المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

عَجائب بغداد.. خُطاطة الدمار وإرهاصة السلام في آنٍ واحد

أولت الدراسات النقدية الحديثة عناية فائقة للتركيب الدلالي لعتبات النص بما فيها العنوان، باعتبارها محطة نغوص عن طريقها في البنية الدلالية، فيشكل عنوان الرواية (عجائب بغداد) أول إشارة من المرسِل إلى المتلقي، فهو جزء من الشبكة الدلالية للنص، انطلاقاً من كونه بؤرة تتجمع فيها دلالات عديدة تكون بمثابة مفاتيح، كون العنوان دلالة صغرى لا تعمل باستقلالية عن الدلالة الكبرى للرواية. ويتضح لنا ان العنوان كدال يشكِّل بنية مستقلة يكتسب مدلوله بعد ملاقاة النَّص والتنقيب فيه ليصبح دالاً على النَّص ككل.

وفي هذه الرواية نكتشف مدى الاقتران بين العنوان كنص يحيل الى فضاء زمكاني (زماني ومكاني) يُشكّل مرحلة مهمة من تاريخ العراق الحديث. ومن اللحظة الأولى لملاقاة العنوان يتهيأ القارئ للولوج إلى عوالم عجائبية غير مألوفة تكسر أفق التوقع.

فيدخلنا العنوان بشكل مباشر في الوضعية الأساسية لدراماتيكية المتن الحكائي، الذي تشكَّل على وفق صيرورة زمنية أفصحت عن موقف فكري وجمالي من قِبل الكاتب تجاه ماجرى، إذ ينفتح السرد عن طريق سارد مشارك في الحدث يُعيد سرد الحكاية ويدير دفتها على وفق مكونه النفسي المُربك، كونه ولج فضاءً ساخناً تستعر فيه الحرب الطائفية. ونتيجة لما يعانيه من ضياع الهوية تجاه بلده العراق يعمل صحفيا في زمن اندلاع الحرب على الصحافة، خاصة بعد مقتل الاعلامية (أطوار بهجت). ويبدأ بعد ذلك بتصوير الطقوس اليومية في المنطقة الخضراء، وفندق الشيراتون. مقترناً بعلاقة عاطفية مع زميلة أمريكية، فضلاً عن معايشته لزملائهِ الصحفيين، وفقدانه اياهم أمام عينيه. فيتجول في شوارع العاصمة مجسّداً حسب رؤيته الواقع الدامي الذي تتطاير فيه الاشلاء، وتتحول فيه رؤوس ضحايا الارهاب الى كرة قدم. فلا يبقى سوى الكلاب المسعورة التي تجوب الطرقات، ومن اللحظات المؤلمة التي يصورها السارد والتي تكشف عن براعة السرد الذي يتحول بسلاسة كبيرة راصداً كارثية الموقف حال تناوله وجبة طعام شعبية في أزقة بغداد مع سقوط كف يد بشرية بجانبهِ يلهو بها أطفال المدينة، وهي إشارة لتغير كل شيء حتى النوازع الانسانية، وبراءة الطفولة.

وهكذا يتداخل الرصد التوثيقي للسارد مع تجسيد مشاهد مقرفة في الخيال العجائبي الذي يكشف عن شناعة ماحدث في هذه المرحلة . إذ يتجلى للاعلاميين أمام عتبة الشيراتون رجل بلا رأس يبحث بدأب عما فقد، فضلاً عن تعرّف السارد على شاب مسرحي معه اصبع أخيه الذي خرج رافضاً للموت، وكذلك الفتاة المحترقة التي لم يبق منها إلا الرماد يحتفظ فيه الاب في قارورة.

البنية الخارجية للرواية:

تتكون الرواية من ست وثلاثين محتوى وكل محتوى يُعبّر عن ثيمة معينة، فالكاتب بهذا التقسيم أراد تقطيع أوصال الشخصيات، لتوزيعها على جزئيات الرواية، ومن أهم الملاحظات التي رُصدت في أثناء تفكيك الرواية الاتي:

١- ثمة تداخل بين الأجناس الأدبية في الرواية، فنلحظ تواجد العرض المسرحي، والرسائل فيها.

٢- يُعول الكاتب على الأحداث أكثر من تعويله على المكان، كي ينقل إشكاليات العاصمة بأعلى درجة من الانزياح.

٣- الهامش في الرواية متعدد الوظائف، فهو تارة يستخدم للتعريف بالشخصيات كما في (ص9)، أو للتوضيح كما في (ص14)، أو سرد بعض القصص كما في(ص19)، أو سرد بعض الأحداث كما في(ص20)، أو وضع بعض الرسائل كما في (ص26)، أو وضع بعض الأقوال مثل أقوال شخصية الاستاذ.

٤- أعتمد الكاتب على أسلوب القص أو الحكاية التي تبدو في شكل رسائل.

٥- الزمن: في الرواية: كل أنواع الأزمنة متوفرة، وهي الزمن النفسي عن طريق العودة الى الماضي، ويتمثلّ ذلك في استرجاعات الصحفي، والزمن التاريخي وذلك لأن الكاتب حدد الحقبة الزمنية التي كانت مستودع الاحداث، وكذلك الزمن اليومي عن طريق رواية الأحداث التي وقعت في كل يوم.

٦- المكان: لايركّز الكاتب على المكان، فهو لايصف كثيراً من أماكن الرواية، و من تلك الأماكن فندق الشيراتون وبعض المناطق ماعدا قرية الاستاذ التي أعطاها بعض التوصيفات دون أن يحدد مكانها بالتحديد.

٧- الراوي: الراوي في هذه الرواية هو راو متكلم بصيغة الانا، ذلك أنه يسوق الأحداث من وجهة نظره، وبوساطة رؤيته فحسب.

٨- المروي له: اختلف المروي له في الرواية من حيث المكان، فتارة يكون المروي له (ابو حمد) وهو في الامارات، وكذلك صديقته (مريام)، وتارة يكون المروي له هو نفس السارد عن طريق (الشاب المسرحي)، أو (والد الفتاة الرماد) عندما يقصون ماحدث لم.

٩- البطل في الرواية هو الراوي (الصحفي).

١٠- الشخصيات: الشخصيات في الرواية هي شخصيات ثابتة، يقوم السارد بتقديم الأبعاد الثلاثة للشخصيات، وهي:

المظهر العام، والسلوك، والبعد الداخلي (البعد النفسي)، والبعد الاجتماعي. ويتركز ظهور الشخصيات في الربع الأخير من الرواية، ما تنقسم إلى شخصيات عجائبية وأخرى إنسانية.

١١- الحبكة: حبكة الرواية تكشف تدريجيا عن الاحداث.

١٢- اللغة: لغة الرواية هي لغة فصحى مع تزاوج من بعض المفردات العامية، فضلاً عن دخول اللغة الانكليزية في الرواية كما هو الحال في ادراج رسائل لورا.

١٣- تنوع الحوار: حديث الراوي تارة مع نفسه،، وتارة مع الآخرين

١٤- الحركات: عندما يعود السارد الى الماضي تكون بحركة سريعة، وعندما يعالج نمو الاحداث يعالجها ببطئ.

١٥- جعل المؤلف بعض العبارات المهمة بخط داكن وبارز بخلاف بقية العبارات، فكأنه يريد ايصال رسالة للقارئ فيما يخص تلك العبارات.

١٦- في الرواية يركز على لفظ العطر، وهو وسيلة من وسائل التوصيف الحسي، لنقل الأحداث بطريقة دقيقة .

وفي عملية احصائية في الرواية وقفنا عند بعض الكلمات التي وردت لأكثر من مرة في الرواية، ومنها الاتي:

١- العيون: وردت ٣٤مرة.

٢- الاصابع: وردت41مرة، وكأنه في هذا التقطيع أراد ايصال أن العراق مقطع الأشلاء.

٣- لفظة بوذا: وردت ١٣مرة، فهو لم يستخدمها كعتبة فقط، وإنما وردت في المتن ايضاً، لعله أراد أن ينظر إلى الرواية من منظور عالمي، أو أنه أراد ايصال فكرة بوذا.

٤- وردت الألوان في الرواية، ولكن اللون الأسود في الرواية ورد ٢٥ مرة، للدلالة على الخراب والدمارالذي كان يضرب بغداد في تلك المرحل، فضلاً عن وجود الألوان الأخرى مثل: الأحمر ٥مرات، وظفه للإشارة إلى الدم الذي كان يغسل شوارع العاصمة، والوردي ثلاث مرات، وغيرها.

 

دعاء عادل آل عزوز.

ماجستير في الأدب العربي الحديث والنقد.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4437 المصادف: 2018-10-29 02:23:23