المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

بهجت عباس: هكذا هم!.. هكذا نحن!

بهجت عباس(من الماضي البعيد) 

حينما كنتُ أدرُسُ في جامعة نوتنغهام (إنكلترا) في منـتصف السبعينات من القرن الماضي، زار الجامعةَ بروفيسور بولندي لقضاء بضعة أشهر، كأستاذ زائر، وكان يهودياً. أعجـبـته الجامعة ونمط الحياة البريطانية والجنيه الإسترليني رغمَ هبوطِه المسـتمر حينذاك، فقرر البقاء! فماذا كان من أبـناء دينه؟ أوجدوا له وظيـفةَ بروفيسور (تأريخ أوروبي) في جامعة ليستر، مدينة مجاورة، ومنحوه أو أقرضوه (لست متأكداً) أحدَ عشرَ ألفَ جنيهٍ ليشـتريَ بيـتاً (وهو مبلغ كافٍ لشراء بيت جميل في نوتنغهام أو ليستر أو ما يجاورهما في تلك الأيام) فعاش سعيداً مُـنعـمّـاً ولم يَـعُـدْ إلى عُـشِّـه الذي هجره! 

وكان في الوقت عينه زائر آخر، ولكنْ في قسم الكيمياء الحياتية. كان بروفيسوراً أمريكياً من أصل عربيّ . توطَّدتْ علاقة متـينة بيننا . وبعد أنْ أمضى سنةً كاملة في الأبحاث وأراد العودة إلى الولايات المتحدة، تمنّـى أنْ أزورَه هناك . ولما واتتني الفرصة، بعد حصولي على الدكتوراه، شددت الرحال إلى أوغستا - جورجيا حيث هو فيها . كان ذلك بعد عام على مغادرته نوتنغهام . فاستقبلني استقبالاً حسناً .. وبعد مرور عامين وأثناء عملي كمدرس في كلية الطب - الجامعة المستنصرية في بغداد تلقيت دعوة منه (البروفيسور العربي) للبحث في مختبره عن (فعالية الخمائر المؤَكسِدة في عضلة العين) خلال العطلة الصيفية (1979)، ووعداً بدفع مبلغ  ألف دولار خلال شهريْ الصّيف. شددتُ الرحال إليه مرة أخرى . كان ودوداً ولطيفاً بادئ الأمر، ولكنَّ الأمرَ تغيّر بعد أن عرف أنَّ في نـيتي البقـاءَ هناك والعملَ في الجامعات الأميركية. فأخذ يـثبِّـط هِـمّـتي بإخـباري أنْ ليس لي ثـمة عمل في الولايات المتحدة بطولها وعرضها! مما أنكرت ذلك عليه زوجته الأمريكية. وفي اليوم التالي تعرفتُ على بروفيسور أمريكي من أصل ألماني، وقد سُـرَّ لحديثي معه باللغة الألمانية فطلب مني البقاءَ والعمل هناك. ولما أخبرته بعدم وجود فرصة عمل هنا (الولايات المتحدة)، حسبما أخبرني صديقي العربي، استغرب وقال إنَّ أستاذ المناعة في الجامعة بحاجة إلى باحث علمي، وأخذني إليه فوراً. وبعد أنْ مدحني أمامه وأوصاه بي خيراً، تركني معه وكانت مقابلةInterview   لغرض التعيين . طلبتُ من صديقي البروفيسور أنْ يرتِّب لي إلقاء محاضرة في الجامعة حول الخمائر متعددة الوظائف الموجودة في الكبد Mixed function oxygenases وكان هذا الموضوع جزءاً من اطروحتي في الماجستير (الباثولوجي التجريبي - لندن) فقال لي إنّهم (أساتذة الجامعة) لا يعيرون شأناً لهذا الموضوع! (وبالمناسبة نشرتُ هذا الجزء في مجلة الفارماكولوجي السويسرية عام 1981 . وفي عام 2008 عرضته المجلة السويسريّة للبيع بمبلغ 25 دولاراً في غوغل ولا يزال موجوداً للبيع ولكنْ بمبلغ 39 دولاراً *)

وخلال فترة عملي معه حصلت على وظيفة باحث علمي في  جامعة ميامي – فلوريدا، فـ(ضرب) عليَّ الألفَ دولار، مبرِّراً فعلته هذه  أنْ لولا وجودي في مختبره، لما حصلتُ على هذه الوظيفة !  وأردف قائلاً إنَّ ثمة مؤتمراً عالمياً للكيمياء الحياتية في حيفا (إسرائيل) وهو بحاجة لهذا المبلغ للاشتراك فيه، وأما أنا فلست بحاجة إلى مثل هذا المبلغ، كما قال . ذهبت وعائلتي إلى ميامي وباشرت العمل مدة أسبوعين، ولكني قررت العودة إلى بغداد لتصفية أمور كثيرة عالقة مع تصميم على مغادرتها في السنة التي تليها وهكذا كان . ومع هذا فإني لست حاقداً عليه، فقد كان إنساناً بسيطاً رغم كل شيء، وما قام به هو جزء من طبيعتنا (مع استثناء)، وقد يُغَضُّ النظرُ عنه، مُـقارنةً بما فعل آخرون خلال دخولي دهاليزَ الزمن العتيد !

لربما تقولون إنّها حال فردية، وأقول: ليست هي، فلديّ كثير من أمثالها.          

ألا نزال نغـنّي جاهلية عمرو بن كلثوم؟:

ونشربُ إنْ وردنا الماءَ صفواً   

                ويشرب غير ُنا كدراً وطيـنا

نافلة الكلام

أبا الوجدِ** إنّي قد أتيتك شاكياً

                لأني وجدتُ  العدلَ قبضةَ زعـتـرِ

أيُنشر غثُّ الشعر دون مبرِّرٍ

                     ويُقـبَرُ مأثورُ الكلام المعبِّـرِ!

فلـو كُنتُ من نجـدٍ لكانت قصائدي

                 على الصَّفحـة الأولى تُخّـطُّ بعنبـرِ

ولكنني من أرض دجلة أُحرِقتْ

                     شواطئها والموت يفتك بالبَـري

وراحت رؤوسُ العرب تُطرق رهبـةً

                     لتفعـلَ ما تقضي إرادةُ قيصـرِ 

إذا كان (جيـنٌ) للبلادة مُـفصِحـاً 

                        فليس لـه إلاَ دواءُ الـتّـغـيّـُرِ

وإنْ غُيِّـرتْ (وَحداته) ضاع أصلُـه

                   وأصبح من عِـرقٍ جـديد مُـحوَّر ِ

وإنْ لم يـكنْ في (الجِّين) أيّ تغـيّر

                    فلن يُرتجـى للنـفس أيُّ تَحَـرّر ِ

وإنّا لقومٌ قـد أضَـاعوا طريقَهمْ

              فراحوا حيارى بين "جون" وحِمْـيَر

ألستَ تراهمْ في شوارع لندنٍ

                   وأفواهُهمْ تشدو بأمجاد عنترِ!

                   ***

د. بهجت عباس

..........................

* الرابط

Get article: Effect of Mercuric Chloride on Microsomal Enzyme System in Mouse Liver - Karger Publishers

** (كُتبتْ بعدما أرسلتُ قصيدة إلى جريدة الحياة اللندنية السّعودية عام 2000 فلم تنشر)

*** نُشرتْ باسم مستعار (د. باسم علي) في (نقطة حوار)، التي كان يُشرف عليها الكاتب السّعودي الراحل عبد الله الجفـري، في جريدة الحياة اللندنية الصادرة في 22 أيلول 2000.

                                                                         

 

           

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

وراحت رؤوسُ العرب تُطرق رهبـةً

لتفعـلَ ما تقضي إرادةُ قيصـرِ

استاذي العزيز العالم والشاعر بهجت عباس
ودّاً ودّا

اعتقد إن ( شهادات ومذكرات وشخصيات ) ليست فقط كما يشير العنوان
بل هي عندي كقارىء تَمتُّ الى فن المقامة بصلة قوية بل هي مقامة
بكل ما للمقامة من سمات لغوية وسرد وشعر وقد تخلصت من السجع فصارت
تلقائية تسيل لغتها سيلانَ الماء الصافي وبالمقابل فهي عصرية تماماً , ابنة زمانها
تكتنز بالمعلومة الطبية والعلمية والثقافية وكثيرٌ مما هو ممتع ومفيد .
المتعة حاضرة دائماً في ما يكتبه استاذنا الجليل بهجت عباس جنباً الى جنب مع المعلومة
والفكر وتجارب الحياة وتلاقح اللغات وغير ذلك.
دمت في صحة وإبداع استاذي العزيز .

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر والناقد الفذ جمال مصطفى
ألف ود وشكر على حسن كلماتك ولطفك المعهود على ما كتبت من ذكريات كان لا بدّ لي منها أن أذكر بعض المعلومات عن طبيعة بعضنا في الاستئثار بالمناصب العلمية أيضاً أو الـ(تفرّد) بها أو (الوحدانية) إن أردت تسميتها، وهي ليست في السياسة والمناصب فحسب كما نراها على نقيض شعوب أخرى يساعد بعضهم البعض في إيصال المعلومات إلى الآخرين أو إعطائهم الفرص اللازمة أو تشجيعهم في السير في هذا الطريق لعلمهم أنّ هذا جزء من واجبهم الانساني الأخلاقي لتجري الحياة في تطوّر جميل يستفيد منه الجميع.
تحايا الورد الجوري.

بهجت عباس
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5340 المصادف: 2021-04-19 01:27:43


Share on Myspace