الذاكرة أو لا تكون لكن شادي يريدها أن تكون فتكون ويكونان معاً .. جناحاً يرفرف ضد النسيان

***

ترك شادي روحه تكتب القصيدة ضد عفونة القصدية والمكابرة .. فهو يحبُّ الأمنيات.. فهي تخضر بين مفرداته ربيعا أهدته إياه الحبيبة قصيدة من نور تعتق على جناح فراشة انتحرت كي يضاء هذا الحب بكل معنى الشعرالواثق من مضامينه وألفاظه الموحية بأحلام اليقظة التي توقظ الرؤية لدى المتلقي اللهفان كي

يحس ويشعر بأن وجوده تسطر في ثنيات قصيدة من ربيع

***

حين تضحك القصيدة معانقة المفردات التي شقَّ الشاعر صدره كي يفتش عنها ويعطيها هويتها.. تتفتح أمام المتلقي ستائر وحجب المعاني فيصلها فاردا جناحيه كي يحلقان معا في سماء من عبق الحياة والحب الذي لا يرتدي إلا ثياب عاشقيه التي يفصلها من الألم والأرق والانتظار واللهفة والدهشة التي لا تستكين إلا على ورق القصيدة للحظات ثم تعاود حراكها لتعيد تشكيل القصيدة من جديد

***

شادي يجلس بين غربة الروح وشمس القصيدة التي تأخذ جدائلها من تطلعات معرفية ترتجف أمام حقيقة الكينونة التي تتراكم ألماً وحنيناً ولوعة وامنيات من فرح اللحظة .. تحيك من شباك اللهفة بوابة لصباحات مثقلة بالدموع والأقمار التي نسيت نومها فقتلت النعاس بالمستحيل كي تحنُّ لمنافي فلكها التي تسبح بها راسمة ما غاب عن الحس وذهب إلى الإدراك ... فيحلم شادي نصوصاً تسهر معه ومع المتلقي على حافة الرؤية الإنسانية القلقة المجروحة بالجماد والصنمية مرفرفة بأجنحة من خيال ووحي وحرية تأخذها المفردة لتسكن في أي مكان تختاره من الجملة ..على نهر أو جدول من ماء الشعر ..و جمال اللغة.. الخاصة التي تقطع حدود المستحيل إلى القصيدة.

***

قصيدة النثر التي ظهرت من مواقف النفري وطواسين الحلاج وإشراقات السهروردي وتألقات جبران خليل جبران وتألما ت أمين الريحاني وكآبات إسماعيل عامود وأبديات وسمرنار سليمان عواد ..و خواتم..إنسي الحاج ووردة يوسف الخال .. وحزن وغرف وسجون وحرائق وجنات محمد الماغوط .. وأساطير رياض الصالح الحسين ..و اتجاهات جودت حسن .. وامرأة محمد حيدر ..و انطفاءات فؤاد كحل ..و إسماعيل ادونيس وحبر إعدام سنية صالح .. وأسفار حسين الحموي وإلياس فاضل .. وحقائب يوسف عادلة وعري حسين هاشم ..و بلعاسيات خضر عكاري ..... هل بدأت تتعب ؟؟ فتبحث عن كينونة أخرى؟؟..

***

قصيدة النثر لم تقل كلمتها بعد كي تصمت فهي لازالت في رحم شاعرها تأخذ منه أكثر مما يأخذ منها .. يعطيها ولا تعطيه .. إنها تعد نفسها لتكون لائقة بشاعرها ...و لتخرج إلى ضوء كونها ..و لكن أخطئ أنا حين أقول هي وهو فقصيدة النثر إن لم تكن هو(الشاعر) فلن تكون هي (القصيدة) .. لأن ولادتها هي ولادة الشاعر الإنسان والحرف المعانق لهذه الولادة الإنسانية العبقرية

***

ما كتبه العاشق المتسول شادي هل هو قصيدة نثر أم نصوص تقارب القصيدة لكنها ليست قصيدة ، تجاور الشعر لكنها ليست شعر ؟؟ أقول هي نصوص تنتمي لشادي ولا تنتمي لسواه ..هي لمن لا يعرف شادي يقلب أوراق حياته ويرتبها كي تبدو كما يشتهي وحين ينتهي يعاود صياغتها ثانية وثالثة ورابعة لأنه في كل مرة ينتهي من هذه الصياغة يجدها لم تعبر عن كله بل عبرت عن بعضه .. فيحاول أن يجعل كل حرف في نصه يصرخ : أنا شادي أبو حلاوة ليس إلا ..و هذا هو الشعر وهذه هي قصيدة النثر التي لا تريد إلا أن تكون شاعرها ...كما قلت هي ليست دراسة نقدية بل إشارات ومحاولات للتعريف بالشاعر وقصيدته فهل عرَّفتُ به ..؟؟ على ما اعتقد أن هذه الإشارات ضلَّت طريقها فدخلت في الشاعرية وتخلت عن التعريفية ... إلا أنها كانت كما أنا وكما أردتها أن تكون .. مواقف أمام قصيدة شادي كي تحاورها والحوار أول خطوة على طريق قراءة القصيدة والشاعر

 

بقلم: مهتدي مصطفى غالب

..........................

(عروس الياسمين ) نصوص أدبية – للشاعر: شادي أبو حلاوة – دار التوحيدي – 2008م

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4359 المصادف: 2018-08-12 13:17:13