المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

رواية امرأة بنقطة واحدة وتحوّلات السَّرد العراقي

509 وارد بدر السالمكلمة أولى: تُعد رواية امرأة بنقطة واحدة للكاتب العراقي وارد بدر السَّالم الصادرة عن دار نينوى 2018 اتجاهاً جديداً للرواية بعد التحوّل الكبير في منظومة السَّرد العراقي في مرحلة ما بعد عام 2003 وما شهدته السَّاحة الأدبية من استحضار للرؤية الواقعية وعمليات التوثيق لمجريات الواقع العراقي وما انغرس فيه من أيديولوجيات تعسفية ودموية، وما رافق فترة الاحتلال الأمريكي والمعترك الطائفي من صور الدمار والفوضى والموت والانكسارات التي لازالت آثاراها عالقة على بنية المجتمع، وكأنما أراد الكاتب تغيير مسار الرواية العراقية واستعادة بعض مفاهيم المدرسة الرومانسية التي شاعت في عصر التنوير في أوربا والتي انولدت نتيجة ظروف تاريخية تتمثل في انعكاسات الحربين العالميتين، فرواية امرأة بنقطة واحدة بوصفها خليط متجانس من سرديات الحب والمثالية في حالة ذهنية حالمة تتنامى في ظل المشكلات الاجتماعية والسياسية جاءت كرد فعل للمعاناة التي يعتاشها البلد من حروب إقليمية ودولية دامت عقوداً من الزَّمن، ونزاعات محلية وتفشّي الارهاب وتفاقم مستويات الفقر.

السَّرد في متن الرواية:

إنَّ رواية امرأة بنقطة واحدة هي رواية حب على أرض تناست معاني الحب ولم تعد تعرف سوى الحروب والموت والألم والضياع، يتناوب السّرد فيها بين رجل يقدِّمه السارد على أنه أستاذ النقد والجماليات في كلية الفنون الجميلة متقاعد في السبعين من عمره، وامرأة سبعينية اسمها زمن فكان حرفها الأول هو عتبة الرواية الأولى(العنوان)، وهي ملهمة النحّات(الرجل العجوز) في خلقه لمنحوتته الوحيدة التي قدَّمها في امتحانه الأخير أمام لجنة التقييم النظرية المتنبِّئة بفكرة الحرب وزمن الموت المستقبلي والتي تحوّلت فيما بعد إلى حبه الأبدي وشريكته في الحياة وزوجته إلى الأبد، فقرروا إحياء ذكرى لقاءهم الخمسين في إحدى حدائق العاصمة إذ كانت الشاهد الأول على هذه القصة الفريدة من نوعها، فاحتضن لحاء أشجارها ذكرياتهم والحرف الأول من أسمائهم في بوتقة القلوب المحفورة بأحاسيس نقية وصادقة، عاشوا لحظات الحب والوفاء لخمسين سنة يبثون مشاعر الود رغم الألم والفوضى نتيجة الحروب التي شوّهت معالم الحياة (قرفت من هذا البلد. كله جيش وسيطرات وشرطة) الرواية ص17، فيتابع السَّرد لحظات تنقّلهم في الحديقة مستشعرين لحظات الماضي البعيد وذكرياته السعيدة باحثين بين ثنايا الأشجار عن ذكرياتهم وهم شباب في مقتبل العمر إلى أن تنتهي الرواية نهاية مؤلمة وغير متوقعة عندما رماهم ظلام الحديقة في دروب التيه حينما تشبَّث كلّ منهم بذكرى عثر عليها متأخراً على أمل أن يدركه الآخر، فيموت الرجل العجوز وحيداً وبعيداً عن حبيبته زمن التي تنتظره عند شجرة الذكريات.

حظيَّ المكان الوحيد في الرواية وهو الحديقة العامة على الوصف الطوبوغرافي الدقيق الذي يُقحم القارئ في جو الرواية ويجعله مشاركاً للزوجين العاشقين في استكشاف المكان ومهمة البحث عن الذكريات التائهة بين الأشجار لخمس عقود خلت لاسيما أن الحديقة تغيرت كثيراً بفعل عوامل الفوضى الجديدة في الواقع الجديد المناقض لمفاهيم الجمال، فضلاً على أنَّ الأشجار هي الأخرى تغيًّر حالها كماا تغيَّر كل شيء على هذه الأرض، فكانت شاهدة على حروب البلد بشظاياها المنغرسة في أغصان الأشجار والتي فرّقت بين حروف الذكريات الجميلة الموثقة عليها مثلما فرّقت بين الأحبة بعدما أصبح الموت أيقونة العصر. ومما يلحظ في الرواية أن السَّرد جاء على مستوى تعبيري رفيع تتخلله الأفكار الفلسفية بنواحيها الوجودية والجمالية في معالجة ظواهر الحياة والمفاهيم الانسانية وطرح رؤى وتفسيرات مائزة لتداعيات الواقع بنواحيه المختلفة.

السَّرد في هامش الرواية:

يلجأ الكاتب وارد بدر السَّالم في العديد من رواياته للاستعانة بالهامش وجعله محتوى يوازي المتن في الأهمية سارداً فيه بعض مغاليق النص أو مكمِّلاته بالدرجة الأولى، وفي هذه الرواية يرسم لنا صورة المنحوته زمن نبوءة الرجل العجوز عن الحرب بدرجة عالية من الدقة والابداع في إيصالها إلى مخيلة المتلقي (امرأة من فخار نصفها الأعلى خارج من تنور مستعر، والآخر محتفٍ داخل حلقة معدنية دائرية توحي بأنها رأس تنور. شعرها نصف محترق. وجهها غير محدد الملامح. يُقرأ على أنه غاضب. أو منزعج. أو خائف. النار خارجة مع النصف الأعلى للمرأة. يبدو أنها قد أغلقت فوهة التنور بجسدها، وبقيت ألسنة نيران تحاول أن تخرج من محبس التنور. وجه المرأة غير ثابت. في عينيها غضب وتحدٍ وديمومة وبقاء. حول المرأة فضاء واسع لم يتحدد كثيراً فبقي مفتوحاً على نهر أخضر وموحيات شجرية ليس مخفية كثيراً. ثمة صرخة مكبوتة يمكن استدراكها بين شفتي المرأة. سنبلة وحيدة على ظهرها انسجمت مع اللون الذهبي الساطع) الرواية ص33-34 .

 

دعاء عادل آل عزوز

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4470 المصادف: 2018-12-01 01:58:30


Share on Myspace