المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

محمود محمد علي: عبد اللطيف العبد.. درة التاج في الفلسفة الإسلامية

محمود محمد عليبكلية دار العلوم – جامعة القاهرة

في السيرة الذاتية للفيلسوف الإنجليزي، ألفريد إير Alfred Ayer وردت إشارة جميلة إلي الكاتب الإنجليزي "جورج أورويل" George Orwell ؛ إذ يقول أورويل " هو واحد من هؤلاء الناس الذين إذا شعرت بأنهم يحسنون الظن بك، أحسنت الظن بنفسك" . وقد كان هذا دائما شعوري نحو الدكتور "عبد اللطيف محمد عبد العزيز العبد"- أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم – جامعة القاهرة، وهذا الرجل العظيم وإن كنت في بداية عهد الطلب في الفلسفة لم أسمع به، كما لم أتعرف عليه شخصياً إلا عندما استمع إلي بحثي المرجعي الذي ألقيته في سيمنار أمام اللجنة العلمية الدائمة لترقية الأساتذة والأساتذة المساعدين في ضيف 2003، والذي كان عنوان "المنطق متعدد القيم عند لوكاشفيتش"، وذلك ضمن متطلبات ترقيتي أستاذاً مساعداً، ومنذ ذلك أخذت علاقتي به تزداد يوما بعد يوماً، إلي أن لقي ربه في عام 2009م .

كان اسم الدكتور "عبد اللطيف العبد" بالنسبة لجيلي، ونحن نخطو خطوتنا الأولى في تثقيف أنفسنا في مجال الفلسفة الإسلامية في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، اسما لامعاً ومثيراً للاحترام على الفور، إذ إن اسمه بدا يلمع، وقفزا قفزة رائعة إلى الأمام في مجال الكتابة في علم الكلام، والتصوف، والأخلاق دون تعالي علي أساتذته وزملائه في العمل.

ومن أجمل ما قرأت له كتابه الرائع " التفكير المنطقي"، ليس فقط لعذوبته ورقته، بل لأنه ربط قواعد المنطق بالتفكير العلمي في أسلوب فيه رصانة، وطراوة، وإغداق وإثمار، وفيه عذوبة تشد الآذان إليه لسهولته، وإن تكن من نوع السهل الممتنع . فعباراته قصيرة، لكنها واضحة الدلالة؛ وتنتظم في حلقات من سلسلة تشبه جواهر منظومة في عقد، تجسد الفكرة، وتقدمها للمتلقي في سياق يصعب أن تحذف منه كلمة، أو تضيف إليه كلمات، وتكاد تشعر مع عبد اللطيف العبد ( مع حفظ الألقاب) أنك مع شاعر مبدع يعزف على أوتار كلماته لحناً عذباً رائعاً يستلب القلوب، ويأخذ بمجامع العقول، فيشيع فيها إمتاعاً وأنساً مع شئ من الحماسة تضطرم به الأفكار، غير أنك لا تكاد تسمع منها في الأعماق إلا همساً . ومع هذا فأسلوبه علمي وأكاديمي وإن كان يتضمن صياغات في ثوب أدبي - رفيع - قشيب.

والدكتور عبد اللطيف العبد يعد أحد أعمدة الفلسفة الإسلامية الشاهقة بكلية دار العلوم – جامعة القاهرة، الذين اجتهدوا بعد جيل أستاذنا الدكتور "محمود قاسم" في بناء الفلسفة الإسلامية بناءً جديداً، وعلى نحو أشد صراحة يوضح أيضاً : آخِذًا بالاعتبار المأثور من فلسفة الإسلام إلى جانب ما جرى على المعرفة الإنسانية من تطور في مناحيها المختلفة . وفي إضافة جريئة يتأمل : إن يأتي يوم ليس بعيد، يكشف فيه كل من علم الكلام، والأخلاق، والتصوف، اتفاقاً متبادلاً بينهما لم يكن حتى اليوم منتظراً.

كما يعد الأستاذ الدكتور " عبد اللطيف العبد من رواد الفلسفة الإسلامية الذين انحسرت عنهم أضواء الشهرة؛ حيث إنه قلما يذكر اسمه في المؤتمرات والمحافل التي تهتم بالفلسفة الإسلامية في مصر وفي العالم العربي، مع العلم بأن هذا الرجل كان واحداً من الأساتذة الجامعيين الذين استطاعوا في بحوثهم ومؤلفاتهم أن ينقلوا البحث في الفلسفة الإسلامية من مجرد التعريف العام به، أو الحديث الخطابي عنه – إلى مستوى دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارماً إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

ويشهد على ذلك زملاؤه بكلية دار العلوم - جامعة القاهرة التي شهدت مولده الوظيفي في أواخر ستينيات القرن الماضي، بل ويشهد على ذلك طلابه الذين أشرف تعلموا علي يديه وزملاؤه الذي احتكوا به في؛ نعم لقد كانوا يروا جميعا في الدكتور عبد اللطيف العبد، بأنه نعم الرجل المتوحد الشامخ: سراجاً هادياً، عالياً كالمنار، وارفاً كالظل، زاخراً كالنهر، عميقاً كالبحر، رحباً كالأفق، خصيباً كالوادي، مهيأ كالعلم، لا يرجو ولا يخشى، طاقته لا تنضب، كأن وراءها مدداً يرفدها من سر الخلود .

وقد وُلد الدكتور عبد اللطيف العبد، بقرية شبرا النملة مركز طنطا، بجمهورية مصر العربية، في يوم الإثنين 26 ربيع الأول عام 1358 هجري، الموافق عام 1939 ميلادي، وقد حصل على درجة ليسانس دار العلوم – جامعة القاهرة سنة 1964م؛ ثم نال درجة ماجستير في الفلسفة الإسلامية من دار العلوم سنة 1972م في موضوع بعنوان " الإنسان في فكر إخوان الصفاء "، وفي عام 1965 نجح في الحصول على درجة الدكتوراه في مجال الفلسفة الإسلامية في موضوع بعنوان " أصول الفكر الفلسفي عند أبي بكر الرازي ".

وبعد ذلك عُين مدرسا بقسم الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم * جامعة القاهرة في 24/11/ 1976 م، ثم أستاذ مساعد بقسم الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم –جامعة القاهرة من 17/2/1982م؛ ثم أستاذاً بقسم الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة في 1 / 7 / 1987 م، وعقب توليه درجة الأستاذية عُين رئيساً لمجلس قسم الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم – جامعة القاهرة من 1/8/1996 م، وحتى 28/10/1999 م، ثم وكيلاً لشئون الدراسات العليا والبحوث بكلية دار العلوم – جامعة القاهرة، لمدة ثلاث سنوات، اعتباراً من: 28 / 10 / 1999 م، وحتى 27/10/2002. وأخيرا أستاذ متفرغ بقسم الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم – جامعة القاهرة في 1 / 8 / 2004 م.

من مؤلفاته : التفكير المنطقي، تأملات في الفكر الإسلامي، دراسات في فكر ابن تيمية، الأخلاق في الإسلام، الفكر الفلسفي في الإسلام، التصوف في الإسلام وأهم الاعتراضات الواردة عليه، الفكر الفلسفي في ضوء الإسلام، مواقف كلامية، الأخلاق في الإسلام بين النظرية والتطبيق، دراسات في فكر ابن تيمية .. إلخ ؛ علاوة علي تحقيقه للعديد من الكتابات مثل: الحدود في ثلاث رسائل، للفاكهي وإخوان الصفاء وابن سينا، إصلاح النفس: بين الرازي في الطب الروحاني، والكرماني في الأقوال الذهبية، أصول محبة الله عز وجل، مع الرد على كتاب السر الأعظم للدكتور مصطفى محمود.. وهلم جرا.

وقد تميّز " عبد اللطيف العبد " في كتاباته بأنه مفكّر فريد، اشتهر بنصاعة الحجة وقوتها، واستقامة الشخصية، والقدرة الفائقة على الاستدلال بنصوص القرآن، وكان رجلاً موسوعياً في إلمامه بالتراث الإسلامي وبمختلف تيارات الفكر المعاصر؛ حيث أسهم بقسط وافر في بناء هذا الصرح، وتعد لبناته الفكرية والأدبية التي وضعها بالجهد والعرق بمثابة الأساس الذي بني عليه الكثيرون من تلامذته مشاريعهم الفكرية، ورؤاهم الفلسفي.

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي الدكتور "عبد اللطيف العبد" هذا المثقف الشامل حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون على أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا الأستاذ الاكاديمى، فتحية طيبة للدكتور "عبد اللطيف العبد" الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

رحم الله الدكتور " عبد اللطيف العبد "، الذي صدق فيه قول الشاعر: رحلتَ بجسمِكَ لكنْ ستبقى.. شديدَ الحضورِ بِكُلّ البهاءِ.. وتبقى ابتسامةَ وجهٍ صَبوحٍ.. وصوتًا لِحُرّ عديمَ الفناءِ.. وتبقى حروفُكَ نورًا ونارًا.. بِوَهَج الشّموسِ بغيرِ انطفاءِ.. فنمْ يا صديقي قريرًا فخورًا .. بما قد لقيتَ مِنَ الاحتفاء.. وداعًا مفيدُ وُلِّيت المنايا.. تخَطتْكَ حتى يُحْمَ قضائي.. فلو مُتّ قبلكَ كنتُ سأزهو.. لأنّ المفيدَ يقولُ رثائي.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

دام يراعك وقام شراعك .. ولكن لا أدري - يا صديقي- كيف سوّغت لنفسك قبول هذه الكلمة التي يقولها "جورج أورويل" وهو يستجدي العطف استجداءًً مخزياً فيعلق ثقته بنفسه على إظهار الآخرين .. هذه ضعة لا يحسن معها إحسان المرء لنفسه ولا ثقته فيها فينتظر من النّاس أن يهبونها إيّاه.

مجدي ابراهيم
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5435 المصادف: 2021-07-23 02:24:23


Share on Myspace